ذكر في "الشرح الصغير" ما حاصله الجواز.
فقال:
وفي الإعتاق طريقان:
أظهرهما: أنه على القولين.
والثاني: القطع بالمنع، هذا لفظه ولم يذكر غيره.
وقد صحح النووي أيضًا في "الروضة" و"المنهاج" أنه لا يجوز، وصحح في "تصحيح التنبيه" الجواز فإن الشيخ حكى قولين في مسائل كثيرة منها العتق والكتابة فصحح -أعني النووي- في كلها أنه يجوز، فقال ما نصه: وصحة تبرعات المكاتب بإذن.
قوله: فإن قلنا بنفوذ العتق، ففي قول ولاؤه للسيد والأظهر: أنه موقوف، فإن عتق كان الولاء له، وإن مات رقيقًا كان للسيد، وإن عجز ورق فحكى الإمام أنه يبقى التوقف لأنه يرتقب عتقه من وجوه أخر.
واعترض عليه بأن الكتابة قد انقطعت والعتق من وجه آخر لا يتعلق بما سبق والذي اعترض به هو الذي يوجد لعامة الأصحاب لا غير.
انتهى.
وما نقله عن الأصحاب لا غير قد تابعه عليه في "الروضة" وعبر بقوله قطع به الأصحاب، لكن الذي ذكره الإمام، قد أبداه القاضي الحسين في تعليقه احتمالًا.
قوله: [فلو مات] 1 المعتق قبل موت المكاتب وعوده إلى الرق فالميراث موقوف أيضًا، وفي قول: إنه للسيد، لأن الولاء قد يثبت الشخص ثم ينتقل عنه، فلا يبعد فيه التوقف بخلاف الميراث، وفي قول ثالث: إنه لبيت المال: كما إذا كاتب الذمي عبدًا ولحق بدار الحرب فاسترق وعتق مكاتبه ومات، صرف ماله لبيت المال.
انتهى.
وتعبيره في أول الكلام بقوله قبل موت المكاتب وعوده إلى الرق، قد ذكره أيضًا في "الروضة" وهو تحريف، وصوابه قبل عتق المكاتب، فإن ذلك بيان لما أخبر عنه قبل ذلك، بقوله: فإن عتق المكاتب كان الولاء له، وإن مات رقيقًا كان للسيد، فذكر هنا الحكم فيما إذا مات قبل الأمرين.
ولهذا عبر في "المهذب" بقوله قبل عجز المكاتب أو عتقه.
قوله: وإذا أذن السيد للمكاتب في وطء الجارية وتسريها، فقد بني ذلك على أن العبد هل يملك بالتمليك؟ إن قلنا لا، لم يحل له الوطء ولا التسري وهو الأصح.
وإن قلنا: نعم فقيل يحل، وقيل ينبني على الخلاف في تبرعاته بالإذن.
وعن ابن أبي هريرة طريقة قاطعة بالمنع لضعف الملك.
انتهى كلامه.
وحاصله تصحيح المنع، ولهذا عبر عنه في "الروضة" بقوله المذهب منعه، وذكر قبيل كتاب الصداق بأوراق قلائل ما يخالفه فقال في الكلام على تزويج العبد: إن فيه قولين مبنيين على الخلاف في تبرعاته.
انتهى.
وعبر في "الروضة" عنه بقوله فيه القولان في تبرعاته، وهو أظهر في المخالفة وذكرها أيضًا في "زوائده"، في آخر باب معاملات العبد، وعبر بمثل ما عبر في النكاح.
والصواب المنع، فقد نص عليه الشافعي فقال في البويطي في باب الكتابة ولا يتسري المملوك ولا المكاتب وإن أذن له سيده، وقال في "الأم" في أول باب تسري المكاتب ما نصه: قال الشافعي وليس للمكاتب أن يتسرى بإذن سيده ولا بغير إذن سيده.
وذكر أيضًا مثله في باب ما اكتسب المكاتب فقال: وليس للمكاتب أن
يتسرى وإن أذن له سيده.
انتهى ومن "البويطي" و"الأم" نقلت.
وليس المنع في التسري لكون الشافعي يمنع المحاباة، بل منع ذلك مع التصريح بجواز غيره من التبرعات كما صرح به في "الأم" في مواضع من باب بيع المكاتب وشرائه فاعلمه.
وما ذكره الرافعي هنا من البناء على أن العبد هل يملك أم لا؟ قد ذكره أيضًا في مواضع ومقتضاه الخلاف في أن المكاتب هل يملك؟ وقد صرح به غيره، وحذف النووي البناء المذكور.
قوله: ولو أذن له في التكفير بالإطعام أو بالكسوة ففيه قولان.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا والصحيح هو الجواز.
ممن صححه النووي في "تصحيح التنبيه" فإن الشيخ حكى فيه وفي غيره قولين من غير ترجيح، فعبر النووي بلفظ جامع للكل، وحكم عليه بالصحة، وصرح بتصحيحه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية"، وعبر بالأصح.
قوله: ولو أذن في التكفير بالإعتاق [وصححنا إعتاقه بالإذن وتوقفنا في الولاء فنتوقف في الإجزاء أيضًا فإن عجز بان أنه لم يجزئه وعليه أن يكفر بالصوم والظاهر أنه لا يجوز تكفيره بالإعتاق] 1، وعن القفال أنه إذا عتق بإذن السيد، وجعلنا الولاء للسيد فينبغي أن يجزئ عن كفارته إذا نوى.
انتهى كلامه.
واعلم أنه قد سبق في آخر الباب الثاني من كتاب الأيمان ما يخالف المذكور هنا فنقل ما حاصله، أنا إذا صححنا العتق بإذنه أجزأ التكفير مطلقًا، سواء قلنا الولاء له أو للسيد أو موقوف.
واعلم أن حاصل ما ذكره الرافعي في تكفير المكاتب بالإعتاق ثلاثة أقوال:
الأول: عدم الإجزاء مطلقًا وهو الصحيح.
والثاني: الإجزاء.
والثالث: الوقف، وقد اختصره في "الروضة" بعبارة لا يعلم منها الثالث، فقال: لم يجزئه على المذهب، هذا لفظه من غير زيادة.
قوله: ولو اشترى المكاتب بعض من يعتق على سيده أو اتهبه وقبل الوصية، ثم رق عتق ذلك الشقص على السيد، وهل يسرى إلى الباقي؟ إن كان موسرًا ينظر إن عجز المكاتب نفسه بغير اختيار عجزه السيد فوجهان لأن المقصود فسخ الكتابة والملك يحصل قهرًا.
انتهى.
لم يصحح في "الشرح الصغير" ولا في "الروضة" أيضًا شيئًا من الوجهين، والصحيح أنه لا يسري كذا رجحه الرافعي في العتق في الكلام على الشرط الثاني من شروط السراية وهو الاختيار.
فقال: أشبههما لا، ويحكى عن ابن الحداد هذا لفظه، وقال في "الروضة" هناك: إنه الأصح.
قوله: ولو اتهب العبد القني بعض من يعتق على السيد بغير إذنه وقلنا بالصحيح أنه يصح اتهابه بغير إذن سيده.
ولم يتعلق به لزوم النفقة، ففي صحة القبول قولان:
أحدهما: لا يصح لأنه يعتق عليه ذلك البعض ويسري.
وفي التقويم على السيد إضرار به.
وأظهرهما: أنه يصح ولا يسرى لحصول الملك بغير اختياره كما لو ورث.
ثم قال: وفي "الوسيط" وجه آخر أنه يصح ويعتق ويسري ويجعل
اختيار العبد كاختياره، كما يجعل قوله كقبوله ولم أجد هذا الوجه في "النهاية".
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من تضعيف عدم السراية حتى أنه أنكره ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" بعبارة هي أبلغ في الإنكار مما ذكره هنا فقال: والذي حكاه الغزالي لا ذكر له في "الوسيط" ولا في غيره هذا لفظه، والذي قاله غريب جدًا، فقد جزم هو في كتاب العتق بما أنكره هنا، فقال في آخر الخاصة الثانية من خواصه: ولو وهب من العبد بعض من يعتق على سيده فقيل: وقلنا: لا يفتقر قبوله إلى إذن السيد، عتق الموهوب على السيد وسري لأن قبول العبد كقبوله شرعًا هذا لفظه بحروفه، ووقع هذا الاختلاف العجيب في "الروضة" أيضًا، غير أنه لما ذكر ما في العتق استشكله فقط، فقال: قلت هذا مشكل، وينبغي أن لا يسري لأنه قهري كالإرث والله أعلم.
واقتصر في "الشرح الصغير" على ذكر المسألة في هذا الباب.
قوله: في "الروضة": فرع: وهب للمكاتب بعض أبيه فقبله وصححنا قبوله فعتق المكاتب عتق عليه ذلك الشقص.
فهل يقوم عليه الباقي؟ إن كان موسرًا وجهان: أصحهما نعم قاله ابن الحداد، وصححه الشيخ أبو علي ومنع القفال.
انتهى.
لم يصحح الرافعي شيئًا وإنما نقله عن تصحيح الشيخ أبي علي.
قوله: أيضًا فيها: فرع: اشترى المكاتب ابن سيد.
ثم باعه بأبي السيد صح وملك الأب فإن رق المكاتب صار الأب ملكًا للسيد، وعتق عليه وإن وجد به عيبًا لم يكن له الرد، وله الأرش، وهو جزء من الثمن، فإن نقص العيب عشر قيمة الأب، رجع بعشر الابن الذي هو الثمن ويعتق ذلك العشر، ولا يقوم الباقي على السيد إن كان المكاتب عجز نفسه، وكذا إن عجزه
سيده على الأصح.
انتهى.
وهذا التصحيح إنما نقله الرافعي عن الشيخ أبي علي فقط كالمسألة قبلها ثم نقل بعده عن الإمام وجهين في أن الأرش هل ينقلب إليه قهرًا أم لا يملكه إلا بالاختيار؟ فإن قلنا بالأول ففيه وجهان، وإن قلنا بالثاني فالظاهر السراية هذا كلامه.
قوله فيها: فلو وطء المكاتب جاريته فولدت قبل عتقه، فالولد نسيب يتوقف عتقه، على عتق أبيه، ولا تصير الأمة مستولدة في الحال على المذهب، فإن عتق ففي مصيرها أم ولد قولان، ثم قال: وإن ولدته بعد عتقه فإن كان لدون ستة أشهر كان كما لو ولدته قبل العتق، وإن كان لستة أشهر فأكثر من يومئذ، فقد أطلق الشافعي -رحمه الله- أنها تصير مستولدة.
وللأصحاب طريقان أصحهما أن هذا إذا وطيء بعد الحرية، وولدت لستة أشهر فصاعدًا من حين الوطء لظهور العلوق بعد الحرية.
والولد والحالة هذه لا ولاء عليه إلا بالولاء على أبيه، ولا ينظر إلى احتمال العلوق في الرق تغليبًا للحرية، فأما إذا لم يطأها بعد الحرية فالاستيلاد على الخلاف.
والثاني: يثبت الاستيلاد وطء بعد الحرية أم لا لأنها كانت فراشًا قبل الحرية والفراش مستدام بعدها، وإمكان العلوق بعدها قائم فيكتفي به.
انتهى كلامه.
أما القولان المذكوران في الاستيلاد من غير ترجيح، فالصحيح منهما عدم الثبوت فإنه صحح ذلك في "المحرر" و"المنهاج" ولم يفصل بين ما قبل العتق وما بعده وهو مقتضى كلام الرافعي في "الشرحين" لمن تأمله، وأما التصحيح الذي ذكره في الطريقين المذكورين بعد ذلك فليس للرافعي، إنما نقله عن البغوي خاصة.
الحكم الرابع: في ولد المكاتبة
قوله: وولد المكاتبة من نكاح أو زنا يثبت له حكم الكتابة.
وفي قول لا.
فعلى الأول يكون الملك فيه للسيد في أظهر القولين لكن يوقف كسبه، وأرش الجناية عليه فإن عجزت الأم فأرادت أن تأخذ من كسب ولدها المرقوق، وتستعين به في أداء النجوم فهل تجاب؟ قولان أظهرهما المنع.
انتهى.
لم يصحح الرافعي شيئًا من القولين، وإنما نقله عن تصحيح الإمام.
قوله: وأما ولد المكاتب من جاريته فملك للمكاتب يتكاتب عليه، وإذا عتق وكان له كسب كان للمكاتب لا للولد، ولو جنى هذا الولد، وتعلق الأرش برقبته فقد حكى الإمام عن العراقيين أنه إن كان له كسب فله أن يفديه، وإن لم يكن له كسب وأراد أن يتبعه فله أن يتبع جميعه، وإن زاد على قدر الأرش ثم يصرف قدر الأرش إلى المجني عليه، ويأخذ الباقي ثم غلط من صار إليه، وقال: الصحيح أنه لا يفدي ولده وأن يفديه من كسبه لأن كسب الولد كسائر أموال الكتابة والفداء كالشراء، وليس له صرف المال الذي يملك التصرف فيه إلى عرض ولده.
الذي لا يملك فيه التصرف، فإنه بمثابة التبرع.
قال: والصحيح أنه إذا باع لا يتبع منه إلا قدر الأرش كالمرهون.
انتهى كلامه.
فأما فداء الولد فالصحيح فيه المنع كما قاله الإمام.
كذا جزم به الرافعي قبل هذا بأوراق في الفصل المعقود لتصرفات المكاتب في الكلام على شراء القريب.
وأما الذي قاله ثانيًا وهو أنه لا يتبع إلا قدر الأرش فإنه الصحيح أيضًا، نص عليه الشافعي في "الجامع الكبير" كذا نقله العمراني في "الزوائد" وحكى عن الشيخ أبي حامد وجهين:
أحدهما: هذا.
والثاني: أن الأرش لا يتعلق برقبته ولا يباع لأن الشرع قد منع من بيع الآباء والأبناء وجزم في "الشامل" أيضًا بأنا إنما نبيع الجميع عند تعذر بيع البعض.
وقد علمت بما ذكرناه أن إطلاق الإمام النقل عن العراقيين غير مستقيم، وقد تفطن له الرافعي بعد ذلك في أثناء الحكم الخامس فاستدرك على الإمام فقال: ولا يوجد هذا في كتبهم على هذا الإطلاق لكن قالوا يباع منه بقدر الأرش، فإن لم يتيسر بيع كله، وأدى من ثمنه الأرش والفاضل للسيد هذا كلامه.
واعلم أن قول الرافعي أنه يتكاتب عليه مع ما ذكره في الكسب من كونه للمكاتب لا للولد لا يستقيم.
قوله: في "الروضة" في المسألة: فإذا فداه لا ينفذ تصرفه بل يتكاتب عليه كما لا ينفذ إذا اشتراه.
انتهى كلامه.
وهو عجيب من وجوه، منها أنه قد سبق ذكره قبل هذا بأحرف.
ومنها أنه عقبه بكلام الإمام والإمام مانع للفداء، فتأمل كلام "الروضة" يظهر لك خلله واضحًا، فإنه يظهر بتذكر جملة كلامه، ولولا خشية الإطالة لذكرته لكن فيما ذكرته تنبيه عليه، والسبب في ما وقع فيه النووي أن الغزالي في "الوجيز" ذكره تعليلًا لمنع الفداء، وتوجيهًا في إلحاقه بالشراء فتكلم الرافعي عليه عقب فراغ المسألة على عادته في ألفاظ "الوجيز" فظن المصنف أنها مسألة لم تتقدم فنص عليها فوقع في الخلل.
قوله: وولد المكاتبة من عبدها يشبه أن يكون كولد المكاتب من جاريته وأولاد [أولاد] 1 المكاتبة كأولادها، انتهى كلامه.
والمسألة الأخيرة وهي الكلام على أولاد الأولاد، قد أسقطها النووي من "الروضة" وذلك لأن كثيرًا من نسخ الرافعي قد سقط منها لفظ أولاد من قوله أولاد أولاد فوقعت تلك النسخة للنووي فرأى الكلام غير منتظم فأسقطه.
قوله: والأمة المشتركة إذا كاتبها المالكان ثم وطئها أحدهما، وهو معسر فحبلت منه ومات الواطء بعد فسخ الكتابة عتق النصف والباقي قن، وفي الولد وجهان.
قال ابن أبي هريرة: ينعقد كله حرًا، وقال أبو إسحاق نصفه حر ونصفه رقيق، وفي "التهذيب" أن هذا أصح، انتهى.
وهذه المسألة قد اختلف فيها كلام الرافعي وكلام "الروضة" من وجهين أحدهما في أن الخلاف وجهان أو قولان، والثاني في الأصح من الخلاف، وقد أوضحت الأمرين في كتاب السير.
قوله: في المسألة في "الروضة" وإن كان موسرًا سرى الاستيلاد بعد عجز المكاتب نفسه وفي قول في الحال فعلى هذا يجب على الواطيء للشريك نصف مهرها، ونصف قيمتها، وأما قيمة نصف الولد ففي وجوبه قولان.
انتهى.
واعلم أن تعبيره في الأم بنصف القيمة وفي الولد بقيمة النصف غير مستقيم بل الصواب التسوية بينهما في التعبير، وقد عبر الرافعى فيهما بنصف القيمة فعدل المصنف عنه في أحدهما دون الآخر وهو غريب.
وقد تقدم ذكر المسألة أيضًا في العتق في آخر الكلام على السراية، وتقدم أيضًا هناك الفرق بين العبارتين.
قوله: أيضًا في المسألة فلو وطئاها معًا وأتت بولدين واتفقا على أن هذا من ذا وذاك من ذلك، واتفقا على السابق منهما نظر، إن كانا موسرين أو الأول فقط صارت مستولدة للأول.
ثم قال: وأما الثاني فإن وطئها بعدما صار جميعها مستولدًا للأول.
وهو عالم بالحال لزمه الحد وولده رقيق وإن كان جاهلًا، فالولد حر وعليه تمام قيمة الولد يوم الوضع، ويكون جميعها للأول إن ارتفعت الكتابة في نصيبه، وإن بقيت فنصف المهر له ونصفه للمكاتبة.
ونصف قيمة الولد ونصفها على الخلاف في ولد المكاتبة، انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره بالنسبة إلى قيمة الولد كلام ناقص، وكأنه سقط منه لفظة واحدة وهي له، ويكون أصله ونصف قيمة الولد له ونصفها على الخلاف.
وقد اشتبه ذلك على النووي فحذف النصف الثاني فقال: ونصف قيمة الولد على الخلاف، هذا لفظه وهو غريب حيث تكلم على نصف دون نصف.
الحكم الخامس: في جناية المكاتب والجناية عليه
قوله: أحدها إذا جنى المكاتب على أجنبي فطولب بالأرش فدى نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية.
والقديم أنه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ فإن لم يكن في يده مال بيع في الجناية ولو أعتقه السيد، أو أبرأه من النجوم لزمه الفداء لأنه فوت متعلق حق المجني عليه، ثم قال: وبم يفديه السيد؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين.
والثاني: القطع بأنه يفديه بالأقل بخلاف حال بقاء الكتابة، فإن الرق باق ولو بيع فربما رغب فيه راغب بأكثر من قيمته.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على عدم الترجيح لشيء من الطريقين، والأصح هو طريقة القطع كذا صححه الرافعي في العبد القن إذا جنى فأعتقه سيده، مع أنه أقرب إلى البيع من المكاتب، ففي المكاتب بطريق الأولى.
كذا ذكره الرافعي في أواخر الجنايات قبيل الكلام على الغرة.
قوله: الثانية إذا جنى المكاتب على عبد سيده أو على طرفه فعفي المستحق على مال أو كانت الجناية موجبة للمال تعلق الواجب بما في يده لأن السيد مع المكاتب في المعاملات، كالأجنبي مع الأجنبي، فكذلك في الجناية، وما الذي يلزم المكاتب، أيلزم الأرش بالغًا ما بلغ أو الأقل؟ فيه القولان المذكوران في الجناية على الأجنبي.
فإن قلنا يلزم الأرش بالغًا ما بلغ، وكان أكثر من قيمته.
فعن الشيخ أبي حامد أن له أن يفدي نفسه به وعن القاضي أبي الطيب أن فيه الخلاف في هبته من سيده.
قال ابن الصباغ، وهذا يقتضي أن يقال للسيد أن يمتنع من القبول؛ لأنه لا يلزمه قبول الهبة، وعندي أنه يلزمه القبول إذا أمكنه أداؤه، وأداء مال الكتابة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من اشتراط أداء مال الكتابة، مقتضاه أنه لا فرق فيه بين الحال والمؤجل، وليس كذلك بل العبرة بالحال خاصة.
كذا صرح به في غير هذا الموضع، ثم إن المصنف لم يستوف كلام ابن الصباغ على وجهه، فإنه قال: وعندي أنه يلزمه أي السيد قبول ذلك، لأن المكاتب لا يمكنه أن يفدي نفسه إلا بذلك فإذا أمكنه أن يؤدي ذلك ويؤدي ما عليه من الكتابة لم يكن للسيد الامتناع، وإن كان ما بيده لا يفي بما عليه، كان للسيد مطالبته وتعجيزه، فإذا عجزه وفسخ الكتابة سقط عنه مال الكتابة وأرش الجناية، لأنه عاد قنًا.
هذا كلامه، وما ذكره أيضًا من سقوط الأرش، قد حصل فيه اضطراب أوضحته في الباب الثالث من أبواب الرهن.
قوله: وإذا عجز بسبب الأرش أو النجوم ورق فهل يسقط الأرش أو يكون في ذمته إلى أن يعتق؟ فيه وجهان:
أظهرهما الأول، وهما كالوجهين في ما لو كان له على غيره دين فملكه هل يسقط؟ انتهى كلامه.
وقد ظهر لك مما ذكرناه في المسألة السابقة اختلاف كلام الرافعي في هذه المسألة.
قوله: ولو وجب للسيد على المكاتب مال بسبب جناية، ثم أعتقه أو أبرأه عن النجوم فإن لم يكن في يده شيء سقط الأرش، لأنه أزال الملك عن الرقبة، التي كانت متعلق الأرش وإن كان في يده مال فوجهان: أحدهما: لا يتعلق الأرش به، لأن الأرش كان متعلقًا بالرقبة [وقد
تلفت وأظهرهما المنع والتوجيه المذكور ممنوع.
بل الأرش متعلق بالرقبة] 1 وبما في يده.
انتهى كلامه ملخصًا.
وما ذكره هنا من أن هذا المال الذي للسيد متعلق برقبة المكاتب، قد ناقضه بعد هذا بنحو عشرة أسطر، فقال: ثم ظاهر ما رددوه في هذا الموضع ونص عليه الشافعي أنه يجب الأرش بالغًا ما بلغ، ثم قال ما نصه: وفرق بين ما نحن فيه وبين ما إذا جنى على أجنبي، ثم أدى النجوم حيث ذكرنا خلافًا في ما يجب عليه بأن الواجب في الجناية على السيد لا يتعلق برقبة المكاتب، وإنما هو في ذمته فيجب بكماله كما لو جنى حر على حر، وأرش الجناية على الأجنبي يتعلق بالرقبة، فجاز ألا يزاد عليها ومنهم من طرد القول الآخر، وهو وجوب أقل الأمرين، وقال: العتق لا يغير ما تقدم وجوبه، هذا كلامه وهو عجيب سلمت منه "الروضة"، فإنه لم يذكر الثاني.
قوله: الثالثة عبد المكاتب إذا جنى على أجنبي، وتعلق المال برقبته، يباع فيها إلا أن يفديه السيد، انتهى.
ويستثنى من إطلاق الفداء ما إذا كان العبد آبقًا، فإنه لا يجوز فداؤه، كذا نقله البندنيجي في التعليق عن نص الشافعي وهو ظاهر.
قوله: وإذا أفداه السيد فداه الأقل من الأرش ومن قيمته، وفي قول بالأرش ثم قال ثم ظاهر لفظ المختصر أنه تعتبر قيمة العبد يوم الجناية، لأنه يوم تعلق الأرش وعن ابن خيران أنه يجيء قول آخر، أنه تعتبر قيمة يوم الاندمال بناء على أنه وقت المطالبة بالمال.
وحكي عن القفال أنه تعتبر قيمة يوم الفداء لأن المكاتب إنما يمنع من بيعه، ويستديم الملك فيه يومئذ، وذكر القاضي ابن كج أن المذهب اعتبار
أقل القيمتين من قيمته يوم الجناية، وقيمته يوم الفداء احتياطيًا للمكاتب، وإبقاء للمال عليه، ونسب هذا إلى لفظه في "الأم".
انتهى كلامه.
[وظاهره رجحان أقل القيمتين.
فإن توقف متوقف في أخذه من هذا الكلام] 1 لم يؤخذ منه ترجيح غيره قطعًا.
إذا علمت ذلك فقد أغرب في "الروضة" فصلح الأول فقال ما نصه:
الأصح، وظاهر نصه في المختصر يوم الجناية، ثم ذكر ما في كلام الرافعي فاعلمه.
قوله: وإذا ثبت للمكاتب قصاص فعفي عنه مجانًا سقط القصاص، ثم إن قلنا موجب الحمد أحد الأمرين لم يسقط المال إن عفي بغير إذن السيد، وإن عفي بإذنه ففيه الخلاف في تبرعه بالإذن، وإن قلنا موجب العمد القصاص إلى آخره.
واعلم أن النووي في "الروضة" قد أسقط التفريع على القول الأول وهو الموجب لأحد الأمرين وكأنه سقط من نسخه من موجب العمد إلى موجب العمد، أو انتقل نظره منه إليه.
قوله: في "الروضة": وحيث يثبت المال للمكاتب بالجناية على طرفه، فهل يستحق أخذه في الحال أم يتوقف على الاندمال؟ قولان كالجناية على الحر، وقيل: يستحقه في الحال قطعًا، مبادرة إلى تحصيل العتق.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن جزمه في الحر بطريقة القولين مخالف لما ذكره في كتاب الجنايات، في آخر باب القصاص في الأطراف، فإنه حكى هناك طريقين وصحح طريقة القطع بأنه يتوقف على الاندمال وقد ذكرت لفظه فراجعه.
الأمر الثاني: إذا فرعنا على أن المكاتب يستحق الأخذ في الحال، فهل يختص ذلك بما إذا ترتب العتق على المأخوذ بأن كان وافيًا بالذي عليه، أو لا يختص به.
فيه وجهان من غير ترجيح، حكاهما الرافعي في الجنايات في الموضع المشار إليه عن النهاية وحذفهما النووي من هناك، ظنًا منه أنهما يذكران في هذا الموضع فلزم خلو "الروضة" عن هذه المسألة.
قوله: ولو جنى على طرف المكاتب عبده فله القصاص، وإن كانت الجناية خطأ أو عفي على مال، فلا يثبت له على عبده مال.
وهل له أن يبيع منه بقدر الأرش؟ فيه الوجهان المذكوران، في ما إذا جنى ابن المكاتب الذي يكاتب عليه على عبد آخر، انتهى كلامه.
وقد أسقط النووي من الروضة المسألة الأخيرة، وهي مسألة البيع.