كتاب صلاة المسافرين
وفيه بابان:
الباب الأول في القصر
قوله: وإذا جاوز السور فلفظ الكتاب كالصريح في أن الترخص لا يتوقف على شيء آخر، ونقل كثير من الأئمة ما يوافقه، لكن في بعض التعاليق للمروزيين أنه إن كان خارج السور أو دور متلاصقة أو مقابر فلابد من مفارقتها، ويقرب من هذا إيراد الكلام في "التهذيب" وهو أوفق لكلام الشافعي.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أنه ليس فيه تصريح بتصحيح غير أنه يؤخذ منه رجحان الاشتراط، وبه صرح في "المحرر" فقال: وإذا كان وراء السور عمارات فالأشبه أنه لابد من مجاوزتها، وذكر ما يخالفه في "الشرح الصغير" فقال: لا يشترط مجاوزة ذلك، على ما نقله كثير من الأئمة وفي كلام بعضهم ما يدل على اشتراطه.
هذا لفظه.
وهو يقتضي أن الاشتراط ضعيف غير مصرح به، وصحح النووي في "الروضة" أنه لا يشترط، ولم ينبه على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له، فإنه غريب على العكس مما يؤخذ منه، وصححه أيضًا في "شرح المهذب" وقال فيه: إنه المذهب الذي قطع به الجمهور.
قال: وعجب من الرافعي في "المحرر" حيث رجح الاشتراط مع ترجيحه عدمه في "الشرح".
والذي قاله النووي فيه غريب، والسبب فيه أنه لما لخص "الروضة" من
الجزء: 3 - الصفحة: 349
"الشرح" التلخيص المعروف المشتمل على المخالفات المشهورة صار ينقل منها، ويعزي إلى الرافعي ظنًا أنه وفي بكلامه ولم يخالفه.
وبالجملة فالفتوى على عدم الاشتراط لذهاب الجمهور إليه كما تقدم.
الأمر الثاني: أن ملاصقة الشئ للشئ معناه أن لا يكون بينهما حائل بالكلية، وهذا غير شرط، بل الشرط إنما هو التواصل المعتاد.
قوله: إلا إذا كانت تعني البساتين والمزارع فيها قصور ودور يسكنها ملاكها في جميع السنة أو في بعض فصولها فلابد من مجاوزتها حينئذ.
انتهى كلامه.
تابعه النووي في "الروضة" على اشتراط مجاوزتها أيضًا، ثم خالف ذلك في "شرح المهذب" فقال بعد أن حكى هذه المقالة ما نصه: ولم يتعرض الجمهور لذلك، والظاهر أنه لا يشترط لأنها ليست من البلد، ولا تصير منه بإقامة بعض الناس فيها بعض الفصول.
انتهى.
وقد فصل الرافعي أيضًا في "الشرح الصغير" كما فصل في "الكبير"، وأطلق في "المحرر" أنه لا يجب مجاوزة البساتين، وتبعه النووي على ذلك في "المنهاج" وإذا علمت ما تقدم علمت أن المعنى عليه عدم الاشتراط.
قوله: ولو نوى إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج لم يترخص.
تابعه عليه في "الروضة" وشرطه أن يكون ماكثًا فإن كان سائرًا لم يؤثر قطعًا كما قاله في "شرح المهذب".
قوله من "زياداته": ولو نوى العبد أو الجيش أو المرأة إقامة أربعة، ولم ينو السيد ولا الأمير ولا الزوج ففي لزوم الإتمام في حقهم وجهان: الأقوى: جواز القصر، لأنهم لا يستقلون فنيتهم كالعدم.
انتهى كلامه.
الجزء: 3 - الصفحة: 350
فيه أمران:
أحدهما: أن حكاية الوجهين في العبد والمرأة صحيح وأما الجيش فإجزاء الوجهين فيه احتمال لصاحب "البيان" على ما بينه في "شرح المهذب"، فإنه قد قال فيه ما نصه: ولو نوى الجيش الإقامة دون الأمير قال العمراني: احتمل الوجهين في العبد والمرأة.
هذا لفظه.
وهو يدل على أن المسألة ليس فيها وجهان ثابتان فكيف يجزم بحكايتهما في "الروضة"؟ .
الأمر الثاني: أنه قد جزم بعده بنحو ورقة يما يخالف هذا الحكم فقال في ضمن فرع: ولو سار الجندي بسير الأمير، ولم يعرف مقصده فنوى الجندي سفر القصر، فله القصر، لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره بخلاف العبد والمرأة.
انتهى.
فجعل نية السفر معتبرة من الجندي، وتلزم منه ضرورة تصحيح نية إقامته بل أولى لأنها الأصل.
وحينئذ فيناقض قوله أولًا أنه لا يعتبر بنية الإقامة، وسأذكر المسألة أيضًا في موضعها.
قوله: فرع:
إذا سافر العبد بسير المولى، والمرأة بسير الرجل، والجندي بسير الأمير، ولا يعرفون مقصدهم لم يجزلهم الترخص.
انتهى كلامه.
قال في "شرح المهذب": كذا أطلقه الرافعي تبعًا للبغوي، ويتعين حمله على ما قيل بمجاوزة مرحلتين، وإن قطعوها قصروا كما قالوه في الأسير في يد الكفار، والذي ذكره النووي بحثًا قد صرح به صاحب "التتمة".
قوله: الأمر الثالث: صورة الإقامة فإذا عرض له شغل في موضع فأقام
الجزء: 3 - الصفحة: 351
فيه فله حالان:
أحدهما: أن يكون الشغل بحيث يتوقع تنجزه لحظة فلحظة، وهو على عزم الارتحال متى ينجز فأقوال:
أصحها: جواز القصر إلى ثمانية عشر يومًا، سواء كان محاربًا أم غيره.
انتهى ملخصًا.
ويظهر أن يكون الجمع والقصر وغيرهما من الرخص حكمها حكم القصر في جواز تعاطيها في هذه المدة، وإنما عبروا بالقصر هنا لكون الباب معقودًا له.
ويدل عليه أن الغزالي في "الوجيز" قد عبر بالترخص وهو شامل للجمع، ويحتمل احتمالًا قويًّا أن يقال: يختص الجواز بالقصر كما صرحوا به، لأن توقع قضاء الحاجة لا يقتضي الترخص مطلقًا، بدليل أنه لا يقصر به بعد ثمانية عشر يومًا، وإنما يقتضي الترخص به فيما ورد، وهو الثمانية عشر لأن الأصل عدمه إذ هو في هذه المدة مقيم.
وهذا المعنى تعيينه يدل على امتناع ما عدا القصر، بل أولى لأن القصر قد ثبت جوازه من حيث الجملة فيما نحن فيه، فإذا منعوا القصر لعدم وروده مع ورود أصله فبطريق الأولى أن يمتنع الصوم لعدم [وروده مع] 1 ورود أصله [فينظر أصله] 2.
قوله: الثاني: أن يعلم أن شغله لا يفرغ في ثلاثة أيام كالمتفقه والتاجر في أموال كثيرة.
وإن كان محاربًا وقلنا: إن المحارب لا يقصر في الحالة الأولى، فهاهنا أولى، وإلا فقولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 352
فإن قلنا: يقصر، فهل يزيد على ثمانية عشرة؟
فيه قولان كالحالة الأولى.
انتهى.
وقد اختصره في "الروضة" بقوله: فإن قلنا في الحالة الأولى: لا يقصر، فهاهنا أولى، وإلا فقولان:
أحدهما: يترخص أبدًا.
والثاني: ثمانية عشر.
هذا لفظه.
وفيه خلل من وجهين:
أحدهما: النقصان، وهو من قوله: "قولان" إلى قوله: "قولان".
الثاني: حذف قوله: "كالحالة الأولى" مع أنه يؤخذ منه تصحيح الاقتصار على الثمانية عشر إن قلنا بالقصر، وصحح في "شرح المهذب" الاقتصار عليه، لكنه وقع في الاعتراض الأول، وسببه أنه ينقل فيه ما لخصه في "الروضة" كما ذكرته لك غير مرة.
قوله: وأما كون السفر طويلًا فلابد منه، والطويل ثمانية وأربعون ميلًا بالهاشمي نسبة إلى هاشم جد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان قدر أميال البادية.
انتهى كلامه.
وما ذكره من نسبة ذلك إلى هاشم المذكور قد تبعه عليه ابن الرفعة أيضًا، وهو غلط، بل منسوب إلى بني هاشم، فإنهم فعلوا ذلك حين أفضت إليهم الخلافة، فإن بني أمية سبقوهم إلى تقديرها بأميال هي أكبر من هذه الأميال الهاشمية فغيروا التقدير، فكذلك قدرها الأصحاب بالهاشمية للاحتراز عن الأموية.
وقد نبه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" على ذلك فقال مشيرًا إلى الرافعي: وأخطأ بعض الشارحين "للوجيز" فأفحش فزعم أن ذلك نسبة إلى هاشم جد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكأنه لم يدر أن النسبة إلى بني هاشم هاشمي، ثم
الجزء: 3 - الصفحة: 353
إنه لا يخفى أن ذلك لا يلائم حال هاشم، إنما يلائم حال بنيه حين أفضت الخلافة إليهم.
قوله: وهذه الأميال ستة عشر فرسخًا، وهي أربعة بُرد، وهي مسيرة يومين معتدلين، والميل أربعة آلاف خطوة، والخطوة ثلائة أقدام.
فهل هذا الضابط تحديد أم تقريب؟ وجهان: الأصح على ما قاله الروياني أنه تحديد.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: اختلف كلام النووي في هذه المسألة فصحح في "الروضة" ما قاله الروياني، وعبر بالأصح، ولم ينبه على أنه من زوائده، وخالف في "المسائل المنثورة" فصحح أنه تقريب، وعبر أيضًا بالأصح، والأول هو المعروف، فقد جزم به المتولي في "التنبيه" وابن الصباغ في باب موقف الإمام والمأموم.
قال ابن الرفعة أيضًا: إنه الأصح.
الثاني: إذا قلنا بالتقريب فما المقدار الذي لا يضر نقصانه؟ لم يتعرض له الرافعي والنووي في كتبهما، وقد ذكره ابن يونس شارح "التنبيه" فقال: لا يضر نقصان الميل والميلين، ولم يذكر ابن الرفعة غيره.
قوله: واستحب الشافعي -رضي الله عنه- أن لا يقصر إلا في ثلاثة أيام للخروج من خلاف أبي حنيفة في ضبطه به.
انتهى.
نقل الماوردي في النكاح في الكلام على تزويج ابنته من الزنا عن القاضي أبي حامد أن الشافعي كره القصر في أقل من الثلاثة، وجزم به أيضًا في كتاب الرضاع في أثناء مسألة.
وكلام الرافعي المتقدم قاصر عن الدلالة عليه.
قوله: ونقل الحناطي وصاحب "البيان" قولًا أنه يجوز القصر في السفر
الجزء: 3 - الصفحة: 354
القصير بشرط الخوف.
انتهى.
حكاه أيضًا النووي في "شرح المهذب" وغيره، ثم نفاه -أعني: النووي- أيضًا في الحج من "شرح المهذب" فقال في الكلام على الجمع في نمرة ما نصه: وأما القصر فلا يجوز إلا لمن كان سفره طويلًا، وهو مرحلتان، وهذا لا خلاف فيه عندنا.
هذا لفظه فاختلف كلامه.
قوله: ولو نوى الخروج إلى مسافة القصر [ثم نوى الإقامة في بلد وسط الطريق إن كان من مخرجه إلى المقصد الثاني مسافة القصر ترخص وإن كان أقل فوجهان: أصحهما أنه يترخص ما لم يرحل، لأن سبب الرخصة قد انعقد فيستمر حكمه إلى أن يوجد ما يغير النية إليه] 3. انتهى.
وما ذكره من تصحيح الترخص تبع فيه البغوي، والمسألة كما قال القاضي حسين في تعليقه: هي نظير ما إذا سافر لمباح، ثم نقله إلى بعضه والصحيح فيها عند الرافعي والنووي منع الترخص.
وقياسه تصحيح المنع فيما إذا عَنَّ له في أثناء الطريق نقل القصد الأول إلى ما هو دونه، وصرح بتصحيحه القاضي الحسين في تعليقه، فبنى على قاعدة واحدة.
وأما البغوي فإنه لم يصحح شيئًا في النقل إلي المعصية، وصحح في هذا الجواز كما تقدم نقله عنه فليس في كلامه تنافٍ، بل ترجيحه في أحد المسألتين يؤخذ منه ترجيحه في الأخرى.
وأما الذي سلكه الرافعي فمتناف خارج عن القواعد وعن المنقول.
والصواب الذي يعني به هو المنع فيهما، ثم إن مقتضى كلام الرافعي في نظير المسألة، وهو الجزم بالمنع في العدد إذا بدا له بدون إقامة.
قوله: وإذا سافر العبد بسير المولى، والمرأة بسير الرجل، والجندي بسير
الجزء: 3 - الصفحة: 355
الأمير، ولا يعرفون مقصدهم لم يجز لهم الترخص.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، لكنه ذكر من زياداته بعد ذلك نقلًا عن الشافعي أن الكفار إذا أسروا رجلًا فساروا به، ولم يعلم أين يذهبون فلا يقصر إلا إذا سار معهم يومين، فإنه يقصر بعد ذلك.
وهذا التفصيل الذي ذكره هناك يأتي تعيينه في مسألتنا وقد نبه عليه في "شرح المهذب" فقال: إنه يتعين القول به، وأن يكون كلامهم محمولًا على ما إذا لم يقطعوا مسافة القصر، لكنه قد صرح قبل ذلك في نظيره بعكسه فقال في الفصل المعقود لطول السفر تبعًا للرافعي: ويشترط عزمه في الابتداء على قطع مسافة القصر، فلو خرج لطلب آبق أو غريم، وينصرف متى لقيه، ولا يعرف موضعه لم يترخص، وإن طال سفره كالهائم.
انتهى.
فجزم بمنع الترخص قطعه سفرًا طويلًا على عكس ما تقدم، وقد سبق قبل هذا بنحو ورقتين من زيادات النووي أن الجندي أيضًا ليس مستقلًا بنفسه.
وقد يجاب بأن سفر الأمراء يختلف، فإن سافر للقتال وجبت طاعته، وإن سافر لحاجة نفسه فتبعه أجناده على العادة لم تجب.
قوله: ولو أنشأ سفرًا مباحًا ثم نقله إلى معصية ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يترخص، لأن هذا السفر انعقد مباحًا.
والثاني: لا، كما لو أنشأه بهذه النية، وكلامهم يميل إلى ترجيحه.
انتهى ملخصًا.
ومحل هذا الخلاف إنما هو عند استمراره قصد المعصية، أما إذا طرأ هذا القصد ثم تاب فلا يأتي الوجهان، كذا نبه عليه الرافعي في [باب] 4
الجزء: 3 - الصفحة: 356
اللقطة، ولولا هذا النقل لكان لقائل [أن يقول] 5 الوجهان جاريان تاب أو لم يتب تنزيلًا للطارئ المقتضى لما هو الأصل منزلة المقارن.
قوله: حكى عن الشيخ أبي محمد أن المقيم إذا كان يدأب في معصيته ولو مسح على خفيه كان ذلك عونًا عليها فيحتمل منعه، واستحسن الإمام ذلك.
انتهى.
اختصره في "الروضة" بقوله: وفي وجه شاذ لا يجوز للمقيم العاصي المسح لقدرته على التوبة.
انتهى.
ودعواه أن الوجه في مطلق العصيان ليس [مطلقًا] 6 بل في عصيان خاص، وقد سبق في باب المسح مسألة ثالثة وهو ما لو كان عاصيًا بالإقامة وأنه كالعاصي بالسفر.
قوله: فأما الصبح فلا يجوز قصرها بالإجماع.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك.
فقد رأيت في "طبقات الفقهاء" للعبادي عن محمد بن نصر المروزي -من أصحابنا- أنه يجوز قصرها في الخوف إلى ركعة قال: كمذهب ابن عباس.
قوله في "الروضة": ثم العاصي بسفره لا يقصر، ولا يفطر، ولا يتنفل على الراحلة، ولا يجمع بين الصلاتين ولا يمسح ثلاثة أيام، وليس له أكل الميتة عند الاضطرار، وقيل: وجهان.
انتهى.
ذكر في باب المسح على الخف من "شرح المهذب" أنه لا خلاف في المنع من الأكل.
قوله: ولو سافر، والماضي من [الوقت] 7 دون ما يسع الصلاة، فقد
الجزء: 3 - الصفحة: 357
قال في "النهاية": ينبغي أن يمتنع القصر إن قلنا: إنه يمتنع لو كان الماضي قدرًا يسع الصلاة بخلاف ما لو حاضت بعد مضي القدر الناقض، فإنه لا تلزمها الصلاة على المذهب لأن عروض السفر، لا ينافي إتمام الصلاة وعروض الحيض ينافيه.
انتهى.
قال في "شرح المهذب": هذا الذي ذكره إمام الحرمين شاذ مردود، فقد اتفق الأصحاب على أنه إذا سافر قبل أن يمضي من الوقت زمن يسع تلك الصلاة جاز له القصر.
ونقل القاضي أبو الطيب إجماع المسلمين أنه يقصر.
قالوا: وإنما الخلاف إذا مضى قدر الصلاة قبل أن يسافر.
والفرق أنه إذا مضى قدرها كان في معنى من فاتته صلاة في الحضر ولا يوجد هذا المعنى فيمن سافر قبل مضي قدرها بكماله انتهى كلامه في "شرح المهذب"، وذكر مثله في "الروضة".
وما ذكره فيهما من الاتفاق ليس كذلك، فقد ذكر الماوردي أنه قياس قول البلخي فيما إذا حاضت قبل أن يمضي من الوقت ما يسع الصلاة.
قوله: وقول الغزالي أن لا يقتدي بمقيم -في بعض النسخ بمتم [وهو أعم- وإن كان كل مقيم متم، وقد يكون المسافر متمًا أيضًا.
انتهى كلامه.
ودعواه أن كل مقيم متم] 8 ليس كذلك، فإنه إنما يأتي إذا كان المراد من لزوم الإتمام عند الاقتداء بمقيم إنما هو بالنسبة إلى تلك الصلاة أو إلى صلاة الفرض حتى إذا اقتدى به، في نافلة لا يلزمه الإتمام، والمسألة فيها نظر يحتاج إلى نقل.
قوله: ولو اقتدى بمن ظنه مسافرًا فبان مقيمًا محدثًا، فإن ثبتت الإقامة وإلا لزمه الإتمام، وإن تبين الحدث أولًا أو بانا معًا فوجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 358
أحدهما: لا يلزمه الإتمام لأن الاقتداء به لم يصح في الحقيقة.
والثاني: يلزمه لأن حدث الإمام لا يمنع صحة اقتداء الجاهل به، ثم قال: وأطبق الأئمة على ترجيح الوجه الأول، وقد ينازعه كلامهم في المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع ثم بان كونه محدثًا فإنهم رجحوا الإدراك، ومأخذ المسألتين واحد.
انتهى كلامه.
والذي ذكره آخرًا من ترجيح إدراك الركعة بإدراك ركوع الإمام المحدث ليس كما قاله، بل الصحيح عدم الإدراك، كذا صححه هو والنووي في كتاب الجمعة في الشرط الخامس المعقود للجماعة، وعبرا بلفظ الأصح.
نعم لو استند الرافعي في النزاع إلى ترجيحهم حصول الجمعة خلف المحدث لكان متجهًا.
وقد بسطت ما يقوي كلام الرافعي قبيل هذا الباب.
الجزء: 3 - الصفحة: 359
الباب الثاني في [الجمع]
9
قوله: والرخص المختصة بالسفر ثمانية: أربعة منها تخص بالسفر الطويل.
. . . إلى آخره.
أهمل من رخص السفر ثلاثة أخرى:
الرخصة الأولى: إخراج الوديعة من البلد، فإنه إذا سافر ولم يجد المالك ولا وكيله ولا الحاكم ولا الأمين [جاز] 10 له أخذها معه على الصحيح.
الرخصة الثانية: في تعريف اللقطة، فإذا وجد اللقطة في صحراء، وكان مقيمًا بها فإنه يعرفها في أقرب البلاد إليه بلا نزاع، وإن كان مجتازًا فالأصح على ما يقتضيه كلام الرافعي.
وصرح به في "الروضة" أنه لا يلزمه ذلك، بل يعرف في البلد الذي يقصد السفر إليها قربت أم لا.
الرخصة الثالثة: عدم القضاء للزوجة التي لم يستصحبها معه إذا كان استصحاب ضرتها بالقرعة، وهذا القسم مختص بالطويل على الصحيح.
قوله: وإذا جمع المسافر في وقت الأولى فيشترط أن يبدأ بالأولى، فإن بان فسادها فالثانية فاسدة أيضًا.
انتهى.
وما أطلقه من فساد الثانية تابعه عليه أيضًا في "الروضة"، والمراد بذلك فساد كونها عصرًا لا أصل الصلاة، فإن الصواب تخريجه على من أحرم بالفرض قبل وقته جاهلًا بالحال.
والأصح فيه انعقاد كونها نافلة، وسيأتي قريبًا هذا التخريج في نظير
الجزء: 3 - الصفحة: 360
المسألة.
قوله: أما إذا جمع بتأخير الأولى فلا يجب الترتيب في أصح الوجهين.
قال: لأنه لو أخر الظهر عمدًا من غير عذر كان له تقديم العصر عليها، فإذا أخرها مع العذر كان أولى.
انتهى.
وذكر هذا التعليل أيضًا في "الشرح الصغير"، وهو يخالف ما قرره في كتاب الحج من أن الصلاة المتروكة بغير عذر يجب فعلها على الفور على الأصح.
فإن جواز تأخير الظهر في هذه الحالة ينافي القول بأنها على الفور لاسيما وهو عكس المطلوب شرعًا من ترتيب الصلاة، بخلاف ما لو انعكس الحال فترك الظهر سهوًا والعصر عمدًا، فإن الجواز ربما كان يتخيل.
وقد حذف النووي التعليل المذكور في صلاة المسافرين من كتبه اتفاقًا فَسَلِم من التناقض.
قوله في الكلام على جمع التأخير: وأما نية الجمع عند الشروع، فقد قال في "النهاية": إن شرطنا الموالاة فوجب نية الجمع كما في الجمع بالتقديم، وإلا فلا نوجب نية الجمع، ويحكي هذا النبأ عن القاضي الحسين.
انتهى.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، ومقتضاه عدم وجوب النية لأن المرجح عدم وجوب الموالاة، وكذلك صححه النووي في أصل "الروضة"، وجزم في "المحرر" باشتراطها فقال ما نصه: أما إذا أخر الأولى إلى الثانية فلا يشترط الترتيب ولا الموالاة في أظهر الوجهين، ولابد من نية الجمع عند الشروع في الصلاة، ويجب أن يكون تأخيرها بنية الجمع.
انتهى لفظه بحروفه، وتبعه صاحب الحاوي الصغير على اشتراطها، وصحح النووي في
الجزء: 3 - الصفحة: 361
"المنهاج" أن النية لا تجب، ولم يجعله من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي، واعتذر عنه في "الدقائق" بأن الصحيح خلافه، وهو عجيب.
قوله: قال الأئمة: يجب أن يكون التأخير بنية الجمع، فلو أخر من غير نية الجمع حتى خرج الوقت عصى وصارت قضاءًا، وكذا لو أخر حتى ضاق الوقت فلم يبق إلا قدر لو شرع في الصلاة فيه لما كان أداء.
انتهى كلامه.
تابعه النووي أيضًا على ذلك في "الروضة" و"شرح المهذب" ومقتضاه جواز تأخير الصلاة من غير نية الجمع إلى أن يبقى من الوقت مقدار ركعة، لأنه لو شرع في الصلاة، والحالة هذه لوقعت أداءًا، فإذا انتهى إلى هذه الحالة وجب عليه أن ينوي الجمع أو يشرع في الصلاة، ويؤدي بعضها في الوقت وبعضها خارجة، هذا حاصل كلامه.
وهو إنما يستقيم إذا جوزنا إخراج بعض الصلاة عن الوقت، وقد تقدم من كلامه وكلام النووي أن الصحيح المنع، وإن جعلناها أدءًا، ومقتضاه أنه إذا بقى من الوقت مقدار الصلاة يجب عليه إذ ذاك أن يصلي أو ينوي الجمع، وقد صرح به النووي في "شرح مسلم" فقال: يجب عليه أن ينوي بحيث يبقى من الوقت ما يسع مقدار الصلاة، وكذلك ذكره صاحب "التنبيه"، وأقره عليه النووي في "تصحيحه" وهذا أحد الفرعين اللذين قدمنا في كتاب الصلاة أن كلام الرافعي فيهما يدل على جواز إخراج بعض الصلاة عن الوقت إذا جعلناها أداءًا.
قوله: وإذا جمع تقديمًا فصار مقيمًا في أثناء الثانية لم يبطل الجمع في الأصح صيانة للفرض عن الإبطال، فإن قلنا بالبطلان فهل تنقلب الثانية نفلًا أم تبطل بالكلية؟ فيه الخلاف في نظائره.
انتهى.
وأشار بذلك إلى ما إذا تحرم بالظهر قبل الزوال ونحوه، والصحيح فيه
الجزء: 3 - الصفحة: 362
[التفصيل] 11 بنية العلم والجهل وحينئذ فيحتمل أن يقال هنا: إن نوى الإقامة أو علم حصولها بطلت، وإلا انقلبت نافلة.
قوده: فأما إذا جمع بالتأخير ثم صار مقيمًا بعد الفراغ منهما لا يضر، ولو كان قبل الفراغ صارت الأولى قضاء كما ذكره في "التتمة" وغيره، أي: بخلاف التقديم كما سبق، وكان المعنى فيه أن الصلاة الأولى تبع للثانية، عند التأخير، فاعتبر وجود سبب الجمع فيها.
انتهى كلامه.
وحاصله اعتبار الثانية لأنها صاحبة الوقت حتى لو قدم الثانية على الأولى، ثم أقام بعدها، وقبل الفراغ من الأولى لم يضر.
وقد حذف في "الروضة" هذا التعليل، وتصرف في العبارة فأوهم العكس، فتفطن له واجتنبه.
نعم ذكر في "شرح المهذب" أنه إذا أقام في أثناء الثانية فينبغي أن تكون الأولى أداءًا بلا خلاف، ولم ينقل عن أحد خلافه، فإنه قال: إن أقام قبل فراغ الأولى صارت قضاءًا، قاله المتولي، والرافعي؛ أو في الثانية فينبغي أن تكون الأولى أداء بلا خلاف.
قوله: والشَفَّان مطر وزيادة.
انتهى.
هو بفتح الشين المعجمة وتشديد الفاء، وفي أخره نون.
واعلم أن الذي قاله الجوهري وغيره من أهل اللغة أن الشفان: برد ريح فيها نداوة، وهو صريح في أنه ليس بمطر فضلًا عن كونه مطرًا وزيادة.
وقد اعترض النووي بذلك وقال: كأن الرافعي قلد صاحب "التهذيب" في إطلاق هذه العبارة المنكرة وصوابه أن يقال: الشفان له حكم المطر لتضمنه القدر المبيح من المطر، وهو ما يبل الثوب، وهو موجود في الشفان، وهذا في الحقيقة مراد الرافعي لأنه يبين الحكم الشرعي لا اللفظ
الجزء: 3 - الصفحة: 363
اللغوي.
قوله: والثلج والبرد إن كانا يدومان فيهما كالمطر وإلا يرخصان في الجمع، وفيه وجه آخر أنهما لا يرخصان بحال اتباعًا للفظ المطر.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية الوجهين في ما إذا كانا يدومان غلط، تبعه عليه في "الروضة"، بل محلهما إذا لم يدوما، كذا صرح به الدارمي في "الاستذكار" والمتولي في "التتمة"، وعلل الجواز بكونه يتأذى بالمشي فيه، ومقابله بكونه لا يسمى مطرًا كما علل الرافعي، ومنه وقع الخطأ.
وذكر نحوه أيضًا الإمام في "النهاية" فإنه حكى الوجهين عن الشيخ أبي محمد، وعلل المنع بأنه لا يذوب، وهو صريح فيما قلناه، وكذلك الغزالي في "البسيط" فإنه لما حكى الوجهين علل المنع، بأن دفعه عن الثياب سهل.
والحاصل أن من حكى الوجهين لم يذكر إلا ما قلناه إما تصريحًا، واما إشارة.
نعم أطلق في "الوسيط" الوجهين بدون تعليل فتوهم الرافعي أن محلهما عند حصول البلل، ولم يمعن في النظر، وصرح بما فهمه فوقع في غلط لم يذكره أحد.
ونقل ابن الرفعة عن القاضي الحسين أنه حكى احتمالين في حالة ابتلال الثياب، وهو أيضًا غلط كما أوضحته في "الهداية" فراجعه.
قوله: وإذا جوزنا التأخير بعذر المطر فقال العراقيون: يصلي الأولى مع الثانية سواء اتصل المطر أو انقطع، وقال في "التهذيب": إذا انقطع قبل دخول وقت الثانية لم يجز الجمع، ويصلي الأولى في آخر وقتها كالمسافر إذا أخر بنية الجمع، ثم أقام قبل دخول وقت الثانية، لم يجز الجمع، ويصلي
الجزء: 3 - الصفحة: 364
الأولى في آخر وقتها كالمسافر إذا أقام قبل دخول وقت الثانية.
[ومقتضى هذا أنه لو انقطع في وقت الثانية] 12 قبل فعلها، امتنع الجمع وصارت الأولى قضاء كما لو صار مقيمًا.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، ولك أن تقول: ما فائدة جعلها قضاء، لأن نية القضاء والأداء لا تجب، بل يصح عنده القضاء بنية الأداء، وعكسه ولا يضر في هذه الصورة حتى يقال: لا يقصر إن منعنا [قصر] 13 المعصية؟ .
قلنا: فائدته في عدم وجوب فعلها في وقت العصر.
نعم الفرق واضح، فإن انقطاع السفر إليه بخلاف المطر، ثم إن قول العراقيين: أن يصليهما، صحيح على كل تقدير.
والحاصل أنهما ليستا متنافيتين.
قوله: وذكر في "الإبانة" أن المطر يرخص في التأخير، وفي التقديم وجهان على عكس ما نقله الجمهور، فإن ثبت ذلك أحوج إلى الإعلام بالواو.
انتهى كلامه.
وهذا الخلاف الذي توقف الرافعي في إثباته قد صرح النووي بإنكاره فقال: إن ما قاله الفوراني غلط، اتفق الأصحاب على خلافه.
كذا قاله في "الروضة" وغيرها، وليس كذلك، فقد ذكر الماوردي ذلك في كتاب الصلاة علي كيفية هي أشد مما قاله الفوراني، فإنه جزم بالجواز في وقت الثانية دون الأولى، وهذا هو المقصود بالإنكار، فإنه قال في أثناء فصل أوله: فإذا ثبت ما ذكرناه ما نصه: ولأن وقت العصر في أداء المعذورين من المسافرين والمطورين وقت للظهر والعصر أداءًا لا قضاءًا، وكان إدراك العصر إدراكًا لهما لاشتراك وقتيهما، ولا يدخل على هذا الاستدلال وقت الظهر أنه لا يدرك به صلاة العصر، لأنه وإن كان وقتًا للمسافرين من
الجزء: 3 - الصفحة: 365
المعذورين فليس بوقت للممطورين.
هذا لفظه.
واعلم أن صاحب "الإبانة" قد حكى الطريقتين فجزم أولًا بما نسبه إليه الرافعي وغيره، ثم حكى مقالة الجمهور مضعفًا لها فقال: وقيل: كذا وكذا فتفطن له، فإن بعض من لا اطلاع له قد توهم أن الفوراني قد انقلبت عليه العبارة غلطًا.
قوله: والمعروف في المذهب أنه لا يجوز الجمع بالمرض ولا الخوف ولا الوحل، وقال جماعة من أصحابنا: يجوز بالمرض والوحل وممن قاله من أصحابنا أبو سليمان الخطابي والقاضي الحسين، واستحسنه الروياني، فعلى هذا يستحب أن يراعى الأرفق بنفسه في التقديم والتأخير.
انتهى.
زاد في "الروضة" فقال: القول بجواز الجمع بالمرض ظاهر مختار، فقد ثبت في "صحيح مسلم" أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر 14. انتهى كلامه.
وهذا الذي اقتضى كلامه الميل إليه، وهو الجواز بالمرض قد ظفرت بنقله عن الشافعي، كذا رأيته في "مختصر المزني"، وهو مختصر لطيف غريب سماه "نهاية الاختصار من قول الشافعي" فقال: والجمع بين الصلاتين في السفر والمطر والمرض جائز.
هذه عبارته.
وتاريخ كتابة النسخة التي نقلت منها سنة ثمان وأربعمائة.
قوله: وإذا جمع الظهر والعصر صلى سنة الظهر ثم سنة العصر، ثم يأتي بالفريضتين، وفي جمع العشاء والمغرب يصلي الفريضتين ثم سنة المغرب، ثم سنة العشاء، ثم الوتر.
انتهى.
الجزء: 3 - الصفحة: 366
والذي قاله الرافعي -رحمه الله- في المغرب والعشاء صحيح، وأما في الظهر والعصر فضعيف، نبه على ضعفه النووي في "شرح المهذب" و"الروضة" فقال: الصواب الذي قاله المحققون أنه يصلي سنة الظهر التى قبلها، ثم يصلي الظهر ثم العصر ثم سنة الظهر التى بعدها، ثم سنة العصر.
قال: وكيف تصح سنة الظهر التي بعدها قبل فعلها وقد تقدم أن وقتها يدخل بفعل الظهر، وكذا سنة العصر لا يدخل وقتها إلا بدخول وقت العصر، ولا يدخل وقت العصر المجموعة إلى الظهر إلا بفعل الظهر الصحيحة؟ .
قوله: وهل الأفضل القصر أو الإتمام؟ فيه قولان:
أحدهما -وبه قال مالك وأحمد: أن القصر أفضل لأنه متفق عليه.
وذكر الصيدلانى أن القصر أفضل من الإتمام، وفي الصوم والإفطار وجهان، وهذا يوهم القطع بأفضلية القصر، وكذلك حكاه الإمام عن الصيدلاني واستبعده وأحاله على خطأ النساخ، فأثبت ذلك بقوله: قولان يعلم بالواو.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن المسألة قد وقعت في نسخ الرافعي على هذه الصورة، وفيه بعض علم من "الشرح الصغير" فإنه قال فيه ما نصه: فيه قولان:
أحدهما -وبه قال المزني: أن الإتمام أفضل لأنه الأصل كغسل الرجل مع المسح على الخف.
وأصحهما: أن القصر أفضل، وبه قال مالك وأحمد.
هذه عبارته.
الجزء: 3 - الصفحة: 367
فاقتضى [هذا] 15 أن الساقط في "الكبير" من لفظ: "قال" إلى "قال".
الأمر الثاني: أن ما توهمه الرافعي من عدم ثبوت هذه الطريقة مغيرًا في ذلك لكلام الإمام حتى أنه لم يذكرها أيضًا في "الشرح الصغير".
قد تابعه عليه في "الروضة" فأسقطها بالكلية واقتصر على التعبير بالأظهر، وكذلك في "المنهاج" إلا أنه عبر بالمشهور، وهو عجيب فقد قطع بذلك جماعات كثيرة، حتى نقلها في "شرح المهذب" عن الجمهور من العراقيين وغيرهم، وزاد على ذلك فقال: إنها الأصح.
الأمر الثالث: قد تلخص لك مما ذكرناه آخرًا أن النووي قد اختلف كلامه من ثلاثة أوجه، ففي "المنهاج" أثبت خلافًا ضعيفًا حيث عبر بالمشهور في "الروضة" خلافًا قويًا، ونفاه في "شرح المهذب" بالكلية.
قوله في "أصل الروضة": واعلم أن صوم رمضان في السفر لمن أطاقه أفضل من الإفطار على المذهب.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بالمذهب يقتضي حكاية الرافعي لطريقتين، وليس في الرافعي شئ من ذلك، وسبب هذا الغلط أن الرافعي عبر بذلك فقال: والصوم أفضل على المذهب المشهور بخلاف قصر الصلاة.
والفرق أنه إذا أفطر بقيت الذمة مشغولة بالصوم، وقد يفوت، وأيضًا فإن فضيلة الوقت تفوت بالإفطار، ولا تفوت بالقصر.
وفيه وجه آخر رواه القاضي وغيره: أن القصر أفضل.
انتهى ملخصًا.
فلما اختصره النووي أقر المذهب على حاله ذاهلًا عن اصطلاحه فوقع
الجزء: 3 - الصفحة: 368
فيما وقع، وبالغ في "شرح المهذب" فقال: فيه طريقان، قطع العراقيون والجمهور بأن الصوم أفضل، وحكى جماعة من الخراسانيين فيه قولين: هذا كلامه.
وهذا غلط سرى إلى الفطر من القصر -أى قصر- الصلاة فإن هذه المقالة مذكورة فيه كما سبق.
الأمر الثاني: أن الفرق الثاني الذي ذكره الرافعي نعلم منه أن أداء العبادة أفضل من قضائها، ولم يصرح بذلك في "الروضة"، وفي حفظي عن "القواعد" للشيخ عز الدين أنهما سواء.
قوله من "زوائده": وترك الجمع أفضل بلا خلاف.
انتهى.
قال الإمام: إلا في حق الحاج، فإن إيثار الفراغ عشية عرفة أهم من كل شئ، كذا نقله عنه في "الكفاية"، واقتصر عليه.
وينبغي أيضًا استثناء ليلة النحر اقتداءًا به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكلامهم هناك يقتضيه.
قوله في الزوائد أيضًا: وغسل الرجل أفضل من مسح الخف.
انتهى.
هذه المسألة قد ذكرها الرافعي قبل هذا تعليلًا للقول [الذاهب إلى] 16 أن الإتمام أفضل من القصر، ولكن حذفه من "الروضة" لاضطراب في بعض النسخ وذكره أيضًا في "الشرح الصغير".
قوله فيها أيضًا: ولو نوى الكافر أو الصبي السفر إلى مسافة القصر ثم أسلم أو بلغ في أثناء المدة فلهما القصر في بقيتها.
انتهى.
وما ذكره في الصبي يتجه إذا بعثه وليه إلى ذلك، فإن سافر بغير إذنه فلا أثر لما قطعه قبل البلوغ، وإن سافر معه فيتجه أن يجئ فيه ما سبق في غيره من التابعين.
الجزء: 3 - الصفحة: 369
قوله أيضًا من زياداته: ولو نوى مسافران إقامة أربعة أيام، وأحدهما يعتقد انقطاع القصر بها كالشافعي، والآخر لا يعتقده كالحنفي، كره للأول أن يقتدي بالثاني، فإن اقتدى صح.
انتهى كلامه.
وتجويز الاقتداء للشافعي، والحالة هذه مشكل خارج عن القواعد، فإن الشافعي يعتقد فساد صلاة الحنفي في هذه الحالة، وإذا اقتدى بمن يعتقد بطلان صلاته لا تصح صلاته.
وإنما قلنا: إنه يعتقد بطلانها، وذلك لأنه يعتقد لزوم الإتمام في حقه لكونه قد نوى إقامة أربعة أيام، والمقيم إذا نوى القصر لا تصح صلاته كما ذكره في الكلام على شروط القصر، وعلله بأنه ليس من أهل القصر فثبت ما قلناه.
الجزء: 3 - الصفحة: 370