المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 511-550

فيه ثلاثة أبواب:

الباب الأول في أركانها

الركن الأول: ما فيه التوكيل

قوله: فلو وكل غيره بطلاق زوجة سينكحها أو بيع عبد سيملكه، أو إعتاق كل رقيق يملكه، أو بتزويج ابنته إذا انقضت عدتها أو فارقها زوجها، وما أشبهه.
فقيل يصح، وبه أجاب القفال والبغوي، والأصح عند العراقيين والإمام وبه أجاب الغزالي: بطلانه.
انتهى ملخصًا.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، ومقتضاه أن الأكثرين على المنع، ولهذا صرح به في أصل "الروضة"، وصححه في "المحرر" أيضًا فقال: إنه أظهر الوجهين، إذا علمت ذلك ففيه أمور: أحدها: أنه قد ذكر في كتاب النكاح ما يخالف ذلك فقال في باب بيان الأولياء في المانع الرابع، وهو الإحرام ما نصه: لو جرى التوكيل في حال إحرام الموكل أو الوكيل أو المرأة، نظر إن وكل لينعقد في حال الإحرام: لم يصح.
وإن قال: ليزوج بعد التحليل صح، لأن الإحرام يمنع العقد دون الإذن، ومن ألحق الإحرام بالجنون لم يصححه، ولو أطلق التوكيل فهو كالتقييد بما بعد التحليل.
انتهى لفظه.
والصحيح أن الإحرام لا يلحق بالجنون، [وحينئذ] 1 فيكون الصحيح صحة هذا التوكيل على عكس ما قاله هنا.

وذكر في "الروضة" في الباب المذكور، وهو باب الأولياء ما يوافق هذا أيضًا فقال: فرع: في "فتاوى البغوي": أن التي يعتبر إذنها في تزويجها إذا قالت لوليها وهي في نكاح أو عدة: أذنت لك في تزويجي إذا فارقني زوجي أو انقضت عدتي، فينبغي أن يصح الإذن، كما لو قال الولي للوكيل: زوج بنتي إذا فارقها زوجها أو انقضت عدتها، وفي هذا التوكيل وجه ضعيف: أنه لا يصح، وقد سبق في الوكالة.
انتهى لفظه.
ومراده بقوله: (وفي هذا التوكيل) يعني الصورة المقيس عليها، فإنه الذي سبق ذكره في الوكالة [إذا علمت المقصود ظهر لك أن ما ذكره غريب فإنه صحح عكس ما صححه هنا، وزاد على ذلك فادعى أن مقابله ضعيف، سبق في الوكالة] 1 مع أنه قد سبق فيها أنه هو الصحيح.
واعلم أن الرافعي لم يرجح شيئًا في هذه المسألة، بل ذكرها قبيل كتاب الصداق من غير ترجيح، فنقلها النووي إلى الموضع المذكور أولًا، ثم رجح ما رجح.
وبالجملة فالراجح ما قاله هنا، فإن مقتضى كلامه أنه رأي الأكثرين.
وأما ما ذكره الرافعي في النكاح حكاية، قلد فيه البغوي.
واعلم أنا إذا صححناه فمحله إذا لم يصرح بتعليق الوكالة، فإن صرح كما لو قال: إذا طلقت بنتي أو انقضت عدتها، فقد وكلتك بتزويجها، فهل يصح هذا التوكيل؟ فيه القولان المعروفان في تعليق الوكالة، كذا قاله الرافعي في النكاح في الكلام على الإحرام، وفي الكلام على التوكيل فيه أيضًا، وحينئذ فيكون الراجح عدم الصحة، ولكن ينفذ التصرف.
الأمر الثاني: أن شرط الاعتداد بإذن الأب في نكاح غير البكر تقدم إذن المرأة كما ذكروه في كتاب النكاح، وحينئذ فتكون صورة المسألة

الأخيرة من المسائل المذكورة أولًا أن تكون بكرًا، أو يموت عنها زوجها أو يطلقها.
الأمر الثالث: أن ما حكاه عن البغوي يقتضي أنه يقول بالصحة، مع تنكير العبد والمرأة وغيرهما، وليس كذلك، بل شرطه عنده أن يكون معينًا، فقد رأيت في "فتاويه" -أعني البغوي- ما نصه: إذا قال: وكلتك بتزويج ابنتي إذا طلقت، أو إذا اشتريت العبد الفلاني فأعتقه صح، وإن قال: وكلتك بإعتاق عبد أشتريه لا يصح، لأن التصرف فيه غير معين بخلاف الأوليين.
ولو قال: وكلتك، فإذا صار هذا الخمر خلا فبعه صح.
ولو قال: وكلتك بتزويج الحمل الذي في بطن زوجتي لا يصح، لأنه غير معلوم.
هذا كلام البغوي.
ويظهر أن يكون التعميم كقوله: كل عبد بمثابة التعيين في الصحة.
الأمر الرابع: أن هذا الخلاف هل هو خاص بما إذا خصص ما سيملكه بالتوكيل حتى إذا جعله مثلًا بائعًا لأمواله الموجودة فقال: وكلتك في بيع أموالي وما سأملكه يجوز كما قالوا به في الوقف، فإنه لو قال: وقفت على من سيولد من أولادي، فإنه لا يجوز، ولو قال: على أولادي ومن سيولد لي جاز، أم الخلاف جار في الصورتين؟ فيه كلام يأتي في الكلام على ما إذا وكله في شراء شاة فاشترى شاتين.

قوله: ويستثنى من جنس الصلاة ركعتا الطواف.
انتهى.
واعلم أن شرط النيابة في هاتين الركعتين أن يكون ذلك تبعًا للحج أو العمرة حتى لو أفردهما بالتوكيل لم يصح، وقد صرح بذلك الرافعي في كتاب الوصية.

قوله: وفي الظهار وجهان بناء على أن المغلب فيه معنى اليمين أو

الطلاق، والظاهر عند العظم منع التوكيل فيه.
انتهى لفظه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وظاهره يقتضي أن الراجح تغليب شبه اليمين، ولكن الذي صححه في آخر باب الظهار، وتابعه عليه في "الروضة"، أن المغلب شبه الطلاق، وهذا البناء الذي يقتضي بظاهره المخالفة، لم يذكره في "الروضة".

قوله: ولو أسلم على أكثر من أربع نسوة فوكل بالاختيار أو طلق إحدي امرأتيه أو إحدى عبديه، ووكل بالتعيين لم يصح.
انتهى كلامه.
ومحله إذا لم يعين المرأة، أنها لو أشار إلى واحدة، وقال: وكلتك في تعيين هذه للطلاق أو النكاح، أو أشار إلى أربع من المسلمات وقال: وكلتك في تعيين النكاح فيهن كان كالتوكيل في الرجعة حتي يصح علي الصحيح، كذا نقله في "الروضة" من "زياداته" عن "التتمة"، وأقره، ولكن ينبغي أن يعلم أن الطلاق اختيار للنكاح كما ذكره في بابه، فتعيين الزوجة بقوله: للطلاق أو النكاح، يوهم خلافه، ولو عبر بالفراق لكان أصوب.

قوله: لكن ما هو على الفور من الفسوخ قد يكون التأخير بالتوكيل، فيه تقصيرًا.
انتهى.
وتعبيره بقوله: قد يكون ليس لتردده في ذلك فافهمه، بل للحكم به مرّة وعدمه أخرى، فإذا اطلع مثلًا على العيب وهو يأكل أو في حمام أو ليل، فإنه لا يلزمه المبادرة ولا التلفظ بالفسخ، فإذا وكل لم يكن تقصيرًا قطعًا.
وإذا حضر عند المالك مثلًا، أو القاضي ولم يفسخ، بل وكل في ذلك كان تقصيرًا كما جزم به صاحب "التتمة" وغيره.
وأما ما يكون على التراخي من الفسوخ كالإعسار بالنفقة وغيره

فواضح.

قوله: نعم يمتنع توكيل الذمي المسلم في أداء الجزية على رأي مذكور في الجزية.
انتهى.
تابعه في "الروضة" علي تقييد الوجه بالمسلم، وهو باطل فإن الخلاف ينبني على أن أخذ لحيته وضرب لها ذمه ونحوها واجب أو مستحب.
وإذا قلنا بوجوبه فيمتنع توكيل الذمي كالمسلم لأن التوكيل فيما وجب عليه من عقوبة باطل.

قوله: وفي التوكيل في تملك المباحات كإحياء الموات وجهان.
انتهى.
حكاه في "الشرح الصغير" وجهين أيضًا، واعترض عليه في "الروضة" فقال: قلد في حكايتهما وجهين بعض المراوزة وهما قولان مشهوران، وهذا الاعتراض لا يستقيم، فقد قال القاضي أبو الطيب بعد تعبيره بالقولين أنهما مخرجان من القولين في مسألة الاشتراك في البغلة والراوية والاستقاء، وكذا قال القاضي حسين في آخر باب الشركة بعد تعبيره بالوجهين، وقد تقرر أن الخلاف المخرج في الحقيقة معدود من الوجوه.

قوله من "زياداته": قال ابن الصباغ: ولا يصح التوكيل في الالتقاط قطعًا، كما لا يجوز في الاغتنام، فإن التقط أو غنم كان له دون الموكل.
وقال صاحب "البيان": ينبغي أن لا يكون الالتقاط على الخلاف في تلك المباحات.
وما قاله ابن الصباغ أقوى.
انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من ترجيح القطع بعدم الصحة، ولم ينقل خلافه إلا بحثًا عن "البيان"، قد جزم بعكسه في آخر اللقطة، وسأذكر لفظه هناك

إن شاء الله تعالى وجزم الروياني في "البحر" بأنه للملتقط، ولم يخرجه على الخلاف، وهو يقوي ما رجحه النووي هنا، ومثار التردد في الالتقاط أن الالتقاط فيه شائبة الاكتساب، وشائبة الولاية كما ذكره في بابه.

قوله: وإذا قلنا: لا يصح التوكيل بالإقرار، فهل يجعل مقرًا بنفس التوكيل؟ فيه وجهان.... إلى آخره.
والأصح أنه يكون مقرًا، ونقله في "الروضة" عن الأكثرين، قال: ولو قال: أقر عني لفلان بألف له على، فهو إقرار بلا خلاف، صرح به الجرجاني وغيره.
قال ابن الرفعة: وإذا صححنا التوكيل، فكيفية الإقرار على ما يقتضيه كلام البندنيجي أن يقول: أقررت عنه بكذا، قال: وصوره بعضهم بأن يقول: جعلت موكلى مقرًا بكذا.

قوله: وأما حدود الله تعالى فلا يجوز التوكيل في أثنائها، لأنها مبنية على الدرء، ويجوز في استيفائها لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أغديا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" 1. انتهي.
فيه أمران: أحدهما: أنه يستثنى من حدود الله تعالى مسألة واحدة ذكرها الرافعي في كتاب اللعان والقذف وهي دعوى القاذف، على المقذوف أنه زنا.
الثاني: ما ذكره من أن أنيسًا كان وكيلًا في استيفاء الحد، فيه كلام

مذكور في القضاء، وستقف عليه إن شاء الله تعالى.

قوله في "التهذيب": لو قال: وكلتك ببيع جميع مالي وكان معلومًا، أو قبض جميع مالي وكان معلومًا، أو قبض جميع ديوني، وهى معلومة يجوز.
وهذا التقييد يشعر باشتراط العلم، لكن الأشبه خلافه، فإن معظم الكتب لا تتعرض لذلك.
انتهى كلامه.
وما أشعر به كلام الرافعي من الاشتراط، قد صرح به القاضي حسين في "تعليقه" في مسألة البيع، ونقله عنه في "الكفاية".

قوله: ولو قال: بع ما شئت من أموالي أو اقبض ما شئت من ديوني جاز ذكره في "المهذب" و"التهذيب" وفي "الحلية" ما ينازع فيه، فإنه لو قال: بع من رأيت من عبيدي لا يجوز حتي يميز.
انتهى كلامه.
والأصح خلاف ما في الحلية، فقد جزم الرافعي بالصحة في آخر الباب الثاني في أوائل المسائل المنثورة، وذكر أنه لابد أن يترك شيئًا، فقال: ولو قال: بع من عبيدي من شئت وأبقي بعضهم ولو واحد، هذا لفظه.
نعم لا يؤخذ من تصحيح الصحة في العبد تصحيحه في الأموال، لأنها أكثر غررًا، ولهذا فصل في "الشامل" هاهنا، فصحح في العبيد دون الأموال.

قوله في المسألة من "زوائده": وهذا المذكور عن "المهذب" هو الصحيح المعروف، قال في "التهذيب": ولا يجوز أن يبيع الكل، ولا أن يقبض الكل.
وأما قول صاحب "الحلية"، ففي "البيان" عن ابن الصباغ نحوه،

فإنه قال: لو قال بع ما تراه من مالي لم يجز، ولو قال: ما تراه من عبيدي.
جاز، وكلاهما شاذ ضعيف.
وهذا النقل عن "الحلية" إن كان المراد به "الحلية" للروياني فهو غلط، فإن الذي في "الحلية للروياني": لو قال بع عبيدي هؤلاء الثلاثة من رأيت جاز، ولا يبيع الجميع لأن "منْ" للتبعيض.
ولو وكله أن يزوجه من شاء جاز، ذكره القاضي أبو حامد.
هذا لفظ الروياني في "الحلية" بحروفه.
انتهى كلام النووي.
فأما تصحيح الصحة فقد ذكرت لك أن الرافعي قد صرح به في آخر الباب الثاني بالنسبة إلى العبيد.
وأما نقله عن "التهذيب" أنه لا يبيع الكل، فقد سبق لك أيضًا أن الرافعي قد جزم به في الموضع المذكور ثم إن ظاهر كلامه يقتضي أنه مما أجاب به البغوي نفسه، وليس كذلك، بل إنما نقله البغوي عن شيخه القاضي الحسين، ولم يزد عليه فقال: قاله شيخنا، وأما قوله: إن كان المراد "حلية الروياني" فغلط، فإنه باطل، والمراد "حلية الروياني"، وتغليط الرافعي غلط.
فإن المسألة مذكورة في "الحلية" قبيل هذا الكلام الذي نقله بنحو خمسة أسطر، فقال ما نصه: ولو قال: بع من عبيدي من رأيت لم يجز حتي يميز، وكذلك لو قال: اشترِ لي عبدًا من الأتراك لا يجوز حتي يبين لكثرة الجهالة.
هذا لفظ "الروياني" في "الحلية" بحروفه.
والعجب من هجومه على تغليط الإمام الرافعي قبل استيعاب الكلام مع ما علمته منه من التحرير والإتقان، وقد صرح الماوردي أيضًا بما قاله الروياني في "الحلية"، والمراد بالرؤية هنا رؤية القلب.

قوله من "زياداته": قال أصحابنا: لو قال: بع هذا العبد، أو هذا لم يصح.
انتهى كلامه.
وما نقله في هذه المسألة مشكل، بل ينبغي الصحة.
كما إذا قال: بع أحدهما، وكما تقدم فيما إذا قال: بع من مالي ما شئت.
نعم إن أريد التردد في التوكيل فالبطلان ظاهر، كما لو قال وكلتك إمّا في هذا وإما في هذا، فلا وجه لما نقله إلا حمله على هذا فيتعين الحمل عليه.

قوله: ولا يكفي أن يقول: اشترِ لي شيئًا أو عبدًا، ثم قال: وفي "النهاية" أن صاحب "التقريب" حكى وجهًا أنه يصح التوكيل بشراء عبد مطلق، وهذا الوجه بعيد هاهنا.
وإذا اطرد في شراء شيء كان أبعد.
انتهى كلامه.
وهو لا يدل على وقوع طرده ولا على خلافه، وقد حكى الإمام في "النهاية" والغزالي في "البسيط" ترددًا في التوكيل بشراء شيء، تفريعًا على هذا الوجه، وحكاه في "الروضة" عن "البسيط".

قوله: وقول الغزالي في "الوجيز": أو ذكر الثمن، أو لم يذكر نوعه ففيه خلاف إن أراد به ما هو المفهوم من ظاهره، وهو أن يقول: اشترِ لي عبدًا بمائة، ولا يتعرض لكونه تركيًا أو هنديًا، فإثبات الخلاف في هذه الصور بعد الحكم بأنه لابد من ذكر التركي أو الهندي، مما لم يتعرض له الأئمة، ولا ذكر له في "الوسيط".
انتهى كلامه.
وقد ذكر هذا الاعتراض أيضًا في "الشرح الصغير"، وكذلك في كتابه "التذنيب"، وليس كما زعم من إنكار الخلاف، فقد ذكر الماوردي في "الحاوي"، وكذلك الغزالي في "البسيط"، ونقله عنه النووي في

"مختصر التذنيب" مستدركًا عليه.

قوله: ومنها: لو وكله بالإبراء فيشترط علم الموكل بقدر الدين، وأما الوكيل فقال القاضي والغزالي: لا يشترط، وقال في "المهذب" و"التهذيب": يشترط، والأشبه الأول.
انتهى ملخصًا.
واشتراط علم الوكيل قد قال به أيضًا الماوردي والبندنيجي، ونقله ابن الرفعة عن الجمهور، وإن كانت عبارته ملبسة.

قوله: فإن قلنا: الإبراء إسقاط، صح مع جهل من عليه الحق المبلغ.
وإن قلنا: تملك، فلا يصح.
انتهى.
هذه المسألة سبق الكلام عليها في الضمان.

قوله: ثم إن قال: ابرأ فلان عن شيء من ديني، أبرأه عن قليل منه.
انتهى.
ويعني بالقليل أقل ما ينطلق عليه الاسم، كذا صرح به في "التتمة"، ونقله عنه في "الروضة"، وقال: إنه أصح، والأمر كما قال، وما ذكره ابن الرفعة من أنه يبرئه عما يشاء بشرط أن يبقي شيئًا فغلط.

الركن الثاني: الموكل

قوله: من لا يتمكن من مباشرة ذلك التصرف، لا يصح منه التوكيل، ثم قال: ويستثنى بيع الأعمى.... إلى آخره.
تبعه في "الروضة" على استثناء مسألة الأعمى خاصة، ويستثنى مع ذلك مسائل: إحداها: إذا قال لزوجته: إذا طلقتك فأنت طالق ثلاثًا، وقلنا بما نقله الإمام عن الأكثرين من اشتداد وقوع الطلاق فوكل فيه صح، كما نقله الرافعي هناك.
الثاني: إذا قالت المرأة لوليها: وكلتك في تزويجي صح، وزوجها كما نقله صاحب "البيان" عن الشافعي، وستعرفه في موضعه.
الثالثة: إذا وكل الولى المرأة لتوكل رجلًا عنه في تزويج موليته، فإنه جائز عند الشافعي خلافًا للمزني، كذا قاله في "التتمة" في الباب الثالث في بيان الأولياء، فالمرأة هنا موكلة لمن تزوج مع أنها لا تملك المباشرة.
الرابعة: إذا وكل حلال محرمًا ليوكل حلالًا في التزويج، فإن الأصح في الرافعي في الكلام على إحرام الولى صحته، وهي كالتي قبلها.
واعلم أن المحرم والمرأة في هاتين الصورتين، كما أنهما موكلان لمن يزوج كما ذكرناه، هما أيضًا وكيلان فيه حتي يستثنيان أيضًا مما سيأتي.

قوله: ومن جوز التوكيل في بيع عبد سيملكه، فقياسه جواز توكيل المحجور عليه فيما يستأذن فيه الولي، ولم يتعرضوا له.
انتهى.
ويمكن الفرق بينهما كما قاله في "الروضة"، بأن الخلل هنا في عبارة المحجور عليه [والله أعلم] 1.

الركن الثالث: الوكيل

قوله: كما يشترط في الموكل أن يتمكن من مباشرة التصرف الموكل فيه بنفسه، يشترط في الوكيل التمكن من مباشرته لنفسه.
انتهى.
وما ذكره في الوكيل تابعه عليه في "الروضة"، وقد استثنيا مسائل وأهملا أخرى: الأولى والثانية الصورتان المتقدمتان في شرط الموكل.
الثالثة: ما ذكره الرافعي في كتاب النكاح، أنه إذا وكل محرمًا ليقبل له النكاح بعد التحلل صح، قال: لأن الإحرام يمنع الإنعقاد دون الأول.
قال: فإن أطلق فهو كالتقييد بما بعد التحلل.

قوله: وفي جواز اعتماد قول الصبي في الإذن في دخول الدار والملك عند إيصال الهدية، وجهان سبقا في البيع.
انتهى.
هذه المسألة مذكورة في "الروضة" في ثلاث مواضع ثم اختلف كلامه فيها على ثلاثة أوجه، سبق إيضاحها في البيع فراجعها.

قوله: والمرأة والمحرم مسلوبا العبارة في النكاح، فلا يتوكلان فيه.
كما لا يوكلان.
انتهى.
هذا الكلام صريح في استداد باب التوكيل عليهما، وهذا في المحرم بناء على أن الإحرام من باب السوالب، وهو وجه ضعيف.
والصحيح كما قاله في النكاح أنه من باب الموانع، وبنى على أنه يجوز له أن يوكل ليعقد بعد الإحرام، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله.

قوله: ولا يصح توكيل المرأة في الاختيار في النكاح، إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة، وفي الاختيار للفراق وجهان، لأنه يتضمن اختيار الأربع للنكاح.
انتهى.

اعلم أن صورة هذه المسألة فيما إذا عين المختارة للنكاح أو الطلاق، فإن لم يعين لم يصح، سواء كان الوكيل رجلًا أو امرأة، لأنه يرجع إلى الشهوة، كذا قاله الرافعي في أول الباب.
والأصح من الوجهين المذكورين كما قاله في "الروضة" عدم الصحة، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر"، ولا في "الشرح الصغير".

قوله: توكيل المرتد في التصرفات المالية ينبني على بقاء ملكه وزواله، إن أثبتناه صح، وإن أبطلنا فلا، وإن وقفناه فكذا التوكيل، ولو وكل ثم ارتد ففي انقطاع التوكيل الأقوال الثلاثة.
ولو وكل رجلًا مرتدًا أو ارتد الوكيل، لم يقدح في الوكالة، لأن الخلاف في تصرفه لنفسه لا لغيره، كذا نقله الأصحاب عن ابن سريج.
وفي "التتمة": أنه يبنى على أنه يصير محجورًا عليه، إن قلنا: نعم انعزل، وإلا فلا.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، واعلم أن الصحيح من هذه الأقوال هو قول الوقف، وإذا قلنا به فيوقف ما يحتمل الوقف كالعتق والتدبير والوصية.
ويبطل ما لا يحتمل، كالبيع والهبة وغيرهما.
وإذا قلنا ببقاء ملكه فقيل: يصير محجورًا عليه بنفس الردة، والأصح: أنه لابد من صرف المال.
هذا ملخص ما ذكروه في كتاب الردة، وسوف أذكر لفظه هناك لأمور ينبغي التنبيه عليها.
فإذا علمت ذلك علمت أن ما ذكره في أول كلامه من أنا نصحح الوكالة إذا أبقينا ملكه محله إذا لم يحجر القاضي عليه، وأن ما ذكره أيضًا

من وقفها على القول الصحيح، لا يستقيم إلا على القول القديم، وكذلك انقطاع توكيل الوكيل إذا ارتد.
وجزم في "المطلب" بأن ردة الموكل عزل، دون ردة الوكيل.

قوله من "زياداته": ولو وكل المسلم كافرًا ليقبل له نكاح مسلم لا يصح، ولو وكله في طلاقها فوجهان، لأنه لا يملك طلاق مسلمة ولكن يملك طلاقًا في الجملة.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من منع توكيله في قبول نكاح المسلمة، قد جزم به أيضًا قبل كتاب الصداق نقلًا عن البغوي.
الأمر الثاني [: أن المبيع مخالف لتجويزهم توكيله في شراء المسلم كما سبق إيضاحه في البيع.
الأمر الثالث] 1: أن دعواه أنه لا يملك طلاق مسلمة ليس كذلك، بل يتصور ملكه إياه، وقد صرح به هو في كتاب الخلع في أثناء الركن الخامس، فقال في أصل "الروضة" بعد أن ذكر التوكيل في الخلع والطلاق ما نصه: ويجوز أن يكون وكيل الزوج والزوجة ذميًا، لأنه قد يخالع المسلمة ويطلقها.
ألا ترى أنها لو أسلمت وتخلف فخالعها في العدة، ثم أسلم حكم بصحة الخلع.
هذا كلامه.

قوله: وتوكيل الفاسق في إيجاب النكاح ممتنع، إذا سلبناه الولاية.
ثم قال ما نصه: ولا خلاف في جواز قبوله بالوكالة.
انتهى.
ودعواه نفي الخلاف قلد فيه الغزالي، وقد تبعه عليه في "الروضة"

وعبر بقوله: قطعًا، وليس كما زعما من نفي الخلاف، فقد جزم الشيخ أبو حامد بعدم الجواز، وكذلك البندنيجي والمحاملى، وادعيا نفي الخلاف، وجزم به أيضًا الجرجاني، وعلله بأن قبوله لغيره جارٍ مجرى الولاية.
وقال الروياني في "البحر" عند الكلام على العزل: إنه ظاهر المذهب.
وحكى القاضى أبو الطيب والقاضي حسين وابن الصباغ وصاحب "البيان" فيه وجهين.
واعلم أن الرافعي قد حكم في النكاح وجهًا أن الفاسق لا يقبل النكاح لنفسه، وإذا جمعت بين مقالتيه قضيت العجب، حيث حكى الخلاف في جوازه لنفسه، ونفى الخلاف عن قبوله لغيره.

الركن الرابع: الصيغة

قوله: وأما القبول فإنه يطلق بمعنيين: أحدهما: الرضى والرغبة فيما فوضه إليه، ويقتضيه الرد.
والثاني: اللفظ الدال عليه.
والقبول بالمعنى الأول معتبرًا، وأما اللفظ فلا يشترط، وقيل: يعتبر، وقيل: يشترط في صيغة العقد لوكيلك دون الإذن كبيع.
انتهى.
وما ذكره من اشتراط القبول بمعنى الرضى ليس كذلك، فإنه لو أكرهه حتى تصرف نفذ تصرفه على الصحيح، كما قاله في كتاب الطلاق نظرًا إلى الإذن.
وأيضًا فقد ذكر بعد هذا: أنه لو تصرف غير عالم كان كمن باع مال أبيه ظانًا حياته فبان ميتًا.
واعلم أن الروياني في "البحر" ذكر في البيع قبل باب بيع اللحم كلامًا متعلقًا بمسألتنا فقال: ما معنى قولكم: الوكالة تفتقر إلى القبول ويجوز بيعه قبل القبول؟.
فإذا كان التصرف جائزًا على كل حال فما فائدة الخلاف؟ قلنا: له فائدتان: إحداهما: أنه لو كان وكيلًا يقبض دينه من رجل فتمكن الرجل من دفعه إلي الوكيل، ولم يتمكن من دفعه إلى الموكل، نظر إن قبل الوكيل الوكالة فعليه دفع ما عليه له، لأن الوكيل بمنزلة الموكل، وإن لم يقبل الوكالة لم يلزمه الدفع لأنه لم يصر وكيلًا، وهذا قبل مطالبة الوكيل.

فأما إذا طالبه بالدين عن الموكل فيلزمه الدفع، لأن هذه المطالبة جارية مجرى قبول الوكالة، ويحتمل وجوب الدفع إليه قبل المطالبة، لأن الدفع إليه يوجب البراءة.
الفائدة الثانية: إذا كان للوكيل وكيلًا يقبض العارية من فلان فوصل المال إلى يد الوكيل وهو لا يعلم أنه المال الموكل فيه.
فإن كان الوكيل قد قبل الوكالة زال الضمان عن المستعير، وإن لم يكن قد قبلها لا يزول، لأنه لم يصل لصاحبه ولا وكيله، فإن قيل: لمَ لا يزول الضمان كما يصح البيع؟ قيل: لأن الشروع في إثبات البيع يقوم مقام قبول الوكالة والرضى بها، وهذا غير موجود في مسألة الضمان، لأنه لم يعلم أن المال للموكل فيه حتى يجعل قبضه كالرضا بالقبول، هذا آخر كلام الروياني.

قوله: التفريع إن شرطنا القبول، فهل يجب أن يكون على الفور؟ ظاهر المذهب: أنه لا يجب.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إطلاق ذلك، وتستثني من ذلك صور: إحداها: إذا وكله في إبراء نفسه، فإنه يصح إن لم يشترط القبول، وهو الصحيح.
قال في "البحر": ولابد أن يبريء في الحال، قال: فلو أخره لم يصح.
الثانية: أن يعين زمان العمل الذي وكل فيه ويخاف فواته، فيكون القبول على الفور.
الثالثة: أن يعرضها الحاكم عليه عند ثبوتها عنده، فيكون أيضًا على الفور كما قاله الماوردي وصاحب "البحر".

واستثنى ابن الرفعة في "الكفاية" الصورتين الأخيرتين.

قوله: وحيث لا يشترط القبول تكفي الكتابة والرسالة، ويجعله مأذونًا في التصرف، وحيث اشترطنا فحكمه كما لو كتب بالبيع، وقطع الروياني في الوكالة بالجواز، انتهى.
استدرك عليه في "الروضة" فقال: قطع الماوردي أيضًا وكثيرون بالجواز وهو الصواب والله أعلم.
ثم ذكر في الطلاق ما يخالفه فقال: فرع: كتب إليه: وكلتك في بيع كذا من مالي أو إعتاق عبدي، فإن قلنا: الوكالة لا تفتقر إلى القبول فهو ككتب الطلاق، وإلا كالبيع ونحوه.
انتهى.
ذكر مثله أيضًا في كتاب البيوع من "شرح المهذب" فذكر أولًا أن الصواب "القطع بالاكتفاء" وأن لا يلحق بالبيع، وجزم في الموضعين الأخيرين بإلحاقه به -أعني بالبيع- والمسألة بعد استحضار أن الكتب من الكنايات تبني على قاعدة، وهي أن ما لا يشترط فيه الشهادة، إن قيل: مقصودة التعليق بالغرو كالخلع، فتنعقد بالكتابة مع النية، وإن لم يقبل كالبيع والإجارة ففيه خلاف.
إذا علمت هذا فالتعليق يفسد الوكالة لكن لا يمنع من التصرف، فمنهم من ينظر إلي الأول فيخرجها على الخلاف في البيع، ومنهم من ينظر إلى الثاني فيحرم وهو المتجه، لأن المقصود من الوكالة، فعل الشيء الموكل فيه، والتعليق لا يؤثر فيه كما تقدم، وادعى القاضي أبو الطيب في مسألة الجبر إجماع المسلمين على الصحة.

قوله: في تعليل جواز تعليق الوكالة، لأنها استنابة في التصرف فأشبهت عقد الإمارة، فإنها تقبل التعليق، على ما قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"فإن أصيب جعفر فزيد" 1. انتهى.
وهذا الذي ذكره من تقديم جعفر في التأمير على زيد ليس كذلك، بل الصواب وهو المذكور في كتب الأحاديث والسير كسيرة ابن هشام أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر زيدًا ثم جعفر ثم عبد الله بن رواحة، وقد ذكره الرافعي على الصواب في كتاب الوصية فقال في الكلام على الوصايا ما نصه: ومن المشهور أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر زيدًا وقال: إن أصيب زيد فجعفر فإن أصيب فعبد الله بن رواحة.

قوله: ولو نجز الوكالة وشرط للتصرف شرطًا، فإن قال: وكلتك الآن ببيع عبدي هذا، ولكن لا تبعه حتي يجيء رأس الشهر، صح التوكيل بالاتفاق، ولا يتصرف إلا بعد حضور الشرط.
انتهى كلامه.
ودعواه الاتفاق ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وعبر عنه في "الروضة" بقوله: بلا خلاف، وهو غريب، فقد حكى الإمام فيه خلافًا فقال: [ومن العراقيين من ذكر خلاف، وصحح الغزالي في "البسيط" بطلانه فقال: ] 2 فهو تعليق فاسد إذ لا معنى لتخير الوكالة مع منع التصرف.
وقال الشيخ أبو محمد: الوكالة صحيحة، وهذا بعيد.
هذا لفظه في "البسيط".
وحكى ابن يونس في "التعجيز" هذا الخلاف أيضا.

قوله: قاعدتان إحداهما: إذا أفسدنا الوكالة بالتعليق، فلو تصرف

الوكيل بعد حصول الشرط صح في أصح الوجهين، لأن الإذن حاصل، وحينئذ فأثر فساد الوكالة أنه يسقط المسمى، إن كان قد سمى له جعلًا، ويرجع إلى أجرة المثل.
انتهى كلامه.
وفي "الكفاية" و"المطلب" فائدة أخرى، وهي عدم جواز التصرف، وأن ابن الصباغ استبعد المنع.

قوله: الثانية: إذا قال: وكلتك بكذا، ومهما عزلتك فأنت وكيل.
ففي صحة الوكالة في الحال وجهان: أصحهما: الصحة.
ووجه المنع باشتمالها على شرط التأبيد، وهو إلزام العقد الجائز.
انتهى كلامه.
واعلم أن الخلاف يشترط فيه أمران: أحدهما: أن تكون صيغة الشرط مقتضية للتكرار، وهي كلما بخلاف متى ومهما ونحوها، وهذا الشرط يؤخذ من تعليل الرافعي، لأن متي ومهما ونحوهما لا تقتضي التّأبيد، لأنها لا تقتضي التكرار.
فإذا عزله مرة، فعاد كان له عزله ثانيًا ولا يعود، ولأجل ما قلناه لم يصور المسألة في "المطلب" إلا بكلما.
الثاني: أن يجعل التعليق شرطًا في الوكالة، فيقول: إني كلما عزلتك، أو بشرط كلما عزلتك فأنت وكيلي ونحوه.
وهذا الشرط جزم به في "المطلب" ناقلًا له عن القاضي حسين وغيره.
والتعليل الذي نقلناه عن الرافعي صريح فيه أيضًا، وهو متعين لا شك فيه، وما وقع في الكتاب و"الروضة" مما يوهم مخالفة ذلك، فمحمول على أنه لم يقع عن قصد لتوافق المنقول، ويصان عن فساد

التعليل.

قوله في المسألة: فإذا عزله ففي عوده وكيلًا الوجهان في تعليق الوكالة: أظهرهما: المنع.
فإن قلنا يعود، نظر إن أتى بصيغة لا تقتضي التكرار قوله: إذا عزلتك أو مهما أو متى فإنه لا يقتضى عود الوكالة إلا مرة واحدة.
وحينئذ فطريقه أن يكرر العزل، ولا كلام، كان أتي بصيغة التكرار كقوله: كلما عزلتك.
فإنه يقتضي العودة مرة أخرى، فطريق عزله أن يقول: كلما عدت وكيلي فأنت معزول، فإذا عزله ينعزل لتقادم التوكيل والعزل واعتضادنا لأصل، وهو الحجر في حق الغير.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أنّا إذا قلنا بصحة تعليق العزل على طلوع الشمس وقدوم زيد ونحوهما كيف يعديه إلى تعليقه على التوكيل مع أنه تعليق؟ قبل الملك إذ لا يملك العزل عن الوكالة التي لم تصدر منه فهو كقوله: إن ملكت عبد فلان فهو حر، والمعروف بطلانه.
الأمر الثاني: أن ما تقدم من الحيلة في عزله، وهو التكرار أو التعليق المعتاد للأول، قد خصه الرافعي بالوجه الضعيف القائل بتصحيح الوكالة المعلقة، وليس كذلك، فإن الوكالة الفاسدة يصح التصرف فيها، فيحتاج إلى هذه الحيلة في عزله على الوجهين، ولأجل ذلك ذكرها في "الحاوي الصغير" في أنه لا يفرع على الضعيف.

قوله: والخلاف في قبول الوكالة التعليق جار في أن العزل هل يقبله؟ ولكن بالترتيب والعزل أولى بالقبول، لأنه لا يشترط فيه قبول، وتصحيح إعادة الوكالة والعزل مبني على قبولهما التعليق.
انتهى.
ذكره في "الروضة" وفيه أمران:

أحدهما: أنه ليس فيه بيان الصحيح من هذا الخلاف، وحاصله أنا إن صححنا تعليق الوكالة صححنا تعليق العزل، وإن لم نصحح تعليقهما ففي العزل وجهان، والمرجح على ما اقتضاه كلام "المنهاج" تبعًا "للمحرر" تصحيح عدم الانعزال، فإنه لما حكى الوجهين في تعليق الوكالة عبر بقوله: ويجريان في تعليق العزل.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلامهما من تصحيح عدم العزل عجيب، فكيف [تنفذ التصرفات والمالك مانع منها لاسيما أن جملة الصيغ أن يقول] 1 إذا انقضى الشهر فلا تبع؟ وأيضًا فلأنا لما منعنا تعليق الوكالة رتبنا على التعليق عرض المالك، وهو التصرف، فكيف لا يرتب غرضه في تعليق العزل، وهو المنع الذي هو الأصل؟

قوله: قال الإمام: إذا نفذ العزل وقلنا: تعود الوكالة فلا شك أن العزل ينفذ في وقت وإن لطف ثم ترتب عليه الوكالة] 2. فلو صادف تصرف الوكيل ذلك الوقت اللطيف فهل ينفذ؟ فيه وجهان، وإنما يتضح هذا الغرض والتصوير لو وقع بينهما ترتب زماني، لكن الترتيب في مثل هذا لا يكون إلا عقليًا.
انتهى كلامه.
والذي قاله الرافعي غريب، فإن لنا وجهين مشهورين حكاهما هو وغيره في النكاح والطلاق وغيرهما في أن الشرط مع المشروط أو يترتب عليه، وليس المراد الترتيب العقلي، فإنه لا خلاف فيه، بل الترتب الزماني كما صرح به هو وغيره، وبنوا عليه فوائد.

قوله: واعلم أن الخلاف في أن الوكالة هل تقبل التعليق جار في أن العزل هل يقبله؟ ولكن بالترتيب، والعزل أولى بالقبول.
انتهى كلامه.
وليس فيه تصحيح، لأن حاصله أنا إن صححنا تعليق الوكالة صححنا

تعليق العزل، وإن لم نصحح تعليقها، ففي العزل وجهان، وهكذا في "الروضة" أيضًا.
والصحيح عدم العزل أيضًا كالوكالة، فإنه حاصل ما في "المحرر" و"المنهاج".

الباب الثاني في أحكام الوكالة

الحكم الأول: صحة التصرف إذا وافق الإذن

ويتضح بأمثلة: فلو وكله في بيع شيء وأطلق لا يصح بيعه بغير نقد البلد، ولا بثمن مؤجل كما أن الوصي كذلك.
انتهى.
وما ذكره في الوصي ليس كذلك، بل فيه تفصيل سبق في بابه فراجعه.

قوله: والتوكيل بالبيع مطلقًا -أي من غير تعيين المشتري- هل يجوز أن يبيع لأصوله وفروعه؟ علي وجهين: أصحهما: الجواز كالعم يزوج موليته لابنه إذا أطلقت الإذن.
وقلنا: لا يشترط تعيين الزوج.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الوجهين، ومحله إذا لم يعين الثمن، فإن عين جاز ذلك بلا خلاف، كذا رأيته في "فتاوى القفال" وهو ظاهر.
ثم قال: ويجري الوجهان فيما إذا وكل في الخلع وأطلق فخالع مع ولده.

قوله: ولو صرح للوكيل بالبيع من نفسه فقال الأكثرون: لا يجوز....

إلى آخره.
وما قالوه من البطلان متجه إذا لم ينص له على البيع بما يراه من قليل وكثير؛ فإن نص عليه تعين القول بالصحة، قال ابن الرفعة في كتابيه "المطلب" و"الكفاية": لأن النظر إلى اتحاد الموجب، والقائل إنما كان لما يلحقه من التهمة المقتضية إلي تضاد العرضين، ولأجل ذلك لما فقدت التهمة في حق الأب والجد لم يكن الاتحاد مانعًا من الصحة.
هذا كله قد صرحوا به في هذا الباب، وهنا قد انتفت التهمة بالنص على البيع من [نفسه فأبرأه أو بشيء معلوم، فإنه لو نص البيع من] 1 الأجنبي بشيء معلوم، فإنه لو نص البيع من الأجنبي بشيء لا يجوز البيع من غيره مع وجود الزيادة، وهذا الكلام لا جواب له إلا التزام الصحة.

قوله: وفي كتاب القاضي ابن كج شيئان غريبان: أحدهما: أن القاضي أبا حامد حكى عن الإصطخري وجهًا: أن للوكيل أن يبيع من نفسه.
والثاني: أنه حكى وجهين فيما لو وكل أباه بالبيع هل له أن يبيع من نفسه، لأن الأب له أن يبيع مال ولده من نفسه بالولاية، فكذلك بالوكالة.
انتهى كلامه.
وقد أهمل النووي -رحمه الله- الثاني فلم يذكره في أصل "الروضة" ثم ذكره من "زوائده" نقلًا عن الماوردي فقال: قلت: وإذا وكَّل الابن الكبير أباه في البيع لم يجز أن يبيع لنفسه، وحكى في "الحاوي" وجهًا أنه يجوز تغليبًا للأبوة.
كما لو كان في حجره والله أعلم.
هذه عبارته.
وهو غريب جدًا، والأول يجري في البيع من ولده الصغير بطريق الأولى، لأنه بيع من الغير على الجملة.

قوله في أصل "الروضة": ولو وكل مستحق القصاص الجاني باستيفائه من نفسه، في النفس أو الطرف أو وكل الإمام السارق في قطع يده أو وكل الزاني ليحد نفسه فالصحيح المنع في كل ذلك.
انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا في توكيل السارق من تصحيح المنع قد رجح خلافه في كتاب الجنايات، فقال في باب استيفاء القصاص في آخر الطرف الأول منه: وهل يمكنه -أي الإمام- إذا قال: أقطع بنفسى؟ وجهان: أقربهما: نعم لأن الغرض التنكيل وهو يحصل بذلك.
هذا كلامه.
وقد سلم الرافعي -رحمه الله- من ذلك كما ستعرفه في موضعه.

قوله: ولو وكل من عليه الدين في إبراء نفسه، فقيل: على الوجهين، وقيل: يجوز قطعًا، وهو بناء على اشتراط القبول في الإبراء.
فإن اشترطناه جرى الوجهان، وإلا فيجوز قطعًا.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن هذا الكلام صريح في أنا إذا جعلناه إسقاطًا يجوز التوكيل فيه قطعًا، لأنه لا يشترط فيه القبول جزمًا تفريعًا على هذا القول، كما تقدم في الضمان، وليس كذلك بل ذكر صاحب "الشامل" ما حاصله: أن الوجهين جاريان على القول بأنه إسقاط.
فإن قال: المذهب المشهور أنه يصح، لأنه وكله في إسقاط حق عن نفسه بنفسه، هذا كلامه.

قوله: ولو لم يقبل الموكل الأجل فوجهان، قال في "التهذيب": لا يصح التوكيل.
وصحح الغزالي: أنه يصح، واختاره ابن كج.
انتهى.
والأصح هو الصحة، فقد صححه الرافعي في "المحرر" وعبر بالأصح، وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة".

قوله: والوكيل بالبيع هل يملك قبض الثمن؟ فيه وجهان:

أصحهما: نعم.
وأما تسليم المبيع إذا كان معه فأشار كثيرون إلى الجزم به، وقال ابن أبي هريرة وصاحب "التهذيب" وغيره: هو على الوجهين.

قوله: والوكيل بالشراء هل يملك تسليم الثمن وقبض المبيع، قال في "التهذيب" و"التتمة": فيه الخلاف في وكيل البائع.
وكلام الغزالي يشعر بالجزم بالجواز، وعلله بأن العرف يقتضيه.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح هو القطع بالجواز فقد جزم الرافعي في الكلام على العهدة بجواز تسليم الثمن، ولم يحكِ فيه الخلاف المذكور هنا، وصرح في "الروضة" من "زوائده" بتصحيح هذه الطريقة في الحكمين جميعًا -أعني تسليم الثمن وقبض المبيع-.
قال: وبه جزم كثيرون، وقال صاحب "الشامل".
يسلم الثمن قطعًا ويقبض المبيع على الأصح ففرق بينهما.
انتهى.
واعلم أن عبارة النووي في النقل عن "الشامل" توهم المغايرة عنده، بين الوكيل في الشراء والوكيل في البيع، وليس كذلك، بل ذكر أن الوكيلين يتسلمان، وقيل: يتسلمان على وجهين.

قوله: ومتي ثبت رد المعيب للوكيل فأخر أو صرح بالتزام العقد فليس له العود إلى الرد في أصح الوجهين، فعلى هذا للموكل الرد على البائع أن يثبت الوكالة وإلا فوجهان: أحدهما: يرده على الوكيل، وهو المذكور في "التهذيب" و"التتمة".
والثاني: وهو الذي نقله الشيخ أبو حامد وأصحابه: يرجع عليه بأرش العيب.
انتهى ملخصًا.

فيه أمران: أحدهما: أن الراجح هو الأول، فقد نص عليه الشافعي -رحمه الله- كما نقله الشيخ في "المهذب" والبندنيجي في "تعليقه"، ثم قال -أعني البندنيجي- بعد حكاية النص: ولأصحابنا فيه ما لا يحكى لفساده، لأنه خلاف المنصوص، وصححه أيضًا في "الروضة" من "زياداته".
الأمر الثاني: أن ما أضافه إلى الشيخ أبى حامد وأصحابه، قد تبعه عليه في "الروضة"، وعبر بقوله: قطعوا به.
والبندنيجي أكبر أصحاب الشيخ، ولم يقطع به، بل لم يصححه، بل ادعي فساده كما تقدم، ونقله عنه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية".

قوله: ولو أراد الوكيل الرد، فقال البائع: قد عرفه الموكل ورضيه، فلا رد لك، فأنكر الوكيل وحلف رده.
ثم إن أحضر الموكل وصدق البائع فعن ابن سريج: أن له استرداد المبيع من البائع، وفي "التتمة" أن القاضي الحسين قال: لا استرداد.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا النقل عن القاضي غلط، وذلك لأن المذكور في تعليقه كمذهب ابن سريج فإنه قال: إن الموكل إذا حضر وقال: كنت رضيت به، لا يحتاج إلى بيع جديد.
وأما نقله ذلك عن "التتمة" فقد راجعتها فوجدته قد عبر بقوله: حكى القاضي، فظن الرافعي أن المراد بها ذهابه إليه فصرح به غير مستحضر لما قاله في "تعليقه"، فوقع في الوهم في "الروضة" عليه، وهو تصرف عجيب، فإن حكاية المذهب لا تستلزم ذهاب حاكيه إليه.
الأمر الثاني: أن الراجح بتقدير ثبوت الخلاف هو ما قاله ابن سريج

فقد قطع به أيضًا صاحب "الشامل" و"البيان" والقاضي كما تقدم وصححه النووي من "زيادته"، وليس للمسألة ذكر إلا في "الكبير".

قوله: وهل للوكيل حط بعض الثمن؟ فيه قولان عن ابن سريج.
انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة" وزاد فقال: ينبغى أن يكون أصحهما: عدم الحط والله أعلم.
ولم يبينا صورة المسألة فنقول: إن تعذر الرد القهري من المشتري بهلاك المبيع أو تعييبه ونحو ذلك فطالب المشتري بالأرش رده الوكيل، بلا نزاع، وإن لم يتعذر بل تراضيا على أخذ الأرش، فقد سبق في باب الرد بالعيب أن فيه وجهين شهيرين، وأن أصحهما: المنع.
والظاهر أن هذه المسألة مفرعة على الضعيف وهو الجواز هناك فاعلمه.

قوله: فإن قلنا: إن الوكيل يشتري من يعتق على الموكل فكان معيبًا فللوكيل رده، لأنه لا يعتق على الموكل قبل رضاه بالعيب، ذكره في "التهذيب".
انتهى.
وهذه المسألة سبق الكلام عليها في الرد بالعيوب.

قوله: وإذا قال وكلتك في كذا وأذنت لك في أن توكل به وكيلًا عنى فواضح، وإن قال: عنك كان وكيلًا عن الوكيل على الصحيح.
وإن لم يقل: عني ولا عنك، فالأصح أنه وكيل الموكل.
انتهى.
وهذه الأقسام الثلاثة جارية فيما إذا قال الإمام أو القاضي لنائبه: استخلف؛ لكن الأصح في القسم الثالث أنه نائب عن الغائب لا عن الأصل على العكس من الوكيل وهو مشكل.

قوله: وإذا جوزنا للوكيل أن يوكل عند عدم الإذن، إما لأنه كبيرًا أو

غير لائق فوكل عن نفسه فهل يصح؟ فيه وجهان.
انتهى.
والأصح منهما عدم الصحة، كذا قاله في "الروضة"، ولم يتعرض لها في "المحرر" ولا في "الصغير".

قوله: ويشترط على الوكيل حيث ملك التوكيل، أن يوكل أمينًا رعاية لمصلحة الموكل، إلا أن يعين له من ليس بأمين.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على ذلك وفيه أمران: أحدهما: أنهم قد ذكروا في النكاح أن المرأة إذا قالت: زوجني ممن شئت أنه يجوز تزويجها من الأكفاء وغيرهم على الصحيح، وقياسه أنه إذا قال هنا: وكل من شئت، أنه يجوز توكيل الفاسق وغيره، بل أولى لأنه هناك يصح ولا خيار لها، وهاهنا يستدرك، لأنه إذا وكل الفاسق فباع بدون ثمن المثل لا يصح.
وإن اشترى معيبًا يثبت الخيار.
نعم ليس في كلامهم هنا ما ينفي القول به، فليكن الجواز كما قلناه.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر قبل هذا أنه إذا وكله في شراء شيء معين وكان به عيب لم يعلم به البائع أن الوكيل يرده على الصحيح، لأن الظاهر أن الموكل إنما أراده بشرط السلامة، وقياسه أن تكون العين هاهنا مثله أيضًا.

قوله: ولو وكل أمينًا ثم فسق فهل له عزله؟ فيه وجهان.
انتهى.
لم يصحح أيضًا شيئًا في "الشرح الصغير"، ولم يذكرها في "المحرر"، وقد رجح النووي المنع، فقال في "زيادات الروضة": إنه الأقيس.
وفي "زيادات المنهاج": إنه الأصح.

وإطلاق هذه المسألة غير مستقيم، لأن الموكل إن قال له: وكل عنك.
كان له عزله بدون الفسق، فكيف يصح امتناعه معه، فتعين أن محله فيما إذا قال: وكل عنى، وبه صور المسألة في "الوسيط"، وفي معناه ما إذا أطلق.
وحينئذ فمنعه من العزل واضح، لأنه ليس بوكيله.
وأما جوازه، فعلله في "المطلب" بأنه من توابع ما وكل فيه، فأشبه الرد بالعيب عند التصريح بالسفارة ونحوه.
مما لا يرتد المبيع فيه إلى الوكيل، ولم يعلله في "الكفاية"، بل نقل استشكاله عن بعضهم.
ولو قيل بانعزاله في هذه المسألة بلا عزل، كان أوجه كما قالوه في عزل الرهن.

قوله من "زوائده": هكذا قال الأصحاب أنه إذا قال: بع هذا يوم الجمعة فلا يبيعه قبله ولا بعده قالوا: وكذا حكم العتق؛ وأما الطلاق فنقل صاحب "الشامل" و"البيان" عن الداركي، أنه لا يجوز قبله، ويجوز بعده، لأنها إذا كانت مطلقة يوم الجمعة كانت مطلقة يوم السبت بخلاف الخميس، ولم أرَ هذا لغيره وفيه نظر.
انتهى كلام النووي.
وحاصله أنه لم يقف في المسألة على نقل يخالف ذلك وهو غريب، فقد ذكر المسألة في الباب الثاني في أركان الطلاق في أواخر الركن الثاني، وجزم بأن له أن يطلق بعد الوقت المعين ناقلًا لذلك عن البوشنجي.
فقال: لو قال لأجنبي: إذا جاء رأس الشهر فأمر امرأتي بيدك، فإن كان قصد بذلك إطلاق الطلاق فله التطليق بعده، وإن أراد تقييد الأمر برأس الشهر، يقيد الطلاق به، وليس له التطليق بعده.
هذا كلامه.

ثم إن التعليل الذي نقله عن الداركي موجود بعينه في العتق، وقد نقل عن الأصحاب أنه يتقيد، فلزم أن الطلاق كذلك.
وذكر الروياني في "البحر" في التوكيل في البيع قريبًا مما قاله الداركي فقال: لو قال: بعه بأجل إلى يوم الخميس ففات الخميس صح بيعه بحال في وجه.
واعلم أن الرافعي في باب الشرط في الطلاق قد نقل عن المتولي: أنه إذا قال: أنت طالق اليوم وغدًا وبعد غد لم تطلق إلا واحدة، لأن المطلقة في وقت مطلقة فيما بعده بخلاف ما لو كرر لفظ (في).
ومن نظائر لفظ التزويج، قال البغوي في كتاب النكاح لو قال: زوجها غدًا فزوجها اليوم، أو قال: زوجها في المسجد فزوج في غيره لم يصح.
وذكر الرافعي أيضًا في كتاب الإقرار أنه إذا قال: طلقها يوم السبت طلقة، ثم طلقها يوم الأحد طلقتين وقعت الثلاث، والمعنى في هذه المسائل كلها واحد.

قوله: ولو عين مكانًا ليس فيه غرض ففي تعينه وجهان: أحدهما: لا، والتعبير في مثل ذلك يقع اتفاقًا، وهذا ما أورده في الكتاب، وبه قال القاضي أبو حامد.
والثاني: يتعين، وهو أصح عند ابن القطان وصاحب "التهذيب".
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والراجح هو الأول، فقد نص عليه الشافعي في "الأم" في كتاب الرهن كما نقله

عنه القاضي أبو الطيب، وجزم به أيضًا في "التنبيه" واختاره المتولى والروياني.
وقال في "المحرر": الأظهر أنه يتعين، وكأنه تبع فيه صاحب "التهذيب" لما تعارض الترجيح في ظنه، ولم يطلع على هذا النص، وتبعه عليه أيضًا في "الروضة" وقال: إن البلدين كالسوقين.
قال: وهذا إذا لم يقدر الثمن، فإن قدر فباع به في غير ذلك المكان جاز، صرح به صاحب "الشامل" و"التتمة"، وغيرهما.
الأمر الثاني: أن تعبير الرافعي بقوله: وهو الذي أورده في الكتاب قد توهم منه النووي أن المراد نفي الخلاف عند الغزالي، فصرح به في أصل "الروضة" فقال: وقطع به الغزالي، وهذا الفهم غلط، فقد صرح في "الوسيط" بحكاية وجهين في المسألة.
الأمر الثالث: أن إطلاق الجواز في بلد غير مأذون فيها يقتضي الجواز قبل انقضاء مدة يتأتى فيها الوصول إلى المأذون فيها، وهو مشكل، فإن اللفظ دل على المسافة، وعلى إيقاع البيع في البلد خرج الثاني لدليل فيبقى الأول، ولهذا قالوا: إذا وهب منه شيئًا في بلده أو رهنه عنده وأذن في قبضه، فلابد من مضي زمن يمكن المضى إليه فيه.

قوله: ولو قال: بع بمائة فهل له أن يبيع بها وهناك من يرغب في الزيادة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لموافقته صريح إذنه.
والثاني: لا، كما لو أطلقوا الوكالة فباع بثمن المثل، وهناك من يرغب بزيادة.
انتهى.
والراجح المنع، فقد قال في "الشرح الصغير": إنه الأشبه، وفي "الروضة": إنه الأصح، ولم يصرح بها في "المحرر".

قوله: وإذا وكله بالبيع مؤجلًا فباع حالًا، فإن كان في وقت لا يؤمن فيه من النهب والسرقة أو كان لحفظه مؤنة في الحال لم يصح، وإلا فوجهان: أصحهما على ما في "التهذيب" جوازه.
ولو قال: بع بكذا إلى شهرين، فباعه إلى شهر ففيه الوجهان.
انتهى.
والأصح ما قاله صاحب "التهذيب"، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
واعلم أن الموكل إذا نص على البيع من شخص، وقدر للوكيل ثمنًا فلا يجوز الزيادة عليه لظهور قصد المحاباة، وكذا قاله الرافعي.
وهذا المعنى موجود هنا فتعين تخصيصه كما سبق.

قوله: ولو قال: اشتر حالًا فاشتراه مؤجلًا بقيمته حالًا فوجهان كما قلنا في البيع، قال صاحب "التتمة" هذا إذا قلنا: إن مستحق الدين المؤجل إذا عجل حقه يلزمه القبول، وإن قلنا: لا يلزمه، فلا يصح الشراء هاهنا للموكل بمال.
انتهى.
وما قاله صاحب "التتمة" قد عكسه صاحب "الشامل" فقال: هذا [الخلاف حيث لا يجبر صاحب الدين على قبول تعجيله، وحيث يجبر يصح] 1 الشراء قطعًا.
قال في "الروضة": وكلام ابن الصبغ أصح وأفقه وأقرب إلى تعليل الأصحاب.

قوله: ولو دفع إليه دينارًا وقال: اشتر به شاة فاشترى شاتين، فإن لم تساو واحدة منهما دينارًا لم يصح الشراء للموكل، وإن ساوت كل واحدة دينارًا صح الشراء، ودفع للموكل في أظهر القولين.
انتهى.
وأهمل هنا وفي "الشرح الصغير" و"المحرر" قسمًا ثالثًا وهو ما إذا

ساوت إحداهما دينارًا والأخرى ناقصة عنه، وقد ألحقه صاحب "الحاوي الصغير" بالقسم الأول حتى لا يصح الشراء، لكن الأصح عند الأصحاب كما قاله في "الروضة" أنه كالقسم الثاني.

قوله: لأن عروة إن كان وكله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بيع أمواله لم يدخل ما يملكه من بعد.
وإن قيل: وكله في بيع أمواله وما يتملكه وقع في الخلاف المذكور في التوكيل ببيع ما سيملكه، إلا أن يقال: [ذلك] 1 الخلاف فيما خصص بيع ما سيملكه بالتوكيل.
وأما إذا جعله تابعًا لأمواله الموجودة في الحال فيجوز وهذا كما أنه لو قال: وقفت على من سيولد من أولادي لا يجوز، ولو قال: على أولادى ومن سيولد لي جاز.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذه المسألة مهمة يحتاج إليها، وقد حذفها النووي من "الروضة".
الأمر الثاني: أن هذه المسألة التي توقف فيها الرافعي قد نقلها صاحب "البيان" عن الشيخ أبي حامد، فقال -أعني الشيخ-: إنه تجوز الوكالة باستيفاء ما وجب من حقوقه وما سيجب.
وجزم ابن الرفعة في "الكفاية" بالاحتمال الثاني القائل بالصحة أيضًا.
وأفتى ابن الصلاح بأنه إذا وكله في المطالبة بحقوقه دخل فيه ما يتجدد، وحكى عن الأصحاب الصحة فيما إذا وكله في بيع ثمرة قبل إثمارها.

قوله: ولو قال: بع عبدي بمائة درهم فباعه بمائة وعبد أو ثوب، فعن ابن سريج: أنه على القولين بالترتيب على مسألة الشاتين وأولى بالمنع، لأنه عدل عن الجنس.
انتهى كلامه.
وحاصل هذا أنا إن أبطلنا هناك أبطلنا هاهنا، وإن صححنا وهو الصحيح فهاهنا قولان لأن هذا معنى ترتيب الخلاف فالصحيح في المسألة هو الصحة، كذا صححه النووي في "تصحيح التنبيه" وقال في "الروضة": ينبغي أن يكون هو الأصح.

قوله من "زياداته": وإذا ادعى على وكيل مالًا وأقام بينة وقضي به الحاكم، ثم حضر الغائب وأنكر الوكالة أو ادعى عزله لم يكن له أثر، لأن الحكم على الغائب جائز.
انتهى.
وما ذكره في دعوي العزل قد ذكره الرافعي مبسوطًا بعد ذلك في هذا الباب.

قوله: وأما الشراء المخالف لأمر الموكل فإن وقع بعين مال الموكل فباطل، وإن وقع في الذمة، نظر إن لم يسم الموكل وقع عن الوكيل، وكذا إن سماه على الأصح، وبلغوا التسمية.
والثاني: العقد باطل، وإذا قلنا بالأصح، فكذلك إذا قال: بعتك، فقال: اشتريت لموكلى.
فأما إذا قال: بعت فلانًا، فقال الوكيل: فاشتريت له، فظاهر المذهب بطلان العقد لعدم المخاطبة.
انتهى.
أهمل الرافعي قسمين آخرين: أحدهما: أن يقع الشراء بثمن في ذمة الموكل بأن يقول: اشتريت

لفلان بألف في ذمته، وحكمه حكم الشراء بالعين، كذا ذكره الرافعي في كتاب البيع في الكلام على بيع الفضولي.
الثاني: أن يقع بعين مال الوكيل، وفي حكمه تفصيل وخلاف سبق أيضًا في البيع فراجعه.
واعلم أن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله: فالمذهب بطلان العقد، فاقتضى ذلك أن في المسألة طريقين.
وكأنه اشتبه عليه بسبب تعبير الرافعي بظاهر المذهب.

قال -رحمه الله-:

الحكم الثاني: العهدة

قوله: وإن اعترف البائع بوكالته فهل يطالب الوكيل أم الموكل أم من شاء منهما؟ فيه أوجه.
أظهرها الثالث.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره هاهنا قد صحح في الكلام على خلع الأجنبي عكسه، وسأذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.

قوله في المسألة: التفريع إن قلنا بالأول فهل للوكيل مطالبة الموكل قبل أن يغرم؟ فيه وجهان، لأن بعضهم قال: يثبت الثمن للبائع على الوكيل وللوكيل مثله على الموكل بناء على أن الوكيل يثبت له الملك، ثم ينتقل إلى الموكل.
فعلى هذا للوكيل مطالبته بما ثبت له، وإن لم يؤد ما عليه.
وقال آخرون: ينزل الوكيل منزلة المحال عليه الذي لا دين عليه، فعلى هذا ففي رجوعه قبل الغرم وجهان كالمحال عليه.
والأصح المنع.
انتهى كلامه.
واعلم أن ما قاله من تصحيح عدم الرجوع قبل الغرم بناء على التنزيل الثاني لا يستقيم، وذلك لأنه قد تقدم في كتاب الحوالة أن هذه الحوالة لا تبرئ المحيل على الصحيح، بل حقيقتها حقيقة الضمان.
وقيل: إنها تبرئه، وتقدم أنه يرجع قبل الغرم إن قلنا بالبراءة، وإن قلنا بالأول فلا.
والوجه الأول من هذا التنزيل لا يوافق الوجه الذي ساقه لتقريره، بل

إنما يوافقه الوجه الثاني القائل بالبراءة، لأن الوجه الذى ساقه لأجله قائل [بأن المطالب الوكيل وحده، فلا يستقيم جعل الوجه الأول مأخذًا] 1 له، بل المقصود من ذكره توجيهه بالوجه الثاني القائل بالبراءة.
وحينئذ فيطالب الموكل [فثبت، أنها إذا قلنا بمطالبة الوكيل وحده كان له مطالبة الموكل] 2 قبل الغرم على الصحيح لأجل المأخذين اللذين ذكرهما هو بخلاف ما صححه.

قوله: ولك أن تقول، لا خلاف أن للوكيل أن يرجع على الموكل في الجملة، وإنما الكلام في أنه متى يرجع، وبأي شيء يرجع؟.... إلى آخر ما قال.
تابعه في "الروضة" أيضًا على دعوى عدم الخلاف، وهو غريب ففي "الوسيط" وجه أنه لا رجوع للوكيل بما أعطاه من الثمن أصلًا، وكأن الوكيل اشترى للموكل [بمال] 3 نفسه، كما يحكى عن ابن سريج أنه جوزه.

قوله: ولو قال: اشترِ في الذمة واصرف هذه الألف إلى الثمن فتلف في يد الوكيل بعد الشراء لم ينفسخ العقد، ولكن هل ينقلب إلى الوكيل فيلزمه الثمن، أو يبقى للموكل وعليه مثل الدراهم، أو يقال للموكل: كذا أردته فادفع مثل تلك الدراهم، وإلا فيقع عن الوكيل، وعليه الثمن؟، فيه ثلاثة أوجه.
انتهى ملخصًا.
لم يذكر المسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر"، ولم يصحح في "الروضة" شيئًا من هذه الأوجه، لكن الأصح في نظيره من القراض أن العقد ينقلب إلى العامل، ويلزمه ألف كما ستعرفه إن شاء الله تعالى واضحًا.

والأصح في نظيره من العبد المأذون، وتقدم أن المذكور في القراض أرجح، فيلحق به.

قوله: ولو أرسل رسولًا يستقرض له فاستقرض فهو كوكيل المشتري في مطالبته ما في مطالبة وكيل المشتري بالثمن، والظاهر أنه يطالب به، ثم إذا غرم رجع على [الوكيل] 1. انتهى كلامه.
وما ذكره من أن وكيل المستقرض كوكيل المشتري في المطالبة، قد صحح خلافه في الزكاة في الكلام على التعجيل، وقد تقدم ذكر لفظه هناك.
ونقل الإمام في الزكاة الخلاف في إلحاقه بوكيل الشراء، وفرق بأن الوكيل في الشراء يقول: اشتريت، وهذه الكلمة ملزمة، والوكيل بالاستقراض لم يصدر منه ما يقتضي الضمان.
وهذا الفرق من الإمام يدل على أن الوكيل بالاستقراض لا يقول: اقترضت، بل أقرضت موكلي، وفيه نظر.
وقال ابن الرفعة في "الكفاية": لا يطالب إذا صرح بالسفارة، فإن لم يصرح ففيه خلاف.

الحكم الثالث: الجواز من الجانبين

قوله: ففي انعزاله قبل بلوغ الخبر إليه قولان: أحدهما: لا، كما أن حكم النسخ لا يلزم المكلف قبل بلوغ الخبر.
وأصحهما: الانعزال.
ثم أجاب عن النسخ فقال: وأما النسخ فلا فرق بينه وبين ما نحن فيه، لأن حكم النسخ إما إيجاب إمتثال الأمر الثاني، وإما إخراج الأول عند الاعتداد به.
فالإيجاب لا يثبت قبل العلم لاستحالة التكليف بغير المعلوم، وهذا النوع لا يثبت في الوكالة، لأن أمر الموكل غير واجب الامتثال، والنوع الثاني ثابت هنا أيضًا قبل العلم حتى يلزمه القضاء.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن النسخ بمعنى إخراج الأول عن الاعتداد ثابت قبل العلم حتي يجب القضاء قول ضعيف للأصوليين وجمهورهم على أنه لا يثبت حكمه إلا بعد العلم أو التمكن منه، كما لا يثبت قبل نزوله من السماء كفرض خمسين صلاة، أو بعد نزوله وقبل أن يبلغه جبريل إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقد ذكرت ذلك في "شرح منهاج الأصوليين"، والدليل على ما قلناه أن أهل قباء لما أتاهم الخبر بنسخ القبلة في الصلاة استداروا، ولو كان كما يقوله الرافعي من ثبوت الحكم لكانت صلاتهم باطلة، ويلزم القضاء، وقد استدل -أعني الرافعي- في باب استقبال القبلة بقصة أهل قباء على أنه ينحرف في الصلاة عند تغير الإجتهاد إذا قلنا: لا يجب

جارٍ التحميل