كتاب اللقطة
وفيه بابان:
الباب الأول: في "أركانها"
قوله: ثم في كيفية الإشهاد وجهان:
أصحهما: عند صاحب "التهذيب" يشهد على أصلها دون صفاتها لئلا يتوصل كاذب إليها.
قال البغوي: ويجوز أن يذكر جنسها.
والثاني: يشهد على صفاتها أيضًا، حتى لو مات لا يتملكها الوارث ويشهد الشهود للمالك وأشار الإمام إلى توسط بين الوجهين وهو أنه لا يستوعب الصفات، بل يذكر بعضها ليكون في الإشهاد فائدة، انتهى.
والأصح ما قاله الإمام، كذا قاله في "الروضة" قال الإمام: وما ذكرناه من المنع من ذكر تمام الأوصاف لإبراءه ينتهي إلى التحريم.
قوله: والتقاط العبد على ثلاثة أضرب:
أحدها: التقاط لم يأذن فيه السيد ولا نهى عنه ففيه قولان: أصحهما عند جماعة أنه لا يصح، ثم قال: وفي بعض الشروح أن ابن سريج قال: القولان مبنيان على أن العبد يملك، فأما إذا فرعنا على الجديد وهو أنه لا يملك فليس له الالتقاط بحال، وفي هذا القياس من جهة أنه ليس القولان في العبد هل يملك مطلقا، وإنما هما في أنه هل يملك بتمليك السيد، ولا تمليك هنا من جهة السيد، انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدهما: أن هذه الطريقة المحكية عن ابن سريج قد حذفها النووي من
الجزء: 6 - الصفحة: 283
"الروضة" فلم يذكرها.
الأمر الثاني: أن الأصحاب قد ذكروا أن التملك بالالتقاط يكون بمثابة الاقتراض ولنا في تملك العبد بعوض في ذمته كالقرض والشراء خلاف.
إذا علمت ذلك فالناقل عن ابن سريج لم يصرح بالبناء على التمليك بغير عوض حتى يورد عليه ما أورد، وإنما أطلق ذلك، والمناسب إنما هو التمليك بعوض فوجب الحمل عليه، وحينئذ فلا يجيء الاعتراض الذي قاله.
الأمر الثالث: أن دعواه نفي الخلاف في تمليك غير السيد قد تكرر منه، وليس الأمر كما إدعاه كما تقدم إيضاحه في كتاب الوقف.
قوله: وقدم الإمام مقدمة وهي أن القاضي لو أخذ المغصوب من الغاصب ليحفظه للمالك إلى آخره.
هذه المسألة سبق الكلام عليها واضحًا في أوائل باب الفلس فراجعها.
قوله: فإن قلنا بصحة التقاط العبد فلم يعلم به السيد كان المال أمانة في يده ثم قال: فلو أبلغه العبد بعد مدة التعريف أو تملكه لنفسه فهلك عنده ففي الضمان وجهان:
أحدهما: أنه يتعلق بذمته كما لو استقرض قرضًا فاسدًا واستهلكه وبهذا أجاب الشيخ أبو محمد في "الفروق".
والثاني: برقبته كما لو غصب شيئًا فتلف عنده وليس كالقرض، فإن صاحب المال سلمه إليه، انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والراجح هو الوجه الثاني، فقد رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: إنه أشبه الوجهين.
قوله: في المسألة فإن علم به السيد وأقره في يد العبد جاز إن كان أمينًا، فإن
الجزء: 6 - الصفحة: 284
تلف في يده في مدة التعريف فلا ضمان، وإن تلف بعدها نظرت، فإن أذن السيد في التملك وجرى التملك لم يخف الحكم ثم قال: وإن لم يجز التملك بعد ففي تعلق الضمان بالسيد وجهان منقولان في "النهاية" أظهرهما يتعلق بإذنه في سبب الضمان، وإن لم يأذن السيد في التملك فوجهان أظهرهما أن الضمان يتعلق بذمة العبد والثاني برقبته، انتهى ملخصا.
وحاصل كلامه في الفرعين الأخيرين الجزم بوجوب الضمان والتردد في ما يتعلق به، وليس كذلك فإن الراجح في ما إذا تلفت اللقطة بعد السنة وقبل إختيار التملك أنه لا ضمان فيها أصلا كما أوضحته في موضعه، وهو أوائل الباب الثاني فقال: وأما بعد السنة فقد ذكر صاحب الكتاب أنها تصير مضمونة عليه، ولم يوافقه النقلة على ذلك بل صرح ابن الصباغ، وصاحب "التهذيب" بخلافه، وقالوا إنها أمانة هذا لفظه، وذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا ومقتضاه ترجيح الثاني، وقد صرح به الرافعي في "المحرر"، وعبر بالأظهر والنووي في "الروضة" وعبر بالأصح، فتلخص أن الحكم في الفرعين المذكورين هاهنا يتفرع على وجه مرجوح عندهما فتفطن لذلك والسبب في وقوع هذا أن الغزالي ذكرهما في "الوجيز" بناء علي ما يختاره فتابعه عليه الرافعي غير مستحضر لما عداه.
واعلم أن ما تقدم نقله عن الرافعي في أوائل الباب الثاني مشعر بانفراد الغزالي بذلك مع أن ما نقله هنا عن الإمام صريح في موافقته.
قوله: الضرب الثاني أن يكون الالتقاط بإذنه ففيه طريقان:
أحدهما: القطع بالصحة وإليه ميل الإمام.
والثاني: عن ابن أبي هريرة طرد القولين لما فيهما من معنى الولاية والإذن لا يفيد أهليتهما.
انتهى ملخصا.
لم يصحح شيئًا منهما في "الروضة" أيضًا والراجح طريقة القطع، كذا
الجزء: 6 - الصفحة: 285
رجحها الرافعي في "الشرح الصغير"، فقال: إنها أقوى الطريقين.
قوله: الضرب الثالث التقاط نهاه عنه السيد، فعن الإصطخري القطع بالمنع وعن غيره طرد القولين، انتهى.
والصحيح طريقة القولين، فقد قال الشاشي: في "الحلية" بعد حكاية مذهب الإصطخري إن سائر الأصحاب على طرد القولين.
وقال في "الروضة": مع نقله كلام الشاشي إن طريقة الإصطخري أقوى.
قوله: وفي التقاط المكاتب طريقان:
أحدهما: يصح قطعًا.
والثاني: قولان أصحهما باتفاق الناقلين الصحة.
وحكى ابن القطان طريقة قاطعة بالمنع وهي مستغربة، ثم قال: ومن بعضه حر وبعضه رقيق في التقاطه طريقان كما في المكاتب، انتهى.
ومقتضى إلحاقه بالمكاتب أن يكون الأصح هو الصحة على كل حال فتأمله، وقد حذف من "الروضة" إلحاقه بالمكاتب، وجعل الطريقة الثانية على القولين في القن فقال: هل يصح التقاطه قطعًا أم على القولين كالقن؟ فيه طريقان، هذا لفظه من غير زيادة عليه.
إلا أنه صحح من "زوائده" تصحيح الصحة وإلحاقه بالقن يقتضي البطلان على هذه الطريقة على عكس ما ذكره الرافعي من إلحاقه بالمكاتب، وهذا كله تصرف عجيب من وجوه.
قوله: ولو التقط ما يمتنع من صغار السباع على قصد التملك ضمنه، ثم قال: ولو ردها إلى الحاكم برأ على أصح الوجهين، انتهى.
واعلم أن الملتقط للتملك والحالة هذه غاصب وفي أخذ الحاكم المال
الجزء: 6 - الصفحة: 286
المغصوب كلام سبق ذكره واضحًا في أوائل الفلس فافهمه وقد ذكر أيضًا ما يوافق هذا في أوائل الباب الثاني فقال في ما إذا أخذ اللقطة على قصد الجناية أنه غاصب، وفي براءته بالدفع إلى الحاكم وجهان كما في الغاصب.
قوله: وإن وجدت يعني الحيوانات الممتنعة في بلدة أو قرية أو موضع قريب منهما فوجهان أو قولان أصحهما يجوز التقاطه للتملك إلى آخره.
لم يبين في "الروضة" أيضًا الراجح من ذلك والصحيح أنه وجهان، كذا جزم به الرافعي في "المحرر" وتبعه عليه النووي في "المنهاج" وصححه أيضًا في "الشرح الصغير" فإنه عبر بقوله وجهان وقيل قولان هذا لفظه.
قوله: وما لا يمتنع من صغار السباع كالغنم والعجول والكبر من كبار الإبل والبقر نظر إن وجده في المفازة فهو مخير بين أن يمسكها ويعرفها ثم يتملكها وبين أن يبيعها ويحفظ ثمنها ويعرفها ثم يتملك الثمن، وبين أن يأكلها إن كانت مأكولة، ويغرم قيمتها، والخصلة الأولى أولى من الثانية، والثانية أولى من الثالثة.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو صريح بأنه لا يتحتم عليه شيء من الخصال بل يتخير وسيأتي بعد هذا في ما إذا التقط ما يمكن تحقيقه كالرطب، أنه ينظر فيه فإن كان الحظ في بيعه باعه، وإن كان في تجفيفه جففه وقياسه هنا وجوب مراعاة الأحظ.
قوله: وإن وجده في العمران فهو مخير بين الخصلتين الأولتين، ثم قال وفي الأكل قولان أرجحهما عند الأكثرين المنع، انتهى.
وما جزم به هاهنا من حكاية الخلاف قولين ذكر مثله في "الشرح الصغير" وخالف في "المحرر" فجعل الخلاف وجهين فقال ما نصه: وليس له الثالثة يعني الأكل في أظهر الوجهين، وقد تبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الخلاف.
الجزء: 6 - الصفحة: 287
قوله: ولو التقط حيوانا فقال الإمام يجوز بيع جزء منه لنفقة باقية كما يباع جميعه وحكى عن شيخه احتمالا أنه لا يجوز لأنه يؤدي إلى أن تأكل نفسها، وبهذا قطع أبو الفرج الزاز، قال: ولا يستقرض على المالك أيضًا لهذا المعنى، لكنه يخالف ما سبق في هرب الجمال ونحوه، انتهى ملخصًا.
اعترض عليه النووي فقال: الفرق بينه وبين هرب الجمال ظاهر فإن هناك لا يمكن البيع لتعلق حق المستأجر وهما يمكن فلا يجوز الإضرار بمالكها من غير ضرورة، انتهى لفظه.
والذي قاله أعني النووي -رحمه الله- غفلة فاحشة، فإن البيع هناك ممكن أيضًا وتعلق حق المستأجر غير مانع فإن بيع العين المستأجرة جائز، وقد جزم هو والرافعي في باب الإجارة بجواز بيع الجمال المذكورة حتى قالا: إنه لا يخرج على الخلاف في بيع العين المستأجرة للضرورة.
قوله: وإذا وجد رقيقًا مميزًا والزمان آمن لم يأخذه لأنه يستدل على سيده, وإن كان غير مميز أو مميزا في زمن تهب جار أخذه، وينفق على الرقيق مدة الحفظ من كسبه, فإن لم يكن له كسب باعه الملتقط بإذن الحاكم، وقيل يستقل به ثم قال: وإذا بيع ثم ظهر المالك، وقال: كنت أعتقته فقولان: أظهرهما يقبل قوله ويحكم بفساد البيع.
والثاني: لا كما لو باع بنفسه, انتهى.
وتقييده بالعتق يوهم عدم تصديقه في ما عداه كالبيع والوقف والهبة لأجل ما يتخيل من قوة العتق، وليس الأمر كذلك بل التصرفات المزيلة للملك كلها سواء في ذلك، كذا جزم به الرافعي قبيل كتاب الصداق بقليل وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى بمعنى آخر فراجعه.
وقوله أيضًا كما لو باع بنفسه ويوهم أن بيع الوكيل ليس كبيع نفسه، ولهذا اغتر به ابن الرفعة في "الكفاية" فجزم به في كتاب النكاح في الكلام
الجزء: 6 - الصفحة: 288
على غيبة الولي وليس الأمر كذلك، بل حكمه حكم ما لو باع بنفسه كما جزم به الرافعي في الموضع الموعود بذكره.
قوله: سواء وجد في العامر أو الغامر.
اعلم أن هاتين اللفظتين بالعين والميم إلا أن عين الأولى مهملة وعين الثانية معجمة، فالعامر بالمهملة معروف، وبالمعجمة نقيضه.
قال الجوهري في الكلام على الغين المعجمة والعامر من الأرض خلاف العامر، وقال بعضهم العامر من الأرض ما لم يزرع مما يحتمل الزاعة وإنما قيل له غامر لأن الماء يبلغه فيغمره، وهو فاعل بمعنى مفعول، وبنى على فاعل ليقابل به العامر، وما لا يبلغه الماء من موات الأرض لا يقال له عامر.
قوله: يشترط في اللقطة أن تكون شيئًا ضاع من مالكه بسقوط أو غفلة أو نحوهما فأما إذا ألقت الريح ثوبًا في حجره، أو ألقى إليه هارب كيسًا ولم يعرف من هو أو مات مورثه عن ودائع وهو لا يعرف ملاكها فهو مال ضائع يحفظ ولا يتملك انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أنه قد تابعه في "الروضة" على ما ذكره هنا في الثوب، وجزم في "شرح المهذب" في زكاة المعدن والركاز في الكلام علي الركاز الإسلامي بأن الثوب المذكور لقطة.
[الثاني: أن الشيء المحكوم بكونه لقطة] 1 قد لا يكون فيه ضياع بالكلية، وذلك كولد اللقطة قبل إختبار التملك، فإن الواجد يتملكه بعد الحول والتعريف لأنه مع كونه غير ضائع هذا هو مقتضى القواعد ولم يتعرض له الرافعي.
الجزء: 6 - الصفحة: 289
وكذلك إذا وجد ركازا من دفين الإسلام تيقنا بأنه لم يضع من صاحبه، وذلك بأن أعلم صاحبه به غيره، ثم قتل صاحبه أو مات ولم يعلم هل له وارث أم لا ولم يأخذه ذلك الغير بل أعلم به من أخذه، وكذلك أيضًا إذا لم يوجد فيه شيء من هذه الشروط لإنا لم نعلم الضائع.
الأمر الثالث: أن التقييد بالمالك يرد عليه أمور:
منها: ما لا يملك بالكلية [كالكلب] 2 والخمر المحترمة ونحوهما، فإنه يصح التقاطه على الصحيح كما بسطه الرافعي وبنى عليه فروعًا.
ومنها: إذا علم الضائع من غير مالك كما إذا وجد حيوانًا معلمًا بعلامة الهدى كالإشعار والتقليد فإنه يجوز التقاطه في أصح القولين ويعرفه أيام منى.
قال في "الروضة" وفائدة التقاطه جواز التصرف فيه بالنحر بعد التعريف ومن ذلك المستعير والمستأجر والمودع ونحوهم، وفي الغاصب ونحوه نظر، وأما الموقوف فقد يجوز التقاطه لتملك منافعه كما قلنا في الكلب، فقد يجوز لأجل التصرف في منافعه بالإيجار والصرف إلى الفقراء لأنه لم يعلم مصرفه كما جوزنا النحر والتفرقة في الهدي.
الجزء: 6 - الصفحة: 290
الباب الثاني: في "أحكام اللقطة"
قوله: وإذا قلنا بالظاهر أي أن المودع لا يضمن بقصد الخيانة فلو قصد ذلك في أثناء الأخذ ففي كونه ضامنًا وجهان، انتهى.
وهذه المسألة لم يذكرها الرافعي في باب الوديعة، وقد أسقطها النووي من هذا الموضع وكأنه ظن أن الرافعي ذكرها في بابها فأسقطها، وليس كذلك.
قوله: ومهما صار الملتقط خائنًا في الدوام إما بنفس الخيانة، أو بقصدها ثم أقلع وأراد أن يعرف ويتملك فوجهان: أحدهما المنع لأنه صار مضمونا عليه بتعديه والأمانة لا تعود بترك التعدي.
ووجه الثاني: أن التقاطه في [الإبتداء] 3 انعقد مقيدًا للملك فلا يبطل حكمه بتفريط نظرًا، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، لكن إيراد الكتاب يشعر بترجيح الأول ويؤيده أنهم شبهوا الوجهين، إلى آخره.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، [وهو ظاهر في رجحان المنع، وصحح النووي في "الروضة"] 4 أن له أن يتملكه، ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي، وهو غريب جدًا، فتفطن له.
قوله: وهل يجوز تفريق السنة بأن يعرف شهرين ويترك شهرين وهكذا؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه أجاب الإمام لا لأنه إذا فرق لم يظهر فائدة التعريف.
والثاني: وهو الذي أورده العراقيون والقاضي الروياني يجوز، انتهى.
الجزء: 6 - الصفحة: 291
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أن مقتضاه رجحان الجواز لأن القائلين به أكثر، إذا علمت ذلك فقد صرح بترجيح الأول في "المحرر" فقال: فيه وجهان: أشبههما المنع.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" عرب عن قول الرافعي، وهو الذي أورده العراقيون بقوله: قطع به العراقيون، ثم اعترض عليه فقال من زياداته: قلت الجواز أصح ولم يقطع به العراقيون، بل صححوه هذا كلامه، وهو غريب.
قوله في كيفية التعريف: ولا يستوعب الصفات ولا يبالغ فيها لأن لا يعتمدها الكاذب فإن بالغ ففي مصيره ضامنًا وجهان لأنه لا يلزمه الدفع إلا ببينة لكن قد يرفعه إلى حاكم يلزمه الدفع بالوصف، انتهى.
والأصح وجوب الضمان كذا صححه في "الروضة" من "زياداته".
قوله: أما إذا قصد الحفظ أبدًا ففي وجوب التعريف وجهان والأكثرون على أنه لا يجب.
انتهى.
وما قاله -رحمه الله- يستثنى منه لقطة الحرم فإنه لا يجري فيها هذا الخلاف، بل يجب التعريف جزمًا للحديث الوارد فيها، كذا قاله في "الروضة" من زياداته عن الأصحاب في الكلام على لقطة الحرم.
قوله الخامسة: ليكن التعريف في الأسواق ومجامع الناس وأبواب المساجد، ولا يعرف في المساجد، وكما لا يطلب الضالة فيه، قال الشاشي في المعتمد: إلا أن أصح الوجهين جواز التعريف في المسجد الحرام بخلاف سائر المساجد.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وكذلك ابن الرفعة في "الكفاية" وهو ظاهر في تحريم ذلك في بقية المساجد، وليس كذلك فإن المنقول فيه إنما هو الكراهة،
الجزء: 6 - الصفحة: 292
وقد جزم به النووي في "شرح المهذب" في آخر باب الخيانة في الفصل المعقود لأحكام المساجد.
قوله: في "الروضة" فرع قال في "التتمة" يحل التقاط السنابل وقت الحصاد إن أذن فيه المالك أو كان قدرًا لا يشق التقاطه عليه وإن كان يلتقطه بنفسه لو اطلع عليه وإلا لم يحل.
انتهى كلامه.
وما ذكره في أخره من تعبيره بقوله وإلا أي بواو وهمزة قد شاهدته في النسخة التي هي بخطه -رحمه الله- وهو فاسد تبع فيه نسخة محرفة من نسخ الرافعي بل صوابه أولًا أي بهمزة ثم واو، وقد ذكره في "التتمة" على الصواب فقال: الثاني جرت العادة بالتقاط ما يقع من أيد الحصادين من السنابل، فإن كان المالك أذن فيه فهو حلال، وإن لم يكن قد أذن فيه فهو حلال وإن لم يكن قد أذن فيه صريحًا إلا أن المالك لا يلتقطه في العادة، ولا يشق عليه التقاط الناس له فيحل التقاطه، وإن كان المالك يلتقطه ويثقل على قلبه التقاط الناس له فلا يحل هذه عبارته.
قوله: وإن التقط في صحراء عرف في البلد التي يقصدها قربت أم بعدت، ولا يكلف أن يغير قصده ويعدل إلى أقرب البلاد كذا قاله الإمام والغزالي، وذكر المتولي وغيره أنه يعدل فيعرف في أقرب البلاد وهذا إن أريد به الأحب فذاك، وإلا حصل وجهان في المسألة، انتهى ملخصًا.
والأصح أنه لا يكلف العدول، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "الروضة".
قوله: وإن وجد في القرية ما يفسد لو بقى كالهريسة جاز الأكل في أرجح القولين عند عامة الأصحاب، ثم قال: وقضيته ترجيح القول بجواز أكل الشاة إذا وجدت في الصحراء كما ذكره الشيخ أبو حامد إلى آخره.
والتعبير بقوله إذا وجدت في الصحراء وقع كذلك في نسخ الرافعي وهو
الجزء: 6 - الصفحة: 293
سهو والصواب أن يقول إذا وجدت في البلد لأن الشاة الموجودة في [الصحراء يجوز أكلها اتفاقا وخلاف الشيخ أبي حامد في الموجودة في] 5 البلد، فإنه ذهب إلى الجواز أيضًا على خلاف ما قاله الأكثرون كما أوضحه الرافعي في الباب الأول.
قوله: ويجب على الآكل إقرار القيمة المغرومة من ماله، لأن ما في الذمة لا يخشى هلاكه، وإذا قرر كان المقرر أمانة وقيل: يجب احتياطًا لصاحب المال ليتقدم بها عند إفلاس الملتقط، وعلى هذا فالطريق أن يرفع الأمر إلى الحاكم ليقبض عن صاحب المال، وإن لم يجد حاكمًا فهل للملتقط بسلطان الالتقاط أن يستنيب عنه؟ فيه احتمال للإمام انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله، وما اقتضاه كلامه من أن احتمال الإمام مخصوص بحالة فقدان الحاكم ليس كذلك، فقد صرح بأنه يجري مع وجوده ومع عدمه، وقد علم من التعبير بالإستثناء به، أن المراد تفويض ذلك إلى غيره بفعله لا فعل الملتقط نفسه فتفطن له.
قوله في المسألة: وذكر الإمام أنه إذا أفرز القيمة لم يصر ملكا لصاحب المال لكنه أولى بتملكها، وبمثله أجاب المصنف في "الوسيط" لكنه لو كان كذلك لما سقط حقه بهلاك القيمة المفروزة، وقد نصوا على السقوط وأيضًا نصوا على أنه إذا مضت مدة التعريف فله أن يتملك تلك القيمة كما يتملك نفس اللقطة، وكما يتملك الثمن إذا باع الطعام، وهذا يقتضي صيرورتها ملكًا لصاحب اللقطة، انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما عزاه إلى الإمام [من عدم الملك ليس بصحيح، وإنما نقله الإمام عن غيره وزاد على ذلك فرده، فقال: ثم إذا قبض القاضي فقد تفرض قائمة مقام مالك اللقطة تقديرا حتى تصير القيمة مملوكة له، ويمتنع إبدالها، وقال الأصحاب: لا يملكها، وإنما يكون أولى بها لو أفلس الملتقط
الجزء: 6 - الصفحة: 294
وهذا فيه بعد، وبتقديره فلا يدخل في ملكه بمجرد ظهوره، بل له أن يتملكها وأن يعرض عنها، انتهى كلامه ملخصًا.
الثاني: أن ما ذكره من سقوط حق المالك عند تلف القيمة المفرزة، إذا قلنا بأنه يملكها يشكل على ما ذكره في الأضحية فإنه قال في الكلام على أحكام الضحايا، ولو كان في ذمته دم عن فوات أو تمتع أو أضحية أو هدي عن نذر مطلق، ثم عين بدنة أو شاة عما في ذمته فقد قدمنا خلافا في أنها هل تتعين؟ والظاهر التعيين وحينئذ فالظاهر زوال الملك عنها كالمعينة إبتداء، لكن لو تلفت ففي وجوب الإبدال وجهان:
أصحهما: الوجوب وهو الذي اقتصر عليه المعظم لأن ما التزمه ثبت في ذمته، والمعين وإن زال ملكه عنه فهو مضمون عليه كما لو كان لرجل على آخر دين فاشترى منه سلعة بذلك الدين، ثم تلفت السلعة قبل التسليم في يد بائعها فإنه ينفسخ البيع ويعود الدين كذلك هاهنا، يبطل التعيين ويعود ما في ذمته انتهى كلامه.
وذكر مثله في "الروضة" فإن قيل: إنما سقطت القيمة في اللقطة، لأن الحاكم يقبضها فأقمنا قبضه مقام قبض المالك قلنا لم لا أوجبنا قبض الحاكم في الأضحية أيضًا، لاسيما أنه يؤدي إلى إيجاد القابض والمقبض.
الأمر الثالث: أن الرد بالوجه الثاني على الإمام والغزالي سهو، فقد جزم الإمام بأن القيمة بعد مدة التعريف على حالها في يد الحاكم مبقاة علي حق مالك اللقطة وكذلك الغزالي في "الوسيط"، فإنه قال: فالأشهر أنه لا يرتفع الحجر، بل يحفظه أبدًا لمالكه لأنه بدل اللقطة لا عينها ووقع لابن الرفعة هنا أغلاط بعضها قلد فيه الرافعي وبعضها من قبله، وذكر القاضي الحسين في تعليقه أنا إذا قلنا لا يحتاج إلى إفراز القيمة أولا فلابد من إفرازها بعد الحول عند التملك لأن تملك الدين لا يصح.
قوله: لنا أي في جواز التملك للغني والفقير قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث زيد بن خالد الجهني: فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها، ولم يفرق بين الغني والفقير
الجزء: 6 - الصفحة: 295
انتهى كلامه.
وما ذكره لا دلالة فيه البتة لأن الخطاب مع واحد معين ولابد أن يكون حالة الخطاب وتجويز الأخذ متصفًا بواحدة منها ويستحيل إتصاف بهما معًا فيكون الحديث دالًا على المتصف ببدل الصفة خاصة.
قوله الثالثة: في لقطة مكة وحرمها وجهان أو قولان: أظهرهما: أنه لا يجوز أخذها للتملك، انتهى.
واعلم أن نسخ الرافعي هنا مختلفة ففي بعضها ترديد القول كما ذكرته هاهنا وفي بعضها الجزم بأن الخلاف قولان، والراجح عند الرافعي أنه قولان كذا رجحه في "الشرح الصغير" وجزم النووي في "الروضة" و"زوائد المنهاج" بأنه وجهان.
وقوله: وإن ظهر المالك بعد التملك، وقد زادت فالمتصلة يبيعها، والمنفصلة تسلم للملتقط.
انتهى.
وإطلاقه أن المنفصلة كالحمل ونحوه يكون للملتقط، قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك فإن الحمل قد يكون موجودًا عند المالك أو يحدث في مدة التعريف أو بعدها، وانفصاله قد يكون بعد الرجوع وقد يكون قبله ويأتي فيه ما سبق في نظائره كالرد بالعيب والفلس ونحوها فراجعه.
قوله: فلو أراه اللقطة وقال هاتها فأخذها لنفسه فالآخذ أولى، وإن أخذها للآخر أو لنفسه وله فعلى الوجهين في جواز التوكيل بالاصطياد ونحوه انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على ذلك، وهو مخالف لما ذكره في الوكالة في الكلام على التوكيل في المباحات فراجعه، فإنه قد تقدم التنبيه عليه.
قوله: وإذا دفع اللقطة إلى الحاكم وترك التعريف والتملك، ثم ندم وأراد أن يعرف ويتملك، ففي [تمكينه] 6 وجهان حكاهما ابن كج، انتهى.
قال في "الروضة": المختار عنهما المنع، لأنه أسقط حقه.
الجزء: 6 - الصفحة: 296
قوله: وفي "المهذب" أنه إذا وجد خمرًا أراقها صاحبها لم يلزمه تعريفها لأن إراقتها مستحقة فإن صارت عنده خلًا فوجهان:
أحدهما: أنها للمريق كما لو غصبها فصارت خلًا.
والثاني: للواجد لأنه أسقط حقه بخلاف الغصب، وهذا الذي ذكره تصويرا وتوجيها إنما يستمر في الخمر المحترمة, وحينئذ لا يكون إراقتها مستحقة، أما في الإبتداء فظاهر، وأما عند الواجد فينبغي أن يجوز إمساكها إذا خلا عن قصد فاسد، ثم يشبه أن يكون ما ذكره مخصوصًا بها إذا أراقها لأنه معرض، أما إذا ضاعت المحترمة من صاحبها فلتعرف كالكلب، انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الأصح من هذه الوجهين أنها للواجد، كذا صححه النووي من زياداته في باب الغصب، وفي أصل "الروضة" في كتاب الصيد والذبائح.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من تصوير المسألة وتوجيهها إنما يستمر في الخمر المحترمة كلام عجيب على العكس فما يدل عليه كلام "المهذب"، وأما التصوير وهو وجود الخمر التي أراقها صاحبها فلا دلالة فيه لا على ما قاله ولا على خلافه، بل دلالته على خلافه أقرب لأن المحترمة وهي التي عصرت بقصد الخلية لا يريقها عاصرها غالبا، وأما التعليل فدال على عكس ما قاله لأن استحقاق الإراقة من المريق أو الواجد ينفي تصويرها بغير المحترمة فإن أراد التعليل المذكور للوجهين فلا يدل أيضًا، لأن غير المحترمة لو صارت خلًا في يد الغاصب لكانت للمغصوب منه كما ذكره في الغصب، وكذلك لو تخللت في يده لكان الخل ملكًا بطريق الأولى وكأنه -رحمه الله- ظن أن غير المحترمة إذا غصبها غاصب فتخللت عنده أن الخل يكون له، أو تمسك بقوله لأنه أسقط حقه والمراد أن حقه من هذا الخل قد
الجزء: 6 - الصفحة: 297
سقط بإراقتها وهي خمر كما أشرنا إليه نعم، إن علم الواجد أنها محترمة فواضح وإن لم يعلم فالظاهر كما قاله في "الروضة" من زياداته عدم إحترامها، وحينئذ فيجب على الواجد إراقتها.
الأمر الثالث: أن قول الرافعي ثم يشبه في آخره أراد به أن ما ذكره صاحب "المهذب" من التمثيل بالخمر المراقة ينبغي أن يكون الحكم مقصورا عليه أي لا يتعدى إلى غير المراقة، وإليه أشار بقوله مخصوصا، فإن صاحب "الروضة" باعتراض فاسد سببه عدم فهمه لكلام الرافعي فقال: وأما قول الرافعي يشبه أن يكون كذا إلي أخره فقد صرح به صاحب "المهذب" فقال: وجد خمرا أراقها صاحبها هذا لفظ النووي وهو غلط لما عرفته، ومن العجب أن الرافعي قد ذكر هذا الكلام من جملة ما نقله عن "المهذب" فكيف يمكن أن يخطر للرافعي استدراكه أيضًا عليه؟ وكيف أيضًا ذهل أعني النووي عن قول الرافعي مخصوصا بكذا؟
قوله: وقد سبق أن البعير وما في معناه لا يلتقط إذا وجد في الصحراء واستثنى صاحب "التلخيص" ما إذا وجد بعيرًا في أيام منى مقلدًا في الصحراء تقليد الهديا فحكى عن نص الشافعي - رضي الله عنه - أنه يأخذه ويعرفه أيام منى، فإن خاف فوت وقت النحر نحوه، ويستحب إستئذان الحاكم فيه، وفي قول لا يجوز أخذه، وقال القفال: الإستئذان في الذبح واجب ولك أن تقول الاستثناء غير منتظم، وإن قلنا أنه يؤخذ لأن الأخذ منه إنما هو الأخذ للتملك ولا شك أن هذا البعير لا يؤخذ للتملك، انتهى كلامه.
وأجاب في "الروضة" عنه فقال: قد سبق في جواز أخذ البعير لآحاد الناس للحفظ وجهان، فإن منعناه ظهر الإستثناء وإن جوزناه وهو الأصح، ففائدة الإستثناء جواز التصرف فيه بالتحر هذا لفظه.
واعلم أن منصوص الشافعي في الأخذ للحفظ إنما هو الجواز والمنع وجه
الجزء: 6 - الصفحة: 298
لا قول كذا هو مذكور في "الشرح" و"الروضة" فلا يصح الجواب، إذا فرعنا على المنع لأن المجوز هنا هو المجوز هناك، وأما جوابه إذا فرعنا على الجواز فمردود أيضًا لأن الكلام في الأخذ لا في التصرف على أن الالتقاط المذكور، كما أنه ليس للتملك ليس للحفظ فإن فيه تصرفًا، فيقال للرافعي والأخذ الجائز أيضًا إنما هو للحفظ وليس هذا له إلا أن هذا لا يدفع سؤال الرافعي، ويتحقق سؤاله بما ذكره، وكذلك اقتصر عليه.
الجزء: 6 - الصفحة: 299