فصل
ينبغي للواقف على ما ذكرته في كتابي هذا من النكت العجبية، والأمور [الغريبة] 1 الواقعة في الكتابين المذكورين أن لا يكفيه مجرد التأخر في الزمن بالإعراض عن هذه الأعمال، والاعتراض على القدح فيما يكفى بالقبول والإقبال، فلله در القائل: اعرفوا الرجال بالحق ولا تعرفوا الحق بالرجال، وينبغي أيضًا أن يتحيل في إقامة العذر لمن ألفهما، ولا يتخيل أن في ذلك نقصا من قدرهما، فإن طبع الإنسان على السهو والنسيان ولا يتصور عادة -خصوصًا مع طول التصنيف- أن يسلم مصنفه من الخطأ والتحريف، والوقوع في مخالفة الأولى والحود عن الطريقة المثلى، فكل مأخوذ من قوله ومتروك، ألا والسعيد من انعدت غلطاته، وانحصرت سقطاته وقيض له من تدارك زَلَلَهُ، وأصلح خلله أصلح الله أعمالنا وأنجح آمالنا بمنه وكرمه.
وإذا تأمل المنصف هذا التصنيف، وأمعن النظر في هذا [التأليف] 2 حكم بأنه ينظم الكتابين كالقوافي، وأن هذا الثالث هو ثالث الآثافي.
هذا وربما تأمله بعض أبناء الوقت ممن ركبه الخزي والمقت والحسد واتخذ إلهه هواه وشيطانه مولاه، وألبسه الله رداء الحسد وسربال الشقاوة وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فنظر إليه بطرف خفى وصم عن إدراك ما فيه وعمى، أو استتبع فيه بصره، وأوسع فكره فحقق خبره، وعلم قدره فعدل سرًا إليه، ولكن أماله حسده فعدل جهرًا عليه كما قد وقع في الكتاب الأول الموضوع لبعض هذه الأنواع المسمى "بالجواهر" زاعما في ذلك استكشاف غوره، أو استتباع عثره، مرشدًا إلى التوقف عن التوغل فيه والغول، ومكنونه مفهوم فى لحن القول، فلم يكن ذلك مانعًا أن شفع بالثاني الأول، ولا قاطعًا ما أمر الله به أن يوصل، وإذ حان
الشروع فيما قصدناه، وآن الرجوع إلى ما وعدناه فنسألك اللهم يا مرشدًا إلى أوضح دليل، وهاديًا إلى سواء السبيل، أن ترشدنا إلى أفضل ما يعتمد، وتسددنا إلى أعدل ما يعتقد، وتأخذ بأيدينا إذا عثرنا، ولا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا، ونعوذ بك من علم لا ينفع، ودعاء لا يسمع وعمل لا يرفع، فإنك غاية ملاذ السائلين ونهاية [أمل الآملين] 1، ولك الحمد ظاهرًا وباطنا وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
فصل
في إنجاز ما سبق الوعد به، وهو ذكر ما اشتمل عليه الكتابان من المنسوبين إلى الإمام الشافعي عددًا سردًا مرتبًا على ترتيب وفياتهم عند العلم بها، ليكون ذلك أنموذجًا لما بعده، ثم ذكر تراجمهم على حروف المعجم، ولنبدأ بأصحابه الآخذين عنه، ثم باقى الأصحاب متبركين بالبداءة بإمامهم فنقول:
الإمام الشافعي،
الحميدي، البويطي، عبد العزيز بن مقلاص، الحارث المعروف بالنقال بالنون، أَبو ثور، حرملة، الكرابيسي، الربيع الجيزي الزعفراني، يونس بن عبد الأعلى، المزني، محمد بن عبد الحكم، الربيع المرادى، موسي بن أَبى الجارود، ولم أعلم وفاته، أخت المزني لا أعلم أيضا تاريخ وفاتها.
وأما بقية الأصحاب ففي المائة التى توفي فيها الشافعي وهي المائة الثالثة جماعة وهم:
أحمد بن سيار -بفتح المهملة-، الأنماطى، أَبو عبد الله البوشنجى ويعرف بمحمد بن إبراهيم العبدي أيضًا، محمد بن نصر المروزي، إبراهيم الحربي، أَبو جعفر الترمذي، الجنيد شيخ الصوفية، ابن بنت الشافعي.
وأما المائة الرابعة ففي الخمسين الأولى منها جماعة:
ابن سريج، منصور التميمى، أَبو يحيى الساجي، أَبو الطيب بن سلمة، أَبو بكر بن خزيمة، عبد الله ابن جعفر القزويني، أحمد بن سيف السجستاني، أَبو عبد الله الزبيري، أَبو عبيد ابن حربويه، أَبو علي بن خيران، أَبو حفص بن الوكيل -ويعرف بالباب شامى ابن المنذر أَبو على
الثقفي، أَبو سعيد الإصطخري، أَبو بكر الصيرفي، أَبو يحيى البلخي، أَبو العباس بن القاص -بالمهملة-، أَبو إسحاق المروزي، أَبو بكر الصبغي بالمهملة.
أَبو بكر بن الحداد، أَبو علي بن أَبي هريرة، أَبو الوليد النيسابورى ويعرف أيضا بحسان القرشي -أَبو علي الطبري- ويعرف أيضا بصاحب "الإفصاح"، أَبو بكر الفارسى وهو صاحب "عيون المسائل"، قاضي القضاة أَبو السائب، أَبو بكر الخفاف- وهو صاحب كتاب "الخصال" وأبو بكر هذا والذين بعده إلى آخر هذه الخمسين لم أعلم وفاتهم إلا أنهم في هذه الطبقة، وهم إبراهيم بن يوسف، أَبو بكر المحمودي، أَبو الطيب النساوي، أَبو الحسين النسوى، أَبو منصور ابن مهران، أَبو الحسن الصابوني، أَبو الحسن الطرسوسي، أَبو جعفر الإستراباذي.
وفي الخمسين الثانية من هذه المائة جماعة وهم:
ابن القطان، القاضي أَبو حامد المروروذي، القفال الشاشي -صاحب "جمع الجوامع"- وهو أَبو سهل بن العفريس لم أعلم تاريخ وفاته، إلا أنه من طبقة القفال، ابن المرزبان، أَبو سهل الصعلوكى، الأزهري -وهو الإمام في اللغة-، أَبو بكر الإسماعيلي، أَبو زيد المروزي، أَبو أحمد الجرجاني، الداركي، الماسرجسي، الأودني، أَبو محمد الإصطخري، الدارقطني، أَبو عبد الله الختن -بالخاء المعجمة والتاء المثناة بنقطتين من فوق- أَبو زكريا السكرى، الخطابى، زاهر السرخسى، ابن لال -بلامين بينهما ألف- أَبو محمد البافي الخضرى، أَبو علي الزجاجي، وهذا والذين بعده إلى آخر هذه الخمسين لم تتحرر وفاتهم إلا أنهم في هذه الطبقة، وهم، القيصري، بن خيران -صاحب "اللطيف"-، أَبو محمد الكرابيسي، الحناطي أَبو حيان التوحيدي، أَبو الفياض البصري، صاحب "التقريب" -أَبو يعقوب الأبيوردى الشبوى- بفتح الشين المعجمة بعدها باء موحدة مضمومة، بنت الشبوي -المذكور لم أعلم تاريخ وفاتها.
وأما المائة الخامسة ففي الخمسين الأولى منها جماعة وهم:
ابن اللبان، الحليمي، أَبو محمد الحداد، ولم تتحرر لى وفاته إلا أنه في هذا العصر، أَبو الطيب الصعلوكى، الحاكم صاحب "المستدرك"، ابن كج، الشيخ أَبو حامد أَبو طاهر الزيادي، أَبو القاسم الصيمري، ابن سراقة وترتيب هذا على الذي قبله [بالظن، أَبو إسحاق الطوسي، المحاملي القفال، المروزي، الأستاذ أَبو إسحاق الإسفراييني، أَبو بكر الطوسي، المسعودي، البندنيجي أَبو منصور البغدادي، الحافظ أَبو نعيم، أَبو علي السنجي، ابن عبدان، الشيخ أَبو محمد الجويني، أَبو حاتم القزوينى، الشريف ناصر العمرى، سليم الرازى، أَبو القاسم الكرخى، الدارمى، القاضي أَبو الطيب، الماوردى، الصيدلانى ويعرف بالداوودى وبابن داود أيضًا أَبو الفضل العراقى أَبو عبد الله القطان صاحب -"المطارحات"-، أَبو عبد الرحمن القزاز، أَبو إسحاق الخراط، أَبو الحسن الطيبى، أَبو الفضل الفاشاني، -بالفاء- أَبو منصور الأبيوردى متقدم على ابن كج، أَبو محمد ابن ميمون الفارسى متقدم على العبادي، أَبو سهل الأبيوردي جد الرويانى، وابن الصيدلانى، إلى هنا لم أعلم وفاتهم إلا أنهم في هذه الطبقة.
وفي الخمسين الثانية من هذه المائة جماعة، وهم:
البيهقي، أَبو عاصم العبادى، الفورانى، القاضي حسين، الخطيب البغدادى، الشالوسى -معجم الأولى- أَبو الربيع الإيلافى، الواحدى، الماخوانى، أَبو خلف الطبرى، ويعرف أيضا بالسلمى-، الشيخ أَبو إسحاق الشيرازى، الخبرى بخاء معجمة مفتوحة بعدها باء موحدة ابن الصباغ، إمام الحرمين، صاحب "التتمة" النيهى بنون مكسورة والجرجاني صاحب "المعاياة"، أَبو المظفر السمعانى، نصر المقدسى، سعد الإسترباذى، العبدرى
صاحب "الكفاية"-، أَبو الفرج السرخسى، صاحب "الأمالى"- ويعرف أيضًا بالزاز، أَبو الحسن العبادى -وهو صاحب "الرقم"- أَبو نصر البندنيجى، أَبو عبد الله الحسين المعروف بصاحب "العدة"، أَبو سعد الهروى والد الرويانى، أَبو مخلد البصرى الموفق ابن طاهر بعد الشيخ أَبى محمد أَبو الفتح الهروى رفيق الغزالى، ابن يونس القزوينى، ومن أبي سعيد إلى هنا لم أعلم وفاتهم إلا أنهم من أهل هذه الطبقة.
وأما المائة السادسة ففي الخمسين الأولى منها جماعة وهم: [الرويانى] 1 وهو صاحب "البحر"، الكيا الهراسى، الغزالى، أَبو بكر بن بدران، الحلوانى، الشاشى -وهو صاحب الحلية-، أَبو بكر ابن السمعاني، أَبو القاسم الأنصاري، أَبو نصر بن القشيري البغوي ابن برهان الفارقى، ملكداد القزوينى إسماعيل البوشنجى 2 إبراهيم المروروذى بالذال المعجمة-.
محمد بن يحيى صاحب "الذخائر"، أَبو بكر الزنجاني.
أَبو بكر الأرغياني القاضي أَبو الفتوح، وهو صاحب "أحكام الخناثى"، أَبو المكارم الروياني- وهو ابن أخت صاحب "البحر" ويعرف بصاحب "العدة"، شريح الرويانى -بالشين المعجمة-، ومن الزنجانى إلى هنا لم أعلم تاريخ وفاتهم إلا أنهم في هذه الطبقة.
وفي الخمسين الثانية من هذه المائة جماعة، وهم: صاحب "البيان" ولد الرافعى، أَبو بكر الحازمى بالمهملة، ابن أبي عصرون، الدولعي، أَبو الفتوح العجلي، وهو صاحب "التعليق على الوسيط".
وأما المائة السابعة، ففيها إلى وفاة الشيخ محيى الدين جماعة وهم: الإمام فخر الدين، الرافعي، ابن الصلاح، الشيخ عز الدين بن عبد السلام،
النووي، وهو خاتمة الأسماء -رضى الله عنهم أجمعين- ورضى عَنَّا بهم.
وإذ علم هذا الأنموذج الشريف الدال على سعادة الدارين، فنعود إلى ذكر تراجمهم المعطرة للوجود، المرغبة في الخير لكل موجود، مستمدين من الله التوفيق والمعونة فنقول:
1 -
الإمام الشافعي
هو أَبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، جد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وشافع بن السائب هو الذي ينسب إليه الشافعي، لقى النبى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو مترعرع، وأسلم أبوه السائب يوم بدر، فإنه كان صاحب راية بني هاشم، فأسر من جملة من أسر، وفدى نفسه ثم أسلم، كانت ولادة الشافعي بغزة من الشام سنة خمسين ومائة، وقيل: بمنى، حكاه في "التنقيب"، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن، ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، و"الموطأ" وهو ابن عشر، وتفقه على مسلم بن خالد مفتى مكة، ويعرف بالزنجى لشدة شقرته من باب الأضداد، وأذن له مسلم في الإفتاء وعمره خمس عشرة سنة، ثم رحل إلى مالك بالمدينة، ولازمه مدة، ثم قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة، فأقام بها سنتين، فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا، عنه وصنف بها كتابه القديم، ثم خرج إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين فأقام بها شهرًا، ثم خرج إلى مصر، فلم يزل بها [ناشرًا] 1 للعلم، ملازمًا للاشتغال بجامعها العتيق إلى أن أصابته ضربة شديدة،
فمرض بسببها أيامًا على ما قيل، ثم انتقل إلى رحمة الله وهو قطب الوجود يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بالقرافة بعد العصر من يومه، وكانت له كرامات ظاهرة، منها: أنه لما حضره الموت نظر إلى أصحابه: فقال للبويطى: يا أبا يعقوب تموت في قيودك، فكان منه ما سنذكره قريبًا، وقال للمزنى: سيكون لك بعدى شئون، فعظم شأنه بعده عند الملوك فمن دونها، وقال لابن عبد الحكم: تنتقل إلى مذهب أبيك، فانتقل لسبب يأتى ذكره، وقال للربيع: أنت راوية كتبى، فعاش بعده قريبًا من سبعين سنة حتى صارت الرواحل تشد إليه من أقطار الأرض، لسماع كتب الشافعي.
وكان -رحمه الله- أول من تكلم في أصول الفقه، وأول من قرر ناسخ الأحاديث ومنسوخها، وأول من صنف في أبواب كثيرة من الفقه معروفة، ومع ذلك قال: وددت أن لو أخذ عنى هذا العلم من غير أن ينسب إلىّ منه شئ، وقال: ما ناظرت أحدًا إلا وددت أن يظهر الله الحق على يديه، ومعناه كما قال البيهقي: إنه لا يستنكف [عن الأخذ به، بخلاف خصمه، فإنه قد يستنكف] 1 فلا يأخذ به، وكان جهورى الصوت جدًا، وفي غاية من الكرم والشجاعة، وجودة الرمى وصحة الفراسة وحسن الأخلاق، وكان قوله حجة في اللغة كقول امرئ القيس ولبيد ونحوهما، نهاية في العلم بأنساب العرب وأيامها وأحوالها ذا، شعر غريب.
طلب -رحمه الله- من محمد بن الحسن صاحب أَبي حنيفة -رضى الله عنهما- إعارة كتب لما قدم بغداد فمنعها، وكان الشافعي يعظمه ويثنى على علمه ثناءً كثيرًا، فبعث إليه رقعة فيها:
قل لمن لم تر عينا من رآه مثله... ومن كان من رآه قد رأى قبله العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله... لعله يبذله لأهله لعله وله: ولولا الشعر بالعلماء يزرى... لكنت اليوم أشعر من لبيد وأشجع في الوغى من كل ليث... وآل مهلب وأبي يزيد ولولا خشية الرحمن ربى... حسبت الناس كلهم عبيدى وله: ما حك جلدك مثل ظفرك... فتول أنت جميع أمرك وإذا قصدت لحاجة... فاقصد لمعترف بقدرك وله: أمت مطامعى فأرحت نفسى... فإن النفس ما طمعت تهون وأحيبت القنوع وكان ميتا... ففي إحيائه عرض مصون إذا طمع يحل بقلب عبدَ... علته مهانة وعلاه هون وله: إذا ما خلوت الدهر يومًا... فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة... ولا أن ما تخفى عليه يغيب غفلنا لعمر الله حتى تراكمت... علينا ذنوب بعدهن ذنوب فياليت أن الله يغفر ما مضى... ويأذن فى توباتنا فنتوب
2 -
الحميدي
أَبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشى الأسدى الزبيرى المكى، المعروف بالحميدى بضم الحاء، رحل مع الشافعي من مكة إلى مصر ولزمه حتى مات، فرجع إلى مكة يفتى إلى أن توفي بها سنة تسع عشرة ومائتين، كذا قاله البخارى في "تاريخه"، والشيخ أَبو إسحاق في "طبقاته"، وقال غيرهما: توفي سنة عشرين، روى عنه البخارى في "صحيحه"، وذكره مسلم في مقدمة كتابه، وقال يعقوب بن سفيان الفسوى: ما رأيت أنصح للإسلام وأهله منه، نقل عنه الرافعي في الحج أنه روى عن الشافعي: أن الشعرة الواحدة يجب فيها ثلث دم، وفي الشعرتين ثلثان.
3 - البويطي أَبو يعقوب يوسف بن يحيى القرشى
البويطى
من بويط، وهى قرية من صعيد مصر الأدنى، كان خليفة الشافعي في حلقته بعده، قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسى من أَبي يعقوب، وليس أحد من أصحابى أعلم منه، وكان كثير الصيام والقراءة وأعمال الخير، وكان ابن أَبي الليث الحنفي قاضى مصر يحسده، فسعى به إلى الواثق بالله أيام المحنة بالقول بخلق القرآن، فأمر بحمله إلى بغداد مع جماعة آخرين من العلماء، فحمل إليها على بغل مغلولًا مقيدًا مسلسلًا في أربعين رطلًا من حديد، وأريد منه القول بذلك، فامتنع فحبس ببغداد على تلك الحالة إلى أن مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، كذا قاله ابن يونس في "تاريخ مصر"، وقال ابن
خلكان: الصحيح أنه مات سنة إحدى في رجب، وبه جزم النووي في "شرح المهذب"، وكان ذلك يوم الجمعة قبل الصلاة، وكان في كل جمعة يغسل ثيابه ويتنظف ويغتسل ويتطيب، ثم يمشى إذا سمع النداء إلى باب السجن، فيقول له السجان: إلى أين؟ فيقول: أجيب داعى الله، فيقول له السجان: ارجع رحمك الله، فيقول البويطى: اللهم إنى أجبت داعيك فمنعونى.
4 -
ابن مقلاص
أَبو على عبد العزيز بن عمران بن أيوب بن مقلاص الخزاعى مولاهم المصرى، قال ابن يونس في "تاريخ المصريين": كان فقيهًا فاضلًا زاهدًا ثقة، وكان من أكبر المالكية، فلما قدم الشافعي مصر لزمه وتفقه على مذهبه، توفي في شهر ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين ومائتين، ومقلاص بميم مكسورة وبالقاف والصاد المهملة، نقل الرافعي عنه في باب الربا أنه حكى عن الشافعي، جواز بيع الخبز الجاف المدقوق بمثله، وحكى عنه أيضًا في الكلام على ضابط أرش العيب.
5 -
ابن سريج
أَبو عمر الحارث بن سريج البغدادى الخوارزمى الأصل، المعروف بالنقال بالنون والقاف، سمى بذلك لنقله كتاب "الرسالة" من مصر إلى عبد الرحمن [ابن مهدي] 1 المعروف، فإنه كان قد سأل الشافعي أن يصنف
له في أصول الفقه كتابًا فصنف له الكتاب المذكور، وأرسله مع الحارث ولم يكن أحد صنف فيه قبل ذلك، وقد ضعف جماعة النقال المذكور، قال أَبو الفتح الأزدى: وإنما تكلموا فيه حسدًا له، ذكره الخطيب في "تاريخه"، والشيخ أَبو إسحاق في "طبقاته" في أصحاب الشافعي البغاددة، فقال: ومنهم الحارث بن سريج النقال، مات سنة ست وثلاثين ومائتين، وهو الذي حمل كتاب "الرسالة" إلى عبد الرحمن ابن مهدى، نقل عنه الرافعي في موضعين: أحدهما: في آخر باب حد السرقة: أنه روى قولًا عن الشافعي أنه إذا وجب [عليه] 1 قطع اليمين فقطع الجلاد اليسار لا يجزئ كالقصاص، والثانى: في قاطع الطريق: فنقل عنه أنه روى عن الشافعي، أن قاطع الطريق إذا مات قبل قتله لا يسقط صلبه، وذكر أيضًا الرافعي في كتاب الجنايات في أواخر الكلام على استيفاء القصاص في مسألة، ما إذا قطع اليسار عن اليمين [كلمة] 2 تحتمل أن يكون المراد بها النقال المذكور، وهو الظاهر، فإنه نقله في قطع السارق أيضًا كما نقله [عنه] 3 في كتاب السرقة، ويحتمل أن يراد بها القفال بقاف وفاء اسم للمعروف.
6 -
[أبو ثور]
4 إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي، من رواة القديم، قال أحمد بن حنبل: أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة، قال: وهو عندي كسفيان الثورى،
مات في صفر سنة أربعين ومائتين، وكان أَبو ثور على مذهب الحنفية، فلما قدم الشافعي بغداد اتبعه وقرأ كتبه، ونشر علمه، ومع ذلك، قال الرافعي في كتاب الغصب: أَبو ثور وإن كان معدودًا وداخلًا في طبقة أصحاب الشافعي فله مذهب مستقل، ولا يعد تفرده وجهًا هذا كلامه.
7 - حرملة
حرملة
بن يحيى ابن عبد الله بن حرملة المصرى التجيبى نسبة إلى تجيب بتاء مثناة من فوق مضمومة، وقيل: مفتوحة ثم جيم بعدها ياء بنقطتين من تحت ثم باء موحدة، وهى قبيلة نزلت مصر وأصلها اسم امرأة.
وكان حرملة إمامًا حافظا للحديث والفقه، صنف "المبسوط" و"المختصر" المعروف، ولد سنة ست وستين ومائة، وتوفي في شوال سنة ثلاث وأربعين ومائتين قاله ابن ماكولا، وقال ابن عدى: توفي سنة أربع، نقلها النووي في "تهذيبه" ورجح الأول في "شرح المهذب".
8 - الكرابيسي [أَبو على] (1) الحسن بن على ابن يزيد البغدادى
الكرابيسى،
كان من الأئمة الجامعين بين الفقه والحديث، وله مصنفات كثيرة، توفي سنة خمس وأربعين ومائتين، وقيل: سنة ثمان وأربعين، قال ابن خلكان: وهو أشبه بالصواب، وسمى الكرابيسى؛ لأنه كان يبيع [الكرباس] 2 وهى الثياب الغليظة.1
9 -
الربيع الجيزى
[أَبو محمد] (1) الربيع بن سليمان ابن داود الأزدى مولاهم المصرى الجيزى، توفي في ذى الحجة سنة ست وخمسين ومائتين، قاله النووي في "التهذيب".
زاد ابن خلكان عن القضاعى: أنه توفي بالجيزة ودفن بها، والجيزة بجيم مكسورة ثم ياء ساكنة بنقطتين من تحت بعدها زاى هى البلدة المعروفة المقابلة لمدينة مصر، نقل عنه [في] (2) الرافعى، و"الروضة" في كتاب "الشهادات" أنه روى عن الشافعي: كراهة القراءة بالألحان، ولا ذكر له فيهما في غير هذا الموضع.
نعم في "المهذب" وغيره نقلا عنه عن الشافعي: أن الشعر يطهر بالدباغ تبعًا للجلد، وأما الربيع المرادى الآتى ذكره، فالنقل عنه كثير وإذا أطلق الربيع فالمراد هو المرادى.
10 - الزعفراني أَبو على الحسن بن محمد:
الزعفرانى
من قرية يقال لها: الزعفرانية بقرب بغداد، قال الماوردى: هو أثبت رواة القديم، قال الإمام أَبو يحيى زكريا بن يحيى الساجى: سمعت الزعفرانى يقول: إنى لأقرأ كتب الشافعي وتقرأ على منذ خمسين12
سنة، وكان إمامًا في اللغة، قال النووي في "تهذيبه": توفي في شهر رمضان سنة ستين ومائتين، وقال ابن خلكان: توفي في شعبان من السنة المذكورة، قال: وقال السمعانى في "الأنساب": إنه توفي في ربيع الآخر سنة تسع وأربعين ومائتين.
11 -
ابن عبد الأعلى
[أَبو موسى] (1) يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصرى، ولد في ذى الحجة سنة سبعين ومائة، وتوفي في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين، قاله النووي في تهذيبه.
12 - المزني [أَبو إبراهيم] (2) إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل
المزنى
المصرى، كان ورعًا زاهدًا مجاب الدعوة، متقللًا من الدنيا، وكان معظمًا بين أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي في حقه: لو ناظر [السلطان] 3 لغلبه، وذكر الرافعي في كتاب الخلع في الكلام على اختلاع الوكيل، أن بعض المعلقين نقل عن الإمام أنه قال: أرى كل اختيار للمزنى تخريجًا، فإنه لا يخالف أصول الشافعي لا كأبى يوسف ومحمد، فإنهما يخالفان أصول صاحبهما12
كثيرًا، هذا كلامه، لكن نقل الرافعي أيضًا في باب الأحداث عن الإمام أيضًا ما يخالفه، فقال: إنه خرّج -يعنى المزنى- فتخريجه أولى من تخريج غيره، وإلا فالرجل صاحب مذهب مستقل.
انتهى.
صنف "المبسوط" و"المختصر" و"المنثور" و"المسائل المعتبرة" و"الترغيب في العلم"، وكتاب ["الدقائق والعقارب"] (1)، سمى بذلك لصعوبته، وصنف كتابًا مفردًا على مذهبه لا على مذهب الإمام الشافعي، ذكره البندنيجى في كتابه "الجامع" في آخر باب الصلاة بالنجاسة، ولد سنة خمس وسبعين ومائة، وتوفي لست بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين، وصلى عليه الربيع الآتى ذكره، ودفن بالقرافة بالقرب من قبر الإمام الشافعي، وجعل عليه بناء دائر قصير ضيق، وقد زرت قبره، والمزنى منسوب إلى مزينة وهى قبيلة معروفة.
13 - ابن عبد الحكم [أَبو عبد الله] (2) محمد بن عبد الله
ابن عبد الحكم
المصرى، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان أبوه عالمًا جليلًا رئيسًا له إحسان كثير على الشافعي، وكان على مذهب مالك، ومن أكابر أصحابه، وروى عن الشافعي أشياء قليلة، ولد سنة خمسين ومائة، وتوفي سنة أربع عشرة ومائتين، فنشأ ولده [هذا] 3 على مذهب أبيه، وأخذ عن أشهب وابن وهب، فلما قدم الشافعي مصر صحبه وتفقه [به] 4، قال: فاجتمع12
قوم من أصحاب أَبي، فعذلوه في ذلك، فكان يلاطفهم ويأمرنى سرًا بملازمته، وأحبه الشافعي، وصار يثنى عليه [حتى قال مرة: وددت لو أن لى ولد مثل هذا، وعلى ألف دينار دينًا لا أجد لها وفاء] (1)، وحمل في الفتنة إلى بغداد فلم يجب لما طلبوه، فرد إلى مصر، وانتهت إليه الرئاسة بها، توفي يوم الأربعاء لليلة خلت من ذى القعدة قبل منتصفه سنة ثمان وستين ومائتين، وقال ابن نافع: سنة تسع وستين؛ ذكره ابن خلكان، وانتقل قبل وفاته إلى مذهب مالك؛ لأنه كان يروم أن الشافعي يستخلفه بعده في حلقته، فلم يفعل، واستخلف البويطى، وقد ذكره العبادى وابن الصلاح في طبقاتهما لأجل مسائل نقلها عن الشافعي، منها: ما نقله عنه الرافعي أن الصائم تلزمه الكفارة إذا باشر فيما دون الفرج فأنزل.
14 -
ابن أَبي الجارود
[أَبو الوليد] (2) موسى بن أَبي الجارود بالجيم المكى، تفقه على الشافعي، وروى عنه، وكان يفتى بمكة على مذهبه، قاله الشيخ أَبو إسحاق في "طبقاته"، والنووي في "تهذيبه"، ولم يذكروا له وفاة، نقل عنه الرافعي في باب زكاة الذهب والفضة، أنه روى عن الشافعي: تحريم تحلية السرج واللجام والنقر موافقًا للوجه الذي صححوه.
15 -
الربيع المرادى
أَبو محمد الربيع بن سليمان ابن عبد الجبار المرادى مولاهم المصرى12
المؤذن بجامع مدينة مصر خادم الشافعي وراوى "الأم" وغيرها من كتبه، قال الشافعي فيه: إنه أحفظ أصحابى، رحلت الناس إليه من أقطار الأرض لأخذ علم الشافعي ورواية كتبه، ولد سنة أربع وسبعين ومائة، وتوفي بمصر يوم الإثنين لعشر بقين من شوال سنة سبعين ومائتين؛ ذكره النووي في "تهذيبه".
وأنشد [له] (1) ابن خلكان:
صبرًا جميلًا ما أسرع الفرجا... من صدق الله في الأمور نجا
من خشى الله لم ينله أذى... ومن رجا الله كان حيث رجا
16 - أخت المزني
أخت المزنى -
رضى الله عنهما- صاحب الشافعي نقل عنها الرافعي في زكاة المعدن، فإنه صحح أن الحول فيه لا يشترط ثم قال: وفيه قول: إنه يشترط؛ نقله البويطي، إنما رواه المزنى في "المختصر" عمن يثق به عن الشافعي [واختاره] 2، قال: وذكر بعض الشارحين أن أخته روت له ذلك، فلم يحب تسميتها، لا أعلم تاريخ وفاتها.
وأما أصحاب الأصحاب فتجمعهم أبواب كما سبق فاستحضر الاصطلاح المتقدم.1
باب الهمزة
باب الهمزة
17 - الأنماطي [أبو القاسم عثمان] (1) بن سعيد ابن بشار -بفتح الباء- كذا نسبه الشيخ أَبو إسحاق، وقال المطوعى في كتابه "المذهب في ذكر شيوخ المذهب": اسمه عبد الله بن أحمد بن يسار البغدادي
الأنماطي
منسوب إلى الأنماط، وهى البسط التى تفرش، أخذ الفقه عن المزنى والربيع، وأخذ عنه ابن سريج، قال الشيخ أَبو إسحاق: كان الأنماطي هو السبب في نشاط الناس للأخذ بمذهب الشافعي في تلك البلاد، قال: ومات ببغداد سنة ثمان وثمانين ومائتين، وزاد النووي في "طبقاته"، وابن خلكان في "تاريخه": أنه في شوال.
نقل عنه الرافعي في مواضع، منها: في الحيض في الكلام على قول السحب واللقط، ومنها: أن شرط ضم السخال إلى الأمهات في الزكاة بقاء الأمهات.
18 - الإصطخري [أَبو سعيد] (2) الحسين بن أحمد
الإصطخري،
كان هو وابن سريج12
شيخى الشافعية ببغداد، وصنف كتبًا كثيرة، منها "أدب القضاء"، استحسنه الأئمة، وكان زاهدًا متقللًا من الدنيا، وكان في أخلاقه حدة، ولاه المقتدر بالله قضاء سجستان، ثم حبسه ببغداد، ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، وتوفي ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، كذا قاله الشيخ أَبو إسحاق في "طبقاته" ونقله عنه النووي في "تهذيبه"، زاد ابن خلكان: أنه في يوم الجمعة ثانى عشر جمادى الآخرة، وقيل: رابع عشر، ودفن بباب حرب، وإصطخر بكسر الهمزة وفتح الطاء، وجوز بعضهم فتح الهمزة، حكاه في [الحيض] (1) من "شرح المهذب".
19 - الإستراباذى [أَبو جعفر] (2)
الإستراباذى
ذكره العبادى في طبقة القفال الشاشى والأودنى، وذكره أَبو جعفر عمر بن على المطوعى في كتابه المسمى "بالمذهب في ذكر شيوخ المذهب" الذي ألفه للإمام أَبي الطيب سهل ابن الإمام أَبي سهل الصعلوكى، فقال: إنه من أصحاب ابن سريج وكبار الفقهاء والمدرسين وأجلة العلماء المبرزين، وله تعليق معروف في غاية الإتقان، علقه عن ابن سريج، نقل عنه الرافعي في كتاب الجنايات قبيل العاقلة بقليل، فقال: وقال أَبو جعفر الإستراباذى: لا حقيقة للسحر، وإنما هو تخييل، لم يؤرخوا وفاته، وإسترباذ بهمزة مكسورة وتاء بنقطتين من فوق مكسورة أيضًا، وبالذال المعجمة، قاله النووي في "تهذيبه"، قال: وهى بلدة بخراسان قريبة من جرجان.12
20 -
الأزهرى
[أَبو منصور] (1) محمد بن أحمد بن الأزهر المعروف بالأزهرى الإمام في اللغة، ولد بهراة سنة ثنتين وثمانين ومائتين وكان فقيها صالحًا غلب عليه علم اللغة، وصنف فيها كتابه "التهذيب" الذي جمع فأوعى، وصنف أيضًا في التفسير، وشرح ألفاظ "مختصر المزني"، توفي في ربيع الآخر سنة سبعين وثلاثمائة، تكرر نقل الرافعي عنه فيما يتعلق بألفاظ "المختصر".
21 - الإسماعيلي [أَبو بكر] (2) أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل
الإسماعيلى
الجرجانى، قال الحاكم في "تاريخ نيسابور": وكان واحد عصره، وشيخ المحدثين والفقهاء، وأجلهم في الرئاسة والمروءة والسخاء، وقال الشيخ أَبو إسحاق فيه: جمع بين الفقه والحديث ورئاسة الدين والدنيا، وصنف "الصحيح"، وأخذ عنه فقهاء جرجان، وقال شيخنا القاضي أَبو الطيب: دخلت جرجان قاصدًا إليه وهو حى، فمات قبل أن ألقاه، توفي سنة [نيف] 3 وسبعين وثلاثمائة، انتهى كلام الشيخ.
وقال حمزة بن يوسف السهمي في "تاريخ جرجان": إنه توفي في غرة رجب سنة إحدى وسبعين وله أربع وسبعون سنة، بسين ثم باء، نقل عنه الرافعي في مواضع، منها: وقوع الطلاق الثلاث في المسألة السريجية،12
وكان له ابنان عالمان كبيران جمعا الدين والدنيا: أَبو سعيد وأبو نصر، قال الشيخ أَبو إسحاق في ترجمة أَبي سعيد: وفيهم يقول الصاحب بن عباد في رسالته: وأما الفقيه أَبو نصر، فإذا جاء حدثنا وأخبرنا، فصادق وناطق وناقد وحاذق، وأما أنت أيها الفقيه أبا سعيد فمن رآك كيف تدرس وتفتى وتحاضر، وتروى وتكتب وتملى علم أنك الحبر ابن الحبر والبحر ابن البحر، والضياء ابن الفجر، وأبو سعد بن أَبي بكر، فرحم الله شيخكم الأكبر، فإن الئناء عليه غُنم والنساء بمثله عقم، فليفخر به أهل جرجان ما سال واديها وأذن مناديها.
22 - الأودني [أَبو بكر] (1) محمد بن عبد الله
الأودنى،
قال فيه الحاكم: كان شيخ الشافعية بما وراء النهر، وكان من أزهد الفقهاء وأورعهم وأعبدهم وأبكاهم على تقصيره، وأشدهم تواضعا وإنابة.
قال: وتوفي ببخارى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، ونقله عنه النووي في "تهذيبه"، قال ابن خلكان: وذلك في ربيع الأول، ودفن بمحلة من بخارى يقال لها: كلاباذ بكاف مفتوحة وباء موحدة وذال معجمة أخذ عن أَبي منصور بن مهران، قال الإمام في "النهاية": وكان من دأبه أن يضن بالفقه على من لا يستحقه، وإن ظهر بسببه أثر الانقطاع عليه في المناظرة، وأودنة قرية من قرى بخارى وهى بفتح الهمزة، نقله ابن الصلاح عن "الإكمال" لابن ماكولا، وعن خط ابن السمعاني في "الأنساب"، واقتصر عليه، وذكر ابن خلكان أن السمعاني قال: إنه بالضم، فإن الفتح من خطأ الفقهاء [ولم يذكر غيره أعنى ابن خلكان] 2.1
23 - الإصطخري القاضي أَبو محمد
الإصطخري،
تفقه على القاضي أَبي حامد المروروذي، وكان قاضى فسا بفاء مفتوحة وسين مهملة، وفقيه فارس، وشرح "المستعمل" لمنصور التميمي، وكان فقيهًا مجودًا، قاله الشيخ أَبو إسحاق، وقال الخطيب في "تاريخه": هو عبد الله بن محمد بن سعيد بن محارب الأنصاري، سمع بفارس والعراق والحجاز والشام ومصر، قال: وولد بإصطخر في سنة إحدى وتسعين ومائتين، ولم يذكر وفاته، وقال الذهبي في "الميزان": مات سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، نقل الرافعي في كتاب السرقة عن شرح "المستعمل" لأبى محمد المذكور.
24 - الأبيوردي [أَبو منصور] (1)
الأبيوردى،
نقل الرافعي عنه في الباب الأول من كتاب الصداق في الحكم الثانى منه، فقال: وفي شرح القاضي ابن كج أن أبا منصور الأبيوردى حكى عن القاضي أَبي حامد: أن المرأة إذا تبرعت وسلمت نفسها حتى وطئها الزوج كان لها الامتناع كمذهب أَبي حنيفة، لم أعلم تاريخ وفاته.
25 - الإسفراييني [الشيخ أَبو حامد] (2) أحمد بن محمد بن أحمد
الإسفرايينى،
ولد12
سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وفد بغداد سنة أربع وستين، فدرس على ابن المرزبان، فلما مات لزم الداركى، ثم درس سنة سبعين وأقام ببغداد مشغولًا بالعلم حتى صار فريد زمانه، وأنظرهم، ومن وقف على تعليقته علم ذلك، وفي نسخها اختلاف في بعض المسائل، وانتهت إليه رئاسة الدين والدنيا، وطبق الأرض بالأصحاب، وجمع مجلسه نحوًا من ثلاثمائة متفقه، وحكى ابن الصلاح: أنه وقع بينه وبين الخليفة في مسألة أفتى فيها، فكتب الشيخ إليه: اعلم أنك لست بقادر على عزلى عن ولايتى التى ولَّانيها الله تعالى، وأنا أقدر أن أكتب رقعة إلى خراسان بكلمتين أو ثلاث أعزلك عن خلافتك، توفي -رحمه الله- ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ست وأربعمائة، ودفن في داره، وكان يومًا مشهودًا من كثرة الناس وشدة الحزن والبكاء، ثم نقل سنة عشر إلى باب حرب، قاله الخطيب في "تاريخ بغداد"، ونقله النووي في "تهذيبه": وإسفراين بكسر الهمزة وفتح الفاء بلدة بخراسان نواحى نيسابور على منتصف الطريق إلى جرجان.
26 -
الإسفراييني
[أَبو إسحاق] 1 إبراهيم بن محمد الإسفراينى، صاحب العلوم الشرعية والعقلية واللغوية، والاجتهاد في العبادة والورع، أقام بالعراق مدة، ثم اختار وطنه فرجع إلى إسفراين، فدخل عليه أهل نيسابور في الانتقال إليهم، فأجابهم، وبنوا له مدرسة عظيمة لم يبن قبلها مثلها، فلزمها إلى أن توفي يوم عاشوراء سنة ثمان عشرة وأربعمائة، وحمل منها إلى بلده، فدفن بها، نقله النووي في "تهذيبه"، نقل عنه الرافعي في أوائل الحيض وفي غيره، وذكر في أثناء النكاح أنه شرح "فروع ابن الحداد".
27 - الأبيوردى [أَبو يعقوب] (1) يوسف بن محمد
الأبيوردى،
قال فيه المطوعى: تخرج بأبى طاهر الزيادى، وصنف التصانيف السائرة، والكتب الفاتنة الساحرة، وما زالت به حرارة ذهنه وسلاطة وهمه، وذكاء قلبه حتى احترق جسمه واختضد غصنه، وقال غيره: إن الشيخ أبا محمد الجوينى تفقه عليه، وإن من تصانيفه كتاب "المسائل في الفقه"، يفزع إليه الفقهاء وتنافس فيه العلماء، تكرر نقل الرافعي عنه، ولم أقف على وفاته.
واعلم أن الرافعي في قسم الصدقات في الكلام على صنف الفقراء، قال: ونقل الفقيه أَبو يعقوب عن الأودنى كذا وكذا، ويجوز أن يكون المراد هو الأبيوردى والله أعلم.
28 - الأبيوردي أحمد بن على [أَبو سهل أحمد بن على المعروف بالأبيوردى، تلميذ الأودنى، قرأ عليه المتولى ببخارى، ونقل الرافعي في آخر الباب الثالث من أبواب النكاح عن المتولى عنه: أنه إذا قال الخاطب لولى المرأة: زوجت نفسى بنتك فقبل الولى صح العقد، وإن القاضي الحسين منعه] 2. [وللأصحاب] 3 أبيوردى آخر يقال له: أَبو العباس، مات بعد نيف1
وعشرين وأربعمائة.
29 - الإيلاقي أَبو الربيع طاهر بن عبد الله
الإيلاقي
التركي، وإيلاق بهمزة مكسورة بعدها ياء بنقطتين من تحت وبالقاف، هى ناحية من بلاد الشاش المتصلة بالترك في غاية النزاهة على عشرة فراسخ من الشاش، تفقه المذكور بمرو على القفال، وببخارى على الحليمى، وبنيسابور على الزيادى وأخذ الأصول عن الأستاذ أَبي إسحاق، مات سنة خمس وستين وأربعمائة عن ست وتسعين سنة بتاء ثم سين، قاله النووي في "تهذيبه"، نقل عنه الرافعي في كتاب الرهن: أن الخمر إذا غلت ثم تخللت طهر الموضع الذي ارتفعت إليه والحكم فيها كما قاله، ونقل عنه أيضا في نذر اللجاج والغضب.
30 - الإستراباذي [أَبو محمد] (1) سعد بسكون العين ابن عبد الرحمن
الإستراباذي،
تفقه بنيسابور على ناصر العمري وغيره، ثم دخل إلى مرو الروذ وتفقه على القاضي الحسين، ولازم إمام الحرمين وصار من أخصائه، توفي في نصف شوال سنة تسعين وأربعمائة أي بالتاء ثم السين، قاله عبد الغافر الفارسى في ذيله على "تاريخ الحاكم"، نقل عنه الرافعي في الباب الثاني من1
أركان الطلاق أنه إذا قال: لك طلقة لا يقع به شئ وإن نوى، ونقل عنه أيضا قبيل الرجعة بنحو ورقة.
[ومن الأصحاب آخر] (1) يقال له: أَبو محمد الإستراباذى وهو الحسن بن الحسين المعروف بابن رامين بالراء المهملة، نزل بغداد ومات سنة ثنتى عشرة وأربعمائة، ولما نقل الرافعي عن الإستراباذى ما تقدم صرح بأنه سعد.
31 - أبو القاسم سلمان
[أَبو القاسم] (2) سلمان
بفتح السين ابن ناصر الأنصارى النيسابورى تلميذ إمام الحرمين كان فقيهًا إمامًا في علم الكلام والتفسير زاهدًا ورعًا، ذا قدم في التصوف والطريقة، من بيت صلاح وتصوف وزهد، شرح "الإرشاد" لإمام الحرمين، وله كتاب "الغنية" في الفقه، أصابه في آخر عمره ضعف في بصره، ويسير وقر في أذنه، توفي في جمادى الآخرة سنة ثنتى عشرة وخمسمائة، كذا نقله ابن الصلاح في طبقاته عن عبد الغافر الفارسي خطيب نيسابور في "الذيل"، ثم حكى عن ولده: أنه توفي في سنة إحدى عشرة، نقل عنه الرافعي أنه حكى في كتاب "الغنية" عن الأستاذ أَبي إسحاق: جواز نصب إمامين في إقليمين.
32 -
أبو الفتح ناصر
[أَبو بكر] (3) أحمد ابن الإمام أَبي الفتح
سهل بن أحمد
بن على بن123
الحسن الباني -بالباء الموحدة والنون- الأرغيانى، قال السمعاني في "الأنساب" في
باب الباء
الموحدة: كان أَبو بكر هذا مثل والده في الفضل والسيرة، وكان في عصرنا ولم ألقه، قال: وبأن قرية من قرى أرغيان من نواحى نيسابور هذا كلامه، ثم ذكر أنه توفي ولم يؤرخ وفاته بل ينص عليه، نقل عنه الرافعي في أواخر القضاء على الغائب في الكلام على ما إذا أراد نقل العين المحكوم بها إلى بلد القاضي الذي حكم، فقال: إنه يأخذ كفيلا ويختم على العين بخاتمه، ثم قال: وأخذ الكفيل حتم والختم ليس بحتم، كذلك حكى المتلقى عن أَبي بكر الأرغيانى الإمام، هذه عبارته.
وقد ذكر السمعاني أيضا والده، فقال:
33 - سهل بن أحمد
سهل بن أحمد
المعروف بالحاكم، كان إمامًا فاضلًا حسن السيرة، تفقه على القاضي حسين، ثم دخل طوس، فقرأ بها التفسير والأصول على شهفور الإسفراينى، ثم دخل نيسابور، وقرأ بها علم الكلام على إمام الحرمين، وعاد إلى ناحيته وولى بها القضاء، وروى عنه جماعة، منهم الحافظ السلفى، ثم حج وترك القضاء، واشتغل بالعبادة.
ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة، وتوفي في أول يوم من المحرم سنة تسع وتسعين، بتاء ثم سين فيهما.
ومن الأصحاب شخص آخر يعرف بالأرغياني، وهو أَبو نصر بالصاد محمد بن عبد الله بن أحمد صاحب الفتاوى المعروفة، وتوهم ابن خلكان أنها للذي سبق، فنسبها إليه، ثم تفطن فنبه على وهمه، وهى في مجلدين ضخمين يعبر عنها "بفتاوى الأرغياني" تارة و"بفتاوى الإمام" أخرى، لأنها أحكام مجردة أخذها مصنفها من "النهاية"، ولد المذكور
بأرغيان سنة أربع وخمسين وأربعمائة وقدم نيسابور، وتفقه على إمام الحرمين.
قال ابن السمعاني: وبرع في الفقه، وكان إمامًا متنسكًا كثير العبادة، حسن السيرة مشتغلًا بنفسه، توفي في ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، ودفن بظاهر نيسابور، ومن شعره:
أيا جَبَلى نَعْمان بالله خليّا... نسيم الصبَّا يَخْلص إلىّ نسيمُها
فإن الصَّبا ريحٌ إذا ما تنسمت... على نفس مهموم تجلت همومها
وأرغيان بهمزة مفتوحة ثم راء ساكنة بعدها غين معجمة مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت في آخرها نون، اسم لناحية من نواحي نيسابور تشتمل على قرى كثيرة.
واعلم أن ما ذكرته من كون صاحب هذه الترجمة الأصلية وهو أَبو بكر الأرغياني، هو الذي نقل عنه الرافعي في كتاب القضاء قد وقع كذلك في بعض نسخ الرافعي، ووقع في بعضها أَبو بكر الزنجاني، وحينئذ فتحتاج إلى ذكره فراجعه من حرف الزاي المعجمة، ولم يذكر في "الروضة" شيئا من ذلك بل ذكر المقالة بدون قائلها.
باب الباء
باب الباء
34 - البوشنجي [أَبو عبد الله] (1) محمد بن إبراهيم العبدى
البوشنجى
الفقيه الأديب شيخ أهل الحديث في زمانه، كان إمامًا جليلًا جوادًا سخيًا، وكان يقدم لسنانيره من كل طعام يأكله، حتى أنه نسيهن ليلة فما ذكر إلا بعد فراغ الطعام فطبخ في الليل من ذلك الطعام، وأطعمهن، وكانت الأئمة تعظمه جدًا، حكى العبادي في طبقاته: أنه لما توفي الحسن بن محمد القباني، قدم أَبو عبد الله هذا للصلاة عليه، فلما أراد الانصراف قدمت دابته، فاحتاطه الأئمة، فأخذ أَبو عمرو الحقاف رئيس نيسابور باللجام، وابن خزيمة بركابه، وأبو بكر الجارودي، وإبراهيم بن أَبي طالب يسويان عليه ثيابه فمضى ولم يكلم أحدًا منهم، وقال السيد الجليل أَبو عثمان سعيد بن إسماعيل: تقدمت يومًا لأصافح أبا عبد الله البوشنجي تبركًا به، فنفض يده عنى، وقال: لست هناك، ولما توفي وحضر ابن خزيمة للصلاة عليه سئل عن مسألة، فقال: لا أفتى حتى نواريه في لحده، نقل عنه الرافعي في مواضع، ويعبر عنه في أكثرها بأبى عبد الله البوشنجي، ونقل عنه في كتاب "الدعاوى" في الكلام على دعوى النكاح: أنه يشترط فيها التعرض لنفي الموانع، وعبر عنه بمحمد بن إبراهيم العبدي، نزل -رحمه الله- نيسابور وتوفي بها سنة تسعين، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومائتين، ذكره الحافظ المزى في "التهذيب" والحاكم.
والبوشنجي بباء موحدة مضمومة، وشين معجمة مفتوحة بعدها نون ثم1
جيم، ويقال: بالفاء عوضًا عن الباء، وأصلها بوشنك بالكاف، وهى بلدة قديمة على سبعة فراسخ من هراة، والعبدى بعين مهملة وباء موحدة نسبة إلى عبد القيس، وهى قبيلة معروفة، قاله ابن خلكان، ويقال في النسبة إليها أيضًا عبقسى.
35 - البلخي [أَبو يحيى زكريا] (1) ابن أحمد بن يحيى
البلخى،
قال ابن باطيش: ذكره المطوعى في كتابه "المذهب"، فقال: فارق وطنه لأجل الدين، ومسح عرض الأرض، وسافر إلى أقاصى الدنيا في طلب الفقه، وكان حسن البيان في النظر، مرهف عذب اللسان في الجدل، وذكره ابن عساكر في "تاريخ الشام"، فقال: كان أبوه وجده عالمين، وولاه المقتدر بالله قضاء الشام، توفي بدمشق في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وثلاثمائة وقيل في ربيع الآخر.
نقل عنه الرافعي في مواقيت الصلاة في الكلام على طرآن العذر، كالحيض ونحوه في أول الوقت، ونقل عنه أيضًا: أنه كان يرى أن القاضي يزوج نفسه بامرأة هو وليها، قال: وحكى أنه فعله لما كان قاضيًا بدمشق، قال العبادى في "الطبقات": قال أَبو سهل الصعلوكى: رأيت ابنه من هذه المرأة ببلدى بالشام.
36 - البافي [أَبو محمد] (2) عبد الله [بن محمد] (3)
البافي
الخوارزمى صاحب123
الداركى، قال الشيخ أَبو إسحاق: كان فقيهًا أديبًا شاعرًا مترسلًا كريمًا، درّس ببغداد بعد الداركى، ومات بها سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
انتهى.
وتسعين بتاء ثم سين، زاد ابن الصلاح في "طبقاته": أن وفاته كانت في المحرم، وأن الشيخ أبا حامد صلى عليه، قال غيره: كان يقول الشعر من غير كلفة، ويكتب الرسائل الطويلة من غير روية، جاءه غلام حدث وبيده رقعة دفعها إليه فقرأها مبتسمًا ثم أجاب عنها وردها إليه، وكان فيها بيتان وهما:
عاشق خاطر حتى استلب المعشوق قُبْله... أفتنا لا زلت تفتى هل يبيح الشرع قتله
فأجابه:
أيها السائل عمّا لا يبيح الشرع فعله... قبلة العاشق للمعشوق لا توجب قتله
نقل عنه الرافعي في مواضع قليلة، منها: في أول سجود السهو: أنه حكى وجهًا أنه يسجد لتسبيحات الركوع والسجود، ومنها: في الصوم.
والبافي منسوب إلى باف بالباء الموحدة والفاء إحدى قرى خوارزم.
37 -
أبو الفياض البصري
[أَبو الفياض] 1 محمد بن الحسن المنتصر البصرى، تفقه على القاضي أبي حامد المروروذى، وصنف "اللاحق بالجامع" الذي صنفه شيخه، وهو تتمة له، وأخذ عنه الصيمرى شيخ الماوردى، وقال الشيخ أَبو
إسحاق: درّس بالبصرة، وعنه أخذ فقهاؤها، نقل عنه الرافعي في أوائل الحيض: أن الإستمتاع بالحائض في ما بين السرة والركبة يجوز إن أمن الوطء؛ لقوة ورع أو ضعف شهوة، وإلا فلا، ونقل عنه في غيره أيضًا، لم أقف له على وفاة.
38 - البندنيجي [القاضي] (1) أَبو على الحسن بن عبيد الله -بالتصغير
- البندنيجي،
أكبر أصحاب الشيخ أَبي حامد، وصاحب التعليقة المشهورة عنه المسماة "بالجامع"، وهى جليلة المقدار قليلة الوجود، وعندي منها نسخة، وصاحب "الذخيرة" أيضا كتاب جليل وقفت عليه، كان أَبو على المذكور صالحًا ورعًا، قال الشيخ في "طبقاته": خرج في آخر عمره إلى بلده وتوفي بها في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
39 -
أبو منصور البغدادي
[الأستاذ] 2 أَبو منصور عبد القاهر بن ظاهر بن محمد التميمى البغدادي، قال عبد الغافر: ورد نيسابور مع أبيه فاشتغل بها على الأستاذ أَبي إسحاق الإسفراينى وغيره إلى أن برع.
ودرّس في سبعة عشر علمًا، وأقعده الأستاذ بعده للإملاء، فأملى سنتين، واختلف إليه الأئمة، ثم خرج من نيسابور في فتنة التركمانية إلى1
إسفراين، فابتهج أهلها به إلى الحد الذي لا يوصف، فلم يبق إلا يسيرًا حتى مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة أى بتاء ثم سين، ودفن إلى جانب أستاذه، وذكر ابن خلكان نحوه أيضًا.
وقد تكرر نقل الرافعي عنه خصوصًا في الدوريات والوصايا، فإنه كان إمامًا في ذلك حتى صنف كتابا في الدوريات في جميع أبواب الفقه، وهو تصنيف غريب عندى به نسخة.
واعلم أن أبا منصور هذا له أخ، يقال له: أَبو القاسم عبد الله كان إمامًا كبيرًا ذا علوم متعددة وجاه عريض ومال كثير وسخاء واسع، نزل بلخ ودرس بنظاميتها، ومات بها في جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، هذا هو الذي تحرر من كلام التفليسى وغيره [فإنهم نسبوه كنسب أَبي] 1 منصور وجعلوه تميميًا نيسابوريًا، وحاصل ذلك أنه ولد بعد انتقاله من نيسابور إلى إسفراين ثم فارق أَبو القاسم من إسفراين، ونزل ببلخ، ولهذا عبر بعضهم: عنه بالبلخى، وذكر بعضهم أن أبا القاسم هو ابن بنت أَبي منصور، ويقويه تراخى الموت بينهما، وكان سبب هذا الاضطراب ما ذكرناه من تراخى الموت، ومن التعبير بالبلخى، وكان لعبد الله هذا ولد فقيه فاضل مناظر واعظ يقال له: أَبو المحاسن محمد، رحل وسمع وحدث ودرس بنظامية بلخ بعد وفاة أبيه، ذكره أَبو سعيد في "الذيل" ونقله عنه التفليسى، ولم يؤرخ وفاته، ويأتى في حرف الشين المعجمة في ترجمة شهفور شئ آخر متعلق به.
40 - البيهقي
البيهقي
أَبو بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي الحافظ الفقيه الأصولى الزاهد الورع القائم في نصرة المذهب، تفقه على ناصر العمري، وأخذ علم الحديث عن الحاكم، وكان كثير التحقيق والإنصاف حسن التصنيف، قال عبد الغافر في "الذيل": كان على سيرة العلماء قانعًا من الدنيا باليسير، متجملًا في زهده وفي ورعه، قال إمام الحرمين: ما من شافعى إلا وللشافعي في عنقه منة، إلا البيهقي، فإن له المنة على الشافعي نفسه، وعلى كل شافعى لما صنفه في نصرة مذهبه من تخريج الأحاديث: "كالسنن الكبير" و"السنن الصغير" و"معرفة السنن والآثار"، وجمعه لنصوصه في كتابه المسمى "بالمبسوط"، وتصنيفه في مناقبه، ولد بخسرو جرد وهى بخاء معجمة مضمومة ثم سين مهملة ساكنة ثم راء مهملة ثم جيم مكسورة ثم راء مهملة ساكنة بعدها دال، وهى قرية من ناحية بيهق، في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وتغّرب في التحصيل، ثم رجع بعد تحصيله إلى بلده، وصنف فيها كتبه، وكان أول سماعه في آخر سنة تسع وتسعين، وأول تصنيفه في سنة ست وأربعمائة، ثم طلب إلى نيسابور في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة [لينشر العلم، فأجاب وأقام بها مدة وحدث بتصانيفه ثم عاد إلى بلده، ثم قدم نيسابور ثانيًا وثالثًا، وتوفي بها سنة ثمان وخمسين وأربعمائة] 1، وحمل إلى بلده فدفن بها، كذا ذكره جماعة منهم ابن الصلاح في طبقاته، زاد غيره: بأن وفاته كانت في العاشر من جمادى الأولى.
وبيهق بفتح الباء اسم لناحية من نواحى نيسابور على عشرين فرسخًا منها مشتملة على عدة قرى، نقل عنه في "الروضة" في مواضع، منها: أن وقت المغرب موسع، ونقل الرافعي أيضا عنه مواضع، منها: اختيار وجوب الكفارة في نذر المعصية.
وكان له ولد فقيه محدث يقال له: أَبو على إسماعيل، ويلقب بشيخ القضاة، تولى القضاء والتدريس والخطابة بما وراء النهر، ثم عاد بعد ما غاب نحو ثلاثين سنة إلى بلدة فمات بها.
41 -
الحافظ البغدادي
الحافظ أَبو بكر أحمد الخطيب بن على الخطيب البغدادي، ولد ببغداد في جمادى الآخرة سنة ثنتين وتسعين وثلاثمائة، وتفقه على المحاملى والقاضي أَبي الطيب، واستفاد من الشيخ أَبي إسحاق وابن الصباغ، وبرع في الحديث حتى صار حافظ زمانه، وبلغت مصنفاته نيفا وخمسين مصنفًا، منها: "الجهر بالبسملة" أثنى عليه الأئمة والعلماء، وكان ورعًا زاهدًا متعبدًا يتلو في كل يوم وليلة ختمة، وكان حسن القراءة، جهورى الصوت حسن الخط، خرج من بغداد في فتنة أرسلان التركى، مقدم الأتراك ببغداد المعروف بالبساسيرى الخارج على الخليفة، فورد دمشق سنة إحدى وخمسين، وأقام بها إلى سنة سبع، وذلك في دولة العبيديين خلفاء مصر المعروفين بالفاطميين والأذان بدمشق "حى على خير العمل"، فضاقوا منه وهمَّ متولى البلد بقتله، ثم اتفق الحال على إخراجه فذهب إلى صور بلد بساحل دمشق، فأقام بها إلى سنة ثنتين وستين، فرجع إلى بغداد من طريق الساحل، فتلقوه وأكرموه وأسمع وأملى في جامع المنصور بإذن الخليفة، ولم تطل إقامته بها، بل مات يوم الإثنين سابع ذى الحجة سنة ثلاث
وستين، ودفن إلى جانب بشر الحافي، وقال السمعاني: إن وفاته كانت في شوال ذكره ابن خلكان، قال: وسمعت أن الشيخ أبا إسحاق ممن حمل جنازته؛ لأنه انتفع به كثيرًا، فكان يراجعه في الأحاديث التى يودعها كتبه، تكرر النقل عنه في أوائل القضاء من "الروضة".
42 - أبو مخلد البصري [أَبو مخلد] (1) بفتح الميم وإسكان الخاء المعجمة البصرى، نقل الرافعي عنه في أول الخلع: أن الفتوى على أنه فسخ، ونقل عنه في أوائل النكاح في الكلام على جواز نظر الخصى والمخنث، وهو المتشبه بالنساء، فقال: وحكى
أَبو مخلد البصرى
وهو من متأخرى الأصحاب في الخصى والمخنث وجهين على الإطلاق، ولم أقف له على تاريخ وفاة.
43 - البندنيجي [أَبو نصر] (2) محمد هبة الله بن ثابت
البندنيجي،
كان من كبار أصحاب الشيخ أَبي إسحاق، ويعرف بفقيه الحرم؛ لأنه نزل مكة فجاور بها نحوًا من أربعين سنة، وكان يعتمر في رمضان ثلاثين عمرة، وهو ضرير يؤخذ بيده، وكان يقرأ سورة الإخلاص في كل أسبوع ستة آلاف مرة، صنف كتاب "المعتمد" في الفقه في جزأين ضخمين، وهو مشهور في12
الحجاز واليمن قليل الوجود في غيرهما، وعندى به نسخة، نقل عنه في "البيان" في صفة الوضوء وفي غيره، ونقل عنه أيضًا المحب الطبرى شيخ الحرم في شرحه للتنبيه، أخذ صاحب "البيان" عن الفقيه زيد عنه، وتوفي -رحمه الله- باليمن سنة خمس وتسعين وأربعمائة بتاء ثم سين، وقد نيف على الثمانين ودفن ببلد يعرف بذى الأنبتين بينه وبين ثغر المدينة المشهورة نحو يومين وقبره هناك مشهور مقصود، وقال التفليسى: إنه ولد سنة سبع وأربعمائة ومات سنة تسعين، ونقل عنه في "الروضة" خاصة في موضع واحد لا ثانى له وهو في كتاب الجنائز: أن نقل الميت من بلد إلى بلد مكروه، والصحيح: التحريم.
44 - البغوي [أَبو محمد] (1) الحسين
البغوي
[ابن مسعود] 2 المشهور بالبغوى، المعروف بابن الفراء تارة، وبالفراء أخرى، الملقب بمحيى السنة، مصنف "التهذيب" الإمام في التفسير والحديث والفقه، تفقه على القاضي حسين ومن تعليقته لخص "التهذيب"، وكان دينا ورعًا قانعًا باليسير يأكل الخبز وحده، فعذل في ذلك فصار يأكله بالزيت، وكان لا يلقى الدرس إلا على طهارة، قال ابن خلكان: توفي بمرو الروذ في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة، ودفن عند شيخه، قال: والبغوي منسوب إلى بغا بفتح الباء وهى قرية بخراسان بين هراة ومرو، وكان له أخ عالم يقال له أَبو على الحسن، تفقه على أخيه، توفي بعده باثنتى عشرة سنة.1