كتاب موجبات الضمان
والمراد منها أسباب ثلاث:
أحدها:
ما يلزم الولاة بتصرفاتهم
.
قوله: ولو ضرب في حد الشرب أربعون جلدة فمات ففي وجوب الضمان قولان، ويقال وجهان:
أحدهما: يجب لأن التقدير بالأربعين كان بالاجتهاد.
وأصحهما أنه لا يجب كما في سائر الحدود، وحكي ابن كج طريقة قاطعة بذلك.
انتهى ملخصًا.
وهذه الطريقة قد أسقطها النووي من "الروضة" وسببه أن الرافعي ذكرها بعد ذلك في الكلام على علامات لفظ "الوجيز".
قوله: ولو وقع في نار وعلم أنه لا ينجو منها وأمكنه أن يلقي بنفسه في بحر ورأي ذلك أهون من الصبر على لفحات النار فهل له ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجوز لأنه افتتاح سبب مهلك، وأصحهما على ما ذكر صاحب الكتاب الجواز لأنه أهون.
انتهى ملخصًا.
والأصح ما رجحه الغزالي؛ كذا صححه النووي في "أصل الروضة".
قوله: والختان واجب في حق الرجال والنساء.
انتهى.
وما ذكره من الوجوب فمحله في غير الخنثي فلا يختن في صغره فإذا بلغ فوجهان: أحدهما: يجب ختان فرجيه ليتوصل إلى المستحق وبهذا قطع في "البيان"، وأصحهما: لا يجوز ختانه لأن الجرح لا يجوز بالشك وبه قطع البغوي.
فعلي الأول إن أحسن الختان ختن نفسه وإلا اشتري جارية تختنه، فإن
الجزء: 8 - الصفحة: 367
لم يكن تولاه الرجال والنساء للضرورة.
هكذا ذكره النووي في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة".
قوله: روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأم عطية وكانت تخفض: "أشمى ولا تنهكي" 1؛ أي: اتركي الموضع أشم وهو المرتفع ولا تبالغي في القطع.
انتهى.
الخفض: بخاء وضاد معجمتين بينهما فاء، هو الختان كما سبق إيضاحه في عيوب البيع.
وأما أشمي: فهو بشين معجمة مأخوذ من الشمم وهو ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاه فإن كان فيها إحديداب فهو القنا، نقول رجل أشم الأنف وجبل أشم أي: طويل الرأس.
وأما تنهكي فهو بتاء مفتوحة بعدها نون من قولهم نهكت الثوب [أنهكه] نهكًا على وزن دفعت أدفعه دفعًا؛ أي: لبسته حتى خلق وبلي.
قوله: من "زوائده": وهل يحسب يوم الولادة من السبعة المستحبة وجهان في "المستظهري": أصحهما: لا، وحكاه عن الأكثرين.
انتهى كلامه.
وما ذكره من رجحان عدم الحسبان ذكره أيضًا في باب السواك من "شرح المهذب"، وكذلك في "النكت" التى له على التنبيه، فإنه نقله فيها أيضًا عن الأكثرين.
إذا علمت ذلك فقد صحح في "شرح مسلم": أنه يحسب، ذكر ذلك في باب خصال الفطرة في الكلام على الختان وعبر بالأصح وصحح أيضًا الحسبان في "شرح المهذب" وفي "أصل الروضة" بالنسبة إلى
الجزء: 8 - الصفحة: 368
العقيقة وهو نظير المسألة؛ فإن العقيقة والختان وحلق رأس المولود وتسميته يستحب فعلهن يوم السابع، والفتوي على عدم الحسبان فإنه المنصوص للشافعي في "البويطي".
قوله في "الزيادات" أيضًا: ولو كان لرجل ذكران عاملان خُتنا، فإن كان أحدهما عاملًا ختن وحده، وهل يعرف العمل بالجماع أو البول؟ وجهان.
انتهى.
وقد ذكر في باب الغسل من الجنابة من "زوائده" ما حاصله الجزم باعتبار البول فإنه قال: ولو كان له ذكران يبول بهما فأولج أحدهما وجب الغسل ولو كان يبول بأحدهما وجب الغسل بإيلاجه ولا يتعلق بالآخر حكم في نقص الطهارة هذه عبارته.
ومقتضاه ما ذكرناه، وذكر أيضًا في نواقض الوضوء نحوه.
نعم: لقائل أن يقول: محل هذا الخلاف عند التعارض أما عند وجود أحدهما فقط فإنا نستدل به على العمل جزمًا، لكن مقتضي كلامه أن الخلاف أعم من ذلك.
قوله في "الروضة": وأما الضمان الواجب بخطأ الإمام في الأحكام وإقامة الحدود فهل هو على [عاقلته] أم في بيت المال؟ قولان: أظهرهما على عاقلته، وقد سبقا في باب العاقلة.
انتهى كلامه.
وما ذكره من سبق القولين في الباب المذكور سهو؛ فإنه لا ذكر لهما فيه بالكلية.
نعم سبقا في استيفاء القصاص وفي الديات والمذكور في الرافعي إحالتهما على الديات.
قوله في "الروضة": فلو أقام الحد بشهادة اثنين ثم بانا ذميين أو عبدين أو امرأتين أو مراهقين ومات المحدود فقد بان بطلان الحكم،
الجزء: 8 - الصفحة: 369
وكذا لو بانا فاسقين على الأظهر، ثم إن لم يقصر في البحث بل بذل وسعه جري القولان في أن الضمان على عاقلته أم في بيت المال؟ ثم قال ما نصه: ثم إذا ضمنت العاقلة أو بيت المال فهل يثبت الرجوع على الشاهدين؟ فيه أوجه:
أحدها: نعم لأنهما غرا القاضي.
وأصحها: لا لأنهما يزعمان أنهما صادقان ولم يوجد منهما تعد، والثالث: يثبت الرجوع للعاقلة دون بيت المال، فإن أثبتنا الرجوع طولب الذميان في الحال، وفي العبدين يتعلق بذمتهما على الأصح وقيل بالرقبة، وأما المراهقان فإن قلنا يتعلق برقبة العبدين نزلنا ما وجد منهما منزلة الإتلاف وإلا فقول الصبي لا يصلح للالتزام فلا رجوع وإن بانا فاسقين فإن قلنا لا ينتقض الحكم فلا أثر له، وإن قلنا ينقض ففي الرجوع عليهما أوجه:
أحدهما: نعم كالعبدين.
والثاني: لا لأن العبد مأمور بإظهار حالة بخلاف الفاسق.
وأصحهما: إن كان مجاهرًا بالفسق ثبت الرجوع لأن عليه أن يمتنع من الشهادة ولأن قبول شهادته مع مجاهرته يشعر بتغريره، وإن كان كاتمًا فلا.
انتهى كلامه.
وهو كلام محبط مظلم لأن قوله: فإن أثبتنا الرجوع، بعد قوله: فهل يثبت الرجوع على الشاهدين، صريح في أن التفريع على الرجوع على جميع من تقدم ومنهم المراهقان والفاسقان؛ وحينئذ فكيف يستقيم أن يذكر في هذا التفريع وجهًا أن المراهق لا ضمان عليه ووجهين في النقض إذا كانا فاسقين.
وأفحش من ذلك كله تصحيحه عدم الرجوع إذا كانا يكتمان فسقهما.
الجزء: 8 - الصفحة: 370
واعلم أن كلام الرافعي صحيح واضح، وهذا الخلل إنما حصل من سوء اختصار النووي؛ فإن الرافعي إنما حكي الخلاف أولًا في الذميين والعبدين خاصة ثم فرع عليهما فإنه قال: ثم إذا ضمن العاقلة أو ضمن بيت المال فهل يثبت الرجوع على الذميين والعبدين؟ فيه وجهان، وفي أمالي أبي الفرج تخصيص الوجهين بما إذا غرمنا بيت المال أحد الوجهين ثبوت الرجوع .. إلى آخره.
ثم قال: التفريع إذا أثبتنا الرجوع طولب الذميان، ثم ذكر ما ذكره في "الروضة" وهو حسن لا إشكال عليه ولا إلباس لديه، وقد أعاد الرافعي المسألة قبل كتاب الدعاوي وحكي عن جماعة أن المزكين يغرمون.
قوله: وذكر الإمام أن هذا الخلاف يناظر الخلاف في أن القاضي الحنفي إذا قضي للشافعي بشفعة الجوار وبالتوريت بالرحم والرد هل يحل للمقتضي له.
قال: والوجه عندنا القطع بأنه لا يحل أن يأخذ ما يخالف معتقده.
انتهى كلامه.
والأصح في هذه المسائل وأشبهها هو الحل باطنًا على خلاف ما نقله عن الإمام وأقره.
كذا صححه الرافعي في باب القسامة.
قوله: ولو قطع يدًا صحيحة بإذن صاحبها لم يجب شيء بلا خلاف، فإن سرى إلى النفس وجبت الدية على قول، والأظهر خلافه.
انتهى.
وما ذكره من إيجاب الدية على القول بالوجوب، وتابعه عليه في "الروضة"، والصواب -كما نبه عليه ابن الرفعة وغيره- إنما هو النصف فقط لأنه قد أسقط ما يقابل النصف وهو دية اليد؛ ولهذا لو قطعت يده فقال: عفوت عن هذه الجناية وما يحدث فيها أو سكت عن الذي يحدث فسري إلى النفس وجب النصف فقط.
والخلاف المذكور قد حكاه الرافعي
الجزء: 8 - الصفحة: 371
على هذا الوجه أيضًا في أوائل باب العفو عن القصاص وكذلك في "المحرر" و"المنهاج"، وما نقلناه في أول المسألة عن الرافعي من أن الأظهر عدم الوجوب قد أسقطه من "الروضة" فاعلمه.
الجزء: 8 - الصفحة: 372
قال: النظر الثاني في
دفع الصائل
قوله: وإذا صال على نفسه مسلم لم يجب عليه دفعه في أصح القولين.
ثم قال: وعن القاضي الحسين الفرق بين أن يمكنه دفعه من غيره أن يقتله فيجب وبين أن لا يمكنه دفعه إلا بالقتل فيجوز الاستسلام.
انتهى.
وهذا النقل عن القاضي [نقله عنه البغوي في "التهذيب" ولكنه أهمل منه شرطًا آخرًا ذكره القاضي] في "تعليقه" فقال: إن الأصحاب أطلقوا القول بأن المقصود بالخيار بين الاستسلام وبين الدفع عن نفسه.
وقلت أنا: إن أمكنه أن يدفعه من غير أن يجرحه أو يقتله وجب عليه الدفع.
قوله: وفي تعليق إبراهيم المروزي وجهان فيمن جلد رجلًا ثمانين وقال قد كان قذفني وأقام بينة به هل يحسب ذلك عن الحد؟ وبنى على الوجهين أنه إن عاش هل يعاد الحد وإن مات هل يجب القصاص على الشارب؟
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح، والأصح منهما عدم الحسبان؛ كذا صححه الرافعى قبل ذلك في باب حد القذف وضعف مقابله.
قوله: فمن رأى إنسانًا يتلف مال نفسة مثل أن يحرق كدسه ويغرق متاعه جاز له دفعه، وإن كان حيوانا بأن يراه يشدخ رأس حماره ففى وجوب الدفع بحرمة الحيوان وجهان؛ المذكور منهما في "التهذيب": أنه يجب.
انتهى.
الجزء: 8 - الصفحة: 373
والأصح كما ذهب إليه البغوي كذا صححه في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
والكدس: بالكاف سبق إيضاحه في حد السرقة.
والشدخ: بشين وخاء معجمتين بينها دال ساكنة: كسر الشيء الأجوف.
ثم ذكر الرافعي في الفصل ألفاظًا.
منها: الفهر: بفاء مكسورة وهاء ساكنة وراء مهملة، هو الحجر الذي يملأ الكف، يذكر ويؤنث، ويجمع على أفهار.
ومنها قولهم: فلان من عرض الناس: هو بعين مهملة مضمومة وراء ساكنة وضاد معجمة؛ أي: من عامتهم.
ومنها: القضم: بقاف مفتوحة وضاد معجمة ساكنة هو العض بالأسنان.
وأما الخضم: بالخاء والضاد المعجمتين فهو الأكل بجميع الفم.
ومنها: ينبعج بطنه: هو بباء موحدة وعين مهملة بعدها جيم؛ أي: يشقة، يقال: بعج بطنه بالسكين يبعجه بالفتح بعجا فهو مبعوج وبعيج.
ومنها: صير: بصاد مهملة مكسورة بعدها ياء ساكنة بنقطتين من تحت وبالراء المهملة هو الشق؛ يقول: نظرت إليه من صير الباب، أي: من الشق الذي فيه.
ومنها: أنه روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخاتل الناظر ليرمي عينه بالمدري 2.
المخاتلة: بالخاء المعجمة والياء المثناه بنقطتين من فوق هي المخادعة والمراصدة.
ومنها الفسطاط: بضم الفاء وكسرها هو بيت من شعر.
الجزء: 8 - الصفحة: 374
قوله: ولو كان للقتيل وارثان فحلف أحدهما ونكل الآخر حلف القاتل للآخر وعليه نصف الدية للحالف، وإن كان أحدهما بالغًا والآخر صغيرًا وحلف البالغ لم يقتص حتى يبلغ الصغير فيحلف أو يموت فيحلف وارثه.
وإن أخذ البالغ نصف الدية حكى الروياني أنه يؤخذ للصغير أيضًا، فإذا بلغ حلف، فإن نكل وحلف القاتل رد عليه ما أخذ.
انتهى كلامه.
واعلم أن الدعوى بمال الصبي والمال الذي عليه مذكور في موضعين: أحدهما في كتاب الدعاوي في الكلام على النكول قبيل الباب الخامس المعقود للبينة، والموضع الثاني في آخر الصداق وفيه اضطراب أوضحته هناك فليراجع منهما.
قوله: السادسة: لو كان باب الدار مفتوحًا فنظر منه أو نظر من كوة واسعة أو من ثلمة حصلت في الجدار، فإن كان مجتازًا لم يجز فصد عينه، وإن وقف ونظر متعمدًا فوجهان: أصحهما عند صاحب "التهذيب" وبه أجاب الإمام: المنع.
انتهى.
والأصح ما صححه البغوي، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو نظرت المرأة أو المراهق جاز رميهما على الأصح.
لقائل أن يقول: كيف يجوز رمى المراهق مع أنه غير مكلف ولهذا لا يقام عليه شيء من الحدود قصاصًا كان أو غيره، وقد ذكر الرافعي قبل ذلك أنه لو كان في الدار محرم للبالغ الناظر أو زوجة أو متاع لم يرم لأجل الشبهة وأي شبهة أقوى من عدم التحريم؟
قوله: قال السرخسي: لو كان من في الدار غاصبًا لم يستحق الناظر الرمى، وإن كان مستأجرًا فله الرمى، وإن كان مستعيرًا فوجهان.
ذكر في "الروضة" مثله، وفيه أمران:
الجزء: 8 - الصفحة: 375
أحدهما: أن صورة المسائل الثلاث أن يكون الناظر هو المالك.
كذا رأيته في "الأمالى" للسرخسي فتفطن له.
الثاني: أن الرافعي قد ذكر في السرقة أن الدار المستعارة حرز بالنسبة إلى غير المعير، وكذا في حق المعير على الأصح.
وقياس مسألتنا أن يكون مثله أيضًا حتى يكون الأصح من الوجهين أنه يرمي كما في القطع؛ بل أولى.
قوله: ولو صال العبد المبيع على البائع أو أجنبي قبل القبض فقتله دفعًا انفسخ العقد.
ولو صال على المشتري فقتله ففي مصيرة قابضا وجهان.
انتهى.
والأصح: أنه لا يصير؛ كذا صححه النووي في كتاب البيع من "الروضة".
قوله: وفي "البيان": أنه لو قطع يد الصائل في الدفع فلما ولى تبعه فقتله وجب عليه القصاص عن النفس، وحكى عن بعض الأصحاب أن لورثة المصول عليه أن يرجعوا في تركة الصائل بنصف الدية.
قال: والذي يقتضيه المذهب أنهم لا يرجعون بشيء لأن النفس لا تنقص بنقصان اليد.
انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" مثله.
وهو غلط وقع في "البيان" سببه أنه نقل المسألة عن "العدة" لأبي عبد الله الطبري فغلط في فهم ما ذكره عنه، ثم اعترض عليه بسببه فتبعه عليه الرافعي ثم النووي في "الروضة"؛ وذلك أن صورة المسألة أن القاطع هو الصائل ثم إن الصائل ولي فينتبه المصول عليه وهو المقطوع يده فيقتله أي يقتل الصائل فإن القصاص يجب على المقطوع لأنه قتل الصائل بعد هربه، وإذا قتل أي المقطوع قصاصًا وجبت لورثته في تركة الصائل نصف الدية لأن القصاص في اليد قد تعذر بموته.
هكذا صور المسألة صاحب العدة وعلى هذا التصوير لا إشكال فإنه قال أعني صاحب
الجزء: 8 - الصفحة: 376
العدة: وإذا ولي عنه القاصد وترك [قصده] 3 لم يكن له أن يصيبه بشيء.
ثم قال ما نصه: فإن قطع يد رجل عند القصد فلما ولي تبعه وقتله كان لوليه القصاص في النفس لأنه حين ولي عنه لم يكن له أن يقتله، ولورثة المقصود أن يرجعوا في تركة القاصد بنصف الدية لأن القصاص سقط عنه بهلاكه.
هذا لفظ "العدة" ومنها نقلت، وهو كلام صحيح متفق عليه فنقله عنه صاحب البيان متوهمًا أن القاطع هو الصائل فقال: وإن قصده فقطع يده فولي عنه ثم تبعه فقتله كان لوليه القصاص في النفس لأنه لما ولي عنه لم يكن له قتله.
قال الطبري في "العدة": ولورثة المقصود أن يراجعوا في تركه القاصد بنصف الدية لأن القصاص سقط عنه بهلاكه.
قلت: والذي يقتضيه المذهب أنهم لا يرجعون بشئ كما لو اقتص منه فقطع يده ثم قتله، ولأن النفس لا تنتقص بنقصان اليد؛ ولهذا لو قتل رجل له يدان رجلًا ليس له إلا يد قتل به ولا شيء لورثة القاتل.
هذا كلام "البيان"، وتصويره المنقول عن صاحب العدة صحيح، والضمير في قوله: فقطع يعود على القاصد الصائل، والتعليل الذي ذكره صاحب "العدة" يوضحه، فتوهم صاحب "البيان" عوده إلى المصول عليه فاعترض عليه، ثم إن الرافعي زاد الأمر إشكالًا والتعبير خللًا فصرح بذلك في التصوير، ثم إنه حذف المنقول عنه والتعليل المرشدين إلى الصواب فزاد الأمر فسادًا وتبعه على ذلك كله في "الروضة"؛ فلله الحمد على الإرشاد إلى الصواب.
الجزء: 8 - الصفحة: 377
قال النظر الثالث: في
إتلاف البهائم
قوله: ولو كان مع الدابة سائق وقائد فالضمان عليهما بالسوية لأنها تحت يدهما، وفي الركب مع السائق أو القائد وجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك، والثاني: يخص الراكب بالضمان لقوة يده وتصرفه؛ وينبني ذلك على الخلاف فيما إذا تنازع الركب والسائق في الدابة تجعل في يدهما أو تختص بالراكب.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح، والأصح أن اليد للراكب خاصة.
كذا ذكره الرافعي في آخر كتاب الصلح فقال: إنه المذهب ونقل التشريك عن أبي إسحاق إلا أن الرافعي إنما ذكر ذلك في القائد مع الراكب ولم يتعرض للسائق مع الراكب إلا أنه مثله كما اقتضاه كلامه وكلام غيره وقد حذف النووي المسألة من كتاب الصلح فلزم منه خلو "الروضة" عن المرجح المذكور في الرافعي، وعن التصريح بمن له اليد في الراكب والقائد فإنه لا تصريح فيها بذلك في موضع من المواضع.
قوله: قال الإمام: والدابة النزقة التي لا تنضبط بالكبح والترويد في معاطف اللجام لا تركب في الأسواق ومن ركبها فهو مقصر ضامن.
انتهى.
أما النزقة: فبنون وزاي معجمة وقاف، وقد فسرها الرافعي بما ذكره.
والكبح: بكاف مفتوحة ثم باء موحدة ساكتة ثم حاء مهملة، هو جذب الدابة باللجام.
كذا ذكره الجوهري.
وذكر أيضًا ذلك بالضبط المذكور إلا أنه بالتاء المثناة من فوق وفسره برمي الجسم بما يؤثر فيه، وتفسير كلام الرافعي به أيضًا محتمل.
وذكر الرافعي أيضًا هنا من أفعال الدابة الخبط والرمح.
الجزء: 8 - الصفحة: 378
فالخبط: ضرب الأرض بيديها، وهو بالخاء المعجمة، ومنه قيل: يخبط خبط عشواء، وهي الناقة التي في بصرها ضعف تخبط إذا مشت لا تتوقى شيئًا.
والرمح: بفتح الراء وسكون الميم وبالحاء المهملة ضربها بالرجل.
قوله: وإذا راثت الدابة أو بالت في سيرها وزلق به إنسان وتلف نفس أو مال أو تلف شيء من الرشاش بممشاها وقت الوحل فلا ضمان في ذلك كله.
وإذا بالت أو راثت في الطريق وقد أوقفها فيه فأفضى المرور في موضع البول إلى تلف فالمذهب أنه لا ضمان، وقيل: يفرق بين الطريق الواسع [والضيق].
انتهى ملخصًا.
وما جزم به هاهنا من عدم ضمان ما تلف بسبب الزلق في بول الدابة وروثها قد جزم بخلافه في كتاب الحج في الكلام على محرمات الإحرام في النوع السابع المعقود للصيد، وقد سبق ذكر لفظه في موضعه، وذكر في "الروضة" هذا الموضع على حاله.
وأما المذكور في الحج فحذف منه التصريح بالآدمي والبهيمة لكنه أحال ذلك في أول الفصل المعقود له على الجنايات ثم ذكر ما ذكر فعلم بذلك مناقضه، بل لو لم يصرح بذلك لعلم من ضمان الصيد أيضًا.
وقد صرح أيضًا في "شرح المهذب" بضمان الآدمي والبهيمة كما قال الرافعي ولم يحك فيه خلافًا ولم يتعرض هناك في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر" للمسألة.
نعم: هي مذكورة فيهما في هذا الباب كما في "الكبير".
قوله: ولو كان في داره كلب عقور أو دابة رموح قد حلها إنسان بإذنه ولم يعلم الحال فقولان كما لو وضع بين يديه طعامًا مسمومًا فأكله، ومنهم
الجزء: 8 - الصفحة: 379
من خصص الخلاف بما إذا كان أعمى أو كان في ظلمة، وقطع بنفي الضمان إذا كان بصيرًا يرى.
انتهى كلامه.
ومقتضاه تصحيح وجوب الدية لأن أصح الأقوال في تقديم الطعام المسموم وجوبها كما هو مذكور في أوائل الجنايات، وهذا الذي ذكره هنا مخالف لما سبق في كتاب الجنايات في آخر الطرف الثالث منه مخالفة عجيبة فإنه جزم بعدم الضمان وزاد فادعى أنه لا خلاف فيه وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله نقلًا عن "فتاوى البغوي": بخلاف الطفل يسقط على قارورة يضمن لأن للطفل فعلًا بخلاف الميت.
انتهى.
وهذا الكلام يشعر بأن غير المميز يجب عليه ضمان، ما أتلفه وفيه كلام سبق في أوائل الجنايات يتعين الوقوف عليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 380