المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب دعوى الدم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله: الشرط الثالث أن يكون المدعي مكلفًا ملتزمًا، فلا تسمع دعوي صبي ولا مجنون وحربي.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم سماعها من الحربي قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو ذهول عجيب عن قواعد مذكورة في كتاب السير وغيره فقد نصوا هناك على أن الحربي إذا دخل إلينا بأمان وأودع عندنا مالًا ثم عاد للاستيطان فإن الأمان فيه لا ينتقض على الصحيح، حتى لو كان من جملة ماله عبد كافر فقتله كافر طالبه الحربي بالقصاص أو الدية، وكذا لو أسلم العبد ولم يتفق بيعه فقتله مسلم.
وذكروا أيضًا هناك أنه إذا اقترض حربي من حربي شيئًا أو اشتراه منه ثم أسلم المديون أو دخل إلينا بأمان فالصحيح المنصوص أن دين الحربي باق بحاله، وقيل يسقط لأنه يبعد تمكين الحربي من مطالبة مسلم أو ذمي حتى لو قدرنا أن الذى اقترضه أو اشتراه كان عبدًا ثم قتل بعد رجوعه إلى مالكه بسبب من الأسباب إما برجوع المقرض أو بفسخ المشتري بالعيب ونحو ذلك طالب بدمه.
وذكروا أيضًا أنه إذا كان في دار الحرب مسلم فاقترض منهم شيئًا أو اشترى منهم عينًا ليبعث إليهم ثمنها أو أعطوه شيئًا ليبيعه في دار الإسلام ويبعث ثمنه فيجب عليه إرساله إليهم، فلو قتل العبد المذكور طالب بدمه كما سبق، ولو كان بعد إسلام المقتول وقتل المسلم إياه كما سبق.

قوله: وإقرار المحجور عليه بإتلاف هل يقبل ويوآخذ به؟ فيه وجهان مذكوران في كتاب الحجر.
انتهى.

الجزء: 8 - الصفحة: 265

تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف وجهين فإنهما هكذا مذكوران في الحجر، والذى سبق منهما هناك إنما هو قولان لا وجهان، وهو الصواب.

قوله: وإن كانت الدعوي على عبد فإن ادعي العمد ففي القصاص القولان في ثبوته بالقسامة فإن منعناه -وهو الأظهر- أو ادعي خطأ أو شبه عمد تعلقت القيمة برقبته، وذكر الروياني أن المحاملي حكي في "المقنع" قولا أن العاقلة تحمل عن العبد جناية الخطأ، وحمله على غلط الكاتب.
انتهى.
وهذا القول قد رأيته في "المقنع" كما نقله عنه الروياني وزاد على حكايته فقال إنه أصح القولين ذكر ذلك في أثناء باب العاقلة، وقد حذفه النووي من "الروضة" اعتمادًا على قول الروياني إنه غلط من الكاتب، والظاهر أنه كذلك فإنه لم يذكره في كتبه المبسوطة.

قوله: وللوث طرق منها أن يوجد قتيل في قبيلة أو حصن أو قرية صغيرة وبين القتيل وبين أهلها عداوة ظاهرة.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة".
وفيه أمران: أحدهما: أن وجود بعض القتيل كاف سواء كان الموجود كثيرًا أم قليلًا إذا تحقق موته.
كذا ذكره الرافعي في أثناء الباب.
الأمر الثاني: أن ذلك الموضع لو كان لا يدخله غير أهله لا يشترط فيه وجود العداوة.
صرح به العمراني في "الزوائد"، وذكر ابن عصرون في "الانتصار" و"المرشد" وجهًا أن عداوة الأكثر كافية، ووجهًا ثالثا أنه -تكفي عداوة واحد نظرًا إلى المعنى.

قوله: ثم قيل: يشرط أن لا يساكنهم غيرهم، وقيل: يشترط أن لا يخالطهم غيرهم حتى لو كانت القرية بقارعة طريق ويطرقها التجار

الجزء: 8 - الصفحة: 266

والمجتازون وغيرهم فلا لوث، والأول أوجه.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على ترجيح الأول ثم خالفه في "شرح مسلم" فجعل مقابله هو مذهب الشافعي فقال في كتاب القسامة: السابعة: أن يوجد القتيل في محلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم فقال مالك والليث والشافعي وأحمد وداود وغيرهم: لا تثبت بمجرد هذا قسامة.
قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أعدائه لا يخالطهم غيرهم.
هذا لفظه.
وهو الصواب الذى عليه الفتوي؛ فقد رأيته منصوصًا للشافعي وذهب إليه جمهور الأصحاب بل جميعهم إلا الشاذ فقد جزم به أبو الفضل منصور التميمي في كتابه المسمي بـ"المسافر" ونقله فيه عن نص الشافعي، وقال به أيضًا أبو العباس ابن سريج كما نقله عنه الدارمي في "الاستذكار"، وجزم به أبو حفص معمر ولد الإمام أبي العباس المذكور -أعني: ابن سريج- في كتابه المسمي "تذكرة العالم"، وابن سراقة في "التلقين"، وأبو الحسن بن خيران في "اللطيف"، وأبو الحسن الزجاجي في "تهذيبه"، والشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر"، والقاضي الحسين والبندنيجي، وأبو الطيب في تعاليقهم، والصيمري في "شرح الكفاية"، والماوردي في "الإقناع"، والدارمي في "الاستذكار"، وسليم في "المجرد" و"الكافي"، والفوراني في "العمد" و"الإبانة"، والشيخ في "المهذب" و"التنبيه"، والمتولي في "التتمة"، وأبو الفرج السرخسي المعروف بالزاز في كتابه المسمى بـ"الأمالي"، وأبو عبد الله الطبري في "العدة"، وأبو نصر البندنيجي في "المعتمد"، والشاشي في "الحلية" و"المعتمد" و"الترغيب"، والبغوي في "التهذيب"، والروياني في "البحر"، ونصر المقدسي في "المقصود" وفي "الكافي"، والجرجاني في "الشافي"

الجزء: 8 - الصفحة: 267

و"التحرير"، وابن عصرون في "المرشد" و"الانتصار"، وابن جماعة المقدسي في "شرح المفتاح"، وصاحب "الذخائر" في تصنيفه في أدب القضاء المسمى "عمدة الأحكام" ونقله في "المطلب" أيضًا عن نص الشافعي.
نعم ذهب ابن الحداد إلى اعتبار السكني وأخذ به أبو خلف الطبري في "شرح المفتاح" وابن الصباغ وصاحب "البيان" و"الذخائر" فيها خاصة فإنه خالف في أدب القضاء كما سبق فتبعهم الرافعي ثم النووي غير مطلعين على مجموع ما سبق.
الأمر الثاني: أن ذلك الغير الذى [تسقط] القسامة باختلاطه يشترط فيه أن لا تعلم صداقته للمقتول أو كونه من أهله، فإن كان كذلك لم تمتنع القسامة قاله ابن عصرون في كتبه الثلاث: "الانتصار" و"المرشد" و"التنبيه" وتدل عليه قصة جبير فإن المقتول فيها كان معه إخوته ومع ذلك شرعت القسامة.

قوله: ثم إن شهد العدل الواحد بعد دعوي المدعي فاللوث حاصل، وإن تقدم قول العدل على الدعوي فينبغي أن يكتفى به لحصول اللوث ولا يجعل السبيل فيه سبيل الشهادات المخصوصة بمجلس الحكم المسبوقة بالدعوي، وفي لفظ الكتاب إشعار به.
انتهى كلامه.
وحاصله أنه لم يطلع في المسألة على نقل لأحد فأبدي ما أبداه تفقهًا، وقد صرح الإمام بالمسألة فنقل عن بعض الأصحاب أن سبيلها سبيل سائر الشهادات، ثم رأي هو لنفسه ما ذكره الرافعي، ثم قال في آخر ذلك ما نصه: وينتظم من مجموع ما ذكرناه مسلك أحببته واخترته ومسلك آخر للأصحاب.
هذه عبارته.
وذكر أيضًا في الباب مثله فقال: أقول إن العدل الواحد الذي تقبل

الجزء: 8 - الصفحة: 268

شهادته إذا أخبر بوقوع القتل على صيغة الإخبار ثبت اللوث؛ فإنا لا نشترط في ثبوته مراتب الخصومات.
هذه عبارته.
وحكى أبو بكر بن داود الداودي [والمعروف بالصيدلاني [وجهين] في الاكتفاء بصيغة الخبر فتلخص] 1 أن المسألة مختلف فيها اختلافًا قديمًا.
واعلم أن النووي قد جزم في "الروضة" بما أبداه الرافعي بحثا فتفطن له.

قوله: ولو شهد جماعة تقبل روايتهم كعبيد ونسوة فإن جاءوا متفرقين فلوث وإن جاءوا دفعة فوجهان: أشهرهما المنع لاحتمال أنهم تواطئوا أو لقنوا، وأقواهما: أنه لوث.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في أصل "الروضة" قد أطلق التصحيح بأنه لوث ولم يذكر ما ذكره الرافعي من كونه بحثا وأن الجمهور على خلافه وهو عجيب لاسيما وقد نقل ابن الرفعة في "المطلب" عن الشافعي أيضًا [أنه ليس بلوث فتعين أن تكون الفتوي عليه.
الأمر الثاني] 2: أنه يشترط مع مجيئهم متفرقين أن لا يمضي زمان يمكن فيه الاتفاق على ما صدر منهم وهو أن يتفرقوا ثم يخبروا فقد حكى صاحب "البيان" فيه وجهين، وأن أكثر الأصحاب على اشتراط ذلك، وهو ظاهر.

قوله: وفي "التهذيب" أن شهادة عبدين أو امرأتين كشهادة الجميع، وفي "الوجيز": أن القياس أن قول واحد منهم لوث.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" والحكم ما ذكره البغوي من الاكتفاء بالاثنين؛

الجزء: 8 - الصفحة: 269

فقد جزم به الماوردي ومثل بالنسوة ونقله عنه الروياني في "البحر" وارتضاه وجزم به أيضًا الخوارزمي في "الكافي" ومحمد بن يحيي في "المحيط"، وأما ما نقله عن "الوجيز" واقتضي كلامه عدم الوقوف على نقله فقد صرح به في "الذخائر" فقال: فإن شهد به امرأة واحدة أو عبد واحد تقبل روايته، فقد اختلف فيه أصحابنا، فمنهم من قال: تقبل، وهو اختيار إمام الحرمين.
هذا كلامه، وحكاهما أيضًا ابن يحيي في "المحيط".

الجزء: 8 - الصفحة: 270

قال -رحمه الله-:

الكلام في مسقطات اللوث

قوله: لكن لو قال الولي: القاتل أحدهم ولست أعرفه، لم يتمكن من القسامة وله أن يحلفهم، فإن حلفوا إلا واحدًا منهم فنكوله يشعر بأنه القاتل.
انتهى كلامه.
وما جزم به هاهنا من التحليف وتبعه عليه في "الروضة" خلاف الصحيح؛ فقد تقدم في أول الباب أنه لو قال الولي: قتله أحد هذين أو واحد من هؤلاء العشرة وطلب من القاضي أن يسألهم ويحلف كل واحد منهم فإنه لا يجيبه في أصح الوجهين للإبهام كمن ادعي دينًا على أحد رجلين.
والسبب فيما وقع فيه الرافعي هنا أن الغزالي في "الوجيز" ذكره هاهنا كذلك وهو ممن يصحح سماع الدعوي على غير المعين وهو وجه ضعيف فقلده الرافعي فيما ذكره هاهنا ذاهلًا عما تقدم فوقع فيما وقع.

قوله: ولو قال المدعي عليه بالقتل كنت غائبًا يوم القتل وأقام بينة بغيبته وأقام المدعي بينة بحضوره ففي "الوسيط" أنهما يتساقطان، وقال في "التهذيب": بينة الغيبة مقدمة لأن معها زيادة علم، وهذا عند الاتفاق على أنه كان حاضرًا من قبل.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وفيه أمران: أحدهما: أن الصحيح ما قاله البغوي فقد نقله الإمام عن أصحابنا مطلقًا وعبر بقوله فقد قال الأصحاب.
إلا أنه ضعف مقالتهم ثم اختار ما حاصله أنهما يتعارضان حتى يسقطا على الجديد، وذكر مثله الغزالي في "البسيط"، واختصر في "الوسيط" فجزم بالتساقط وهو الذى وقف عليه الرافعي لا غير.

الجزء: 8 - الصفحة: 271

الأمر الثاني: أنه قيد محل الخلاف بقوله في آخر كلامه إن هذا عند الاتفاق على الحضور قبل ذلك، ولم يبين الحكم عند عدم الاتفاق عليه، والمتجه فيه التعارض جزمًا لانتفاء التعليل بزيادة العلم.

قوله: ويعتبر في بينة الغيبة أن يقولوا إنه كان غائبًا إلى موضع كذا، أما إذا اقتصروا على أنه لم يكن هاهنا فهذا نفي محض لا تسمع الشهادة به.
انتهى كلامه.
واعلم أن ما ذكره وإن كان شهادة على نفي إلا أنه نفي محصور، وقد اختلف كلامه وكلام "الروضة" في قبول الشهادة بمثله، وسوف أذكره مبسوطًا في آخر أبواب الدعاوي في الباب المعقود لمسائل منثورة فراجعه.
والخلاف يجرى أيضًا في دعوي بعض الورثة غيبة القاتل إذا قلنا: أن التكذيب يبطل اللوث.
قاله الماوردي وسكت الرافعي عما لو اقتصر الشهود على قولهم كان غائبًا، وكلام الغزالي يوهم أنه لا يكفي أيضًا، والمتجه الاكتفاء بذلك نظرًا إلى اللفظ وبه جزم أبو عبد الله الطبري في "العدة".

قوله: ولو شهد عدل أو عدلان أن زيدًا قتل أحد هذين القتيلين فليس بلوث لأن ذلك لا يوقع في القلب صدق ولي أحدهما.
انتهى.
وهذا التعليل يؤخذ منه أن صورة المسألة فيما إذا لم يكن ولى القتيلين واحدًا، فإن كان كذلك كان لوثًا، وقد صرح به ابن يونس شارح "التنبيه" قال في "المطلب" ويقوي ما قاله إذا قلنا بالصحيح إن الواجب بالقسامة إنما هو الدية خاصة وكانت ديتهما متساوية.
قلت: ويؤيده أيضًا كلام ذكره الرافعي بعد هذا في الباب المعقود للشهادة على الدم فقال: وهل يجب في الأرش إذا أطلق الشهود أنه أوضح موضحة وعجزوا عن تعيينها؟ وجهان: أصحهما: نعم، لأن الأرش لا يختلف باختلاف محلها وقدرها، ويدل عليه ما نص عليه في "الأم"

الجزء: 8 - الصفحة: 272

أنهما لو شهدا أنه قطع يد فلان ولم يعينا والمشهود له مقطوع اليدين لا يجب القصاص وتجب الدية.
ولو كان مقطوع يد واحدة والصورة هذه فهل تنزل شهادتهم على ما شاهدها مقطوعة أم يشترط تنصيصهم؟ يجوز أن يقدر فيه خلاف.
هذا كلام الرافعي.
قال في "الروضة": الصواب هنا الجزم بالتنزيل على المقطوعة.

قوله: فلو لم يوجد بالمقتول أثر أصلًا قال الصيدلاني وصاحب "التتمة": لا قسامة لاحتمال أنه مات فجأة، وهو المتوجه، وقال الروياني: إنها تثبت، وسياق كلام الإمام يشعر به.
انتهى ملخصًا.
والمذهب المنصوص وقول الجمهور: ثبوت القسامة على خلاف المذكور هنا؛ فقد صرح بأنه لا يشترط الأثر بالكلية الدارمي في "الاستذكار"، والماوردي في "الحاوي"، وابن سراقة في "التلقين"، وابن القطان، وابن كج -على ما سنوضحه- والقاضي أبو الطيب في "تعليقه"، وابن الصباغ في "الشامل"، والغزالي في "البسيط" و"الوسيط"، والشاشي في "المعتمد"، والروياني في "البحر"، والجرجاني في "الشافي"، والبندنيجي في "المعتمد"، والقاضي مجلي في "الذخائر"، وهو مقتضي كلام المحاملي في "المقنع"، والصيمري في "شرح الكفاية"، وسليم الرازي في "المجرد"، وأبو عبد الله الطبري في "العدة"، ومحمد بن يحيي في "المحيط"، وتعبير "الوسيط" يدل على أنه مذهبنا لا غير؛ فإنه قال: لا يشترط عندنا خلافًا لأبي حنيفة، ونقله أبو الطيب والماوردي والروياني عن نص الشافعي، وكذلك ابن كج وابن القطان فإنهما نقلا في فروعهما عن الشافعي: أن الرجل إذا دخل دار أعدائه وجرح وسقط ومات فينظر إن كان قد أقبل وأدبر فلا لوث، لأنهم لو قتلوه لصرح

الجزء: 8 - الصفحة: 273

به أو أشار إليه، وإن لم يقبل ولم يدبر فلوث لأن الظاهر أنه مات من جنايتهم بأن سقوه سمًا أو عصروا أنثييه وما أشبهه، وبهذا النص تندفع الآراء، وقد اغتر النووي بهذا الترجيح الضعيف الذى ذكره الرافعي على خلاف نص الشافعي والجمهور فصرح في "الروضة" بتصحيحه على عادته؛ فتفطن له واحذره.
وإذا تأملت كلام الرافعي علمت أنه لم يمعن النظر في هذه المسألة.

قوله: وكيفية القسامة أن يحلف المدعي خمسين يمينًا.
ثم قال: فإن كان الوارث جماعة فقولان: أحدهما: أن كل واحد منهم يحلف خمسين يمينًا، وأصحهما: أن الأيمان توزع عليهم على قدر مواريثهم لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "يحلفون خمسين يمينًا"، فلم يوجب على الجماعة إلا الخمسين.
انتهى كلامه.
وأشار بذلك إلى الحديث الذى قدمه الرافعي قبيل ذلك وهو حديث جبير المعروف المتعلق بحويصة ومحيصة، والاستدلال به سهو لأن الوارث إنما هو أخو القتيل وهو أخو عبد الرحمن بن سهل، وحويصة ومحيصة عماه، والحالف إنما هو الوارث، وإنما عبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله يحلفون؛ لأن الحلف وإن صدر من واحد لكن بعد اتفاق مع العمين في العادة فإنهما قد حصرا معهما خائضين في القصة فعبر عن اتفاقهم على الحلف بالحلف مجازًا وهو مجاز سائغ حسن، والغريب أن الإمام قد نبه على ما ذكرناه فكيف غفل عنه الرافعي.

قوله: ولو غاب بعض الورثة فالحاضر بالخيار بين أن يصبر حتى يحضر الغائب ويحلف كل واحد قدر حصته وبين أن يحلف في الحال خمسين ويأخذ قدر حقه، فلو كان الورثة ثلاث بنين أحدهم حاضر فأراد أن يحلف حلف خمسين يمينا وأخذ ثلث الدية، فإذا قدم ثان حلف

الجزء: 8 - الصفحة: 274

نصف الخمسين وأخذ الثلث، فإذا قدم الثالث حلف ثلث الخمسين ويكمل المنكسر وذلك سبعة عشر يمينا ويأخذ ثلث الدية، ولو قال الحاضر: لا أحلف إلا بقدر حصتي، لا يبطل حقه من القسامة حتى إذا قدم الغائب حلف معه بخلاف ما إذا قال الشفيع الحاضر لا آخذ إلا قدر حصتي فإنه يبطل حقه لأن الشفعة إذا أمكن أخذها فالتأخير تقصير مفوت واليمين في القسامة لا يبطل بالتأخير.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وفيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من أنه يجوز لبعضهم أن يحلف ويأخذ حصته يتجه إذا قلنا: إن تكذيب بعض الورثة لا يمنع القسامة وهو رأي البغوي.
فإن قلنا: يمنع -وهو الصحيح عند الرافعي والنووي- فيتعين انتظارهم لأن توافق الورثة شرط ولا نقول إن الأصل هو التوافق حتى نستند إليه، والبغوي ذكر هذا الفرع هنا على طريقته المتقدمة فوافقه عليه الرافعي ذهولًا عن مخالفته له أولًا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي في آخر كلامه من بطلان الشفعة ليس كذلك أيضًا فقد مر هناك أن الصحيح أن الحاضر له أن يؤخر الأخذ إلى قدوم الغائب.

قوله في أصل "الروضة" وهنا صور أخرى في الخناثي تعلم من الضابط والمثال المذكور.
حذفها اختصارًا ولعدم الفائدة فيها وتعذر وقوعها.
انتهى.
اعلم أن هذا من زوائد النووي وأشار بذلك في حذفه من كلام الرافعي لهذه المعاني وما توهمه -رحمه الله- من العلم بتلك الصور من الأمثلة السابقة غلط عجيب سببه عدم النظر فيها فتوهم أنها مجرد أمثله مع أن كثيرًا منها مسائل مقصودة وفيها خلاف الأصحاب ومباحث للرافعي ولغيره

الجزء: 8 - الصفحة: 275

فلنذكرها فنقول: قال الرافعي: ولابن الحداد صور من هذه القاعدة.
منها: جد وولدان أحدهما مشكل.
فالحكم فيها كالحكم فيما إذا خلاف ابنًا وولدًا خنثي.
والطريق فيهما أن يقال: إن كان المشكل ذكرًا فالمسألة من اثنين، وإن كان أنثى فمن ثلاثة يضرب أحدهما في الآخر فتبلغ ستة فمنها تصح المسألة فيجعل المشكل أنثي في تحليف الجد حتى يحلف ثلثي الأيمان، وذكرًا في ميراثه حتى لا يأخذ إلا نصف الدية، ويجعل ذكرًا في تحليف نفسه حتى يحلف نصف الأيمان وأنثى في الميراث حتى لا يأخذ سوى الثلث.
ومنها: بنت وجد وولد أب مشكل، فإن كان المشكل ذكرًا فالمسألة من أربعة، سهم للبنت، وسهمان للجد والأخ، وإن كان أنثى فهي من ستة: ثلاثة للبنت والباقي بين الجد والأخ بالأثلاث.
والمسألتان متوافقان بالنصف فيضرب أحد العددين في نصف الآخر يحصل اثني عشر فتحلف البنت نصف الأيمان بكل حال؛ لأن نصيبها لا يختلف بذكورة المشكل وأنوثته وتأخذ نصف الدية، ويحلف الجد ثلث الأيمان لاحتمال أنوثة المشكل ولا يأخذ إلا ربع الدية لاحتمال ذكورته، ويحلف المشكل ربع الأيمان لاحتمال ذكورته ولا يأخذ إلا السدس لاحتمال الأنوثة.
ومنها: جد وأخت من الأبوين ومشكل من الأب، وإن كان المشكل ذكرًا فالمسألة من خمسة وتصح من عشرة، لأن الأخ من الأب يرد على الأخت من الأبوين تمام النصف وهو سهم ونصف فتضرب الخمسة في مخرج النصف تصير عشرة، وإن كان أنثى فالمسألة من أربعة وتصح من اثنين لأن الأخت من الأب ترد ما معها إلى الأخت من الأبوين فيصير المال بينها وبين الجد نصفين فيحلف الجد نصف الأيمان لاحتمال أنوثة المشكل ولا

الجزء: 8 - الصفحة: 276

يأخذ إلا خمسي الدية لاحتمال ذكورته، وتحلف الأخت من الأبوين نصف الأيمان وتأخذ نصف الدية لأن نصيبها لا يتغير بذكورة المشكل أو أنوثته، ويحلف المشكل عشر الأيمان ويوقف عشر الدية بينه وبين الجد فإن بان ذكرًا رد إليه وإن بان أنثي دفع إلى الجد.
وعن بعض الأصحاب: أنه لا يحلف المشكل لجواز أن يتبين أنثي فلا يكون له شيء من الميراث ولكن يوقف فإن بان أنثي فقد حلف الجد والأخت المستحقان تمام الأيمان، وإن كان ذكرًا حلف.
عشر الأيمان ودفع العشر إليه.
وقال الشيخ أبو علي: والصحيح عند الجمهور ما قاله ابن الحداد؛ لأنا وإن حلفنا الجد والأخت تمام الأيمان فلا يتيقن أنهما مستحقان للجميع [فكيف] يأخذ من الجاني الدية بتمامها ولم يأخذ تمام الأيمان ممن يتيقن أنه يستحق تمام الدية بل يحلف المشكل عشر الأيمان وحينئذ فقد تمت الأيمان ممن يتيقن له الاستحقاق.
واعلم أن صاحب ذلك الوجه إن كان يقول: لا يجوز أن يحلف المشكل، لاحتمال أنه لا يرث شيئا فحقه أن يقول فيما إذا حلف ولدا خنثي وأخًا لا يحلف الأخ لمثل هذا الاحتمال، وإن كان يقول لا يكلف أن يحلف ويأخذ تسعة أعشار الدية ويوقف العشر باقيًا على من عليه ما تقدم هناك، ولو كان بدل الأخت من الأبوين أخ من الأبوين فيحلف الجد خمسي الأيمان لاحتمال أنوثة المشكل ويأخذ ثلث الدية لاحتمال ذكورته، ويحلف الأخ ثلثي الأيمان ويأخذ ثلاثة أخماس الدية بالعكس، وتصح من خمسة عشر.
ومنها جد وأخت من الأبوين ومشكل من الأبوين أيضًا فالمسألة على تقدير الذكورة من خمسة وبتقدير الأنوثة من أربعة فيضرب أحد العددين في

الجزء: 8 - الصفحة: 277

الآخر يبلغ عشرين منها تصح فيحلف الجد نصف الأيمان لاحتمال أنوثة الخنثي ولا يأخذ إلا خمسي الدية لاحتمال ذكورته، وتحلف الأخت ربع [الأيمان] ولا تأخذ إلا خمس الدية، ويحلف المشكل الخمسين من الأيمان لاحتمال الذكورة ولا يأخذ إلا ربع الدية لاحتمال الأنوثة فمبلغ الأيمان ثمانية وخمسون والمأخوذ سبعة عشر من عشرين من الدية وتوقف ثلاثة أسهم؛ فإن بان الخنثي ذكرًا فهي له ليتم له الخمسان وإن بان أنثي فسهمان من الثلاثة للجد ليتم له النصف وسهم للأخت ليتم لها الربع.
قال القاضي أبو الطيب: لو أراد الجد والخنثي أن يصطلحا في السهمين من الثلاثة الموقوفة بينهما على أن يتبين حال الخنثي جاز، أو يصطلحا على التساوي أو التفاضل ولكن بشرط أن يجعل السهم الثالث للأخت فلا يوقف لأن الوقف إنما يكون بحق الجميع فلا يجوز أن يمكنا من التصرف في السهمين ويبقي الثالث على الوقف، وتوقف ابن الصباغ فيما ذكره وقال: السهمان اللذان اصطلحا عليهما لا حق للأخت فيهما فلا يلزم إسقاط حق الخنثي من السهم الذي يحتمل أن يكون له ويحتمل أن يكون للأخت.
هذا كلام الرافعي.
ثم ذكر بعده مثالين آخرين ليس فيهما زيادة علم فلم أذكرها.

قوله: ولو كان مع المدعي شاهد واحد وارد أن يحلف معه فإن قلنا بتعدد اليمين مع الشاهد فلابد من خمسين يمينا، وإن قلنا لا تتعدد بل تتحد قال في "الوجيز": إن شهد على اللوث حلف معه خمسين، وإن شهد على القتل حلف يمينا واحدة.
ولك أن تقول: هذا يشعر بالاكتفاء في اللوث بالشاهد الواحد، وما ينبغي للقاضي أن يكتفي به، فإن قول الواحد لا يصلح مثبتًا وما لم يثبت اللوث عند القاضي لا يمكنه البداءة بتحليف المدعي وكأن المراد إثبات الشاهد بما يقيد اللوث وهو الإخبار

الجزء: 8 - الصفحة: 278

عن القتل بدون صيغة الشهادة، لكن لفظ "الوسيط" بعيد عن هذا التأويل.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله الرافعي عن "الوجيز" خاصة وتوقف فيه قد أطلق نقله في "الروضة" فلم يضفه إلى "الوجيز"، ثم إنه أيضًا لم يذكر فيه توقفًا فقال: فإن قلنا تتحد اليمين، فإن جاء بصيغة الإخبار أو شهد على اللوث حلف معه خمسين وإن جاء بلفظ الشهادة وحافظ على شرطها حلف معه يمينا واحدة.
هذا لفظه، وهو اختصار عجيب.
الأمر الثاني: أن تعبير النووي أيضًا بقوله: وإن جاء بلفظ الشهادة وحافظ.
. . . إلى آخره تعبير ناقص مؤذن باشتباه الأمر عليه فإنه لم يذكر المشهود به وهو القتل فأوهم أن المراد اللوث.

قوله: حتى لو مات من عليه دين ولا تركة له فقضاه الورثة من مالهم لزم المستحق قبوله، بخلاف ما لو تبرع به أجنبي، قال الإمام: وغالب ظني أني رأيت فيه خلافًا.
انتهى.
وهذا الكلام لا يعلم منه أن الخلاف راجع إلى المسألة الأولي أو الثانية، وقد بينه في "النهاية" وصرح بأنه في الوارث خاصة، وكذا ذكره الغزالي في "البسيط" فقال: المذهب وجوب القبول.

قوله: قال الإمام: ولو أوصي لإنسان بمال ومات فجاء من يدعي استحقاقه هل يحلف الوارث لتنفيذ الوصية؟ فيه احتمالان.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على ذلك وفيه أمران: أحدهما: أن محل هذين الاحتمالين فيما إذا كانت العين في يد الورثة، فإن كانت في يد الموصي له فهو الحالف جزمًا.
كذا صرح به

الجزء: 8 - الصفحة: 279

في "المطلب".
الأمر الثاني أن الإمام قد رجح منهما الحلف فقال: إنه متجه حسن فقيه، وقال في الآخر: يجوز أن يقال كذا وكذا، ولم يزد عليه، وقد ذكر الماوردي والروياني أيضًا المسألة وجزما بأن الوارث يحلف، وقد ذكر في أوائل باب الشاهد واليمين فرعًا آخر قد يشتبه بهذا وهو غيره كما سيأتي إيضاحه.

قوله: نقلا عن الإمام: فالأيمان لا تجب قط.
انتهى.
وما ذكره الإمام قد جزم به في "الروضة" وفيه تفصيل متعين استدركه عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنبه عليه إن شاء الله تعالى في الدعاوي.

قوله: ولو شهد شاهدان أنه قطع يد فلان ولم يعينا اليد فوجدناه مقطوع يد واحدة فهل تنزل شهادتهما على ما شاهدناها مقطوعة أم يشترط تنصيصهم؟ يجوز أن يقدر فيه خلاف.
انتهى كلامه.
زاد في "الروضة" فقال: الصواب التنزيل وما ذكره واقتضي كلامهما عدم الوقوف على نقله قد ذكره الماوردي وجزم بالتنزيل، وهو مقتضي كلام الغزالي أيضًا، وقد سبق ذكر المسألة قبل ذلك لغرض آخر.

قوله: وتعليم السحر وتعلمه حرام عند الأكثرين، وقيل: لا كما لا يحرم تعلم [مقالة] 3 الكفرة وهو ما أورده في "الوسيط".
انتهى.
والنقل في "الوسيط" في هذا الباب هو ما ذكره الرافعي ولكنه قد جزم في كتاب الإجارة من "الوسيط" أيضًا بالتحريم كما قاله الجمهور.

قوله في "الروضة": قد ملفوفًا وادعي أنه كان ميتًا، فالمصدق

الجزء: 8 - الصفحة: 280

الولي في أظهر القولين.
ثم قال: فإن صدقناه -يعني الولي- فحلف فله الدية، وفي القصاص وجهان؛ قال الشيخ أبو حامد: لا؛ للشبهة، وقال الماسرجسي والقاضي أبو الطيب وغيرهما: يجب القصاص لأنه مقتضي تصديقه.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الأكثرين على الوجوب لكنه قد ذكر قبل ذلك في باب اختلاف الجاني ومستحق الدم من زوائده ما يخالفه، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.

الجزء: 8 - الصفحة: 281

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل