المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الهبة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفيه فصلان:

الفصل الأول: في أركانها

قوله: في الحديث لو دعيت إلى كراع لأجبت، وفيه أيضًا لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة، انتهى.
الكراع بضم الكاف طرف رجل الغنم والبقر خاصة يذكر ويؤنث ويجمع على أكرع، ثم على أكارع، وأما طرف اليد فتسمى ذراعًا، وهو أكثر لحمًا من الكراع، وفي المثل أعطى العبد كراعا فطلب ذراعًا قاله الجوهري.
وأهل العرف يعبرون بالكارع ويطلقونه على طرف اليد والرجل معًا.
وأما الفرس بفاء مكسورة وسين مهملة مكسورة أيضًا بعدها نون هو من البعير بمنزلة الحافر من الدابة، وربما استعير في الشاة، ونونه زائدة لأنها من فرست أي قتلت أو ذبحت ونحو ذلك.

قوله: وسبيل ضبطها أن تقول التمليك لا بعوض هبة، فإن انضم إليه حمل الموهوب من مكان إلى مكان للموهوب له إعظامًا أو إكرامًا فهو هدية، وإن انضم إليه كون التمليك للمحتاج تقربًا إلى الله تعالى وطلبًا لثواب الآخرة فهو صدقة، انتهى.
تابعه في "الروضة" على تقييد الصدقة بالاحتياج مع أن الإعطاء بقصد التقرب صدقة سواء كان لغني أو فقير كما ذكره في موضعه، وكذا ذكر في "شرح المهذب" وصرح بنفي الخلاف وبحصول الثواب.

قوله: فامتياز الهبة عن الهدية بالنقل والحمل من موضع إلى موضع، ومنه إهداء النعم إلى الحرم، وكذلك لا يدخل لفظ الهدية في العقار بحال، وإنما

الجزء: 6 - الصفحة: 267

يطلق ذلك في المنقولات، انتهى كلامه.
وما ذكره من أنه لا يطلق عليه ولا مدخل له فيه، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غريب فسيأتي في باب النذر التصريح بخلافه، وأنه لو قال: لله علي أن أهدي هذا البيت والأرض ونحوهما مما لا ينقل صح ذلك وباعه ونقل ثمنه.

قوله: الركن الأول والثاني العاقدان وتركهما الغزالي لوضوح أمرهما، انتهى.
وما ذكره من الوضوح تبعه عليه في "الروضة" فقال: وأمرهما واضح لكنه سيأتي من كلام الرافعي في كتاب اللقيط في الكلام على نفقته مسألة هي محل نظر، وقد توقف فيها هو -أعني: الرافعي- وهي ما إذا وهب للجهة كالمساكين واللقطاء هل تصح أم لا؟ وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في بابها وذكر أيضًا في كتاب اللقيط وفي هذا الباب أن المسجد يصح تمليكه ويقبله القيم وهذه المسألة من ذوات النظر المتوقفة على نقل صريح.
لا جرم أنه في كتاب الوصية نقل عن بعضهم أنه إذا أوصى للمسجد وأراد به تمليكه، فإن الوصية لا تصح، ثم إنه توقف فيه، وقال: قد تقدم ما يخالفه.

قوله: وهب له شيئًا فقبل نصفه أو وهب له عبدين فقبل أحدهما ففي صحته وجهان، والفرق بينه وبين البيع أن البيع معاوضة، انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا والمرجح إلتحاقه بالبيع حتى لا يصح، فإنه لو وهب لاثنين فقبل أحدهما نصفه كان كالبيع حتى لا يصح على الأصح، وقيل لا تلتحق بالبيع بل تصح قطعًا، كذا ذكره الرافعي في الكلام على الركن الرابع، وهو نظير مسألتنا، بل هذه أولى بعدم الصحة لأن الهبة لاثنين صفقتان ومسألتنا صفقة واحدة، ولهذا جزموا بالبطلان في

الجزء: 6 - الصفحة: 268

نظير مسألتنا من البيع وترددوا في تلك.

قوله: ناقلا عن "زيادات العبادي" ولو ختن ابنه واتخذ دعوة فحملت إليه هدايا، ولم يسم أصحابها الأب ولا الابن فهل تكون للأب أم للابن؟ فيه وجهان، انتهى.
قال في "الروضة" من "زياداته": الأقوى والأصح أنها للأب، لأن الناس يقصدون التقرب إليه.

قوله من "زياداته": وقبول الهدية التي يجيء بها الصبي المميز جائز باتفاقهم وقد سبق في البيع.
انتهى.
هذه المسألة مذكورة في ثلاث مواضع من "الروضة" واختلف كلامه فيها من ثلاثة أوجه، وقد سبق إيضاحها في البيع.

قوله: والعمري أن يقول: أعمرتك هذه الدار مثلا أو يقول جعلتها لك عمرك أو حياتك أو ما عشت، ثم له أحوال: أحدها: أن يقول مع ذلك فإذا مت فهي لورثتك أو لعقبك فيصح وهي الهبة بعينها، لكنه طول العبارة، فإذا مات فالدار لورثته، فإن لم يكونوا فلبيت المال.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على التعبير بالورثة والعقب مع الحكم المذكور وهو مشكل متدافع لأن العقب موضوع للأولاد وأولاد الأولاد سواء كانوا وارثين أم لا فتدخل فيه البنت وبنت البنت، وابن البنت، والورثة لا يخفى حكمهم فالعقب قد لا يكون وارثًا، والوارث قد لا يكون عقبًا، فإذا خلف مثلًا أخًا وبنتا فمقتضى التعبير بالإرث أن يكون نصفين، ومقتضى التعبير بالعقب إنفرد به الأخ على التعبير بالإرث، وينفرد به ابن البنت على التعبير بالعقب، وإذا خلف ابنًا وابن ابن وغير ذلك، اختص به الابن على الإرث، واشترك الجميع على العقب، وقس على هذه الأمثلة فالحكم الذي ذكره وهو كونه معنى الهبة المطلقة، وأنه يكون إرثًا لا يستقيم في العقب، ولا شك أن

الجزء: 6 - الصفحة: 269

جعلها للعقب يقتضي خروجها عن الهبة الصحيحة لأن مقتضاها إنما هو الانتقال إلى الورثة، وقد اقتصر الشيخ في "التنبيه" و"المهذب" على العقب، وجعلها لهم بعد موته.

قوله: في المسألة الحال الثاني أن يقتصر على قوله جعلتها لك عمرك، فالجديد صحتها وتكون أيضًا هبة.
الثالث: أن يقول فإذا مت عاد إلي فالصحيح أن حكمه حكم الإطلاق في الصحة لظاهر الحديث، ثم قال بعد ذلك فلو علق بموته فقال: إذا مت فهذه الدار لك عمرك [فإذا مت عادت إلى ورثتي] 1 فهى وصية تعتبر من الثلث فلو قال: إذا مت فهي لك عمرك فإذا مت عادت إلى ورثتى فهى وصية بالعمري على صورة الحالة الثالثة، انتهى.
ومقتضى كلامه في المسألة الأخيرة إطلاقًا وتشبيهًا بالحالة الثالثة أن ذلك يكون تمليكًا مستقرًا لا يرجع إلى الواهب وحينئذ فيكون ذلك يأتي أيضًا في ما قبلها بطريق الأولى، ووقع في "الروضة" في الباب الثالث من كتاب الإجارة أن المنافع تعود بموت الموصى له إلى ورثة الموصي وهو غلط قد تقدم إيضاحه في موضعه فراجعه.

قوله: فرع: لو باع على صورة العمري، فقال: ملكتكها بعشرة عمرك.
قال ابن كج: لا يبعد عندي جوازه تفريعًا على الجديد، وقال أبو علي الطبري: لا يجوز.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح المعروف في المذهب هو البطلان فقد قطع به الماوردي في "الحاوي" في هذا الباب، ثم أنه بعد ذلك بدون الصفحة نقل القطع به أيضًا عن ابن سريج، وأبي إسحاق المروزى.

الجزء: 6 - الصفحة: 270

الثاني: أن ما حكاه عن ابن كج احتمالًا هو وجه ثابت، فقد نقله الروياني في "البحر" عن ابن خيران.

قوله: فما جاز بيعه جازت هبته وما لا يجوز بيعه من مجهول أو معجوز عن تسليمه لا تجوز هبته، هذا هو الغالب وربما اختلفا، وفي التفصيل صور إلى آخره.
اعلم أنه -رحمه الله- لما ذكر الصور التي أشار إليها لم يذكر فيها شيئًا يخالف البيع إلا على وجه ضعيف، فيقتضي ذلك أنه لا يستثنى من القاعدة شيء وأن ما جاز بيعه جازت هبته وما لا فلا، ووقع نحوه في "الشرح الصغير" و"الحاوي الصغير" و"الروضة" وحينئذ فيستفاد منه أن هبة ما لا يتمول لقلته كحبتي الحنطة غير صحيحة وقد صرح به الرافعي في الباب الثاني من كتاب اللقطة في الكلام على أن واجد القليل هل يعرفه، ولم يذكره في "الروضة" هناك.
إذا علمت ذلك فقد ذكر النووي، في "المنهاج" هنا أنه تجوز هبة ذلك وأدخله في كلام الرافعي، ثم نبه عليه في "الدقائق" وصرح أيضًا بجوازه، وزاد علي ذلك فادعى أنه لا خلاف في الجواز وهو موضع غريب جدًا.

قوله في أصل "الروضة": والصحيح وبه قطع المتولي أنه لا يشترط في الهدية إيجاب ولا قبول.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من أن المتولي قد قطع بذلك غريب وباطل فقد حكى المتولي في "التتمة" هذا الخلاف في موضعين من هذه المسألة، والغريب أن النووي قد نقله عنه في "الروضة" بعد هذا بأسطر في الكلام على تأخير القبول.

قوله: في "الروضة" ويجري الوجهان في هبه الكلب وجلد الميتة قبل الدباغ والخمر المحترمة والأصح من الوجهين في هذه الصور كلها البطلان إلى أخره.

الجزء: 6 - الصفحة: 271

وما ذكره هنا من تصحيح المنع في جلد الميتة قد جزم في باب الأواني بما يخالفه، وقد سبق التنبيه عليه هناك.

قوله: وهبة الدين ممن هو عليه إبراء فإن قلنا لا يحتاج الإبراء إلى القبول ففي هبته وجهان، إن نظرنا إلى اللفظ: اعتبرناه، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة، وإن نظرنا إلى المعنى: فلا، قال في "الشامل" وهو المذهب، انتهى.
لم يصرح هنا بتصحيح، وقد اختلف كلامه في الراجح منها فجزم في "المحرر" و"الشرح الصغير" هنا بعدم الاشتراط، وصرح بتصحيحه في الشرحين "الكبير" و"الصغير" في الباب الرابع من أبواب الصداق في الطرف الرابع منه وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى وحاصله أنه رجح في هذه المواضع كلها معاني العقود على لفظها.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في كتاب الصلح ما يخالفه فرجح اعتبار اللفظ، وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه، وذكر في هذا الباب بعد هذه المسألة ما يشعر برجحان المعنى فقال: فرع عن صاحب "التقريب" من عليه الزكاة لو وهب دينه على المسكين بنية الزكاة لم يقع الموقع لأنه إبراء وليس بتمليك، ثم قال ولك أن تقول ذكروا وجهين في أن هبة الدين ممن عليه الدين تتنزل منزلة التمليك أم هو محض إسقاط؟ وعلى هذا خرج اعتبار القبول فيها، فإن أعطيناها حكم التمليك وجب أن يقع الموقع، انتهى كلامه.
فحكم بعدم احتياجها إلى القبول [على القول] 2 بأنها إسقاط ووقعت هذه المواضع في "الروضة" و"المنهاج" كما وقعت للرافعي، وزاد فصرح في أصل "الروضة" من هذا الباب بأن المذهب عدم اشتراطه ولم يسنده لصاحب "الشامل"، كما أسنده إليه الرافعي، واعلم أن كلامه في هذا الفرع الذي نقله هنا عن صاحب "التقريب" يقتضي أنه لم يقف على خلاف في إجزائه

الجزء: 6 - الصفحة: 272

عن الزكاة ولأجل هذا ذكره بحثًا، وقد تبعه عليه في "الروضة"، وصرح أعني النووي في "الروضة" أيضًا قبل ذلك في قسم الصدقات بحكاية وجهين.
فقال: من "زياداته" في الصنف السادس المعقود للغارمين ولو كان عليه دين فقال جعلته عن زكاتي لا يجزئه على الأصح حتى يقبضه ثم يرده إليه إن شاء وعلى الثاني يجزئه كما لو كان ودعية حكاه في "البيان" هذا لفظه.
فإذا قيل [بأنه يقع] 3 هنا فبالأولى أن يقال به في صريح الهبة لأن الجعل دونه في الصراحة.

قوله: ولا يحصل الملك في الهبات والهدايا إلا بعد حصول القبض، ثم قال: وفيه قولان آخران أحدهما: أنه يحصل الملك بنفس العقد، والثاني: أن الملك موقوف فإذا وجد القبض تبينا حصوله من العقد، انتهى.
واعلم أنه جزم في باب الإستبراء بما حاصله القول الثالث، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.

قوله: القبض في العقار والمنقول كما سبق في البيع، وحكينا هناك قولًا أن التخلية في المنقول قبض.
قال المتولي: لا جريان له هنا لأن القبض هناك مستحق وللمشتري المطالبة به فجعل التمكين قبضًا، وفي الهبة غير مستحق فاعتبر بحقيقة, ولم يكتف بالوضع بين يديه.
انتهى.
وما ذكره هنا موجود بعينه في المرهون فيكونان سواء بلا شك، فقد سبق في الرهن تصحيح جريان القول فيه فيكون الصحيح جريانه أيضًا هنا على خلاف ما نقله عن "التتمة" فاقتصر عليه، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه ووقع الموضعان في "الروضة" كما في الرافعي.

الجزء: 6 - الصفحة: 273

الفصل الثاني: في حكمها

قوله: يكره للوالد ترك العدل بين أولاده في العطية فلو رجع الوالد في هذه الحالة جاز، انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن تعبيره بجواز الرجوع ذكر مثله في "الروضة"، وهو تعبير ناقص يوهم عدم الاستحباب وليس كذلك فقد قال الرويانى في "البحر": إن الأصحاب قالوا باستحباب الرجوع.
الثاني: أن إطلاقهم جواز الرجوع أو استحبابه يتجه أن يكون محله في المقدار الزائد خاصة.

قوله: ويكره للوالد الرجوع إن كان الولد عفيفًا بارًا فإن كان عاقًا، أو يتسعين بما أعطاه في معصية فلينذره بالرجوع، فإن أصر لم يكره، انتهى.
وإطلاق عدم الكراهة في هاتين المسألتين قد تابعه عليه في "الروضة" وهو مردود، بل القياس في المسألة الثانية استحباب الرجوع إن لم يكن واجبًا، وأما العاق فينبغي أن يفصل فيه فيقال إن زاده الرجوع عقوقًا كره وإن أزاله استحب وإن لم يفد شيئًا منهما فيباح ويحتمل استحباب عدم الرجوع.

قوله: ومن أحكامها جواز الرجوع للأصل في ما وهبه لفرعه, فلو تنازع رجلان مولودًا ووهبا له فلا رجوع لواحد منهما، فإن ألحق بأحدهما فوجهان لأن الرجوع لم يكن ثابتًا ابتداء.
انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" هو الرجوع لثبوت البنوة في الأحكام، قال: وقطع به ابن كج.

قوله: ولو وهب الابن المتهب الموهوب من أبيه فهل للجد الرجوع؟ فيه

الجزء: 6 - الصفحة: 274

وجهان: أحدهما: نعم، لأنه موهوب ممن للجد الرجوع في هبته.
والثاني: لا؛ لأن الملك غير مستفاد منه، ولو باعه منه أو انتقل بموته إلى ابنه فكلام صاحب "التهذيب" يقتضي القطع بالمنع وفي "الشامل" طرد الوجهين في صورة الموت , وفي "التتمة" طردهما أيضًا في البيع، والأصح في الكل المنع، انتهى.
ذكر النووي في "الروضة" هذا الخلاف، ثم قال عقبه: قلت: ولو هبه المتهب لأخيه من أبيه، قال في "التبيان": ينبغي أن لا يجوز للأب الرجوع قطعًا لأن الواهب لا يملك الرجوع فالأب أولى، ولا يبعد تخريج الخلاف لأنهم عللوا الرجوع بأنه هبة لمن للجد الرجوع في هبته، وهذا موجود هنا والله أعلم.
وقوله: من "زوائده": (ولا يبعد) هو من كلام النووي لا من تتمة كلام "البيان".
إذا علمت ذلك فهذا الذي ذكره بحثًا، واستقر كلامه بعدم الإطلاع على نقله حتى استنبطه من التعليل غريب، فإنه قد تقدم من كلامه التصريح بالخلاف في البيع، والرجوع لا يثبت فيه للوالد البائع بلا خلاف، ولا شك أن الهبة أولى بذلك من البيع لثبوت الرجوع في الهبة من حيث الجملة، وإنما ذكر صاحب "البيان" أنه لا خلاف في هذه الصورة، لأن طريقته كطريقة صاحب "التهذيب" وهي عدم الخلاف في مسألة البيع فإنه صرح به قبل ذلك بقليل فلذلك حسن منه ذكر ما ذكره بحثًا، أما على ما في الرافعي فلا.
واعلم أن العود بالبيع والإرث لم يذكرهما الرافعي للتقييد، بل للتمليك فإن جعله أجرة وصداقًا وعوضًا في الخلع وغيرها كذلك بلا شك.

الجزء: 6 - الصفحة: 275

قوله: ولو تصدق على ابنه فوجهان: أصحهما ويحكي عن نصه في "حرملة": أن له الرجوع أيضًا.
قال: والثاني وبه قال مالك: لا رجوع؛ لأن القصد من الصدقة ثواب الآخرة وقد حصل، انتهى كلامه.
وما صححه هنا من جواز الرجوع قد جزم بعكسه في باب العارية في الكلام على حد المستعير.
فقال ما نصه: والصدقات في الأعيان تفارق الهبات، ألا ترى أنه يرجع في الهبة ولا يرجع في الصدقة، انتهى.
وصححه أيضًا في هذا الباب في "الشرح الصغير" فقال: ولو تصدق على ابنه فوجهان: أحدهما: أن له الرجوع أيضًا، لأن الخبر يقتضي الرجوع في الهبة، والصدقة هبة.
وأصحهما: وبه قال مالك المنع لأن قصد المتصدق الثواب في الآخرة وهو غير موعود به هذا لفظه ووقوعه غريب لتعبيره بالأصح في الموضعين.

قوله: ناقلًا عن المتولي ولو أبرأ ولده عن دينه، فإن قلنا الإبراء تمليك رجع وإن قلنا إسقاط فلا، انتهى.
قال في "الروضة": ينبغي أن لا يرجع على التقديرين.

قوله: وإن كان زائدا نظر إن كانت الزيادة متصلة كالسمن وتعلم الحرفة رجع به مع الزيادة.
ثم قال بعد ذلك: إنه إذا قصر الثوب أو طحن الحنطة أو نسج الغزل, وجعلنا هذه الأشياء أعيانًا كان الأب شريكًا، إلى آخره.
اعلم أن الصحيح في تعليم الحرفة أن الابن يكون أيضًا شريكًا فيها على خلاف ما جزم به هاهنا وقد تقدمت المسألة مبسوطة في باب الفلس

الجزء: 6 - الصفحة: 276

فراجعها.

قوله: وإذا وهب جارية أو بهيمة [حاملًا] 4 إلى آخره.
اعلم أن مسائل الحمل المذكورة هاهنا قد حصل اضطراب في دخولها، وعدم دخولها، وقد سبق ذكر ذلك واضحًا في الرد بالعيب والفلس، وينبغي أيضًا أن يستحضر هنا ما سبق في التفريق بين الأم والولد.

قوله: وإن كانت أرضا فبنى فيها الابن أو غرس فيتخير الأب بين الإبقاء إلى آخره.
سبق الكلام أيضًا في باب العارية على هذه المسألة واضحًا، وعلى ما فيها من الاضطراب.

قوله: وإذا وهب بشرط الثواب المعلوم صح في أصح القولين.
ثم قال: فإن قلنا بالصحة، فالظاهر أنه يبيع اعتبارًا بالمعنى إلى آخره.
هذه المسألة قد حصل فيها إضطراب سبق ذكره واضحًا في البيع، في الكلام على خيار المجلس.

قوله: في المسألة وإذا جعلناها هبة مكافأة بدون المشروط إلا أنه قريب، ففي شرح ابن كج وجهان في أنه هل يجبر على القبول لأن العادة فيه المسامحة، انتهى.
قال في "الروضة": الأصح أو الصحيح لا يجبر.

قوله: ولو قال: وهبتك ببدل، فقال: بلا بدل وقلنا مطلق الهبة لا يقتضي ثوابا فهل المصدق الواهب أو المتهب؟ وجهان، وبالأول قطع ابن كج، انتهى.
هذه المسألة لها نظيران يقتضيان تصديق الموهوب له.
أحدهما: ما إذا قال السيد لعبده أعتقتك على ألف، أو بعتك نفسك بها

الجزء: 6 - الصفحة: 277

وطالبه بالألف فأنكر العبد وحلف، فإن المال يسقط ويحكم بعتق العبد بإقراره، جزم به الرافعي في آخر الباب الثالث من أبواب الإقرار، وحينئذ فيكون الصحيح في مسألتنا تصديق الموهوب له لأن الإعتاق والهبة يكونان بعوض وبلا عوض.
والثاني: إذا قال الزوج خالعتك بألف فأنكرت المرأة حصلت البينونة ولا شيء عليها كما جزم به الرافعي في بابه، وقد صحح النووي من زوائده، تصديق الموهوب له كما ذكرناه، إلا أنه لم ينقله عن أحد، ولم يذكر له مستندًا.

قوله: ولو دفع إليه درهمًا وقال: أدخل به الحمام، أو دراهم وقال: اشتري لنفسك بها عمامة ونحو ذلك ففي "فتاوى القفال" أنه إن قال ذلك على سبيل التبسط المعتاد ملكه وتصرف فيه كيف شاء، وإن كان غرضه تحصيل ما عينه لما رأى به من الشعث والوسخ أو لعمله بأنه مكشوف الرأس لم يجز صرفه إلى غير ما عينه, انتهى.
قال في "الروضة": الصحيح المختار: ما قاله القفال.
وقال القاضي الحسين في "فتاويه": يحتمل وجهين في تعيينه، ولو طلب الشاهد مركوبًا ليركبه في أداء الشهادة، فأعطاه دراهم ليصرفها إلى مركوب هل له صرفها إلى جهة أخرى؟ فيه وجهان.
انتهى ما قاله في "الروضة".
وفيه أمور: أحدها: أن الصحيح في الشاهد أن له ذلك فقد قال الرافعي في الشهادات: إنه الأشهر وكلام النووي هنا يقتضي أنه لم يظفر بخلاف صريح في مسألة الفقير، وكذلك نقل عن القاضي حسين أنه يحتمل وجهين، ولم يرد عليه، وقد صرح الرافعي بنقلهما في كتاب الشهادات أيضًا، عند ذكر مسألة الشاهد واقتضى كلامه أن الصحيح الجواز، وصرح النووي

الجزء: 6 - الصفحة: 278

بتصحيحه، وعبر الأصح ولم يفصل بين أن يكون له غرض أم لا كما قال هنا.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر في أوائل كتاب الوصية فرعا يشكل على ما قاله هنا وتبعه عليه في "الروضة" فقال: لو أوصى لدابة غيره وقسر بالصرف في علفها صحت لأن علفها علي مالكها، فالقصد بهذه الوصية هو المالك هذا هو الظاهر المنقول، وبه قطع الغزالي والبغوي وغيرهما، ويحتمل طرد خلاف سيق في مثله في الوقف فعلى الصحة في اشتراط قبول المالك وجهان: اختيار أبي زيد: أنه لا يشترط وتجعل وصية للدابة.
والأصح: الاشتراط وهي وصية لمالكها، كما وأوصى لحمارة داره، فعلى هذا يتعين صرفه إلى جهة الدابة على الأصح رعاية لفرض الموصى، ويتولى الإتقان الوصي ثم القاضي انتهى ملخصًا.
فإذا تعين الصرف في الدابة إلى الظلمة مراعاة لغرض الدافع ففي الأدمي أولى.
الأمر الثالث: أن المعطي لأجل العمامة ونحوها حيث يقولون بتعين الصرف له، هل يقولون بأن المعطى له يملكه أم لا يملكه؟ لكن إذا اشترى به العمامة ونحرها ملكها، أو لا يملك المعطي ولا العمامة أيضًا، بل ينتفع بها على ملك مالكها فإن كان المراد الأول فكيف يصح أن يهبه شيئًا ويحجر في التصرف فيه، وقد نقل في "الروضة" من زوائده هنا عن القاضي الحسين أنه لو قال وهبتك هذه الدراهم بشرط أن تشتري بها كذا وكذا، لم تصح الهبة.
قال: لأنه لم يطلق له التصرف، وإن كان المراد الثاني وهو المفهوم من كلامهم، فكيف يكون وكيلًا في شراء الشيء لنفسه، أو كيف يشتري لنفسه بمال غيره، إلا أن يكون المراد أنه يشتري أولًا لنفسه بثمن في الذمة، ثم

الجزء: 6 - الصفحة: 279

يعطي تلك الدراهم، ويأتي النظر في تخريجه على الخلاف في ما إذا أعطى لوكيله درهمًا، وقال إشتر به كذا فهل يتعين الشراء بالعين أم يجوز في الذمة، ثم إنا إذا فرعنا على أنه يملك العمامة، فإن جوزنا له بيعه، فات المقصود وإن حجرنا عليه فيها كان مخالفا للقياس.
وأما الإحتمال الثالث، وهو عدم الملك بالكلية فهو بعيد من كلامهم، ويلزم أن يكون عارية حتى يضمنه بالتلف، ويجب على الورثة رده بالموت.

قوله: قلت ومن مسائل الفصل أن قبول الهدية التي يجيء بها الصبي المميز جائز باتفاقهم، وقد سبق في كتاب البيع، وأنه محرم على العمال وأهل الولايات قبول هدية رعاياهم، انتهي كلامه.
وما ذكره من الإتفاق في الصبي ليس كذلك فقد سبق في الوكالة أن فيه وجهين، وسبق في أول البيع أن فيه طريقين أصحهما: القطع بالقبول، والثانية: على وجهين فتلخص أنه قد أجاب في ثلاثة مواضع بثلاثة أجوبة مختلفة، وأما هدية المتولي فقد ذكرها الرافعي في كتاب القضاء.

قوله: وإذا أنفذ كتابًا إلى شخص فقال في "التتمة" يكون هدية يملكها المكتوب إليه، وذكر غيره أنه يبقى على ملك الكاتب وللمكتوب إليه الإنتفاع به على سبيل الإباحة، انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" من زياداته هو الأول.

قوله: وهبة منافع الدار هل هي إعارة لها؟ فيه وجهان في "الجرجانيات" انتهى.
قد ذكر الرافعي في الباب الثالث من كتاب الإقرار ما حاصله رجحان كونه إعارة، فإنه قال وإذا قال هذه الدار لك عارية فهو إقرار بالإعارة ثم قال: وكذلك لو قال هذه الدار لك هبة سكنى أي بالإضافة انتهى.
فإذا كان الإتيان بلفظ الهبة المضافة إلى المنفعة إقرارا بالإعارة إذا أتى به

الجزء: 6 - الصفحة: 280

عن طريق الإقرار، كان الإتيان به على جهة الإنشاء كقولك ملكتك سكناها أو منفعتها إنشاء لها.

قوله: والمال المقبوض في الهبة الفاسدة مضمون على المتهب كالمقبوض بالبيع الفاسد أو غير مضمون كالمقبوض بالهبة الصحيحة؟ وفيه وجهان، ويقال قولان، انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي -رحمه الله- قد اختلف كلامه في الراجح من هذين الوجهين فرجح في كتاب الوصايا أنه لا يضمن وعبر بالأشبه ذكر ذلك في الباب الثاني المعقود للمسائل الدورية وهي من جملة الأبواب التي عقدها للمسائل الحسابية زيادة على أبواب "الوجيز" في أثناء مسألة أولها وهب المريض عبدًا قيمته مائة، وسأذكر لفظه قبيل باب الرجوع من الوصية، وجزم به أيضًا في كتاب العتق في الخصيصة الثالثة.
إذا علمت ذلك فقد جزم في كتاب البيع في الكلام على حكم المبيع قبل القبض بأنه يضمن، فإنه قسم الأعيان إلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن لا يكون مضمونًا.
والثاني: أن يكون مضمونًا بالقيمة.
والثالث: أن يكون مضمونًا بعوض في عقد معاوضة، وجعل الهبة من القسم الثاني، وجزم به أيضًا في "الشرح الصغير" في الكلام على تحريم الصيد على المحرم، ولم يتفطن في "الروضة" لهذا الاختلاف فتبع الرافعي عليه.
وقال من "زياداته": هنا الأصح أنه لا ضمان وهذا الثاني هو مقتضى القاعدة التي ذكرها الرافعي وغيره في الرهن، وهي أن فاسد كل عقد كصحيحة في الضمان وعدمه، وقد تقدم طرف من هذه المسألة في تحريم

الجزء: 6 - الصفحة: 281

الصيد على المحرم.
الأمر الثاني: أن هذه المسألة فيها طريقتان: إحداهما: أن فيها وجهين وهي التي جزم بها الرافعي، ووافقه النووي في "الروضة" على ذلك.
والطريقة الثانية: القطع بعدم الضمان وصححها النووي في باب التيمم من كتاب "الإشارات" الذي جعله على "الروضة" "كدقائق المنهاج" فقال: إنه المشهور، وذكر مثله في "شرح المهذب" هناك فقال: فإن تلف في يده فلا ضمان، كذا قطع به إمام الحرمين وأصحاب "البحر" و"العدة" و"البيان" وغيرهم وانفرد القاضي الحسين فقال: فيه وجهان هذا كلامه، وهو تباين فاحش مع ما في "الروضة".

الجزء: 6 - الصفحة: 282

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل