الثاني: أنه صحح هناك لزوم الألف على خلاف ما يقتضيه كلامه هنا، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه، ووقع الموضعان في "الروضة" كذلك.
الثالث: أن النووي في "الروضة" قد حذف المذكور في الوجهين الأخيرين المنقولين عن الحناطي ففات بحذفهما ما دل عليه كلام الرافعي من التصحيح فيها كما في المسألة قبلها.
قوله: كما لو قال طلقتك على أن لا تحتجبي عني فإن الطلاق يقع من غير قول لأنه ليس بعوض في الشرع، وإن كان قد يتفق قصده.
انتهى.
هذه المسألة حذفها النووي من "الروضة".
قوله: ولفظ الصحيح في قول الغزالي: إن يسر الله بيننا نكاحًا صحيحًا لا حاجة إليه، فإن لفظ النكاح والبيع وسائر العقود يختص بالصحيح منها على الظاهر كما سيأتى في باب الأيمان إن شاء الله تعالى.
انتهى كلامه.
وهذا الخلاف الذى ادعاه وزعم أنه يأتي في الأيمان قد ذكره أيضًا قبل ذلك بنحو كراسين في الكلام على الغرور، وفي غير ذلك أيضًا وهو وهم لا أصل له، وسيأتي إيضاحه في آخر كتاب الأيمان فراجعه.
الفصل الخامس في تزويج العبد
قوله: وإذا جرى نكاح العبد بإذن السيد لا يصير السيد ضامنًا للمهر والنفقة على الجديد فإن قلنا بالقديم فهل يجب على السيد إبتداء أم يلاقي العبد ثم يتحمل عنه السيد؟ وجهان حكاهما أبو الفرج الزاز، وصحح الثاني وقطع البغوي بالأول، وكلام الإمام يقرب منه فإنه قال: وهذا وإن سمي ضامنًا إلى آخره ثم قال: فعلى الأول لا تتوجه المطالبة إلا على السيد ولو أبرأت العبد فهو كفء، وعلى الثاني تتوجه المطالبة عليهما.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح هو الثاني وهو التحمل كذا صححه الرافعى في "الشرح الصغير".
الأمر الثاني: أن كلام الرافعي يقتضى موافقة الإمام والبغوى مع أن [التعبير الذي نقله هو عنه لا يقتضي ذلك، بل قد صرح الإمام في] 1 الكلام على الأب هل يكون ضامنًا لمهر ولده الصغير بعكس ذلك، ولم يحك فيه خلافًا.
قوله: يجب على السيد تخلية العبد بالليل للاستمتاع وله أن يستخدمه نهارًا إذا تكفل بالمهر والنفقة وإلا فعليه أن يخليه ليكتسب، فإن استخدمه ولم يلتزم شيئًا لزمه الغرم، وفى ما يغرمه؟ وجهان أصحهما: أقل الأمرين من أجرة المثل وكمال المهر والنفقة.
والثاني: كمال المهر والنفقة [على الوجهين في المراد بالنفقة] 2 وجهان، الصحيح نفقه مدة الاستخدام، والثاني نفقة مدة النكاح ما امتدت
لأنه ربما كان يكتسب ما بقي لجميع ذلك.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الروضة" ولا شك أن جريان الوجهين في المراد بالنفقة على الوجه الثاني واضح، وأما على الوجه الأول وهو القائل بالأقل فلا فائدة فيه إذا كان الأقل هو الأجرة لأنها إن كانت أقل من نفقة مدة الاستخدام فهى الواجبة، وإن كانت أقل من نفقة العمر فبطريق الأولى لأن نفقة مدة الاستخدام جزء من نفقة تلك المدة مع ما بعده، وأما إذا كان الأقل هو النفقة كما إذا فرضنا مثلا أن أجرته تساوى درهمين ونفقة تلك المدة تساوي درهمًا ونفقتها مع ما بعدها تزيد على درهمين فإن اعتبرنا الأقل بالنسبة إلى نفقة مدة الاستخدام أوجبنا الأقل وهو الدرهم، وإن اعتبرنا الأقل ولكن بالنسبة إلى العمر فيوجب درهمين فقد ظهرت فائدة الخلاف في قسم واحد من أربعة أقسام، ولأجل ما ذكرناه نعرف نقصان الأجرة عن نفقة العمر من زيادتها عليه، فإن الأجرة إن كانت بقدر النفقة في مدة الاستخدام أو أقل علمنا أن أجرة المثل أقل من المهر ونفقة العمر فإن كانت -أى الأجرة- أكثر كما لو كانت عشرة والنفقة خمسة فيأمن السيد بالنفقة تلك المدة ثم ينظر إن بقي النكاح حتى استغرقت النفقة تمام العشرة علمنا أن أجرة المثل أقل من نفقة مدة النكاح مع المهر فلا يزيد عن تمام العشرة، وإن زال النكاح بموت أو غيره قبل استكمال العشرة نظرنا بينها وبين الخمسة التى هى نفقة تلك المدة ونفقة بقية مدة النكاح، وعلمنا الأقل وطريقه لا يخفى.
واعلم أن الغزالي في "الوجيز" لما حكى الأوجه لم يذكر الأقل، بل ذكر عوضه أجرة المثل وليس ذلك مغايرًا له فإن الزوجة ليس لها إلا المؤنة فإن كانت الأجرة أكثر استحال إيجابها للمرأة ولا وجه لخروجها عن ملك السيد فلزم أن الأجرة بكمالها إنما تجب إذا كانت أقل، وحينئذ فينتظم أن
يقال الواجب إنما هو الأقل.
قوله: قال القاضي الحسين في "فتاويه": لو اختلف السيد والعبد في الإذن في النكاح فقال السيد ما أذنت، فالوجه أن تدعي المرأة على السيد أن كسب هذا العبد مستحق لي لمهري ونفقتي ليسمع القاضي البينة.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" لكن الصحيح في كتاب الدعوى أن مجرد دعوى الزوجية أي بدون مال مسموعة على الصحيح، وهذا التصوير المتكلف فيه توهم الذهول عنه وأنها لا تسمع.
قوله في مسائل الدور: المسألة الثانية: زوج أمته عبد غيره وقبض الصداق وأتلفه بإنفاق أو غيره، ثم أعتقها في مرض موته أو أوصى بعتقها فأعتقت وهى ثلث ماله، وكان ذلك قبل الدخول فليس لها خيار العتق لأنها لو فسخت النكاح لوجب رد المهر من تركة السيد، وحينئذ فلا تخرج بتمامها من الثلث، وإذا بقي الرق في البعض لا يثبت الخيار، فإثبات الخيار يجر إلى سقوطه، وكذا الحكم لو لم يتلف الصداق وكانت الأمة ثلث أمواله مع الصداق، ولو خرجت من الثلث دون الصداق أو أنفق ذلك بعد الدخول واستقرار المهر فلها الخيار، ولو كانت المسألة بحالها إلا أن الإعتاق وجد من وارثه بعد موته فينظر إن كان الوارث معسرًا فلا خيار لها لأنها لو فسخت النكاح لزم رد المهر من تركة الميت، وإذا كان على الميت دين لم ينفذ إعتاق الوارث المعسر على الصحيح.
انتهى كلامه.
وما ذكره يستقيم في صورة ثلث المهر، فأما في الصورة الثانية فلا لأنه بالفسخ تبقى العين التي هي المهر مستحقة لسيد العبد ولا دين على التركة.
قوله: والمكاتب لا يتسرى من غير إذن السيد وبإذنه قولان بناء على الخلاف في تبرعاته بإذن المولى.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة مذكورة في الرافعي و"الروضة" في ثلاثة مواضع: أحدها: هذا، والثاني: في باب الوكالة، والثالث: في البيع في آخر معاملات العبيد، وهو من زيادات النووي، ومقتضى المذكور هنا وفي البيع تصحيح الجواز لأنه الأصح في التبرعات، ولكن الصحيح الذي عليه الفتوى خلافه، وسنوضحه إن شاء الله تعالى في الكتابة فراجعه.
الفصل السادس في النزاع
قوله: ويقبل إقرار المرأة بالنكاح قال الإمام: ويظهر في القياس أن لا يقبل إقرار البكر ومعها مجبر حذرًا من اختلاف الإقرارين، وإذا قبلنا إقرارها فاختلفت هى والولي فيجوز أن يقال: الحكم للسابق ويجوز أن يقال: يبطلان جميعًا، وقد ذكرنا وجهين في هذه المسألة في آخر الباب الثالث عن القفال الشاشي والأودني أن المقبول إقراره أم إقرارها فحصل أربعة احتمالات.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حصول أربعة قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وكأنه أراد ما إذا فرعنا على قبول الإقرار وإلا فمقالة الإمام المذكورة أولًا المقتضية لعدم القبول مادام المخير موجودًا مقالة خامسة.
قوله: وإذا زوجت المرأة بغير رضاها لكونها مجبرة، ثم ادعت أن بينها وبين الزوج محرمية فيقبل قولها في أصح الوجهين، ثم قال واحتج الشيخ أبو علي بأن الشافعي نص على أنه لو باع الحاكم عبدًا أو عقارًا على مالكه الغائب بسبب اقتضاه ثم جاء المالك، وقال كنت أعتقت العبد أو العقار، أو بعته صدق بيمينه ونقض بيع القاضي ورد الثمن على المشتري بخلاف ما لو باعه بنفسه أو توكيله، ثم ادعى ذلك فإنه لا يقبل لأنه سبق منه ما يقتضيه، ومقتضى حكايته أنه لا خلاف في صورة بيع الحاكم لكن الإمام حكى فيها قولين.
انتهى كلامه.
وفيه أمران:
أحدهما: أن التعليل بالمناقضة يوهم عدم سماع الدعوى والبينة وليس كذلك كما ستعرفه في آخر الدعاوى في الباب المعقود للمسائل المنثورة.
الأمر الثاني: أن القولين اللذين حكاهما الإمام قد حكاهما الربيع في "الأم"، والأصح منهما هو تصديق المالك، كذا صححه الرافعي في آخر الباب الأول من أبواب اللقطة وعبر بقوله أصح القولين، إلا أنه مثل بالعتق خاصة، وقد علمت بما ذكره هنا أنه لا فرق بين العتق وغيره.
قوله المسألة الثانية: إذا زوج أمته من إنسان، ثم قال: كنت مجنونًا أو محجورًا على وقت تزويجها، وأنكر الزوج وقال تزوجتها تزويجًا صحيحًا، فإن لم يعهد للسيد ما ادعاه ولا بينة فالقول قول الزوج بيمينه لأن الظاهر صحة النكاح، وكذا لو قال زوجتها وأنا محرم أو قال: لم تكن ملكى يومئذ ثم ملكتها، وكذا الحكم لو باع عبدًا ثم قال بعد البيع بعته وأنا محجور على أو لم يكن ملكى ثم ملكته، وعن نصه في "الإملاء" أنه لو زوج أخته ثم مات الزوج فادعى ورثته أن أخاها زوجها بغير إذنها، وقال: بل زوجنى بإذنى فالقول قولها، ولك أن تقول سبق ذكر وجهين في ما لو ادعى أحد المتعاقدين صحة البيع والآخر فساده فليجئ ذلك الخلاف في هذه الصورة.
انتهى.
اعترض عليه النووى فقال: لم يذكر الأصحاب في هذه الصور خلافًا، ولا يصح مجيئوه لأن الظاهر الغالب في الأنكحة الاحتياط وعقدها بشروطها وبحضرة الشهود وغيرهم بخلاف البيع فإن وقوعه فاسد كثيرًا.
انتهى كلامه وفى ما ذكره -أعني النووى- أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من عدم ذكر الأصحاب لهذا الخلاف هنا ليس كذلك، بل قد صرحوا بجريانه حتى جزم البغوى في فتاويه بتصديق مدعي الفساد، ولم يحك خلافه، وإنما ذهب إليه هنا لأنه ذهب إليه في البيع كما نقله عنه الرافعي هناك، والغريب أن النووي قد صرح قبل ذلك بالخلاف في النكاح، والأغرب فيه كونه من "زياداته" فقال في الكلام
على الشهادة في النكاح في أثناء زيادة ما نصه ولو قالت: عقدنا بفاسقين، فقال: بل بعدلين، فأيهما يقبل؟ وجهان: الأصح قول الزوج هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن هذا الفرق الذي ذكره النووي خاص بالنكاح ولا يشمل جميع الصور التي أشار الرافعي إلى التخريج فيها فإن من جملتها ما إذا باع عبدًا، ثم قال بعد البيع: بعته وأنا محجور علي أو لم يمكن ملكي ثم ملكته.
قوله: ولو ادعت المنكوحة أنها زوجت بغير إذنها وهى معتبرة الإذن ففي "فتاوى البغوي" أنه لا يقبل قولها بعدما دخلت عليه وأقامت معه، فكأنه جعل الدخول بمنزلة الرضى.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد أعادها الرافعى في آخر كتاب الرجعة، وجزم بالقبول مطلقًا من غير تفصيل ولا إعزاء إلى ناقل، وفرع عليها بأنها لو رجعت وقالت: كنت رضيت، ففي قبول رجوعها وجهان المنصوص أنه لا يقبل.
قوله نقلًا عن "فتاوى البغوي": إذا قالت لوليها وهى في نكاح أو عدة: أذنت لك في تزويجي إذا فارقني زوجي أو انقضت عدتي.
إلى آخره.
اعلم أن هذا الفرع نقله النووي من هنا إلى الكلام على الأولياء وفيه اضطراب أشرت إليه هناك وصرحت به في الوكالة فراجعه.
قوله: عن الفتاوى المذكورة: ولو كان له إخوة فزوجها أحدهم وحضر الآخران شاهدين ففي صحة النكاح جوابان وجه المنع أن الشرع جعل المباشر نائبًا عن الباقين في أداء ما توجه عليهم، انتهى كلامه.
وهذه المسألة لم ينقلها الرافعى عن الفتاوى الذكورة على وجهها، فإن البغوي أجاب بعدم الصحة فقال: عندي أنه لا يصح لأنهم جميعًا أولياء،
وإن صح العقد من واحد منهم، ثم قال بعد ذلك ويحتمل غيره، ثم أردفه بأنه لو زوجها واحد منهم برضاها من غير كفء برضى الباقين وحضر الباقون شهودًا فالمنع فيه أظهر مما قبله، ونقل النووي هذه المسألة من هنا إلى ركن الشهود، ورجح من زياداته الصحة فقال: إنه الأرجح.
قوله: ولو زوج أمته ثم قال: كنت صبيًا لم يصدق في أظهر القولين ولو زوج أخته برضاها ثم ادعت أنها كانت صغيرة يومئذ ففي -فتاوى القفال- والقاضي الحسين والبغوي أن القول قولها بيمينها، وإن اعترفت يومئذ ببلوغها، وهذا يمكن أن يكون تفريعًا على أحد القولين، ويمكن أن يفرق بأن العقود الجارية بين المسلمين وإن كان الغالب صحتها إلا أن هذه لم تعقل.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الفتوى على الثاني فإنه قياس ما سبق بدون ورقة في ما إذا ادعت أن بينهما محرمية ولم يقع التزويج برضاها أن قولها يقبل في أصح الوجهين الذي نقله الإمام عن المعظم لأنها لم تعترف بنقيضه.
الأمر الثاني: أنها لو ادعت أنها زوجت بغير إذنها وهى معتبرة الإذن فلا يقبل قولها بعد ما دخلت عليه وأقامت معه كذا نقله الرافعي قبل هذا الموضع بقليل عن البغوي وأقره وعلله بقوله -كأنه يعني البغوي- جعل الدخول بمنزلة الرضى، وإذا علمت ذلك اتجه أن تكون صورة المسألة في ما إذا ادعت ذلك عقب البلوغ فإن مكنته بعد ذلك، ثم ادعت لم يقبل قولها.