لهذه المسائل، فقالوا: الرق والحرية إذا تبدل أحدهما بالآخر فإن بقي من العدد المعلق بكل واحد من الزائل فالطارئ شيء أثر الطارئ وكان الثابت العدد المعلق به زائدًا كان أو ناقصًا، وإن لم يبق منهما جميعًا شيء لم يؤثر الطارئ، ولم يغير حكمًا، وإذا أسلم معه حرتان ثم عتق لم يبق من العدد المعلق بالزائل شيء، وبقي من العدد المعلق بالطارئ اثنتان فلم يثبت العدد المعلق بالطارئ وإذا أسلمت معه واحدة وبقي من العدد المعلق بالزائل شيء، ومن العدد المعلق بالطارئ شيء فأثر العتق وثبت حكمه، ثم قال بعد ذلك في أثناء التفاريع، ولو أسلمت معه واحدة من الإماء الأربع ثم عتق ثم أسلمت البواقي: فقال في "التتمة": لا يختار إلا واحدة على ظاهر المذهب، وهذا هو الجواب في "التهذيب" لكن قياس الأصل الذي سبق أن يجوز له اختيار اثنتين لأنه لم يستوف عدد العبيد قبل العتق.
انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول هذه الصورة لم يتناولها الضابط السابق وذلك لأنهم قيدوه بما إذا تعلق بكل من الحرية والرق عدد، ونكاح الإماء لا يتعلق بالحرية منه عدد بل الرق فقط، وإنما يدخل تحت الضابط الحرائر دون الإماء، وكأنهم نظروا إلى أنه لما صار حرًا قبل إسلام البواقي ثم أسلم كان حكمه حكم الحر إذا أراد أن يعقد على الأمة ابتداء، والفرض أن في نكاحه التي أسلمت معه قبل عتقه فلم يوجد شرط نكاح الأمة.
قوله الثانية: أسلم الزوج الرقيق ففي ثبوت الخيار لزوجته الكافرة وجهان: أظهرهما على ما ذكره الإمام والمتولي: المنع لأنها رضيت قبل ذلك برقه.
والثاني: يثبت وهو ظاهر النص لأن الرق نقض في الإسلام لكونه فيه لا يساوي الحر في الأحكام، وفي الشرك لا يتميز الحر عن الرقيق.
قال الداركي: وهذا الخلاف في حق أهل الحرب فأما الذمية مع الذمي فلا خيار لها لأنها رضيت بأحكامنا، ثم قال: وقيد الغزالي في "الوجيز" و"الوسيط" المسألة بما إذا أسلم على حرة وليست مختصة بها ولا بما إذا أسلمت أيضًا، بل الوجهان جاريان في الحرة والأمة إن سلمت أم لا إذا كانت كتابية كذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من إنكار التقييد بالحرة وكون الحكم في الأمة كذلك غلط عجيب فاحش لأنها إذا كانت أمة كانت مساوية له في الرق فلا فسخ لها، وإن امتاز بالإسلام فكيف يجيء الخيار؟، وحينئذ فلابد من تقييد المسألة بالحرة كما ذكره الغزالي، وقد صرح به هكذا حكمًا وتعليلًا جماعة منهم الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" ناقلًا له عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا: أما الأمة فلا خيار لها لأنها مساوية له هذه عبارته، وقيد المسألة بذلك أيضًا خلائق منهم الفوراني في "الإبانة"، والمتولي في "التتمة".
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كونه لا فرق بين أن تسلم التي أسلم عليها أم لا غلط أيضًا فإنه يقتضي جواز نكاح الأمة الكتابية وهو ممتنع قطعًا كما أوضحوه في هذا الباب وغيره، وقد تابعه في "الروضة" على الأمرين وأكد ذلك بقوله: "فاعلم ذلك" فتأمل ذلك وتعجب له، وأسأل الله التوفيق والعصمة عن مثله، وكلام البغوي لا يقتضي ما ذكره بل فيه إيهام يوضحه اسحتضار القواعد المقررة.
الأمر الثالث: أن الراجح عند الأصحاب خلاف ظاهر النص فقد قال في "البحر": إن الأصح عدم الخيار، وجزم به أيضًا الغزالي في "الوجيز"، وقال في "البسيط"، والفوراني في "الإبانة": إنه القياس ولذلك عبر به المتولي، إلا أن الرافعي أبدله بالأظهر.
الأمر الرابع: أن تعليل الرافعي المنصوص تعليل ناقص تبعه عليه في "الروضة" وزاده خللًا، وقد أوضحه في "التتمة" فقال: لأن حكم حرمتها إنما يثبت بإسلام الزوج لأن زوجة المسلم لا تسترق فتكون حريتها بعد إسلامه كالحرية الطارئة، وكذا علل به الغزالي أيضًا إلا أنه لم يستدل على ذلك بمنع الاسترقاق فبقي ذلك دعوى بلا دليل، وعلله البغوي في "التهذيب" بأن الرق له نقائض في الإسلام ليست في الكفر وهو لم يرض بها.
قوله في الكلام على الاختيار: ثم فيه صور: إحداها: إذا طلق واحدة أو أربعًا منهن كان ذلك تعيينًا للنكاح، ثم قال: وفي "التتمة" وجه آخر أن الطلاق ليس تعيينًا لأنه روى في قصة فيروز الديلمي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: "طلق أيتهما شئت" 1 ولو كان الطلاق تعيينًا للنكاح لكان ذلك تفويتًا لنكاحهما عليه.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل هذا الوجه عن "التتمة" لكنه عبر في "التتمة" بقوله: قيل فيه مذهب آخر أنه لا يكون تعيينًا واعلم أن فيروز بفاء مفتوحة، ثم ياء ساكنة بنقطتين من تحت بعدها راء مهملة وفي آخره زاي معجمة كان جده من الفرس الذين بعثهم كسرى مع سيف بن ذى يزن إلى اليمن فأخرجوا عنها الحبشة واستولوا عليها نزل في حمير فلذلك يقال لفيروز الديلمي والحميرى، وفد فيروز على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأسلم وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب مدعي النبوة باليمن فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "قتله
الرجل الصالح فيروز" 1 وفي رواية: "قتله رجل مبارك" 2، وقيل: إنما كان قتله في خلافة أبي بكر، توفي فيروز في خلافة عثمان - رضي الله عنه -، ذكره النووي في تهذيبه وحديثه هذا أخرجه أبو داود في سننه بإسناد صحيح.
قوله: ولو قال لواحدة: فارقتك، فعن القاضي أبي الطيب أنه كقوله: طلقتك، لأن الفراق صريح في الطلاق، وقال الشيخ أبو حامد: يكون فسخًا، وهذا أظهر عند صاحب "الشامل" والمتولي وغيرهما، واحتجوا له بما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لغيلان: "اختر أربعًا منهن وفارق سائرهن" 3. انتهى.
وهذا الذي استدلوا به لا دلالة فيه بالكلية لأنه قد قال له: "اختر أربعًا" فإذا اختارهن استغنى في المفارقات عن لفظ فتعين أن يكون المراد الفراق بالفعل لا بالقول، والكلام إنما هو في ما إذا لم يتقدم اختيار المنكوحات، وإنما ابتداء بهذا اللفظ.
قوله: ونص في ما إذا قال راجعتك في العدة فقالت: بل بعدها أن القول قولها إلى آخرها.
واعلم أن كلامه هنا يوهم أن الأصح تصديق السابق إلى الدعوى مطلقًا أي سواء إتفقا على تعيين وقت أحدهما أم لا وليس كذلك فتفطن
له، واعتمد ما قالاه في باب الرجعة وسوف أذكر ذلك هناك للتنبيه على شيء وقع فيه.
قوله: فرع آخر: نكحت في الكفر زوجين ثم أسلموا، فإن ترتب النكاحان فهي زوجة الأول، فإن مات الأول، ثم أسلمت مع الثاني، وهم يعتقدون جواز التزويج بزوجين ففي جواز التقرير وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة": ينبغي أن يكون أصحهما التقرير.
قال -رحمه الله-:
القسم الرابع في
موجبات الخيار
وهي أربعة:
السبب الأول: العيب
وهو ثلاثة أقسام:
أحدها: يشترك فيه الرجال والنساء وهو البرص والجذام والجنون.
والثاني: مختص بالرجل وهو الجب والعنة.
والثالث: مختص بالمرأة وهو الرتق والقرن، فالرتق انسداد محل الجماع باللحم، والقرن عظم في الفرج يمنع الجماع، وقيل: لحم ينبت فيه.
انتهى.
وما ذكره من حصر المختص بالمرأة في شيئين تابعه عليه في "الروضة" لكنه -أعني الرافعي- في كتاب الديات قد ذكر ثالثًا فقال: إذا كانت المرأة لا تحتمل الوطء إلا بالإفضاء لم يجز للزوج وطؤها ثم الذي أورده صاحب الكتاب هنا، وفى "الوسيط" أنه إن كان سببه ضيق المنفذ بحيث يخالف العادة فله الخيار كما في الجَب، والمشهور من كلام الأصحاب، وقد تقدم ذكره في الصداق أنه لا فسخ بمثل ذلك، ثم قال: ويشبه أن يفصل فيقال: إن كانت المرأة تحتمل وطء نحيف مثلها فلا فسخ، وإن كان ضيق المنفذ بحيث يحصل به الإفضاء من كل واطئ فهذا كالرتق، وينزل ما قاله الأصحاب على الحالة الأولى، وما في الكتاب على الثانية.
هذا كلامه، وهذا التوسط الذي ذكره في المرأة لا شك في جريانه في الرجل أيضًا.
قوله: وليس للزوج إجبار الرتقاء على شق الموضع، ولو فعلت هي
وأمكن الوطء فلا خيار هكذا أطلقوه، ويمكن أن يجيء فيه الخلاف المذكور في ما إذا أطلع على عيب المبيع بعد زواله.
انتهى كلامه.
وهذا التخريج الذي ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا قد صرح به الماوردي في "الحاوي"، ونقله عنه أيضًا في "البحر" إلا أن محله إذا زال بعد علمه، قال: فإن زال قبل علمه فلا خيار جزمًا.
قوله: ودليلنا ما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه تزوج بامرأة فلما دخلت عليه رأى بكشحها وضحًا فردها إلى أهلها 1. انتهى.
الكشح بكاف مفتوحة ثم شين معجمة ساكنة ثم حاء مهملة هو الجنب.
وقال في الصحاح: هو ما بين الخاصرة إلى أقصر الأضلاع.
والوضح بالضاد المعجمة والحاء المهملة هو البرص.
قال في الصحاح: وأصله الضوء والبياض فكنوا به عن البرص: والحديث رواه البيهقى في "السنن الكبير" 2 من رواية ابن عمر، وقال: إن المرأة من غفار، وقال: وفي رواية: رأى بكشحها بياضًا فناء عنها، وناء بهمزة بعد الألف على وزن قال أي نهض قال في الصحاح: ناء ينأو إذا نهض بجهد ومشقة وهذا التفسير على تقدير أن يكون الحديث بالنون ويجوز أن يكون بالباء الموحدة، ومعناه رجع وقد سبق في أوائل النكاح بعض المذكور هنا.
قوله: والبخر، والضبان إذا لم يقبلا العلاج لا يثبتان الخيار في ظاهر
المذهب، ثم قال: ويجري الخلاف في ما إذا وجدها [عذيوطة] 1 أو وجدته [عذيوطًا] 2، [والعذيوط] 3 هو الذى يخرأ عند الجماع.
انتهى.
العذيوط بعين مهملة مكسورة وذال معجمة ساكنة وطاء مهملة هو الذى يتغوط عند الإنزال من الجماع، وعبر عنه الرافعي بقوله يخرأ وهو بالخاء المعجمة ومصدره عذيطة على وزن دحرجة.
قوله: ولا يثبت الخيار بكونها مفضاة الإفضاء رفع ما بين مخرج البول ومدخل الذكر.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن هذا إفضاء وقع فيه اختلاف في كلام الرافعي وتبعه عليه النووي ويأتي إيضاح ذلك في آخر أبواب الديات إن شاء الله تعالى فراجعه.
قوله: فرعان: أحدهما: إذا ظهر بكل واحد من الزوجين عيب من العيوب المثبتة للخيار، وكانا من جنس واحد فوجهان: أحدهما لا خيار لتساويهما وأصحهما: ثبوت الخيار لكل واحد منهما، ثم قال ما نصه: وهذا في غير الجنون أما إذا كانا مجنونين فلا يمكن إثبات الخيار لواحد منهما.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الإمكان في الجنون تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غريب فإنه يتصور بما إذا كان الجنون متقطعًا، فإنه يجوز لكل واحد منهما أن يختار الفسخ بذلك كما يختار في المطبق ولا شك أن الرافعى ذهل عن ثبوت الخيار بالمتقطع.
قوله: ثم ليكن الوجهان فيما إذا تساوى العيبان فإن كان أحدهما أكثر وأفحش وجب أن يثبت الخيار من غير خلاف.
انتهى.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه قد جزم به القاضي
الحسين ونقله عنه ابن الرفعة، ولم يذكره في "الروضة" على صورة البحث، بل جزم به وتعبير "التنبيه" و"المنهاج" وغيرهما بقولهم وبه مثله يشعر به أيضًا.
قوله: أما العنة فلابد فيها من الرفع إلى الحاكم وفي ما سواهما وجهان: أحدهما: يجوز لهما الإفراد بالفسخ، وأقربهما أنه لابد من الرفع.
انتهى.
ولم يتكلم بعد الرفع على أن المرأة هل تستقل أم لا؟ وإذا استقلت هل يشترط أن يقول الحاكم: ثبت عندي ذلك، أم لا؟، وقد ذكره في الكلام على التعيين، وسوف أذكره أنا أيضًا هناك إن شاء الله تعالى لأمر يتعلق بذكره فراجعه.
قوله: ثم إذا قلنا بالرجوع على الغار فإن كان التغرير منها رجع عليها، ومعنى الرجوع في حقها كما قاله الشيخ أبو حامد والإمام أنه لا يغرم لها شيئًا، وهل يجب لها أقل ما يصلح صداقًا؟ فيه وجهان ويقال قولان كيلا يخلو الوطء عن المهر.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا وقال في "الروضة" من زياداته: الأصح أنه لا يبقى لها شئ قال: ويكفي في حرمة النكاح أنه وجب لها ثم استرد بالتغرير.
قوله: وإن كان التغرير من الولى نظر إن كان عالمًا بالعيب غرم المهر وإن كان جاهلًا فوجهان وذكر الحناطي أنه لا رجوع على الحاكم عند الجهل، ثم قال: ولم يتعرضوا لما إذا كانت المرأة جاهلة بعينها ولا يبعد مجيء الخلاف فيه.
انتهى.
وهذا الوجه الذي حكاه الرافعى عن الحناطى.
قد أسقطه من "الروضة" وأما البحث الذي ذكره الرافعي فأجاب عنه في "الروضة" بأنه لا مجيء لتقصيرها الظاهر.
قوله: وإن وجد التغرير منها ومن الولى فيكون الرجوع عليها لأن جانبها أقوى من حيث إن العيب بها، أو يرجع على كل واحد منهما بالنصف فيه وجهان مذكوران في "التتمة".
انتهى.
واعلم أن الرافعي ذكر بعد هذا الكلام على التغرير بالحرية أن التغرير إذا وجد من الأمة ومن وكيل السيد، فإن الرجوع يكون عليهما، وفي كيفيته وجهان: أقربهما بالنصف على كل واحد منهما.
[والثاني: أن له أن يرجع بالكل على من شاء منهما] 1 هذا كلامه، ولم يذكر في مسألتنا مطالبة كل واحد منهما بالكل، ولا في التغرير بالحرية الوجه الذاهب إلى الرجوع على الأمة خاصة، وقد يفرق بينهما بأن جانبها في التغرير بالعيب أقوى لأن الصداق لها وهو هاهنا للسيد فهي والوكيل على حد سواء فلهذا سوينا بينهما على الوجهين معًا.
قوله: في أصل "الروضة": الرابعة: المفسوخ نكاحها بعد الدخول لا نفقة لها في العدة ولا سكنى إن كانت حائلًا بلا خلاف، وإن كانت حاملًا فإن قلنا نفقة المطلقة الحامل للحمل وجبت هنا، وإن قلنا بالأظهر أنها للحامل لم تجب، وأما السكنى فلا تجب على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل يطرد القولان.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من سكنى الحامل من عدم الوجوب بلا خلاف باطل فإن فيه خلافًا مشهورًا وقد حكاه هو في كتاب العدد، حتى أنه لما حكاه هناك أشعر كلامه برجحان الوجوب، وسوف نذكر عبارته هناك إن شاء الله تعالى فراجعها.
وأغرب من ذلك كله أن الرافعي قد حكاه هنا، ولكن تحرف على النووى فغلط في اختصاره له، فإن الرافعي قد قال ما نصه: الرابعة: المفسوخ نكاحها بعد الدخول لا نفقة لها في العدة ولا
سكنى إن كانت حائلًا لانقطاع أثر النكاح بالفسخ، وإن كانت حاملًا فإن قلنا أن نفقة المطلقة الحامل للحمل وجب هاهنا أيضًا لحق القرابة، وإن قلنا: إنها للحامل وهو الأصح لم تجب، وإيراد الإمام وصاحب "التهذيب" يقتضى كون السكنى على هذا الخلاف، وصرح به الحناطي ثم حكى طريقة أخرى قاطعة بأنه لا تجب السكنى، هذا هو المشهور في المسألة، ومنهم من جعل استحقاق الحامل السكنى على قولين وقد نقل هذه الطريقة صاحب الكتاب في باب العدة هذا لفظه بحروفه، ثم حكى عن أبي الطيب ابن سلمة أنه إن فسخ بعيب حادث استحقت السكنى ثلاث طرق حاصلها ثلاثة أوجه، وكأنه اشتبه على النووي الحائل المذكور آخرًا في كلام الرافعي بالحائل بالميم ذاهلًا عن تقدم الخلاف المذكور في تلك.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من سكنى الحامل بالميم من تصحيح القطع بعدم الوجوب وأنه رأي الجمهور عكس ما في الرافعى، فإن حاصل ما فيه أن المعروف الوجوب فراجع عبارته التي ذكرتها لك وكأن النووي قد توهم أن قول الرافعي هذا هو المشهور عائد إلى الطريقة بعدم وجوب السكنى وهو توهم عجيب.
قوله: فروع: إذا رضي أحد الزوجين بعيب الآخر فازداد فلا خيار لأن رضاه بالأول رضي بما يحدث منه ويتولد، وفيه وجه آخر.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الخلاف ومحله إذا لم يكن الحادث أفحش كما إذا كان في اليد فحدث في الوجه، فإن الشافعي قد نص على ثبوت الخيار، كذا نقله الماوردي في "الحاوي"، وقال: إن محل الوجهين في ما عداه كما إذا كان في إحدى اليدين فانتقل إلى الأخرى ولقائل أن يقول قد قالوا في باب الرهن أنهما إذا شرطا وضع الرهن في يد فاسق فزاد فسقه كان لكل منهما الخيار في إزالة يده عنه فاعتبروا الزيادة هناك،
ولم يعتبروها في مسألتنا.
قوله: وحكى الحناطي وجهين في أنه إذا فسخ النكاح بالعيب، ثم بان أنه لم يكن هناك عيب، هل يحكم ببطلان الفسخ واستمرار النكاح؟.
انتهى.
[والصحيح] 1 بطلان الفسخ كذا ذكره في "الروضة" من زياداته.
السبب الثاني: الغرور
قوله: وإن شرطا في الزوج نسب شريف وبان خلافه نظر إن كان نسبه مثل نسبها أو فوقه إلا أنه دون المشروط ففيه قولان: أصحهما على ما ذكر في "التهذيب": أنه لا خيار لها لأنها لا تتعير به.
انتهى.
وهذا الذى صححه البغوي هو الصحيح كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح، وصححه النووي في أصل "الروضة" وعبر بالأظهر، وإطلاق "المحرر" و"المنهاج" يقتضى ثبوت الخيار.
قوله: فإن شرط العبد حرية امرأته فبانت أمة، وقلنا بثبوت الخيار لو كان حرًا فقولان، قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا خيار لتكافؤهما.
انتهى.
وهذا الذى صححه في "التهذيب" هو الأصح فقد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة".
قوله: وإن كان المشروط صفة أخرى -أي غير النسب- والحرية كاليسار والصغر وغيرهما فإن شرطت في الزوج فبان دون المشروط فلها الخيار، وإن شرطت فيها ففي ثبوت الخيار له قولان لتمكنه من الطلاق ذكره في "التتمة".
انتهى كلامه.
وهذا الخلاف حكاه في "الشرح الصغير" وجهين على عكس ما قاله هنا ولم يصحح فيه أيضًا شيئًا منهما وقال في "الروضة" من زياداته: الأظهر منهما ثبوت الخيار.
قوله: إحداهما إذا ظنت أن زيدًا كفء فأذنت في تزويجها منه، ثم بان أنه ليس بكفء فلا خيار لأنه لم يجز شرط والتقصير منها ومن الولي حيث لم يفحصا، وليس هذا كظن السلامة عن العيب، لأن الظن هناك يبنى على أن الغالب السلامة، وهاهنا لا يمكن أن يقال أن الغالب كفاءة
الخاطب، هكذا أطلق المسألة صاحب الكتاب، وينبغي أن يفصل فيقال إن كان فوات الكفاءة لدناءة نسبه أو حرفته أو لفسقه، فالجواب ما ذكرنا، وإن كان فواتها لعيب به ثبت الخيار، وإن كان لرقه فليكن الحكم كلما سنذكر على الأثر في ما إذا تكح امرأة على ظن أنها حرة فإذا هي رقيقة، بل كانت المرأة أولى بثبوت الخيار من جانب الرجل.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يدل على أنه لم يقف في المسألة على نقل، ولهذا أبدى ما أبداه فيها على سبيل التفقه وهو غريب جدًا، فأما فوات الكفاءة للفسق فقد صرح به البغوى في "فتاويه"، وأجاب بالخيار على عكس ما تفقه فيه الرافعى، والغريب أن الرافعى نقله عنه قبيل كتاب الصداق وارتضاه ولم ينقل عن أحد ما يخالفه فقال نقلًا عن "فتاوى القاضي الحسين" ما نصه: وإذا استؤذنت المرأة في التزويج من رجل فأذنت ولم يعلم فسقه وكان فاسقًا يصح النكاح لوجود الإشارة إلى عينه، قال الشيخ البغوي: لكن لها حق الفسخ كما لو أذنت في التزويج من رجل ثم وجدت به عيبًا هذا لفظه هناك.
وأما فوات الكفاءة للعيب فقد صرح به البغوي أيضًا هناك على وفق ما تفقه فيه الرافعي، وهو من جملة الكلام الذي نقله هو عنه، كما ذكرناه، بل الأصحاب قائلون بثبوت الخيار بهذه العيوب وثبوت الخيار فرع عن صحة [النكاح.
وأما الفوات لأجل الرق فنقل في "الروضة" ثبوت] 1 الخيار فيه عن فتاوى صاحب "الشامل" وعن غيره أيضًا، وحكى ابن يونس شارح "التنبيه" فيها وجهين.
الأمر الثاني: أن إطلاق الغزالي إنما هو في "الوجيز" خاصة، وأما في
"البسيط" و"الوسيط" فإنه فصل التفصيل السابق.
قوله: قال الأصحاب التغرير المؤثر هو المقارن للعقد على سبيل الاشتراط، وأما السابق فلا يؤثر وفيه وجه، وهذا كله في تأثيره في فساد العقد أو في إثبات الخيار، فأما في الرجوع بالمهر على الغار فالسابق كالمقارن هكذا نقل الغزالى، وحققه الإمام فقال: لا يشترط في تصوير التغرير دخول الشرط بين الإيجاب والقبول، ولا صدوره من العاقد، ألا ترى أنا نضمن الأمة والمكاتبة إذا كان التغرير منهما وليستا بعاقدين، ولكن يشترط اتصاله بالعقد، فلو قال فلانة حرة في معرض الترغيب في النكاح ثم زوجها على الاتصال إما بالوكالة أو الولاية فهذا تغرير، ولو لم يقصد بما قاله تحريض السامع واتفق بعد أيام أنه زوجها ممن سمع كلامه فليس ما جرى بتغرير، وإن ذكره لا في معرض التحريض، ولكن جرى العقد بعد زمان فاصل ففي كونه تغريرًا تردد ويشبه أن لا يعتبر الاتصال بالعقد على ما يقتضيه إطلاق صاحب الكتاب، وكان سبب الفرق بين التأثير في [الفساد أو في إثبات الخيار وبين التأثير في] 1 الرجوع أن يعلق الضمان بالتغرير أوسع بابًا، وكذلك يثبت الرجوع على قول بمجرد السكوت عن عيب المنكوحة.
انتهى كلامه.
قال ابن الرفعة: وما قاله الرافعى نقلًا وفقها يحتاج إلى تأمل وذلك أن قول الرجوع بالمهر على الغار مفروض في ما إذا قلنا بفساد النكاح أو بصحته وثبوت الخيار فاختار الفسخ، وإلا فالواجب المسمى ولا رجوع به كما دل عليه كلام الشيخ في "المهذب" والبغوى والرافعى وغيرهم، وحينئذ متى كان سابقًا وقلنا بأنه لا يؤثر في النكاح والخيار وجب المسمى فلا رجوع فلا وجه للتفرقة بين الرجوع بالمهر وغيره، هذا كلامه.
قوله: الثالثة: لا يتصور الغرور بالحرية من السيد لأنه إذا قال هى حرة
وزوجها أو قال: زوجتكها على أنها حرة عتقت، وخرجت الصورة على أن يكون نكاح غرور، وإنما يتصور ذلك من وكيل السيد في التزويج أو من المنكوحة نفسها أو منهما ولا عبرة بقول من ليس بعاقد ولا معقود عليه: انتهى كلامه.
وهذا الذى قاله من كون التغرير بالحرية لا يتصور من السيد إلى آخره ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" و"المحرر" وتابعه النووى في "الروضة" و"المنهاج" وابن الرفعة في "الكفاية" وليس كما قالوا، بل يتصور التغرير من السيد في مسائل منها: ما لو كان اسمها حرة فناداها بذلك أو أخبر عنها كما لو قال هذه حرة، أو زوجتك هذه وهي حرة ونحو ذلك.
ومنها: ما لو رهنها وهو معسر فأذن له المرتهن في زواجها فزوجها وشرط حريتها فإنها لا تعتق كما لو صرح بعتقها.
ومنها: ما إذا كانت الأمة جانية ففيها ما قلناه في المرهونة.
ومنها: إذا أطلق عليها لفظ وأراد به المعنى المشهور في العرف وهو العفة عن الزنا فإنها لا تعتق بذلك لوجود الصارف عن معنى العتق إلى غيره.
قوله: ولو انفصل الولد ميتًا بجناية جان فله أحوال، الرابع: أن تصدر الجناية من سيد الأمة فعلى عاقلته الغرة، ثم إن اعتمدنا التفويت سلمت الغرة للورثة، وغرم المغرور للسيد عشر قيمة الأم.
قال الإمام: ويجوز أن يقال انفصاله بجناية السيد كانفصاله لا بجناية فلا يغرم المغرور له شيئًا، وإن قصرنا النظر عن الغرة، فإذا حصلت ينصرف منها العشر إلى السيد فإن فضل شيء فهو للورثة.
قال الإمام: إذا كانت الغرة قدر العشر أو أقل وصرفناها إلى السيد كان الحاصل إيجاب مال على عاقلة الجاني للجاني وهو مستبعد.
انتهى كلامه.
وما نقله الرافعى عن الإمام في آخر هذا الكلام وسكت عليه تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو عجيب لأن الغرة تجب للورثة على عاقلة الجاني وحق السيد يجب على المغرور متعلقًا بما يسلم له وليس هو نفس حقه لأن الغرة لا تجب له، بل إنما يجب له قيمة الولد وحق المغرور ثابت بمجرد الجناية يستحق المطالبة به، والسيد على هذا القول إنما يطالب المغرور بعد أن يتسلم ما يثبت له، وحينئذ يتعلق حق السيد.
السبب الثالث: [العتق]
1
قوله: وإن فسخت العتيقة بعد الدخول نظر إن تقدم الدخول على العتق وجب المسمى، وإن تأخر عن العتق وكانت هى جاهلة بالحال فيجب مهر المثل أو المسمى، جعله صاحب "التهذيب" على الخلاف المذكور في ما إذا حدث العيب ثم جرى الدخول ثم فرض الفسخ.
وقال: ظاهر المذهب وجوب مهر المثل لأن سبب الفسخ قد تقدم على الدخول فكأنه وجد يوم العقد وعلى هذا جرى أئمتنا العراقيون، ورجح جماعة قول وجوب المسمى، وزاد الإمام وصاحب "الكتاب" فقالا: يجب المسمى ولا يجرى فيه القول المنصوص في العيوب أنه يجب فيه مهر المثل ووجهاه بأن المهر للسيد لا لها وهو بالإعتاق فحسن فلا ينبغي أن يرد إلى مهر المثل، وقد تعرض الأولون عليه إلى آخره.
فيه أمور:
أحدها: أن الصحيح المشهور هو وجوب مهر المثل وقد صححه الرافعى في "المحرر" والنووي في أصل "الروضة" و"المنهاج".
الأمر الثاني: أن الفسخ بالعيب بعد الدخول إن كان بعيب مقارن للعقد فالمنصوص للشافعى أنه يجب مهر المثل وفيه قول مخرج من الردة أنه يجب المسمى، وإن كان بسبب حادث قبله فثلاثة أوجه:
أحدها: يجب المسمى.
والثانى: مهر المثل.
والثالث: وهو أصحها إن كان الوطء قبل العيب وجب المسمى، وإن
كان بعده فمهر المثل، إذا علمت ذلك فنظير مسألتنا التى وقع الخلاف فيها إنما هو الفسخ بعيب حادث بعد العقد وليس فيها نص ولا تخريج إنما فيها ثلاثة أوجه كما سبق، وحينئذ فالذى نقله الرافعي عن الإمام والغزالي من كونهم لم يجروا فيه القول المنصوص وبأنهما فرقا بإحسان السيد إلى آخره ذهول عجيب ولك أن تقول قد جزموا هنا بوجوب المسمى في ما إذا فسخت بعد الدخول بعتق قبله وحكوا في نظيره من العيب وجهين كما ذكرنا الآن فأى فرق بين الصورتين.
الأمر الثالث: أن الإمام قد عبر بما نقله عنه الرافعى من كونهم لم يطردوا القول المنصوص وهو تعبير مطابق، وأما الغزالى فإنه عبر بقوله ولم يطردوا القول المخرج، كذا ذكره في "الوسيط" و"البسيط" معًا على خلاف ما نقله عنه الرافعى، وكأن الرافعى ذهل عن ذلك وتوهم اتفاقهما وإلا فكان من حقه أن ينبه عليه ولا يضيفه إليه.
وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" هاهنا بحثا أنه ينبغي وجوب المهر للعتيقة لا للسيد وهو بحث غير طائل فاعلمه.
قوله في "الروضة": وخيار العتق على الفور، وفي قول يمتد إلى ثلاثة أيام، وفى قول إلى أن يصرح بإسقاطه أو تمكن من الوطء طائعة، وذكر الإمام تفريعًا على سقوطه بالتمكين من الوطء أنها لو مكنت ولم يصبها الزوج لم يبطل حقها لأن التمكين من الواطء لا يتحقق إلا عند حصول الوطء وأنه لو أصابها الزوج قهرًا ففى سقوط الخيار تردد لتمكنها من الفسخ عند الوطء، فإن قبض على فمها بقى حقها قطعًا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما قاله الإمام في التفريع على القول الثالث من كون المراد إنما هو الوطء خاصة قد خالفه فيه الصيدلاني في شرحه لـ"المختصر"
وهو الكتاب الذى يعزوه ابن الرفعة إلى الداوودي، فقال عقب ذكره لهذا القول ما نصه: وليس الحكم مقصورًا على الوطء بل متى وجد منها ما فيه دلالة الرضا بأن يباشرها أو ينقلها إلى موضع آخر أو يضاجعها وهي طائعة فذلك كله رضى منها هذه عبارته، وجزم في "الذخائر" بنحوه فقال: إنه يكتفى بالتمكين من الوطء.
الأمر الثاني: قد سبق في البيع أنه إذا حمل أحد المتعاقدين فأخرج من المجلس مكرهًا فإن منع الفسخ بأن سد فمه ففي انقطاع خياره خلاف، المذهب أنه لا ينقطع وإن لم يسده لم ينقطع في أصح الوجهين، وإذا علمت ذلك فلا شك أن المسألة هي نظير مسألتنا، وحينئذ فنستفيد بذلك أمرين:
أحدهما: بطلان دعوى القطع عند القبض على الفم.
والثاني: تصحيح بقاء الخيار عند عدم القبض.
قوله في المسألة: ولو قال الزوج أصبتها وأنكرت فأيهما يصدق؟ فيه وجهان حكاهما ابن كج لأن الأصل بقاء النكاح وعدم الإصابة: انتهى.
وهذه المسألة نظير ما سبق نقله في أول السبب الثاني عن فتاوى البغوى وهو أنه لو تزوجها بشرط البكارة فوجدت ثيبًا فقالت كنت بكرًا فزالت البكارة عندك، وقال بل كنت ثيبًا فالقول قولها بيمينها لدفع الفسخ وقوله بيمينه لدفع كمال المهر هذا كلامه وأقره عليه فقياسه في مسألتنا تصديق الزوجة.
قوله: وإذا ادعت الجهل بأن العتق يثبت الخيار فقولان: أحدهما: أنها لا تصدق كما إذا قال المشتري: لم أعلم أن العيب يثبت الخيار، وأصحهما: التصديق لأنه خفي بخلاف الرد بالعيب، ولو ادعت الجهل بأن الخيار على الفور فقال الغزالى: لا تعذر ولم أر تعرضًا لهذه الصورة في
سائر كتب الأصحاب، نعم صورها العبادى في "الرقم"، وأجاب بأنها إن كانت قديمة العهد بالإسلام، وخالطت أهله لم تعذر، وإن كانت حديثة العهد أو لم تخالط أهله فقولان.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة التى ذكر الرافعى أنه لم ير لها تعرضًا في الكتب، وأنه لم يذكرها إلا العبادي، قد رأيتها مذكورة في "الشامل" لابن الصباغ في اللعان في أول باب وقت نفي الولد، وحكى فيها قولين، ولم يفصل بين أن تكون هذه العتيقة قريبة العهد بالإسلام أم لا.
الأمر الثاني: أن الرافعى لما ذكر مسألة العيب في بابها فصل في دعوى الجهل بالخيار فقال: إن كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ في بادية بعيدة قبل وإلا فلا على خلاف ما أطلقه هاهنا، وأما دعوى الجهل بالفورية فأجاب بالقبول مطلقًا ولم يفصل، وعلله بأنه يخفى على العوام وإذا تأملت هذا الأخير، وهو ما أجاب به في دعوى الجهل بالفورية في العيب مع ما أجاب به في نظيره وهو دعوى ذلك في خيار العتق، علمت أنهما في غاية التباين لأن حكم العيب أشهر من حكم العتق بلا شك، وقد جزم في العيب بأنه يقبل دعوى الجهل بالفورية، وإن ولد بين المسلمين ونشأ بينهم، وجزم في العتق بأنه لا يقبل ممن ولد بين المسلمين ونشأ بينهم، وحكى قولين من غير ترجيح في من قرب عهده أو نشأ ببادية وقد استدرك النووى على ما قاله في العيب وقال: شرطه أن يكون مثله ممن يخفى عليه، قال: وكذلك الشفعة، ومن نظائر المسألة ما إذا قال الزوج: لم أعلم أنه يجوز لي نفي الولد، وقد قال الرافعى فيه: إنه إن كان فقيها لم يقبل وإن كان حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة قبل، وإن
كان من العوام الناشئين في بلاد الإسلام فوجهان كالعتق، وهذا التفصيل لم يذكره في ما تقدم من النظائر وينبغي اطراده فيه، ولم يذكر الرافعى ما إذا قال: لم أعلم أن النفي على الفور، وقد ذكرها في "التنبيه" وسوى بينها وبين دعوى الجهل بأصل الخيار وأقره النووى فلم يستدركه في "التصحيح".
السبب الرابع: العنة
اعلم أن العنة في اللغة هى الحظيرة المعدة للإبل، وأما المعنى المراد في هذا الباب فهو المرض المعروف، فالصواب في التعبير عنه إنما هو التعنين، وقد عبر به في "الروضة" هنا وعدل عن عبارة الرافعي، وإن كان قد وافق في غيره على التعبير بالعنة.
قوله: وإذا وجدت المرأة زوجها خصيًا موجوء الخصيتين أو مشلولهما ففيه قولان أصحهما: وبه قطع بعضهم أنه لا خيار لها لبقاء آلة الجماع.
انتهى.
يقول وجأه وجاء بالكسر فهو موجوء أي: رضضته رضًا فهو مرضوض.
قوله: ثم في استقلال المرأة بالفسخ بعد ثبوت التعنين بين يدي القاضي وجهان: أقربهما الاستقلال كما يستقل بالفسخ إذا وجد بالمبيع عيبًا وأنكر البائع كونه عيبًا فأقام المشتري على ذلك بينة عند القاضي.
والثاني: أن الفسخ إلى الحاكم لأنه محل النظر والاجتهاد فيفسخ أو يأمرها بالفسخ.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من جواز الفسخ للمرأة قد ناقضه في باب اختلاف المتبايعين فإنه جزم هناك بأنه يتعين فيه القاضى وجعله دليلًا لأحد الوجهين في الفسخ بالتحالف وقد تقدم ذكر لفظه هناك، ولم يتعرض في "الروضة" هناك للمسألة فسلم من الاختلاف، واعلم أن الرافعي قد ذكر في كتاب النفقات في الكلام على الإعسار بالنفقة أن الأصح أن المرأة لا تستقل بذلك بعد الرفع والثبوت، بل لابد من فسخ الحاكم أو تفويضه إليها على عكس ما صححه هنا فيحتاج إلى الفرق، وقد ذكر هنا أنا إذا
فرعنا على استقلالها فهل يكفى فيه إقرار الزوج أم لابد من قول القاضي ثبتت العنة؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني، ولم يذكر هذا في النفقات وهو قياسه.
قوله: ولو قالت اخترت الفسخ ولم يقل القاضي نقدته، ثم رجعت هل يصح الرجوع ويبطل الفسخ؟ وجهان في "مجموع" ابن القطان أصحهما المنع، ويشبه أن يكون هذا الخلاف مفرعًا على استقلالها بالفسخ، أما إذا فسخت بإذنه، فإن الإذن السابق كالتنفيذ.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه يشير إلى أن تصرف الحاكم حكم وهي قاعدة نافعة سبق الكلام عليها مبسوطًا في الكلام على موانع الولاية.
قوله: فإن رضيت بعد المدة ثم طلقها طلاقًا رجعيًا ثم راجع لم يعد حق الفسخ لأنها رضيت بعنته في هذا النكاح، ويتصور الطلاق الرجعي بغير وطء يزيل العنة بأن تستدخل ماءه.
انتهى.
وما ذكر هنا من ثبوت الرجعة باستدخال الماء قد صححه خلافه قبل ذلك في محرمات النكاح في الكلام على التحريم بالمحرمية، لكن الأصح ما قاله هنا كما سبق إيضاحه فراجعه.
قوله: قال الأئمة: إذا اختلف الزوجان في الإصابة فالقول قول من ينفيها أخذًا بأصل العدم إلا في ثلاثة مواضع: أحدها: إذا ادعت عنته وقال الزوج قد أصبتها فالقول قوله بيمينه.
الثاني: إذا طالبته في الإيلاء بالعنة أو الطلاق فقال: قد أصبتها، فالقول قوله استدامة للنكاح فلو قالت في الموضعين أنا بكر وأقامت أربع نسوة بذلك فظاهر النص وهو قول جماعة من الأصحاب أنا نحكم بعدم الإصابة ولا حاجة إلى تحليفها، وتكفى البكارة دليلًا على تصديقها وقال أبو علي في "الإفصاح" وأبو الحسين في "المجموع"، والقاضي ابن كج
في "شرحه": تحلف الزوجة مع قيام البينة؛ لأن البكارة وإن ثبتت بالبينة فاحتمال الزوال والعود قائم، وبهذا أخذ الإمام وصاحب "الكتاب" وغيرهما.
الثالث: إذا قالت المرأة: طلقتني بعد المسيس فلي كمال المهر، وقال: بل قبله وأتت بولد لزمان محتمل فالقول قولها ولابد من يمينها على ما ذكره الإمام والعبادي لأن ثبوت النسب لا يورث تعين الإصابة، ويمكن أن يجيء فيه الخلاف المذكور فيما إذا ظهرت البكارة انتهى.
فيه أمور:
أحدهما: أن ما ادعاه الرافعي من الحصر وتابعه عليه في "الروضة" ترد عليه مسائل.
الأولى: إذا تزوجها بشرط البكارة فوجدت ثيبًا فقالت كنت بكرًا فزالت البكارة عندك وقال: بل كنت ثيبًا فالقول قولها بيمينها لدفع الفسخ، ولو قالت كنت بكرًا فافتضضتني فالقول قولها بيمينها لدفع الفسخ وقوله بيمينه لدفع كمال المهر، وهذا الفرع ذكره الرافعي قبيل الصداق وعزاه إلى البغوى ونقله النووي إلى هذا الباب.
الثانية: إذا قال لها وهى طاهر: أنت طالق للسنة، ثم اختلفا فقال: جامعتك في هذا الطهر فلم يقع طلاق في الحال، وقالت لم تجامع وقد وقع، فقال إسماعيل البشنجي: مقتضى المذهب أن القول قوله لأن الأصل بقاء النكاح، وكما لو قال المولى والعنين وطئت، كذا نقله عنه الرافعي قبيل أركان الطلاق ولم يخالفه، وتابعه عليه في "الروضة" وذكر القاضي حسين في "فتاويه" مثله فإنه قال: إذا قال إن لم أنفق عليك اليوم فأنت طالق فادعى أنه أنفق عليها كان القول قوله بالنسبة إلى عدم وقوع الطلاق وقولها بالنسبة إلى عدم سقوط النفقة، لكن ذكر ابن الصلاح في
"فتاويه" أن الظاهر الوقوع في هذه المسألة عملًا بالأصل.
الثالثة: إذا تزوجت المطلقة ثلاثًا بزوج ثم ادعت أنه أصابها وأنكر الزوج قبلنا قولها حتى تحل للمطلق لأنها مؤتمنة في انقضاء العدة وتعسر إقامة البينة على الوطء لكن لا يلزمه إلا نصف المهر، كذا ذكره الرافعى في الكلام على التحليل.
الرابعة: إذا عتقت الأمة تحت عبد وقلنا يمتد خيارها إلى الوطء فادعاه وأنكرت المرأة ففى المصدق منهما وجهان حكاهما الرافعى من غير ترجيح، وعلل تصديق الزوج بأن الأصل بقاء النكاح، وعلل مقابله بأن الأصل عدم الوطء.
الأمر الثاني: أن الراجح من هذا الخلاف الذى حكاه الرافعى في ما إذا ادعت البكارة وأقامت البينة أنه لابد من يمينها، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالظاهر، ولم يرجح شيئًا في "الروضة" أيضًا.
الأمر الثالث: في الكلام على المسألة الثالثة وهى متضمنة لحكمين: أحدهما: تصديق المرأة وقد جزم به هاهنا وحكى فيه في آخر كتاب الإيلاء نصين ثم حكى في النصين ثلاث طرق وصحح تصديق المرأة كما جزم به هاهنا، وهذا الخلاف ذكره في "المهذب" و"التنبيه" وحكاه قولين.
والحكم الثاني: أنه لابد من يمينها على ما ذكر العبادي والإمام وقد بحث الرافعى فيه كما تقدم نقله عنه فقال يمكن أن يجئ في التحليف الخلاف السابق في المسألة الثانية وهى ما إذا ظهرت بكارتها.
إذا علمت ذلك فقد توهم النووي أن الحكم السابق الذي أشار الرافعي إلى مجئ الخلاف فيه هو التصديق فقال ما نصه: قلت عجب من قول
الإمام الرافعي في ما إذا أتت بولد لزمن محتمل أنها المصدقة، ويمكن أن يجيء فيه الخلاف والمسألة مشهورة ففي "المهذب" و"التنبيه" وغيرهما من الكتب المشهورة في المسألة قولان في أن القول قوله أم قولها؟ لأن النسب يثبت بالإمكان، ولأنه قد يولج بعض الحشفة أو يباشر في ما قارب الفرج فيدخل المني فيلحق النسب ولا وطء هذا لفظه، وهو اعتراض فاسد ظاهر الفساد، فإن الخلاف الذي أشار إليه الرافعي وهو الخلاف الذي قالوه في ما إذا ظهرت البكارة إنما هو في الاحتياج إلى تحليفها لا في تصديقها حتى يقول: إن صاحب "المهذب" و"التنبيه" قد حكاه، وعبارة الرافعي في ذلك واضحة جدًا فراجعها بل لم يقع هنا خلاف أصلًا في تصديقها عند ظهور البكارة حتى يتوهم أن الرافعى أراده فيكون عذرًا في التباس الأمر على النووي وقد ذكره في "الشرح الصغير" بعبارة أوضح من عبارة "الكبير" فقال ما نصه: وقد يجيء في يمينها الخلاف المذكور في ظهور البكارة.
هذا لفظه، فعبر بقوله في يمينها وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" عن الرافعي ذلك بعينه، وهو لا ينقل إلا عن "الشرح الكبير" فقال: وقال الرافعي: يمكن أن يخرج يمينها على الخلاف في ما إذا قامت بينة على بكارتها هذه عبارته، والعجب من النووي حيث يعترض مثل هذه الاعتراضات ويعبر عنها بقوله قلت: عجب من الرافعي في كذا وكذا، ثم إن هذا الخلاف الذي نقله النووي عن "التنبيه" و"المهذب" قد ذكره الرافعي في آخر كتاب الإيلاء.
فلا حاجة إلى الرد عليه بكلام غيره، ونقله له إلا أنه لم يستحضر أن الرافعي ذكره هناك ولو استحضره لكان الرد به عليه أبلغ.
واعلم أن الفرق بين المسألتين متجه، وذلك أن دعواها عدم الوطء هناك موافقة للأصل وإذا قامت بينة على البكارة كان ذلك موافقًا للأصل الذي ادعته، فأمكن أن يستغنى عن اليمين لوجود مرجحين تظافرا على
محل واحد، وأما في مسألتنا فإن دعواها الإصابة مخالفة للأصل وظهور الحمل مرجح واحد عارضه الأصل مع احتمال حصول الحمل باستدخال الماء ولا يلزم من ترك اليمين عند وجود مرجحين لا معارض لها تركها عند وجود مرجح واحد له معارض.
نعم قد يتجه أن يكون في يمينها خلاف من وجهين:
أحدهما: البناء على أن إستدخال الماء هل يقرر المهر أم لا؟ فإن قلنا: إنه لا يقرره فلابد من اليمين لاحتمال أن يكون الحمل منه وإن قلنا: إنه يقرره فلا فائدة في اليمين إذ لا حمل إلا من وطء أو استدخال ماء.
الثاني: أنه يحتمل أن يكون الحمل من غير الزوج، وإنما الشرع ألحق الولد بالزوج ولم يراع هذا الاحتمال لقيام الفراش فيحلف لقيام هذا الاحتمال.
القسم الخامس في
فصول متفرقة
الفصل الأول فيما يحل للزوج
قوله: إحداها: لا يمتنع شيء من الاستمتاعات إلا النظر إلى الفرج ففيه خلاف مذكور في كتاب النكاح، والإتيان في الدبر فإنه حرام لما روى أنه سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك فقال: "في أي الخربتين من دبرها في قبلها فنعم أو من دبرها في دبرها فلا؟ إن الله تعالى لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" 1.
والخربة: الثقبة.
انتهى كلامه.
الخربة بخاء معجمة مضمومة وراء ساكنة وباء موحدة كل ثقب مستدير قاله الجوهري، قال: والخربة أيضًا ثقب الورك والخرب مثله وكذلك الخرابة بالتخفيف وقد تشدد.
قوله: وهل يثبت النسب بالإتيان في الدبر فيه وجهان: أصحهما: نعم لأنه قد يسبق الماء.
انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعى في أربعة مواضع من هذا الكتاب أحدها: هذا.
وثانيها: في كتاب الطلاق في الكلام على السنة والبدعة.
وثالثها: في كتاب اللعان في أوائل الباب الثاني المعقود لقذف الزوج.
ورابعها: في آخر باب الاستبراء واختلف تصحيحه فيها اختلافًا عجيبًا جدًا، وكذلك تصحيح النووي أيضًا، وقد أوضحت المسألة وما يفتى به فيها في الاستبراء فراجعه.
قوله في أصل "الروضة": وإذا وطيء أمته أو زوجته في دبرها فلا حد على الصحيح.
انتهى.
وما ذكره من الجزم بثبوت الخلاف قد خالفه في باب حد الزنا، فإنه حكى فيه هناك طريقين أصحهما: القطع بعدم الوجوب، والثانية على قولين، وستعرف لفظه في موضعه فراجعه.
قوله من زياداته: قال أصحابنا: حكم الوطء في الدبر كالقبل إلا في سبعة أحكام التحليل والتحصين والخروج من العنة والتعنين وتغيير إذن البكر، والسادس أن الدبر لا يحل بحال، والقبل يحل في الزوجة والأمة المملوكة، والسابعة إذا جومعت الكبيرة في دبرها فاغتسلت ثم خرج منى الرجل من دبرها لم يجب غسل ثان بخلاف القبل، والله أعلم.
وهذا الحصر الذى ذكره يرد عليه مسائل:
إحداها: النظر إلى دبر المرأة فإنه لا يجوز كما رأيته مجزومًا في كتاب "الاستذكار" للدارمي، نعم يجوز الاستمتاع بما بين إليتها.
الثانية: المفعول به إذا كان صائمًا في رمضان فلا يجب عليه الكفارة بلا خلاف رجلًا كان أو امرأة كما حكاه ابن الرفعة في كتاب الصيام عن القاضي أبي الطيب.
والبندنيجى، ولم يحك غيره بخلاف إتيان القبل فإن فيه قولين مشهورين.
نعم جزم الماوردى في كتاب النكاح من "الحاوي" بأن حكمه في ذلك حكم القبل.
الثالثة: أنه لا يجب الرجم على المفعول به بل يجلد وإن كان محصنًا
كما قاله في "الروضة" في حد الزنا.
الرابعة: إذا خرج الدم لا يكون حيضًا.
الخامسة: عدم لحاق النسب بالإتيان فيه على اضطراب فيه.
قوله: ولا يحرم العزل في السرية بلا خلاف صيانة للملك.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك ففيه وجه أنه لا يجوز لحق الولد، كذا حكاه الرويانى في "البحر" قبيل باب نكاح الشغار.
قوله: وأما العزل عن الحرة المنكوحة ففيه طريقان:
إحداهما: إن لم تأذن لم يجز وإن أذنت فوجهان: وجه المنع ما روى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "إنه الوأد الخفى" 1.
والطريقة الثانية: وهى الأظهر أنه يجوز إن رضيت لا محالة، وإلا فوجهان: أصحهما: عند الغزالي أنه يجوز.
انتهى ملخصًا.
والذي صححه الغزالي من الجواز عند عدم الرضى صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح، وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة" وعبر بالمذهب لكنه لا يعرف منه التصحيح من الطريقين كما تعرف من الرافعي، وإنما يؤخذ منه تصحيح المسألة من حيث الجملة، والوأد دفن البنات وهن أحياء كما كانت كندة تفعله ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَة سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ 2 وقد ذكره النبى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عقب ذكره للفظ السابق، والحديث رواه مسلم.
قوله: ونقل ابن كج عن أبي عبيد بن حربويه أنه تجتنب الحائض في جميع بدنها.
اعترض عليه في "الروضة" فقال في أثناء زيادة له ما نصه: وقد خالف قائله إجماع المسلمين هذا لفظه.
وما ادعاه من الإجماع على الجواز ليس كذلك، فقد خالفه فيه ابن عباس من الصحابة ومن التابعين عبيدة السلماني الإمام الجليل كذا نقله عنهما ابن عطية في "تفسيره"، ونقله الماوردي في "الحاوي" عن عبيدة فقط.
قوله: لا بأس أن يطوف على إمائه بغسل واحد، لكن يستحب أن يخلل بين كل وطأين وضوءًا وغسل الفرج، ولا يتصور ذلك في الزوجات إلا بإذنهن.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم تصوره في الزوجات بغير الإذن تابعه عليه أيضًا في "الروضة".
وليس كذلك، بل يتصور في مسائل:
إحداها: أن يطأ واحدة في آخر نوبتها، ثم يطأ التي تليها في أول النوبة، ثم يطأ الثالثة بعد موت الثانية أو انفساخ نكاحها بسبب.
الصورة الثانية: أن يطأ واحدة في وسط نوبة الأخرى معتقدًا أنها صاحبة النوبة، ثم يطأ صاحبتها.
الثالثة: أن لا يوجد من الزوجات إذن ولا منع، بل يقمن عنده على العادة.
الرابعة: أن يتعدى فيطأ واحدة في نوبة كل ضرة من ضراتها فجاءت النوبة إليها فيلزمه أن يوفي الباقيات حقهن من نوبتها ويقيم عند كل واحدة منهن بقدر ما أقام عند تلك من نوبتها ولكن لا يكلف الوطء على الصحيح لأنه قد لا يقدر عليه وحينئذ فقد يطأ الجميع متواليات بأن يطأ صاحبة النوبة أولا ثم يدور على المظلومات فيطأهن أو بعكس بل يقول لا حاجة إلى هذا كله، بل لو خرج من المظلوم بها إلى المظلومة [في اليوم
الذي حصل الظلم فيه وأراد جماع المظلومة] 1 فلا إشكال في استحباب الغسل لأنه أنشط إلى القيام بحق الثانية وخبرها، بل لو أراد أن يطأ الزوجة عقب وطء حرام لا شبهة له فيه فالمتجه الجزم باستحبابه أيضًا لما ذكرناه ولوجوبه على الفور على الصحيح لكون سببه معصية ولأنه كالتبرى من الفعل الأول.
قوله: ويكره أن يتحدث بما جرى بينه وبين زوجته أو أمته.
انتهى.
وما ذكره من إطلاق الكراهة ذكر مثله في كتاب الشهادات أيضًا، وتابعه عليه في "الروضة" فيهما لكن جزم في "شرح مسلم" بأنه يحرم على الرجل أن يظهر ما جرى بينه وبينها من أمور الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك وما جرى من المرأة من قول أو فعل، قال: وأما مجرد الجماع فيكره ذكره إلا لفائدة، وقد ذكرت هناك أيضًا كلامه ودليله.
قوله من زياداته: ويستحب أن لا يعطلها وأن لا يطيل عهدها بالجماع من غير عذر.
انتهى.
وما ذكر هاهنا من "زوائده" ذكره الرافعى في أول باب القسم، وبين ما أجمله هاهنا من المدة فقال: فمن له زوجة واحدة ينبغى أن لا يعطلها فيستحب أن يثبت عندها ويحضنها وأدنى الدرجات أن لا يخلى أربع ليال عن ليلة.
هذا كلامه.
واستأنسوا للأربع بأن نهاية الزوجات أربع وأقل القسم يوم.
الفصل الثاني في وطء الأب جارية الابن
قوله: وإذا وطيء الأب جارية الابن لم يجب الحد وفيه قول مخرج، وأما التعزير ففيه وجهان: أحدهما المنع لئلا يصير الابن وماله سببًا لعقوبة الأب.
وأصحهما: الوجوب كارتكاب سائر المحظورات، ثم قال: ويشبه أن يكون هذا في التعزير لحق الله تعالى لا لحق الابن.
انتهى كلامه.
ذكره نحوه في "الروضة" ولم يذكره على صورة البحث، بل جزم به وفي المراد بهذا التقييد نظر فإن أريد به أن الابن لا يثبت له على الأب تعزير قطعًا فباطل، ولهذا جزم الأصحاب بأنه إذا قذف ولده عزر، إلا أن ابن الرفعة ذكر في باب القذف من "الكفاية" أنه سمع بعض مشايخه يحكى وجهًا أنه لا يعزر ويؤيده أنه لا يحبس لوفاء دينه على الصحيح في "الشرح" و"الروضة" في كتاب الشهادات مع أن الحبس تعزير، وإن أريد به أن هذا الخلاف في التعزير لحق الله تعالى وأما لحق الابن فيثبت جزما فباطل أيضًا لأن تعليل الوجه الأول صريح في دفعه، وكذلك الخلاف الذي ذكرناه في الحبس.
قوله: الحالة الثانية إذا كانت الجارية موطوءة الابن ووطئها الأب وهو عالم بالحال فلا حد على الأصح، ثم قال: وخصص الروياني في "البحر" الخلاف بما لو كانت موطوءة الابن من غير استيلاد، فأما إذا كان قد استولدها فحكايته عن الأصحاب وجوب الحد قطعًا لأنه لا يتصور أن يملكها بحال.
انتهى.
وهذا الكلام ربما يشعر بأن الأمر على ما نقله الروياني من التقييد لا
سيما كلام "الروضة" فإنه أشد إشعارًا به، وليس كذلك، بل الخلاف جار مطلقًا، فقد ذكر بعد هذا في أثناء التفريع على القول الصحيح ما يدل عليه فقال: أما إذا قلنا: إنه لا حد عليه فهو كما لو كان جاهلًا فيلزمه المسمى، وتكون الجارية محرمة عليهما أبدًا، وإذا أولدها فإن كانت مستولدة للابن لم تصر مستولدة للأب لأن أم الولد لا تقبل النقل هذا كلامه فجعل قول عدم وجوب الحد جاريًا مع استيلاد الابن لها على خلاف ما نقله الروياني، وعبارة "الشرح الصغير" في أصل المسألة يدل عليه، فإنه قال: بعد حكاية الخلاف ما نصه: ومنهم من يخصص القولين بكذا إلى أخره، فلم يأت به في صورة التقييد ولا نقله عن الأصحاب، بل ساقه مساق حكايات الأوجه الضعيفة.
قوله: فإن قلنا بوجوب الحد فأولدها لم تصر أم ولد له وكان الولد رقيقًا غير نسيب، وعلى هذا القياس إذا وطئ جاريته المحرمة عليه برضاع أو غيره وأولدها لا تصير أم ولد له إذا أوجبنا الحد، قال الإمام: وارتاع بعض الأصحاب فلم يستجز أن يطأ الإنسان مملوكته فتحبل منه ولا تصير أم ولد له فحكم بثبوت النسب، والاستيلاد مع القول بوجوب الحد، وطرد هذا القائل كلامه في إيلاد جارية الابن والظاهر الأول.
انتهى.
وما صححه هنا من نفى النسب وأمية الولد في جاريته المحرمة عليه على القول بوجوب الحد ذكر مثله في باب حد الزنا في الكلام على وطء الشبهة وخالف الموضعين جميعًا في كتاب أمهات الأولاد فجزم بثبوته تفريعًا على هذا القول، وسوف أذكره في موضعه فراجعه، وتابعه في "الروضة" على ذلك.
قوله: وفي إيلاد أحد الشريكين الجارية المشتركة يثبت الاستيلاد والنسب وإن طرد القول القديم، وقيل بوجوب الحد لأن وطأه يصادف
ملكه وملك غيره حقيقة، وكانت الشبهة أقوى تمكنًا، وإنما [يجب] 1 الحد صيانة لملك الغير.
انتهى كلامه.
وما جزم به هاهنا من ثبوت النسب والاستيلاد، وإن فرعنا على وجوب الحد قد خالفه في باب حد الزنا في الكلام على وطء الشبهة فصحح عدم الثبوت وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه، وتابعه في "الروضة" على الموضعين.
قوله: وقطع الجمهور بأنه لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ولده سواء أوجبنا الإعفاف أم لا، ثم قال: ولو نكح الأب جارية أجنبى فملكها الابن، وكان الأب بحيث لا يجوز له نكاح الأمة، فهل ينفسخ نكاحه؟ وجهان أحدهما: نعم كما لو ملكها الأب.
وأصحهما: لا لأن الدوام له من القوة ما ليس للابتداء.
انتهى.
والتقييد بكون الأب لا يجوز له نكاح الأمة وقع أيضًا في "الشرح الصغير" و"المحرر" وتابع النووي عليه في "الروضة" و"المنهاج" وهذا القيد لا فائدة له.
قوله: ولو أيسر الأب بعد ما ملكه الولد جارية أو ثمنها لم يكن له الرجوع كما لو أعطاه نفقة فلم يأكلها حتى أيسر.
انتهى كلامه.
وما أطلقه من عدم الرجوع في النفقة وتابعه عليه في "الروضة" سبقهما إليه صاحب "المهذب" وغيره وهو مشكل لا يوافق القواعد فإن نفقة القريب إمتاع لا تمليك، قال الإمام: ومن ثمرة ذلك أنه لا يجب على الولد تسليمها إليه، بل لو قال: كل معي كفى، وقد نقل ابن الرفعة في كتابيه "الكفاية" و"المطلب" ذلك عن "المهذب"، ثم رده بما ذكرناه.
الفصل الرابع في تزويج الإماء
قوله: إحداها إذا زوج أمته لم يلزمه تسليمها إلى الزوج ليلًا ونهارًا، ولكن يستخدمها نهارًا ويسلمها ليلًا.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أنهما لم يبينا ابتداء وقت التسليم وهو يوهم أنه من الغروب، وليس كذلك بل وقته بمضي الثلث الأول من الليل، كذا نص عليه الشافعي في "البويطي" لكن سبق في باب الإجارة من "الروضة" أنه إذا استأجر شخصًا للخدمة يمكث عنده من الليل ما جرت به العادة، وقياس ذلك مراعاة العادة هنا أيضًا.
الثاني: أن الأمة المزوجة يحرم على سيدها النظر إليها والخلوة بها، وقد سبق في العارية أنه يحرم استعارة جارية الغير للخدمة على الأصح لأنه مظنة للخلوة والمدرك في الموضعين واحد.
قوله: وإن لم يسلمها السيد إلا بالليل ففي النفقة وجوه: أظهرها عند جمهور العراقيين والبغوي: أنه لا يجب شيء، وبه قال أبو إسحاق.
والثاني: يجب النصف.
والثالث: يجب الجميع، وأُجري الوجهان الأولان في ما إذا سلمت الحرة نفسها ليلًا واشتغلت عن الزوج نهارًا.
انتهى.
وفى كلام الرافعى إشعار بالتوقف في جريان الوجهين في امتناع الحرة في بعض الزمان، وقد جزم بجريانهما في كتاب النفقات واختلف كلام النووى فيه فصحح هنا أنهما لا يجريان فقال: قلت الصحيح الجزم في
الحرة بأنه لا يجب شيء، ثم جزم في كتاب النفقات بجريانهما على عكس ما صححه هنا، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله في المسألة: وأما المهر فعن الشيخ أبي حامد أنه لا يجب تسليمه كالنفقة وذكر القاضي أبو الطيب أنه يجب، قال ابن الصباغ: وهذا أصح لأن التسليم الذي يتمكن معه من الوطء قد حصل وليس كالنفقة فإنها لا تجب بتسليم واحد.
انتهى.
وهذا الذي صححه ابن الصباغ قد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح أيضًا، وكذلك النووى من زياداته، ولم ينقل عن ابن الصباغ في أصل "الروضة" سوى التعليل.
قوله: وإذا قتل السيد أمته فالنص في "المختصر" أنه لا مهر، وعن نصه في "الأم" أن الحرة إذا قتلت نفسها لا يسقط شيء من المهر وللأصحاب فيهما طريقان أشهرهما: أن المسألتين على قولين بالنقل والتخريج أحدهما: يسقط فيهما.
والثاني: لا يسقط فيهما، والطريقة الثانية تقرير النصين، ثم قال: والظاهر في قتل السيد الأمة سقوط المهر وفي قتل الحرة نفسها عدمه، ولو قتلت الأمة نفسها كان كقتل السيد.
انتهى ملخصًا.
والتفصيل بين الأمة والحرة هو تقرير النصين بعينه، فكيف يستقيم مع تصحيحه أن يكون الصحيح طريقة التخريج؟ لأنه متى صحح التخريج والتخريج لا يزيد على قولين لزم أن يكون الأصح أحدهما وهو السقوط فيهما أو عدمه فيهما، وذكر في "الروضة" نحو ما ذكره الرافعي.
قوله: وإن كان قد زوج أمته على صورة التفويض ثم جرى الفرض أو الدخول قبل بيعها فالمفروض أو مهر المثل للبائع أيضًا، وكذلك إن أوجبنا
المهر في المفوضة بالعقد، وإن جرى الفرض أو الدخول بعد البيع فالمفروض أو مهر المثل للبائع أو للمشترى؟ فيه طريقان: أظهرهما: أنه على وجهين بناء على أن الوجوب بالفرض والدخول أو نتبين بالفرض والدخول وجوب [المفروض أو] 1 مهر المثل [بالعقد] 2 وفيه قولان: إذا قلنا بالأول فهو للمشترى، وإن قلنا بالثانى فهو للبائع، والطريق الثاني القطع بأنه للبائع لأن العقد هو السبب.
انتهى كلامه.
الأصح من هذين القولين المبني عليهما هو الأول، كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له، فإنه غريب، ولم يصحح شيئًا منهما في "الشرح الصغير" أيضًا، ولم يتعرض الرافعي في باب التفويض لهذين القولين.
قوله في ما إذا زوج أمته من عبده: وحكى الشيخ أبو على وجهين في أنه يجب المهر ثم يسقط أو لا يجب أصلًا، وجه الأول أن لا يعري النكاح عن المهر فالنكاح بلا مهر من خصائص رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ووجه الثاني: أن المعنى المسقط للمهر كونه مالكًا وأنه مقترن بالعقد.
فيدفع الوجوب.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح من هذا الخلاف هو عدم الوجوب، كذا صححه الإمام في "النهاية" والماوردي في "الحاوي" وهو مقتضى كلام "الحاوي الصغير".
الأمر الثاني: في فائدة الخلاف فإنه لم يتعرض لها الرافعي ولا النووى ولا ابن الرفعة وفائدته ما حكاه شيخنا قاضي القضاة جمال الدين الوجيزي عن شيخه أقضى القضاة ظهير الدين في ما إذا زوجه بها وفوض بضعها
فقال: زوجتكها بلا مهر، ثم أعتقه السيد ثم وطئها وهو حر، فإن قلنا بعدم الوجوب فلا شئ للسيد على العبد، وإن قلنا يجب ويسقط فللسيد عليه مهر المثل، لأن المهر في نكاح التفويض لا يجب بالعقد، بل بالدخول وهو حالة الدخول حر فلا يسقط ما وجب عليه في تلك الحالة للسيد لأنا إنما أسقطناه وهو رقيق لأن السيد لا يثبت له على عبده شيء وقد انتفى ذلك المعنى، وهذه القاعدة أيضًا تأتي في ما إذا باعه بعد صدور هذا النكاح الواقع على التفويض، فإن قيل ينبغى أن لا يجب لأنه استحق وطنًا لا شئ في مقابلته فيكون كما لو نكح كافر كافرة بالتفويض واعتقدوا أن لا مهر فإنه لا يجب شئ، وإن وقع الوطء في الإسلام، وعلله الرافعي بما قلناه من كونه استحق وطءً لا شئ فيه، قلنا: الفرق أن العقد في هذه الحالة قد اقتضى وجوب شئ إذ التفريع عليه فوجد سبب الوجوب، ولم يوجد المسقط بخلاف العقد المذكور من الكافر فإنه لم يقتضي وجوب شيء.
قوله: ولو قال لغيره أعتق عبدك عني على أن أنكحك أمتى فأجاب، أو قالت له امرأة أعتقه على أن أنكحك ففعل عتق العبد، ولم يلزم الوفاء بالنكاح، وفي وجوب قيمة العبد وجهان بناء على القولين في ما إذا قال: أعتق عبدك عنك على ألف على أنه لا يلزمني الألف والأصح عند الشيخ أبي حامد وصاحب "التهذيب" وغيرهما أنه لا يلزم لأنه لا يعود إليه منفعة بعتقه، ولو قال لأمته أعتقتك على أن تنكحي زيدًا فقبلت ففي وجوب القيمة الوجهان أيضًا حكاهما الحناطي.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الخلاف المذكور في مسألة العتق قد جعله في كفارة الظهار وجهين.