المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 62-101

وأسبابها ثلاثة: النكاح، والقرابة، والملك.

السبب الأول: النكاح

: وفيه ثلاثة أبواب:

الباب الأول: في قدر النفقة وكيفيتها

قوله: لوجوب النفقة أسباب ثلاثة: ملك النكاح، وملك اليمين، وقرابة البعضية.
فالأول والثاني يوجبان النفقة [للمملوك] على المالك دون العكس، والثالث يوجبها لكل من القريبين على الآخر.
انتهى.
وهذا الحصر يرد عليه أمور: منها: إذا نذر هديًا أو أضحية تجب نفقتها عليه مع انتقال الملك إلى الفقراء.
ومنها نصيب الفقراء من الماشية بعد الحول وقبل إمكان الإخراج تجب نفقته على المالك على ما يقتضيه كلامهم.
ولا يحضرني الآن نقله.
ومنها نفقة خادم الزوجة، على ما بينوه بعد ذلك؛ فإن الأسباب الثلاثة منتفية عنه مع وجوب نفقته.
وكذلك استعارة الحيوان؛ فإنها توجب نفقته علي المستعير كما قاله القاضي حسين، وقال الماوردي في "الإقناع" والعمراني في "البيان": تجب علي المالك وهو القياس، وبه جزم ابن الرفعة في "الكفاية" في الكلام علي نفقة خادم المرأة.

قوله: واستخرج الأصحاب من خبر هند -وهو قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "خذي

من النفقة ما يكفيك ويكفي ولدك" 1 فوائد منها: أنه يجوز للقاضي أن يقضى بعلمه على الغائب.
وأجيب عنهما بأنه أفتى ولم يقض.
انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من أنه أفتى أو حكم على غائب ذكره في ثلاثة مواضع من كتابه: أولها ما ذكرناه، وثانيها: في باب نفقة الأقارب، وثالثها: في أول القضاء على الغائب، واختلف فيها كلامه؛ فرجح في الموضع الثاني أنه إفتاء وبه يشعر كلامه هنا، وجزم في الثالث بأنه حكم علي غائب، وسوف أذكر لفظ كل موضع في بابه إن شاء الله تعالى.

قوله: وفي قدر الواجب ثلاثة أقوال: أصحها أنه يجب على الموسر مدان؛ لأنه أكثر ما وجب للمحتاج الواحد؛ وذلك في كفارة الحلق ونحوه.
وعلى المعسر مد؛ لأنه أقل ما وجب؛ وذلك في كفارة الجماع في رمضان ونحوه؛ لأنه يكتفي به الزهيد ويتبلغ به الرغيب.
وعلى المتوسط نصف هذا ونصف هذا؛ وهو مد ونصف.
والثاني: أنها معتبرة بالكفاية كما في نفقة القريب.
والثالث: عن رواية صاحب "التقريب" أن الاعتماد فيها على فرض القاضي، وعليه أن يجتهد ويقدر، وقيل: المعتبر عرف الناس في البلد.
انتهى ملخصًا.
وما نقله عن صاحب "التقريب" من عدم التقدير مطلقًا غلط فإن أصل معرض حكايته عنه هو الإمام في "النهاية" فقال ما نصه: حكى صاحب "التقريب" والشيخ أبو عليّ في نفقة التوسط والزيادة على المد في نفقة الخادمة في حق الموسر أنه لا تقدير في الزيادة وإنما النظر إلى اجتهاد القاضي

هذه عبارته.
وحاصله أنه إنما يرجع إلى اجتهاد القاضي في نفقة المتوسط خاصة؛ فظاهره أيضًا أنه لا يرجع إليه في [المد، بل في] 1 الزيادة عليه.
ثم إن الغزالي في "الوسيط" نقل كلام الإمام بعبارة موهمة فقال: ونقل صاحب "التقريب" قولًا أن الزيادة على المد لا مرد لها، وهو إلى فرض القاضي.
هذا لفظه، وهو موافق لنقل الإمام في أنه لا مدخل لاجتهاد القاضي في نفقة المعسر ولا في المد بالنسبة إلي الموسر والمتوسط لكنه مخالفة له في أنه يرجع فيما زاد علي المد في حقهما معا.
ثم إن الرافعي نقل كلام "الوسيط" علي أزيد مما فيه من الخلل فانتهى إلي ما قد علمت.
وقد تقدم الكلام علي الزهيد في الشركة وغيرها.

قوله: وفيما يضبط به اليسار والإعسار والتوسط أوجه.
ثم قال: والرابع -وهو أحسنها، وهو الذي ذكره الإمام والغزالي- أن من لا يملك شيئًا يخرجه عن استحقاق سهم المساكين فهو معسر، ومن يملكه ولا يتأثر بتكليف المدين موسر، والذي يملكه ويتأثر بتكليف المدين ويرجع إلي حد المسكنة متوسط.
ولابد في ذلك من النظر إلى الرخص والغلاء.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن الإمام ليس وافيًا بما قاله؛ فإن في كلامه زيادات شارحة لما ذكره الرافعي ومقيدة له؛ فإنه قال -أعني الإمام-: المعسر هو الذي يستحق سهم المساكين، ولذلك من لا يستحق سهم المساكين لقدرته على الكسب ولا يملك مال فهو معسر أيضًا وإن كان يحصل له من كسبه

أضعاف ما يحتاج إليه، والمتوسط هو الذي يملك من المال ما يخرجه عن استحقاق سهم المساكين لكنه لو كلف مدين لأوشك أن ينحط للإعسار، والموسر هو الذي يملك من المال ما يخرجه عن استحقاق سهم المساكين ولو كلف المدين لم ينحط بذلك إلى المتوسط فضلًا عن الإعسار هذا كلامه.
إذا علمت ذلك فقول الرافعي في الموسر (ولا يتأثر بتكليف المدين)، لم يبين المراد بالتأثر صريحًا، وقد فسره الإمام بأنه لا ينحط بذلك إلى التوسط فضلًا عن الإعسار، وأيضًا لم يبين حقيقة المعسر علي التمام؛ بل كلامه يوهم أن من خرج عن استحقاق سهم المساكين لا يكون معسرًا، وقد بينه الإمام كما تقدم.
وأيضًا فإنه قال في المتوسط: بل يرجع إلى حد المسكنة، وليس ذلك شرطًا عند الإمام؛ بل الشرط عنده أن يرجع بذلك إلى حد الإعسار، وهو أعم من حد المسكنة؛ فإن كل مسكين معسر وليس كل معسر مسكينا؛ فإن من خرج عن استحقاق سهم المساكين بالكسب الواسع معسر عند الإمام وليس مسكينًا كما صرح هو به -أعني: الإمام-.

قوله: وفي من بعضه حر وبعضه رقيق وجهان: أصحهما: أنه ليست عليه إلا نفقة المعسرين؛ لنقصان حاله وإن كثر ماله ببعضه الحر.
والثاني: نفقة الموسر.
انتهى.
تابعه في "الروضة" علي إلحاقه بالمعسرين، لكنهما في الكفارات ألحقاه بالموسرين وأوجبوا عليه التكفير بما عدا العتق من المال كما أوضحوه في كتاب الظهار وكتاب الأيمان، وذكرا في نفقة الأقارب نحوه أيضًا؛ فإنهما نقلا عن "البسيط" أن الظاهر وجوبها عليه، وأقراه كما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالي.

قوله: وليس من المعاشرة بالمعروف تكليفها الصبر علي الخبز

البحت.
انتهى.
البحت: بباء موحدة مفتوحة ثم حاء مهملة ساكنة ثم تاء بنقطتين: هو الصرف الخالص، والمراد به هاهنا: الخالي من الأدم.

قوله: ولا يجوز أن يكون الخادم إلا امرأة أو صبيًا أو محرمًا لها.
وفي مملوكها والشيخ الهم اختلاف، وفي الذمية وجهان؛ لأن النفس تعاف استخدامها.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه وفيه أمور تعرف مما سبق في أوائل النكاح في الكلام علي النظر.
الأول: أن هذا الحصر يرد عليه الممسوخ -وهو مقطوع الذكر والأنثيين معًا-؛ فإن الأصح أن نظره كنظر المحارم، بخلاف مقطوع أحدهما.
الثاني: أن الصبي المراهق حكمه حكم البالغ علي الأصح؛ فلابد من استثنائه.
الثالث: أن المرجح في مملوكها الجواز، بخلاف الشيخ الهم والذمية.
الأمر الرابع: أن تعليل المنع في الذمية بأن النفس تعاف استخدامها تعليل مناف لتصوير المسألة فإنه ينتظم في عدم الجواز، وهذا التعليل إنما يصلح لعدم إجبار المرأة عليه، ولا شك أنهما خلافان: أحدهما: ما ذكره الرافعي هنا أعني الخلاف في الجواز وهو الخلاف المذكور في النكاح في جواز نظر الذمية إلى المسلمة لكون الخدمة لا تنفك عن النظر؛ ولأجل ذلك أجروا الخلاف في عبدها والشيخ الهرم لما ذكرناه من ملازمة الخدمة للنظر، والأصح من ذلك الخلاف هو التحريم.
وأما الخلاف الثاني فهو إجبار المرأة عليه، إذا قلنا بجوازه وفيه وجهان حكاهما صاحب البيان ولم يذكر الخلاف في الجواز بالكلية وعلل عدم

الإجبار بما ذكره الرافعي وهو عفافة النفس، وعبر باللفظ الذي ذكره فاختلط علي الرافعي الخلاف الأول بالخلاف الثاني؛ فأخذ تعليل الثاني وعلل به الأول، أو سقط الخلاف الثاني من نسخ الرافعي وبقي تعليله فقط.

قوله: الثالثة: لو قالت: أنا أخدم نفسي، وطلبت الأجرة أو نفقة الخادمة لم يلزمه ذلك؛ لأنها أسقطت مرتبتها وله أن لا يرضى بذلك لأنها تصير مبتذلة، وأشار في "البسيط" و"الوسيط" إلى خلاف فيه.
انتهى كلامه.
واعلم أن كلام الإمام في "النهاية" يقتضي أنه لم يقف في المسألة على نقل؛ فإنه قال: ولو قالت له: أنا أخدم نفسى فسلم إليّ نفقة الخادم فلست أري لها ذلك فإنها أسقطت مرتبة نفسها، وذكر الغزالي في "البسيط" نحوه فقال: فيه: نظر، والظاهر أنه لا يجب.
هذا لفظه.
ثم اختصر في "الوسيط" فعبر بقوله: فالظاهر أنه لا يلزمه، ولم يزد عليه.
وإذا نظرت إلى جميع ما ذكرناه قطعت بأن الغزالي لم يقصد إثبات خلاف في المسألة على خلاف ما فهمه الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة".

قوله: وهاهنا كلامان: أحدهما ذكره أبو الفرج الزاز أن الذي يجب على الزوج كفايته في حق المخدومة الشريفة الطبخ والغسل ونحوهما دون حمل الماء إليها للشرب وحمله إلى المستحم؛ لأن الترفع عن ذلك رعونة لا عبرة بها.
والثاني: قال البغوى يعني بالخدمة: ما هو حاجتها كحمل الماء إلى المستحم وصبه علي يدها وغسل خرق الحيض ونحوها، فأما الطبخ والكنس والغسل فلا يجب شيء منها على المرأة ولا على خادمها بل هو

على الزوج إن شاء فعله بنفسه وإن شاء بغيره.
فالكلامان متفقان علي أنه لا يتوظف النوعان على خادم المرأة والاعتماد من الكلام على ما ذكره البغوي.
انتهى.
قال في "الروضة" الذي أثبته الزاز من الطبخ والغسل ونحوهما هو في ما يختص بالمخدومة، والذي نفاه البغوي منهما هو فيما يختص بالزوج كغسل ثيابه والطبخ لأكله ونحوه.
والطرفان متفق عليهما؛ فلا خلاف بين الجميع في ذلك، والله أعلم.

قوله: فإن جرت عادة أهل البلد بالكتان أو الخز أو الحرير فوجهان: أحدهما: لا يلزم ذلك، بل له الاقتصار على القطن.
وأصحهما اللزوم على عادة البلد وتفاوت بين الموسر والمعسر في مراتب ذلك الجنس.
انتهى كلامه.
وما ذكره من إطلاق عادة البلد تبعه عليه في "الروضة"، وقيده في "المحرر" بما إذا جرت لمثله فقال: فإن جرت عادة البلد بالكتان والحرير لمثله فأظهر [الوجهين] لزومه، هذا لفظه.
وذكر في "المنهاج" مثله أيضًا.

قوله: ففي الشتاء على الموسر نهارًا طنفسة، وعلى المتوسط زلية، ولليل مصرية وثيرة أو قطيفة ولحاف، وأوجب الغزالي مع ذلك الشعار.
ثم قال: الأكثرون سكتوا عنه، ويمكن تخصيص الشعار بالصيف كما يخصص اللحاف بالشتاء، ويمكن أن يقال في الشتاء يجب الشعار مع اللحاف ويجب القميص مع الجبة، والحكم في جميع ذلك مبني على العادة.
انتهى كلامه.
وما ذكره بحثا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه قد نص عليه الشافعي

في "الأم" وأجاب بالاحتمال الأول وصرح به أيضًا بعض الأصحاب.
كذا نقله في المطلب.
واعلم أن الطنفسة بساط صغير ثخين له وبرة كثيرة.
والزلية: بكسر الزاي وتشديد اللام شيء مضروب صغير.
والوثيرة: بالثاء المثلثة هي الوطيئة من كثرة حشوها، وكذلك الوثر بالكسر، والوثار، وامرأة وثيرة كثيرة اللحم، ووثر الشيء بالضم وثارة فهو أوثر أي: أوطأ وألين.
والشعار بالكسر هو الثوب الذي يلي الجسد؛ سمي بذلك لأنه يلاصق الشعر.
واعلم أن إطلاق الشعار علي الملحفة صحيح لمن ينام عاريًا علي عادة العرب.

قوله: وأنه لا اختصاص لهذا النوع [بفضل] 1 الكسوة، والأولي أن يجعل ذنان للطعام.. إلى آخره.
الذنان: بضم الذال المعجمة، سبق الكلام عليه في آخر الفلس.

قوله: وأما ما يفرش وينام عليه -يعني الخادم- فقد قال المتولي: لابد من شيء يجلس عليه كبارية في الصيف وقطيفة لبد في الشتاء، ولابد من مخدة وشيء يتغطي به بالليل من كساء ونحوه.
قال في "البحر" ولا يجب لها الفراش بل يكتفي بالوسادة والكسي.
انتهى.
[البارية] بتشديد الياء ويجوز تخفيفها في لغة وهي نوع من أنواع الحصير، وسبق في الوقف إيضاحه.

قوله: وقياس مسائل الباب أن تجب الزيادة على الجبة الواحدة حيث يشتد البرد ولا تكفي الواحدة.
انتهى.
وما ذكره بحثا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه وتابعه عليه في "الروضة" قد صرح به الخوارزمي في "الكافي".

قوله: ويجب من الدهن ما يعتاد استعماله غالبًا كالزيت والسيرج وغيرهما، وإذا كانوا يعتادون المطيب بالورد والبنفسج وجب المطيب.
انتهى كلامه.
المطيب في الموضعين بالميم؛ أي: إذا اعتادوا الدهن المطيب وجب علي الزوج إعطاؤه.
ووقع في "الروضة": التطيب، بالتاء مصدرًا وهو غير مستقيم.

قوله: ولا يجب إلا ما يقصد به قطع السهوكة.
انتهى.
والسهوكة: بسين مهملة مضمومة وبالكاف؛ قال الجوهري: السهك بفتح الهاء: ريح السمك وصدأ الحديد؛ يقال: يدي من السمك ومن صدأ الحديد سهكة؛ كما يقال: يدي من اللبن والزبد وصرة، ومن اللحم عمرة.
هذا كلامه.
فكأنهم توسعوا فيه فأطلقوه على الرائحة الكريهة أو على التغيير مطلقًا.
وقد ذكر في الزهومة نحو هذا فقال: الزهمة نحو هذا فقال: الزهمة بضم الزاي وإسكان الهاء هي الريح المنتنة؛ تقول: زهمت يدي بالكسر زهمًا بالفتح فهي زهمة.

قوله في أصل "الروضة" فرع: إذا احتاجت إلى شراء الماء للغسل إن كانت تغتسل من الاحتلام لم يلزم الزوج قطعًا.
وكذا إن اغتسلت عن الحيض على الأصح.
انتهى كلامه.

والذي ادعاه من القطع بعدم الوجوب ليس كذلك؛ فقد حكى هو في "المنهاج" فيه وجهين فقال: والأصح وجوب أجرة حمام بحسب العادة، وعن ماء غسل جماع ونفاس لا حيض واحتلام في الأصح.
هذا لفظه، وهو غريب جدًا حيث نفي الخلاف في الكتاب المبسوط وأثبته في "المختصر".
وأغرب من ذلك كونه جعله عمومًا؛ فإنه عبر بالأصح، وقد اصطلح علي أن هذه الصيغة للخلاف القوي، والرافعي -رحمه الله- سالم من ذلك؛ فإنه لما جزم في الشرحين بعدم الوجوب لم ينف الخلاف، فغايته أنه حكي في "المحرر" خلافًا لم يحكه في الشرحين.
واعلم أن هذا الوجه الغريب مستنده صحيح؛ فقد رأيته مجزومًا به في "فتاوي القفال" فقال: مسألة: إذا احتلمت المرأة فثمن الماء علي الزوج؛ لأنه لحاجتها بخلاف ما لو زنت أو وطئت بالشبهة.
هذه عبارته من غير زيادة عليها.
وحكاه أيضًا صاحب "البحر" في باب الغسل؛ فإنه حكي في الجنابة والحيض والنفاس طريقين حاصلهما ثلاثة أوجه: أحدها: علي الزوج في الجميع.
وثانيها: علي المرأة.
وثالثها: يجب عليها من الحيض والنفاس لأن التسليم واجب عليها فلزمها ثبوته بخلاف الجنابة.
وهو تعليل قوي.
ويستفاد من كلام "الروضة" الذي ذكرناه من كلامه عقب هذا الذي سنذكره أيضًا.
وجهًا رابعًا: أنه إن كان سببه كالجماع] 1 والنفاس لزمه، وإن لم يكن بسببه كالحيض والاحتلام فلا.

وخامسها: أنها إن اغتسلت من الاحتلام لم يجب، وإلا فيجب.
وسادسها: أنه يجب في الاحتلام والحيض دون الجماع والنفاس.

قوله: وإن اغتسلت عن الجماع أو النفاس لزمه علي الأصح لأنه بسببه، وينظر علي هذا القياس في ماء الوضوء إلي أن السبب منه كاللمس أم لا.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة".
وهذا التعليل المذكور للجماع والنفاس يقتضي تخصيص المسألة بوطء الزوج وقد تقدم التصريح به من جملة ما نقلناه عن "فتاوى القفال" في المسألة السابقة.
نعم.
هل يجب على الواطئ؟ يتجه أن يقال: إن مكنت المرأة مختارة لم يجب عليه لرضاها بذلك وإلا وجب، ويحتمل ألا يجب وإن كانت غير مختارة؛ لأنها أخذت المهر في مقابلة هذا الوطء، ويحتمل عدم الوجوب في النفاس من الزنا؛ لأن الولد ليس منسوبا إليه بخلاف الواطئ بالشبهة.
وقد ذكر الرافعي في الرهن هذا التفصيل في ضمان الأجنبية إذا حملت منه وماتت من الطلق.

قوله: ولو كانت تأكل معه على العادة وهي بالغة أو صغيرة بإذن وليها ففي سقوط نفقتها وجهان: أقيسهما: لا تسقط، وأحسنهما -كما قال الغزالي- أنها تسقط.. انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يصرح بتصحيح في "الشرح الصغير" أيضًا بل ذكر أن الأول أقيس والثاني أحسن من غير إعزائه إلي الغزالي، والراجح هو السقوط؛ فقد قال في "المحرر" إنه أولى الوجهين وصححه النووي في "الروضة" و"المنهاج" و"التصحيح"؛ قال: وعليه جرى الناس في زمن

رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبعده من غير نزاع ولا إنكار، ولم ينقل أن امرأة طالبت بنفقة بعده، ولو كانت لا تسقط مع علم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإطباقهم عليه لأعلمهم بذلك ولقضاه من تركة من مات ولم يؤقته، وهذا مما لا شك فيه.
الأمر الثاني: أن تصوير المسألة بالأكل معه علي العادة يشعر بأنها إذا أتلفت ذلك المقدار أو أعطته لغيرها أن النفقة لا تسقط، وبأنها إذا أكلت معه دون الكفاية لا تسقط، وبه صرح في "النهاية".
وعلي هذا فهل لها المطالبة بالجميع أو بالتفاوت؟ فيه نظر.
الأمر الثالث: أن التعبير بالبالغة تعبير ناقص؛ فإنها قد تكون سفيهة أو مجنونة وحينئذ فتكون كالصغيرة؛ فالصواب التعبير بالرشيدة.
قال الإمام: وإذا قلنا بالسقوط فكأن نفقتها مترددة بين الكفاية إن أرادت وبين التملك علي قياس الأعواض إن طلبت.
قال: وهذا حسن غامض.

قوله: ولو تراضيا باعتياضها عن النفقة دراهم أو دنانير أو ثيابًا ونحوها جاز على الأصح لأنه مستقر في الذمة كمعين.
والثاني: لا؛ لأنه طعام يثبت في الذمة عوضًا فصار كالمسلم فيه، وأيضًا فهو بيع طعام في الذمة فأشبه بيع طعام الكفارة.
ولو اعتاضت خبزًا أو دقيقًا أو سويقًا فالأكثرون علي المنع؛ لما سبق، ولأنه ربا.
انتهى.
والتعليل بكونه ربا قد اقتصر عليه في "الروضة"؛ وحينئذ فيتعين تصوير المسألة بما إذا كان العوض من جنس المعوض كما إذا اعتاض عن الحنطة مثلًا بدقيقها أو خبزها أو سويقها، وكذا في الشعير ونحوه.
فإن اعتاضت عن الحنطة دقيق الشعير ونحوه جاز لأن بيعه به جائز؛ إذ المحذور -وهو التفاضل- جائز هنا لاختلاف الجنس.

والتعليل الأول الذي حذفه في "الروضة" وإن كان يقتضي المنع فإنه تعليل ضعيف؛ بدليل وجوده في الدراهم مع أن الصحيح فيها الجواز.

قوله: والنفقة تستحق يومًا فيومًا، ولها المطالبة بها إذا طلع الفجر، وقال في المهذب: إذا طلعت الشمس.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" فيه أمران: أحدهما: أن ما صححه من الإيجاب بطلوع الفجر قد ناقضه في الباب الأول من كتاب الضمان فجزم بطلوع الشمس، وقد تقدم ذكر لفظه هناك، والمعروف هو المذكور في هذا الباب.
لا جرم أن النووي في "الروضة" هناك قد عبر بالفجر فسلم من التناقض إلا أنه أدخله في كلام الرافعي ولم ينبه على أنه من زوائده.
الأمر الثاني: أن الإمام في "النهاية" قد نبه علي أمر مهم كلام الرافعي يوهم خلافه فقال في باب الرجل لا يجد نفقة: قدمنا أن للمرأة أن تطلب النفقة وقت طلوع الفجر، فإذا طلبت فقال الزوج: إذا أصبحنا حصلت النفقة، فسألت المرأة القاضي أن يوكل به من يدور معه فليس لها ذلك، ولا يجوز أن تعتقد فيه خلاف لأن شطر البرية -أي: الخلق- يصحون ويأخذون في التمحل إما من رؤوس الأموال وإما من الحرف والصنائع.
ثم قال: ومما يتعلق بتمام الكلام أن المرأة إذا كانت لا تملك إزهاق الزوج عند طلوع الفجر ولا تملك أن تستدعي التوكيل به فليس يتحقق الوجوب على التضييق.
ولست أشبه ذلك إلا بقولنا تجب الصلاة بأول الوقت وجوبًا موسعًا، والذي أراه أن الزوج إن قدر على إجابتها فهو حتم لا يجوز تأخيره وإن كان لا يحبس ولا يوكل به ولكنه يقتضي بمنعه وإن لم يكن في يده أو كان يلقي

عسرًا فله أن يتوسع على الاعتياد.
هذا كلام الإمام، وهو نفيس مهم.
وذكر مثله الغزالي في "البسيط" بعبارة حسنة فقال: فإن قيل: ما معني قول الأصحاب: إن النفقة تجب بطلوع الفجر؟.
قلنا: معناه: أنه يجب وجوبًا موسعًا كما في الصلاة، أو معناه أنه إن قدر وجب عليه التسليم وإن ترك عصي ربه، ولكن لا يحبس ولا يخاصم.
هذه عبارته.
وذكر الماوردي ما يوافقه فقال: والوقت الذي تستحق فيه نفقة يومها هو أول أوقات التصرف فيه، لأنها إن طالبته مع طلوع فجره خرجت عن العرف، وإن أخرها إلى غروب الشمس أضر بها.

قوله: ولو قبضت نفقة يوم ثم ماتت أو أبانها في أثناء النهار لم يكن له الاسترداد [وفي كتاب ابن كج: أن له ذلك، ولو نشزت في النهار فله الاسترداد] 1. انتهى.
لم يبين القدر المسترد حيث أثبتناه هل هو الجميع أو البعض؟، ولا شك أن الرافعي قد ذكر بعد ذلك بدون ورقتين وجهين فيما لو نشزت بعض النهار: أحدهما: لا شيء لها، والثاني: تقسطه زمن الطاعة إلا أن تسلم ليلًا وتنشز نهارًا أو بالعكس فلها نصف النفقة، ولم يصرح بترجيح إلا أنه مال إلى أنها لا تستحق شيئًا.
ولا شك في جريانهما في النشوز وكذلك في الموت والإبانة علي القول بالاسترداد.
وظاهر كلام [المصنف] هو استرداد الجميع.

وإذا علمت ذلك توجه على "الروضة" اعتراض ظاهر؛ فإنه ادعى عدم الخلاف في مسألة النشوز فقال: ولو نشزت في النهار فله الاسترداد قطعًا هذه عبارته.
والتقييد بالنهار لا معنى له لما ذكرته لك قريبًا.

قوله: وفي وجوب تمليك الكسوة وجهان: أحدهما -وبه قال ابن الحداد واختاره القفال وهو قضية نصه في "الإملاء"- أنه لا يجب كالمسكن.
وأصحهما -على ما ذكر صاحب "المهذب" و"التهذيب" والروياني وينسب إلى النص- أنه يجب كالنفقة.
انتهى ملخصًا.
والصحيح وجوب التمليك؛ فقد قال الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة" إنه الأصح.

قوله: وهذا الخلاف طرده صاحب "التهذيب" في كل ما ينتفع به مع بقاء عينه كالفرش وظروف الطعام والمشط، وألحق صاحب "الكتاب" في البسيط الفرش والظروف بالمسكن وأخرجها عن حيز الخلاف.
انتهى كلامه.
لم يصحح في "الصغير" أيضًا شيئًا من هاتين المقالتين، بل فيه وفي "الروضة" مثل ما هاهنا، والصحيح في "المحرر": أنه من باب التمليكات؛ فإنه قال: وما يدفع إليها وتنتفع به مع بقاء عينه كالكسوة يجب فيها التمليك أو الامتناع؟ فيه وجهان: أصحهما الأول.
ثم قال: وفي معناه الفرش وظروف الطعام.
هذا لفظه، وتبعه عليه في "المنهاج"، وذكر في "الحاوي الصغير" عكسه.

الباب الثاني: في مسقطات النفقة

قوله: ولا خلاف في أن وقت وجوب التسليم في النفقة صبيحة كل يوم، والكسوة أول كل فصل وذلك بعد حصول التمكين، فأما وقت ثبوتها في الذمة فقولان: القديم: يجب بالعقد كالمهر ولا تتوقف علي التمكين لكن لو نشزت سقطت؛ فالعقد موجب والنشوز مسقط، وإذا حصل التمكين استقر الواجب يومًا فيومًا والجديد: أنها لا تجب بالعقد بل التمكين يومًا فيومًا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في آخر كلامه حاصله أن النفقة لا تستقر علي القديم إلا بالتمكين، وهو مناقض لما جزم به بعد هذا من أنها تستقر وإن انتفي التمكين، إلا أنها تسقط بالنشوز فقال: ولو لم يطالبها الزوج بالزفاف ولم تمتنع هي منه ولا عرضت نفسها عليه ومضت علي ذلك مدة؛ فإن قلنا بالقديم: وجبت نفقة تلك المدة، وإن قلنا بالجديد: فلا.
هذا كلامه.
ونقل في "النهاية" عن العراقيين أنهم قطعوا بأن النفقة لا تثبت في زمن السكوت، ثم ضعف مقالتهم.
واعلم أن العراقيين قالوا: إن النفقة تجب بالعقد ولا يجب التسليم إلا بالتمكين يومًا فيومًا، وبه جزم الشيخ في "التنبيه".
ولأجل ذلك قطع العراقيون بأن النفقة لا تجب في زمان السكوت، والمراوزة قالوا: إن القديم وجوبه بالعقد ولا يتوقف علي التمكين إلا أن شرطه عدم النشوز، فلها المطالبة عندهم حال السكوت.
ويتلخص من ذلك ثلاثة أقوال:

أحدها: العقد وحده إلا أنه لا يستقر إلا بعدم النشوز.
الثاني: العقد بشرط التمكين.
الثالث: التمكين.
وفائدة الخلاف في الضمان وفيما لو حلف ما له مال.
ولا شك أن الرافعي فرع تارة علي قاعدة العراقيين وتارة علي قاعدة المراوزة فوقع في الخلل.
الأمر الثاني: أنه لو حصل العقد والتمكين وقت الغروب فالقياس الوجوب بالغروب لأن النفقة كما سيأتي في كلام الرافعي في مقابلة اليوم والليلة.

قوله: وهذا الخلاف قيل: منصوص عليه، وقيل: مستنبط؛ ويدل عليه شيئان، فذكر الأول ثم قال: الثاني: أنه قد نقل عن صاحب "الحاوي" اختلاف الأصحاب في تحرير سبب النفقة؛ فالبغداديون علقوها بالتمكين وجعلوا سبق العقد شرطًا فقالوا: يجب بالتمكين المستند إلى العقد، والبصريون قالوا: يجب بالعقد بشرط التمكين.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الخلاف المحكي في "الحاوي" غير المحكي في الرافعي؛ فإن الماوردي قال ما نصه: وأما النفقة فلا تجب بمجرد العقد.
ثم قال: واختلف أصحابنا في تحرير العبارة؛ فجعل البغداديون الوجوب معلقًا بالتمكين وتقدم العقد شرط، وجعله البصريون معلقًا بالعقد وحدوث التمكين شرط.
قال: وفائدة الخلاف في الاستحقاق في زمن التأهب للتمكين فلا يستحق على الأول ويستحق علي الثاني.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد أسقط هذا الخلاف بالكلية ظنًا منه أنه الخلاف السابق كما ظنه الرافعي.

الأمر الثالث: أن فائدة الخلاف قد ظهرت من كلام الماوردي.

قوله: ثم ذكر في "الكتاب" من فوائد القولين صورتين: إحداهما: لو اختلفا في التمكين فقالت المرأة مكنت وأنكر الزوج، فإن قلنا: النفقة تجب بالتمكين، فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل عدم التمكين، وإن قلنا تجب بالعقد، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم النشوز.
ثم قال: وقوله في "الكتاب": فعلي هذا لو تنازعا [في النشوز كذا ذكره هاهنا، وفي "الوسيط" ولفظ الأكثرين: لو تنازعا] في التمكين كما ذكرناه، وكذلك هو في "البسيط" وسببه أن يكون الذي ذكره هاهنا محمولا عليه، فأما إذا توافقا علي حصول التمكين ثم اختلفا على النشوز بعده فينبغي أن يقطع بصدقها لأن الأصل استمرار الواجب، وهكذا صرح به ابن كج وحكي معه وجهًا ضعيفًا أن القول قوله؛ لأن الأصل براءة الذمة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في حمل النشوز في كلام "الوجيز" على التمكين ذهول عجيب؛ فإن القديم لا يوجب النفقة بالتمكين بل بالعقد بشرط عدم النشوز كما تقرر لك في هذا الباب؛ وحينئذ فيتعين تصوير النزاع في النشوز.
وأما النزاع في أصل التمكين أو في [النشوز] الواقع بعد التمكين فغير ما نحن فيه.
واعلم أن دعوى المرأة وقوع العقد مع التمكين أو مع عدم النشوز مسموعة إن انضم إلى ذلك طلب حق من حقوق الزوجية، فإن لم ينضم إليه ذلك فتكون كدعوى الزوجية المجردة، والأصح فيه القبول لأنه ينفع في الحق.

قوله: فلو نشزت بعض النهار فوجهان: أحدهما: لا شيء لها.
والثاني: لها يقسط زمن الطاعة.

قال: وبالوجه الثاني أجاب السرخسي، ومنهم من رجح الأول وهو أوفق لما سبق في مسألة الأمة.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" هنا علي حكاية الوجهين وترجيح عدم الوجوب، ورجح -أعني النووي- في آخر كتاب النكاح القطع بعدم الوجوب إذا امتنعت في بعض الزمان فقال في أول الباب الحادي عشر: قلت: الصحيح الجزم في الحرة بأنه لا يجب شيء في هذا الحال.

قوله: وامتناعها عن التسليم إلي قبض المهر الحال ليس بنشوز.
ثم قال: ولو حل المؤجل فهل هو كالمؤجل أم كالحال؟ وجهان؛ وأجاب البغوي بالأول.
انتهى.
والصحيح جواز الحبس، وقد تقدم إيضاحه في البيع.

قوله: وتعذر المرأة في الامتناع من الوطء إذا كان الرجل عبلًا لا تحتمله.
انتهى.
العبل بعين مهملة وباء ساكنة هو كبير الذكر، وقد فسره به في أصل "الروضة".

قوله: والسفر بغير إذنه نشوز أيضًا، ولو سافرت بإذنه فإن كان الزوج معها أو لم يكن وكان السفر لحاجته بأن بعثها لتقضي أشغاله وجبت النفقة، وإن كان في حاجتها فقولان: أشهرهما: المنع.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وهو كالصريح في أنها إذا سافرت بغير إذنه فلا نفقة لها وإن كانت معه، وليس كذلك بل هي واجبة في هذه الحالة.
كذا صرح به في أوائل كتاب قسم الصدقات ولم يحك فيه خلافًا؛ فإنه ذكر أن المرأة إذا سافرت مع الزوج فلا تعطى من سهم ابن السبيل، ثم علله بقوله: لأنها إن سافرت بإذنه فهي مكفية المؤنة، وإن سافرت بغير إذنه فالنفقة عليه لأنها معه.
هكذا ذكروه.
ولا تعطي مؤنة السفر لأنها عاصية بالخروج.
هذا لفظه.
فينبغي أن يتفطن له، ولم يصرح بها في الكلام على

القسم بين الزوجات.

قوله من "زياداته": ولو حبست ظلما أو بحق فلا نفقة لها كما لو وطئت بشبهة فاعتدت.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أنه لا فرق فيما إذا حبست بين أن تكون قد توجه الحبس عليها بإقرارها أم بالبينة، وهو كذلك؛ فقد صرح هو به في كتاب الفلس من زوائده أيضًا، وكذلك في "فتاويه"، وعبارته فيها: أنه المختار.

قوله: الثالثة: لو نشزت المرأة وغاب الزوج ثم عادت للطاعة في غيبته لم يعد استحقاق النفقة في أظهر الوجهين؛ فعلي هذا يفعل ما ذكرناه في ابتداء التسليم من رفعها الأمر إلي القاضي ليقضي بطاعتها وبحق الزوج بذلك.
ثم قال: ولو ارتدت المرأة وسقطت نفقتها علي ما بينا في آخر نكاح المشركات فغاب الزوج وعادت في العدة إلى الإسلام وهو غائب فيبقي عود النفقة بمجرد الإسلام وإن فرض فيه خلاف.
والفرق أن نفقة المرأة قد سقطت بردتها، فإذا عادت إلى الإسلام ارتفع المسقط فعمل الموجب عمله، والناشزة سقطت نفقتها بخروجها عن يد الزوج وطاعته وإنما تعود إذا عادت إلي قبضته، وذلك لا يحصل في غيبته.
انتهى كلامه.
وما ذكره في المرتدة من وجوب نفقتها إذا أسلمت في غيبة الزوج مسألة نفيسة وقد أسقطها النووي من "الروضة" فلم يتعرض لها في هذا الموضع كما ذكره الرافعي ولا قدمها إلي نكاح المشركات بل كلامه يوهم التسوية بينها وبين الخارجة من المنزل ونحوها؛ لأن الردة نشوز كما صرح [به الأصحاب كلهم، وذكره هو في آخر نكاح المشركات من "الروضة"] 1 وكأنه توهم ذكرها في ذلك الموضع فأسقطها من هاهنا.

قوله: المانع الثاني: الصغر: فإذا كانت المرأة صغيرة فسلمت إلى الزوج البالغ أو عرضت [عليه] 2 فقولان: أحدهما: أنها تستحق

النفقة لأنها معذورة ومحبوسة عليه.
وأصحهما: المنع؛ لتعذر الاستمتاع بها لمعنى فيها؛ فأشبهت الناشزة.
وقد يبنى القولان على أن النفقة تجب بالعقد أو بالتمكين، فإن لم يوجد تسليم ولا عرض كان الحكم كما في حق الكبيرة.
وفي "الوسيط" و"البسيط" ما يقتضي خلافه.
والظاهر الأول.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من اختصاص قول الوجوب بما إذا سلمت تابعه عليه في "الروضة"، وهو غير مستقيم؛ فإن القديم يقول: إن النفقة تجب بمجرد العقد وإن لم يحصل تمكين إذا لم يحصل نشوز، وقد صرح الرافعي نفسه بذلك في أوائل الباب أيضًا كما سبق ذكره؛ فصار أول كلامه مخالفًا لآخره.
وما اقتضاه كلامه من عدم الوقوف علي التصريح بعدم اشتراط التسليم فقد صرح به جماعات منهم الماوردي في "الحاوي" وإمام الحرمين في "النهاية" والغزالي في كتابيه والروياني في "البحر"، وزاد الماوردي فصرح بأن أولياءها لهم منع تسليمها وإن أوجبنا النفقة؛ وعلله بقوله: لأنه ربما أنكاها إن تسلمها.
نعم في تعليقة القاضي الحسين و"المهذب" و"التهذيب" تصوير محل القولين بما إذا سلمت إلي الزوج.

قوله في أصل "الروضة": المانع الثالث: العبادة فإذا أحرمت بحج أو عمرة فلها حالان أحدهما: أن تحرم بإذن الزوج، فإذا خرجت فقد سافرت في غرض نفسها، فإن كان الزوج معها لم تسقط النفقة على المذهب، وإلا فتسقط علي الأظهر.
أما قبل الخروج فوجهان: أصحهما وجوبها لأنها في قبضته وتفويت الاستمتاع لسبب أذن فيه.
انتهى كلامه.
فيه أمران:

أحدهما: أن الرافعي قد حكي في المسألة الأخيرة طريقة قاطعة فقال: وقطع به قاطعون.
ونقل الإمام هاتين الطريقتين وقال: إن طريقة القطع أشهر في الحكاية وإليها ذهب الأكثرون، فإن طريقة الخلاف أقيس.
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوسيط" قد تبعه علي أن هذين الوجهين فيما إذا [لم] 1 تخرج مفرعان علي قولنا أنها إذا خرجت لا تستحق، والذي قاله لابد منه وهو مدرك حكاية الطريقين، وإلا فكيف تستقيم التسوية بين حالتي الخروج وعدمه حتي يكون في الأولي قولان وفي الثانية وجهان.

قوله: الحال الثاني: أن يكون إحرامها بغير إذنه فإذا أحرمت بفرض وقلنا بالصحيح وهو جواز تحليلها فلها النفقة ما لم تخرج في ظاهر الوجهين، لأنها في قبضته والزوج يقدر على تحليلها وأما بعد خروجها فقد يكون بغير الإذن وقد يكون بالإذن؛ فإن خرجت بغير الإذن نظر إن لم يخرج الزوج معها فلا نفقة.
وإن خرج معها فعلى ما تقدم [انتهى كلامه.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: فعلى ما تقدم، ذكر مثله] 2 في "الروضة" وليس فيه بيان المتقدم المحال عليه.
فإن أراد به ما نقلناه عنه قبل ذلك وهو ما إذا سافرت بغير إذن فليس فيه أن الزوج خرج معها بل أطلق كما سبق.
وأيضًا فلو أراد ذلك لأحال عليه القسمين معا وهما خروج الزوج وعدم خروجه لأنهما معًا داخلان بطريق الإطلاق، والظاهر أنه أراد ما قبل خروجها لأنهما قد اشتركا في الإحرام بغير الإذن وفي صحبة الزوج لها وحينئذ فيكون الصحيح هو الاستحقاق.

قوله: أما صوم رمضان فلا منع منه ولا تسقط النفقة لوجوبه على الفور، وأما قضاء رمضان فإن كان واجبًا على الفور فلا تمنع منه، وفي النفقة وجهان المذكور منهما في "التهذيب" ورجحه غيره أنها لا تسقط، وفي التتمة أنها تسقط.
انتهى.
وما ذكره الرافعي من التعليل بالفور يقتضي أنهما لو كانا مسافرين سفرًا يباح فيه الفطر كان للزوج منعها، وفي كلام الماوردي إشعار به؛ فإنه قال: فإذا تعين عليها كان مستثنى.
واعلم أن النووي قد صحح في أصل "الروضة" من الوجهين المذكورين عدم السقوط ولم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا.

قوله: وإذا فات رمضان بعذر وكان الوقت واسعًا فله منعها من المبادرة إلى قضائه، فلو شرعت فيه ففي جواز إلزامها الإفطار وجهان مخرجان من القولين في التحليل في الحج؛ فإن قلنا: لا يجوز، ففي سقوط النفقة وجهان: أحدهما: تسقط كالحج.
والثاني: لا لقصر الزمان وقدرته على الاستمتاع ليلًا.
انتهى.
والأصح -على ما قاله في "الروضة" من زوائده- هو السقوط.

قوله: ولا ينبغي أن تستقبل صوم التطوع بغير إذن الزوج انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وقد عبر في "الروضة" بقوله: ولا تشرع فيه بغير إذن.
وليس في ذلك كله تصريح بأنه يحرم أو يكره، وقد صرح بتحريمه في "الروضة" في آخر باب صوم التطوع فقال من زوائده: قال أصحابنا: لا يجوز، وحكى في "شرح المهذب" هناك وجهين: أصحهما هذا، والثاني: أنه مكروه.
قال: فلو صامت فمقتضى المذهب في نظائره الجزم بعدم الثواب وإن كان صحيحًا كما سبق في الصلاة في الدار المغصوبة.
هذا كلامه.
وقال في "شرح مسلم" في كتاب الزكاة في باب أجر الخازن الأمين بعد ذكره للتحريم: فإن قيل: ينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه، فإن

أراد الاستمتاع بها كان له ذلك ويفسد صومها.
فالجواب: أن صومها يمنعه من الاستمتاع في العادة لأنه يهاب انتهاك الصوم بالإفساد.
انتهى.
ويؤخذ من هذا التعليل أنها لا توصف بفعل محرم بالنية من الليل بل بطلوع الفجر، وصرح النووي في الموضع المذكور من "شرح مسلم" بأن المراد بالحضور أن يكون في البلد.
نعم لو كان الزوج حاضرًا ولكن حرم عليه الجماع لتلبسه بواجب من صوم أو إحرام أو اعتكاف ففي التحريم نظر، والمتجه الإباحة.

قوله: فإن شرعت فيه -أي: في صوم التطوع- فله قطعه وأمرها بالإفطار، فإن أبت سقطت النفقة في أصح الوجهين لامتناعها من التمكين بما ليس بواجب.
والثاني: لا تسقط لأنها في داره وقبضته ولها الخروج عما شرعت فيه متى شاءت.
وفي العدة وجه فارق بين أن يدعوها إلى الأكل أو إلى الوطء.
وإذا قلنا بالسقوط فعن "الحاوي" أن ذلك فيما إذا أمرها بالإفطار في صدر النهار، فإن أنفق في آخره فلا تسقط؛ لقرب الزمان، واستحسنه الروياني وسكت الأكثرون عنه.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من حكاية الخلاف وجهين ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وخالف في "المحرر" فحكاهما قولين، وتبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.
الأمر الثاني: أن الماوردي لما جزم بهذا التفصيل جزم أيضًا فيه بما نقله الرافعي عن العدة فنقل الرافعي بعضه عنه وبعضه عن غيره لكونه لم يقف على كلامه.

قوله: وأما صوم النذر فإن كان نذرًا مطلقا فللزوج منعها منه فإنه لم يتضيق وقته، فإن نذرت صوم أيام معينة فينظر إن نذرت قبل النكاح لم يكن له المنع لتعين الوقت وتقدم وجوبه على حق الزوج، وإن نذرت بعده فإن أذن الزوج لم يكن له المنع، وإن لم يأذن فله ذلك لأنها بالنذر منعت حقه السابق، وحيث قلنا له المنع فلو شرعت فيه وأبت أن تقطعه فعلى ما ذكرناه في صوم التطوع.
ثم قال: وقوله -يعني "الوجيز"-: وله منعها عن صوم نذرته بعد النكاح.
التقييد بما بعد النكاح يبين أنه لا يمنع مما نذرته قبل النكاح وهذا الفرق فيما إذا نذرت أيامًا معينة على ما بيناه.
فأما عند الإطلاق فله المنع في الحالتين، هذا هو الظاهر المشهور، ونقل إبراهيم المروذي فيه وجهين سواء نذرت قبل النكاح أو بعده.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: فيه وجهين [سواء نذرت قبل النكاح أو بعده، وتعبيره بقوله: فيه] 1 الضمير فيه عائد على صوم النذر المعين الذي بدأته أولًا فيكون على هذا في النذر المعين الذي نذرته قبل النكاح وجهان وكذا بعده.
كذا بينه في "الشرح الصغير" فقال: وإذا نذرت صوم يوم أو أيام ولم تعين فله منعها من الاشتغال به، وإن عينت أيامًا نظر إن نذرته قبل النكاح فليس له منعها، وإن نذرته بعده فإن أذن فيه لم تمنع منه، وإن لم يأذن فيه فله المنع، ومنهم من حكى فيه وجهين سواء نذرت قبل النكاح أو بعده، والظاهر الأول.
هذا كلامه.
وتوهم النووي أن الضمير راجع إلى صوم النذر المطلق فقط حتى لا يكون في النذر المعين خلاف ويكون في المطلق المنذور قبل النكاح وبعده وجهان؛ فإنه قال في "الروضة": فإن كان نذرًا مطلقًا فللزوج منعها منه على الصحيح وإن كانت أيامًا معينة [نظر: إن نذرتها قبل النكاح أو بعده

بإذنه فليس له منعها] 1، وإلا فله ذلك.
هذا كلامه.
ووقع هذا الموضع في "الكفاية" على الصواب، وألحق الماوردي النذر المطلق بصوم الكفارة حتى يأتي فيه الخلاف.

قوله: فإن كان نذرًا مطلقًا فللزوج منعها منه علي الصحيح لأنه موسع انتهى.
واعلم أنها إذا نذرت الاعتكاف بغير إذنه ودخلت فيه بإذنه وكان متتابعا فقد جزم الرافعي في كتاب الاعتكاف بأنه ليس له منعها، وعلله في "شرح المهذب" بأنه يتضمن إبطال العبادة الواجبة بعد الدخول، وهذا بعينه موجود في نذر الصوم المتتابع فينبغي استثناؤه هنا.

قوله: وأما صوم الكفارة فهو على التراخي فللزوج منعها منه انتهى.
وما اقتضاه كلامه من أنه لا فرق في كونها على التراخي بين أن يكون سببها معصية أم لا، تابعه عليه في "الروضة" أيضًا.
والمسألة قد اختلف فيها كلامهما معًا وقد أوضحت ذلك في كفارة الظهار فراجعه.

قوله: وحيث قلنا: تسقط النفقة بالصوم فهل تسقط جميعها أم نصفها للتمكين من الاستمتاع ليلًا؟ وجهان في "التهذيب" انتهى.
والمرجح في منع بعض الزمان أنها لا تستحق شيئًا بالكلية، وقد سبق ذلك في أوائل الباب مع اعتراض آخر خاص بالروضة في حكايته للوجهين.

قوله: ولو قال الزوج: طلقتك بعد الولادة فأنت في العدة ولي الرجعة، وقالت: بل قبلها وقد انقضت عدتي، فالقول قول الزوج ولكن لا نفقة لها لزعمها.
انتهى.
وهذه المسألة فيها تفصيل مذكور في آخر الباب الأول من أبواب العدة.

قوله: المسألة الثانية: إذا كانت المرأة خلية فحملت من وطء الشبهة،

فإن قلنا نفقة البائن الحامل إنما هي للحامل لم تجب وإن قلنا للحمل وجبت كما تجب عليه نفقته بعد الوضع.
ثم قال: فإن كانت الحامل من الشبهة منكوحة فإن أوجبنا النفقة على الواطيء بالشبهة سقطت عن الزوج، ولم تجمع بين نفقتين، وإن لم نوجبها على الواطئ ففي سقوطها عن الزوج وجهان: أفقههما السقوط؛ لفوات الاستمتاع عليه.
والثاني: لا تسقط؛ لأنها معذورة فيه، وهذا ما أورده في "البسيط"، واستحسن في "الوسيط" توسطًا وهو أنها إن كانت نائمة أو مكرهة فلها النفقة، وإن مكنت على ظن أنه زوجها فلا نفقة لأن الظن لا يؤثر في الغرامات.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا التوسط الذي نقله عن "الوسيط" هو للإمام فإنه ذكره في "النهاية" فقال: والأولى عندنا: التفصيل، فإن وطئت في حالة نوم أو وطئت وهي [مضبوطة] 1 فالوجه القطع بثبوت نفقتها على الزوج إلحاقا للمنع الطارئ بالمرض، وإن مكنت على ظن أن الواطيء زوجها فهذا فيه التردد الذي حكاه الأصحاب.
هذا كلام "النهاية".
وذكر الغزالي في "البسيط" مثله وهو مثل ما في "الوسيط" إلا أنهما لم يرجحا شيئًا في القسم الثاني وهو ما إذا مكنت على ظن الإباحة.
الأمر الثاني: أن ما نقله الرافعي من "البسيط" من جزمه بالوجه الثاني غلط عجيب بل المذكور فيه ما تقدم نقله عنه.

قوله: الخامسة: إذا مات الزوج قبل أن تضع البائن حملها، فإن قلنا: النفقة للحمل سقطت، لأن نفقة القريب تسقط بالموت، وإن قلنا: للحامل، فوجهان؛ قال ابن الحداد: تسقط أيضًا لأنها كالحاضنة للولد وصححه

الإمام، وقال الشيخ أبو على: لا تسقط لأنها باقية على عدة الطلاق والطلاق كأنه يوجبها دفعة واحدة فيكون لبس عليه؛ ولهذا يبقى لها حق السكني، ولا يجيء فيه القولان في أن المتوفى عنها زوجها هل تستحق السكنى، وهذا أقيس عند الغزالي.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، والأصح في هذه المسألة هو عدم السقوط فقد جزم به الرافعي في الشرحين "الكبير" و"الصغير" في كتاب العدد في أول باب عدة الوفاة، وكذلك النووي في "الروضة" إلا أنه قد يؤخذ من كلامه هنا -أعني كلام النووي- رجحان السقوط؛ فإنه نقل تصحيحه عن الإمام ولم ينقل ترجيح مقابله عن أحد وكما تستحق البائن الحامل النفقة تستحق الأدم والكسوة سواء قلنا النفقة للحامل أو للحمل.
كذا نقله في "الروضة" من زوائده عن صاحب "التتمة" وأقره.
واعلم أن ما اقتضاه كلامه من وجوب السكنى للمعتدة دفعة واحدة قد خالفه في آخر أبواب العدة قبيل الاستبراء فقال من جملة مسائل قد نقلها عن "فتاوى القفال": وأن المعتدة لو أسقطت مؤنة السكنى عن الزوج لم يصح الإسقاط؛ لأن السكنى تجب يومًا فيومًا.
هذا لفظه.

قوله: ومن فوائده القولين في أن نفقة البائن الحامل لها أو للحمل ما ذكره المتولي وهو أنها لو أبرأت الزوج من النفقة فإن قلنا: إنه للحامل سقطت وإن قلنا: إنه للحمل لم تسقط ولها المطالبة بعد الإبراء.
ولك أن تقول: إن كان الإبراء عن نفقة الزمان المستقبل فقد مر حكمه وإن كان عن ما مضى فالنفقة مصروفة إليها على القولين فينبغي أن يصح إبراؤها على القولين.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره بحثا من الصحة على كلا القولين واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا قد صرح به القاضي الحسين في "تعليقته" جازمًا به ونقله عنه أيضًا في "المطلب".

الباب الثالث: في الإعسار بالنفقة

قوله: وسئل سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته فقال: يفرق بينهما.
فقيل له: سنّة؟ فقال: نعم 1. قال الشافعي - رضي الله عنه -: الذي يشبه قول ابن المسيب أنه سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. انتهى.
وما نقل عن الشافعي من كون لفظ السنة مرفوعًا قد نقل عنه الداودي وهو الصيدلاني في "شرح المختصر" نحوه أيضًا ولكن في القديم خاصة فقال في باب أسنان إبل القتل الخطأ: إن الشافعي في القديم كان يرى أن ذلك مرفوع إذا صدر من الصحابي أو التابعي ثم رجع عنه لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد.
هذا لفظه.
ورأيت في "الأم" ما يوافق الأول فقال في باب عدد كفن الميت بعد ذكر ابن عباس والضحاك ما نصه: قال الشافعي وابن عباس والضحاك بن قيس رجلان من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يقولان السنة إلا لسنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. هذا لفظه بحروفه، وذكر بعده بقليل مثله، وظاهره يقتضي أن التابعي ليس كذلك.
وحينئذ فيتلخص في المسألة ثلاثة أقوال: وأن الرفع بالنسبة إلى الصحابي منصوص عليه في القديم والجديد معًا فيكون أرجح من عكسه.

قوله في "الروضة": فإذا امتنع من دفع النفقة مع قدرته فوجهان: أحدهما: لها الفسخ لتضررها، وأصحهما: لا فسخ لتمكنها من تحصيل

حقها بالسلطان وكذا لو قدرت على شيء من ماله أو غاب وهو موسر في غيبته ولا يوفيها حقها ففيه الوجهان: أصحهما: لا فسخ، واختار القاضي الطبري الجواز وإليه مال ابن الصباغ، وذكر الروياني وابن أخته صاحب "العدة" أن المصلحة الفتوى به.
انتهى كلامه.
وفيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في القدرة على شئ من ماله من كونه على الخلاف قد شاهدته بخط المصنف كما هو مذكور في النسخ أيضًا وهو غلط مخالف لكلام الرافعي؛ فإن فيه التصريح بنفي الخلاف فإنه ذكر ما ذكره المصنف من أنه لا فسخ؛ للامتناع مع القدرة على الأصح.
ثم قال عقبه ما نصه: وإن كان له مال ظاهر أنفق السلطان منه، وليس ذلك موضع الخلاف.
وكذا لو قدرت على شيء من ماله.
ولو غاب وهو موسر في غيبته ولا يوفيها حقها جرى الوجهان؛ فعلى الأظهر: لا فسخ، وكان المؤثر تعنته بخراب ذمته.
هذا لفظ الرافعي، وهو كما ذكرته لك صريح في عدم الخلاف.
وكيف يمكن خلاف ذلك مع وصولها إلى حقها؟ وقوله: تعنته، هو مصدر بمعنى التعنت على وزن التعجب؛ يعني أن المؤثر ما حصل فيه من العنت لسبب خراب الذمة.
الأمر الثاني: أن لفظة أخته هنا هي بالتاء بنقطتين من فوق بعد الخاء لا بنقطتين من تحت فإنه ابن أخت لا ابن أخ، وقد صرح به الرافعي في القضاء في الكلام على أن التحكيم هل يشترط فيه فقدان القاضي فقال: حكى صاحب "العدة" القاضي أبو المكارم الطبري ابن أخت القاضي الروياني وجهين في اشتراطه.
هذا كلامه.

قوله: ولو تبرع رجل بأداء النفقة عن المعسر لم يلزمها القبول ولها

الفسخ كما لو كان له دين على إنسان فيتبرع غيره بقضائه لما في التبرع من المنانة، وقيل: لا فسخ لها.
انتهى.
وما ذكره من عدم القبول في المسألتين قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" ويستثنى من المسألة الأولى ما إذا كان المتبرع أبا أو جدًا للزوج، والزوج تحت حجره فإنه يجب القبول؛ لأن المدفوع يدخل في ملك المؤدى عنه في هذه الحالة ويكون الولي كأنه وهب له وقبل له كما ذكروه في مواضع.
وأما أداء الدين عن الغير فيستثنى منه ما إذا كان المديون ميتًا والمؤدى وراثًا فإنه يجب القبول وإن كان الميت معسرًا لأنه خليفة الميت وقائم مقامه بخلاف الأجنبي.
كذا نقله الرافعي في آواخر باب القسامة عن الإمام.
ثم قال -أعني: الإمام-: غالب ظني أنني رأيت فيه -أي: في الوارث- خلافًا.

قوله: ولو كان يجد بالغداة ما يغديها وبالعشي ما يعشيها فوجهان: أحدهما: أن لها الخيار؛ لأن نفقة اليوم لا تتبعض.
وأصحهما -على ما قال في "التهذيب"-: لا خيار لها لوصول وظيفة اليوم إليها.
انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير"، وصحح في أصل "الروضة" ما قاله في "التهذيب".

قوله: وهل يثبت الخيار بالإعسار بالأدم؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لعسر الصبر على الخبز البحت 1 دائمًا، وبه قال الداركي ورجحه الروياني.
والثاني: لا لأنه تابع والنفس تقوم بدونه.

وهذا أصح عند الإمامين أبي حامد والقفال وغيرهما، وتابعهم الإمام والغزالي والفراء.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الأكثرين على عدم الفسخ؛ ولهذا صرح به النووي في أصل "الروضة"، وقد صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" فقال: والأصح المنع، وصحح عكسه في "المحرر" فقال: والإعسار بالكسوة كهو بالنفقة، وكذا الإعسار بالأدم والمسكن في أصح الوجهين.
هذا لفظه.
وهو غريب حيث عبر بلفظ الأصح في الموضعين، وسلم النووي من هذا الاختلاف فإنه استدرك على "المحرر" وصحح المنع.
واعلم أن المراد بالفراء هو البغوي.

قوله في "الروضة" يثبت الخيار بالإعسار بالكسوة على المذهب.
انتهى.
وهذا الكلام لا يعلم منه أن الخلاف وجهان أو قولان ولا أن الصحيح طريقة الخلاف أو طريقة القطع فإنه لا اصطلاح له في ذلك، وقد بين الرافعي ذلك فحكى الخلاف وجهين وضعف الطريقة القاطعة.

قوله: الرابعة في الإعسار بالمهر طرق: أحدها: وبه قال أبو على بن أبي هريرة وأبو على الطبري وأبو حفص بن الوكيل والقاضي أبو حامد -أنه إن كان بعد الدخول فلا فسخ وإن كان قبله فقولان.
والثاني: وهو أظهر عند الشيخ أبي حامد والإمام وغيرهما -أنه إن كان قبله ثبت الفسخ وإلا فقولان.
وقد أشير إلى بناء القولين في الفسخ بعد الدخول على تردد في أن المقابل بالمهر الوطء الأول فيكون المعوض تالفًا ويمتنع الفسخ، أو في مقابلة الوطئات فيكون بعض المعوض باقيا فيشبه بقاء بعض المبيع في يد

المفلس.
والثالث: طرد القولين في الحالين.
والرابع: القطع بثبوته قبل الدخول وبالنفي بعده وبه قال أبو إسحاق.
والخامس: القطع بأنه لا يثبت في الحالين وهو الأصح عن الإمام وصاحب "الكتاب".
وحاصل الطرق ثلاثة أقوال ذكرها في "التهذيب": أحدها: ثبوت الخيار في الحالين.
والثاني: منعه فيهما.
والثالث: [يثبت قبله لا بعده.
والأصح منها الأول عند صاحب "التهذيب" وغيره.
والثالث: ] 1 أصح عند أكثرهم.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يصحح شيئًا من الطرق هاهنا، وقد صحح في "الشرح الصغير" الثاني فقال: وأظهرها أنه يثبت الخيار قبل الدخول بلا خلاف، وفيما بعده قولان، والئبوت مبني على أن المهر في مقابلة جميع الوطئات.
هذا لفظه.
ثم ذكر بعده أيضًا في آخر المسألة أنه الأصح عند الأكثرين.
الأمر الثاني: أن ما توقف فيه من بناء القولين على أن المهر هل يقابل جميع الوطئات أم لا؟ قد ارتضاه في "الشرح الصغير"، وقد تقدم ذكر عبارته.

الثالث: إن هذا البناء يقتضي تصحيح مقابلة المهر لوطئة واحدة؛ لأن الصحيح امتناع الفسخ.
لكن الصحيح أنه مقابل للجميع فقد جزم به الرافعي في كتاب الصيام في الكلام على ما إذا طلع عليه الفجر وهو مجامع فيلزم إما إفساد التخريج أو ضعف ما جزم به.
الرابع: حيث جوزنا الفسخ فشرطه ألا تكون المرأة قبضت شيئًا من المهر، فإن قبضت شيئًا منه كما هو معتاد فيمتنع عليها الفسخ بخلاف البائع إذا قبض بعض الثمن فإنه يجوز له الفسخ بإفلاس المشتري عن باقيه، والفرق بينهما أن الزوج بإقباض بعض المهر قد استقر له من البضع بقسطه؛ فلو جاز للمرأة الفسخ لعاد إليها البضع بكماله لأنه لا يمكن فيه التشريك فيؤدي إلى الفسخ فيما استقر للزوج، بخلاف المبيع فإنه وإن استقر بعضه بقبض بعض الثمن لكن الشركة فيه ممكنة فجوزنا الفسخ ولكن في الباقي خاصة.
كذا ذكره ابن الصلاح في "فتاويه" وادعي أنه حكي، وأن بعض قضاة الشام توقف فيه وأرسل يستدعي ما عنده فيه فبعث له به.
وتعرض ابن الرفعة في باب الفلس من المطلب للمسألة وتوقف فيها.
الخامس: أن النووي قد اختصر كلام الرافعي هنا اختصارًا فاسدًا غير مطابق فقال: الإعسار بالمهر فيه طرق منتشرة: المذهب منها عند الجمهور يثبت الفسخ إن كان قبل الدخول [ولا يثبت بعده وقيل: يثبت فيها قطعًا، ورجحه البغوي] 1 وغيره، وقيل بالمنع قطعا، وقيل قولان، وقيل: يثبت قبله وبعده قولان، وقيل: لا يثبت بعده وقبله قولان.

هذا لفظه.
فصحح طريقة القطع بثبوته قبل الدخول وبمنعه بعده، وزاد فعزاه إلى الجمهور مع أن هذا كله إنما حكاه الرافعي في القول الثالث من الأقوال الثلاثة المستفادة من الطرق لا في شيء من هذه الطرق، بل لم ينقل الرافعي هذه الطريقة إلا عن أبي إسحاق، وأيضا فإنه نقل عن البغوي أنه رجح طريقة القطع بالثبوت فيهما، وإنما نقل الرافعي عنه ترجيح قول الثبوت فيهما لا ترجيح طريقة القطع بالثبوت فيهما فإن البغوي قد قال ما نصه: وإذا أعسر الزوج بالصداق هل يثبت لها الفسخ؟ فيه أقوال: أصحها: يثبت سواء كان قبل الدخول أو بعده.
هذا لفظه.
ولم يذكر مع ذلك طريقة أخرى بالكلية.

قوله: فإن علمت قبل العقد بعجزه ففي تمكينها من الفسخ وجهان: أشبههما المنع.
انتهى.
والمذهب خلاف ما رجحه الرافعي هنا فقد حكي العمراني في "الزوائد" في المسألة قولين: الجديد: ثبوت الفسخ، والقديم: عدم ثبوته.
كذا ذكره في باب ما يحرم من النكاح، وهذا الترجيح الضعيف الذي ذكره الرافعي من عنده لما لم يقف في المسألة على غيره وقد اغتر به في "الروضة" فتابعه عليه وزاد فعبر بالأصح.

قوله: ثم نفقة الزمان الماضي لا تسقط بل تصير دينًا، بخلاف مؤنة السكنى، وخرج من النفقة في مؤنة السكنى وجه أنها تثبت أيضًا.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو يوهم أن النفقة تستقر بلا خلاف؛ فإن التخريج لا يأتي فيها، وليس كذلك بل هو ثابت فيها أيضًا وقد صرح هو به قبيل باب الاستبراء.

قوله: والصحيح المشهور أن المرأة لا تستقل بالفسخ بل لابد من الرفع إلي القاضي كما في العنة.
وقيل: إن المرأة تتولى الفسخ بنفسها كالرد بالعيب.
فعلى الأول إذا

ثبت عنده الإعسار تولى الفسخ بنفسه أو أذن لها فيه، وقيل إنها تستقل بالفسخ بعد ثبوت الإعسار عنده.
انتهى كلامه.
وفيه كلام يتعين الوقوف عليه سبق ذكره في النكاح في الكلام على العنة، فراجعه.

قوله: وإذا قلنا لابد من الرفع إلى القاضي فلم ترفع وفسخت بنفسها لعلمها بعجزه لم ينفذ في الظاهر.
وهل ينفذ باطنًا حتى إذا ثبت إعساره متقدمًا على الفسخ إما باعتراف الزوج أو بالبينة يكتفي به وتحسب العدة منه؟ فيه تردد وجه قال في "البسيط": ولعل هذا فيما إذا قدرت على الرفع إلي القاضي.
فإن لم يكن في الصقيع حاكم ولا محكم فالوجه إثبات الاستقلال بالفسخ.
انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة" والكلام جميعه ذكره في "النهاية" والغزالي في "البسيط"، وفيه أمور: أحدها: أن الراجح من التردد المذكور أنه لا ينفذ باطنًا فقد قال في "النهاية": إنه الذي يقتضيه كلام الأئمة.
الثاني: أن ما نقله عن الغزالي في "البسيط" احتمالًا قد جزم به في "الوسيط"، وادعى عدم الخلاف فيه، وزاد على ذلك صورة أخري فقال: ولا خلاف في أنه ينفذ ظاهرًا إذا لم يكن في الناحية حاكم أو عجزت عن الرفع.
الثالث: أنا إذا قلنا بالنفوذ باطنًا إذا استقلت بالفسخ لعلمها بعجزه فلا شك في ترتب جميع أحكام الفسخ عليه في نفس الأمر حتى يحل للمرأة فيما بينها وبين الله تعالى أن تتزوج ولا تستحق نفقة ولا إرثًا في حالة البينونة وغير ذلك.

وأما قول الرافعي: حتى إذا ثبت إعساره.. إلى آخره.
فمراده بذلك أن أثر الفسخ النافذ في الباطن لا يظهر إلا في هذه الحالة.

قوله: فإنما يتولى القاضي الفسخ أو يأذن لها فيه بعد إمهاله ثلاثة أيام من إعساره في أصح القولين.
والقولان كالقولين في أن المولى والمرتد هل يمهلان هذه المدة.
انتهى.
وكلام الرافعي يوهم أن المولى والمرتد يمهلان ثلاثة أيام، والصحيح فيهما خلافه، فاعلمه.

قوله: التفريع إن قلنا: لا يمهل ثلاثا فمتى يفسخ؟ وجهان: أحدهما: أن لها المبادرة إليه في أول النهار لعجزه وقت الوجوب.
وأقربهما: المنع ليرتفع البأس فيتردد ويكتسب.
وعلى هذا فقد ذكرت احتمالات: أحدها: يؤخر الفسخ إلى نصف النهار لأن الأكل لا يؤخر عنه غالبًا.
والثاني: إلى آخره وهو وقت إفطار الصائمين.
والثالث: إلى انقضاء اليوم والليلة بعده لأن النفقة لهما وبمضيهما تستقر والعجز عن الحق يتحقق بعد استقراره، وهذا أوجه عند الغزالي، وذكر في "الوسيط" أن حاصله الإمهال يوم وليلة، وفي هذا الوجه توقف لأن الاستمرار غير متوقف على قبضهما؛ ألا ترى أنه لو سلم النفقة فماتت في أثناء النهار لا تسترد.
واعلم أنه قد نقل عن الإملاء أن المعسر يمهل عن النفقة يومًا، وأثبته السرخسي قولًا ثالثًا.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمور: أحدها: أن هذه الاحتمالات قد ذكرها الإمام ورجح أيضًا الذي رجحه

الغزالي فقال: فإن لم ير الإمهال فلا يتجه الإعسار انقضاء اليوم والليلة.
هذه عبارته، ومنه أخذ الغزالي، ولا شك أن الرافعي لم يطلع على ذلك.
ومنها: أن التوقف الذي ذكره ضعيف؛ فإن الكلام في مطالبة المرأة وما دامت حية مطالبة لا تستقر النفقة إلا بمضي اليوم والليلة فإنها لو نشزت سقطت.
ومنها: أن حقيقة القول المنقول عن "الإملاء" هو حقيقة الاحتمال الثاني من الاحتمالات المفسرة للقول الأول وهو القائل بالمبادرة، وقول المبادرة ثابت بلا محالة والأخذ بظاهره متروك على الراجح، والاحتمالات المذكورة في تفسيره متجهة وثالثها مرجوح على ما اقتضاه كلام الرافعي؛ فيكون المراد من ذلك القول إما الاحتمال الأول أو الثاني، وقد نقل الثاني عن النص فلا يستنكر أن يكون تفسيرًا له وحينئذ فيكون قولًا ثالثًا على أن المحاملي في كتاب "التهذيب" قد حكى وجهين تفريعًا على هذا القول في أنها تفسخ في أول النهار أو آخره.

قوله: وإذا فرعنا على الأصح -وهو الإمهال ثلاثًا- فإذا مضت الثلاثة فلها الفسخ صبيحة اليوم الرابع إن لم يسلم نفقته ثم قال ما نصه: وإن سلمها لم يجز الفسخ للماضي وليس لها أن تقول: آخذه عن نفقة بعض الأيام الثلاثة وأفسخ لعجزه اليوم؛ لأن الاعتبار في الأداء بقصد المؤدي.
انتهى كلامه بحروفه.
وما ذكره في تصوير المسألة وتعليلها قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غلط عجيب؛ وذلك لأنها إذا قالت آخذه عن بعض الأيام الثلاثة لم يكن لها الفسخ في اليوم المذكور -وهو الرابع- وإن قبلنا قولها لأن المدة حينئذ لم تكمل بل يبقى منها على هذا التقدير يوم آخر وهو اليوم الذي

قبضت فيه فإذا جاء الغد منه يكون هو الرابع حقيقة فتطالب بنفقته، فإن عجز فسخت بتعذر النفقة عنه -أي: عن الغد الذي جعلناه رابعًا-، وهذا واضح، والصواب في تصوير المسألة أن تحاول المرأة قبضه عن بعض الأيام الماضية، وقد صورها في "النهاية" بذلك فقال: وليس للمرأة أن تقول أقبض ما جئت به عن نفقة ما مضى وأطالب بنفقة اليوم فإن الرجوع فيما يؤديه من عليه الحق إلى قصده لا إلى قصد القابض.
هذا لفظه.
وهو صحيح.
وذكر في "الوسيط" مثله فتصرف الرافعي فيه فوقع في الغلط.

قوله: الثانية: يجوز لها في مدة الإمهال أن تخرج لتحصيل النفقة فإن التمكين والطاعة في مقابلة النفقة.
قال في "البحر": وعليها أن ترجع بالليل إلى منزله، ولو أراد الاستمتاع بها لم يمنع وقضية التوجيه المذكور أن لها المنع، وكذلك ذكر صاحب "التهذيب"، ولا كلام في أنها إذا منعت نفسها منه لم تستحق النفقة لمدة الامتناع.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن الروياني من كونه لا يمنع من الاستمتاع بها محله في الليل كما أشعر به سياق كلام الرافعي، وقد رأيته مصرحًا به كذلك في "البحر".
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الروياني فيه وفي ملازمة المنزل ليلًا قد صرح به أيضًا الماوردي في "الحاوي".
وأما ما نقله عن صاحب "التهذيب" فمردود؛ فإنه أطلق أن الملازمة والتمكين لا يجبان ولم ينص على الليل بخصوصه؛ وحينئذ فلا منافاة بين الكلامين؛ وحينئذ يترجح كلام الماوردي والروياني.

الأمر الثالث: أن الماوردي والروياني قد صرحا بأنه لا فرق في هذين الحكمين وفي غيرهما مما ذكر في هذه المسألة بين مدة الإمهال وما بعدها إذا رضيت بالمقام معه على إعساره.
وقد فرق الرافعي المسألة وأوهم كلامه تغايرهما في الحكم؛ فإنه قال بعد هذا بأسطر: وإذا اختارت المقام مع المعسر لم يلزمها التمكين من الاستمتاع وكان لها الخروج من المنزل.
ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
وإذا لم تمنع نفسها منه ثبت في ذمته ما يجب على المعسر، وخروجها بالنهار للاكتساب لا يوجب نقصًا من حقها.
هذا كلامه.
والأمر كما نقله عن صاحب "التهذيب" إلا أنه مطلق فيحمل على تقييد الماوردي والروياني كما أشرنا إليه؛ ويدل عليه تقييده بقوله: وخروجها بالنهار.
فتامل ذلك فإنه مناف أيضًا لما أطلقه الآن عن صاحب "التهذيب".
الأمر الرابع: أنه قد علم بآخر كلامه أن دعواه أنه لا كلام.. إلى آخره محمول على ما إذا كان المنع بالليل خاصة فاعلمه.
ولا شك أن السبب في وقوع مثل هذه المواضع المتفرقة إلحاق ما يظفر به المصنف بعد تقدم بعضه وذهوله عنه.

قوله: فإذا عجز عن نفقة أمّ ولده فعن الشيخ أبي زيد أنه يجبر على عتقها أو تزويجها إن وجد راغب فيها.
وقال غيره: لا يجبر عليه بل يخليها لتتكسب وتنفق على نفسها.
انتهى.
والأصح الثاني.
كذا صححه في "الروضة" من زوائده.

جارٍ التحميل