المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 102-137

قال -رحمه الله-:

السبب الثاني للنفقة: القرابة

وفيه ثلاثة أبواب

الباب الأول: في أصل النفقة

قوله في أصل "الروضة": وهل يكلف الكسب لنفقة القريب؟ فيه أوجه: الصحيح أنه يكلف، وثانيها: لا.
ثم قال ما نصه: والثالث: يكلف الولد دون الوالد.
انتهى كلامه.
وقد اختلفت النسخ في التعبير عن الولد؛ ففي بعضها مجرور بلام؛ أي: يكلف الوالد ليكتسب لأجل ولده بخلاف العكس.
وفي بعضها وهو المتبادر إلى الفهم محذوف اللام مرفوع أي: يكلف الولد أن يكتسب لنفقة والده دون عكسه.
والأول هو الصواب الذي شاهدته بخط المصنف، وصرح به الرافعي نقلًا عن "التتمة" وفرق بأن نفقة الوالد سبيلها سبيل المواساة ولا يكلف أن يكتسب ليصير من أهل المواساة، وأما الولد فبسبب حصوله للاستمتاع فألحقت نفقته بالنفقة الواجبة للاستمتاع وهي نفقة الزوجة.

قوله: فإن كان القريب يقدر على كسب لائق فإن كان فرعًا فقيل لا تجب نفقته قطعًا، وقيل: قولان أصحهما عند الأصحاب عدم الوجوب.
قال في "العدة": لكن الفتوى اليوم على الوجوب وإن كان أصلًا ففيه القولان، ومال جماعة هنا إلى ترجيح الوجوب.
انتهى ملخصًا.
فأما ما دَلّ عليه كلامه في الأصل من ترجيح الوجوب فَمُسَلّم، وحكى الرافعي في زكاة الفطر طريقة قاطعة به.
وأما الذى قاله في الفرع من عدم الوجوب فقد صرح به أيضًا في "الشرح الصغير" ولم يذكر ترجيحًا غيره، ولكنه رجح الوجوب في "المحرر" فإنه جمع بينه وبين الأصل فقال ما نصه: وإلا فثلاثة أقوال أحسنها: الوجوب، والثالث: تجب نفقة الأصل

على الفرع دون العكس.
واستدرك النووي عليه في "المنهاج" وصحح التفصيل.

قوله: ولا تتقدر نفقة القريب لأنها تجب على سبيل المواساة لتزجية الوقت بل يعتبر حاله في سنه وزهادته ورغبته ويعطيه ما يستقل به ويتمكن معه من التردد والتصرف.
وعن ابن خيران: أنها تتقدر بقدر نفقة الزوجة ويجب له أيضًا الأدم والكسوة والسكنى، والإخدام.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن الغزالي قد صرح في "الوجيز" بأنه لا يجب إشباع القريب، ولم يصرح به الرافعي هنا، وفي أخذه من كلامه وقفة.
وحكى الرافعي في نفقة المملوك ثلاثة أوجه: أحدها هذا وكلامه يقتضي ترجيحه.
الثاني: يجب ما يكفي مثله غالبًا ولا تعتبر كفايته في نفسه.
والثالث: إن أثر فقد الزيادة في قوته وبدنه لزمت وإلا فلا.
ثم قال: وينبغي أن تجيء هذه الوجوه في نفقة القريب.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد حكى في باب نفقة الزوجات عن ابن خيران أن نفقة الزوجة ليست مقدرة بل المعتبر عرف الناس في البلد فينبغي استحضاره، وتأويل أحد النقلين عنه موهم.
الأمر الثالث: أنه يجب للقريب أجرة الطبيب وثمن الأدوية.
كذا صرح به الرافعي في كتاب قسم الصدقات.
وأما التزجية بزاي معجمة ثم جيم فمعناه التكفية قال الشاعر: تزج من ديناك بالبلاغ

أي: اكتف.
والزهادة: قلة الأكل عكس الرغبة.

قوله: ولو سلم نفقة القريب إليه فتلفت في يده فعليه الإبدال، وكذا لو أتلفها بنفسه لكن يؤخذ منه الضمان إذا أيسر.
انتهى.
ووجوب الضمان مختص بالمسألة الثانية فاعلمه فإنه وإن كان مشكلًا لكونه قبض العين لمحض غرض نفسه إلا أنه المنقول فقد صرح به هكذا البغوي في "التهذيب" والنووي في أصل "الروضة" وابن الرفعة في "الكفاية".

قوله: وتسقط نفقة القريب بمضي الزمان ولا تصير دينًا في الذمة وإن تعدى بالامتناع من الإنفاق.
ثم قال ما نصه: ويستثني ما إذا فرضها القاضي أو أذن في الاستقراض لغيبة أو امتناع فيصير ذلك دينًا في الذمة.
انتهى كلامه بحروفه.
وما ذكره من أن نفقة القريب لا تسقط بمرور الزمان إذا فرضها القاضي ذكره الغزالي في "الوسيط" و"الوجيز" فتابعه الإمام الرافعي عليه، ثم إن الشيخ محيي الدين تبع الرافعي على ذلك، وهو لبعضه بعض الفضلاء.
أما بطلانه من جهة النقل فإني مردود فعلًا وبحثًا سبق إلى التفطن قد تتبعت كتب الأصحاب وكشفت ما عددته لك في مقدمة الكتاب من التصانيف على كثرتها مشهورها ومهجورها فلم أر أحدًا استثنى ذلك، بل الذى رأيته التصريح بأنها لا تستقر في هذه الحالة -أي: حالة الفرض- وممن صرح بذلك الإمام أبو العباس أحمد بن القاص والإمام أبو علي الطبري صاحب "الإفصاح"، وناهيك بهما.
كذا نقله عنهما في "شرح المهذب" المسمى "بالاستقصاء" ورأيته أيضًا للمحاملي في كتابه المسمى "عدة المسافر وكفاية الحاضر" في الاستدلال على أبي حنيفة على أن نفقة الزوجات تسقط بمضي الزمان فقال: فإن قيل: كل نفقة تجب يومًا بيوم تسقط بمضي الأيام قياسًا على نفقة الأقارب.

قيل: نفقة الأقارب لو فرضها الحاكم لم تستقر في الذمة وهذه النفقة لو فرضها الحاكم استقرت في الذمة فافترقا.
هذا لفظه، ورأيته أيضًا في كتاب "الحيل" لأبي حاتم القزويني 1 شيخ صاحب "التنبيه" فقال: نفقة الأقارب لا تثبت في الذمة وإن حكم الحاكم بها.
هذه عبارته بحروفه.
ذكر ذلك في أثناء الكلام على الحيل المباحة قريبًا من نصف الكتاب، وكذلك في كتاب "تذكرة المسئولين" للشيخ أبي إسحاق الشيرازي وهو كتاب كبير معقود للخلاف بيننا وبين الحنفية فقال في المسألة السابق ذكرها ما نصه: ولأنه لو حكم الحاكم في نفقة الأقارب لم تستقر في الذمة هذا لفظه.
وكذلك الغزالي في كتابه المسمى "تحصين المأخذ" في علم الخلاف في المسألة المذكورة، ونصر المقدسي في "التهذيب"، ومحمد بن يحيى في "التمهيد"، ونقل أيضًا عن البندنيجي في "المعتمد"، وجزم به الجيلي في "شرح التنبيه"، ولم يحك استقرارها بفرض القاضي إلا عن الغزالي، ولم يحكه ابن الرفعة مع اطلاعه إلا عن الرافعي، وكان من جملة ما راجعته شرح الوجيز لأبي المعالي محمد بن يونس الموصلي فرأيته لما وصل إلي قوله: إلا بفرض القاضي لم يشرحه وترك بياضًا وشرح ما بعده، وكأنه توقف فيه ليحترر هل هو بالقاف أو بالفاء فلم يتفق.
وبالجملة فقد صرح الرافعي في باب زكاة الفطر بما حاصله الجزم بعدم الاستقرار فقال: الثانية: إذا وجبت نفقة الابن على أبيه فملك الابن قوت ليلة العيد ويومه فإن كان كبيرًا لم تجب فطرته على الأب لسقوط نفقته.
ثم قال ما نصه: وإن كان صغيرًا فوجهان: قال الصيدلاني: لا تسقط

والفرق أن نفقة الكبير لا تثبت في الذمة بحال وإنما هي للكفاية ونفقة الصغير قد تثبت؛ ألا ترى أن الأم لها أن تستقرض على الأب الغائب لنفقة الصغير فكانت نفقته آكد.
وقال الشيخ أبو محمد: تسقط كما تسقط النفقة، وتردد فيما ذكره من جواز الاستقراض على الأب الغائب لنفقة الصغير وقال الأظهر منعه إلا بإذن السلطان، ومثله يفرض في حق الكبير أيضًا، وما ذكره الشيخ أظهر عند الإمام وغيره.
هذا كلامه.
هذا ما تحرر في دفعة من جهة المنقول، وأما من جهة المعني فلأنهم عللوا عدم الاستقرار بأنها تجب علي سبيل المواساة لإحياء النفس، فإذا كان كذلك فالزمن الماضي قد حيت نفسه فيه فلا معني لإيجاب النفقة وأيضًا فإن نفقة القريب إمتاع لا تمليك كما جزم به الرافعي ونقله عن الأئمة.
وقد قال الإمام: وما لا تمليك فيه وانتهى إلى الكفاية استحال مصيره دينًا في الذمة، وأيضًا فكيف يتصور تأثير القاضي في الفرض لأنه إن عنى به الإيجاب كان تحصيلا للحاصل ويلزم عليه بقاء الأمر على ما كان عليه من السقوط، وإن عنى به التقدير لزم ألا يؤثر إلا في قدر ما كان يجوز أن يزيد أو ينقص حتى إنه يمتنع طلب الزيادة على من يأخذ والنقص على من يعطي، وأما صفة الوجوب من السقوط فباقية على ما كانت عليه لأن الحكم إنما يوجه على هذا التقدير إلى التقدير مع أنا نمنع جواز التقدير للقاضي لأن الواجب هو الكفاية بالمعروف كما هو منصوص عليه في حديث هند، والتقدير مناف لها، وإذا كان الواجب هو الكفاية [فكيف] يجوز له أن يحكم بالتقدير الذى هو خلاف معتقده؟ واعلم أن لفظ الرافعي قريب من التصحيف فإنه عبر بقوله ويستثنى ما إذا فرض القاضي أو أذن في الاستقراض كما تقدم النقل عنه وكأن مراده إذا

اقترض بالقاف -ويدل على التصحيف فيه أمران: أحدهما: وجدانها في بعض النسخ كذلك -أعنى بالقاف-.
والثاني: أن البغوي والمتولي صرحا باستثنائها وأنه لا يستثنى غيرها، وقد علمت كثرة نقل الرافعي عنهما فيبعد عادة تركه لذلك، واستثناها أيضًا في "البحر" مع أن الاستثناء لا حاجة إليه لأن القرض يدخل في ملك المقترض عليه أولًا ثم يأخذه من يجب له.

قوله في الروضة: إذا كان الابن في نفقة أبيه وله زوجة فوجهان حكاهما أبو حامد وغيره.
أحدهما: يلزم الأب نفقتها ونفقة زوجة كل قريب وجبت نفقته لأنه من تمام الكفاية، وبهذا قطع صاحب "المهذب".
وأصحهما: لا يلزمه.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من حكاية الوجهين هو الصواب، وقد ادعى في باب زكاة الفطر من "شرح المهذب" عدم الخلاف فقال: وأما زوجة الابن المعسر فلا تجب نفقتها ولا فطرتها بلا خلاف.
هذا لفظه.

قوله: وإذا امتنع الأب من الإنفاق على الولد الصغير أو كان غائبًا فهل تستقل الأم بالأخذ من ماله؟ فيه وجهان: أظهرهما عند صاحب الكتاب وغيره: نعم كقضية هند.
والثاني: لا؛ لأنها لا تلي التصرف في ماله فلا تلى التصرف في مال ابنه، ومن قال به حمل ما ذكره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهند على أنه كان قضاء أو إذنًا لها لا إفتاء وحكمًا عامًا.
انتهى كلامه.
وقد استفدنا منه أن المرجح أنه إفتاء وحكم عام؛ لأن المرجح جواز الأخذ، وقد تعرض الرافعي لذلك في مواضع؛ واختلف فيه كلامه فراجعه في أول النفقات.

قوله: وفي استقلالها بالاستقراض عليه إذا لم تجد له مالًا وجهان بالترتيب؛ أي: على الأخذ عند الوجدان، والاقتراض أولى بالمنع لخروجه عن صورة الحديث ومخالفة القياس.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ولا يؤخذ منه تصحيح لأن معنى الترتيب الذى ذكره أنه إن امتنع هناك امتنع أيضًا هنا، وإن جاز هناك فهاهنا وجهان، والراجح في هذه المسألة هو المنع؛ فقد سبق من كلام الرافعي في باب زكاة الفطر ما يدل عليه.

قوله: يجب على الأم أن ترضع ولدها [اللبن] لأن الولد لا يعيش إلا به غالبًا.
ثم إن لها أن تأخذ الأجرة عليه إن كان لمثله أجرة، وفيه وجه منقول عن الحاوي أنه لا أجرة لها لأنه حق تعين عليها والأب عاجز عنه كما إذا أيسرت بالنفقة والأب معسر.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل هذا الوجه عن "الحاوي"، وليس كذلك، إنما ذكره احتمالًا فقط فقال: ولو قيل لا أجرة لها لأنه حق واجب قد تعين عليها وعجز الأب عنه فجرى مجرى نفقته لكان له وجه.
هذا كلامه.

قوله: وهل للزوج منع زوجته من إرضاع ولدها منه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا وهو اختيار القاضي أبي الطيب لأنها أشفق على الولد من الأجنبية ولبنها له أصلح وأرفق.
وأقواهما -وهو اختيار الشيخ أبي حامد-: أن له المنع؛ لأنه يستحق الاستمتاع بها في الأوقات المصروفة إلى الإرضاع، وهذا ما أورده الغزالي في "الوجيز" والشيخ في "المهذب" قال: لكنه يكره له ذلك.
انتهى.
وقد ذكر الرافعي -رحمه الله- بعد هذا قبيل الجنايات بنحو ورقة في الكلام على ولده من أمته ما يشكل على هذا فقال: وهل للسيد تسليمه إلى

مرضعة غيرها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها ملكه وقد يريد استخدامها والاستمتاع بها.
وأظهرهما -وهو المذكور في "الوجيز"- لا؛ لما فيه من التفريق بين الوالدة وولدها.
انتهى.
والمتجه التسوية بين المسألتين، وتعليل الرافعي المنع في الموضع الثاني بالتفريق عجيب؛ فقد جزم الرافعي في كتاب السير بأن أحدهما لو كان حرًا جاز بيع الآخر، فإذا جاز التفريق بالبيع فبالرضاع أولى، وقد استدرك في "الروضة" هنا على الرافعي غير مستحضر للمذكور هناك فقال: قلت الأول أصح وصححه البغوي والروياني في "الحلية" وقطع به الدارمي والقاضي أبو الطيب في "المجرد" والمحاملي والفوراني وصاحب "التنبيه" والجرجاني، والله أعلم.
واعلم أن صاحب "التنبيه" قد عبر فيه بقوله: لم يمنعها الزوج، وهذه العبارة تحتمل التحريم والكراهة؛ فلا يستدل بها على التحريم بل حملها على الكراهة أولى لتصريحه به في "المهذب" كما تقدم نقله عنه.

قوله: وهل للزوج أن يستأجر زوجته لإرضاع ولده؟ فيه وجهان: قال العراقيون: لا يجوز، وربما طردوه في الخدمة لأنه يستحق الاستمتاع بها في تلك المدة فلا يجوز أن يعقد عليها عقدًا آخر يمنع استيفاء المستحق، والأصح: الجواز، ويكون الاستئجار رضا بترك الاستمتاع واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، ولو لم يجز استئجارها لم تكن لها أجرة.
انتهى كلامه.
وفيه أمران: أحدهما: أن الاستدلال بالآية سهو فإن أول الآيات وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4].. إلى آخرها إنما هو

مذكور في المطلقات، وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في كتاب الإجارة أيضًا، واقتضى كلامه أن العراقيين سلموا أن الاستئجار لغير الرضاع يصح، ونقل عنهم أنهم احتجوا للمنع بأنها أخذت منه عوضًا للاستمتاع وعوضًا للحبس فلا تستحق شيئًا آخر.
الأمر الثاني: أن الرافعي في الإجارة قيد الخلاف بما إذا كان ولده منها، وقد تقدم ذكر لفظه هناك لأمر آخر فراجعه.

قوله: فإذا فرعنا على أن الزوج ليس له منع زوجته من إرضاع الولد أو قلنا إن له ذلك فاتفقا على الإرضاع فطلبت الأجرة وقلنا بالأصح أنه يجوز له استئجار زوجته لإرضاع ولده كانت كالثانية إذا طلبت الأجرة.
انتهى ملخصًا.
وحكم الثانية أنه يجب لها أجرة المثل، فإن وجد الأب متبرعة أو من ترضى بدون المثل ففي الانتزاع وجهان: الأصح أن له ذلك.
إذا علمت ذلك فما ذكره الرافعي من التحاقها في ذلك بالثانية صحيح في الحالة الأولى وهو ما إذا قلنا: ليس له المنع، وأما ذكره ذلك في الحالة الثانية أيضًا وهو ما إذا قلنا: بالصحيح أن له المنع فتوافقا، فقد تابعه عليه في "الروضة" وهو عجيب لا يعقل، بل إذا قال الزوج: لا أرضى بتسليمه لك إلا إذا كنت متبرعة أو راضية بدون أجرة المثل، فإنه يجاب بلا خلاف؛ لأن التفريع على أنه لا يجب عليه تمكينها من ذلك.

قوله أيضًا في المسألة: وإذا أرضعت بالأجرة فإن كان الإرضاع لا يمنع من الاستمتاع ولا ينقصه فلها مع الأجرة النفقة، وإن كان يمنع أو ينقص فلا نفقة لها.
كذا ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ويشبه أن يجيء فيه الخلاف [فيما إذا سافرت لغرض نفسها بإذنه.
انتهى.
وهذا البحث الذي ذكره قد تابعه عليه في "الروضة" وهو صحيح فيما إذا قلنا: له المنع فتوافقا بالأجرة، وقد نقل في كتاب العدد ما يؤخذ منه

الخلاف] 1 بطريق الأولى فقال في باب عدة الوفاة في الكلام على المفقود: وحيث قلنا الولد للثاني وحكمنا ببقاء نكاح المفقود فله منعها من إرضاع الولد إلا [اللبن] الذي لا يعيش إلا به، وإذا لم يكن بد من الإرضاع ولم يوجد غيرها، ثم إن لم تخرج من بيت الزوج وأرضعته فيه ولم يقع خلل من التمكين فعلى الزوج نفقتها.
قال في "الشامل": سواء وجب عليها الإرضاع أو لم يجب.
وإن خرجت للإرضاع بغير إذنه سقطت نفقتها، فإن خرجت بإذنه فوجهان كما لو سافرت في حاجتها بإذنه.
هذا كلامه.
فإذا جرى الخلاف في الرضاع مع الخروج بالكلية فجريانه مع بقائها في المنزل بطريق الأولى.
وأما حكايته لهذا البحث أيضًا على الوجه الآخر الذى صححه النووي؛ وهو أنه لا منع له فلا يستقيم لأن إذنه مفقود بالكلية أو غير معين لأنه يجبر على التسليم، فإذا كان يجبر على ذلك ومع الإجبار تعطى الأجرة ولم يحصل له استمتاع بالكلية أو الاستمتاع التام كيف يأتي إيجاب النفقة؟ واعلم أن ما نقلناه عنه في العدد يقتضي الجزم بأنها لا تستحق النفقة عند الخلل من التمكين وإن لم تخرج من المنزل وأن ذلك لا يخرج على الخلاف في السفر، فإذا كان لا يخرج عليه مع وجوب الإرضاع عليها فكيف يتخرج مع عدم الوجوب؟

الباب الثاني: في ترتيب الأقارب

قوله: وإذا اجتمع اثنان منهم -أي من المنفقين- نظر: إن استويا في القرب والوراثة أو عدمها والذكورة والأنوثة كابنين أو ابنتين فالنفقة بينهما بالتسوية.
ثم قال ما نصه: فإن اختلفا في شيء من ذلك ففيه طريقان: أحدهما: النظر إلى القرب؛ فإن كان أحدهما أقرب فالنفقة عليه لأنه أولى بالاعتبار.
ولا فرق بين أن يكون الأقرب وارثًا أو غير وارث ولا بين أن يكون ذكرًا أو أنثى، فإن استويا في القرب ففي التقديم بالإرث وجهان: أحدهما: أن النفقة على الوارث لقوة قرابته، والثاني: أنه لا أثر للوراثة لأن القرابة المجردة عن الإرث موجبة للنفقة، فالإرث غير مرعي في الباب.
فإن قدمنا بالإرث، فلو استويا في أصل الإرث فيستويان أو تكون النفقة بحسب الإرث؟ فيه وجهان: وجه الثاني: إشعار زيادة الإرث، [بزيادة قوة القرابة، والطريقة أن النظر أولًا إلى الإرث] 1 فإن كان أحدهما وارثًا دون الآخر فالنفقة على الوارث، فإن كان غير الوارث أقرب، فإن تساويا في الإرث وأحدهما أقرب فالنفقة على الأقرب، فإن تساويا في القرب أيضًا فالنفقة عليهما، ثم يسوي أو يراعي قدر الإرث؟ فيه الوجهان: وإذا استويا في المنظور إليه على اختلاف الطريقتين وأحدهما ذكر والآخر أنثى فهل يختص الذكر بوجوب النفقة عليه؟ فيه وجهان؛ وجه الاختصاص أنه أقوى وأقدر على الكسب.
وأيضًا فإنه لو اجتمع الأب والأم تكون النفقة على الأب دون الأم.
هكذا قيد في "الوسيط" وجه اعتبار الذكورة فيما إذا استويا في سائر الأسباب عن رواية الشيخ أبي عليّ؛ وكأنه لذلك لم يجعله هاهنا طريقة

تقابل الطريقتين السابقتين بل جعله وجهًا بين الطريقتين، ومنهم من حكاه طريقة برأسها فقال: إن كان أحدهما ذكرًا فالنفقة عليه قريبًا كان أو بعيدًا وارثًا كان أو غير وارث.
وإن كانا ذكرين أو أنثتين فالنفقة على المدلي بالذكر، فإن استويا في الإدلاء فهي على الأقرب.
والأظهر عند صاحب "الكتاب" والإمام وصاحب "التهذيب" وغيرهم: الطريقة الأولى دون اعتبار الإرث والذكورة؛ واحتجوا بأن الإرث والذكورة لا يشترطان في وجوب النفقة والمنفرد منهم تلزمه النفقة وإن لم يكن جائزًا ولا وارثًا.
ويدل على قوة القرب أن من اعتبر الإرث أو الذكورة قطع عند استوائهما في الإرث أو الذكورة بالاعتماد على القرب، والمعتبرون للقرب ترددوا عند استوائهما في الدرجة في أنه هل يعتبر الإرث والذكورة؟.
واختيار العراقيين يخالف اختيارهم أولًا في بعض المنازل كما نبينه في الأمثلة.
أمثلته: ابن وبنت النفقة عليهما بالسوية إن اعتبرنا بالقرب، وبه قال أبو حنيفة.
وكذا في اعتبار الإرث أن اكتفينا بأصله، وإن اعتبرنا مقدار الإرث فيكون عليهما أثلاثًا وبه قال أحمد: وهي على الابن إن اعتبرنا الذكورة، وهو ما اختاره العراقيون، وربما لم يوردوا غيره.

قوله: بنت وابن ابن هى على البنت إن اعتبرنا القرب، وبه قال أبو حنيفة، وعليهما بالسوية إن اعتبرنا الإرث، وعلى ابن الابن إن اعتبرنا الذكورة وهذا ما اختاره العراقيون.
انتهى كلامه بحروفه.

فيه أمور: أحدها: أن الصحيح إنما هو اعتبار الإرث على خلاف ما أشعر به كلامه هنا من رجحان القرب، وستعرف ذلك بعد هذا الموضع بنحو ورقتين.
الأمر الثاني: أن المثال الأول من المثالين المذكورين في آخر كلامه صحيح، وأما الثاني -وهو البنت مع ابن الابن- فحكمه فيه بأن النفقة على البنت إن اعتبرنا القرب وعلى ابن الابن إن اعتبرنا الذكورة صحيح، وأما حكمه بأنها عليهما بالسوية إن اعتبرنا الإرث فقد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو غلط محض لا قائل به، بل تجب على البنت على الطريقين معًا، أما على الطريقة الأولى فواضح، وأما على الطريقة الثانية فلأن الذى يعتبر الإرث يقول فيما إذا كانا معا وارثين بتقديم الأقرب، فإن استويا في القرب أيضًا كانت عليهما.
وفي مثالنا لم يتساويا؛ فراجع ذلك، مع ما ذكره في كل من الطريقين يظهر لك بطلانه ولا تجد له شيئًا يتفرع عليه، ولا شك أن الرافعي بقي في ذهنه أصل الخلاف ففرع عليه ذاهلًا عن شرطه فوقع في الغلط في أمثلة هذا منها، وباقيها ستعرفه.
الأمر الثالث: أن الرافعي قد حكى خلافًا عند القائلين باعتبار الذكورة في أنها هل تعتبر مطلقا أو عند استوائهما في المنظور إليه، ثم فرع عليهما في أمثله كما تقدم فأسقط النووي القائل باعتبارها بلا شرط لكونها قد وقعت في أثناء تعديل وكلام يظن معه الفراغ من نقل الحكم كما تقدم ذكره ثم تابع الرافعي في التفريع عليها فلزم منه أنه فرع على شيء غير مذكور بحيث لا ينطبق ما ذكره في تلك الأمثلة على الخلاف المتقدم منها مثالنا هذا بعينه وهو البنت مع ابن الابن فإن جميع ما ذكره لا يؤخذ منه أن قائلًا يقول بتقديم ابن الابن على البنت فإنهما لم يتساويا في المنظور إليه فتأمله

فإنه واضح.
الأمر الرابع: ذكر الرافعي بعد هذا أنه إذا احتاج البالغ وله أب وأم وفَرّعْنَا على أن النفقة عليهما لا على الأب فهل يسوى بينهما أو يجعل أثلاثًا بحسب الإرث؟ فيه وجهان رجح منهما الثاني.
هذا كلامه.
وفي "الشرح الصغير" و"الروضة" مثله أيضًا، وقياسه أن يكون الراجح في هذه المسألة وهي اجتماع الفروع كذلك.

قوله: بنت وبنت ابن هي على البنت إن اعتبرنا القرب، وعليهما إن اعتبرنا الإرث.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كونها عليهما إن فَرَّعْنَا على الإرث تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غلط، بل يجب على البنت بلا خلاف لما عرف من أن الذى يعتبر الإرث يقول فيما إذا كانا معًا وارثين أنه يقدم الأقرب قطعًا، وقد ذكر في "النهاية" هذا المثال بعينه وقال: إن النفقة على البنت على جميع الطرق.

قوله: بنت وابن بنت هي على البنت إن اعتبرنا القرب أو الإرث، وعلى ابن البنت إن اعتبرنا الذكور.
انتهى.
وحكمه كله صحيح إلا إيجابه على ابن البنت فإنه لا يصح على ما في "الروضة"؛ إذ ليس فيها طريقة اعتبار الذكورة مطلقًا بل عند التساوي في المنظور إليه كما تقدم إيضاحه.

قوله: ابن وولد خنثى إن قلنا في اجتماع الابن والبنت تكون عليهما فكذا هاهنا، وإن قلنا تكون على الابن فهاهنا وجهان: أحدهما: على الابن نصفها لأنه المستيقن والنصف الآخر يفرضه الحاكم، فإن بان ذكرًا فالرجوع عليه وإلا فعلى الابن وأظهرهما: يؤخذ الجميع من الابن، فإن بان الخنثى ذكرًا رجع عليه بالنصف.
انتهى كلامه.

ذكر في "الروضة" نحوه.
وفيه أمران: أحدهما: أنه سكت عما إذا لم يوجد من يقرض، والحكم أنه يجب على الخنثى.
قاله القاضي الحسين في "تعليقه" في نظير المسألة، وكذلك ابن الصباغ في "الشامل".
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي فيما إذا استمر الإشكال إلى الموت أن الرجوع على الابن، فتفطن له.
وخالف ابن الرفعة في "الكفاية" فقال: لا يرجع عليه، وما قاله الرافعي أصوب لأنه لا يمكن تفويت ذلك على من اقترض منه وقد تيقنا أهلية الذكر للوجوب وسلكنا في المشارك له والأصل عدمه وحكى الماوردي وجهًا ثالثًا أن النفقة عليهما نصفين.

قوله: بنت وولد خنثي إن قلنا في اجتماع الابن والبنت النفقة عليهما فكذا هاهنا، وإن قلنا: على الابن فوجهان: أحدهما: على الخنثى، فإن بانت أنوثته رجعت على أختها بالنصف.
والثاني: لا يؤخذ منه إلا النصف لأنه اليقين ويؤخذ النصف الآخر من البنت، فإن بانت ذكورته رجعت عليه.
انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا منهما في "الروضة" أيضًا وإنما زاد فقال: كان ينبغي أن يجيء وجه الاقتراض ولا يؤخذ من البنت شيء، والذى قاله صحيح، والراجح من الوجهين هو الثاني؛ كذا رجحه ابن الصباغ فقال: إنه القياس.
والأمر كما قال؛ فإن الأصل عدم المرجح.

قوله: تقدم نفقة الزوجة على نفقة الأقارب.
هكذا أطبق عليه الأصحاب لأن نفقتها آكد لأنها وجبت عوضًا،

واعترض الإمام بأن نفقتها إذا كانت كذلك كانت كالديون ونفقة القريب في مال المفلس تقدم على الديون، وخرج لذلك احتمالًا في تقديم القريب وأيده بالحديث أن رجلًا قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: معي دينار فقال: "أنفقه على نفسك" فقال: معي آخر فقال: "أنفقه على ولدك" فقال معى آخر.
فقال: أنفقه على أهلك 1. فقدم [نفقة الولد على الأهل.
انتهى كلامه.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود بإسناده عن سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد بن الفضل بن أبي سعيد المقري عن] 2 أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأخرجه النسائى 3 بإسناده عن إسحاق بن سعيد القطان عن محمد بن عجلان.. إلى آخر السند المذكور في أبي داود وفيه تقديم الزوجة على الولد؛ فتعارضت الروايتان.

قوله: وذكر أنه لو اجتمع جدان في درجة واحدة وأحدهما عصبة كأبى الأب مع أبي الأم فالعصبة أولى، وأنه لو اختلفت الدرجة واستويا في العصوبة أو عدمها فالأقرب متقدم وإن كان الأبعد غيره تعارض القرب والعصوبة فيستويان.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره من استواء القرب والعصوبة خلاف الصحيح، فاعلمه؛ فقد ذكر في النكاح في إعفاف الجد أنه دائر مع النفقة وأنه لو كان الأبعد عصبة قدم في الأصح.
ومما ذكره هناك يعلم أن الصحيح عند اجتماع المنفقين هو التقديم بالإرث أيضًا على خلاف ما أشعر به كلامه عند ذكره لهذه المسألة، وهو قبيل هذا الموضع بنحو ورقتين، وقد تقدم هناك الوعد بذكره.

واعلم أنه ليس في كلام الرافعي ولا في كلام "الروضة" تصريح بتعيين ذاكر هذه الفروع؛ فإن قبله ذكر الروياني وذكر البغوي وكل منهما يحتمل عود الضمير إليه والبغوي أقرب في اللفظ وهو القائل فاعلمه.

قوله: أب وابن إن كان الابن صغيرًا قدم وإلا فهل يقدم الابن أم الأب أم يستويان؟ فيه ثلاثة أوجه: ثالثها اختيار القفال.
انتهى.
لم يصحح في "الروضة" أيضًا شيئًا من هذا الخلاف والصحيح تقديم الأب.
كذا صححاه في باب زكاة الفطر.

قوله: أب وأم، تُقدم الأم على الأصح، وقيل: الأب، وقيل: يستويان.
انتهى.
وما صححه هنا من تقديم الأم تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو مخالف لما سبق منهما في زكاة الفطر؛ فإنهما صححا هناك تقديم نفقة الأب، وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
واعلم أن الرافعي قد أهمل صورا من اجتماع الآخذين منها: الأم والبنت، وهو قياس الأب مع الابن.
ومنها: الجد مع الجدة، فإن كانت مساوية له في الدرجة فهي قياس الأم مع الأب، فإن كان هو أعلى منها فهو قياس اجتماع الجد مع الأم، وإن كانت هي أعلى فكالجدة مع الأب.

قوله: وفي "البحر" أنه لو كان له ولدان ولم يقدر إلا على نفقة أحدهما وله أب موسر وجب على الأب نفقة الآخر، فإن اتفقا على الإنفاق بالشركة أو على أن يختص كل واحد بواحد فذاك، وإن اختلفا عمل بقول من يدعو إلى الاشتراك.
وذكر أنه لو كان للأبوين المحتاجين ابن لا يقدر إلا على نفقة أحدهما وللابن ابن موسر فعلى ابن الابن باقي نفقتهما، فإن اتفقا على أن ينفقا عليهما بالشركة أو على أن يختص كل واحد منهما بواحد فذاك، وإن اختلفا رجعنا إلى اختيار الأبوين إن استوت نفقتهما، وإن

اختلفت اختص أكثرهما نفقة بمن هو أكثر يسارًا.
وجوابا الصورتين متقاربان كما ترى والقياس أن يسوي بينهما بل ينبغي في الصورة الثانية أن يقال: تختص الأم بالابن تفريعًا على الأصح وهو تقديم الأب على الأم، وإذا اختصت به تعين الأب لإنفاق ابن الابن.
انتهى كلامه.
وما بحثه في الصورة الثانية تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو غير متجه لأن تصحيحهم تقديم نفقة الأم إنما ذكروه حيث لم يكن بعد الابن من تجب عليه نفقة الأم، وتعليلهم بعجز النسوة يدل عليه، وإذا كان كذلك امتنع ما قاله من تقديمها على الأب، ولابد من نقل صريح في هذه المسألة على ما قاله سَلّمْنا لكن إنما يتم هذا أن لو سَلّم عن ورود مثله في حق ابن الابن لكنه غير سالم؛ وذلك لأن الأم والأب على حد واحد في حق ابن الابن فكما تتقدم الأم على الأب في حق الابن فتتقدم الجدة على الجد في حق ولد الولد لأنه لا فرق بينهما؛ فيندفع ما قاله من تعين الأب لإنفاق ابن الابن.
وما ذكره الروياني أيضًا في الصورة الثانية من اختصاص أكثرهما نفقة بالأكثر يسارًا لا يستقيم على إطلاقه بل الذى ينبغي أن يختص به إنما هو القدر الزائد الذى هو موسر به وما عداه هو محل التراحم.

قوله: ولا تجب على العبد نفقة ولده ولكن إن كانت الأم حرة فالولد حر وعليها نفقته.
انتهى.
وما ذكره ليس بلازم فقد تعتق الأم ويبقى الولد على رقه.

قوله: ولو استولد المكاتب جارية نفسه وإن كنا لا نُجوز له ذلك فيتكاتب الولد عليه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من منع التسرى تابعه عليه في "الروضة" ومقتضاه امتناعه وإن كان بإذن السيد، وفيه اضطراب وقع في كلامه وكلام "الروضة" أيضًا تقدم التنبيه عليه في معاملات العبيد وغيرها.

قوله: وهل تجب نفقة المكاتب على ولده الحر؟ عن "الحاوي" أنه يحتمل وجهين: أحدهما: لا؛ لبقاء أحكام الرق.
والثاني: نعم؛ لانقطاع النفقة عن سيده.
انتهى.
وهذا الكلام يقتضي أن الرافعي -رحمه الله- لم يقف في هذه المسألة على نقل، وقد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وزاد فقال: الأول أصح لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم فلينفق من كسبه، فإن تعذر عجز نفسه والنفقة على سيده.
هذا كلامه.
وما قالاه غريب جدًا؛ فإن المسألة منقولة موجودة في كلامهما مجزوم بها على العكس من هذا التصحيح المذكور هنا، ذكرا ذلك في أول كتاب قسم الصدقات، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.

قوله: من نصفه حر ونصفه رقيق قال في "البسيط": الظاهر أنه تلزمه نفقة القريب لأنها كالغرامات.
وهل تلزمه نفقة تامة أم نصفها؟ وجهان حكاهما ابن كج.
انتهى.
وما نقله عن "البسيط" من ترجيح الوجوب وأقره عليه قد تبعه عليه في "الروضة"، وزاد فصحح وجوب نفقة كاملة قال: لأنه كالحر بدليل الكفارة، وما ذكراه من إيجابها عليه يقتضى إلحاقه بالموسرين، وفيه كلام سبق في أوائل النفقات فراجعه.

قوله: ولو كان من نصفه حر ونصفه رقيق محتاجًا هل يلزم قريبه الحر نفقته بقدر ما فيه من الحرية؟ وجهان حكاهما ابن كج.
والراجح على ما قاله في "الروضة" هو الوجوب قال: ويمكن بناؤهما على أنه هل يورث، وهذا الذى قاله من البناء عجيب؛ فإن النفقة ليست دائرة مع الإرث؛ ألا ترى أنا نوجب نفقة أولاد البنات والجد للأم والمخالف في الدين.

الباب الثالث: الحضانة

قوله في "الروضة": لكن لاستحقاق الأم شروط: أحدها: كونها مسلمة إن كان الطفل مسلمًا بإسلام أبيه.... إلى آخره.
والتقييد بإسلام الأب ذكر الرافعي نحوه أيضًا والصواب حذفه لأنه لو كان مسلمًا بإسلام بعض أجداده أو جداته أو بالسبى كان كذلك أيضًا، وكلامهم بعد هذا يؤخذ منه.
ولم يذكر من الشروط كونها بصيرة، وهو يقتضي أن العمياء تثبت لها الحضانة، وهو كذلك؛ فإن الحضانة عبارة عن القيام بحفظ الطفل ومصالحه في نفسه، والحاضنة لا يجب عليها تعاطيه بنفسها بل لها أن تستنيب فيه.
وقد صرحوا في باب الإجارة أنه يجوز استئجار الأعمى في الحفظ إجارة ذمه لا إجارة عين.

قوله: ولو وصف صبى منهم الإسلام -أي: من أهل الذمة- نزع من أهل الذمة ولم يمكنوا من كفالته صححنا إسلامه أو لم نصححه احتياطًا للإسلام.
انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" نحوه أيضًا وهو يوهم أو يدل بظاهره على أنه لا يجوز تركه في أيديهم، وليس كذلك بل الصحيح الجواز.
كذا ذكره الرافعي في كتاب اللقيط وتبعه عليه في "الروضة" لكن ذكر أيضًا في باب الهدنة كما ذكر هاهنا بل عبر بعبارة هي أصرح من هذا في الإيجاب.

قوله: والطفل الكافر هل يثبت لقريبه المسلم حق حضانته؟ قال في "التتمة": الصحيح من المذهب ثبوته.
قال: ويجرى هذا الخلاف فيما إذا جُنّ الذمى وله قريب مسلم هل يثبت له حق الحضانة؟ انتهى.
صحح في "الروضة" ما قاله في "التتمة" فقال: والطفل الكافر والمجنون الكافر تثبت لقريبه المسلم حضانته وكفالته على الصحيح.
هذا لفظه.
ومقتضاه أن الحكم جار في الأصول وغيرهم على الإطلاق، وقد ذكر في كتاب اللقيط من أصل "الروضة" كلامًا يخصص هذا فقال: فرع: المحكوم بكفره إذا بلغ مجنونًا حكمه حكم الصغير حتى إذا أسلم أحد والديه تبعه، وإن بلغ عاقلًا ثم جن فكذلك على الأصح.
هذا كلامه.
ومقتضاه أن لا فرق في ذلك بين ابتداء الإسلام ودوامه حتى إذا جن البالغ الذى أبوه مسلم كان كذلك.

قوله: ولا حضانة لرقيقه، ثم إن كان الولد رقيقًا فحضانته على السيد.
وهل له نزعه من الأب وتسليمه إلى غيره؟ وجهان بناء على القولين في جواز التفريق.
ولو كانت الأم حرة والولد رقيقا بأن سُبى طفلا ثم أسلمت أمه أو قتلت الذمية فحضانته للسيد وفي الانتزاع منها الوجهان: انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، فيه أمور: أحدها: أن أمّ ولد الكافر إذا أسملت فإن ولدها يتبعها في الإسلام وحضانته لها وإن كانت رقيقة.
كذا نقله الرافعي في كتاب أمهات الأولاد عن أبي إسحاق المروزي وأقره ونقل معه عنه حكمًا آخر فاعترض عليه في

"الروضة" في ذلك وارتضى هذا وكأن المعنى فيه فراغها لمنع السيد من قربانها مع [وجوب نفقتها] 1. الأمر الثاني: أن تصوير حرية الأم ورق الولد بالتصوير النادر الذي ذكره -وهو السبي والذمية- عجيب؛ فإن أسهل من ذلك كله أن يصور بما إذا اشتراها ثم أعتق الأم، ولا شك أنه لم يستحضر هذا التصوير ثم إن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله بأن أعنى بباء الجر الداخلة على أن التفسيرية المقتضية للحصر في هذا التصوير فليته مع ذلك عبر بكاف التشبيه كما عبر به الرافعي.
الأمر الثالث: أنه أراد بقبول الذمية دخولها بأمان؛ فاعلمه.

قوله: ويشترط كونها أمينة فلا حضانة لفاسقة.
انتهى.
سكت -رحمه الله- عن مستورة الحال فلم يصرح بحكمها، وقد ذكر النووي في "فتاويه" أنه لابد من ثبوت أهلية الأم للحضانة عند القاضي إذا نازعها الأب أو غيرها من المستحقين، لكن جزم الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" بالاكتفاء بالستر وأنه لا ينزع منها الولد إلا إذا ثبت فسقها.
وهذا واضح.
وذكر النووي في باب الحجر ما يوافقه، وقال من زوائده: وهل يحتاج الحاكم إلى ثبوت عدالة الأب والجد لثبوت ولايتهما وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب والشاشي وآخرون، وينبغي أن يكون الراجح الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، والله أعلم.
فإذا كان الراجح عنده هو الاكتفاء بذلك في التصرف في المال فبطريق الأولى في الحضانة لأن احتراز الآباء على ذات الطفل أشد من احترازهم على ماله بالاستقراء؛ فلزم من ذلك كله بطلان ما قاله النووي في "فتاويه" هنا.

وقد سبق الكلام في باب الحجر على طرف من هذه المسألة فراجعه.

قوله: فلو نكحت أجنبيًا سقطت حضانتها لما سبق من الخبر، وروي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الأيم أحق بولدها مما لم تتزوج" 1. انتهى.
وأشار بالخبر السابق لقوله -عليه السلام-: "أنت أحق به ما لم تنكحي" 2. إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن الحديثين لا دلالة فيهما على سقوط حضانتها؛ إنما يدلان على عدم تقديمها؛ وحينئذ فيحتمل السقوط كما قالوه ويحتمل التساوي حتى لا يقدم أحدهما إلا بقرعة أو تخيير من الطفل أو اجتهاد من الحاكم أو غير ذلك.
الأمر الثاني: أن ما أطلقه من سقوط حضانتها بالتزويج تستثنى منه مسألة ذكرها في آخر كتاب الخلع نقلًا عن فتاوى القاضي الحسين فقال: لو خالع زوجته بألف وحضانة الصغير سنة فتزوجت في أثناء السنة لم يكن له انتزاع الولد منها بتزوجها لأن الإجارة عقد لازم.

قوله: ونَصّ الشافعي - رضي الله عنه - على أن الجدة إذا تزوجت جد الطفل لا يبطل حقها من الحضانة؛ وعلل بأنه ولى تام الشفقة قائم مقام الأب.
انتهى.
وهذا التعليل يؤخذ منه تصوير ذلك بالجد أب الأب خاصة حتى لو

تزوجت بأبي الأم بطل حقها وهو كذلك على ما صرح به النووي في "فتاويه" وفي "لغات التنبيه" وفي الجد أبي الأم وجه أن الحضانة لا تبطل أيضًا لأن له الحضانة في وجه، وقد قال الرافعي: إن الأم متى تزوجت ممن له حق في الحضانة لا تسقط.

قوله: الثانية: إذا امتنعت الأم من الحضانة أو غابت انتقلت الحضانة إلى الجدة في أصح الوجهين كما لو ماتت أو جنت.
والثاني: لا لولاية النكاح، وذكروا على هذا أن الحضانة تكون للأب ونزلوه منزلة السلطان، وهو بعيد، وحق التشبيه أن تكون للسلطان، وبه قال ابن الحداد: والفرق على الأول أن التزويج ممكن من الغائب بخلاف الحضانة.
انتهى ملخصًا.
وهذا الفرق إنما يستقيم في مسألة الغيبة، والكلام في شيئين في الغيبة والامتناع وجزم في "النهاية" بأن الغيبة تنقل إلى الأبعد، وحكى الوجهين في الامتناع وقاس وجه الانتقال في الامتناع على الغيبة، وكلام الوسيط مشعر به أيضًا، وكأن الفرق تعذر حضانتها مع الغيبة دون الامتناع، فلما كانت حضانتها ممكنة في صورة الامتناع أمكن القول بالنيابة عنها بخلاف الغيبة، وقد ذكر في "الروضة" في آخر المسألة كلامًا هو بعض ما سبق في أولها؛ فاعلمه، وفي الرافعي قريب منه أيضًا.

قوله: ولو نكحت عم الطفل فوجهان: أصحهما لا تبطل حضانتها لأن العم صاحب حق في الحضانة وشفقته تحمله على رعاية الطفل فيتعاونان على كفالته.
ثم قال بعد ذلك: وهذان الوجهان يطردان في كل من لها حضانة نكحت قريبًا للطفل له حق في الحضانة.
بأن نكحت أمه ابن عم الطفل أو عم أبيه، أو نكحت خالته عم

الطفل، أو نكحت عمته خاله.
هكذا ذكره الشيخ أبو علىّ وغيره.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من أن الخال له حق في الحضانة تبعه عليه في الروضة، والصحيح أن الخال وكل محرم ذكر غير وارث كالجد للأم لا حق له فيها كما ذكره بعد ذلك في الكلام على ترتيب المستحقين.

قوله: وإذا بلغت البكر فتقيم عند أبويها، فإن افترقا فعند أحدهما.
وهل تجبر على ذلك؟ فيه خلاف؛ ذهب العراقيون إلى أنها لا تجبر، وقال الإمام والغزالي: الأظهر أنها تجبر، وقال ابن كج: إنه ظاهر المذهب.
ثم صرح الغزالي باختصاص هذه الولاية بالأب والجد كولاية الإجبار في النكاح، وذكر البغوي في ثبوتها أيضًا للأخ والعم وجهين.
انتهى.
أما الخلاف الأول فالفتوى منه على ما قاله العراقيون فقد نقله الماوردي عن نص الشافعي فقال: وأكره للجارية أن تعتزل أبويها حتى تتزوج؛ لأن لا يسبق إليها ظن ولا تتوجه إليها تهمة إن لم تجبر على المقام معهما.
وأما الخلاف الثاني فالأرجح منه كما قاله النووي: هو الثبوت.

قوله: وهذا إذا لم تكن تهمة ولم تزن بريبة، فإن كان فللأب والجد ومن يلي تزويجها من العصبات منعها من الانفراد.
انتهى.
تزن: بتاء مضمومة ثم زاي مفتوحة ثم نون مشددة، ومعناه: تذكر، ومنه قول حسان مدح عائشة -رضى الله عنها- عقب قصة أهل الإفك من جملة قصيدة 1: حصان رزان ما تزن بريبة... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

والحصان في البنت معناه: العفيفة؛ يقال: حصنت المرأة حصنًا بالضم فيهما فهي حصان بالفتح حاصن وحصنًا.
والرزان بالفتح أيضًا هو الوقور بمعنى العقل والسكينة.
والغرثى: بالغين المعجمة هي الجائعة كناية عن عدم الغيبة إذ يعبر عنها بأكل اللحم.

قوله: ونقل في العدة عن الأصحاب أن الأمرد إذا خيف من انفراده فتنة وانقدحت تهمة منع من مفارقة الأبوين.
انتهى.
قال في "الروضة": الجد كالأبوين في حق الأمرد.
قال: وكذا ينبغي أن يكون الأخ والعم ونحوهما؛ لاشتراك الجميع في المعنى.

قوله في أصل "الروضة": فأما إذا صار الصبي مميزًا فيخير بين الأبوين إذا افترقا سواء كان ابنًا أو بنتًا.
ثم قال: ويجرى التخيير بين الأم والجد عند عدم الأب، ويجري أيضًا بينهما وبين من على حاشية النسب كالأخ والعم على الأصح، وقيل: تختص به الأم، وفي ابن العم مع الأم هذان الوجهان إن كان الولد ذكرًا، فإن كان أنثى فالأم أحق بها قطعًا.
انتهى كلامه.
وما ادعاه في آخر كلامه من عدم الخلاف ليس كذلك، ولم يذكره الرافعي بل إنما نقله عن البغوي فاغتر النووي بنقله وسكوته؛ فقد حكى جماعة الوجهين من غير تفصيل بين الذكر والأنثى، واقتضى كلامهم التعميم وبه صرح الروياني في "البحر" فقال: وإذا لم يكن أب ولا جد فهل يخير الولد بين الأم وسائر العصبات؟ فيه وجهان: ثم قال ما نصه: وقيل: إن كان ابن عم لا تخير الجارية بينه وبين الأم، إذ لا يحل له الخلوة بها.

قال القفال: إلا أن تكون صغيرة لا يشتهى مثلها فحينئذ هي كالغلام، وهذا غريب؛ هذا لفظه، وجزم ابن الصباغ في "الشامل" بنحوه وقال: إنه إذا [كانت] 1 بنت سلمت إليها، وهو حاصل كلام الشيخ في "التنبيه" أيضًا؛ فإنه قال: فإن لم يكن له أب ولا جد وله عصبة غيرهما خير بين الأم وبينهم على ظاهر المذهب، فإن كان العصبة ابن عم لم تسلم البنت إليه.
هذا كلامه.
ثم إن النووي أقره عليه في تصحيحه وزاد عليه ما يؤكده فقال: الصواب أن ابن العم تسلم إليه البنت الصغيرة التى لا تشتهى وإنه تسلم إليه المشتهاة أيضًا إذا كانت له بنت مميزة.

قوله نقلًا عن الروياني: ولو تدافع الأبوان كفالته وامتنعا منه فإن كان بعدهما من يستحق الحضانة كالجد والجدة خير بينهما، وإلا فوجهان: أحدهما: يخير الولد ويجبر من اختاره على كفالته؛ فعلى هذا لو امتنعا من الحضانة قبل سن التمييز يقرع بينهما ويجبر من خرجت قرعته على حضانته.
والثاني: يجبر عليها من تلزمه نفقته.
انتهى.
والأصح هو الثاني.
كذا صححه الرافعي بعد هذا بنحو ورقة في أول الفصل الثاني وبالغ الترجيح فعبر بقوله: ولا شك أنه الأصح، وصححه أيضًا النووي من "زوائده" غير مستحضر لما ذكرناه من تصحيح الرافعي له هناك.

قوله: وأما الأنثى فلا تسلم إلى غير المحرم عند إرادة السفر.
قال في "التتمة": إلا إذا لم تبلغ حدًا تشتهى مثلها.
وفي الشامل أنه لو كانت له بنت ترافقه فتسلم إلى بنته.
انتهى.

واعلم أن الرافعي قد ذكر بعد هذا بنحو ثلاثة أوراق أن غير المحارم من العصبات الذكور كابن العم يستحق حضانة الأنثى على الصحيح.
ثم جزم بتسليم المشتهاة إذا كان له بنت، وهو نظير مسألتنا؛ فيكون الحكم فيها هو ما قاله في "الشامل" ولا يكون حكاية لوجه ضعيف.
نعم فيه كلام آخر.

قوله: الفرع الثاني: المنصوص أنه لا حضانة لكل جدة تسقط في الميراث وهي من تدلي بذكر بين [أنثيين] كأم أبي الأم وفي معني الجدة الساقطة كل محرم يدلي بذكر لا يرث كبنت ابن البنت وبنت العم.
ثم قال عقبه: الثالث الأنثى التي ليست بمحرم كبنتي الخال والخالة وبنتي العم والعمة في [استحقاقهن] الحضانة وجهان: أظهرهم عند الغزالي أنها لا تستحق لأن الحضانة تحوج إلى معرفة بواطن الأمور فالأولى تخصيصها بالمحارم.
والثاني: وهو الأشبه بكلام غيره، وهو الذي أورده الفوراني وصاحب "التهذيب" والروياني: نعم؛ لشفقتهن وهدايتهن بالأنوثة.
انتهى.
وما أشعر به كلامه من ترجيح الاستحقاق قد تبعه عليه في "الروضة" وعبر بالأصح، وهو مستقيم إلا في بنت الخال فإنها تدلي بذكر غير وارث وقد تقدم أن من كانت بهذه الصفة لا حضانة لها وإذا لم نثبتها لأم أبي الأم لهذا المعني مع وجود الولادة فيها فبطريق الأولى بنت الخال بخلاف بنت الخالة والعمة فإنها تدلي بأنثي وبخلاف بنت العم فإنها تدلي بذكر وارث.

قوله: فرع: لبنت المجنون حضانته إذا لم يكن له أبوان؛ ذكره ابن كج.
قال الروياني: ولو كان للمحضون زوجة كبيرة وكان له بها استمتاع

أو لها به استمتاع فهي أولى بكفالته من جميع الأقارب.
وكذا لو كان للمحضونة زوج كبير وهناك استمتاع وإلا فالأقارب أولى، فإن كانت قرابة له فهل ترجح تلك القرابة بالزوجية؟ على وجهين: انتهى.
ذكر مثله في "الروضة".
وما نقلاه عن الروياني قد سبقه إليه الماوردي والراجح من الخلاف عدم الرجحان فسيأتي في نظيره ترجيحه من كلام "الروضة" وهو مقتضي القواعد أيضًا.

قوله: ولو كان القريب وارثًا غير محرم كابن العم فله الحضانة على الصحيح.
ثم إن كان الولد ذكرًا أو أنثى لا تشتهي سلمت إليه، وإن بلغت حدا تشتهي لم تسلم إليه لكن له أن يطلب تسليمها إلى امرأة ثقة وتعطى أجرتها، فإن كانت له بنت سلمت إليه.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة".
وعبارة "المحرر": ولا تسلم إليه مشتهاة بل إلى ثقة بعينها.
انتهى.
وكلام "الشرح" و"الروضة" ليس فيه تقييد البنت بكونها ثقة ولابد منه كما شرطاه في الأجنبية وهو مقتضي كلام "المحرر" و"المنهاج".
ثم إن عبارتهما مختلفة في أن الثقة هي التى تتسلم أو هو الذى يتسلم، والأصوب الأول ولكن بإذنه لأن الحضانة له، فإن كانت مميزة غير بالغة فهو الذى يتسلم.

قوله: وفي ثبوت الحضانة للمعتق وجهان: أظهرهما: المنع لعدم القرابة التى هي مظنة الشفقة فعلى هذا لو كانت له قرابة وهناك من هو أقرب منه فهل يترجح لانضمام عصوبة القرابة إلى عصوبة الولاء؟ وجهان حكاهما الروياني؛ مثاله عم وعم أب معتق.
انتهى.

والأصح كما قاله في "الروضة" من زوائده عدم الترجيح.

قوله: وهل يقدم بنو الأعمام على أعمام الأب والجد؟ قال في "التتمة": نعم، ومنهم من يقتضي كلامه تأخرهم.
انتهى.
والصحيح هو الأول، وقد صححه النووي في أصل "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.

قوله في أصل الروضة: وإذا لم يوجد مستحق للحضانة من الأجداد والجدات فثلاثة أوجه: أحدها: تقدم النساء.
والثاني: العصبات.
ثم قال: والثالث -وهو الأصح-: لا يرجح واحد من الفريقين بل يقدم الأقرب فالأقرب، فإن استوى اثنان قدم الأنوثة.
ثم قال ما نصه: فعلى هذا يقدم بعد الآباء والأمهات الأخوة والأخوات، وتقدم الأخوات على الأخوة ثم بعد الإخوة بنات الأخوات ثم بنو الأخوة، وتقدم بنت الأخ على ابن الأخت اعتبارًا بمن تحضن، فإن فقدوا كلهم فالحضانة للخولة ثم العمومة، وتقدم الخالات على الأخوال والعمات على الأعمام.
انتهى موضع الحاجة من كلامه.
وهذا الذي ذكره من تقديم بنات الأخوة وبنات الأخوات على الخولة قد خالفه قبل ذلك في أوائل الضرب الأول فجزم بعكسه وهو تقديم الخالات على بنات الأخوات وبنات الأخوة وهو المذكور في "المحرر" و"المنهاج" و"الحاوي الصغير" وغيرهم، والرافعي سالم من صريح التناقض؛ فإنه في الشرحين نقل التصحيح المذكور في الموضع الثاني عن الروياني فقط لكنه أقره فاغتر النووي بذلك؛ فاعلمه.
واعتمد على الموضع الأول.

قوله: ولو كان من أهل الحضانة خنثي فهل يقدم على الذكر في

موضع لو كان أنثى لتقدم لاحتمال الأنوثة أم لا لعدم الحكم بها؟ وجهان انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" من "زوائده" هو الثاني.

قوله؛ وإذا أخبر -أي؛ الخنثى- عن ذكورته أو أنوثته عمل بقوله في سقوط الحضانة، وهل يعمل به في استحقاقها؟ فيه وجهان حكاهما الروياني.
انتهى.
هذه المسألة مذكورة في مواضع من هذا الكتاب واختلفت فيها كلام النووي خاصة، وقد أوضحت ذلك في باب نواقض الوضوء فراجعه، والذى صححه هنا من "زوائده" أنه يعمل به.
قال: وهو الجاري على قواعد المذهب.

قال -رحمه الله

-: السبب الثالث للنفقة: ملك اليمين

قوله: وإذا كان له عبيد فالأولى التسوية بينهم في الإطعام والكسوة، وفيه وجه أنه يفضل [النفيس] على الخسيس.
وفي الجواري وجهان: أحدهما: التسوية كالعبيد، وأظهرهما تفضيل ذوات الجمال والفراهة للعادة.
ثم قال في كلامه على لفظ "الوجيز": وقوله في الكتاب: ولا يجب تفضيل النفيس في جنس الكسوة لفظ الوجوب لم يستعمله أكثر الأئمة.
ثم إن التفضيل لا يختص بالكسوة بل الطعام كالكسوة، ولفظه يشعر بتخصيص التفضيل بالسرية لكن لفظ الشافعي وعامة الأصحاب أن ذات الجمال والفراهة تفضل، ولم يفرقوا بين السرية وغيرها، بل صرح صاحب "التهذيب" بنفي الفرق.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن الفراهة بالفاء هي الحذق والمعرفة، قال الجوهري: الفاره: الحاذق بالشيء، وقد فره بالفم يفره فهو فاره.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي الإنكار على الغزالي في التعبير بالوجوب وفي تخصيصه بالكسوة وبالسرية وإنكار الثلاثة عجيب؛ أما الوجوب فقد صرح به إمام الحرمين فقال: ومنهم من فرق بين الجواري والعبيد.
وقال: العبيد يجوز التسوية بينهم، وأما الجواري اللواتي تكن بمحل التسرى فيجب التفاوت بينهن.
هذا كلام الأصحاب.
هذه عبارة الإمام بحروفه.
وأما التخصيص بالكسوة فقد صرح به [إمام] الحرمين أيضًا والشيخ في

"المهذب" والعمراني في "البيان" وزاد العمراني فقال: كما لا يستحب تفضيلها بالطعام.
وأما التفرقة بين السرية وغيرها فقد وقع أيضًا في "المهذب" و"التنبيه" و"البيان" وغيرها؛ فإنهم عبروا بالسرية كما عبر به في "الوجيز"، وقد اغتر في "الروضة" بما ذكره الرافعي فحذى في جميعه على ما قاله.

قوله: في الحديث: "إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم" 1. انتهى.
الخول بالخاء المعجمة وواو مفتوحتين وهو مفرد يقع على العبد والأمة.
وقال الفَرَّاء: إنه جمع خاول وهو الراعي، وقال غيره: هو مأخوذ من التخويل وهو التمليك حكاه الجوهري.

قوله: وروي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه حريمه وعميله فليقعده فليأكل معه وإلا فليناوله أكلة من الطعام" 2، ويروى: "أنه إذا كفى أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليجلسه معه فإن أبي فلينزع له لقمة" 3. والأكلة بالضم اللقمة، وروعها إذا رواها دسمًا، وأشار الشافعى في ذلك إلى ثلاثة احتمالات: أحدها: أنه يجب الترويغ والمناولة، فإن أجلسه معه فهو أفضل.
وثانيها: أن [الواجب] أحدهما لا بعينه وأصحها: أنه لا يجب واحد منهما.

ومنهم من نفي الخلاف في الوجوب وذكر قولين في أن الإجلاس أفضل أو هما متساويان، والظاهر الأول؛ ليتناول القدر الذى يشتهيه.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل الثلاثة هكذا صرح بأنها أقوال، وقد يتوفق الناظر في تغايرها لأن حقيقة الأول التخيير، والثاني كذلك، والذي تحرر في المغايرة بعد اتحادهما في وجوب أحدهما أن الأول يقول بأفضلية الإجلاس والثاني يسوى بينهما، وفي أول كلام الرافعي وآخره إشعار به، ولما ذكر الغزالي في "الوسيط" هذه الثلاثة ذكر بدل الأول أنه يجب الترتيب، والذي ذكره جيد يدفع الاعتراض.
الأمر الثاني: أن الشافعي لما ذكر هذه الثلاث ذكر ما حاصله أن الأول واجب؛ فإنه قال في "المختصر" بعد ذكر الحديث: هذا عندنا -والله أعلم- على وجهين: أولاهما بمعناه أن إجلاسه معه أفضل، فإن لم يفعل فليس بواجب أو يكون بالخيار بين أن يناوله أو يجلسه، وقد يكون أمره إجباريًا عَبّر بالجيم.
هذه عبارته.
فقد رجح الاحتمال الأول فقال: إنه أولى لمعنى الحديث، ومعنى الاحتمال الأول أن إجلاسه معه ليس بواجب ولكنه أفضل، فإن لم يفعل فيجب أن يطعمه منه؛ إذ لو حمل ذلك على أنهما معًا غير واجبين لاتحد مع الاحتمال الثاني فظهر أن الراجح عند الشافعي هو الأول على خلاف ما رجحه الرافعي، والحديث المذكور روي مسلم في صحيحه معناه.

قوله: ولو لم يكن ولد الأمة من السيد بل مملوكا له من زوج أو زنا فهو كولده، وإن كان الولد حرا فله طلب الأجرة على الإرضاع ولا يلزمه التبرع به.
انتهى.

ذكر مثله في "الروضة" وهو يوهم عدم منعها من رضاعه أو سكت عنه، وصرح الماوردي بأن له المنع لأن إرضاعه على والده، قال: وكذلك لو كان مملوكًا لغيره.

قوله في المسألة: ولو رضي بأن ترضعه مجانًا لم يكن له الامتناع.
انتهى.
وتعبيره بقوله (رضي) وبلفظ (له) قد عبر به الرافعي أيضًا، وليس فيه بيان من يعود الضميران عليه.

قوله في "الروضة": لا يجوز للسيد أن يكلف رقيقة من العمل إلا ما يطيق الدوام عليه؛ فلا يجوز أن يكلفه عملًا يقدر عليه يومًا ويومين ثم يعجز عنه.
انتهى.
وهذا الذي ذكره عجيب غير مطابق لكلام الرافعي؛ فإن مقتضاه أنه إذا عجز عن حمل الشيء في يوم مثلًا لا يجوز تكليفه إياه ساعة، وأنه إذا أطاق الحمل في يومين فقط مثلا لا يجوز تكليفه الحمل فيهما، وليس كذلك، والذي قاله الرافعي ما نصه: ولا يجوز للسيد أن يكلف رقيقه من العمل إلا ما يطيقه ولا يكلفه الأعمال الشاقة إلا في بعض الأوقات ولا ما إذا قام به يومًا أو يومين عجز وضعف شهرًا أو شهرين.
هذا لفظ الرافعي، وهو صحيح واضح، ثم إن النووي ذكر بعد ذلك في العبد مثل ما ذكره هنا في البهيمة فقال من "زوائده": يحرم تحميلها ما لا تطيق الدوام عليه وإن كانت تطيقه يومًا ونحوه كما سبق في الرقيق.
هذه عبارته.

قوله: الثانية: إذا امتنع من الإنفاق على مملوكه باع الحاكم ماله في نفقته؛ وهل يبيع شيئا فشيئا أم يستدين عليه فإذا اجتمع عليه شيء صالح باع؟ فيه وجهان.
انتهى.

والأصح كما قاله في "الروضة" من "زوائده" هو الثاني.

قوله: ويبقي للنحل شيئا من العسل في الكوارة، فإن كان الإشبار في الشتاء وتعذر الخروج فينبغي أن يكون المتبقي أكثر.
انتهى.
واعلم أن الكواري بلا ألف ولا تاء موضع الزنابير التي يخرج منها العسل، والكوارة بضم الكاف وبالألف وبالتاء أيضًا في آخره هو العسل في الشمع؛ كذا قاله الجوهري؛ وحينئذ فالتعبير بالكور أقرب من التعبير بالكوارة.
وأما الإشبار فهو بالشين المعجمة، وقد سبق الكلام عليه في طلاق المكره.

قوله: لكن يكره ترك سقي الزرع والأشجار عند الإمكان لما فيه من إضاعه المال.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذا الحكم والتعليل، وما جزما به من أن إضاعة المال مكروهة قد خالفاها في مواضع صرحا فيها بأنها محرمة؛ منها في الجنايات في الكلام على إلقاء المتاع في البحر لإشراف السفينة على الغرق؛ وحينئذ فلا يجتمع ما ذكره من الحكم والتعليل بل إن ثبتت الإضاعة بطل القول بالكراهة، وإن ثبتت الكراهة بطل القول بكونه إضاعة.
والصواب أن يقال: إن كان سبب الإضاعة ترك أعمال كمسألتنا فلا حرمة لأن الأعمال قد تشق عليه، وإن كان عكسه كإلقاء المال في البحر حرمت.
ويشهد له أيضًا بيع نصف معين من ثوب ينقص بالقطع فقد قالوا بتحريمه وبطلانه وعللوه بالإضاعة، وقد ذهب الروياني في مسألتنا إلى التحريم ونقله عنه الرافعي في الباب الأول من كتاب الرهن في الكلام على ما إذا اتفق الراهن والمرتهن على ترك السقي إلا أنه صحح خلاف ما قاله.

جارٍ التحميل