قال الجوهري: تقول: اعروريت الفرس: ركبته عريًا -أي: بلا سرج- وهو افعوعل.
انتهى.
فعلى هذا يكون اسم الفاعل منه معروريًا والسؤر في الكلام الرافعي مهموز والمراد به بقية الماء.
قوله: والثاني: ما له استحالة واجتماع في الباطن كالدم والبول والعذرة فهي نجسة من غير المأكول بالإجماع وأما في المأكول فبالقياس عليه.
انتهى ملخصًا.
ودعواه الإجماع ليس كذلك فقد ذهب النخعي كما حكاه العمراني في "البيان" والشاشي في "الحلية" إلى أن البول طاهر من المأكول وغيره.
قوله: وهل يحكم بنجاستها من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فيه وجهان، قال أبو جعفر الترمذي: لا، لأن أبا طيبة الحجام شرب دمه ولم ينكر عليه وروي أن أم أيمن شربت بوله، ولم ينكر عليها.
انتهى.
وما نقله عن أبي جعفر الترمذي في هذه المذكورات ليس كذلك، بل إنما خالف في بعضها، فقد قال الماوردي في "الحاوي": وكان أبو جعفر الترمذي من أصحابنا يزعم أن شعر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحده طاهر، وأن شعر غيره من الناس نجس، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين حلق شعره بمنى قسمه بين أصحابه، ولو كان نجسًا لمنعهم منه، قيل له: قد حجمه أبو طيبة وشرب دمه بحضرته، أفنقول أن دمه طاهر؟ فركب الباب وقال: أقول بطهارتها، قيل له: فقد روي أن امرأة شربت بوله.
فقال لها: "إذا لا ينجعك بطنك" 1. أفتقول بطهارة بوله؟ قال: لا، لأن البول متقلب من الطعام والشراب، وليس كذلك الدم والشعر لأنهما من أصل الخلقة.
انتهى كلام
الماوردي ذكره في باب الآنية في أثناء مسألة أولها: قال الشافعي: ولا يطهر بالدباغ إلا الإهاب.
وقد تلخص من ذلك أنا لا نقول بطهارة البول والغائط والقيء على خلاف ما ذكره الرافعي.
نعم: الخلاف ثابت عن غير أبي جعفر الترمذي، حكاه القفال في "شرح التلخيص" في الكلام على الخصائص، ثم تلقاه منه جماعة، وحديث أبي طيبة ضعيف كما قاله في "شرح المهذب"، وأما شرب المرأة البول فرواه الدارقطني، وقال: إنه حديث صحيح 1.
وأبو طيبة بطاء مفتوحة ثم ياء بنقطتين من تحت ساكتة بعدها باء موحدة، وأم أيمن اسمها: بركة، وكانت حاضنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكفلت به طفلًا.
واعلم أن الفوراني في كتاب "العمد" قد أشار هنا إلى خلاف صرح به غيره، وهو أن العسل هل يخرج من فم النحلة أم من دبرها؟، وحينئذ فلابد من استثنائه وحكي خلافًا في كتاب الزكاة في نجاسة العنبر؛ منهم من قال: إنه نجس؛ لأنه يخرج من بطن دويبة لا يؤكل لحمها.
ومنهم من قال: إنه طاهر؛ لأنه ينبت في البحر ويلفظه وأما الزباد بزاي معجمة بعدها باء موحدة، ثم ألف وهو الطيب المعبر عنه بالزبدة، فقال في "شرح المهذب" هنا: سمعت جماعة من الثقات من أهل الحرة بهذا يقولون إنه عرق سنور بري.
فعلى هذا يكون طاهرًا بلا خلاف، وقال الماوردي والروياني في آخر باب بيع الغرر: إنه لبن سنور في البحر.
قالا: فإذا قلنا بنجاسة ما لا يؤكل لحمه ففي هذا وجهان:
أحدهما: أنه أيضًا نجس كغيره.
والثاني: طاهر كالمسك، والمعروف أن جميع حيوانات البحر طاهرة يجوز أكلها فيكون الزباد على هذا التقدير طاهرًا.
قوله: والقيء.
كذا ذكره النووي في "أصل الروضة" ولم يصرح به الرافعي هنا.
نعم ذكره في "المحرر" وكذلك في "الشرح الصغير" وحكي فيه وجهًا أنه إن تغير كان نجسًا وإلا فلا.
واعلم أن النووي قد ذكر من "زوائده" هنا أن البهيمة إذا أكلت حبًا ثم ألقته صحيحًا، فإن كانت صلابته باقية وهو الذي بحيث لو زرع لنبت كان طاهر العين متنجسًا فيغسل ويؤكل، وإلا كان نجسًا، وقياسه في القيء كذلك فتفطن له، حتي لو ابتلع ماء ثم ألقاه غير متغير وفرعنا على أنه نجس كما صححه الرافعي وغيره طهر بالمكاثرة.
نعم: الرطوبة الخارجة من المعدة نجسة، ونحن لا ندري هل خرج منها شيء مع الماء أم لا؟ وبتقديره فلا يعلم أن الخارج مقدار تغير لو فرضناه مخالفًا.
قوله: وفي خرء السمك والجراد وبولهما وجهان: أظهرهما: النجاسة كغيرهما.
والثاني: لا؛ لجواز ابتلاع السمكة حية وميتة.
انتهى.
الخُرء بخاء معجمة مضمومة هو الرَّوَث فاعلمه لئلا يتصحف بالجزء بالجيم فإنه فيه خلاف كما سبق.
قوله في "أصل الروضة": وفي دم السمك والجراد وجهان أصحهما النجاسة.
انتهى.
وما ذكره من أن الجراد له دم غلط، فقد صرح الأصحاب بأنه لا دم له، ولهذا لم يذكره الرافعي فاعلمه.
قوله: أما الأدمي فلبنه طاهر إذ لا يليق بكرامته أن يكون نشؤه على الشيء النجس.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاقه ويستثني منه لبن الميتة فإنه نجس، كذا هو في الرضاع من "الحاوي" و"الشامل" وغيرهما وفي البيوع من "الإستقصاء".
لكن في أخر بيع الغرر من "البحر" أنه طاهر يجوز شربه وبيعه.
واختلفوا في لبن الرجل والصغيرة فذهب ابن الصباغ إلى نجاسته من الرجل، وصاحب "البيان" وابن يونس شارح "التنبيه" إلى نجاسته من الصغيرة وتعليل الرافعي يرشد إليهما، ورأيت في "شرائط الأحكام" لابن عبدان وفي "التلقين".
لابن سُراقة وغيرهما من كبار متقدمي الأصحاب ما يدل على الطهارة فإن عبارة الأول: إلا مني الأدميين ولبنهم، وعبارة الثاني: إلا لبن بني آدم.
قوله: والأنفحة طاهرة على أصح الوجهين بشرطين:
أحدهما: أن يؤخذ من السخلة المذبوحة.
والثاني: أن لا يطعم غير اللبن فإن ماتت أو أطعمت غير اللبن فهي نجسة بلا خلاف.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أنه لا حاجة إلى الشرط الثاني أصلًا فإن اسم الأنفحة لا يطلق في اللغة إذا أكل الحيوان غير اللبن، قال الجوهري: والإنفحة: بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة كرش الحمل، أي: بالحاء، أو الجدي ما
لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش عند أبي زيد، وكذلك المنفحة.
هذا كلام الجوهري.
الأمر الثاني: أن دعوي نفي الخلاف فيما إذا أكل غير اللبن لا تستقيم فقد تقدم أن روث المأكول فيه خلاف وهذا من جملة الأرواث، ويدل عليه كلام الجوهري السابق وكلام غيره أيضًا.
قوله: فأما مني الأدمي فطاهر لقول عائشة: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم يصلي فيه" 1، وفي رواية "وهو في الصلاة" 2، والإستدلال بها أوضح، وحكي بعضهم عن صاحب "التلخيص" قولين في مني المرأة، وحكي آخرون عنه أن مني المرأة نجس، وفي مني الرجل قولان وهو أقوي النقلين عنه.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن هذه الطرق لما اختصرها في "الروضة" عبر بقوله: وأما المني فطاهر وقيل فيه قولان، وقيل: القولان في مني المرأة خاصة.
هذا لفظه.
فأسقط الطريقة الثالثة التي هي أشهر مما قبلها، وهي القائلة بأن مني المرأة نجس، وفي مني الرجل القولان، وزاد طريقة أخري وهي حكاية قولين في الجميع، وحاصله: أنه سها فأبدل طريقة بطريقة، ووقع هذا الوهم المذكور في "شرح المهذب" أيضًا، فإن عادته أن يأخذ مما نصه في "الروضة" وينقله إلى الشرح المذكور.
الأمر الثاني: أن كلام ابن القاص في "التلخيص" موافق لما رجح الرافعي ثبوته عنه، فإنه قال ما نصه: وكل ما خرج من السبيلين فهو
نجس إلا مني الرجل، ثم قال: وفي القديم إنه نجس، قاله بعض أصحابنا.
هذا لفظه ومنه نقلت؛ فاقتضي الجزم بأن مني المرأة نجس وأن القولين في مني الرجل، ورأيت في كتاب "المفتاح" له أيضًا ما هو أصرح من كلامه في "التلخيص"، فقال: وفي المني قولان:
أحدهما: نجس.
والآخر: طاهر ومني المرأة نجس.
هذه عبارته.
الأمر الثالث: أن مني الخصي يلحق بمني المرأة عند من قال بنجاسته كذا حكاه في "الاستقصاء" عن "الخصال" للخفاف ثم رأيته في "الخصال" قبيل البيان عن حال الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها فقال: وكل مني نجس إلا مني الرجل الفحل دون الخادم، هذه عبارته، والحديث الذي ذكره الرافعي رواه الشيخان، وأما رواية "وهو في الصلاة" فرواها ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.
قوله في "أصل الروضة": وأما الزرع النابت على السرجين فقال الأصحاب ليس هو نجس العين، لكن ينجس بملاقاة النجاسة، فإذا غسل طهر، وإذا سنبل فحباته الخارجة طاهرة.
انتهى.
هذه المسألة ذكره الرافعي في باب الأواني قبل الكلام على إناء الذهب والفضة فاعلمه.
قوله: قلت: القيح نجس وكذا ماء القروح إن كان متغيرًا.... إلى آخره.
هاتان المسألتان ذكرهما الرافعي في شروط الصلاة.
قوله من "زياداته": وليست رطوبة فرج المرأة والعلقة بنجستين في الأصح ولا المضغة على الصحيح، والمِرَّة نجسة وكذا جرة البعير.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن رطوبة الفرج والعلقة والمضغة، قد ذكرها الرافعي في الكلام على المني فحكي أن في العلقة والمضغة وجهين، وقال: أصحهما الطهارة.
وأما الرطوبة فلم يصرح فيها بتصحيح ولا بكون الخلاف فيها وجهين أو قولين؟ لكن مقتضي كلامه تصحيح الطهارة فحذف النووي المسائل الثلاث، ثم ذكرها من "زوائده" هنا، وقد ذكرها الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" وصحح طهارة الجميع، وصرح في "الشرح الصغير" بأن الخلاف في الكل وجهان، ولم يبينه في "المحرر".
نعم يشترط في العلقة والمضغة على قاعدة الرافعي أن يكونا من الآدمي فإن مني غيره نجس عنده والعلقة والمضغة أولى بالنجاسة من المني، ويدل عليه تردده في "المحرر" و"المنهاج" في نجاستهما مع جزمه فيهما بطهارة المني، وأما على طريقة النووي ففيه نظر، ويقتضي تعليله أنه كذلك أيضًا.
الأمر الثاني: أن رطوبة الفرج طاهرة مطلقًا سواء كان الفرج من امرأة أو بهيمة كما قال في كتبه حتي في "تصحيح التنبيه" و"دقائق المنهاج".
الأمر الثالث: أن الشيخ قد قال في "المهذب" أن المنصوص نجاسة رطوبة الفرج، وقال الماوردي في باب ما يوجب الغسل: إن الشافعي قد نص في بعض كتبه على طهارتها، ثم حكي التنجيس عن ابن سريج فتلخص أن الخلاف فيها قولان لا وجهان.
الأمر الرابع: "أن النووي قد نقل في شرح المهذب" أن المذهب القطع بطهارة المضغة، وقيل: على وجهين، وهو مناقض لجزمه هنا بطريقة الوجهين، وأبلغ منه أنه سوى في "المنهاج" بين العلقة والمضغة في التعبير
بالأصح فجعل الخلاف فيها قويًا، والصواب خلاف ما في "شرح المهذب" لأن المضغة إما كميتة الآدمي وفيها قولان في الجديد شهيران أو كجزءه المنفصل، وفيه طريقان، حاكية للخلاف، وقاطعة بالنجاسة، فكيف يكون الصحيح فيها القطع بالطهارة؟.
الأمر الخامس: إذا فرعنا على نجاسة رطوبة الفرج فنقل النووي في "شرح المهذب" عن "فتاوى صاحب الشامل" ولم يخالفه: أن المولود لا يجب غسله إجماعًا.
ذكره ذلك في موضعين من باب إزالة النجاسة وقال في آخر باب الآنية من الشرح المذكور إن فيه وجهين حكاهما الماوردي والروياني، وقد حكاهما أيضا الشيخ تقي الدين ابن الصلاح في "فتاويه" ورأيت في "الكافي" للخوارزمي أن الماء لا ينجس بوقوعه فيه على الأصح فيحتمل أن يكون الخلاف مفرعًا [على الخلاف] 1، وأن يكون مفرعًا على القول بعدم وجوب الغسل لكونه نجسًا معفوًا عنه.
الأمر السادس: في بيان هذه الأمور: فأما رطوبة الفرج فليس المراد بها البلل الخارج مع الولد أو غيره فإنه نجس كما جزم به الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "شرح المهذب"، وقال الإمام: لا شك فيه، بل هي كماء أبيض متردد بين المذي والعرق كما قاله في "شرح المهذب".
والعلقة: دم غليظ يستحيل المني إليه.
والمضغة: لحمة سميت بذلك لأنها صغيرة بقدر ما يمضغ.
وأما المرة: فبكسر الميم وهي إحدى الطبائع الأربع، كما قال الجوهرى، ونجاستها ظاهرة، وذكر في "شرح المهذب" عن "الفروق"
للشيخ أبي محمد كلامًا يوهم أن وعاء المرة أيضًا نجس وهو باطل، ومراد الشيخ ذكر أشياء هي مقر لما يستحيل من النجاسات ولهذا عدّ معها المعدة والمثانة.
نعم: إن انفصلت جاء فيها الخلاف في جزء الآدمي.
وأما الجرة فهو بكسر الجيم كما قاله الجوهري قال: وهو ما يخرجه البعير ليجتر به، ونجاسته واضحة؛ لأنه كالقيء.
قوله: أيضًا من "زياداته": وأما الماء الذي يسيل من فم النائم فقال المتولى: إن كان متغيرًا فنجس وإلا فطاهر، وقال: غيره: إن كان من اللهوات فطاهر أو من المعدة فنجس.
ويعرف كونه من اللهوات بأن ينقطع إذا طال نومه وإذا شك فالأصل عدم النجاسة انتهى كلامه.
وهو عجيب يوهم اختلافًا في المسألة، ولا شك أنه توهم ذلك فإنه في "التحقيق" جعله وجهين، وليس كذلك بل هو مقالة واحدة، فإن الخارج من المعدة يكون متغيرًا بخلاف الخارج من غيرها هكذا ذكره الأصحاب حتى الرافعي في "الشرح الصغير" فإنه ذكر أنه إنما يكون نجسًا إذا خرج من المعدة.
ثم قال: ويعرف كونه من المعدة بصفرته ونتنه إلا أن بعضهم قسمه باعتبار المحل، وبعضهم باعتبار الصفات والآثار، وبعضهم جمع كالرافعي.
وكلامه في "شرح المهذب" أقل إيهامًا، وصرح فيه بأن القائل الآخر هو الشيخ أبو محمد في "التبصرة"، ومن جملة كلامه هذا: أن الخارج من المعدة نجس بالإجماع.
قوله في المسألة: وإذا حكم بنجاسته وعمت بلوى شخص به لكثرته منه فالظاهر أنه يلحق بدم البراغيث وسلس البول ونظائره.
انتهى لفظه.
ذكر مثله في "شرح المهذب" وهو غير مستقيم لأن حكم دم البراغيث أنه يعفى عنه في الثوب والبدن ولا يجب غسله، وحكم سلس البول أنه يجب غسله والتطهير منه بحسب الإمكان، وإنما يعفى عن الخارج منه بعد الطهارة [فإلحاق] 1 الماء السائل بأحدهما لا يصح معه إلحاقه بالآخر، ويلزم من ذلك عدم العلم بما قاله.
وقال في "التحقيق": قياس المذهب العفو.
وهذه عبارة جيدة مبينة للحكم فليؤخذ بها.
قوله في "الزيادات" أيضًا: قال المتولى: والوسخ المنفصل من الآدمى فى حمام وغيره له حكم ميتته، وكذلك وسخ غيره.
وفيما قاله نظر ينبغي أن يكون طاهرًا قطعًا كالعرق.
انتهى.
وضعف النووي في "شرح المهذب" كلام "التتمة" فقال: وهو ضعيف، لم أره لغيره.
والذي قاله النووي مردود، فإن الوسخ قد يكون عن تجمد عرق أو انفصال غبار ونحوه، وقد يكون قِطَعًا يسيرة تتفتت من الجلد عند خشونته كما ينبثق كثيرًا في الرجلين وخصوصًا عند تقشف البدن.
فلا يسلم أن المتولى أراد القسم الأول، بل الظاهر أنه يريد الثاني، والتخريج الذي قاله فيه صحيح.
وأما قوله في "شرح التهذيب": إنه لم يره لغيره.
فغريب، فإن صاحب "البحر" قد جزم به أيضًا، وهو كثير النقل عنه.
الفصل الثاني في الماء الراكد
قوله: ذهب أبو عبد الله الزبيري إلى أن القلتين ثلاثة مائة مَنٍ.
ثم قال: والمذهب أن القلتين مائتان وخمسون منًا وهو خمسمائة رطل.
انتهي كلامه.
واعلم أن هذا النقل عن الزبيري قد وقع للقفال، فتابعه عليه جماعة ممن جاء بعده، فرأيته في "تعليق القاضي الحسين"، وكذلك في "شرح التلخيص" له فقال: ومن أصحابنا من قال: وهو أبو عبد الله الزبيري ذكره في كتابه الملقب بـ"الكافي" أن القلتين ثلثمائة منًا.
هذه عبارته.
ونقله عنه أيضًا الفوراني في "الإبانة"، وفي "العمد".
وكذلك أبو الحسين الطبري في ["العدة"] 1، والإمام، ثم الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" و"عقود المختصر" فتابعهم الرافعي ثم المصنف في "الروضة".
وقد راجعت كلام الزبيري في كتابه "الكافي" فرأيت فيه الجزم بأن القلتين خمسمائة رطل على وفق المذهب، ذكر ذلك في موضعين من كتابه في أوله وبعد التيمم.
قوله: والأصح أن هذا التقدير تقريب، فلا يضر نقصان القدر الذي لا يظهر نقصانه تفاوت في التغير بالقدر المغير من الأشياء المُغيِّرة.
انتهي.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد اعترض عليه في "الروضة" فقال من "زياداته":
الأشهر تفريعًا على التقريب أنه يعفي عن نقص رطلين، وقيل: ثلاثة ونحوها، وقيل: مائة رطل.
انتهي كلامه.
وما ذكره هاهنا تفريعًا على التقريب قد خالفه في "التحقيق" فصحح ما قاله الرافعي فقال: وهو تقريب في الأصح، فلا يضر نقصان ما لا يظهر تفاوت بنقصه.
وقيل: يعفي عن رطلين، وقيل: ثلاثة، ويقال: مائة.
هذا لفظه.
وكلامه في "شرح المهذب" يقتضي أن الراجح ما ذكره في "الروضة".
الأمر الثاني: أن هذا الذي جزم به الرافعي هو بحث أبداه الإمام فقال: إذا قلنا بالتقريب فالأقرب أنه لا [يضر] 1 نقصان قدر لو طرح على [باقيه] 2 شيء من الزعفران مثلًا [لو] 3 قدر طرحه على الكامل لم يظهر تفاوت في التغير.
فإن كان قدرًا يظهر التفاوت بسببه ضر.
هذا كلامه.
فجزم به الرافعي، وعبر عنه بعبارة قلقة، وتبعه عليه في "الروضة"، وقد [تحرر] 4 أن الصواب خلافه.
قوله من "زوائده": وإذا وقعت في الماء القليل نجاسة وشك هل هو قلتان أم لا؟ فالذي جزم به صاحب "الحاوي" وآخرون أنه نجس لتحقق النجاسة،
ولإمام الحرمين فيه احتمالان.
والمختار، بل الصواب الجزم بطهارته لأن الأصل طهارته وشككنا في نجاسة منجسه، ولا يلزم من النجاسة التنجيس.
انتهي كلامه.
ومراده "بالقليل" هو القليل عرفًا لا المصطلح عليه.
إذا علمت ذلك فما ذكره هو وغيره من إطلاق المسألة ليس بجيد، بل الصواب، أن يقال: إن جُمع شيئًا فشيئًا، وشك في وصوله قلتين، فالأصل القلة.
وإن كان كثيرًا وأخذ منه شيء، ثم شك فالأصل بقاء الكثرة.
وإن ورد شخص على ماء يحتمل القلة والكثرة فهذا موضع التردد.
قوله: أما القليل فيتنجس بملاقاة النجاسة تغير بها أم لا، لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" 1 ويروى "نجسًا" 2. انتهى.
استثنى النووي -رحمه الله- في أصل "الروضة" ما لا نفس له سائلة، وما لا يدركه الطرف والهرة إذا تنجس فيها ثم غابت على ما في الثلاثة من الخلاف المعروف.
إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن استثناء الهرة يدل على أن الضم باقٍ على الحكم بتنجيسه، وإلا لم يصح استثناؤه.
وحينئذ فيكون الأصحاب قد أخذوا بالأصل في الموضعين، أي: في بقاء طهارة الماء، وبقاء نجاسة الفم، وليس في "الشرح" و"الروضة" ما يخالف هذا فاعتمده فإنه أمر مهم مُنقاس قد غفل عنه من غفل.
الأمر الثاني: أنه يستثنى مع ذكره أمور:
منها: غسالة النجاسة بالشروط المعروفة.
ومنها: اليسير من الشعر الذي حكمنا بتنجيسه فلا ينجس الماء القليل كما صرح به النووي من "زياداته" في باب الأواني ونقله عن الأصحاب.
قال: ولا يختص الاستثناء بشعر الآدمي في الأصح.
ثم قال: إن اليسير يعرف بالعرف.
وقال الإمام: لعله الذي يغلب إنباته.
وقال في "المهذب": يعفي عن الشعرة والشعرتين [وفي "تحرير الجرجاني": يعفي عن الشعرتين] 1 والثلاث.
ومنها: القليل من دخان النجاسة إذا حكمنا بتنجيسه فإنه يعفي عنه كما جزم به الرافعي في آخر صلاة الخوف، لكنه لم ينص على الماء بخصوصه وإنما أطلق العفو، ومقتضاه أنه لا فرق وهو ظاهر أيضًا، ووراء ذلك وجهان آخران مشهوران حكاهما في "الكفاية":
أحدهما: العفو قليلًا كان أو كثيرًا.
والشافي: التنجيس مطلقًا.
وفيه كلام آخر يأتي في صلاة الخوف.
ومنها: الحيوان إذا كان على منفذه نجاسة ثم وقع في الماء لا ينجسه
على أصح الوجهين كما ذكره الرافعي أيضًا في باب شروط الصلاة للمشقة في صونه، ولهذا لو كان مستجمرًا نجسه كما جزم به الرافعي: وادعي في "شرح المهذب" أنه لا خلاف فيه، لكنه حكي في "التحقيق" وجهًا بخلافه.
ومنها: الصبي إذا أكل شيئًا نجسًا ثم غاب واحتمل طهارة فمه، فإنه كالهرة في عدم التنجيس كذا ذكره ابن الصلاح في "فتاويه" وهي مهمة نفيسة ولهذا قال الغزالي: إن هذا الخلاف لا يجري في حيوان لا يعم اختلاطه بالناس، وخالفه المتولي فحكاه فيما إذا أكل السبع جيفة ثم غاب.
واعلم أن الحديث السابق وهو حديث القلتين رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الطحاوي وابن منده وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وزاد أنه على شرط الشيخين.
وأما رواية: نفي التنجيس.
فرواها أبو داود وابن حبان ولفظها: "فإنه لا ينجس"، وإسنادها صحيح كما قاله البيهقي، وجيد كما قاله يحيى بن معين.
وفي رواية: "إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء".
رواه الشافعي في "الأم" والمختصر والبيهقي في "السنن الكبير".
قوله: وإذا تغير بعض الماء فظاهر المذهب نجاسة جميعه، وخرج وجه أنه لا ينجس إلا القدر المتغير وهو ظاهر لفظ الكتاب.
انتهى.
اعلم أن الرافعي قد جزم بعد هذا في الكلام على الجارى بموافقة الوجه الثاني، وسأذكر لفظه هناك، وصححه هنا في "الروضة" من "زوائده"، وإن كان لفظه يوهم أنه وجه آخر، فتفطن له.
وقال في "الشرح الصغير": إنه الأقوى.
فعلى هذا يكون المتغير كنجاسة جامدة، فإن كان الباقي دون القلتين فنجس، وإلا فطاهر.
قوله: ثم لو طال مكث الماء وزال تغيره بنفسه عاد طهورًا... إلى آخره.
ينبغي أن يعلم أنه لابد في هذه الحالة أيضًا من تقدير الواقع مخالفًا للماء.
وحينئذ فإن غيره ضر، وإلا فلا لأنه لا يزيد على ما إذا لم يغيره حالة الوقوع.
قوله في أصل "الروضة": فإن لم توجد رائحة النجاسة لطرح المسك فيه، أو طعمها لطرح الخل، أو لونها للزعفران؛ لم يطهر بالاتفاق.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه في المسك من الاتفاق لم يذكره الرافعي وليس كذلك أيضًا فقد حكاه فيه الخوارزمي في "الكافي" وجهين وقياس الباقي كذلك.
الأمر الثاني: أنه أشار بالمسك ونحوه إلى كون ذلك ممازجًا للماء فإن لم يكن ممازجًا كما لو ألقى فيه عودًا فزالت الرائحة فإنه يطهر كذا رأيت هذا الضابط بتمثيله في "فتاوي القفال" فتفطن له.
قوله: وإن طرح فيه التراب فلم يكف التغير فهل يعود طهورًا؟ فيه قولان] 1.
أحدهما: نعم لأن التراب لا يغلب عليه شيء من الأوصاف الثلاثة حتى يفرض سترها، فإذا لم يصادف تغيرًا أشعر ذلك بالزوال.
وأصحهما: لا يعود طهورًا؛ لأنه وإن لم تغلب هذه الأوصاف إلا إنه يكدر الماء، والكدورة من أسباب الستر فلا يدري معها أن التغير زائل أو مغلوب انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي قد وافق في "الروضة" وفي أكثر كتبه على أنه لا يطهر، ثم خالف في "النكت" التي على "التنبيه" فصحح أنه يطهر وهذا التصحيح لا يلتفت إليه فاعلمه.
الثاني: أن التعليل الذي ذكره الرافعي في أخر كلامه يشعر بأن محل الخلاف إنما هو في حال كدورة الماء حتى إذا صفا ولم يبق فيه تغير فإنه يعود طهورًا بلا خلاف، والأمر كذلك فقد صرح به القفال في "فتاويه" والمتولي في "التتمة" والنووي في "شرح المهذب"، وحذف أعني النووي التعليل المذكور من "الروضة"، وأرسل الخلاف.
قوله: وذكر بعضهم أن هذا الخلاف مفروض في تغير الرائحة وأما لو تغير اللون لم يؤثر طرح التراب فيه بحال، والأصول المتعمدة ساكنة عن هذا التفصيل انتهى كلامه.
فأما البعض الذي أشار إليه ولم يصرح باسمه فهو العجلي شارح "الوسيط"، وسبب عدم التصريح به: معاصرته له؛ على أنه قد صرح أيضًا بالنقل عنه في الطلاق في المسألة السريجية وعظمه في أثناء النقل عنه.
وأما دعواه أن الأصول ساكتة عنه فعجيب، فقد صرح المحاملي
في "المجموع" بجريان الخلاف في الأوصاف الثلاثة، وصرح الروياني في "البحر" بالخلاف في اللون وسكت عما عداه إلا أن مقتضاه التعميم.
وصرح القاضي الحسين والفوراني والمتولي بالخلاف فيه وفي الطعم، واقتضى كلامهم: عدم القول به في الرائحة على عكس ما قاله العجلي.
وقد استدرك في "الروضة" هنا على الرافعي فقال: بل صرح المحاملي والفوراني بجريان الخلاف في التغير بالأوصاف الثلاثة وأضاف إليهما في "شرح المهذب" المتولي أيضًا، وقد ظهر لك أن ما نقله عن الفوراني والمتولي ليس الأمر فيه كذلك، وقد نقله في "المطلب" عنهما على الصواب.
قوله: وأما ما لا يدركه الطرف كنقطة الخمر والبول التي لا تبصر والذبابة التي تقع على النجاسة تم تطير عنه، لفظه في المختصر يشعر بأنه لا يؤثر، ونقل عن "الأم" عكسه واختلف الأصحاب فيها على سبعة طرق إحداها: قولان في الماء والثوب.
والثانية: تؤثر فيهما قطعًا.
والثالثة: لا قطعًا.
والرابعة: تؤثر في الماء، وفي الثوب قولان.
والخامسة: تؤثر في الثوب وفي الماء قولان.
والسادسة: يؤثر في الماء دون الثوب.
والسابعة: عكسه.
وظاهر المذهب عند المعظم هو التنجس.
ويتحصل من هذه الطرق أربعة أقوال.
أحدها: أنها تنجسهما كغيرها من النجاسات.
والثاني: لا لتعذر الاحتراز.
والثالث: تنجس الثوب دون الماء؛ لأن الماء له قوة تدفع النجاسة.
والرابع: عكسه لأن صون الماء بالتغطية ممكن بخلاف الثوب؛ ولأن وقوع ذلك غالبًا إنما هو بطيران الذباب، وفي طيرانها ما يجففها فيؤثر في الماء بخلاف الثوب حتى لو كان الثوب رطبًا كان كالماء عند صاحب هذه المقالة.
انتهى كلام الرافعي ملخصًا.
فيه أمران.
أحدهما: أنه لم يصح هو ولا النووي في "الروضة" شيئًا من الطرق، وإنما صححا أصل الحكم، والصحيح طريقة القولين فقد صححها الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "التحقيق" "وشرح المهذب".
الأمر الثاني: لم يصرح الرافعي ولا النووي في "الروضة" بغير الماء المطلق كاللبن ونحوه، والماء المتغير بالطاهرات، ولا شك أنه يستفاد من كلام الرافعي السابق اختلاف في أن العلة في عدم تنجيسه للماء المطلق هل هي المشقة أو ما فيه من القوة الدافعة للنجاسة؟ فعلى الأول يتناول الماء وغيره، وعلى الثاني يختص بالماء.
وقد صرح في "المنهاج" بأن ذلك كله لا ينجس فقال: ويستثني ميتة لا دم لها سائل فلا تنجس مائعًا على المشهور، وكذا في قول نجس لا يدركه طرف.
قلت: ذا القول أظهر والله أعلم.
وتقرير ما ذكرناه أن الرافعي في "المحرر" لم يعبر فيما لا دم له يسيل بالمائع بل بالماء فعبر به النووي ثم نبه عليه في "الدقائق" فقال: وقوله مائعًا أحسن من قول "المحرر" ماء؛ لأن المائع أعم والحكم سواء هذه عبارته.
ثم حكم على ما لا يدركه الطرف بما حكم به على ما لا نفس له سائلة حيث عبر بقوله: وكذا -أي: هذا الحكم- وهو: عدم تنجيس المائع ثابت فيما لا يدركه الطرف، ونقل في "الكفاية" عن بعض شراح "التنبيه" أنه ينجس به بلا خلاف.
ثم قال: ولست أعتقد صحته ثم استدل عليه بشيء فيه ضعف، وقد تحرر أمره واتضح بما ذكرناه.
قوله: بل لو كمل الماء الناقص عن القلتين بماء ورد وصار مستهلكًا فيه ثم وقعت فيه نجاسة تنجس وإن لم يتغير، وإنما لا تقبل النجاسة قلتان من محض الماء.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وهو مشكل، فإنهم قد جعلوا المائع المستهلك في الماء بمثابة الماء في جواز الطهارة به، وبالغوا فيه فأوجبوه كما تقدم فلم لا جعلوه بمثابته في عدم تنجيس الماء عند بلوغه به قلتين؟.
قوله: ولو كوثر الماء النجس عاد طهورًا ثم قال: والعبرة بضم الماءين لا بخلطهما حتى لا يضر تمييز الصافي منهما عن الكدر.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" لكن ذكر بعد هذا في الكلام على ما إذا غمس كوزًا فيه ماء نجس في ماء كثير ما يعرفك أن الماءين إذا كانا على الأرض واتصلا بفتح حاجز فلابد من اتساعه ولا يكفي الضيق.
قوله: لو أضيف إليه ما يغمره ويغلب عليه ولكن لم يبلغ به قلتين لم يطهر
في أظهر الوجهين، فإن قلنا: يطهر لم تعد طهوريته.
انتهى.
والأكثرون على أنه يطهر وقد نبه عليه ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: إذا وقع في الماء الراكد الكثير نجاسة جامدة فهل يجوز الاغتراف مما حوالي النجاسة [أم يجب] 1 التباعد عنها بقدر قلتين؟ فيه قولان: القديم وهو ظاهر المذهب على خلاف الغالب أنه يجوز الاغتراف من أي موضع شاء ولا يجب التباعد لأنه طاهر كله بدليل حديث القلتين.
والجديد: أنه يجب لأن ما دون القلتين مما يجاور النجاسة لو كان وحده لكان نجسًا فكذلك إذا كان معه غيره وأثر الكثرة رفع النجاسة عما وراء ذلك القدر.
انتهى.
وما ذكره [من] 2 كون الفتوى على القديم تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، لكن رأيت في "شرح الفروع" "وشرح التلخيص" كلاهما للشيخ أبي علي السنجي أن الشافعي نص في "اختلاف الحديث" على أنه لا يجب التباعد وهو من الجديد قال: وحينئذ فالفتوى إنما هي على الجديد، وقد نقله عنه أيضًا النووي في "شرح المهذب" وقال: إن القلتين يشترطان من كل جانب على الصحيح، وقيل: توزعان على الجوانب الأربعة.
قوله: وينبغي أن يبحث عن القولين في مسألة التباعد أهما في جواز الاستعمال بعد الاتفاق على الطهارة أم في الطهارة والنجاسة والتباعد يترتب عليهما؟ ثم قال: هذا فيه نظر وتأمل [وقد صرح بعض المعلقين عن الشيخ أبي محمد بالأول] 3. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي نفسه قد صرح في تعليل القولين بالثاني، كما تقدم نقله عنه، فكيف يستقيم معه أن يبدي ما أبداه من التردد.
ثم إن المسألة مشهورة مصرح بها في كتب العراقيين والخراسانيين وقد نبه عليه النووي في "شرح المهذب"، وفي "الروضة" أيضًا فقال: هذا التوقف عجيب فقد صرح بالأول أي بالطهارة جماعات منهم الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وصاحب "الحاوي" والمحاملي وصاحب "الشامل" "والبيان" وآخرون وهو الصواب.
قال: وقطع بالثاني جماعة منهم القاضي الحسين وإمام الحرمين والبغوي وغيرهم حتى قال هؤلاء الثلاثة: لو كان قلتين فقط كان نجسًا على قول التباعد.
قلت: وجزم أيضًا الدارمي في "الاستذكار" وأبو الحسين الطبري في "العدة" بأنه طاهر.
والفوراني في "الإبانة" والخوارزمي في "الكافي" بأنه نجس.
الأمر الثاني: أن الشيخ أبا محمد قد نص على أنه نجس وقطع به على خلاف المنقول عنه هاهنا كذا رأيته في موضعين من كتاب "التبصرة" له ونقله عنه ابن الصلاح أيضًا فيما جمعه من الفوائد في رحلته إلى بلاد الشرق.
الثالث: أن الشافعي قد نص على المسألة وجعل الذي يجب التباعد عنه نجسًا، كذا رأيته في "شرح التلخيص" للقفال فقال ما نصه: قال الشافعى: وما حوالي الجيفة نجس حتى يتباعد عنه بقدر قلتين ويستعمل ما
وراء ذلك هذا لفظه.
ورأيت في "فتاويه" أيضا نحوه، وقد انقطع النزاع بذلك.
قوله في الزيادة المتقدم ذكرها: إن صاحب "الحاوي" والقاضي أبا الطيب ممن صرحا بالطهارة.
وليس كما قال في النقل عنهما.
فأما القاضي أبو الطيب فلم يصرح بشيء فإنه قال في تعليقه: فقد اختلف أصحبنا في كيفية استعماله على وجهين:
أحدهما: قاله أبو العباس ابن القاص وأبو إسحاق المروزي: أنه يجب أن يستعمل من موضع يكون بينه وبين النجاسة قدر قلتين ووجهه: أنه لا حاجة إلى أن يستعمل الماء وفيه نجاسة.
والوجه الثاني: قاله أبو العباس ابن سريج والاصطخري وهو الصحيح وعليه عامة أصحابنا: أنه يستعمل منه كيف شاء هذا كلامه.
وأما الماوردي فقال:
أحدهما: لا يجوز أن يستعمل من هذا الماء إلا من مكان يكون بينه وبين النجاسة قلتان اعتبارًا بأن ما قارب النجاسة كان أخص بحكمها.
والثاني: يجوز لأن الماء الواحد لا يتبعض حكمه وإنما يجري عليه حكم واحد في النجاسة أو الطهارة.
هذا موضع الحاجة من كلامه وهو وإن لم يكن صريحًا في كونهما في النجاسة فلا إشعار له بالطهارة أصلًا.
الفصل الثالث في الماء الجاري
قوله: قال الغزالي: النهر المعتدل إذا وقعت فيه نجاسة مائعة لم تغيره فطاهر؛ إذ الأولون لم يحترزوا عن الأنهار الصغيرة.
قال الرافعي في شرحه له: كلام الغزالي هنا في الماء القليل وكأنه اختيار للقول القديم الذي حكاه صاحب "التلخيص" وغيره أن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير، وذلك القول قد اختاره طائفة من الأصحاب ووجهوه بشيء آخر غير ما ذكره في الكتاب، وهو أن الماء الجاري وارد على النجاسة فلا ينجس إلا بالتغير كالماء الذي زالت به النجاسة.
انتهى كلامه ملخصًا من تفرق كبير.
وكلامنا معه موقوف على مقدمة.
فنقول: اختلف الأصحاب في محل القديم فقال في "التتمة": محله في الماء الذي يجري على النجاسة الواقفة وينفصل عنها، وقال: إن صاحب "التلخيص" رواه هكذا على القديم.
وقال القاضي أبو الطيب: محله في الجرية التي اشتملت على نجاسة جامدة تجري بجريان الماء لا قبلها ولا بعدها.
وكذا ذكره في "المهذب".
وقال الخوارزمي محله في النجاسة المائعة التي [لم] 1 تغير الماء.
وقال في "شرح المهذب": القديم جار في المائعة والجامدة الواقفة والجارية.
والحق: ما قاله في "التتمة" لاسيما وقد نقلوه صريحًا عن تصوير الشافعى، وتعليل الرافعي يدل له أيضًا، واستبعد في "الكفاية" تصوير
القاضي قال: لأن الجرية شبيهة بالماء الراكد.
إذا علمت ذلك فقد صرح الغزالي عقب هذا بأن القليل المار على النجاسة نجس، وألحق أيضًا الجارية بالجامدة وسأذكر لفظه عقب هذا، وحينئذ فيبطل قول الرافعي: إنهم وجهوه بأن الجاري وارد على النجاسة إلى آخره، فإن هذا تعليل ممن صور القديم بالماء المار عليها، وأخذ الرافعي حكمًا من قائل وتعليلًا من آخر، فلزم الجمع بين متنافيين، وهذا كله نشأ من تنزيل الرافعي كلام "الوجيز" على اختيار القديم.
قوله: في المائعة أيضًا وهذا إذا لم تغير الماء حسًا أو تقديرًا فإن غيرته فالقدر المتغير نجس وحكم غيره معه كحكمه مع النجاسة الجامدة.
انتهى كلامه.
وقد سبق في الماء الراكد أنه إذا تغير بعضه تنجس جميعه على ظاهر المذهب وحكى وجهًا موافقًا لما جزم به هاهنا.
وقد ذكر هو وغيره أن كل جرية من الماء الجاري لها حكم ماء مستقل فلزم حينئذ أن تكون المسألتان على حد سواء، وقد صرح هو به بعد هذا في آخر الفصل فقال: الثالث قضية كلام الأكثرين تلويحًا وتصريحًا أنه لا فرق بين الحريم وغيره لا في الماء الراكد ولا في الجاري؛ لأنه إن كان طاهرًا فلا معنى لوجوب الاجتناب، وإن كان نجسًا فليزمه نجاسة ما يجاوره بملاقاته حتى يتعدى إلى جميع الراكد وإلى جميع الجاري مما في عرض النهر هذه عبارته.
قوله: قال الغزالي: وإن كانت جامدة فإن كانت تجري بجريان الماء فما فوق النجاسة وهو الماء الذي لم يصل إلى النجاسة وما تحتها وهو الذي لم تصل النجاسة إليه طاهر، وما على يمينها وشمالها فيه طريقان: قيل: بطهارته، وقيل: بتخريجه على قولي التباعد.
وإن كانت النجاسة واقفة فالحكم ما سبق إلا أن ما يجري على النجاسة وينفصل عنها فهو نجس فيما دون القلتين.
انتهى كلام الغزالي.
وفيه أمور:
أحدهما: أن ما ذكره من طهارة الجريان التي بعد النجاسة والتي قبلها قد وافقه عليه الرافعي والنووي، وإطلاقه لا يستقيم، كما نبه عليه البغوي في "التهذيب"، ونقله عنه في "شرح المهذب" فقال: إن الجرية التي تعقب جرية النجاسة تغسل المحل فهي في حكم غسالة النجاسة.
والذي قاله البغوي ظاهر متعين حتى لو كانت نجاسة مغلظة فلابد من سبع جريات عليه، ثم إن ما عدا السابعة من تلك الجريات نجس أيضًا على تفاوت بين تلك الغسلات في عدد ما يجب الغسل منها وهو مذكور في حكم غسالة الكلب واضحًا فليراجع منه.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر عقب هذا أن منهم من أجرى خلاف التباعد فيما بعد النجاسة دون ما قبلها؛ لأن ما بعدها مستمد مما قبلها، وإن في كلام العراقيين ما يقتضي طرده في جميع الجوانب وهاتان الطريقتان لم يذكرهما في "الروضة".
الأمر الثالث: أن الطريقتين اللتين فيما على جانبي النجاسة لم يصحح الرافعي منهما شيئًا في هذا الكتاب وتبعه عليه في "الروضة" وصحح الرافعي في "الشرح الصغير" طريقة التخريج وعبر بالأظهر، وصحح النووي في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" طريقة القطع، وهو الصواب فقد نقلها في "النهاية" عن الأكثرين.
وصرح -أعني الإمام- بأن الخلاف المذكور محله في الباقي من هذه
الجرية لا من غيرها، والطريقتان المذكورتان وهما الساقطتان من "الروضة" جاريتان أيضًا كما قاله الرافعي فيما يسامت النجاسة في العمق أو على وجه الماء.
الأمر الرابع: أنا قد استفدنا من لفظ الغزالي المذكور في أول المسألة أن الماء القليل إذا كان جاريًا لا ينجس إذا كانت النجاسة مائعة.
أو جامدة تجري بجريانه وأنه ينجس إذا كانت النجاسة جامدة وهو يمر عليها.
إذا تقرر هذا، فقد اعترض الرافعي في آخر الفصل على الغزالي فقال: إنه: لا يمكن أن تكون مسائل الفصل مفروضة في القليل وإلا كان خلاف التباعد جاريًا فيما على يمين النجاسة ويسارها مع قلة الماء وهو بعيد، بل الوجه الحكم بالنجاسة عند القلة، وكذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
هذه عبارته.
وقد ظهر لك أن الاعتراض مردود وأن كلام الغزالي على العكس مما توهمه.
قوله: أما النهر العظيم فيجتنب فيه حريم النجاسة خاصة ولا يعود فيه الخلاف الذي ذكرناه في التباعد عما حوالي النجاسة في النهر المعتدل، كذا قاله الغزالي في "الوجيز" وحكى في [البسيط] 1 وجهًا أنه [لا] 2 يجري خلاف التباعد فيه أيضًا، ووجهًا آخر أنه لا يجب اجتناب الحريم ثم ذكر في "الوجيز" أن هذا الحريم مجتنب في الماء الراكد، وجزم في "البسيط" بأنه لا يجتنب وفرق بينه وبين الماء الجاري على أحد الوجهين بأن الراكد لا حركة له حتى ينفصل البعض عن البعض في الحكم، فكما يجوز الاغتراف مما بعد النجاسة يجوز الاغتراف من جوارها.
ثم قال: وقضية كلام الأكثرين تصريحًا وتلويحًا أنه لا فرق -أى في عدم الوجوب- بين الحريم وغيره لا في الماء الراكد ولا في الجاري.
انتهى ملخصًا.
وفيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح جريان [خلاف] 1 التباعد في النهر العظيم على وفق الوجه المنقول عن "البسيط" مخالفًا لما جزم به في "الوجيز"، فقد صرح الرافعي في "الشرح الصغير" بأن الأكثرين قالوا به ونقل الفرق عن الإمام والغزالي خاصة، وصحح النووي في أصل "الروضة" الفرق بينهما كما قاله في "الوجيز" فاعلمه واجتنبه، فإن الرافعي لم يصحح في "الكبير" شيئًا، وقد بين في "الصغير" أن الأكثرين على خلافه.
وسبب وقوع النووي فيما وقع فيه أن الرافعي ذكر في أول الفصل أنه يشرح كلام الغزالي على ما هو عليه إلى آخر الفصل، ثم يتعقبه فلم يتعقب هذا ولا التزم القول بما فيه على ما هو عليه إلى آخر الفصل فلم يستحضر النووي حالة الاختصار ما قدمه أو استحضره فظن بسكوته عليه أنه المعروف فوقع فيما وقع.
ولا شك أن سكوت الرافعي وهم، ولم يتعرض في "شرح المهذب" لشيء من هذا بالكلية.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد اختصر موضع الخلاف بقوله: وفيه وجه: أنه يجب اجتناب الحريم خاصة وبه قطع الغزالي وطرده في حريم الراكد أيضًا.
هذه عبارته من غير زيادة عليها.
فدعواه أن الغزالي قطع به عجيب، فإن الرافعي قد نقل عنه أنه ذكر الخلاف في "البسيط"، وأما في "الوجيز" فإنه جزم ولم يقطع.
وقد تقدم في الخطبة أن الرافعي قد فرق بينهما.
ثم إن النووي قد أوهم كلامه أيضًا [القطع] 1 بذلك في الراكد، مع أن الرافعي قد نقل عنه أنه جزم في "البسيط" بعدم وجوب الاجتناب كما تقدم، فليته اقتصر على الحذف من الأصل ولم يزد فيدعي القطع.
قوله: ولابد من بيان العظيم والحريم، أما العظيم فقد قال الغزالي: إنه الذي يمكن التباعد فيه عن كل جانب من جوانب النجاسة بقدر قلتين والمعتدل ما لا يمكن فيه ذلك.
وقال الإمام: المعتدل هو الذي يفرض تغيره بالنجاسات المعتادة، والعظيم هو الذي يمكن تغيره بها.
قال: والبعرة في النهر المعتدل كالجيفة في الوادي، وأما الحريم فقال الغزالي: ما يتغير شكله بسبب النجاسة؛ أي بتحريكه إياها وانعطافه عليها والتفافه بها.
انتهى.
وهذا الخلاف الذي ذكره في "تفسيره العظيم" لم يصحح منه شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، وصحح في "الروضة" ما قاله الغزالي ولم ينبه على أنه من زوائده بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله من زياداته: ولو توضأ من بئر ثم أخرج منها دجاجة منتفخة لم يلزمه أن يعيد صلاته إلا ما تيقن أنه صلاها بالماء النجس ذكره صاحب "العدة".
انتهى كلامه.
وهذه المسألة التي اقتضى كلامه أن الرافعي لم يذكرها واقتصر على نقلها عن صاحب "العدة" قد ذكرها الرافعي في قاعدة شاملة لها ولغيرها من النجاسات في شروط الصلاة في الضرب الخامس.
الفصل الرابع في إزالة النجاسة
قوله: أما نجس العين فلا يطهر بحال إلا الخمر فتطهر بالتخلل، وجلد الميتة فيطهر بالدباغ، والعلقة والمضغة والدم الذي هو حشو البيض إذا نجسناهن فاستحالت حيوانًا.
انتهى.
أهمل دم الظبية إذا استحال مسكًا، وإن كان قد ذكر المسك كما ذكر الجميع.
قوله: وأما غيره فالنجاسة تنقسم إلى حكمية وعينية فالحكمية وهي التي لا نجس مع يقين وجودها؛ كالبول إذا جف على المحل ولم يوجد له رائحة ولا أثر، فيكفي إجراء الماء على موردها، ولا يجب فيها عدد لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "حُتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" 1. انتهى.
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم بمعناه ولفظه عن أسماء أن امرأة سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك فقال: "تحته ثم تقرصه بالماء" وفي رواية: "فلتقرصه ثم لتنضحه بماءٍ" 2.
والحت بالتاء المثناة هو الحك.
والقرص بالصاد المهملة هو القطع، ومعناه اقطعية واقلعيه بظفرك.
وقد تلخص من كلام الرافعي أن الحكمية هي التي لا يشاهد لها عين ولا يدرك لها طعم ولا لون ولا رائحة.
قوله: وأما العينية فلا يكفي فيها إجراء الماء بل لابد من محاولة إزالة أوصافها الثلاثة أو ما وجد منها، فإن بقى طعم لم يطهر؛ لأنه سهل الإزالة وبظهر تصويره فيما إذا دميت لثته أو تنجس فوه بنجاسة أخرى.
انتهى.
وتصوير الرافعي بهذا يشعر بأن اختيار المحل بالذوق لا يجوز ويدل عليه أن المجتهد في الأواني لا يجوز له ذلك كما نقله في "شرح المهذب" عن العمراني وأقره، وقد تقدم الكلام فيه هناك واضحًا فراجعه.
قوله: وإن بقى اللون وحده فإن كان سهل الإزالة فلا يطهر، وإن كان عسر الإزالة كدم الحيض يصيب الثوب وربما لا يزول بعد المبالغة والاستعانة بالحت والقرص فيطهر؛ لما روى عن خولة بنت يسار قالت: سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن دم الحيض فقال: "اغسليه" فقلت: أغسله فيبقي أثره، فقال: "يكفيك ولا [يضرك] 1 أثره" 2.
ثم قال بعد ذلك وقول الغزالي وإن بقى لون بعد الحت والقرص فمعفو عنه.
فيه مباحثتان: إحداهما: أن الاستعانة بالحت والقرص هل هي شرط أم لا؟ ظاهر كلامه يقتضي الاشتراط، وبه يشعر نقل بعضهم، لكن الذي نص عليه المعظم خلافه.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الجمهور من أنهم قالوا: إن اللون إذا كان لا يزول
بمجرد الماء وأمكن إزالته بالحت والقرص لا يجب الاستعانة على إزالته بهما على خلاف ما يقتضيه كلام الغزالي، وقد تابعه عليه النووي في "الروضة" وخالفه في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" وهو كتاب محرر عمدة، ومن أواخر ما صنف فقال فيه في أثناء كلامه على المسألة: إن الأمر [كما] 1 قال الغزالي، وذكر مثله في "التحقيق" أيضًا فإنه قال: ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله، ثم قال بعد ذلك: وإذا أمكن إزالته، بأشنان ونحوه وجب.
وكلامه في "شرح المهذب" مضطرب فإنه ذكر أولًا أن الاستعانة على إزالته واجبة، ونقله عن الأصحاب قاطبة، ثم نقل عن الرافعي بعد ذلك بقليل أنه لا يجب وأقره عليه وهو يقتضي انفراد الرافعي به، وكأنه أراد أن يردفه بما ينبه على غلطه فنسى.
فلنكشف القناع عن هذه المسألة ونبين وجه الصواب فيها طالبين من الله التوفيق.
فنقول: الأثر له حالان:
أحدهما: أن يتوقف زواله على الاستعانة بشيء من حت أو قرصٍ؛ فالموجود فيه لأئمة المذهب هو الوجوب، فقد صرح به القاضي الحسين في "التعليق" والمتولي في "التتمة" والإمام في "النهاية" وهو مقتضى كلام الغزالي المتقدم، ونقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية" ولم يحك غيره ونقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب كما تقدم، وأوضحه في "البيان" فقال: فإن غسله وبقى له أثر لم يزله الماء ولا يزول إلا بالقطع عفي عنه هذا كلامه.
وقال ابن الصلاح: الحت هو الحك بعود أو نحوه، والقرص تقطيعه
بالظفر والصحيح وجوبه، هذا كلامه.
واستفدنا من كلامه حكاية وجه نحن ننازعه في ثبوته.
والظاهر أنه أخذه من كلام الرافعي هذا الذي قد تصدينا لدفعه.
وحكى الروياني في "البحر" [وجهين] 1 في وجوب الاستعانة بالأشنان ونحوه، ولا يلزم منه عدم وجوب الحت والقرص.
الثاني: ألا يتوقف زوال الأثر عليه فيستحب فعله للخروج من خلاف داود، فإنه أوجبه لظاهر قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "حتيه" الحديث وقد صرح باستحبابه في هذه الحالة الماوردي في "الحاوي" وغيره، ونقله أيضًا ابن الرفعة.
فإذا علمت هذا ظهر لك أن المسألة في الحقيقة لا خلاف فيها، وأن الكلام المختلف محمول على حالين.
فالمعظم الذين نقل الرافعي عنهم الاستحباب مرادهم فيما إذا لم يتوقف الزوال عليه.
وإيجاب الغزالي له وكذلك الأصحاب أيضًا كما نقله عنهم في "شرح المهذب" وغيره إنما هو فيما إذا لم توقف عليه كما تقدم من عبارة الغزالي وبه يندفع هذا التعارض العجيب.
ويدل عليه أنه لو كان في المسألة خلاف محقق فلا جائز أن يكون محله عند عدم التوقف؛ لأن الواجب شرعًا إنما هو الإزالة وقد حصلت، وأيضًا فإنه لا يعرف ذلك إلا عن الظاهرية ولا يعرف خلاف فيه عندنا إلا ما أوهمه النقل السابق، ولا جائز أن يكون عند التوقف؛ لأن الأثر إذا كان يزول بالحت والقرص فلا عسر فيه قطعًا، فكيف يكون [مستحبًا] 2 عند الجمهور
مع اتفاقهم على أن الذي يعفي عنه إنما هو العسر؟ وقد جزم به أيضًا الرافعي قبيل هذا الكلام كما تقدم نقله عنه.
وليت شعري كيف استقام له عدم الوجوب مع السهولة، وكيف استقام له أيضًا الجمع بين الكلامين، ومن تأمل ما ذكرناه علم صحته ولم يختلج في صدره خلافه.
فلله الحمد.
وحديث خولة رواه أحمد وأبو داود ولكن في إسناده ابن لهيعة، وقد ضعفوه لسوء حفظه، ووثقه بعضهم 1.
وخولة بخاء معجمة مفتوحة ويسار بياء مثناة من تحت مفتوحة بعدها سين مهملة.
قوله: في الروضة: وإن بقيت الرائحة فقولان: وقيل: وجهان أظهرهما: يطهر.
انتهى كلامه.
لكن إذا قلنا: لا يطهر فإنه يعفي عنه كدم البراغيث، كذا نقله الرافعي عن "التتمة" وأقره ولم يحك خلافه، وحذفه النووي فلم يذكره في "الروضة" وهو غريب.
نعم: ذكر جماعة غير الرافعي أنه على هذا القول لا يعفي عنه.
قوله: ثم أطلق الأكثرون القول بطهارة ذي اللون العسر، ويجوز أن يقال: إنه نجس معفو عنه.
انتهى.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله قد صرح به في "البحر" في باب ما يفسد الماء وهو [بعد] 2 التيمم، فقال: فإن تعذر
إزالة اللون فهل نحكم بطهارة الثوب أم بالعفو مع النجاسة؟ وجهان هذه عبارته.
قوله: وروي في اللون أيضًا وجه أنه لا يطهر المحل ما دام باقيًا ذكره في "التتمة" ونسبه إمام الحرمين إلى صاحب "التلخيص" فلو أعلمت على قول الغزالي فمعفو إشارة إلى هذا الوجه لم يكن به بأس.
انتهى.
ذكر في "الروضة" نحوه أيضًا وفيه أمران.
أحدهما: أن الخلاف في اللون قولان حكاهما المزني في "جامعه الكبير"، كذا ذكره المرعشي في كتابه المسمى "ترتيب الأقسام".
الثاني: أن ما توهمه الرافعي من كون المراد من هذا الوجه هو عدم العفو حتى أنه قال: ينبغي لأجله إعلام العفو الواقع في كلام الغزالي بالواو ليس كذلك ولا ثبوت له في "التتمة" ولا في "النهاية".
أما "التتمة": فقد صرح -أعني المتولي- في آخر الكلام بأنه نجس معفو عنه، وكأن الرافعي نظر إلى أوله دون آخره.
وأما "النهاية" فالذي فيها عدم الطهارة ولا يلزم منه عدم العفو.
نعم: ذهب غير هذين إلى أنه لا يعفي عنه، ويتلخص من كلام الروياني وغيره من الأصحاب في العفو عنهما مقالات: ثالثها: يعفي عن اللون دون الريح.
رابعها: عكسه.
خامسها: يعفي عن لون الدم دون لون غيره.
سادسها: يعفي عن الريح في الأرض دون غيرها.
سابعها: في الأواني خاصة.
قوله: وإن بقى اللون والرائحة معًا فلا يطهر المحل لقوة دلالتهما على بقاء العين، وفيه وجه ضعيف.
انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره قد حذفه من "الروضة" وهو يدل على أن صورة المسألة فيما إذا بقيا في محل واحد فإن بقيا متفرقين لم يضر، والمسألة قريبة مما إذا كان على ثوبه أو بدنه دماء متفرقة كل منها قليل، ولو اجتمعت لكثرت، وفيها احتمالان للإمام وميله إلى العفو، وكلام التتمة يقتضي الجزم بخلافه.
قوله: وهل يطهر الثوب قبل العصر؟ على وجهين بنوهما على أن الغسالة طاهرة أو نجسة؟ فإن قلنا: إنها طاهرة فلا حاجة إلى العصر وهو الأصح وإلا فيجب، وعلى هذا فهل يكتفي بالجفاف؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم لأنه أبلغ، ونضوب الماء في الأرض كالعصر في الثوب انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" "وشرح المهذب" على إطلاق محل الخلاف في العصر ومحله فيما إذا صب الماء عليه في إجانة ونحوها وبقيا معًا.
فأما لو صبه عليه وهو في يده فجرى عليه فلا حاجة إلى العصر كذا صرح به البندنيجي في "تعليقه"، وذكره أيضا الروياني في "البحر" والخوارزمي في "الكافي" وغيرهم.
ويقال: نضب الماء بفتح الضاد المعجمة ينضب بالضم نضوبًا إذا غار في الأرض قاله الجوهري.
قوله: وهذا كله إذا ورد الماء على المحل، فإن عكس والماء قليل لم يطهر.
وقال ابن سريج: يطهر ومحله فيما إذا قصد بالغمس إزالة النجاسة،
فأما لو ألقته الريح فإنه ينجس الماء بلا خلاف.
قال الأئمة: ومن هذا نشأ ظن من نقل عن ابن سريج: أنه يشترط النية في إزالة النجاسة.
انتهى كلامه.
ودعواه أنه لا خلاف في نجاسة الماء غريب فقد نقل في الباب السابق عن الروياني: أن القليل كالكثير لا ينجس إلا بالتغير على وفق ما قاله مالك، واختاره أيضًا الغزالي في "الإحياء" وسنعود في أول صفة الوضوء إلى كلام يتعلق بما نحن فيه.
قوله: أيضًا وإذا صار بالأرض بول فيجب أن يصب عليها من الماء ما يغلب عليه ويغمره هذا ظاهر المذهب، وروى وجه أنه يجب سبعة أضعاف البول، ووجه بأنه يجب لبول الواحد ذنوب ولبول الاثنين ذنوبان، وعلى هذا أبدًا.
ثم قال: وسائر النجاسات المائعة كالبول فتطهر الأرض عنها بالمكاثرة من غير تقدير على ظاهرة المذهب.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن التقدير في هذه المسألة بالوجهين السابقين وفيه بعد لاسيما الثاني فتأمله.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد عبر عن ظاهر المذهب المذكور ثانيًا: بأئمة المذهب وهو سهو على اصطلاحه فإن الرافعي لم يذكر فيها شيئًا من الطرق.
قوله: وفي القديم قول: إن الأرض النجسة تطهر بزوال أثر النجاسة بالشمس والريح ومرور الزمان فخرج [أبو زيد] 1 والخضري وآخرون منه
قولان أن النار تطهر.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على حكاية هذا القول عن القديم ورأيت في "التقريب" للإمام القاسم ابن القفال الكبير الشاشي أن الشافعي نص في "الإملاء" على أن الأرض تطهر بالشمس ثم رأيت مثله في كتاب التيمم من "شرح التلخيص" للقفال المروزي.
وفي "السلسلة" للشيخ أبي محمد "والمهذب" للشيخ أبي إسحاق وغيرهم: وحينئذ فيكون التطهير بها وبالنار قولًا واحدًا جديدًا لا قديمًا؛ لأن "الإملاء" من الكتب الجديدة كما قاله الرافعي في مواضع كثيرة، منها: صلاة الجماعة.
وأن الجديد إذا أطلقوه في مقابلته أرادوا به "الأم".
قوله من "زوائده": ولو سقيت سكين ماء نجسًا ثم غسلها طهر ظاهرها، وهل يطهر باطنها بمجرد الغسل أم لا يطهر حتى يسقها مرة ثانية بماء طهور؟ وجهان:
قطع القاضي الحسين [والمتولى] 1 بأنه يجب سقيها.
واختار الشاشي الاكتفاء بالغسل وهو المنصوص.
قال الشافعي في "الأم" في باب صلاة الخوف: لو أحمى حديدة ثم صب عليها سمًا نجسًا أو غمسها فيه فشربته ثم غسلت بالماء طهرت؛ لأن الطهارات كلها إنما جعلت على ما يظهر ليس على الأجواف.
هذا نصه.
قال المتولي: وإذا شرطنا السقي جاز أن يقطع به الأشياء الرطبة قبل السقي كما يقطع اليابسة.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "شرح المهذب" وهذا الذي نقله عن النص قد صرح بتصحيحه في "التحقيق" وغيره، ولفظه في "التحقيق": ولو سقي
سكينًا ماء نجسًا أو طُبخ به لحم طهرا بالغسل، وقيل: يشترط لطهارة باطنها سقيها ماءً طهورًا وطبخه به.
هذه عبارته.
وما ذكر هنا من طهارة باطنها بمجرد غسل الظاهر لا يجتمع مع ما ذكروه في الآخر فإنهم قالوا: إذا عجن اللبن بمائع نجس ثم طبخه وفرعنا على الجديد، وهو أن النار لا تطهر فإن كان رخوًا طهر ظاهره وباطنه بالغسل، وإن صلبًا متحجرًا طهر ظاهره، ولا يطهر الباطن إلا بأن يدق حتى يصير ترابًا ثم يفاض الماء عليه.
وقد ذكره النووي هكذا قبيل ذلك بقليل ولا وجه إلا التسوية والقياس هو المذكور في الآجر.
ونقل البندنيجي في باب صلاة الخوف من "تعليقه" هذا النص المذكور في السكين ثم قال: وهذا خلاف أصوله لأنه يقول في الآخر كذا وكذا.
قوله: فيها أيضًا: فكالدهن لا يمكن تطهيره على الأصح.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي -رحمه الله- في أوائل البيع مبسوطة، ومحل الخلاف كما قاله في "الكفاية" فيما إذا تنجس ببول أو خمر ونحوهما مما لا دهنية فيه، فإن تنجس بودك الميتة لم يطهر بلا خلاف.
قوله: أيضًا من زوائده: قال المتولي: ولو غُسل ثوب عن نجاسة فوقعت عليه نجاسة عقب عصره هل يجب غسل جميع الثوب أم يكفي غسل موضع النجاسة؟ وجهان، الصحيح: الثاني.
انتهى كلامه.
وهذا التصحيح من كلام النووي؛ لأن للمتولي على خلاف المتبادر من كلامه فتفطن له، وقد ذكره في "شرح المهذب" على الصواب.
قوله: إلا في بول صبي لم يطعم ولم يشرب سوى اللبن فيكفي فيه الرش
لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنما يغسل من بول الصبية ويرش على بول الغلام" 1 انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بقوله: سوى اللبن لا يستقيم إطلاقه فقد ذكر النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" وفي النكت التي له على التنبيه" أن تحنيك الصبي بالتمر في أول ولادته لا يضر.
وذكر الشيخ تاج الدين في "الإقليد" نحوه، وكلامه في "شرح المهذب" يدل على ما هو أعم منه، فإنه عبر بقوله: لم يأكل غير اللبن للتغذي، وذكر نحوه في "شرح مسلم" وهذه العبارة تدل على أن السفوف والأشربة ونحوها مما يستعمل للإصلاح لا يضر، وعبر في "الكفاية" بقوله: لم يطعم ما يستقل به كخبز ونحوه، وكأنه أراد ما ذكره ابن يونس "شارح التنبيه" بقوله: لم يستقل بالطعام أي يكفيه الطعام عن اللبن، وقال ابن يونس "شارح التعجيز": المراد أن يكون غير اللبن غالبًا في غذائه.
وقال الموفق حمزة بن يوسف الحموني "في شرح التنبيه" معنى قوله: يطعم: أى يستقل بجعل الطعام في فيه والعمدة هنا على ما في "شرح المهذب".
الثاني: أن كلامه يقتضي أن الخنثى ملحق في ذلك بالأنثى وهو كذلك.
فقد صرح به البغوي في "التهذيب" ونقله عنه في "الروضة"، وأقره وجزم به في "التحقيق" وجزم به أيضًا الخوارزمي في "الكافي".