المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 165-204

يوجد: ما تقتضيه تلك المقالة، وحينئذ فيكون مخالفًا له والصواب ما دل عليه كلامهم هنا.
الأمر الثالث: هذه الغسلات هي الثلاث الندوبة في أول كل وضوء، ولكن طلب تقدمها على الغمس عند الشك، كذا صرح به جماعات منهم البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وفي كلام الرافعي أيضًا إشعار به.
الأمر الرابع: إنما قال في الإناء ليحترز عن البركة ونحوها والراد إناء فيه دون قلتين بلا شك وقد نبه عليه في "الدقائق".
نعم الماء وإن كثر فحكمه حكم الماء القليل.
الأمر الخامس: أن استدلال الرافعي بالحديث المذكور يشعر بأن الكراهة لا تزول إلا بالغسل ثلاث مرات، والأمر كذلك، فقد نص عليه الشافعي في البويطي فقال: فين لم يغسلها إلا مرة أو مرتين أو لم يغسلها أصلًا حين أدخلهما في وضوئه فقد أساء.
هذا لفظه بحروفه ومن البويطي نقلته.
وجزم به في "الروضة" فقال: نص عليه البويطي وصرح به الأصحاب للحديث الصحيح.
واعلم أن التقييد بالثلاث رواه مسلم، وأما البخاري فروى الحديث بدون هذه الزيادة.

قوله: فإن تيقن طهارة يديه فهل يكره له الغمس قبل الغسل؟ فيه وجهان: أظهرهما لا بل يتخير بين تقديم الغمس وتأخيره.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الكلام يشكل على ما سبق عن البويطي والأصحاب، فإنه إذا غسل مرةً أو مرتين فقد تيقن طهارة يده، وقد قالوا: إذا تيقن طهارة اليد لا يكره الغمس على الصحيح بالجمع بين عدم الكراهة عند

المتيقن وبين بقاء الكراهة إلى التثليث كيف يصح وليس عنه جواب شاف.
الأمر الثاني: بل يتخير بين تقديم الغمس وتأخيره أشار به إلى مسألة حسنة، وهو أنه كما لا يكره الغمس قبل الغسل عند تيقن الطهارة على الصحيح لا يستحب له أيضًا في هذه الحالة تقديم الغسل على الغمس ويباح له ما يشاء؛ لأنه أضرب عن المكروه [وجعله مخيرًا فامتنع أن يكون التخيير في أصل الجواز لأن المكروه] 1 أيضا جائز فتعين ما قلناه من إرادة الإباحة، وقد صرح النووي في "تصحيح التنبيه" بهذه المسألة وحكى فيها وجهين وصحح عدم الاستحباب كما قلناه.
وأسقط النووي هذه المسألة من كلام الرافعي لظنه أن الكلام المذكور لا فائدة له ولم يذكرها أيضًا من زوائده، وذكر قريبًا من ذلك في "شرح المهذب" وأما في "التحقيق" فذكر خلافًا واحدًا ولم يبين هل هو خلاف في الكراهة أو الاستحباب فتلخص أنه لم يصرح بهذه المسألة إلا في "تصريح التنبيه".
الأمر الثالث: أن النووي قد ذكره في "تصريح التنبيه" أنه إذا تيقن الطهارة لا يكره الغمس بلا خلاف، فإنه عبر بالصواب وقد اصطلح في خطبة الكتاب على أنه يعبر بالصواب حيث لا خلاف ودعوى عدم الخلاف غريب فإنه مشهور لاسيما أنه عبر عنه في "الروضة" بالأصح وقد اصطلح فيها على أن الأصح من الخلاف القوي.
وفي "الحاوي" أن الصحيح من المذهب الذي عليه الجمهور استحباب تقديم الغسل عند تيقن الطهارة، وذكر في النهاية نحوه أيضًا.

قوله: والمضمضة والاستنشاق مستحبان ثم أصل الاستحباب يتأدى بإيصال الماء إلي الفم والأنف، سواء كان بغرفة واحدة أم أكثر، انتهى كلامه.

تابعه في الروضة على تفسير المضمضة والاستنشاق بما ذكره وهو يقتضي أمرين: أحدهما: أن إدارة الماء في فيه ليست بشرط وهو أصح الوجهين في "زوائد الروضة" لكن نص الشافعي على أنها تشترط كذا حكاه في "البيان" عن الشيخ أبي حامد.
الثاني: أن مج الماء لا يشترط حتى يحصل ذلك مع ابتلاعه، وبه صرح القاضي أبو الطيب والمتولي وجزم به النووي في "شرح المهذب" وفي كلام جماعة ما يشعر باشتراطه وجذب الماء بالنفس إلى الفم ثم تثره كالإدارة والمج في المضمضة، [وذكر العلماء من فوائد غسل الكفين والمضمضة] 1 والاستنشاق أولًا معرفة أن الأوصاف الثلاث التي للماء وهي اللون والطعم والرائحة هل تغيرت أم لا؟.

قوله: وأصح القولين وبه قطع بعضهم: أن الفصل بين المضمضة والاستنشاق أفضل من الجمع لما روى عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفصل بين المضمضة والاستنشاق 2. ورواه عثمان وعلي -رضي الله عنهما- كذلك ولأنه أقرب إلى النظافة، فعلى هذا يأخذ غرفة يتمضمض منها ثلاثًا وأخرى يستنشق منها ثلاثًا لأن عليًا رواه كذلك، وقيل: يفعلهما بست غرفات انتهى ملخصًا.
ومصرف بصاد مهملة مفتوحة ثم راء مشدودة مكسورة بعدها فاء وحديثه رواه أبو داود ولم يضعفه 3، فيكون حجة عنده وأما رواية ذلك

عن عثمان وعلي فرواها ابن السكن في كتابه المسمى "بالسنن الصحاح المأثورة"، وأما الرواية الأخيرة عن على فأنكرها ابن الصلاح.

قوله: وإن قلنا بالجمع ففي كيفيته وجهان أصحهما أنه يأخذ غرفة يتمضمض بها ويستنشق ثم ثانية كذلك ثم ثالثة كذلك، روى ذلك عن عبد الله بن زيد.
ثم قال: والثاني أنه يأخذ غرفةً واحدة يتمضمض منها ثلاثا ويستننشق ثلاثًا وعلى هذا وجهان.
أحدهما يخلط فيتمضمض ويستنشق مرة بما معه ثم يفعل ذلك ثانيًا وثالثًا.
والثاني يقدم المضمضة على الاستنشاق.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن المرجح من هذين الوجهين الأخيرين هو الخلط كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال أحسنهما أنه يخلط وصحح النووي في "الروضة" الوجه الثاني منهما وهو تقديم المضمضة ولم ينبه على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الأمر الثاني: أن تفريع هذين الوجهين أعني الأخيرين على قول الجمع ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" وهو تفريع فاسد فإن الأخير منهما وهو تقديم المضمضة من تفاريع قول الفصل [1 وهو إنما يفرع على قول الجمع وقد تبعه النووي في "الروضة" على ذلك وزاد فصححه كما تقدم، وما = ومثل هذا من أبي داود يُعد تضعيفا للحديث المذكور.
وقال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": اتفق العلماء على ضعفه.

نقله الرافعي عن عبد الله بن زيد من كونه يفصل بثلاث غرفات.
رواه عنه البخاري في "صحيحه" 1، وأما أصل الجمع فرواه عنه الشيخان.

قوله: فالمبالغة في المضمضة أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثاث ويمر الأصبع عليها وتصعيد ماء الاستنشاق بنفسه إلى الخيشوم مع إدخاله الإصبع وإزالة ما هناك من أذى.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد أسقط اللثاث.
الثاني: أنه قيد الأصبع المذكور [ثانيًا باليسرى] 2.

قوله: لكن لو كان صائمًا لا يبالغ فيهما كيلا يصل الماء إلى الدماغ والبطن، وقد روى عن لقيط بن صبرة قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء فقال: "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" 3 انتهى.
لم يبين الرافعي ولا النووي في "الروضة" هنا حكم المبالغة والحالة هذه هل هي حرام أو مكروهة؟ والصحيح كراهتها كذا جزما به في كتاب الصيام في الكلام على ما إذا بقى بين أسنانه طعام وجزم به هنا النووي في "شرح المهذب" وحكى ابن الرفعة فيه وجهين من غير ترجيح.
أحدهما: أنهما مكروهة، وعزاه إلى البندنيجي وابن الصباغ.

والثاني: أنها محرمة وعزاه إلى كتاب الصيام من تعليقة القاضي أبي الطيب.
ولقائل أن يقول: ما الفرق على الصحيح هنا بينه وبين القبلة إذا خشى الإنزال؟ فإن الأصح تحريمها مع أن العلة في كل منهما هو خوف الفساد.
ولقيط بلام مفتوحة مكسورة قاف مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت وصبره بصاد مهملة مفتوحة بعدها باء موحدة وصبرة جده فإنه لقيط بن عامر بن صبرة العقيلي يكنى أبا رزين، وحديثه هذا رواه الترمذي في كتاب الصيام وقال: إنه حسن صحيح، ورواه أيضًا أبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة.

قوله: قلنا: ورد في رواية الرُّبيع بنت معوذ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح رأسه مرتين 1. انتهى.
الرُّبيع بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء المكسورة، ومعوذ بضم الميم وفتح العين وتشديد الواو وبالذال المعجمة، وهو معوذ ابن عفراء وحديثها هذا رواه البيهقي وضعفه، فإنه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف عند أكثر أهل الحديث.

قوله: وما لا يجب إيصال الماء إلى باطنه ومنابته من شعر الوجه يستحب تخليله، وعن المزني أن التخليل واجب ورواه ابن كج عن بعض الأصحاب فإن أراد المزني فتفرداته لا تعد من المذهب إذا لم يخرجها على أصل الشافعي.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن مراد قائل هذا كما قال في "الروضة": إنما هو وجوب

إيصال الماء إلى المنبت.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر في حق المزني في كتاب الخلع ما يخالف هذا فقال في الباب الثاني عنه نقلًا عن الإمام من غير مخالفة له ما نصه: وأرى كل اختيار للمزنى تخريجًا فإنه لا يخالف أصول [أصول الشافعي لا كأبي يوسف ومحمد فإنهما يخالفان أصول] 1 صاحبهما انتهى.
وقد أسقط النووي هذين الموضعين فلم يذكرها في "الروضة" وقد رأيت في "النهاية" وكأنه في نواقض الوضوء عكس، ما نقله الرافعي في الخلع عنه فقال إن خرج يعني المزني فتخريجه أولى من تخريج غيره، وإلا فالرجل صاحب مذهب مستقل وقد تقدم التنبيه على ذلك في ترجمة المزني.

قوله: في أصل الروضة ولو لم يرد نزع ما على رأسه من عمامة أو غيرها مسح ما تحت الرأس ويسن تتميم المسح على العمامة.
انتهى كلامه.
والمراد بقوله: ولو لم يرد ذكره الشيخ في "المهذب" فتابعه النووي في شرحه له ثم عبر به في "الروضة" ومقتضاه أنه لا فرق في ذلك بين أن يعسر عليه تنحية ما على رأسه أم لا، والذي جزم به الرافعي أن محله عند العسر فقال: ولو عسر عليه تنحية ما على رأسه من عمامة وغيره إلى آخره هذه عبارته.
وذكر نحوه في "المحرر" "والشرح الصغير" "والمنهاج" وكذلك في "الكفاية" فقال: لو كان به أذىً منعه من الاستيعاب إلى آخره.

قوله: أيضًا في "الروضة": ولا يكفي الاقتصار على العمامة قطعًا انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك، فقد رأيت في "البحر" عن محمد بن نصر المروزي من كبار أصحابنا أنه يكفي سواء أوضع العمامة علي طهر أم لا ولم يتعرض الرافعي لعدم الخلاف.

قوله: في الكلام على مسح الأذنين والأحب في إقامة هذه السنة أن يدخل مسبحته في صماخيه ويديرهما على المعاطف ويمر إبهاميه على ظهورهما ثم يلصق كفيه وهما مبلولتان بالأذنين استطهارًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الكيفية المحبوبة قد أسقطها جميعها من "الروضة".
واعلم أن الرافعي قد ذكر قبل ذلك بقليل أنه يستحب مسح الصماخين بماء جديد، ثم ذكر هذه الكيفية فكأنه أراد أنها جامعة لجميع ما سبق وإلا لزم مسح الصماخين ست مرات.

قوله: ومن المستحبات مسح الرقبة روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مسح الرقبة أمان من الغُلّ" 1 وهل هو سنة أم أدب؟ فيه وجهان، والسنة والأدب مشتركان في أصل الاستحباب.
لكن السنة تأكد شأنها والأدب دون ذلك انتهى.
الصحيح عند الرافعي: أنه سنة كذا صححه في "الشرح الصغير".
واعلم أن النووي قد خالف في أصل الاستحباب فقال من زوائده: ذهب كثيرون من أصحابنا إلى أنها لا تمسح؛ لأنه لم يثبت فيها شيء، ولهذا لم يذكره الشافعي ومتقدمو الأصحاب وهذا هو الصواب انتهى.
واعلم أن مقتضى كلام الحموي أن فيه قولين وأن الجديد منهما عدم استحبابه، فإنه قال: هذا مع أن مسح الرقبة ليس سنة على الجديد.
هذه عبارته في كتاب المسمى "بإزالة التمويه في مشكل التنبيه".

والغُل بضم الغين، والحديث المذكور موضوع كما قاله في "شرح المهذب".

قوله في "الروضة": الثالثة عشرة: تخليل أصابع الرجلين بخنصر يده اليسرى من أسفل الرجل مبتدئًا.
بخنصر الرجل اليمنى وخاتمًا.
بخنصر اليسرى وقيل: يخلل ما بين كل أصبعين من أصابع يده ويبقى الإبهامان انتهى.
ما ذكره من استحباب التخليل.
بخنصر اليد اليسرى قد خالفه في "شرح المهذب" فإنه حكى فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: هذا.
والثاني: عن القاضي أبي الطيب أنه بخنصر يده اليمنى.
والثالث: قاله الإمام إنهما سواء ثم قال: وما قاله [الإمام هو الراجح المختار وذكر في "التحقيق" أيضًا أنه المختار.

قوله: ] 1 معظم الأئمة ذكروا التخليل في أصابع الرجلين وسكتوا عنه في اليدين لكن قال ابن كج: إنه يستحب فيهما وفي جامع أبي عيسى الترمذي = آخر: لم يصح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليس هو سنة بل بدعة ولم يذكره الشافعي ولا جمهور الأصحاب وإنما قاله ابن القاص وطائفة يسيرة وتعقيه ابن الرفعة بأن البغوي من أئمة الحديث وقد قال باستحبابه ولا مأخذ لاستحبابه إلا خبر أو أثر؛ لأن هذا لا مجال للقياس فيه.
انتهى كلامه.
ولعل مستند البغوي في استحباب مسح القفا ما رواه أحمد وأبو داود من حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق.
وإسناده ضعيف وكلام بعض السلف الذي ذكره ابن الصلاح يحتمل أن يريد به ما رواه أبو عبيد في كتاب الطهور عن عبد الرحمن بن مهدي عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن عن موسى بن طلحة قال: من مسح قفاه مع رأسه وقي الغل يوم القيامة.
قلت: فيحتمل أن يقال: هذا وإن كان موقوفا فله حكم الرفع؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأى فهو على هذا مرسل.
انتهى كلام الحافظ.

عن ابن عباس أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك" انتهى كلامه.
كذا نقل في "الروضة" مثله ومقتضى كلام "المنهاج" استحباب التخليل فيهما وصرح به في "الدقائق".
والحديث المذكور رواه الترمذي وقال: إنه حسن [وقال في "علله": سألت عنه البخاري فقال: إنه حسن] 1 ونقل في "الروضة" تحسينه عن الترمذي ولم ينبه على أنه من زوائده، بل أدخله في كلام الرافعي قوله: وإن كانت الأصابع ملتحمة لم يجب فتقها ولا يستحب انتهى كلامه.
وهو يوهم جواز الفتق وليس كذلك وقد استدركه عليه في "الروضة".

قوله: قال في القديم: الموالاة [واجبة لأنه -عليه الصلاة والسلام- توضأ على سبيل الموالاة] 2، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به؛ ولأنه عبادة ينقضها الحدث فتعتبر فيها الموالاة كالصلاة وفي الجديد إنها سنة لما روي أن رجلًا توضأ وترك لمعةً في عقبة فلما كان بعد ذلك أمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغسل ذلك الموضع 3 ولم يأمره بالاستئناف ولم يبحث عن قدر المدة وعن ابن عمر أنه كان يتوضأ في سوق المدينة فدعى إلى جنازة وقد بقى من وضوئه فرض الرجلين [فذهب معها إلى المصلى ثم مسح على خُفَّيه ولأن أفعال الوضوء] 4 يجوز أن يتخللها الزمان اليسير، وكذلك الزمان الكبير بخلاف الصلاة.
انتهى.
واعلم أن القياس الأول ينتقض بالطواف والقياس الأخير ينتقض بالأذان والحديث الأول بعض حديث طويل أخرج أصله ابن ماجه وغيره وضعفه البيهقي، والحديث الثاني المعروف منه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره بإعادة الوضوء كذا رواه الإمام أحمد وقال: إسناده جيد وأبو داود والبيهقي وزاد: وأد الصلاة.

وأما الأمر بإعادة المتروك خاصة فنقله في "شرح المهذب" موقوفًا على ابن عمر والقصة عن ابن عمر قال البيهقي: إنها صحيحة ونقلها في "البيان" عن ابن عمر] 1 عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

قوله: والتفريق الكثير أن يمضي من الزمان ما يجف المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص وقيل: يؤخذ الكثير والقليل من العادة، وقيل: إذا مضى قدر ما يمكن إتمام الطهارة فقد كثر التفريق.
انتهى.
اعلم أن الرافعي قد قال في الباب السادس في السجدات: وأما ضبط طول الفصل فيحتاج إليه هنا، وفيما إذا تيقن أنه ترك ركنًا وذكره بعد السلام وفي قدره قولان: أظهرهما: يرجع إلى العرف.
والثاني: ما يزيد علي ركعةٍ ولنا وجه أن الطويل قدر الصلاة التي هو فيها انتهى.
وقال في الحج: إن التفريق الكثير لا يضر الطواف في أصح القولين ثم قال: قال الإمام: والكثير هو ما يغلب على الظن تركه الطواف هذا كلامه من غير زيادة عليه.
والقياس أن يأتي في كل باب ما أمكن إتيانه مما قيل في غيره.

قوله: الرابعة عشرة: أن يحافظ على الدعوات الواردة في الوضوء فيقول في غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل اليد اليمنى اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابًا يسيرًا، وعند غسل اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، وعند مسح الرأس: اللهم حرم شعري وبشري على النار، وروي اللهم: احفظ رأسي وما حوى وبطني وما وعى، وعند مسح الأذنين اللهم اجعلني من القوم الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه، وعند غسل الرجلين: اللهم ثبت قدمي على

صراطك يوم تزل الأقدام.
ورد بها الأثر عن السلف الصالحين.
انتهى.
اعترض عليه في "الروضة" فقال: قلت: هذا الدعاء لا أصل له ولم يذكره الشافعي والجمهور والله أعلم.
وما ادعاه من كونه لا أصل له ذكره أيضًا في "شرح المهذب" "والمنهاج" وغيرهما وليس كذلك، فقد روى من طرق.
منها: عن أنس أنه قال: دخلت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبين يديه إناء من ماء فقال لي: "يا أنس ادن مني أعلمك مقادير الوضوء" فدنوت من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما أن غسل يديه قال: "بسم الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله" فلما استنجى قال: "اللهم حصن فرجي ويسر لي أمري" فلما أن تمضمض واستنشق قال: "اللهم لقني حجتي ولا تحرمني رائحة الجنة" فلما أن غسل وجهه قال: "اللهم بيض وجهي يوم تبيض الوجوه" فلما أن غسل ذراعيه قال: "اللهم أعطني كتابي بيمينى" فلما أن مسح بيده على رأسه قال: "اللهم غشنا برحمتك وجنبنا عذابك" فلما أن غسل قدميه قال: "اللهم ثبت قدمي يوم تزول فيه الأقدام" ثم قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "والذي بعثني بالحق نبيًا ما من عبد قالها عند وضوئه لم يقطر من خلال أصابعه قطرة إلا خلق الله منها ملكًا يسبح الله تعالى بسبعين لسانًا يكون ثواب ذلك التسبيح له إلى يوم القيامة" رواه ابن حبان في "تاريخه" 1 في ترجمة عباد بن صهيب 2. وقال أبو داود فيه: إنه صدوق قدري، وقال أحمد: ما كان بصاحب كذب، وفي هذا الحديث ذكر أصل الدعاء وإن كان مخالفًا في الكيفية لبعض ما في "المحرر"، وهمزة أعطني للقطع لا للوصل وقدمي بتشديد الياء على التثنية.

قوله في "الروضة": الخامسة عشرة: ترك الاستعانة وهل تكره؟ فيه وجهان انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن الرافعي قد صحح في الشرحين الكبير والصغير عدم الكراهة وعبر فيهما بالأظهر ولم ينقله عنه في "الروضة" بل حذف التصحيح المذكور ثم ذكره من "زياداته" وهو في غاية الغرابة.
الثاني: أن مقتضى هذا الكلام اختصاص ذلك بما إذا طلب المتوضئ الإعانة حتى لو أعانه غيره وهو ساكت لا يكون خلاف الأولي فإن الشيء للطلب ولهذا لو حلف لا يستخدمه فخدمه ساكتًا لا يحنث وهذا مخالف لما يقتضيه كلام الرافعي فإن عبارته الخامسة ألا يستعين في وضوئه بغيره.
روى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أنا لا أستعين على وضوئي بأحد" 1 قاله لعمر - رضي الله عنه - وقد بادر ليصب الماء على يديه، ولأنه نوع من التنعم والتكبر وذلك لا يليق بحال المتعبد، والأجر على قدر النصب، وهل تكره الاستعانة؟ وجهان: أظهرهما: لا.
لأنه -عليه الصلاة والسلام- قد استعان بأسامة والربيع بنت معوذ، وكذلك بالمغيرة لأجل جبة ضيقة الكمين انتهى.
فاستدلاله بالحديث والمعني يدلان على أنه لم يرد بالاستعانة حقيقتها وإنما أراد الاستقلال بالأفعال.
الثاني: أن الاستعانة بأسامة والمغيرة ثابتة في الصحيحين 2 لكن دعواه أن الاستعانة بالمغيرة لأجل ضيق الجبة تبع فيه الإمام والغزالي، وقد أنكر ابن الصلاح عليهما ذلك وقال: إن الثابت في الصحيحين أنه كان لابسها لكن لم يستعن لأجلها، فإنه استعان في غسل وجهه به فلما انتهى إلى غسل يديه ضاقت كماه، فلم يستطع أن يخرج يديه منهما فأخرجهما من أسفل

الجبة وغسلهما.
هذا كلامه.
وأما الاستعانة بالربيع فرواه الشافعي وأبو داود والترمذي 1. قال ابن الصلاح: وهو حسن.
والرُّبيع بضم الراء على التصغير، وأما حديث عمر فرواه البزار بإسناد ضعيف.
الثالث: أن الخلاف كما قاله في "الروضة" محله فيما إذا استعان بمن يصب عليه، فإن استعان في غسل الأعضاء كره قطعًا وإن استعان في إحضار الماء فلا بأس ولا يقال: إنه خلاف الأولى ثم قال: وحيث كان له عذر فلا بأس وتعبيره آخرًا بقوله فلا بأس ليس بجيد، فقد ذكر قبل ذلك من زوائده أن من لا يقدر على الوضوء إلا بالاستعانة كالأقطع فإنه يجب عليه أن يستعين ولو بأجرة المثل فإن لم يجد صلى وأعاد.
قال في "الكفاية": ولابد أن تكون الأجرة فاضلة عن قضاء ديونه وعن كفايته وكفاية من تلزمه كفايته ليومه وليلته.

قوله: الثانية هل يستحب ترك التنشيف؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان لا ينشف أعضاءه وعن عائشة قالت: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصبح جنبًا فيغتسل ثم يخرج إلى الصلاة ورأسه يقطر ماء 2. والثاني: لا يستحب ذلك، وعلى هذا فقيل: لا يستحب التنشيف أيضًا، وقد روى عن فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التنشيف وتركه وكل حسن ولا ترجيح ومنهم من قال: يستحب التنشيف لما فيه من الاحتراز عن التصاق الغبار وإذا

قلنا باستحباب الترك ففي كراهته ثلاثة أوجه: أظهرها: لا؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغتسل فأتى ملحفة ورسية فالتحف بها حتي رؤى أثر الورس في عكنه 1. والثاني: نعم لأنه إزالة أثر العبادة فأشبه إزالة الخلوف عن فم الصائم.
والثالث: حكى عن القاضي الحسين أنه إن كان في الصيف كره وإن كان في الشتاء لم يكره لعذر البرد.
انتهى كلامه.
فيه أمور: الأمر الأول: فيما صدر به كلامه هل هو صوابه النشف على وزن الضرب أو التنشيف على وزن التكريم.
[والجواب] 2 أن المعروف في كتب اللغة إنما هو الأول وأن فعله مخفف مكسور على وزن علم.
قال الجوهري: نشف الثوب العرق بالكسر، ونشف الحوض الماء تنشفه تنشيفًا شربه وينشفه كذلك، وأرض نشفة بينة النشف بالتحريك إذا كانت تنشف الماء، وقال في "ديوان الأدب" في باب فعل يفعل بكسر العين في الماضي وفتحها من المضارع من كتاب السالم: نشف الثوب العرق أى شربه، وضبطه الهروي في الغربين بنحوه وقال المطرزي في المغرب: نشف الماء أخذه من أرض بخرقة أو غيرها من باب ضرب ومنه كان للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرقة ينشف بها إذا توضأ 3، وبهذا صح قوله

في غسل الميت ثم ينشفه بثوب أى ينشف ماءه حتى يجف، وينشف الثوب العرق يشربه من باب ليس هذا كلامه، وضبطه ابن الأَثير في "النهاية" بالتجفيف أيضًا لكنه لم يبين هل هو بالكسر أو الفتح، وقال القاضي عياض في "المشارق": نشف الماء ونشفته أنا بكسر الشين سواء هذا لفظه.
فالكل متفقون على التجفيف وإن اختلفوا بالنسبة إلى الكسر أو الفتح فإن قيل: المخفف المتعري يجوز تشديده للمبالغة فهل يصح ذلك هنا؟ قلنا: لا؛ وذلك لأنه يلزم منه أن يكون المستحب تركه إنما هو المبالغة في التنشيف لا تركه أصلا وليس كذلك.
الأمر الثاني: أن الملحفة بكسر الميم مأخوذة من الالتحاف، وأما الورسية فقد وقع في رواية البيهقي بواو مفتوحة ثم راء ساكنة ثم سين مكسورة ثم ياء مشدودة والذي جزم به الجوهري وغيره من أهل اللغة بخلافه فقالوا ملحفة ورسية بكسر الراء وبعدها ياء ساكنة ثم سين مفتوحة ثم هاء -أي مصبوغة بالورس- وهو نبت أصفر يصبغ به يخرج من شجر باليمن والعكن بفتح الكاف جمع عكنة بسكونها هو الانطواء في البطن ويعكن الشئ إذا ركن بعضه على بعض.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من الخلاف محله إذا لم يكن له حاجة إلى التنشيف بحرٍ أو بردٍ أو التصاق نجاسة، فإن كان فلا كراهة قطعًا، قال في "شرح المهذب": ولا يقال أيضًا: إنه خلاف المستحب.
الأمر الرابع: أن جميع ما ذكره الرافعي من الأَحاديث الدالة على = من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
قال الترمذي: حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الباب شيء.
وقال الألباني: ضعيف.

التنشيف وعلى عدمه ضعيفة، قال الترمذي: لا يصح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الباب شيء.
نعم صح حديث ميمونة وفيه إشعار باستحباب تركه، وكذلك خروجه ورأسه تقطر.
الأمر الخامس: أن النووي في "الروضة" وفي غيرها قد وافق الرافعي على استحباب ترك التنشيف ثم خالف في "شرح مسلم" فقال: الذي نختاره ونعمل به أنه مباح تركه وفعله سواء، فإن المنع والاستحباب يحتاجان إلى دليل.

قوله: الثالث ألا ينفض يديه فهو مكروه، لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فإنها مرواح الشيطان" 1 انتهى.
استدرك في "الروضة" فقال: في النقض أوجه: الأَرجح أنه مباح تركه وفعله سواء.
والثاني مكروه.
والثالث: تركه أولى انتهى.
وهذا الذي رجحه من استواء الأمرين قال في "شرح المهذب" أنه الصحيح لكنه خالف ذلك في غيرها فصحح في "التحقيق" أنه خلاف الأولى وجزم به في "المنهاج" والفتوى على ما في "المنهاج" فقد نقله ابن كج في "التجريد" عن نص الشافعي قال: قال الشافعي: وأحب إذا توضأ ألا ينفض يديه انتهى وادعى النووي في "التنقيح" أنه لا نص فيها للشافعي وأما الحديث فقال في "شرح المهذب" إنه ضعيف لا يعرف.

فأما دعواه الضعف فمسلم، وأما عدم المعرفة فلا، فقد رواه ابن حبان في "تاريخه" وابن أبي حاتم في "علله" وضعفاه.

قوله: ويندب أن يبدأ في اليد والرجل بأطراف الأصابع ويختم بالمرفق والكعب إن كان يصب الماء عليها بنفسه وإن صب عليه غيره [بدأ بالمرفق والكعب.
انتهى كلامه.
وما ذكره فيما إذا صب عليه غيره] 1. قد تابعه عليه في "الروضة" ثم نقل ذلك في "شرح المهذب" في الكلام على غسل اليدين عن الماوردي وشيخه أبي القاسم الصيمري وأقرهما ثم نقله عنهما أيضًا في الشرح المذكور في الكلام على غسل الرجلين ثم قال: فالأكثرون على استحباب الابتداء بالأصابع وهو المختار، ونص عليه الشافعي في "الأم" فقال: وينصب قدميه ثم يصب عليهما الماء بيمينه أو يصب غيره انتهى كلامه.
وذكر نحوه أيضًا في "شرح التنبيه" المسمى بـ "التحفة" وقال: إنه الصواب وقد سوى بين المسألتين في "التحقيق" في الكلام على السنن، وقال: إنه يبدأ بأصابع يديه ورجليه ولم يفصل بين أن يصب عليه غيره أم لا، وقد ظهر أن الفتوى علي غير ما في "الشرح" و"الروضة".

قوله: وأن يقول بعد الوضوء مستقبلًا القبلة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من استحباب الاستقبال في هذا الدعاء قد أسقطه من "الروضة" وإسقاطه عجيب.

الأمر الثاني: أن النووي قد زاد في "الروضة" لفظة "أشهد" مع قوله: وأن محمدًا فقال: وأشهد أن محمدًا وزادها أيضًا الرافعي في "المحرر".
والدعاء المذكور روى أوله مسلم في "صحيحه" 1 ولفظه: عن عمر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من توضأ فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" وفي رواية للترمذي بعد قوله: "ورسوله": "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" 2، وأما باقي الدعاء فرواه الحاكم في "المستدرك" من رواية أبي سعيد الخدري ولفظه: "من توضأ ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب برق ثم طبع بطابعٍ فلم يكسر إلى يوم القيامة" 3، وهذا حديث صحيح الإسناد.
وقوله في الحديث: "برق" هو بفتح الراء والباء فيه بمعنى في أي رق كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ﴾ وقد ورد التصريح بها أعني بفي في رواية.
والطابع بفتح الباء وكسرها هو الخاتم ومعنى لم يكسر أنه لا يتطرق إليه إبطال.

قوله: في "أصل الروضة": فرع التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بلا خلاف، وكذا الكثير على الجديد المشهور، ولو فرق بعذر كنفاذ الماء

لم يضر على المذهب، وقيل فيه القولان ثم قال ما نصه: وحيث جاز التفريق لا يجب تجديد النية في الأصح.
انتهى.
وهو في جريان خلاف التجديد في التفريق اليسير والكبير لقدر مع أنه لا يجب فيها نية التجديد بلا خلاف كما ذكره في "شرح المهذب" وكلام الرافعي مستقيم فإنه عبر بقوله وإن فرعنا على الجديد فاقتضى ذلك إرادة التفريق الكثير بغير عدم لأنه محل الجديد والقديم فأبدله النووي بقوله: وحيث جاز التفريق ذهولًا فوقع فيما وقع.

قوله من زياداته: ولو قدم المضمضة والاستنشاق على غسل الكف لم يحسب الكف على الأصح انتهى لفظه.
وهذا الذي ذكره غلط عجيب انعكس فيه المراد عليه؛ وذلك لأن الحكم في هذه المسألة أن غسل الكف محسوب؛ لأنه قد فعل في وقته إذ لا يشترط قبله شيء من الأفعال، وهل تحسب المضمضة والاستنشاق؟ على وجهين أصحهما: لا.
والخلاف ينبني على أن النيتين هل يشترط فيها الترتيب كما يشترط في الأركان أم لا؟ والصحيح الاشتراط كذا ذكره في "شرح المهذب" وغيره وهو واضح، وقد تقدم الوعد في أوائل الباب بذكر هذا الموضع.

قوله أيضًا من "زياداته": ويرتفع الحدث عن كل عضو بمجرد غسله وقال إمام الحرمين يتوقف على فراغ الأعضاء.
انتهى.
ويظهر أن تكون فائدة الخلاف فيما إذا أحدث في أثنائه فأراد هو أو غيره أن يتوضأ بماء كان قد استعمل في الأعضاء السابقة على الحدث، فإن قلنا بالأول لم يجز وإن قلنا بمقالة الإمام جاز، أما لو استعمله بدون حدث فإنه لا يصح عند الإمام أيضًا بدليل أنه يوافق على مصير الماء مستعملًا في مسألة غمس اليد بعد غسل الوجه.

الباب السادس في الاستنجاء

وفيه أربعة فصول:

الفصل الأول: في آداب قضاء الحاجة

قوله في أصل "الروضة": ومنها ألا يستقبل الشمس ولا القمر بفرجه لا في الصحراء ولا في البنيان وهو نهى تنزيه قال جماعة ويتجنب الاستدبار أيضًا، والجمهور اقتصروا على النهي عن الاستقبال.
انتهى كلامه.
وفيه أمران: أحدهما: أن تعبيره يقتضي أن الصحيح عند الرافعي أنه لا يتجنب الاستدبار وليس كذلك بل حاصل ما في الرافعي الجزم بالنهي عنه أيضًا فإنه نقل عن الغزالي أن كلامه يقتضي أن الصحيح عند الرافعي لا يتجنب ذلك ثم قال ما نصه وأكثر الكتب ساكتة عن استدبارهما وإن كان المنع من استقبالهما مشهورًا لكنه صحيح حكاه في "البيان" عن الصيمري ورأيته في "الشافي" لأبي العباس الجرجاني وفي الخبر ما يدل عليه هذا لفظه.
فانظر كيف نقله واستدل عليه ولم ينقل خلافه، وزاد على ذلك فقال: إن القول به صحيح وجزم به أيضًا الرافعي في كتابه المسمى "بالتذنيب" وزاد على ذلك فصرح بكراهته وبكراهة الاستقبال أيضًا ذكر ذلك في أواخر الكتاب في أوائل الفصل السابع، ووافقه عليه النووي في "مختصره" أعني "مختصر التذنيب" ولم يخالفه كما خالفه في غيره، غير أن النووي قد صرح في أكثر كتبه بما يقتضيه كلام "الروضة" من عدم الكراهة فقال في "شرح المهذب": الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور أنه لا يكره، وقال

في نكت "التنبيه": إنه المذهب.
وقول الجمهور: والصواب وكأنه في هذه الكتب اعتمد على ما في "الروضة" نقلًا عن الرافعي وقد علمت ما فيه.
الأمر الثاني: أن ما نقله في "الروضة" عن الجمهور من تنصيصهم على النهي عن الاستقبال قد نقل عنهم عكسه في كتبه المبسوطة فقال في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح": لم يذكر الشافعي والأكثرون أن قاضي الحاجة يترك استقبال الشمس والقمر فالمختار أنه مباح تركه وفعله سواء انتهى.
وذكر نحوه في "شرح المهذب" وقال في "التحقيق": إن الكراهة لا أصل لها وهذا كله يدل على أن ما نقله في الروضة عن الجمهور من التصريح به ليس كذلك ولم يصرح به الرافعي كما تقدم، وإنما هو من فهم النووي وحينئذ فيكون الصواب عدم اجتناب الأمرين على خلاف ما في "الروضة" وأكثر المختصرات فاعلمه.

قوله: [الثالث إن كان في بناء] 1 أو بين يديه ساتر فالأدب ألا يستقبل القبلة ولا يستدبرها وإن كان في الصحراء ولم يستتر بشئ حرم عليه استقبال القبلة واستدبارها ولا يحرم ذلك في البناء.
انتهى كلامه بحروفه.
وهو صريح في أنه لا يحرم الاستقبال ولا الاستدبار، إذا كان في البنيان وإن لم يستتر بشيء وأما في الصحراء فيفصل فيها بين وجود السترة وعدمها وحينئذ فيكون الجواز متعلقًا بالمفهوم من اسم البنيان والتحريم متعلقا باسم الصحراء بشرطه.
إذا علمت ذلك ففيه أمور: أحدها: أن النووي في "الروضة" قد تابع الرافعي على ذلك وهو المفهوم من كلامه في "المنهاج" وغيره، ثم صرح في أكثر كتبه بما يخالفه

فقال في "شرح المهذب" الصحيح أنه إن كان بين يديه ساتر فيرتفع ثلثي ذراع وقرب منه على ثلاثة أذرع جاز استقبال القبلة، سواء أكان في الصحراء أم في البنيان ومن أصحابنا من اعتبر الصحراء والبنيان فأباح في البنيان مطلقًا وحرم في الصحراء مطلقا.
انتهى.
وذكر في "شرح مسلم" كما في "شرح المهذب" وقاله: إنه الصحيح المشهور عند أصحابنا، وذكر نحو ذلك أيضًا في "التحقيق" وفي "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح".
الثاني: أنه إذا جلس في بيت مهيأ لذلك فلا يشترط الساتر المذكور صرح به النووي في "شرحى الهذب" و"مسلم" وغيرها.
الثالث: لم يصرح الرافعي بكون الاستقبال والاستدبار في البنيان مكروها أم لا، فإنه عبر بقوله: فالأدب وكذلك النووي في "الروضة"، وقد صرح أعني الرافعي بحكمه في كتابه المسمى بـ "التذنيب" وجزم فيه بكراهة الأمرين ذكر ذلك في أواخر الكتاب في أوائل الفصل السابع، ونقله النووي في "شرح المهذب" عن المتولي فقط ثم قال: ولم يتعرض الجمهور للكراهة التي ذكرها المتولي والمختار عدمها انتهى.
والذي قاله النووي هو الظاهر نقلًا ودليلًا.
الرابع: أن محل ذلك كله فيما إذا لم يكن عليه مشقة في التحول فإن كان لم يكن ذلك مكروهًا ولا خلاف الأولى هذا حاصل ما ذكره النووي في "شرح التنبيه" المسمى بـ "التحفة" وفي "شرح مسلم" أيضًا.
الخامس: قد أقروا أنه إذا أراد أن يقضي حاجته في الصحراء فإنه يستتر عن العيون، والمراد بالصحراء هناك ما لا يمكن تسقيفه، فإذا

جلس فيه فيستتر بالستر المذكور في الاستقبال، وإذا جلس فيما يمكن تسقيفه فهو ساتر، هكذا جزم به الرافعي في الشرحين والنووي في "الروضة" قبيل هذه المسألة وحينئذ فإذا كان بينه وبين حائط الذي يمكن تسقيفه أكثر من ثلاثة أذرع كان كافيًا في السترة المأمور بها عن العيون دون السترة المأمور بها في تحريم الاستقبال، وكثيرًا ما تلتبس المسألتان، وذكر النووي في "شرح المهذب" "والتحقيق" ضابط السترة المذكورة في الصحراء والبنيان ولم يذكر ضابط السترة عن العيون بل ذكر أنه يستتر عن العيون ولم يزد عليه وهو عجيب موهم قوله: وسبب المنع في الصحراء فيما ذكر أن الصحراء لا يخلو من حصل من ملك أو جني أو إنسي فربما وقع بصره على عورته وأما في الأبنية في الحشوش فلا يحضرها إلا الشياطين، ومن يصلي فيكون خارجًا عنها فيحول البناء بينه وبين المصلي انتهى كلامه.
وما ذكره في الفرق بين الصحراء والبنيان ضعيف، وقد أوضح النووي ضعفه في "شرح التنبيه" المسمى بـ"التحفة" فقال: وهذا التعليل ضعيف فإنه لو قعد مستقبلًا للحائط: قريبًا منه ووراءه فضاء واسع جاز، وصرح به إمام الحرمين وصاحب "التهذيب" وغيرهما ولو صح هذا التعليل لحرم هذا، والتعليل الصحيح ما ذكره القاضي الحسين وصاحب "التهذيب" "والبحر" وغيرهم أن جهة القبلة معظمة يوجب صيانتها في الصحراء ورخص فيها في البنيان للمشقة هذا كلامه وهو واضح.
والحشوش جمع حش بفتح الحاء المهملة وبالشين المعجمة المشدودة وهو المرحاض، وأصل الحش في اللغة البستان وإنما سمى المرحاض، به لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في البساتين لعدم الأخلية عندهم.

قوله: ومنها ألا يبول في الماء الراكد لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" 1، ويروى في "الراكد" وهذا المنع يشمل القليل والكثير لما فيه من الاستقذار ثم إن كان قليلًا ففيه شئ آخر وهو أنه تنجيس للماء وتعطيل لفوائده فإن كان بالليل زاد شئ آخر وهو ما قيل: إن الماء بالليل للجن فلا ينبغي أن يبال فيه ولا يغسل خوفًا من أذى يصيبه من جهتهم.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" كما نقله في "شرح المهذب" عن جماعة أنه إن كان قليلًا كره وإن كان كثيرًا فلا ثم قال: وفيه نظر، وينبغي أن يحرم البول في القليل قطعًا لأن فيه إتلافًا عليه وعلى غيره وأما الكثير فالأولى اجتنابه انتهى، والذي يتجه في هذه المسألة وتتعين الفتوى به أنه إن كان في الوقف ولم يكن في هذه غيره ولم يكن متطهرًا فإنه حرام؛ لأنه بمنزلة الصب وإن لم يكن كذلك نظر إن لم يكن له بأن كان في غدير ونحوه فيحرم أيضًا؛ لأن فيه إتلافًا على غيره.
نعم: إن كان هناك ما يمكن تكميله به فيبلغ قلتين ففيه نظر والمتجه التحريم لما فيه من تكليف الغير ذلك، ولاحتمال تلف ما يكمل به، وإن كان الماء له نظر إن أمكن التكميل كره، وإن لم يمكن فيفصل فيه بين الوقت وخلافه كما سبق، وجزم ابن الرفعة في "الكفاية" بالكراهة وفي "الحاوي الكبير" إذا كان ليلًا لما قيل من أن الماء بالليل للجن، والحديث المتقدم رواه الشيخان من رواية أبي هريرة.

قوله: ومنها ألا يبول في الجحرة لما روى قتادة عن عبد الله بن سرجس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عنه، فقيل لقتادة: ما بال الجحرة؟ قال: يقال: إنها مساكن الجن 2. انتهى.

الجحرة بالجيم مكسورة بعدها حاء مهملة مفتوحة جمع جحر، وسرجس بسين مهملة مفتوحة وراء ساكنة ثم جيم مكسورة ثم سين مهملة أيضًا، والحديث المذكور صحيح رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة، وقال الحاكم: إنه على شرط الشيخين.

قوله: ومنها ألا يجلس تحت الأشجار المثمرة صيانة لها عن التنجيس انتهى.
تابعه في "الروضة" على التعبير بالمثمرة ولم يبينا هل المراد بها حقيقتها وهي التي عليها الثمرة أو المراد التي من شأنها أن تثمر؟ وقد نبه في "شرح المهذب" على أن المراد الثاني فقال: لا فرق بين وقت الثمرة وغيرها.

قوله: ومنها ألا يبول في مهاب الريح استنزاهًا من البول وحذرًا من رشاشة.
روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتمخر الريح 1. أي ينظر أين مجراها فلا يستقبلها.
= والبيهقي في "الكبرى" (483)، وابن الجارود في "المنتقى" (34) من حديث عبد الله ابن سرجس بسند ضعيف، فإن قتادة كان مدلسًا وقد عنعن هذا الحديث ثم في سماح قتادة بن عبد الله بن سرجس خلاف مشهور.

انتهى.
والتمخر بالخاء المعجمة والراء المهملة قاله الجوهري، وذكر الحديث وفسره بما ذكره الرافعي، وحكى من كلامهم استمخرت الريح إذا استقبلتها بأنفك، وذكر الخطابي في "غريب الحديث" في أواخر الكتاب أن سراقة ابن مالك - رضي الله عنه - قال لقومه: إذا أتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة الله ولا يستدبرها وليتق مجالس اللعن الطريق والظل واستمخروا الريح واستشبوا على سوقكم وأعدو النبل ثم قال: قوله: استمخروا الريح أى استقبلوها فقال: امتخر الفرس الريح إذا استقبلها يستروح، ومنه مخور السفينة وهو قطعها الماء بالريح.
قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ قال أبو عمر ابن العلاء تقول العرب في الرجل الأَحمق: إنه والله لا يتوجه تريد أنه لا يستقبل الريح إذا قعد لحاجته، وذلك لأنه إذا استدبرها وجد ريح ما يبرز منه فهو لحمقه لا يتوجه هذا لفظه ثم قال: استشبوا أى اتكئوا على سوقكم ومنه شبوب الفرس وهو أن يرفع يديه ويعتمد على رجليه، وما ذكره في تفسير الاستمخار ناقلًا له عن أهل اللغة عكس ما قاله الرافعي إلا أن الذي قاله قد قاله الجوهري بعينه كما سبق وكأنه أخذه منه، وكلام الجوهري ظاهره التدافع فإنه كيف يصح ما ذكره في الحديث مع تعقيبه بأنه يقال: استمخرت الريح إذا استقبلتها بأنفك فإن هذا عكس الاستدبار، وهذا الحديث روى معناه ابن أبي حاتم في علله وقال أسنده عبد الرزاق ولفظه عن سراقة بن مالك أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا أتى أحدكم = رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسأله عن التغوط فأمره أن يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها ولا يستقبل الريح.
الحديث رواه الدارقطني وروى الدولاني في الكنى والإسماعيلي في حديث يحيى بن أبي كثير عن خلاد عن أبيه مثله وإسناده ضعيف.

الغائط فلا تستقبلوا القبلة واستمخروا الريح" 1 واعلم أن ما ذكره الرافعي استدلالًا وتعليلًا يؤخذ منه أنه لا يمتنع البول في مهاب الريح مستدبرًا وهو وارد على "الروضة" فإنه لم يزد على قوله ولا يبول في مهب ريح.

قوله: وأن يعتمد إذا جلس على اليسرى لما روى عن سراقة بن مالك قال: علمنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى 2. انتهى.
وهذا الذي ذكره لا يعلم منه الكيفية المطلوبة، وقد بينها جماعة منهم الشيخ في "التنبيه" فقال: إنه ينصب قدم الرجل اليمنى أى يضع أصابعها على الأرض ويرفع الباقي ويعتمد على اليسرى، وسببه إن استعمال الرجل إنما هو بالاعتماد، فإذا اعتمد على اليسرى دون اليمنى كان مستعملًا في هذا المحل لما يليق به، وهذا التعليل يشمل أيضًا البول قائمًا وقاعدًا إلا أنه إذا بال قائمًا فإنه يفرج رجليه ففي صحيح ابن خزيمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل ذلك، وعلل في "المهذب" الاعتماد على اليسرى بكونه أسهل لخروج الخارج، وقال الماوردي: إنه أنجح له.
قال غيره: لأن المعدة في الجانب الأيسر والصواب في التعليل ما ذكرناه، والحديث المذكور رواه البيهقي ولفظه علمنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أردنا الخلاء أن نعتمد اليسرى وننصب اليمنى.
لكنه توقف في تصحيحه.

قوله: ومنها أن يعد النبل إن كان يستنجي بالأحجار لما روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال "اتقوا الملاعن الثلاث واعدوا النبل" 3 والنبل أحجار الاستنجاء جمع نبلة وأصلها الحصاة الصغيرة.
انتهى.
قال الجوهري: النبل بضم النون وفتح الباء من باب الأضداد تطلق على

الكبار والصغار وهو جمع نبيلة، ثم قال: والنبل بضم النون وفتح الباء حجارة الاستنجاء، وفي الحديث: "اتقوا الملاعن وأعدوا النبل" والمحدثون يقولون: النبل أى بفتحها، يقال: سميت بذلك لصغرها هذا كلامه.
وقال ابن الأثير في "غريب الحديث": النُبل بضم النون جمع نبلة والمحدثون يفتحون النون والباء كأنه جمع نبيل في التقدير، والنبل بالفتح يطلق على الكبار من الإبل والصغار وهو من الأضداد، وقال صاحب "التعجيز" هنا في شرحه له: النبل بضم الباء جمع نبيل كسرير وسُرر فتخلص أنه يقال على ثلاثة أوجه قال في "شرح المهذب": والحديث المذكور [ليس بثابت بل المعتمد ما روته عائشة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ] 1 "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار" 2 رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني وقال: أعني الدارقطنى: إسناده حسن صحيح.

قوله: ومنها ألا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة تحرزًا من عود الرشاش إليه.
انتهى كلامه.
ويعلم من هذا التعليل الذي ذكره الرافعي إخراج الأخلية المعتادة من هذا الحكم لانتفاء المعنى، وقد حذف النووي من الروضة تعليل الرافعي ثم أورد عليه دخول الأخلية وهو صنيع عجيب.

قوله: وألا يستصحب شيئًا عليه اسم الله تعالى كالخاتم والدراهم، وكذلك ما كان عليه قرآن وألحق باسم الله تعالى اسم رسوله تعظيمًا.

وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا دخل الخلاء وضع خاتمه 1. لأنه كان عليه: محمد رسول الله انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن كل معظم يلحق بما تقدم في الأمر بالنزع صرح به الإمام ونبه عليه في "الكفاية" وحينئذ فتدخل أسماء جميع الأنبياء والرسل وأسماء الملائكة.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يفرق في اسم الله تعالى بين أن يكون مختصًا به كالله والرحمن، أو غالبًا فيه كالخالق، أو يطلق عليه وعلى 2 غيره على السواء كالحي والسميع والبصير، فإن الجميع من أسماء الله تعالى ويحتمل أن يقال: إذا أتى بغير المختص مريدًا به غير الله تعالى فلا يكره حمله، وهذا الكلام يأتي أيضًا في اسم رسوله حتى يعم جميع أسمائه كأحمد والمدثر والمزمل والحاشر والطيب والطاهر وحتى يأتي التردد فيما إذا كان اسمه مثلًا محمدًا فنقشه على الخاتم ونحوه مريدًا به نفسه فهل يؤمر أيضًا بإزالته لكون الاسم في نفسه معظمًا أو لا نظرًا إلى المقصود به الآن، وقد نص الشافعي على كتابة اسم الله تعالى في وشم نعم [الزكاة مع أنها تتمرغ في النجاسات.
وعلله الرافضي بأن المقصود] من ذلك إنما هو التمييز، وهذا التعليل يقتضي عدم الكراهة هنا بطريق الأولى، لأن المدلول وهو الذات المقدسة مراده هناك بخلاف ما نحن فيه، لكن ذكر النووي في

التنقيح ما يخالفه فقال: لعل المراد المختص بذلك لا لفظة أحمد ومحمد بمجردها بل لابد من شئ يشعر بأن المراد رسول الله، وكذلك أسماء الله تعالى هذا كلامه.
الثالث: أن الحديث الذي ذكره الرافعي رواه الترمذي بهذا اللفظ وقال: إنه حسن صحيح غريب.
وأخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" وقال الحاكم: إنه علي شرط الشيخين، وكذا قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في آخر "الاقتراح"، وأما استدلاله بأنه كان مكتوبًا عليه محمد رسول الله فرواه الشيخان 1 وصرح الحاكم 2 في روايته أن هذا هو سبب النزع.
وروى ابن حبان في صحيحه عن أنس قال: كان نقش خاتم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر 3. وفي حفظي أنها كانت تقرأ من أسفل فصاعدًا ليكون اسم الله تعالى فوق الجميع.

قوله: وخير الصيمري بين نزع الخاتم وضم كفه عليه.
ثم قال: نعم، قيل: إنه لو غفل عن النزع حتى اشتغل بقضاء الحاجة ضم كفه عليه.
انتهى ملخصًا.
وقد أسقط في "الروضة" الوجه الصائر إلى التخيير وجزم بالضم عند الغفلة والذي نقله الرافعي عن الصيمري قد رأيته في كتابه المسمى بالكفاية وفي شرحها له أيضًا.

قوله من "زوائده": والسنة أن يقول عند دخول الخلاء: بسم الله اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث، ويقول إذا خرج؛ غفرانك الحمد لله الذي

أذهب عني الأذى وعافاني 1، وسواء هذا في البنيان والصحراء انتهى.
اعلم أن الشيخ أبا حامد في "التعليق" قد صرح بأن الذكر الأول خاص بالبنيان ونقله في "التبيان" عنه وأقره وهو ظاهر بخلاف الذكر الثاني وهو ذكر الخروج وكلام "الروضة" لا ينافيه فليحمل عليه.
لكن صرح في "شرح المهذب" بأنه لا فرق.
واعلم بأنه قد ذكر في "الشرح الصغير" الذكرين بدون قوله: وعافاني وذكر الجميع في "المحرر" إلا أنه عبر بقوله: أخرج عني الأذى فعدل عنه في "المنهاج" إلى أذهب ليوافق الحديث، فإن ابن ماجه قد أخرجه كذلك من رواية أنس لكن بإسناد فيه ضعف غير أنه لائق بالحال، والحديث من فضائل الأعمال.

قوله: ويستحب ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
انتهى.
ذكر مثله في "شرح المهذب" فقال: وقولنا لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ليس بواجب اتفاقا بل هو مستحب، وجزم في "نكت التنبيه" بأنه مخرج على الوجهين في كشف العورة في الخلوة حتى يكون الصحيح فيه المنع وهو تباين فاحش، والأول هو مقتضى كلامه في بقية كتبه، ومقتضى كلام غيره أيضًا.
وأما الثاني: فجزم به المحب الطبري في "شرح التنبيه"، وذكره ابن الرفعة في "الكفاية" بحثًا ولم ينقله عن أحد، ورأيت في كلام بعض الفضلاء من المتأخرين نقلًا عن بعض الأئمة أنه إذا كشف زائدًا عن الحاجة

هل يأثم على الكل أو على الزائد فقط؟ فيه خلاف وهو يشعر بالتحريم ونبه النووي في النكت المذكوره على فائدة حسنة وهي "التنبيه على شرح التنبيه" للجيلي فقال فيه ما نصه: ولا يغتر بما في "شرح التنبيه" للجيلي في شئ من المواضع ولا يؤخذ منه شئ حتى ينظر في مصنفات أصحابنا قال وأخبرني شيخنا عز الدين عن شيخه الشيخ تقي الدين بن الصلاح أنه قال: لا يجوز لأحد أن يطالع فيه معتمدًا لنقله انتهى كلامه.
وقد اشتهر في مصر أن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد هو أول منبه على ذلك وقد ثبت تقدمه وتقويته.
والسبب في وقوع النقول المنكرة في التصنيف المذكور أن مؤلفه لما أبرزه أقبلت الناس عليه لحسنه وحسن تقريره وكثرة فوائده فحسده عليه بعض من لعنه الله وغضب عليه فألحق فيه أشياء منكرة في الأحاديث وغيرها فأفسده.

قوله من "زياداته": والسنة أن يبول في مكان لين لا يرتد عليه فيه بوله ويكره في قارعة طريق.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أنه لم يصرح هنا بحكم الغائط في الطريق وهو حرام على ما دل عليه كلامه في الشهادات فإن الرافعي قد نقل هناك عن صاحب العدة أشياء كثيرة من المحرمات وعد منها التغوط في الطريق، واعترض هو والنووي عليه في بعضها وارتضيا بعضها وهذه المسألة من المسائل التي ارتضياها، لكن قال في "شرح المهذب" "وشرح مسلم" ظاهر كلام الأصحاب أن النهي عنه للتنزيه وينبغي أن يكون محرمًا لهذه الأحاديث ولما فيه من إيذاء المسلمين، قال: وفي كلام الخطابي وغيره إشارة إلى تحريمه ثم جزم في "شرح المهذب" أيضًا بعد ذلك بالكراهة صرح بذلك في أثناء الاستدلال على المسألة وهو المفهوم من باقي كتبه وكتب الرافعي أيضًا، بل

ذكر النووي في "نكت التنبيه" ما يقوى التحريم فقال: والنهي عن التخلي في الظل الذي يجمع فيه الناس نهي تحريم، صرح به الخطابي والبغوي في "شرح السنة" لأنه إيذاء لهم.
واعلم أن المعنى ولفظ الحديث يدلان على اختصاص النهي في الطريق ونحوه بالغائط دون البول على خلاف ما قاله في "الروضة" وهو المذكور في "الإقناع" لابن المنذر.
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوجيز" قد ذكر النهي عن البول في الطريق وعبر عنها بالشوارع ونسى الرافعي شرح ذلك أو تعرض له ولكن سقط من النسخ ولهذا ذكره في "المحرر".

الفصل الثاني: فيما يستنجي [منه]

1 قوله: وما يوجب الغسل كالمني والحيض لا يمكن الاقتصار فيه على الأحجار انتهى.
استدرك عليه في "الروضة" فقال: صرح صاحب "الحاوى" وغيره بجواز الاستنجاء من دم الحيض، وفائدته فيمن انقطع حيضها فأرادت أن تتيمم لسفر أو مرض فإنها تستنجي به وتتيمم وتتخلى بلا إعادة.
انتهى كلامه.
وهذا الذي استدركه ذكره أيضًا في "التحقيق" و"شرح المهذب" وليس على إطلاقه، فإن الشافعي قد نص عليه وجوزه للبكر دون الثيب كما نقله عنه الروياني وغيره.
قال ابن الرفعة بعد نقله أيضًا هذا النص: فأما جوازه للبكر فلما قلناه وأما منعه للثيب فلما ذكروه في استنجائها من أنها إذا بالت وتحققت وصول البول إلى مدخل الذكر تعين الماء؛ لأن الحجر لا يصل إليه وحينئذ فالحيض قد نجس مدخل الذكر، فإن كانت بكرًا لم يجب عليها إزالة ما وراء العذرة؛ لأنه في حكم الباطن، وأما الظاهر فيجب عليها إزالته وإزالته بالحجر ممكنة، وأما الثيب فيجب عليها إزالة النجاسة مما يبدو منها عند القعود وإزالته بالحجر لا تمكن وفي هذا التقرير كلام مهم ستعرفه في آخر الباب.
ولقائل أن يقول: سلمنا أن الثيب لا يمكنها إزالة جميع ما يجب عليها بالحجر لكن إزالة البعض به ممكنه فينبغي تخريجه على الخلاف فيما إذا قدر على إزالة بعض النجاسة، والأصح كما قاله في باب التيمم من "الروضة" و"التحقيق" و"شرح المهذب" وجوبه ولو قيل بصحته للبكر فاقدة للماء

وواجدة له لكان متجهًا، وتكون فائدته أنها لو نزلت في ماءٍ قليل أو حملها مصل لكانت كالمستجمر في جريان الخلاف.

قوله: وإن أوجب الطهارة الصغرى فإن لم يكن ملوثًا كدود وحصاة فقولان نص عليهما في "الجامع الكبير" وجعلهما الغزالي وغيره وجهين انتهى.
وما ذكره هنا من كون الخلاف قولين قد خالفه [في "المحرر" فجزم بأنه وجهان، والصواب هو المذكور هنا ولهذا خالفه] 1 في "المنهاج" فإنه عبر بالأظهر وحكم البعرة الجافة كحكم الحصاة والدودة كذا نقله من زوائده عن "الشامل" وغيره.

قوله: وإذا كان ملوثًا فينظر إن كان نادرًا كالدم والقيح ففيه قولان أصحهما يجوز فيه الاقتصاد على الحجر وبه قطع بعضهم.
انتهى ملخصًا.
تابعه أيضًا النووي على تصحيحه في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما وخالف في "شرح مسلم" فقال في باب المذي ما نصه: أصح القولين في مذهبنا أنه يتعين الماء.
هذه عبارته.
وذكر النووي في "التحقيق" و"شرح المهذب" أن دم الاستحاضة [من النادر فإن فيه القولان والذي قاله مشكل فإن الاستحاضة] 2 وإن كانت نادرة لكنها دائمة، والقاعدة أن النادر والدائم كالغالب، ولهذا أسقطوا القضاء عن المستحاضة وعللوه بذلك.
وإن انتشر الغائط أكثر من المعتاد بأن تعدى المخرج وما حواليه نظر إن لم يجاوز الأليتين فيجزئ الحجر في الأظهر، وقطع بعضهم به وبعضهم بأنه لا يجزئ انتهى.

تابعه في "الروضة" على إطلاق المسألة قال في "الكفاية": ومحله فيما إذا كان المجاوز متصلًا فإن تقطع تعين الماء في المنقطع وإن كان في باطن الأليتين ونقله في "شرح المهذب" عن حكاية الإمام عن الصيدلاني وارتضاه.

قوله: وإن جاوزهما تعين الماء لأنه نادر بمرة وقيل: ما لم يجاوز على الخلاف.
انتهى.
تابعه أيضًا في "الروضة" على إطلاق المسألة ومحلها إذا كان المجاوز متصلًا فإن تقطع أعطينا كل واحد حكمه قاله في "الكفاية" وفي "شرح المهذب" ونقله الروياني عن الأصحاب والقاضي الحسين في "شرح التلخيص" في الكلام على إزالة النجاسة عن النص، وحينئذ فيستنجي بالحجر فيما لم يجاوز بل مقتضى النص جواز الحجر مع الاتصال أيضًا وفي "الحاوي" وجه أنه يجب غسل الجميع.
واعلم أن التعبير بالأليتين غير مستقيم، بل الصواب التعبير: بالصفحتين لأن الأليتين هو ما ينطبق عند القيام ولهما ظاهر وهو ما يبدو عند القيام وباطن أي ينطبق وهو المسمى: بالصفحة.
والحكم دائر معها، ولهذا عبر بها في "المحرر" و"المنهاج".
وقول الرافعي بمرة الباء بمعنى في.
أي: وقع في مرة واحدة هذا أصله، ثم توسعوا فأطلقوه على النادر جدًا سواء وقع مرةً واحدة أم أكثر، وهذا هو معنى قولهم أيضًا نادر في كرة.

قوله: والبول كالغائط والحشفة كالأليتين، وقال أبو إسحاق المروزي: إذا جاوز البول الثقب تعين [الماء] 1 قطعًا انتهى.
والذي قاله الرافعي قد تبعه عليه في "الروضة" وهو غير مطرد، فإنه

إنما يأتي في الرجل السليم الذكر، فأما المرأة ومن قطع ذكره من أصله فلا ينطبق عليهما ما قاله ولم يتحريا في ضابط الانتشار المانع من الحجر فيهما، وأما مقطوع الحشفة فيتجه فيه الجزم، فإن مقدارها يقوم مقامها ولا يتخرج على الخلاف في أن الغسل والحر ونحوها هل تتعلق بمقدارها أم بمجموع ما بقى؟.

قوله في "أصل الروضة": وحيث اقتصر على الحجر فشرطه ألا تنتقل النجاسة وألا يجف ما على المخرج.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه قد أهمل شرطًا ثالثًا وهو ألا يطرأ على المحل نجاسة أجنبية حتى لو عاد إليه من الأَرض رشاش نجس تعين الماء، وهذا الشرط ذكره الرافعي في كتبه كلها حتى في "المحرر" ولم يذكره النووي في الأصل بل ذكره من زياداته في آخر الباب وكأنه والله أعلم انتقل نظره حالة اختصار الرافعي من هذه الشرط إلى اشتراط عدم الجفاف فإن كلًا منهما في أوله ويشترط.
الأمر الثاني: أن ما ذكراه من اشتراط عدم النقل قيده في "النهاية" بتقييد لابد منه فقال: وسر هذا الفصل يتضح بأمر وهو أن المقتصر على الأحجار لو كلف ألا ينقل النجاسة في محاولة رفعها أصلًا لكان ذلك تكليف أمر يتعذر الوفاء به وذلك لا يليق بالفرائض التي لسبب مرخص، فكيف يليق بما مبناه على نهاية التخفيف، فالقدر الذي يعسر مع رعاية الاحتياط المصون منه في النقل يجب أن يعفي عنه وهو بمثابة إلقاء الجيرة [على محل الخلع فإنه لابد من أخذ أطراف من المواضع الصحيحة حتى تستمسك الجبيرة فإذًا ما ذكره] 1 الأصحاب من النقل ومنعه عنوا به ما لا ضرورة إليه.
وهذا الذي ذكرته لم أره منصوصًا عليه ولكن لابد منه، هذا لفظه.

قوله: وأما قول الغزالي في "الوجيز": وقيل: المذي نادر فيقتضي إثبات خلاف، ولكلامه في "الوسيط" إشعار به أيضًا لكن الذي تشتمل عليه كتب الأصحاب قديمها وحديثها عدّه من النجاسات النادرة من غير تعرض للخلاف فيه.
انتهى كلامه.
وما ذكره عجيب جدًا فقد جزم المحاملي في "المقنع" بأنه معتاد فقال في نواقض الوضوء ما نصه: سواء كان معتادًا كالبول والغائط والمذي والريح أو نادرًا كسلس البول هذه عبارته.
وذكر مثله في "المجموع" أيضًا في الباب المذكور وزاد أيضًا الودي.
وكذلك العمراني في "البيان" فقال: فأما المعتاد فهو كالغائط والبول والريح، والمصوب: [والمذي والودي هذه عبارته.
وقد اغتر النووي بما قاله له الرافعي فجزم في "الروضة" وغيرها بكونه نادرًا] 1 وجزم في "شرح المهذب" بأن الودي نادر على خلاف ما في "البيان" والذي أوقع الرافعي فيما تقدم هو العجلي شارح "الوجيز" فإنه قال: وقوله في "الوجيز": وقيل: المذي نادر، ليس هذا إشارة إلى وجهين بل المنقول في الكتب أنه نادر.

الفصل الثالث: فيما يستنجى به

قوله: كالمقابس والحممة والغضا انتهى.
المقابس جمع مقباس بكسر الميم وبالباء الموحدة، قال الجوهري: القبس شعلة من نار وكذلك المقباس، قال والحممة: الفحم والرماد وكل ما احترق من النار الواحدة حممة، والغضا: بغين وضاد معجمتين شجر له شوك.
[قوله] 1 ولا يجوز الاستنجاء بما كتب عليه علم كحديث وفقه.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الكلام يوهم الجواز في الجلد، وقد سكت الجمهور عنه ولا شك في المنع؛ لأنه امتهان للكتب؛ وأما الجلد بعد انفصاله عن الكتاب فقد رأيت في عقود المختصر للغزالي ما حاصله المنع في جلد المصحف [فإنه قال: ويجوز بكل مدبوغ إلا ما كان على المصحف ثم أخذ منه] 2 فإن استنجى متعمدًا فقد أعظم ويجب عليه الزجر ويستغفر الله هذه عبارته.
الأمر الثاني: أنه لابد من تقييد العلم بالمحترم سواء كان شرعيًا كما سبق أو لم يكن كالحساب والطب والنحو والعروض ونحوها؛ لأنها تنفع في العلوم الشرعية وإن كان أهل هذه العلوم غير داخلين في الوصية للعلماء على ما أوضحوه هناك، فأما غير المحترم كالمنطق والفلسفة ونحوهما فلا أثر له.

قوله: وفي جزء الحيوان المتصل به كاليد والعقب وذنب الحمار ونحوه

جارٍ التحميل