المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 125-164

الذمية عند اغتسالها والزوج عند تغسيله لزوجته المجنونة؟ فيه وجهان في "شرح المهذب" من غير تصريح بتصحيح.
أصحهما في "التحقيق": أنه يشترط ولو امتنعت المسلمة من الغسل فغسلها الزوج قهرًا.
فهل يشترط نيته أو لا؟ قال في "شرح المهذب": الظاهر أنه على الوجهين في المجنونة، وجزم في باب الحيض من "الكفاية" بأن الذي ينوي في غسل الذمية إنما هو الزوج.

قوله: وفي صحة طهارة الكافر الأصلي ثلاثة أوجه: ثالثها: يصح الغسل دون الوضوء.
ثم قال: أما المرتد فلا تصح منه الطهارة بحال، ولم يجروا فيه الخلاف المذكور في الكافر الأصلي.
انتهى.
تبعه أيضًا في "الروضة" على نفي الخلاف عن المرتد فقال: ولا تصح طهارة مرتد بلا خلاف.
وليس كما قالا فقد حكى [الماوردي في الحاوي وجهًا] 1 أنه يصح [غسله، وحكى النووي في "التحقيق" وجهًا أنه يصح] 2 وضوءه وغسله وعزاه في "شرح المهذب" إلى "النهاية".

قوله: ولو توضأ المسلم ثم ارتد لم يبطل وضوءه في أصح الوجهين ثم قال: وأما التيمم ففيه وجهان أيضًا لكن الأصح فيه البطلان؛ لأن التيمم لاستباحة الصلاة، فإذا ارتد خرج عن أهلية الاستباحة إلى آخره.
تابعه النووي على إطلاق عدم البطلان في الوضوء وينبغي استثناء وضوء دائم الحدث؛ وأن يكون كالتيمم في بطلانه بالردة، فإن المذهب أنه كالتيمم في كونه لا يرفع الحدث، ولكن يبيح الصلاة كما قاله في "الروضة" من زياداته قبيل باب المستحاضة.
وقد سبق أن علة بطلان التيمم كونه للاستباحة، وأيضًا فقد قال الإمام

في "النهاية": إن التيمم إذا كان معه غسل فإنه يرفع الحدث كالمسح على الخفين، وعلى هذا فينبغي استثناؤه أيضًا من التيمم.

قوله في "الروضة": أما وقت النية فلا يجوز أن يتأخر عن غسل أول جزء من الوجه.
انتهى.
وهذا التعبير فاسد فإن أول الوجه من جهة أعلاه هو ابتداء الجبهة ومن جهة أسفله هو منتهى الذقن، ولا يجب اقتران النية بشئ منهما، وقد ذكره الرافعي على الصواب فقال عن أول غسل الوجه أى مغسول فتوهم النووي أنه لا فرق بين غسل الأول وأول الغسل فعبر بالعكس فلزم الخلل.

قوله: فإن قارنت النية ما قبل الوجه من السنن لم يصح وضوؤه على أصح الوجهين.
انتهى.
استدرك عليه في "الروضة" فقال: هذا في المضمضة والاستنشاق محله إذا لم ينغسل معهما شئ من الوجه فإن انغسل أجزأه إن كان نيته الوجه وكذا إن لم يكن على الصحيح وقول الجمهور.
قال: لكنه يحتاج إلى إعادة غسل ذلك الجزء مع الوجه على الأصح انتهى كلامه.
والذي قاله النووي -رحمه الله- من تصحيح الاعتداد بالنية عند مقارنتها للجزء المذكور مع تصحيح كونه لا يقع على الفرض غلط عجيب وكلام متدافع، فإن تصحيح النية يقتضي الاعتداء بالمغسول وإلا فيؤدي إلى [الاكتفاء] 1 بنية لم تقارن غسلًا مفروضًا والتفريع على عدم صحة ذلك يثبت أن صحة النية والاعتداد بذلك الجزء عن الوجه متلازمان وهو الموجود لأئمة المذهب كما ستعرفه.
وقد راجعت كلام النووي في "شرح المهذب"

لكون ما يزيده في "الروضة" يلخصه غالبًا منه فلما راجعته وجدته بعد أن صحح إجزاء النية عند اقترانها بالجزء المذكور، نقل عن البغوي وجوب إعادة غسل ذلك الجزء فراجعت "التهذيب" فوجدته قد عبر بقوله: وقيل: إن انغسل في المضمضة والاستنشاق شئ من بشرة وجهه صح وضوؤه وإلا فلا.
وهذا ضعيف لأنه وإن انغسل فلم يغسله عن الفرض بدليل أنه لا يجوز الاقتصار عليه بل يجب غسله ثانيًا في الفرض هذه عبارته فراجعت "تعليقة" القاضي الحسين لأن البغوي لخص "التهذيب" من كلام لشيخه المذكور في "تعليقته" المذكورة فرأيته قد حكى الخلاف في صحة النية عند اقترانها بسنة ثم قال ما نصه: وقال القفال: إن انغسل بالمضمضة ظاهر شفته يصح الوضوء؛ لأنه صار مؤديًا جزءًا من الفرض وإن لم ينغسل شئ من شفتيه لا يجوز لأنه محض سنة وهذا على الطريق الذي يقوله أنه لو ترك لمعة وغسلها المرة الثانية يحصل الوضوء وسنذكره هذا لفظ القاضي.
ووجه التخريج الذي ذكره أنه قد غسل ذلك الجزء مقترنًا بنية الوضوء إلا أن غسله إنما كان عن السنة لا عن الفرض.
فأشبه غسل اللمعة في المرة الثانية أو الثالثة والصحيح فيها الإجزاء فيكون كذلك في مسألتنا، فاختصر البغوي كلام شيخه المذكور بما سبق وعلمنا من تضعيف البغوي لهذه المقالة أن الصحيح عنده في مسألة اللمعة عدم الإجزاء فإنه لم يصحح فيها شيئًا هناك بل ولا شيخه المذكور أيضًا فوقف النووي على كلام البغوي خاصة ولم يطلع أيضًا على مدركه ومستنده فإنه لم يراجع عليه من أصوله ما راجعت، ولا تتبعت، فلزم الوقوع في الخطأ الصريح، وقد صرح أيضًا رفيق البغوي في الأخذ عن القاضي الحسين وهو صاحب "التتمة" بصحة النية وبإجزاء المغسول عن الفرض وكذلك الروياني في "البحر" وصحح أبو علي

الطبري في "الإفصاح" والماوردي في "الحاوى" صحة الوضوء بهذه النية ولم يوجبا إعادة شيء وكذلك ابن الرفعة في "كفايته" مع تتبعه واتساع باعه، وبالغ ابن الصباغ في "الشامل" فجزم بالصحة عند انغسال شئ من الشفة ولم يوجب إعادةً.
ولا شيئًا آخر وغلط ابن الرفعة في "المطلب" تبعًا لصاحب "الذخائر".
في النقل عنه في هذه المسألة أي عن ابن الصباغ وسبب الغلط تحريف لفظة منه أي من الجارة للضمير بلفظ نبه أعنى بالنون والباء فتفطن لذلك وفي ما أشرت إليه تنبيه لمن أحب الوقوف عليه وقد طال الكلام في هذه المسألة وذلك لإيضاح وجه الغلط فلله الحمد على التوفيق لذلك.
ونبه في "الذخائر" على شيء متعين وهو أنه حيث وقع شئ عن الوجه في هذه الحالة فلا تجزئ المضمضة ولا الاستنشاق لتقدم بعض غسل الوجه عليهما وتقديمها عليه شرط.

قوله: فينوي أحد ثلاثة أمور: أحدها: رفع الحدث أو الطهارة عنه.
والثاني: استباحة الصلاة أو غيرها مما لا يباح إلا بطهارة.
الثالث: فرض الوضوء أو أداء الوضوء.
انتهى ملخصا.
فيه أمور: أحدهما: أن هذا الحصر قد تابعه عليه في "الروضة" ويرد عليه كيفيات: إحداها: أن ينوي الطهارة للصلاة أو لغيرها مما يتوقف على الوضوء فإنه يصح كما ذكره الشيخ في "التنبيه" وكذلك في "المهذب" وغاير بينها وبين ما إذا نوى الطهارة عن الحدث ووافقه عليه النووي في شرحه له وحكى اتفاق الأصحاب عليه إلا أن في هذه الصورة نظر، فإنه لو نوى

الطهارة ولم يقل عن الحدث لا تجزئه على الصحيح كما صرح به في "زوائد الروضة" وأفهمه كلام الرافعي وعلله في "شرح المهذب" بأن الطهارة قد تكون من حدث وقد تكون عن خبث، وهذا نفسه يأتي في صورتنا والتعرض فيها للصلاة ونحوها لا يزاحم هذا المعنى ولا يأتي هذا الإشكال في الاستباحة لأن الاستباحة؛ تتوقف على الحدث والخبث معا فيندرجان في نيتها بخلاف الطهارة.
الكيفية الثانية: أداء فرض الطهارة ذكرها جماعة منهم سليم الرازي في "التقريب".
الثالثة: أن ينوي الوضوء فقط فيصح كما صححه في "التحقيق" "وشرح المهذب" وفرق الماوردي بينه وبين ما إذا نوى الجنب الغسل بأن الوضوء لا يطلق على غير العادة بخلاف الغسل.
الأمر الثاني: أن نية الرفع والاستباحة ونحوهما لا إشكال فيها في غير الوضوء المجدد وأما المجدد فالقياس فيه الاقتصار على نية الطهارة والوضوء والتجديد ونحو ذلك على خلاف ما يقتضيه إطلاقه، إلا أن يقول قائل: تصح بالجميع كالصلاة المعادة غير أن ذلك مشكل خارج عن القواعد فلا يقاس عليه.
الأمر الثالث: ذكر الرافعي في نية الصلاة أنه لابد من قصد فعل الصلاة ولا يكفي إحضار نفس الصلاة غافلا عن الفعل.
والذي ذكره يتجه مثله هنا عند نية الوضوء والطهارة ونحوهما.

قوله: ولو نوى رفع بعض الأحداث صح وضوؤه على الأصح؛ لأن الحدث لا يتجزأ فإذا [ارتفع البعض ارتفع الكل، وقيل: لا لأنه لا يتجزأ فإذا] 1 نفي البعض نفي الكل، وقيل: إن لم ينف ما عداه صح وإن نفاه فلا، وقيل: إن نوى الأول صح وإلا فلا، لأن الأول هو الذي أثر في المنع وبعض

الطهارة، وقيل عكسه؛ لأن الآخر أقرب، وذكر بعضهم أن الخلاف فيما إذا نواه ونفي غيره فإن لم ينف صح بلا خلاف انتهى.
وهذه الطريقة أسقطها النووي من "الروضة".
واعلم أن هذه المسألة تشبه مسألة ذكرها الرافعي في الطلاق في آخر الباب الأول، وهي أنه إذا وطئ امرأتين واغتسل من الجنابة وحلف أنه لم يغتسل عن الثانية لم يحنث.
ورأيت في "شرح التلخيص" للشيخ أبي علي السنجي قبل كتاب الزكاة أن المرأة إذا كانت جنبًا فحاضت ثم اغتسلت وكانت قد حلفت أنها لا تغتسل عن الجنابة فالعبرة عنده بالنية فإن نوت الاغتسال عنها تكون مغتسلة عنهما وتحنث، وإن نوت عن الحيض وحده لم تحنث لأنها لم تغتسل عن الجنابة، وإن كان غسلها مجزئًا عنهما معًا.
قال: ورجح القفال الحنث هذا كلامه.
وقد ظهر لك أن الرافعي صور مسألة اليمين بحالة اتحاد النوع، وقد يؤخذ منها التخصيص أيضًا في الوضوء حتى إذا نوى ما عدا الأول من إفراغ النوع متعمدًا لم يصح كما لا تحنث في اليمين وهو متجه.

قوله في أصل "الروضة": فإن لم يكن الحدث المنوي واقعًا منه بأن قال: ولم يتم فنوى حدث اليوم، فإن كان غالطًا صح وضوؤه قطعًا، وإن تعمد لم يصح في الأصح.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك فقد خرجه الإمام والغزالي في "البسيط" على الخلاف في المسألة السابقة وهي ما لو نوى رفع بعض الأحداث، وستقف في التيمم على كلام آخر متعلق بالمسألة فراجعه.

قوله: فإن نوى ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن للمحدث وسماع الحديث وروايته والعقود في المسجد وغيرها فوجهان أظهرهما لا يصح

وضوؤه لأن هذه الأشياء مباحة مع الحدث فلا يتضمن قصدها قصد رفع الحدث، والوجهان جاريان فيما إذا كان الوضوء مستحبًا في ذلك الفعل لمكان الحدث كما ذكرناه من الأمثلة، وفيما إذا كان لا باعتبار الحدث كتجديد الوضوء، فإن القصد منه زيادة النظافة وقطع بعضهم في الثاني بنفي الصحة.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن تعبير الرافعي بالقعود يشعر بأن المار في المسجد لحاجة أو نحوها لا يستحب له ذلك، وكلام "الروضة" أيضًا يشعر به فإنه عبر بالجلوس وليس كذلك، فقد صرح في "شرح المهذب" باستحبابه في هذه الحالة، ولهذا عبر في "المحرر" بالدخول وسيأتي في الغسل ما يعضده أيضًا، والمسألة شبيهة بأن المأمور بتحية المسجد من أراد الجلوس أو كل من دخل؟ ولعلنا نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه.
الأمر الثاني: في باقي الأمور التي استحبوا لها الوضوء وأرادها الرافعي بقوله وغير ذلك، وقد جمعها النووي في "شرح المهذب" "والتحقيق" فقال: يندب عند نوم وغضب وغيبة وأذان وإقامة وغسل جنابة ودرس علم ووقوف بعرفة وسعى وزيارة قبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفصد وحجامة وقئ وقهقهة مصلٍ وحمل ميت ومسه وأكل لحم جزور ولجنب أراد أكلًا وشربًا أو نومًا أو جماعًا أو خطبة لغير جمعة انتهى كلامه.
وتخصيص الغيبة ليس بجيد فقد قال في نواقض الوضوء من "شرح المهذب" الصحيح أو الصواب استحبابه من الكلام القبيح كالغيبة والنميمة والكذب والقذف والفحش وقول الزور.
وأيضًا فقد رأيت في "شرح فروع ابن الحداد" للقاضي الحسين بخط

تلميذه المعلق عنه استحباب الوضوء لزيارة القبور مطلقًا.
الأمر الثالث: في بيان الحالة التي يستحب فيها تجديد الوضوء والأصح أنه يستحب لكل من صلى به صلاة ما فرضا كانت أو نفلًا، ولا يستحب لغيره، كذا ذكره في "الروضة" في باب النذر من زوائده.
وحكى في "شرح المهذب" هنا وجوهًا أخرى.
أحدها: لا يستحب إلا إذا أدى به فرضًا.
والثاني: يستحب إذا فعل بالوضوء ما قصده لأجله.
والثالث: يستحب مطلقًا إذا فرق بينهما تفريقًا كبيرًا، فلو وصله بالأول كان في حكم غسلة رابعة؛ كذا قاله الإمام وغيره وصرحوا بكراهة التجديد إذا لم يرد بالأول شيئا.
والرابع: إن صلى بالأول أو سجد لتلاوة أو شكر أو قرأ القرآن في مصحف استحب وإلا فلا، والمراد بالأخير ما يتوقف عليه الوضوء، وبالثاني ما يتوقف عليه أو يندب له مع مراعاة ما سبق من فعل ما قصد.
واعلم أن تجديد التيمم والغسل غير مستحب على الصحيح، وتجديد الوضوء لماسح الخف يأتيك في بابه، وأما تجديد الوضوء المكمل بالتيمم لجراحة فإنه يستحب كما جزم به في "الذخائر" نقلًا عن القفال.
قال في "الكفاية": وفيه نظر لأنا إذا لم نستحب له الإتيان بالتيمم لم يكن المأتى به طهارة كاملة، والإتيان ببعض الطهارة غير مستحب اللهم إلا أن يقال: لما لم يكن استعمال الماء في الباقي والتيمم عنه غير مشروع صار ذلك البعض كالمفقود.
الأمر الرابع: في بيان محل الخلاف في صحته بنية التجديد وقد صوره

في "التتمة" بما إذا نوى ذلك مع علمه بأنه محدث، وكلام ابن الصباغ في أثناء فرع ابن الحداد خصهما بما إذا نوى ذلك وهو يعتقد أنه متطهر.
الأمر الخامس: أن النووي في "الروضة" قد وافق الرافعي على جريان الوجهين في الوضوء المجدد فقال: ولو نوى تجديد الوضوء فعلى الوجهين وقيل: لا يصح قطعًا، وناقض ذلك في "شرح المهذب" فقال: ولو نوى تجديد الوضوء أو الجنب غسلًا مسنونًا ففي ارتفاع حدثه طريقان: أحدهما: أنه على الوجهين فيما يستحب له الطهارة.
والثاني: وهو المذهب القطع بأنه لا يرتفع حدثه ولا جنابته؛ لأن هذه الطهارة ليس استحبابها بسبب الحدث فلا يتضمن رفعه بخلاف الطهارة لقراءة القرآن.

قوله: ولو شك في الحدث بعد يقين الطهارة فتوضأ احتياطًا ثم تبين أنه كان محدثًا فهل يعتد بهذا الوضوء؟ فيه هذان الوجهان؛ لأن الوضوء والحالة هذه محبوب للاحتياط لا للحدث بخلاف العكس فإنه يصح.
انتهى.
والأصح من الوجهين المحال عليها أنه لا يصح وحينئذ فيقال: إذا كان وضوء الاحتياط غير صحيح فما الفائدة في استحبابه لأنَّه إن كان محدثًا فحدثه لا يرتفع وإن كان متطهرًا فلا حاجة إليه ولاسيما إذا لم يكن قد أدى به قبل الشك شيئًا من الصلوات، فإنه لا يستحب التجديد والحالة هذه وليس عن هذا الإشكال جواب شاف.
والصواب في هذه المسألة ما قاله الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في "القواعد الكبرى" أن طريق الشاك في ذلك والحالة هذه أن يحدث ثم يتطهر قال: فإن لم يفعل لم [يحصل] 1 الورع على المختار لعجزه عن جزم

النية قال: وكذلك [إذا] 1 التبس عليه المني بالمذي فطريقه أن يجامع ثم يغتسل، وفي "شرح التعجيز" لمصنفه حكاية وجه ثالث في أصل المسألة أنه إن احتاط لشكه في أنه أحدث لم يصح أو في أنه تطهر صح؛ لأن نية رفع الحدث قويت بأن الأصل بقاء الحدث.

قوله: ولهذا ذكروا وجهين في اشتراط الإضافة إلى الله تعالى كما في الصوم والصلاة وسائر العبادات.
انتهى.
واعلم أن جريان الخلاف في الوضوء إنما أشار إليه الإمام بحثًا ثم رده فإنه.
قال: الوضوء من القربات، فلذلك أوجب الشافعي فيه النية، وإذا كان كذلك انقدح ذكر خلاف في أنه هل يشترط أن يضيفه إلى الله تعالى كما في الصلاة؟ لكن قد قطع أئمة المذهب بأنه لو نوى أداء الوضوء لفريضة الوضوء صحت نيته وارتفع حدثه، فالوجه أن يكتفي بما ذكره الأئمة هذا لفظه.
فأثبت الغزالي الوجهين فتابعه الرافعي عليه، وقد نبه ابن الرفعة أيضًا على هذا الذي نبهت عليه فثبت أن الوجهين لا أصل لهما.

قوله: والأولى ألا نجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات بل نعتبرها للتمييز، ولو كان الاعتبار على وجه القربة لما جاز الاقتصار على أداء الوضوء وحذف الفريضة؛ لأن الصحيح أنه يشترط التعرض للفرضية في الصلاة وسائر العبادات.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي وجوب التعرض للفرضية في الحج والعمرة، وليس كذلك فقد صرح الماوردي والبندنيجي وغيرهما كما قاله ابن الرفعة في صفة الصلاة

بأنه لا يجزئ فيهما؛ لأن من عليه فرضهما لو أحرم بالنفل لم يقع له بل للفرض، وأما الصوم فقد اختلف فيه كلام النووي كما تعرفه واضحًا في موضعه.

قوله: قال الشيخ أبو على: الموجب للطهارة هو الحدث وقيل: دخول الوقت، وقيل: أحدهما يشترط الآخر.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن هذه المسألة قد أسقطها النووي فلم يذكرها في الروضة.
الثاني: أن الأصح فيها وجوبه بالحدث والقيام إلى الصلاة معًا كذا صححه النووي في "التحقيق" وفي "شرح مسلم" في باب جواز أكل المحدث للطعام ولم يذكره الرافعي البتة.
الثالث: ذكر الرافعي كلامًا حاصله أنه إذا توضأ قبل الوقت ناويًا للفرض إن أراد بالفرض ما يأثم الشخص بتركه، فإنه يتخرج على هذا الخلاف، وأما إذا أراد ما لابد منه في إيقاع الصلاة، فإنه يصح جزمًا وأن الصبي إذا نوى الفرض صح وضوؤه بالمعني الثاني دون الأول، ولم يذكر في الروضة شيئًا من ذلك، بل اختصر كلام الرافعي فقال: الأمر الثالث: فرض الوضوء أو أداء الوضوء وذلك كان قطعًا وإن كان الناوي صبيًا.
هذا لفظه.
ومما يتخرج أيضًا على هذا الخلاف ما إذا نوى أداء الوضوء] 1 اقبل الوقت وأراد بالآداء معناه المصطلح عليه، وقد يقال من فوائده أيضًا ما لو شرع في الوضوء ثم أراد قطعه باللمس مثلًا وقلنا بالصحيح وهو أنه لا يجوز قطع الواجب الموسع بعد الدخول فيه.
أما قطعه بما له فيه غرض صحيح فلا إشكال في جوازه وسيأتي نظير مسألة الكتاب في أول باب الغسل فراجعها.

قوله: كما لو كبر الإمام وقصد مع التحريم إعلام القوم لا يضر، انتهى كلامه، لم يتعرض في "الروضة" هنا لذكر هذه المسألة لكنها تؤخذ من كلامهم هناك.

قوله: ولو اقتصر على نية رفع الجنابة حصلت الجمعة في أصح القولين انتهى.
ذكره نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وخالفهما في "المحرر" فجزم فيه بعدم الحصول، فقال؛ ولو اغتسل لجمعة وجنابة حصلا أو لأحدهما حصل فقط، وهذا هو الذي صححه النووي في كتبه ونقله في "الروضة" وغيرها عن الأكثرين وحينئذ تكون الفتوى عليه.
واعلم أن في صحة الغسل بالنسبة إلى الجمعة عند الاقتصار على نيتها كلامًا ستعرفه في باب غسل الجنابة.

قوله: ولو نوى رفع الجنابة وغسل الجمعة فإن قلنا: لو اقتصر على غسل الجنابة لم تحصل الجمعة، فقضيته ألا يصح الغسل أصلًا كما نوى بصلاته الفرض والنفل جميعًا، وإن قلنا: تحصل.
فوجهان كالوجهين في ضم نية التبرد إلى رفع الحدث أصحهما أنه لا يضر.
انتهى كلامه ملخصًا.
وكله مدخول، فأما ما قاله في التفريع على القول الأول من عدم الصحة فقد جزم في "المحرر" بعكسه، وقد تقدم ذكر لفظه.
وأما تعليله بالتشريك بين الفرض والنقل فيشكل عليه ما إذا نوى بصلاته الفرض والتحية فإنه يصح.
وأما ما قاله في التفريع على القول الثاني فضعيف وقياسه على التبرد ممنوع؛ لأن ذاك تشريك بين عبادة وغيرها وما نحن فيه عبادتان.
لا جرم أن الشافعي -رحمه الله- قد نص على أنهما يحصلان له إذا

نواهما.
كذا رأيته في "شرح التلخيص" للقفال في باب النية وهو أوائل الكتاب ثم رأيته منصوصًا عليه في "مختصر البويطي" فقال ما نصه: ومن اغتسل بعد طلوع الفجر يوم الجمعة ينويه للجمعة والجنابة والحيض والعيد أجزأه ذلك إن شاء الله تعالى، هذا لفظ الشافعي بحروفه ومنه نقلت ولم يتعرض في "الروضة" لهذا البناء لكنه يتجه وهو إثبات الخلاف.
واعلم أن النووي في "الروضة" عبر بقوله حصلا على الصحيح ولم يصرح بمقابله وقد ظهر لك أن مقابله عدم الحصول في كل منهما للتشريك.
واعلم أن لمسألة التشريك نظائر منها إذا كبر للإحرام ونوى إعلام القوم فإنه لا يضر كما سبق قريبًا.
ومنها: إذا خطب يوم الجمعة على قصد الكسوف والجمعة فإنه لا يصح كما جزم به الرافعي والنووي وغيرهما ولا أعلم فيه خلافًا، ولهذا عبر الشافعي بقوله: خطب للجمعة وتعرض للكسوف، وتبعه الأصحاب على هذا التعبير.
ومنها: إذا صام في يوم عاشوراء مثلًا عن قضاء أو نذرٍ أو كفارة وأطلق أو نوى معه الصيام عن عاشوراء، أفتى قاضي القضاة شرف الدين البارزي بالصحة ووقوعه عنهما وهو مردود فإن القياس ألا يصح لواحد منهما.
ومنها: إذا كبر المسبوق تكبيرةً واحدةً وقصد التحرم والهوى فإنه لا يصح.
ومنها: إذا صلى الفائتة في ليالي رمضان ونوى معها صلاة التراويح، وقد ذكرها ابن الصلاح في "فتاويه" وقال: إن التراويح لا تحصل بل تحصل الفائتة، قال: والأفضل أن يصليها بعد التراويح وما ذكره من

حصول الفائتة ممنوع؛ لأن التشريك مقتضى للإبطال كما سبق.
وأما ما ذكره من استحباب تأخير الفائتة إلى ما بعد التراويح فممنوع أيضًا؛ لأن القضاء على الفور إما وجوبًا أو استحبابًا فكيف يؤخرها عن التراويح؟

قوله: فيما لو نوت المستحاضة ونحوها فريضة أو نافلة ثم النظر في كون المستباح فرضًا أو نفلًا أو مطلق الصلاة وفيما يباح لها إذا نوت النفل كما سيأتي في التيمم.
انتهى كلامه.
هذه المسائل أسقطها من "الروضة".

قوله: من "زياداته" ولو نسى اللمعة في وضوئه أو غسله ثم نسى أنه توضأ أو اغتسل فأعاد الوضوء والغسل بنية الحدث أجزأه بلا خلاف.
انتهى كلامه.
وليس كما قال من نفي الخلاف فقد رأيت في "شرح الفروع" للشيخ أبي على السنجي أن بعض أصحابنا ذهب إلى تخريجه على تفريق النية وفي ظني أنه ذكره في الكلام على الغسل.
واللمعة بضم اللام كذا قاله النووي في "الإشارات" التي على "الروضة"، قال الجوهري: واللمعة بالضم قطعة من البيت فكأن ما ذكره النووي مأخوذ من هذا.

قوله: الثانية: إذا فرق النية على أعضاء الوضوء فنوى عند غسل الوجه رفع الحدث عنه وعند غسل اليدين رفع الحدث عنهما وهكذا فوجهان: أصحهما عند المعظم أنه يصح؛ لأنه يجوز تفريق أفعاله فجاز تفريق النية عليها.
وقيل: إن نوى رفع الحدث عن المغسول ونفي غسل سائر الأعضاء لم يصح وإلا فيصح، والمشهور أنه لا فرق.
انتهى ملخصًا.

لم يصرح هنا بما إذا نوى عند كل عضو رفع الحدث وأطلق ولم يخصه بذلك العضو، وقد صرح بها ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" وقال: إنها تتخرج أيضًا على هذا الخلاف وحينئذ فيكون للتفريق ثلاث صور.

قوله: من زوائده؛ ولو نوى الطهارة ولم يقل عن الحدث لم يجزئه على الصحيح المنصوص.
اعلم أن الشافعي قد نص في "البويطي" على الصحة فقال ما نصه: وإن نوى به الطهارة ولم ينو به صلاة مكتوبة ولا نافلة ولا جنازة ولا قراءة مصحف أجزأه أن يصلي به.
انتهى.
وقد نقل الأصحاب هذا النص ونقله هو أعني النووي في "شرح المهذب" وفي غيره من كتبه ولم ينقل نصًا يقتضي عدم الصحة ولم ينقله غيره أيضًا من المطلعين على النصوص كصاحب "البحر" وغيره؛ فكأنه في "الروضة" قد انعكس عليه ذلك، وبتقديره فكان يلزم أن يجعل الخلاف قولين.
واعلم أن الإجزاء في هذه المسألة قوي لأنه محلى بالألف واللام وهى للعموم عند الشافعي وأصحابنا كما أوضحته في "شرح منهاج الأصول"، وأيضًا فلأنه إذا لم يكن عليه نجاسة تعين الحدث بحسب الواقع وأيضًا فإن رفع الحدث شامل للأصغر والأكبر فتكون الطهارة أيضًا شاملة للحدث والنجس.

قوله.
فيها: لو نوت مغتسلة عن حيض تمكين زوج من وطء فأوجه الأصح يستبيح [الوطء والصلاة وكل شئ يقف على الغسل.
والثاني: لا يستبيح شيئًا.
والثالث: يستبيح الوطء] 1 وحده.
انتهى.

وهذه المسألة التي ذكرها من "زوائده" في غير موضعها قد ذكرها الرافعي في موضعها وهو باب الغسل فإنه قال: أما إذا نوى المغتسل استباحة فعل نظر إن كان مما يتوقف على الغسل كالصلاة والطواف فالحكم ما سبق في الوضوء، ومن هذا القبيل ما إذا نوت الحائض استباحة وطء الزوج [في أصح الوجهين] (1)، والثاني أن غسلها بهذه النية لا يصح للصلاة وما في معناها انتهى كلامه.
فاستفدنا منه الأوجه الثلاثة لأنه قد ذكر في الوضوء وجهًا أنه لا يصح بنية الاستباحة ثم أحال الغسل عليه فعلم منه ومن الوجهين الذين بعد الأوجه الثلاثة وقد اختصره في "الروضة" هناك بلفظ غير وافٍ كما ستعرفه.
وقول الرافعي تمكين الزوج وهو قريب مما ذكره الخوارزمي في "الكافي" فإنه قيد المسألة بما إذا نوت الوطء الحلال وهو يقتضي أن الاغتسال للوطء المحرم غير صحيح وفيه نظر.

الفرض الثانى: غسل الوجه

قوله: وحكى في الصدغين وجه أنهما من الوجه انتهى.
وهذا الذي حكاه وجهًا واقتضى كلامه استغرابه من جهة النقل نص عليه الشافعى، ورواه عنه البويطي والمزني كذا ذكره ابن الصلاح في "النكت" التي له على "المهذب" وصححه.
وحكى الماوردي عن أبي العياض البصري وجهًا ثالثًا أن ما استعلى منه عن الأذنين فهو من الرأس وما انحدر عنها فمن الوجه وصححه الروياني.
والصُدغ بضم الصاد كذا ضبطه الجوهري ويقال: بالسين أيضًا.1

قوله: ويدخل في حد الوجه موضع العمم؛ لأنه في تسطيح الجبهة وهذا إن استوعب الغمم جميع الجبهة، فإن لم يستوعب فوجهان أصحهما: أنه من الوجه أيضا.... إلى آخره.
واعلم أن كلامهم يدل على أن هذا التردد محله فيما إذا اتصل الغمم بشعر الرأس، فإن انفصل عنه وجب غسله اتفاقًا وهو ظاهر.

قوله: وأما موضع التحذيف وهو الذي ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار والنزعة ففيه وجهان أظهرهما عند المصنف أنه من الوجه، والذي عليه الأكثرون وهو الذي يوافق نص الشافعي أنه من الرأس.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما رجحه هنا قد رحجه أيضًا في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين وأوفقهما للنص وكذلك في "التذنيب" فقال: إنه الأرجح عند المعظم ثم خالف هذه الكتب كلها في "المحرر" فقال: أظهر الوجهين أنه من الوجه وهو غريب لتعبيره بالأظهر فيه وفي عكسه، والأول هو المفتى به للتصريح بنقله عن الأكثرين وهو الذي صححه النووي في كتبه.
الأمر الثاني: أن الخلاف في المسألة قولان، فإن الروياني في "البحر" نقل عن نصه في "الإملاء" أنه من الرأس، ونقل الإمام عن النص أنه من الوجه، وقد نقل النووي في "شرح المهذب" هذين النصين ثم قال: فحصل أنهما قولان لا وجهان خلافًا لما قاله سائر الأصحاب.
والنزعة بفتح النون وفتح الزاي أيضًا وحكيت لغة بإسكان الزاي.
قاله في "شرح المهذب".

قوله: في قولنا: من كذا إلى كذا وكلمتا "من" و"إلى" إذا دخلتا في مثل هذا الكلام قد يراد بهما دخول ما أوردتا عليه وقد يراد خروجه.
نظير الأول: حضر القوم من فلان إلى فلان.
ونظير الثاني: من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة كذا ذراعًا انتهى كلامه.
واعلم أن هذه المسألة التى أجملها وهي غاية الابتداء والانتهاء في دخولهما خلاف عند النحاة والأصوليين والفقهاء، وقد بسط الأصوليون كلامهم فيها كما حررته في "شرح منهاج الأصول".
فأما غاية الابتداء فقد اختلفوا فيها على مذهبين، وأما غاية الانتهاء ففيها مذاهب.
أحدها: أن ما بعد الحرف مخالف في الحكم لما قبله أي ليس داخلًا فيه بل محكوم عليه بنقيض حكمه، لأن ذلك الحكم لو كان ثابتًا فيه أيضًا لم يكن الحكم فقهيًا منتهيًا، فلا تكون الغاية غاية وهو محال، وهذا مذهب الشافعي والجمهور كما قاله في البرهان.
والثاني: أنه داخل فيما قبله.
والثالث: إن كان من الجنس دخل وإلا فلا، نحو: بعتك الرمان إلى هذه الشجرة فينظر هل هي من الرمان أم لا؟ والرابع: إن لم يكن معه "من" دخل كما مثلناه فإن كان معه فلا نحو: بعتك من كذا إلى كذا.
والخامس: إن كان منفصلًا عما قبله بفصل معلوم بالحس كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ [البقرة: 187]، فإنه لا يدخل وإلا فيدخل

كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] فإن المرفق ليس منفصلًا عن اليد بفصل معلوم غير مشتبه بما قبله وما بعده كفصل الليل من النهار بل بجزء مشتبه فلما كان كذلك لم يكن تعيين بعض الأجزاء بأولى من الآخر فوجب الحكم بالدخول وفي المحصول والمنتخب أن هذا التفصيل هو الأولى ومذهب سيبويه أنه إن اقترن "بمن" فلا يدخل، وإلا فيحتمل الأمرين، وقد نقله عنه في "البرهان" واختار الآمدي أن التقييد بالغاية لا يدل على شئ ولم يصحح ابن الحاجب شيئًا، وفائدة الخلاف ما إذا قال له: على من درهم إلى عشرة، أو قال: بعتك من هذا الجدار [إلى هذا الجدار] 1 والمفتي عليه عندنا أنه لا يدخل الجدران في البيع ولا الدرهم العاشر في الإقرار، وفي الفرق نظر.

قوله: ويجب غسل باطن الحاجبين والعزارين والأهداب ونحوها وإن كثفت لأن كثافتها نادرة والنادر ملحق بالغالب.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الإيجاب مشكل؛ لأنها وإن كانت نادرة لكنها إذا وقعت تدوم، وقاعدتنا أن النادر الدائم كالغالب وهذا البحث لا يأتي في لحية المرأة لأنه يستحب حلقها.
الأمر الثاني: أن النووي في "تصحيح التنبيه" قد نفي الخلاف في وجوب غسل الباطن في الخدين والأهداب ولحية المرأة والخنثى، وليس كذلك فإن فيها وجهين مذكورين في "الروضة" وغيرها.

قوله: الثاني: لو كان بعضه خفيفًا وبعضه كثيفًا ففيه وجهان أصحهما أن للخفيف حكم الخفيف وللكثيف [حكم الكثيف] 2 توفيرًا لمقتضى كل واحد

منهما.
والثاني: للكل حكم الخفيف وهو الذي ذكره في "التهذيب" وعلله بأن كثافة البعض مع خفة البعض نادرة فصار كشعر الذراع إذا كثف، ولك أن تمنع ما ذكره وتدعي أن الكثافة في البعض والخفة في البعض أغلب من كثافة الكل انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الخلاف إنما يأتي عند تمييز الخفيف من الكثيف فأما إذا لم يتميز فلا يأتي بالضرورة لكن ماذا يكون حكمه؟ لم يبينه، وقد بينه الماوردي فقال: حكمه حكم الخفيف بلا خلاف.
الثاني: أن ما نقله الرافعي هنا عن "التهذيب" غلط، والمذكور فيه إنما هو العكس فإنه قال ما نصه: كان كان بعض لحيته خفيفًا والبعض كثيفًا يجب إيصال الماء إلى باطن الخفيف دون الكثيف، وإذا نبتت للمرأة لحية كثيفة يجب إيصال الماء إلى باطنها لأنه نادر كما إذا كثف شعر الذراع يجب إيصال الماء إلى ما تحته في غسل اليد، هذا لفظ "التهذيب" بحروفه ومنه نقلته.
وسبب غلط الرافعي -والله أعلم- أن البغوي عبر بقوله: يجب إيصال الماء مرتين فانتقل نظر الرافعي وقت الكتابة من الأولى إلى الثانية، أو أنتقل نظر الناسخ فسقط من النسخة التي وقف عليها.
وكلام الرافعي هنا مما يعرف به جلالة قدره فإن فهمه لم يقبل هذا الكلام الغلط بل بحث فيه ورده.
واعلم أن الوجه ثابت كان ثبت غلط النقل عن "التهذيب"، فقد جزم القاضي الحسين بذلك في القطعة التي شرحها من "التلخيص" وعلله بكونه نادرًا.

قوله: القسم الثاني: الشعر الخارج عن حد الوجه من اللحية طولًا وعرضًا لا يجب غسل باطنه قولًا واحدًا بل ظاهره في أصح القولين؛ لأنه تابع للوجه وتحصل به المواجهة.
انتهى.
وما ذكره في نفي الخلاف عن الباطن محله في الشعر الكثيف، أما الخفيف فالقولان جاريان في ظاهره وباطنه، كذا صرح [به جماعة وقال النووي] (1) في "شرح المهذب": إنه الصواب، وإن كلام من أطلق محمول عليه.

قوله من "زوائده": قال أصحابنا: يجب غسل جزء من رأسه ورقبته وما تحت ذقنه مع الوجه ليتحقق استيعابه، ولو قطع أنفه أو شفته لزمه غسل ما ظهر بالقطع [في الوضوء] (2) والغسل على الأصح.
انتهى.
وهاتان المسألتان في الرافعي مجزوم بهما، وحكى الدارمي وجهين متعلقين بالمسألة الأولى فقال وهل ويجب في نفسه أو لغيره على وجهين.

الفرض الثالث: غسل اليدين

قوله: قال الله تعالى: ﴿وأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 3 وكلمة "إلى" قد تستعمل بمعنى "مع" كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ 4 وقوله: ﴿منْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ 5 وهو المراد هنا لما روى "أنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه" 6 وروى أنه أدار الماء على مرفقيه ثم12

قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" انتهى كلامه.
واعلم أن الناس قد اختلفوا في أن اليد تطلق حقيقة على ماذا؟ فقال بعضهم: إلى الكوع واختاره القاضي أبو الطيب، وقيل: إلى المنكب وهو رأى الجمهور كما أو صحته في "شرح منهاج الأصول".
إذا علمت ذلك فما ذكره الرافعي تبعًا لغيره من حمل "إلى" هنا على معنى "مع" فاسد من جهة المعنى على القولين معًا.
أما على القول الأول فلأن الآية تفسير دالة على وجوب الغسل إلى الكوع ووجوب المرفق دون ما بينهما وهو الساعد ولا قائل به.
وأما على القول الثاني فلأنه يصير التقدير واغتسلوا إلى المنكبين مع المرفق ولا قائل به أيضًا مع ما فيه من ذكر ما لا فائدة له وهو المرفق.
فالصواب أن "إلى" باقية على حقيقتها اللغوية وهي الغاية وجعلها المحققون غاية الترك -أي واتركوا منها- إلى المرفق؛ لأن ما قبل الغاية لابد أن يكون متكررًا، وغسل اليد يتكرر قبل المرفق فلا يصح أن يكون هو المعني بخلاف الترك، والغاية لا تدخل في المعنى على المشهور فلا يدخل المرفق في الترك وحينئذ فيجب غسله وهو المدعى.
والحديث الأول رواه البيهقي بإسناد ضعيف.
والحديث الثاني هو معنى الأول.

قوله: الثالث: أن يكون القطع من مفصل المرفق فهل يجب غسل العظم، = وقال ابن الجوزى: هذا الحديث ضعيف، قال أحمد: القاسم بن محمد ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك الحديث.
والشيخ الألبانى صحح الحديث بشواهده، وهو كما قال.

فيه طريقان: أحدهما: القطع بالوجوب، والثاني: قولان أصحهما الوجوب.
واختلفوا في مأخذ القولين، منهم من قال: مأخذهما أن المرفق في اليد السليمة يغسل تبعًا أم مقصودًا، فمن قائل: تبعًا وضرورة لاستيعاب غسل اليد إلى المرفق، ومن قائل: يغسل مقصودًا كسائر أجزاء محل الفرض.
ومنهم من قال: بل مأخذهما الخلاف في حقيقة المرفق، فمن قائل: المرفق عبارة عن طرف الساعد ولم يبق، ومن قائل: المرفق مجموع العظمتين وقد بقى أحدهما.
انتهى.
فيه أمران: الأمر الأول: أن القائل بأن المرفق عبارة عن طرف عظم الساعد يقتضي قوله ألا يوجب غيره ولكن إنما أوجب غسل رأس العضد تبعًا وضرورة، والقائل بأنه عبارة عن المجموع يقول بأنه مقصود بالإيجاب وحينئذ فليس ذلك خلافًا كما زعمه الرافعي، وإنما هو اختلاف في التعبير اعتقد أنه خلاف محقق، وقد أشكل على ابن الرفعة ذلك فقال: ولم يظهر لي فرق بين الطريقين فأدرك -رحمه الله- عدم انتظامه دون السبب في وقوعه.
الأمر الثاني: أن الأصح من الطريقين هى طريقة القولين كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وجزم بها في "المحرر" وتبعه عليه النووي في "المنهاج" وصحح في "الروضة" طريقة القطع بالوجوب ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له، فإن مخالف لما في أصله مناقض لما ذكره في غيره.

قوله: لأن للمعترض أن يقول: الإطالة في الوجه أن يغسل إلى اللبب

وصفحة العنق.
انتهى.
قال الجوهري: اللبب بكسر اللام صفحة العنق وهما لبتان هذا كلام الجوهري، ولفظ الرافعي موهم.

الفرض الرابع: مسح الرأس

قوله: لأن من أمر يده على هامة اليتيم صح أن يقال: مسح رأسه؛ ولأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح في وضوئه بناصيته وعمامته ولم يستوعب.
انتهى.
هامة هي الرأس وجمعها هام أي بلا هاء والحديث المذكور في مسلم من رواية المغيرة بن شعبة.

قوله: وشرط الشعر المسموح ألا يخرج عن حد الرأس فلو كان مسترسلًا خارجًا عن حده أو جعدًا كائنًا في حد الرأس لكنه بحيث لو مد لخرج عن حده لم يجز المسح عليه؛ لأن الماسح عليه غير ماسح على الرأس.
واعلم أن كل شعر مد في جهة النبات يكون خارجًا عن حد الرأس وإن كان في غاية القصر، وكأن المراد المد في جهة الرقبة والمنكبين وهي جهة النزول.
انتهى كلامه.
وهذا التأويل والحمل الذي ذكره الرافعي قد أسقطه النووي من "الروضة" وإسقاطه له عجيب، فإن فهم المسألة متوقف عليه، وقد عبر في "الروضة" عن المسترسل بالسبط، وهو خلاف عادته في قصد الإيضاح، والسبط بفتح الباء وكسرها يقال: سبط شعره بالكسر سبط سبطًا بالفتح فيهما والجعد بإسكان العين هو المنقبض وفعله جعد بالضم.

قوله: وهل يشترط ألا يجاوز منبته؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط ذلك فلا يجوز المسح على ما جاوز منبته وإن كان في

حد الرأس فإنه كالغطاء لما تحته كالعمامة.
وأصحهما أنه لا يشترط لوقوع اسم الرأس عليه.
انتهى كلامه.
هذان الوجهان لم يتحر محلهما فإن المجاوزة إن أريد بها الارتفاع عن المنبت وهو البشرة حتى لا يجزئ ذلك على وجه، فالقول به عسر جدا بعيد ولا أظن أحدًا يقول به، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان له شعر طويل وكان يمسح عليه.
وإن أريد بها انتتاف الشعر من أصله بدليل تشبيهه بالعمامة فحكاية الخلاف في إجزائه بعيدة فضلا عن تصحيحه.
ولما ذكر في "شرح المهذب" هذه المسألة قال: إن ظاهر نصه في "الأم" أنه لا يجزئ، فإنه قال: لو مسح شيئًا من الشعر على منابت الرأس قد أزيل عن منبته لم يجزئه، لأنه شعر على غير منبته فهو كالعمامة هذا نصه.
وتأوله الشيخ أبو حامد والمحاملي على ما إذا كان الشعر مسترسلًا خارجًا عن محل الفرض فعقصه في وسط رأسه وهو تأويل ظاهر، هذا كلامه في "شرح المهذب".
وإذا تأملت هذا النص وتشبيهه بالعمامة وجدته منطبقًا على ما ذكره الرافعي تصويرًا وتعليلًا، والظاهر المتبادر إلى الفهم أن المراد به الشعر المنتق كما أشرنا إليه لا التأويل الذي ذكره أبو حامد ومن تبعه.
وإذا علمت ذلك فنرجع إلى كلام الرافعي فنقول: قول من قال فيه: إنه لا يجزئ مراده حالة الانتتاف وهو الذي قلنا: أنه مراد الشافعي، وقول من قال: يجزئ إنما تكلم في الشعر المجاور للمنبت، وحينئذ فلا خلاف بينهما إذ لم يتطابقا على تصوير واحد كما فهمه الرافعي.
وقد حكى أيضًا في

"شرح المهذب" وجهين فيما إذا كان في حد الرأس، ولكنه لو مد لخرج عن حدها.
وحمل الخلاف على هذه الصورة صحيح أيضًا إلا أن الرافعي لم يردها فإنه قد ذكرها وجزم فيها بالمنع ثم ذكر هذه المسألة التي حكى فيها وجهين وصحح الإجزاء.

قوله في "زياداته": ولا تتعين اليد للمسح بل يجوز بأصبع أو خشبة أو خرقة أو غيرها.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي قبل هذا الموضع بأسطر فقال: ولو بل رأسه ولم يمر اليد ولا غيرها مما يمسح به فهل يجزئه؟ هذه عبارته.

قوله: أيضًا في "الزوائد": ولو كان له رأسان أجزأه مسح أحدهما، وقيل: يجب مسح جزء من كل رأس.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الثاني وجه ثابت وليس كذلك بل هو احتمال للدارمي كذا ذكره في "شرح المهذب".

الفرض الخامس: غسل الرجلين

قوله: ولو اجتمع عليه حدث أصغر وأكبر وقعا معًا أو سبق الأصغر ففيه وجوه أصحهما ويجزئه الغسل ثم قال: أما إذا سبق الأكبر الأصغر فطريقان أحدهما طرد الخلاف، والثاني: الاكتفاء بالغسل بلا خلاف انتهى.
والأصح طريقة الخلاف، كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فاعلمه.

الفرض السادس: الترتيب

قوله: لاسيما أن الغسل هو الأصل في حق المحدث وإنما حط عنه تخفيفًا.
انتهى.
هذا التعليل قد أسقطه من "الروضة" وحاصله أن الحدث الأصغر يعم جميع البدن والمرجح اختصاصه بأعضاء الوضوء ففي "التحقيق" أنه أصح الوجهين، وفي آخر صفة الوضوء من "شرح المهذب": إنه أرجحهما، قال: وفائدة الخلاف فيما إذا اغتسل.

قوله: في "الروضة": من اجتمع عليه حدثان أكبر وأصغر فيه أوجه.
الصحيح يكفيه غسل البدن بنية الغسل وحده ولا ترتيب عليه.
والثاني: تجب نية الحدثين إن اقتصر على الغسل.
والثالث: يجب وضوء مرتب وغسل البدن.
والرابع: يجب وضوء مرتب وغسل باقي البدن.
انتهى.
وهذا التعبير الذي وقع في حكاية: الرابع فاسد فإنه يجب غسل هذه الأعضاء عن الجنابة، ولا يكفى غسلها عن الوضوء ولو كان الواجب هو الوضوء لكان يكفي غسلها بنية.
والرافعي عبر بقوله: يشترط أن تكون أعضاء الوضوء مغسولة على الترتيب لأن الترتيب، من خواص الوضوء والتداخل إنما يأتي فيما يشترك فيه الشيئان، والتعبير المذكور صحيح فإنه لم يوجب وضوءًا مرتبًا بل غسلًا على ترتيب الوضوء.

قوله: فيها أيضًا: أما إذا غسل المحدث جميع بدنه فإن مكث زمنًا يأتي فيه الترتيب أجزأه على الصحيح، وإن لم يمكث أو غسل أسافله قبل أعاليه لم يجزئه على الأصح.
[قلت] 1: الأصح عند المحققين الإجزاء انتهى.

واعلم أن الرافعي قد ذكر في الصورة الأولى طريقة قاطعة أنه يجزئه ولم يذكرها في "الروضة".

قوله في المسألة: هذا كله إذا نوى رفع الحدث، فإن نوى الجنابة: فوجهان أحدهما: لا يجزئه لأنه نوى طهارة غير مرتبة، وأصحهما الجواز، والنية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفيًا وإثباتًا.
انتهى.
وما ذكره من الصحة قد تابعه في "الروضة" على إطلاقه وهو مشكل بل ينبغي عدم الصحة عند التعمد، كما إذا نوى رفع حدث ليس عليه بل أولى.
وقد رأيت في "شرح فروع ابن الحداد" للقاضي الحسين وفي "التهذيب" للبغوي تصوير المسألة بذلك فتعين ما ذكرته.

قوله: والوضوء الذي جوز صاحبه أن يكون حدثه أكبر كما إذا خرج منه بلل واحتمل أن يكون منيًا وأن يكون مذيًا ففيما يلزمه ثلاثة أوجه.
أصحها أنه يتخير بين أن يغتسل أخذًا بأنه مني وبين أن يتوضأ ويغسل الثوب أخذًا بأنه مذي؛ لأنه إذا أتى بموجب أحدهما بقى الآخر مشكوكًا فيه انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي قد تابعه في "الروضة" وفي أكثر كتبه على تصحيح التخيير ثم خالف في "شرح التنبيه" المسمى "بالتحفة" وفي "رؤوس المسائل" فقال: أظهرهما أنه يجب عليه العمل بموجبهما لكن الفتوى على التخيير، فإن الأكثرين كما قاله في "شرح المهذب" ذهبوا إليه.
الثاني: ذكر الشيخ عز الدين في "القواعد الكبرى" أن الورع لا يحصل بالاغتسال وقد تقدم بسطه في الركن الأول.

وللمسألة نظائر: منها: إذا شكت المرأة هل عليها عدة طلاق أو وفاة أو كان عليه زكاة ولم يدر أنها بقرة أو شاة أو دراهم فيلزمه الجميع، كما لو كان عليه صلاة ولم يعرف عينها فإنه يلزمه الخمس، كذا نقله الشيخ عز الدين في "القواعد" أيضًا عقب الموضع الذي تقدم نقله عنه الآن، ثم استشكله الشيخ بأن الصلوات تيقنا شغل ذمته بها وشككنا في السقط بخلاف هذا.
والإشكال الذي ذكره الشيخ صحيح ثم إنا نحتاج إلى الفرق بينه وبين مسألتنا، ولعل الفرق أن موجب الأكبر والأصغر من جنس واحد وهو الغسل فأمكن الاكتفاء بالأقل عند الاشتباه بخلاف مسألة الزكاة.
وهذا الفرق قد ذكروا مثله في اللقيط، فإن الشافعي قد نص على قولين فيما إذا قذفه قاذف ونازعه في الحرية ونص في منازعة الجاني على أن القول قول اللقيط ولهذا قال في "التنبيه" في الجنايات: فيحلف ويقتص منه، وقيل: فيه قولان كالقذف وفرق الرافعي وابن الرفعة وغيرهما بما قلناه.
ومن النظائر أيضًا: مسألة الإناء المعروفة وهي: إذا كان عنده إناء من ذهب وفضة زنته ألف، ستمائة من نوع وأربعمائة من نوع، ولم يدر أيهما الأكثر وعسر عليه التمييز بالنار والامتحان بالماء، فيجب عليه إخراج زكاة ستمائة ذهبًا وستمائة فضة، وكذلك لو تعذر عليه إحضار آلات السبك يجب عليه المجموع أيضًا؛ لأن الزكاة على الفور صرح به الرافعي نقلًا عن الإمام.
والفرق بين هذه وبين مسألة الشك في الخارج أنه في الزكاة تيقن شغل ذمته بذهب وفضة فوجب عليه أن يبرئها بيقين ولا تتيقن البراءة إلا بما قلناه بخلاف الشك في الخارج، فإن الواجب أحدهما خاصة.

قوله: ويجري هذا الخلاف يعني الأوجه الثلاثة المذكورة في المسألة المتقدمة فيما إذا أولج خنثى مشكل في دبر رجل منهما بتقدير ذكورة الخنثى

جنبان وإلا محدثان.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" وفيه أمران.
أحدهما: أن الرجل المولج فيه محدث على كل حالٍ بالإخراج من دبره فينبغي أن يقال: إنه جنب ومحدث وإلا فمحدث.
فإن قيل: على تقدير ذكورة الخنثى فقد وجب على الرجل المولج فيه أكبر الأمرين فلا يجب أصغرهما.
قلنا: الأكبر يجب بالإيلاج والأصغر إنما يجب بالنزع.
والثاني: أن الأصح من تلك الأوجه هو التخيير بين الوضوء والغسل وحينئذ فيكون الأصح هو التخيير هنا أيضًا لكنه أعاد المسألة في أوائل الغسل وجزم بالوجه الثاني وهو وجوب الوضوء، واقتصر الرافعي في "الشرح الصغير" على المذكور في هذا الباب وهو القياس وجعلها قاعدة عامة فقال: ويجري هذا الخلاف في كل وضوء جوز صاحبه أن يكون حدثه أكبر ومثل بهذه المسألة.

قال -رحمه الله-: القول في سنن الوضوء

قوله: يسن الاستياك مطلقًا لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" 1 ولا يكره إلا بعد الزوال للصائم خلافًا لأبي حنيفة ومالك وأحمد.
انتهى.

فيه أمران أحدهما: أن النووي -رحمه الله- قد وافق في "الروضة" وفي أكثر كتبه على الكراهة المذكورة في حق الصائم، ورجح في "شرح المهذب" خلافه فإنه حكى قولًا آخر أنه لا يكره ثم قال: وهو المختار.
وفي كتاب الصيام عن القاضي حسين أنه يكره في الفرض ولا يكره في النفل خوفًا من الرياء بتقدير الترك.
الأمر الثاني: أن تعبيره بالصائم يقتضي أن الكراهة تزول بغروب الشمس والمسألة فيها وجهان: أحدهما: ما ذكرناه.
والثاني: أنها تبقى إلى الفطر.
كذا حكاهما في "شرح المهذب" وقال: إن الأصح هو الأول، ونقل الثاني عن الشيخ أبي حامد، ثم ذكر أيضًا في كتاب الصيام من الشرح المذكور فرعًا يقتضي موافقة الشيخ أبي حامد، فإنه قال: ذكر صاحب "البيان" أنه يكره للصائم إذا أراد أن يشرب أن يتمضمض ويمجه وكأن هذا سببه بكراهة السواك للصائم بعد الزوال لكونه مزيلًا للخلوف هذا كلامه.
ونقل في "شرح التنبيه" المسمى "بالتحفة" كلام الشيخ أبي حامد ولم يذكر غيره.
فإن قيل: ينبغي رجحان هذا لأن الخلوف من أثر الصوم فلا يزال، وإن كان بعد الوقت فالجواب أن إطلاق الصائم عليه بعد الغروب إنما هو على سبيل المجاز؛ لأنَّه اسم فاعل قد انقضى فلا يدخل في قوله -عليه السلام-: "لخلوف فم الصائم" 1 فإن الخلوف إذ ذاك ليس من فم الصائم حقيقة.

والحديث الذي ذكره الرافعي صحيح رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والنسائي والبيهقي في سننهما بأسانيد صحيحة وذكره البخاري في "صحيحه" في كتاب الصيام تعليقًا فقال: وقالت عائشة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" وتعليقات البخاري إذا كانت بصيغة جزم كالمذكور هنا صحيحة.
والمطهرة في الحديث بفتح الميم وكسرها كل إناء يتطهر به فشبه السواك به لأنه يطهر الفم.
قاله في "شرح المهذب".

قوله: لنا أنه يزيل أثر العبادة وهو خلوف الفم وأنه مشهود له بالطيب قال -عليه الصلاة والسلام-: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" 1 وإذا كان كذلك فيكره إزالته كدم الشهيد انتهى كلامه.
فيه أمران.
أحدهما: أن مقتضاه أن دم الشهيد يكره إزالته وليس كذلك بل هو حرام، وبتقدير أن يكون المراد وهو الحرمة على خلاف ما تقتضيه العبارة فيقال له: كيف يصح قياس المكروه على الحرام؛ لأن هذا القياس إن لم يكن صحيحًا فلا كلام، فإن كان لزم استواء المقيس والمقيس عليه في الحكم.
الثاني: أن الرافعي قد أشار بطيب دم الشهيد إلى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنهم يأتون يوم القيامة وأوداجهم تشجب دمًا اللون لون الدم والريح ريح المسك" وحينئذ فلك أن تقول: ما الحكمة في تحريم إزالة هذا مع أن رائحته مساوية لرائحة المسك وعدم تحريم إزالة الخلوف مع كونه أطيب من ريح المسك؟ والخلوف بضم الخاء هو المتغير، والحديث الذي ذكره الرافعي رواه الشيخان من حديث أبي هريرة وقد وقع خلاف بين الشيخ

تقي الدين ابن الصلاح والشيخ عز الدين بن عبد السلام في أن رائحة المسك للخلوف هل هي في الآخرة فقط أم في الدنيا والآخرة؟ وصنف كل منهما في ذلك تصنيفًا، ولخص النووي في "شرح المهذب" كلامهما.
فالذي قاله الشيخ عز الدين إنهما في الآخرة لأنَّه قد ثبت في مسلم "لخلوف فم الصائم عند الله يوم القيامة" 1 وقال ابن الصلاح فيهما لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "لخلوف فم الصائم حين يخلف" 2 بفتح الياء وضم اللام روى هذه الزيادة ابن حبان في صحيحه قال: ولما روى الإمام الحافظ أبو بكر السمعاني من حديث جابر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال "أعطيت أمتي في رمضان خمس خصال" ثم قال: "وثانيها أنهم يمسون وخلوف أفواههم عند الله أطيب من ريح المسك" 3 قال: وهو حديث حسن.
ولأن المراد بكونه عند الله أطيب من ريح المسك إنما هو الثناء عليه والرضا به وهو لا يختلف، هكذا فسره خلائق لا يحصون من الشافعية والمالكية والحنفية منهم الخطابي والبغوي وأبو عثمان الصابون وأبو بكر السمعاني وأبو حفص ابن الصغار الشافعيون، وأما رواية يوم القيامة فلأنها محل الجزاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 11] انتهى تلخيص ما قاله ابن الصلاح.

قوله: وإنما خص بعد الزوال لأن تغير الفم بسبب الصوم حينئذ يظهر.
انتهى كلامه.
وهذا المعنى الذي ذكره يلزم منه التفرقة بين من تسحر ومن لم يتحر وبين من تناول بالليل شيئًا وبين غيره، ولهذا قال الطبري في "شرح التنبيه" أو تغير

فمه بعد الزوال بسبب آخر كنوم أو وصول شيء كريه الريح إلى فمه فاستاك لذلك لم يكره.

قوله: ويتأكد في مواضع عند الوضوء والصلاة لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -["لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" 1 ومنها تغير النكهة وكان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] 2، إذا استيقظ استاك وروى: "يشوص فاه بالسواك" 3، ومنها قراءة القرآن واصفرار الأسنان وإن لم يحصل في الفم تغير.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن النووي في "الروضة" قد زاد على هذه الأمور دخول المنزل والاستيقاظ من النوم للحديث الصحيح لكن الاستيقاظ قد ذكره الرافعي عند أسباب التغير كما نقلناه عنه واستدلاله بالحديث يشعر بأن النظر إلى المظنة لا إلى وقوع التغير حقيقة فاعلمه، وزاد في "الرونق" إرادة النوم.
الأمر الثاني: أن لفظ الصلاة لا يتناول سجدة التلاوة والشكر كما صرح به الرافعي في الأوقات المنهي عنها وفي غيره ومع ذلك فحكمهما حكم الصلاة في الشرائط والمستحبات، وحينئذ فيكون المتجه استحباب السواك لهما وكذلك للطواف أيضًا.
الأمر الثالث: أن مقتضى كلامه وقد صرح به في "شرح المهذب" أيضًا أنه لا فرق بين أن يصلي بالوضوء أو بالتيمم أو بلا طهارة بالكلية كفاقد الطهورين ولا بين أن يصلي الفرض أو النفل حتى لو أراد أن يصلي صلاة

ذات تسليمات كالضحى والتراويح والتهجد استحب أن يستاك لكل ركعتين وإطلاقه أيضًا يقتضي أن صلاة الجنازة كغيرها وهو ظاهر.
والحديثان المذكوران رواهما الشيخان.
والفكهة ريح الفم، ويشوص بالشين المعجمة والصاد المهملة معناه يغسل وينظف قاله الجوهري.

قوله: والأحب أن يكون يابسًا لين بالماء دون ما لم يلين.
انتهى.
ذكر في "الروضة" أيضا مثله وتقييده بالماء يشعر بأن هذا الاستحباب لا يحصل بالتليين بالريق وفيه نظر والمتجه حصوله وكذا غمه في ماء الورد ونحوه لاسيما عند عدم الماء ورأيت في شرح الكفاية للصيمري أنه يكره] 1 غمسه في وضوئه وأنه يستحب غسله للاستياك به ثانيًا.

قوله: نعم لو كان جزءًا منه كأصبعه الخشنة ففيه ثلاثة أوجه أظهرها لا يجزئ لأنه لا يسمى استياكًا، ثم قال: والثاني يجزئ والثالث: إن فقد غيرها أجزأ وإلا فلا.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن التقييد يجزئه والتمثيل بأصبعه يؤخذ منه أن صورة المسألة في الأصبع المتصلة، فإن انفصلت وقلنا بطهارتها اتجه الإجزاء وإن كان دفنها واجبًا على الفور.
وإن قلنا بنجاستها ففي الإجزاء نظر يجري في كل آلة النجسة فلا يبعد القول بالإجزاء ووجوب غسل الفم لأجل النجاسة وإن عصى باستعمالها.

الثاني: أن التقييد بذلك للاحتراز أيضًا عن أصبع غيره فإنها تجزئ قطعًا كما قاله النووي في "شرح المهذب" و"دقائق المنهاج".
والثالث: أن النووي في "الروضة" قد اختصر كلام الرافعي اختصارًا فاسدًا، فإنه حذف التقييد المذكور فقال: ولا يحصل بأصبع خشنة في أصح الأوجه وذكر مثله في "التحقيق" "والفتاوى" أيضًا.
فاعلم ذلك.
الرابع: أنه قد وافق في هذه الكتب على تصحيح عدم الإجزاء وخالف في "شرح المهذب" فقال المختار إجزاؤه مطلقًا، قال: وبه قطع القاضي حسين والمحاملي في "اللباب" والبغوي واختاره في "البحر" انتهى.
ورأيته مقطوعًا به أيضا في "الرونق" لأبي حامد.
واعلم أن لهذه المسألة نظائر.
منها: إذا استنجى باليد وفيه وجوه أصحها: أنه لا يجوز ولا يجزئ، وثانيها: نعم، وثالثها: يجوز في يد نفسه دون غيره، ورابعها: عكسه.
ومنها: ستر العورة باليد فإن كان بيد غيره جاز قطعًا وكذا بيد نفسه على الصحيح، ومنها: السجود على اليد وهو جائز على يد غيره قطعًا ويمتنع على يده قطعا.
ومنها: ستر الرأس باليد في الإحرام وهو جائز مطلقًا.

قوله: وفي "النهاية" "والوسيط": يستحب السواك طولًا وعرضًا فإن اقتصر على إحدى الجهتين فالعرض أولى؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "استاكوا عرضًا" 1 وقال آخرون يستاك عرضًا لا طولًا.
ورووا في الخبر "استاكوا عرضًا لا طولًا".

فعلى الأول لا يتعين العرض في إقامة هذه السنة وإنما هو أولى.
وعلى الثاني هو متعين.
انتهى.
قلت: إن النووي في "الروضة" قد اختصر هذا الكلام كله بقوله: ويستحب أن يستاك عرضًا هذا لفظه من غير زيادة عليه فحذف أمرين: أحدهما: المقالة الأولى وهي مقالة الإمام والغزالي.
والثاني: أن الاستياك بالعرض هل هو متعين لإقامة السنة أم لا؟ وهي مسألة مهمة.
والحديث الأول رواه أبو داود في مراسيله ولفظه: "إذا استكتم فاستاكوا عرضًا".

قوله: ولو نسى التسمية في الابتداء أتى بها في الأثناء ثم قال: فإن تركها عمدًا فهل يشرع التدارك؟ فيه احتمال.
انتهى.
ذكر الرافعي في الضحايا ما يقتضي أنه يأتي بها سواء تركها عمدًا أو نسيانًا، وصرح به في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" فقال: قد صرح أصحابنا بالتدارك في حالة التعمد أيضًا، قال: وممن صرح به المحاملي في "المجموع" والجرجان في "التحرير" انتهى.
لكن كلام "المحرر" يدل على أنه لا يأتي بها فإن قيد الإتيان بها بالترك نسيانًا فقال: فإنه نسى في الابتداء سمى إذا تذكر في الأثناء وذكر نحوه في "الحاوي الصغير" ولفظ الشافعي في "الأم" يوافقه فإنه قال: فإن سهى عنها سمى متى ذكر إن ذكر قبل أن يكمل الوضوء هذه عبارته، وذكره كذلك أيضًا جماعات منهم الماوردي والبغوي وصاحب "البيان".

قوله: من زوائده قال أصحابنا: وتستحب التسمية في ابتداء كل أمر ذي

بال من العبادات وغيرها.
انتهى.
وهذه الزيادة قد ذكرها الرافعي قبل هذا بألفاظ قلائل وعبر بلفظ، البال كما عبر به النووي مراعاة للحديث فحذفه من "الروضة" ذهولًا ثم استدركه.

قوله: ومن سننه غسل اليدين إلى الكوعين قبل غسل الوجه كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعل ذلك في وضوئه.
انتهى.
والحكم الذي ذكره صحيح والحديث ثابت في الصحيحين لكن تعبيره بقوله قبل غسل الوجه تعبير عجيب تبعه عليه في "الروضة"، والظاهر أنه إنما إذا أراد التعبير بقوله قبل المضمضة فإنه لم يتعرض لبيان وقته في غير هذا الموضع والمنقول فيه وهو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة ما ذكرناه فلنذكره مع وقت باقي السنن المتقدمة على غسل الوجه فإن الرافعي لم يستوف ذلك وهو أمر مهم.
فنقول: قال الشافعي في "المختصر" وإذا قام الرجل إلى الصلاة من نومٍ أو كان غير متوضئ فأحب أن يسمى الله ثم يفرغ من إنائه على يديه ويغسلهما ثلاثًا ثم يتمضمض إلى آخره، هذا لفظ الشافعي وعليه جرى أئمة المذهب عند شرحهم له المتقدمون منهم والمتأخرون وعبارة الشيخ أبي حامد في "التعليق" فأما الهيئة فالتسمية أولا ثم غسل الكفين ثم المضمضة وذكر جماعة مع ذلك وقت السواك فقالوا: يبتدئ به قبل هذه الأشياء ومن هؤلاء القفال الكبير الشاشي في كتاب "محاسن الشريعة" والماوردي في "الإقناع" والغزالي في ["الوسيط"] 1 فإنهم قالوا: السواك ثم التسمية ثم غسل الكفين ثم المضمضة، وذكر في "البيان" نحوه، وقد صرح الرافعي بحكم

المضمضة مع الاستنشاق، وصحح أن الترتيب بينهما مستحق كما سيأتى، وأما غسل اليد فلم يصرح بحكمه في الشرح بل عبارته موهمه فإنه قال: ومن سننه غسل اليد قبل غسل الوجه هذا لفظه وتبعه عليه في "الروضة" وذكر في "المحرر" ما يدل على تقديمه على المضمضة.
ولكن أهمله في "المنهاج" فقال: ومنها غسل اليدين إلى الكوعين في أول الوضوء هذه عبارة "المحرر".
وقد سبق من النص وكلام الأصحاب قريبًا ويأتيك أيضًا من الأحاديث الصحيحة ما يوافقه، وهل ذلك على سبيل الاستحقاق أو الاستحباب؟ فيه وجهان أصحهما في "الروضة": أنه على سبيل الاشتراط كذا حكاه في "شرح المهذب" وحاوله في "الروضة" فانعكس عليه كما ستعرفه.
وأما التسمية: فليس في كلام الرافعي والنووي تصريح بتقديمها على غسل اليدين ولا مقارنتها، وقد سبق من نص الشافعي المذكور وغيره أنها متقدمة ولكن المتجة أن ذلك ليس على سبيل الاشتراط بل لو قيل باستحباب المقارنة لم يبعد وهو ما اقتصر عليه في "الكفاية" ناقلا له عن بعضهم استنتاجا من كلام "التنبيه" وكأنه أراد به الشيخ تاج الدين فإنه جزم به في "الإقليد".
وأما: السواك فقد تقدم عن "الوسيط" "والبيان" وغيرهما أنه متقدم على الجميع، وكلام الرافعي والنووي يشير إليه، وقال الإمام: الظاهر أنه بعد غسل الكفين وقبل المضمضة كذا ذكره في "مختصر النهاية" في باب السواك ولم يتعرض له في "النهاية" وتابعه عليه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" وعبر بالظاهر كما عبر ولا شك أنه أخذه منه.

ويدفعه ما رواه مسلم في "صحيحه" 1 عن ابن عباس أنه بات عند نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات ليلة فقام نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من آخر الليل فنظر إلى السماء من آخر الليل ثم تلا هذه الآية في آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ 2 حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلى ثم اضطجع ثم قام فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية ثم رجع فتسوك فتوضأ ثم قام فصلى.

قوله: ثم من يدخل يديه في الإناء ولم يتقين طهارتهما يكره له ذلك قبل الغسل قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده 3.انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن تعبيره بقوله: ولم يتيقن طهارتها يدخل فيه أربعة أقسام وهي تيقن النجاسة وظنها وتوهمها واستواء الأمرين.
ودخولها صحيح إلا القسم الأول؛ لأن إدخال اليد عند تيقن النجاسة مفسد للماء وحينئذ فيكون استعماله محرمًا لا مكروهًا، فإن المراد كراهة الإدخال عند إرادة الاستعمال بلا شك، فإن لم يرد استعماله فيكون شبيهًا بالبول في الماء القليل وسيأتي حكمه في باب الاستنجاء.
الأمر الثاني: وقد سبق في الطهارة: أن الماء إذا طهر إحدى اليدين فإنه لا يجوز نقله إلى تطهر الأخرى على المعروف، وإذا استحضرت ما قالوه وجدته هنا شيئًا يقع فيه كل مغترف ولا يمر بالبال فتأمله، ولا أظن أحدًا هنا

جارٍ التحميل