وفيه أبواب:
الباب الأول في "السنة والبدعة"
قوله: فلتحريم الطلاق سببان أحدهما: وقوعه في حال الحيض، والثاني: وقوعه بعد جماع من تحبل بشروط تأتي فيهما.
انتهى.
وما ذكره هنا من حصر التحريم في هذين السببين تابعه عليه في "الروضة" وأهمل سببًا ثالثًا ذكره في باب القسم فقال: قال المتولي: لو قسم لواحدة فلما جاءت نوبة الأخرى طلقها قبل توفية حقها عصى وهذا سبب آخر لكون الطلاق بدعيًا هذا كلام الرافعي، والنقل المذكور ليس مختصًا بالمتولي فهو مشهور حتى في "التنبيه".
قوله: المسألة الثانية: إذا طلق في الحيض طلاقًا بدعيًا استحب له أن يراجعها فإذا رجع فهل له أن يطلقها في الطهر الثاني لتلك الحيضة؟ فيه وجهان: أحدهما نعم لأن الإضرار قد ارتفع، وأظهرهما لا لأنه إن وطئها بعد ما طهرت كان الطلاق بدعيًا وإن لم يطأها أشبه أن يكون المقصد من المراجعة مجرد الطلاق، وكما ينهي عن النكاح الذي بقصد الطلاق فنهى عن الرجعة التي يقصد بها الطلاق، ثم قال: والوجهان كأنهما في أنه هل يتأدى به الاستحباب بتمامه؟، فأما أصل الإباحة فما ينبغي أن لا يكون في حصوله خلاف وكذا أصل الاستحباب لأنه يندفع بذلك إضرار التطويل.
انتهى كلامه.
وما دل عليه كلامه من عدم وقوعه في هذه المسألة على نقل حتى توقف فيه وذكر ما ذكره بحثًا غريب فإن الإمام في "النهاية" قد صرح ببيانه وكذلك الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" والقاضي مجلي في "الذخائر" واختلفوا فجزم الإمام بما قاله الرافعي فقال: قال الجمهور يستحب
أن لا يطلقها فيه، وقال بعضهم: لا بأس به، وأما الغزالي فجعل الخلاف في الجواز، وعبر في "الوسيط" بقوله: هل يجوز؟ وفي "الذخائر" بقوله: هل يحرم؟
قوله: وذكر الإمام أن المراجعة وإن كانت مستحبة فلا ينتهي الأمر فيه إلى أن يقول: ترك المراجعة مكروه.
انتهى.
وفي عدم الكراهة نظر قال في "الروضة": وينبغي أن يقال بالكراهة للحديث الصحيح الوارد فيها ولدفع الإيذاء.
قوله: واعلم أن الطلاق في النفاس بدعى كالطلاق في الحيض لأن المعنى المحرم شامل.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من التحريم قد خالفه في أوائل الحيض وسبق التنبيه عليه هناك وذكر لفظه فراجعه.
قوله: وتعليق الطلاق في الحيض ليس ببدعي لكن إن وجدت الصفة في الحيض نفذ بدعيًا.
انتهى.
ومعنى كونه بدعيًا أنه يترتب عليه أحكام البدعي لا التحريم فاعلمه وكلام الرافعي بعد هذا يدل عليه وجزم به في "الروضة" من "زوائده".
قوله: ولو أتاها في غير المأتى فالأصح أنه يوجب تحريم الطلاق كما يثبت به النسب.
انتهى.
وهذه المسألة -أعني ثبوت النسب بالإتيان في الدبر- مذكورة في الرافعي في مواضع في الفصل المعقود لما يملك الزوج من الاستمتاع وهو أخر أبواب النكاح وفي هذا الموضع وفي كتاب اللعان وفي آخر الإستبراء واختلف كلامه وكلام "الروضة" فيها، وسيأتي الكلام عليها في أواخر الاستبراء فلتراجع منه.
قوله: وإذا وصف الطلاق بصفة من صفات الذم كقوله: أقبح الطلاق وأسمجه وأفضحه وأفظعه إلى آخره.
أما أسمجه: فمعناه أيضًا أقبحه، تقول سمج الشئ بالضم سماجة فهو سمج بالإسكان مثل ضخم فهو ضخم وسمج بالكسر مثل خشر بالخاء والشين المعجمتين فهو خشر، وسميج بالياء كقبح فهو قبيح.
وأما أفضحه: فمأخوذ من قولهم فضحه فافتضح إذا كشف مساوئه، وأما الأفظع فهو بالفاء والظاء المعجمة فمعناه أشنعه، تقول: فظع الأمر بالضم فظاع فهو فظيع أي شديد شنيع وكذلك أفظع الأمر فهو مفظع.
قوله: فيما إذا قال أنت طالق افتح الطلاق فإن قال أردت أن طلاق مثل هذه في حال السنة أفتح فقصدت بقولى أفتح أن يطلق في حال السنة لم يقبل في الظاهر ويدين.
انتهى.
وما جزم به من عدم القبول ظاهرًا قد تابعه عليه وحكى الماوردي في قبوله ظاهرًا وجهين.
قوله: ولو جمع بين صفتي المدح والذم فقال: أنت طالق طلقة حسنة قبيحًا وجميلة فاحشة، والمخاطبة من ذوات الأقراء وقعت في الحال، وحكى في توجيهه اختلاف والأظهر أن وجهه أنه وصف الطلاق بصفتين متضادتين فيلغو ويبقى أصل الطلاق، وعن أبى إسحاق أن الطلاق إنما يقع لأن إحدى الحالتين حاصلة لا محالة والصفة التي هي موجب تلك الحالة واقعة موقعها فيقع الطلاق موصوفًا بتلك الصفة، وتلغو الصفة الأخرى ويجوز أن يقال لو لم تكن المرأة متعرضة للسنة والبدعة فقضية التعليل الأول وقوع الطلاق، وقضية التعليل الثاني أن لا يقع لأن واحدة من الحالتين غير حاصلة.
انتهى.
وما ذكره من عدم الوقوع في غير المتصفة بالأمرين بناء على المعنى
الثاني مردود لأنا نجعل ذلك بمنزلة ما لو قال للسنة أو للبدعة، ولو قال ذلك وقعت في الحال فكذلك إذا وصفها بالأمرين معًا لا لأجل أنها متصفة بإحدى الحالتين في الحال، بل لأن ذلك يجري مجرى التعليل، وهذا الاعتراض قد اعترضه ابن الرفعة.
قوله الرابعة: إذا قال لها أنت طالق في كل قرء طلقة فلها أحوال: أحدها: أن تكون حائلًا فإن كانت حائضًا لم يقع الطلاق على المشهور لأن الأقراء عندنا هي الأطهار.
انتهى.
وتعليله عدم الوقوع بكون الأقراء هي الأطهار عجيب، فقد قال في أوائل العدد بعد أن ذكر أن القرء يطلق على الطهر والحيض ما يخالف ذلك فقال: ثم في كيفية وقوع الاسم وجهان للأصحاب أحدهما: أنه حقيقة في الطهر مجاز في الحيض.
وأصحهما: أنه حقيقة فيهما هذا لفظه.
نعم المراد بالأقراء في العدة هو الأطهار لمعنى دل عليه كما حملناها على الحيض في قوله -عليه الصلاة والسلام-: "دعى الصلاة أيام أقرائك" لدليل ولا يلزم من حمل المشترك في موضع على معنى لقيام دليل يدل عليه أن يكون محمولًا على ذلك المعنى في كل موضع يأتي، بل إما أن يحمل على الجميع على قاعدة الشافعي وحينئذ فيقع في الحيض كما يقع في الطهر وإما أن يدعى [وجود] 1 قرينة تدل على اختصاصه بواحد معين، وحينئذ فيلزمه أن يبدي في مسألتنا معنى يخص الطهر، ويكون إذ ذاك عدم الوقوع في الحيض مستندًا إليها لا إلى المعنى الذي ذكره ولا شك أنا وجدنا هنا قرينة تدل على اختصاصه بالطهر وهي أن الطلاق في الحيض لما كان حرامًا كان الظاهر من حال المسلم عدم إرادته بهذا اللفظ المشترك وإرادة المعنى الآخر ولهذا المعنى يقع النظر في أنه إذا وكل شخصًا في
طلاق زوجته فطلقها في الحيض، هل ينفذ الطلاق للإذن أم لا للمعنى المتقدم؟ ولأنه لما كان محرمًا صار كالمستثنى شرعًا [والمستثنى شرعًا] 1 كالمستثنى شرطًا، بل لو صرح بالتوكيل في حالة الحيض لكان يتجه عدم نفوذه لأن التوكيل في المعاصي ممتنع.
قوله: الحالة الثالثة: أن تكون حاملًا فإن كانت لا ترى الدم على الحمل وقعت في الحال طلقة.
قال في "التتمة": إذا لم تحض وبلغت بالحمل مثلًا فيكون وقوع الطلاق على وجهين أو قولين بناء على أن القرء عبارة عن الطهر بين الدمين أو عن الانتقال من الطهر إلى الدم، إن قلنا بالأول لم يقع حتى تضع وتطهر من النفاس، وإن قلنا بالثاني يقع لأنه طهر ينتقل منه إلى دم النفاس وهذا أظهر.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الذي صححه المتولي صححه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: فإن كانت حاملًا نظر إن كانت لا ترى الدم وقع في الحال طلقة، وقيل إن قلنا: إن القرء عبارة عن الطهر بين الدمين ولم تحض قط فلا يقع الطلاق حتى تحض وتطهر من النفاس هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن هذا البناء الذي ذكره صاحب "التتمة" ليس بمرضي عند الرافعي وإن سكت عليه هاهنا وقد تبين لك ذلك من كلامه في "الشرح الصغير" فإنه حكم بوقوع الطلاق في الحال سواء قلنا القرء هو الانتقال أو الطهر المحتوش ولم يجزم بوقوع الطلاق بناء على أن القرء هو المحتوش بل جعله وجهًا ضعيفًا، فقال: وقيل إن قلنا إلى آخره، وهو صريح في ما قلناه.
الأمر الثالث: أن هذا الخلاف الذي تردد الرافعي في أنه وجهان أو قولان قد اختلف فيه كلامه وستعرفه في كتاب العدد.
الأمر الرابع: أن النووي في "الروضة" عبر عن قول الرافعي وإن قلنا بالثاني وقع وهو الظاهر بقوله وإن قلنا بالثاني وهو الأظهر وقع فقدم صيغة الترجيح وهو صريح في تصحيح كون الطهر هو الانتقال، وحينئذ فيكون مناقضًا لما صححه في أوائل العدد فإنه قال هناك: الأظهر أنه الطهر المحتوش بدمين لا مجرد الانتقال، والرافعي -رحمه الله- لا يرد عليه شيء فإنه قال هناك: وقد ذكر صاحب "التهذيب" والقاضي الروياني وغيرهما أن هذا الثاني أصح لكنه يخالف ما حكينا في الطلاق أن أكثرهم حكموا بوقوع الطلاق في الحال إذا قال للتي لم تحض أنت طالق في كل قرء طلقة مع تعلق الصور بهذا الأصل ويجوز أن يجعل ترجيحهم لوقوع الطلاق لمعنى يختص بتلك الصورة لا لرجحان القول بأن القرء هو الإنتقال من الطهر إلى الحيض هذا لفظه، فلما قدم النووي صيغة الترجيح وجعلها عائدة إلى قول الانتقال اندفع التأويل الذي ذكره الرافعي بعد أن كان محتملًا.
قوله المسألة الخامسة: قال أنت طالق ثلاثًا للسنة، ثم قال نويت تفريقها على الأقراء لم يقبل في الظاهر على المنصوص والمشهور، لأنه لا سنة في التفريق عندنا كما تقدم ومقتضى اللفظ وقوع الكل في الحال إن كانت طاهرًا، والوقوع عند طهرها إن كانت حائضًا.
قال في "التتمة": إلا أن يكون الرجل ممن يعتقد تحريم الجمع بين الثلاث في قرء واحد كالحنفي فإنه يقبل قوله في الظاهر، ولو قال أنت طالق ثلاثًا ولم يقل للسنة، ثم فسر بالتفريق على الأقراء لم يقبل ظاهرًا، وهل يدين في الصورتين؟ على وجهين: أصحهما وهو المنصوص: أنه
يدين لأنه لو وصل باللفظ ما يدعيه لانتظم ومعنى التديين مع نفي القبول ظاهرًا أن يقال للمرأة أنت بائن بثلاث في ظاهر الحكم وليس لك مطاوعته إلا إذا علمت صدقه أو غلب على ظنك بقرينة وأمارة، ويقال للرجل لا تمكنك منها ولك الطلب في ما بينك وبين الله تعالى، وتحل لك إذا راجعتها وهذا هو معنى قول الشافعي له الطلب وعليها الهرب، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من عدم القبول ظاهرًا فيما إذا قال ثلاثًا ولم يقل للسنة قد خالفه في "المحرر" وتبعه النووي عليه في "المنهاج" فجزم بالقبول ظاهرًا في الصورتين أعني في قوله ثلاثًا وثلاثًا للسنة.
[واعلم أنه] 1 إنما ذكر الحل بالرجعة مع أنه قد تقدم من كلامه أنها بائن بثلاث؛ لأن الكلام في حلها للزوج باطنًا والزوج معترف بوقوع طلقة الآن فيتوقف الحل على الرجعة، ولذلك إذا جاء القرء الثاني فإنها تطلق على ما يدعيه طلقة ثانية فيتوقف حلها على الرجعة أيضًا.
نعم هذا إنما يستقيم إذا كانت الآن في زمن السنة فإن كانت في زمن البدعة بأن كانت حائضًا أو في طهر قد [جامعها] 2 فيه، ونحو ذلك فلا يتوقف الحل على رجعة بالكلية، فلا يستقيم هذا الحكم مع تقدم ذكر القسمين.
[القسم الأول] (1) في أركان الطلاق
الركن الأول: المطلق
قوله: وشرط [المطلق] 2 التكليف اعترض عليه في "الروضة" فقال: قلت: هكذا اقتصر الغزالي وغيره في شرط [المطلق] 3 على كونه مكلفًا وقد يورد عليه السكران فإنه يقع طلاقه على المذهب وليس مكلفًا كما قاله أصحابنا وغيرهم في كتب الأصول، ولكن مراد أهل الأصول أنه غير مخاطب حال السكر ومرادنا هنا أنه مكلف بقضاء العبادات بأمر جديد، والله أعلم.
هذا لفظه.
فأما ما ذكره من هذا الإيراد فقد تقدم في البيع أنه إيراد باطل مخالف للمنقول والمعقول ويتعين على الناظر هنا أن يراجعه، وأما الاعتذار الذي ذكره آخرًا وهو أن مراد أهل الأصول إلى آخره فاعتذار عجيب لا ارتباط له بالسؤال فإنه قد نقل عن أصحابنا وغيرهم أن السكران غير مكلف وسؤاله إنما يتم على هذا التقدير إذ لو قالوا: إنه مكلف لكان السؤال منتفيًا، وحينئذ فكيف يجيء الحمل الذي ذكره؟ وكأنه انتقل ذهنه من قول الفقهاء يقع طلاقه إلى كونه مكلفًا فتوهم أن البحث في تكليفهم له فشرع يجمع بينه وبين قولهم إنه ليس مكلفًا فوقع في ما وقع، فلو أمسك عن ذلك من أصله لكان الإمساك أجمل ولو أضرب عن الخوض فيه لكان الإضراب عنه أمثل إلا أنه أدخل نفسه في ما لا يعنيه وكلف حاله فوق ما يقتضيه.1
الركن الثاني: اللفظ وما يقوم مقامه
قوله: ولو قال أنت طالق ثم قال [أردت عن وثاق، أو إن دخلت الدار، أو إن شاء زيد فإنه يدين على الصحيح، ثم قال: ] 1 وألحق الغزالي بهذه الصور ما إذا قال أنت طالق إن شاء الله، والمشهور في كتب كبراء المذهب أنه لا يدين وفرقوا بأن التعليق بمشيئة الله تعالى يرفع حكم الطلاق جملة فلابد فيه من اللفظ, والتعليق بالدخول لا يرفعه ولكنه يخصصه فأثرت فيه النية.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من أنه لا يدين في مشيئة الله تعالى قد خالفه في الباب الذي بعد هذا في الكلام على طلاق المكره وستعرف هناك لفظه إن شاء الله تعالى، وتبعه في "الروضة" على الموضعين.
قوله.
وفي بعض التعاليق أن القاضي الحسين قال إذا قال نسائى طوالق ثم قال: كنت عزلت ثلاثًا لم يقبل لأن اسم النساء لا يقع على الواحدة ولو قال: عزلت واحدة، يقبل، وذكر تفريعًا على هذا وجهين في ما لو عزل اثنتين.
انتهى.
وما نقله عنه الرافعي من كونه إذا عزل ثلاثًا لا يقبل قد أسقطه النووي من "الروضة".
قوله: ولو قال: إن كلمت زيدًا فأنت طالق، ثم قال أردت التكليم شهرًا فيقبل كذا حكي عن نص الشافعي - رضي الله عنه - والمراد على ما نقل في "البسيط" و"الوسيط" القبول في الباطن حتى لا يقع في الباطن إذا كان التكليم بعد شهر.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الغزالي ولم يصرح بمخالفته ولا موافقته جزم به في "الشرح الصغير" هنا وجزم به في "الكبير" في مواضع فقال في الإيلاء قبيل الركن الرابع فقال: والله لا أجامعك ثم قال أردت شهرًا دين
ولم يقبل ظاهرًا، وذكر نحوه في آخر كتاب الأيمان في أوائل الفصل المعقود للأصول فقال ما نصه: حلف لا يدخل الدار ثم قال أردت شهرًا أو يومًا فإن كانت اليمين بالطلاق أو العتاق لم يقبل في الحكم ويدين فيما بينه وبين الله تعالى ويلحق بهما الإيلاء لتعلقه بحق الآدمى، وإن كانت اليمن بالله تعالى ولم يتعلق بحق الآدمى قبل ظاهرًا وباطنًا.
هذا لفظه، وذكر بعده بنحو ورقتين ما يوافقه فقال نقلًا عق "المبتدأ" للروياني إذا قيل له كلم زيدًا اليوم فقال: والله لا كلمته فاليمين على الأبد إلا أن ينوي اليوم فإن كان ذلك في الطلاق، وقال أردت اليوم لم يقبل في الحكم وذكر بعد هذا بنحو ورقة مثله فقال: ولو حلف لا يدخل دار زيد ثم قال أردت ما يسكنه دون ما يملكه فيقبل في اليمين بالله تعالى ولا يقبل [في الحكم إذا حلف بالطلاق والعتاق ذكره ابن الصباغ وغيره، ويؤيده أيضًا ما نقله في أواخر الشرط في الطلاق عن البغوي أنه لو قصد ضرب غيرها فوقع الضرب عليها طلقت ولا يقبل] 1 قوله لأن الضرب مؤثر.
واعلم أن النووي قد وافق في هذه المواضع على عدم القبول في الظاهر ثم خالف في الموضع الذي نقلناه عن "المبتدأ" للروياني فقال: قلت: الصواب قبوله كما سبق في نظائره في الطلاق والله أعلم.
قوله: قال الشافعي في "المختصر": ولو قالت له طلقني فقال: كل امرأة لي طالق طلقت إمرأته التي سألته إلا أن يكون عزلها بثنية، وتكلموا في النص من وجهين أظهرهما: الحمل على أنها لا تطلق بينه وبين الله تعالى، والثاني: قيل: إن لفظ النص أن لا يكون عزلها بثنية وهو الاستثناء.
انتهى كلامه.
واعلم أن الثنية بضم الثاء المثلثة وسكون النون وبالياء بنقطتين من تحت هو الاستثناء، وكذلك الثنوي بالفتح وبالواو وحينئذ فيقرأ لفظ الرافعي
بأحد الوجهين والأقرب هو الوجه الأول والياء فيه للمرة.
قوله في "الروضة": وضبط الأصحاب ما يدين فيه بضبط آخر فقالوا: ينظر في التفسير خلاف ظاهر اللفظ إن كان لو وصل باللفظ لا ينتظم لم يقبل ولم يدين وإلا فلا يقبل ظاهرًا ويدين، مثال الأول: قال أردت طلاقًا لا يقع ومثال الثاني أردت طلاقًا عن وثاق أو إن دخلت الدار، واستثنوا من هذا نية التعليق بمشيئة الله تعالى فقالوا لا يدين فيه على المذهب.
فرع قال: أنت طالق ثلاثًا ثم قال: ما أردت إلا واحدة، أو قال: أربعتكن طوالق، ثم قال: نويت بقلبي إلا فلانة لم يدين على الأصح لأنه نص في العدد.
انتهى كلامه.
والمسألة الأولى من الفرع الذي ذكره ناقضة لهذه القاعدة التي ذكرها فإن العدد يصح الاستثناء منه هنا، وأما المسألة الثانية وهي العدد المخاطب فلم يتعرض الرافعي هنا لصحة الاستثناء منه لكنه ذكرها في أواخر تعليق الطلاق ونقل عن القاضي الحسين [والمتولي أنه لا يصح ولم ينفذ غيره ونقل عن القاضي] 1 المذكور أنه استثني ما إذا قدم المستثنى على لفظ الطلاق فقال: أربعتكن إلا فلانة طوالق فإنه يجوز ثم بحث معه الرافعي فيه واقتضى كلامه الجواز مطلقًا.
قوله أيضًا في أصل "الروضة": ولو قال فلانة وفلانة وفلانة طوالق، ثم قال إستثنيت بقلبي فلانة لم يدين قطعًا لأنه رفع لما نص عليه لا تخصيص عموما.
ذكره القاضي أبو الطيب.
انتهى.
ودعوى القطع بعدم التديين مردودة ولذلك لم يذكرها الرافعي وسببه أن لنا خلافًا شهيرًا في جمع المفرق في الاستثناء كما إذا قال أنت طالق وطالق وطالق إلا واحدة فإن جمعناه صار كقوله أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة فيصح الاستثناء، وإن لم يجمعه وهو الصحيح لم يصح لكونه مستغرقًا
وهذا مثله.
قوله في أصل "الروضة": وفي قوله أنت طالق أو الطلاق أو طلقة وجهان:
أصحهما: أنه كناية، ولو قال أنت نصف طلقة فكناية، ثم قال عقبه من غير فاصل ما نصه: قال البغوي ولو قال أنت كل طلقة أو نصف طالق فصريح كقوله نصفك طالق.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الذي نقله عن البغوي وأقره من أن قول القائل أنت طالق كل طلقة صريح كيف يستقيم مع أنه قد تقدم من كلامه أنه لو وصفها بالمصدر بدون فاصل وقال أنت طلقة كان كناية وكذلك إذا فصل ببعض فقال أنت بعض طلقة وهو نظير المسألة؟.
الأمر الثاني: أن قياسه كل طلقة على نصفك طالق قياس باطل لا جامع بينهما.
نعم قياس نصف طالق عليه قياس صحيح، وبالجملة فكلام البغوي في "التهذيب" على الصواب وقد نقله عنه الرافعي على وجهه فقال ما نصه: وفي قوله أنت طالق أو الطلقة أو طلقة وجهان:
أصحهما: أنه كناية لأنه مصدر والمصادر غير موضوعة للأعيان ويستعمل فيها على سبيل التوسع ولو قال أنت نصف طلقة فكناية أيضًا وذكر في "التهذيب" أن قوله للطلقة صريح وأن قوله أنت نصف طالق كقوله نصف طالق.
هذا لفظه فتحرف على الشيخ محيي الدين لك طلقة بقوله كل طلقة فوقع في الغلط الذي نبهنا عليه أولًا ثم ضمها إلى نصف طالق وقاسهما جميعًا على نصف طالق فوقع في الغلط الثاني، وقد راجعت النسخة التي بخط النووي فرأيته فيها كما هو مذكور في باقي النسخ على أن الرافعي صرح بقوله لك طلقة بعد هذا بأسطر وحكى فيها
وجهين من غير ترجيح وتابعه في "الروضة" عليه وسأذكرها عقب هذه المسألة.
قوله: فحصل تردد في ما إذا وقع عليه الطلاق وكانت له امرأتان هل يقع عليهما معًا أو على إحداهما وتعين؟ انتهى ملخصًا.
والمرجح أنه لا يقع إلا على واحدة كذا ذكره ابن الصلاح في "فتاويه" وتبعه النووي في "الفتاوى" أيضًا وقال في "الروضة": إنه الظاهر المختار الجاري على القواعد لأن الاسم يصدق عليه فلا يلزمه زيادة من غير نية.
قوله: في الكنايات لا أنده سربك -أى لا أزجر إبلك ومعناه لا أهتم بشأنك.
انتهى.
النده بالنون والدال المهملة هو الزجر والسرب بفتح السين المهملة وسكون الراء والباء الموحدة هو الإبل، وما رعى من المال قاله الجوهري في الكلام على سرب قال ومنه قولهم اذهب فلا أنده سربك أى لا أرد إبلك تذهب حيث شاءت أى لا حاجة لي فيك وكان ذلك طلاقًا في الجاهلية.
قوله: ولو قال لأمته اعتدي أو اشترى رحمك ونوى العتق أو قاله لزوجته قبل الدخول ونوى الطلاق فوجهان: أظهرهما: الوقوع لأن لهما محلية العدة واستبراء الرحم في الجملة وذلك كافٍ في صحة الكناية.
انتهى.
المحلية بالحاء المهملة وبياء النسبة في آخره كون الشيء محلًا أي ما تقتضيه العدة والاستبراء من المحل مستقر لهذين الشخصين من حيث الجملة.
قوله: الثانية: الطلاق ليس كناية في الظهار ولا الظهار في الطلاق وإن كان كل واحد منهما محتملًا للآخر لما يشتركان فيه من إفادة التحريم وذلك
أنه أمكن تنفيذ كل واحد منهما في موضوعه الذي هو أصل فيه فلا يعدل عنه إلى ما هو فرع ولا سبيل إلى الجمع بينهما لأن المعنيين الذين يصلح اللفظ لهما لا يجمع بينهما كما في الأسماء المشتركة، بل تارة يستعمل لهذا وتارة يستعمل لذاك وإنما الذي يتناول الآحاد ويجمع بينهما هو اللفظ العام.
انتهى كلامه.
وما ذكره في تقرير امتناع الجمع غير صحيح بل يجوز استعمال اللفظ في المعنيين معًا على مذهب الشافعي سواء كان اللفظ حقيقة فيهما كالمشترك أو حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، وقد صرح الرافعي في كتاب الأيمان بأن الجمع بين الحقيقة والمجاز ليس بممتنع لكنه بعيد عند أهل الأصول ورد عليه النووي هناك ولم يتعرض في "الروضة" في هذا الباب للتقرير المذكور بل ذكر الحكم فقط.
قوله: وإن أراد بقوله أنت على حرام تحريم عينها أو ذاتها ووطئها لزمه كفارة يمين في الحال فعلى هذا لو قال أردت به الحلف على الامتناع من الوطء لم يقبل في أظهر الوجهين، ثم قال: فإن قبلناه فقد ترددوا في أن التحريم هل يصير يمينًا بالنية في غير الزوجات والإماء كالمطاعم والملابس أو يختص ذلك بالأبضاع.
انتهى كلامه.
والأصح هو الاختصاص كذا ذكره في "الروضة" من زوائده.
قوله الرابع: إذا قال متى قلت لامرأتي أنت على حرام فإنني أريد به الطلاق ثم قال لها بعد مدة أنت حرام فعن أبى العباس الروياني أنه يحصل وجهان.
أحدهما: الحمل على الطلاق لكلامه السابق.
والثاني: المنع لاحتمال أن نيته قد تغيرت.
انتهى.
قال في "الروضة" من "زوائده": أصحهما الثاني ويقرب من هذه
المسألة ما ذكره في كتاب الإقرار أنه إذا قال أريد أن أقر بما ليس على لفلان على ألف له أو قال ما طلقت امرأتي وأريد أن أقر بطلاقها قد طلقت امرأتي ثلاثا، قال العبادي: لا يصح إقراره وقال صاحب "التتمة": الصحيح أنه يصح كما لو قال على ألف لا يلزمني.
قوله: ولو اقترنت النية بأول اللفظ وعزبت قبل تمامه بأن قصد إيقاع الطلاق عند قوله: أنت، ولم يبق هذا القصد عند الانتهاء إلى طالق فوجهان ولو كان بالعكس فوجهان أيضًا وأظهر الوجهين عند الإمام والغزالي في الأولى أنه يقع، وكلامهما يشعر برجحان عدم الوقوع في الثانية.
انتهى ملخصًا.
وذكر نحوه في "الشرح الصغير" إلا أنه أطلق الترجيح في المسألة الأولى فقال: وأظهرهما الوقوع لأن النية إذا اقترنت بأول اللفظ عرف قصده من اللفظ، إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أنه قد ذكر في "المحرر" ما يشعر بمخالفة المذكور هاهنا فقال: وهل يكفي اقترانها بأول اللفظ أو يشترط بقاؤها إلى آخره؟ فيه وجهان رجح منهما الثاني هذا لفظه وهو يخالفه من وجهين:
أحدهما: في ترجيحه اشتراط البقاء.
وثانيهما: ما أوهمه كلامه من الجزم بعدم الاكتفاء بمقارنة الأخير، وكلام "المنهاج" صريح في الثانية، ووقع هذا الاختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج" فقال في "المنهاج" وشرط نية الكناية اقترانها بكل اللفظ، وقيل: يكفي أوله وقال في "الروضة" ولو اقترنت النية بأول اللفظ [وقيل ما] 1 دون أخره أو عكسه طلقت في الأصح هذا لفظه، وفيهما مع ما ذكرناه من المخالفتين أمر ثالث: وهو أن الرافعي لم يصحح
شيئًا في الاقتران بالأخر دون الأول، وأما في العكس فصرح بتصحيحه نقلًا عن الإمام والغزالي والفتوى على التفصيل بين الأول والأخير كما أشعر به كلام الشرحين فقد قال الماوردي في "الحاوي" بعد تصحيحه له أنه أشبه بمذهب الشافعي.
الأمر الثاني: أن اللفظ الذي تردد الأصحاب فيه أن النية هل يشترط إقترانها بجميعه أم يكفي اقترانها ببعضه إنما هو لفظ الكناية فقط لأن المقصود من النية تفسير إرادة الطلاق باللفظ الذي يحتمله ويحتمل غيره والمفتقر إلى التفسير لما فيه من الاحتمال إنما هو صيغة الكناية دون ما معها فتقدم النية عليها لا يعتد قطعًا، وإن كان متصلًا بأنت أو غيرها مما قبله، وقد صرح بهذا الذي ذكرته البندنيجي والماوردي وصاحب "الشامل"، وإذا علمت هذا علمت أن تمسك الرافعي بالنية عند أنت غير مستقيم إلا أن ابن الرفعة في "المطلب" قد أثبت وجهين في المسألة وأيد الإكتفاء [عند أنت] 1 بما إذا وقع أنت في زمن الطهر وطالق في زمن الحيض، فإن ابن سريج قال يكون الطلاق سنيًا ويحصل لها قرء واحد.
الأمر الثالث: أن تعبيره بطالق غلط سرى أيضًا منه إلى الكفاية لابن الرفعة، بل الصواب التعبير ببائن ونحوه فإن الكلام في الكنايات.
الأمر الرابع: أن تمثيل الاكتفاء بقوله أنت قد حذفه النووي من "الروضة" ففاته مسألة مهمة وهو يظن أن لا فائدة فيها.
قوله: لكن صاحب "التتمة" قرب الوجهين في ما إذا اقترنت النية بأول دون أخره والوجهين فيما إذا اقترنت بآخره دون أوله من القولين في ما إذا نوى المسافر الجمع في أثناء الصلاة ولم ينو في أولها وقضية هذا التشبيه والتقريب أن يقال إذا كان الوقوع فيما إذا اقترنت بأوله أظهر فأولى أن يكون فيما إذا اقترنت بآخره أظهر لأن الأظهر من الخلاف في ما إذا
اقترنت النية بأول التكبير دون آخره والانعقاد، والأظهر فيما إذا نوى الجمع في أثناء الصلاة صحة الجمع.
انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من كون الأظهر في مسألة التكبير هو الانعقاد وهو كذلك في نسخ الرافعي، وفيه أمران:
أحدهما: أنه مخالف للمذكور في صفة الصلاة، وقد تقدم ذكر لفظه هناك.
الأمر الثاني: أن ترجيح الانعقاد المذكور لا يستقيم معه ما ذكره الرافعي من الأولوية، فإن تقرير كلامه أن جواز الشيء في مسألة مع تشبيهها بما يقتضي المنع منها أضعف من جوازه عند تشبيهه بما لا يقتضي المنع لأن الشيء يضعف بمعانده، وحينئذ فإذا صححوا الجواز في حالة قيام الشبه المانع كتصحيحه في الحالة الأخرى أظهر وأما إذا استوى الشبهان في الجواز أو استويا في المنع فلا يكون تصحيحه في أحدهما يقتضي أولوية التصحيح في الآخر بلا شك.
إذا علمت هذا فطبقه على كلام الرافعي تجده لا يستقيم إلا مع دعوى تصحيح عدم الانعقاد في التكبير فتأمله فعلمنا بهذا أنه سقط من كلام الرافعي صيغة عدم فإن أصله عدم الانعقاد، وهذا لا شك فيه.
قوله: وفي زيادات الشيخ أبى عاصم العبادي أنه إذا قال بعت منك طلاقك فقالت إشتريت ولم يذكر عوضًا لا تحصل الفرقة إذا لم تكن نية، وقيل يقع طلاقه بمهر المثل.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وهو يشعر بكونه صريحًا عند العبادي إذا اقترن بالعوض، والأمر كذلك لكن الصحيح أنه كناية فافهمه فقد صرح بهذا كله الرافعي في أوائل الخلع فقال وبيع الطلاق بالمهر من جهة الزوج وبيع المهر بالطلاق من جهتها يعبر بهما عن الخلع وليكونا كنايتين، وفي
"الزيادات" لأبي عاصم العبادي أن يقع الطلاق مع ذكر العوض صريح هذا كلامه.
قوله: وفيها أيضًا -يعني: الزيادات- أنه لو قال: لم يبق بيني وبينك شيء ونوى الطلاق لم يطلق وفي هذا توقف.
انتهى.
قال في "الروضة" من "زوائده": الصواب الجزم بالطلاق، لأنه لفظ صالح ومعه نية.
قوله نقلا عن العبادي أيضًا: وأنه إذا قال الطلاق لازم لي أو واجب على، طلقت للعرف، بخلاف فرض على، ورأى البوشنجي أن الجميع كناية وحكى صاحب "العدة" عن الأكثرين أن الطلاق لازم صريح.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وما دل عليه كلامه من رجحان الصراحة قد جزم به في كتاب النذر ولم يحك فيه خلافًا كذا ذكره في أصل "الروضة" هناك.
قوله نقلًا عن فتاوى القفال: وأنه لو قال: كل امرأة لي طالق إلا عمرة ولا امرأة له سواها طلقت لأن الاستثناء مستغرق فبطل، ولو قال: النساء طوالق إلا عمرة ولا زوجة له سواها لم تطلق.
انتهى.
واعلم أن المسألة الأولى التي نقل فيها الوقوع عن القفال حكمها متجه وشرطها أن يكون الإخراج بـ"إلا" كما صوره الرافعي، أما إذا عبر بسوى كغير فإن الموجود نقلًا والمتجه معنى أن لا يقع فافهمه فإنه قد يلتبس على من لا اطلاع له به ولا تحقيق.
أما النقل: فقد صرح به الخوارزمي في "الكافي" في كتاب الأيمان ومثل بسوى.
وأما المعنى فلأن إلا أصلها الاستثناء وسوى وغير ونحوهما أصلهما الصفة فإذا أورد ذلك حملنا كل لفظ على أصله فلزم الاستغراق في إلا إذ
هو إخراج بعد إدخال فأبطلناه بخلاف سوى وشبهها فإن مدلوله إيقاع الطلاق على المغاير للمخاطبة فقط، وسكوته عن المخاطبة، ويدل عليه ما ذكره الرافعي بعد هذا بدون الورقة أنه لو قال: امرأتي التي في هذه الدار طالق ولم تكن امرأته فيها لا يقع الطلاق، وأما المسألة الثانية ففيها كلام يأتي بعد هذا بقليل.
قوله نقلًا عن الفتاوى المذكورة أيضًا: وأنه لو قال لامرأته: يا بنتي، وقعت الفرقة بينهما عند احتمال السن، كما لو قاله لعبده أو أمته، وأنه لو كانت زوجته تنسب إلى زوج أمها فقال: بنت فلان طالق لم تطلق لأنها ليست بنته حقيقة ولغيره في هذا احتمال، وأنه لو قال: نساء المسلمين طوالق لم تطلق امرأته، وعن غيره أنها تطلق وبنى الخلاف على أن المخاطب هل يدخل في الخطاب.
انتهى.
وقد تكلم النووي في "الروضة" على هذه المسائل فقال في الأولى: المختار أنه لا يقع به فرقة إذا لم يكن له نية لأنه إنما يستعمل في العادة للملاطفة وحسن المعاشرة وهذا التعليل يأتي بعينه في العبد والأمة والذي اقتضاه كلامه من العتق فيهما ممنوع.
وأما الثانية: وهي بنت الزوجة فينبغي أن يقال: إن نواها طلقت ولا يضر الغلط في نسبها كنظيره من النكاح، وإلا فلا، ومراد القفال بقوله لم تطلق أي في الظاهر ويتعين في الباطن ما ذكرته.
وأما الثالثة: فالأصح عند أصحابنا في الأصول أن المتكلم لا يدخل، وكذا هنا الأصح أنها لا تطلق هذا كله كلام النووي، وما ذكره في آخر كلامه من تصحيح عدم الوقوع وأن الأصح عند أصحابنا الأصوليين عدم الدخول كلاهما مردود، فإن المعروف في كتب الأصول إنما هو الدخول فقد قال إمام الحرمين في "البرهان" الرأى الحق عندي دخولهم.
وقال الغزالي في "المستصفى": إن القول بعدم الدخول فاسد، وقال
الإمام فخر الدين: الأكثرون على الدخول.
وقال الآمدي: إنه المختار الذي عليه الأكثرون، وذكر نحوه ابن الحاجب وصاحب "الحاصل والتحصيل" وغيرهم ممن لا يحصى.
والعجب من النووي حيث قال ما قال مع شهرة هذه الكتب، والظاهر أن ذلك صدر منه من غير مراجعة.
وإذا علمت ما ذكرناه ظهر أن الأصح هو وقوع الطلاق، ويؤيده ما حكاه في كتاب الوقف أنه لو وقف كتابًا على المسلمين أو مرجلًا أو بئرًا كان له أن ينتفع، وكذا صححوه في ما لو وقف على الفقراء وافتقر مع أن الدخول هنا أولى منه هناك لأن الوقوف على نفسه باطل من حيث الجملة وإن كان إدخال نفسه في العموم جائزًا في ما أصله الإباحة [كماء البئر ومنافع المسجد دون ثمار النخلة ونحوها] 1 كما قاله الماوردي هناك.
قوله: وأنه لو قالت له زوجته واسمها فاطمة: طلقني، فقال: طلقت فاطمة، ثم قال: نويت فاطمة أخرى، طلقت ولا يقبل قوله لدلالة الحال بخلاف ما لو قال ابتداء: طلقت فاطمة، ثم قال: نويت أخرى وقد يشكل هذا بما سبق أن السؤال لا يلحق الكناية بالصرائح.
انتهى كلامه.
وقد اشتمل على مسألتين الأولى ما إذا كان ذلك جوابًا لقولها: طلقني وقد جزم فيه بأنه لا يقبل قوله ثم بحث فيه البحث المتأخر المقتضي لعدم الإيقاع عليه، ثم ذكر بعده بنحو الصفحة ما حاصله رجحان عدم الوقوع فقال نقلًا عن شريح الروياني فإنه لو قيل لرجل اسمه زيد [يا زيد] 2 فقال: امرأة زيد طالق، قال جدى: تطلق امرأته، وقيل لا تطلق حتى يريد نفسه لجواز إرادة زيدًا آخر.
وليجيء هذا الوجه في ما إذا قال: فاطمة طالق واسم زوجته فاطمة ويشبه أن يكون هو الأصح ليكون قاصدًا تطليق زوجته.
انتهى.
ولا نزاع في أن هذا كله في الظاهر أما الباطن فيقبل جزمًا، وما ذكره آخرًا من رجحان عدم الوقوع راجع إلى ما إذا كان ذلك جوابًا، فأما إذا قاله ابتداء فلا يتصور عود البحث إليه لأنه جزم فيه بقبول قوله على وفق البحث.
المسألة الثانية: أن يذكر ذلك في غير الجواب وقد جزم فيه بالقبول كما أشرنا إليه الأن، والصحيح خلافه، فقد ذكر المسألة بعد ذلك في أوائل الباب الخامس المعقود للشك في الطلاق ومثل بزينب فقال: إن الصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا يقبل.
والثاني: قاله القاضي أبو الطيب وغيره أنه يقبل.
والثالث: قاله إسماعيل المقري، إن قال: زينب طالق لم يقبل، وإن قال: طلقت زينب، قُبِل.
قوله نقلًا عن القفال أيضًا: وأنه لو قال لولي امرأته: زوجها، كان إقرارًا بالفراق، ولو قال لها: انكحي لم يكن إقرارًا لأنها لا تقدر أن تنكح، ولكن المفهوم ما يفهم من قول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 1.
قال في "الروضة" الصواب أنه كناية إذا خاطبها بخلاف الولي فإنه صريح فيه.
هذا كلامه.
قوله: ومما نقل عن معلقات القاضي شريح الروياني من أصحابنا المتأخرين ما حكاه عن جده أبى العباس الروياني وغيره أنه لو قال أحللتك ونوى طلاقها هل هو كناية؟ وجهان:
وأنه لو قال:
امرأته طالق وعنى نفسه.
قال جدي: يحتمل وقوع الطلاق ويحتمل عدمه.
انتهى.
الأصح في الأولى: أنها كناية، والأرجح في الثانية، الوقوع.
قاله
في "الروضة".
قوله نقلًا عن المعلقات المذكورة: وأنه لو قال لابنه: قل لأمك أنت طالق قال جدى: إن أراد التوكيل فإذا قاله لها الابن طلقت ويحتمل أن يقع ويكون الابن مخبرًا لها بالحال.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" ومعناه أنه إذا لم يرد التوكيل لا يقع، ويحتمل وقوعه، ومدرك التردد في هذه المسألة أن الأمر بالأمر بالشيء إن جعلناه كصدور الأمر من الأول كان الأمر بالإخبار بمنزلة بالإخبار من الأب فيقع، وإن قلنا [ليس كصدوره منه لم يقع شيء.
قوله أيضًا نقلًا عنها: وإنه لو قال: ] 1 امرأة كل من في السكة طالق وهو في السكة، حكى جدى عن بعض الأصحاب أنه لا يقع طلاقه قال: والصحيح أنه يقع.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة عبر عنها في "الروضة" بقوله: وأنه لو قال: كل امرأة في السكة طالق وزوجته في السكة طلقت على الأصح هذا لفظه، وهو عكس ما صور به الرافعي، وأما الصورة التي تكلم فيها الرافعي فقد تقدم في نظائرها أنها مبنية على أن المتكلم هل يدخل في عموم كلامه أم لا وتقدم أن النووي صحح أنه لا يدخل وأن الطلاق لا يقع فيكون هنا كذلك فإنها نظائرها أو هي هي، ووقع في بعض نسخ الرافعي وهي في المسألة بضمير المؤنث وهو تحريف ولعله السبب في انقلاب المسألة على النووي.
قوله: نقلًا عنها أيضًا وأنه لو وكل في طلاقها فقال الوكيل: طلقت من يقع الطلاق عليها بلفظي، هل تطلق التي وكله في طلاقها؟ أو طلقها ولم ينو عند الطلاق أنه يطلق لموكله ففي الوقوع وجهان.
انتهى.
والصحيح في الثانية هو: الوقوع، كذا نقله الرافعي في أواخر تعليق الطلاق عن أبي العباس المذكور، وقد ذكرت المسألة هناك لغرض يتعين
الوقوف عليه فراجعها.
ونقل الرافعي قبيل كتاب الديات بأسطر عن فتاوى البغوي فرعًا آخر متعلقًا بما نحن فيه فقال: وأن الوكيل في استيفاء القصاص إذا قال: قتلته بشهوة نفسي لا عن جهة الموكل لزمه القصاص، هذه عبارته وحاصلها إشتراط عدم الصارف ولا يلزم منه اشتراط القصد على ما تقدم عن بعضهم، ولا شك أن هذا كله في ما لا يصح فيه الوقوع لنفسه، أما ما يصلح فيه الوقوع له فلا شك في اشتراط القصد كما سبق في الوكالة.
قوله: وفي "فتاوي الغزالي" أنه إذا كتب الشروطي إقرار رجل بالطلاق فقال له الشهود: نشهد عليك بما في هذا الكتاب، فقال: اشهدوا لا يقع الطلاق بينه وبين الله تعالى، بل لو قال: اشهدوا على أني طلقتها من أمس وهو كاذب، لم يقع في الباطن.
انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من الوقوع في الظاهر في مسألة الشروطي أي الشاهد قد ذكر من "زوائده" في آخر الباب الأول من أبواب الإقرار ما يخالفه وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
وقد ذكر الغزالي في باب الوقف من "فتاويه" أيضًا هذه المسألة، وأوهم كلامه النفوذ باطنًا فقال: إذا قال للشهود: اشهدوا على أني وقفت جميع أملاكي، وذكر مصارفها ولم يذكر شيئًا منها صارت الجميع وقفًا ولا يضر جهل الشهود بالحدود ولا سكوته عن ذكر الحدود، والصواب في ذلك وأشباهه أنه لا يكون إقرارًا كما أوضحه ابن الصلاح في "فتاويه".
فقال: وصرح به الطبري في "العدة" والهروى في "الإشراف"، والعمراني في "البيان" اللهم إلا أن يصدر ذلك ممن عرف منه استعماله في الإقرار فينبغي أن يكون إقرارًا.
قال: وهذا كله إذا لم يسند ذلك إلى نفسه كما تقدم التمثيل به، فإن
أسنده إليها بأن قال: أشهدكم على بكذا أو بما في هذه الورقة فإنه يصح.
قوله: وفي "التتمة" أنه لو قال لواحدة من نسائه: أنت طالق مائة طلقة فقالت: يكفيني ثلاث، فقال: الباقي على صواحبك، لا يقع على صواحبها طلاق؛ لأنه لم يخاطبهن وإنما رد عليها شيئًا لاغيًا، فإن نوى به الطلاق كان طلاقًا وكان التقدير: أنت طالق بثلاث وهن طوالق بالباقي.
انتهى كلامه.
وما نقله هنا من الوقوع في مسألة الزائد على العدد الشرعي إذا نوى وأقره عليه، قد نقل عن البغوي في آخر الباب الذي بعد هذا عكسه وأقره عليه، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق وأنت يا أم أولادي، قال أبو عاصم العبادي: لا تطلق، وهو كما قال غيره أو قال لزوجته: نساء العالمين طوالق وأنت يا فاطمة؛ لا تطلق؛ لأنه عطف على نسوة لم يطلقن.
انتهى كلامه.
وما تلخص من كون العطف على الباطل باطل سيأتي في الكلام على الإكراه ما يخالفه وتبعه في "الروضة" على الموضعين.
قوله: ولو قال: وله امرأتان: امرأتي طالق، وأشار إلى إحداهما، ثم قال: أردت الأخرى، فوجهان عن أبى العباس الروياني: أحدهما يقبل ولا تلزمه الإشارة، والثاني: أنهما تطلقان.
انتهى.
والأرجح الأول، كذا ذكره في "الروضة" من "زوائد" في آخر باب الشك في الطلاق.
قوله: والأشبه انعقاد البيع بالمكاتبة وأنه يشترط اتصال القبول بورود الكتاب ثم قال: وقد أشرنا إلى ذلك كله في أول البيع وحكينا عن بعض المسودات أن المشتري لو أجاب بالقول كان ذلك أقوى من أن يكتب،
وهكذا ذكره الإمام.
انتهى كلامه.
والذي قاله هنا من النقل عن بعض المسودات في ما إذا أوجب بالكتابة تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غلط، ليس هو في هذه المسألة، فإن الذي قاله في البيع ما نصه: وفي مسودات بعض أئمة طبرستان تفريعًا على انعقاد البيع بالمكاتبة أنه لو قال: بعت دارى من فلان وهو غائب فلما بلغه الخبر قال: قبلت، ينعقد، لأن النطق أقوى من الكتابة.
وقال أبو حنيفة: لا ينعقد، هذا لفظه فثبت أن هذا النقل إنما هو في ما إذا أوجب باللفظ لا بالكتابة.
نعم: صح القبول لفظًا إذا أوجب بالكتابة كذا ذكره الرافعي بعد هذا في ما إذا وقع ذلك في النكاح، والبيع أولى بالصحة منه.
قوله: وإن كتب إذا قرأت كتابي فأنت طالق فقرأته طلقت، قال الإمام: ولم يختلف علماؤنا، أنها إذا طالعته وفهمت ما فيه يقع الطلاق، وإن لم يتلفظ بشيء فإن قرأ غيرها عليها فوجهان أحدهما: يقع الطلاق لأنها اطلعت على المقصود.
وأصحهما: المنع لأنها أهل للقراءة ولم تقرأ فإن كانت لا تحسن القراءة فقرأ عليها طلقت وفيه وجه ضعيف، وقائله جعله من التعليق بالمستحيلات، ولو كان الزوج لا يعرف هل هي قارئة أم لا فيجوز أن يقال ينعقد التعليق على قراءتها بنفسها نظرًا إلى حقيقة اللفظ، ويجوز أن يتعلق على الفهم والإطلاع لأن الأصل في النساء عدم المعرفة بذلك، والأول أقرب.
انتهى ملخصًا.
وهذه المسائل كلها يفرض مثلها في تعليق عزل القاضي، ولم يصرحوا هناك إلا ببعضها لكن صحح الرافعي في ما إذا قرأ عليه وهو قارئ أنه ينعزل وستعرف لفظه هناك، والصواب التسوية وعدم العزل والطلاق،
وما صححوه أيضًا هنا من الطلاق إذا لم تحسن القراءة مشكل؛ لأن الصحيح في التعليق بالمستحيل أنه لا يقع، وهذا أولى منه؛ لأنه ممكن في نفسه، وقد علق عليه ولم يخرجه عن مدلوله فإن فرض أنه أراد الاطلاع على المقصود فمسلم وليس الكلام فيه.
قوله: أما إذا كتب: إذا أتاك أو بلغك أو وصل إليك كتابي فأنت طالق فوصلها بعض الكتاب دون بعض، فإن انمحى موضع الطلاق فأوجه:
أصحها: لا يقع، وثالثها: إن قال: كتابي وقع، وإن قال: كتابي هذا لم يقع.
وإن بقي موضع الطلاق ولكن انمحت المقاصد كلها كسبب ذكر الطلاق ونحوه ففيه الأوجه، والوقوع هنا أولى.
وإن بقيت المقاصد كلها ولكن انمحت السوابق واللواحق كالتسمية، وصدر الكتاب والحمد والصلاة ففيه الأوجه، والأظهر عند الإمام هو الوقوع.
انتهى ملخصًا.
والأصح في القسم الأخير هو ما صححه الإمام كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة".
قوله: قال الإمام: وكنت أحب أن يفرق في هذه الصور الثلاث بين أن يبقى معظم الكتاب أو يختل -فإن للمعظم أثرًا في بقاء الاسم وعدمه.
انتهى كلامه.
وهذا الذي رده الإمام قد صرح بنقله الشاشي في "الحلية" فقال: وقيل: إن وجد أكثر الكتاب طلقت.
هذا لفظه، لكنه لم يطرده في ما إذا انمحى موضع الطلاق.
قوله: ولو كتب: إذا بلغك نصف كتابي هذا فأنت طالق فبلغها كله فهل يقع لاشتمال الكل على النصف أم لا؛ لأن النصف في مثل هذا يراد منه المنفرد؟ وجهان عن صاحب "التقريب".
انتهى.
والأصح في نظائر المسألة هو: الوقوع، فقد جزم الرافعي قبيل كتاب "التدبير" نقلًا عن زيادات أبى عاصم العبادي أنه إذا قال: إن اشتريت عبدان في صفقة فلله على إعتاقهما فاشترى ثلاثة صفقة فيلزمه إعتاق اثنين لوجود الصفة، وقال أيضًا في تعليق الطلاق في أوائل الفصل السابع منه: لو قال: إن أكلت رمانة فأنت طالق وإن أكلت نصف رمانة فأنت طالق فأكلت رمانة طلقت طلقتين فلو كان التعليق بصيغة كلما طلقت ثلاثًا؛ لأنها أكلت رمانة ونصف رمانة مرتين، وقد صحح النووي من "زوائده" الوقوع في مسألتنا أيضًا إلا أنه لم يستحضر شيئًا من هذه المسائل المستند إليها وقوع الطلاق.
قوله: فرع: حرك لسانه بكلمة الطلاق ولم يرفع صوته قدرًا يسمع نفسه.
قال المتولي: حكى الزجاجي أن المزني نقل فيه قولين:
أحدهما: تطلق؛ لأنه أقوى من الكتب مع النية.
والثاني: لا؛ لأنه ليس بكلام؛ ولهذا يشترط في قراءة الصلاة أن يسمع نفسه.
انتهى.
قال في "الروضة" الأظهر: الثاني؛ لأنه في حكم النية المجردة بخلاف الكتب فإن المعتمد في حصول الطلاق به حصول الإفهام ولم يحصل.
قوله في "الروضة": ولو فوض الطلاق فلا يشترط إتفاق اللفظين على الصحيح، ثم قال: ولو قال: طلقي نفسك فقالت للزوج: طلقتك، ففيه هذا الخلاف.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الصحيح الوقوع بمجئ هذا وليس كذلك، فإن الصحيح أن هذا اللفظ كناية كما صرح به المصنف بعد ذلك في آخر الركن الرابع،
وإذا كان كناية فلا يكون مما يجئ فيه إلا بالنية، وقد صرح به الرافعي هنا ولكن أهمله النووي وكأنه نظر إلى لفظ الطلاق وذهل عما ذكروه هناك فتركه.
قوله: ولو قال: طلقي نفسك، فقالت: سرحت نفسى، طلقت بلا خلاف لاشتراكهما في الصراحة.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف باطل فقد سبق قول الشافعي أن الفراق والسراح كنايتان.
قوله أيضًا في "الروضة": فرع: قال المتولي: لو قال ثلاث مرات اختاري، وقال: أردت واحدة لم تقع إلا واحدة.
انتهى كلامه.
لم يزد النووي على هذا، وذكر الرافعي بعد هذا ما نصه: خلافًا لأبي حنيفة وذكر إسماعيل البوشنجي إذا قال: اختاري اختاري اختاري فقالت: اخترت الأولى أو الوسطي فالقياس أنه يقع واحدة، وقال أبو حنيفة: تقع الثلاث.
انتهى.
ثم ذكر الرافعي بعده فروعًا ذكرها النووي وأسقط ما ذكرته فاعلمه.
قوله: ولو قال: طلقي نفسك ثلاثًا فطلقت واحدة أو اثنتين وقع ما أوقعته، ثم إن أوقعت واحدة فراجعها في الحال قال البغوي في "الفتاوى": لها أن تطلق ثانية أو ثالثة؛ لأنه لا فرق بين أن يطلق الثلاث دفعة وبين قولها طلقت نفسي واحدة وواحدة فلا يقدح تخلل الرجعة بين الطلقتين.
انتهى كلامه.
والصواب تقييد الجواب أيضًا بالحال فنقول: لها أن تطلق في الحال ثانية وثالثة ; لأن الصحيح أن هذا تمليك لا توكيل وحينئذ فلابد من القبول على الفور فتفطن لذلك.
قال -رحمه الله-:
الركن الثالث: القصد إلى الطلاق
فيشترط أن يكون قاصدًا لحروف الطلاق لمعنى الطلاق ولا يكفي القصد إلى حروف الطلاق من غير قصد معناه.
ثم قال بعد ذلك: ولو لقن الطلاق بلغة لا يعرفها فقالها وهو لا يعرفها لم يقع طلاقه، فلو قال: أردت بهذا اللفظة معناها بالعربية لم يقع على الأصح، ولو قال: لم أعلم أن معناها قطع النكاح ولكن نويت بها الطلاق، وقصدت قطع النكاح لم يقع الطلاق كما لو خاطبها بكلمة لا معنى لها، وقال: أردت الطلاق.
انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول إذا كان الأمر على ما ذكره فما الفرق بين الصريح والكناية؟ حيث قالوا: إن الصريح لا يحتاج إلى النية بخلاف الكناية، وقد جمع بينهما بعض فضلاء العصريين بأن.
الصريح: يشترط فيه قصد اللفظ والمعنى.
وأما الكناية فيشترط فيها أيضًا أن يكون الإيقاع بذلك اللفظ.
وقد ذكر الرافعي في الكناية ما يؤيد مقالة هذا القائل فيها، فقال: قال إسماعيل البوشنجي: إنما يقع الطلاق بقوله: أنت حرام على إذا نوى حقيقة الطلاق وقصد إيقاعه بهذا اللفظ.
هذا كلامه.
وقول الرافعي في أول الكلام بمعني الطلاق هو بلام الجر لا بالباء وقد تقرر مما سبق من كلام الرافعي أنه لابد أيضًا من العلم بمدلول اللفظ وحينئذ فلا يكفي قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق.
قوله: ولو كانت زوجته تسمى طالقًا وعبده يسمى حرًا فقال لها: يا طالق، وله: يا حر، فإن قصد النداء فلا طلاق ولا عتق، وإن قصد الطلاق والعتق حصلا، وإن أطلق ولم ينو شيئًا فعلى أيهما يحمل؟ وجهان: أصحهما على النداء وبه قطع البغوي.
انتهى كلامه.
وصورة المسألة ما إذا كانت التسمية بطالق وحر ونحوه كعتيق مستمرة إلى حال النداء، فإن كان اسم العبد قبل جريان الرق عليه حرًا فناداه به فإن قصد العتق أو لم يقصد شيئًا عتق، وإن قصد نداءه بالاسم العتيق لم يعتق في الأصح، وقيل: يعتق؛ لأنه صريح كذا ذكره الرافعي في أول كتاب العتق إلا أنه لم يذكر النداء بطالق، بل اقتصر على النداء بالعتق ولما ذكر صور المسألة بما إذا كان اسمه حرًا قبل جريان الرق، والمتجه اعتبار التسمية بذلك في حال النداء سواء كان قبل جريان الرق أو بعده وسواء كان في ملكه أو ملك غيره فتفطن له.
قوله: وحكى الغزالي في "البسيط" أن بعض الوعاظ طلب من الحاضرين شيئًا فلم يعطوه، فقال [متضجرًا] 1 منهم: طلقتكم ثلاثًا، وكلانت زوجته فيهم وهو لا يعلم فأفتى إمام الحرمين بوقوع الطلاق قال: وفي القلب منه شيء، ولك أن تقول: ينبغي أن لا تطلق؛ لأن قوله: طلقتكم لفظ عام وهو يقبل الاستثناء بالنية كما لو حلف لا يسلم على زيد فسلم على قوم هو فيهم واستثناه بقلبه لم يحنث وإذا لم يعلم أن زوجته في القوم كان مقصوده غيرها.
انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي -رحمه الله- ذكر مقدمتين يستنتج منهما عدم الوقوع.
الأولى: أن طلقتكم عام قابل للاستثناء قياسًا على ما ذكره الأصحاب فيما إذا قال السلام عليكم.
والمقدمة الثانية أنه إذا لم يعلم أن زوجته في القوم يكون مقصوده بالطلاق غيرها، لأن قصدها يستدعى العلم بها وقصد غيرها تخصيص للفظ.
إذا علمت ذلك، ففيه أمران:
أحدهما: أن المقدمة الأولى واضحة الصحة، وقد توهم النووي أن مراد الرافعي بها إثبات عدم الطلاق بالقياس على السلام فشرع يفرق بينهما فقال ما نصه: قلت: هذا الذي قاله إمام الحرمين والرافعي كلامهما عجب منهما.
أما العجب من الرافعي: فلأن هذه المسألة ليست كمسألة السلام على زيد؛ لأنه هنا علم به واستثناه وهناك لم يعلم بها ولم يستثنها، واللفظ يقتضي الجميع إلا ما أخرجه.
هذا لفظه وهو إعتراض فاسد، وقد تبين لك وجه فساده.
الأمر الثاني: أن المقدمة الثانية ليست صحيحة لأن الواعظ المذكور قصد خطاب الحاضرين جميعهم بالطلاق غير أنه لم يعلم أن زوجته فيهم وعدم العلم عند قصد الخطاب باللفظ الصالح للإيقاع لا يمنع الإيقاع، ولهذا إذا خاطب زوجته بالطلاق وهو يعتقدها أجنبية وقع فهاهنا كذلك بل أولى؛ لأنه في هذا وأمثاله لا تخطر له زوجته لا نفيًا ولا إثباتًا وحينئذ فلا يلزم من عدم علمه بكونها فيهم أن يكون مقصوده غيرها فقط لا هي لأنه قد لا يستحضرها بالكلية، بل قد يقصد المخاطبين ذاهلًا عن حكم الزوجة.
وأما دعواهم أن قصد بعض الأفراد يخصص فاعلم أن هذه المسألة كثيرة الوقوع في الفتاوي تلتبس على من لا اطلاع لديه ولا تحقيق وإيضاح الحق فيها أن نقول: إذا قال الشخص مثلًا: والله لا كلمت أولاد زيد فله أحوال:
أحدها: أن لا يقصد شيئًا معينًا فلا إشكال في حنثه بالجميع؛ لأن اللفظ يدل على الجميع بالوضع فلم يحتج إلى قصده.
الثاني: أن يقصد إخراج بعضهم ويقصد مع ذلك إثبات الباقي أو لا يقصد شيئًا فلا إشكال في عدم الحنث بالمخرج لأنه خصص يمينه بالقصد.
الثالث: أن يقصد بعض الأفراد وسكت عما عداه فهذا هو محل
الالتباس والحق فيه أن الحنث بالجميع أيضًا؛ لأن دلالة اللفظ عليه موجوده غير أنه أكد بعض الأفراد بقصده فاجتمع على البعض المنوى قصده ودلالة اللفظ ووجد في غير المنوى دلالة اللفظ فقط وهي كافية لما ذكرناه.
وهذا الذي ذكرته قد أجاب به القرافي بعينه وحقيقته الفرق بين القصد إلى البعض وبين تخصيص البعض، فإن الثاني يستدعى إخراج غيره فإن التخصيص هو الإخراج.
نعم: إن قصد إخراج اللفظ عن ما وضع له واستعماله في بعضه مجازًا فمعناه التخصيص ولا يحنث بغير المقصود.
قوله: في المسألة من "زياداته" وأما العجب من الإمام فلأنه تقدم في أول الركن أنه يشترط قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق ولا يكفي قصد لفظه من غير قصد معناه ومعلوم أن هذا الواعظ لم يقصد معنى الطلاق وأيضًا فقد علم أن مذهب أصحابنا أو جمهورهم أن النساء لا يدخلن في خطاب الرجال إلا بدليل، وقوله: طلقتكم خطاب رجال فلا تدخل امرأته فيه بغير دليل فينبغي أن لا تطلق لما ذكرناه، لا لما ذكره الرافعي فهذا ما تقتضيه الأدلة.
انتهى كلامه.
وما اعترض به أولًا على الإمام لا يرد عليه؛ لأن الشرط قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق لا قصد إيقاع الطلاق ولا شك أن هذا الواعظ لم يقصد الإيقاع إما أنه لم يقصد معناه فممنوع، واعتقاد عدم الوقوع لا يمنع قصد المعنى بدليل ما قلناه في من طلق زوجه ظانًا أنها أجنبية وأما ما ذكره ثانيًا من أنه قد علم من مذهب أصحابنا إلى أخره.
فيقال: دل الدليل على دخول امرأته؛ لأن الفرض أنه خاطب الحاضرين وامرأته منهم ولا نزاع في جواز التعبير بلفظ المذكر عند اجتماع المذكر والمؤنث.
واعلم أن في "فتاوي الغزالي" أنه لو زاحمته امرأة في طريق فقال
تأخرى يا حرة فبانت أمته لا تعتق كذا نقله الرافعي عنه في أوائل العتق ولم يخالفه هو ولا النووي وهي نظير مسألتنا فإنه قد نص هنا على أن النداء بالصريح صريح كقوله: يا طالق.
قوله: واحتجوا على أن طلاق المكره لا يقع بما روى أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "لا طلاق في إغلاق" 1.
والإغلاق: هو الإكراه 2.
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" 3، وروى أن رجلًا تدلى من جبل بحبل ليشتار عسلًا فجاءته امرأته وقالت طلقني ثلاثًا أو لأقطعن الحبل فطلقها ثلاثًا ثم أتى عمر - رضي الله عنه - فقال: ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق 4. انتهى.
أما الإغلاق فهو بالغين المعجمة والقاف.
وأما الشتار فإنه بالشين المعجمة والراء المهملة، يقال: شرت أشور
على وزن قلت أقول واشترت على وزن اخترت واجتلت إذا جنيته من مكان النحل في الجبال أو غيرها، وأشوت لغه فيه كذا ذكره الجوهري في الكلام على شور.
وحديث: "رفع عن أمتي" حسن، وقد نبه عليه في "الروضة" من "زوائده" في آخر تعليق الطلاق وأما الطلاق في إغلاق [..] 1.
قوله: الثانية: إن ورى المكره بأن قال: أردت بقولى طلقت فاطمة غير زوجتي أو نوى الطلاق من الوثاق، أو قال في نفسه: إن شاء الله لم يقع الطلاق، وإذا ادعى التورية صدق ظاهرًا في كل ما كان يدين فيه عند الطواعية.
انتهى كلامه.
وهذا الذي جزم به من عدم الوقوع في ما إذا قال في نفسه: إن شاء الله تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو وجه ضعيف، والمشهور أن التعليق بمشيئه الله تعالى لا يؤثر إلا إذا تلفظ به ولا أثر لنيته بل يحكم عليه والحالة هذه بالوقوع في ما بينه وبين الله تعالى ولابد من ذكره كذا ذكره الرافعي في آخر الباب السابق وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: وإن ترك التورية مع إمكانها فوجهان: أحدهما وهو المذكور في الكتاب واختيار القفال: أنه يقع طلاقه.
وأصحهما: على ما ذكره صاحب "التهذيب" والروياني: المنع؛ لأنه مجبر على اللفظ ولا نية له.
انتهى.
والأصح هو الثاني فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأصح وفي "المحرر": إنه الأظهر وصححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له فإنه غريب.
قوله في الإكراه: وتخويف ذى المروءة بالصفع في الملأ.
اعلم أن الملأ بالميم هو الجمع كما قاله الجوهرى وقال: غيره: إنه يطلق أيضًا على الأشراف.
قوله: ولو قال: طلقت وأنا صبي أو أنا نائم قال أبو العباس الروياني: يصدق بيمينه.
انتهى.
أقره الرافعي في النائم على ما قاله ولم يزد في "الروضة" على قوله: إن فيه نظرًا، وهو عجيب منهما فقد جزما في أول كتاب الأيمان بأن من ادعى عدم القصد في الطلاق والعتاق لا يصدق في الظاهر، لتعلق حق الغير به، هذا لفظهما.
قوله: لا يقع طلاق المجنون والمغمى عليه وكل من زال عقله بسبب هو غير متعد فيه كما لو أوجر الخمر، ثم قال ما نصه: وعد من هذا القبيل ما إذا شرب دواء يزيل العقل على قصد التداوى، ولك أن تقول في التداوي بالخمر خلاف يذكر في موضعه فإن جرى ذلك الخلاف في الدواء المزيل للعقل وقد اطرد في القليل والكثير فالمذكور هاهنا جواب على جواز التداوى ويمكن أن يقدر تخصيص الخلاف بالقدر الذي يزيل العقل [وتصوير] 1 هذه الصورة [في ما] 2 إذا ظن أن القدر الذي تناوله لا يزيل العقل، وكذلك صوره أكثرهم، وإن لم يجر ذلك الخلاف في الدواء المزيل للعقل فكان السبب فيه أن الطبع يدعو إلى شرب الخمر فيحتاج فيه إلى المبالغة في المنع والزجر بخلاف الأدوية.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وحاصله التردد من غير ترجيح في أنه هل يتخرج عليه أم لا؟ وإذا خرج فهل يخرج القليل والكثير أم الكبير فقط ويجزم في القليل بالجواز؟ وقد أعاد الرافعي المسألة في باب حد الخمر وجزم بالتخريج ولم ينقل خلافه فقال: ولو احتيج في قطع اليد
المتآكلة -نعوذ بالله- إلى ما يزيل عقله من غير الأشربة كالبنج خرج ذلك على الخلاف في التداوي بالخمر هذه عبارته، فإذا كان يمتنع هذا عند من يمنع التداوي بالمسكر مع كونه مقطوعًا بحصول المطلوب منه وهو زوال العقل المخفف للألم فلأن يمتنع في ما عداه من المظنونات بطريق الأولى، وقد نص الشافعي -رحمه الله- في "الأم" على الجواز ولم يلحقه بالتداوي بالخمر فقال في باب طلاق السكران ما نصه: ولو شرب بنجًا أو حريفًا أو مرقدًا ليعالج به من مرض فأذهب عقله فطلق لم يلزمه الطلاق من قبل أنه ليس في شيء من هذا أن يضربهم على شربه في كتاب ولا سنة ولا إجماع، فإذا كان هذا هكذا كان جائزًا أن يؤخذ الشيء منه للمنفعة هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلته، ويتضح به بطلان ما ذكره الرافعي هناك، ولم يتعرض في "الروضة" هنا لما ذكره الرافعي من الترديد في التخريج واقتصر على عدم وقوع الطلاق، وذكر هناك ما ذكره الرافعي ثم اعترض عليه فقال: الأصح هنا الجواز، وقد سبق في مسائل طلاق السكران ومن زال عقله ما يقتضي الجزم به، ولو احتاج إلى دواء يزيل العقل لغرض صحيح جاز تناوله قطعًا كما سبق هناك والله أعلم.
هذه عبارته، وهو عجيب من وجهين:
أحدهما: أنه يناقض بعضه بعضًا فإنه أثبت الخلاف أولًا ونفاه آخرًا.
الثاني: في دعواه الجزم به هناك، وسببه أنه يختصر فيتصرف ثم ينسى فيستدرك.
قوله: فإذا تعدى بشرب الخمر فسكر فقولان.
أصحهما: يقع طلاقه.
والأظهر على ما ذكره الحليمي وغيره: أن القولين جاريان في الأقوال والأفعال، قال الإمام: لكن شارب الخمر يعتريه ثلاثة أحوال: أحدها: هزة ونشاط يأخذه إذا ذيب الخمر فيه ولم يستول عليه بعد ولا يزول العقل
في هذه الحالة وربما احتد.
والثانية: نهاية السكر وهو أن يصير طافحًا ويسقط كالمغشي عليه لا يتكلم ولا يكاد يتحرك.
والثالثة: حالة متوسطة بينهما، وهو أن تختلط أحواله ولا تنتظم أقواله وأفعاله ويبقي تمييز وفهم [كلام] 1، فهذه الثالثة سكر وفي نفوذ الطلاق فيها الخلاف المذكور، وأما الحالة الأولى فينفذ طلاقه فيها بلا خلاف لبقاء العقل وانتظام القصد [والكلام] 2.
وأما الحالة الثانية: فالأصح عند الإمام والغزالي أنه لا ينفذ طلاقه؛ إذ لا قصد له، ولفظه كلفظ النائم، ومن الأصحاب من جعله على الخلاف لتعديه بالسبب إلى هذه الحالة، وهذا أوفق لإطلاق الأكثرين.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن تنفيذ تصرفه على القول بصحته محله إذا لم يتوقف على نظر فأما إذا توقف عليه بأن كان نائبًا فيه من غيره كتصرف الوكيل والولى والإمام وكذا الوصى إن قلنا: لا ينعزل بالفسق، ففي نفوذه وجهان حكاهما الرافعي في النكاح في الفصل المعقود لسوالب الولاية في الكلام على ولاية السكران وتقدم ذكر لفظه هناك، وأسقطه النووي من "الروضة".
الأمر الثاني: أن ما ذكره في القسم الثاني من ترجيح جريان الخلاف قد جزم بعكسه في النكاح في الموضع المذكور وهو غريب، وقد أسلفنا هناك لفظه فراجعه ووقع الموضعان في "الروضة" على هذا التناقض.
والطافح بالفاء والحاء المهملة، قال الجوهرى هو الذي ملأه الشراب.
الركن الرابع: المحل
قوله: وحكى الحناطي قولًا ضعيفًا في الشعر أنه لا يقع به الطلاق كما لا ينقض الوضوء، ولا شك في اطراده في السِّن والظفر.
انتهى.
وبين المسألتين فرق ظاهر ذكره في "الروضة" وهو أن اتصال السن آكد من الشعر، قال: وأما اشتراكهما في نقض الوضوء وعدمه فلعدم الإحساس أو لأنهما جزءان فأشبها اليد.
قوله: وفي الشحم تردد للإمام -رحمه الله- وميله إلى أنه لا يقع الطلاق، والأقرب وقوعه لأنه جزء من البدن وبه قوامه، ولأن الشحم كالسمن ولو قال: سمنك طالق يقع الطلاق.
انتهى كلامه.
واعلم أن السمن معنى من المعاني كالحسن والملاحة وإذا أضاف الطلاق إلى المعاني لا يقع الطلاق، وحينئذ فما ذكره الرافعي هنا غير مستقيم ولأجل ما ذكرناه اختلفت نسخ الرافعي اختلافًا كبيرًا ففي كثير منها ما ذكرناه وهو الموجود في "الشرح الصغير" أيضًا، وفي بعضها سمين بزيادة الياء وهو جيد، وفي بعضها لم يقع بزيادة لم وهو عكس مقصود الرافعي؛ فإنه يعلل الوقوع لا عدمه، وصرح في بعضها بجعله علة لعدم الوقوع فقال: ووجه المنع أن الشحم كالسمن ولو قال: سمنك طالق لم يقع.
هذه عبارته، وقد ذكر المسألة في "الروضة" على الصواب فجزم بعدم الوقوع فقال: ولو أضاف إلى الشحم طلقت على الأصح وإلى معنى قائم بالذات كالسمن والحسن إلى أن قال: لم تطلق، غير أن الرافعي لم يحك في الشحم إلا ترددًا للإمام، ولم يصرح بما صرح به في "الروضة" من حكاية الوجهين.
قوله في أصل "الروضة": ولو أضاف إلى الدم طلقت على المذهب.
انتهى.
هذا الكلام يؤخذ منه حكاية طريقين في المسألة، وأما كون الأصح طريقة الوجهين أو القطع فلا؛ إذ لا اصطلاح له فيه مع أن الرافعي قد ذكره وصحح طريقة الوجهين.
قوله: [ولأن] 1 لو قال: أنت طالق نصف طلقة تقع طلقة ويجعل النصف عبارة عن الكل، ولا يمكن أن يقال: يقع النصف ثم يسرى عليه، فكذلك هاهنا أي في طلاق العضو.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ادعاه من عدم إمكان السراية غريب، بل هو ممكن ومذهوب إليه، وقد صرح هو به في الباب الذي بعد هذا في أول القسم الثاني من الفصل الثالث فقال: وذكر الإمام -رحمه الله- أن وقوع الطلاق ببعض الطلقة على سبيل التعبير بالبعض عن الكل، ولا يتخيل هنا مجئ السراية في قوله: نصفك طالق ولكن لا يظهر بينهما فرق محقق، وفي كلام الشيخ أبي حامد وغيره أنه يجوز أن يكون ذلك بطريق السراية ويجوز أن يلغى قوله: نصف طلقة، ويعمل قوله: أنت طالق.
هذا كلامه ومقتضاه رجحان كونه بطريق السراية، ووقع الموضعان في "الروضة" كذلك ولا ذكر للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر" وقد استفدنا من المذكور هناك ثلاث تنزيلات: أما السراية أو التعبير بالبعض عن الكل، أو إيقاع طلقة كاملة بلفظ حقيقي وللخلاف فائدتان:
إحداهما: إذا قال: أنت طالق ثلاث طلقات إلا نصف طلقة، فإن جعلناه من باب السراية أوقعنا هاهنا ثلاثًا؛ لأن السراية في الإيقاع لا في الرفع، وإلا لم يكن بعض الطلقة موقعًا للطلاق.
الفائدة الثانية: إذا قالت المرأة: طلقني طلقة على ألف فطلقها نصف طلقة، وقد تقدمت المسألة في الخلع لأمر مهم فراجعها.
قوله: ومنها قال المتولي: إن القول بعدم الطلاق في ما إذا قال القائل: حسنك أو بياضك طالق، مبني على القول بالسراية؛ لأنه لا يمكن وقوع الطلاق على الصفات، أما إذا جعلنا البعض عبارة عن الجملة فتجعل الصفة عبارة عن الموصوف.
انتهى.
قال في "الروضة": هذا الذي قاله المتولى ضعيف مخالف للدليل ولإطلاق الأصحاب.
قوله: لو أضاف العتق إلى يد عبده أو رأسه ففيه الوجهان المتقدمان في أنه من باب السراية أو من باب التعبير بالبعض عن الكل، فإن أضافه إلى جزء شائع قال الإمام: المذهب تقدير السراية؛ لأن العبد يمكن تبعيض العتق فيه ووقوعه عليه بخلاف الطلاق، وقيل: فيه الوجهان؛ لأن إعتاقه بعض عبده غير متصور.
انتهى.
قد أعاد المسألتين في أوائل العتق، فأما المسألة الأولى فحاصل ما ذكره فيها طريقان:
أحدهما: القطع بأنه من باب التعبير بالبعض عن الكل حتى يقع دفعة واحدة.
والثاني: على وجهين [وأما المسألة الثانية فحكى فيها وجهين] 1 ولم يذكر الطريق التي نقل عن الإمام تصحيحها، ولم يخالفه فيها، وأما ما ادعاه من عدم التصور وأقره عليه فليس كذلك، بل يتصور فيما إذا أعتق عبده المرهون وهو موسر بقيمة بعضه، وقلنا بالأظهر: أنه ينفذ عتق الموسر، وكذلك إذا رهن بعض عبد وكان موسرًا بقيمة الباقي الذي ليس بمرهون، ثم أعتق ذلك البعض وهو غير المرهون.
قوله: ولو فصلت أذنها ثم ألصقت فالتحمت أو سقطت شعرة ثم نبتت في موضع آخر ونمت فأضاف الطلاق إليها لم تطلق المرأة على الأصح.
انتهى.