ومعناه الصياح والتلوي عند الجوع ونحوه.
كذا قاله الجوهري ولم يتفطن النووي لهذه اللفظة الخاصة المستعملة فيما نحن فيهم، وتوهم أنها الضرر براءين، فعبر به في "الروضة".
نعم الصرة بالصاد المهملة المفتوحة والراء المشددة تطلق على الصحة والصيحة وعلى الشدة أيضًا، فيجوز أن يكون اللفظ المذكور هنا من ذلك والإمام -رحمه الله- كثيرًا ما يعبر بهذه الألفاظ العربية.
قوله في كيفية تعلق الزكاة بالمال أن الجديد الصحيح هو قول الشركة.... إلى آخره.
اعلم أن الأصحاب لم يفرقوا في الشركة بين الدين والعين، وحينئذ فيلزم من ذلك أمور كثيرة ينبغي التفطن لها.
منها أنه لا يجوز لصاحب الدين أن يدعي تملك جميعه، ولا يجوز له أيضًا الحلف عليه، ولا للشهود أن يشهدوا بذلك، بل طريق الدعوى والشهادة أن يقال: إنه باقٍ في ذمته وأنه يستحق قبضه لأن له ولاية التفرقة في القدر الذي ملكه الفقراء.
قوله: وإذا فرعنا على قول الشركة فاستبقى قدر الزكاة وباع الباقي فوجهان:
أحدهما: يصح البيع لأن ما باعه حقه.
وأقيسهما عند ابن الصباغ المنع لأن حق الفقراء شائع.
وهذا الخلاف مبني على كيفية ثبوت الشركة وفيها وجهان:
أحدهما: أنها شائعة في كل شاة.
والثاني: أن محل الاستحقاق قدر الواجب، ثم يتعين بالإخراج، ويعبر عنه بأن الواجب شاة مبهمة.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن تخريج الوجهين على كيفية ثبوت الشركة كيف يستقيم مع أنهما جاريان في غير هذا كالحبوب والنقود كما صرح به البندنيجي والماوردي والقاضي أبو الطيب وغيرهم.
والشركة في هذه الأنواع بالشيوع قطعًا كما صرح به الأصحاب، وجزم به في "الكفاية" في آخر زكاة النبات.
الأمر الثاني: أن تعليل منع ابن الصباغ بكونه شائعًا ظاهره أنه يرى ذلك، وأنه علل به وليس كذلك، فإنه عبر بقوله: فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، لأن الزكاة لا تتعين إلا بالدفع.
والثاني: يصح لأنه باع حقه.
والأول أقيس لأنه يلزم هذا القائل أن يقول إذا عزل الزكاة من غير المال الزكوى أنه يصح بيع الكل لأن الزكاة لا تتعين عليه منه.
هذه عبارته.
وليس فيها التعليل بالشيوع لا أولًا ولا آخرًا، وكأنه توهم من التعليل الأول، وهو أن الزكاة لا تتعين إلا بالدفع كونها شائعة، وهو توهم عجيب.
واعلم أن النووي في "الروضة" لما ذكر الوجهين والبناء لم يبين كيفيته، بل ذكره علي صورة توهم العكس، فتفطن له.
قوله: الحالة الثانية: أن يرهن قبل تمام الحول ثم يتم الحول ففي وجوب الزكاة خلاف [مر] 1 في الكتاب شرحه والرهن لابد وأن يكون بدين.
وفي كون الدَّين مانعًا من الزكاة خلاف مشهور، فإن أوجبنا نظر إن لم يملك هذا الراهن مالًا آخر فيبنى ذلك على كيفية تعلق الزكاة.
إن قلنا أنها تتعلق بالذمة والمال مرهون بها، فعن أبي علىّ وغيره أنه قد
اجتمع هاهنا حق الله تعالى وحق الآدمي فتأتي الأقوال الثلاثة في أنه يقدم الرهن أو الزكاة أو تستوي.
وعن أكثر الأصحاب أنه يقدم الرهن لأنه أسبق ثبوتًا، والمرهون لا يرهن.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في توجيه الخلاف من أن الرهن لا يكون إلا بدين، وفي منع الدين خلاف، فقد تقدم الاعتراض عليه من جهة أنه قد يعير ليرَهن.
ومحل الخلاف إنما هو في الدين الذي على الراهن خاصة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره هاهنا عن الأكثرين من عدم التخريج على الخلاف، ومن تقديم الرهن قطعًا قد ذكر ما يشكل عليه قبيل الكلام على أنه لا يضم حمل نخلة إلى حملها الأول، فإنه صحح هناك عدم التخريج، كما صحح هاهنا، لكنه جعل الأصح القطع بتقديم الزكاة، ولم يذكر ما نقله هنا عن الأكثرين فضلًا عن تصحيحه وسأذكر لفظه هناك فراجعه.
قال -رحمه الله-: النوع الثاني:
زكاة المعشرات
وفيه أطراف:
الطرف الأول: في الموجب
:
قوله: واللوبيا وتسمى الدخن أيضًا.... إلى آخره.
وقعت هنا ألفاظ بيّن الرافعي معناها، ولكن نحتاج إلى ضبطها.
فأما الدخن فبدال مهملة مضمومة وخاء معجمة ساكنة.
وأما الخلر فبخاء معجمة مضمومة ولام مشددة بعدها راء مهملة.
وأما الثفاء فبالثاء المثلثة المضمومة بعدها فاء مشددة يليها مد الواحدة ثفاه.
وأما الفث فبفاء مفتوحة وثاء مثلثة مشددة كذا ضبطه جميعه الجوهري وغيره.
والقنبط بقاف مضمومة ثم نون مشددة مفتوحة ثم باء موحدة وطاء مهملة وهو نبات معروف.
قوله: وقال في القديم: تجب الزكاة في الزيتون فإن كان مما لا يجئ زيتًا كالبغدادي أخرج عشره زيتونًا وكذا إن كان يجئ منه على الصحيح عند المعظم، وقيل: يتعين الزيت.
ثم قال: وروى إمام الحرمين وجهًا آخر أنه يتعين إخراج الزيتون، وعلل بأن النصاب يعتبر به دون الزيت بالاتفاق.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام من دعوى الاتفاق ووافقه هو عليه قد صرح به أيضًا النووي في "الروضة" ولم يعزه إلى الإمام، فإنه لما حكى في المسألة ثلاثة
أوجه قال ما نصه: الثالث: يتعين الزيتون بدليل أنه يعتبر النصاب بالزيتون دون الزيت بالاتفاق.
هذا لفظه.
وليس كما قالا من دعوى الاتفاق، بل في المسألة قولان للشافعى.
أحدهما: هذا.
والثاني: أن النصاب إنما يعتبر بالزيت.
حكاهما الماوردي في "الحاوي".
وحكى الخلاف أيضًا الروياني في "البحر" والشاشي في "الحلية" والنووي في "النكت" له على التنبيه.
قوله: ونقل عن القديم أنه يجب فيه الزكاة يعني الورس إن صح حديث أبي بكر، وهو ما روى أنه كتب إلى بنى خفاش بذلك.
وقال الصيدلاني وغيره: له في الورس قولان.
انتهى ملخصًا.
فأما خفاش فهو بضم الخاء المعجمة وتشديد الفاء وبالشين المعجمة، وهذا هو الصواب كما قاله في "شرح المهذب".
قال: وضبطه بعض الناس بكسر الخاء وتخفيف الفاء، وهو غلط، وأما الأصح من قولي القديم فهو الوجوب، كذا جزم به الرافعي في "الشرح الصغير" واقتصر في "الروضة" على حكاية التعليق على حديث أبي بكر.
قوله: والزعفران باتفاق الأصحاب مرتب على الورس إن لم تجب الزكاة فيه، ففي الزعفران أولى وإن وجبت ففي الزعفران قولان.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الاتفاق على الترتيب ليس كذلك فقد حكى ابن الصباغ وغيره طريقة قاطعة بالبناء عليه، أى إن أوجبنا في الورس أوجبنا في الزعفران وإلا فلا.
وحكاهما أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: وعن أبي إسحاق أن الشافعي في القديم علق القول في العسل على ثبوت الأخذ من فعل أبي بكر، وذهب الشيخ أبو حامد وغيره إلى أنه قطع القول بنفي الزكاة قديمًا وجديدًا، فتحصل فيه طريقان.
انتهى.
ومقتضى هذا الكلام رجحان طريقة القطع، وقد ضعفها أعنى الرافعي في "الشرح الصغير" فاعلمه، وكذلك النووي ففي "الروضة"، إلا أن النووي صحح طريقة التعليق.
وأما الرافعي فصحح طريقة الجزم بالوجوب في القديم، وهذه الطريقة لم يصرح بها في "الكبير" فضلًا عن تصحيحها.
قوله في أصل "الروضة": فالخمسة الأوسق ألف وستمائة رطل بالبغدادي؛ والأصح عند الأكثرين أن هذا القدر تحديد، وقيل: تقريب.
انتهى كلامه.
وما صححه هنا من كونه تحديدًا قد صحح عكسه في شرحه "لصحيح مسلم" وفي كتاب الطهارة من "شرح المهذب" في الكلام على القلتين فقال: وللقولين نظائر منها الحيض بتسع سنين، والمسافة بين الصفين بثلاث مائة ذراع، ومسافة القصر بثمانية وأربعين ميلًا، ونصاب المعشرات بألف وستمائة رطل بالبغدادي، ففي كل هذه المسائل وجهان:
أصحهما: تقريب.
والثاني: تحديد.
هذا لفظه.
وذكر هذه الصور كلها في رؤوس المسائل، وصحح أيضًا فيها التقريب، وعلله بأنه مجتهد فيه.
قوله أيضًا في أصل "الروضة": فعلى التقريب يحتمل نقصان القليل كالرطلين، وحاول إمام الحرمين ضبطه فقال: الأوساق: الأوقار، والوقر ثلثمائة وعشرون رطلًا، وكل نقص لو وزع علي الأوسق الخمسة لم يعد
منحطه عن الاعتدال لم يضر، وإن عدت منحطه ضر.
انتهى.
ذكر في "شرح المهذب" كلامًا آخر مخالفًا لهذا فقال ما نصه: قال المحاملي وغيره: يغتفر على التقريب نقص خمس أرطال، ونقله الإمام عن العراقيين وأنكره عليهم وقال: المعتبر كذا، ثم ذكر ما تقدم والذي صححه أولًا لم يذكره هنا.
[قوله] 1: وحيث لا يجب الخراج فأخذه السلطان على أن يكون بدلًا عن العشر فهذا كأخذ القيمة في الزكاة بالاجتهاد.
وقد حكوا في سقوط الفرض به وجهين.... إلى آخره.
والأصح منهما السقوط، كذا جزم به الرافعي في أوائل الزكاة في الكلام على اجتماع الحقاق وبنات اللبون.
وذكر في باب الخلطة ما يقتضي تصحيحه، وصححه النووي هنا من "زياداته"، قال: ونص عليه الشافعي في "الأم" وقطع به جماهير الأصحاب.
قوله في آخر الكلام على رَقْم كلام الغزالي: بل حكى القاضي وابن كج فيما سوى الزيتون طريقة نافية للخلاف قاطعة بالوجوب: انتهى كلامه.
وهذه الطريقة أسقطها النووي من "الروضة" فاعلمه.
قوله: كما تفسر الحنطة فتجعل حواري.
انتهى.
هو بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وبالراء المفتوحة وهو الدقيق الأبيض من قولهم: حور كذا أي بيض.
قاله الجوهري.
قوله: وأما الأرز فتعبير بلوغه من العشرة عشرة أوسق، ثم قال ما نصه: وعن الشيخ أبي حامد أنه قد يخرج منه الثلث فيعتبر بلوغه قدرًا يكون
الخارج منه نصابًا.
انتهى لفظه.
وذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وهذه العبارة التي عبر بها [عن] 1 رأي الشيخ أبي حامد لا تحصل بها معرفة ما ذهب إليه لأنا لا نعلم هل المراد بالثلث الخارج هو القشر أو الحب.
وقد بينه البندنيجي في "تعليقته" والروياني في "البحر" وغيرهما، فقال: المراد أنه يخرج منه الثلث قشرًا والثلثان حبًا، فيكون نصابه سبعة أوسق ونصفًا.
وذكر الجرجاني في "الشافي" نحوه فإنه قال: نصابه ستة أوسق أو سبعة على العادة، وإلى ذلك أشار الرافعي بقوله: قدر.
قوله: وأما السلق فقال العراقيون وصاحب "التهذيب" هو حب يشبه الحنطة في اللون والنعومة، ويشبه الشعير في برودة الطبع.
وعكس الصيدلاني وآخرون، وفيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه أصل بنفسه.
وثانيها: حنطة.
وثالثها: شعير.
وقال المتولي: لا خلاف أنه لا يضم إلى الحنطة وإنما الخلاف في أنه أصل أم شعير.
انتهى ملخصًا.
وهذه الطريقة المحكية عن المتولي لم يذكرها في "الروضة"، وذكر فيها، وفي "شرح المهذب" وغيره أن الصواب الذي ذكره أهل اللغة وقطع به جماهير الأصحاب في صفتها هو مقالة العراقيين.
قوله: فأما إذا مات وعليه دين، وخلف نخلًا مثمرة فبدا الصلاح فيها
بعد موته، وقبل أن تباع في الدين وجبت فيها الزكاة في أصح القولين ثم إن كانوا موسرين أخذت الزكاة منهم وصرفت النخيل والثمار إلى دين الغرماء.
انتهى كلامه.
واعلم أنه إذا رهن مالًا زكويًا وحال عليه الحول وهو موسر فالجمهور على أن الزكاة لا تؤخذ من المرهون، بل من سائر أمواله لأنها مؤنة فأشبهت النفقة.
وقال أبو على الطبري وآخرون: تؤخذ من المرهون إذا علقناها بالعين، وهذا هو القياس، كما لا يجب على السيد فداء العبد المرهون إذا جنى هذا [كله] 1 كلام الرافعي في آخر الباب السابق.
فإذا علم ما في هذه المسألة من الاختلاف، وأن القياس كما قاله الرافعي عدم أخذها من الراهن فبطريق الأولى في مسألتنا؛ لأنه لا دين على الوارث بالكلية، فينبغى الجزم بأنها لا تؤخذ منه فكيف يجزم بعكسه.
قوله في المسألة: وإن كانوا معسرين أخذت الزكاة منها إن قلنا الزكاة تتعلق بالعين: وإن علقناها بالذمة، وقلنا: المال مرهون بها فطريقان:
أحدهما: تخريجها على الأقوال الثلاثة في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدميين.
ثم قال ما نصه:
والطريق الثاني وهو الأصح.
أن الزكاة تؤخذ بكل حال لأن حق الزكاة أقوى تعلقًا بالمال من حق المرتهن.
ألا ترى أن الزكاة تسقط بتلف المال بعد الوجوب وقبل إمكان الأداء، والدين لا يسقط بهلاك الرهن، ثم حق المرتهن مقدم على حق غيره فحق الزكاة أولى بأن يكون مقدمًا.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من القطع بتقديم الزكاة قد تقدم في آخر الباب السابق ما يخالفه، فإنه نقل عن الأكثرين في نظير المسألة وهو المرهون بدين عليه الجزم بتقديم حق المرهون، وقد تقدم ذكر لفظه فراجعه.
قوله: وإن أطلع الثاني بعد جذاذ الأول ففيه وجهان:
أحدهما -وهو الذي أورده ابن كج وأصحاب القفال وهو المذكور في "الوجيز": أنه لا يضم.
والذي قاله أصحاب الشيخ أبي حامد أنه يضم، وهو نص الشافعي.
فعلى الأول لو كان أطلاع الثاني قبل الجذاذ وبعد بدو الصلاح فوجهان: أصحهما في "التهذيب": لا ضم أيضًا.
وإذا قلنا بقول أصحاب القفال فهل يقام وقت الجذاذ مقام الجذاذ؟ وجهان:
أفقههما: يقام انتهى ملخصًا.
وحاصل كلامه أنه إذا أطلع المتأخر بعد بدو الصلاح المتقدم فثلاثة أوجه: ثالثها: إن كان قبل جذاذه ضم، وإلا فلا.
واختلف كلام الرافعي في الأصح منها، فصحح في "الشرح الصغير" أنه لا ضم مطلقًا فقال ما نصه:
أظهرهما: لا ضم مطلقًا.
والثاني: نعم.
والثالث: إن أطلع قبل جذاذه ضم إليه، وإلا فلا وصحح في "المحرر" أنه يضم مطلقًا فقال: وثمار العام الواحد يضم بعضها إلى بعض، وإن اختلف إدراكها.
وفي وجه إذا أطلع الثاني بعد جذاذ الأول لم يضم انتهى لفظه.
وصححه النووي في "المنهاج"، وقال في "شرح المهذب": إنه الصحيح.
وفي "زيادات الروضة": إنه الراجح.
وقد نص الشافعي -رحمه الله- على ذلك كله فقال: وإذا كان له حائطان من نخل ببلد أو ببلدين فأطلع أحدهما طلعًا فلم يُجذ حتى أطلع الآخر فهما كثمرة واحدة، وإذا بلغا خمسة أوسق زكيا.
وإن كان حدوث الثمرة الثانية بعد تناهي الثمرة الأولى وبلوغها الجذاذ لم يضمها.
انتهى.
كذا رأيته في كتاب "المسافر" لمنصور التميمي نقلًا عنه، وحاصله التفصيل بين الجذاذ وعدمه، وأن وقت الجذاذ كالجذاذ.
قوله: وإذا كانت للرجل نخيل تهامية وأخرى نجدية فاطلعت التهامية ثم أطلعت النجدية لذلك العام.
واقتضى الحال ضم ثمرة النجدية إلى ثمرة التهامية فضممناها إليها ثم أطلعت التهامية مرة أخرى فلا تضم ثمرة هذه إلى ثمرة النجدية.
وإن أطلعت قبل بدو الصلاح فيها لأن في ضمها إلى النجدية ضمًا إلى ثمرتها المرة الأولى، ولا سبيل إليه، لأن ثمرتها في المرة الثانية إما حمل ثان على تصوير أن تكون تلك التهاميات مما يحمل في كل سنة مرتين، وأما حمل سنة ثانية.
وعلى التقديرين فلا ضم على ما سبق، فهذا ما ذكره الأصحاب.
ثم قال الصيدلاني وإمام الحرمين: ولو لم تكن ثمرة النجدية مضمومة إلى حمل التهامية أولًا بأن أطلعت بعد جذاذ ذلك الحمل لكنا نضم حملها الثاني المطلع قبل جذاذ النجدية إليها، إذ لا يلزم هاهنا المجذوذ الذي ذكرناه.
وهذا قد لا يسلمه سائر الأصحاب لأنهم حكموا بضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض، وبأن ثمرة عام لا تضم إلى ثمرة عام آخر، ومعلوم أن
إدراك ثمار التهامية [في كل عام أسرع من إدراك ثمار النجدية فيكون إطلاع التهامية] 1 ثانيًا للعام المقبل، وما على النجدية من العام الأول.
انتهى كلامه.
وهذا البحث الذي ذكره الرافعي ممنوع، وذلك لأن فرض المسألة فيما إذا كانت التهامية تثمر في السنة مرتين، وحينئذ فلا يسلم أن حملها الثاني لعام قابل بالنسبة إلى النجدية، وإن كان بالنسبة إليها نفسها كالعام القابل، فالمحذور إنما هو ضم النجدية إلى الحملين جميعًا للمعنى الذي قلناه.
أما ضمها لأحدهما فلا بدليل ضمها إلى الحمل الأول.
فإذا امتنع ضمها إلى الأول لأجل الجذاذ لم يمتنع ضمها إلى الثاني لوجودها معه في العام.
قوله: والشئ قد يزرع في السنة مرارًا كالذرة تزرع في الخريف والربيع والصيف، ففي ضم بعضها إلى بعض عشرة أقوال: أرجحها عند الأكثرين: إن وقع الحصادان في سنة واحدة ضم وإلا فلا.
انتهى.
وما نقله عن ترجيح الأكثرين ذكر مثله أيضًا النووي في "الروضة" وكذلك في "شرح المهذب" وعبر بالأصح، وهو نقل باطل يتعجب منه من تصفح كلامهم، وتفصيل القول فيه يطول.
والحاصل أن القول المذكور لم أرَ من صححه بعد التتبع فضلًا عن عزوه إلى الأكثرين، بل رجح كثيرون اعتبار وقوع الزرعين في السنة منهم البندنيجي وابن الصباغ، وصحح في "البحر" اعتبار الحصادين، ولكن في فصل واحد لا في سنة واحدة.
قوله في "الروضة" في المسألة: والقول الرابع: إن وقع الزرعان والحصادان أو زرع الثاني وحصد الأول في سنة ضم.
انتهى.
واشتراطه لوقوع الزرعين والحصادين معًا غلط، بل الصواب التعبير
بأو، وقد عبر الرافعي بذلك، وأوضحه إيضاحًا بليغًا.
وقد وهم ابن الرفعة في "الكفاية" هنا وهمًا أفحش من هذا الوهم فراجعه من "الهداية".
قوله: ولو نبتت الذرة فالتفت وغطى بعضها بعضًا وبقى المغطي مخضرًا ثم أثرت الشمس في المخضر فأدرك بعد حصد الأعلى فطريقان:
أحدهما: القطع بالضم.
والثاني: يتخرج على الأقوال المعروفة في الذرة انتهى ملخصًا.
والأصح هي طريقة القطع، كذا صححه النووي في "شرح المهذب"، وفي أصل "الروضة" أيضًا، ويوجد أيضًا ذلك في بعض نسخ الرافعي.
قوله: والذرة الهندية تحصد سنابلها، ويبقى ساقها فتخرج سنابل أخرى، وفيها ثلاث طرق:
أحدها: القطع بضم الثاني إلى الأول، وهو الأصح عند صاحب "التهذيب".
والثاني: القطع بعدمه.
والثالث: على الخلاف في حصد الزرع.
انتهى ملخصًا.
والأصح ما صححه صاحب "التهذيب"، كذا صححه النووي في أصل الروضة، وفي "شرج المهذب" أيضًا، لكنه نقل فيه هذا التصحيح عن الرافعي لوجوده في "الروضة" ظانًا أنه لم يغير كلام الرافعي.
واعلم أن في بعض نسخ الرافعي التعبير "بالتهذيب" كما ذكرته هاهنا، وهو كذلك فيه أعني "التهذيب" وفي بعضها "التقريب" بالقاف.
الطرف الثاني: في الواجب
قوله: والعثري.... إلى آخر ما ذكر من الألفاظ وهي الغرب والسانية والمنجنون.
فأما العثري: فبعين مهملة وثاء مثلثة مفتوحتين بعدهما راء مهملة مكسورة ثم ياء مشددة، وتقال بإسكان الثاء، والصحيح المشهور الأول.
واختلف أهل اللغة في تفسيره على قولين حكاهما في "المحمل"، فالصحيح الذي ذهب إليه الأزهري وغيره أنه مخصوص بما سقى من ماء السيل فيجعل عاثور وهو شبه ساقية يحفر له تجري فيها الماء إلى أصوله، وسمى ذلك عاثورًا لأنه يتعثر بها [المار] 1 الذي لا يشعر بها.
والثاني وهو ما قاله الجوهري: أن العثري هو الذي لا يسقيه إلا ماء المطر.
وأما الغرب: فبغين معجمة مفتوحة وراء مهملة ساكنة وبالباء الموحدة هو الدلو العظيم.
وأما السانية: فبسين مهملة وبعد الألف نون ثم ياء بنقطتين من تحت وهي الناقة التي يستقى عليها ويقال: سنت الناقة، والسحابة تسنو إذا سقت الأرض والقوم يسنون لأنفسهم إذا استقوا، والأرض مسنوة ومسنية.
وأما المنجنون فهو الدولاب الذي يستسقي عليه، ويقال فيه المنجنين، قاله جميعه الجوهري.
قوله: وإن اختلفت أنواعه كما إذا ملك من التمر البردي والكبيس وهما
نوعان جيدان والجعرور ومصران الفأرة وعذق بن حبيق وهي أنواع رديئة انتهى.
أما البردي فبضم الباء الموحدة وسكون الراء وكسر الدال المهملة وتشديد الياء في آخره.
قال الجوهري بعد ضبطه: هو ضرب من أجود التمر والكبيس بفتح الكاف وكسر الباء الموحدة وبعدها ياء بنقطتين من تحت ثم سين مهملة.
والجعرور: بجيم مضمومة ثم عين ساكنة وراءين مهملتين.
قاله في "تهذيب الأسماء واللغات".
ومصران الفأرة: هو بضم الميم شبهوه بأمعاء الفأرة لحساسيته ورقته.
قال الجوهري: المصر: المعاء والجمع المصران مثل رغيف ورغفان، والمصارين جمع الجمع.
ومصران الفأرة ضرب رديء من التمر.
هذا كلام الجوهري.
وأما عذق الحبيق فالعذق بعين مهملة مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنة بعدها قاف.
قال الجوهري: هو النخلة بحملها.
وأما بكسر العين فهو العنقود.
وقال في "المحكم": أنه بالفتح يطلق على النخلة وعلى كل غصن له شعت.
وأما حبيق فمصغر وهو بحاء مهملة ثم باء موحدة وفي آخره قاف.
قال الجوهري: عذق الحبيق: ضرب من التمر رديء.
قوله: فإن كثرت الأنواع، وقل مقدار كل نوع فحكى عن صاحب "الإفصاح" فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: يؤخذ من الوسط.
والثاني: من كل نوع بالقسط.
والثالث: من الغالب.
وروى ابن كج في المسألة طريقين:
إحداهما: القطع بأخذ الوسط.
والثانية: أن فيها قولين.
أحدهما: الوسط.
والثاني: الغالب.
انتهى.
وحاصله أن في المسألة ثلاثة طرق، ولم يبين الأصح منها، وقد اختلف فيه كلام النووي فصحح في "شرح المهذب" الطريقة القاطعة فقال ما نصه: أصح الطريقين: القطع بأنه يؤخذ الوسط، وبهذا قطع صاحب "المهذب" والجمهور، وهو المنصوص في "المختصر"، ونقل الإمام اتفاق الأصحاب عليه.
والطريقة الثانية فيها ثلاثة أوجه.
انتهى.
وصحح في "الروضة" طريقة الأوجه فقال ما نصه فيه أوجه: الصحيح أنه يخرج من الوسط رعاية للجانبين.
والثاني: يؤخذ من كل نوع بقسطه.
والثالث: يؤخذ من الغالب.
وقيل: يؤخذ الوسط قطعًا.
انتهى.
والحاصل أن كلام "الروضة" عليه ثلاث اعتراضات:
أحدها: مناقضته لما في "شرح المهذب".
والثاني: إسقاط الطريقة الثالثة، وهي طريقة القولين.
والثالث: ترجيحه لأحد الطرق، فإن الرافعي لم يرجح واحد منها.
الطرف الثالث: فى وقت الوجوب
قوله: ولأن المقاسمة بيع على الصحيح.... إلى آخره.
هذه المسألة قد اختلف فيها كلامه وكلام النووي، وسأذكر ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه مبسوطًا.
قوله: ولو باع النخيل من مسلم قبل بدو الصلاح فبدا الصلاح في [ملك] 1 المشتري ثم وجد بها عيبًا، فليس له الرد إلا برضى البائع، لأنه تعلق بها حق الزكاة، وكان كعيب حدث في يده.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: (قبل بدو الصلاح) قد تكرر منه في هذا الفصل، وتبعه عليه في "الروضة"، وهو غير مستقيم.
والصواب قبل التأبير، وذلك لأنه يتكلم فيما إذا وجبت الزكاة في الثمرة بعد انتقالها إلى [ملك] 2 المشترى، وإنما ينتقل أن لو كان البيع قبل التأبير، وليس دائرًا مع بدو الصلاح وعدمه، وتصور المسألة ببيع الثمار مع الأشجار.
واعلم أن الفقراء يصيرون شركاء رب المال بسبب الزكاة.
وحينئذ فيكون بعض المبيع في مثالنا حالة الرد خارجًا عن ملك المشترى، وليس كالعيب.
وحينئذ يجر ذلك أمورًا: منها: أنه لا يأخذ جميع الثمن، فإنه إذا أدى الزكاة يعود الملك لمن.
قوله: فلو أخذ الساعي الرطب لم يقع الموقع ووجب رده إن كان باقيًا،
فإن كان تالفًا فوجهان، الذي نص عليه وقاله الأكثرون أنه يرد القيمة.... إلى آخره.
وهذه المسألة أعنى الرطب والعنب مثليان أم لا؟ قد اختلف فيها كلامه، وكلام النووي أيضًا وستقف عليه -إن شاء الله تعالى- مبسوطًا في باب الغصب.
قوله: والصحيح المشهور إدخال جميع النخيل في الخرص ثم قال: وعن صاحب "التقريب" أن للشافعي قولًا في القديم أنه يترك للمالك نخلة [أو نخلات] 1 يأكل منها أهله، ويختلف ذلك باختلاف العيال.
انتهى.
وهذا القول الذي نقله عن القديم نقل المستغرب له قد نص عليه الشافعي في الجديد، ولم يحك في "البويطى" غيره فقال فيه ما نصه: ويترك لرب الحائط قدر ما يأكل هو وأهله لا يخرص عليه.
هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلته.
قوله: وهل تعتبر الذكورة والحرية أى في الخرص قال في "العدة": إن اكتفينا بواحد فيعتبران، وإن قلنا: لابد من اثنين جاز أن يكون أحدهما عبدًا أو امرأة.
وعن الشاشي حكاية وجهين في اعتبار الذكورة مطلقًا.
ولك أن تقول: إذا اكتفينا بواحد فسبيله سبيل الحكم، فتشترط الحرية والذكورة؛ وإن اعتبرنا اثنين فسبيله سبيل الشهادات، فينبغي اشتراط الحرية، وأن تشترط أيضًا الذكورة في أحدهما، وتقام امرأتان مقام [الآخر] 2. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من إلحاقه بالحكم علي تقدير الاكتفاء بالواحد مردود، فإن قائل ذلك قد يلحقه بالأخبار، بل هو الظاهر، وكيف يكون الخرص حكمًا مع أنه لا يترتب عليه إلزام إلا إذا وقع تضمين بإيجاب وقبول، ولأنه لو ادعى الغلط في شئ ممكن صدقناه فيه.
الأمر الثاني: أن الصحيح في هذه المسألة هو اشتراط الذكورة والحرية، فقد قال الرافعي في "المحرر": إنه أظهر الوجهين.
والنووي في كتبه: إنه الأصح.
قوله: وهل الخرص عبرة أو تضمين؟ قولان:
أصحهما: تضمين، أي ينقطع به حق المساكين من عين الثمرة، وينتقل إلى ذمة المالك.
والثاني: عبرة، ومعناه أنه مجرد اعتبار [للقدر] 1، ولا ينتقل الحق إلى الذمة.
وفائدته على هذا جواز التصرف، وأخذ الزكاة منه على حساب الخرص، ولولا الخرص لكان القول قوله.
وإذا جعلناه تضمينًا فلابد من تصريح الساعي، وقبول المالك، فإن لم يوجد أبقى حق الفقراء كما كان وقيل: لا بل نفس الخرص تضمين.
وقيل: يشترط الإيجاب دون القبول.
ثم قال ما نصه: وهل يقوم وقت الخرص مقام الخرص؟ ذكروا فيه وجهين:
وجه قولنا: نعم، إن العشر لا يجب [إلا ثمرًا] 2، والخرص يظهر
المقدار لا أنه يلزم بنفسه شيئًا، وينبغي أن يرتب هذا على ما سبق إن قلنا: لابد من التصريح بالتضمن لم يقم وقت الخرص مقامه وإن اغتنيا عنه فحينئذ يأتي فيه الخلاف.
انتهى كلامه.
وما ذكره في أن وقت الخرص هل يقوم مقام الخرص.... إلى آخره قد تابعه عليه [أيضًا] 1 في "الروضة"، وهو كلام عجيب نشأ عن الذهول عن حقيقة المسألة، وإيضاح ذلك متوقف على مسألة يأتي بسطها عقب هذه المسألة وخلاصتها أن المالك إذا أتلف الثمرة بعد الخرص فإن قلنا: الخرص تضمين ضمن عشر الثمرة، وإن قلنا عبرة فهل يضمن عشر الرطب أو قيمة عشره؟ وجهان مبنيان على أن الرطب مثلي أو متقوم وهو الصحيح، وإن أتلفها قبل الخرص وجب ضمان الرطب، إن قلنا: لو جرى الخرص لكان عبرة، وان قلنا: إنه تضمين، فكذلك.
وقيل: يضمن التمر، وهذا الخلاف الأخير هو المعبر عنه بأن وقت الخرص هل هو كالخرص؟
ومعناه أن وقت الخرص هل يتنزل عند إيجاب الضمان منزلة الخرص في أن الواجب التمر، أو الرطب وفيه وجهان، ومدركهما ما سبق في كلام الرافعي وهذا الذي قررته هو الذي ذكره ابن الرفعة أيضًا، ونقله عن الغزالي فتوهم الرافعي أنهما مسألتان فذكرهما مرتين في موضعين متقاربين لاسيما، والموضع الذي ذكرها فيه هاهنا لا تعلق لها به بالكلية، وكيف يتوهم أن وقت الخرص كالخرص حتى يجب في ذمته الثمر، وحتى يباح له التصرف بما شاء، وحتى يطالب بمقدار معين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يعقل القول بها ولا يستقيم أيضًا معه ما ذكره الرافعي بعد ذلك بحثًا في بيان محل الخلاف وقد وقع النووي أيضًا في هذا الموضع العجيب، إلا أنه صحح من زوائده أن وقت الخرص لا يقوم مقامه فوافق الصواب في نفس
الأمر من غير وقوف على حقيقة ذلك، وكأنه استبعد ما رآه واستنكره فذكر ما ذكر، وقد اتضحت المسألة ولله الحمد.
قوله في "أصل الروضة": وإن أتلف المالك الثمرة أو أكلها بعد بدو الصلاح فيضمن ثم له حالان:
أحدهما: أن يكون ذلك بعد الخرص.
فإن قلنا: إن الخرص تضمين وهو الصحيح ضمن عشر التمر: لأنه قد ثبت في ذمته.
وإن قلنا: إنه عبره فهل يضمن عشر الرطب أو قيمة عشره؟ فيه وجهان مبنيان على أنه مثلى أم لا والصحيح الذي قطع به الأكثرون عشر القيمة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما أجاب به هاهنا من كون الرطب متقومًا قد اختلف فيه كلامه، وكذلك كلام الرافعي أيضًا، وسنوضحه في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى فراجعه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في ضمان الرطب متدافع لأنه عبر أولًا بقوله: قيمة العشر، وآخرًا بقوله: عشر القيمة، وهما متغايران كما تقدم إيضاحه في زكاة الخلطة فراجعه، فقد سلم الرافعي من هذا الاعتراض، فإنه عبر في الأول بقيمة العشر كما عبر في "الروضة"، وعبر ثانيًا بقوله: والذي أجاب به الأكثرون إيجاب القيمة، وهو تعبير صحيح، فإنه [قد] 1 دل علي أنه لا تجب الرطب بل القيمة، وتلك القيمة المعهودة قد تقدم تفسيرها، وهو قيمة عشره لا عشر قيمته، فغلط النووي فعبر بما ذكره.
نعم المتجه هاهنا إنما هو عشر القيمة على خلاف ما يقوله الرافعي لأن
مؤنة التسليم تجب على المزكى، وفي "شرح المختصر" للصيدلاني، وهو الذي يعبر عنه ابن الرفعة بالداوودي تارة، وبابن داوود أخرى أن الواجب فيما يجف إنما هو التمر سواء جعلنا الخرص عبرة أو تضمينًا.
قال: لأنه لو لم يتلفه لكان يخرج ذلك، قال: فإن كان لا يجف أخرج قيمة عشره رطبًا على قاعدة المتقومات.
وقال صاحب "التقريب": يضمن العشر بمثله رطبًا؛ لأن له إبداله بمثله من جنسه مع بقاء العين كما لو أتلف الغنم فإنه تلزمه شاة لا قيمتها، والذي نقله عنه متجه حسن.
قوله: قال في "التهذيب": ولا يجوز للمالك قبل الخرص أن يتصرف بأكل أو غيره، فإن لم يبعث الحاكم خارصًا أو لم يكن حاكم تحاكم إلى عدلين يخرصان عليه.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن "التهذيب" خاصة وتبعه عليه في "الروضة" قد جزم به الرافعي في "الشرح الصغير" أيضًا، وإطلاقه باطل، فقد سبق في آخر الباب قبله إنه إذا باع الكل أو البعض شائعًا صح فيما عدا نصيب الفقراء، فينبغي حمل ما وقع هنا على التصرف في شئ معين.
قوله: وإذا ادعى هلاك الثمرة المخروصة عليه وأسند الهلاك إلى سبب ظاهر كالبرد.
فإن عرف وقوع ذلك السبب، وعموم أثره صدق بلا يمين، فإن اتهم في هلاك ثماره به حلف وإن لم يعرف وقوعه فالصحيح أنه يطالب بالبينة لإمكانها، ثم يقبل قوله بيمينه في الهلاك به.
والثاني: لا يطالب بها، بل يكفي اليمين، ورأيت في كلام الشيخ أبي محمد أنه لا حاجة إلى اليمين أيضًا إذا كان ثقة.
انتهى.
فيه [أمور:
أحدها] 1: أنه أهمل هاهنا قسمًا ثالثًا، وهو ما إذا عرف وقوعه، ولم يعرف عمومه، وقد ذكره في أواخر الوديعة وقال: إنه يصدق بيمينه إلا أنه هناك لم يذكر ما إذا اتهم فيحتمل أن يكون المراد من الكلامين شيئًا واحدًا علي نوع من [التجوز] 2.
الثاني: أن النووي قد نقل عن "التتمة" من غير مخالفة له من "زوائده" قبيل باب معاملات العبيد في التفريع على أن الجوائح من ضمان البائع أنهما إذا اختلفا في الهلاك بجائحة، فإن عرف وقوعها وعمومها فالقول قول المشتري بلا يمين والذي نقله هناك واضح، والا فكيف يستقيم التحليف للتهمة مع فرض العموم، فينبغي حمل المذكور هنا على خلاف حقيقته، وأن المراد بالعموم هو الكثرة لا كل نخلة من كل بستان.
الثالث: أن ما نقله الرافعي في آخر كلامه عن الشيخ أبي محمد ظاهر في أنه تقييد للمسألة لا حكاية وجه آخر، لكن جزم به في "الروضة" بأنه حكاية لوجه فاعلمه.
قوله: أما إذا اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرض لسبب فالمفهوم من كلام الأصحاب قبوله مع اليمين.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يشعر بأنه لم يقف في ذلك على نقل صريح.
وقد جزم المصنف في [آخر] 3 الوديعة بهذا الحكم.
قوله: واعلم أن من آحادَّ النظر في قول العبرة والتضمين، وتأمل ما قيل فيهما توجيهًا وتفسيرًا ظهر له أنهما مبنيان على تعلق الزكاة بالعين.
فأما إذا علقناها بالذمة فكيف نقول بالخرص لا يتعلق حقهم بالعين، ويتعلق بالذمة، وكان قبله كذلك.
انتهى.
ومراد الرافعي بتعلق الزكاة بالذمة هو القول القائل بأن النصاب خالٍ عن التعلق بالكلية ومراده بتعلقها بالعين هو القائل بالشركة والرهن والجناية، فإن كلًا منها متعلق بالعين فاعلم ذلك وليس مراده بتعلق العين هو الشركة فقط، وإن كان هو المتبادر إلى الفهم من كلامه، فإن الخرص يفيد أيضًا انقطاع الحق عن العين على قول الرهن والجناية على اختلاف فيه مذكور في موضعه.
وحينئذ فكان لا يستقيم للرافعي ما يحاوله.
قوله: ولو ادعى المالك بعد الكيل أن الخارص غلط عليه بقدر يحتمل الغلط في مثله كخمسة أوسق في مائة قبل.
انتهى.
ونقصان عشر الثمرة وسدسها مما يحتمل أيضًا.
كذا ذكره البندنيجي في "تعليقته" فاعلم ذلك وتفطن له.
قوله: هذا إذا كان المدعي فوق ما يقع بين الكيلين كما مثلناه؛ فإن كان بمقدار ما يقع بينهما فهل يحط عنه؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من تصحيح الحط قد رأيته كذلك في عدة من النسخ الصحيحة وصححه أيضًا في "المحرر" و"الشرح الصغير"، والنووي في "المنهاج".
وحكى في "الروضة" [الوجهين] 1 من غير ترجيح ثم قال من زياداته: الأقوى أنه يحط.
وصحح الإمام عكسه.
انتهى.
والذي صححه الرافعي وقواه النووي قد صححه أيضًا الماوردي والروياني وغيرهما.
قوله: وإذا أصاب النخيل عطش لو تركت الثمار عليها إلى الجذاذ لأضر بها جاز قطع ما يندفع به الضرر، وهل يستقل به المالك أم لابد من
استئذان الإمام؟ فيه خلاف.
انتهى ملخصًا.
والأصح عدم الوجوب، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وصحح النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبه وجوب الاستئذان، قال: وبه قطع العراقيون.
قوله من زوائده: وإذا خرص عليه فتلف بعضه تلفًا يسقط الزكاة، وأكل بعضه وبقي بعضه، وقال المالك.
لا أعرف قدر ما أكلته ولا ما تلف.
قال الدارمي: قلنا له: إن ذكرت قدرًا ألزمناك ما أقررت به، فإن اتهمناك حلفناك وإن ذكرت محملًا أخذنا الزكاة بخرصنا.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن الدارمي قد نص الشافعي عليه في "الأم"، ونقله عنه في "البحر".
قال -رحمه الله-: النوع الثالث:
زكاة النقدين
قوله: ولو أخرج عن مائتي درهم خالصة خمسة دراهم مغشوشة لم يجز، وهل له الاسترجاع؟ حكوا عن ابن [سريج] 1 فيما فرع على "الجامع الكبير" لمحمد قولين:
أحدهما: لا، كما لو أعتق رقبة معينة.
وأصحهما: نعم، كما لو عجل الزكاة فتلف ماله.
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على عدم الإجزاء، وذكر الرافعي في "الشرح الصغير" مثله أيضًا وهو مشكل بل ينبغي الاعتداد بالخالص منه.
قوله: الدراهم المغشوشة إن كانت معلومة العيار صحت المعاملة على عينها الحاضرة، وفي الذمة.
وإن كان مقدار النقرة مجهولًا ففي جواز المعاملة على عينها وجهان: أصحهما: الجواز.
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على ذلك، وهو يقتضي أن المعاملة عليها في الذمة لا تجوز، وأنه إنما يجوز على العين خاصة، وهو وجه حكاه النووي في كتاب البيوع من "شرح المهذب"، وصحح جواز التعامل بها، ولم يقيده بالعين وهو الصواب.
قوله: ولو كان عنده إناء وزنه ألف: ستمائة من نوع، وأربع مائة من نوع وأشكل عليه الأكثر، فإن احتاط وأخرج ستمائة من كل منهما فواضح، وإلا فيميز بالنار أو يمتحن بالماء.
انتهى.
ولا يشترط في التمييز بالنار سبك الجميع كما يوهمه كلامه، بل يكفي تمييز شئ يسير، ويقاس به [الباقي] 2 كما قاله الإمام، ونقله عنه في
"الكفاية".
قوله: وكيفية الامتحان بالماء أن يوضع قدر المخلوط من الذهب الخالص في ماء ويعلم علي موضع الارتفاع ثم يخرج ويوضع مثله من الفضة الخالصة، ويعلم أيضًا على موضع ارتفاعه، وهذه العلامة تقع فوق الأولى لأن أجزاء الذهب أكثر اكتنازًا ثم يوضع فيه المخلوط، وينظر إلى ارتفاع الماء به أهو إلى علامة الفضة أقرب أم إلى علامة الذهب.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الحال لا يفترق بلا شك بين وضع المختلط أولًا أو آخرًا.
الثاني: أن لنا طريقًا آخر هو أسهل من هذه وأضبط منها أن يوضع في الماء ستمائة ذهبًا وأربعمائة فضة، ويعلم ارتفاعه، ثم نعكس ونعلم أيضًا عليه، ثم يوضع المشتبه، ويلحق بالذي وصل إليه.
ونقل في "الكفاية" طريقًا آخر عن الإمام وغيره يأتي أيضًا مع الجهل بمقدار كل نوع، وهي أن يطرح المختلط وهو ألف مثلًا في [ماء] 1 ويعلم علي موضع ارتفاع الماء، ثم يرفعه ويطرح من خالص الذهب في ذلك شيئًا بعد شئ حتى يرتفع الماء إلى تلك العلامة، ثم يرفعه ويعين وزنه.
فإذا كان ألفًا ومائتين مثلًا وضعنا في الماء من الفضة الخالصة شيئًا بعد شئ حتى يرتفع الماء إلى تلك العلامة ثم يرفعها ويعتبر أيضًا وزنها فإذا كانت ثمان مائة مثلًا علمنا أن نصف المختلط ذهب ونصفه فضة، وقس على [هذا التشبيه] 2.
الثالث: أن الطريقة التي ذكرها المصنف تأتي أيضًا عند مطلق الاختلاط مع الجهل بالوزن بالكلية فإنك إذا وضعت المختلط المذكور تكون علامته بين
علامتي الخالص، فينظر ما بينهما، فإن كان بين علامة الذهب وعلامة المختلط قدر شعيرة مثلًا، وكذلك بين علامة الفضة والمختلط علمنا أن نصف المختلط ذهب ونصفه فضة.
وإن كان بين علامة الذهب والمختلط قدر شعيرتين وبين علامة المختلط والفضة قدر شعيرة علمنا أن ثلثيه فضة، وثلثه ذهب ولو كان بالعكس علمنا أن ثلثيه ذهب وثلثه فضه، وهكذا ينظر في النسبية دائمًا ويرتب الحكم عليها.
قوله: فإن تعذر الامتحان وعَسر التمييز وجب الاحتياط، وعُسر التمييز بأن يفقد آلات السبك أو يحتاج فيه إلى زمان صالح، فإن الزكاة واجبة على الفور فلا يجوز تأخيرها مع وجود المستحقين، ذكر ذلك في "النهاية" ولا يبعد أن يجعل السبك أو ما في معناه من شروط الإمكان.
انتهى كلامه.
وهذا كله حذفه النووي من "الروضة" وهو غريب جدًا.
قوله في المسألة: ولو غلب على ظنه أن الأكثر الذهب أو الفضة فهل له العمل بمقتضاه؟
قال الشيخ أبو حامد ومن تابعه: إن كان يخرج بنفسه فله ذلك، وإن كان يسلم إلى الساعى فالساعي لا يعمل بظنه.
وقال الإمام: الذي قطع به أئمتنا أنه لا يجوز اعتماد الظن فيه.
انتهى.
لم يصحح في "الروضة" ولا في "شرح المهذب" شيئًا منهما أيضًا، والصحيح هو ما نقله الإمام كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير".
قوله أيضًا فيها: قال الإمام: ويحتمل أن يجوز له الأخذ بما شاء من النقدين لأن اشتغال ذمته بعد ذلك غير معلوم، وجعل الغزالي في "الوسيط" هذا الاحتمال وجهًا.
انتهى.
والذي نقله عن الغزالي من جعله ذلك وجهًا قد فعله هو في "الشرح
الصغير" فصرح أيضًا بأنه وجه.
قوله: إحداها: لو اتخذ حليًا مباحًا، ولم يقصد الكنز ولا الاستعمال ففي وجوب الزكاة وجهان قال في "العدة": فظاهر المذهب أنها لا تجب.
انتهى.
لم يصرح بتصحيح في "المحرر" أيضًا، بل عبر بقوله: رجح على البناء للمفعول مشيرًا إلى كلام صاحب "العدة"، والذي قاله في "العدة هو الصحيح، فقد صححه الماوردي، وكذلك الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين.
والنووي في أصل "الروضة" و"المنهاج" وغيرهما، وعبر بالأصح، ونقله في "شرح المهذب" عن تصحيح الرافعي، وقد أعلمتك سبب ذلك فيما تقدم، وهو نقله عن "الروضة" ظنًا أنه لم يغير عبارة الرافعي.
وقال الإمام: الجاري على القواعد هو الوجوب.
قوله: وإذا انكسر الحلي وقصد جعله كنزًا وجبت الزكاة، وإن قصد إصلاحه فلا يجب على أصح الوجهين وإن لم يقصد شيئًا ففيه خلاف، منهم من يجعله وجهين مرتبين على هذين الوجهين، وأولى بالوجوب، ومنهم من يجعله قولين:
أحدهما: أنه تجب الزكاة لأنه غير مستعمل في الحال ولا معد له.
وأظهرهما: المنع؛ لأن الظاهر استمراره على ما سبق من قصد الاستعمال، ثم قال بعده: وإذا جمعت بين الصورتين قلت: في المسألة ثلاثة أوجه كما ذكر في "الكتاب"، ثالثها -وهو الأظهر- الفرق بين أن يقصد الاصلاح وبين أن لا يقصد شيئًا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد صحح أن الخلاف
وجهان، والصواب أنهما قولان كما ستعرفه إلا أن كلًا منهما قد قال به قائل، ولم يصحح في الروضة، ولا في "شرح المهذب" أيضًا شيئًا من ذلك.
الأمر الثاني: أن كلام الرافعي هنا كلام عجيب أوله يخالف آخره، فإن حاصل ما قاله أولًا أن الأصح منع وجوب الزكاة، وحاصل ما قاله آخرًا: التفصيل بين أن يقصد الاصلاح أو لا [يقصد] 1 شيئًا.
والغريب أنه عبر بلفظ الأظهر في الموضعين، وقد تفطن الرافعي لذلك حالة تصنيف "الشرح الصغير" فاقتصر فيه على الأخير.
وكذلك النووي في "الروضة" فاقتضى ذلك أنه المعمول به، والصواب هو الأول، وهو عدم الوجوب على خلاف ما في "الروضة" والشرح المذكور، فقد قال الماوردي في "الحاوي": إنه المنصوص.
وقال في "البيان": إنه الجديد، ومقابله القديم.
وقال البندنيجي: إنه مقتضى نصه في ["الأم"] 2.
قوله: وقد روى أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب.... إلى آخره.
أما عرفجة فبعين مهملة، ثم راء ساكنة، وفاء وجيم، العرفج شجر ينبت في السهل، الواحدة عرفجة، وبه سمى الرجل قاله الجوهري.
وأما الكلاب فبضم الكاف وفتح اللام المخففة وبالباء الموحدة، وهو اسم ماء كانت فيه وقعتان مشهورتان، قال الشاعر:
إن الكلاب ماؤنا فخلوه.
قاله الجوهري.
قوله: والرانين.... إلى آخره.
هذه الألفاظ وهي قبيعة السيف والتعاويذ وسكاكين المهنة.
فأما الران فهو بالراء المهملة وبالنون، وهو خف يلبس الساق ليس له قدم، بل يكون ما بين الركبة والكعبين، يلبسه المسافرون المشاة، ومن في معناهم ممن يكثر التردد لأن فيه تقوية للعصب.
وأما قبيعة السيف فالبقاف والباء الوحدة وهو ما على طرف مقبضه من فضة أو حديد.
وأما التعاويذ فجمع تعويذ بالتاء بنقطتين من فوق والعين المهملة والذال المعجمة وهي الحروز التي تعلق على الصبيان وغيرهم للاستعاذة بالله من كل ما يؤذي، والشاعر المعروف بالتعاويذي منسوب لذلك.
وأما المهنة فهي الخدمة، وهي بفتح الميم، وقد تقدم الكلام عليها في التيمم.
قوله: وكل حلي حرمناه على الرجال حرمناه علي الخنثى على المذهب، وعليه زكاته على المذهب كغيره من المحرمات، وقيل: في وجوبها القولان في الحلى المباح لأنا إنما حرمناه [للاحتياط] 1، وأشار في "التتمة" إلى الجواز لأنه كان جائزًا له في الصغر.
انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة"، وهو يشعر بالجواز فيما أبحناه للرجال كتحلية آلات الحرب، مع أنه حرام أيضًا كما نص عليه أبو الفتوح وغيره احتياطًا أيضًا.
وقد جزم في "شرح المهذب" بالتسوية بين الأمرين.
قوله: وفي تحلية السرج واللجام والنقر وجهان:
أصحهما: المنع.... إلى آخره.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الخلاف، ومحله في المقاتل، أما
غيره فلا يجوز له ذلك بلا خلاف، كذا قاله في "البحر"، وعبر بقوله: حرام بلا إشكال.
ويستثنى أيضًا البغلة والحمار فلا يجوز ذلك فيهما أيضًا بلا خلاف كما قاله في "الذخائر" لأنهما لا يصلحان للحرب.
قوله: ويحرم على النساء تحلية آلات الحرب لأن في استعمالهن لها تشبيهًا بالرجال، هكذا ذكره الجمهور، واعترض عليه صاحب ["العدة"] 1 بأن كونه من ملابس الرجال لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي الكراهة، ألا ترى أنه قال في "الأم": ولا أكره لبس اللؤلؤ إلا للأدب ولأنه من زى النساء لا للتحريم، فلم يحرم زى النساء على الرجال، وإنما كرهه فكذلك حكم العكس.
انتهى.
اعترض النووي على هذا فقال: الصواب أنه تشبه الرجال بالنساء وعكسه حرام للحديث الصحيح: "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" 2 وقد صرح الرافعي بتحريمه بعد هذا بأسطر، وأما نصه في "الأم" فليس مخالفًا لهذا لأن مراده أنه من جنس زي [الرجال] 3 انتهى كلامه.
فأما تصويب التحريم فواضح، وأما دعواه أن الرافعي صرح بتحريمه بعد هذا بأسطر، فأشار به إلى الكلام الآتي في التاج، فإن الرافعي ذكر فيه أن التشبه حرام كما ستعرفه، لكن الرافعي نقله أيضًا هناك عن الأصحاب كما نقله هنا عنهم، فالاعتراض الذي أورده عليهم [هناك وارد عليهم] 4 هنا، وإنما لم يذكره ثانيًا لقرب ذكره له، وحينئذ فلا اختلاف
في كلامه.
قوله: وأما التاج فقد ذكروا أنه جرت عادة النساء بلبسه كان مباحًا، وإلا فهو مما يلبسه عظماء الفرس فيحرم، وكأن هذا إشارة إلى اختلاف الحكم بحسب اختلاف النواحي، فحيث جرت عادة النساء بلبسه جاز لبسه، وحيث لم تجر لا يجوز تحرزًا عن التشبه بالرجال.
انتهى.
تابعه النووي عليه في "الروضة" وكذلك في "شرح المهذب" هنا فقال ما نصه: وأما التاج فقال صاحب "الحاوي" والأصحاب: حيث جرت عادة النساء بلبسه جاز لبسه، وإلا فحرام؛ لأنه لباس عظماء الفرس.
قال الرافعي: وكان معنى هذا أن يختلف بعادة أهل النواحي، فحيث جرت عادة النساء بلبسه جاز وإلا فلا يجوز تحرزًا عن التشبيه.
انتهى كلام النووي.
ثم خالف ذلك في الشرح المذكور أيضًا فقال في باب ما يجوز لبسه: الصواب في التاج الجواز مطلقًا من غير ترديد لعموم الحديث، ولدخوله في اسم الحلى، هذا كلامه.
قوله في "أصل الروضة": وفي الدراهم والدنانير التي تثقب وتجعل في القلادة وجهان: أصحهما: التحريم.
انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله من التحريم غلط، بل يجوز للنساء لبس ذلك، ولا تحريم فيه بلا خلاف، بل ولا كراهة فيه أيضًا فاعلمه.
ولنوضحه فنقول وبالله التوفيق: هذه المسألة قد صرح الروياني في "البحر" هنا بها، وجزم بأنه لا يحرم لبس ذلك، وبأنه لا يكره أيضًا فقال ما نصه:
فرع: الدنانير بالعري إذا طرحنها في القلادة فلبسنها لا يكره.
هذا
لفظه، ثم فرع على ذلك بعده بدون ورقتين فرعًا حسنًا.
حكى فيه وجهين، وهي أنها هل تلتحق بسبب ذلك بالحلي المباح المسقط للزكاة، لكونه قد أعد للزينة أو لا تلتحق به لأن صورة النقدية باقية فقال ما نصه:
فرع: الدراهم والدنانير المثقوبة التي يجعلها في القلادة هل هي من جملة الحلي المباح الذي لا زكاة فيه في أحد القولين اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: هي من جملته، ومنهم من قال: لا تكون من جملته لأنها لم تخرج بالصنعة عن النقدية وهذا أشبه انتهى كلام الروياني وهو واضح حسن.
ثم إن الرافعي نقل عنه هذه المسألة نقلًا يوهم التحريم من جهة العبارة، ومن جهة السياق فقال: فيما يحل للمرأة وما يحرم ما نصه: وفي الدراهم والدنانير التي تثقب وتجعل في القلادة وجهان حكاهما القاضي الروياني: أظهرهما: المنع لأنها لم تخرج بالصوغ عن النقدية.
هذا لفظه.
فأراد بالمنع منع التحاقها بالحلي المباح المسقط للزكاة ويدل عليه التعليل المذكور لأن هيئة النقدية مناسبة لإيجاب الزكاة لا للتحريم، فتوهم النووي أن المراد بالمنع منع اللبس، فصرح به فقال: أصحهما: التحريم، وهو غلط صريح، ولعمري إنه لمعذور، فإن الواقف على كلام الرافعي ممن لا اطلاع له على أصوله لا يفهم منه غير ذلك، غير أنه كيف استقام له هذا الحكم مع التعليل المذكور، وقد تنبه في "شرح المهذب" إلى الصواب في هذه المسألة فقال في باب ما يجوز لبسه: صحح الرافعي أن ذلك لا يجوز، وليس الأمر كما قال، بل الأصح جوازه.
هذا كلامه.
فأما ما قاله من الجواز فهو الصواب غير أنه ليس كما زعمه من ثبوت الخلاف.
وأما إعزاءه التحريم إلى الرافعي فغلط حصل من فهمه، وقد عزاه إليه أيضًا في هذا الباب من "شرح المهذب" أيضًا، ولم ينقله عن غيره لأنه لم يظفر لأحد بذلك، غير أنه سكت عليه، ولم يستدركه في هذا الباب كما استدركه قبل ذلك [لعدم] 1 إمعانه في المسألة.
والحاصل أنه علم الصواب في المسألة من حيث الجملة، وهو يدل على علو قدره، وإن كان لم يدر من الذي وقع في الخطأ، ولا سبب وقوعه.
قوله: وكل حلى أبيح للنساء فذلك إذا لم يكن فيه سرف، فإن كان فوجهان، الذي ذكره معظم العراقيين هو المنع.... إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح منهما هو التحريم، كذا صححه في "المحرر"، والنووي في "أصل الروضة" وغيرها من كتبه.
الثاني: أن الرافعي في "المحرر" قيد التحريم بالمبالغة في السرف، ولم يكتف بالسرف، وتبعه عليه النووي في "المنهاج".
قوله: ولو اتخذ الرجل خواتم كثيرة أو المرأة خلاخل كثيرة لتلبس الواحد منها بعد الواحد جاز وقيل: فيه وجهان.
انتهى.
وتعبيره يشعر بأنه لا يجوز لبس الجميع جملة.
قال المحب الطبري في "شرح التنبيه": والمتجه أنه لا يجوز للرجل لبس الخاتمين سواء كانا في يدين أم في يد واحدة، لأن الرخصة لم ترد بذلك، قال: ولم أقف [فيه] 2 على نقل.
قلت: وقد صرح الدارمي في "الاستذكار" بما توقف فيه، وزاد فقال: يكره للرجل لبس فوق خاتمين فضة.
وصرح به أيضًا الخوارزمي في باب الآنية من "الكافي"، فقال: يجوز له أن يلبس زوجًا في يد وفردًا في الأخرى، فإن لبس في هذه زوج، وفي الأخرى زوج فقال الصيدلاني في "الفتاوى": لا يجوز.
فعلى قياسه لو تختم في غير الخنصر ففي جوازه وجهان.
انتهى ملخصًا.
وفي "صحيح مسلم" 1 عن علىّ كرم الله وجهه قال: نهاني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أجعل خاتمن في هذه أو التي تليها، ثم أشار إلى الوسطى والتي تليها.
وفي رواية أبي داوود 2 بإسناد صحيح: "في هذه أو هذه السبابة والوسطى".
قال: شك فيه الراوي.
ولا إشكال في أن المرأة يجوز لها أن تتختم في غير الخنصر، وقد صرح به الرافعي في الوديعة.
قوله: وفي تحلية الكعبة والمساجد بالذهب والفضة وتعليق قناديلها فيها وجهان مرويان في "الحاوي" وغيره:
أحدهما: الجواز تعظيمًا كما في المصحف، وكما يجوز ستر الكعبة بالديباج.
وأظهرهما: المنع إذ لم ينقل ذلك عن فعل السلف، وحكم الزكاة ينبني على الوجهين.
نعم لو جعل المتخذ وقفًا فلا زكاة فيه بحال.
هذا لفظه بحروفه.
وهو كلام عجيب باطل متهافت يدفع بعضه بعضًا، فإنه صحح
[التحريم] 1 في أول الكلام، ثم جزم في آخره بصحة الوقف تفريعًا عليه أيضًا أي على التحريم، وقد اتفقوا على أن الوقف على الأشياء المحرمة لا يصح، بل اختلفوا في اشتراط القربة.
وقد ذكر النووي في هذه المسألة في "الروضة" كما ذكرها الرافعي، وكذلك في "شرح المهذب"، وزاد فيه أن هذا الوقف صحيح سواء فعله ثم وقفه، أو وقف وقفًا ليتخذ منه.
ثم بعد تقريره استشكل صحته بنحو ما قلناه.
وأعظم من ذلك إشكالًا على النووي أنه صحح في كتاب الوقف من "زيادات الروضة" أن الوقف على تزويق المسجد ونقشه لا يصح وعلله بكونه منهيًا عنه.
فانظر كيف أبطل الوقف عليه مع كراهته، وعلله بالنهي، وجزم بصحة الوقف في مسألتنا مع القول بالتحريم وبالجملة فالصواب بطلان الوقف في المسألة المذكورة في هذا الباب للمعنى الذي قلناه أولًا.
قال -رحمه الله-: النوع الرابع:
زكاة التجارة
قوله: واعتمد الشافعي فيه ما روى عمرو بن حماس أن أباه حماسًا قال: مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقي أدمة أحملها فقال: ألا تؤدي زكاتك يا حماس فقلت: ما لي غير هذا وأهب في القرص.
قال: ذلك مال فضعها.
فوضعها بين يديه فحسبتها فوجدت قد وجب فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة.
انتهى.
حماس بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم، وفي آخره سين مهملة أيضًا، وقد ضبطه بذلك في "شرح المهذب".
وأما الأدمة فاعلم أن الأديم يجمع على أدم بفتح الهمزة والدال، [وعلى أدمة بألف بعد الهمزة كرغيف وأرغفة.
وأما الأديم بفتح الهمزة والدال] 1 وبالياء فهو باطن الجلد الذي يلي اللحم والبشرة ظاهرها.
كذا قاله الجوهري.
وحينئذ فيتعين على ما نقله أن تكون اللفظة المذكورة في هذا الحديث إنما هي جمع الأديم، [فإن] 2 المفتوحة لا تظهر صحتها هنا.
وأما الإهاب: فهو الجلد قبل الدباغ، وجمعه أهب بفتح الهمزة وفتح الهاء على غير قياس كأديم وأدم وعمود وعمد، وقد قالوا أيضًا: أهب بالضم.
قاله الجوهري.
ومقتضى كلامه أن الأول هو المعروف.
قوله: ولو باعها في أثناء الحول بالنقد وهو ناقص عن النصاب ثم اشترى به سلعة فتم الحول وهي تبلغ نصابًا ففيه وجهان لتحقق النقصان
حسًا.
قال الإمام: ورأيت المتأخرين يميلون إلى انقطاع الحول.
انتهى.
لم يذكر ترجيحًا في "الشرح [الصغير] 1 " البتة، وذكر في "المحرر" و"الروضة" كما ذكر في "الكبير" إلا أنه لم ينقله في "المحرر" عن الإمام، وقد أطلق في "المنهاج" تصحيح الانقطاع، واختاره في "الحاوي الصغير".
قوله: وينبني حول التجارة على حول التقديم قال بعد ذلك: وهذا فيما إذا كان قد اشترى بعين النصاب.
أما إذا اشترى بنصاب من أحد النقدين، وله مائتا درهم أو عشرون دينارًا افتقدها في ثمنه ينقطع حول النقد، ويبتدئ حول التجارة من يوم الشراء.
هذا لفظ صاحب "التهذيب" وعلله بأن هذه الدراهم والدنانير لم تتعين للصرف فيه.
انتهى كلامه.
والذي نقله عن "التهذيب" قد وافقه عليه صاحب "التتمة"، وسبقهما إليه شيخهما القاضي حسين، وجزم به في "الروضة" من غير إعزائه إلى أحد، وصرح في "شرح المهذب" أنه لا خلاف فيه.
وإنما ذكرت ذلك لأن في اشتراطه نظر ظاهر، ولهذا لم يعتبره صاحب "الحاوي الصغير"، فإنه لم يشترطه.
قوله: ربح مال التجارة إذا حصل من غير نضوض المال يضم إلى الأصل في الحول كالنتاج.
قال الإمام: حكى الأئمة القطع به لكن من يعتبر النصاب في جميع الحول قد يمنع ذلك.
ومقتضاه أن يقول: إن ظهور الربح في أثنائه كنضوضه، وفيه خلاف يأتى.
قال الإمام: وهذا لابد منه، وهو يقتضي إعلام الكتاب بالواو.
انتهى.
وهذا البحث الذي ذكره الإمام، وارتضاه الرافعي والنووي ضعيف، فإنه موجود بعينه في النتاج.
قوله: فأما إذا باع ونض بعد تمام الحول فقد قال الشيخ أبو علي: إن ظهرت الزيادة قبل تمام الحول فلا خلاف في أنه يزكي [إن قلنا] 1 بحول الأصل.
وإن ظهرت بعد تمامه فوجهان:
أحدهما: هكذا.
وأظهرهما: أنه يستأنف للربح حولًا.
انتهى كلامه.
والذي صححه الشيخ أبو علي هو الصحيح، كذا صححه النووي في "أصل الروضة" و"شرح المهذب".
قوله: ثم نوضح الفصل بفرعين [آخرهما] 2 من مولدات ابن الحداد وهو ما لو ملك الرجل عشرين دينارًا فاشترى بها عرضًا للتجارة، ثم باعه بعد ستة أشهر من ابتداء الحول بأربعين دينارًا واشترى بها سلعة أخرى، ثم باعها بعد تمام الحول بمائة كيف يزكي؟
أما إذا قلنا: إن الربح من الناض لا يفرد بحول فعليه زكاة جميع المائة؛ وأما إذا قلنا: يفرد فعليه زكاة خمسين دينارًا لأنه [لو] 3 اشترى السلعة الثانية بأربعين، عشرون منها.... إلى آخر كلامه.
ثم قال في آخر هذا التفريع ما نصه: هذا جواب ابن الحداد تفريعًا على أن الربح لا يفرد بحول، وحكى الشيخ أبو علىّ فيه وجهين ضعيفين، والذي قاله من كونه تفريعًا على أن الربح لا يفرد غلط.