[وفيه أربعة أبواب] (1)
الباب الأول: في أركانه
قوله: ورهن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - درعه من يهودي فتوفي وهى مرهونة عنده 2. انتهى.
قال الماوردي: اختلف الناس في فكاك الدرع، فقال قوم: افتكه قبل موته، لأنه -عليه الصلاة والسلام- يقول: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى" 3. وهذه صفة تنتفى عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وقال آخرون -وهو الصحيح-: "أنه مات قبل فكاكه، فقال: فعلى هذا يكون قوله: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي" محمولًا على من مات ولم يترك وفاءًا.
قوله: أما الدين ففي جواز رهنه وجهان: أصحهما: المنع.
لأن الدين غير مقدور على تسليمه.
انتهى.
والقول بالجواز شرطه أن يكون على ملي، كذا نقله النووي فى "نكت الوسيط" عن "الانتصار" لابن عصرون وأقره.
قوله: ولو رهن نصيبه من بيت معين من الدار المشتركة بغير إذن1
شريكه فوجهان: أصحهما عند الإمام: أنه يصح.
وأرجحهما عند البغوي: أنه لا يصح.
انتهى ملخصًا.
والراجح علي ما يقتضيه كلام "الروضة": هو الصحة، فإنه قال من "زياداته": قد وافق الإمام على تصحيح صحته الغزالى في "البسيط" وصاحب "التتمة" وغيرهما.
وكلام الرافعي أيضًا في "الشرح الصغير" يشعر به، فإنه نقل تصحيح الإمام واقتصر عليه.
قوله: والظاهر جواز رهن المسلم من الكافر، ورهن المصحف منه يترتب على رهن العبد، ورهن السلاح من الحربي يترتب على بيعه منه.
انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وفيه أمور:
أحدها: أنه لم يبين كيفية الترتيب هنا، والمراد أنا إن أبطلنا رهن العبد فرهن المصحف أولى، وإن صححنا فوجهان.
فيكون المصحف أولى بالبطلان من العبد لا العكس، وقد صرحوا في البيع بذلك.
وأما ترتيب رهن السلاح من الحربى على بيعه منه فواضح، يعلم مما تقدم.
الثاني: أنه ليس فيه بيان الصحيح في رهن المصحف، والصحيح جوازه كما صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه علي أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الثالث: أن هذا الكلام جميعه إنما هو فى الصحة، كما تقدم التعبير به.
وأما الجواز فقال النووي في "زيادات الروضة" إن المذكور في "تهذيب المقدسي" وغيره: أنه حرام.
قال: وفي كتاب الجزية من "تهذيب البغوي": أنه مكروه.
قوله فى الكلام علي ألفاظ "الوجيز"، وفي العبارة المذكورة لترجمة هذا الشرط -يعني الشرط الثاني- نظر.
انتهى.
لم يبين وجه النظر، وقد أوضحه في "الشرح الصغير" فقال: وقول الغزالي في ترجمة الشرط الثاني أنه لا يمتنع إثبات يد المرتهن عليه ليكن المراد منه في الدوام.
وأما في الابتداء بقدر ما يلزم الراهن فامتناعه علي الخلاف.
قوله: والتفريق بين الأم وولدها الصغير ممنوع، فلو رهن أحدهما دون الآخر جاز، ويباعان معًا، ويوزع الثمن علي قيمتهما، وكيفية التوزيع مبنية على مقدمة، وهى ما إذا رهن أرضًا بيضاء ثم نبت فيها نخل فللأرض حالان:
أحدهما: أن يرهنها ثم يدفن النوى.
والثاني: أن يكون مدفونًا في الأرض يوم الرهن، فإذا بيعت الأرض مع النخيل وزع الثمن عليهما، والمعتبر في الحال الأول قيمة الأرض فارغة, وفي الحال الثاني قيمة أرض مشغولة.
وفي كيفية اعتبار قيمة الأشجار وجهان نقلهما الإمام في الحالين: أظهرهما: أن الأرض تقوم وحدها، فإذا قيل: هى مائة قومت مع الأشجار.
فإذا قيل: هى مائة وعشرون فالزيادة بسبب الأشجار عشرون وهى سدس المائة والعشرين، فيراعي في ثمنها نسبة الأسداس.
والثاني: أنا كما قومنا الأرض وحدها، نقوم الأشجار وحدها نابتة.
فإذا قيل: هي خمسون عرفنا أن النسبة بالأثلاث، ثم قال: عدنا إلى مسألة الأم والولد، فإذا بيعا معًا وأردنا التوزيع قال الإمام: فيه طريقان:
أحدهما: أن التوزيع عليهما كالتوزيع على الأرض والأشجار، فتعتبر قيمة الأم وحدها، وفى الولد الوجهان.
والثانى: أن الأم لا تقوم وحدها، بل تقوم مع الولد خاصة، لأنها رهنت وهى ذات ولد، والأرض رهنت بلا أشجار، وهذا ما أورده الأكثرون.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن المراد بالطريق الثاني التي نقلها عن الأكثرين، وهى أن الأم لا تقوم وحدها، بل مع الولد إنما هو تقويمها موصوفة، بأنها ذات ولد، وليس المراد تقويم المجموع قطعًا، لأنا نريد أن نعرف قيمة الأم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة قيمتها دون ولدها، ثم يجيء بعد ذلك الوجهان فى أنا هل نقوم المجموع أم الولد وحده؟
وقد أوضحه في "المحرر" فقال: والأظهر فى كيفية التوزيع أن تقوم الأم وحدها ثم مع الولد، هذا كلامه، إلا أنه أراد بالوحدة خلاف المجموع، وأراد به في [الشرع] 1 الخلو عن الحضانة فاعلمه.
وعلى هذا فمراده بقوله في الطريق الأول: فتعتبر قيمة الأم وحدها أي خلية عن الحضانة أيضًا، هذا كله متعين لا شك فيه، لكنه قد ذكر في الطريق الأول أن التوزيع عليهما كالتوزيع علي الأرض والشجر، وقد تقدم في الأرض أن المعتبر قيمتها مشغولة، فكيف يفرع على هذا اعتبار خلو الأم عن الولد، لاسيما وقد عبر في الأرض المشغولة بقوله: أظهرهما: تقوم الأرض وحدها -أعنى بصيغة وحدها- وهو يقتضى عوده فى التفريع، وهو فاسد بلا شك إلا أن يلتزم أن مراده بصيغة وحدها
المذكورة فى الأرض مقابل المجموع، وبالموضعين المذكورين فى الولد والأم الخلو عن الحضانة، وأن المراد بشغل الأرض إنما هو الشغل بالنوى.
فحينئذ يصح أن تعتبر قيمة الأم خلية عن الأولاد، وإن فرعنا على أن التوزيع كالتوزيع على الأرض والشجر، لكنه خلاف المنقول، فإن الماوردي والمحاملي وغيرهما قد صرحوا بأن الأرض إذا رهنت وفيها نوى ثم أخرجت نخلًا، أنها تقوم ذات نخل، وبالجملة فلا شك في اشتمال هذا الكلام على خلل.
الأمر الثانى: أن هذا الحكم الذي ذكره الرافعي، وهو تقويم الأم وحدها إنما يأتى إذا كان المرهون هو الأم، حتى لو رهن الولد انعكس الأمر، والمسألة قد فرضها هو فى رهن أحدهما كما تقدم فراجع لفظه.
وهذا الاعتراض وارد على "الروضة" أيضًا و"المحرر" و"المنهاج"، وكذلك على "الحاوي الصغير"، فإنه قال: وإن رهن واحد وزع بقيمتها وقيمتهما أي إذا رهن واحد من الأم أو الولد وزع بقيمة الأم وبقيمتهما.
والسبب فى وقوع هذا الاعتراض الفاحش فى هذه الكتب، أن الغزالى في "الوجيز" مثل برهن الأم، فلما شرحه الرافعي التفت إليه ومشى على حكم المثال بعد أن ذكر هو لفظًا عامًا، ولم يمثل به فلزم وقوع ذلك فيه، وفي فروعه المتقدم ذكرها.
الأمر الثالث: أنا إذا فرعنا على أنه يقوم الولد أيضًا، فقال الغزالى: إنه يقوم منفردًا.
قال الرافعي: والوجه ما نقله الإمام أنه يقوم الولد محضونًا مكفولًا، كما قومنا في نظيره من الأشجار أنها تقوم ثابتة لا مقلوعة، ثم إن النووي في "الروضة" لما حكي الوجه الثاني في الأشجار لم يقيدها بكونها ثابتة، ثم أحال رهن الأم على ما تقدم في رهن الشجر، فلزم أن يقوم الولد
منفردًا إذا فرعنا على ذلك الوجه، وهو خلاف ما رجحه الرافعي، والعجب من حذف النووى ذلك.
قوله: إذا رهن ما يسارع إليه الفاسد بدين حال، فإن بيع في الدين أو قضي من موضع آخر فذاك، وإلا بيع وجعل الثمن رهنًا.
فلو تركه المرتهن حتى فسد، قال في "التهذيب": إن كان الراهن أذن له فى بيعه ضمن، وإلا فلا.
ويجوز أن يقال: عليه الرفع إلى القاضي ليبيعه.
انتهى.
قال في "الروضة": هذا الاحتمال الذي قاله الرافعي قوى أو متعين.
انتهى.
وفيما قاله أمران:
أحدهما: أن إذن الراهن للمرتهن في بيع السلعة لا يصح على الصحيح إلا إذا باع والمالك حاضر فينبغى حمل هذا عليه.
الثانى: أن هذا الاحتمال الذى ذكره الرافعي وقواه النووي، راجع إلى قول صاحب "التهذيب": أنه إذا لم يأذن الراهن في البيع لا يضمن، وهو الذي فهمه النووي أيضًا، فإنه قال في "الروضة" عقب ذكره أنه قوي أو متعين ما نصه: وقد قال صاحب "التتمة" في هذه الصورة إن سكتا حتى فسد، [أو طلب المرتهن بيعه فامتنع الراهن، فهو من ضمان الراهن] 1.
وإن طلب الراهن بيعه فامتنع المرتهن، فهو من ضمان المرتهن.
هذا كلامه.
وهو صريح في إرادة المسألة الثانية غير أنه مخصوص بما إذا لم تكن
مراجعة الرهن؛ فإن أمكنت مراجعته لم يكن للقاضى أن يبيع، وفهم ابن الرفعة أنه عائد إلى قول البغوي: أنه إذا أذن له ضمن وعلى هذا فمعناه أنه إذا أذن له في بيعه فلم يفعله فعليه أن يرفع الأمر إلى القاضي.
ثم قال: ويجوز أن يقال: لا يضمن، لأن البيع لا يجب عليه.
قال: بل الولى مع كونه يجب عليه عمارة عقار الطفل، فى وجوب الضمان عليه وجهان إذا أهمله.
قوله في المسألة: وإن لم يشترط هذا ولا ذاك -يعنى بيع ما يتسارع إليه الفساد- ولا عدم بيعه، فقولان أصحهما عند أصحابنا العراقيين: أنه لا يصح، وميل من سواهم إلى الصحة، وهو الموافق لنصه في "المختصر" انتهى ملخصًا.
وهذا الكلام ليس فيه تصريح بتصحيح واحد من القولين، وقد اختلف كلامه فى الأصح منهما، فقال في "الشرح الصغير" ما نصه: أظهرهما عند الأكثرين، وبه قال أبو حنيفة وأحمد: يصح الرهن ويباع عند الإشراف على الفساد.
انتهى لفظه بحروفه.
وقال في "المحرر" ما نصه: وإن لم يشترط لا هذا ولا ذاك لم يصح الرهن في أصح القولين انتهي كلامه.
والفتوى على الصحة على خلاف ما في "المحرر" لنقل الرافعي إياه في "الشرح الصغير" عن الأكثرين.
ولم يصرح النووي في "الروضة" بتصحيح، غير أنه نقل من "زياداته" أن الرافعي في "المحرر" صحح البطلان واقتصر عليه، وأقر الشيخ في "التنبيه" على تصحيح البطلان، ولم يستدركه في تصحيحه، وهو يشعر برجحان المنع عنده، وقد تقدم أن الأمر على خلافه فاعلمه.
قوله: ولو طرأ قبل القبض ما عرضه للفساد، ففى الانفساخ وجهان كما في حدوث الموت والجنون.
انتهى.
والصحيح: عدم الانفساخ، فقد جزم في "المحرر" بما يقتضينه، وقال النووي في "زيادات الروضة": إنه الأرجح، والمراد بحدوث الموت والجنون أي فى العاقد فاعلمه فإن فيه خلافًا يأتى في الباب الثاني.
قوله: الثانية: رهن العبد الجانى مرتب على بيعه، إن لم يصح بيعه فرهنه أولى، وإلا فقولان.... إلى آخره.
وهذا الكلام يؤخذ منه رجحان امتناع رهنه إذا كانت الجناية خطأ لأن الراجح امتناع بيعه.
وأما حيث يجوز بيعه، وهو ما إذا كانت الجناية عمدًا، فلم يرجح هو ولا النووي في "الروضة" شيئًا.
والصحيح الجواز، كذا ذكره في "المحرر" فقال: ورهن العبد المرتد والجاني كبيعهما، هذا لفظه.
والصحيح: جواز البيع، فيكون الرهن كذلك.
قوله: فإن صححنا رهنه، فقال المسعودى والإمام: يكون مختارًا للفداء كما لو باعه.
وقال ابن الصباغ: لا يلزمه الفداء بخلاف البيع، لأن محل الجناية باقى هنا، والجناية لا تنافي الرهن.
انتهي.
فيه أمران:
أحدهما: أن الراجح عدم الوجوب، بل يكون مخيرًا بينه وبين التسليم ليباع، كذا نقله النووي من "زياداته" عن الأكثرين.
الثاني: أن الرافعي ذكر في كتاب النكاح وجهين في جواز تزويج الجارية الجانية، وصحح النووي من زياداته الجواز، وجزم هو والرافعي بأنا إذا صححنا يكون ملتزمًا للفداء، وهو مشكل على هذه المسألة والقياس التسوية.
قوله: ولو رهن الثمرة قبل بدو الصلاح بدين مؤجل [يحل] 1 قبل الإدراك فقولان: أصحهما: البطلان، لأن العادة في الثمار الإبقاء إلى الإدراك، فصار كما لو رهن شيئًا على أن لا يبيعه عند المحل.
وإن شرط القطع عند المحل فقيل: يصح قطعًا، وإليه أشار الشيخ أبو حامد وصاحب "التهذيب"، وقيل: على القولين: انتهى ملخصًا.
والصحيح طريقة القطع، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: والأظهر القطع بالجواز.
هذا لفظه.
وصحح النووي في "زيادات الروضة" الجواز فقال: إنه المذهب، ولم يصرح بالأصح من الطريقين.
قوله: وإن استعار شيئًا ليرهنه فتلف في يده، فأطلق الغزالي أنه يضمن لأنه مستعير.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا قلنا: إنه ضمان فلا شيء عليه.
انتهى ملخصًا.
لم يصح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والمذهب الضمان، كذا قاله النووي من "زياداته"، ولا ذكر للمسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج"، وظاهر سياق الرافعي أن محل القولين في ما بعد الرهن.
وحينئذ فما سلكنا به مسلك الضمان مطلقًا، ولا مسلك العارية مطلقًا.
وأيضًا فلو تلف في يد المستعير قبل الرهن أو بعده وقبل القبض هل يضمن أم يتخرج على القولين؟.
قوله: ومنها إذا قلنا: إنه ضمان وجب بيان جنس الدين.... إلى آخره.
سكت عن التفريع على القول بأنه عارية، قال في "الروضة": وإذا قلنا به فله أن يرهن عند الإطلاق بأي جنس شاء وبالحال والمؤجل.
قال في "التتمة": لكن لا يرهنه بأكثر من قيمته لأن فيه ضررًا.
قال: ولو أذن في حال فرهن بمؤجل لم يصح كعكسه، لأنه قد لا يرضى أن يحال بينه وبين عبده إلى أجل، ولو استعار ليرهن عند واحد فرهن عند اثنين أو بالعكس لم يجز على الأصح، كذا نقله الرافعي في آخر الباب الثالث، وعلله فاعلمه.
قوله: الركن الثاني: المرهون به، وله ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون دينًا ثابتًا لازمًا.... إلى آخره.
تابعه على ذلك في "الروضة" وقد أهمل شرطًا رابعًا، وهو أن يكون معلومًا لكل منهما، كذا رأيته في "شرائط الأحكام" لابن عبدان، وجزم به ابن الرفعة في "الكفاية" ناقلًا له عن "الاستقصاء"، ورأيت في "المعين على مقتضي الدين" لأبي خلف الطبري أحد أصحاب القفال نحوه أيضًا فقال: الخامس: أن يكون الحق الذي يرهن فيه الرهن يكون معلوم المقدار.
ثم قال: والسابع: يجب أن تكون مدة حبس الرهن معلومة، وغاية فكه محدودة، لأنه إذا كانت مجهولة لا يصح الرهن.
هذا لفظه بحروفه.
وكأنه أراد بالسابع أن يكون الأجل معلومًا.
قوله: ولو امتزج الرهن وسبب ثبوت الدين، بأن قال: بعتك هذا
بألف وارتهنت بها عندك، فقال: اشتريت ورهنت، أو قال: أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك، فقال: استقرضت ورهنت صح الرهن على الأصح، وهو ظاهر النص ولو قال البائع: ارتهنت وبعت وقال المشترى: اشتريت ورهنت لم يصح، لتقدم أحد شقي الرهن على شقي البيع.
وكذا لو قال: رهنت وبعت.
وقال المشترى: رهنت واشتريت لتقدم شقى الرهن معًا على أحد شقي البيع فالشرط أن يقع أحد شقي الرهن بين شقي البيع، والآخر بعد الشقين معًا.
انتهى.
وهذا الضابط الذي ذكره في آخر كلامه، واقتضاه كلامه قبل ذلك أيضًا قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو مخالف لما ذكراه في نظير المسألة، وهو مزج البيع بالكتابة، فإن حاصله تجويز المقارنة وغيرها وسيأتيك ذلك واضحًا في أوائل باب الكتابة فراجعه.
قوله: ولو قال البائع: بعتك بكذا على أن ترهنى دارك به, فقال المشترى: اشتريت ورهنت، فوجهان: قال بعضهم: يتم العقد بما جرى.
وذكر في "التتمة" أنه ظاهر النص، وقال القاضي لا يتم بل يشترط أن يقول بعده: ارتهنت أو قبلت، لأن الذي وجد منه إنما هو شرط إيجاب الرهن لا استحبابه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".... إلى آخره.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، والراجح هو الاكتفاء فإنه المشهور عند الأصحاب، كذا ذكره الإمام في "النهاية" في أول كتاب الرهن مع أنه ذكر هنا أن المحققين على أنه لا يكفي.
قوله: قال الإمام: وجواز الرهن بالثمن في مدة الخيار مفرع على أن الخيار لا يمنع نقل الملك في الثمن إلى البائع، فإن منعه فالظاهر منع الرهن لوقوعه قبل ثبوت الدين.
انتهى كلامه.
وتعبير الإمام بالظاهر في هذه الحالة يشعر بخلاف [في المسألة وهو
صحيح، وسببه: اختلافهم فيما لم يجب ولكن جري سبب] 1 وجوبه.
قوله: وإن كان الأصل فى وضع الدين هو الجواز كالجعل في الجعالة فوجهان: أصحهما: لا يصح الرهن، وموضع الوجهين ما بعد الشروع في العمل وقبل تمامه، أما قبل الشروع فلأنه لا ثبوت للجعل بحال، وأما بعد الفراغ فلأنه لازم.
ثم قال ما نصه: [ثم لبان أن يبنى] 2 الوجهين على الوجهين في جواز رجوع المالك بعد الشروع في العمل، ويقول: إن لم نجوز الرجوع فقد لزم الجعل من قبله فيصح الرهن به، وإن جوزناه لم يصح الرهن به.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ظاهر كلام كثير من الأصحاب أو أكثرهم أن الخلاف بعد العمل، هكذا قاله في "الروضة"، وإجراء الخلاف في هذه الحالة صحيح، وسببه اختلافهم فى ما لم يجب، ولكن جرى سبب وجوبه، وادعي في "الروضة" أن الصواب [ما قاله الرافعي ذهولًا عن هذا التوجيه، وليس كذلك بل الصواب طريقة إجراء الخلاف مطلقًا.
وأما تقييد الخلاف] 3، فذكره القاضي حسين ثم البغوي ثم الرافعي، وتحصل من مجموع ذلك ثلاثة أوجه.
الأمر الثاني: وقد نبه عليه بعضهم: أنه لو صح ما قاله الرافعي من البناء لكان الأصح جواز الرهن، وليس كذلك.
وأيضًا فلا خلاف في جواز الرجوع، وإنما الخلاف في أثر الرجوع، فقيل: لا يستحق شيئًا.
وحينئذ فلا يصح الرهن، وقيل: يستحق القسط من المسمى، وحينئذ فإن علم صح.
وقيل: يستحق أجرة مثل ما عمل، وهو الصحيح، وعلى هذا قد يقال: إن هذا إنما يجب بعد الرجوع أما قبله فالأمر ينتهى إلى استحقاق المسمى فلا يصح.
ويحتمل أن يقال: استحق بدل عمله إما من المسمى بقسطه وإما أجرة مثله.
وعلى كلا الاحتمالين يبعد تصحيح الرهن أما على الأول فلأنه لم يستحق.
وأما على الثاني فلأن المستحق لم يتعين، وأيضًا بتقدير هذا كله فلا يصح ضمان الجميع على مقتضى ما قاله من البناء، مع أن كلامه فيه -أعني في الجميع-
قال ابن الرفعة: وصور البندنيجى المسألة بما إذا قال: من جاء بعبدى الآبق فله دينار، فقال له رجل: أعطني به رهنًا وأنا آتيك به، ولو قال: إن رددت عبدي الفلاني فلك كذا، وهذا رهن به فهو بمعناه بلا شك.
أما لو قال: من جاء بعبدي الفلاني فله دينار وهذا رهن به، فهل يقال: لا يصح الرهن لكون المرتهن غير معين، أو يصح ويسقط القبول في الرهن تبعًا لمال الجعالة؟ فيه نظر، والأقرب الأول.
قوله: فرع:
لا يجوز رهن الملاك بالزكاة، والعاقلة بالدية قبل تمام الحول لفوات الشرط الثاني.
انتهي لفظه بحروفه.
ومقتضي هذا الكلام صحة الرهن بالزكاة بعد تمام الحول، وكيف يصح مع أن الزكاة تجب في العين بحيث يكون الفقراء شركاء رب المال.
ولا شيء في ذمة المالك، وشرط الرهن أن يكون على دين، وقد يأول
بأن التقييد بما قبل الحول راجع إلى المسألة الثانية، وهي مسألة العاقلة، وقد ذكروا في الضمان ما يقتضي الصحة أيضًا كما سأذكره هناك، وهو ضعيف التأويل.
قوله: فما جاز الرهن به جاز ضمانه، وكذا عكسه إلا ضمان العهدة فإنه جائز، ولا يجوز الرهن به على الصحيح.
انتهى.
تستثنى أيضًا الأعيان المغصوبة، فإن ضمانها يصح دون الرهن على الصحيح.
وقد استثناه في "الروضة"، واعلم أن النووي في "الروضة" هنا قد جعل الخلاف في ضمان العهدة وجهين، وصرح في كتاب الضمان تبعًا للرافعي بقولين، وعنده أن عدم الصحة يتخرج على أن الرافعي هنا لم يبين هل هو قولان أو وجهان؟.
قوله: رهن شيئًا بعشرة، ثم استقرض عشرة ليكون رهنًا بهما، وأشهد شاهدين أنه مرهون بالعشرين، فإن لم يعلم الشاهدان الحال شهدا بما يسمعا، وحكم الحاكم بأنه مرهون بالعشرين.
نعم لو قال عند الإشهاد: كان مرهونًا بعشرة فجعلته رهنًا بعشرين، ونقل الشاهدان ما سمعا، فهل يحكم بكونه رهنًا بالعشرين إذا كان الحاكم ممن يذهب إلى القول الجديد؟
حكى الإمام عن صاحب "التقريب" فيه وجهين، وإن عرفا الحال فإن كانا يعتقدان جواز الإلحاق، فهل لهما أن يشهدا بأنه رهن بالعشرين أم عليهما بيان الحال؟ وجهان.
وإن كانا يعتقدان منع الإلحاق لم يشهدا إلا بما جرى باطنًا، وفيه شيء بعيد.
وهذا التفصيل فيما إذا شهدا بنفس الرهن، وفيه صور الجمهور، فإن شهدا على إقرار الراهن فالوجه تجويزه مطلقًا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد اختصر أوائل هذا الكلام اختصارًا فاسدًا سببه إسقاط شيء منه، فإنه قال: فرع: رهن بعشرة، ثم استقرض عشرة ليكون رهنًا بهما، وأشهد شاهدين أنه مرهون بالعشرين، فإن لم يعلم الشاهدان الحال ونقلا ما سمعا، فهل يحكم بكونه رهنًا بالعشرين إذا كان الحاكم يعتقد القول الجديد؟ وجهان.
هذا لفظه.
فأسقط ما وقع بعد لفظ الحال إلى قوله: ونقلا، فاجمع بينه وبين كلام الرافعي.
وتأمله.
الأمر الثاني: أن الأصح من الخلاف الثاني منع الشاهدين من الشهادة بذلك، كذا صححه النووي من "زياداته"، وعلله بأن الاجتهاد إلى الحاكم لا إليهما.
وقول الرافعي: (وفيه شيء بعيد) أراد أن فيه خلافًا بعيدًا.
وقد صرح به في "الروضة"، وسوف تكون لنا عودة إلى الكلام على هذه المسألة في الباب الثاني من كتاب القضاء إن شاء الله تعالى.
قوله من "زياداته": ولو مات وعليه دين مستغرق فرهن الوارث التركة عند صاحب الدين على شيء آخر، ففي صحته وجهان بناء على القولين.
انتهى.
وتقييد المسألة بالدين المستغرق موهم، ولا فرق بين المستغرق وغيره فاعلمه.
قوله: وإن كان الرهن مشروطًا في بيع نظر إن لم يجز الشرط جهالة
كما إذا شرط في البيع رهنًا على أن يبقي محبوسًا عنده بعد أداء الثمن شهرًا، ففي فساد الرهن قولان:
أصحهما: الفساد.
فإن فسد ففي فساد البيع القولان في أن الرهن وسائر العقود المستقلة إذا شرطت في البيع على نعت الفساد هل يفسد البيع؟ وقد ذكرناهما في باب البياعات.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه هنا وهناك يوهم أن القولين جاريان في ما إذا شرط بيعًا أو إجارة أو غيرهما في بيع وليس كذلك، بل اشتراط صحيحه باطل مبطل فاشتراط فاسده أولى.
وإنما القولان اللذان أشار إليهما الرافعي في البابين في ما كان كالصفة في البيع في جواز شرطه معه، ويجوز إفراده، وذلك هو الراهن والكفيل والضمين فقط، وتعليلهما مذكور في كلامه.
الأمر الثاني: أن الشرط متى بطل جر جهالة مطلقًا، لأن الرهن يترك لأجله جزء من الثمن، فإذا بطل وجب أن يضم ذلك الجزء المجهول إلى الثمن فيصير مجهولًا، وهذا هو مقتضى كلام الأصحاب، والمعنى يقتضيه أيضًا.
نعم إن كان الشرط لا غرض فيه فمسلم، وليس الكلام فيه.
قوله في أصل "الروضة": فلو رهن شجرة أو شاة بشرط أن يحدث الثمرة أو الولد مرهونًا لم يصح الشرط على الأظهر، وقيل: يصح قطعًا لأنه مجهول معدوم.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من الصحة قطعًا غلط، بل صوابه عدم الصحة، ولذلك
ذكره الرافعي.
قوله في المسألة: لا يصح أيضًا الرهن على الصحيح، ثم قال: فإن كان الرهن بهذا الشرط مشروطا في بيع، فإن صححنا الشرط أو أفسدناه، وصححنا الرهن صح البيع، وللبائع الخيار.
انتهى كلامه.
وهو صريح في إثبات الخيار مع صحة الشرط، وهو سهو وكأنه نقص منه شيء، ويكون الأصل، وللبائع الخيار في المسألة الثانية.
قوله: المسألة الثانية: لو قال: أقرضتك هذه الألف بشرط أن ترهن به وبالألف الذي لي عليك كذا.
فرهن بالألف القديم ظانًا صحة ذلك.
فعن القاضي أنه لا يصح الرهن.
إلى آخره.
هذه المسألة سبق الكلام عليها في أول الباب الثالث من أبواب البيع.
قوله: فرع:
لو قال: رهنتك هذا الحُق بما فيه، أو هذه الخريطة بما فيها، وما فيهما معلوم مرئي صح الرهن في الظرف والمظروف، وإلا لم يصح الرهن في المظروف، وفي الحق والخريطة قولا تفريق الصفقة.
انتهى كلامه.
وجزمه هنا بطريقة القولين يقتضي أن العلة في جريان القولين في تفريق الصفقة هو تبعيض الصفقة إذ لو كانت العلة هي الجهل بالعوض لزم الصحة هنا قطعًا.
وقد تقدم الوعد في باب تفريق الصفقة بذكر هذه المسألة.
قوله عقب ما تقدم: وما نص عليه في "المختصر" من الصحة في الحق، وعدمها في الخريطة فسببه أنه وضع المسألة في حق له قيمة يقصد لها بالرهن، وفي خريطة ليست لها قيمة تقصد لها بالرهن.
وحينئذ يكون المقصود ما فيها، ولو كان اللفظ مضافًا إليهما جميعًا،
وما فيهما بحيث لا يصح الرهن فيه فيبطل [ما فيها.
ولو كان اللفظ مضافًا إليهما جميعًا، وما فيها بحيث لا يصح الرهن فيه فيبطل] 1 فيهما جميعًا.
وفي وجه يصح الرهن فيها، وإن كانت قليلة القيمة اعتبارًا باللفظ.
انتهى كلامه.
اعلم أن المسألة لها أربعة أحوال:
أحدها: أن يرهنهما جميعًا، وهو المراد من هذا الكلام الذي ذكرته.
والثاني: أن يرهن الظرف دون ما فيه.
الثالث: أن ينص على الظرف ولا يتعرض لغيره.
والرابع: أن ينص على المظروف وحده.
وحكم هذا القسم [أنه إن كان المظروف معلومًا صح فيه دون الظرف، وهذا القسم] 2 لم يذكره الرافعي، وذكر الثلاثة الأولى، وكلامه في ما إذا رهن الظرف وحده أو رهنه وأطلق واضح.
وأما الأول وهو رهنهما فالذي تقدم من أول الفرع إلى آخره مفروض فيه، لكنه عبر في آخره بعبارة مشكلة فلنوضحه فنقول: قوله: (فإن كان اللفظ مضافًا إليهما جميعًا) ليس هو استئناف قسم آخر، بل من تتمة تأويل النص الوارد في الخريطة لا تنتهي قيمتها إلى حيث يقصد بالرهن فافهمه.
وقوله: (إليهما) أي إلى الخريطة المذكورة وما فيها.
وقوله: (وما فيها) أي وما في الخريطة.
وقوله: (فيبطل فيهما) أي في الخريطة وما فيها.
والحاصل أنه أعاد صورة المسألة إيضاحًا وتوطئة للوجه الذي ذكره من بعد، وهو أنه لا يبطل الرهن بانتفاء القيمة التي [يقصد] 1 لمثلها الرهن، بل يصح فيهما، وإن كانت قليلة القيمة، وهو وجه متجه جدًا.
وظن النووي أن قول الرافعي: (ولو كان اللفظ.... إلى آخره) هو القسم الرابع، وهو رهن المظروف وحده، فقال: ولو كان اللفظ مضافًا إلى ما فيهما جميعًا وكان ما فيهما بحيث لا يصح الرهن فيه بطل فيهما جميعًا، وفي وجه يصح فيها، وإن كانت قليلة القيمة اعتبارًا باللفظ.
هذا لفظه.
وهو غلط فإنه مع مخالفته لتعبير الرافعي لا يتصور مجيء خلاف في الظروف، ولا يصح معه التعليل الذي ذكره، بل الخلاف راجع إلى رهن الظرف والمظروف.
وقد صرح به كذلك الغزالي في "البسيط"، غير أنه لم يذكر رهن المظروف وحده ولا الظرف وحده وكأنه تركهما لوضوحهما، وذكر الإمام نحوه أيضًا.
قوله من "زياداته": قال إمام الحرمين والغزالي في "البسيط": كل ما ذكرناه في الرهن يجرى مثله في البيع حرفًا حرفًا في ما إذا قال: بعتك الخريطة بما فيها أو وحدها، أو الخريطة لأن مأخذه اللفظ والله أعلم.
وهذا الذي ذكره في "زياداته" يقتضي أنه إذا لم يكن للخريطة وغيرها من الظروف قيمة لا يصح البيع في المظروف، ويأتي في الظرف
قولا تفريق الصفقة، وهو مخالف لما ذكره قبل باب الربا من "زياداته" أيضًا، فإنه جزم هناك بالصحة فيهما من غير تفصيل بين أن يكون له قيمة أم لا.
ثم ذكر بعده هذا التفصيل فيما إذا باع المظروف والظرف كل رطل بدرهم.
فكان ذلك صريحًا في تعميم الأول، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: ومنها -أي من صور الارتهان على مال الطفل- أن يكون دينه مؤجلًا، إما بأن ورثه كذلك، أو بأن باع الولي حالًا ماله نسيئة بالغبطة، ولا يجوز الاكتفاء بيسار المشتري، بل لابد من الارتهان بالثمن.
وفي "النهاية" رمز إلى خلاف ذلك أخذًا من جواز إيضاع ماله.
انتهي كلامه.
وما نقله عن "النهاية" من الرمز إلى خلاف ذلك تابعه عليه في "الروضة"، وقد صرح الإمام في المسألة بوجهين، وصحح الجواز، ونقله عنه الرافعي كذلك في كتاب الحجر فقال: وروي الإمام وجهين في صحة البيع إذا لم يرتهن وكان المشتري مليًا، وقال: الأصح الصحة، هذا كلام الرافعي؛ لكن المذكور في "النهاية" هاهنا هو ما قاله الرافعي.
قوله: الفصل الثاني رهن المكاتب وارتهانه جائز إن شرط النظر والمصلحة كما ذكرنا في حق الطفل.
ومنهم من قال: لا يجوز استقلالًا، وبإذن السيد قولان بناء على أن الرهن تبرع؛ وتفصيل صور الارتهان كما في الفصل الأول.
وفيه وجه: أنه لا يجوز له الاستقلال بالبيع نسيئة بحال.
انتهي كلامه.
وما صححه الرافعي هنا من إلحاق المكاتب بالطفل، قد صحح خلافه في أثناء كتاب الكتابة في الحكم الثالث من أحكام الكتابة، ونقله عن إطباق عامة الأصحاب عليه.
وكذلك ما صححه من جواز البيع نسيئة قد خالفه هناك فقال: ولا يجوز الرهن 1 [ولا الإرتهان ولا البيع نسيئة وتابعة في "الروضة" على الموضعين، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى فاستحضره، واعلم أن الفتوى على خلافه.
قال الرافعي: ورهن المأذون أولى بالمنع من جهة أن الرهن ليس من عقود التجارات وشبهه الإمام بإجارة الرقاب.
قال في "الروضة": وهذا الترتيب الذي قاله الرافعي ترتيب الإمام، قال: وقطع الشيخ أبو حامد وصاحب "الشامل" و"التهذيب" بأنه كالمكاتب.
الباب الثاني: في القبض والطوارئ قبله
قوله: صفة القبض هنا في العقار والمنقول كما سبق في البيع، ويطرد الخلاف في كون التخلية في المنقول قبضًا، وعن القاضي: القطع بأنها لا تكفي هنا، لأن القبض مستحق هناك.
انتهى.
واعلم أن ما ذكره في تعليل عدم الاكتفاء في [الهبة] 1 موجود بعينه في الموهوب، فيكون الحكم فيهما سواء بلا شك.
لكنه اقتصر في باب الهبة علي عدم جريان ذلك القول، ناقلا له عن المتولي وهو تلميذ القاضي الحسين.
وستعرف لفظه هناك.
قوله: وإذا رهن شيئًا عنده فلابد من الإذن في قبضه، وكذا مضي الزمان إليه.
وقال حرملة: لا يحتاج إلى مضيه، وفي اشتراط مصيره إليه ومشاهدته أوجه:
أصحها: لا.
وثالثها: إن شك في بقائه كالحيوان اشترط، لأنه معرض للآفات، وإن تيقن بقاءه فلا.
انتهى.
ذكره مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن اشتراط عدم الذهاب إليه صححه البغوي فتبعه عليه الرافعي ثم النووي.
والأكثرون على الإشتراط، ونقله ابن الرفعة عن ظاهر نص الشافعي.
الثاني: نبه عليه النووي من زياداته فقال: المراد أن حرملة قاله مذهبًا لنفسه لا نقلًا عن الشافعي، كذا صرح به الشيخ أبو حامد وآخرون.
فاعلمه.
فإن عبارة "المهذب" تقتضي أنه نقله عن الشافعي.
قال: فحصل أن المسألة ذات وجهين لا قولين.
قوله: المسألة الثانية: إذا باع المالك الوديعة أو العارية ممن هى في يده، فهل يعتبر زمان إمكان القبض بجواز التصرف وانتقال الضمان؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم.
وعلى هذا فهل يحتاج إلى الإذن في القبض؟ نظر: إن كان الثمن حالًا ولم يوفيه، لم يحصل القبض إلا إذا أذن البائع فيه، فإن وفاه أو كان مؤجلًا فعن الشيخ أبى علي رواية طريق أنه كالرهن.
والمشهور أنه لا يحتاج إليه.
والفرق أن البيع يوجب القبض، فدوام اليد يقع عن القبض المستحق.
ولا استحقاق في الرهن.
انتهى كلامه.
وما ذكره من [الجزم باشتراط] 1 الإذن في القبض عند ثبوت حق الحبس وأن التردد محله عند عدم ثبوته، كيف يتصور القول به مع أن المبيع لو كان في يد البائع ولم يكن له حق الحبس لكان للمشتري انتزاعه منه قهرًا بلا خلاف، كما أوضحوه في باب القبض، فكيف يترددون مع ذلك في اشتراط الإذن إذا كان في يد المشتري، فإنا قد نحكم بالقبض لأجل اليد وإن لم نجوز الإنتزاع، ولهذا لا يجوز للمرهون عنده والمرهون منه أن ينتزع العين بلا خلاف، وفي افتقارهما إلى الإذن حالة كونها في
يدهما ثلاثة أوجه مشهورة.
وقد اتضح الأمر وانكشف الحال عن انعكاس هذا الخلاف، وأنه إن لم يكن للبائع حق الحبس فلا يفتقر المشتري إلى إذنه.
وإن كان له حق الحبس فهو محل خلاف الشيخ أبى علي، كذا صرح به الغزالي في "البسيط" فقال: وذكر الشيخ أبو علي وجهًا أنه ينزل منزلة الرهن في افتقاره إلى إذن جديد حتي إذا لم يأذن لم يبطل حقه من الحبس ولم يخرج من ضمانه.
ولا شك أنه لو وفي الثمن حصل تمام القبض.
هذا لفظ الغزالي.
وذكر في "النهاية" نحوه فقال: وذكر أبو علي وجهًا أن القبض لا يحصل ولا يبطل حق البائع من الحبس إذا أثبتناه، ما لم ياذن له أو يتوفر عليه الثمن، وهذا غريب.
هذا كلامه.
وجزم ابن الرفعة بما قلناه من الجزم عند عدم الحبس، وحكاية الخلاف عند ثبوته وصحح حصول القبض كما صححه الإمام والغزالي وغيرهما.
قوله في أصل "الروضة": فكل مزيل للملك كالبيع والإعتاق والإصداق وجعله أجرة والرهن والهبة مع القبض، والكتابة والوطء مع الإحبال، يكون رجوعًا.
انتهى كلامه.
وعده الوطء وما بعده سهو، فإنه لا يزيل الملك، ولم يعبر الرافعي بذلك بل بعبارة مستقيمة.
قوله: قال الإمام: وإباق [العبد] 1 المرهون قبل القبض مخرج على وجهين.
انتهى.
والأصح منهما أن الرهن] 1 لا يبطل، كذا صححه في "المحرر" وعبر بالأصح، وصححه أيضًا في "الروضة" من "زياداته".
قوله: والخمر نوعان:
أحدهما: المحترمة وهي التي اتخذ عصيرها ليصير خلًا.
انتهي.
وهذا الذي ذكره في تفسير المحترمة، قد خالفه في كتاب الغصب في أثناء الباب الثاني في الكلام علي ما إذا غصب عصيرًا فتخمر فقال: إن المحترمة هي التي عصرت لغير قصد الخمرية.
ويتخرج علي الجوابين ما إذا عصرت لا بقصد، وتبعه النووي في "الروضة" علي الموضعين.
قوله: أما إذا طرح في العصير بصلًا أو ملحًا بقصد التخليل فتخمر، ثم تخلل فوجهان.
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا يطهر.
انتهى.
والصحيح ما صححه صاحب "التهذيب"، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: وحكى الإمام عن بعض الخلافيين أنه لا يجوز إمساك الخمر المحترمة، بل يضرب عن العصير إلى أن يصير خلًا.
فإن اتفقت منا اطلاعة وهو خمر أرقناه.
انتهى.
وإسناده ذلك لبعض الخلافيين وسكوته عليه، قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وهو يشعر بعدم وجوده لأئمة المذهب، وهو غريب.
فهذا هو المعروف عن العراقيين، قد نقله عنهم ابن الرفعة في "الكفاية" في باب النجاسات، وفي الغصب.
قوله: ويطهر ما فوق الخل مما أصابه الخمر في حال الغليان، قاله الفاضي حسين وأبو الربيع الإيلافي.
انتهى.
وما قالاه من الطهارة قد خالفهما فيه غيرهما من الأصحاب، فقال: إنه نجس معفو عنه.
وقال البغوي في "فتاويه" بعد نقله: إنه الصحيح عندي، بل رأيت في كتاب "الحيل" لأبي حاتم القزويني الجزم بأنه نجس غير معفو عنه، إلا أن الصحيح هو الأول، ولهذا جزم به النووي في "فتاويه" ونقله عن الأصحاب.
الباب الثالث: في حكم المرهون بعد القبض
قوله: ولو [أخر] 1 المرهون مدة تزيد علي محل الدين بطل على المشهور.
ثم قال ما نصه، ثم القائلون بالمنع لم يفصل الجمهور منهم، وقال في "التتمة": يبطل قدر الأجل [وفي] 2 الزائد عليه قولا تفريق الصفقة.
انتهى لفظه بحروفه.
وتبعه عليه في "الروضة" وهو غلط في التعبير والصواب وهو المذكور في "التتمة" أن يقول: بطل الزائد علي الأجل، وفي قدره قولان.
ثم إن هذه الطريقة هي قياس ما قالوه في تفريق الصفقة، وإلا فما الفرق؟.
وجزم بها أيضًا الماوردي في "الحاوي" و [في] 3 نظير المسألة إجازة الطفل.
قوله: وإن أعتقه فأقوال.
انتهى.
قال القاضي حسين في "فتاويه": محل ذلك إذا لم يعتقه عن كفارة غيره.
فإن أعتقه عنها لم يصح، ونقله في "الروضة" عنه وأقره.
قوله: التفريع إن قلنا: لا ينفذ إعتاق المرهون فانفك بإبراء أو غيره فقولان أو وجهان:
أظهرهما: أنه لا يحكم بنفوذه أيضًا.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وكذلك النووي في "الروضة".
والصحيح: أن الخلاف وجهان، كذا جزم به الرافعي في "المحرر"، والنووي في "المنهاج".
قوله: ومتي كان الراهن موسرًا وقلنا: ينفذ عتقه مطلقًا، أو من الموسر فقط، ففي وقت نفوذه طريقان.... إلى آخره.
فيه إشارة إلى أنا إذا نفذنا إعتاق المعسر فيعتق في الحال بلا خلاف.
قال النووي في "زياداته": وقد صرح به الشيخ أبو حامد، وصاحب "الشامل" وغيرهما.
قوله من "زوائده": إذا أعتق المرهون عن كفارته أجزأه، إن قلنا: ينفذ إعتاقه.
وإن أعتقه عن كفارة غيره فلا يعتق لأنه بيع، قاله القاضي حسين في "الفتاوي".
انتهى.
والمسألة [الأولي] 1: قد ذكرها الرافعى في كتاب الظهار أبسط من المذكور هنا، فلا حاجة إلى زيادته إياها.
وأما الثانية: وهي التكفير عن الغير فيرد عليه ما إذا مات الراهن فانتقلت العين إلى وارثه فأعتقها عن مورثه، وكذا إذا لم يرهنه، ولكن مات وعليه دين، فإنه ينتقل إلى الوارث مرهونًا.
ومع ذلك يجوز إعتاقه عن مورثه، كما هو حاصل كلام الرافعي في باب الوصية، وعلله بأن إعتاقه كإعتاقه.
ولو أعتق عنه الوارث عبدًا قد رهنه هو -أي الوارث- وهو موسر ففي [نفوذه] 2 نظر يحتمل الجواز، كما لو أعتقه عن نفسه، ويحتمل المنع،
لأن فيه [انتقال] 1 المرهون إلى غيره.
فإن نفذناه بطل الحكم الذي ادعاه، وإن لم ننفذه بطلت العلة بكونه بيعًا، لقصورها إذ لا عوض هنا بالكلية، ومع ذلك لا يصح.
واعلم أن المنقول في باب الوصية أنه يجوز للوارث والأجنبي التبرع بها على الميت على الأصح إن كانت الكفارة مرتبة، وفي المتخيرة خلاف.
قوله أيضًا من زوائده: وفي وجه يحرم وطء الحامل من الزنا.
انتهى.
هذا الوجه ذكره الرافعي في باب العدد وغيره، ونقله عن ابن الحداد.
قوله: وهل تصير الجارية المرهونة أم ولد بالإحبال؟، فيه الأقوال المذكورة في الإعتاق.
ثم منهم من امتنع من الترتيب وسوى بينهما لتعارض المعنيين، وبه قال الشيخ أبو حامد، والأكثرون قالوا بالترتيب، وجعلوا الاستيلاد أولى بالنفوذ، ومنهم من عكس.
انتهى ملخصًا.
ذكر نحوه في "الروضة" أيضًا، وحاصله تصحيح عدم التسوية، وخالف ذلك في "الشرح الصغير"، ورجح التسوية فقال ما نصه: وفي مصيرها أم ولد الأقوال المذكورة في الإعتاق، وقيل: الاستيلاد أولي بالنفوذ لأنه فعل، والفعل أقوى.
وقيل: الاستيلاد أولي بأن لا ينفذ.
هذا كلامه، وهو صريح فيما قلناه، وكلام "المحرر" يشعر به أيضًا.
ووقع الموضعان في "الروضة" و"المنهاج" كما وقعا في الأصل.
قوله: ولو انفك الرهن ولم يتفق بيعها نقد الاستيلاد، ومنهم من خرجه على الخلاف فيما إذا بيعت.
انتهى.
وحاصله تصحيح طريقة القطع، وقد صرح بها في "الروضة" أيضًا، لكن وقع في "المحرر" و"المنهاج" الجزم بطريقة الخلاف.
قوله: إذا ماتت الجارية التي أولدها الراهن بالولادة والتفريع على أن الاستيلاء عندنا نافذ، فعليه قيمتها لتكون رهنًا، وعن أبي علي الطبري وغيره وجه أنه لا شيء عليه.
انتهى.
وما نقله عن أبي علي الطبري قد رأيت في كتابه المعروف وهو "الإفصاح" الجزم بعكسه.
قوله: ولو أولد أمة الغير بشبهة وماتت بالولادة، وجبت قيمتها على المذهب بخلاف الحرة على الأصح، لأن الوطء سبب ضعيف، وإنما أوجبنا الضمان في الأمة لأن الوطء استيلاء عليها والعلوق من آثاره، والحرة لا تدخل تحت الاستيلاء، ثم قال: ولو أولد امرأة بالزنا مكرهة فماتت بالولادة حرة كانت أو أمة فقولان:
أصحهما: أنه لا يجب الضمان، لأن الولادة غير مضافة إليه لقطع النسب.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه من تصحيح عدم الوجوب تابعه عليه في "الروضة"، ثم ذكر -أعني النووي- في أواخر الغصب في الكلام على وطء الغاصب والمشتري منه ما يشكل على هذا التصحيح، وسوف أذكر لفظه هناك فراجعه.
ويؤخذ من تعليل الرافعي في هذا الباب أنه لا فرق في عدم الضمان بين كونها مكرهة أو طائعة [لأن النسب منتف عنه لكنه نص على المكرهة ليؤخذ منه الطائعة] 1 إما بطريقة الأولى [وإما لأنه] 2 لا فرق.
وقد علل الرافعي الوجوب في الغصب بمأخذين موجودين في هذه الصورة.
قوله: ولو خالف ما ذكرناه فغرس أو زرع حيث منعناه، فلا يقلع قبل حلول الأجل، وبعد حلول الدين ومساس الحاجة إلى البيع يقلع إن كانت قيمة الأرض لا تفي بدينه، وتزداد قيمتها بالقلع.
انتهى كلامه.
ومحل ما قاله من القلع إذا لم يأذن [الراهن] 1 في بيع الغراس والزرع.
فإن أذن فيه لم يقلع، بل يباعان ويوزع [الثمن] 2.
كذا نبه عليه الرافعي في الكلام على رهن الأم دون الولد، وهو واضح فتنبه له.
قوله: لا يخرج من يده ولا يوهن.
الوهن بالواو وهو الضعف، أي لا يضعف بالإخراج من يده.
قوله: وإن أراد الراهن استيفاء المنافع بنفسه، قال في "الأم": له ذلك، ويمنع منه في القديم فحمل حاملون الأول على الثقة المأمون جحوده، والثاني على غيره، وأجراهما مجرون قولين مطلقًا، ووجهوا الثاني بما يخاف من جحوده وخباثته لو سلم إليه.
والأول بأن ما له استيفاؤه بغيره له استيفاؤه بنفسه ويشبه أن يكون هذا أظهر، ويتفرع عليه.... إلى آخره.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، وأطلق الأظهر ولم يتوقف فيه، وقد ظهر من تعبيره أن الإشارة بقوله: (هذا أظهر) إلى جواز الاستيفاء بنفسه مطلقًا، وحينئذ فليس في كلامه تصحيح واحد من الطريقين.
إذا علمت ذلك فقد اختصر النووي في "الروضة" هذا الكلام على غير وجهه فقال ما نصه: فحمل حاملون الأول على الثقة المأمون جحوده، والثاني على غيره.
وقال آخرون: هما قولان مطلقًا، وهذا أصح.
قلت: المذهب جوازه مطلقًا والله أعلم.
هذا لفظه، فتوهم أن الترجيح الذي ذكره الرافعي في القولين عائد إلى الطريقين، وإنما هو العكس.
وجزم في "المحرر" بالجواز، ولم يحكِ خلافًا بالكلية.
قوله: ويتفرع عليه ما نقله إمام الحرمين وصاحب الكتاب، وهو أنه إن وثق المرتهن بالتسليم فذاك، وإلا أشهد عليه شاهدين أنه يأخذه للإنتفاع.
فإن كان مشهورًا بالعدالة موثوقًا به عند الناس فوجهان: أشبههما: أنه يكتفي بظهور حاله، ولا يكلف الإشهاد في كل [أخذة] 1 لما فيه من المشقة.
اعلم أن المراد مما نقله عن الإمام والغزالي وهو أنا إذا أوجبنا الاشهاد أوجبناه في كل أخذة، كذا هو مصرح به في "النهاية" و"الوسيط" وإليه أشار الرافعي في آخر كلامه.
فكأنه قال: لا يجب في الموثوق به ما أوجبناه في غيره وكلام "الروضة" يوهم أن ما ذكره الرافعي في آخر كلامه ليس إشارة لذلك، وأن الإشهاد يجب أيضًا في حقه، ولكن الخلاف إنما هو في تعدد الإشهاد لتعدد الأخذ.
قوله: ثم إن كان إخراج المرهون من يد المرتهن لمنفعة [يدام استيفاؤها فذاك.. وإن كان لمنفعة] 2 تستوفى في بعض الأوقات كالاستخدام أو الركوب فيستوفي نهارًا ويرد إلى المرتهن ليلًا.
انتهى كلامه.
تبعه في "الروضة" على إطلاق الرد في جميع الليل، والصواب ما نبه عليه ابن الرفعة في "شرح الوسيط" أنه لا يرد في جميع الليل، بل في الوقت الذي جرت العادة بالراحة فيه.
قال: لأن الشافعي نص في "البويطي" في الأمة المزوجة: على أنها تترك بعد ثلث الليل.
قوله: والعبد المحبوس بالثمن، هل يستكسب في يد البائع للمشتري أم تعطل منافعه؟ فيه اختلاف للأصحاب.
انتهى.
قال في "الروضة" من "زياداته": الراجح استكسابه.
قوله: الديون التي على الميت تتعلق بتركته كتعلق المرهون وفى قول: كتعلق الأرش برقبة الجاني.
وقد سبق في [الزكاة] 1 أن هذا التعلق لا يمنع الإرث على الأصح من الخلاف.
انتهي ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الخلاف في كونه تعلق رهن أو جناية، قد جعله في كتاب العتق وجهين، ذكر ذلك قبيل الولاء بنحو ستة أوراق من جملة فصل مشتمل على مسائل متعلقة بما نحن فيه.
وسلمت "الروضة" من هذا الاختلاف، فإنه لم يتعرض هناك للخلاف، والمذكور هنا هو المذكور في "المحرر" وغيره.
الثاني: إذا قلنا: إنه يمنع الإرث، فهل يمنع في قدر الدين أم في الجميع؟
فيه وجهان ذكرهما الرافعي في آخر كتاب الشفعة، ولم يصحح منهما شيئًا، وقال: إنهما مذكوران في موضعهما، وموضعهما هو هذا الباب
والعتق وآخر زكاة الفطر، وهو المشار إليه بقوله: وقد سبق في الزكاة.
وليس للوجهين ذكر في المواضع الثلاثة.
الأمر الثالث: أن هذا الخلاف المذكور في منع الإرث، لم يبين هنا هل هو وجهان أو قولان؟ وقد حكاهما الرافعي في زكاة الفطر وجهين، وحكاه في زكاة المعشرات نقلًا عن الشيخ أبي علي أنه [قولان] 1 وهو الصواب، فإنه قد نقل في زكاة الفطر أن الشافعي نص على أنه لا يمنع.
ونقل الإمام في كتاب الشفعة عن القديم أنه يمنع وأشار الرافعي أيضًا في الفطرة إلى إثباته قولًا فثبت القولان.
ورأيت في "الأم" ما حاصله أنه يمنع أيضًا، فقال في الكتابة في باب ميراث سيد المكاتب: فإن كان الورثة محجورين فدفع المكاتب ما عليه إلى وصيهم، وعلى الميت ديون أو لا دين عليه، أوله وصايا أو لا وصايا له، فالمكاتب حر، وإن هلك في يد الوصي لأن الوصي يقوم مقام الميت إذا كان قد أوصي إليه بدينه ووصاياه وتركته.
ثم قال: وإن كان الميت مات عن ورثة كبار، وليس فيهم صبي، وعليه دين، وله وصايا لم يبرأ المكاتب بالدفع إلى الورثة حتى [يصل إلى أهل الدين دينهم لأن الميراث لا يكون للورثة حتى] 2 يقضي الدين.
وإن قضي الدين حتى يصل إلى أهل الوصايا وصاياهم لأن أهل الوصايا شركاء بالثلث.
انتهى.
ويؤخذ من هذا النص أمران:
أحدهما: ما أشرنا إليه.
والثاني: أن الوارث ليس له ولاية قبض هذا الدين، لأن الشافعي
حكم بانتفاء العتق بهذا القبض.
فلو ثبت له ولاية القبض لعتق بهذا القبض، فلو ثبت له ولاية العتق لعتق كما تقدم في الوصي وهي مسألة حسنة، وقد ذكرها الرافعي في آخر الكتابة نقلًا عن البغوي فقال: وإن قضى الديون والوصايا عتق، وإلا وجب الضمان على المكاتب، ولم يعتق.
ثم نقل عن القاضي أبي الطيب مسألة أخري وهي الدفع إلى الغريم فقال: إنه يبرأ بذلك إن كان الدين مستغرقًا للتركة.
قوله في "الروضة": فلو أعتق الوارث، أو باع وهو معسر لم يصح قطعًا، سواء جعلناه كالجاني أو كالمرهون ويجيء في الإعتاق خلاف.
انتهى.
وما ذكره هنا من نفي الخلاف في بيع الوارث المعسر لم يتعرض له الرافعي، وهو غير صحيح أيضًا، فقد حكى هو في كتاب العتق عن الإمام قولًا أنه يصح إذا جعلناه كالجناية.
وحكي عنه أيضًا الرافعي فرقًا يتقوي به ما جزم به الرافعي، وصرح النووي بنفي الخلاف فيه فقال: الوارث يلغي الملك بالخلافة، وهي مشروطة بتقديم حق الميت بخلاف الجاني والمرهون.
قوله: فإن كان موسرًا نفذ في وجه بناء على تعلق الأرش، ولا ينفذ في وجه بناء على تعلق حق المرهون، وفي وجه هما موقوفان.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وهذا الكلام يوهم أن الصحيح بطلان العتق، لكونه أشار إلى أن الإبطال مبني على جعله كالمرهون، وهو الصحيح، وليس ذلك مراده.
إنما المراد أنه لما ذهب بعضهم إلى أنه كالجاني، وبعضهم إلى أنه كالمرهون لزم أن يجيب بعضهم بالجواز كما قد قيل به في الجاني،
وبعضهم بالمنع كما قيل به في المرهون.
ويدل على أنه لم يرد استيعاب الوجوه المفرعة على كل قول، أن الصحيح في الموسر صحة اعتاقه للمرهون، وبالجملة فقد صرح في كتاب النكاح بما يدفع الوهم، فقال قبيل الباب السادس: المذهب أنه ينفذ من الوارث الموسر إعتاق عبيد التركة، وكذلك في كتاب العتق، فقال: الأظهر في الإعتاق النفوذ وفي البيع المنع.
ونقل الرافعي هناك خلافًا من غير ترجيح في مسائل متعلقة [بما نحن فيه] 1.
إحدها: إذا نفذنا العتق هل ينتقل الدين إلى ذمة الوارث أم لا ينقله بل يلزمه القيام بالأقل؟.
الثانية: إذا فرعنا على صحة البيع فتلف الثمن في يد الوارث هل للغرماء تغريم المشتري ثانيًا؟.
الثالثة: إذا صححنا البيع هل يقع [لازمًا] 2 أم لا كبيع الجاني؟ والإمام هو القائل بالنفي في المسائل الثلاث.
قوله: وفي تعلق حقوق الغرماء بزوائد التركة كالكسب والنتاج خلاف يتفرع على ما مر من أن الدين هل يمنع الميراث؟ إن منعه ثبت التعلق، وإلا فلا.
انتهى كلامه.
وحاصله أن الصحيح عدم التعلق، لأن الصحيح أنه لا يمنع كما مر.
إذا علمت ما قلناه فقد ذكر ما يخالف ذلك في كتاب النكاح في الباب الخامس في المولى عليه في السبب الخامس منه في الكلام على إجبار العبد
على النكاح، وسأذكره هناك إن شاء الله تعالى.
واقتصر الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" على ذكرها في هذا الباب.
قوله: وقول "الوجيز": ولو ظهر دين بعد تصرف الورثة في التركة ففي تتبعه [بالنقص] 1 خلاف، أراد بالتتبع تبيين الفساد على ما هو مبين في "الوسيط" [انتهى.
ودعواه أن ذلك مبين في "الوسيط"] 2 ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" وليس كذلك، بل إنما بينه في "البسيط".
قوله: ولو شرطا وضعه عند اثنين، فإن نصا على أن لكل منهما الانفراد بالحفظ أو على أن يحفظاه معًا في حرز اتبع الشرط، وإن أطلقا فوجهان لابن سريج.
أصحهما: أنه ليس لأحدهما أن ينفرد بالحفظ كما لو أوصي إلى رجلن أو وكل وكيلين لا يستقل أحدهما، فعلى هذا يجعلانه في حرز لهما.
والثاني: يجوز الانفراد لئلا يشق عليهما.
فعلى هذا إن اتفقا على كونه عند أحدهما فذاك، فإن تنازعا والرهن مما ينقسم قسم، وإلا حفظ هذا مدة وهذا مدة، انتهى كلامه.
وهو موهم، بل ظاهر في أنه لا يجوز لهما أن يقتسماه، لكنه ذكر في نظيره من الوصية ما يخالفه فقال في الشرحين: وإن اختلفا في الحفظ، ولم يكونا مستقلين فوجهان:
أحدهما: أنه لا ينفرد واحد منهما بحفظ شيء.
والثاني: -وبه أجاب الأكثرون-: أنه ينقسم أيضًا، لأنه إذا كان المال في يدهما كان نصفه في يد كل واحد منهما فجاز أن يعين ذلك النصف.
قوله: فإن فرعنا على الجواز فقسماه بالتراضي ثم أراد أحدهما أن يرد ما في يده على صاحبه ففي جوازه وجهان لابن سريج، وجه المنع، أن المشقة قد اندفعت بما جرى.
انتهى ملخصًا.
قال في "الروضة" من "زياداته": قطع البغوي بأنه لا يجوز.
قوله: الثانية: إذا وضعا الرهن عند عدل وشرطا أن يبيعه عند المحل جاز، ولا تشترط مراجعة الراهن في الأصح، لأن الأصل دوام الإذن.
ثم قال: وأما المرتهن فجواب العراقيين أنه لابد من مراجعته، ولم يجروا فيه الخلاف.
ووجهوه بأن المرهون إنما يباع لإيصال حقه إليه [وذلك] 1 يستدعي مطالبته بالحق فليراجع لتعرف أنه يطالب أو يمهل أو يبرء.
وقال الإمام: لا خلاف أن المرتهن لا يراجع، لأن غرضه توفية الحق بخلاف الراهن، فإنه قد يستبقي العين لنفسه، فتأمل في بعد إحدى الطريقتين عن الأخرى.
انتهى كلامه.
واعلم أن الإمام صور مسألة الوجهين بما إذا كان الراهن والمرتهن أذنا للعدل، وعلى هذا التصوير لا يحتاج إلى مراجعة المرتهن بلا نزاع، فلذلك ادعى الإمام نفي الخلاف فيه.
وصور العراقيون ذلك بما إذا شرط في الرهن أن العدل يبيع، أو حصل توكيل من الراهن فقط، ولم يأذن المرتهن.
وعلى هذا الفرض لابد من إذن المرتهن لأنه لم يأذن قبل ذلك، فلذلك قالوا: لابد من مراجعته، فالحاصل أنهما مسألتان، ذكر العراقيون
مسألة، [والإمام أخرى] 1 فلا تنافي بين المقالتين ولا بعد.
فإن قيل: إذا اشترطا ذلك في العقد، فهل يشترط أيضًا إذن المرتهن؟ قلنا: نعم، لأن إذنه إنما يكون بعد ثبوت حقه، وذلك متوقف على القبض بخلاف الراهن.
قوله: ولو عزل الراهن العدل انعزل، ولو عزله المرتهن لم ينعزل في أظهر الوجهين، لأنه وكيل عن الراهن، وإذن المرتهن شرط.
ثم قال ما نصه: وإذا قلنا: لا ينعزل بعزل المرتهن، فلو عاد إلى الإذن جاز البيع، ولم يشترط تجديد توكيل من الراهن.
قال في "الوسيط": ومساق هذا أنه لو عزله الراهن، ثم عاد ووكل افتقر إلى تجديد إذن للمرتهن، ويلزم عليه أن يقال: لا يعتد بإذن المرتهن قبل توكيل [الراهن، ولا بإذن المرأة للوكيل قبل توكيل] 2 الولى إياه، والكل محتمل.
انتهى كلامه.
واعلم أن كلام "الوسيط" هنا قد حصل فيه أوهام كثيرة، فإن جميعه مبني على أن رجوع المرتهن عزل كرجوع الراهن.
ولم يذكره الغزالي، ومع كونه مبنيًا على شيء لم يذكر قد حصل فيه أيضًا تبديل لفظ بلفظ يعلم من "النهاية"، والعجب من سكوت الرافعي عليه، وقد نبه ابن الرفعة على ذلك في "المطلب"، وآخر الرهن من "الكفاية" ناقلًا له عن [شيخه الشريف مدرس المدرسة الشريفية بمصر وبه سميت الشريفية] 3 فقال: وكان شيخى السيد الشريف عماد الدين العباسي -رحمه الله- يستشكل كلام الغزالي -رحمه الله- في هذا،
وكتب له ورقة بخطه فيما وقع له فيه، وسأذكر صورة المكتوب فيها، ثم أبدى ما ظهر لي عليه، وصورته التي زعم الشيخ أنه مساق كلام الأصحاب، ليس مساقًا لكلامهم ووقع الغلط في هذا الفرع في ثلاث عشرة كلمة منه، وها أنا أرسمها بالحمرة [بين الأسطر ليتنبه الناظر وأكتب بالحمرة] 1 المسألة التي ذكرها الإمام -أعني الوجه الذي نقله الإمام عن الأصحاب، إذ كان الشيخ أراد أن يفرع عليه، لكن كأن الأمر اشتبه عليه فعكس الصواب في تفريعه عليه، ونقل حكم إذن المرتهن إلى توكيل الراهن بالعكس، فأقول بعد أن أعلمك أن المكتتب بالسواد هو نفس كلام الشيخ، والمكتتب بالحمرة فوق الكلمات بعد مسألة الأصحاب هو صوابه، قال: فروع أربعة:
الأول: أنه لو رجع أحدهما عن الإذن امتنع البيع، ورجوع الراهن عزل، فإنه الموكل، وإذن المرتهن شرط، وليس بتوكيل، وكذلك لو عاد المرتهن وأذن بعد رجوعه جاز، ولم يجب تجديد التوكيل من الراهن.
وذهب بعض الأصحاب إلى رجوع المرتهن يوجب رفع الوكالة، ومساق هذا الكلام من الأصحاب بأنه لو عزل الراهن [المرتهن] 2 ثم عاد ووكل [وأذن] 3 افتقر المرتهن [الراهن] 4 إلى تجديد الإذن [التوكيل] 5 وعليه، يلزمه لو قيل به أن لا يعتد بإذنه [بتوكيله] 6 للعدل قبل توكيل [إذن] 7 الراهن [المرتهن] 8، فليؤخر