ولأجل ما ذكرناه عبر الرافعي بقوله: لما قيل.
قوله: ثم الجمهور قالوا ببرود الحصى ليلًا قبل أن يصلي الصبح.
وفي "التهديب": أخر أخذها عن الصلاة.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، والذي قاله البغوي هو الصواب نقلًا ودليلًا؛ فقد رأيته منصوصًا عليه في "الأم" و"الإملاء".
وروى النسائي والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم كما قاله في "شرح المهذب" أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال للفضل بن العباس غداة يوم النحر: "التقط لي حصى فالتقطت له حصيات مثل حصى الحذف" 1.
قوله: ويرمون سبع حصيات إلى جمرة العقبة وهي في حضيض الجبل مترقية عن الجادة.
انتهى.
حضيض: بحاء مهملة وبضادين معجمتين.
قال الجوهري: هو قرار الأرض عند منقطع الجبلين.
والمترقية، بالتاء المثناة من فوق وبالقاف، من الرقي وهو الارتفاع؛ أي: مرتفعة عن الطريق.
والجادة: الطريق التي يسلكها غالب الناس.
والجمع: الجواد.
قوله: فأحد القولين أن الحلق ليس بنسك وإنما هو استباحة محظور لأن كل ما لو فعله قبل وقته كان استباحة كالطيب واللبس.
وأصحهما وبه قال مالك وأبو حينفة وأحمد أنه نسك مثاب عليه؛ لأن الحلق أفضل من التقصير، والتفضيل إنما يقع في العبادات دون المباحات.
انتهى كلامه.
وهو صريح في أن الطيب مباح لا ثواب فيه وإلا لم يصح قياس القول الأول عليه ليس كما قال، بل المنقول استحبابه بين التحللين؛ لرواية عائشة، ونص عليه الشافعي في "الأم" وجزم به هو أعني الرافعي في آخر المسألة، ووقع هذا الاختلاف للنووي أيضًا؛ فإنه ذكر في "شرح المهذب" ما ذكره الرافعي من القياس المذكور وجزم في "الروضة" باستحبابه.
واعلم أنا قد استفدنا من استحباب الطيب أنه لا يلزم من كون الشيء استباحة محظور أن ينتفي عنه الثواب؛ ولهذا قال في "الوسيط": إذا جعلنا الحلق استباحة محظور كان مستحبًا يلزم بالنذر بلا خلاف، وفيه كلام آخر ستعرفه.
قوله في "أصل الروضة": فإن قلنا: إن نسك فهو ركن لا يجبر بالدم.
انتهى.
وحكى الرافعي بعد هذا في الكلام على ما يحصل به التحلل عن الداركي أن الحلق ليس بركن إذا جعلناه نسكًا، وأسقط النووي هذا الوجه، وذهب الشيخ أبو حامد وجماعة إلى أنه ركن في العمرة واجب في الحج.
فحصلنا على خمسة أوجه.
قوله: لكن الحلق أفضل؛ لقوله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "رحم الله المحلقين.
فقالوا يا رسول الله والمقصرين؟ فقال في الرابعة: والمقصرين" 1. انتهى.
وما أطلقه من تفضيل الحلق قد تبعه في "الروضة" وهو في الحج صحيح.
وأما العمرة ففيها تفضيل نص عليه الشافعي في "الإملاء" ذكره في أثناء كتاب الحج قبل آخره بنحو خمسة عشر ورقة فقال ما نصه: قال الشافعي: ومن قدم معتمرًا قبل الحج في وقت إن حلق فيه حمم رأسه حتى لا يأتي
عليه يوم النحر إلا وثم شعر يحلق أحببت له أن يبتدئ الحلاق بفصل الحلاق، وإني لا أدري لعله لا يدرك حلاق الحج.
وإن قدم يوم التروية أو يوم عرفة في وقت إن حلق فيه لم يحمم رأسه إلى يوم النحر اخترت له أن يقصر ليحلق يوم النحر، ولو حلق لم يكن عليه شيء.
هذا لفظه بحروفه ومن "الإملاء" نقلته.
وهي مسألة نفيسة.
وحمم: بحاء مهملة وميم مفتوحة مشدودة، ومعناه: أسود من الشعر؛ مأخوذًا من الحممة؛ وهي الفحم.
ويؤيد التقصير أيضًا أنه إذا تعاطاه المعتمر المذكور لزم أن يقوم في كل نسك بواجب من الحلق أو التقصير فيثاب ثواب الواجب ويدخل في دعوة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالفعلين معًا.
بخلاف ما لو حلق في العمرة.
والحديث الذي ذكره المصنف رواه الشيخان.
قوله: والنساء لا يؤمرن بالحلق؛ لما روي أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "ليس على النساء حلق وإنما يقصرن" 1. انتهى.
وتعبيره بعدم الحلق ذكر مثله في "الروضة"، وليس فيه تصريح بكونه حرامًا أو مكروهًا أو خلاف الأولى أو مباحًا، وقد تعرض له في "شرح المهذب" فحكى فيه وجهين:
أصحهما: أنه مكروه.
والثاني: يحرم لأنه مثلة في حقهن وقد نهي الشارع عنها.
وأيضًا فلما رواه على أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "نهى أن تحلق المرأة رأسها" 1، رواه الترمذي وقال: أنه مضطرب.
ثم نقل أعني النووي على أبي الفتوح أن الخنثى في ذلك كالمرأة، وما أطلقه النووي وغيره من الكراهة يتجه تقييده بثلاث شروط وهي: أن تكون كبيرة حرة خلية عن الأزواج؛ فإن كانت صغيرة لم تنته إلى سن يترك فيه شعرها فالمتجه أنها كالرجل في استحباب الحلق.
وإن كانت أمة فإن منعها السيد من الحلق حرم بلا نزاع، ويعدل إلى التقصير؛ لأن الشعر ملكه، ولأنه قد يقصد الاستمتاع بها أو بقصد بيعها والحلق ينقص القيمة.
وإن لم يمنع ولم يأذن فالمتجه التحريم أيضًا لما ذكرناه.
ثم المتجه فيما إذا قصرت امتناع الزيادة على ثلاث شعرات إلا بإذن وإن كانت حرة إلا أنها متزوجة جاز لها تقصير الجميع وإن منع الزوج؛ لأن لها غرضًا في حصول هذه السنة، ولا ضرر على الزوج فيه.
وأما الحلق فيمتنع الجزم بامتناعه لأن فيه تشويهًا، ويحتمل تخريجه على الخلاف في إجبارها على ما يتوقف عليه كما الاستمتاع كإزالة الأوساخ ونحوه.
والصحيح أن له إجبارها عليه، وفي التحريم عليها عند منع الوالد نظر.
والأوجه.
وحكم التقصير فيما زاد على الأنملة كحكم الحلق؛ لأنه لا ينضبط؛ فلو
جوزنا زيادة عليه لكان يؤدي إلى ما ذكرناه من التشويه.
والحديث الذي ذكره الرافعي رواه أبو داود بإسناد حسن.
قوله: وإذا حلق فالمستحب أن يبدأ بالشق الأيمن ثم بالأيسر، وأن يكون مستقبل القبلة وأن يكبر بعد الفراغ وأن يدفن شعره.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من البداءة بالشق الأيمن هل المراد أنه يستوعبه من مقدمه إلى مؤخره أم يفعل ذلك أولا بالمقدم ثم يفعله بالمؤخر؟ اختلف فيه كلام النووي فقال في "مناسك الحج الكبرى" ما نصه: والسنة في صفة الحلق أن يستقبل المحلوق القبلة ويبدأ الحالق بمقدم رأسه فيحلق منه الشق الأيمن ثم الأيسر ثم يحلق الباقي.
هذا كلامه.
وقال في "شرح المهذب": السادسة: قال أصحابنا: يستحب أن يبدأ بحلق شق رأسه الأيمن من أوله إلى آخره ثم الأيسر.
هذا لفظه وهو الموافق لكلام الأصحاب وللحديث الصحيح.
الأمر الثاني: أن المراد بالذي يستقبل القبلة إنما هو المحلوق له لا الحالق كما صرح به في "شرح المهذب" ولفظ الرافعي و"الروضة" محتمل للمحلوق والحالق، وكذلك لفظ الرافعي بالنسبة إلى الكبير عند فراغه وأن يدفن شعره.
ثم قال: التكبير ولم أر فيه نقلًا صريحًا.
الأمر الثالث: أن النووي قد نسى التكبير فلم يذكره في "الروضة" ووقع له بسبب نسيانه غلط فأحسن في "شرح المهذب" فإنه ذكر ما في "الروضة" ثم قال بعده: قال صاحب: "الحاوي": في الحلق أربع سنن: أن يستقبل القبلة، وأن يبدأ بشقه الأيمن، وأن يكبر عند فراغه، وأن يدفن شعره.
ثم قال: وهذا كلامه، وهو حسن إلا التكبير عند فراغه؛ فإنه غريب، وقد استحب التكبير أيضًا البندنيجي، ونقله صاحب "البحر" عن أصحابنا.
انتهى.
فانظر كيف استغرب استحبابه مع أنه مجزوم به في الرافعي؛ وسببه ما أشرنا إليه مرات من كونه ينقل من "الروضة" ويعزوه إلى الرافعي، وقد سري هذا الوهم أيضًا إلى المناسك؛ فإنه عد المستحبات كما وقع في "الروضة" خاصة ولم يذكر التكبير.
قوله في "الروضة": ولو حلق ثلاث شعرات في دفعات أو أخذ من شعره واحدة شيئًا ثم عاد ثانيًا فأخذ منها ثم ثالثًا فأخذ، فإن حملنا الفدية به لو كان محصورًا حصل النسك وإلا فلا.
انتهى كلامه.
ذكر الرافعي نحوه أيضًا.
وهذه المسألة المحال عليها وهي تكميل الفدية قد ذكرها الرافعي في آخر النوع السادس من محرمات الإحرام، ونقلها النووي إلى آخر النوع السابع، وصححا معًا أن الدم لا يكمل بل يجب في كل منها ما يجب فيه لو انفرد وهو المدون بالعاقي في ذلك حتى اقتضى كلامهما تصحيح القطع به، وحينئذ فلا يحصل به النسك أيضًا على الأصح المقطوع به.
وقد خالف ذلك في "شرح المهذب" فقال: فلو حلق أو قصر ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات أجزأه وفاتته الفضيلة، هذا هو المذهب.
انتهى لفظه.
ثم نقل بعد ذلك ما قاله هو في "الروضة" تبعًا للرافعي عن الإمام خاصة وأن الرافعي يخصه فقال كذا وكذا، وهو تباين فاحش، على أن الرافعي هنا لم يصرح بالمنع على القول بعدم تكميل الفدية، بل إنما يؤخذ من مفهوم كلامه، وإنما النووي هو الذي صرح به حالة الإحصار.
قوله: ومن لا شعر على رأسه يستحب له إمرار الموسي على الرأس تشبها بالحالقين.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذا التعبير، وهو يقتضي أنه إذا كان على بعض رأسه شعر لا يستحب له إمرار الموسي على الباقي، والقياس خلافه لأنه كما يستحب الحلق في الجميع يستحب إمرار الموسي عليه للمعنى الذي قالوه وهو التشبيه.
قوله: أما إذا نذر الحلق في وقته فإنه متعين ولم يقم التقصير مقامه ولا النتف ولا الإحراق.
انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" نحوه، وعبر في "شرح المهذب" بعدم الإجزاء.
وهذه العبارات مجملة إذ يحتمل أن يكون المراد عدم الجواز فقط، ويحتمل عدم حصول التحلل أيضًا.
وعلى كل من التقديرين، فإذا زال الشعر جميعه بغير الحلق فهل يبقى الحلق أيضًا في ذمته حتى يتعلق بالشعر المستحلق تداركًا لما التزمه أو لا يتعلق به؛ لأن النسك إنما هو في إزالة شعر اشتمل عليه الإحرام كما قاله الرافعي فيه نظر، والمتجه الأول وهو عدم الجواز؛ فإنه إذا نذر صفة في واجب لم تقدح تلك الصفة في الاعتداد بذلك الواجب كما لو نذر الحج ماشيًا وقلنا بوجوب المشي فركب.
قوله في "الروضة": وفي وجه غريب لا يلزم الحلق بالنذر إذا لم يجعله نسكًا.
انتهى كلامه.
وحاصله أن الصحيح المعروف أن الحلق يلزم بالنذر وإن قلنا: إنه ليس بنسك، وهذا مشكل؛ لأن النووي جازم بأن الحلق لا ثواب فيه إذا فرعنا على هذا القول أي: كونه ليس نسكًا.
هكذا قاله في "شرح المهذب" وغيره وصرح به الرافعي أيضًا.
وإذا لم يثبت عليه فكيف يلزم بالنذر مع اتفاقهم على أن النذر لا يصح إلا في قربة.
وبالجملة فالذى ذكره في "الروضة" غير مطابق لكلام الرافعي؛ فإن الرافعي قد قال ما نصه: وقوله يعني الغزالي لا خلاف في أنه مستحب يلزم بالنذر ليس صافيًا عن الإشكال لأن التوجيه الذي مر يقتضي كونه من المباحات على قولنا أنه ليس بنسك وقد ذكر غيره أنه إنما يلزم بالنذر على قولنا أنه نسك.
هذا لفظ الرافعي، ولم يذكر في هذه المسألة غيره، وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وهو صريح في إنكاره؛ وليوضح ذلك فيقول: قد علمت أن الغزالي ذهب إلى استحبابه على القول بأنه ليس بنسك، ويلزم من استحبابه لزومه بالنذر، ونزاع الرافعي ليس في الوجوب على تقدير تسليم الاستحباب بل إنما نازع في الاستحباب المقتضي للوجوب؛ ولهذا عبر بقوله لأن التوجيه الذي مر يقتضي كونه من المباحات فتأمله.. إلى آخره.
وحاصل ما يستفاد من سياقه رجحان الإباحة وعدم الوجوب، وهو كلام صحيح.
وأما ما صححه النووي من الوجوب بناء على أنه ليس من المناسك فلا يستقيم؛ لأنه إن كان تفريعًا على أنه مستحب فهو تفريع صحيح غير أنه لا يقول هو به فإنه قد صرح في "شرح المهذب" وغيره فعبر بعدم الثواب كما تقدم نقله عنه في المسائل السابقة، وإن كان مع القول بالإباحة فلا يستقيم لأن اللازم بالنذر إنما هو المستحب دون المباح؛ فالصواب إما أن يقول باستحبابه ولزومه بالنذر أو بإباحته وعدم لزومه.
وأما الجمع بين الإباحة واللزوم فمما لا يعقل.
وأما كلام الرافعي فمستقيم كما سبق لأن إشعاره بعدم الوجوب بالنذر موافق لتصريحه بالإباحة تفريعًا على ذلك القول.
واعلم أن نذر الحلق له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن لا يعين مقدارًا، بل يطلق الحلق فيكفي حلق ثلاث شعرات عند من أوجبه.
الحال الثاني: أن يصرح بالاستيعاب؛ قال الرافعي: ففيه تردد عن القفال ولها أجوبة تذكر في النذر، وأشار بذلك إلى ما إذا نذر استيعاب الرأس بمسح الرأس في الوضوء ونحوه، والأصح فيه اللزوم.
وهذه المسألة لم يذكرها في "الروضة".
الحال الثالث: أن يعبر بالحلق مضافًا فيقول لله تعالى على حلق رأسي، والمتجه أنه كتصريحه بالجميع للعرف، ويحتمل إلحاقه بما إذا قال: على الحلق أو أن أحلق.
وتدل عليه الآية.
قوله: وأعمال الحج يوم النحر أربعة: جمرة العقبة، والذبح، والحلق، والطواف.
انتهى.
لم يتعرض هنا لصلاة العيد، وقد تقدم الكلام عليها في موضعها فراجعها.
قوله: ومتى يخرج وقت هذه الأربعة؟ أما الرمى فيمتد وقته إلى غروب الشمس يوم النحر.
وهل تمتد تلك الليلة؟
فيه وجهان: أصحهما: لا.
انتهى كلامه فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هنا من الامتداد إلى الغروب فقد ذكر ما يخالفه في الكلام على الأغسال المسنونة فقال نقلًا عن الإمام أنه يمتد إلى الزوال، وقد تقدم الكلام عليه.
الأمر الثاني: أن تصحيحه عدم الامتداد تلك الليلة قد تابعه عليه في "الروضة" وكذلك في "المناسك الكبرى"، ثم خالف ذلك في المناسك المذكورة أيضًا في الكلام على فوات رمي أيام التشريق فذكر أن هذا الرمي يجوز فعله بالليل وفي باقي أيام التشريق ويكون أداء، ووافقه عليه أيضًا غيره، وسيأتي الكلام عليه هناك مبسوطًا.
قوله: وأما الذبح فالهدي لا يختص بزمن لكن يختص بالحرم.
انتهى.
واعلم أن الهدي يقع على دماء الحيوانات والمحظورات وعلى ما يسوقه المحرم تقربًا إلى فقراء الحرم كما فعل رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فالأول لا يختص بزمن قياسًا على الديون وغيرها، وهذا هو المراد هنا.
وأما الثاني فيختص ذبحه بوقت الأضحية على الصحيح كما ذكره الرافعي في آخر باب الهدي، وصرح هناك بأن اسم الهدي يقع على الكل وبأن الهدي المذكور هناك الممنوع فعله في غير وقت الأضحية هو الذي يسوقه المحرم.
ثم ذكر الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" على مسألة في بابها وحكم عليها بما ذكرته غير أنه عبر في الموضعين بالهدي ولم يفصح عن المراد كما أفصح عنه في الكثير، وظن النووي -رحمه الله- أن المسألة متناقضة فاعترض على الرافعي هنا في "الروضة" و"المنهاج" و"شرح المهذب" وقال: إن المذكور هنا خلاف الصحيح وإن الصحيح ما ذكره هناك،
والعجب من استدراكه مع تصريح الرافعي هناك بما يبين المراد؛ فتفطن لذلك؛ وأحد ما وقع فيه النووي من هذا الوهم الفاحش.
قوله: وأما الحلق والطواف فلا أحدهما لكن ينبغي أن يطوف قبل خروجه من مكة.
وقال في "التتمة".
إذا تأخر عن أيام التشريق صار قضاء.
انتهى.
وكلامه يشعر بجواز تأخير أسباب التحلل إلى خروج أيام الحج، وبه صرح النووي في "شرح المهذب" فقال في هذا الموضع: يكره تأخير الحلق وطواف الإفاضة عن هذا اليوم، وتأخيرها عن أيام التشريق أشد كراهة، وخروجه من مكة قبل ذلك أشد، ولكن لا آخر لوقتها، ولا يزال محرمًا حتى يأتي بذلك.
انتهى كلامه وما اقتضاه كلامه في "الروضة" وصرح به في الشرح المذكور يشكل عليه ما ذكره فيه أيضًا في الكلام على الفوات؛ فإنه قال ما نصه: قال الشيخ أبو حامد والدارمي والماوردي وغيرهم: ليس لصاحب الفوات أن يصير على إحرامه إلى السنة القابلة لأن استدامة الإحرام كابتدائه وابتداؤه لا يصح، ونقله أبو حامد هذا عن النص وعن إجماع الصحابة.
انتهى.
قلت: وجزم به أيضًا صاحب التقريب ونقله عن "النص" أيضًا.
وإحصار الحاج بسنة ما نحن فيه فإنه إذا ترك التحلل فاته الحج ولزمه القضاء.
وليس في "الشرح" ولا في "الروضة" فيه ولا في الفوات تصريح بوجوب المبادرة إلى التحلل ولا بعدم وجوبها.
وقد جزم ابن الرفعة في "المختصر" بأنه لا يجب عليه أن يتحلل بالكلية فقال: كلام الأصحاب دال على أنه غير واجب.
قال: وصرح به القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما.
ثم ذكر في مسألة الفوات ما يدل على أن التحلل فيه واجب، ونقله عن الماوردي، وعلله بأن الاستدامة كالابتداء.
وذكر في مسألتنا وهي تأخير طواف الإفاضة والحلق ما يوافقه فقال: الذي يظهر لي أن قول: من قال: يجوز تأخيرهما، ليس على إطلاقه بل هو محمول على من يحل التحلل الأول بأن أتى بأحدهما مع الرمي وإلا يصير محرمًا بالحج في غير أشهره.
والذي قاله ابن الرفعة حكمًا وتعليلًا مردودًا؛ فقد تقدم عن "شرح المهذب" عكسه، وأما التعليل فلأن وقت الحج يخرج بطلوع فجر يوم العيد والتحلل قبل ذلك لا يجب اتفاقًا بل أن يؤخروه إلى ما بعد طلوع الشمس، وهو نظير ما لو أحرم بالنافلة في غير وقت الكراهة ثم مدها إليه فإنه يجوز وإن كان ابتداؤها فيه لا يصح.
قوله: ومن فاته الرمي ولزمه بدله فهل يتوقف التحلل على الإتيان ببدله؟ فيه أوجه: أشبهها: نعم؛ تنزيلًا للبدل منزلة المبدل.
والثالث: إن افتدى بالصوم فلا؛ لطول زمانه.
انتهى كلامه.
والصحيح في هذه المسألة خلاف ما رجحه الرافعي؛ فإن المشهور أنه لا يتوقف، وهو الذي نص عليه الشافعي.
وقد تعرض لما ذكرناه ابن الرفعة أيضًا حتى نقل فيه عن بعضهم الإجماع.
وتعبير الرافعي بالأشبهه يدل على أنه لم يظفر بترجيح صريح في المسألة لعدم إمعانه فيها.
وقد اغتر النووي بهذا الترجيح الضعيف فعبر عنه في "الروضة" بالأصح، ثم نقل ذلك منها إلى غيرها على عادته.
فإن قيل ما الفرق عند الرافعي بين هذا وبين المحصر إذا عدم الهدي؟ فإن أصح القولين أن التحلل لا يتوقف على بدله وهو الصوم مع أن العلة في مسألتنا وهي تنزيل البدل منزلة المبدل لوجوده فيه؟.
قلنا: الفرق أن التحلل إنما أبيح للمحصر تخفيفًا عليه حتى لا يتضرر بالمقام على الإحرام، فلو أمرناه بالصبر إلى أن يأتي بالبدل لتضرر.
قوله: ويحل بالتحلل الأول اللبس والتقليم وستر الرأس.
روي أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "إذا حلقتم ورميتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" 1.
وفي عقد النكاح والمباشرة فيما دون الفرج قولان، واختلفوا في الأصح منهما؛ فذكر صاحب "المهذب" وطائفة أن الأصح منهما الحل.
وقال آخرون: بل الأصح المنع ومنهم المسعودي، صاحب "التهذيب".
وهؤلاء أكثر عددًا وقولهم أرفق لظاهر النص في المختصر.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من رجحان التحريم قد خالفه في "الشرح الصغير" فصحح الحل وعبر بالأظهر، وكلامه في "المحرر" يقتضي التفصيل بينهما؛ فإنه صرح بإباحة عقد النكاح بالأول وجعل المباشرة داخلة فيما يحل بالثاني.
وقد استدرك عليه النووي في "المنهاج" وصحح التحريم ونقله في "شرح المهذب" عن الأكثرين.
والحديث المذكور رواه الدارقطني من ثلاثة طرق، ولكنه ضم الذبح في الطرق الثلاث إلى الخصلتين المذكورتين وهما الرمي والحلق.
غير أن الأصحاب اتفقوا على أنه لا مدخل له في التحلل.
وروى النسائي بإسناد جيد كما قاله في "شرح المهذب": إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل [شيء] 1 إلا النساء، ونقل أعني النووي في الشرح المذكور أن الحديث الذي ذكره الرافعي رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف وليس كما قال؛ فإن المذكور في أبي داود: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء"، وهو موافق لما رويناه عن النسائي في الاقتصار على خصلة واحدة.
قوله في "الروضة": والمذهب حل الطيب بالأول، بل هو مستحب بين التحللين.
انتهى.
وهذه العبارة لا يعلم منها أن الأصح طريقة القطع أم طريقة القولين، قد بينه الرافعي فقال: وفي الطيب طريقان: أشهرهما أنه على القولين، والثاني: القطع بالحل، وسواء أثبتنا الخلاف أو لم نثبته فالمذهب أنه يحل بل يستحب.
هذه عبارته.
فاقتصر النووي في "الروضة" على آخر عبارة الرافعي ثم التبس عليه المراد منها في "شرح المهذب" فظن أن مراده رجحان طريقة القطع فصرح به فقال: المذهب الذي عليه الجمهور هو القطع بالحل.
هذا لفظه فاحذره.
الفصل الثامن: في المبيت
قوله: وفي الحد المعتبر للمبيت بمزدلفة ومنى قولان: أظهرهما: معظم الليل.
انتهى.
استدرك عليه النووي فقال ما نصه: المذهب ما نص عليه الشافعي - رضي الله عنه - في "الأم" وغيره أن الواجب في مبيت مزدلفة ومنى ساعة في النصف الثاني من الليل.
انتهى كلامه.
وهذا الاعتراض يؤخذ منه موافقة الرافعي على اشتراطه معظم الليل في المبيت بمنى، وهو كذلك.
وقد صرح باشتراطه في "الروضة" أيضًا من "زيادته" في أواخر تعليق الطلاق، وإنما ذكرت ذلك لئلا يتوهم أن مخالفته في مزدلفة يقتضي مخالفته في منى لاتفاقهما في المعنى وأنه إنما أفرد مزدلفة بالذكر لأن نص الشافعي وقع فيها بخصوصها، وقد سبق الكلام في مبيت مزدلفة على هذه المسألة مبسوطًا.
قوله في أصل "الروضة": ثم هذا المبيت مجبور بالدم وهل هو واجب أو مستحب أما ليلة المزدلفة فقد سبق حكمها، وأما ليالي التشريق ففيها قولان: أظهرهما الاستحباب، وقيل: يستحب قطعًا.
قلت: الأظهر: الإيجاب، والله أعلم.
انتهى كلام "الروضة".
وهو غير مطابق لكلام الرافعي -فإنه أعني الرافعي- قد عبر بقوله وبسببه ترجيح قول الاستحباب ثم قال عقبة: ولكن كلام الأكثرين يميل إلى ترجيح الإيجاب هذه عبارته فاقتصر النووي على هذا الترجيح الضعيف وعبر عنه بصيغة صريحة، ثم استدرك عليه.
وكلا الرافعي في "المحرر" ظاهر في الإيجاب أيضًا؛ فإنه عبر بلفظ (على) فقال: فعليه المبيت، ذكر ذلك في الكلام على جواز النفر؛ ولهذا عبر عنه في "المنهاج" بلفظ الوجوب.
قوله: إذا ترك مبيت ليلة النحر وحدها أراق دمًا، وإن ترك مبيت ليالي التشريق فكذلك على المشهور كان فتتوزع عليها توزيع الرمي على الجمرات الثلاث.
وعن صاحب "التقريب" رواية قول أن في كل ليلة دمًا كما أن في رمي كل يوم دمًا.
وإن ترك ليلة أو ليلتين فعلى الأقوال في حلق الشعرة والشعرتين.
وإن ترك الأربع فدمان: دم لليلة مزدلفة ودم الثاني التشريق لاختلافهما في الموضع وفي الأحكام وفي قول: دم واحد.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هاهنا في الدليل للقول المروي عن "التقريب" أن في رمى كل يوم دمًا مناقض لما سيأتي بعد هذا في الكلام على ترك الرمي؛ فإن الصحيح المذكور هناك وهو المشهور إيجاب دم واحد لرمي الأيام الثلاث.
نعم: يجب في رمي كل يوم دم إذا تركه على انفراده إلا أن الكلام الآن ليس في ذلك بل في ترك المجموع.
وينبغي أن يستحضر أن حكم المبيت مخالف لحكم المرمى؛ فسيأتيك أنه إذا ترك رمي الأيام الأربعة لزمه دم واحد عند الجمهور.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" عبر بقوله: وإن ترك الليالي الثلاث لزمه دم على المذهب.
هذه عبارته.
فاقتضى أن الرافعي حكى في المسألة طريقين.
وليس كذلك.
قوله: وأما ترك مبيت مزدلفة أو منى لعذر فلا دم عليه.
وهم أصناف: منهم رعاء الإبل، وأهل سقاية العباس؛ فلهم إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أن ينفروا ويدعوا المبيت هنا ليالي التشريق؛ لما روي عن ابن عمر "أن العباس استأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل السقاية فأذن له" 1. وهم عاصم بن عدي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "رخص للرعاة أن يتركوا المبيت بمنى ويرموا يوم النحر جمرة العقبة ثم يرموا يوم النفر الأول" 2. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة".
وليس فيه تصريح بجواز ترك مبيت مزدلفة لأهل السقاية والرعاة بخصوصهم؛ فتأمله من أوله إلى أخره، بل كلامه يوهم المنع، والمنقول الجواز؛ فقد حكاه الطبري شارح "التنبيه" عن صاحب "الفروع"، وجزم به في "الكفاية".
والحديث الأول رواه البخاري ومسلم.
والحديث الثاني رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بأسانيد صحيحة.
قال الترمذي: حديث حسن.
قوله صحيح لو أحدث سقاية للحاج فللمقيم لسقايتها ترك المبيت قاله في التهذيب والحديث الثاني رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قوله: ولو أحدث سقاية للحاج فللمقيم لسقايتها ترك المبيت.
قاله في "التهذيب".
وقال ابن كج وغيره: ليس له.
انتهى.
والصحيح المنع؛ فقد نقله صاحب "الحاوي" و"البحر" وغيرهما عن نص الشافعي وهو المشهور كما أشعر به لفظ الرافعي أيضًا، وصحح النووي في "الروضة" وغيرها من كتبه الجواز، وليس كذلك فاعلمه.
قوله: ومن المعذورين الذين ينتهون إلى عرفة لئلا يضطر إلى ترك المبيت فخلاف المقيض إلى عليه.
انتهى.
وهذه المسألة الأخيرة فيها نظر ظاهر، والذي أجاب به القفال فيها قد سبقه إليه صاحب "التقريب"، وقد نقله عنه الإمام من جملة ما نقل ولكن لم يذكره الرافعي.
قوله: ومنهم -أي: من المعذورين- من له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت أو مريض يحتاج إلى تعهده أو كان يطلب عبدًا آبقًا أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته؛ ففي هؤلاء وجهان: أصحهما -ويحكي عن نصه: أنه لا شيء عليهم كالرعاء وأهل السقاية.
والثاني: لا يلحقون بهم لأن شغلهم ينفع الحجيج عامة وأعذار هؤلاء تخصهم.
انتهى.
وفيه أمور:
أحدها: أن الماوردي نقل في "الحاوي" عن الشافعي أنه نص على منع لحاق هؤلاء بالمعذورين على خلاف هذا النص المذكور هنا؛ فصار الخلاف في المسألة قولين لا وجهين.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي في تعليل الوجه الثاني مقتضاه أن المراد بالإبل هي إبل الحجيج لا إبل غيرهم؛ فتفطن له.
ولم يذكر النووي في "الروضة" هذا التعليل.
الثالث: أن هذا الخلاف هل هو في جواز ترك المبيت أو في وجوب الدم خاصة مع القطع بجواز الترك؟ كلام الرافعي يحتمل كلام الأمرين، والصواب الذي لا شك فيه هو الثاني فكيف يجب عليه أن يبيت ويترك المريض ضائعًا أو المال تالفًا أو يمكث لمن يقتله ونحو ذلك، وكلام الأصحاب يوهم الأول فاحذره.
واعلم أن الثعالبي قد قال في كتاب "سر اللغة" في آخر الفصل الثالث من الباب الثالث أنه لا يقال للعبد آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كد في العمل، وإلا فهو هارب.
الفصل التاسع: في الرمي
قوله: وإذا رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة والرمي من الغد.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد تابعه في "الروضة" على إطلاق جواز النفر، وليس ذلك على إطلاقه بل تستثنى منه مسألة حسنة نقلها الروياني في "البحر" فقال: قال أصحابنا: محل هذا إذا كان الشخص قد بات الليلتين الأولتين لكونه قد أتى بمعظم المبيت، أو كان من أصحاب الأعذار الذين يجوز لهم ترك المبيت كأهل الرعاء وغيرهم.
أما من لا عذر له ولم يبت الليلتين فلا يجوز له أن ينفر.
هذا كلامه، ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره.
وجزم الماوردي في "الحاوي" بأنه لا يجوز النفر إلا لمن بات الليلتين، ولم يفصل بين المعذور وغيره.
الأمر الثاني: أن تقييده بما بعد الرمي يشعر بأنه إذا نفر قبل ذلك لا يسقط عنه مبيت تلك الليلة فقال: لو نفر قبل الزوال فقال الشريف العثماني من أصحابنا: لا يسقطان لأن هذا النفر غير جائز.
قال الطبري -شارح "التنبيه": وما قاله العثماني صحيح متجه.
وكلام الطبري وصاحب "البيان" مشعر بأنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد ذكرها في "النهاية" مبسوطة مخالفة لما ذكراه، ونقل في "شرح
المهذب" ذلك بجملته مستحسنًا له فقال: وجمع إمام الحرمين هذه المسألة وفصلها أحسن تفصيل فقال: لو نفر يوم النحر الأول ولم يرم فإن لم يعد استقرت فدية ذلك اليوم عليه، فإن عاد بعد غروب شمسه فقد فات الرمي والاستدراك ولا حكم لمبيته، فإن رمى في النفر الثاني لم يعتد برميه لأنه ينفره أعرض عن منى والمناسك وإن عاد قبل غروبها فحاصل الخلاف فيه على ما لخصه صاحب "التقريب" أربعة أقوال:
أحدها: أن الرمي انقطع ولا ينفعه العود.
والثاني: يجب عليه العود ويرمي ما عليه ما لم تغرب الشمس.
والثالث: أن يتخير بين أن يرجع ويرمي ويسقط عنه الفرض وبين أن لا يرجع ويريق دمًا.
وتجري هذه الأقوال في النفر الأول والثاني.
والقول الرابع: عن ابن شريح أنه خرج في النفر الأول ثم عاد قبل الغروب ورمى لم يقع رميه موقع وإن خرج في النفر الثاني ولم يرم ثم عاد ورمى قبل الغروب وقع موقعه.
ولا خلاف في أن من خرج في اليوم الأول من التشريف ثم عاد قبل الغروب رمى؛ إذ لا حكم للنفر في الأول، فإن عاد بعد الغروب فقد فاته الرمي، وفيه الكلام السابق في التدارك.
وبالجملة لا أثر للخروج في هذا اليوم، وكذا لا أثر له في يوم البحر، وانما يؤثر الخروج في التفريق كما مر.
قال: ثم إذا قلنا: من خرج في النفر الأول بلا رمي وعاد قبل الغروب يرمي، فإذا رمى وغربت الشمس لزمه المبيت والرمي من الغد.
وإن قلنا لا يرمي لم يلزمه المبيت ولو بات لم يكن لمبيته حكم.
ولو خرج في النفر الأول قبل الزوال ثم عاد وزالت الشمس وهو بمنى فالوجه القطع بأن خروجه لا حكم له ولو لم يعد حتى غربت الشمس فقد انقطعت العلائق.
وإن كان خروجه قبل دخول وقت الرمي.
ولو عاد قبل الغروب فظاهر المذهب أنه يرمي ويعتد برميه، ومن الأصحاب من تركه.
فهذه الصورة منزلة صورة الأقوال.
انتهى ما نقله في "شرح المهذب" عن الإمام.
نعم: إذا تعدى فترك أحدهما فقط فهل يجب عليه أن يأتي بهما معًا، وإن كان الإخلال بالمعظم لم يحصل إلا بترك أحدهما إسقاطًا على المتعجل ووجوبًا على غيره أو يأتي بما تعدى بتركه على غيره أو يأتي بما تعدى بتركه لقيامه بالمعظم في الخصلة الأخرى، أو يفصل فيقال: إن حصل الإخلاص في المعظم بترك المبيت لم يلزمه الرمي فإنهم قد صرحوا بأن المبيت إنما وجب لأجل الرمي فيكون تابعًا، والتابع لا يوجب المتبوع، وإن حصل بترك الرمي وجب المبيت، لما أشرنا إليه من أن إيجاب المبيت لأجله، في كل ذلك نظر.
قوله: والسنة أن يرمي بمثل حصى الخذف وهو دون الأنملة طويلًا وعرضًا في قدر الباقلاء، يضعه على بطن الإبهام ويرميه برأس السبابة.
روي أنه -عليه السلام- قال: عليكم بحصى الخذف.
انتهى كلامه.
والحديث المذكور رواه مسلم من رواية الفضل بن عباس 1.
والخذف: بالخاء والذال المعجمتين، وهو الرمي على الكيفية التي ذكرها.
وأما بالحاء المهلمة فهو الرمي من حيث الجملة.
وما ادعاه من كونه يرمي بمثل حصى الخذف مسلم، وأما كونه على هيئة الخذف فنازع فيه النووي وقال أنه وجه ضعيف، بل يرميه على العادة.
قوله: ولابد مع الرمي من القصد إلى المرمي حتى لو رمى في الهواء فوقع في المرمي لم يتعد به.
انتهى.
وذكر الطبري شارح "التنبيه" كلامًا حسنًا فيه تقييد وتنبيه لابد منه فقال: أما لو قصد غير المرمي فوقع فيه ثم في المرمي كما يفعله كثير من جهلة الناس يرمون العلم المنصوب في الجمرة والحائط المبني في جمرة العقبة قصدًا ثم ترتد إلى المرمي فالأظهر عندي أنه لا يجزئ؛ لأنه قصد برميه غير المرمي، ويحتمل أنه يجزئ لأنه حصل فيه بفعله مع قصد الرمي.
أما من علم المرمي وقصدهما بالرمي لترتد الحصاة بقوة الرمي إليه لم يبعد الجزم بالصحة لمن رمى في الهواء قاصدًا الوقوع في المرمي بقوة رميه فإنه لا ريب في إجزائه.
ولم يذكر الأصحاب في المرمي حدًا معلومًا غير أن كل جمرة عليها علم فينبغي أن يرمي تحته على الأرض ولا يبعد عنه احتياطًا.
وقد قال الشافعي: الجمرة مجتمع الحصى، لا ما يسأل من الحصى؛ فمن أصاب مجتمع الحصى أجزأه وإن أصاب سائله لم يجزئه.
انتهى كلام الطبري المذكور.
قوله: ولو وقعت في غير المرمي ثم تدحرجت إلى المرمي أو ردها الريح إليه فوجهان؛ قال في "التهذيب": أصحهما الإجزاء لأنها حصلت منه لا بفعل الغير.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على نقل تصحيحه عن البغوي، وأطلق تصحيحه في "شرح المهذب" هنا ثم قال فيه أيضًا في آخر صفة الحج في فروع: فرع: إذا رمى حصاة فوقعت فتدحرجت بنفسها فوقعت في الرمي أجزأه بالإجماع؛ نقله العبدري.
هذا كلامه.
وقال الطبري -شارح "التنبيه": أصح الوجهين أنه لا يجزئ.
قلت: وقد يفصل ليجزئ في التدحرج دون حمل الريح؛ لأنه ليس من فعله، وهذا في الريح الشديدة، أما الخفيفة فلا يمنع.
قوله: ولا يجزئ الرمي عن القوس والدفع بالرجل.
قاله في "العدة".
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن "العدة" فيه نظر لكنه قد ارتضاره النووي فجزم به في "الروضة" ولم ينقله عنه ونقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا.
قوله: الثانية: يشترط أن ترمي الحصيات في سبع دفعات.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا لكنه إذا رمى حصاتين دفعة واحدة إذا رمى حصاتين دفعة واحدة إحداهما باليمنى والأخرى باليسرى فإنه لا يحسب له إلا واحدة بالاتفاق كما قاله في "شرح المهذب" فتفطن لهذه المسألة.
قوله: ولو رمى حجرًا قد رمى هو به إلى تلك الجمرة في ذلك اليوم فوجهان؛ قال في "التهذيب": أظهرهما الجواز.
انتهى كلامه.
وما رجحه البغوي هو الراجح.
كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير"، وعبر أيضًا بالأظهر، والنووي في "أصل الروضة" و"شرح المهذب"، ونقله فيه عن الجمهور.
قوله: والثابت في الرمي لا يرمي عن المستنيب إلا بعد أن يرمي عن نفسه، فلو فعل وقع عن نفسه فلو فعل وقع عن نفسه كما في الحج.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله، ولا يعلم منه أن المراد التوقف على جميع رمى ذلك اليوم أو على رمى تلك الجمرة حتى إذا رمى الجمرة الأولى فيصح أن يرمي عقب ذلك عن النائب قبل أن يرمي الجمرتين الباقيتين عن نفسه؟، وفي المسألة نظر.
وقول الرافعي: فلو فعل وقع عن نفسه، يدل على الاحتمال الثاني، وما ذكرناه هنا يأتي أيضًا في الرعاء وأهل السقاية فإنه إذا أخروا رمى يوم ثم أرادوا فعله مع رمى الذي عليه فإنا نأمرهم بالقضاء قبل الأداء.
قوله: ولو أغمي عليه ولم يأذن لغيره في الرمي عنه لم يجزء الرمي عنه، وإن أذن فللمأذون الرمي عنه في أصح الوجهين ولا يبطل هذا الإذن بالإغماء لأنه واجب كما لا تبطل به الاستنابة في الحج بخلاف سائر الوكلات.
انتهى.
فيه أمور:
أحدهما: أن التعبير في أول المسألة بقوله لم يجزء قد تابعه عليه في "الروضة"، وهذه اللفظة ينبغي أن تقرأ بضم الياء بمعنى يكفي، لا بفتحها بمعنى يحل؛ فإن الشافعي قد نص في "الإملاء" على أنه لا يجوز فقال: ومن أغمي عليه فلم يفق حتى مغيب الشمس من آخر أيام التشريف أحببت لمن معه أن يرمي عنه، وعلى المغمي عليه أن يهريق دمًا لأنه لم يأمر بالرمى.
هذا لفظه بحروفه.
وهي مسألة حسنة لكنها مخالفة للقواعد لأن الرمي إن لم يصح أصلًا -وهو الذي عبر به في "شرح المهذب"- فكيف يؤمر به، وإن صح فكيف صححناه بلا إذن، وأيضًا فصحته عنه تستلزم
براءة ذمته منه.
الأمر الثاني: ما نبه عليه في "الروضة" فقال: شرطه أن يكون أذن قبل الإغماء في حال تصح الاستنابة فيه.
صرح به الماوردي وآخرون، ونقله الروياني عن الأصحاب.
الأمر الثالث: لم يصرحوا بحكم الاستنابة بالنسبة إلى وجوبها، والمتجه فيها الوجوب لضيق الوقت بخلاف المغصوب.
واعلم أن ما صححوه من عدم البطلان بالإغماء قد أجاب العراقيون بمثله فيما إذا استناب المغصوب في الحج ثم مات، ونقله عنه عنهم الإمام هنا.
ثم قال: وما قالوه محتمل في الإغماء بعيد في الموت.
قلت: والذي قاله العراقيون فيهما متجه، والأحسن في تعليله ما ذكره الرافعي في آخر المسألة وهو أن الاستنابة إنما جوزناها للعجز وقد انتهى إلى حالة هو فيها أعجز مما كان.
قوله: إحداهما: إذا ترك رمي يوم النفر عمدًا أو سهوًا هل يتداركه في اليوم الثاني والثالث أو ترك رمي اليوم الثاني أو رمى اليومين الأولين هل يتداركه في الثالث: فيه قولان: أصحهما: نعم.
ثم قال: التفريع إن قلنا بأنه لا يتدارك فهل يتدارك رمى اليوم في الليلة التي تقع بعده من ليالي التشريق؟ فيه وجهان وهما مفرعان على الصحيح في أن وقته لا يمتد إلى الليلة على ما سبق.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على تفريع هذين الوجهين على الأصح هناك وهو عدم الامتداد، وهو فاسد لأنا إذا فرعنا على أنه لا يمتد ليلًا فكيف يحسن الجزم بأنه لا يتدارك نهارًا وأن يكون في التدارك ليلًا خلاف؛ إذ لا مزية فيه لليل على النهار بل النهار أولى لأنه محل للرمي على الجملة.
والصواب أن يجعل الخلاف مفرعًا على الخلاف لا على الوجه المصحح، وقد ذكره كذلك في "الشرح الصغير".
قوله: وإن قلنا بالتدارك فتدارك فهو أداء أو قضاء؟ فيه قولان: أحدهما أنه قضاء لمجاوزته الوقت المصروف له، وأظهرها أنه إذا ولاه لما كان للتدارك فيه مدخل كما لا يتدارك الوقوف بعد فوات التفريع إن قلنا أنه أداء فجملة أيام منى في حكم الوقت الواحد، وكل يوم للقدر المأمور به فيه وقت اختيار كأوقات الاختيار للصلوات.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد ذكر قبل الموضع بنحو ثلاثة أوراق ما يخالفه المذكور هنا فقال: وللصنفين جميعًا -يعني: رعاة الإبل، وأهل سقاية العباس- أن يدعوا رمي منى ويقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمي ذلك اليوم، وليس لهم أن يدعوا رمي يومين على التوالي.
انتهى كلامه.
وهو في غاية العجب، لأنه قطع هناك بأن أصحاب الأعذار الذي أرخص لهم تأخير صوم رمي يوم واحد ولا يجوز تأخير رمي يومين.
وصحح هنا أنه يجوز تأخير رمي يوم ويومين من غير عذر لأنه جعل أيام منى كالوقت الواحد وجعل كل يوم القدر المأمور به وقت اختيار لا وقت جواز كما قلنا في الصلاة أن لها وقت اختيار ووقت جواز.
وقد وقع هذا التناقض أيضًا للرافعي في "الشرح الصغير"، والنووي في "شرح المهذب".
وهو تناقض عجيب، ومع تناقضه فجوازه مشكل جدًا؛ إذ لم يرد من فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا توزيع الرمي على الأيام، فالقول بجواز التأخير وحلق يوم أو يومين عن الرمي لا دليل عليه لاسيما مع قوله -عليه السلام-: "خذوا
عني مناسككم" 1.
وقد وقع في "الكفاية" لابن الرفعة أن الرافعي والإمام صححا أن الرامي المتدارك فصار وهو غلط.
الأمر الثاني: أنه قد تقدم أيضًا عند الكلام على الترخص للرعاة والسقاة أن الصنفين إذا أخروه يقضونه من الغد كما حكيناه من قبل؛ فظاهره يخالف، وإن احتمل القضاء اللغوي فإن اصطلاحهم يدفعه.
قوله في التفريع على قول الأداء: ويجوز تقديم رمي يوم التدارك على الزوال.
انتهى كلامه.
ومعناه أن الرمي الفائت إذا قلنا: يقع أداء فيجوز أن يقدم على الزوال وبه صرح النووي في "شرح المهذب".
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن هذا الحكم الذي اقتضاه كلامه فاسد، والعبارة التي عبر بها عنه فاسدة أيضًا أما قال فلا يجوز أن يرمي قبل الزوال.
ثم إن الرافعي لم يوجد في شرحه لهذا الموضع اعتراض عليه ولا حكاية خلاف أصلًا، ولا يتخيل في شارح كتاب أنه يجزم بعكس المشروح من غير تنبيه عليه ولا تعليل لما في الأصل؛ فعلمنا بذلك حصول غلط في نسخ "الشرح الكبير"، وقد علم ذلك من "الشرح الصغير" فإنه قال فيه ما نصه: وإذا قلنا: أنه أداء، فهل يجوز تقديمه على الزوال أم يتأقت بما بعده؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع؛ لأن ما قبل الزوال لم يشرع فيه لأن تعيين الوقت بالأداء أليق.
وهذا ما أورده في "الكتاب".
هذا كلام "الشرح الصغير"، وهو يبين لك أن المذكور في "الكبير" غلط وسببه إسقاط وقع للناقل أولًا من المسودة.
وأما الثاني -وهو فساد العبارة- فلأن يوم التدارك مدلوله هو اليوم الذي يتدارك فيه الرمي.
ورمى هذا اليوم وغيره من أيام التشريق يقدم على الزوال قطعًا، وقد اتفق عليه الأئمة الأربعة ولم يخالف فيه منهم إلا أبو حنيفة في اليوم الثالث خاصة وقد أوضحه الرافعي قبل هذا بنحو ورقتين.
نعم: وقع التردد في تقديمه إلى يوم آخر مع فعله بعد الزوال لكن مراد الرافعي بهذا اللفظ إنما هو الرمي الثابت كما تقدم ذكره للمعنى الذي قلناه ولقرينه تصريح الغزالي في "الوجيز" والنووي في "شرح المهذب" به، وكذلك الرافعي أيضًا في التفريع على القول الآخر وهو القضاء.
الأمر الثاني: أنه لم يبين حكم الرمي ليلًا على القول بأنه أداء، وقد ذكره في "الشرح الصغير" وحكى فيه طريقين أصحهما: أنه على الوجهين فيما قبل الزوال، والثانية: القطع بالمنع، وكأنه سقط من جملة ما سقط.
وحاصل ما قاله في "الشرح" المذكور امتناع الإتيان به إلا نهارًا بعد الزوال وهو المذكور في "النهاية" فقال: والوجه القطع به، وجزم له الغزالي في "الوسيط"، وابن يونس في "التعجيز" وفي شرحه له، وجوز ابن الصباغ في "الشامل" تفريعًا على هذا القول -يعني قول الأداء- أن يفعل ليلًا ونهارًا، ونص عليه الشافعي في "الأم"، وذكر مثله ابن الصلاح ثم النووي في مناسكهما.
الأمر الثالث: أنه لم يصرح بحكم جمرة العقبة وقد صرح به المذكوران أيضًا في مناسكهما وقالا بأن الحكم فيها بالنسبة إلى تداركه ليلًا ونهارًا
والحكم عليه بالأداء كحكم رمي أيام التشريق، وصرح بذلك أيضًا صاحب "الحاوي الصغير" في العجائب، ثم رأيت ذلك -أعني التسوية بين الرميين مجزومًا بها في كتاب "التقريب"، ونقله عن "النص".
قوله: ونقل الإمام على هذا القول -أي: القول بكونه أداء- أنه لا يمتنع من تقديم رمي يوم إلى يوم، لكن يجوز أن يقال أن وقته يتسع من جهة الآخر دون الأول فلا يجوز التقديم.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله الرافعي عن الإمام من جواز التقديم هو المعروف في المذهب فقد جزم به في "الشرح الصغير" ولم يتوقف فيه كما توقف في "الكبير"، ونقل في "النهاية" وأن الأئمة أجازوه، ولم يحك فيه خلافًا وإن كان نقل الرافعي لا يعطيه، ونقله أيضًا كذلك صاحب "التعجيز" في شرحه غير أنه نقل عن جده أنه توقف فيه، وجزم به الفوراني في "العمد".
الأمر الثاني: أن النووي قد استدرك في "الروضة" على ما نقله الرافعي فقال ما نصه: والصواب الجزم بمنع التقديم وبه قطع الجمهور تصريحًا ومفهومًا، والله أعلم.
وذكر نحوه في "شرح المهذب" ونسب تجويزه فيه إلى الإمام فقط، وقد ظهر لك أن الأمر ليس كما قال وأنه لم يمعن النظر هاهنا؛ وكأنه أخذ المنع من كلام "الحاوي" للماوردي؛ فإنه استدل في أثناء هذه المسألة بالإجماع على منعه، وتبعه عليه في "البحر" فقال: الصحيح أنه لا يجوز التعجيل قولًا واحدًا.
قوله: وإن قلنا: أنه قضاء، فتوزيع الأقدار المعينة على الأيام مستحق، ولا سبيل إلى تقديم رمي يوم على يوم.
ثم قال: ولا إلى تقديمه على
الزوال.
انتهى لفظه.
والممنوع تقديمه على الزوال مراده به الرمي المتدارك، وتعليله للمسألة الآتية يدل عليه، وهو ظاهر أيضًا.
ومنعه التقديم تفريعًا على القضاء كيف يستقيم مع جزمه قبل ذلك بجوازه تفريعًا على كونه أداء.
وهو في غاية التباين لأن الجواز في القضاء أولى عنه في الأداء بدليل الصلوات الخمس ونحوها.
وهو يدل أيضًا على بطلان ذلك الحكم.
وقد حكى في "الشرح الصغير" في مسألتنا وجهين عن حكاية الإمام وصحح المنع لكنه ماش على قاعدة واحدة فإنه يمنع التقديم أيضًا على القول بأنه أداء.
قوله في التفريع على هذا القول -وهو قول القضاء- وهل يجوز بالليل؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأن القضاء لا يتأقت.
والثاني: لا؛ لأن الرمي عبادة النهار كالصوم.
هذا لفظه، وما ذكره هنا من تصحيح جوازه بالليل تفريعًا على قول القضاء غريب جدًا؛ فإنه قد تقدم من كلامه في المسألة السابقة الجزم بأنه لا يجوز تقديمه على الزوال تفريعًا على هذا القول؛ وحينئذ فإذا امتنع فعله قبل الزوال على هذا التفريع لزم امتناع بالليل بطريق الأولى: لأن النهار محل للرمي على الجملة بخلاف الليل.
لا جرم أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد صحح المنع وعبر بالأصح والمنع هو الصواب.
قوله: وهل يجب الترتيب بين الرمي المتروك ورمي يوم التدارك؟ فيه قولان: إن قلنا قضاء فلا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن ما قاله على القول بالقضاء من عدم الوجوب إنما يتجه في
المتروك سهوًا، أما المتروك عمدًا فإنه يجب فعله على الفور، ومن لازم أن لا يتقدم شيء عليه، وهذه الأحكام مفروضة في المتروك سهوًا وعمدًا كما تقدم في صدر المسألة.
الأمر الثاني: أن ما صححه من وجوب الترتيب قد تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرها على إطلاقه.
وقال النووي في "المناسك الكبرى": هذا إذا فعله بعد الزوال، فإن فعله قبله لم يجب.
الأمر الثالث: أنه لا فرق في وجوب الترتيب من جمرة العقبة ورمى أيام التشريق حتى لو لم يرم في يوم النحر وقلنا بتداركه وجب الترتيب بينه وبين رمى التشريق، كذا صرح به ابن الصلاح ثم المصنف في المسألة التاسعة من مناسكهما؛ فتفطن له فإنه قلَّ من تعرض له.
قوله في "الروضة": ولو رمى إلى الجمرات كلها عن اليوم قبل أن يرمي إليها عن أمسه أجزأه إن لم يوجب الترتيب وإلا فوجهان: أصحهما: يجزئه ويقع عن القضاء والثاني: لا يجزئه أصلًا.
قال الإمام: ولو حرف الرمي إلى غير النسك بأن يرمي إلى شخص أو دابة في الجمرة ففي انصرافه عن النسك الخلاف المذكور في صرف الطواف؛ فإن لم ينصرف وقع عن أمسه ولغى قصده، وإن انصرف فإن شرطنا الترتيب لم يجزءه أصلًا، وإلا أجزأه عن يومه.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره فيما إذا صرف الرمي إلى غير النسك وقلنا: ينصرف، لا يستقيم الأخذ بما دل فيه كلامه عليه -وهو الإجزاء عن اليوم إذا لم يوجب الترتيب- لأنا إذا قلنا ينصرف فلا يتصور القول بأنه يجزئه ولا عن أمسه، وقد ذكر الإمام المسألة على الصواب فإنه ذكر أولًا مسألة الدابة
وحكى ما فيها من الخلاف في الانصراف، ثم فرع عليه فقال: إن قلنا: لا ينصرف، فلو رمى على قصد يومه وقع عن أمسه، وإن قلنا ينصرف فإذا رمى وظيفة يومه فإن لم نوجب الترتيب إجراء عن يومه، وإن أوجبناه لم يجزءه أصلًا.
هذا كلامه.
فعلمنا أن الإمام جعل مسألة الدابة مقدمة للمسألة المقصودة -وهي الرمي عن اليوم قبل الرمي عن الأمس- وقدمها ليسن بها أن قصد الرمي عن اليوم صرف له عن رمى أمسه.
ثم إن الرافعي عبر بعبارة موهمة لكنها صحيحة أيضًا؛ فإنه ذكر كما في "الروضة" إلا أن أراد حكاية كلام الإمام عبر بقوله وزاد الإمام كذا وكذا.
فعلمنا بذلك أن مراد الرافعي تتمة المسألة السابقة وأن الإمام رتب فيها ترتيبًا زائدًا.
ثم إن النووي حذف هذه اللفظة المرشدة للصواب وجعلها مسألة مستقلة، وصنع ذلك أيضًا في "شرح المهذب"؛ فلزم منه ما لزم من الخلل المذكور، فاعلمه.
نعم: يمكن تأويل كلام "الروضة" على بُعد بأن يجعل المراد بقوله: فإن لم ينصرف أوقع عن أمسه؛ أي: فإن ينصرف بالصارف وقع في المسألة السالفة عن أمسه، وكذا فيما بعد أيضًا.
فإذا أعدنا الكلام على المسألة السابقة على وفق ما صرح به الإمام استقام.
وفي الصرف كلام مهم تقدم في الكلام على صرف الطواف.
هذا كله في رمي اليوم الأول والثاني من أيام التشريق.
قوله: أما إذا ترك رمي يوم النحر ففي تداركه في أيام التشريق طريقان: أصحهما: أنه على قولين.
والثاني: القطع بأنه لا يتدارك.
انتهى.
ولم يتعرض الرافعي -رحمه الله- ولا النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" للحكم على هذا الرمي المتدارك بالأداء والقضاء ولا لفعله بالليل
وما قبل الزوال، وقد أوضحناه قبل ذلك بنحو ورقتين فراجعه.
وهذه المسألة التي حكى الرافعي فيها طريقين قد نص عليها الشافعي في "الأم"، ونص على التدارك نصًا صريحًا على وفق ما اقتضاه ترجيح الرافعي.
قوله: والسنة أن يرفع يده عند الرمي فهو أهون عليها.
انتهى.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية" على إطلاق الرفع، وهذا في الرجل، أما المرأة فلا يستحب لها ذلك بلا شك لأنه أستر لها.
وقد صرح به الطبري -شارح "التنبيه"، وكذلك النووي في تصحيحه إلا أنه عبر بالأصح فاقتضى أن يكون فيها وجهان ولا أعلمه منقولًا.
ولا شك أن الخنثى في هذا كالمرأة.
وحد الرفع أنه يرى بياض إبطه؛ كذا ذكره في "التنبيه" و"شرح المهذب"، وذكر في "الروضة" في الكلام على الوقوف أن الداعي إذا رفع يديه لا يجاوز بهما رأسه، ويتجه مثله هاهنا أيضًا.
واعلم أن الإبط أسود؛ وذلك لما فيه من الشعر فكيف يستقيم أن يقال: حتى يرى بياض إبطه؟
والجواب أن بياض الإبط كان من خواص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فورد التعبير بذلك في حقه فأطلق على غيره ذهولًا.
قوله: ويسن أن يكون نازلًا في اليومين الأولين وراكبًا في اليوم الأخير فيرمي وينفر عقبه.
هكذا أورده الجمهور ونقلوه عن نصه في "الإملاء" وفي "التتمة" أن الصحيح ترك الركوب في الأيام الثلاثة.
انتهى.
اعترض في "الروضة" على كلام المتولي فقال ما نصه: هذا الذي في "التتمة" ليس بشيء، والصواب ما تقدم.
هذا لفظه، وهو كلام عجيب؛
فقد ثبت فيه الحديث الصحيح من رواية ابن عمر؛ وهو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا" 1. رواه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح.
والعجب أن النووي قد ذكر هذا الحديث في "شرح المهذب" وقال: إنه على شرط البخاري ومسلم.
قوله في "الروضة": فإن ترك الرمي يوم النحر وأيام التشريق وقد توجه عليه رمى اليوم الثالث فثلاثة أقوال:
أحدها: دم، والثاني: دمان، والثالث: أربعة، وهذا الأخير أظهرها عند صاحب "التهذيب".
لكن مقتضى كلام الجمهور ترجيح الأول خاصة عجيب؛ فقد صرح الرافعي في أول المسألة بأن الأصح وجوب دمين، وعلله باختلاف الرميين في الحكم.
قوله: الثانية: لو ترك اليوم أو رمي واحد من أيام التشريق.
لزمه دم، وإن ترك بعض رمى اليوم نظر إن كان من واحد من أيام نظر إن كان من واحد من أيام التشريق فقد جمع الإمام فيه طرقًا: أحدها: أن الجمرات الثلاث كالشعرات الثلاث فلا يكمل الدم في بعضها، فإن ترك جمرة ففيما يلزمه الأقوال.
التي يأتي ذكرها في حلق الشعرة.
قال: والطريق الثاني أن الدم يكمل في وظيفة الجمرة الواحدة.
وفي الحصاة والحصاتين الأقوال الثلاثة.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي -رحمه الله- ذكر طريقين لا غير مع أنه قد ذكر في أول كلامه أن الإمام حكى فيها طرقًا.
إذا علمت ذلك فاعلم أن ما ذكره من حكاية الإمام للطرق صحيح.
والطريقة الثالثة من الطرق التي حكاها الإمام أن الدم يكمل بثلاث حصيات فصاعدًا وفيما دون ذلك أقوال الشعرة.
وهذه الطريقة هي المشهورة المجزوم بها في "المحرر" و"المنهاج"، فنسيها الرافعي أو سقطت من الناقل أولًا من المسودة.
وقد أشكل الأمر على النووي فقال في "الروضة": فيها طريقان:
وحاصل الطرق الثلاث أن في تكميل الدم ثلاثة أوجه:
أحدها: يرمي يوم.
والثاني: يرمي جمرة.
والثالث: بثلاثة أحجار، وقد ذكره هكذا الرافعي في "الشرح الصغير" والغزالي في "الوجيز".
الأمر الثاني: أن ما ذكره من إلحاق الجمرة بالشعرة في مجئ الأقوال صحيح، إلا أن تلك الأقوال مفرعة على اختيار الدم كما سنوضحه في موضعه، وأقوال الجمرة متأصلة ليست مفرعة على شيء؛ لأن الدم الواجب في الحلق وغيره من المنهيات دم تجبير، والواجب في ترك الرمي وغيره من المأمورات دم ترتيب فتفطن له.
قوله: وفي ترك الحصاة الأقوال الثلاثة الآتية في الشعرة إذا حلقها ثم قال: واعلم أن الخلاف المذكور وليس في ترك الحصاة والحصاتين مطلقًا، ولكن إن ترك حصاة من الجمرة الأخيرة من آخر أيام التشريق ففيه الخلاف، وإن تركها من الجمرة الأخيرة من يوم النفر أو النفر الأول ولم ينفر، فإن قلنا: الترتيب غير واجب من التدارك ورمي الوقت صح رميه، لكنه ترك
رمي حصاة واحدة ففيه الخلاف.
وإن أوجبنا الترتيب فهو على الخلاف السابق في أن الرمي بنية اليوم هل يقع عن الماضي؟
إن قلنا: نعم، تم المتروك بما أتى به في اليوم الذي بعده لكنه يكون تاركًا لرمي الجمرة الأولى والثانية في ذلك اليوم فعليه دم.
وإن قلنا: لا، كان تاركًا رمي حصاة ووظيفة يوم فعليه دم إن لم نفرد كل يوم بدم.
وإن أفردنا فعليه الوظيفة اليوم.
وفيما يجب لترك الحصاة الخلاف المذكور.
وإن تركها من إحدى الجمرتين الأولتين في أي يوم كان فعليه دم لأن ما بعدها غير صحيح لوجوب الترتيب في المكان.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" أيضًا.
وتعبيره في أثناء الكلام بقوله: لكنه يكون تاركًا لرمي الجمرة الأولى والثانية في ذلك اليوم يقتضي الاعتداد بالجمرة الثالثة؛ وكأنه نظر إلى كونه قد رمى عنها بعد الإتيان بالحصاة التي عليه.
وهو سهو.
وكأنه نظر إلى كونه قد رمى عنها بعد الإتيان بالحصاة التي عليه، وهو سهو لما ذكره بعد ذلك من وجوب الترتيب في المكان بلا خلاف؛ فالصواب أن يقول كان تاركًا لوظيفة اليوم.
قوله: هذا كله إذا ترك بعض يوم من التشريق.
فإن ترك بعض رمي النحر فقد ألحقه في "التهذيب" بما إذا ترك من الجمرة الأخيرة من اليوم الأخير، وقال في "التتمة": يلزمه دم ولو ترك حصاة لأنها من أسباب التحلل، فإذا ترك شيئًا منها لم يتحلل إلا ببدل كامل.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على نقل ذلك من غير ترجيح.
وما ذكره في "التتمة" قد نقله في "البحر" عن الأصحاب حكمًا وتعليلًا.
وعَبّر بقوله: قال أصحابنا، وهو الصحيح أيضًا لا للمعنى المذكور، بل لأن الصحيح أن رمي يوم النحر حكمه في التدارك كحكم رمي أيام التشريق حتى يجوز تداركه فيها وحينئذ فيكون الحكم هنا كما إذا تركها من الجمرة الأخيرة من اليوم الأول من أيام التشريق وقد سبق أنه يلزمه دم وسبق ما انبنى عليه من القواعد.
نعم: طريقة البغوي إنّ رَمْي يوم النحر نوع آخر من الرمي مخالف لرمي أيام التشريق فكذلك وفى بقاعدته هنا.
وأما الرافعي والجمهور فيمنعون ذلك.
قوله: وحكى في "النهاية" وجهًا غريبًا أن الدم يكمل في حصاة واحدة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية هذا وجهًا وعلى استغرابه أيضًا، وليس بوجه ولا غريب؛ فإن الشعرة فيها أربعة أقوال، ووجوب الدم الكامل أحد الأربعة كما ذكره الرافعي بعد هذا، غير أنه لم يستحضره هاهنا فاقتصر على حكاية الثلاثة الباقية، وحينئذ فإذا ألحقنا الحصاة بالشعرة جاءت فيها الأقوال الأربعة.
الفصل العاشر: في طواف الوداع
قوله في "أصل الروضة": وإذا خرج بلا وداع وقلنا: يجب الدم فعاد قبل بلوغه مسافة القصر سقط عنه الدم، وإن عاد بعد بلوغها فوجهان: أصحهما: لا يسقط.
انتهى كلامه: فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به هاهنا من طريقة الوجهين مخالف لما في "شرح المهذب" وأنه حكى فيه طريقين وصحح طريقة القطع فقال: وإن عاد بعد بلوغها فطريقان:
أصحهما -وبه قطع الجمهور: لا يسقط.
والثاني حكاه الخراسانيون وجهان.
هذا لفظه.
وقد عبر في "المنهاج": بالصحيح.
الأمر الثاني: أن تعبيره بالسقوط ذكره أيضًا الرافعي وهو يقتضي ثبوت الدم بمجرد الخروج، وينبغي أن يأتي فيه ما سبق في مجاوزة الميقات بعد إحرام، فراجعه.
قوله: أحدهما: ذكر الإمام والغزالي أن طواف الوداع من مناسك الحج، وليس على الخارج من مكة وداع لخروجه منها، لكن صاحب "التتمة" و"التهذيب" وغيرهما أوردوا أنه ليس من جملة المناسك حتى يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر سواء كان مكيًا أو آفاقيًا.
وهذا أقرب بسببها لاقتضاء خروجه الوداع باقتضاء دخوله للإحرام، ولأنهم اتفقوا على أن المكي إذا حج وهو على عزم الإقامة بوطنه لا يؤمر
بطواف الوداع، وكذا الآفاقي إذا حج وأراد الإقامة بها ولو كان من جملة المناسك لعم الحجيج.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما قاله من كون طواف الوداع ليس من المناسك مردود؛ فقد تظافر على أنه من المناسك كلام الشافعي والأصحاب؛ فقد قال الشافعي في "الإملاء" بعد تقريره أنه ليس بواجب ما نصه: فإن قال قائل: فلم أمرتموه أن يهريق دمًا.
قيل: هو شيء أمر به من الحج والعمرة فتركه.
هذا لفظه ومن "الإملاء" نقلت.
وقال في "الأم" في باب الطواف بعد عرفة: أعمال الحج منها ما إذا تركه ورجع إليه سقط عنه الدم، ولو لم يرجع لزمه الدم مثل الميقات في الإحرام ومثله والله أعلم طواف الوداع قياسًا على المزدلفة والجمار والبيتوته ليالي منى لأنه نسك قد تركه.
هذا لفظه في "الأم"، وصرح به القاضي في "التلخيص" وصاحب "التقريب" والمحاملي والقاضي الحسين، وكذلك القاضي أبو الطيب في استدلاله على وجوبه، وقال الماوردي: أنه من سنن الحج، وكذلك أبو بكر بن لال في "مختصر" له لطيف حنيفة في العبادات خاصة وسماه "شرح ما لا يسع المكلف جهله" وصاحب "التنبيه" أنه من واجباته، ونقله الفوراني في "العمد" عن الأصحاب فقال ما نصه: قال أصحابنا: طواف الوداع من جملة الأبعاض.
قال القفال: وهذا غلط.
انتهى.
وأيضًا فقد اتفقوا على جبره بالدم عند الترك وجوبًا إن قلنا بوجوبه، وهو دليل على أنه من الحج لأن الدم إنما يجب للتحلل الحاصل في الحج لا لترك المأمور به يتجرد بدليل وجوبه إذا ترك الإحرام من الميقات وعدم وجوبه إذا ترك الإحرام لدخول مكة.