المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 322-361

فكان أول من اتخذها.
ثم وسعه الوليد بن عبد الملك.
ثم لما انتقلت الخلافة من الأمويين إلى العباسيين وسعه المنصور، ثم المهدي وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا.

قوله: ويستحب أن يصلي ركعتي الطواف خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الحجر، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي أي موضع شاء من الحرم وغيره.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الترتيب أخذه الرافعي من البغوي، ولكن الصلاة في الحرم أفضل منها في غيره؛ فالصواب أن يقول: ثم في الحرم ثم فيما شاء من غيره، وهكذا صرح به الجرجاني في "التحرير".
الأمر الثاني: أنا قد استفدنا من كلام الرافعي أن فعل هذه الصلاة في المسجد أولى من المنزل وإن كانت نافلة اتباعًا للحديث.
وأشعر كلامه أيضًا بتفضيل فعلها خلف المقام على فعلها في الكعبة.
وفيه نظر يحتاج إلى نقل، وقد خرج المصنف وغيره في أبواب الصلاة بأن فعل النافلة في الكعبة أولى من فعلها في المسجد الحرام، ثم إن الصلاة عند البيت إلى وجهة أفضل من سائر الجهات كما قاله ابن عبد السلام في "القواعد"، وذلك محتمل لسائر الأقطار؛ فينبغي أن يراعى ما قاله بحيث لا يخرج عن ما قدمناه.
الثالث: إذا حاضت المرأة عقب طوافها فهل تخاطب بهاتين الركعتين أم لا؟

توقف فيه الشيخ محي الدين في الحيض من "شرح المهذب"، ثم قال: بتقدير ثبوتهما ووجوبهما يجب عليها قضاؤهما؛ لأن ذلك لا يتكرر.
وهذا الذي ذكره من التعبير بالقضاء والتعليل المذكر كيف يستقيم مع أنه لا آخر لوقت هذه الصلاة كما ذكره هو وغيره في هذا الباب.

قوله: ويجهر بالقراءة فيهما ليلًا -يعني: ركعتي الطواف- ويسر بهما نهارًا.
انتهى.
وما ذكره من الجهر فيهما ليلًا فبكلام سبق ذكره تفي صفة الصلاة في الكلام على الجهر.
واعلم أن من طلوع الفجر طلوع الشمس من النهار لا من الليل، ومع ذلك يجهر فيه في الصلوات فلابد من استثنائه.

قوله: وإذا لم نحكم بوجوبهما فلا صلى فريضة بعد الطواف حسبت عن ركعتي الطواف اعتبارًا بتحية المسجد.
حكى ذلك عن نصه في القديم، والإمام حكاه عن الصيدلاني نفسه واستبعده.
انتهى.
تابعه في الروضة على نقل هذه العبارة عن الإمام.
قال الصيدلاني: لو صلى الفارغ من الطواف فريضة الوقت وقضى فائتة وقع الاكتفاء بما جاء به اعتبارًا بتحية المسجد.
وهذا مما انفرد به، والأصحاب على مخالفته؛ فإن الطواف يقتضي صلاة مخصوصة والمسجد حقه أن لا يجلس الداخل فيه حتى يصلي الركعتين، وقال في "شرح المهذب": أن الجماهير على الإجزاء.

قوله: والأجير يؤدي ركعتي الطواف عن المستأجر.
زاد في "الروضة" فقال: قلت: اختلف أصحابنا فيه؛ فقيل يقع عنه، وقيل: عن المستأجر،

وهو الأشهر.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الخلاف الذي ذكره من زوائده قد ذكره الرافعي في باب الوصية فائدة حسنة فقال: وقال بعضهم: يقع عن الأجير وتبرأ ذمة المحجوج عنه بما فعل.
هذا كلامه.
وهو يقتضي أيضًا أنه يجب فعلهما على الأجير إن قلنا يقعان عنه، وبه صرح القاضي الحسين في "شرح التلخيص" في باب الحيض، وعلله بأنه التزم الطواف.
الثاني: ستعرف في باب حج الصبي أن الولي يصليهما أيضًا عن الصبي إن كان غير مميز فيصليهما بنفسه على الصحيح، وإن كان الصحيح جواز إحرام الولي عنه، وقيل: لا يصليهما أيضًا إلا الولي.
كذا ذكره الرافعي وتبعه عليه في "الروضة".
وإذا علمت ما ذكروه في المميز ظهر لك أن ما أطلقوه في الأجير محله إذا لم يصليهما في بلده لاسيما إن كان بمكة لأن هذه الصلاة لا يشترط فيها الفورية بل لا تفوت ما دام حيًا، وقد صرح الطبري شارح "التنبيه" بما ذكرته، وحكى في "المطلب" عن القاضي الحسين كلامًا حاصله أنها إذا تأخرت فهل يفعل أداء أو قضاء، أو لا يفعل بالكلية؟ فيه أوجه.
واعلم أن القياس في غير المميز أن يأتي فيه الوجهان المذكوران في الأجير، وبه صرح في "البيان".

قوله في "الروضة": فرع: ركعتا الطواف وإن أوجبناهما فليستا بشرط في صحته ولا ركنًا، بل يصح بدونهما، وفي تعليل جماعة من الأصحاب ما يقتضي اشتراطهما.
انتهى.

واعلم أن الرافعي لم يجعل المستفاد من التعليل هو الشرطية لا غير بل ردده بين الشرطية والركنية.

قوله: فيها أيضًا: وقال الإمام: لو مات قبل الصلاة لم يمتنع جبرها بالدم.
انتهى.
واقتصار المصنف على الإمام غريب؛ فإن الرافعي لم يقتصر عليه بل عبر بقوله قاله الإمام وغيره.

قوله: وأما السنن فخمس.. إلى آخره.
فيه أمور: منها: أنه يستحب أن يكون قائمًا، فإن زحف مع قدرته على المشي كان مكروهًا كما قاله في "شرح المهذب".
وأن يكون حافيًا كما نبه عليه بعضهم ولا شك فيه.
قال في "الإملاء": وأحب لو كان يطوف بالبيت خاليًا أن يقصد في المشي لكثرة خطاه رجاء لكثرة الأجر له.
هذا لفظ "الإملاء" بحروفه ومنه نقلت.
وهي مسألة نفيسة.
والقصد في كلام الشافعي هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ 1 وأصله الرفق.

قوله: الأولى أن يطوف ماشيًا لأنه الأكثر من فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإنما طاف في حجة الوداع راكبًا ليراه الناس فيستفتوه.
ولو ركب من غير عذر أجزأه ولا كراهة هكذا قال الأصحاب.
قال الإمام: وفي القلب من إدخال البهائم المسجد ولابد من تلويثها

شئ.
فإن أمكن الاستئناف فذاك وإلا فإدخال البهائم المسجد مكروه.
انتهى بلفظه.
تابعه عليه في "الروضة" وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وفيه أمور: أحدها: أن كلامه في "شرح مسند الإمام الشافعي" جازم بالكراهة؛ فإنه قال: نص الشافعي في "الأم" على كراهته، قال: وأما طوافه -عليه الصلاة والسلام- راكبًا فروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان لمرض.
انتهى.
ولم يذكر الرافعي في "الكتاب" ما أشار إليه غير ذلك؛ فدل على ما قلناه.
الثاني: أن نقل الرافعي عن الأصحاب عدم الكراهة؛ فقد جزم بها صاحب "التقريب" وهو الإمام الجليل القاسم ابن القفال الشاشي فقال: قال الشافعي: إنما طرف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غير مرض؛ لأنه أحب أن يشرف للناس ليسألوه، وليس لأحد من الناس هذا الموضع.
قال: ولا أكره ركوب المرأة ولا حمل الناس إياها في الطواف من غير علة، وأكره ذلك للرجل.
هذا لفظه، ومن "التقريب" نقلت.
وجزم به أيضًا القاضي الحسين والبندنيجي والقاضي أبو الطيب في تعاليقهم، والماوردي في "الحاوي"، وسليم الرازي في "المجرد"، والعبيدي في "الكفاية"، وكذلك الدارمي في "الاستذكار" وسوى في ذلك بين الرجل والمرأة.
ولم يذكر ابن الرفعة في "الكفاية" غير الكراهة؛ فإنه هنا راجع أصول المذهب ولم يراجع الرافعي وجزم بالكراهة أيضًا النووي في "شرح المهذب"

في الفصل المعقود لأحكام المساجد، وأجاب عن طواف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأنه كان لبيان الجواز.

قوله: إن إدخال الصبيان في المسجد حرام إن غلب تنجيسهم له، وإن لم يغلب ذلك فهو مكروه.
كذا قاله النووي من "زياداته" في كتاب الشهادات، وادعى أن ذلك مشهور بين الأصحاب.
وأقل مراتب البهائم أن تكون كالصبيان في ذلك فيكون إدخالها محرمًا أو مكروهًا؛ فثبت ما ذكرناه نقلًا ومعنى كراهة الطواف راكبًا بغير عذر، وأن ما نقله الرافعي هنا عن الأصحاب من عدم الكراهة غير مقبول فإنه مخالف لما في كتبهم المشهورة والمهجورة ومخالف أيضًا لنص الشافعي.
ومما يؤيد الكراهة أن الفعل في هذه العبارة لم يؤخذ حقيقة من الراكب بل من الدابة؛ فصار نظير ما إذا استعان في الوضوء بمن يغسل الأعضاء وهو مكروه قطعًا كما قاله في "الروضة" من "زياداته".
وأما طواف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - راكبًا فقد تقدم الجواب عنه من أوجه، وما أجاب به الشافعي من كونه فعله لمرض فقد نص عليه أبو داود في سننه، وأشار إليه البخاري بقوله: باب المريض يطرف راكبًا، والحديث الذي ذكره الرافعي رواه مسلم 1 منه رواية جابر.

قوله: الثانية: أن يستلم الحجر الأسود بيده في ابتداء الطواف ويقبله ويضع جبهته عليه.
فإن منعته الزحمة من التقبيل اقتصر على الاستلام، فإن لم يكن اقتصر على الإشارة باليد.
انتهى.

تابعه عليه في "الروضة": فيه أمور: أحدها: أن المراد بالحجر الأسود إنما هو الموضع حتى لو نحى الحجر من موضعه -والعياذ بالله تعالى- استلم الركن الذي كان فيه وقبله وسجد عليه.
كذا نقله في "شرح المهذب" عن الداركي ولم يخالفه.
وهو نظير ما سبق في البداءة بالطواف إلا أنه هناك إذا صح وأما الاستلام فمشكل.
الثاني: أن النووي في المناسك وغيره قد نبه على شئ يغفل عنه كثيرًا فقال: فيحترز عند الاستلام أو التقبيل أن يمر شئ من يديه في الشاذروان عند أخذه في الطواف بل يرجع إلى مكانه قبل الاستلام ثم يطوف.
الثالث: أن تعبير الرافعي يقتضي أنه إذا أمكنه الاستلام يأتي به سواء آذى غيره بالزحام أم لا، وليس كما أطلقه بل فيه تفصيل ذكره الشافعي في "الأم" كما نقله عنه البندنيجي؛ فقد قال في الأم: أحب الاستلام ما لم يؤذ غيره بالزحام إلا في ابتداء الطواف ويستحب له الاستلام وإن كان بالزحام أو في آخر الطواف.
وذكر في "شرح المهذب" أن الأصحاب أطلقوا أنه لا يأتي به.
ثم نقل هذا النص.

قوله: ولا يقبل الركنين الشاميين ولا يستلمهما ويستلم الركن اليماني ولا يقبله.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة".
فيه أمران: أحدهما: أن المراد بعدم تقبيل الأركان الثلاثة إنما هو نفي كونه سنة، فإن قبلهن أو قبل غيرهن من البيت لم يكن مكروهًا ولا خلاف الأولى،

بل يكون حسنًا.
كذا نقله في الاستقصاء عن نص الشافعي فقد قال الشافعي: وأي البيت قبل فحسن غير أنا أمرنا بالاتباع.
هذا لفظه فتفطن له فإنه من الأمور المهمة.
الأمر الثاني: أن تعبيره يشعر بأنه إذا عجز عن استلام الركن الثاني لا يشير إليه.
وبه صرح ابن أبي الصيف اليمني في نكته على "التنبيه" وفي "مناسكه".
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "مناسكه" أنه يشير إليه.
قال الطبري في "شرح التنبيه": وهو أوجه قياسًا على الأسود.

قوله: ولو لم يستلم بيده ووضع عليه خشبة ثم قبل طرفها جاز.
وروي عن أبي الطفيل قال: رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يطوف بالبيت على بعير ويستلم الركن بمحجن ويقبل الحجر 1. انتهى.
وهذه العبارة قصيرة، بل يستحب فعل ذلك إذا لم يتمكن من الاستلام باليد كما نبه عليه في الروضة.
والمحجن: بميم مكسورة ثم حاء مهملة ثم جيم مفتوحة بعدها نون: عصا محنية الرأس كالصولجان.
جمعها: محاجن.
والحديث ثبت معناه في البخاري.

قوله: ويستحب تقبيل الحجر واستلامه واستلام الركن اليماني عند محاذاتهما في كل طوفة، وهو في الأوتار آكد لأنها أفضل.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وهو يوهم أنه لا يستحب في جميعها كما دل

عليه كلام "المحرر" و"المنهاج"، وصرح به غيره، وكلام أبي حامد في "الرونق" يقتضي أنه لا يستحب إلا في الأوتار خاصة فإنه قال: من السنن تقبيل الحجر في كل وتر، ولم يذكر غير ذلك.

قوله في أصل "الروضة": ويقول بين الركنين اليمانيين: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
انتهى.
واعلم أن هذا الدعاء رواه أبو داود 1 بإسناد لم يضعفه عن عبد الله بن السائب عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعدم تضعيفه يدل على أنه حسن عنده كما تقدم مرات، ولفظه: ربنا آتنا.
أعني: بلفظ الرب لا بلفظ اللهم.
وهكذا ذكره الرافعي في كتبه كلها حتى هذا الكتاب الذي اختصر منه النووي هذه المسألة وهو "الشرح الكبير".
ولا شك أنه إنما وقع له ذلك سهو؛ ولهذا ذكره في "شرح المهذب" على الصواب.
نعم: وقع له في "المنهاج" لأجل وقوعه في "الروضة" لأنه يأخذ منها ما اصطلح عليه فيه من تخريج الوجهين والقولين ومراتب الخلاف قوة وضعفًا، وغير ذلك.

قوله: والرمل هو الإسراع في المشي مع تقارب الخطي يقال له: الخبب، وهو مسنون في الأشواط الثلاثة الأول.
ثم قال: وهل يستوعب الثلاثة بالرمل؟ فيه قولان: أصحهما -وهو المشهور: نعم؛ لما روي أنه -عليه الصلاة والسلام- رمل من الحجر إلى الحجر ثلاثًا ومشى أربعًا 2. والثاني: لا، بل يتركه بين الركنين اليمانيين؛ لما روى أن أصحاب رسول

الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يبازون بينهما؛ وذلك أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد شرط عام الصد أن يتخلوا عن بطحاء مكة إذا عادوا لقضاء العمرة، فلما عادوا وفوه بالشرط ورقوا جبل قعيقعان وهو جبل في مقابلة الحجر والميزاب، وكانوا يظهرون القسوة والجلادة حيث تقع أبصارهم عليهم، فإذا صاروا بين الركنين اليمانيين كان البيت حائلًا بينهم وبين أبصار الكفار.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من الجزم بطريقة القولين قد تبعه عليه النووي في "الروضة" ثم خالفه في "شرح المهذب" فحكى طريقتين: إحداهما: هذه، والثانية: القطع باستحباب التعميم.
ثم قال: وهذا الطريق هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور.
الأمر الثاني: أن العمرة التي اعتمرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سنة ست من الهجرة وصده المشركون عنها تسمى عمرة الحديبية، والعمرة التي تليها تسمى عمرة القضاء -أي: الشرط- لأنهم قاضوه -أي: شارطوه- في عام الحديبية على أن يتحلل ويعود في العام القابل، ووقع مع ذلك شروط أخرى.
وتسمى أيضًا عمرة القضية كذلك.
هكذا قاله العلماء.
قالوا: وليس تسميتها هذا الاسم من القضاء بمعنى استدراك العبادة.
ومما يؤيده أن القضاء لا يجب على المحصر.
إذا علمت ذلك فتعبير الرافعي في الاستدلال بقوله إذا عادوا لقضاء العمرة يعتبر مردود.
وصوابه: بعمرة القضاء.
والحديثان المذكوران في الرافعي رواهما مسلم في "صحيحه".
وإنما أخذ الأصحاب برواية التعميم لأنها واردة في حجة الوداع فوجب

الأخذ بها لتأخرها.
واعلم أن البزا بباء موحدة مفتوحة وزاي معجمة بعدها ألف؛ نقول: يبازي فلان في مشيه أي: حرك عجيزته.
ويقال أيضًا: بالراء المهملة من المباراة وهي المسابقة والمجاراة، وهذا الثاني مناسب في المعنى لا الدليل فهو لفظ الحديث.

قوله: وفيم يسن الرمل؟ فيه قولان: أحدهما: في طواف القدوم لأنه أول العهد بالبيت فيليق به النشاط والاهتزاز.
والثاني: أنه إنما يسن في طواف يستعقب السعي لانتهائه إلى مواضع الحركات بين الجبلين.
وهذا أظهر عند الأكثرين، ولم يتعرضوا لتاريخ القولين.
وقال في التهذيب إن الأصح الجديد هو الأول.
انتهى.
وهذا الكلام يقتضي أن المنقول عن الجديد هذا هو المنقول عن الجديد لا غير وأن الفتوى على القديم ليس كذلك؛ فقد نقل البيهقي في "السنن" أن الجديد هو القول الآخر وهو استحبابه في كل طواف يستعقبه السعى، و"البيهقي" أعرف بنصوص الشافعي من البغوي وغيره، وقد راجعت أصل "التهذيب" وهو تعليق القاضي الحسين فلم أر فيه نقل ذلك عن الجديد فلا أدري من أين أخذه.

قوله في التفريع على المسألة: وهل يرمل المكي المنشئ حجه من مكة في طوافه أي: الإفاضة؟ إن قلنا بالقول الأول فلا؛ إذ ليس له طواف قدوم.
وإن قلنا بالثاني فنعم.
انتهى.
وما ذكره مسلم فيما إذا لم يسافر ثم يقدم فإن فعل ففي "شرح التنبيه" للطبري أنه يستحب له ذلك بلا شك لتحققه بالقدوم، ولأن طواف القدوم تحية البيت؛ فاستوى فيه كل قادم سواء أحرم من مكة أو من غيرها.

قوله: ليكن من دعائه في الرمل: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبا مغفورًا وسعيًا مشكورًا.
روي ذلك عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 1. انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة".
وفيه أمور: أحدها: أن هذا الدعاء محله عند محاذاة الحجر الأسود، وأما فيما عداه فيدعو بما أحب.
كذا ذكره الشيخ في "التنبيه"، وأقره عليه النووي في "تصحيحه".
الثاني: أنهما أيضًا أهملا التكبير في أول هذا الدعاء مع أنه مستحب، وقد ذكره الشيخ أيضًا في "التنبيه".
الثالث: أن هذا الدعاء واضح للحاج.
أما المعتمر فالمناسب أن يقول: اللهم اجعلها عمرة مبرورة، ويحتمل أيضًا استحباب التعبير بالحج مراعاة للحديث ويقصد المعنى اللغوي وهو القصد.
الرابع: أنهما سكتا عما يقوله في الأربعة الأخيرة وقد ذكره الشافعي والأصحاب حتى صاحب "التنبيه" فقالوا: يستحب أن يقول: رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ولم [..] 2 على "المهذب" والحديث المذكور غريب.
وقوله فيه: "وذنبًا" هما منصوبان بإضمار فعل؛ أي: واجعل ذنبي دنبًا مغفورًا وسعيًا مشكورًا.

قوله: وليس في حق النساء رمل ولا اضطباع حتى لا ينكشفن ولا تبدو أعضاؤهن.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الخنثى في ذلك كالمرأة قاله في "شرح المهذب".
والثاني: أن هذه العبارة ليس فيها تصريح بتحريم ذلك ولا كراهته، والمعنى المقتضى للمشروعية وهو كونه دأب أهل الشطارة يقتضي التحريم فيهن لأن ذلك يؤدي إلى تشبههن بالرجال بل بأهل الشطارة منهم، والتشبه حرام.
وعبارة "المحرر" تشعر بذلك فإنه قال: وليس للنساء رمل ولا اضطباع.
وقد عدل في "المنهاج" عن عبارة "الشرح" و"المحرر" إلى عبارة "التنبيه" فقال: ولا ترمل المرأة ولا تضبطع.
وذكر مثلها في "الروضة" أيضًا وعبر في "شرح المهذب" بقوله: لا يشرع لهن.

قوله: ولا تجب نية الطواف في أصح الوجهين لأنه في الحج والعمرة أحد الأعمال فتكفي نية النسك في الابتداء؛ على هذا يشترط أن لا يصرفه إلى غرض آخر من طلب غريم ونحوه في أظهر الوجهين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن الصرف قد ذكره في مسائل من الحج فقال في الكلام على الوقوف: الخامسة لو حصر بعرفة في طلب غريم له أو دابة نادة كفاه.
قال الإمام: ولم يذكروا هنا الخلاف الذي سبق في صرف الطواف.
ويعد الفرق أن الطواف قربة برأسها بخلاف الوقوف قال: ولا يمتنع

طرد الخلاف فيه والمراد أن الطواف يتقرب به وحده: بدون الحج والعمرة.
وقال في الكلام على ما لو ترك الرمي في أيام التشريق، وزاد الإمام فقال: لو صرف الرمي في قصده إلى غير النسك كما لو رمى إلى شخص أو دابة في الجمرة ففي انصرافه عن النسك الخلاف المذكور في صرف الطواف.
انتهى.
وهذا الذي ذكره في صرف الرمي قد ذكر النووي مثله في "شرح المهذب" وغيره، ولا شك أنه كالوقوف، وما نقله عن الإمام فيه هو عين ما تقدم نقله عنه في الوقوف فيكون الصحيح خلافه؛ فاعلمه.
وقال في الكلام على صفة الرمي ما نصه: ويشترط قصد الرمي؛ فلو رمي في الهوى فوقع في المرمي لم يعتد به.
انتهى.
وهو مخالف للمذكور في الوقوف.
وقد سكت الرافعي عن السعى؛ قال الطبري شارح "التنبيه" إنه كالوقوف.
الثاني: أن الإمام لما ذكر في صرف الوقوف أنه لا يمتنع تخريجه على صرف الطواف زاد بعده زيادة لابد من معرفتها فقال: ولكن الظاهر أنه لا يجزئ.
هذه عبارته.
الثالث: أنا قد استفدنا من تعليل الرافعي أن الطواف المنذور وما يتنفل به الحلال والمحرم وما يأتي به الكي عند مفارقته مكة لابد فيه من النية وهو واضح.
وكلامه وكلام النووي في "شرح المهذب" يقتضي جريان الخلاف في طواف القدوم لأنه من سنن الحج، وتوقف فيه ابن الرفعة.
قال: وأما طواف الوداع المفعول عقب الحج والعمرة فقال أعني ابن الرفعة: تجب فيه النية بلا شك لوقوعه بعد التحلل التام.
وفيما قاله نظر، والقياس تخريجه

على الخلاف الآتي في أنه من المناسك أم لا؟، والصحيح أنه منها كما ستعرفه.

قوله: فلو أن الرجل حمل محرمًا من صبي أم مريض أو غيرهما وطاف به نظر إن كان الحامل حلالًا أو محرمًا ولكن طاف عن نفسه حسب الطواف للمحمول بشرطه وإن كان محرمًا ولم يطف به عن نفسه نظر إن قصد الطواف للمحمول فثلاثة أوجه: أظهرها: يقع له دون الحامل وينزل الحامل منزلة الدابة، وهو تخريج على قولنا يشترط أن لا يصرف الطواف إلى غرض آخر.
والثاني: يقع عن الحامل فقط تخريجًا على قولنا لا يشترط ذلك.
والثالث: تحسب لهما جميعًا؛ لأن أحدهما قد دار والآخر قد دير به وأن قصده الطواف عن نفسه وقع عنه.
وهل يقع عن المحمول أيضًا؟ قال الإمام: لا يقع.
وحكى وفاق الأصحاب عليه، وبمثله أجاب فيما إذا قصد الطواف لهما معًا.
وصاحب "التهذيب" حكى وجهين في الحصول لهما.
ولو طاف ولم يقصد واحدًا من الأقسام فهو كما لو قصد نفسه أو كليهما.
انتهى كلامه.
وهو مشتمل على خمسة أقسام فلنتكلم على الترتيب المذكور في الكتاب: القسم الأول: أن يكون الحامل حلالًا أو محرمًا ولكن طاف عن نفسه.
وقد أجاب فيه بأن الطواف يقع للمحمول بشرطه، وفيما ذكره في هذا

القسم أمور: أحدها: أن ما قاله من حصول للمحمول صحيح إذا لم ينو الحامل شيئًا أو نوى الطواف عن المحمول.
فأما إذا نواه لنفسه فلا؛ لأن الطواف يصح من غير المحرم.
وإذا كان يصح منه ونواه فكيف يتصور عنه بكونه قد حمل المحرم، بل ينبغي تخريجه على الخلاف الآتي في أنه هل يقع عن الحامل فقط لكونه الفاعل له وهو الصحيح أو يقع لهما.
وهذا الإشكال ذكره ابن الرفعة في "الكفاية"، وهو إشكال صحيح، وكلام المصنف كالصريح في خلافة لأنه ذكر هذا التفصيل فيما سيأتي ولم يذكره في هذه المسألة فاقتضى ذلك إرادة التعميم هنا.
وكذا فعل الرافعي والمصنف في كتابهما.
ثانيها: أنه إذا أحرم بالحج من مكة ثم حمل قبل انتصاف ليلة النحر محرمًا بالعمرة كان حكم هذا المحرم الحامل حكم الحلال بلا شك فكان ينبغي أن يقول: قد طاف عن نفسه أو لم يدخل وقت طوافه.
ثالثها: أن المراد بالحسبان هنا عن المحمول إنما هو الحسبان قد طاف عن نفسه كما كان لو حمل حلال حلالًا بلا شك.
وتعليلهم يدل عليه.
وهذا الكلام يأتي أيضًا في قول الرافعي ولكن قد طاف عن نفسه؛ أي: الطواف الذي يضمنه إحرامه.
وما ذكرناه من أن طواف القدوم فيما يجب فيه ملحق بالفرض لم يصرحوا به هنا ولكنه قياس ما سبق من التحاقه به من عدم الاحتياج إلى النية.
رابعها: أن قوله يشترطه يتناول الطهارة والستر والنية أو عدم العارف

على الخلاف المتقدم.
فإن فقد شئ من هذه الشروط وقع عن الحامل.
وكذلك أيضًا يتناول دخول وقت الطواف كما لو كان محرمًا بالعمرة أو بالحج أو انتصف ليلة النحر، وإنما ذكر المصنف هذا الشرط في أول القسم ليعلم منه إحالة ما بعد عليه؛ فاعلمه.
القسم الثاني: أن يكون الحامل محرمًا ولم يطف عن نفسه وقصد الطواف للمحمول، وقد أجاب فيه الرافعي بأنه قطع الطواف للمحمول في أصح الأوجه، وهو واضح.
القسم الثالث: كالثاني إلا أنه قصد الطواف لنفسه.
وكلام الرافعي يقتضي أن المشهور فيه وقوعه عن نفسه فقد جزم في "الشرح الصغير"، وذكر نحوه في "المحرر"، وكذلك النووي في "المنهاج" وغيره من كتبه.
وكلام الرافعي يقتضي أنه لا فرق في هذا القسم بين أن ينوي المحمول أيضًا الطواف عن نفسه أم لا، وهو كذلك كما صرح به في "شرح المهذب" وغيره.
القسم الرابع: كالثاني أيضًا، إلا أنه قصد الطواف لهما معًا.
وليس في الرافعي هنا ولا في "الروضة" تصريح بتصحيح إلا أنه صحح في "الشرح الصغير"، "المحرر" وقوعه عن نفسه كالقسم الذي قبله، وتبعه عليه النووي في "المنهاج" وغيره، ولكن نص الشافعي في "الأم" و"الإملاء" على وقوعه عنهما على خلاف ما قالاه إلا أنه نص في "الأم" على وقوعه عن المحمول في الإملاء على وقوعه عنهما كذا نقله الروياني عن "البحر"؛ فالنصان متفقان على نفي ما صححاه، وهو هاهنا بخصوصه أظهر من نصه في الإملاء فيجب الأخذ به.

ولا شك أن الرافعي لم يمعن النظر في كتاب الحج خصوصًا في هذه المسألة.
وإنما ظفر فيها بكلام بعض المتأخرين وهو الإمام والبغوى؛ فتفطن لذلك وما نقله عن البغوي هنا عائدًا إلى القسم الثالث والرابع فاعلمه فقد صرح البغوي به، وكلام الرافعي موهم أو محتمل.
القسم الخامس: أن لا يقصد شيئًا، وقد أجاب فيه الرافعي بأنه قد يكون كما لو قصد نفسه أو كليهما.
وهذا الجواب بناه على ما قدره هو من أنه لا فرق بين القسمين، وأما على ما نقلناه من افتراقهما فلا يلحق لها معًا، بل كما إذا قصد نفسه خاصة لأن الشرط عدم الصارف ولم يوجد.

قوله: وقول الغزالي: ولو طاف المحرم بالصبي الذي أحرم عنه، الأولى فيه قرأه أحرم على المجهول لأنه لا فرق بين أن يكون وليه الذي أحرم به أو غيره.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن التعبير بالمجهول قد رأيته كذلك في عدة من نسخ الرافعي وهو تحريف، وصوابه: على المفعول؛ أي: بضم همزة أحرم على البناء للمفعول للعلة التي ذكرها.
الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على أنه لا فرق في الحامل بين الولي وغيره لكن المنقول فيما إذا طاف الصغير راكبًا أنه لا يجزئه إلا إذا كان الولي سابقًا أو قائدًا.
كذا قاله صاحب "البحر" وغيره، وهو هاهنا أولى؛ فتقييد الغزالي بالولي للاحتراز عن غيره فإن فيه هذا التفصيل.

قوله من زوائده: ولو نذر أن يطوف فطاف عن غيره، قال الروياني: إن كان زمن النذر معينًا لم يجز أن يطوف فيه عن غيره، وإن طاف في غيره أو كان زمنه غير معين فهل يصح أن يطوف عن غيره والنذر في ذمته؟ وجهان: أصحهما: لا، كالإفاضة.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من كونه لا يصح في غير الوقت المعين قد ذكر أعني الروياني أيضًا ما يخالفه في الكلام على تقديم حجة الإسلام على غيرها، وقد ذكرته هناك فراجعه.
والمتجه الماشي على القواعد أنه يصح.
الأمر الثاني: أنهما لم يصرحا بحكم انصرافه إلى النذر.
وقياسه على الإفاضة يوهم الانصراف مطلقًا.
وليس كذلك بل القياس انصرافه إذا طاف في وقت النذر المعين أو كان النذر مطلقًا دون ما إذا عينه وطاف قبله.

الفصل الخامس: في السعي

قوله: إذا فرغ من الطواف وركعتيه فينبغي أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ليكون آخر عهده بالبيت كما افتتح طوافه به.
انتهى.
وما ذكره من الاقتصار على الاستلام ذكر مثله في بقية كتبه، وكذلك أيضًا النووي وابن الرفعة، وهو الذي رواه مسلم من حديث جابر 1 أيضًا، وذلك كله يقتضي أنه لا يستحب تقبيله ولا السجود عليه.
فإن كان الأمر كذلك فلعل سببه المبادرة إلى السعي.

قوله: ثم يخرج من باب الصفا للسعي ويبدأ بالصفا لأن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بدأ به وقال: "ابدؤا بما بدأ الله به" 2. انتهى.
واعلم أن هذه اللفظة -أعني: ابدؤا رواها مسلم في صحيحه على أنها مضارع للمتكلم، ورواها النسائي بلفظ الأمر؛ فإسناد هذه الرواية صحيح على شرط مسلم، إلا أن فابدؤا بزيادة فاء العطف في أوله.
واعلم أن من جملة أدلة السعي ما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "يا أيها الناس: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى" 3. وقد اختلف كلام النووي في "شرح المهذب" في هذا الحديث فقال في

أول الكلام على السعي: رواه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف، وقال في آخره: رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن.
قلت: وحسنه أيضًا الشيخ زكي الدين في الكلام على أحاديث "المهذب"، إلا أن الحديث المذكور روي بإسنادين فاعلمه.

قوله: ويرقى على الصفا بقدر قامة رجل حتى يتراءى له البيت.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على إطلاق استحباب الرقي على الصفا.
وليس على إطلاقه بل هذا مخصوص بالرجل، أما المرأة فإنها لا ترقى كما هو مذكور في "التنبيه" وأقره عليه النووي في تصحيحه، ومعناه واضح، ولم يذكره في "المهذب" ولا في شرحه.
والعجب من تركهما هذه المسألة.
ولا شك أن الخنثى كذلك.
ولو فصل فيهما بين أن يكون في خلفه محارم وبين أن لا يكون كما قد قيل به في الجهر في الصلاة لم يبعد.

قوله: نعم لا يجوز أن يتخلل بين الطواف والسعي ركن؛ بأن يطوف للقدوم ثم يقف بعرفة، بل عليه إعادة السعي بعد طواف الإفاضة.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وهو يقتضي أمرين: أحدهما: أن تخلل الواجب لا يقدح وذلك بأن يطوف للإفاضة ثم يرجع إلى منى ويرمي ثم يعود فيسعى، وما اقتضاه كلامه صحيح حتى لا تجب عليه إعادة شئ مما فعل.
الثاني: أن تخلل الحلق لا يضر لأنه ركن على المشهور.

والقول بما دل عليه كلامه يقتضي إما عدم الاعتداد بالحلق وإما وجوب إعادة الطواف وكلاهما بعيد.
والمتجه أن التخلل في المسألة المذكورة لا يضر، وأن هذه المسألة إنما هي مفروضة في طواف القدوم خاصة وإن كان اللفظ مطلقًا؛ ولهذا عبر في المنهاج بقوله: وأن يسعى بعد طواف ركن أو قدوم بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة.
هذه عبارته فمنع الفصل بالوقوف خاصة، إلا أنه مخالف لما في "المحرر"؛ فإن الذي فيه مثل ما في "الشرح" و"الروضة"، على أن الغزالي في "الوسيط" حكى ترددًا في الفصل بالوقوف أيضًا.
والتردد المذكور وجهان رأيتهما في "شرح التلخيص" للشيخ أبي على السنجي فاعلمه.

قوله: ولا يشترط وقوعه بعد طواف الركن بل لو سعى عقب طواف القدوم أجزأه.
ولا يستحب أن يعيده بعد طواف الإفاضة لأن السعي ليس بقربة في نفسه كالوقوف، بخلاف الطواف فإنه عبادة في نفسه يتقرب بها وحدها.
وعن الشيخ أبي محمد أنه يكره إعادته فضلًا عن عدم الاستحباب.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، ومقتضاه أن الصحيح أنه خلاف الأولى، وقد اختلف فيه كلامه في "شرح المهذب" فجزم في الكلام على الإفاضة من منى إلى مكة بأنه يكره، ونقله عن الأصحاب وقال قبل ذلك في الكلام على السعي ما نصه: قال الشافعي والأصحاب: إذا أتى بالسعي بعد طواف القدوم وقع ركنًا ولا يعاد بعد طواف الإفاضة، فإن أعاده كان خلاف الأولى.

وقال الشيخ أبو محمد والإمام وغيرهما: تكره إعادته لأنه بدعة.
هذا كلامه، وليس في "المحرر" ولا في "المنهاج" تصريح بشئ بل فيهما أنه لا يعيده.

قوله: غير أنه لا يتصور وقوع السعي بعد طواف الوداع فإن طواف الوداع هو الواقع بعد فراغ المناسك، فإذا بقي السعي عليه لم يكن المأتي به طواف الوداع.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمور: أحدها: أن ما قالاه من عدم تصوره وذلك لأن طواف الوداع يؤمر به من أراد الخروج من مكة حلالًا كان أو محرمًا، لكن هل من شرطه أن يخرج إلى مسافة القصر أم لا؟ فيه خلاف مذكور في موضعه؛ وحينئذ فنقول: يتصور ذلك بما إذا أحرم بالحج من مكة ثم أراد الخروج، قيل: فيطوف هذا المحرم للوداع ويخرج لحاجته ثم يعود ويسعى بعد عوده؛ إذ الموالاة بين السعي والطواف غير شرط عندنا.
وهذا التصوير واضح جلي، وقد ذكره صاحب "البيان" والشيخ أبو نصر البندنيجى، وزاد على ذلك فجزما بالصحة وقالا إنه مذهب الشافعي ونقله النووي في "شرح المهذب" عنهما وسلم التصوير، لكنه نازع في الصحة فقال: ولم أر لغيرهما ما يوافقه.
قال: وظاهر كلام الأصحاب أنه لا يجوز إلا بعد القدوم والإفاضة.
وهذا التوقف منه في الصحة مع هذا النقل الصريح مردود.
وما ذكر الأصحاب لطواف القدوم والإفاضة دون غيرها فلأن ذلك هو الغالب، وقد ذكر -أعني: النووي- في "شرح المهذب" كلامًا تدخل فيه هذه الصورة فإنه قال الكلام على دخول البيت ما نصه: ويشترط كون السعي بعد

الطواف صحيح.
هذا لفظه.
وذكر ابن عبدان في شرائط الأحكام مثله.
فإن كان بعد الطواف ما أجزأه عن الفرض وإن لم يكن عقب طواف ما لم يجزئه هذه عبارته.
وتدخل في هاتين العبارتين صورة أخرى؛ وهي ما إذا أحرم المكي بالحج كما فرضنا ثم ينتقل بالطواف وأراد السعي بعده.
وقد صرح الطبري شارح "التنبيه" بالمسألة وجزم بالإجزاء.
قال وروى أن ابن عمر وابن الزبير فعلاه، إلا أن فيها نظرًا، وكلام الرافعي في المسألة المتقدمة يقتضي المنع.
الأمر الثاني: أن الرافعي لما حكم في الصورة التي ذكرها بأن الطواف الذي أتى به على أنه للوداع لا يقع عنه لم يتعرض لصحة السعي بل كلامه يوهم عدم الاعتداد به.
وليس كذلك بل هو صحيح؛ فتفطن له.
وذلك لأنه لا يخلو إما أن يكون قد طاف للإفاضة أم لا؛ فإن طاف صح هذا السعي لتقدم طواف الإفاضة عليه وتراخيه عنه لا يقدح وإن لم يطف وقع هذا الطواف عنه كما صرح به الرافعي وغيره، ويلزم منه الصحة بطريق الأولى.
الأمر الثالث: أن منع الرافعي طواف الوداع عند بقاء شئ من المناسك كيف يستقيم، لأن السعي والحلق لا آخر لوقتهما، ويجوز للحاج أن يخرج من مكة قبل أن يفعلهما؛ وحينئذ فهو محتاج إلى طواف الوداع.
فإذا قال: أنا أخرج وأحلق في بلدى؛ فإن صححنا طواف الوداع بطل ما قاله، وإن لم نصححه لزم لخروج بلا وداع أو وجوب الحلق والسعي قبل الخروج.

الفصل السادس: في الوقوف

قوله: وينبغي للإمام أو منصوبه أن يخطب بمكة في اليوم التاسع من ذي الحجة بعد صلاة الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيه بالغدو إلى منى ويخبرهم بما بين أيديهم من المناسك لأنه -عليه الصلاة والسلام- فعل ذلك.
انتهى.
والمراد بما بين أيديهم أي: في الخطبة الثانية.
كذا ذكره الرافعي بعد هذا في الكلام على الخطبة الثانية المشروعة بنمرة ولكن الصواب عدم التقييد بما بين الخطبتين كما ستعرفه هناك.
والحديث المذكور رواه البيهقي بإسناد جيد كما قاله في "شرح المهذب".

قوله: ويأمر في خطبته المتمتعين أن يطوفوا قبل الخروج للوداع.
انتهى.
وهذه المسألة يأتي الكلام عليها في فصل طواف الوداع إن شاء الله تعالى.

قوله: ويحرم من كان حلالًا على ما سبق في صورة المتمتع أي: في اليوم الثامن وهو المسمى يوم التروية، ثم يخرج بهم الإمام في ذلك اليوم إلى منى.
ومتى يخرج؟ المشهور أنه يخرج بعد صلاة الصبح بحيث يوافقون الظهر بمنى.
وحكى القاضي ابن كج أن أبا إسحاق ذكر قولًا أنهم يصلون الظهر بمكة ثم يخرجون.
انتهى كلامه.
وهذا القول الذي اقتضى كلامه يشعر أنه قد جزم به في أواخر باب وجوب أداء النسكين في أثناء كلام أوله قال: وأما المعسر وقد تقدم ذكر لفظه هناك، وأن الفتوى على المذكور هنا.

واعلم أن الماوردي قد ذكر أن الإمام إذا كان مقيمًا بمنى فيستحب له أن يحرم، ويصعد المنبر محرمًا.
وهذا الذي قاله يستثنى منه قولهم يستحب الإحرام يوم الثامن، وقد توقف فيه "شرح المهذب" فقال ما قاله من إحرام الإمام غريب محتمل.

قوله: قال الشافعي: فإن بنى بها -أي بعرفة- قرية واستوطنها أربعون من أهل الكمال أقاموا الجمعة والناس تبع لهم.
انتهى كلامه.
وما ذكره من إقامة الجمعة في القرية المذكورة وإن كان مسلمًا لكن بناؤها هناك ممتنع على الصحيح، وكذلك في مزدلفة ومنى كما ستعرفه في كتاب إحياء الموات؛ وعللوه بالتضييق فلتتفطن لذلك فإنها إن بنيت لانتفاع الواقفين عامة بها فيحتمل الجواز بعدم الاختصاص بكون ذلك مستثنى؛ ويؤيده اتفاقهم على مسجد الحيف، ويحتمل المنع للتضييق بموضع الجدر.

قوله: في الكلام على الخطبة بنمرة، ويخفف الخطبة بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الإقامة على ما رواه الإمام وغيره من الأذان على ما رواه صاحب "التهذيب" وغيره.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح هو الوجه الثاني كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، والنووي في "شرح المهذب" وغيره من كتبه.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" لما اختصر كلام الرافعي فقال من زياداته الأصح الذي قطع به الجمهور هو الثاني فتفطن لما قاله فإنه غريب.

قوله: وإذا كان الإمام مسافرًا فالسنة له القصر، وليقل الإمام إذا سلم: أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر كما قاله رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
1 انتهى.

السفر: بفتح السين وسكون الفاء.
وقد تقدم إيضاحه في مسح الخف والحديث المذكور رواه مالك في "الموطأ" 1 من قول عمر نفسه وأنه قاله وهو في مكة، وأما رفعه ووروده في نمرة فغريب.

قوله: وأما الأول فلأن صاحب الشامل وطائفة قد ذكروا أن نمرة موضع من عرفات.
وقال الأكثرون: ليست منها... إلى آخره.
تابعه عليه في الروضة فقال: الصواب أن نمرة ليست من عرفات، ولم يذكر غير هذا.
وقد بسط هذا الاعتراض في "شرح المهذب" فقال: وإنما نمرة فليست أيضًا من عرفات بل بقربها.
هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في "مختصر الحج الأوسط" وغيره، وصرح به أبو علي البندنيجي والأصحاب، ونقله الرافعي والأكثرون قال: وقال صاحب "الشامل" وطائقة: هي من عرفات.
وهذا الذي نقله غريب ليس بمعروف ولا هو في "الشامل" ولا هو صحيح، بل إنكار للحس؟، ولما تطابقت عليه كتب العلماء.
هذا كلامه، والذي ذكره النووي غلط عجيب؛ فإن النقل في "الشامل" كما قاله الرافعي فإنه قال: مسألة: قال الشافعي: ويخطب يوم السابع، ثم قال بعد ذلك: فإذا طلعت الشمس يوم التاسع على تبير راحوا إلى الموقف في أول طلوعها لما روى جابر أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "صلى بمنى صلاة الفجر فلما بزغت الشمس رحل في أول بزوغها إلى عرفات" 2 إذا ثبت هذا فإذا وصل إليها ضرب له خباء أو قبة؛ لأنه روى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "ضرب له فيه من شعر بنمرة"؛ وهو موضع من عرفات.

هذا لفظ صاحب "الشامل" بحروفه؛ فكأن النووي ذهل عنه لوقوعه ذهولًا.

قوله: واعلم أنه يسن في الحج أربع خطب: إحداها بمكة في المسجد الحرام في اليوم السابع من ذي الحجة، والثانية بعرفة وقد ذكرناها، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول، ويخبرهم في كل خطبة عما بين أيديهم من المناسك وأحكامها إلى الخطبة الأخرى.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذه العبارة، وفيها أمران: [أحدهما] 1: أن ما ذكره في الخطبة الأولى من اقتصار التعليم على ما بينها وبين الثانية من المناسك بخلاف مذهب الشافعي؛ فإنه نص على استحباب تعلم الجميع فقال في "الإملاء" ما نصه: قال الشافعي: وفي الحج أربع خطب: يوم السابع بمكة بعدما يصلي الظهر فيأمر الناس بالمضي إلى منى والإحرام والصلاة بمنى والمسير إلى عرفة وحضور الصلاة بعرفة وغير ذلك من حجة.
هذا لفظه ومن "الإملاء" نقلت، والتي بعدها فكلام الشافعي فيها موافق للمذكور هنا.
الأمر الثاني: أن الخطبة الرابعة لا تدخل في اللفظ الذي عبر به؛ فإنه ليس بعدها خطبة أخرى، وكان الصواب إفراد الرابع بالذكر فيقول كما قال غيره أنه يعلمهم فيها جواز النفر ويودعهم ويوصيهم بالتقوى.
ورأيت في كتاب "الأعداد" لابن سراقة من متقدمي الأصحاب في الباب المعقود -أن خطبة نمرة واجبة، وكذلك ذكره في كتابه المسمى قبل كتاب الزكاة بنحو صفحة فقال: هي وخطبة الجمعة فرضان.

قوله: أن يقفوا عند الصخرات.. إلى آخره.
هذا في حق الرجل، أما [المرأة] 1 فيستحب أن تقف في حاشية الموقف كما تقف في آخر المسجد.
هكذا نقله النووي في المناسك وفي آخر باب الإحرام من "شرح المهذب" عن الماوردي وأقره.
وقياسه استحباب ذلك في حق الخنثى أيضًا ويكون على الترتيب المذكور في الصلاة، ثم يتعدى النظر إلى الصبيان عند اجتماعهم مع البالغين في وقت واحد.
واعلم أنه يتجه أن يقال: أنه لا يستحب للمرأة فصل الوقوف مع الرجال عند الصخرات وأمر أمرها بمفارقة أهلها الخارجين معها وخيامها الساترة لها والوقوف في حاشية الموقف المؤدي غالبًا إلى ضياع بعضهم من بعض؛ فيبعد جدًا وليس نظير الصلاة.

قوله: وأظهر القولين أن الوقوف راكبًا أفضل؛ اقتداء به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وليكون أقوى على الدعاء.
والثاني: هما سواء.
نص عليه في "الأم".
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران: أحدهما: أن المرأة مستثناة من استحباب الركوب؛ فإنه يستحب لها أن تكون قاعدة لأنه أستر لها؛ كذا قاله الماوردي، وجزم به النووي في "تصحيح التنبيه".
ولا شك في هذا إذا لم تكن المرأة في هودج ونحوه، فإن كانت كما هو الغالب ففيه نظر، والمتجه الوقوف.

ثم إنهما يستثنيا الخنثى ولا شك أنه كالمرأة.
الأمر الثاني: أن محل هذا الخلاف فيمن لا يحتاج الناس إلى ظهور [من] 1 يستفتي ويقتدي به، فإن كان فالأفضل في حقه الركوب قطعًا.
وكذلك إذا شق عليه الوقوف ماشيًا، أو ضعف عن الدعاء.
قاله في "شرح المهذب".
وحديث وقوفه -عليه الصلاة والسلام- راكبًا في الصحيحين 2.

قوله: ويؤخرون المغرب إلى أن يصلوها مع العشاء بمزدلفة.
ثم قال بعد ذلك: ثم كثر الأصحاب أطلقوا القول بأنه يؤخرهما إلى أن يأتي المزدلفة، ومنهم من قال: ذلك ما لم يخش فوات اختيار العشاء، فإن خاف ذلك لم يؤخر وجمع بالناس في الطريق.
انتهى كلامه.
وهذا القيد الذي نقله عن بعضهم قد نص عليه الشافعي فقال في "مختصر الحج الأوسط" من "الأم" في باب ما يفعل من دفع من عرفة ما نصه: ولا يصلي المغرب والعشاء حتى يأتي المزدلفة فيصليهما فيجمع بينهما بإقامتين ليس معهما أذان، وإن أدركه نصف الليل قبل أن يأتي المزدلفة صلاهما دون المزدلفة هذا لفظ الشافعي بحروفه، وذكر مثله في "الإملاء" أيضًا فقال ما نصه: قال الشافعي: وأكره للرجل إذا دفع من عرفة أن يخرج حتى يأتي المزدلفة، فإن فعل لم يصل المغرب والعشاء قبل نصف الليل حيث أدركه.
انتهى لفظه بحروفه، ومن "الأم" و"الإملاء" نقلت.
ولا اعتبار مع نص صاحبنا بمخالفة غيره فضلًا عن إطلاقه.

وقول الشافعي في "الإملاء": فإن فعل أي: أتى المزدلفة يشعر بأن استحباب التأخير إنما هو لمن كان يقصد الدخول إليها، فإن لم يقصد فلا يستحب له هذا الجمع.
وهي مسألة حسنة ومتجهة في المعنى؛ لأنه إن كان يقصد الدخول إليها فإن لم يقصد فلا يستحب له.
هذا الأولى، والسنة فيه تقديم الثانية فلا يدخل حتى يصلي.
وتأخير النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لمعنى مناسب؛ وهو اشتغاله بفضل النسك، وإن كان مقيمًا فهو إنما يجمع على قول فعله النسك، وهو ما قلناه من قصد مزدلفة، وذلك أيضًا مفقود.

قوله: ويسيرون بسكينة ووقار، فإن وجد بعضهم فرجة أسرع؛ روى أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يسير حتى دفع العنق، فإذا وجد فرجة نصّ 1.انتهى.
العنق: بعين مهملة بعدها نون مفتوحتين وبالقاف، وهو ضرب من السير فيه إسراع يسير.
والنص: بفتح النون وبالصاد المهملة [على هنه].
والفرجة: بضم الفاء وفتحها، ويقال: فرج بلا هاء أيضًا.
وروي في الحديث "فجوة" بدل "فرجة" والفجوة: هو المكان المتسع يخرج إليه من مضيق.
والحديث في الصحيحين.

قوله: ولو فرض النوم في أشواط وبعضها على هيئة لا تنقض الوضوء

قال الإمام: هذا يقرب من صرف الطواف إلى طلب الغريم.
قال: ويجوز أن يقطع بوقوعه موقعه.
انتهى ملخصًا.
والأصح: صحة الطواف.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، ونقل المسألة من هنا إلى فصل الطواف؛ لأنه اللائق بها.

قوله في "أصل الروضة": ولو حضرها ولم يعلم أنها عرفة، أو حضر مغمى عليه أو نائمًا أو دخلها قبل وقت الوقوف ونام حتى خرج الوقت أجزأ على الصحيح.
قلت: الأصح عند الجمهور: لا يصح وقوف المغمى عليه.
والله أعلم.
انتهى كلامه.
والذي نقله في "الروضة" عن الرافعي من صحة وقوف المغمى عليه سهو فإن المذكور فيه أنه لا يصح، فإنه قال: الرابعة: لو حضر وهو مغمي عليه لم يجزءه؛ لفوات أهليه العادة؛ ولهذا لا يجزئه الصوم إذا كان مغمي عليه طول نهاره.
وفيه وجه أنه يجزئه اكتفاء بالحضور.
هذا لفظه.
وذكر أيضًا مثله في "الشرح الصغير"؛ فانعكس هذا الكلام عليه، ثم ظهر له مخالف للأكثرين فاستدركه عليه ظنًا منه أن الرافعي قاله ونقله عنه أيضًا في "شرح المهذب"، ثم رد عليه فيه أيضًا، وسببه ما تقدم مرات أن "الروضة" لخصها قبل شروعه في "شرح المهذب" فكان ينقل من الرافعي مما لخصه فيها من كلامه معتقدًا عدم تغييره.
ووقع ابن الرفعة أيضًا في هذا الغلط، وكأنه اعتمد هنا على "الروضة" في النقل عن الرافعي كما تعمده كثير من الطلبة.

قوله: ولو حضر مجنونًا لم يجزئه.
قال في "التتمة": لكن يقع نفلًا كحج الصبي الذي لا يميز.
ومنهم من طرد فيه الوجه المنقول في الإغماء.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن "التتمة" وأقره عليه من وقوعه نفلًا قد تابعه عليه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب"، وهو خلاف مذهب الشافعي؛ فقد نص في "الأم" وغيرها على فوات الحج بالإغماء وحينئذ فيلزم الفوات في المجنون بطريق الأولى، فقال في باب الإحصار بالمرض وغيره ما نصه: قال الشافعي: ومن لم يدخل عرفة إلا مغمي عليه لم يعقب ساعة ولا طرفة عين وهو بعرفة فقد فاته الحج.
هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلت، ونص عليه أيضًا في "الإملاء" فقال: قال الشافعي: وأقل إدراك الحاج الحج أن يدخل عرفة.
ثم قال ما نصه: فإذا دخلها ليلًا أو نهارًا واقفًا أو غير واقف نازلًا وسائرًا في بعض هذه الأوقات فقد أدرك الحج.
وإن لم يدخلها في شيء من هذه الأوقات أو دخلها مغمي عليه لا يعقل في شيء من هذه الأوقات فقد فاته الحج.
هذا لفظه بحروفه، ومن "الإملاء" نقلت.
وجزم الشيخ في "التبيه" بمثله أيضًا فقال: ومن فاته الوقوف بعرفة أو وقف وهو مغمي عليه فقد فاته الحج.
ولم يستدرك عليه النووي في تصحيحه.
ورأيت في "التقريب" مثله أيضًا، ومقتضى كلامه جريانه في الحلق إذا جهلناه ركنًا.
وقد صرح صاحب "التقريب" نقله أيضًا عن الشافعي في المجنون.

قوله: إحداهما: وقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر يوم النحر.
وقال أحمد: يدخل وقته بطلوع الفجر يوم عرفة؛ لما روي عن عروة بن مضرس الطائي أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "من صلى معنا هذه الصلاة يعنى الصبح يوم النحر وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" 1. ثم قال: ولنا وجه أنه يشترط كون الوقوف بعد الزوال وبعد مضى إمكان صلاة الظهر.
انتهى.
مضرس: بميم مضمومة وضاد معجمة مفتوحة ثم راء مشددة مكسورة بعدها سين مهملة.
والتفث: هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ 2. الآية.
وهو ما يفعله المحرم عند تحلله من إزالة الشعث والوسخ والحلق وقلم الأظفار ونحوها.
والحديث المذكور رواه أصحاب السنن الأربعة بأسانيد صحيحة، وقال الترمذي: حسن صحيح.
واعلم أنا إن تمسكنا بالحديث فيقوى مذهب الحمل، وإن تمسكنا بالفعل

فيقوى الوجه الآخر، ويكون نظير ما قالوه في الأضحية فالذي ذهب إليه الجمهور مخالف للدليل القولي والفعلي.

قوله في "الروضة": فلو اقتصر على الوقوف ليلًا صح حجه، وقيل: فيه قولان.
انتهى.
وقد حكى الرافعي -رحمه الله- طريقة ثالثة عن رواية الإمام فقال: وعن شيخه أن الخلاف مخصوص بما إذا أنشأ الإحرام ليلة النحر، فإذا لخص ذلك خرج منه ثلاثة أوجه أصحها: يكون مدركًا سواء أحرم قبل ليلة العيد أو فيها.
والثاني: لا على التقديرين.
والثالث: أنه مدرك بشرط تقديم الإحرام عليهما.
انتهى ملخصًا.
فحذف النووي ذلك.

قوله: وإن دفع قبل الغروب ولم يعد ليلًا ففي وجوب الدم قولان؛ قال المحاملي والروياني: أصحهما: لا يجب؛ بل يستحب بحديث عروة المتقدم ونقله الكرخي عن الجديد وقطع به بعضهم، وفي "التهذيب" أن الجديد هو الوجوب.
انتهى ملخصًا.
ليس فيه هاهنا تصريح بتصحيح، وقد صرح في أوائل الفصل الثامن المعقود لمبيت منى بأن الراجح قول الاستحباب، وصرح بتصحيحه هاهنا في "الشرح الصغير" و"المحرر" وعبر فيهما بالأصح وصححه أيضًا النووي في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" وفي غيرهما من مشاهير كتبه، ثم خالف في "المناسك الكبرى" وصحح وجوبه مع تصحيحه فيها أن الجمع بين الليل والنهار لا يجب.
وهو ذهول.

قوله في أصل "الروضة": وإذا قلنا بالوجوب في مسألتنا فعاد ليلًا فلا دم على الأصح.
انتهى كلامه.
وما جزم به هاهنا تبعًا للرافعي من طريقة الوجهين قد خالفه في "شرح المهذب" فإنه حكى فيه طريقين وصحح طريقة القطع فقال: ففي سقوط الدم عنه طريقان: أصحهما وبه قطع المصنف والعراقيون وطائفة من غيرهم يسقط؛ لما ذكره المصنف.
والثاني حكاه الخراسانيون: فيه وجهان: أصحهما هذا، والثاني: لا يسقط.
هذا لفظه.
ووقع في "المنهاج" كما وقع في "الروضة".

قوله: فإن أخطأوا فوقفوا العاشر نظر إن تبين قبل الزوال فوقفوا بعده فقد قال في "التهذيب": المذهب أنه لا يجزئهم لأنهم وقفوا على يقين الفوات، وهذا غير مسلم لأن عامة الأصحاب ذكروا أنه لو قامت البينة على رؤية الهلال ليلة العاشر وهم بمكة لا يتمكنون من حضور الموقف بالليل يقفون من الغد.
فإذا لم يحكم بالفوات فقيام الشهادة ليلة العاشر لزم مثله في اليوم العاشر.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه.
وعبارتهما تشعر بأنهما لم يقفا على التصريح بذلك لغير البغوي.
وقد صرح القاضي الحسين في تعليقه بالمسألة وخرجها على وجهين في مسألة، ولم يصرح فيها بترجيح.

الفصل السابع: في أسباب التحلل

قوله: ومبيت مزدلفة نسك، فإن دفع منها بعد انتصاف الليل فلا شيء عليه معذورًا كان أو غير معذور؛ لأن سودة 1 وأم سلمة 2 أفاضتا في النصف الأخير بإذن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولم يأمرهما بالدم.
وإن دفع قبل انتصاف الليل وعاد قبل طلوع الفجر فلا شيء عليه أيضًا.
انتهى كلامه.
وليس فيه تصريح بالمقدار الذي يحصل به المبيت، وفيه أربعة أقوال: أحدها: معظم الليل كما لو حلف لا يبيت في موضع فإنه لا يحنث إلا بأن يقيم فيه المعظم.
والثاني: أن المعتبر هو الحصول بها حال طلوع الفجر.
وهذان القولان حكاهما الرافعي في الكلام على مبيت منى استطرادًا.
وصحح الأول منهما وعبر بالأظهر؛ فاعلمه.
إلا أنه استشكله على القول بوجوب المبيت من جهة أنهم لا يصون مزدلفة إلا قريبًا من ربع الليل والدفع منها بعد انتصاف الليل جائز كما سبق فيلزم أن لا يحصل المعظم بالضرورة.
والقول الثالث: أن يحصل بلحظة من النصف الثاني لا بكونه يسمى مبيتًا؛ فإن الأمر بالمبيت لم يرد هنا، بل لما تقدم، في تقرير إشكال

الرافعي بخلاف المبيت بمنى فإنه لابد فيه من المعظم.
والرابع: يحصل بساعة من نصف الليل وطلوع الشمس.
وهذان القولان حكاهما في "الروضة"، وصحح الأول منهما وهو الذي عبرنا عنه هنا بالثالث.
وحديث تقديم سودة رواه البخاري ومسلم مع أحاديث تتعلق بتقديم غيرها أيضًا.
وحديث تقديم أم سلمة رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم.

قوله: فإن لم يعد وترك مبيت مزدلفة أراق دمًا.
ثم قال: وهل هو واجب أو مستحب فيه طرق: أظهرها: أنه على قولين كما ذكرنا في الإفاضة من عرفة قبل الغروب.
انتهى وفيه أمران: أحدهما: أن هذا التنظير قد ذكره أيضًا في "المحرر" و"الشرح الصغير"، ومقتضاه ترجيح عدم وجوبه لأنه الصحيح في الإفاضة من عرفة.
إذا علمت ذلك فقد استدرك النووي عليه في "الروضة" فقال من زياداته: الأظهر وجوبه.
ثم إنه ارتضى ذلك في "مختصر المحرر" فلم يستدرك عليه.
واعلم أن الرافعي لما ذكر هذه المسألة في "المحرر" قال: وفي كون الدم واجبًا أو مستحبًا مثل الخلاف المذكور في عرفات، فلما اختصره النووي قال: وفي وجوبه القولان.
ولم يذكر غير ذلك وهو غريب؛ فإنه ذكر هذه المسألة في أول فصل بحيث لم يتقدم للقولين ذكر في ذلك الفصل، وهو من المواضع التي يسأل عنها في "المنهاج".

الأمر الثاني: أن يقتضي كلامه أنه لا فرق في إيجاب الدم بين المعذور وغيره لأن كلامه في المسألة السابقة يدل على إرادة القسمين.
وليس كذلك لما ستعرفه في الكلام على مبيت منى.

قوله: وينبغي أن يأخذوا من المزدلفة الحصى للرمي.
ثم قال ما نصه: ولو أخذوا من موضع آخر جاز لكن يكره الأخذ من المسجد لأنه فريضة، ومن الحش لنجاسته، ومن المرمي؛ لما قيل: إن من يقبل حجه يرفع حجره وما لقي فهو مردود.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أنه أهمل موضعًا رابعًا يكره الأخذ منه نص عليه الشافعي ونقله عنه النووي في "شرح المهذب" في الكلام على مبيت مزدلفة فقال: قال الشافعي والأصحاب: يكره أخذ حصى الجمار من أربعة مواضع: من المسجد، والحش، والحل، والجمار التي يرمي بها غيره.
انتهى.
ونص الشافعي في "الأم" على كراهة أخذه من كل موضع نجس سواء كان حشًا أو غيره.
انتهى.
والحش: بفتح الحاء المهملة وبالشين المعجمة: هو المرحاض، وجمعة: حشوش، وأصله في اللغة البستان ثم أطلق على هذا المعنى لأن العرب كانت تقضي حاجتهم في البساتين والحدائق.
الأمر الثاني: أن النووي قد جزم في باب الغسل من "شرح المهذب" بتحريم إخراج الحصى من المسجد، فقال في الفصل المعقود لأحكام المساجد ما نصه: ولا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد كحصاه وحجر وتراب وغيره.
وقد يحرم التيمم بترابه.
ومثله الشمع والزيت.

وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد" 1. هذا كلامه.
وهو عكس ما قاله في الحج.
إلا أن يقول قائل: مراده أنه إذا أخرجها من المسجد ورمى بها فتتبعها في المرمي بأعيانها ويعيدها إليه.
وهو في غاية البعد عن كلامه، وفي نهاية العسر.
وبتقديره فنفس الإخراج حرام كما اقتضاه كلامه، وفي نهاية العسر.
وبتقديره فنفس الإخراج حرام كما اقتضاه كلامه أولًا ودل عليه الحديث.
وقد سبق في كلامه هناك وهنا مصير عجبًا من منعه التيمم وتجويزه أخذ الحصى.
وما أشبه هذا بقول الحسن البصري لأهل العراق: تستحلون دم الحسين وتسألون عن دم البراغيث.
الأمر الثالث: إطلاقهم يقتضي بقاء الكراهة إذا غسل المأخوذ من الموضع النجس لأخذه إياه من مكان مستقذر ويؤيده أنهم نصوا على استحباب غسل الجمار قبل الرمي بها سواء أخذه من موضع نجس أم لا، فلو لم تبق الكراهة بعد الغسل لكان يلزم أن لا يصح قولهم، ويكره الرمي بها مع قولهم يستحب الغسل، وما أشار إليه الرافعي من رفع الحصى الثقيل فرواه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعًا لكن بإسناد ضعيف.
قال البيهقي: ويروى من وجه آخر ضعيف أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا.
قال: وإنما هو مشهور عن ابن عباس موقوفًا عليه.

جارٍ التحميل