المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 322-361

كتاب الجنايات الموجبة للعقوبات

صفحات 322-361

الثاني: أنه لم يصحح في الختان هنا شيئًا وإنما قال والظاهر في الجلد أنه لا يضمن وإن أثبتنا الخلاف.
نعم صححه في باب ضمان إتلاف البهائم.
الثالث: أن الأصح من الوجهين الأخيرين ضمان النصف.
كذا صححه الرافعي في الباب المذكور.
لكن في الختان خاصة إلا أن الجلد أولى بذلك منه لأنه أخف؛ ولهذا كان الصحيح فيه عدم الضمان بخلاف الختان.

قوله في المسألة: قال الإمام: فإن لم نوجب الضمان فالتأخير مستحب لا محالة وإلا فوجهان، وفي "المهذب" وغيره إطلاق القول بأنه لا يجوز، ويجوز أن يقال بوجوب التأخير مع الاختلاف في الضمان.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وجزم في "المحرر" بأن التأخير مستحب إذا فرعنا على الأصح وهو عدم وجوب الضمان، ولم يصحح شيئا على القول الآخر، ووافق النووي في "المنهاج" على ما في "المحرر" وخالف في "الروضة" فصحح من "زوائده" وجوب التأخير سواء قلنا بالضمان أم لا.
فقال: المذهب وجوب التأخير مطلقًا هذا لفظه.

قوله في الحديث: "إذا زنت أمة أحدكم وتبين له زناها فليجلدها ولا يثرب عليها...." 1 إلى آخره.
قيل: معناه لا يوبخها ولا يعيرها، وقيل: لا يبالغ في جلدها بحيث يدميها.
انتهى.

التثريب: بالثاء المثلثة، ومنه قوله تعالى: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ 1؛ أي: لا توبيخ ولا لوم.
والتفسير الثاني الذي ذكره الرافعي مأخوذ من الثرب بفتح الثاء المثلثة وهو شحم يغشي الكبد؛ أي: لا يبالغ في الضرب بحيث ينتهي إلى الثرب.

قوله: وهل الأولي للسيد إقامته بنفسه ليكون أستر أم الأولى أن يفوضه إلى الإمام ليخرج من خلاف أبي حنيفة في إلحاقه بالحر؟ فيه وجهان نقلهما الشيخ أبو خلف الطبري.
انتهى.
قال في "الروضة": الأصح الأول لثبوت الحديث.
قال: ولا يراعي الخروج من خلاف بخلاف السنة.

قوله في "الروضة": ومن بعضه حر لا يحده إلا الإمام.
انتهى.
ذكر الرافعي عن الإمام أنه رأى عن الصيدلاني أنه كالمدبر وأنه غلط، ولم يذكر هذا الوجه في "الروضة".

قوله: ثم ما سبيل إقامة السيد الحد على مملوكه؟ فيه وجهان.
تتخرج عليهما أكثر صور الفصل: أحدهما: أنه يقيمه بالولاية كما يلي أمر تزويج المملوكة، وأصحهما بالملك.
انتهى.
وقياسه على النكاح عجيب؛ فإن الخلاف في النكاح والحد واحد وكذلك الراجح فيهما أيضًا.

قوله: وفي المرأة وجهان أصحهما أن لها إقامة الحد على رقيقها بناء على أن سبيلها سبيل الإصلاح.
ثم قال: والوجهان في المرأة يجريان في الفاسق والكافر والمكاتب، والأظهر أنهم يقيمون، ويقال: إنه منصوص عليه في القديم في حق الفاسق.
انتهى.

وما ذكره في المكاتب مردود فإنه مصادم لنص الشافعي في "الأم" فإنه قال في الكتابة في أوائل [باب] 1 الجناية على المكاتب ورقيقه ما نصه: قال الشافعي: وليس لسيد المكاتب إن زنا أن يحده ولا إن أذنب أن يجلده، وللمكاتب أن يؤدب عبده وليس له أن يحده لأن الحد لا يكون إلى غير حر.
هذا لفظه بحروفه ومن الأم نقلته، وهو ظاهر مقيس.
وإذا منع الشافعي العبد فالكافر أولى.

قوله في أصل "الروضة": وهل يقيم الأب والجد والوصي والقيم [الحد] 2 على رقيق الطفل؟ وجهان، وقيل: لا يجوز لغير الأب والجد وفيهما الوجهان، ويشبه أن يقال: إن قلنا: الحد إصلاح، فلهم إقامته، وإن قلنا: ولاية، ففيه الخلاف.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن حكايته للطريقة الثانية غلط على العكس مما قاله الرافعي؛ فإن الرافعي قد قال ما نصه: ورقيق المجنون والصبي ذكر فيه طريقان إحداهما: أن أباه وجده يقيمان الحد عليه، وفي الوصي والقيم وجهان.
والثاني: أن في الكل وجهين.
هذا لفظه فانعكس عليه حالة الاختصار.
الأمر الثاني: أن تصحيحه لطريقة الوجهين لم يذكره الرافعي كما عرفت.

قوله: ولو شاهده السيد فهل يقيم الحد عليه؟ فيه وجهان بناء على أن القاضي هل يقضي بعلمه في الحدود؛ والأظهر نعم.
انتهى كلامه

بحروفه.
وهو عجيب؛ فإن المشهور أن القاضي لا يقضي في الحدود بعلمه؛ كذا ذكره في كتاب القضاء، وبالغ فرجح طريقة القطع به، وصحح في "الروضة" هنا أن السيد يقيمه ولم يتعرض للبناء المذكور، وقد ظهر لك أن مدرك الوجهين هو التخريج على هذا الأصل فيكون المذكور في هذا الموضع سهوًا فاجتنبه.

قوله: فروع عن "التهذيب": لو قذف المملوك زوجته المملوكة فهل يلاعن السيد بينهما كما يقيم الحد؟ فيه وجهان.
انتهى.
هذه المسألة نقلها الرافعي في اللعان عن المتولي وبين للوجهين مدركًا يقتضي تصحيح اللعان فقال: فيه خلاف بناء على إقامته الحد على عبده وسماع البينة؛ فعلمنا أن مدرك الخلاف مع تجويز إقامة الحد إنما هو سماع البينة والمرجح سماعه إياها.

قال:

الجناية الرابعة: القذف

قوله: ولا يحد الأب والجد بقذف الولد وولد الولد، وقال ابن المنذر: يحد.
انتهي.
والأم والجدات كالأب؛ نص عليه الشافعي في "الأم" ونبه في "الروضة" من "زوائده" على الحكم، إلا أنه لم ينقله عن أحد.

قوله: فرع: لو عفي عن الحد على مال فأحد الوجهين أنه يجوز كما تفتدي المرأة بالمال في الخلع، والثاني: المنع، ونظيره العفو عن الشفعة على مال.
انتهى.
والصحيح عدم الجواز، وقد جزم به الرافعي في أول باب العفو عن القصاص، وصححه في "الروضة" هنا من "زوائده" غير مستحضر للمذكور هناك.

قوله: وعن الشيخ إبراهيم المروروزي أنه حكي عن أستاذه النيهي.. إلى آخره.
النيهي: بنون مكسورة، وقد تقدم الكلام عليه في أول الكتاب.

قوله: فرع: لو تقاذف شخصان لم يتقاصا لأن التقاص إنما يكون عند اتفاق الجنس والصفة، والحدان لا يتفقان في الصفة أو لا يعلم التساوي لاختلاف القاذف والمقذوف في الخلقة وفي القوة والضعف غالبًا.
كذا ذكره إبراهيم المروروزي.
انتهى.
واعلم أن الرافعي والنووي قد صححا في الكلام على التقاص -وهو في باب الكتابة- أن التقاص مختص بالنقدين وحينئذ فتعليله ونقله عن المذكور خاصة لا حاجة إليها، بل مضران موهمان.

قال -رحمه الله-:

الجناية الخامسة: السرقة

والنظر في أطراف:

النظر الأول: في الأركان

قوله: ولو سرق ربعًا من الذهب الخالص كالسبيكة والحلي وهو لا يبلغ ربعًا مضروبًا بالقيمة ففي وجوب القطع وجهان: أحدهما: يجب؛ لبلوغ عين الذهب قدر النصاب، وإلى ترجيحه ميل كلام جماعة منهم البغوي، وقال في البيان إنه المذهب.
والثاني: المنع، ويحكى عن الإصطخري وابن أبي هريرة وأبي على الطبري وأبي الحسين العبادي، وهو أظهر عند الإمام وغيره، ووجه بأن لفظ الخبر هو الدينار وهو إنما يقع على المضروب، ويؤيده أن التقويم إنما هو بالمضروب دون غيره.
ولو سرق خاتمًا وزنه دون الربع وقيمته يبلغ بالصنعة ربعًا ففي القطع الوجهان؛ إن اعتبرنا القيمة وجب، وإن اعتبرنا العين فلا.
انتهى كلامه.
وحاصله أن المسألتين تشتركان في التخريج على الوجهين، إلا أن المسألة الثانية يثبت لها من الحكم عكس ما يثبت للأولى؛ لأنها عكسها في التصوير؛ وحينئذ فإن اعتبرنا الوزن: أوجبنا في الأولى دون الثانية، وإن اعتبرنا القيمة أوجبنا: في الثانية دون الأولى.
إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن الرافعي في "المحرر" قد صحح اعتبار القيمة؛ فإنه اقتصر على المسألة الأولى وصحح عدم وجوب القطع، وفي كلام "الشرح" إشعار به، وصرح النووي بتصحيحه في "أصل الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.

الأمر الثاني: أن النووي قد حصل له في "الروضة" غلط فاحش وذهول عجيب فإنه سوي بين المسألتين وصحح فيهما معًا عدم الوجوب ثم عقب ذلك بقوله: والخلاف في المسألتين راجع إلى أن الاعتبار بالوزن أم بالقيمة؟ هذه عبارته.
ولو اقتصر على التصحيح فيها ولم يعقبه بما عقب لكان أستر له، بل أقام دليلًا قطعيًا على غلطه.
وأعجب من ذلك أنه لما صحح في الأولى عدم الوجوب عبر بالأصح ولما صحح في الثانية عبر بالصحيح فاقتضى أن الذي من حقه أن يصححه في الثانية -وهو الوجوب- ضعيف بالنسبة إلى تصحيحه في الأولى، وذلك كله عجيب وأوقع النووي في الغلط تعبير الرافعي بقوله: ففي القطع وجهان.

قوله: وإذا ادعى السارق الملك لنفسه لم يقطع على المنصوص الذي قال به أكثر الأصحاب، فإن قلنا به فسرق اثنان وادعى أحدهما أن المسروق لنفسه أو لهما وأنكره الآخر واعترف بالسرقة فلا قطع على المدعي، وفي المنكر وجهان: أظهرهما عند الإمام والغزالي أنه يجب، وبه قال ابن القاص واختاره ابن الصباغ لأنه مقر بأنه سرق نصابًا فلا شبهة.
ولو قال أحدهما: هذا ملك شريكي وأخذت معه بإذنه وأنكر الآخر فالذي نقلوه أنه كالصورة المتقدمة لا قطع على من يدعي أنه ملك صاحبه، وفي المنكر وجهان: قال في "التهذيب" والأولى أن يقال: يجب القطع على المنكر؛ لأنه لا يدعي شبهة، وفي المدعي وجهان.
ثم قال ما نصه: ولو سرق عبد وادعى أن المسروق ملك سيده فإن صدقة السيد سقط القطع تفريعًا على النص وإن كذبه فوجهان:

أحدهما: لا يسقط لأنه يدعي الملك لسيده وهو منكر كما ذكرنا في الشريك، والثاني: يسقط كالحر [يدعي الملك لنفسه] 1 وهذا ما أورده في "الكتاب" مع حكاية الوجهين فيما إذا ادعي الملك للشريك، وإليه ذهب صاحب "التلخيص"، وقد يفرق بأن يد العبد كيد السيد فجعلت دعوي ملك السيد كدعوى الحر ملك نفسه بخلاف الشريك.
انتهى كلامه.
وفيه ذهول من وجوه: أحدها: في قياس القطع على ما سبق في الشريك.
والثاني: ما دل عليه كلامه من التعجب من طريقة الغزالي حيث جزم بعدم القطع في العبد وحكى الوجهين فيمن ادعى أنه لشريكه.
والثالث: في الفرق على طريقة الغزالي وبيان الوهم أن العبد هو نظير الشريك المدعي الملك لنفسه، وقد جزم الغزالي فيه بالقبول كما جزم في العبد، وإنما حكى الوجهين في الشريك الذي هو معترف بأن الملك لغيره ونظيره في مسألة العبد إنما هو السيد لكن السيد لم يسرق حتى يأتي فيه الوجهان.
فإذا استحضرت ما ذكرناه وتأملته ظهر لك الأوهام التي حصلت وكأن الرافعي وقع في ذهنه أن العبد كالشريك المكذب فبني عليه، وقد تبعه في "الروضة" على الوهم أيضا وصحح في أصل "الروضة" في مسألة العبد سقوط القطع.

قوله: الثانية: إذا سرق شيئًا من الملاهي كالطنبور والمزمار وفي معناهما الأصنام، فإن لم يبلغ بعد الكسر نصابًا فلا قطع، وإن بلغ فوجهان: أظهرهما عند الأكثرين: أنه يقطع.
انتهى ملخصًا.

ذكر في "الشرح الصغير" نحوه أيضا، وخالف في "المحرر" فصحح عدم القطع عند بلوغه النصاب وعبر بالأصح، واستدرك عليه في "المنهاج" فصحح الوجوب.

قوله: أما إذا سرق ذمي مال المصالح فالصحيح أنه يقطع لأنه مخصوص بالمسلمين، ولا ينظر إلى إنفاق المال عليهم عند الحاجة لأنه للضرورة ومشروط بالضمان، وفي وجه: لا قطع واختاره البغوي وقال: لا ينبغي أن يكون إنفاق الإمام عليهم مشروطًا بالضمان.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أن البغوي لم يختر عدم القطع بل ذكره احتمالًا بعد أن جزم بالقطع.
الثاني: أن الرافعي قد أطلق في كتاب اللقيط أنه إذا لم يكن له مال أنفق عليه من بيت المال من غير رجوع على الصحيح.
ثم حكى بعد ذلك في الحكم بإسلامه أو كفره وجهين في اللقيط الكافر وقال: أصحهما أنه كالمسلم في الإنفاق عليه من بيت المال.

قوله: ولو سرق المكاتب من سيده فوجهان، وبالمنع قال صاحب "التلخيص" وهو الذي أورده الروياني.
انتهى.
والراجح عدم القطع؛ كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
تنبيه: قد ذكر الرافعي هنا ألفاظًا منها الكثير الوقاع في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا قطع في أكثر ولا تمر" 1. قال: والكثر: جمار النخل؛ وهو شحمه.
انتهى.

الكثر: بكاف ثم ثاء مثلثة مفتوحتين بعدها راء مهملة.
كذا قاله ابن الأثير وغيره، وضبطه الجوهري، وأورده الحديث المذكور وفسروه بما فسر به الرافعي وهو الجمار -بضم الجيم وتشديد الميم-: اسم لقلب النخلة الذي يقطع ويؤكل عند قطع النخلة أو سقوطها.
قال الجوهري: ويقال إن الكثر هو الطلع.
ومنها: المجن: بكسر الميم، اسم للترس الذي يتقى به في الحرب مأخوذ من الجنة بالضم وهو السترة.
ومنها العيبة: بعين مهملة مفتوحة ثم ياء ساكنة بنقطتين من تحت بعدها باء موحدة، وهي وعاء تجعل فيه الثياب.
جمعها عياب.
ومنها الصيادلة: بصاد وقال مهملتين بينهما ياء بنقطتين من تحت، اسم، للعطارين، واحده صيدلاني، ويقال أيضًا بالنون من الصندل وهو شجر طيب الرائحة.
ومنها الفامي: بالفاء والميم، وهو بائع الفوم؛ وهو الخمس بلغة الشام كما قال الجوهري لكنهم غيروه في النسب، ويطلق الفوم أيضًا في لغة العرب على الثوم وقرئ قوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ 1 بالفاء والثاء أيضًا 2. ومنها: الشرائج: بالشين المعجمة والجيم: اسم لما ينصب على الحوانيت التي تباع فيها أواني الخزف لتكون عوضًا عن الأبواب، واحده شريجة قال الجوهري: هو شيء ينسج من سعف النخل يحمل فيه البطيخ ونحوه.

ومنها المسوح: بميم مضمومة وسين وحاء مهملتين، وجمعه مسح بكسر الميم وهو ثوب من شعر أسود يسمى بالثلاثين تتخذ منه الغرائر ليحمل فيه التبن.
ومنها الكدس: بضم الكاف وسكون الدال والسين المهملتين هو الصبرة من الحب، جمعه أكداس.
ومنها التنضيد بالضاد المعجمة وهو جعل بعض الأمتعة فوق بعض، يقال نضده تنضيدًا ونضده بالتخفيف نضًا.
ومنها الردء: براء مكسورة ودال مهملة ساكنة بعدها همزة هو العون، قال تعالى حكاية عن موسى في طلبه لهارون -عليهما الصلاة والسلام-: ﴿رِدْءًا يصَدّقنِي﴾ 1 وتقول: أردأه.
أي: أعينه.
ومنها الجوالق: بجيم مضمومة وقاف، اسم الوعاء، وجمعه جوالق أيضًا لكن بفتح الجيم، وجواليق بزيادة الياء؛ قال الراجز: ياحبذا ما في الجواليق السود... من حسكيان وسويق وقيود أي: جعل فيه القيد بالقاف وهو المطبوخ من قصب السكر.

قوله: ولا يشترط أن يكون المسروق في يد المالك بل المسروق من المودع والمرتهن والوكيل وعامل القراض والمستعير والمستأجر يوجب القطع، والخصم فيها المالك.
انتهى.
وما ذكره في المودع من أنه لا مخاصمة له بل المخاصمة للمالك قد اختلف فيه كلامه وكلام "الروضة"، وقد بسطت ذلك في كتاب الإجارة فليراجع منه.

قوله: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة

جبل، فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن 1. وحريس وخريب الجبل ما سرق من الجبل من المواشي، ويقال إن سارقها يسمى خاربًا.
انتهى كلامه.
الخريبة: بخاء معجمة مفتوحة وراء مهملة مكسورة بعدها ياء بنقطتين من تحت ثم باء موحدة، هي المسروقة فالخريبة بمعنى المخروبة؛ يقول: خرب فلان إبل فلان يخرب خرابة فهو خارب على وزن كتب يكتب كتابة فهو كاتب.
قال الشاعر: والخارب اللص يحب الخاربا ونقل الجوهري عن الأصمعي أن هذا اللفظ لا يطلق إلا على سرقة الإبل خاصة وأقره عليه.
ومعنى الحديث: أنه لا قطع في الثمار المعلقة على النخيل ولا في الإبل المسروقة من الجبال لعدم الحرز.

قوله: والمتبن حرز للتبن.
انتهى.
فصل بعد هذا بدون ورقتين فقال: إن كان في العمران فذاك، وإن كان في الصحراء فلابد من حارس.

قوله: ولو نام في صحراء أو مسجد أو شارع فسرق سارق المنديل من رأسه أو المداس من رجله قطع؛ لأنه محرز به.
انتهى.
المراد بالمنديل هو العمامة، وهو اصطلاح كثير من المشارقة.
والمداس: بفتح الميم وحكي كسرها، وهو مشتق من الدوس بالفتح

على المحل والكسر على الآلة.

قوله: والدار إن كانت منفصلة عن العمارة فليست بحرز إن لم يكن فيها أحد، فإن كان فيها نائم وبابها مغلق ففيه وجهان؛ الذي أجاب به الشيخ أبو حامد ومن تابعه أنها تكون حرزًا، والموافق لما أطلقه الإمام وصاحب التهذيب خلافه.
انتهى.
وقد اختلف كلام الرافعي في الراجح من هذين الوجهين، وكذلك النووي؛ فأما الرافعي فقال في "الشرح الصغير": أقربهما أنها حرز ولم يذكر ترجيحًا غيره، وخالف في "المحرر" فقال ما نصه: والدار المنفصلة عن العمارات ليست بحرز إن لم يكن فيها أحد، وكذا لو كان من فيها نائمًا، فإن كان مستيقظًا فما فيها محرز سواء أكان الباب مفتوحًا أم مغلقًا.
هذا لفظه بحروفه.
وهو عكس ما تقدم.
وأما النووي فقال في "الروضة" من "زوائده": الذي قاله الشيخ أبو حامد أقوى، وجزم الرافعي في "المحرر" بأنه غير محرز.
هذا كلامه.
ثم إنه في "المنهاج" وافق الرافعي على ما قاله في "المحرر".

قوله: ولو فتح صاحب الدار بابها وأذن للناس في الدخول عليه لشراء متاعه كما يفعله الذي يتجر في داره فوجهان لأن الزحمة تشغل الحس على ما سبق.
انتهى.
قد ذكر الرافعي بعد هذا بنحو كراس قبيل الركن الثالث ما يوجه منه تفصيل لما أطلقه هاهنا وتصحيح للخلاف الذي أرسله فقال: وإذا أذن صاحب الدكان في دخول الناس للشراء فمن دخل مستترًا وسرق لم يقطع، ومن دخل سارقًا قطع.
هذا لفظه.
وحينئذ ففي مسألتنا من دخل للشراء لم يقطع، ويؤيده ما قالوه في سرقة ثياب الحمام، ومن دخل لسرقة ففيه الوجهان، واستفدنا من جزمه هناك أن الراجح منهما هو القطع.

قوله: وهل يشترط إسبال باب الخيمة إذا كان من فيها نائمًا حكى

ابن كج فيه وجهين ورأي أن الأظهر أنه لا يشترط.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا وصحح في أصل "الروضة" ما صححه ابن كج.

قوله: وإن لم تكن الإبل مقطرة بل كانت تقاد أو تساق فمنهم من أطلق القول بأنها غير محرزة لأن الإبل لا تسير هكذا في الغالب وعلى هذا جري صاحي "التهذيب"، وعن "الإفصاح": أنه لا فرق، وبهذا أخذ القاضي الروياني وقال: المعتبر أن يقرب منها ويقع نظره عليها.
انتهى.
لم يصحح شيئا في "الروضة" أيضًا، وقد اختلف كلام الرافعي في المسألة فرجح الأول في "المحرر" فقال: وغير المقطرة منها غير محرزة على الأشبه.
هذا لفظه.
ورجح الثاني في "الشرح الصغير" فقال: إنه أولي الوجهين، والفتوي على الأولى فقد نص عليه الشافعي -رحمه الله- في الأم فقال في كتاب القطع في السرقة المذكورة بعد كتاب صفة النفي في باب ما يكون حرزًا: وأي إبل كانت لرجل تسير وهو يقودها فيقطر بعضها إلى بعض فسرق منها أو مما عليها شيء قطع فيه.
ثم قال بعد ذلك فلو اضطجع مضطجع في صحراء ووضع ثوبه بين يديه أو أرسل رجل إبله ترعي أو تمضي على الطريق وليست مقطرة فسرق من هذا شيء لم يقطع لأن العامة لا ترى هذا حرزًا هذا كلامه.

قوله: وإذا اعتبرنا بالتقطير فينبغي ألا يزيد القطار الواحد على تسعة للعادة الغالبة، فإن زادت فهي كغير المقطرة.
ومنهم من أطلق ذكر التقطير ولم يقيد بعدد، والأحسن توسط أورده السرخسي فقال: في الصحراء لا يتقيد وفي العمراني يعتبر بما جرت العادة بأن نجعلها قطارًا وهو ما بين سبعة إلى عشرة.
انتهى كلامه.
صرح -رحمه الله- في "الشرح الصغير" بتصحيح الأول ولم يذكر ما

ذكره هنا من استحسان الثالث.
ولم يصرح في "المحرر" بشئ بل قال: وينبغي ألا يزيد على تسعة، وصحح في "الروضة" الثالث فقال: فإن اعتبرناه -يعني التقطير- فيشترط ألا يزيد القطار الواحد على تسعة للعادة الغالبة فإن زاد فهي كغير المقطورة، ومنهم من أطلق ذكر القطر ولم يقيده بعدد والأصح توسطه.
ذكره السرخسي فقال: في الصحراء لا يتقيد القطار بعدد وفي العمران يعتبر بما جرت العادة بأن يجعل قطارًا وهو ما بين سبعة إلى عشرة.
هذا لفظه.
وهو تركيب عجيب آخره يدفع أوله.
ثم إنه صحح في "المنهاج" عكسه فقال: ويشترط التفات قائدها إليها كل ساعة بحيث يراها وألا يزيد قطار على تسعة.
هذه عبارته.

قوله: فإذا كفن من تركته فالكفن ملك للورثة، وقيل: للميت، وقيل: لله تعالى.
ثم قال: فإن كفنه أجنبي أو كفن من بيت المال فلمن الملك؟ فيه طريقان: أحدهما: على الأوجه.
والثاني: يبقى للأجنبي أو على حكم بيت المال ويكون كالعارية.
انتهى.
والأصح على ما قاله في "زوائد الروضة" هو الطريق الثاني.

قوله: فروع: إذا كفن السيد عبده فالملك في الكفن للسيد أو لا ملك لأحد؟ فيه وجهان.
انتهى.
والصحيح أنه باق على ملك السيد.
كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي؛ فتفطن له فإنه غريب.

قوله: وإن سرق أجنبي المال المغصوب أو المسروق فوجهان: أحدهما: يقطع، وإلى ترجيحه مال صاحب الشامل.
والثاني: لا؛ لأن المالك لم يرض بإحرازه في ذلك المكان.

قال في "البيان" وهذا هو الصحيح، ويؤيده ما أشار إليه في "النهاية" و"الوسيط" وهو بناء الوجهين على الخلاف في أنه هل يجوز للأجنبي أخذ المغصوب حسبة ليرده إلى مالكه ثم قال: وهذا البناء هو الوجه.
أي: المتجه.
انتهى كلامه.
واعلم أن أخذ الأجنبي للمغصوب قد ذكره الرافعي في أوائل كتاب اللقطة فقال: فليس لآحاد الناس أخذ المغصوب إذا لم يكن معرضًا للضياع ولا الغاصب بحيث تفوت مطالبته ظاهرا وإن كان كذلك فوجهان: أصحهما المنع؛ لأن القاضي هو النائب عن الناس ولأنه قد يؤدي إلى الفتنة.
والثاني: الجواز احتسابًا ونهيًا عن المنكر.
انتهي.
وإذا علمت ما قاله هناك توجه على كلامه هنا أمران: أحدهما: أنه أطلق محل الخلاف مع أنه يستثنى ما إذا لم تكن معرضة للضياع فإن سارقها يقطع جزمًا على مقتضي البناء الذي ذكره وهو جواز الأخذ فإن الأخذ في هذه الحالة ممتنع اتفاقًا.
الثاني: أن ما ذكره هنا من تأييد تصحيح "البيان" بالبناء المذكور ومن دعواه أن هذا البناء هو الوجه وغير ذلك مقتضاه تصحيح عدم القطع وأن المستند في ذلك تصحيح جواز الأخذ للآحاد وهو مناقض لما ذكره هنا من تصحيح منع الأخذ، وقد اغتر في "الروضة" بهذا الكلام فصحح في الأصل مقالة صاحب "البيان" ولم يتعرض للبناء، ولاشك أن هذا الكلام من الرافعي يقتضي أن الذي كان في ذهنه مقررًا هو تجويز الأخذ لغير الحاكم.

قوله: إحداها: إذا نقب ثم عاد أخرج النصاب في ليلة أخرى، حكى ابن كج عن النص: أنه إن علم صاحب الحرز بالنقب أو كان ظاهر إيراده الطارقون وبقي كذلك فلا قطع لانتهاك الحرز، وإلا فعن ابن سريج وغيره: أنه يقطع، كما لو نقب في أول الليل وأخرج المال في آخره وعن غيره أنه يحتمل أن لا يقطع لآخذه بعد انتهاك الحرز فحصل

وجهان، والخلاف شبيه بالخلاف فيما إذا أخرج نصابا بدفعات.
انتهى كلامه.
واعلم أن المشابهة بين المسألتين ظاهرة وقد ذكر الرافعي الإخراج بدفعات في أول الباب فقال فيه أوجه: أظهرها: يجب القطع، والثاني: لا، والثالث: إن عاد.
بعد ما اشتهر هتك الحرز وعلم الناس به أو المالك لم يقطع وإلا قطع.
قال صاحب "التهذيب": ولا فرق بين أن يعود في تلك الليلة أو في ليلة أخرى.
وفيه وجه أنه إن عاد في ليلة أخرى لم يقطع قولًا واحدًا.
انتهى كلامه.
وهو مخالف لتلك المسألة من وجهين: أحدهما: أنه جزم هناك عند الاشتهار بعدم القطع وصحح هنا وجوبه.
الثاني: أن كلامه يقتضي الاتفاق على أنه يقطع إذا نقب في أول الليل وسرق في آخره؛ لأنه جعله أصلًا مقيسًا عليه، وحكي فيه الخلاف في مسألتنا.

قوله: وإذا نقب الحرز وأخرج غيره المال لم يقطع.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وقد اختلف كلامه في "المنهاج" فقال: ولو نقب وأخرج غيره فلا قطع.
ثم قال ما نصه: ولو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج، أو وضعه ناقب بقرب النقب فأخرجه آخر قطع المخرج.
هذا لفظه.
فجزم بأنه إذا نقب واحد ووضعه قريبا من النقب ثم جاء آخر فأخرجه أنه يقطع المخرج.
وهذا مع ما تقدم في غاية التباين؛ فإن غير الناقب إذا لم يقطع فيما إذا كان هو الداخل والسارق فبطريق الأولى ألا يقطع مع عدم الدخول وتقريب الناقب له من النقب، وبالجملة فهذا الغلط حصل من اختصاره لكلام الرافعي؛ فإن الرافعي قال في "المحرر"

ما نصه: ولو تعاونا على النقب وانفرد أحدهما بالإخراج فالقطع على المخرج، وكذا لو دخل أحدهما ووضع المتاع قريبًا من النقب فأدخل الآخر يده وأخرج.
انتهى.
فعلمنا أن صورة المسألة في الناقبين فتوهم النووي خلاف ذلك فوقع فيما وقع فيه.

قوله: ولو ابتلع في الحرز جوهرة أو دينارًا فأطلق مطلقون أن في القطع وجهين، وعن الشيخ أبي حامد وابن الصباغ وغيرهما أنه إن لم تخرج فلا قطع وإن خرجت فوجهان: أصحهما فيما ذكر المحاملي وطائفة: أنه لا يجب، وأصحهما عند الإمام والروياني: وجوبه.
انتهى.
لم يصحح شيئا في "الشرح الصغير" وصحح النووي في "الروضة" التفصيل بين أن تخرج فيجب أو لا فلا، ولم ينبه على أنه من زوائده بل أدخله في كلام الرافعي وهو غريب فتفطن له.

قوله: ولو أكره عبدًا صغيرًا بالسيف حتى خرج من الحرز فقد حكى الإمام وصاحب الكتاب فيه وجهين: أحدهما: لا يجب القطع لأنه فارق الحرز بفعله.
والثاني: يجب كما لو سارت البهيمة بالضرب والتعنيف، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب".
انتهى كلامه.
والصحيح: وجوب القطع.
كذا صححه في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زوائده فتفطن له، بل في بعض نسخ الرافعي تصحيح عكسه.

قوله: الثالثة: من دخل الحمام مستحمًا فسرق لم يقطع، وإن دخل سارقًا وهناك حافظ من الحمامي أو غيره قطع إذا لم يكن نائمًا أو معرضًا.
قال في "التهذيب" وغيره: ولابد من الاستحفاظ، فإن لم

يستحفظه فلا ضمان على الحمامي بترك الحفظ، ولا [قطع] 1 على من سرقه.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه قد أهمل شرطًا آخرًا نقله في آخر الباب عن "فتاوي الغزالي" وهو أن يخرج السارق الثياب من الحمام.
الثاني: وينبغي أن يستحضر قبل الخوض فيه كون البغوي هو جامع فتاوي شيخه القاضي الحسين أن البغوي في الفتاوي المذكورة عقب [نقله] 2 عن الأصحاب اشتراط الاستحفاظ في الضمان خالفهم فقال الأصح تضمينه وإن لم يستحفظ للعادة؛ فعلمنا بذلك أن المذكور في التهذيب إنما هو حكاية المذهب المعروف وأن اختيار البغوي خلافه.

قوله: وأما المعاهد ومن دخل بأمان ففي قطعه أقوال: أحدها: نعم كالذمي، والثاني: لا وهو المنصوص في أكثر كتبه، وثالثها: إن شرط عليه القطع قطع وإلا فلا.
ولم يذكر كثير من الأصحاب الثالث، ورجحوا الثاني، والتفصيل حسن.
انتهى ملخصًا.
وحاصله رجحان عدم القطع ولهذا صرح بتصحيحه في "أصل الروضة" فقال: أظهرهما عند الأصحاب.
إذا علمت ذلك فقد اقتصر في "الشرح الصغير" على ترجيح الثالث فقال: وأقر بها كذا وكذا، ولم يذكر ترجيحًا غيره بالكلية ولا نقله عن أحد، وذكر مثله في "المحرر" ولكن عبر: بالأحسن، وقد استدرك النووي عليه في "المنهاج" فصحح القطع كما دل عليه كلامه في "الكبير".

قال:

النظر الثاني: في إثبات السرقة

قوله: فإذا ادعي على إنسان سرقة نصاب يوجب القطع فأنكر ونكل فحلف المدعي ثبت المال، وأما القطع فنقل الإمام عن الأصحاب: أنه يثبت أيضًا، وكذلك ذكره الغزالي وإبراهيم المروروزي لأن اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة، والذي أورده ابن الصباغ وصاحب "البيان" وغيرهما: أنه لا يثبت، لأنه حد الله تعالى، وقد يؤيد بظاهر لفظه في "المختصر".
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وليس فيه تصريح بتصحيح وقد اختلف في ذلك كلام الرافعي والنووي؛ فأما الرافعي فصحح في "المحرر" هنا ثبوته وعبر بالأظهر وجزم في الشرحين "الكبير" و"الصغير" في كتاب الدعاوي بعدم ثبوته وعلله بقوله: لأن حدود الله تعالى لا تثبت باليمين المردودة؛ ذكر ذلك في الباب الثالث المعقود لليمين في الطرف الثالث منه، وأما النووي فتابع الرافعي على هذا الاختلاف الواقع بين الشرحين و"المحرر"، وزاد فصحح هنا في "أصل الروضة" في أواخر الشرط الثاني أنه يثبت، والرافعي في الموضع المذكور حكى خلافًا من غير ترجيح.

قوله في الروضة: فلو أقر ثم رجع فالمذهب أنه لا يقبل في المال وأنه يقبل في سقوط القطع.
انتهى.
وما قاله -رحمه الله- لا يعلم منه أن المسألتين مستويتان أم مختلفتان ولا أن الأصح طريقة القطع أم طريقة الخلاف ولا أن الخلاف قولان أو وجهان؟، وقد بين الرافعي كل ذلك وحاصله: أنه لا يقيد في المال، وقيل: وجهان.
أما القطع ففيه وجهان: أصحهما أنه يقيد فيه، وقيل قطعا.

قوله: ولو أقر بإكراه جارية غائب على الزنا فوجهان: أصحهما: يحد للزنا ولا يؤخر لأنه لا يتوقف على طلبه ولو حضر وقال كنت أتحتها له لم يسقط الحد، وقال ابن سريج: يؤخر لاحتمال أنه يقر بأنه وقف عليه تلك الجارية قال الإمام: وعلى الأول لو قال المالك: كنت بعتها أو وهبتها له فأنكر المقر بالزنا ينبغي ألا يسقط الحد، وعلى قياسه ينبغي ألا يسقط الحد إذا أقر بوقف الجارية وكذبه المقر المذكور.
انتهى.
قال في "الروضة": ليس الوقف كالبيع لأنه يصح بلا قبول على المختار والله أعلم.
وفيما ذكر من زوائده أمران: أحدهما: أن الفرق الذي ذكره ردًا به على قياس الإمام لا يستقيم لأن الإمام يرى أن الصحيح افتقار الوقف إلى القبول فلذلك صح منه التسوية بين البيع والوقف فلا يقدح في قياس الإمام اختيار غيره.
الثاني: أن ترجيحه لعدم اشتراط القبول قد خالفه في باب الوقف من "المنهاج" فصحح اشتراطه، وقد تقدم بسطه هناك فراجعه.

قوله: وفرق بينهما بأن الحاكم لا مطالبة له بمال الغائب.
انتهى.
وهذه المسألة ذكرها الرافعي [في مواضع] 1 فيها كلامه وكلام "الروضة"، وقد سبق مبسوطًا في أول التفليس فراجعه.

قوله: ومن رفع إلى مجلس القاضي واتهم بما يوجب عقوبة فللقاضي أن يعرض له بالإنكار ويحمله عليه.
ولو أقر بذلك ابتداء أو بعد تقدم دعوى فكذلك على الصحيح.
انتهى.
وهو صريح في سماع الدعوى في حدود الله تعالى، والمسألة قد اضطرب فيها كلامه وكلام "الروضة" كما سأوضحه لك في الشهادات.

قوله: وهذا -أي: جواز التعريض بالرجوع للمقر- محله إذا كان المقر جاهلًا بالحد إما لقرب عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ في بادية بعيدة عن أهل العلم.
انتهى.
وهذا الكلام قد أسقطه من "الروضة" وإسقاطه غريب.

قوله: وهل للحاكم أن يعرض الشهود بالتوقف في حدود الله تعالى؟ وجهان.
انتهى.
والأصح على ما قاله في "الروضة" أنه إن رأى المصلحة في الستر فعله وإلا فلا.

قوله: ألا تري أن ماعزًا لما ذكر لهزال أنه زنا وقال له بادر إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[قبل أن ينزل الله فيك قرآنًا.
فذكر ذلك للنبي] 1 فقال: هلا سترته بثوبك يا هزال 2؟ انتهى.
هزال: بهاء مفتوحة ثم زاي معجمة مشددة في آخره لام.

قوله: فرع: قال الإمام في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من أتي شيئًا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" 3 فيه دليل على أنه لا يجب من قارف موجب حد إظهاره.
قال: وكان شيخي يقطع به.
وفيه احتمال إذا قلنا: الحد لا يسقط بالتوبة.
انتهى.
وهذا الاحتمال عجيب ومستنده أعجب؛ فإن الإجماع قائم كما ذكره

في الشهادات على أن التوبة مسقطة وقد رده في "الروضة" أيضًا هنا فقال: الصواب الجزم بأنه لا يجب الإظهار لقصة ماعز وإنما لا يسقط الحد بالتوبة على قول في ظاهر الحكم، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فالتوبة تسقط أثر المعصية.
والقاذورات: بالذال المعجمة، والمراد به هاهنا ما يوجب العقوبة، وتطلق القاذورة أيضًا على الذي يمتنع من تعاطي المستقذر، وعلى الرجل الذى لا يبالي بما قال ومما صنع.
قاله ابن الأثير.

قوله: ولو سرق من حرز هو بما فيه في يد إنسان ولم تقم بينة مفصلة فقال السارق هو ملكي، فعلى قولنا يسقط القطع بدعوى الملك كما هو المنصوص المعروف ويبقي النزاع بينهما في المال والمصدق فيه المأخوذ منه مع [يمينه]، وإن قلنا: لا يسقط القطع بالدعوى، فإن حلف المسروق منه ثبت القطع مع المال.
ويرجع الخلاف في أنه هل يثبت القطع باليمين المردودة؟ انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" عليه، ونقل المسألة من هنا إلي ما قبله وهذه اليمين ليست هي اليمين المردودة بل هذه يمين المدعى عليه، وكيف يحسن أيضًا التردد في وجوب القطع والتفريع على أنه لا يسقط القطع بهذه الدعوي.

قوله: فرع: إذا قلنا يسقط القطع بدعوى الملك فهل يستفصله القاضي سعيًا في سقوط الحد؟ فيه تردد للإمام.
انتهى.
والأصح على ما قال في "الروضة": أنه لا يستفصله لأنه إغراء بادعاء الباطل.

قال:

النظر الثالث: في الواجب

قوله: فتقطع يمين السارق والسارقة قال الله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 1، وقرأ ابن مسعود - رضي الله عنه -: "أيمانهما" والقراءة الشاذة تتنزل منزلة أخبار الآحاد.
انتهى كلامه.
وما ذكره من تنزيلها منزلة الآحاد صحيح؛ فقد جزم به أيضًا جماعات منهم الشيخ أبو حامد في الصيام وفي الرضاع، والماوردي في الموضعين أيضًا، والقاضي أبو الطيب في موضعين من "تعليقه": أحدهما: الصيام، والثاني: في باب وجوب العمرة، والقاضي الحسين في الصيام، والمحاملي في الأيمان من كتابه المسمي "عدة المسافر وكفاية الحاضر"، وابن يونس شارح "التنبيه" في كتاب الفرائض في الكلام على ميراث الأخ للأم، ونص عليه الشافعي في موضعين من "مختصر البويطي" في باب الرضاع وفي باب تحريم الجمع، وذكر إمام الحرمين في "البرهان": أن الظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يحتج بها، فقلده فيه النووي فجزم به في "شرح مسلم" 2 في الكلام على قوله -عليه الصلاة والسلام-: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" 3، وفي غيره أيضًا فاحذر ذلك.

قوله: ولو كانت اليمين شلاء فيراجع أهل الخبرة فإن قالوا لو قطعت لم يرقأ الدم قطعت الرجل، وإن قالوا يرقأ قطعت يمينه.
انتهى كلامه.
اعلم أن يرقأ المذكور هنا معناه ينقطع وهو مهموز الأخير؛ تقول: منه رقأ الدم والدمع يرقأ بالفتح فيهما رقاء بالسكون ورقوء على وزن فعول.
وأما يرقا بلا همز فمعناه صعد؛ يقول منه رقيت في السلم بالكسر أرقي

رقيًا بالسكون ورقيا ورقي الدم يرقا.

قوله: ولو قطع يسار السارق جان أو قطعها الجلاد عمدا لم يسقط عنه القطع في اليمين.
ولو قال الجلاد له: أخرج يمينك، فأخرج يساره فقطعها ففيه طريقان: أحدهما قاله القاضي أبو الطيب وآخرون: إن قال المخرج: ظننت المخرج يمينا أو أن اليسار تجزئ عن اليمين؛ ففي قيامها مقامها قولان: أحدهما: المنع كالقصاص ويروى هذا عن رواية الحارث بن سريج النقال، وعلى هذا فيراجع القاطع.
فإن قطع عالمًا عامدًا فعليه القصاص وإلا فالدية، وأصحهما القسوط لأنه حد لله تعالى.
والطريق الثاني قاله الشيخ أبو حامد: يراجع القاطع أولًا فإن قال علمت أنها اليسار وأن اليسار لا تجزئ عن اليمين فعليه القصاص وبقي القطع في اليمين، وإن ظنها اليمين أو أن اليسار تجزئ عنها فعليه الدية وفي سقوط القطع في اليمين القولان، وإيراد الإمام وغيره يوافق هذه الطريقة إلا أن القصاص على القاطع وإن كان عالمًا بالحال إنما يجب إذا لم يوجد من المخرج قصد بدل وإباحة.
انتهى.
لم يصحح في "الروضة" أيضًا شيئًا من هذا الخلاف، والصحيح هو الطريق الأول؛ وهو النظر أولا إلى المخرج، كذا صححه الرافعي في آخر باب استيفاء القصاص وبالغ في تصحيحه، وقد سبق ذكر لفظه، وصححه أيضًا في "تصحيح التنبيه" فقال: وإنه إذا وجب قطع يمينه فقطع الجلاد يساره عمدًا أو سهوًا أجزأت عن اليمين ولا قصاص على القاطع ولا دية.
هذا لفظه.
وهو يقتضي بعمومه تصحيح الإجزاء في صورتين: إحداهما: إذا قطع الجلاد من غير إخراج السارق وليس كذلك اتفاقًا.
الثانية: إذا قال المخرج علمت أنها اليمين وأنها لا تجزئ مع أنه ليس الآمر أيضًا كذلك، وكلام الرافعي في القصاص يقتضي أنه لا فرق في

الصورة الثانية بين أن يكون الإخراج على قصد حسابها عن اليمين أم لا، وهو واضح لأن القصد المذكور مع علمه بأنه لا يقع لا أثر له فلذلك ألحقه بالمبيح؛ فتفطن له.
والنقال: المنقول عنه هو بالنون كما تقدم إيضاحه في "الطبقات" وفي الجنايات أيضًا.

قوله: ولو كان بمعصمه كفان نقل الإمام عن الأصحاب أنهما تقطعان سواء تميزت الأصلية أم لا، وفي "التهذيب" أنه إن تميزت الأصلية قطعت وإلا فإحداهما، وهو أحسن.
انتهى.
والصحيح المنصوص كما قاله في صفة الوضوء من "شرح المهذب" وفي "زوائده" هنا: أنه لا تقطع إلا إحداهما.

قوله: وفي "فتاوي الحسين الفراء": أنه لو وضع الميت على وجه الأرض ونضدت الحجارة عليه كان ذلك كالدفن حتى يجب القطع بسرقة الكفن خصوصًا إذا كان ذلك [حيث] 1 لا يمكن الحفر، وأنهم لو كانوا في البحر وطرح الميت فيه وغيبه الماء فغاص سارق وأخذ الكفن لم يقطع أيضًا لأن طرحه لا يعد إحرازًا فهو كما لو وضعه على الأرض فغيبته الريح بالتراب، وقد يتوقف في هذا.
انتهى.
واعلم أن الأقرب في التوقف الذي ذكره الرافعي عوده إلى مسألة تغييب التراب فإنها أقرب لفظًا وأولى بذلك معنى من تغييب البحر لأنها بالقبر الأصلى أشبه من التغييب في البحر، وقد حذف النووي التغييب في التراب فلم يذكره بالكلية وجعل الوقفة راجعة إلى الماء، وقد بحث النووي في المسألة الأولى وهي تنضيد الحجارة فقال: ينبغي ألا يقطع إلا أن يتعذر الحفر لأنه ليس بدفن والبحث الذي ذكره يتقوى بالمنقول في تغييب التراب.
والتنضيد: هو أن يجعل الشيء بعضه فوق بعض.

قال:

الجناية السادسة: قطع الطريق

قوله: ولابد في قاطع الطريق مع الشوكة والبعد عن العون من الإسلام؛ فالكفار ليس لهم حكم القطاع وإن حافوا السبيل وتعرضوا للأنفس والأموال، ومن التكليف.. إلى آخر كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- من اشتراط الإسلام قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، ومقتضاه أن أهل الذمة لا يكونون قطاعًا وكذلك لو كان في القوم ذمي لا يثبت له حكمهم، ولا وجه له؛ فإن زعم انتقاض عهدهم بذلك وأننا نقتلهم كما نقتل الحربيين فليس كذلك أيضًا لأن الصحيح أن العهد لا ينتقض به إلا إذا شرط عليهم تركه وشرط عليهم الانتقاض به أيضًا لو فعلوه، وبتقدير القول بالانتقاض فسيأتي أن من انتقض عهده به أو بغيره يقام عليه ما يقتضيه ذلك الشيء ثم يفعل فيه بعد ذلك من القتل أو غيره مما ذكروه فالصواب الإلتزام للأحكام بدلًا عن الإسلام ويكون احترازًا عن الحربيين فإنهم لا يضمنون نفسًا ولا مالًا.
تنبيه: ذكر الرافعي هنا في الباب ألفاظًا منها: جمع الكف: هو بضم الجيم وسكون الميم، وهو اسم للكف المقبوضة، يقال: ضربته بجمع كفي أي: بكفي وهي مقبوضة وهو المسمى باللكم.
ومنها قولهم: الحرب سجال: هو بسين مهملة مسكورة بعدها جيم قال الجوهري: وهو مأخوذ من المساجلة وهو المفاخرة بأن يصنع] 1 مثل صنعه في جري أو سقى قال: وأصله من السجل بفتح السين وسكون الجيم، وهو الدلو الذى فيه ماء قليلًا كان أو كثيرًا، ولا يقال له وهو فارغ سجل ولا ذنوب، وجمعه سجال.

ومنها: الدعارون: بالدال المهملة، وهم [المفسدون]، يقال: هو داعر من الدعر بالفتح والدعارة، وامرأة داعرة بالتاء، وهو مأخوذ من قولهم: دعر العود بالكسر يدعر داعر بالفتح فيها فهو داعر إذا كان رديئا كثير الدخان.
ومنها: الردء: براء مسكورة هو المعين، وقد سبق ضبطه في السرقة.

قوله: أما إذا لم يأخذ مالًا ولا قتل ولكن كثر جمع القاطعين وكان ردأهم فوجهان: أصحهما: يعزره الإمام بما يراه والثاني: ينفيه، وإذا عين صوبًا منعه من العدول إلى غيره.
وعلى هذا هل يعزر في البلد المنفي إليه بضرب وحبس وغيرهما أم يكفي النفي؟ وجهان.
انتهى.
الأصح على ما قاله في "الروضة": أنه إلى رأي الإمام.

قوله: فرع: إذا اجتمع عليه القتل والصلب لو مات قبل أن يقتل هل يجب صلبه؟ فيه وجهان.
قال القاضي أبو الطيب: نعم؛ لأنهما مشروعان وقد فات أحدهما فيستوفى الآخر.
وقال الشيخ أبو حامد: لا؛ لأن الصلب صفة تابعه للقتل وقد سقط المتبوع فيسقط التابع، وهذا ما نسب إلى رواية الحارث بن سريج النقال.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا النص الذي نقله الرافعي عن النقال قد نقله عنه الشيخ أبو على في كتاب الجنائز من "شرح التلخيص" في مسألة أخرى قريبة من هذه فقال: وإذا قلنا: إنه يصلب بعد القتل، فإلى متى يصلب؟ قولان: أحدهما: إلى ثلاثة أيام.
حكاه الحارث بن سريج النقال عن

الشافعي؛ لأن الثلاث في حد القليل.
هذا كلامه.
الأمر الثاني: لقائل أن يقول: لا يخلو إما أن يريد بهذه التبعية أن مشروعية الصلب تابعه لوجود القتل، أو أن مشروعيته تابعه لمشروعيته؛ فإن أراد الأول فهو محل النزاع لأن معناه أنه لا يشرع الصلب إلا إذا وجد القتل قبله، وإن أراد الثاني فمسلم ولا يلزم سقوط الصلب لأن معني ذلك أنه لا يشرع الصلب إلا إذا شرع القتل وقد وجدت مشروعية القتل في مسألتنا فيلزم وجود مشروعية الصلب.
فإن قلت: فقد زالت مشروعية القتل بالموت فتسقط مشروعية الصلب على هذا التقدير.
قلنا: بتقدير سقوطها تكون تابعه لوجود القتل لا لمشروعيته، وقد تقدم إبطاله وليس الكلام فيه؛ فثبت أن المراد على الاحتمال الثاني إنما هو بتبعتها لأصل المشروعية لا لبقائها ودوامها، وأصل المشروعية قد وجد.
واعلم أن النقال الراوي لهذا النص هو بنون بعدها قاف، وقد تقدم الكلام عليه في مقدمة الكتاب، وسبق أيضًا التعرض له في أواخر الجناية الخامسة.

قوله: وهل تؤثر التوبة في إسقاط حد الزنا والسرقة والشرب قبل القدرة وبعدها؟ فيه قولان: أصحهما -على ما ذكره الإمام وصاحب "التهذيب" وغيرهما وينسب إلى الجديد- أنها لا تؤثر.
والثاني -ورجحه جماعة من العراقيين- أنها تؤثر.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح من هذين القولين هو الأول كذا صححه الرافعي في باب حد الزنا وصرح بأنه الجديد فقال: وأصحهما -وهو الجديد وبه قال أبو حنيفة- أنه لا يسقط هذا لفظه.

وأشار إلى ترجيحه في "المحرر" فقال: رجح منهما منع السقوط وهذا الكلام لا يؤخذ منه تصحيح للرافعي لأنه بناه للمفعول فكأنه قال رجحه بعضهم، ولم يستحضر النووي هنا ما صححه هو والرافعي في حد الزنا بل اقتصر على ما نقل في "المحرر" نقلًا غير مطابق أيضًا فقال: قلت: رجح الرافعي في "المحرر" منع السقوط وهو أقوى، والله أعلم.
الأمر الثاني: ما نبه عليه النووي من "زوائده" في كتاب السرقة فقال محل الخلاف في عدم السقوط إنما هو في ظاهر الحكم، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فيسقط بلا خلاف لأن التوبة تسقط أثر المعصية.
والذي قاله صحيح لا شك فيه وقد صرحوا به في الشهادات في الكلام على أركان التوبة وغيرها لكنه ذكر هنا بعد هذا ما ظاهره يخالف ما ذكره هناك.

قوله: ثم ما يسقط بالتوبة في حق قاطع الطريق قبل القدرة يسقط بنفس التوبة، وأما توبته بعد القدرة وتوبة الزانى والسارق والشارب فوجهان: أحدهما: كذلك.
والثاني: يشترط مع التوبة إصلاح العمل، ونسب الإمام هذا الوجه إلى القاضي الحسين والأول إلى سائر الأصحاب، والذى أورده جماعة من العراقيين وتابعهم صاحب "التهذيب" والروياني هو ما نسبه إلى القاضي.
انتهى.
لم يصرح في "الروضة" أيضًا بتصحيح، والأصح الاشتراط.
كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر: بالأظهر.

قوله: وإذا اجتمع عليه حدود قذف جماعة حد لكل واحد ولا يوالي بل يمهل بعد كل حد حتى يبرأ.
هكذا ذكره البغوي وغيره، لكن سبق في القصاص أنه يوالي بين قطع الأطراف قصاصًا وقياسه أن يوالي

بين الحدود.
انتهى.
وما ذكره من استشكال القصاص على مسألتنا قد تابعه عليه في "الروضة" وهو غريب فإن قطع الأطراف على قسمين: أحدهما: أن يكون لواحد كما لو قطع يديه.
[فاندمل ثم قطع رجليه فيجوز للمقطوع أن يوالي بين قطع يديه] 1 ورجليه على المذهب وإن كان فيه مزيد خطر.
كذا ذكره الرافعي في الفصل الثاني المعقود لكون القصاص على الفور، وليس هذا نظير مسألتنا.
والقسم الثاني وهو نظيرها أن يكون لجماعة، وقد صرح به الرافعي في الكلام على ما إذا قال أخرج يمينك فأخرج يساره وقال: إنه لا يوالي وذكر معها أيضًا المسألة الأولى وذلك قبيل باب العفو عن القصاص بأسطر فقال: وإذا قطع طرفي اللسان معًا فيقتص منهما معا ولا يفرق على الصحيح المنصوص بخلاف ما إذا قطع يمين واحد ويسار آخر حيث لا يوالي بين القصاص لأنه لم يجتمع خطر القطعين على واحد حتى يقابل بمثله.
هذا كلامه.
وبه يظهر أنه اشتبهت عليه مسألة بمسألة، وتعبيره أيضًا بقوله معًا قد علم مما سبق أنه ليس بشرط وقد حذف في "الروضة" ما إذا كان القصاص لمتعدد ومشى على ما ذكره الرافعي في هذا الباب فتفطن له فإن خطأ محض.

قوله: من زنا مرارًا وهو بكر حد للجميع حدًا واحدًا، وكذا لو سرق أو شرب مرارًا.
وهل يقال: تجب حدود ثم يعود إلى حد واحد أم لا يجب إلا واحد وتجعل الزنيات كالحركات في زنية واحدة، ذكروا فيه احتمالين.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وفيه أمران:

أحدهما: أن اقتصار الرافعي والنووي على نقل احتمالين عجيب مؤذن بأنهما لم يقفا على خلاف صريح للأصحاب، وقد صرح الإمام بنقله في آخر هذا الباب فقال: وقد تردد العلماء على وجه آخر فقال قائلون: تجب حدود على أعداد الزنيات ثم تتداخل، وقال آخرون: الزنيات إذا لم يتخللها الحد كالحركات في زنية واحدة، وهذا أقرب.
هذه عبارة الإمام، وكأن الرافعي استحضر لفظ التردد الواقع أولًا في كلام الإمام وغفل عما بعده أو لم يقف على كلام النهاية.
الأمر الثاني: أنا قد استفدنا أيضًا من كلام الإمام أن الراجح هو الاحتمال الثاني وهو ظاهر.

قوله: ولو زنا وهو بكر ثم زنا قبل إقامة الحد عليه وهو قد أحصن فوجهان: أصحهما -عند الإمام وصاحب الكتاب- أنه يكتفي بالرجم ويدخل الجلد فيه، وأصحهما -عند صاحب التهذيب وغيره- أنه يجمع بينهما.
انتهى.
لم يصحح شيئا في "الشرح الصغير" أيضًا ولا في "الروضة" هنا، والصحيح وجوب الحدين؛ فقد قال الشيخ أبو على السنجي: إنه ظاهر المذهب.
قال: وعلى هذا لو زنا العبد ثم عتق فزنا قبل الإحصان فقيل: عليه خمسون جلدة لزناه في الرق، ومائة لزناه في الحرية، لاختلاف الحدين، والأصح أنه يجلد مائة فقط ويدخل الأقل في الأكثر لاتحاد الجنس.
كذا نقله عنه الرافعي في الباب الثاني من أبواب اللعان وجزم به أيضا في مسألتنا الشيخ أبو إسحاق في "التنبيه" وأبدي الاقتصار على الرجم احتمالًا له فقط فقال: جلد ورجم، ويحتمل أن يقتصر على رجمه.
هذا لفظه.
وهو يدل على أنه لا يعرف في المذهب غيره، وصححه النووي في "أصل

الروضة" في اللعان في الموضع المشار إليه وعبر بالأصح إلا أنه في الباب الثالث لا الثاني كما في الرافعي ولا ذكر للمسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج".

قوله: قال الماسرجسي وغيره: لو شهد رجلان بوصية لهما فيها نصيب أو إشراف لم تقبل في شيء، وإن قالا نشهد بها سوي ما يتعلق بنا من الأموال والإشراف قبلت شهادتهما.
انتهى.
وقياس ما ذكره في الشهادات في نظائر هذه المسألة أن تبطل فيما يتعلق بهما ويصح في الباقي لأنه إذا جمع في الشهادة بين المقتول وغيره قبلت فيما يقبل.

قال -رحمه الله-:

الجناية السابعة: شرب الخمر

قوله: والفرق بفتح الراء: مكيال يسع ستة عشر رطلًا.
انتهى.
هو بفاء وراء مهملة مفتوحتين بعدهما قاف، وإنما ضبطه الرافعي بفتح الراء للاحتراز عن ساكنها فإنه مائة وعشرون رطلًا كما قاله ابن الأثير في الغريب.
قال: وأما العرق بالعين المهملة فهو المنسوخ من ظفائر الخوص.
ثم قال: -أعني الرافعي-: وهذا كالنهي عن الانتباذ في الأوعية التي كانوا ينتبذون فيها كالدباء -وهو القرع- والحنتم -وهي جرار خضر- والنقير -وهو جذع ينقر ويتخذ منه إناء- والمزفت -وهو المطلي بالزفت، وهو القار ويقال له المقير-؛ لأن هذه الأوعية ينتبذ فيها ولا يعلم به بخلاف الأسقية من الأدم.
انتهى.
فأما الدباء فهو بدال مهملة مضمومة في آخره همزة، مفرده: دباءة، ووزن الدباء فعال ولامه همزة لازمة لأنه لم يعرف هل انقلبت همزته عن واو أو ياء.
كذا قاله الزمخشري.
وأخرجه الجوهري في المعتل فإنه جعله من مادة دبا فيكون وزنه فعالا أيضًا إلا أن همزته منقلبة.
وقال الهروي: همزته زائدة ووزنه فعلا.
قال ابن الأثير: بعد حكاية هذا كله إن ما قاله [الجوهري] 1 أشبه، وأما الخنتم: فهو بخاء معجمة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم تاء مثناه من فوق.
وأما النقير فبالنون.
والأدم: بفتح الهمزة والدال جمع أديم وهو الجلد والأدمة بالفتح باطن

الجلد الذي يلي اللحم والبشرة ظاهره.
واعلم أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية منسوخ كما ثبت في "صحيح مسلم" 1، وقد نَبّه عليه في "الروضة".

قوله في "أصل الروضة": والمذهب جواز إساغة اللقمة بالخمر إذا لم يجد غيرها بل تجب الإساغة بها.
ثم قال: وأما شربها للتداوي والعطش والجوع إذا لم يجد أيضًا غيرها ففيه أوجه: أصحهما -وهو المنصوص وقول الأكثرين- لا يجوز.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون المنع منصوصًا للشافعي في جميع ما ذكره غير مطابق لكلام الرافعي فإنه إنما حكاه في العطش خاصة، وقد ذهل النووي في "شرح المهذب" عن هذا الخلاف المذكور في الإساغة فقال: يجوز بلا خلاف.
ذكر ذلك في باب الأطعمة.

قوله: ولو [احتيج] في قطع اليد المتآكلة -نعوذ بالله منه- إلى ما يزيل عقله من غير الأشربه كالبنج خرج ذلك على الخلاف في التداوي بالخمر.
انتهى.
واعلم أن الفتوي في هذه المسألة على خلاف ما ذكره الرافعي، وقد تقدم ذلك مبسوطًا في الباب الثاني من أبواب الطلاق.

قوله في "الروضة": ومن تبخر بالند 2 المعجون بالخمر هل ينجس؟ فيه وجهان كدخان النجاسة.
انتهى.
ومقتضاه تصحيح نجاسته حتى لا يجوز الصلاة معه ولا التبخر به؛ لأن استعمال الأشياء النجسة ممتنع في الثوب والبدن على المشهور كما سبق في

صلاة الخوف، وصرح في "التحقيق" و"شرح المهذب" بأن دخان المتنجس كدخان النجس وما اقتضاه كلامه هنا من المنع سيأتي من "زوائده" في كتاب الأطعمة ما يخالفه فراجعه.

قوله: روي الشافعي - رضي الله عنه - بإسناده أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى له بشارب فقال: اضربوه فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه التراب ثم قال بكتوه فبكتوه ثم أرسله 1. فلما كان أبو بكر - رضي الله عنه - سأل من حضر ذلك المضرب فقومه أربعين.
ويروي فقدره فضرب أبو بكر - رضي الله عنه - أربعين ثم عمر - رضي الله عنه -، ثم تبايع الناس في الخمر فاستشار فضرب ثمانين.
انتهى.
وأما بَكَّتُوه فهو بباء موحدة وكاف مشددة بعدها تاء مثناة بنقطتين من فوق.
قال ابن الأثير في هذا الحديث: التبكيت هو التقريع والتوبيخ بأن يقال له [يا] فاسق أما اتقيت الله تعالى أما استحييت منه.
قال الهروي: ويكون أيضًا باليد والعصا ونحوهما.
وقد جزم الماوردي في "الإقناع" بحث التراب والتبكيت كما ورد في الحديث، واقتضى كلامه وجوبه.
وأما تبايع المذكور في آخر الحديث فهو بياء بنقطتين من تحت قبل العين، وهو عبارة عن أن يفعل من أفعال القبيح مثل ما فعل غيره من غير فكرة ولا

روية.

قوله: فرع آخر: لا تقام الحدود في المساجد ويسقط الفرض لو أقيمت كما لو صلي في مكان مغصوب.
انتهى.
وهذا الكلام قد تبعه عليه في "الروضة" وهو مشعر بأن فعل ذلك في المسجد حرام، وليس كذلك؛ فقد ذكر في كتاب الأقضية في الأدب الثالث من أدب القضاء بأنه لا يحرم بل يكره، ونص عليه الشافعي في "الأم" فقال في أول باب ما يستحب للقاضي ما نصه: وإذا كرهت له أن يقضي في المسجد كنت لأن يقيم الحد في المسجد أو يعزر أكره.
هذا لفظه بحروفه، ومن الأم نقلته.
ونقل ابن الرفعة عن الرافعي الموضع المذكور في هذا الباب فقط ولم يطلع على الثاني، وقد اختلف كلام ابن الصباغ في المسألة فأجاب في الأقضية بما دل عليه كلام الرافعي في هذا الباب من التحريم وأجاب في الحدود بالكراهة.

القول في التعزير

قوله: وهو مشروع في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة.
انتهى.
يستثنى من كلامه أمور: أحدها: إذا صدرت الصغيرة من بعض أولياء الله تعالى قال الشيخ عز الدين في "القواعد الكبري" فلا يجوز للأئمة والحكام تعزيرهم عليها بل تقال عثرتهم وتستر زلتهم، وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة ذكر ذلك في أوائل الفصل المعقود لبيان التسميع بالعبادات وهو نحو ثلث الكتاب.
الثاني: إذا جامع زوجته في نهار رمضان فإنه يجب فيه التعزير بالإجماع.
كذا رأيته في "شرح السنة" للبغوي في حديث الأعرابي الذي جامع زوجته في نهار رمضان، وعبر بقوله: أجمعت عليه الأمة، وجزم به أيضًا ابن يونس صاحب "التعجيز" في شرحه له، ورأيت للرافعي في "شرح مسند الإمام الشافعي" ما يقتضيه أيضًا ذكر ذلك في الحديث المذكور.
فعلى هذا تستثني هذه المسألة مما فيه الكفارة وذهل في "الكفاية" عن هذه النقول فذكر ما حاصله الجزم بعدم الوجوب وقد نبهت عليه في "الهداية".
الثالث: جماع المرأة حائضًا إذا قلنا بوجوب الكفارة فإنه [يوجب] 1 التعزير بلا خلاف كما صرح به بعض الأصحاب ولا يحضرني الآن قائله.

الرابع: إذا قتل من لا يقاد به كما لو قتل ابنه أو عبده أو قتل المسلم الكافر أو غير ذلك فإن الكفارة تجب ومع هذا يجب التعزير كما نص عليه الشافعي في "الأم" ونقله عنه جماعة منهم صاحب "الشامل"، وسوف أذكر لفظه في الكافر لغرض تعلق به.
نعم يجاب عن هذا بأن إيجاب كفارة القتل ليس هو لما صدر عنه من المعضية بل لأجل إعدام النفس بدليل إيجابها في قتل الخطأ؛ وحينئذ فيبقي التعمد خاليًا عن الزاجر فأوجبنا فيه التعزير زاجرًا، وهذا المعنى الذى قلناه بعينه يقتضي إيجاب التعزير في محرمات الإحرام إن كانت إتلافات كقتل الصيد والحلق ونحوهما دون الاستمتاعات كاللبس والطيب، ولأجل ما ذكرناه من المعنى اتضح ما ذكره الأصحاب من الجمع بين الكفارة والتعزير في يمين الغموس، فإن التعزير لأجل الكذب والكفارة لانتهاك الاسم المعظم حيث أكد الكذب به.
وقد أجاب بما ذكرناه الشيخ عز الدين في [القواعد الصغري] [والشيخ تقي الدين بن الصلاح في "فتاويه" ومثله ما ذكر الشيخ عز الدين في [القواعد الصغرى] 1 أنه لو زنا بأمه في جوف الكعبة في رمضان وهو صائم معتكف محرم لزمه العتق والبدنة ويحد للزنا ويعزر لقطع رحمه وانتهاك حرمة الكعبة، ومثله الظهار فإن الصحيح على ما قاله بعض الأصحاب أنه يعزر مع إيجاب الكفارة لأن سبب التعزير هو الكذب والكفارة وجبت بالعود.
الخامس: إذا نظر شخص إلى بيت غيره وجوزنا رمي عينه فلم يرتدع ضربه بالسلاح ونال منه بما يردعه.
قال الرافعي هناك: ولو لم ينل منه صاحب الدار عاقبه السلطان.

هذا لفظه.
ومقتضاه عدم التعزير إذا نال منه وكأن ذلك بمثابة الحد على هذه المعصية، وهو واضح.
السادس: إذا ارتد ثم أسلم فإنه لا يعزر إلا إذا تكرر منه كما ذكره الشيخ في "التنبيه" 1 وغيره، وكذلك من وطيء زوجته في دبرها كما ذكره البغوي في "التهذيب" والروياني في "الحلية".
السابع: إذا دخل واحد من أهل القوة إلى الحمي الذي حماه الإمام للضعفة ونحوهم فرعي منه قال القاضي أبو حامد: لا تعزير عليه ولا غرم وإن كان عاصيًا.
الثامن: إذا رأي من يزني بزوجته وهو محصن فقتله في تلك الحالة فلا تعزير عليه وإن افتات على الإمام ويعذر لأجل الحمية والغيظ.
كذا نقله ابن الرفعة عن ابن داود شارح "المختصر" وقد أعلمتك أنه الصيدلاني، ونقل الماوردي وغيره وكذلك الخطابي في "معالم السنن" عن الشافعي: أنه يحل له قتله في ما بينه وبين الله تعالى إذا لم يكن له بينة وإن كان يقاد في الظاهر.
التاسع: إذا كتب بعض المسلمين إلى المشركين بأخبار الإمام فقال الشافعي إن كان من ذوي الهيئات لم يعزر؛ لحديث حاطب بن أبي بلتعة، وإن لم يكن عزر؛ كذا نقله في كتاب السير من "الشامل" في باب جامع السير.

قوله: ثم جنس التعزير من الجبس أو الضرب جلدًا أو صفعًا إلى رأي الإمام وله الجمع والاقتصار على أحدهما أو علي التوبيخ بالكلام.
انتهى.
سكت عن التعزير بالنفي وقد ذكره في باب حد الزنا فقال إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

جارٍ التحميل