المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الجعالة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله: بل لو قال غير المالك: من رد عبد فلان فله كذا استحقة الراد عليه لأنه التزمه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الاستحقاق استشكله ابن الرفعة؛ لأنه لا يجوز لأحد وضع اليد على الآبق بهذا القول فكيف تستحق الأجرة؟ وقد يجاب بأن صورة ذلك عند إذن المالك لمن شاء في الرد، وحينئذ فيخص إطلاق الرافعي وغيره.

قوله: ولو كان العامل معينًا فلا يشترط قبوله أيضًا على المشهور، ويكفي الإتيان بالعمل، وقال الإمام: لا يمتنع أن يكون كما لو قيل في اشتراط القبول.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام هنا واقتصر عليه تبعه عليه في "الروضة" أيضًا والخلاف [فيه] 1 ثابت للأصحاب، نقله عنهم الإمام في باب المسابقة فاعلمه، ونقله أيضًا الرافعي عنه هناك فقال بعد حكاية وجهين في إشتراط القبول في المسابقة إذا جعلناها جعالة ما نصه وذكر الإمام أن الأصحاب أجروا هذا الخلاف في الجعالة المتعلقة بمعين وهي أن يقول لمعين: إن رددت عبدي فلك كذا.
هذا لفظ الرافعي، وعبارة "الروضة" في هذا الباب: وإن كان معينًا لم يشترط قبوله، كذا قاله الأصحاب ثم ذكر المنقول وعبارته هنا مع ما في المسابقة في غاية التباين.

قوله من "زوائده": فمن ذلك أنه لو قال: من أخبرني بكذا فله كذا [فأخبر به إنسان] 2 فلا شيء له لأنه لا يحتاج فيه إلى عمل صرح به البغوي وغيره.
انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في آخر الباب فقال: إن أخبرتني بخروج

الجزء: 6 - الصفحة: 196

زيد من البلد فلك كذا، فأخبره، ففي "فتاوى" القفال أنه إن كان له غرض في خروجه استحق وإلا فلا، وهذا يقتضي كونه صادقًا، وينبغي أن ينظر هل يناله تعب أم لا.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره الرافعي هناك بحثًا قد صرح بنقله في "الروضة" هنا وعلم [منه] 3 أيضًا أن ما أفهمه كلام النووي من الاستحقاق عند التعب قد صرحوا به وأن شرطه الصدق.

قوله: ويشترط عند التعيين أهلية العمل في العامل.
انتهى.
كأنه يشير بذلك إلى اشتراط البلوغ والتمييز عند التعيين، حتى إذا لم يعين فرده صبي ونحوه استحق المسمى، وقد صرح به صاحب "التعجيز" في شرحه له، ورأيته في تعليق قديم في الفقه [وكأنه] 4 بخط المصنف، وهو متأخر عن إبن الصباغ فإنه ينقل عنه، وشرط في "الوسيط" الأهلية مطلقًا، ولم يقيده [بحال] 5 التعيين، وصرح به الماوردي في كتاب السير من "الحاوي".

قوله: يجب أن يكون الجعل المشروط معلومًا، إلى آخره.
اعلم أنه قد ذكر في كتاب الحج أنه لو قال لغيره حج عني بنفقتك جاز فعلى ما قاله تستثنى هذه المسألة، لكن قد سبق أن الصواب خلافه فراجعه.

قوله: ولو قال: من رد عبدي فله سلبه أو ثيابه، قال في "التتمة".
إن كانت معلومة أو وصفها بما يفيد العلم فللراد المشروط وإلا فله أجرة المثل.
انتهى كلامه.
وما نقله عن المتولي في ما إذا لم تكن معلومة ولكن وصفها، قد أقره عليه في "الروضة" أيضًا وهو خلاف الصحيح فاعلمه، فقد تقرر في البيع والإجارة وغيرهما أن الشيء المعلوم لا يقوم وصفه مقام رؤيته على الصحيح

الجزء: 6 - الصفحة: 197

والمسألة هنا قد صورها بعين وهي سلبه وثيابه لا بشيء وارد على الذمة، وحينئذ فيستحق هنا أجرة المثل.

قوله: ولو قال: فله نصفه أو ربعه، فالجواب في "التتمة" الصحة، وفي "أمالي" السرخسي المنع وهو قريب من استئجار المرضعة بجزء من الرقيق المرضع بعد الفطام.
انتهى كلامه.
وهذه الصورة ليست كاستئجار المرضعة بالجزء فإن الأجرة إذا كانت معينة ملكت بالعقد وإذا جعلت جزءا من الرضيع بعد الفطام لزم إما عدم الملك في الحال، أو حصوله مؤجلا والأول خلاف وضع العقد لما قلناه، وأما الثاني فكذلك أيضًا لأن الأعيان المعينة لا تقبل التأجيل، وهنا الملك إنما يحصل بعد تمام العمل.
قال ابن الرفعة بعد ذكره لهذا الإشكال: ولا وجه إلا لصحة هذا العقد إن كان موضع العبد معروفًا والعبد مرنًا وإلا فيظهر أنه موضع الخلاف، ويكون مأخذه أن الاعتبار في هذا العقد بحاله أو بحالة الرد، كما ذكرنا في ما إذا تغير النقد.

قوله: فلكل واحد من المالك والعامل فسخه قبل تمام العمل، ثم إن اتفق الفسخ قبل الشروع في العمل فلا شيء للعامل، وإن كان بعده فإن فسخ العامل لم يستحق شيئًا لما عمله لأنه امتنع باختياره، وإن فسخ المالك فوجهان: أحدهما: لا شيء له أيضًا وأصحهما: أنه يستحق أجرة المثل لما عمل.
وذكر الإمام فيما إذا فسخ المالك بعد الشروع في العمل والعامل معين أنه لا يبعد تخريجه علي [الخلاف] 6 في عزل الوكيل في غيبته، وهذا بعيد عن كلام الأصحاب، ورد المتولي هذ التشبيه إلى شيء آخر وهو أن ما يعمله العامل بعد الفسخ لا يستحق عنه شيئًا إن كان عالمًا بالفسخ، فإن لم يعلمه

الجزء: 6 - الصفحة: 198

بنى على ذلك الخلاف.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن الرافعي في أواخر باب المسابقة قال: إذا فرعنا على أنها جعالة فينفذ فسخها من المفضول في أصح الوجهين، ثم قال: وأجرى هذا الخلاف في فسخ الجاعل بعدما أتى العامل ببعض العمل، وكانت حصة عمله من المسمى تزيد على أجرة المثل.
هذه عبارته، وحاصلها حكاية خلاف في بعض ما اقتضى كلامه الجزم به ههنا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كون العامل إذا فسخ بعد الشروع في العمل لا شيء له ليس على إطلاقه، بل يستثنى منه ما إذا زاد الجاعل في العمل ولم يرض العامل بها ففسخ لأجل ذلك فإنه يستحق أجرة المثل، كذا ذكره الرافعي في أواخر [كتاب] 7 السبق والرمي لأن الجاعل هو الذي تسبب في ذلك.
قلت: وقياسه كذلك أيضًا إذا [أنقص] 8 في الجعل.
الأمر الثالث: في بيان المغايرة بين المقالتين اللتين أشار إليهما الرافعي، وذلك أن الإمام جعل الخلاف في الفسخ حتى يستحق المسمى على قولنا لا ينفسخ، وأما المتولي فإن الخلاف الذي حكاه إنما هو في استحقاق أجرة المثل، [فإنه صرح بأن الفسخ جائز بلا خلاف، وجزم باستحقاق أجرة المثل] 9 لما عمله قبل الفسخ.
الأمر الرابع: أن ما قاله الإمام في المعين بحثًا من كونه لا ينفسخ على وجه، وادعى الرافعي بعده عن كلامهم، قد جزم به الماوردي في "الحاوي".
الأمر الخامس: أن الإمام لم يخص هذه الاحتمالات بما بعد الشروع كما

الجزء: 6 - الصفحة: 199

نقله عنه الرافعي، بل عمم فإنه تكلم أولًا على الصورتين، ثم قال بعد تقديمه لهما ما نصه: ولو جرى فسخ الجاعل من حيث لم يشعر العامل .. إلى آخر ما ذكر.
الأمر السادس: أن النووي قد حذف هذه الطريقة التي ذهب إليها الإمام، وكأنه أشكل عليه الفرق بين المقالتين، وقد التبس الأمر على ابن الرفعة في "الكفاية" فاعلمه، وراجع كتابنا المسمى "بالهداية".

قوله: وتجوز الزيادة والنقصان قبل تمام العمل، فإن وقع قبل الشروع ولم يعلم العامل بالثاني، فقال في "الوسيط": احتمل أن يقال: يرجع إلى أجرة المثل، [وإن وقع في أثنائه فالظاهر تأثيره في الرجوع إلى أجرة المثل] 10 لأن [النداء] 11 الأخير فسخ للأول والفسخ في أثناء المدة يقتضي أجرة المثل.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي من أن الثاني فسخ للأول يقتضي عدم الموافقة على ما نقله عن "الوسيط"؛ لأن الرافعي قد ذكر قبل هذا أنه إذا عمل غير عالم بالفسخ لا يستحق شيئًا على الصحيح والنداء الثاني لم يسمعه فتفطن له، ويقتضي أيضًا أن أجرة المثل الواجبة للفسخ بعد الشروع هي على ما مضى خاصة، ولا يستحق للمستقبل شيئًا، وكأن الرافعي إنما تركه لتقدم ما يدل عليه.

قوله: ولو رده فمات في الطريق أو هرب أو غصب فلا شيء للعامل.
قال في "الروضة": ومنه لو خاط نصف الثوب فاحترق أو بنى بعض الحائط فانهدم قاله أصحابنا.
انتهى.
وما نقله ههنا من عدم الاستحقاق في الاحتراق والانهدام قد ذكر بعده

الجزء: 6 - الصفحة: 200

متصلًا به ما يخالفه فقال: لو قال: إن علمت هذا الصبي القرآن فلك كذا، فمات في أثناء التعليم استحق أجرة ما عمله لوقوعه مسلمًا بالتعليم بخلاف رد الآبق.
انتهى.
والموت هنا نظير الاحتراق والانهدام، وقد صرحوا في الإجارة بأنه إذا خاط بعض الثوب مثلًا ثم احترق، وكان العمل بحضرة المالك أو في ملكه استحق الأجرة لما عمل، وعللوه بوقوع العمل مسلمًا له، وحينئذ فيأتي ذلك بعينه هنا.

قوله: فرع: لو قال: من رد عبدي إلى شهر فله كذا، فعن القاضي أبي الطيب أنه لا يجوز لأن تقدير المدة يحصل بمقصود العقد فإنه ربما لا يظفر به في تلك المدة فيضيع [سعيه] 12. انتهى كلامه.
وهذه المسألة ذكر ابن الرفعة أن القاضي أبا الطيب ذكرها في "المجرد"، وتبعه عليها المتولي، وأن القاضي صورها بما إذا [قيد] 13 بالمكان أيضًا، فقال: من رد عبدي من البصرة في الشهر، ولا يلزم من المنع عند التقييد بأمرين المقتضى لشدة التضييق أن يمتنع عند وجود أحدهما.

قوله: فرع [آخر] 14: إذا قال بع عبدي هذا، أو اعمل كذا ولك عشرة دراهم، ففي بعض التصانيف أنه إن كان العمل مضبوطًا مقدرًا فهو إجارة، وإن احتاج إلى ترددات غير مضبوطة فهو جعالة.
انتهى كلامه.
واقتصاره على نقل هذا عن بعض التصانيف الغير معروفة، تبعه عليه في "الروضة" وهو يشعر بعدم وقوفه على ذلك في شيء من الكتب المشهورة، وهو غريب جدًا، فإن المسألة قد ذكرها الإمام في "النهاية"، وحكم فيها بهذا الحكم بعينه، ذكر ذلك في آخر باب الإجارة.

الجزء: 6 - الصفحة: 201

قوله أيضًا: فرع آخر لم أجده مسطورًا: يد العامل على ما تحصل في يده إلى أن يرده يد أمانة ولو رفع يده عن الدابة وخلاها في مضيعة فهو تقصير مضمن، ونفقة العبد والدابة مدة الرد يجوز أن تكون كما ذكرنا في مستأجر الجمال إذا هرب الجمال وخلاها عنده, ويجوز أن يقال ذلك للضرورة وهنا أثبت للعامل يده مختارًا فليتكلف المؤنة، ويؤيد هذا بالعادة.
انتهى كلامه.
وقد صرح الماوردي بنفقة المردود، وقال: إن الراد يكون متطوعًا بها، وذكر أيضًا [القاضي] 15 الروياني نحوه فقال: إذا لم يكن رده إلا ببيع بعضه والإنفاق عليه لم يكن له بيعه، والذي قاله مانع لإلحاقه بما إذا هرب الجمال، لأن بيع جزء منها جائز عند تعذر النفقة إلا بذلك، وقد صرح أيضًا بالمسألة القاضي ابن كج في كتابه "التجريد"، فقال: إذا أنفق عليه الراد فهو متبرع عنه عندنا، هكذا نقله عنه في "الروضة"، ثم قال: وهو ظاهر جار على القواعد، وعجب قول الرافعي أنه لم يره مع أنه كثير النقل عن هذا الكتاب.
قال: وقول الرافعي وخلا في مضيعة لا حاجة إليه، بل حيث خلاها ضمن.

قوله من "زوائده": ذكر القاضي الحسين وغيره, وهو لا خلاف فيه، أنه لو كان رجلان في بادية ونحوها فمرض أحدهما لزم الآخر المقام معه، إلا أن يخاف على نفسه, فله تركه، وإذا أقام فلا أجرة له، انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف في الأجرة، ليس كذلك، فقد ذكر في أخر باب الأطعمة في الكلام على المضطر خلافًا في ما هو أقل من هذا زمنًا وأقل عملًا وهو التخليص من ماء أو نار، أو نحوهما وسوف أذكر لفظه في موضعه -إن شاء الله تعالى- فراجعه.

الجزء: 6 - الصفحة: 202

كتاب: إحياء الموات

وفيه ثلاثة أبواب:

الباب الأول: في "رفات الأرض"

قوله: وعن سمرة أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "عادى الأرض لله ورسوله، ثم لكم مني" 16، انتهى.
العادي: بالعين المهملة والياء المشددة نسبة إلى عاد، والمراد الآبار الجاهلية مطلقًا، والحديث رواه البيهقي موقوفًا على ابن عباس، ومرفوعًا من رواية طاووس فيكون مرسلًا.

قوله: فأما الموتان بضم الميم وسكون الواو فهو الموت الذريع، انتهى.
الذريع بالذال المعجمة هو السريع، يقال: قتلوهم أذرع قتل أي أسرعه.

قوله: في الحديث: "وما أكله العوافي منها فهو له صدقة" 17. اعلم أن العافية والعافي بالعين المهملة والفاء، هو طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طير، وجمعه العوافي، وقد تقع العافية على الجماعة.

قوله: فلو أحياها الذمى لم يملك سواء كان بغير إذن الإمام أم لم يكن، فلو كان له فيها عين مال نقلها، فإن بقي بعد النقل أثر عمارة، قال ابن كج: إن أحياه رجل بإذن الإمام ملكه، وإن لم يأذن فوجهان، انتهى.
قال في "الروضة" لعل أصحهما الملك لأنه لا أثر لفعل الذمي.

قوله: فإن استولينا على موات للكفار يذبون عنه ففيه وجوه: أصحها: أنه

الجزء: 6 - الصفحة: 203

يفيد اختصاصًا كاختصاص المتحجر، وعلى هذا فالغانمون أحق بإحياء أربعة أخماسه، وأهل الخمس أحق بإحياء خمسه فإن أعرض الغانمون عن إحيائه، فأهل الخمس أحق به، فلو أعرض بعض الغانمين فالباقون أحق، وإن تركه الغانمون وأهل الخمس جميعًا ملكه من أحياه من المسلمين، انتهى.
اعلم أن من جملة أهل الخمس اليتامى ولا يصح إعراضهم، ومنهم أيضا المساكين وأبناء السبيل، وفي تصور إعراضهم إشكال قال في "الروضة": وينبغي أن يكون المراد في اليتامى أن أولياءهم لم يروا لهم حظًا في الإحياء، قال: وكذلك في الباقين يقدر نحوه أيضًا.

قوله: من مجتمع النادي، ومباح الإبل ومطرح الرماد والسماد وفناء الدار إلى آخره.
النادي بالنون هو المكان الذي يجتمعون فيه للحديث، وكذلك الندى بكسر الدال وتشديد الياء، والندوة بفتح النون وضمها، والمتندي بتاء ثم نون ثم دال مشددة مفتوحات، والمنتدى بنون ساكنة بعدها تاء، ثم دال مفتوحتان، ومنه سميت الدار التي بناها قصى بمكة للمشاورة دار الندوة.
إذا علمت ذلك علمت أن قول الرافعي من مجتمع النادي يعني أهل النادي، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي أهل ناديه والمباح بضم الميم كما قاله الصنعانى في "مجمع البحرين"، ولم يتعرض له الجوهري والسماد: بفتح السين المهملة هو السرجين مع الرماد كما قاله الجوهري ومنها الفناء بكسر الفاء وبالنون وفناء الدار: هو حواليها من الخلاء المتصل بجدرانها.

قوله: الرابعة البئر المحفورة في الموات حريمها الموضع الذي يقف فيه النازح إلى آخره، ثم قال: وأما القناة فآبارها لا يستقي منها حتى يعتبر به الحريم، فحريمها القدر الذي لو حفر فيه لنقص ماؤها، أو خيف منه انهيار وفي الكتاب

الجزء: 6 - الصفحة: 204

وجه لم يذكره في "الوسيط" أن حريمها حريم البئر التي يستقى منها ولا يمنع من الحفر بعد ما جاوزه، وإن نقص؛ وهذا ما أورده أبو حامد ومن تابعه، انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن الغزالي لم يذكر مسألة القناة في "الوسيط" بالكلية.
الأمر الثاني: أن حكاية وجه بالحاق بئر القناة ببئر الاستقاء عجيب، فإن الحريم هو المحتاج إليه، وقد تقدم من كلام الرافعي أن بئر القناة لا يستقي منها، فكيف يكون من حريمها مواضع الوقوف للاستقاء، وأيضا فالإستقاء قد يكون بالنزح بالدلو، وقد يكون بالدولاب والهائم، ولم يبين المراد منهما على هذا الوجه.

قوله: لما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "حريم البئر البدئ خمسة وعشرون ذراعًا، وحريم البئر العادية خمسون ذراعًا" 18، والبدئ: هي التي أحدثت في الإسلام، انتهى كلامه.
والبدئ: بباء مفتوحة وبالهمز في أخره على وزن فلس، ويقال: بالمد على وزن الرغيف.
والعادية: الجاهلية نسبة إلى عاد.

قوله: وهل تملك أراضي عرفة بالإحياء كسائر البقاع أم لا لتعلق حق الوقوف بها؟ فيه وجهان: إن قلنا: تملك، ففي بقاء حق الوقوف في ما ملك وجهان إن قلنا: يبقى، فذلك مع اتساع الباقي أم يشترط ضيقه عن الحجيج؟ فيه وجهان؛ هذا تلخيص ما حكاه الإمام وأشار صاحب "الكتاب" ههنا وفي "الوسيط" إلى ثلاثة أوجه في المسألة، ثالثها: الفرق بين أن يضيق الموقف فيمتنع

الجزء: 6 - الصفحة: 205

وبين أن لا يضيق فلا يمنع، وهو أظهر عنده, لكن المنع المطلق أشبه بالمذهب، وبه أجاب صاحب "التتمة" وشبهها بالمساجد ومواضع صلاة العيد والأماكن الموقوفة.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن "الوسيط" من حكاية ثلاثة أوجه ليس كذلك، بل هو في ذلك مطابق لكلام الإمام فلنذكر عبارته، ثم عبارة الغزالي.
فنقول: قال في "النهاية": لو أحيا المحيي بعض بقاع عرفة فقد اضطرب أصحابنا فيه فذهب القياسون إلى أنه يملكه ولا يضيق عرفة وإن أجيبت أطرافها عن حجيج الدنيا، ومن أصحابنا من قال لا يملكه لتعلق حق الوقوف ولو فتحنا ذلك ارتفع الاختصاص، وقد يفضي ذلك إلى الاستيعاب، ثم لا حجر على المحيي لو بنى أو غرس، وهذا يؤدي إلى إبطال حق الوقوف من البقاع المحياة والوجه الثالث أنه يملكه، ويبقى حق الوقوف وعلى هذا قال بعضهم يبقى حق الوقوف، وإن لم يضيق الموقف، وقال بعضهم: إنما يبقى عند ضيق الموقف هذا كلام الإمام، وأما الغزالي فقال: وفي امتناع إحياء عرفة ثلاثة أوجه: أحدها: لا يمتنع إذ لا تضييف.
والثاني: يمتنع إذ فتح بابه يؤدي إلى التضييق.
والثالث: يجوز ثم يبقى حق الوقوف، هذه عبارته.
فقوله في الأول: إذ لا تضييق تعليل للجواز، وتبع إمامه في التعليل به حيث قال: إن عرفة لا تضيق عن حجيج الدنيا فطبقه مع كلام الإمام تجده واضحا.
وتوهم الرافعي أن المراد منه التفصيل بين أن يضيق فيمتنع، أو لا فيجوز، فأخرج (إذ) عن موضوعها وغفل عن أصل "الوسيط" وهو "النهاية".

الجزء: 6 - الصفحة: 206

وقوله في توجيه الثاني: إذ فتح بابه يؤدي إلى التضييق هو معنى قول الإمام في الوجه الثاني: إذ يفضي إلى الإستيعاب إلى آخره.
وقوله: والثالث يجوز، هو الثالث: في "النهاية "أيضًا، وقوله: ثم يبقى حق الوقوف يعني على هذا الوجه وتبع فيه أيضًا الإمام، إلا أن الإمام ذكر بعده وجهًا آخر أعرض عنه المصنف، وهذا كله واضح لا إشكال فيه وعبارة "الوجيز" مردودة إلى هذا، إذ "المختصر" يرجع به إلى مبسوطه ووجهه إن تحرفت فيه إذ الشرطية فاستحضره وراجعه.
الأمر الثاني: أن الغزالي حكى في كتبه الخلاف في جوازه لا في الملك به، والرافعي حكاه في الملك لا في الجواز فلم يطابق الشرح المشروح إذ لا يلزم من عدم الجواز عدم الملك بدليل الإحياء في ما يحجره غيره، وفي ما أقطعه الإمام.
الثالث: قال في "الروضة" وينبغي أن يكون الحكم في أرض منى ومزدلفة كعرفات لوجود المعنى، والذي قاله هنا بحثًا قد جزم به في "تصحيح التنبيه" و"المنهاج" من "زياداته".
لكن هل المنع في مزدلفة مخصوص بما إذا قلنا: يجب المبيت فيها كما هو رأي النووي فيها حتى لا يمتنع عند الرافعي، أم يمتنع على القولين معًا لكون المبيت مطلوبًا؟ فيه نظر؛ والمتجه الثاني بدليل ما سبق في مصلى العيد، وحينئذ فينبغي أن يكون المخصب كذلك؛ لأنه يستحب للحجيج إذا نفروا أن يبيتوا فيه كما هو معروف في موضعه.

قوله: وينبغي للمتحجر أن لا يزيد على قدر كفايته، وأن لا يتحجر ما لا يمكنه القيام بعمارته، فإن خالف، قال المتولي: فلغيره أن يحيى ما زاد على كفايته وما زاد على ما يمكنه عمارته.
قال غيره: لا يصح تحجره أصلا، لأن ذلك القدر غير متعين.
انتهى.

الجزء: 6 - الصفحة: 207

قال في "الروضة": قول المتولي أقوى.

قوله: وشبهوا الخلاف في المسألة بالخلاف في ما إذا عشش الطائر في ملكه وأخذ الفرخ غيره هل يملكه؟ انتهى.
هذه المسألة قد حصل فيها اضطراب شديد وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى واضحًا في كتاب "الصيد".

قوله: ولو باع المتحجر ما حجره ففيه وجهان قال الجمهور: لا يصح لأن حق الملك لا يباع، ألا ترى أن الشفيع لا يبيع الشقص قبل الأخذ.
وقال أبو إسحاق وغيره: يصح، وكأنه يبيع حق الاختصاص، فعلى هذا لو باع فأحياه في يد المشتري محي وقلنا: إنه يملك ففي سقوط الثمن عن المشتري وجهان، انتهى.
واعلم أن أبا إسحاق وغيره قد خالفوا في الشفعة فجوزوا فيها بيع الحق كما نقله الرافعي، وحينئذ فإن كان الكلام هنا مفروضا فيما إذا تلفظ ببيع الحق، فلا يصح الرد بالشفعة لأن الشقص ليس نظير مسألتنا وحق التمليك فيه الخلاف، وإن كان عند تلفظه بالعين فكيف يقول لأن حق الملك لا يباع، والأصح من الوجهين الأخيرين كما قاله في "زوائد الروضة" عدم السقوط.

قوله: وروى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقطع الزبير - رضي الله عنه - حُضْر فرسه 19. انتهى.
الحُضْر: بضم الحاء المهملة وسكون المعجمة يقال: أحضر الفرس يحضر إحضارًا فهو محضر واحتضر فهو محتضر -أي: عدا.
قاله الجوهري وذكر نحوه ابن الأثير في "غريب الحديث" ثم قال ما نصه: ومنه حديث الزبير

الجزء: 6 - الصفحة: 208

المذكور.

قوله: وإنما حمى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النقيع لإبل الصدقة.
. . . إلى آخره.
النقيع هنا بالنون عند الجمهور، وصوبه النووي، وقال بعضهم: إنه بالباء كبقيع الغرقد، وهو موضع يستنقع فيه الماء، أي يجتمع على نحو عشرين ميلًا من المدينة وفيه مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

قوله: ولا يجوز لغير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الأئمة أن يحمي لنفسه، وفي جوازه لمصالح المسلمين قولان: أصحهما الجواز لأن عمر - رضي الله عنه - حمى واستعمل علي الحمي مولى له يقال له: هنى، وقال: يا هنى أضمم جناحك للمسلمين، واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع، وإن رب الغنيمة والصريمة إن تهلك ماشيته يأتني بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين لا أبا لك فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وأيم الله لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت شبرًا 20. انتهى.
وهذا الأثر صحيح رواه الشافعي عن غير واحد من أهل العلم، والبيهقي وغيرهما.
وهني: بهاء مضمومة ونون مفتوحة بعدها ياء مشددة.
وقوله: اضمم جناحك، أي: كف يدك عن المال والأبدان، والجناح هو اليد، قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: 32]، أي يدك فإذا ضمها كفها.
وقوله: واتق دعوة المظلوم، كناية لطيفة عن النهي عن الظلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 209

وقوله: وأدخل رب الصريمة والغنيمة، أي: مالك القليل من الإبل والغنم.
والصريمة: بضم الصاد المهملة تصغير الصرمة بكسر الصاد وهى ما بين العشرة إلى الثلاثين من الإبل خاصة.
والغنيمة ما بين الأربعين إلى المائتين.
وقوله: وإياك إلى آخره، نهاه عن إدخال الأغنياء، وقد وقع في الرافعي وغيره بالكاف والوارد في رواية الشافعي وغيره إنما هو "وإياي" بالياء على إغراء المتكلم لكنه شاذ لا يقاس عليه عند جمهور النحويين.
وقوله: لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، أي: الخيل التي أعددتها لأحمل عليها في الجهاد من لا مركوب له، قال مالك - رضي الله عنه -: وكانت عدتها أربعين ألفًا.

الجزء: 6 - الصفحة: 210

الباب الثاني: في "المنافع المشتركة"

قوله: من بور وبارية.
البارية بباء موحدة وياء بنقطتين من تحت مشددة هي نوع من أنواع الحصر الغليظة.

قوله: وهل لإقطاع الإمام في الشوراع مدخل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لأنه لا مدخل للتمليك فيه فلا معنى للإقطاع بخلاف الموات.
والثاني: أن له مدخلا فيه، وهو رأي الأكثرين.
ثم قال: وللنزاع مجال في قوله الأول أنه لا مدخل فيه للتمليك، لأن في "الرقم" للعبادي وفي "شرح مختصر الجويني" لابن طاهر ورواية وجه: أن للإمام أن يملك من الشوارع ما فضل عن حاجة الطروق، انتهى كلامه.
وهو ظاهر في أن الصحيح المعروف أنه لا مدخل للتملك في هذا الإقطاع، لا جرم أن النووي صرح بتصحيحه في "أصل الروضة".
إذا علمت ذلك، فقد خالفه في كتاب الجنايات في الطرف الثاني في اجتماع العلة والشرط في الكلام على حفر البئر فقال ما نصه: والخلاف راجع إلى ما تقدم في "إحياء الموات" أن إقطاع الإمام هل له مدخل في الشوارع؟ وبينا أن الأكثرين قالوا: نعم وجوزوا للمقطع أن يبني فيه ويتملكه، هذا لفظه، وهو موضع عجيب ولا شك في أن المذكور هناك سهو فإنه أحاله على المذكور هنا، ورأى أن الأكثرين جوزوا ذلك فأطلق القول من غير إمعان.
وقد حذف النووي في "الروضة" لفظ "التمليك" من الموضع المذكور في الجنايات اتفاقًا وهو غير نافع فإنه ذكر أولًا أن الحفر لنفسه.

الجزء: 6 - الصفحة: 211

قوله: وأما المسجد والجلوس فيه يكون لأغراض منها أن يجلس ليقرأ عليه القرآن، أو ليتعلم عنه الفقه أو يستفتي.
قال صاحب "الكتاب" والشيخ أبو عاصم العبادي: الحكم فيه كما في مقاعد الأسواق، وهو أشبه بمآخذ الباب، وحكى أقضى القضاة الماوردي أنه مهما قام بطل حقه وكأن السابق إليه أحق، انتهى.
وهذا الخلاف الذي حكاه في التحاق هذا بمقاعد الأسواق أخذًا له من خلاف الماوردي ليس بصحيح فإن الماوردي قد خالف أيضا في مقاعد الأسواق، وقال: إنه مهما قام بطل حقه وإنما يصح ما حكاه الرافعي من الخلاف إن لو كان الماوردي قائلًا ببقاء الحق في مقاعد الأسواق.
نعم: حكى الماوردي في "الأحكام السلطانية" عن جمهور الفقهاء أنه يبطل حقه.
وعن مالك أنه أحق.
وهذا الكلام مقتضاه أن الشافعي وأصحابه من الجمهور.

قوله: ومنها: الجلوس للبيع والشراء والحرفة وهو ممنوع منه إلى آخره.
تابعه في "الروضة" على التعبير بلفظ المنع، وهل المراد به التحريم أو الكراهة أو خلاف الأولى؟ فيه كلام سبق ذكره واضحا في شروط الصلاة.
واعلم أن الجلوس في المسجد يكون لأغراض أخرى لم يذكرها، وقد ذكرها النووي في "الروضة" مع ما يتعلق بها فقال: فمنها الجلوس للاعتكاف، وينبغي أن يقال له: الاختصاص بموضعه ما لم يخرج من المسجد إن كان اعتكافًا مطلقًا، وإن نوى اعتكاف أيام فخرج لحاجة جائزة ففي بقاء اختصاصه إذا رجع احتمال، والظاهر بقاؤه، ويحتمل أن يكون على الخلاف في ما إذا خرج المصلي لعذر.
ومنها: الجالس لاستماع الحديث والوعظ، والظاهر أنه كالصلاة فلا

الجزء: 6 - الصفحة: 212

يختص فيما سوى ذلك المجلس، ولا فيه إن فارق بلا عذر، ويختص إن فارق بعذر على المختار.
ويحتمل أن يقال: إن كانت له عادة بالجلوس بقرب كبير المجلس، وينتفع الحاضرون بقربه منه لعلمه ونحو ذلك دام اختصاصه في كل مجلس بكل حال، وأما مجلس الفقه في موضع معين حال تدريس المدرس في المدرسة أو المسجد، فالظاهر فيه دوام الاختصاص لاطراد العرف، وفيه احتمال، والله أعلم.
هذا كلامه -رحمه الله-.

قوله: في "أصل الروضة": فصل: الرباطات المسبلة في الطرق وعلى أطراف البلاد من سبق إلى موضع منها صار أحق به، وليس لغيره إزعاجه سواء دخل بإذن الإمام أو بغير إذنه، فإن ازدحم إثنان ولا سبق فعلى ما سبق في مقاعد الأسواق وكذا الحكم في المدارس والخوانق إذا نزلها من هو من أهلها، انتهى.
ومقتضى هذا الكلام جواز السكنى في بيوت المدارس ونحوها من غير إذن متولي أمرها من مدرس وغيره.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في "فتاويه" ما يخالفه، فإن قال: ويجوز للفقيه الذي ليس بمنزل سكنى المدرسة إذا أسكنه الناظر، هذا لفظه، فاعتبر في الإسكان إذن الناظر، ولا يستقيم أن يقال: المنزل لا يشترط فيه الإذن بخلاف غيره، لأن السكنى حق آخر مغاير لحق التنزيل، وأيضا كلامه أولا ينفيه لأنه تكلم في شيء ليس لأهله فيه معلوم كالربط المُسَبَّلة في الطرقات، والأول هو القياس، وحينئذ فإن رآه الناظر أهلًا أفره وإلا أخرجه.

قوله: وإن بقى أثار الفساطيط ونحوها.
الفساطيط: جمع فسطاط وهي الخيمة.

الجزء: 6 - الصفحة: 213

الباب الثالث في "الأعيان الخارجة من الأرض"

قوله: فالمعادن الظاهرة وهي التي تبدو جواهرها بلا عمل، وإنما السعي والعمل لتحصيله فلا يملكها أحد بالإحياء.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" ومحله إذا كان معلومًا، فإن لم يكن، ففي "المطلب" عن الإمام أنه يملكه بالإجماع، وأنه أصح الوجهين في "التهذيب" للبغوي.

قوله: وذلك كالنفط والقار ونحوهما فإنها فوضى لما روى أن أبيض بن حمال المأربي استقطع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ملح مأرب، فأراد أن يقطعه 21، ويروى فأقطعه فقيل: إنه كالماء العد 22 فقال: فلا إذن.
انتهى.
أما فوضى فالفاء والصاد المعجمة، أي: لا يختص بأحد.
وأما أبيض: فضد الأسود، وأما حمال: فهو بحاء مهملة مفتوحة ثم ميم مشددة بعدها لام.
وأما المأربي: فنسبة إلى مأرب وهي بهمزة ساكنة ثم راء مهملة مكسورة بعدها باء موحدة ويقال: إن أبيض المذكور من الأزد حكاه جميعه في "الإكمال".

الجزء: 6 - الصفحة: 214

وأما العد فهو بعين مكسورة مهملة ودال مهملة مشددة، وهو: الماء الذي له مادة لا تنقطع كماء البئر والعين، والحديث رواه الشافعي.

قوله: ولو قال مالك المعدن: اعمل فما استخرجته فهو لك أو قال: استخرج لنفسك إلى آخره.
هذه المسألة سبق الكلام عليها في الباب الثاني من أبواب الإجارة.

قوله: فيسقي الأول أرضه ثم يرسله الثاني ثم يرسله الثاني إلى الثالث، لأنه -عليه الصلاة والسلام- قضى في الشرب أن للأعلى أن يسقي قبل الأسفل، انتهى كلامه.
المراد بالأول هو الذي لم يتقدمه أحد وبالثاني: هو الذي أحيا بعد الأول وهكذا قياس الباقي، وليس المراد الأقرب إلى أصل النهر فالأقرب، لأن الاعتبار بالسبق فلذلك اعتبرناه فتفطن له.

قوله: حين خاصمه الأنصاري في شراج الحرة، ثم قال: والشراج جمع الشرج وهو النهر الصغير، انتهى.
الشرج بشين معجمة مفتوحة وراء ساكنة بعدها جيم.
قال الجوهري: هو سبيل الماء في الحرة إلى السهل.
والحرة بحاء مهملة مفتوحة بعدها راء مشددة، وهي أرض ذات حجارة سود.
وقال ابن الأثير: الترج بالتاء وهو المسيل.
والشرج: جمع لها والشراج جمعها.

قوله: ولو كان أرض الأعلى بعضها مرتفعًا وبعضها منخفضًا، ولو سقيا معًا لزاد الماء في المنخفضة على الحد، أفرد كل بعض بالسقي بما هو طريقه، انتهى.

الجزء: 6 - الصفحة: 215

وطريقه كما قاله صاحب "التنبيه" وغيره أن يسقي المنخفض حتى يبلغ الكعبين ثم يسده ثم يسقي المرتفع.

قوله: وإذا تنازع اثنان أرضاهما متحاذيتان أو أراد شق النهر من موضعين متحاذيين يمينًا وشمالًا، فهل يقرع أو يقسم بيهما أو يقدم الإمام من يراه؟ ثلاثة أوجه حكاها العبادي، انتهى.
والأصح هو الإقراع كذا صححه في "الروضة".

قوله: وتنقية هذا النهر وعمارته يقوم بها الشركاء بحسب الملك، وهل على كل واحد عمارة الموضع المتسفل عن أرضه وجهان: أحدهما: لا؛ وبه قطع ابن الصباغ لأن المنفعة فيه للباقين.
والثاني: نعم، وهو الأصح عند العبادي لإشتراكهم وانتفاعهم به، انتهى.
هذا الكلام كله يوهم وجوب عمارة النهر على ملاكه، مع أنه في كتاب الصلح قال: إن فيه القولين في عمارة الجدار، فيكون الجديد عدم الوجوب.

قوله: وإن تنازع شركاء النهر في قدر أراضيهم فيجعل على قدر الأراضي، لأن الظاهر أن الشركة تحسب بحسب الملك، أو بالتسوية لأنه في أيديهم؟ فيه وجهان: الظاهر أن الشركة بحسب الملك، انتهى.
قال في "الروضة": أصحهما الأول.

قوله: والبئر المحفورة على قصد الإرتفاق دون التملك، الحافر أولى بها وليس له منع ما فضل عنه عن المحتاج إليه للشرب، ثم قال: وله أن يمنع غيره من سقى الزرع به، لأن الحيوان أعظم حرمة، وللإمام فيه احتمال من حيث أنه لم يملكه والاختصام إنما يكون بقدر الحاجة، وبهذا أجاب في "التتمة" فحصل وجهان، انتهى.
وما رجحه ههنا من جواز المنع قد رجح خلافه في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: والأشبه أنه لا يمنع من السقي للزرع به أيضا هذا لفظه، ولم

الجزء: 6 - الصفحة: 216

يذكر فيه غيره.

قوله: ولا يجب على مالك البئر بذل الفاضل عن حاجته لذرع الغير، وفيه وجه، وفي البذل للماشية وجهان أصحهما: الوجوب.
ثم قال: التفريع شرط الماوردي لوجوب البذل شروطًا: أحدها: أن لا يجد صاحب المواشي كلأ مباحًا.
والثاني: أن يكون هناك كلأ يرعي وإلا فلا يجب، وفي "التتمة" ذكر وجهين في هذا الشرط، انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن تعبيره في الشرط [الأول بقوله: كلأ مباحا، قد وقع كذلك في نسخ الرافعي وهو سهو، والمراد الماء، وقد تفطن له في "الروضة" فأصلحه.
الأمر الثاني: أن الصحيح في الشرط] 23 الثاني هو ما قاله الماوردي، كذا صححه النووي في "أصل الروضة"، والغريب أنه لم يصححه على طريقة إثبات الخلاف، بل جعل المسألة ذات طريقين، وصحح طريقة القطع.

قوله: ثم عابروا السبيل يبذل لهم ولمواشيهم وفي من أراد الإقامة في الموضع وجهان، لأنه لا ضرورة به إلى الإقامة، انتهى.
والأصح الوجوب كذا قاله في "الروضة".
قال الماوردي: وحيث وجب البذل مكنت الماشية من حضور البئر بشرط أن لا يكون على صاحب الماء ضرر في زرع ولا ماشية، فإن لحقه ضرر بورودها منعت، لكن يجوز للرعاء إستقاء فضل الماء لها.

قوله: من "زوائده": قال الماوردي: وإذا لم يوجد شرط وجوب البذل جاز

الجزء: 6 - الصفحة: 217

لمالكه أخذ ثمنه إذا باعه مقدرًا بكيل أو وزن ولا يجوز بيعه مقرًا بري الماشية ولا الزرع، والله أعلم.
وما ذكره عن الماوردي من المنع في مسألة الري قد ذكر في "شرح المهذب" ما يمنعه، أو يحوج إلي الجميع بينه، فقال في باب ما نهى عنه من بيع الغرر: أجمعوا على جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في الماء، هذا لفظه.

قوله: ولو باع الماء مع قراره، نظر إن كان جاريًا، فقال: بعتك هذه القناة مع مائها، أو لم يكن جاريًا.
وقلنا: الماء لا يملك لم يصح البيع في الماء، وفي [القرار] 24 قولا تفريق الصفقة، وإلا فيصح، انتهى.
وما ذكره من عدم صحة البيع في الماء تابعه عليه في "الروضة"، وقد سبق من "زوائده" في آخر البيوع المنهي عنها عن القفال: أنه يصح، وأقره عليه، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
وما ذكره أيصًا في الأرض من تخريجها على قولي تفريق الصفقة كيف يستقيم مع أن الماء المذكور مجهول؟ ، وقد سبق في تفريق الصفقة أن ما لا يجوز إذا كان مجهولًا، فإنا نبطل البيع في الجميع على الصحيح بناء على الإجارة بالقسط والتقسيط غير ممكن للجهالة.

قوله: ولو باع بئرا أو دارا فيها بئر ماء وقلنا: الماء لا يملك، فقد أطلقوا أن المشتري أحق بذلك الماء وليحمل على ما نبع بعد البيع، فأما ما نبع قبله فلا معنى لصرفه إلي المشتري، انتهى.
وهذا التأويل الذي قاله الإمام الرافعي فاسد كما قاله في "الروضة"، فقد صرح الأصحاب بأن المشتري على هذا الوجه أحق بالماء الظاهر لثبوت

الجزء: 6 - الصفحة: 218

يده على الدار، وتكون يده كيد البائع في ثبوت الاختصاص به.
واعلم أنا إذا فَرَّعْنا على أن الماء يملك، ففيه كلام سبق ذكره في البيع.

قوله: ولو أراد أن يتخذ مواتًا مزرعة فإن كانت تحتاج إلى ما يساق إليها لزم تهيئته ثم إذا هيأه، نظر إن حفر له الطريق ولم يبق إلا إجراء الماء فيه كفى ولم يشترط الإجراء ولا سقى الأرض، وإن لم يحفر بعد فوجهان، انتهى.
لم يرجح في "الروضة" شيئًا من هذين الوجهن أيضًا، والراجح منهما: أنه يكفي التهيئة ولا يشترط الحفر أيضًا، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير"، فقال: إنه الأشبه وهو مقتضى كلام "المحرر" فإنه اكتفى بالترتيب.

قوله: الرابعة: إذا قصد بستانًا أو كرمًا فلابد من التحويط إلى آخره.
اعلم أن الغزالي في "الوجيز" قد ذكر أنه لابد من نصب الباب أيضًا ولم يتعرض له الرافعي في عد الشروط، ثم بعد ذلك ظن أنه ذكره فنبه على إعلامه بالواو فقال: وفي ما قدمناه ما يعرفك أنه يجوز إعلام قوله تعليق الباب وحفر الأنهار وسوق الماء إليه بالواو.
هذا كلامه، مع أنه لم يتقدم التعرض لاشتراطه فضلا عن التعرض للخلاف فيه، ثم إن النووي رأى في كلام الرافعي أن ذلك كله تقدم فظن صحته فأسقطه، فلزم خلو "الروضة" عنه بالكلية، ولم يتعرض له أيصًا في "المحرر" و"مختصره".

قوله نقلًا عن الإمام: وتوحل الصيد في أرضه التي سقاها لا يقتضي الملك وإن قصده انتهى كلامه.
وما نقله عنه هنا من عدم الملك وأقره قد ذكر في كتاب الصيد خلافه، والغريب أنه من كلام الإمام أيضًا، وسوف أذكر لفظه إن شاء الله تعالى في موضعه فراجعه.

قوله: وإذا قصد نوعًا وأتى بما يملك به نوعًا آخر ما الحكم فيه؟ أجاب

الجزء: 6 - الصفحة: 219

الإمام: بأنه يفيد الملك حتى إذا حوط البقعة يتملكها، وإن قصد المسكن، لأنه مما يملك الزريبة لو قصدها.
والجواب عنه: أنه مخالفة صريحة لما قاله الأصحاب لما فيه من الاكتفاء بأدنى العمارات أبدًا، انتهى كلامه.
واعلم أن الإمام معترف بأن الأصحاب على خلاف ما ذكره، وإنما قاله بحثًا واستشهد له فقال: مجازي كلام الأصحاب دالة على اختلاف [صفة الإحياء باختلاف] 25 المقصود في المحيى، وكنت أود أن يقال كما يحصل الملك في تبعه إذا انضم إليه القصد، فإنه يحصل الملك، وإن فرض القصد في جهة أخرى لأن ما كان سببًا في تملك المباح، فليس للقصد فيه وقع، فإن من تبع ظبية يبغى امتحان شدة سعي نفسه فأدركها وضبطها ملكها، وإن لم يخطر له قصد التملك، وكذا لو احتشى حشيشا ليتخذ منه مقعدًا يجلس عليه إذا ركب ملكه وإن لم يقصد تملكه هذا كلامه.
ثم قال: وهذا بنيته على وجه من رأى مع تشبث بطرق من النقل، وهو احتمال لصاحب "التقريب" في بعض صوره مع الاعتراف بأن طريقة الأصحاب في المسلك الظاهر تخالفه، انتهى.
وإذا ظهر لك كلام الإمام تعجبت من الرافعي ثم من النووي في جميع ما قالاه، وكيف يجاب الباحث المعترف بمخالفته للنقل، بأن المنقول خلافه؟ !

قوله: وإذا حفر بئرًا في الموات للتملك فإذا وصل إلى الماء كفى إن كانت الأرض صلبة وإلا وجب أن يطوي، انتهى.
يقال: طويت البئر طيًا، إذا بنيتها.

قوله: وإذا حفر نهرًا ليجري الماء فيه على قصد التملك، فإذا انتهت فوهة البئر الذي يحفر أي رأسه إلى النهر القديم وجرى الماء فيه ملكه، كذا قاله

الجزء: 6 - الصفحة: 220

البغوي وغيره وفي "التتمة": أن الملك لا يتوقف على إجراء الماء فيه، لأنه استقاء منفعة كالسكون في الدار، انتهى.
رجح في "الروضة" الوجه الثاني، فقال: إنه أقوى.

قوله: فرع: سقي أرضه بماء غيره المملوك له فالربع لصاحب البذر وعليه قيمة الماء، قال الحناطي: ولو استحل من صاحب الماء كان الطعام أطيب.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من لزوم القيمة سهو تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، والصواب: إيجاب مثل الماء لا قيمته، فإن الماء مثلي كما سبق في الغصب ولم يخالفوا هذه القاعدة في الماء إلا إذا غصبه في مفازة ثم قدم البلد فإنه لا يرد مثله لأنه لا قيمة له هنا غالبًا.
وقد ذكرها ابن الصلاح في "فتاويه" على الصواب فقال: إنه يجب مثله محصلًا في الموضع الذي أخذه منه من قناة أو غيرها.

الجزء: 6 - الصفحة: 221

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل