المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 178-210

قال -رحمه الله-: هذه

مسائل الاختلاف الواقعة بين الجاني والمجني عليه أو وليه

قوله: منها لو قدّ ملفوفًا في ثوب وقال: كان ميتًا فقال الولي كان حيًا فالمصدق الولي في أظهر القولين.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: وإذا صدقنا الولي فالواجب الدية دون القصاص ذكره البغوي والمحاملي، وقال المتولي: هو على الخلاف في استحقاق القود بالقسامة.
انتهى.
وحاصل ما ذكره من "زوائده" تصحيح عدم القصاص، أما على قول البغوي والمحاملي فواضح، وأما على قول المتولي فلأن الأصح أن القسامة لا يجب فيها القصاص.
إذا علمت ذلك فقد ذكر بعد ذلك في آخر باب الشهادة على الدم ما يقتضي أن الأكثرين على خلاف المذكور هنا وسوف أذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى، فراجعه.

قوله: قال الإمام: تلقيت من كلام الأصحاب في الظاهر والباطن وجهين: أحدهما: أن الباطن ما يجب ستره عن الأعين، وأليقهما بفقه الفصل: أن الباطن ما يعتاد ستره إقامة للمروءة، والظاهر بخلافه.
انتهى.
والتعبير بالأليق هو من لفظ الإمام.
إذا علمت ذلك فقد اختصره في "الروضة" بقوله: والعضو الباطن ما يعتاد سترة مروءة، وقيل: ما يجب وهو العورة، والظاهر ما سواه، وفيه أمران:

أحدهما: إيهامه أن الترجيح للرافعي، وليس كذلك.
الثاني: أنه لم يبين المراد من الوجوب على الوجه الثاني هل هو الوجوب في الصلاة أو عن الأعين؟ ويظهر أثر ذلك في المرأة؛ فإن عورتها في الصلاة معلومة، وفي النظر كعورة الرجل؛ ولهذا يجوز للمرأة والمحارم ونحوهم أن ينظروا منها لما عدا ما بين السرة والركبة، وإنما حرم على الأجنبي ما عدا الوجه والكفين لخوف الوقوع في المحذور، وتعبير الرافعي يدل على الثاني فإنه قال: أحدهما: أن الباطن ما يجب سترة عن الأعين.

قوله: الرابع: إذا اختلفا، فعن بعضهم إطلاق الخلاف في الشك، واستدرك الإمام فقال: من أنكر أصل العضو أنكر أصل الجناية فيقطع بتصديقه، وإنما موضع الخلاف ما إذا اتفقا على أصل العضو والجناية عليه.
انتهى.
وما ذكره الإمام وأقره عليه قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وإنكارهم لهذا التصوير عجيب؛ فإن ذلك يتصور بما إذا اتفقا على أنه ضربه بالسيف ما يحاذي المرفق مثلًا أو بعده بأصبع أو غيره إلى أن بلغ بالضرب حدًا لو كانت اليد موجودة لقطعته، وأيضًا فإنه لا يلزم من إنكار أصل العضو إنكار وجود شيء ثابت في محله وردت الجناية عليه من سلعة ليست على صورة العضو أو على صورته إلا أنها زائدة.

قوله: ولو قطع إحدي يديه ومات فقال الجاني مات بسبب آخر من قتل أو شُرب سم موحٍ وليس علي] إلا نصف الدية، وقال الولي: مات بالسراية وعليك دية تامة فوجهان؛ قال في "التهذيب": أصحهما أن القول قول الولي لأن الأصل أنه لم يوجد سبب آخر.
انتهى.
صحح النووي في أصل "الروضة" ما قاله صاحب "التهذيب"

ويضعفه تصديق الولي أيضًا في عكسه على الصحيح، وذلك كما لو قطع يديه ورجليه فمات وقال الجاني مات بالسراية فعلىّ دية واحدة فقال الولي بل بسبب آخر.

قوله من "زوائده": لو قطع أصبعه فداوي جرحه وسقطت الكف فقال الجاني تآكل بالدواء وقال المجني عليه.
بل تآكل بسبب القطع.
قال المتولي: نسأل أهل الخبرة فإن قالوا: هذا الدواء يأكل اللحم الحي والميت صدق الجاني وإن قالوا لا يأكل الحى صدق المجنى عليه، وإن اشتبه الحال صدق المجني عليه.
انتهى.
هذه المسألة قد سبق ذكرها من كلام الرافعي في آخر باب مساواة القتيل للقاتل بهذا التفصيل بعينه.

قال -رحمه الله-: الفصل الثاني: في

حكم القصاص

وفيه بابان:

الباب الأول في استيفاء القصاص

وفيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول فيمن يلي الاستيفاء

قوله في الروضة: ولو قتل من ليس له وارث خاص فهل للسلطان أن يقتص من قاتله أم يتعين أخذ الدية؟ فيه قولان سبقا في كتاب اللقيط.
انتهى.
وقد سبق منه في اللقيط طريقان: أحدهما: هذه، والثاني: طريقة القطع وهي التي صححها الرافعي سالم من هذا الاختلاف كما تقدم إيضاحه هناك.

قوله: وذكر ابن الصباغ أن الحاكم ليس له أخذ مال الغائب المغصوب، وفي كلام الإمام وغيره ما ينازع فيه ويشعر بأنه يأخذه ويحفظه له.
انتهى.
واعلم أن قبض الحاكم أموال الغائبين ديونًا كانت أو أعيانًا قد ذكره الرافعي في مواضع من هذا الكتاب، واختلف فيه كلامه وكلام "الروضة" أيضا وقد سبق إيضاحه وبيان ما عليه الفتوي في أول التفليس فراجعه.

قوله: وإذا ثبت القصاص لجماعة اقتص منهم واحد بالقرعة.
ثم قال: وهل يدخل في القرعة من يعجز عن الاستيفاء كالشيوخ والصبيان والنسوة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأنه صاحب حق فإن خرجت له القرعة استناب من يقدر عليه.
والثاني: لا؛ لأنه ليس أهلًا للاستيفاء والقرعة إنما تجرى بين المستويين في الأهلية.
والأرجح الأول عند صاحب "التهذيب"، والثاني عند القاضي ابن كج وأبي الفرج والإمام وغيرهم، وعن بعض الأصحاب طريقة قاطعة به.
انتهى كلامه.
فيه أمور:

أحدها: أن تعبيره بالصبيان سهو ولذلك حذفه من "الروضة" لأن المستحقين إذا كان فيهم صبى لا يقتل الجاني إلا بعد بلوغه ومطالبته، وقد يحمل ذلك على ما إذا حكم بالقتل حاكم يرى إجابة البالغ إذا طلبه.
الأمر الثاني: أن هذا الكلام يقتضي أن الأكثرين على عدم الدخول؛ ولذلك صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" فقال: أظهرهما المنع؛ وقطع به بعضهم.
هذا لفظه، وصحح عكس ذلك في المحرر والغريب أنه عبر بالأظهر أيضًا فقال: والأظهر أنه يدخل في القرعة من يعجز عن الاستيفاء كالشيخ والمرأة، فإذا خرجت له استناب.
هذه عبارته.
وقد وقع هذا الاختلاف للنووي أيضًا فصحح في "المنهاج": أنه يدخل وقال في "الروضة": أصحهما عند الأكثرين لا يدخل.
واعلم أن هذه المسألة قد نص عليها الشافعي في "الأم" وصرح بأن العاجز لا يدخل فقال في باب تشاح الأولياء على القصاص ما نصه: ولا يقرع لامرأة ولا يدعها وقتله لأن الأغلب أنها لا تقدر على قتله إلا بتعذيبه، وكذلك لو كان فيهم أشل اليمنى أو ضعيف أو مريض لا يقدر على قتله إلا بتعذيبه أقرع بين من يقدر على قتله ولا يعذبه بالقتل هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن الأم نقلته.
وذكر بعده بدون صفحة مسألة قريبة من مسألتنا فقال: قال الشافعي: وإذا اقترع الولاة فخرجت قرعة أحدهم وهو يضعف عن قتله أعيدت القرعة على الباقين، وهكذا تعاد أبدًا حتى تخرج على من يقوى قلبه.
انتهى.
وصورة هذا في صحيح يجبن عن الاستيفاء ونحو ذلك.
الأمر الثالث: أن النووي قد حذف من "الروضة" الطريقة بالمنع المذكورة في كلام الرافعي، هذا مع أن الرافعي قد ذكرها مرتين؛ مرة عند حكاية الخلاف، ومرة في آخر المسألة عند الكلام على إعلام عبارة "الوجيز".

واعلم أن القاضي الحسين في "تعليقه" قال: إن المرأة إذا كانت جلدة قوية كان لها أن تستوفي القصاص؛ ذكره في المسألة المعقودة لإرث المرأة القصاص.

قوله: وإذا قتل رجلًا له ابنان فبادر أحد الإبنين بقتل الجاني، نظر: إن قتله قبل عفو أخيه فلا قصاص في أظهر القولين لمعنيين أظهرهما أنه صاحب حق في المسبوق فتكون شبهة، والثاني أن من علماء المدينة من ذهب إلى أنه يجوز لكل واحد من الورثة الانفراد عن الباقين أم لا.
وإن قتل بعد عفو الأخ وهو عالم بعفوه فإن لم يحكم الحاكم بسقوط القود فيترتب عليه ما قبل العفو، فإن أوجبناه هناك ففيما هنا أولى وإن لم نوجبه فوجهان يبنيان على المعنيين إن عللنا بأنه صاحب حق وجب لسقوط الحق وهو الأصح، وإن عللنا بشبهة الاختلاف فهو قائم إقصاء وإن حكم الحاكم بالسقوط فعليه القصاص قولًا واحدًا لانتفاء المعنيين، وإن كان جاهلًا بالعفو يترتب على ما إذا كان عالمًا، فإن لم نوجب القصاص عند العلم فعند الجهل أولى، وإن أوجبناه عند العلم فوجهان على الخلاف فيما إذا قتل من عرفه مرتدًا، وقد مر أن الأظهر الوجوب.
انتهى كلامه.
لم يتعرض -رحمه الله- في القسم الأخير وهو حالة الجهل إلى التفصيل بين أن يحكم الحاكم أم لا؟ كما تعرض له في حالة العلم، والمنقول فيه أن القصاص يجب بلا خلاف.
كذا صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.

قوله: وحيث قلنا: لا قصاص عليه، فللأخ الذى لم يبادر نصف الدية، وممن يأخذ؟ فيه قولان: أحدهما: من أخيه المقتص لأنه استوفي حق أخيه مع حق نفسه فصار كما إذا أودع إنسان وديعة ومات عن ابنين فأتلفها أحدهما.
وأصحهما من تركة الجاني لأن القائل فيما وراء حقه كالأجنبى، وفي

قول مخرج أنه يتخير بينهما، فإن قلنا: إنه على أخيه فإن أخاه برئ، ولو أن وارث الجاني ابن المبادر عن الدية فلا يسقط النصف الذى ثبت عليه لأخيه، وأما النصف الثابت للوارث فينبني على أن التقاضى في الديتين هل يحصل بنفس الوجوب؟؛ إن قلنا نعم؛ فالعفو لغو، وإن قلنا لابد من التراضي فيصح الإبراء ويسقط ما ثبت للوارث على الابن المبادر ويبقي للابن القاتل النصف في تركة الجاني على المبادر دية تامة وله في تركة الجاني نصف الدية فيقع في التقاض.. إلى آخره.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من بقاء حق الابن المبادر قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو عجيب جدًا؛ فإنه لا يوافق إلا المعنى الضعيف من المعنيين المذكورين في أول المسألة وهو قول بعض علماء المدينة، لا على المعنى الذى صححه وهو أنه صاحب حق في المستوفى بل قد ذكر في هذه المسألة وفي التي قبلها مواضع تناقضه.
منها: تعبيره في أول المسألة بقوله لأنه استوفى حق أخيه مع حق نفسه.
ومنها تنظيرهم بالوديعة المشتركة إذا أتلفها.
ثم إن الموجود في كتب المذهب خلافه؛ فقد نص في "التنبيه" 1 على أنه يكون مستوفيًا لحقه، وكذلك إمام الحرمين في "النهاية" وابن الصباغ في "الشامل" والغزالي في "البسيط"، ومجلى في "الذخائر" وغيرهم.
وقال في "التتمة": إنه الصحيح، قال: لأن له فيه شركاء فصار كما لو اشتريا شيئًا فباعه أحد المشترين.
قال: ومن علل من أصحابنا سقوط القصاص باختلاف العلماء ولم

يجعل للشركة تأثيرًا لا يكون مستوفيًا.
هذا كلامه، والوجه الذى حكاه غريب في النقل، وهذا يخالف ما لو قبله بعد عفو أخيه فإنه لما لم يبق له حق في القصاص لم يكن مستوفيًا لحقه فأوجبنا الدية بكمالها.
الأمر الثاني: أنه جازم هنا بحصول التقاض ولكنه متردد في أنه هل يتوقف على الرضا أم لا؟ وقد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غريب فإنهما قد ذكرا في الكلام على التقاض وهو في باب الكتابة أن شرط التقاض أن يكون الدينان نقدين وضعفا تعديه إلى المثليات وأضعف منه عندهما تعديه إلى المتقومات، وهو نظير مسألتنا؛ لأن الواجب هنا هو الإبل وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لغرض يتعلق به.

قوله: فإن عفى أحد الإبنين على مال ثم بادر الآخر بعد العفو قال الرافعي: فيعود الخلاف في أن الأخ العافي ممن يأخذ؟ انتهى ملخصًا.
وهذا الذى ذكره من عود الخلاف بعد العفو قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غير مستقيم لأن حقه من عينه قد سقط بالعفو فكيف يتخيل مطالبة متلفها؟ وأيضًا فيلزم ما يجمع على أخيه بين قتل ونصف دية، وذلك بدل ونصف كمبدل واحد، وقد ذكر المسألة بعد ذلك في الكلام على العفو على الصواب فقال في الكلام على استيفاء الوكيل بعد عفو الموكل: إنه إذا وكل رجلًا في القصاص ثم عفى عنه على مال ثم اقتص الوكيل غير عالم بالعفو فلا قصاص على المنصوص، ولكن تجب عليه الدية في أصح القولين، ثم قال ما نصه: ثم الدية الواجبة بقتل الوكيل لورثة الجاني لا تعلق للموكل بها بخلاف ما إذا ثبت القصاص لابنين فبادر أحدهما بقتله فإن فيه قولين، وفرق بينهما بأن القاتل هنا أتلف حق أخيه فتعلق الأخ ببدله وهاهنا قتله بعد سقوط حقه، وحكى ابن كج أن بعض

الأصحاب جعله على الخلاف في الابنين.
هذا كلامه.
وحاصله أن الأخ إذا قتل بعد العفو أنه لا يجري القولان لأنه لم يتلف حق أخيه، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان الفرق المذكور فاسدًا.

قوله: والواحد إذا قتل جماعة قتل بالأول، فلو كان وليه غائبًا أو صبيًا أو مجنونًا حبس القاتل إلى أن يحضر ولى الأول أو يكمل حاله، وفي "إبانة" الفوراني قول عن رواية حرملة أن للثاني أن يقتص ويصير الحضور والكمال مرجحًا.
ثم قال بعده: وإن قتلهم معًا أقرع بينهم فلو كان ولى بعض القتلى غائبًا أو صبيًا أو مجنونًا فالقياس الظاهر: الانتظار إذا قلنا: لابد من الإقراع، وفي "الوسيط" عن رواية حرملة: أن للحاضر والكامل أن يقتص ويكون الحضور والكمال مرجحًا كالقرعة.
انتهى كلامه.
وهو كالصريح في استغراب النقل الأخير عن حرملة دون الأول فإنه ضعف الأخير واقتصر على نقله عن "الوسيط"، وذكر في "الروضة" ما هو أبلغ منه فإنه جزم في الأول بحكاية قولين وقطع في الثاني بالانتظار فإنه عبر عنه بالمذهب.
وما ذكراه غريب مؤذن بعدم التأمل لما سبق منهما هاهنا؛ فإن الغائب ونحوه في الصورة الأولى قد ثبت لهم التقديم بالقتل وليس للنافين منازعتهم فيه لأن الفرض أن [مورثهم] قد سبق [قتله]، وفي الصورة الثانية لم يثبت لهم ذلك.
فإذا لم ينظر لهم في الصورة الأولى لزم أن لا ينظر أيضًا في الصورة الثانية بطريق الأولى.
ولاشك أن الغزالي كان يلازم النظر في الإبانة لكونه أخذ ترتيب كتبه

من ترتيبها فرأي فيه النقل في المسألة الأولى فاستعمله في بعض ما دخل فيه من الصور، وقد تفطن الرافعي لشيء مما ذكرته في الكلام على عبارة "الوجيز".

قوله: ثم الكلام في فروع: أحدها: العبد إذا قتل جماعة أحرارًا أو عبيدًا هل يقتل بجميعهم؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لأن في تخصيصه ببعضهم تضييع حق الآخرين، ولأن العبد لو قتل جماعة خطأ يتضاربون في رقبته فكذلك في القصاص، بخلاف الحر فإن جناياته لا تتداخل إذا كانت خطأ فكذلك في القصاص، وهذا ما أورده ابن كج.
وأصحهما عند الإمام والروياني وغيرهما أنه لا يقتل بهم جميعًا ويكون بمنزلة الحر المعسر يقتل بواحد وللباقين الديات في ذمته إلى أن يلقي الله تعالى.
انتهى كلامه.
هذا الكلام مقتضاه تصحيح الثاني، وقد صرح به في "الروضة" فقال: وأصحهما عند الأكثرين كذا وكذا.
وما ذكره غريب فقد ذكر هو في آخر باب العاقلة في الكلام على جناية العبد أن المال المتعلق برقبة العبد لا يتعلق بذمته على الأصح عند الأكثرين، وهو اختلاف عجيب بالنسبة إلى "الروضة"؛ فإن الرافعي لم يتعرض للأكثرين في الموضعين، لا جرم أن الإمام مشى في الموضعين على نمط واحد، ولما حكى -أعني الإمام- الوجه الأخير قال: وزعم هؤلاء أن هذا يخرج على خلاف سيأتي في أن العبد هل له ذمة في الجنايات؟.

قوله: لينصب الإمام من يقيم الحدود ويستوفي القصاص ويرزقه من خمس الخمس، فإن تعذر فالأجرة في القصاص على المقتص منه، وقيل على المستحق، وأما في حدود الله تعالى وقطع السرقة فعلى المحدود أيضًا والسارق، وقيل: في بيت المال.

ثم قال: وفي كلام الأئمة ترتيب الخلاف في أجرة الجلاد في الحد على الخلاف في القصاص، فإن قلنا: تجب في بيت المال، فأجرة الجلاد في الحد على بيت المال بطريق الأولى.
وإن قلنا: إنها على المقتص منه، ففى الحدود تجب على المحدود أو في بيت المال؟ فيه وجهان: انتهى كلامه.
وهو غير منتظم؛ فإن كلامه الأول ليس فيه إثبات قائل بأن أجرة القصاص في بيت المال، وكلامه آخرًا يدل على إثباته أن الخلاف في الحد مرتب عليه، وقد أسقط النووي من "الروضة" هذا الوجه فلم يذكره، وسبب إسقاطه عدم انتظام كلام الرافعي له، ولا شك أن الرافعي ظن أنه قدمه ففرع عليه؛ فتلخص أن كلًا منهما يرد عليه شيء.

قوله: وإذا قلنا: بالوجوب في بيت المال والتصوير فيما إذا لم يكن في بيت المال ما يمكن صرفه إليه فيستقرض الإمام على بيت المال إلى أن يجد سعة.
قال الروياني: أو يستسخر بأجرة مؤجلة أو يستأجر من يقوم به والاستئجار قريب والاستسخار بعيد، وبتقدير أن يجوز ذلك فيجوز أن يأخذ الأجرة ممن يراه من الأغنياء ويستأجر بها.
انتهى كلامه.
وما دل عليه من تضعيف التسخير واستبعاده قد جزم به.
في نظير المسألة وهو في غسل الميت ناقلًا له عن جماعة؛ ذكر ذلك في الباب الثاني في كيفية الجهاد فقال: وأطلق مطلقون القول بأنه إذا عين الإمام رجلًا وألزمه غسل الميت ودفنه لم يكن لذلك المقهور أجرة، واستدرك الإمام فقال: هذا إذا لم يكن للميت تركة ولا في بيت المال متسع والتفصيل حسن.
هذا كلامه.

قوله: ولو استقل المقذوف باستيفاء حد القذف بإذن القاذف وبغير

إذنه ففي الاعتداد به وجهان.
انتهى.
والصحيح عدم الاعتداد؛ كذا صححه الرافعي في باب حد القاذف وتابعه عليه في الروضة وصرح بتضعيف مقابله فقال: وفي وجه ضعيف يقع الموقع.
هذه عبارة "الروضة".

قوله: ولو قال الجاني: إنما أقتص من نفسي لم يمكن في أظهر الوجهين.
ثم قال: يمكن السارق إذا قال: أقطع بنفسى، وفيه وجهان يحسن ترتيبهما على الخلاف في أنه هل يمكن من الاقتصاص من نفسه والتمكين هاهنا أولى؛ لأن الغرض التنكيل ويحصل ذلك بفعل السارق أو هو أشد وهناك الغرض التشفي.
انتهى كلامه.
والصحيح في السارق أنه لا يمكن؛ فقد قال الرافعي في أوائل الباب الثاني من أبواب الوكالة: إنه ظاهر المذهب، وتابعه عليه في "الروضة" ورجح هنا في أصل "الروضة" أنه يمكن فقال: وهل يمكن إذا قال: أقطع بنفسى؟ وجهان؛ أقربهما: نعم.
هذا لفظه.
وكأنه توهم أن الأولوية تقتضي تصحيح العكس فصرح به غير مستحضر لما سبق منه في الوكالة فوقع في صريح التناقض.

الفصل الثاني في أن القصاص على الفور

قوله في الروضة: ولو التجأ الجاني إلى المسجد الحرام، قال الإمام: أو غيره من المساجد، أخرج منه وقتل، لأن هذا تأخير يسير وفيه صيانة للمسجد، وفيه وجه ضعيف أنه تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلًا لتوفية الحق وإقامة للهيبة.
قلت: ولو التجأ إلى الكعبة أو إلى بيت ملك لإنسان أخرج قطعًا، والله أعلم.
وما ذكره من نفي الخلاف في الكعبة وإخراجها عن باقي المسجد قد خالفه في "التتمة" فقال: لو التجأ إلى المسجد الحرام أو إلى الكعبة أو إلى مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو غيرها من المساجد أخرج واستوفى القصاص، فلو أراد الاستيفاء فيه لم يجز إن لوث المسجد وإلا بأن فرش فيه الأنطاع كره ذلك.
هذا كلام "التتمة".

قوله: الثالثة: لا يؤخر قصاص الطرف لشدة الحر والبرد ولا لعذر المرض وإن كان محظرًا بخلاف قطع السرقة والجلد في حدود الله تعالى لأن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة.
انتهى كلامه.
والتأخير في حدود الله تعالى بالمرض محله إذا كان المرض مرجوًا، فإن لم يرج زواله لم يؤخر له الجلد.
كذا صرح به الرافعي في باب حد الزنا، وكلامه هنا ربما يشعر به.

قوله: والمرأة الحامل لا تقام عليها حدود الله تعالى قبل الوضع.
انتهى.

وإذا وضعت فلابد من انقضاء النفاس أيضًا.
كذا جزم به ابن الرفعة في "الكفاية".

قوله: وإذا بادر الولي فقتل الحامل أثم، ووجبت غرة إن انفصل الجنين ميتًا.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على تقييد الوجوب بحالة انفصال الجنين، والصحيح على ما صرح به في باب الغرة أن الانفصال لا يشترط حتى إذا قدت نصفين أو شق جوفها بعد القتل فتحققنا الجنين أوجبنا الغرة.

قوله: فلو بادر مستحق القصاص والحالة هذه -أي بعد الوضع وقبل سقي اللبا أو قبل وجود مرضعة ونحو ذلك- فقتلها فمات الطفل ففي تعليق الشيخ أبي حامد أنه قاتل عمدًا فيلزمه القود إلحاقًا بما إذا حبس رجلًا في بيت ومنعه الطعام والشراب وكذا حكاه القاضي ابن كج عن النص وعن الماسرجسي قال: سمعت ابن أبي هريرة يقول: عليه دية الولد.
فقلت له: أليس لو غصب طعام رجل في البادية أو كسوته فمات جوعًا أو بردًا لا ضمان عليه؟، فما الفرق؟ فتوقف، ثم لما عاد إلى الدرس قال: لا ضمان فيهما جميعًا، وهذا مصير إلى نفي القصاص بطريق الأولى.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن سليمًا الرازي قد نقل في "تعليقه" عن الشيخ أبي حامد وجوب الدية والكفارة وعلله بقوله: لأن الجنين يحيا بحياة الأم ويموت بموتها، فإذا قتل الأم فقد صار قاتلًا له، ولأنه كالرجل يحبس غيره بكرة ولا يطعمه ولا يسقيه حتى يموت.
الأمر الثاني: أن ما دلت عليه هذه الحكاية التي نقلها -رحمه الله- عن

ابن أبي هريرة من استقرار جوابه على عدم الضمان قد نقلها عنه القاضي أبو الطيب في "المجرد"، ثم رأيت في باب القصاص بالسيف من تعليق القاضي المذكور بسنده عكسه ونقله عنه ابن الرفعة في "المطلب" وفي "الكفاية" أيضًا فقال -أعني القاضي-: سمعت أبا علىّ بن أبي هريرة يقول: لا يضمنه لأن أكثر ما فيه أنه حال بينه وبين ما يقوم به فهو بمنزلة ما لو أخذ زاده في البرية فمات من الجوع فإنه لا يضمنه كذلك هاهنا.
قال الماسرجسي: ثم سمعته يقول بعد ذلك: إن عليه القصاص فإنه لو حبس رجلا في بيت ومنعه الطعام والشراب فمات وجب عليه القصاص كذلك هاهنا.
انتهى كلامه.
وقد اقتضى كلام الرافعي الجزم بأن منع الزاد من غير حبس لا يقتضي وجوب الضمان، وجزم الماوردي في باب الأطعمة في الكلام على المضطر بوجوب الدية في الحر.

قوله: ولو ادعت المرأة أنها حامل ولم تقم بينة على ظهور [مخائل] 1 الحمل فقال الإصطخري: لا يقبل قولها لأن الأصل عدمه، وقال الأكثرون: يقبل لأن [الحمل] له أمارات خفية تختص الحامل بمعرفتها وتتعذر إقامة البينة عليها فقبلنا قولها فيه كالحيض.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه من التعذر في الحيض قد تناقض فيه كلامهما وأوضحته في الشهادات، فراجعه.

قوله في المسألة: وذكر في "الوسيط" أنا إذا قلنا بالوجه الأول فلا يمكن استيفاء القصاص من منكوحة يخالطها زوجها، فإن كان مراده فيما إذا ادعت الحمل فمسلم، وإن كان المراد منع القصاص بمجرد الوطء من غير دعواها الحمل فهو ممنوع لأن الأصل عدمه.
انتهى.

ذكر مثله في "الروضة" فيه أمران: أحدهما: أن نقله عن الوسيط تفريع ذلك على الوجه الأول سهو، بل صوابه وهو المذكور فيه إنما هو تفريعه على الثاني فهو واضح أيضًا.
الأمر الثاني: أن إنكاره منع القصاص لمجرد دعوى الحمل مردود مخالف لما سبق في الفرائض فإنه قد قال: ومهما ظهرت مخائل الحمل فلابد من التوقف، وإن لم تظهر مخائله وادعته المرأة ووصفت علامات خفية ففيه [تردد] للإمام والظاهر الاعتماد على قولها، وطرد التردد فيما إذا لم تدعه ولكنها قريبة عهد بوطء واحتمال الحمل قريب.
هذا كلامه.
واعلم أن الماوردي قال: لا يقبل قول المرأة إلا باليمين، وادعى ابن الرفعة أنه لا خلاف فيه وهو كلام غير محرر، بل إن قلنا بامتناع القول بمجرد الوطء من غير دعوى الحمل فلا يمين أصلًا، وإن قلنا لابد من دعوى الحمل فادعته فيتجه ألا يتوقف على اليمين، لأن الحق هنا للغير وهو الجنين، ولا شك أن المرأة يجب عليها الإخبار بالحمل، فإن سكتت عنه فمات وجب الضمان على عاقلتها في وجه غريب حكاه ابن داود في "شرح المختصر"، والمتجه أن الزوج لا يمنع من وطء المرأة وإن كان يؤدى إلى منع القصاص على ما سبق.

قوله في "الروضة": فرع: إذا قتلت الحامل على خلاف ما أمرناه نظر: إن بادر إليه الولي مستقلًا أثم ووجبت غرة الجنين إن انفصل ميتًا وتكون على عاقلة الولي، وإن انفصل حيًا متألمًا فمات وجبت الدية.
وإن أذن له الإمام في قتلها نظر إن كانا عالمين أو جاهلين فالصحيح المنصوص أن الضمان على الإمام لأن البحث عليه وهو الآمر به، وقيل: على الولي لأنه المباشر، وقيل: عليهما بالسوية.
انتهى كلامه.
وقد ذكر الرافعي طريقة قاطعة نقلها عن الشيخ أبي حامد أن الضمان

يجب على الإمام عند جهلهما، وأسقط النووي هذه الطريقة من "الروضة".

قوله: وإن كان الإمام عالمًا والولى جاهلًا فإن أوجبنا على الإمام إذا علما فهاهنا أولى وإلا فوجهان، وإن كان بالعكس فالمشهور وجوبه على الولى، وقيل: على الإمام.
ثم قال -أعني الرافعي- بعد ذكره للأقسام الأربعة ما نصه: ويخرج مما سقناه أربعة أوجه: وجوب الضمان على الإمام مطلقًا، ووجوبه على الولى مطلقًا، والشركة مطلقًا، ووجوبه على الإمام إذا كانا عالمين أو جاهلين وعلى الولى إذا اختص بالجهل.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية وجه بالاشتراك مطلقًا فسهو سلمت منه "الروضة" فإنه لم يتقدم له ذكر في القسم الأخير وهو ما إذا كان الإمام جاهلًا والولى عالمًا بل ذكر أن المشهور أنه على الولى، وقيل على الإمام، ولا يأتي أيضًا في العكس وهو ما إذا كان الإمام وحده عالمًا فإنه قال: إن قلنا: يجب الضمان على الإمام فيما لو كانا عالمين فهاهنا أولى وإلا فوجهان من الخلاف فيمن عليه قرار الضمان في تقديم الطعام.
ومقتضى هذا أنا جعلناه على المباشر اختص به أولى أو على المقدم اختص به الإمام فلا شركة؛ فتلخص أن وجه الشركة مطلقًا إنما يأتي مع علمهما وجهلهما.

قوله في "الروضة": وحيث ضمنا الولى فالغرة على عاقلته والكفارة في ماله، وحيث ضمنا الإمام فإن كان عالمًا ففي ماله وإن كان جاهلًا فعلى القولين في أن ما يجب بخطأ الإمام في الاجتهاد هل هو على عاقلته أم في بيت المال؟ أظهرهما على العاقلة.
وإذا قلنا: الدية والغرة في بيت المال، ففي الكفارة وجهان: انتهى كلامه.

وما ذكره في حال علم الإمام صريح في أن الغرة في مال نفسه لا على عاقلته ولا على بيت المال ويدل عليه حكاية القولين في القسم الأخير وهو ما إذا كان جاهلًا أن الغرة والدية هل تجبان في بيت المال أو على عاقلته، وهذا الذي ذكره غلط على العكس مما ذكره الرافعي؛ فإن المجزوم به في الرافعي أنها على عاقلته فإنه قال ما نصه: التفريع حيث أوجبنا الضمان على الولى فالغرة على عاقلته والكفارة في ماله، وحيثما أوجبناه على الإمام فإن كان عالمًا فكذلك وإن كان جاهلًا فعلى القولين.
هذه عبارة الرافعي وعلله في أول المسألة بأن الجنين لا يباشر بالجناية ولا يتيقن جناية فإهلاكه خطأ أو شبه عمد، ثم إن النووي قد صرح بالوجوب على عاقلة الجاني مع العلم كما سبق من لفظه فما الذي تخيله في الفرق بينهما؟ وحكى الرافعي في باب ضمان إتلاف الإمام طريقة ضعيفة أنه يأتي مع العلم القولان المذكوران مع الجهل.

قوله: ونقل أبو الفرج السرخسي وجهين في أنه هل يعتبر علم الولى مع الإمام والجلاد وقال: أصحهما أنه يعتبر حتى إذا كان عالمًا وهما عالمان بكون الضمان عليهما أثلاثًا.
انتهى.
والأصح على ما صححه النووي في أصل "الروضة" ما رجحه السرخسي إلا أن إطلاق هذا التصحيح غير مستقيم لأن الأصح فيما إذا كانا عالمين أو جاهلين أن الضمان على الإمام خاصة فكيف يستقيم مع ذلك ما صححه هنا؟ فالصواب تفريع هذه المسألة على القول بالوجوب عليهما إذا كانا عالمين.

قوله: هذا كلامنا في ضمان الجنين وأما الأم فلا يجب ضمانها لأنها تلفت في حد أو عقوبة وجب عليها.
قال في "التهذيب": هذا إذا ماتت

من ألم الولادة تجب ديتها، وإن بانت منهما تجب نصف ديتها.
انتهى كلامه.
وهذا الذى ذكره في "التهذيب" لابد منه، وقد أعاد الرافعي المسألة بعد كتاب الحدود في باب ضمان الولادة ثم نقل هذا الاستثناء عن الشيخ أبي حامد وغيره.

الفصل الثالث في كيفية المماثلة

قوله: الثانية: إذا قتله باللواط وهو مما يقتل غالبًا فالأصح وجوب القصاص ثم قتل بدس خشبة في دبره قريبة من السه ويقتل بها، والأصح قتله بالسيف لأنه قتل بفعل محرم في نفسه فأشبه السحر.
ثم قال ما نصه: قال في "التتمة": وموضع الوجهين ما إذا كان موتًا متوقعًا من المقابلة بمثل ما فعل أما إذا لم يتوقع وكان موت المجنى عليه لطفوليته ونحوها فلا معنى للمقابلة.
انتهى.
وما نقله عن المتولى قد صرح به أيضًا الإمام فقال: وهذا إذا كان يظن أنه يهلك به فإن لم يهلك بذلك التحق بالضربات في حق النحيف والجاني لا يهلك بها.
هذا كلامه.
وذكر الرافعي بعد هذا بدون الورقة عن الإمام كلامًا عامًا تندرج فيه مسألتنا فقال: قال الإمام: لو قتل نحيفا بضربات تقتل مثله غالبًا وتيقنًا أو ظننا ظنًا مؤكدًا أن الجاني في جسمه وقوته لا يهلك بتلك الضربات فالوجه القطع بأنه لا يضرب بتلك الضربات، لأنها لا تقتله، وإنما تراعى المماثلة إذا توقعنا حصول الاقتصاص بذلك الطريق ثم بدا له بالآخرة احتمال آخر.
انتهى كلامه.
واعلم أن التعليل المذكور في منع الاقتصاص بمثل فعلة القاتل في مسألتنا يحتاج إلى تحقيق وتأمل لأن الجنايات كلها محرمة بدون أسبابها؛ فالقاتل بالسيف أو النار أو الماء أو الحجارة ونحوه يحرم قتله أيضًا به لولا المماثلة لاسيما وقد عهدنا جواز إدخال خشبة ونحوها في المحل المذكور لأجل الاحتقان ونحوه.

وله: الثالثة: إذا سقاه خمرًا حتى مات قتل بالسيف في الأصح، فأما البول فعن القاضي الحسين وجهان: أحدهما: أنه كالخمر.
والثاني: يسقى البول لأنه يباح عند الضرورة بخلاف الخمر.
انتهى.
والأصح الأول.
كذا صححه النووي في أصل "الروضة" لا من "زيادته" فاعلمه.

قوله: وفي الضرب بالمنقل يراعى الحجر وعدد الضربات، وإذا تعذر الوقوف على قدر الحجر أو قدر النار أو عدد الضربات فعن القفال أنه يقتل بالسيف، وعن بعضهم يؤخذ باليقين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه أهمل موضع الضربات ولابد من اعتباره أيضًا كما في الاستيفاء بالمحدد، وقد صرح بذلك الماوردي وغيره.
نعم إن عدل عنه إلى موضع يكون الموت فيه أسرع جاز.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد صحح في كتاب الشهادات الوجه الثاني ذكر ذلك في باب الرجوع عن الشهادة في الكلام على من شهد بزنا محصن ثم رجع، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لغرض يتعلق به وصححه أيضًا هنا النووي من زوائده ذاهلًا عن تصحيح الرافعي له هناك، وتصحيحهما لذلك في غاية الإشكال لأنا إذا علمنا قدر الحجر فأراد المقتص العدول عنه إلى ما دونه لم يجز كما دل عليه كلام الرافعي المتقدم، وسببه ما فيه من طول التعذيب، فإذا كان التساوى في المقدار شرطًا في جواز الاستيفاء بالحجر وهو غير حاصل عند الشك في مقداره فلا يكون ضربه بالقدر المحقق محققًا جوازه لجواز أن يكون أكبر؛ إذ لا فرق في المنع بين الأكبر والأصغر، فليس الآخذ باليقين هنا متيقن الجواز، فإن ذلك ليس لمن أخذ دون حقه، فظهر بذلك ضعف هذا الوجه بل بطلانه.

قوله: الحالة الثانية: أن تكون الجراحة بحيث لا يقتص منها لو وقعت كالجائفة وقطع اليد من نصف الساعد فقولان: أظهرهما عند الشيخ أبي حامد وغيره من العراقيين والروياني أنه يستوفى بذلك الطريق تحقيقًا للمماثلة.
وأظهرهما عند صاحب التهذيب أنه يعدل إلى الشق لأن ما لا قصاص فيه لا ينضبط ولا يوثق فيه بالمماثلة.
انتهى ملخصًا.
وحاصله رجحان الأول، وكلامه في "الشرح الصغير" أظهر في ذلك فإنه اقتصر على نقل ترجيحه ولم يذكر ترجيح صاحب "التهذيب" لكن كلام "المحرر" يشعر برجحان الثاني فإنه قال: فيه قولان؛ رجح كثيرون: تعين السيف.
هذا لفظه.
وقد صرح النووي بالترجيح في اختصاره للكتابين فوقع في صريح التناقض فقال في "الروضة": أظهرهما عند الأكثرين أنه يستوفى بما فعل وصححه أيضًا في "تصحيح التنبيه".
وقال في "المنهاج": ولو مات بجائفة أو كسر عضد الحز.
وفي قول كفعله.
هذا لفظه.
ومحل القولين ما قاله الماوردي إذا لم يرد العفو.
قال: فإن أراد العمل به مع عفوه عن النفس لم يجز في الصورتين لأنه قد صار بالعفو عن النفس كالمنفرد عن السراية، ونقل الرافعي مثل هذا عن البغوي في الجائفة خاصة وأقره عليه حتى قال: إنه لو أخافه ثم عفى عنه عزر على ما فعل ولم يجبر على قتله.

قوله: وإذا وجب القصاص في اليمين فاتفقا على قطع اليسار بدلًا عنها لم يكن بدلًا ولا قصاصًا في اليسار بل تجب ديتها وفي سقوط قصاص اليمين وجهان: أحدهما: لا؛ لفساد المعاوضة.

والثاني: نعم؛ لأن ذلك عفو عن اليمين، قال ابن الصباغ: وهذا أصح.
انتهى ملخصًا.
والأصح ما رجحه ابن الصباغ فقد قال المتولي: إنه المذهب، والروياني في "البحر" إنه الأصح، وصححه النووي في أصل "الروضة" وقال القاضي حسين: إن علم الحكم لم يسقط وإن ظنه سقط.

قوله: فلو أن مستحق القصاص في اليمين طالب الجاني بإخراج اليمين فأخرج يساره فقطعها المستحق، وقال الجاني: دهشت فأخرجت اليسار، وقال القاطع أيضًا: دهشت فلم أدر ما صنعت.
قال الإمام: لا يقبل منه ويلزمه القصاص في اليسار لأن الدهشة السالبة للاختيار لا تليق بحال القاطع.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل وجوب القصاص عن الإمام مع أن الإمام لم يتعرض له، والذى قاله الإمام أن الدهش لا يليق بحاله ولابد وأن يكون قطعه صادرًا عن عمد وظن اعتياض أو ظن بأن المخرج يمين.
هذا كلامه.
ومعناه أن هذا القطع من المفصل المعلوم لا يكون عادة مع الدهش ولا يكون إلا مع العمد، وحينئذ فإما أن يكون ظانًا إجزاء اليسار عن اليمين أو ظانًا أن المخرج هي اليمين، وعلى كل من التقديرين فلا قصاص عند الأصحاب، وفي الأولى احتمال للإمام وفي الثانية وجه ضعيف باتفاقهم؛ فحاصل كلام الإمام أنه لا قصاص، وذكر الغزالي في "البسيط" كما ذكر الإمام.
نعم صرح في "الوسيط" بوجوبه، فلعل الرافعي أراده وإنما سبق القلم، وفيما قاله الغزالي نظر، وكلام الإمام أوجه منه.

قوله: فرع: ثبت له القصاص في أنملة فقطع من الجانى أنملتين وقال:

أخطأت وتوهمت أنى أقطع أنملة واحدة صدق بيمينه ووجب أرش الأنملة الزائدة، ويكون في ماله أو على العاقلة؟ فيه قولان أو وجهان.
قال الروياني: والأصح الأول.
انتهى.
صحح النووي في أصل "الروضة" ما رجحه الروياني.

قوله: وأما إذا وجب قطع اليمين في السرقة فقال الجلاد للسارق: أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها فعن النقال وغيره حكاية قول أن الحكم على ما ذكرنا في القصاص، وهذا القول ينسب إلى القديم، ويقال أيضًا أنه مخرج، وظاهر المذهب أنه يكتفى في الحد بما جرى ويسقط قطع اليمين، والفرق أن المقصود من الحد التنكيل والقصاص مبني على المماثلة.
ثم قال: واستدرك القاضي الحسين فحمل ما أطلقه الأصحاب على الحالتين الأخيرتين وقال في الحالة الأولى وهي أن يخرج يساره على قصد الإباحة أو البدل وجب ألا يسقط القطع.
انتهى.
والنقال المذكور هنا بنون بعدها قاف مشددة؛ وهو الحارث بن سريج بالسين المهملة والجيم وقد بينه الرافعي في آخر باب السرقة وسوف أذكر لفظه هناك لغرض يتعلق به، وهذا الشخص قد أوضحت حاله في "الطبقات"، ويجوز أن يكون المذكور هنا إنما هو القفال بقاف ثم فاء، ويكون قد أثبت ما نقله النقال بالنون فإن الروياني في "البحر" في هذا الباب قد نقله عنه إلا أنه بعد نقله عنه صرح بأنه القفال الشاشي فاعلمه.
ثم إنه بعد نقله عنه قال: إنه غريب، ومراد الرافعي بالحالتين الأخيرتين أن يقول المخرج ظننتها اليمين أو علمت أنها اليسار وظننت أنها تجزئ.

الباب الثاني في العفو

قوله في "الروضة": وفي موجب العمد في النفس والطرف قولان: أظهرهما عند الأكثرين أنه القود المحض والدية بدل منه.
والثاني: أنه القصاص أو الدية.
انتهى.
خالف في "النكت" التي له على "التنبيه" فصحح الثاني، والفتوى على الأول.

قوله: ولو عفى عن القود على نصف الدية قال القاضي حسين: هذه معضلة أسهرت الجلة، قال غيره: هو كعفوه عن القود ونصف الدية وهو صحيح.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وهو يقتضي أن القاضي لم يجب فيها بشيء وليس كذلك بل الذي نقله الرافعي عن غيره قد أجاب القاضي به وذكره في تعليقته وصرح بأنه لا خلاف فيه ونقله عنه أيضًا في "الكفاية".
والجلة: بكسر الجيم وتشديد اللام تقول العرب مشيخة جلة أي: طاعنون في السن، قاله الجوهري.

قوله: لو جرى الصلح عن القصاص على أكثر من الدية من جنسها كما لو صالحه على مائتين من الإبل، فإن قلنا الواجب أحد الأمرين لم يصح الصلح لأنه زيادة على الواجب كالصلح من ألف على ألفين، وإن قلنا الواجب القصاص فوجهان أصحهما الصحة إذ لا معنى للتقدير كبدل الخلع.
انتهى.

واعلم أن الرافعي قد قال في آخر الباب: أنه إذا صالح عن القصاص على عبد أو ثوب جاز وإن لم تكن الدية معلومة لهما، فإن تلفت العين قبل القبض أو خرجت مستحقة أو ردها بعيب فلا رجوع إلى القصاص.
وهل يرجع بقيمة العين أو بأرش الجناية؟ يبنى على أن بدل الصلح عن الدم مضمون ضمان العقد أم ضمان اليد، وفيه خلاف ذكرناه في البيع.
هذا كلامه.
وجزمه بذلك مع الجهل بمقدار الدية يدل على أن المقابل بالعبد والثوب القصاص دون الدية، ويؤيده حكايته للخلاف في أن ذلك المال مضمون ضمان يد أو عقد ولم يلاحظا في ذلك النظر إلى الدية، ومقتضى ذلك أنه لا فرق بين أن تكون قيمته تنقص عن قدر الدية أو تزيد عليها، وإذا ظهر ذلك ظهر أن ما ذكره الرافعي هنا محله إذا كانت الإبل المصالح عليها في الذمة بالصفة الواجبة في جناية العمد فإنه يصح حينئذ أن يقال في تعليل المنع أن في المصالحة على ذلك زيادة على الواجب، أما إذا وقع على إبل بغير تلك الصفة إما معينة أو في الذمة؛ فهي كالمصالحة على العبد والثوب فينبغي الجزم فيها بالصحة على القولين.
قال في "المطلب": ويرشد إلى ذلك قول القاضي في كتاب البيع حيث حكى القول بجواز بيع الصلح عن دم العبد أنه مخصوص بما إذا قلنا أن موجب العمد القود عينا أو قلنا الواجب أحد الأمرين وصرح بالمصالحة عن القود دون ما إذا صرح بالمصالحة عن الدية.

قوله: الثانية: قطع عضوًا من شخص فقال: عفوت عن هذه الجناية ولم يزد، فإن اندملت فعن نصه في "الأم": أنه عفو عن القود، وعن الأصحاب أنه مفرع على قولنا أن موجب العمد القود.

فإن قلنا: موجبه أحد الأمرين، ففي بقاء الدية احتمالان للروياني.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقل الاحتمالين فقط عن الروياني مع أن صاحب "الحاوي" قد صرح بالمسألة وجزم بأنا إذا فرعنا على هذا القول كان عفوًا عنهما جميعًا.
ثم إن الاحتمالين قد سبق الروياني إليهما المحاملي وما نقله الرافعي عن النص والأصحاب ذكره الروياني في "البحر" بعينه فنقله الرافعي منه.

قوله: وإن سرى القطع إلى النفس فلا قصاص في النفس على الصحيح وأما المال فقسمان: أحدهما: أرش اليد فينظر إن جرى لفظ الوصية بأن قال: أوصيت له بأرش هذه الجناية، فهي وصية للقاتل، وفي صحتها قولان: أصحهما: الصحة.
ثم قال: وإن جرى لفظ العفو أو الإبراء أو الإسقاط فقيل هو كالوصية للاتفاق على أنه يعتبر من الثلث والمذهب أنه يسقط قطعًا لأنه إسقاط ناجز والوصية هو الذى يتعلق بالموت.
انتهى كلامه.
ثم عبر بعد ذلك في "التفريع" عليه بقوله: فلا يلزمه شيء، وهذا الذى ذكره قد ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وحاصله أن إسقاط الدين عن الوارث مسقط له أيضًا ويرتب عليه عدم اللزوم وإن كان محسوبا من الثلث للمعنى الذى ذكره، وكذلك التمليك الناجز لكنه ذكر في أوائل الوصية في أثناء الكلام على الركن الثاني ما ظاهره المخالفة، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله أيضًا في المسألة: وإن عفى المجنى عليه عنه وعما يحدث منه فسرت إلى النفس سقط ضمان العضو، وفي الباقي قولان: أصحهما لا يبرأ عنه، وهذا هو الخلاف الذي سبق في الإبراء عما لم يجب

وجرى بسبب وجوبه.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن ابن الرفعة قد اعترض هنا على الأصحاب فقال: وعلى من صحح العفو عن أرش الأصبع دون القدر الزائد عليه من الدية لكونه إبراء سؤال لا يكاد يندفع ويحتاج في تقريره إلى تجديد العهد بأصلين: أحدهما: أن الإبراء عن المجهول غير صحيح على المذهب.
والثاني: أن الجراحات إذا سرت إلى النفس فأفضى الأمر إلى الدية لا نظر إلى أروشها سواء كانت مقدرة أو غير مقدرة بل الواجب كما قال الإمام دية واحدة عن النفس لا عن الأطراف لا يختلف مذهبنا في ذلك، وإذا كان كذلك فالإبراء حصل عما قابل الأصبع من الدية وقد بينا بآخر الأمر أن لا مقابل لها، ولو قيل بأن لها مقابلا فليس هو عشرًا من الإبل بل جزءًا من الدية وهو مجهول، وقضية ذلك أن لا تصح فيما ادعوه.
فإن قلت: إنما صح عن أرش الأصبع لأني أنزل الإبراء منزلة الاقتصاص وهو لو اقتص في الأصبع لسقط من الدية العشر فكذلك إذا عفى على أرشه.
قلت: إنما سقط العشر عند القصاص قيمة لأنه استوفى ما قيمته العشر مع أنه لا يمكن رده فصار كما لو تسلم عشرًا بخلاف الإبراء فإنه يقبل الرد.
فإن قلت: قد أشار ابن الصباغ في آخر باب القصاص بالسيف إلى شيء يمكن أخذ.
الجواب: منه وهو أنا عند السراية في مثل هذه الحالة لا نسقط أرش الجناية السابقة بالسراية بل نوجب بالسراية تمام الدية.
قلت: قد تقدم لنا خلاف فيما إذا قطع يده ثم ارتد ومات في الردة أن القصاص في اليد هل يجب أم لا؟ بناء على خلاف حكاه الأصحاب فيما إذا قطع يده فمات أنه يجوز لولى المقتول عندنا قطع يده فإن مات وإلا جز

رقبته.
وهل يكون قطع اليد مقصودًا في الاستيفاء أم يكون القطع طريقًا في الاستيفاء؟ والثاني هو الذى فرع عليه الأصحاب؛ فينبغي أن تنبني هذه المسألة على هذا الخلاف.
فإن قلنا: إن قطع اليد إنما وجب طريقًا في الاستيفاء، فالمقصود النفس فيكون الواجب ديتها فلا ينظر إلى أرش الطرف.
وإن قلنا: وجب مقصودًا، فحينئذ يتجه الجواب.
ولك أن تجيب عن هذا بأن محل التردد إذا لم يتعلق بأرش اليد حق لغير مستحق النفس، أما إذا تعلق فذلك الحق لا يسقط عند السراية إلى النفس ولا شيء منه ما أمكن استيفاؤه اتفاقًا وإن وجبت دية النفس.
دليله ما لو قطع يد عبد ثم أعتق ثم مات فإن حق السيد لا يسقط.
وإن كان كذلك فالجاني هنا قد تعلق له حق بأرش الأصبع وهو براءته منه، فإذا صار القطع قتلًا ووجبت دية النفس وجب ألا يسقط الحق السابق كما في حق السيد.
انتهى كلام ابن الرفعة -رحمه الله-.

قوله: إحداها: إذا جنى عبد على حر جناية توجب المال وعفى المجنى عليه عن أرش الجناية ثم مات بالسراية أو اندمل الجرح ثم عفا في مرض الموت فإن أطلق العفو ولم يضفه إلى السيد ولا إلى العبد أثبتت صحته على أن أرش جناية العبد يتعلق برقبته فحسب أو بها وبذمته؟ وفيه قولان: فإن قلنا: يتعلق بالرقبة فحسب، فيصح العفو.
وإن قلنا: يتعلق بالذمة أيضًا، ففائدة العفو ترجع إلى العبد؛ فينبني على الوصية للقاتل.
انتهى.

وما ذكره من التخريج في السراية واندمال الجرح على الوصية للقاتل قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو سهو، بل التخريج خاص بالأولى، وأما في اندمال الجرح فلا؛ إذ لا قتيل فيها ولا قاتل.

قوله: وإذا استحق على الجاني قصاص النفس وقصاص الطرف نظر إن كان مستحق هذا غير مستحق ذاك فلا شك في أن عفو أحدهما لا يسقط حق الآخر.
ومن صوره أن يقطع عبد يدى عبد فيعتق المجنى عليه ثم يسري القطع إلى نفسه فالقصاص في الطرف للسيد وفي النفس لورثته الأحرار، وإن استحقها واحد فلو عفى عن النفس وأراد القصاص في الطرف فله ذلك لأنهما حقان ثبتا له فالعفو عن أحدهما لا يسقط الآخر.
وفي "الوسيط" حكاية وجه أنه إذا عفى عن النفس فقد التزم بقاء الأطراف فيسقط قصاص الطرف، ولم ينقل الإمام في هذه الصورة خلافًا، بل إنما حكاه في عكسه.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في أول كلامه من نفى الخلاف حيث عبر بقوله: ولا شك.... إلى آخره قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وليس كذلك فقد ذهب القفال إلى سقوط قصاص الطرف بعفو الورثة عن قصاص النفس في التصوير الذى صور الرافعي به بعينه وهو قطع العبد المتقدم ذكره.
كذا حكاه إمام الحرمين في آخر "النهاية" عن الشيخ أبى علىّ عنه، ونقله أيضًا ابن الرفعة في "المطلب" هنا عنه وعلله القفال بأن ورثته الأحرار شركاء في الطرف للسيد، فإذا عفوا عن النفس صاروا بالنسبة إلى الطرف كعفو بعض الشركاء فيسقط، ثم رده الشيخ أبو علىّ بأنه ليس من

باب الشركة بدليل أن مستحق الطرف لا يحتاج في القصاص إلى استئذان مستحق النفس.
الأمر الثاني: من الواضحات أن القول في المسألة الثانية بسقوط الطرف عند العفو عن النفس أقرب من القول به في المسألة الأولى فإنه إذا أسقط حق الغير لما يتخيل من الشركة فعند الخلوص له أولى، وقد ظهر لك ذلك أيضا من كلام الرافعي فإنه عبر في الأولى بقوله ولا شك ثم ذكر الثانية وحكى فيها وجهًا عن الغزالي وتوقف فيه.
إذا علمت ذلك علمت صحة الوجه الذى ذكره في الوسيط وقائله ومن أين أخذه، وقد توهم النووي أنه لا أصل له فقال في "الروضة" 1: وانفرد الغزالي بحكاية وجه.
هذا لفظه، وقد صرح في "البسيط" أيضا بهذا الوجه وعلله بما ذكره في "الوسيط".

قوله: ولو رمى الولى إلى الجاني ثم عفا قبل الإصابة ففي نفوذه وجهان نقلهما الإمام: أحدهما: أنه لا ينفذ؛ لخروج الأمر عن اختياره.
وأظهرهما -وهو المذكور في "الكتاب"- أنه كقطع اليد؛ فإن لم يصبه السهم فالعفو صحيح وإن أصابه فقتله بان أن العفو باطل، وفى وجوب الدية على العافي وجهان سبق ذكرهما في فصل تغير الحال بين الجرح والموت، والأصح عند صاحب "التهذيب" ويحكى عن القفال أنه تلزمه الدية لأنه محقون الدم عند الإصابة.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن صاحب "التهذيب" هنا قد صرح -أعنى الرافعي- بتصحيحه في الفصل الذى نص على سبق ذكر الوجهين فيه، وبالغ في تصحيحه مبالغة شديدة وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا هناك

وأطلق تصحيحه أيضًا هنا.
الأمر الثاني: أن ما ذكراه هنا من تصحيح الوجوب بعد جزمهما ببطلان العفو غلط واضح فإنه إذا أبطل العفو لا يتصور إيجاب ضمان الجانى لاستحقاق العافى دية.
نعم حكى الغزالي في هذا الباب من "البسيط" في آخر الحالة السادسة وجهًا أن عفوه صحيح مع الإصابة ويلزمه ضمانه بناء على أن الاعتبار بحالة الإصابة؛ وحينئذ فيستقيم بناء المذكور هنا عليه، وكلام الإمام يشير إليه أيضًا، وكلام القاضي حسين صريح فيه.

قوله: ولو وكله في القصاص ثم عزله فقتله الوكيل جاهلًا بالعزل وجبت الدية في أصح القولين، وتكون على الوكيل، وقيل: على الموكل.
فإن قلنا: على الوكيل، فهل هي حالة أم مؤجلة؟ فيه وجهان حكاهما الإمام.
انتهى.
والأصح على ما قاله في "الروضة" من "زوائده": أنها حَالّة.

قوله: ولو جنت امرأة فتزوجها المجنى عليه على القصاص الثابت عليها، أو قتلت إنسانًا فتزوجها وارثه على القصاص جاز وسقط القصاص، فإن طلقها قبل الدخول فترجع بنصف أرش الجناية أو بنصف مهر المثل؟ فيه قولان: أصحهما -على ما ذكره صاحب التهذيب- هو الأول.
انتهى كلامه.
ذكر في "المحرر" نحوه أيضًا فقال: إنه الذى رجح من القولين.
واعلم أنه إذا أصدقها تعليم سورة فعلمها ثم طلقها قبل الدخول فإنه يرجع عليها بنصف أجرة التعليم.
كذا جزم به الرافعي في باب التشطير، وقياسه من هنا أن يكون الأصح ما قاله في "التهذيب" وقد صححه النووي في أصل "الروضة".

قوله نقلًا عن "التتمة": وإنه لو رمى إلى شخص أو جماعة وقصد إصابة واحد منهم -أيّ واحد كان- فأصاب واحدًا ففي وجوب القصاص وجهان؛ لأنه لم يقصد عينه.
انتهى كلامه.
والصحيح عدم الوجوب.
كذا جزم به الرافعي في أول الجنايات في الكلام على تقديم الطعام المسموم، وفي آخرها أيضًا قبيل الكلام على العاقلة، ولفظ كل من الموضعين مذكور في محله، وقد تابعه في "الروضة" عليهما وغفل عنه هاهنا فرجح من "زوائده" الوجوب فقال: قلت: الراجح وجوبه، والله أعلم.

جارٍ التحميل