المسألة ستر العورة بذلك ورؤية المبيع من ورائه والحكم أنهما لا يكفيان.
أما عدم الاكتفاء في العورة فلأن المقصود سترها عن الأعين ولم يحصل بخلاف الخف، فإن المعتبر فيه غسل الرجل بسبب الساتر وقد حصل، وأما عدم الاكتفاء في المبيع؛ فلأن المطلوب نفي الغرر وهو لا يحصل؛ لأن الشئ من وراء الزجاج يرى كبيرًا جدًا على خلاف ما هو عليه.
ومن نظائر المسألة أيضًا: إذا حلف لا يراه فرآه من وراء ذلك وستعرف الكلام عليها إن شاء الله تعالى في الطلاق.
قوله: ولو اتخذ خفًا من جلد الميتة قبل الدباغ لم يحل استعماله في البدن باللبس وغيره على أصح القولين ونص في "الأم" على أنه لا يجوز المسح عليه؛ لأنه لا يماس الصلاة وفائدة المسح، وإن لم تنحصر في الصلاة إلا أن المقصود الأصلي الصلاة وما عداها كالتابع، وأيضًا فإن الخف يدل عن الرجل، ولو كانت الرجل نجسة لم يغسل عن الوضوء ما لم يطهر عن النجاسة فكيف يمسح على البدل وهو نجس العين.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" عليه وفيه أمور:
أحدها: أن ظاهر العين إذا أصابته نجاسة [حكمه] 1 في ذلك حكم نجس العين صرح به النووي في "شرح المهذب" وصاحب "الذخائر".
الثاني: أنه لو كان محل المسح طاهر العين دون [خرق] 2 أسفله أو كانت الطهارة ظاهرة العين دون البطانة فمقتضى التعليل الأول أن المسح لا يصح لأن الصلاة فيه لا تصح، وأما على الثاني فيحتمل أن يقال إنه يصح ونستفيد به مس المصحف ونحوه، إن قلنا إن مسح الخف يرفع الحدث وهو ما صححه النووي، وإن قلنا إنه كالتيمم في أنه يبيح الصلاة خاصة وهو
مقتضى ما صححه الرافعي في "الشرح الصغير" كما [ستعرفه] 1 في آخر الباب فينبني على صحة التيمم قبل إزالة النجاسة، فإن لم يصححه هناك [فهنا] 2 أولى، وإن [صححناه] 3 فالظاهر الصحة أيضًا ولو كان كله طاهر العين ولكن تنجس أسفله أو خرقه دون محل المسح فيتجه فيه أيضًا هذا التخريج، ومقتضى كلام الرافعي في الكلام على كيفيه المسح الجزم بالصحة، وقد رأيته مصرحًا به في "التبصرة" للشيخ أبي محمد.
الأمر الثالث: أن للصلاة قد تباح مع لبس الخف النجس العين لشدة البرد ونحوه وحينئذ فيكون مقتضى التعليل الأول من [تعليلى] 4 الرافعي أنه جوز المسح عليه خصوصًا إذا لم يجد ما يكفيه للغسل لو نزع الخف، وقول الرافعي: يماس الصلاة أي لا يجامعها، فعبر به عنه مجازًا؛ لأن من مس شيئًا فقد اجتمع به وقاربه.
قوله: فالقديم ونص عليه في "الإملاء" أنه يجوز المسح على الجرموقين، والجديد أنه لا يجوز؛ فإن جوزنا فقد ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معانٍ.
أظهرها أن الجرموق بدل عن الخف، والخف بدل عن الرجل.
وثانيها الأسفل كاللفافة والخف [هو] 5 الأعلى.
وثالثها: أن الأعلى والأسفل معًا كخف واحد له ظهارة وبطانة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" "وشرح المهذب" على التعبير بالمعاني مع أن هذه
المعاني الثلاث هي وجوه لابن سريج كذا نبه عليه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال فيه ثلاثة أوجه لابن سريج هذا لفظه وسبقه إليه الإمام في "النهاية" والروياني في "البحر" والعمراني في "البيان" وغيرهم بل عبارة "البحر" [إن] 1 فيه ثلاثة أوجه نقلها ابن سريج عن الأصحاب.
قوله: ويتفرع على هذه المعاني صور منها: لو خرق على الأعلى من رجل والأسفل من [الأخرى] 2 فإن قلنا إنه بدل البدل نزع الأعلى المتخرق وأعاد المسح على ما تحته وهل يكفي ذلك أم يحتاج إلى استئناف الطهارة؟ فيه قولان.
وإن قلنا: إنهما كطاقتي خف لم يضر.
وإن قلنا: الأسفل اللفافة ويجب نزع الكل كما لو تخرق أحد الخفين ثم إذا نزع غسل الرجلين وفي استئناف الوضوء القولان.
انتهى.
والتفريع على المعنى الأخير وهو اللفاقة قد سقط [من الروضة] 3.
النظر الثاني في كيفية المسح
قوله: لا كلام في أن ما يحاذي غير الأسفل والعقبين محل للمسح.
انتهى.
ويستثني مما قاله خرق الخف، فإن حكمه حكم الأسفل كما جزم به النووي في "المنهاج" ونقله في "الروضة" و"شرح المهذب" عن "التهذيب" وأثره.
قوله: في "الروضة" إلا أسفل الرجل [فإنه لا] 1 يجوز الاقتصار عليه في الأظهر وقيل: يجوز قطعًا، وقيل: لا يجوز قطعًا.
انتهى.
وما صححه في طريقة القولين تبعًا للرافعي قد خالفه في "شرح المهذب" فقال: المذهب وهو الصواب المعتمد نقلًا ودليلًا وعليه جمهور الأصحاب القطع بعدم الإجزاء.
قوله: وأما الأكمل فهو أن يمسح أعلى الخف وأسفله فقد رواه هكذا المغيرة بن شعبة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والأولى أن يضع كفه اليسرى تحت العقب واليمنى على ظهر الأصابع، ويُمر اليسرى إلى أطراف الأصابع من أسفل واليمنى [على] 2 الساق وروى هذه الكيفية عن ابن عمر.
انتهى.
وهذه الكيفية قد أسقطها النووي من "الروضة" مع اتفاق الأصحاب على استحبابها كما قاله في "شرح المهذب" حتى إن صاحب التنبيه قد صرح باستحبابها فيه، وأما حديث المغيرة فرواه أبو داود والترمذي وغيرهما لكنه ضعيف ضعفه البخاري وغيره وكذلك الشافعي واعتمد على أثر ورد عن عمر قاله في "شرح المهذب".
قوله: وقال الغزالي في "الوجيز" الأكمل أن يمسح أعلاه وأسفله إلا أن
يكون على أسفله نجاسة، وهذا استثناء لم يذكره في "الوسيط" ولا تعرض له الأكثرون وفيه إشعار بالعفو عما على أسفله فأما عدم المسح فلا شك فيه؛ لأن المسح يزيد فيها وأما العفو ففيه كلام يأتي في الصلاة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه [مشعر] 1 بانفراد الغزالي بهذا الاستثناء مع أن القاضي الحسين قد صرح به في تعليقه حكمًا وتعليلًا، وزاد عن هذه المسألة في هذا التعليل فقال: لأنه ينجس يده ويزيد في النجاسة.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد عبر عن هذه المسألة بقوله: ولو كان عند المسح على أسفل خفه نجاسة لم يجز المسح عليه أى على الأسفل.
وحاصل هذه العبارة أنها مسألة أخرى مستقلة، وحكمها أيضًا ممنوع، فإن المسح على الأسفل المذكور، إن كان بدون الأعلى فلا يصح طاهرًا كان أو نجسًا، وإن كان معه صح ونستفيد به مس المصحف ونحوه وكذلك الصلاة ونحوها إذا أزال النجاسة.
قوله: وهل يستحب مسح العقب؟ فيه قولان، وقيل وجهان: أصحهما: نعم، ومنهم من قطع بالاستحباب ونفي الخلاف.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على تصحيح طريقة القولين فقال: ويستحب مسح العقب على الأظهر وقيل: الأصح، وقيل قطعًا ثم عكس ذلك في "شرح المهذب" فقال مشيرًا إلى طريقة القطع ما نصه: وهذه الطريقة هي المذهب وجزم بها كثيرون وذكر مثله في "شرح التنبيه" المسمى بالتنقيح [بالتحفة فقال: ومنهم من قطع باستحبابه وهو الأصح وكذلك في شرح الوسيط المسمى بالتنقيح] 2 فقال: أصحهما القطع باستحبابه وهو نص الشافعي في معظم كتبه، والثانية: على قولين.
هذا كلامه ولم
يذكر المسألة في "المنهاج" وذكرها في "التحقيق" ولم يبين الأصح منهما بل قال: المذهب استحباب مسحه.
قوله: لكن استيعاب الكل ليس بسبب مسح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على خفيه خطوطًا، وحكى عن تعليق القاضي حسين أنه يستحب الاستيعاب كما في مسح الرأس.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما صححه من عدم الاستحباب صححه أيضًا النووي في "الروضة"، وجزم به في "التحقيق" و"المنهاج" وخالف ذلك في "شرح المهذب" فإنه نقل عن الإمام والغزالي عدم الاستحباب ثم قال: وأطلق جمهور الأصحاب استحباب استيعاب الخف بالمسح.
هذا لفظه.
الثاني: أن الذي حكاه الرافعي عن "التعليق" صحيح فإنه مذكور فيها كذلك، ومذكور أيضًا في "الإبانة" للفوراني و"التتمة" للمتولي وغيرها لكنهم فسروا الاستيعاب بالكيفية المستحبة في المسح وهي أن تضع اليسرى تحت العقب واليمنى على رءوس الأصابع إلى آخر ما قالوه، فذكروا هذه العبارة تنبيهًا على خلاف أبي حنيفة وأحمد حيث قالا يستحب مسح الأعلى دون الأسفل وحينئذ فلا خلاف في المسألة بين القاضي وغيره فاعلمه وقد نبه ابن الرفعة أيضًا عليه ويظهر بسبب ما وقع فيه النووي من الاختلاف فإن مراد الإمام والغزالي بالاستيعاب غير ما أراده الجمهور منه فتوهم النووي أن المراد واحد فأثبت خلافًا وناقض كلامه، والحديث المذكور هو المسح خطوطًا قال في "شرح المهذب": إنه ضعيف وإنه يروي عن على، وقال ابن الصلاح: إن الخطوط ليس لها أصل في كتب الحديث وإن قول صاحب
"النهاية": ورد فيه حديث صحيح ليس بصحيح.
انتهى.
ولكن روى جابر قال: مر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برجل يتوضأ وهو يغسل خفيه فنخسه بيده وقال: "إنا لم نؤمر بهذا" فأره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرةً وفرج بين أصابعه 1. رواه الطبراني في "أصغر معاجمه" 2. وقال تفرد به بقية بن الوليد.
واعلم أن بقية وإن كان مدلسًا إلا إنه ثقة أخرج له مسلم في الوليمة.
قوله: وأما قول الغزالى: إن الغسل والتكرار مكروهًا فإنما يكره الغسل لأنه تغييب للخف بلا فائدة، وكذلك التكرار يوجب ضعف الخف إلى آخره، ثم نقل أعني الرافعي وجهًا أن الغسل لا يجزئ ووجهًا آخرًا أن التكرار مستحب، ولم يذكر في المسألتين هنا غير ذلك.
وفيه أمران:
أحدهما: أن هذا التعليل يقتضي أنه لا يكره ذلك في الخف من الحديث والخشب إذا أمكن متابعة المشي فيهما.
الثاني: أن ما قاله الغزالي في المسألتين من الكراهة هو المعروف فقد وافقه عليه الرافعي في "الشرح الصغير" فجزم بكراهة الغسل وصحح كراهة التكرار وصحح النووي ذلك في "شرح المهذب" وفي أصل "الروضة" أيضًا، وإن كان كلام الرافعي في "الكبير" هنا ليس فيه إلا ما قلناه.
نعم: جزم فيه أعني في -الكبير- بكراهة غسل الخف في الكلام على مسح الرأس.
النظر الثالث في حكم المسح
قوله: وهل يتقدر المسح بمدة أم لا؟ فيه قولان: قال في القديم: لا، لما روى ابن عمارة وكان ممن صلى للقبلتين قال: قلت: يا رسول الله أمسح على الخف، قال: "نعم"، قلت: يومًا، قال: "ويومين" قلت: وثلاثة أيام، قال: "نعم وما شئت" 1.
وقال في الجديد يتقدر في حق المقيم بيوم وليلة في حق المسافر بثلاثة أيام ولياليهن لحديث صفوان بن عسال كما تقدم.
انتهى.
واعلم أن التعبير بقوله: و"لياليهن" هو التعبير الموجود في الأحاديث وفي كتب الأصحاب أيضًا وليلة اليوم هي الليلة السابقة عليه فلا يكون مقتضى اللفظ جواز مسح ثلاث ليال مطلقًا؛ بل جواز مسحها إن كانت ليالي تلك الأيام، وحينئذ فقد يتفق استباحة الثلاث كما إذا أحدث عند الغروب وقد يتفق له استباحة الثلاث كما إذا أحدث عند الغروب وقد يتفق ذلك في ليلتين كما إذا أحدث عند الفجر وهذا هو مقتضى اللفظ الوارد في
الحديث وفي كتب الأصحاب فاعلمه.
غير أن الرافعي لما تكلم على غاية ما يمكن المسح له من الصلوات مثل بمثال يؤخذ منه جواز مسح ثلاث ليال مطلقًا.
ولقائل أن يقول له: الدليل قائم على امتناع ما قلت فما الدليل على ما ذهبت إليه، وما جوابك عما قلناه؟
وحديث صفوان صحيح كما تقدم، وأما حديث أبي بن عمارة فرواه أبو داود والدارقطني والبيهقي وغيرهم من أهل السنن واتفقوا على أنه ضعيف مضطرب لا يحتج به.
وعمارة بكسر العين وضمها والكسر أشهر، وخالف ابن عبد البر فقال: إن الضم قول الأكثرين قالوا: وليس في الأسماء عمارة بكسر العين غير هذا.
قوله: وتعبير الرافعي ابتداء المدة من وقت الحدث بعد اللبس ونقل عن أحمد وداود أن ابتداءها من وقت المسح.
دلنا أن وقت جواز المسح يدخل بالحدث ولا معنى لوقت العبادة سوى الزمان الذي يجوز فعلها فيه كوقت الصلاة وغيره.
انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره الرافعي مشهور في كتب المتقدمين من أصحابنا والمتأخرين وهو صريح في أنه لا يجوز لماسح الخف أن يجدد الوضوء قبل الحدث لكن جزم النووي في "شرح المهذب" بالاستحباب فضلًا عن الجواز، فإنه قال في الاستدلال على أن ابتداء المدة من حين الحدث، واحتج أصحابنا بأنه إنما يحتاج إلى الترخص بالمسح من حين يحدث، وهذا
فاسد فإنه يحتاج بمجرد اللبس لتجديد الوضوء.
واعلم أنه إذا لبسه ثم أراد تجديد الوضوء قبل أن يحدث جاز له المسح، ولا تحسب عليه المدة حتى يحدث هذا لفظه،
وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" أن مقتضى القياس المتقدم منع اللابس من التجديد قال: ولا شك في كونه مكروهًا وكلامه يقتضي أنه لا فرق بين ما قبل الحدث وما بعده والذي دل عليه تعليل الأصحاب إنما هو المنع فيما قبل الحدث كما فرضناه.
وهذا الذي نقله الرافعي عن أحمد وداود قد نقله في "شرح المهذب" عن أبي ثور وابن المنذر من أصحابنا ثم قال أعني النووي: إنه المختار لأنه مقتضى أحاديث الباب الصحيحة انتهى.
وأما ما جاء في رواية عن صفوان بعد قوله: "وبول من الحدث" إلى الحدث فخرجها القاسم بن زكريا المطرز لكنها لم تثبت.
قوله: ولو أحدث في الحضر ومسح في السفر فإنه يمسح مسح مسافر خلافًا للمزني حيث قال: يمسح مسح مقيم ولنا أنه لو سافر بعد دخول وقت الصلاة كان له القصر على الصحيح.
انتهى.
واعلم أن هذا النقل عن المزني قد أنكره جماعة منهم القاضي أبو الطيب فقال ما نصه: نقل الداركي عن المزني أنه يمسح مسح مقيم وليس بصحيح ومذهبه كمذهبنا.
فإن قيل: استدلال الرافعي على المزني بالقياس على جواز القصر في هذه الحالة أيضًا مردود ففي "المهذب" في صلاة المسافر نقلًا عنه أيضًا أنه لا يجوز [القصر] 1 بل يجب الإتمام.
فالجواب أن مذهب المزني في القصر هو الجواز كما نقله عنه الرافعي؛ لأن الشيخ في "المهذب" قد نقل هناك عنه أن فائتة الحضر يباح قصرها في السفر.
فإذا كان مذهبه جواز القصر إذا مضى جميع الوقت في الحضر [فالأولى] 1 جوازه إذا مضى مقدار الصلاة [وأما ما نقله الشيخ عن المزني في هذه الحالة أي فيما إذا مضى مقدار الصلاة] 2 فإن المزني قاله تخريجًا من وجوب القضاء على المرأة إذا حاضت بعد إمكان فعل الصلاة فقال: قياس قول الشافعي أنه يلزمه الإتمام هكذا صرح به جماعة ونقله ابن الرفعة عنه فالمزني إنما قاله: إلزامًا لأن المسألتين عنده متشابهتان ولم يقل ذلك مذهبًا ثم إن المزني لما وافق في مسألة طرآن الحيض بعد إمكان فعل الصلاة لزمه أن يقول: ليس له القصر؛ لأن المسألتين عنده متناظرتان فلذلك احتج عليه الرافعي بالقياس على القصر.
قوله: ولو ابتدأ المسح في الحضر ثم سافر أتم مسح المقيمين وكذا لو انعكس الحال وقال المزني: كل يوم وليلة في السفر [تقابل بثلث يوم وليلة في الحضر؛ فإن مسح يومًا وليلة في السفر] 3 ثم أقام فله ثلثًا يوم وليلة وإن مسح يومين وليلتين ثم أقام فله ثلث يوم وليلة.
انتهى كلامه.
واعلم أن البندنيجي قد ذكر في "تعليقه" مذهب المزني محررًا وستر ما ذهب إليه فقال: حكى أبو العباس يعني ابن سريج عن المزني أنه قال: إذا كان مقيمًا ثم سافر أو مسافرًا ثم أقام بنى إحدى المدتين على الأخرى [ويقسط] 4 ذلك على الزمان فإن كان مقيمًا فمضى من مدة الإقامة ثلثها
من حين الحدث ثم سافر له أن يمسح بعد أن حصل مسافرًا يومين وليليتن ثلثي مدة السفر في مقابلة ما بقى من مدة الحضر وهو ثلثًا يوم وليلة [فإنه بقى له الثلثان من مدة المسح وقد صار الآن مدة مسافرين وإن كان مسافرًا يوم وليلة] 1 ثم حضر فقد مضى له ثلث مدة السفر فيضيف إلى هذا ثلثي مدة الحضر انتهى.
وكلام الرافعي منطبق عليه في الصورتين فتأمله إلا إنه لم يمثل إلا لطرآن الإقامة على السفر، وقد اختصره في "الروضة" على صورة تقتضي أن خلاف المزني إنما هو في الثانية خاصة فإنه حذف الضابط، واقتصر على المثال ولكنه عبر عنه أعني عن المثال بتعبير حسن أخذه من مشكل الوسيط لابن الصلاح فقال: وقال المزني: يمسح ثلث ما بقى من ثلاثة أيام ولياليهن مطلقًا هذا لفظه من غير زيادة عليه ولا يمكن عوده إلا إلى الثانية فقط.
قوله: الغاية الثانية نزع الخفين أو إحداهما فإن وجد ذلك وهو على طهارة مسح لزمه غسل الرجلين وفي استئناف الوضوء قولان؛ أظهرهما أنه لا يلزمه.
انتهى ملخصًا.
واحترز بالمسح عن طهارة الغسل ويدخل في ذلك مسائل.
الأولى: إذا لم يحدث قبل النزع وهو واضح.
الثانية: إذا أحدث ولكن توضأ وغسل رجليه في الخف وطهارته كاملة ولا يلزمه شئ بلا خلاف وله أن يستأنف لبس الخف بهذه الطهارة كذا ذكره في "شرح المهذب" وأشار بقوله: وله أن يستأنف إلى وجوب [نزعها] 2 إذا أراد المسح حتى لو كان المقلوع واحدة فقط فلابد من نزع الأخرى وهو كذلك.
الثالثة: إذا كان على طهارة المسح ولكن اتفق أن غسل رجليه في الخف
قبل النزع أو غسلهما قبل انقضاء المدة والمنقول في هذه المسألة أن الغسل المذكور لا أثر له بعد النزع والانقضاء لأن فرض الرجل قد سقط بالمسح فلم يكن الغسل على اعتقاد الفرض كذا ذكره البغوي في فتاويه ثم قال: ويحتمل خلافه وهي مسألة نفيسة، وما ذكره فيها متجه.
قوله: واختلفوا في أصل القولين المذكورين، فقيل: إنهما أصل [بأنفسهما] 1 وقيل: مبنيان على تفريق الوضوء، وقيل: على أن بعض الطهارة هل تختص بالانتقاض، وقيل على أن مسح الخف هل يرفع الحدث عن الرجلين أم لا، فإن قلنا يرفع استأنف وإلا فلا، وهذه طريقة القفال والشيخ أبي حامد وأصحابهما، وهو ما أورده الغزالى.
انتهى ملخصًا.
ومقتضى كلامه أن الأكثرين على ترجيح طريقة البناء على رفع الحدث، وقد صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" ولم يصح في "الروضة" شيئًا لكنه صحح في "شرح المهذب" أنهما أصلان بنفسهما ولهذا صحح فيه وفي "الروضة" من زوائده أن مسح الخف يرفع الحدث لكن تصحيح الرافعي في الشرح أن القولين مبنيان على رفع الحدث مع تصحيحه لوجوب غسل الرجلين يلزم منهما أن يكون الأصح عنده أن مسح الخف لا يرفع الحدث على خلاف ما صححه النووي في "الروضة" وغيرها فاعلمه.
قوله: من "زياداته": ولو خرج الخف عن صلاحية المسح لضعفه أو لخرقه أو غير ذلك فهو كنزعه.
انتهى.
ومسألة التخرق ذكرها الرافعي وكررها في مواضع عديدة في الكلام على فوائد الخلاف في أن الجرموق إذا جوزنا المسح عليه يتنزل منزلة البطانة أو غيرها.