ثم قال: وعلى هذا لو كان اعتكافه المنذور أقل من أسبوع ابتدأ من أول أسبوع، أين شاء من المساجد وفي الجامع متى شاء، وإن كان أكثر من أسبوع فيجب أن يبتدئ به في الجامع.
انتهى.
والضابط الذي ذكره لما يجب الابتداء به في الجامع وما لا يجب ليس صحيحًا، لأنه إذا نذر اعتكاف ستة أيام وثلثى يوم وربع يوم مثلًا فقد نذر أقل من أسبوع ولا ينفعه الابتداء به من أول الأسبوع في غير الجامع، وهذا على قولنا أول الأسبوع السبت.
فإن قلنا: إنه الأحد، فيصير الاعتراض أفحش، وأما تقييده وجوب الابتداء في الجامع بأكثر من أسبوع فلا يستقيم أيضًا بل ينبغي أن يقول: وإن كان أسبوعًا فصاعدًا بل ما دون الأسبوع، وقد يكون حكمه كذلك على ما تقدم.
قوله: فإن عين غير الجامع وقلنا بالتعيين لم يخرج عن نذره إلا بأن يمرض وتسقط عنه الجمعة، أو بأن يتركها عاصيًا ويدوم على اعتكافه.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي من أنه لا يخرج عن نذره إلا بأحد هذين الشيئين ذكره البغوي في "الروضة" فقلده فيه الرافعي ثم النووي في "الروضة" و"شرح المهذب".
وهو غريب؛ بل يخرج عن نذره بكل ما يسقط الجمعة من الخوف والوحل والمطر والتمريض، وكذلك بالنوم والنسيان.
وليت شعري كيف ذهل البغوي عن هذا حتى وقع من بعده فيه.
قوله: ولابد من قضاء الأوقات المصروفة إلى ما عدا قضاء الحاجة [إلا] 1 من الأعذار فإنه غير معتكف فيها.
انتهى.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على هذا الإطلاق ولم [أراه في كلام أحد من الأصحاب بل] 1 لابد من استثناء أوقات الأكل والوضوء ونحوهما، فقد قال الشيخ أبو علي السنجي في "شرح التلخيص": زمان الغائط والبول محسوب حتى لا يقضى لأنه يسير.
وكذلك المؤذن يخرج للأذان والجنب يخرج للغسل.
ثم قال: فأما إذا خرج للمرض أو المرأة للعدة والحيض والنفاس أو لانهدام المسجد أن يبنى أو للجهاد فلا يحسب ويقضيه؛ لأن هذه الأشياء تحتاج إلى زمان طويل.
هذا لفظه.
وقال القاضي حسين في "تعليقه" عند الكلام في الخروج لقضاء الحاجة: لو أجنب في المسجد له الخروج ليغتسل لأنه لا يمكنه أن يتجرد في المسجد ويكون مستثنى من أصل نذره، وقال في "النهاية" في الرد على من قال: إن للجنب أن يغتسل في المسجد: إن الخروج إذا أمر به فهو في معنى الخروج لقضاء الحاجة ثم نفس الخروج مع أنه مباينة للمسجد غير مؤثر فليكن الخروج لأجل الإنزال الواقع من غير قصد بهذه المثابة.
وقال الغزالي في "البسيط": فإن قيل حيث يجوز الخروج فهل يجب تدارك أوقات الخروج أم تحسب من الاعتكاف؟ قلنا: لا يحسب شئ من ذلك من مدة الاعتكاف إلا أوقات الخروج لقضاء الحاجة.
وفي معناه الأكل والوضوء إن جوزنا الخروج لهما.
وقد اختلف الأصحاب في طريقه؛ منهم من قال: هو معتكف في حركاته وحكمه مستمر عليه.
ثم قال: منهم من قال: ليس بمعتكف، وهو الصحيح، ولكن معناه أنه جعل مستثنى فهو كما لو قال أعتكف شهرًا إلا في أوقات قضاء الحاجة.
وقال ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" بعد أن ذكر أن الخروج لقضاء الحاجة لا يجب تداركه ما نصه: وفي معناه الخروج للأكل والوضوء إن جوزناه، والموقع للرافعي فيما وقع فيه أن الغزالي في "الوجيز" قال: فعليه قضاء الأوقات المصروفة إلى هذه الأعذار، وأشار بالأعذار إلى أمور عددها ليس فيها شئ مما قلنا يجب استثناؤه كما تعرف بمراجعة لفظه، فحمل الرافعي هذا اللفظ على العموم لا على العهد وتصرف فيه فاعلمه.
قوله: وأما ما منه بد ففي وجوب تجديد النية له عند العود وجهان:
أظهرهما: لا يجب؛ لشمول النية جميع المدة.
ثم قال: وأجرى الشيخ أبو عليّ الخلاف فيما إذا خرج لغرض استثناه ثم عاد.
انتهى كلامه.
وما نقله الرافعي عن الشيخ أبي علىّ تبع فيه الإمام وتبعه عليه النووي من بعده، والشيخ أبو عليّ لم يطلق ذلك بل شرط فيه أن يطول زمن الخروج فقال في "شرح التلخيص": لو عين عشرة أيام ونوى اعتكاف جميعها إذا دخل، فإذا خرج لعارض استثناه ثم رجع لا يحتاج إلى تجديد النية؛ لأنه نوى الكل دفعة واحدة في الابتداء.
قلنا: ويحتمل أن ينوي إذا طال الخروج كما أنه يحتاج أن ينوي كل ليلة من رمضان إن كان الزمان متعينا، هذا لفظه بحروفه ومن "شرح التلخيص" نقلت.
قوله: ولو عين مدة ولم يتعرض للتتابع ثم جامع أو خرج من غير عذر ففسد اعتكافه ثم عاد ليتم الباقي فقد أجرى الخلاف في وجوب التجديد.
قال الإمام: لكن المذهب هاهنا وجوبه.
انتهى:
تابعه في "الروضة" على نقل ذلك عن الإمام فقط، وقد صحح في "شرح المهذب" ما صححه الإمام فقال: هو كما قال، والصحيح وجوب تجديد النية هنا للخلل المنافي القاطع للاعتكاف.
قوله من زوائده: لو قال لله علىّ اعتكاف شهر نهارًا صح فيعتكف النهار دون الليالي، نص عليه في "الأم".
انتهى.
هذه المسألة.
ذكرها الرافعي قبل هذا الموضع بدون ثلاثة أوراق.
قوله أيضًا من زوائده: قال الروياني: قال أصحابنا: لو نذر اعتكافًا وقال: إن اخترت جامعت، أو إن اتفق لي جماع جامعت لم ينعقد نذره، والله أعلم.
هذه المسألة قد سبق معناها في كلام الرافعي قبل هذه الموضع بنحو ورقتين وهي أول في فصل.