المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 607-4

في الأولى بذلك، ثم ذكر هذه عقبها من غير تفصيل، فدل ذلك على أنه لا فرق، فإن الحمل على عدم استحضار التفصيل لا [يتأتى] 1، لكن الأمر ليس كذلك، فقد نص الشافعي -رحمه الله- على الفرق ونقله عنه -أعنى ابن الرفعة- في آخر الفصل الأول من كتاب الهبة فقال في أثناء فروع نقلها عنه ما نصه؛ ولو قال: وهبته منه بالقبض، وإن كان في يد الواهب فلا.

قوله: ولو أقر بالإتلاف على إنسان وأشهد عليه ثم قال: كنت عازمًا على الإتلاف فقدمت الإشهاد على الإتلاف، لم يلتفت إليه بحال، بخلاف ما لو شهد على نفسه بدين ثم قال: كنت عازمًا على أن أستقرض منه فقدمت الإشهاد على الاستقراض، قُبِل للتحليف؛ لأن هذا معتاد، وذلك غير معتاد.
انتهى كلامه.
والمسألة الأولى وهي مسألة الإتلاف قد نص عليها أيضًا في "الشرح الصغير" هكذا، وأشار الإمام وغيره إلى أنه لا خلاف فيها كما يشعر به كلام الرافعي هنا.
وقد وقع في كثير من نُسَخ الكتاب إسقاط جوابها، ووقعت نسخة من تلك النُّسخ للنووي فاختصرها على ما هي عليه، ثم كتب على حاشية "الروضة" بخطه: يحقق من "التتمة" أو غيرها، ثم إن كثيرًا من النساخ اجتهدوا فحذفوا المتوسط، وهو صدر المسألة الثانية -أعني مسألة الدين- وأجابوا عنها بجواب واحد، فقالوا: ولو أقر بإتلاف مال أو بدين.
ثم قال: كنت عازمًا على أن أستقرض.... إلى آخر المسألة.
ثم إنهم مع إسقاطها أبقوا الفرق، وهو لا يكون إلا بين مسألتين.
ولو راجع النووي ما راجعناه لاستغنى عن هذا كله.

قوله: ولو قال: غصبت هذه الدار من زيد، بل من عمرو سلمت لزيد.
وأظهر القولين أنه يغرم لعمرو، ثم قيل: القولان فيما إذا انتزعها الحاكم من يده وسلمها إلى زيد.
فأما إذا سلمها بنفسه فيغرم قطعًا.
وقيل: القولان في الحالين.
انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا من الطريقين في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح طردهما في الحالين، فقد صححه القاضي أبو الطيب في "تعليقه" والشيخ في "التنبيه" والنووي في "الروضة"، وهو مقتضى إطلاق "المحرر".
ونقل النووي عن الأصحاب أنه لا فرق في المسألة بين أن يوالى الإقرار بينهما أو يفصل، وسواء كان الفصل يسيرًا أم كثيرًا.

قوله: ولو باع عينًا وأقبضها واستوفي الثمن، ثم قال: كنت بعته من فلان أو غصبته لم يقبل قوله على المشتري، وفي غرامة القيمة للمقر له طريقان: أحدهما: على القولين.
وأصحهما عند البغوي: القطع بالغرم لتفويته عليه بتصرفه وتسليمه.
انتهى.
والصحيح ما قاله البغوي، فقد صححه الماوردي والنووي في أصل "الروضة"، ويتجه أن يقال: لا أثر فيما قلناه للإقباض ولا لاستيفاء الثمن، وإن كان التغريم معهما أظهر، لكن نص الشافعي في "الأم" في باب الإقرار بالحكم الظاهر على القولين، وهو يبطل ترجيح القطع.

قوله: فإن سكت بعد الإقرار، أو تكلم بكلام أجنبي عما هو فيه ثم استثنى لم ينفعه.
انتهى.
قال في "الروضة": هكذا قال أصحابنا أن تخلل الكلام الأجنبي يبطل الاستثناء.
وقال صاحبا "العدة" و"البيان": إذا قال: على ألف أستغفر الله إلا مائة صح الاستثناء عندنا خلافًا لأبي حنيفة ودليلنا أنه فصل يسيره فصار كقوله: على ألف يا فلان إلا مائة.
وهذا الذي نقلاه فيه نظر، هذا كلام النووي، وليس فيه تصريح بموافقتهما، ولا مخالفتهما فيما نقلاه في الفصل اليسير، والأمر كما أطلقه الأصحاب، فقد صرح بالمسألة في أول باب الاستثناء في الطلاق وقال: إنه يقدح على الظاهر، ثم قال: وحكى القاضي ابن كج -رحمه الله- وجهًا آخر: أن الكلام اليسير الأجنبي بين المستثنى والمستثنى منه لا يقدح في الاستثناء.
هذا لفظه.

قوله: ولو أتى باستثناء بعد استثناء وكان الأول مستغرقًا كقوله: عشرة إلا عشرة إلا أربعة فأوجه: أحدها: يبطل الاستثناءان، ويلزمه عشرة.
وقيل: يبطل الأول ويلزمه ستة، وقيل: يصحان ويلزمه أربعة، لأن آخر الكلام يخرج الأول عن أن يكون مستغرقا.
قال في "الشامل": وهذا أقيس.
انتهى.
والأصح هو الثالث، كذا صححه الرافعي في كتاب الطلاق، وذلك لأنه استثنى من العشرة عشرة إلا أربعة، والعشرة إلا أربعة ستة، فكأنه استثنى أولًا ستة فيلزمه أربعة، وهذا هو الذي أراده الرافعي هنا في تعليل الوجه، ولكن عبارته فيها قلق.

قوله: ولو كان العددان بحيث لو جمعا حصل الاستغراق كما إذا قال: على عشرة إلا سبعة وثلاثة، فقيل: يبطلان لأن الواو تجمعهما فيصير مستغرقًا.
وقيل: يبطل الثاني خاصة، وهو الأصح كما قاله الشيخ أبو على.
ثم قال: ورأى -يعني الشيخ- أن يفرق بين قوله: عشرة إلا سبعة وثلاثة، وبين قوله: عشرة إلا سبعة إلا ثلاثة، ويقطع في الصورة الثانية بالبطلان لأنهما استثناءان مستقلان.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل التفريق المذكور على الكيفية التى نقلها الرافعي، وهو سهو، والصواب وهو المذكور في "الكفاية": القطع بصحة الأول إذا أعاد (إلا)، وحكاية الخلاف إذا لم يعدها للمعنى الذي ذكره الرافعي.
والصحيح في كتاب الطلاق من "المحرر" وغيره وفي أصل "الروضة" هنا هو ما صححه الشيخ أبو على.

قوله: وإذا قال: على عشرة إلا خمسة أو ستة، قال المتولى: يلزمه أربعة، لأن الدرهم الزائد مشكوك فيه فصار كما لو قال: على خمسة أو ستة ويمكن أن يقال: يلزمه خمسة، لأنه أثبت العشرة.
وأما استثناء الدرهم الزائد فمشكوك فيه.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: ما نبه عليه في "الروضة" فقال: الصواب قول المتولى، لأن المختار أن الاستثناء بيان ما لم يرد بأول الكلام إلا أنه إبطال ما ثبت، وذكر في "الكفاية" مثله أيضًا فقال: لا وجه إلا ما قاله المتولى.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد جزم في هذا الباب بأنه إذا قال: علىّ

درهم أو دينار لزمه أحدهما وتعين، وجزم أيضًا بذلك -أعني بالتعين- في باب عدد الطلاق فيما إذا قال على سبيل الاستثناء: أنت طالق واحدة أو اثنين، وقياس ذلك يأتى بعينه في مسألتنا.

قوله: فلو أقر بعض الورثة بدين على الميت وأنكر بعضهم فقولان.
القديم: أن على المقر قضاء جميع الدين من حصته من التركة إن وفى به، لأنه إنما يستحق بعد قضاء الدين.
والجديد: أنه لا يلزمه إلا بقسط حصته من التركة، لكنه إن مات المنكر وورثه المقر لزمه الجميع، ثم قال: ويتفرع على القولين فرعان: أحدهما: لو شهد بعض الورثة بدين على المورث، إن قلنا: لا يلزمه الإقرار إلا حصته قبلت شهادته وإلا فلا لأنه متهم، وسواء كانت الشهادة بعد الإقرار أو قبله.
انتهى كلامه.
وما أطلقه الرافعي جازمًا به أيضًا من بناء قبول الشهادة على القولين هو ما ذكره القاضي الحسين فتبعه الإمام وصاحب "التتمة" ثم الرافعي، والمعروف خلافه، فقد ذهب العراقيون جميعهم إلى القبول مطلقًا على القولين معًا.
وذكر ابن الرفعة في كتابيه أنهم قطعوا به، وجزم به الماوردي، وادعى في "البيان" أنه لا خلاف فيه، وقطع به أيضًا الروياني في آخر الإقرار من "البحر"، وكذلك القفال شيخ المراوزة فيما إذا وقعت الشهادة قبل الإقرار.
وأما بعده فخرجها على القولين.
[قوله] 1، والثاني كيس في يد رجلين فيه ألف درهم، قال: أحدهما لثالث لك نصف ما في الكيس، فيحمل إقراره على النصف الذي

في يده وهو ربع الجميع؟ فيه وجهان بناء على القولين السابقين، وبناء على الخلاف فيما إذا أقر أحد الشريكين في العبد المشترك بالتسوية بنصفه أنه يحمل على نصفه أم يوزع النصف المقر به على النصفين؟ وهذا الخلاف الثاني مذكور في الكتاب في باب العتق.
انتهى كلامه.
واعلم أنه إذا كان شريكًا في شيء بأن يكون له في دين أو عين مثلًا نصفه، فأقر بالنصف أو وهبه أو باعه أو تصرف فيه بغير ذلك، وأطلق، ولم ينص على أنه النصف الذي له، فهل ينحصر فيه -أعني في نصفه- أم يشيع؟ فيه قولان يعبر عنهما بقولي الحصر والإشاعة.
وهذه المسألة وهي مسألة الإقرار فرد من أفراد هذه القاعدة.
وقد اختلف كلام الرافعي والنووي فيها في مواضع شتى من وجوه شتى، فلنذكر تلك المواضع ثم نبين وجه المخالفة فنقول: قال في كتاب الرهن: لو رهن نصف عبد ثم أعتق نصفه، فإن أضاف العتق إلى النصف المرهون ففيه الأقوال.
وإن أضاف إلى النصف الآخر وأطلق، عتق ما ليس بمرهون، ويسري إلى المرهون إن نفذنا أعتقاه، كذا إن لم ننفذه على الأصح، لأنه يسري إلى ملك غيره فملكه أولى، وعلى هذا يفرق بين الموسر والمعسر على الأصح.
انتهى.
وهذا التفريع كله والتصحيح موافق لقول الحصر، وأما على قول الإشاعة فيحمل على ربع ليس بمرهون، وربع مرهون.
وحينئذ فيعتق النصف الذي ليس بمرهون بلا محالة الربع بالمباشرة، والربع بالسراية، ويتخرج الربع المرهون الذي باشر عتقه على الأقوال الثلاثة.

وأما الربع الآخر من النصف المرهون فلا يتخرج عليها كما ذكره.
وقال من "زياداته" في هذا الباب عقب مسألة الإقرار بنصف الكيس: إن أفقه الوجهين حمله على ما يملكه، وهو موافق لما تقدم، ويؤخذ منه ترجيح ذلك في غير الإقرار بطريق الأولى لما ستعرفه من كلامه.
وقال في الباب الثاني من الوصية قبيل الكلام على المسائل الحسابية: إنه إذا أوصى بثلث عبد معين فاستحق ثلثاه أن في المسألة طريقين: أحدهما: القطع بأن له الثلث.
وأصحهما: أن فيه قولين: أحدهما: هذا.
والأظهر: أن له الثلث كاملًا.
ثم قال: وقد اشتهر الخلاف في العبد المشترك بين اثنين بالسوية إذا قال أحدهما: بعت نصفه أن البيع ينصرف إلى نصفه أم يشيع؟، ولا فرق في ذلك بين البيع والوصية.
هذا لفظه.
وهو موافق أيضًا للموضعين المتقدمين.
وقال في آخر الباب الرابع من أبواب الصداق، وإن خالعها على نصف الصداق قبل الدخول، نظر إن قال: على النصف الباقي لك بعد الفراق، وصح وعاد إليه الجميع، وإن أطلق فقولان بناء على أن تصرف أحد الشريكين في النصف المطلق من العين المشتركهّ نصفين هل ينزل على النصف الذي له أم يشيع؟ أحدهما: ينزل على نصيبها، ويكون كما لو قبله بنصفها.
[وأظهرهما: عند الأكثرين: يشيع لإطلاق اللفظ، وكأنه خالع على

نصف نصيبها] 1 ونصف نفسه، فيبطل في نصف نصيبه، وفي نصف نصيبها القولان.
انتهى.
وهذا مخالف لجميع ما تقدم.
وقال في كتاب العتق في الشرط الرابع من شروط السراية: ولو باع نصف عبد يملك نصفه، فإن قال بعتك النصف الذي أملكه من هذا العبد، أو نصيبي منه وهما يعلمانه صح، وإن أطلق وقال: بعت نصفه فهل يحمل على ما يملكه، أو على النصف شائعًا؟ وجهان.
ولو أقر بنصف المشترك ففيه هذان الوجهان وقال أبو حنيفة: يحمل في البيع على ما يملكه لأن الظاهر أنه لا يبيع ما لا يملكه، وفي الإقرار على الإشاعة لأنه إخبار.
واستحسن الإمام هذا التفصيل، وبه أجاب الغزالي، وصحح البغوي الإشاعة فيهما.
انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: قلت: الراجح قول أبي حنيفة والله أعلم.
انتهى.
وهذا الكلام من الرافعي مخالف [لما قاله في الخلع فإنه هناك جعل الخلاف قولين، وفى هذا الموضع جعله وجهين، وأما النووي فما قاله من التفصيل مخالف] 2 للمذكور هنا من كونه ينحصر مطلقًا، لأنه قد رجحه في الإقرار، وقد علمت أن غيره بذلك أولى، ومخالف للمذكور في الخلع من كونه يشيع مطلقًا.
والغريب أن الترجيحين المتعارضين فيما إذا أقر به كل منهما إنما أبداه تفقهًا، ومن زياداته أيضا ثم إنه شارك الرافعي أيضًا في أن الخلاف وجهان

أو قولان، وعبر في "الروضة" عما حكاه الرافعي عن الإمام والغزالي بقوله: واستحسن الإمام والغزالي هذا، وفيه نظر، فإن الجواب بالشيء فيه زيادة بلا شك على استحسانه.
وقال أيضًا في [العتق في] 1 الكلام على السراية: إذا كان بينهما عبد بالسوية فوكل أحدهما الآخر في عتق نصيبه فقال الوكيل للعبد: نصفك حر.
فإن قال: أردت نصيبي، قوم عليه نصيب شريكه.
وإن قال: أردت نصيب شريكي، قوم على الشريك نصيب الوكيل.
وإن أطلق فعلى أيهما يحمل؟ وجهان حكاهما في "الشامل".
قال النووي من "زياداته" لعل الأصح حمله على نصيب الوكيل.
انتهى.
وقياس ترجيح الإشاعة أن يحمل على نصف نصيبه، ونصف نصيب شريكه، ثم يسري عليهما، لأنهم إذا حملوه على ذلك مع كونه غير قادر على التصرف في الباقي، وأبطلوه، فحمله عليه مع كونه قادر عليه بطريق الأولى.
وأما على قول الحصر ففيه نظر يحتمل أن يجاب بذلك أيضًا، لأنه مالك للتصرف فيهما، ولا ترجيح، ويحتمل الحمل على نصيب المباشر، وهو الوكيل لأن تصرفه فيه بالأصالة.
وإذا علمت هذه المواضع المذكورة علمت أن الفتوى على التفصيل كمقالة أبي حنيفة لقوة مدركه، أو على الإشاعة مطلقًا وهو الحق، لنقله إياه عن الأكثرين.

وأما المذكور في هذا الباب من زياداته فلا وجه له لمخالفة المعنى الواضح، والنقل عن الأكثرين، وكذلك المذكور في الرهن والوصية لمخالفة الأكثرين، ومثله ما ذكرته ثانيًا عن العتق.

قوله من زوائده: قال القاضي أيضًا في آخر الغصب -يعني القاضي أبا الطيب-: لو باع دارًا ثم ادعى أنها كانت لغيره باعها بغير إذن، وهي ملكه إلى الآن، وكذبه المشتري، وأراد أن يقيم بينة بذلك، فإن قال: بعتك ملكي أو داري أو نحو ذلك مما يقتضي أنها ملكه، لم تسمع دعواه، وإلا سمعت.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة على التصوير الذي ذكره غلط، ليست في تعليق القاضي، فإنه لا تصح منه الدعوى بملك الغير.
فإن تكلف متكلف وقال: إن صورة ذلك [فيما إذا وكله ذلك] 1 الغير فلا تصح أيضًا، لأنا لا نسلم امتناع دعواه إذا كان قد قال: بعتك ملكي، ونحو ذلك، لأن فائدة الدعوى لا تعود إليه لكونه نائبًا عن غيره فكما أن إقراره هذا لا يمنع صحة دعوى ذلك بنفسه، فكذلك توكيله.
وبالجملة فالمذكور في "الروضة" غلط منه على القاضي سببه سوء فهمه لذهول أو غيره.
فإن القاضي فرض المسألة فيما إذا انتقلت إلى المدعي الذي كان قد باع فإنه قال في الموضع المذكور، وهو آخر الغصب ما نصه: إذا باع من رجل دارًا ثم ادعى أن الدار لم تكن له حين البيع وإنما كانت لغيره، وقد باعها بغير إذنه، وهي ملك له الآن بميراث أو هبة أو غير ذلك، وكذبه المشتري في ذلك، فأراد أن يقيم البينة على دعواه، نظر إلى آخر ما تقدم.
وهذه عبارة القاضي، ومن تعليقه نقلت، وهو كلام صحيح.

ففهم النووي منه خلاف المراد وتصرف في العبارة فوقع في الخلل، وكان يندفع التغليط الصريح، ويمكن التأويل لو حذفت من كلامه لفظة إلى الداخلة على لفظ الآن.
وعلى كل حال فالمذكور في "الروضة" غلط قطعًا، لأنه لو كان الحكم في نفسه صحيحًا لكن غلطًا لكونه غير المذكور في كلام القاضي.

قوله أيضًا من زوائده: ولو أقر بثياب بدنه لزيد، قال القاضي الحسين في "الفتاوى": يدخل فيه الطيلسان والدواج وكل ما يلبسه، ولا يدخل فيه الخف.
والمراد بالدواج: اللحاف.
ومقتضى كلام القاضي هذا: أنه يدخل فيه الفروة فإنها مما يلبسه، ولا شك في دخولها.
وإنما نبهت عليه لئلا يتشكك في دخولها، وكذلك الحكم لو أوصى بثياب بدنه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من دخول الفروة في اسم الثوب، وأنه لا شك فيه عجيب، وذهول عن المنقول، فقد جزم الرافعي في كتاب الأيمان بأنها لا تدخل وتبعه عليه في "الروضة"، وجزم بدخولها في الملبوس فقال: حلف لا يلبس ثوبًا حنث بلبس السراويل.
ثم قال: ولا يحنث بلبس الجلود، ولا بما يتخذ منها ولا بلبس القلنسوة.
هذا لفظه.
ثم قال: ولو حلف لا يلبس شيئًا حنث بجميع ذلك.
والقلنسوة هي القبع والطاقية ونحوهما مما يغطي الرأس، كما تعرفه في الكفارات.

وقد علم مما قاله هناك أن القلنسوة لا تدخل في مسمى الثياب، وحينئذ فلا تدخل في مسألتنا -أعني في الإقرار- وفيه نظر، فإنها تجري في الكفارات.
ورأيت في الأيمان من كتاب ابن كج أنه لو حلف لا يلبس ثوبًا من غزلها فتغطى بلحاف لم يحنث.
والله أعلم.

الباب الرابع في الإقرار بالنسب

قوله: القسم الأول: أن يلحق النسب بنفسه فيشترط فيه أمور، ثم قال: والثالث: أن يصدقه المقر له إذا كان ممن يعتبر تصديقه، فإن استلحق بالغًا فكذبه لم يثبت النسب.
ثم قال في آخر المسألة.
وقوله -يعني الغزالي-: أو المقر له ليس فيه [إلا] 1 اعتبار عدم التكذيب، وهو معتبر لكنه غير مكتفى به، بل المعتبر تصديقه عند الإمكان صرح به صاحب "الشامل" وغيره.
وقضيته أنه لو سكت لم يثبت النسب.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما جزم به هاهنا من عدم الاكتفاء بالسكوت، وأنه لابد من التصديق، قد خالفه في الشهادات في الباب الثالث منه في الفصل الثاني المعقود للشهادة بالتسامع، وستقف على لفظه هناك واضحًا إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أنه لم يثبت مقالة الغزالي خلافًا، بل اعترض عليه اعتراضًا يشعر بعدم الخلاف.
ولهذا جزم النووي في "الروضة" بذلك أيضًا، ولم يحك فيه خلافًا، وكأنه توهم أن تعبير الغزالي جرى من غير قصد، وليس كذلك، فقد صرح الغزالي في "الوجيز" أيضًا في الموضع الآتي ذكره في كتاب الشهادات بثبوت النسب مع السكوت، وكذلك الإمام وغيره، ولأجل

ذلك تبعهم الرافعي غير أنهم ترددوا في صيغة الشهادة.
فقيل: يشهد بثبوت النسب، وقيل: بالإقرار كما ستعرفه.

قوله: استلحق عبد الغير أو معتقه لم يلتحق إن كان صغيرًا محافظة على حق الولاء للسيد، وإن كان بالغًا وصدقه فوجهان.
انتهي.
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح، والصحيح منهما صحة استلحاقه، كذا صححه الرافعي في باب اللقيط، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لغرض آخر فراجعه.

قوله: ومن له جارية ذات ولد إذا قال: هذا ولدى من هذه الجارية يثبت نسبه، وهل تصير الجارية أم ولد فيه قولان: أقربهما إلى القياس وأشبههما بقاعدة الإقرار: أنها لا تصير لاحتمال أنه استولدها بشبهة أو نكاح وملكها بعد ذلك.
ولو قال: إنه ولدي منها ولدته في ملكي، فطريقان: أحدهما: القطع بثبوت أمية الولد لتصريحه بالولادة في الملك.
وأصحهما: أنه على القولين لاحتمال أنه أحبلها بالنكاح، ثم اشتراها فولدت في ملكه.
ولو قال: إنه ولدى استهولدتها به في ملكي أو علقت به في ملكى انقطع الاحتمال، وكانت أم ولد لا محالة، وكذا لو قال: هذا ولدى منها وهي في ملكى منذ عشر سنين، وكان الولد ابن سنة.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي قد أسقط المسألة الثانية من "الروضة" وهي ما إذا قال: هذا ولدي ولدته في ملكى، وكأنه انتقل نظره حالة الاختصار.
كما يقع كثيرًا في حال الكتابة.

الأمر الثاني: أن ما ادعاه من انقطاع الاحتمال وأنه لا محالة فيه، عبر عنه في "الروضة" بقوله: قطعًا، وفي "الشرح الصغير" بقوله: بلا خلاف، وليس الأمر كذلك من نفي الاحتمال المقتضي لنفي الخلاف فإنها قد تكون مرهونة، وفي استيلادها ثلاثة أقوال مشهورة فلم ينتف الاحتمال.
واعلم أن ما رجحه الرافعي بحثًا قد نقله ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب عن جمهور الأصحاب، ومع ذلك فإنه يشكل على ما إذا أتت المرأة بولد يلحقة فإن الرافعي وغيره قالوا باستقرار المهر مع إنكار الزوج الوطء تمسكًا بالظاهر وهو العلوق من الوطء، ولم ينظروا إلى احتمال استدخال الماء.

قوله: الأولى إذا كانت له أمتان لكل منهما ولد.
فقال: أحدهما ولدي، ولم تكن إحداهما متزوجة ولا فراشًا للسيد، ثم عين واحدًا يثبت نسبه وكان حرًا، وهل تصير أمه أم ولد؟ نظر إن قال إستولدتها بالزنا مفصولًا، عن الاستلحاق لم يقبل، وكانت أمية الولد على القولين فيما إذا أطلق الاستلحاق، وإن وصله باللفظ قال في "التهذيب" لا يثبت النسب ولا أمية الولد، ولك أن تقول: ينبغي أن يخرج على قولي تبعيض الإقرار انتهى كلامه.
وهذا البحث الذي ذكره في آخر كلامه قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو عجيب وذهول عن كلام البغوي، لأن المسألة مصورة في "التهذيب" ما إذا كان التفسير منفصلًا، لأنه قال في صدر المسألة: إذا كان له أمتان لكل واحدة ولد فقال أحد هذين الولدين ولدى، يؤمر بالتعيين فإذا عين أحدهما ثبت نسبه، وهل تصير أم ولد؟ نظر إن قال بملك اليمين صارت أم ولد له، وإن قال: استولدتها بملك النكاح لم تصر أم ولد، وإن قال

بوطء شبهة، فهل تصير أم ولد؟ فيه قولان، وإن أطلق فقولان أيضًا، وإن قال استولدتها بالزنا لا يقبل هذا التفسير، وهو كالطلاق.
هذا كلامه.
وقد ظهر به أن تفسيره بالزنا متأخر، وبتقدير الاتصال، فالتبعيض بالنسبة إلى النسب مسلم، فإن قوله ولدًا أو من زنا متنافيان، وأما أمية الولد فعلى القول بأنها لا تثبت بالإطلاق لا تنافي بينهما.

قوله: فلو ادعت الأمة الأخرى أن ولدها هو الولد الذي استلحقه وانها هى التي استولدها فالقول قول السيد مع يمينه، وكذا لو بلغ الولد فادعى.
انتهى كلامه.
وهو مشكل لأن المسألة مصورة بما إذا لم تكن فراشًا له، والسيد إذا لم يعترف بالوطء لا تسمع عليه دعوى الاستيلاد، ومن طريق الأولى سماع الولد عليه بعد البلوغ قاله ابن الرفعة.

قوله: ولو مات السيد قبل التعيين قام ورثته مقامه، فإن قالوا: لا نعلم رجعنا إلى القائف، فلو تعذر أقرعنا بينهما ليعرف الحر منهما ولا يحكم لمن خرجت قرعته بالنسب والميراث.
وأما الاستيلاد فإن لم يوجد من السيد ما يقتضيه لا يثبت، وإن وجد فهل تحصل أمية الولد في أم ذلك الولد بخروج القرعة؟ حكى الإمام فيه وجهين وقال: المذهب أنها لا تحصل، لأنها تتبع النسب، فإذا لم نجعله ولدًا لا نجعلها أم ولد.
والذي أورده الأكثرون: أنها تحصل، لأن المقصود العتق، والقرعة عاملة فيه.
وعلى هذا الخلاف يحمل قوله في الكتاب: وهل يقرع بين الأمتين في الاستيلاد؟ فيه خلاف.

وقد يتبادر إلى الفهم إخراج القرعة مرة أخرى ولا يعقل ذلك، إذ لا يؤمن خروج القرعة على غير التي خرجت لولدها.
انتهى كلامه.
وما توهمه -رحمه الله-: من أن أحدًا لم يقل بقرعة ثانية غريب، فقد صرح الإمام في "النهاية" بذلك فقال: وأما القائل بالأول -وهو أن الاستيلاد لا يثبت- فإنه يقول: بين الجاريتين عتق كما بين الولدين عتق فنفرد الجاريتين بالقرعة.
هذا لفظه.
وقد صرح الغزالي بتجديد القرعة في "البسيط" أيضًا، ورأيت في "شرح المهذب" للعراقي الجزم به أيضًا، وفرع عليه فقال: لو خرجت القرعة لغير التي خرجت لولدها عتقت هي، ورق ولدها.

قوله: إذا قال من له أمة لها ثلاثة أولاد: أحد هؤلاء ولدي فعين الأصغر فالأكبران رقيقان، وإن عين الأوسط فالأكبر رقيق وأما الأصغر فإن لم نجعل الأمة أم ولد فهو رقيق كالأم.
وإن جعلناها، فينظر إن لم يدع الاستبراء بعد الأوسط فقد صارت فراشًا بالأوسط فيلحقه الأصغر ويرثه.
ثم قال بعد ذلك: وذكر في "التتمة" وجهًا آخر، فيما إذا لم يدع الاستبراء: أنه لا يثبت نسبه، ويكون حكمه حكم الأم يعتق بموت السيد، لأن الاستبراء حصل بالأوسط، ولم أر لغيره ذكره.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره من حكاية ذلك وجهًا ضعيفًا لم يره إلا في "التتمة" غريب، فقد حكاه الماوردي في "الحاوي" وعلله باحتمال أن تكون علقت بالأوسط في ملكه وهي مرهونة ثم بيعت بعد وضعه في الدين فولدت الأصغر من زوج ثم استبرأها مع الأصغر.
وحكاه أيضًا البغوي في "التهذيب"، بل لنا وجهان شهيران في أن وضع أم الولد هل يكون استبراء حتى إذا أتت بولد آخر لا

يلحق السيد لأن وضع الحمل أقوى في الدلالة على الاستبراء؟ من دعواه بعد ذلك أنه استبرأها بالحيض، أم لا يكون استبراء وبالغ الإمام في باب الاستبراء في تضعيف الثاني، وأغرب من ذلك كله أنه قد صحح هذا الوجه الذي ادعى غرابته، وهو عدم اللحوق في آخر باب الاستبراء، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.

قوله: القسم الثاني: أن يلحق النسب بغيره مثل أن يقول: هذا أخى ابن أبى، أو ابن أمى فيقبل بشروط.
انتهى.
اعلم أن ما أطلقه الرافعي من اللحوق، وتبعه عليه في "الروضة" مسلم إذا كان الملحق به رجلًا، فإن كانت امرأة فلا، لأن اعترافها هي لا يقبل على الصحيح كما ذكروه في كتاب اللقيط فبالأولى استلحاق ورثتها.
كذا جزم به في "المطلب" فقال فيما إذا قلنا: لا يصح، فاستلحاق وارثها وإن كان رجلًا بطريق الأولى، وقد صرح به ابن اللبان.
هذا لفظه، وهو واضح.

قوله: وإذا أقر بعض الورثة، وأنكر البعض لم يشارك المقر في حصته في ظاهر المذهب.
وقيل: يشارك، وهذا في الظاهر.
وأما في الباطن فهل على المقر إذا كان صادقًا أن يشركه فيما في يده، فيه وجهان.
الصحيح منهما على ما قاله ابن الصباغ: نعم.
وهو على هذا يعطيه ثلث ما في يده لأن حق الثالث شائع فيما في يده، ويد صاحبه.
وقيل: نصفه لأن الثالث بزعمهما غصبهما بعض حقهما.
وعن صاحب "التقريب": أنه إن أخبره المنكر على القسم بأن معهما

ثالثًا أعطاه النصف، لأنه متعدٍ بتسليم نصف حصة الثالث إليه، فيغرم ما حصل في يد صاحبه كما يغرم الحاصل في يده، ثم قال: وقيل: لا فرق عند التراضي بين العلم والجهل انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما صححه ابن الصباغ صححه أيضًا القاضي أبو الطيب، وقال البندنيجي في "تعليقه": إنه المذهب، والنووي في أصل "الروضة": إنه الأصح.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد أسقط الوجهين الأخيرين من الوجوه المفرعة على المشاركة.
الأمر الثالث: أن هذه العلة التى نقلها عن صاحب "التقريب" لا تطابق الحكم، وذلك لأن الحاصل في يد صاحبه من نصيب الذي أنكره هو ثلث ما أخذ، فإذا غرم مثله في يده لزم أن يغرم المقر ثلثي ما في يده لا نصفه.
وقد عبر الإمام بتعبير صحيح مرشدًا إلى المراد، وإن كان في كلامه بعد هذا قلق، فإنه قال ما نصه: فقد كانت في يدهما ثابتة على الجميع ثبوتًا شائعًا، فلما اقتسما فقد رفع المقر يده عن نصف حصة الثالث وسلمه وترك للمنكر على المقر مثل ذلك.
وإذا نسب المقر إلى تسليم نصف حصة الثالث إلى المنكر كان متعديًا فيلزم أن يغرم ما حصل في يده من الزيادة.
هذه عبارة الإمام.
فعلمنا أنه أراد بقوله في آخر الكلام ما حصل في يد صاحبه أى مما كان في يده، وكذلك أيضًا قول الرافعي: لأنه متعدٍ بتسليم ما في يده من نصف حصة الثالث أو نحو هذه العبارة، وذلك نصف سدس.
وإن شئت فثلث نصف سهم من ستة أسهم في مثالنا، وهو أيضًا

مضاف لما في يد المقر من نصيب المنكر وهو السدس كامل فيصير مجموع ما يعطيه الثالث سهم ونصف، وذلك نصف ما حصل له أى للمقر.

قوله: وهل الإمام له حكم الوارث في الاستلحاق أم فيه خلاف؟ والذي أجاب به العراقيون: أن حكمه كحكمه.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق النقل عن العراقيين وزاد على ذلك فصححه فقال: إنه الأصح، وبه قطع العراقيون.
إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن الماوردي من أكابر العراقيين، وقد خالف في هذه المسألة فقال: إن هذا القول غير صحيح، لأن الإمام لا يملك حق في بيت المال.
الأمر الثاني: أن هذا الحكم إنما يأتي إذا كان الميت مسلمًا، فإن كان كافرًا لم يكن ذلك فيه، لأن ماله لم ينتقل لبيت المال على سبيل الإرث، بل للمصالح، فلو صح الاستلحاق للإمام، والحالة هذه لكان استلحاقًا ممن ليس بوارث ولا نائب عنه، بل لو وكل في الاستلحاق لم يصح أيضًا، لأنه توكيل في الإقرار والله أعلم.
تم الجزء الخامس بحمد الله وعونه بتلوه في أول السادس كتاب العارية

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ

تَصْنيف الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي رَحِمَه الله الْمُتَوفَّى 772 هـ

اعتَنى بِهِ أَبُو الْفضل الدّمياطِي أَحَمَدْ بنْ عَلي عَفَا الله عَنْهُ

الْجُزْء السَّادِس

مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ (6)

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى 1430 هـ - 2009 م

ISBN: 978 - 9953 - 81 - 740 - 8

الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا

مَرْكَز التراث الثقافي المغربي الدَّار الْبَيْضَاء - 52 شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس هَاتِف: 442931 - 022 _ فاكس: 442935 - 022 المملكة المغربية

دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: 6366/ 14 هَاتِف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى على سيدنا محمد - اللهم يسر

جارٍ التحميل