كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 88-127

أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَهُ دِينًا خَرَجَ مِنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجِبُ نَهْيُهُ وَيُعْزَلُ عَنْ الْإِمَامَةِ إنْ لَمْ يَنْتَهِ فَإِنَّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَمَرَ بِعَزْلِ إمَامٍ لِأَجْلِ بُصَاقِهِ فِي الْقِبْلَةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ كَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي.

(وَهِيَ) أَيْ النِّيَّةُ (قَصْدُ رَفْعِ الْحَدَثِ، أَوْ) قَصْدُ (الطَّهَارَةِ لِمَا لَا يُبَاحُ إلَّا بِهَا) بِأَنْ يَقْصِدَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ أَوْ الطَّوَافِ أَوْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ (حَتَّى وَلَوْ نَوَى مَعَ) رَفْعِ (الْحَدَثِ) إزَالَةَ (النَّجَاسَةِ أَوْ التَّبَرُّدَ أَوْ التَّنْظِيفَ أَوْ التَّعْلِيمَ) فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّيَّةِ، كَمَنْ نَوَى مَعَ الصَّوْمِ هَضْمَ الطَّعَامِ، أَوْ مَعَ الْحَجِّ رُؤْيَةَ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ وَنَحْوَهُ، لَكِنَّهُ يُنْقِصُ الثَّوَابَ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَأْتِي فِي بَابِ النِّيَّةِ (لَكِنْ يَنْوِي مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ) كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ نَحْوُهُ (الِاسْتِبَاحَةَ) دُونَ رَفْعِ الْحَدَثِ لِمُنَافَاةِ وُجُودِ نِيَّةِ رَفْعِهِ، وَسَوَاءٌ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ طُرُوءِ حَدَثٍ آخَرَ (وَيُرْتَفَعُ حَدَثُهُ) عَلَى الصَّحِيحِ قَدَّمَهُ ابْنُ حَمْدَانَ.
قَالَ الْمَجْدُ: هَذِهِ الطَّهَارَةُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ الَّذِي أَوْجَبَهَا وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ طَهَارَةُ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.

(وَلَا يَحْتَاجُ) مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ (إلَى تَعْيِينِ نِيَّةِ الْفَرْضِ) ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ.

(فَإِنْ نَوَى) الْمُتَوَضِّئُ بِوُضُوئِهِ (مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ كَ) إنْ نَوَى الْوُضُوءَ لِ (قِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ وَأَذَانٍ وَنَوْمٍ وَرَفْعِ شَكٍّ) فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ (وَغَضَبٍ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ مِنْ النَّارِ وَالْمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ كَمَا فِي الْخَبَرِ (وَكَلَامٍ مُحَرَّمٍ كَغِيبَةٍ وَنَحْوِهَا، وَفِعْلِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ نَصًّا) كَوُقُوفٍ وَرَمْيِ جِمَارٍ (غَيْرَ طَوَافٍ) فَإِنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ لَهُ كَالصَّلَاةِ (وَكَجُلُوسٍ بِمَسْجِدٍ) . وَفِي الْمُغْنِي (وَأَكْلٍ وَفِي النِّهَايَةِ وَزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَقِيلَ وَدُخُولِ مَسْجِدٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَقِيلَ: وَحَدِيثٍ وَتَدْرِيسِ عِلْمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَة أَيْضًا (وَ) يَأْتِي (فِي الْغُسْلِ تَتِمَّتُهُ، أَوْ نَوَى التَّجْدِيدَ إنْ سُنَّ) وَيَأْتِي بَيَانُهُ (نَاسِيًا حَدَثَهُ) ارْتَفَعَ لِأَنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ فِعْلُ هَذَا وَهُوَ غَيْرُ مُحْدِثٍ وَقَدْ نَوَى ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَقَالَ لَوْ قَصَدَ أَنْ لَا يَزَالَ عَلَى طَهَارَةٍ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ، لِأَنَّهَا شَرْعِيَّةٌ وَقَوْلُهُ نَاسِيًا حَدَثَهُ، أَيْ حَالَ نِيَّتِهِ لِلتَّجْدِيدِ وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ.
وَإِنْ اُحْتُمِلَ

عَوْدُهُ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ قَالَهُ الشِّهَابُ الْفَتُوحِيُّ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِحَدَثِهِ لَمْ يَرْتَفِعْ لِتَلَاعُبِهِ (أَوْ) نَوَى اسْتِبَاحَةَ (صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا لَا يَسْتَبِيحُ غَيْرَهَا ارْتَفَعَ حَدَثُهُ) وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ (وَلَغَا تَخْصِيصَهُ) لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ رَفْعِ الْحَدَثِ اسْتِبَاحَةُ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ (وَيُسَنُّ التَّجْدِيدُ إنْ صَلَّى بَيْنَهُمَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا (فَلَا) يُسَنُّ التَّجْدِيدُ فَلَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُصَلِّ وَأَحْدَثَ فَنَسِيَ حَدَثَهُ وَنَوَى التَّجْدِيدَ وَتَوَضَّأَ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ طَهَارَةً شَرْعِيَّةً (وَيُسَنُّ) التَّجْدِيدُ (لِكُلِّ صَلَاةٍ) أَرَادَهَا وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ نَفْلًا.

وَ (لَا) يُسَنُّ (تَجْدِيدُ) (تَيَمُّمٍ وَغُسْلٍ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ.

(وَإِنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا) كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ (أَجْزَأَ عَنْ) الْغُسْلِ (الْوَاجِبِ) لِجَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، إنْ كَانَ نَاسِيًا لِلْحَدَثِ الَّذِي أَوْجَبَهُ ذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمَا فِيمَا سَبَقَ أَوْ نَوَى التَّجْدِيدَ نَاسِيًا حَدَثَهُ، خُصُوصًا وَقَدْ جَعَلُوا تِلْكَ أَصْلًا لِهَذِهِ فَقَاسُوهَا عَلَيْهَا (وَكَذَا عَكْسُهُ) .

فَإِنْ نَوَى غُسْلًا وَاجِبًا أَجْزَأَ عَنْ الْمَسْنُونِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَإِنْ نَوَاهُمَا) أَيْ الْوَاجِبَ وَالْمَسْنُونَ (حَصَلَا) أَيْ حَصَلَ لَهُ ثَوَابُهُمَا وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا لَيْسَ فِيهِمَا إلَّا ثَوَابُ مَا نَوَاهُ، وَإِنْ أَجْزَأَ عَنْ الْآخَرِ لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلَيْسَ مَعْنَى الْإِجْزَاءِ هُنَا سُقُوطَ الطَّلَبِ: بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْوَاجِبِ غُسْلًا ثُمَّ لِلْمَسْنُونِ غُسْلًا آخَرَ) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ.

(وَإِنْ نَوَى طَهَارَةً مُطْلَقَةً) بِأَنْ نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ لَا لِرَفْعِ حَدَثٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ نَحْوِهَا لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لِعَدَمِ نِيَّتِهِ لَهُ.

(أَوْ) نَوَى (وُضُوءًا مُطْلَقًا) لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ تَارَةً يَكُونُ عَادَةً وَتَارَةً يَكُونُ عِبَادَةً فَلَا بُدَّ مَنْ تَمْيِيزِهِ بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا.

(أَوْ) نَوَى (الْغُسْلَ وَحْدَهُ) أَيْ نَوَى الْغُسْلَ وَأَطْلَقَ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لَا الْأَصْغَرُ وَلَا الْأَكْبَرُ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا نَوَى الْغُسْلَ وَحْدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ عِبَادَةً وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ عِبَادَةٍ فَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْجَنَابَةِ انْتَهَى.

وَكَذَا إنْ نَوَى الْغُسْلَ لِلْجَنَابَةِ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ إلَّا إنْ نَوَاهُ وَيَأْتِي فِي الْغُسْلِ.

(أَوْ) نَوَى الْغُسْلَ (لِمُرُورِهِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَرْتَفِعْ) حَدَثُهُ؛ لِأَنَّ الْمُرُورَ فِيهِ لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ لُبْسَ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى إنْ نَوَى الْجُنُبُ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ لِمُرُورِهِ فِي الْمَسْجِدِ

لَمْ يُرْفَعْ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَصَدَ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ.

(وَإِنْ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَلَوْ) كَانَتْ (مُتَفَرِّقَةً) فِي أَوْقَاتٍ (تُوجِبُ وُضُوءًا) كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالرِّيحِ وَالنَّوْمِ (أَوْ) تُوجِبُ (غُسْلًا) كَالْجِمَاعِ وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ (فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا ارْتَفَعَ هُوَ) أَيْ الَّذِي نَوَى رَفْعَهُ.
(وَ) ارْتَفَعَ (سَائِرُهَا) ؛ لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ تَتَدَاخَلُ فَإِذَا نَوَى بَعْضَهَا غَيْرَ مُقَيَّدٍ ارْتَفَعَ جَمِيعُهَا كَمَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ (وَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا) أَيْ الْأَحْدَاثِ (وَنَوَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ) لِأَنَّهُ قَدْ تَطَهَّرَ بِنِيَّةِ بَقَاءِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَحْدَاثِ فَلَمْ يَرْتَفِعْ سِوَى مَا نَوَاهُ وَإِلَّا لَزِمَ حُصُولُ مَا لَمْ يَنْوِهِ (وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَدَثُ نَوْمٍ فَغَلِطَ وَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ بَوْلٍ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ) لِتَدَاخُلِ الْأَحْدَاثِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَيَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهَا) أَيْ بِالنِّيَّةِ (عِنْدَ أَوَّلِ وَاجِبٍ) فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ وَاجِبَاتِهَا فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهَا كُلُّهَا بَعْدَ النِّيَّةِ فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبَاتِ قَبْلَ النِّيَّةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.

(وَهُوَ) أَيْ أَوَّلُ وَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ (التَّسْمِيَةُ) لِحَدِيثِ «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» ؛ لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَهَا فِي الْأَثْنَاءِ إنَّمَا ذَكَرَهَا عَلَى الْبَعْضِ لَا عَلَى الْكُلِّ.

(وَيُسْتَحَبُّ) الْإِتْيَانُ بِالنِّيَّةِ (عِنْدَ مَسْنُونَاتِهَا) أَيْ الطَّهَارَةِ (إنْ وُجِدَ) ذَلِكَ الْمَسْنُونُ (قَبْلَ وَاجِبٍ كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ لِغَيْرِ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ) إنْ وُجِدَ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ لِتَشْمَلَ النِّيَّةُ مَفْرُوضَ الطَّهَارَةِ وَمَسْنُونَهَا فَيُثَابُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (فَإِنْ غَسَلَهُمَا) أَيْ الْيَدَيْنِ (بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَكَمَنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَتُسْتَحَبُّ إعَادَةُ غَسْلِهِمَا بَعْدَ النِّيَّةِ.

(وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ النِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ (بِزَمَنٍ يَسِيرٍ كَصَلَاةٍ) وَزَكَاةٍ (وَلَا يُبْطِلُهَا) أَيْ النِّيَّةَ (عَمَلٌ يَسِيرٌ) قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ كَثُرَ بَطَلَتْ وَاحْتَاجَ إلَى اسْتِئْنَافِهَا (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا) بِقَلْبِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لَهَا فِي جَمِيعِ الطَّهَارَةِ لِتَكُونَ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مُقْتَرِنَةً بِالنِّيَّةِ وَالذِّكْرِ بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي مُثَلَّثَتِهِ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ ضِدُّ الْإِنْصَاتِ وَذَالُهُ مَكْسُورَةٌ وَبِالْقَلْبِ ضِدُّ النِّسْيَانِ وَذَالُهُ مَضْمُومَةٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ هُمَا لُغَتَانِ (وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا بِأَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا) فَإِنْ عَزَبَتْ عَنْ خَاطِره لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَةِ: كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّلَاةِ وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ بِالْغُسْلِ نَحْوَ تَنْظِيفٍ أَوْ تَبَرُّدٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ

[فَصْلٌ يَنْوِيَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا]

فَصْلٌ (صِفَةُ الْوُضُوءِ) الْكَامِلِ (أَنْ يَنْوِيَ) الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا أَوْ رَفْعَ الْحَدَثِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ فِي كُلِّ طَاعَةٍ إلَّا لِدَلِيلٍ (ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا) فَلَوْ قَالَ بِسْمِ الرَّحْمَنِ أَوْ الْقُدُّوسِ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ لَهُ لِمَا يَأْتِي (وَهِيَ) أَيْ التَّسْمِيَةُ (وَاجِبَةٌ فِي وُضُوءٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ مَنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.
وَسُئِلَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَيُّ حَدِيثٍ أَصَحُّ فِي التَّسْمِيَةِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَمَحَلُّهَا اللِّسَانُ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ وَوَقْتُهَا عِنْدَ أَوَّلِ الْوَاجِبَاتِ وُجُوبًا، وَأَوَّلِ الْمَسْنُونَاتِ اسْتِحْبَابًا كَالنِّيَّةِ (وَ) هِيَ وَاجِبَةٌ أَيْضًا فِي (غُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ) قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ (وَتَسْقُطُ) فِي الثَّلَاثَةِ (سَهْوًا) نَصًّا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَغَايَرُ أَفْعَالُهَا، فَكَانَ مِنْ وَاجِبَاتِهَا مَا يَسْقُطُ سَهْوًا كَالصَّلَاةِ قُلْت مُقْتَضَى قِيَاسِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ سُقُوطُهَا جَهْلًا، خِلَافًا لِمَا بَحْثُهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، قِيَاسًا عَلَى الذَّكَاةِ وَالظَّاهِرُ إجْزَاؤُهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَلَوْ مِمَّنْ يُحْسِنُهَا كَالذَّكَاةِ إذْ لَا فَرْقُ (وَإِنْ ذَكَرَهَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ أَثْنَاءِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ (سَمَّى وَبَنَى) لِأَنَّهُ لَمَّا عُفِيَ عَنْهَا مَعَ السَّهْوِ فِي جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ فَفِي بَعْضِهَا أَوْلَى قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالشَّارِحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَالْمُسْتَوْعِبُ وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى وَرَوْضَةُ الْفِقْهِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرُ.
وَحَكَاهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ الشِّيرَازِيِّ وَابْنِ عَبْدُوسٍ انْتَهَى وَشَارِحُ الْمُحَرَّرِ وَالشَّيْخُ يُوسُفَ الْمِرْدَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ: نِهَايَةِ الْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ، وَالْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُبْهِجِ وَغَيْرُهُمْ خِلَافًا لِمَا صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ: وَحَكَاهُ عَنْ الْفُرُوعِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى قَالَ لَكِنْ إنْ ذَكَرَهَا فِي بَعْضِهِ ابْتِدَاءً قَالَ فِي شَرْحِهِ: لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى جَمِيعِهِ.
فَوَجَبَ كَمَا لَوْ ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِهِ (فَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ (عَمْدًا) لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ؛

لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) تَرَكَهَا عَمْدًا (حَتَّى غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ) الْمَفْرُوضَةِ أَوْ حَتَّى مَسَحَهَا بِالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ وَلَمْ (يَسْتَأْنِفْ) مَا فَعَلَهُ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ (لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى طَهَارَتِهِ، بَلْ عَلَى بَعْضِهَا (وَالْأَخْرَسُ يُشِيرُ بِهَا) وَكَذَا الْمُعْتَقَلُ لِسَانُهُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَتَكْفِي إشَارَةُ أَخْرَس وَنَحْوِهِ بِهَا وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْإِشَارَةِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ آكَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَرْقٌ، نَحْوُ أَنْ يُقَالَ: الْإِشَارَةُ إلَى التَّبَرُّكِ مُمْكِنَةٌ كَرَفْعِ رَأْسِهِ إلَى السَّمَاءِ بِخِلَافِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى السَّمَاءِ.

(ثُمَّ يَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَلَوْ تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُمَا) ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ وَصَفُوا وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرُوا أَنَّهُ غَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَلِأَنَّهُمَا آلَةُ نَقْلِ الْمَاءِ إلَى الْأَعْضَاءِ فَفِي غَسْلِهِمَا احْتِيَاطٌ لِجَمِيعِ الْوُضُوءِ (وَهُوَ سُنَّةٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ (لِغَيْرِ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ) أَيْ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ نَائِمًا أَوْ كَانَ نَائِمًا بِالنَّهَارِ أَوْ بِاللَّيْلِ نَوْمًا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَالْيَسِيرِ مِنْ جَالِسٍ وَقَائِمٍ (فَإِنْ كَانَ) قَائِمًا (مِنْهُ) أَيْ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ كَالْيَسِيرِ (فَ) غَسْلُهُمَا ثَلَاثًا (وَاجِبٌ تَعَبُّدًا) كَغُسْلِ الْمَيِّتِ لِحَدِيثِ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ» وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الطَّهَارَةِ وَلِكَوْنِ غَسْلِهِمَا وَاجِبًا تَعَبُّدًا وَجَبَ وَلَوْ بَاتَتَا مَكْتُوفَتَيْنِ أَوْ فِي جِرَابٍ وَنَحْوِهِ (وَيَسْقُطُ) غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ (سَهْوًا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إذَا نَسِيَ غَسْلَهُمَا سَقَطَ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ وَإِنْ وَجَبَتْ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَأْنِفُ وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي الْأَثْنَاءِ.
بَلْ وَلَا يَغْسِلُهُمَا بَعْدُ، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهَا مِنْهُ تَنْبِيهٌ نَقَلَ أَبُو تَمِيمٍ عَنْ النُّكَتِ أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَكَذَا حَكَاهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَلَمْ يُوجَدْ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِمَّنْ تَأَخَّرَ عَنْ هَؤُلَاءِ مَا يُخَالِفُهُ وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ قَالَهُ شَيْخُنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْبُهُوتِيُّ.
وَيَسْقُطُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا بِشُرُوعِهِ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَرْجِعُ لِغَسْلِهِمَا قَالَهُ شَيْخُنَا مَنْصُورٌ (وَتُعْتَبَرُ لَهُ) أَيْ لِغَسْلِ يَدَيْ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ (نِيَّةٌ وَتَسْمِيَةٌ)

كَالْوُضُوءِ وَتَسْقُطُ التَّسْمِيَةُ سَهْوًا كَالْوُضُوءِ (وَلَا يُجْزِئُ عَنْ نِيَّةِ غَسْلِهِمَا نِيَّةُ الْوُضُوءِ) وَلَا نِيَّةُ الْغُسْلِ (لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ لَا مِنْ الْوُضُوءِ وَ) الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ أَنَّهُ (يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوُضُوءِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ) وَلَوْ كَانَتْ مِنْهُ لَمْ تَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ (وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي هَذَا الْغَسْلِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ فِيمَا سَبَقَ: وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.
(وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَسِيرٌ فِي مَطْمُورَةٍ أَوْ) اسْتَيْقَظَ (أَعْمَى) أَوْ (نَحْوُهُ) كَأَرْمَد (مِنْ نَوْمٍ لَا يَدْرِي أَنْوَمُ لَيْلٍ) هُوَ (أَوْ) نَوْمُ (نَهَارٍ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُمَا) لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي الْمُوجِبِ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَغَسْلُهُمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا) غَيْرُ مَعْقُولٍ لَنَا (فَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ وَفَسَدَ الْمَاءُ) . وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ كَانَ وُضُوءُهُ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ أَدْخَلَ كَفَّيْهِ فِيهِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ يَصِيرُ غَيْرَ مُطَهِّرٍ وَإِنْ كَانَ وُضُوءُهُ مِنْ مَاءٍ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ أَوْ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِيهِ، بِأَنْ صَبَّ عَلَى وَجْهِهِ بِإِنَاءٍ، أَوْ صَمَدَ لِأُنْبُوبٍ، فَجَرَى عَلَى وَجْهِهِ فَوُضُوءُهُ صَحِيحٌ وَكَذَا فِي الشَّرْحِ: لَوْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ بِغَمْسِ أَعْضَائِهِ فِيهِ، وَلَمْ يَنْوِ غَسْلَ الْيَدَيْنِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ النِّيَّةَ لَهُ.

(وَتُسَنَّ بُدَاءَتُهُ قَبْلَ غَسْلِ وَجْهِهِ بِمَضْمَضَةٍ بِيَمِينِهِ) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَدَعَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ غَرَفَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ رَفَعَهَا إلَى فِيهِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ، وَاسْتَنْثَرَ بِيَسَارِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْوُضُوءِ ثُمَّ قَالَ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ لَنَا كَمَا تَوَضَّأْتُ لَكُمْ» رَوَاهُ سَعِيدٌ (وَ) يُسَنُّ (تَسَوُّكُهُ) عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا.
(ثُمَّ بِاسْتِنْشَاقٍ بِيَمِينِهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، إنْ شَاءَ مِنْ غَرْفَةٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ «هَذَا وُضُوءُ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ (وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَيْضًا أَنَّهُ يَفْصِلُ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ شَاءَ مِنْ سِتِّ) غَرْفَاتٍ، لِحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَوُضُوءُهُ كَانَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَلَزِمَ كَوْنُهَا مِنْ سِتٍّ.
(وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) اسْتِحْبَابًا وَحَدِيثُ طَلْحَةَ

الْمَذْكُورُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ (وَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ) لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ، أَشْبَهَا سَائِرَهُ (وَكَذَا) يَجِبُ (التَّرْتِيبُ) بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ كَمَا سَبَقَ وَ (لَا) يَجِبُ التَّرْتِيبُ (بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَجْهِ) لِأَنَّهُمَا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَجْهِ فَمُعْتَبَرَةٌ (وَيُسَنُّ اسْتِنْثَارُهُ بِيَسَارِهِ) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّثْرَةِ، وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ أَوْ هُوَ (وَ) تُسَنُّ.
(مُبَالَغَةٌ فِيهِمَا لِغَيْرِ صَائِمٍ) لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ الْوُضُوءِ «قَالَ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ «اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (وَتُكْرَهُ) الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (لَهُ) أَيْ الصَّائِمِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى جَوْفِهِ (وَ) تُسَنُّ (مُبَالَغَةٌ فِي سَائِرِ) أَيْ بَاقِي (الْأَعْضَاءِ) لِلصَّائِمِ وَغَيْرِهِ (ف) الْمُبَالَغَةُ (فِي مَضْمَضَةٍ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ الْفَمِ، وَ) الْمُبَالَغَةُ (فِي الِاسْتِنْشَاقِ: جَذْبُهُ) أَيْ الْمَاءِ (بِنَفَسٍ إلَى أَقْصَى الْأَنْفِ وَالْوَاجِبُ) فِي الْمَضْمَضَةِ (أَدْنَى إدَارَة) لِلْمَاءِ فِي فَمِهِ.
(وَ) الْوَاجِبُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ (جَذْبُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ) وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَقْصَاهُ (فَلَا يَكْفِي) فِي الْمَضْمَضَةِ (وَضْعُ الْمَاءِ فِي فِيهِ بِدُونِ إدَارَةٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَضْمَضَةً وَكَذَا لَا يَكْفِي فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَضْعُهُ فِي أَنْفِهِ بِدُونِ جَذْبٍ إلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِنْشَاقًا (ثُمَّ) بَعْدَ إدَارَةِ الْمَاءِ فِي فِيهِ (لَهُ بَلْعُهُ وَلَفْظُهُ) أَيْ طَرْحُهُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ قَدْ حَصَلَ (وَلَا يَجْعَلُ الْمَضْمَضَةَ أَوَّلًا) أَيْ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ إدَارَةٍ فِي فَمِهِ (وُجُورًا، وَلَا) يَجْعَلُ (الِاسْتِنْشَاقَ) ابْتِدَاءً (سَعُوطًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى مَضْمَضَةً وَلَا اسْتِنْشَاقًا (وَالْمُبَالَغَةُ فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (دَلْكُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَنْبُو عَنْهَا الْمَاءُ) أَيْ لَا يَطْمَئِنُّ عَلَيْهَا (وَعَرْكُهَا بِهِ) أَيْ الْمَاءِ

[فَصْلٌ يَغْسِلُ وَجْهَهُ]

فَصْلٌ (ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ) لِلنَّصِّ، فَيَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا أَوْ يَغْتَرِفُ بِيَمِينِهِ وَيَضُمُّ إلَيْهَا الْأُخْرَى وَيَغْسِلُ بِهِمَا (ثَلَاثًا) لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ اسْتَفَاضَتْ بِهِ، خُصُوصًا حَدِيثُ عُثْمَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَحَدُّ الْوَجْهِ (مَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا) فَلَا عِبْرَةَ بِالْأَقْرَعِ، الَّذِي يَنْبُتُ شَعْرُهُ فِي بَعْضِ جَبْهَتِهِ، وَلَا بِالْأَجْلَحِ الَّذِي انْحَسَرَ شَعْرُهُ عَنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ (مَعَ مَا انْحَدَرَ مِنْ اللَّحْيَيْنِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا (وَالذَّقَنِ) وَهُوَ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ، بِفَتْحِ الذَّالِ وَالْقَافِ (طُولًا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الطُّولِ (وَ) حَدُّ الْوَجْهِ (مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ عَرْضًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَالْأُذُنَانِ لَيْسَتَا مِنْ الْوَجْهِ (فَيَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ الْوَجْهِ (عِذَارٌ وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ) أَيْ الْمُرْتَفِعُ (الْمَسَامِتِ) أَيْ الْمُحَاذِي (صِمَاخَ الْأُذُنِ) بِكَسْرِ الصَّادِ، وَهُوَ خَرْقُهَا، وَكَذَا الْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ مِنْ الْوَجْهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْخِرَقِيُّ.
لِأَنَّهُ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ وَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِهِ هَذَا (وَعَارِضٌ هُوَ مَا تَحْتَ الْعِذَارِ إلَى الذَّقَنِ وَلَا يَدْخُلُ) فِي الْوَجْهِ صُدْغُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ (وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ وَيَنْزِلُ عَنْهُ قَلِيلًا) وَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ غَسَلَ مَعَ الْوَجْهِ (وَلَا) يَدْخُلُ أَيْضًا فِي الْوَجْهِ (تَحْذِيفٌ، وَهُوَ الشَّعْرُ الْخَارِجُ إلَى طَرَفَيْ الْجَبِينِ فِي جَانِبَيْ الْوَجْهِ بَيْنَ النَّزْعَةِ وَمُنْتَهَى الْعِذَارِ، وَلَا النَّزْعَتَانِ وَهُمَا مَا انْحَسَرَ الشَّعْرُ عَنْهُ مِنْ فَوْقِ الرَّأْسِ، وَهُمَا جَانِبَا مُقَدَّمِهِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْفَوْدُ: مُعْظَمُ شَعْرِ الرَّأْسِ مِمَّا يَلِي الْأُذُنَ وَنَاحِيَةِ الرَّأْسِ (بَلْ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ الرَّأْسِ، فَيُمْسَحُ مَعَهُ) أَمَّا الصُّدْغُ فَلِمَا تَقَدَّمْ.
أَمَّا التَّحْذِيفُ: فَلِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّهِ، أَشْبَهَ الصُّدْغَ وَأَمَّا النَّزْعَتَانِ: فَلِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِمَا الْمُوَاجَهَةُ، وَلِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ مَا تَرَأَّسَ وَعَلَا وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: فَلَا تَنْكِحِي إنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا ... أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا

فَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، كَمَا فِي «سَجَدَ وَجْهِي لَلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ» مَعَ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ لَيْسَتَا مِنْ الْوَجْهِ، بَلْ مُجَاوِرَتَانِ لَهُ وَكَذَا النَّزْعَتَانِ (وَلَا يَجِبُ) غَسْلُ دَاخِلِ عَيْنٍ (بَلْ وَلَا يُسَنُّ غَسْلُ دَاخِلِ عَيْنٍ لِحَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا أَمَرَ بِهِ (وَلَوْ أَمِنَ الضَّرَرَ، بَلْ يُكْرَهُ) لِأَنَّهُ مُضِرٌّ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عَمِيَ مِنْ كَثْرَةِ إدْخَالِ الْمَاءِ فِي عَيْنَيْهِ (وَلَا يَجِبُ) غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنِ (مِنْ) نَجَاسَةٍ فِيهَا أَيْ فِي الْعَيْنِ، لِمَا تَقَدَّمَ فَيُعْفَى عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ.
(وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْ الْوَجْهِ) لِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّهِ (فَتَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِي الطَّهَارَتَيْنِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى) فَلَا يَسْقُطُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ» مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» . وَفِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ «إذَا تَوَضَّأْتَ فَتَمَضْمَضْ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَقْصِي، ذَكَرَ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِمَا تَدُلَّ عَلَى وُجُوبِهِمَا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّائِمَ لَا يُفْطِرُ بِوُصُولِ شَيْءٍ إلَيْهِمَا، وَيُفْطِرُ بِعَوْدِ الْقَيْءِ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِمَا وَيَجِبُ غَسْلُهُمَا مِنْ النَّجَاسَةِ (وَيُسَمَّيَانِ) أَيْ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ (فَرَضِينَ) لِأَنَّ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ مُتَرَادِفَانِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ هُمَا وَاجِبَانِ لَا فَرْضَانِ (وَلَا يَسْقُطَانِ سَهْوًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَجِبُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ) بِكَسْرِ اللَّامِ (وَمَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ مِنْهَا) مِنْ الشَّعْرِ الْمُسْتَرْسِلِ (طُولًا وَعَرْضًا) لِأَنَّ اللِّحْيَةَ تُشَارِكُ الْوَجْهَ فِي مَعْنَى التَّوَجُّهِ وَالْمُوَاجَهَةِ وَخَرَجَ مَا نَزَلَ مَنْ الرَّأْسِ عَنْهُ لِعَدَمِ مُشَارَكَتِهِ الرَّأْسَ فِي التَّرَؤُّسِ (وَيُسَنُّ تَخْلِيلُ السَّاتِرِ لِلْبَشْرَةِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ اللِّحْيَةِ (بِأَخْذِ كَفٍّ مِنْ مَاءٍ يَضَعُهُ مِنْ تَحْتِهَا بِأَصَابِعِهِ مُشْتَبِكَةً فِيهَا) أَيْ اللِّحْيَةِ (أَوْ) يَضَعُهُ.
(مِنْ جَانِبَيْهَا وَيُعْرِكُهَا) لِحَدِيثِ «عُثْمَانَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ قَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْت» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ (وَكَذَا عَنْفَقَةٌ وَشَارِبٌ وَحَاجِبَانِ وَلِحْيَةُ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى) إذَا كَانَ كَثِيفًا (وَيُجْزِئُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ) كَلِحْيَةِ الذَّكَرِ (وَيُسَنُّ غُسْلُ بَاطِنِهِ) أَيْ بَاطِنِ ذَلِكَ الشَّعْرِ غَيْرِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ كَالشَّافِعِي.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ) لِأَسَارِيرِهِ وَدَوَاخِلِهِ وَخَوَارِجِهِ وَشُعُورِهِ

قَالَهُ أَحْمَدُ وَكَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ ثُمَّ يَصُبُّهُ ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ وَقَالَ هَذَا مَسْحٌ وَلَيْسَ بِغَسْلٍ (وَالْخَفِيفُ) مِنْ شُعُورِ الْوَجْهِ كُلِّهَا وَهُوَ الَّذِي يَصِفُ الْبَشَرَةَ (يَجِبُ غَسْلُهُ وَ) غَسْلُ (مَا تَحْتَهُ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَسْتُرُهُ شَعْرُهُ يُشْبِهُ مَا لَا شَعْرَ عَلَيْهِ وَيَجِبُ غَسْلُ الشَّعْرِ تَبَعًا لِلْمَحَلِّ فَإِنْ كَانَ فِي شَعْرِهِ كَثِيفٌ وَخَفِيفٌ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ عِنْدَ غَسْلِهَا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ السَّابِقِ (وَإِنْ شَاءَ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ نَصًّا) .

[فَصْلٌ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ]

فَصْلٌ ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ لِلنَّصِّ (ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ (حَتَّى أَظْفَارَهُ) وَإِنْ طَالَتْ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِيَدِهِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَتَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْيَدِ (وَلَا يَضُرُّ وَسَخٌ يَسِيرٌ تَحْتَهَا، وَلَوْ مَنَعَ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ) لِأَنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ عَادَةً فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ مَعَهُ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ (وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ بِهِ) أَيْ بِالْوَسَخِ الْيَسِيرِ تَحْتَ الْأَظْفَارِ (كُلَّ يَسِيرٍ مَنَعَ) وُصُولَ الْمَاءِ (حَيْثُ كَانَ) أَيْ وُجِدَ (مِنْ الْبَدَنِ، كَدَمٍ وَعَجِينٍ وَنَحْوِهِمَا، وَاخْتَارَهُ) قِيَاسًا عَلَى مَا تَحْتَ الظُّفْرِ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ تَحْتَ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ.
فَيَدْخُلُ فِيهِ الشُّقُوقُ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ (وَيَجِبُ غَسْلُ أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ وَ) غَسْلُ (يَدٍ) زَائِدَةٍ (أَصْلُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ) لِأَنَّهَا بِمَحَلِّ الْفَرْضِ أَشْبَهَتْ الثُّؤْلُولَ.
(أَوْ) أَيْ وَيَجِبُ غَسْلُ يَدٍ زَائِدَةٍ أَصْلُهَا فِي (غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ (وَلَمْ تَتَمَيَّزْ) الزَّائِدَةُ مِنْهُمَا، لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَتْ إحْدَى يَدَيْهِ وَجَهِلَهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الزَّائِدَةُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ، بَلْ كَانَتْ مُدَلَّاةً مِنْ الْعَضُدِ وَتَمَيَّزَتْ (فَلَا) يَجِبُ غَسْلُهَا، طَوِيلَةً كَانَتْ أَوْ قَصِيرَةً.
لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي مُسَمَّى الْيَدِ (وَيَجِبُ إدْخَالُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَوَضَّأَ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى مَرْفِقَيْهِ» وَهَذَا بَيَانٌ لِلْغَسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وإلَى تَكُونُ بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: 52] ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2] فَبَيَّنَ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا كَذَلِكَ أَوْ يُقَالُ: الْيَدُ حَقِيقَةً إلَى الْمَنْكِبِ، وَإِلَى أَخْرَجَتْ مَا عَدَا الْمَرْفِقَ (فَإِنْ خُلِقَتَا) أَيْ الْيَدَانِ (بِلَا مَرْفِقَيْنِ غَسَلَ إلَى قَدْرهِمَا) أَيْ الْمَرْفِقَيْنِ (مِنْ غَالِبِ النَّاسِ) إلْحَاقًا لِلنَّادِرِ بِالْغَالِبِ.
    (فَإِنْ تَقَلَّصَتْ) أَيْ كُشِطَتْ (جِلْدَةٌ مِنْ الْعَضُدِ حَتَّى تَدَلَّتْ مِنْ الذِّرَاعِ وَجَبَ غَسْلُهَا كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ (وَإِنْ تَقَلَّصَتْ) أَيْ ارْتَفَعَتْ بَعْدَ كَشْطِهَا (مِنْ الذِّرَاعِ حَتَّى تَدَلَّتْ مِنْ الْعَضُدِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا وَإِنْ طَالَتْ) لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ (وَإِنْ تَقَلَّصَتْ مِنْ أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ وَالْتَحَمَ رَأْسُهَا بِ) الْمَحَلِّ (الْآخَرِ غَسَلَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْ ظَاهِرِهَا وَالْمُتَجَافِي مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُحَاذِي لِمَحِلِّ الْفَرْضِ (مِنْ بَاطِنِهَا وَ) غَسَلَ (مَا تَحْتَهُ، لِأَنَّهَا كَالنَّابِتَةِ فِي الْمَحِلَّيْنِ) دُونَ مَا لَمْ يُحَاذِ مَحِلَّ الْفَرْضِ.

[فَصْلٌ يَمْسَحُ جَمِيعَ ظَاهِرِ رَأْسِهِ]

فَصْلٌ (ثُمَّ يَمْسَحُ جَمِيعَ ظَاهِرِ رَأْسِهِ) مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ إلَى قَفَاهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِمِسْحِ الرَّأْسِ وَبِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَهُوَ يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ فِيهِ فَكَذَا هُنَا إذْ لَا فَرْقَ، وَلِأَنَّهُ مَسَحَ جَمِيعَهُ، وَفِعْلُهُ وَقَعَ بَيَانًا لِلْآيَةِ، وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، أَيْ إلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَلْصِقُوا الْمَسْحَ بِرُءُوسِكُمْ، أَيْ الْمَسْحَ بِالْمَاءِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ثَمَّ شَيْءٌ يُلْصَقُ، كَمَا يُقَالُ: مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ.
وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ الْبَاءَ إذَا وَلِيَتْ فِعْلًا مُتَعَدِّيًا أَفَادَتْ التَّبْعِيضَ فِي مَجْرُورِهَا لُغَةً فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَلِإِنْكَارِ الْأَئِمَّةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ سَأَلْت ابْنَ دُرَيْدٍ وَابْنَ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاءِ: تُبَعِّضُ؟ فَقَالَا: لَا نَعْرِفُهُ فِي اللُّغَةِ وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَاءَ تُبَعِّضُ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ.
وَقَوْلُهُ ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَمِنْ بَابِ التَّضْمِينِ كَأَنَّهُ قِيلَ يُرْوَى وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعَ الْعِمَامَةِ، كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ وَالرَّأْسُ (مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ) أَيْ مَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ (إلَى مَا يُسَمَّى

قَفَا) وَيَكُونُ مَسْحُ رَأْسٍ (بِمَاءٍ جَدِيدٍ غَيْرِ مَا فَضَلَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ مُغَايِرٌ لِلْيَدَيْنِ (وَكَيْفَمَا مَسَحَهُ) أَيْ الرَّأْسَ (أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَلَوْ) مَسَحَهُ (بِأُصْبُعٍ وَخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) كَحَجَرٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ اسْتِيعَابُ ظَاهِرِهِ كُلِّهِ (وَعَفَا بَعْضُهُمْ) وَهُوَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ وَالْمُتَرْجِمُ (عَنْ تَرْكِ يَسِيرٍ مِنْهُ لِلْمَشَقَّةِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: وَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّجُلِ وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ يَجْزِيهَا مَسْحُ مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، قَالَ الْخَلَّالُ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهَا إنْ مَسَحَتْ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا أَجْزَأَهَا؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَالْمَسْنُونُ فِي مَسْحِهِ) أَيْ الرَّأْسِ (أَنْ يَبْدَأَ بِيَدَيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، فَيَضَعُ طَرَفَ إحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عَلَى طَرَفِ الْأُخْرَى، وَيَضَعُ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى الصُّدْغَيْنِ، ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إلَى مُقَدَّمِهِ) قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فِي وَصْفِ وُضُوءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ خَافَ أَنْ يَنْتَشِرَ شَعْرُهُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَعَنْهُ لَا يَرُدُّهُمَا إنْ انْتَشَرَ شَعْرُهُ انْتَهَى وَجَزَمَ بِالثَّانِيَةِ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً (بِمَاءٍ وَاحِدٍ) فَلَا يَأْخُذُ لِلرَّدِّ مَاءً آخَرَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
(وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ مَبْلُولَةً عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ) لَمْ يُجْزِئْهُ (أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَأْسِهِ (خِرْقَةً مَبْلُولَةً) وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ (أَوْ بَلَّهَا) أَيْ الْخِرْقَةَ (وَهِيَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَأْسِهِ (وَلَمْ يَمْسَحْ لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَسْحِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَيُجْزِئُهُ غَسْلُهُ) أَيْ الرَّأْسِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ (بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ إنْ أَمَرَّ يَدَهُ) لِوُجُوبِ الْمَسْحِ، فَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا وَيَنْغَمِسْ فِي مَاءٍ نَاوِيًا الطَّهَارَتَيْنِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْغُسْلِ.
(وَكَذَا إنْ أَصَابَهُ) أَيْ الرَّأْسَ (مَاءٌ وَأَمَرَّ يَدَهُ) عَلَيْهِ، لِوُجُودِ الْمَسْحِ، فَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ (وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا نَزَلَ عَنْ الرَّأْسِ مِنْ الشَّعْرِ) لِعَدَمِ مُشَارَكَتِهِ الرَّأْسَ فِي التَّرَؤُّسِ (وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُهُ عَنْ الرَّأْسِ، سَوَاءٌ رَدَّهُ فَعَقَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ أَوْ لَمْ يَرُدَّهُ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ نَزَلَ الشَّعْرُ عَنْ مَنْبَتِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِ، أَجْزَأَهُ وَلَوْ كَانَ الَّذِي تَحْتَ النَّازِلِ مَحْلُوقًا) كَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ شَعْرِهِ فَوْقَ بَعْضِهِ.
(وَإِنْ خَضَّبَهُ) أَيْ رَأْسَهُ (بِمَا يَسْتُرهُ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى خِرْقَةٍ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ الْوُضُوءِ إزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ (وَلَوْ

مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَلَقَهُ) لَمْ يُؤَثِّرْ (أَوْ غَسَلَ عُضْوًا ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ جُزْءًا أَوْ جِلْدَةً لَمْ يُؤَثِّرْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَمَّا تَحْتَهُ) بِخِلَافِ الْجَبِيرَةِ وَالْخُفِّ وَلَكِنْ رَأَيْت عَنْ ابْنِ رَجَبٍ اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، أَوْ قَصَّ شَارِبَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَنْ يَمَسَّهُ بِالْمَاءِ وَلَمْ يُوجِبْهُ وَحُكِيَ وُجُوبُهُ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَمَنْ أَوْجَبَهُ أَلْحَقَهُ بِخَلْعِ الْخُفِّ بَعْدَ مَسْحِهِ.
(وَإِنْ تَطَهَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ حَلْقِ رَأْسِهِ أَوْ قَطْعِ جُزْءٍ أَوْ جِلْدَةٍ مِنْ عُضْوٍ (غَسَلَ) أَوْ مَسَحَ (مَا ظَهَرَ) لِأَنَّ الْحُكْمَ صَارَ لَهُ دُونَ الذَّاهِبِ (وَإِنْ حَصَلَ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ شَقٌّ أَوْ ثُقْبٌ لَزِمَ غَسْلُهُ) فِي الطَّهَارَتَيْنِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، فَيَنْبَغِي التَّيَقُّظُ لِثُقْبِ الْأُذُنِ فِي الْغُسْلِ وَأَمَّا فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَجِبُ مَسْحُهُ، كَالْمُسْتَتِرِ بِالشَّعْرِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ (وَالْوَاجِبُ مَسْحُ ظَاهِرِ شَعْرِ الرَّأْسِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الشَّعْرِ فَمَسَحَ الْبَشَرَةَ فَقَطْ) أَيْ دُونَ ظَاهِرِ الشَّعْرِ (لَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِ بَاطِنِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ) وَلَمْ يَغْسِلْ ظَاهِرَهَا.
(وَإِنْ فَقَدَ شَعْرَهُ مَسَحَ بَشَرَتَهُ) لِأَنَّهَا ظَاهِرُ رَأْسِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ فَقَدَ بَعْضَهُ) أَيْ بَعْضَ شَعْرِ الرَّأْسِ (مَسَحَهُمَا) أَيْ مَسَحَ مَا بَقِيَ مِنْ الشَّعْرِ وَبَشْرَةِ مَا فَقَدَ مِنْ شَعْرِهِ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَا لَوْ نَزَلَ شَعْرُ مَا لَمْ يَحْلِقْ عَلَى مَا حَلَقَ وَأَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِ.

(وَيَجِبُ مَسْحُ أُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، لِأَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ (وَيُسَنُّ) مَسْحُهُمَا (بِمَاءٍ جَدِيدٍ بَعْدَ) مَسْحِ (رَأْسِهِ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الَّذِي لَرَأْسِهِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
(وَالْبَيَاضُ فَوْقَهُمَا) أَيْ فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ (دُونَ الشَّعْرِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرَّأْسِ (أَيْضًا) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (فَيَجِبُ مَسْحُهُ مَعَ الرَّأْسِ) وَكَيْفَ مَسَحَ الْأُذُنَيْنِ أَجْزَأَ، كَالرَّأْسِ (وَالْمَسْنُونُ فِي مَسْحِهِمَا أَنْ يُدْخِلَ سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِمَا وَيَمْسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا) لِمَا فِي النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ: بَاطِنَهُمَا بِالسِّبَابَتَيْنِ وَظَاهِرَهَا بِإِبْهَامَيْهِ» (وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْ) الْأُذُنَيْنِ (بِالْغَضَارِيفِ) لِأَنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ فَالْأُذُنُ أَوْلَى وَالْغُضْرُوفُ دَاخِلٌ فَوْقَ الْأُذُنِ أَيْ أَعْلَاهَا وَمُسْتَدَارُ سَمْعِهَا.

(وَلَا يُسْتَحَبُّ مَسْحُ عُنُقٍ) لِعَدَمِ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ وَعَنْهُ بَلَى اخْتَارَهُ فِي الْغُنْيَةِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ وَأَبُو الْبَقَاءِ وَابْنُ الصَّيْرَفِيِّ وَابْنُ رَزِينٍ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.

(وَلَا) يُسْتَحَبُّ (تَكْرَارُ مَسْحِ رَأْسٍ وَأُذُنٍ) قَالَ

التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ الرَّأْسَ وَاحِدَةً وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالُوا فِيهَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا، كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: أَحَادِيثُهُمْ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ صَرِيحٌ لَا يُقَالُ: إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً، لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَثَلَاثًا لِيُبَيِّنَ الْفَضِيلَةَ، كَمَا فَعَلَ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي هَذَا طُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طُهُورُهُ عَلَى الدَّوَامِ.

[فَصْلٌ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ]

فَصْلٌ (ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ) لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ (إلَى الْكَعْبَيْنِ) أَيْ: كُلُّ رِجْلٍ تُغْسَلُ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَلَوْ أَرَادَ كِعَابَ جَمِيعِ الْأَرْجُلِ لَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي تَوْزِيعَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، كَقَوْلِهِ: رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ وَنَحْوِهِ (وَهُمَا) أَيْ: الْكَعْبَانِ (الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ فِي جَانِبَيْ رِجْلِهِ) قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ كَانَ أَحَدُنَا يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلَوْ كَانَ مِشْطُ الْقَدَمِ لَمْ يَسْتَقِمْ (وَيَجِبُ إدْخَالُهُمَا فِي الْغَسْلِ) لِمَا سَبَقَ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ (أَصْلًا) بِأَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ دُونِ الْمِرْفَقِ، أَوْ رِجْلُهُ مِنْ دُونِ الْكَعْبِ (أَوْ تَبَعًا كَرَأْسِ عَضُدِ) يَدٍ قُطِعَتْ عَنْ مَفْصِلِ الْمِرْفَقِ.
(وَ) رَأْسِ (سَاقٍ) قُطِعَتْ مِنْ مَفْصِلِ كَعْبٍ (وَكَذَا يَتَيَمَّمُ) إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ، وَجَبَ مَسْحُ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ أَصْلًا أَوْ تَبَعًا (فَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ) مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ بِأَنْ قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ أَوْ الرِّجْلُ مِنْ فَوْقِ الْكَعْبِ (سَقَطَ) ذَلِكَ الْفَرْضُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ مَحَلَّ الْقَطْعِ بِالْمَاءِ) لِئَلَّا يَخْلُوَ الْعُضْوُ عَنْ طَهَارَةٍ

وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَوْ قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ لَمْ يُسْتَحَبَّ مَسْحُ مَحَلِّ الْقَطْعِ بِالتُّرَابِ (وَإِذَا وَجَدَ الْأَقْطَعُ وَنَحْوُهُ) كَالْأَشَلِّ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَنْ يُوَضِّئَ نَفْسَهُ (مَنْ يُوَضِّئُهُ) أَوْ يُغَسِّلُهُ (بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَقَدَرَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ) بِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (لَزِمَهُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّحِيحِ.
(وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُيَمِّمُهُ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) كَالصَّحِيحِ يَقْدِرُ عَلَى التَّيَمُّمِ دُونَ الْوُضُوءِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَا مَنْ يُيَمِّمُهُ، بِأَنْ عَجَزَ عَنْ الْأُجْرَةِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ (صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَكَذَا إنْ لَمْ يَجِدْهُ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ يَسِيرَةً عَلَى مَا يَأْتِي فِي التَّيَمُّمِ (وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) كَفَاقِدٍ لِطَهُورَيْنِ (وَاسْتِنْجَاء مِثْلِهِ) أَيْ: مِثْل الْوُضُوءِ، فَكَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِتَطْهِيرِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ لَا وَيَتَيَمَّمُ (وَيُسَنُّ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ يَدَيْهِ وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ) لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ فِي حَالِ الرِّجْلَيْنِ آكَدُ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ (بِخِنْصَرِهِ) لِخَبَرِ الْمُسْتَوْرِدِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ مِنْ بَاطِنِ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ.
ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (فَيَبْدَأُ بِخِنْصَرِ يُمْنَى) إلَى إبْهَامِهَا (وَيُسْرَى بِالْعَكْسِ) يَبْدَأُ مِنْ إبْهَامِهَا إلَى خِنْصَرِهَا (لِلتَّيَامُنِ) أَيْ: لِيَحْصُلَ التَّيَامُنُ فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ أَوْ بَعْضُهَا مُلْتَصِقَةً سَقَطَ (وَ) يُسَنُّ (الْغَسْلُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ (وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى) الْغَسْلَةِ (الْوَاحِدَةِ، وَ) الْغَسْلَتَانِ (الثِّنْتَانِ أَفْضَلُ) مِنْ الْوَاحِدَةِ.
(وَالثَّلَاثُ أَفْضَلُ) مِنْ الثِّنْتَيْنِ، وَمِنْ الْوَاحِدَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ هَذَا وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ - أَوْ قَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْهُ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً، ثُمَّ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ هَذَا وُضُوءٌ مَنْ تَوَضَّأَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنْ الْأَجْرِ وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ قَبْلِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا - فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَتَكَلَّمَ مُسْلِمٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ نَقَصَ وَأَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى نُقْصَانِ الْعُضْوِ وَاسْتَحْسَنَهُ الذَّهَبِيُّ.
(وَإِنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ) بِأَنْ غَسَلَ عُضْوًا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَآخَرَ ثَلَاثًا (لَمْ يُكْرَهُ) كَمَا لَوْ غَسَلَ الْكُلَّ مُتَسَاوِيًا

(وَيَعْمَلُ فِي عَدَدِهَا) أَيْ: الْغَسَلَاتِ (إذَا شَكَّ) فِيهِ (بِالْأَقَلِّ) كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِالْمَشْكُوكِ فِيهِ (وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الثَّلَاثِ لِحَدِيثِ عَمْرٍو الْمُتَقَدِّمِ.
(وَ) يُكْرَهُ (الْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ) وَلَوْ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ لِمَا يَأْتِي فِي الْغُسْلِ (وَيُسَنُّ مُجَاوَزَةُ مَوْضِعِ الْفَرْضِ) بِالْغُسْلِ، لِمَا رَوَى نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَهُ، حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ سَمِعْت خَلِيلِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ» .

(وَلَا يُسَنُّ الْكَلَامُ عَلَى الْوُضُوءِ، بَلْ يُكْرَهُ) قَالَهُ جَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ (وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهِيَةِ تَرْكُ الْأَوْلَى) وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، مَعَ أَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرَهُ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِيمَا يُكْرَهُ.

وَيُسَنُّ (قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْأَذْكَارُ الَّتِي تَقُولُهَا الْعَامَّةُ عَلَى الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ لَا أَصْلَ لَهَا) . وَفِي نَسْخٍ لَهُ: أَيْ: لِلْإِتْيَانِ بِهَا (عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَفِيهِ حَدِيثٌ كُذِبَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَ فِي الْمُحَرَّرِ إذْ لَا أَصْلَ لَهُ وَكَذَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَيْ: لَمْ يَجِئْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قَالَ فِي الْأَذْكَارِ وَالتَّنْقِيحِ لَهُ، وَالرَّافِعِيُّ قَالَ وَرَدَ فِيهِ الْأَثَرُ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ.
قَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ: وَفَاتَهُمَا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ فِي تَارِيخِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً، لِلْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ انْتَهَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ يَقُولُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ مَا وَرَدَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لِضَعْفِهِ جِدًّا، مَعَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلَوْ شُرِعَ لَتَكَرَّرَ مِنْهُ وَلَنُقِلَ عَنْهُ انْتَهَى وَقَوْلُهُ: مَا وَرَدَ أَشَارَ بِهِ إلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي التَّارِيخِ «إذَا غَسَلَ وَجْهَهُ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ الْوُجُوهِ وَذِرَاعَيْهِ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَرَأْسَهُ: اللَّهُمَّ غَشِّنَا بِرَحْمَتِك وَجَنِّبْنَا عَذَابَك، وَرِجْلَيْهِ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ» نَقَلَهُ عَنْهُ السُّيُوطِيّ

فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ.
(قَالَ أَبُو الْفَرَجِ) أَطْلَقَهُ فِي الْفُرُوعِ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ هُوَ الشِّيرَازِيُّ أَوْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ؟ .

(يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: وَرَدُّهُ) أَيْ: وَيُكْرَهُ رَدُّ الْمُتَوَضِّئِ السَّلَامَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَا يُكْرَهُ رَدُّ مُتَخَلٍّ، وَهُوَ سَهْوٌ.
(وَفِي الْفُرُوعِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا يُكْرَهُ السَّلَامُ وَلَا الرَّدُّ) وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ عَلَى طُهْرٍ أَكْمَلُ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ قُلْت أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ.

[فَصْلٌ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ]

فَصْلٌ (وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ فَرْضَانِ) فِي الْوُضُوءِ، لِمَا تَقَدَّمَ (لَا مَعَ غُسْلٍ) أَيْ: بِأَنْ نَوَى بِغُسْلِهِ رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ فَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ صَارَ لِلْأَكْبَرِ، لِإِدْرَاجِ الْأَصْغَرِ فِيهِ، كَانْدِرَاجِ الْعُمْرَةِ فِي حَجِّ الْقَارِنِ (وَلَا يَسْقُطَانِ) أَيْ: التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ (سَهْوًا وَلَا جَهْلًا، كَبَقِيَّةِ الْفُرُوضِ، فَيَجِبُ التَّرْتِيبُ) بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ (عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي كِتَابِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ، فَبَدَأَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِمَا غَسَلَهُ) مِنْ الْأَعْضَاءِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْوَجْهِ، لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ (وَإِنْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ وَخَتَمَ بِوَجْهِهِ، لَمْ يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ تَوَضَّأَ مَنْكُوسًا) يَخْتِمُ بِوَجْهِهِ.
وَيَبْدَأُ بِرِجْلَيْهِ (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ صَحَّ وُضُوءُهُ إذَا كَانَ مُتَقَارِبًا يَحْصُلُ لَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ) فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْمَرَّةِ الْأُولَى غَسْلُ الْوَجْهِ، وَمِنْ الثَّانِيَةِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَمِنْ الثَّالِثَةِ مَسْحُ الرَّأْسِ وَمِنْ الرَّابِعَةِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَعَلِمْت مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ التَّغَلُّبِ (وَإِنْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِحَّ) وُضُوءُهُ، وَكَذَا لَوْ وَضَّأَهُ أَرْبَعَةٌ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ التَّرْتِيبُ لَا عَدَمُ التَّنْكِيسِ وَلَمْ يُوجَدْ التَّرْتِيبُ.
(وَلَوْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ رَاكِدٍ أَوْ جَارٍ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ لَمْ يَرْتَفِعْ) حَدَثُهُ (وَلَوْ مَكَثَ فِيهِ قَدْرًا يَسَعُ التَّرْتِيبَ) أَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَارِي أَرْبَعُ جِرْيَاتٍ، قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: لَمْ يُفَرِّقْ

أَحْمَدُ بَيْنَهُمَا، أَيْ: بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ (حَتَّى يَخْرُجَ مُرَتَّبًا نَصًّا، فَيُخْرِجُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ) ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ مِنْ غَيْرِ إمْرَارِ يَدٍ غَيْرُ كَافٍ، وَتَقَدَّمَ (ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ الْمَاءِ) قُلْت خُرُوجُهُ مِنْهُ بَعْدُ لَيْسَ قَيْدًا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ رِجْلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتَا فِي الْمَاءِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَالْمُوَالَاةُ) مَصْدَرُ وَالَى الشَّيْءَ يُوَالِيهِ إذَا تَابَعَهُ وَالْمُرَادُ هُنَا: (أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشُفَ) الْعُضْوُ (الَّذِي قَبْلَهُ يَلِيهِ) . بِأَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَجِفَّ الْوَجْهُ، وَلَا مَسْحَ الرَّأْسِ حَتَّى تَجِفَّ الْيَدَانِ وَلَا غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ حَتَّى تَجِفَّ الرَّأْسُ لَوْ كَانَتْ مَغْسُولَةً، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ مَسْحَ الرَّأْسِ حَتَّى جَفَّ الْوَجْهُ دُونَ الْيَدَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَيُتِمَّهُ صَحِيحًا (فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلِ) الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ (أَوْ قَدْرِهِ) أَيْ: قَدْرِ الْمُعْتَدِلِ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ: غَيْرِ الْمُعْتَدِلِ، مِنْ زَمَنٍ حَارٍّ أَوْ بَارِدٍ.
(وَلَا يَضُرُّ جَفَافٌ لِاشْتِغَالِهِ بِسُنَّةٍ) مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ (كَتَخْلِيلِ) لِحْيَةٍ أَوْ أَصَابِعَ (وَ) كَاشْتِغَالِهِ ب (إسْبَاغٍ) أَيْ: إبْلَاغِ الْمَاءِ مَوَاضِعَ الطَّهَارَةِ (وَ) كَاشْتِغَالِهِ ب (إزَالَةِ شَكٍّ وَوَسْوَسَةٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الطَّهَارَةِ (وَيَضُرُّ) أَيْ: يُفَوِّتُ الْمُوَالَاةَ إنْ جَفَّ الْعُضْوُ ل (إسْرَافٍ وَإِزَالَةِ وَسَخٍ وَنَحْوِهِ) كَحَلِّ جَبِيرَةٍ (لِغَيْرِ طَهَارَةٍ) بِأَنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَضُرُّ إنْ كَانَتْ إزَالَةُ الْوَسَخِ وَنَحْوُهُ (لَهَا) أَيْ: لِلطَّهَارَةِ، بِأَنْ كَانَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ إذَنْ مِنْ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلُ (وَتَضُرُّ الْإِطَالَةُ فِي إزَالَةِ نَجَاسَةٍ) بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَا بِهَا، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَسَخِ (وَ) تَضُرُّ الْإِطَالَةُ فِي (تَحْصِيلِ مَاءٍ) وَلَوْ لِلطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا.

[فَصْلٌ سُنَنُ الْوُضُوءِ]

فَصْلٌ (وَجُمْلَةُ سُنَنِ الْوُضُوءِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالسِّوَاكُ) عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ (وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ ثَلَاثًا لِغَيْرِ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ) نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ، وَيَجِبُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى (وَالْبُدَاءَةُ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْمَضْمَضَةِ، ثُمَّ الِاسْتِنْشَاقِ) وَكَوْنُهُمَا بِيَمِينِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بِدَلِيلِهِ وَعَدَمُ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا (وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (لِغَيْرِ صَائِمٍ) وَتُكْرَه لَهُ، وَتَقَدَّمَ (وَ) الْمُبَالَغَةُ (فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِصَائِمٍ وَغَيْرِهِ وَالِاسْتِنْثَارُ) وَكَوْنُهُ بِيَسَارِهِ.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُكْرَهُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَنْتَثِرَ وَيُنَقِّيَ أَنْفَهُ وَوَسَخَهُ وَدَرَنَهُ وَيَخْلَعَ نَعْلَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ بِيَسَارِهِ، مُطْلَقًا،

وَتَنَاوُلُ الشَّيْءِ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ بِالْيَمِينِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ لِلْخَبَرِ وَلَا يُكْرَهُ بِيَسَارِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ، وَقَالَ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاوِلَ إنْسَانًا تَوْقِيعًا أَوْ كِتَابًا فَلْيَقْصِدْ يَمِينَهُ.
(وَ) مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ (تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ) وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ وَكَيْفِيَّتُهُ (وَتَخْلِيلُ الشُّعُورِ) أَيْ: شُعُورِ اللِّحْيَةِ (الْكَثِيفَةِ فِي الْوَجْهِ، وَالتَّيَامُنُ حَتَّى بَيْنَ الْكَفَّيْنِ لِلْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، وَبَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ.
وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: يَمْسَحُهُمَا مَعًا، وَمَسْحُهُمَا) أَيْ: الْأُذُنَيْنِ (بَعْدَ الرَّأْسِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَمُجَاوَزَةُ مَوْضِعِ الْفَرْضِ، وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ) . وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الْأُولَى فَرِيضَةٌ وَالثَّانِيَةُ فَضِيلَةٌ وَالثَّالِثَةُ سُنَّةٌ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ:.
وَإِذَا قِيلَ لَكَ: أَيُّ مَوْضِعٍ تُقَدَّمُ فِيهِ الْفَضِيلَةُ عَلَى السُّنَّةِ فَقُلْ: هُنَا (وَتُقَدَّمُ النِّيَّةُ عَلَى مَسْنُونَاتِهِ) إذَا وُجِدَتْ قَبْلَ الْوَاجِبِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (إلَى آخِرِهِ) أَيْ: آخِرِ الْوُضُوءِ (وَغَسْلُ بَاطِنِ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ) فِي الْوَجْهِ، غَيْرِ اللِّحْيَةِ فَيُخَلِّلُهَا فَقَطْ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ (وَأَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَقَوْلُ مَا وَرَدَ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَيَأْتِي) آخِرَ الْبَابِ.
(وَأَنْ يَتَوَلَّى وُضُوءَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَنَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَكِلُ طُهُورَهُ إلَى أَحَدٍ وَلَا صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقَ بِهَا إلَى أَحَدٍ يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَتُبَاحُ مُعَاوَنَةُ الْمُتَطَهِّرِ) مُتَوَضِّئًا كَانَ أَوْ مُغْتَسِلًا (كَتَقْرِيبِ مَاءِ الْغُسْلِ، أَوْ) مَاءِ (الْوُضُوءِ إلَيْهِ أَوْ صَبَّهُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ «أَفْرَغَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَضُوئِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ «صَبَبْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي الْوُضُوءِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) يُبَاحُ لِلْمُتَطَهِّرِ (تَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ) لِمَا رَوَى سَلْمَانُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ ثُمَّ قَلَبَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ (وَتَرْكُهُمَا) أَيْ: تَرْكُ الْمُعِينِ وَالتَّنْشِيفِ (أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهِمَا، أَمَّا تَرْكُ الْمُعِينِ فَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ، وَأَمَّا تَرْكُ التَّنْشِيفِ فَلِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ، قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَلَمْ يُرِدْهَا، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَتَرْكُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ وَأَيْضًا هَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ الْمِنْدِيلَ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالْمِنْدِيلِ بَأْسًا وَلَكِنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ وَلِأَنَّهُ إزَالَةٌ

لِلْمَاءِ عَنْ بَدَنِهِ، أَشْبَهَ نَفْضَ يَدَيْهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْمَعِينِ عَنْ يَسَارِهِ) لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُ الْمَاءِ عِنْدَ الصَّبِّ (كَإِنَاءِ وُضُوئِهِ الضَّيِّقِ الرَّأْسِ) لِيَصُبَّ بِيَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ (وَإِنْ كَانَ) إنَاءُ وُضُوئِهِ (وَاسِعًا يَغْتَرِفُ مِنْهُ بِالْيَدِ، فَعَنْ يَمِينِهِ) لِيَغْتَرِفَ مِنْهُ بِهَا.
(وَلَوْ وَضَّأَهُ) أَوْ غَسَلَ لَهُ بَدَنَهُ مِنْ نَحْوِ جَنَابَةٍ (أَوْ يَمَّمَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ) أَوْ غَيْرُهُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: بِإِذْنِ الْمَفْعُولِ بِهِ قُلْتُ وَكَذَا تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ، بِأَنْ نَاوَلَهُ أَعْضَاءَهُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ (بِأَنْ غَسَلَ لَهُ الْأَعْضَاءَ، أَوْ يَمَّمَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كُرِهَ، وَصَحَّ) وُضُوءُهُ وَغُسْلُهُ وَتَيَمُّمُهُ لِوُجُودِ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ (وَيَنْوِيهِ الْمُتَوَضِّئُ) وَالْمُغْتَسِلُ (وَالْمُتَيَمِّمُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ نَوَاهُ الْفَاعِلُ.
(فَإِنْ أُكْرِهَ مَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ) لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ انْتَهَى قُلْت وَالثَّانِي أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَعُودُ لِخَارِجٍ؛ لِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الطَّهَارَةِ (أَوْ) أُكْرِهَ مَنْ (يُوَضِّئُهُ عَلَى وُضُوئِهِ لَمْ يَصِحَّ) وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ مَنْ يُغَسِّلُهُ أَوْ يُيَمِّمُهُ، وَكَذَا قَالَ فِي الْمُنْتَهَى لَا إنْ أُكْرِهَ فَاعِلٌ (وَإِنْ أُكْرِهَ الْمُتَوَضِّئُ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ) أُكْرِهَ إنْسَانٌ (عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْوُضُوءِ (مِنْ الْعِبَادَاتِ) كَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ (وَفَعَلَهَا) الْمُكْرَهُ (لِدَاعِي الشَّرْعِ) بِأَنْ نَوَى بِهَا التَّقَرُّبَ إلَيْهِ تَعَالَى (لَا لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ صَحَّتْ) لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ فَعَلَهَا لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ (فَلَا) تَصِحُّ لِعَدَمِ وُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ.
(وَيُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءُ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا يُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءِ بِيَدَيْهِ عَنْ بَدَنِهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَيُكْرَهُ نَفْضُ يَدِهِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ اهـ. وَقَالَ فِي غَايَةِ الْمَطْلَبِ هَلْ يُبَاحُ نَفْضُ يَدِهِ أَوْ يُكْرَهُ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ لَا يُكْرَهُ اهـ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَنْهُ يُكْرَهَانِ، أَيْ: الْمُعَاوَنَةُ وَالتَّنْشِيفُ، كَنَفْضِ يَدِهِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ الْمَعْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُحْتُرِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُمَا لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
(وَ) تُكْرَهُ (إرَاقَةُ مَاءِ الْوُضُوءِ وَ) مَاءِ (الْغُسْلِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي مَكَان يُدَاسُ فِيهِ كَالطَّرِيقِ تَنْزِيهًا لِلْمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ (وَيُبَاحُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُؤْذِ بِهِ أَحَدًا وَلَمْ يُؤْذِ الْمَسْجِدَ) ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ مِنْهُ طَاهِرٌ (وَيَحْرُمُ فِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ وَالرِّيحُ) وَالْبَوْلُ، وَلَوْ بِقَارُورَةٍ؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الْمَسْجِدِ

كَقَرَارِهِ (وَتُكْرَهُ إرَاقَةُ مَاءٍ غَمَسَ فِيهِ يَدَهُ قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ خُصُوصًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ غَسْلَهُمَا مُعَلَّلٌ بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَلَا يُغَسَّلُ فِيهِ مَيِّتٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَنْجِيسِهِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِهِ وَصَوْنُ الْمَسْجِدِ عَنْ النَّجَاسَاتِ وَاجِبٌ (وَقَالَ يَجُوزُ عَمَلُ مَكَان فِيهِ لِلْوُضُوءِ لِلْمَصْلَحَةِ بِلَا مَحْذُورٍ) كَقُرْبِ جِدَارٍ أَوْ بِحَيْثُ يُؤْذِي الْمُصَلِّينَ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ إذَنْ.
وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِرْكَةٌ يُغْلَقُ عَلَيْهَا بَابُ الْمَسْجِدِ لَكِنْ يُمْشَى حَوْلَهَا دُونَ أَنْ يُصَلَّى حَوْلَهَا، هَلْ يَحْرُمُ الْبَوْلُ عِنْدَهَا وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ بِغَيْرِ الِاسْتِجْمَارِ بِالْحَجَرِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ الْجَوَابُ: هَذَا يُشْبِهُ الْبَوْلَ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْقَارُورَةِ قَالَ وَالْأَشْبَهُ أَنَّ هَذَا إذَا فُعِلَ لِلْحَاجَةِ فَقَرِيبٌ، وَأَمَّا اتِّخَاذُ ذَلِكَ مَبَالًا أَوْ مُسْتَنْجًى فَلَا.
(وَلَا يُكْرَهُ طُهْرُهُ مِنْ إنَاءٍ نُحَاسٍ وَنَحْوِهِ) كَحَدِيدٍ وَرَصَاصٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْآنِيَةِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوَضَّأَ مِنْ تَوْرِ نُحَاسٍ (وَلَا) يُكْرَهُ طُهْرُهُ (مِنْ إنَاءٍ بَعْضُهُ نَجِسٌ) بِحَيْثُ يَأْمَنُ التَّلْوِيثَ (وَلَا) يُكْرَهُ طُهْرُهُ مِنْ (مَاءٍ بَاتَ مَكْشُوفًا وَمِنْ مُغَطًّى أَوْلَى) قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَمِنْ مُغَطًّى أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ بِنُزُولِ الْوَبَاءِ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَلْ يَخْتَصُّ الشُّرْبُ أَوْ يَعُمُّ؟ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «غَطُّوا الْإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ وَلَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ» . (وَيُسَنُّ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الْوُضُوءِ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ وَقَوْلُ «أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكِ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مَنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» ) لِحَدِيثِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ قَالَ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَهْلَغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَّا فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ فِيهِ «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ «فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إلَى السَّمَاءِ» وَسَاقَ الْحَدِيثَ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ» لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَفَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِطَابَعٍ ثُمَّ رُفِعَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمْ تُكْسَرْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
قَالَ السَّامِرِيُّ: وَيَقْرَأ سُورَةَ الْقَدْرِ ثَلَاثًا وَالْحِكْمَةُ فِي خَتْمِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا بِالِاسْتِغْفَارِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ: أَنَّ الْعِبَادَ مُقَصِّرُونَ عَنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ كَمَا يَنْبَغِي وَعَنْ أَدَائِهَا عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَإِنَّمَا يُؤَدُّونَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَهُ، فَالْعَارِفُ يَعْرِفُ أَنَّ قَدْرَ الْحَقِّ أَعْلَى وَأَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ يَسْتَحِي مِنْ عَمَلِهِ وَيَسْتَغْفِرُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِيهِ كَمَا يَسْتَغْفِرُ غَيْرُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَغَفَلَاتِهِ، قَالَ وَالِاسْتِغْفَارُ يَرِدُ مُجَرَّدًا وَمَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ وَرَدَ مُجَرَّدًا دَخَلَ فِيهِ طَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ الذَّنْبِ الْمَاضِي بِالدُّعَاءِ وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ، وَوِقَايَةِ شَرِّ الذَّنْبِ الْمُتَوَقَّعِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَهَذَا الِاسْتِغْفَارُ الَّذِي يَمْنَعُ الْإِصْرَارَ وَالْعُقُوبَةَ وَإِنْ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ اخْتَصَّ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ الْمَاضِي بَلْ كَانَ سُؤَالًا مُجَرَّدًا فَهُوَ دُعَاءٌ مَحْضٌ وَإِنْ صَحِبَهُ نَدَمٌ فَهُوَ تَوْبَةٌ وَالْعَزْمُ عَلَى الْإِقْلَاعِ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ (وَكَذَا) يَقُولُ ذَلِكَ (بَعْدَ الْغُسْلِ قَالَهُ فِي الْفَائِقِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْغُسْلِ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ.

" خَاتِمَةٌ ": اُخْتُلِفَ فِي الْوُضُوءِ هَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهَا، مُسْتَدِلِّينَ بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» . وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهَا وَإِنَّمَا الْمَخْصُوصُ بِهَا الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ فَقَطْ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِضَعْفِهِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِالْأَنْبِيَاءِ دُونَ أُمَمِهِمْ، لَا بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ، فَفِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ لَمَّا رَمَوْهُ بِالْمَرْأَةِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ مَنْ أَبُوك قَالَ هَذَا الرَّاعِي وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا مَرَّ عَلَى الْجَبَّارِ وَمَعَهُ سَارَةُ أَنَّهَا لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى الْجَبَّارِ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ وَدَعَتْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.

[بَابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ]

(بَابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ) أَعْقَبَهُ لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ أَوْ مَسْحِ مَا تَحْتَهُ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ: مَسْحُ الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ غَيْرَ الْجَبِيرَةِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (رُخْصَةٌ) وَهِيَ لُغَةً السُّهُولَةُ، وَشَرْعًا مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ وَعَنْهُ عَزِيمَةٌ وَهِيَ لُغَةً الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ، وَشَرْعًا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ وَالرُّخْصَةُ وَالْعَزِيمَةُ وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ فَوَائِدِهِمَا الْمَسْحَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَتَعْيِينَ الْمَسْحِ عَلَى لَابِسِهِ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ.
(وَ) الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ (أَفْضَلُ مِنْ الْغَسْلِ) ؛ لِأَنَّهُ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا طَلَبُوا الْأَفْضَلَ وَفِيهِ مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ» (وَيَرْفَعُ) مَسْحُ الْحَائِلِ (الْحَدَثَ) عَمَّا تَحْتَهُ (نَصًّا) وَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِالْمَسْحِ فَضْلٌ لَمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِهِ لِوُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِالْغَسْلِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ) الْخُفَّ وَنَحْوَهُ (لِيَمْسَحَ) عَلَيْهِ كَمَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ، إذَا كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ، وَيَمْسَحُ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَ لَابِسًا لِلْخُفِّ، فَالْأَفْضَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِحَالِ قَدَمِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَ (كَالسَّفَرِ، لِيَتَرَخَّصَ) فَإِنَّهُ لَا يُطْلَبُ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يَأْتِي لَوْ سَافَرَ لِيَنْظُرَ جُرْمًا (وَيُكْرَهُ لُبْسُهُ) أَيْ: الْخُفِّ.
(مَعَ مُدَافَعَةِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَكَذَلِكَ اللُّبْسُ الَّذِي يُرَادُ لِلصَّلَاةِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُكْرَهَ.
وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسَهُمَا عِنْدَ غَلَبَةِ النُّعَاسِ وَالصَّلَاةُ إنَّمَا كُرِهَتْ لِلْحَاقِنِ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَ قَلْبِهِ بِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ يَذْهَبُ بِخُشُوعِ الصَّلَاةِ، وَيَمْنَعُ الْإِتْيَانَ بِهَا عَلَى الْكَمَالِ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْعَجَلَةِ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي اللُّبْسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَيَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى خُفٍّ) فِي رِجْلَيْهِ لِثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ رَوَى الْمَسْحَ سَبْعُونَ نَفْسًا، فِعْلًا مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَقَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ شَيْءٌ، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَمِنْ أُمَّهَاتِهَا حَدِيثُ جَرِيرٍ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» . قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ الْوَارِدُ فِيهَا بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ نَاسِخًا لِلْمَسْحِ، كَمَا صَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَقَدْ اسْتَنْبَطَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ وَأَرْجُلِكُمْ بِالْجَرِّ، وَحَمْلِ قِرَاءَةِ النَّصْبِ عَلَى الْغُسْلِ، لِئَلَّا تَخْلُوَ إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَنْ فَائِدَةٍ.

(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا عَلَى (جُرْمُوقٍ) وَهُوَ (خُفٌّ قَصِيرٌ) لِمَا رَوَى بِلَالٌ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ بِلَالٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «امْسَحُوا عَلَى النَّصِيفِ وَالْمُوقِ» ، أَيْ: الْجُرْمُوقِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مِثَالُ الْخُفِّ، يُلْبَسُ فَوْقَهُ لَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ كَذَا كُلُّ كَلِمَةٍ فِيهَا جِيمٌ وَقَافٌ.

(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا عَلَى (جَوْرَبٍ صَفِيقٍ مِنْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِهِ) قَالَ الزَّرْكَشِيّ: هُوَ غِشَاءٌ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ لِلدِّفْءِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَلَعَلَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ عَلَى هَيْئَةِ الْخُفِّ مِنْ غَيْرِ الْجِلْدِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ يُرْوَى إبَاحَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْبَرَاءِ وَبِلَالٍ وَابْنِ أَبِي أَوْفَى وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ نُعِلَا أَوْ لَمْ يُنْعَلَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ.

(وَإِنْ كَانَ) الْجَوْرَبُ (غَيْرَ مُجَلَّدٍ أَوْ) مُنْعَلٍ (أَوْ كَانَ) الْجَوْرَبُ (مِنْ خِرَقٍ) وَأَمْكَنَتْ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يُنْعَلَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِمَا فَهُمَا كَالرُّقْعَتَيْنِ وَلَنَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا غَيْرَ مَنْعُولَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَا كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ النَّعْلَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ وَنَعْلِهِ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ ذَكَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْجَوَارِبُ فِي مَعْنَى الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ أَشْبَهَ الْخُفَّ وَتَكَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ بَعْضُهُمْ قَالَ أَبُو دَاوُد كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ، عَنْ الْمُغِيرَةِ الْخُفَّيْنِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهَذَا لَا يَصْلُحُ مَانِعًا، لِجَوَازِ رِوَايَةِ اللَّفْظَيْنِ، فَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (حَتَّى لِزَمِنٍ) لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ لِعَاهَةٍ لِلْعُمُومِ.

(وَمَنْ لَهُ رِجْلٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَبْقَ مِنْ فَرْضِ) الرِّجْلِ (الْأُخْرَى شَيْءٌ) فَلَبِسَ مَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فِي الْبَاقِيَةِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِفَرْضِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ الْأُخْرَى أَوْ بَعْضِهَا، وَأَرَادَ الْمَسْحَ عَلَيْهِ، وَغَسَلَ الْأُخْرَى أَوْ بَعْضَهَا، وَأَرَادَ الْمَسْحَ عَلَيْهِ وَغَسَلَ الْأُخْرَى أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ غَسْلُ مَا فِي الْخُفِّ تَبَعًا لِلَّتِي غَسَلَهَا لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
(وَ) حَتَّى (لِمُسْتَحَاضَةٍ وَنَحْوِهَا) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْعُذْرِ أَحَقُّ بِالتَّرَخُّصِ مِنْ غَيْرِهِ وَطَهَارَتُهَا كَامِلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا، بَلْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ (إلَّا لِمُحْرِمٍ لَبِسَهُمَا) أَيْ: الْخُفَّيْنِ (وَلَوْ لِحَاجَةٍ) كَعَدَمِ النَّعْلَيْنِ، فَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ لَبِسَتْ الْمَرْأَةُ الْعِمَامَةَ لِحَاجَةِ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقِيلَ يَجُوزُ وَهُوَ أَظْهَرُ.
قَالَ الْمُنَقِّحُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، لِإِطْلَاقِهِمْ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا أَحَدًا وَلَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ إلَّا فِي الْفُرُوعِ وَعِنْدَهُ تَحْقِيقٌ انْتَهَى قُلْتُ قَدْ يُقَالُ: قَوْلُ الْأَصْحَابِ فِي اشْتِرَاطِ الْمَسْحِ إبَاحَةَ الْخُفِّ مُطْلَقًا يَمْنَعُ قَوْلَهُ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ لَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ لِلْحَاجَةِ، فَهُوَ كَخُفٍّ مِنْ حَرِيرٍ لِضَرُورَةٍ.

(وَيَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى عَمَائِمِ ذُكُورٍ) لِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أُمَيَّةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَسٌ وَأَبُو أُمَامَةَ رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عُمَرَ مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ.

(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى (جَبَائِرَ، جَمْعُ جَبِيرَةٍ وَهِيَ أَخْشَابٌ أَوْ نَحْوُهَا تُرْبَطُ عَلَى الْكَسْرِ أَوْ نَحْوِهِ) كَالْجُرْحِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا، لِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَاحِبِ الشَّجَّةِ «إنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْضُدَ أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً وَيَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.

(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا (عَلَى خُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ) ؛ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ

يَشُقُّ نَزْعُهُ أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ الْمُحَنَّكَةَ.

وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْوِقَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا فَهِيَ كَطَاقِيَّةِ الرَّجُلِ وَ (لَا) عَلَى (الْقَلَانِسِ) جَمْعُ قَلَنْسُوَةٍ أَوْ قَلَنْسِيَةٍ (وَهِيَ مُبَطَّنَاتٌ تُتَّخَذُ لِلنَّوْمِ وَ) لَا عَلَى (الدَّنِيَّاتِ) وَهِيَ (قَلَانِسُ كِبَارٌ أَيْضًا كَانَتْ الْقُضَاةُ تَلْبَسُهَا) قَدِيمًا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هِيَ عَلَى هَيْئَةِ مَا تَتَّخِذُهُ الصُّوفِيَّةُ الْآنَ، وَوَجْهُ عَدَمِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا: أَنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْكَلْوَتَةِ.

(وَمِنْ شَرْطِهِ) أَيْ: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ (أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ) لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَالطُّهْرُ الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ: وَأَيْضًا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
(وَلَوْ مَسَحَ فِيهَا) أَيْ: الطَّهَارَةِ (عَلَى خُفٍّ) بِأَنْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَبِسَ عِمَامَةً أَوْ جَبِيرَةً فَلَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا (أَوْ) مَسَحَ فِي الطَّهَارَةِ عَلَى (عِمَامَةٍ أَوْ جَبِيرَةٍ) أَيْ: لَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ لَبِسَ عِمَامَةً أَوْ جَبِيرَةً ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهَا ثُمَّ لَبِسَ خُفًّا جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ تَرْفَعُ الْحَدَثَ أَشْبَهَ مَا لَوْ غَسَلَ الْكُلَّ.
(أَوْ غَسَلَ صَحِيحًا وَتَيَمَّمَ لِجُرْحٍ) ثُمَّ لَبِسَ حَائِلًا، جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَهُ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (فَلَا يَمْسَحُ عَلَى خُفٍّ) وَلَا جُرْمُوقٍ وَلَا جَوْرَبٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا خِمَارٍ وَلَا جَبِيرَةٍ (لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ تَيَمَّمَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ حَدَثًا (وَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ) قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى (خَلَعَ) الْخُفَّ (ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ غَسْلِ الْأُخْرَى) لِتَكْمُلَ الطَّهَارَةُ.
(وَلَوْ لَبِسَ الْأُولَى طَاهِرَةً) قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى (ثُمَّ غَسَلَ) الرِّجْلَ (الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا) خُفَّهَا (لَمْ يَمْسَحْ) ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُ لِلْخُفَّيْنِ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ (فَإِنْ خَلَعَ الْأُولَى ثُمَّ لَبِسَهَا) مَعَ بَقَاءِ طَهَارَتِهِ (جَازَ) لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ (وَإِنْ تَطَهَّرَ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ لُبْسِهِ) الْخُفَّ أَوْ نَحْوَهُ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ عَلَى طَهَارَةٍ (أَوْ) تَطَهَّرَ ثُمَّ أَحْدَثَ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ لُبْسِهِ الْخُفَّ أَوْ نَحْوَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ عَلَى طَهَارَةٍ (قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الْقَدَمُ إلَى مَوْضِعِهَا) لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ حَصَلَتْ فِي مَقَرِّهَا وَهُوَ مُحْدِثٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَدَأَ اللُّبْسَ وَهُوَ مُحْدِثٌ.
(أَوْ لَبِسَهُ) أَيْ: الْخُفَّ وَنَحْوَهُ (مُحْدِثًا ثُمَّ غَسَلَهُمَا) أَيْ: الرِّجْلَيْنِ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ (أَوْ) لَبِسَهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ (قَبْلَ كَمَالِ طَهَارَتِهِ ثُمَّ غَسَلَهُمَا) أَيْ: الرِّجْلَيْنِ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ (أَوْ نَوَى جُنُبٌ وَنَحْوُهُ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا (رَفْعَ حَدَثِهِ، ثُمَّ غَسَلَهُمَا، وَأَدْخَلَهُمَا فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ لَمْ يَجُزْ) لَهُ (الْمَسْحُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ.
(وَإِنْ) غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَ (مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ لَبِسَ الْعِمَامَةَ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَلَعَ) الْعِمَامَةَ (ثُمَّ) لَبِسَهَا لِيُوجَدَ شَرْطُ الْمَسْحِ كَالْخُفِّ (وَلَوْ شَدَّ الْجَبِيرَةَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ) بِالْمَاءِ (نَزَعَ) الْجَبِيرَةَ إذَا تَطَهَّرَ لِيَغْسِلَ مَا تَحْتَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَقَدُّمَ الطَّهَارَةِ عَلَى شَدِّهَا شَرْطٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَالشَّرِيفِ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ.
وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ أَشْبَهَ الْخُفَّ وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ، قَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِيهِ وَالْمُوَفَّقُ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ لِلْأَخْبَارِ وَلِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ يَقَعُ فَجْأَةً أَوْ فِي وَقْتٍ لَا يَعْلَمُ الْمَاسِحُ وُقُوعَهُ فِيهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ (فَإِنْ خَافَ) مِنْ نَزْعِهَا تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا تَيَمَّمَ لِغَسْلِ مَا تَحْتَهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُخَافُ الضَّرَرُ، بِاسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ فِيهِ فَجَازَ (التَّيَمُّمُ) لَهُ، كَجُرْحٍ غَيْرِ مَشْدُودٍ (فَلَوْ عَمَّتْ) الْجَبِيرَةُ (مَحَلَّ الْفَرْضِ) فِي التَّيَمُّمِ، بِأَنْ عَمَّتْ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ.
(كَفَى مَسْحُهَا بِالْمَاءِ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ التَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ (وَيَمْسَحُ مُقِيمٌ، وَلَوْ عَاصِيًا بِإِقَامَةٍ، كَمَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِسَفَرٍ فَأَبَى) أَنْ يُسَافِرَ: يَوْمًا وَلَيْلَةً.
(وَ) يَمْسَحُ (عَاصٍ بِسَفَرِهِ) بَعِيدًا كَانَ أَوْ قَرِيبًا (يَوْمًا وَلَيْلَةً) وَكَذَا مُسَافِرٌ دُونَ الْمَسَافَةِ،؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ.
(وَ) يَمْسَحُ (مُسَافِرٌ سَفَرَ قَصْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ) لِمَا رَوَى شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ: سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: هُوَ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ وَيَخْلَعُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَإِنْ خَافَ أَوْ تَضَرَّرَ رَفِيقُهُ بِانْتِظَارِهِ تَيَمَّمَ فَلَوْ مَسَحَ وَصَلَّى أَعَادَ نَصَّ عَلَيْهِ وَيَمْسَحُ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَابِسُ الْخُفَّيْنِ (وَلَوْ مُسْتَحَاضَةٌ وَنَحْوُهَا) كَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ نَحْوُهُ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ (مِنْ وَقْتِ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ إلَى مِثْلِهِ) مِنْ الثَّانِي أَوْ الرَّابِع لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَوْ سَفَرًا: أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَنَوْمٍ وَبَوْلٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ: أَنَّهَا تُنْزَعُ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ الْغَائِطِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَاعْتُبِرَ لَهَا أَوَّلُ وَقْتِهَا مِنْ حِينِ جَوَازِ فِعْلِهَا كَالصَّلَاةِ.
(فَلَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ) بِأَنْ مَضَى مِنْ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ ثَلَاثَةٌ إنْ كَانَ مُسَافِرًا (وَلَمْ يَمْسَحْ فِيهَا) عَلَى الْخُفِّ أَوْ نَحْوِهِ (خَلَعَ) لِفَرَاغِ مُدَّتِهِ، وَمَا لَمْ يُحْدِثْ فَلَا تُحْتَسَبُ الْمُدَّةُ، فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ لُبْسِهِ يَوْمًا عَلَى طَهَارَةِ اللُّبْسِ ثُمَّ أَحْدَثَ اسْتَبَاحَ بَعْدَ الْحَدَثِ الْمُدَّةَ وَهَذَا التَّوْقِيتُ السَّابِقُ مُفَصَّلًا فِي غَيْرِ الْجَبِيرَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ (وَ) يَمْسَحُ عَلَى (جَبِيرَةٍ إلَى حَلِّهَا) ؛ لِأَنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَالضَّرُورَةُ تَدْعُو إلَى مَسْحِهَا إلَى حَلِّهَا فَقَدَّرَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ وَبُرْؤُهَا كَحَلِّهَا بَلْ أَوْلَى.
(وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ بَقِيَّةَ مَسْحِ مُقِيمٍ، إنْ كَانَتْ) أَيْ: وُجِدَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ مَضَى بَعْدَ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَأَكْثَرُ ثُمَّ أَقَامَ (خَلَعَ) الْخُفَّ وَنَحْوَهُ لِانْقِطَاعِ السَّفَرِ فَلَوْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةٍ فِي سَفِينَةٍ فَدَخَلَتْ الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا بَعْدَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَبْطَلَتْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي الْأَشْهَرِ انْتَهَى وَكَذَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ.
(وَإِنْ مَسَحَ مُقِيمٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ سَافَرَ) أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، تَغْلِيبًا لِلْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ (أَوْ شَكَّ هَلْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ رُخْصَةٌ فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِهَا رُدَّ إلَى الْأَصْلِ وَسَوَاءٌ شَكَّ هَلْ أَوَّلُ مَسْحِهِ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ، أَوْ عَلِمَ أَوَّلَ الْمُدَّةِ، أَوْ شَكَّ هَلْ كَانَ مَسْحُهُ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا.
(وَإِنْ شَكَّ) الْمَاسِحُ (فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ) مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا، مَا دَامَ الشَّكُّ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ جُوِّزَتْ بِشَرْطٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَقَاءُ شَرْطِهَا رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ (فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ) أَيْ: مَسَحَ مَعَ الشَّكِّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ (فَبَانَ بَقَاؤُهَا صَحَّ وُضُوءُهُ) وَلَا يُصَلِّي بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ بَقَاؤُهَا فَإِنْ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ أَعَادَ.
(وَمَنْ أَحْدَثَ) فِي الْحَضَرِ (ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ) ؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ مُسَافِرًا (وَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ) وَهُوَ الْقَدَمُ كُلُّهُ، وَإِلَّا فَحُكْمُ مَا اسْتَتَرَ الْمَسْحُ، وَمَا ظَهَرَ الْغَسْلُ وَلَا سَبِيلَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ الْغَسْلُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَ) مِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ أَيْضًا: أَنْ (يَثْبُتَ بِنَفْسِهِ) إذْ الرُّخْصَةُ وَرَدَتْ فِي الْخُفِّ الْمُعْتَادِ، وَمَا لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَسْقُطُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ (أَوْ) أَنْ

يَثْبُتَ (بِنَعْلَيْنِ ف) لَوْ ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِالنَّعْلَيْنِ فَإِنَّهُ (يَصِحُّ) الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْمُدَّةِ (إلَى خَلْعِهِمَا) وَيَجِبُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَسُيُورِ النَّعْلَيْنِ قَدْرَ الْوَاجِبِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَالَ فِي الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ: مَسَحَهُمَا، وَقِيلَ: يُجْزِي مَسْحُ الْجَوْرَبِ وَحْدَهُ.
وَقِيلَ: أَوْ النَّعْلِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إجْزَاءُ الْمَسْحِ عَلَى أَحَدِهِمَا قَدْرَ الْوَاجِبِ قُلْتُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
وَ (لَا) يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ يَثْبُتُ (بِشَدِّهِ) فَقَطْ (نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ ثَبَتَ) الْخُفُّ وَنَحْوُهُ (بِنَفْسِهِ لَكِنْ بِبُدُوِّ بَعْضِهِ لَوْلَا شَدُّهُ أَوْ شَرْجُهُ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ عُرًى (كَالزُّرْبُولِ الَّذِي لَهُ سَاقٌ) (فَيَدْخُلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ فَيَسْتَتِرُ بِذَلِكَ مَحَلُّ الْفَرْضِ) (وَنَحْوِهِ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ أَشْبَهَ غَيْرَ ذِي الشَّرْجِ.
(وَمِنْ شَرْطِهِ) أَيْ: الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (أَيْضًا إبَاحَتُهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِالْمَعْصِيَةِ (فَلَا يَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى) خُفٍّ (مَغْصُوبٍ، وَ) لَا (حَرِيرٍ وَلَوْ فِي ضَرُورَةٍ، كَمَنْ هُوَ فِي بَلَدِ ثَلْجٍ، وَخَافَ سُقُوطَ أَصَابِعِهِ) بِخَلْعِ الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْحَرِيرِ فَلَا يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ عَلَيْهِ،؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْأَصْلِ وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ نَادِرَةٌ.
(فَإِنْ صَلَّى) وَقَدْ مَسَحَ عَلَيْهِ إذَنْ (أَعَادَ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ) لِبُطْلَانِهِمَا (وَيَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى) خُفٍّ وَنَحْوِهِ (حَرِيرٍ لِأُنْثَى فَقَطْ) دُونَ خُنْثَى وَذَكَرٍ لِإِبَاحَتِهِ لَهَا دُونَهُمَا وَلَوْ صَغِيرَيْنِ (وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا) فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (إمْكَانُ الْمَشْيِ فِيهِ) أَيْ: الْمَمْسُوحِ مِنْ خُفٍّ وَنَحْوِهِ عُرْفًا.
(وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْجُلُودُ وَاللُّبُودُ وَالْخَشَبُ وَالزُّجَاجُ وَالْحَدِيدُ وَنَحْوُهَا) ؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ أَشْبَهَ الْجُلُودَ (وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (طَهَارَةُ عَيْنِهِ) لِأَنَّ نَجِسَ الْعَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (فَلَا يَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى نَجِسٍ وَلَوْ فِي ضَرُورَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَرِيرِ (فَيَتَيَمَّمُ مَعَهَا) أَيْ: الضَّرُورَةِ (لِلرِّجْلَيْنِ) أَيْ: لَا بُدَّ عَنْ غَسْلِهِمَا.
وَكَذَا لَوْ كَانَ النَّجِسُ عِمَامَةً أَوْ جَبِيرَةً وَتَضَرَّرَ بِنَزْعِهَا يَتَيَمَّمُ لِمَا تَحْتَهَا قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَيَتَيَمَّمُ مَعَهَا لِمَسْتُورٍ (وَلَا يَمْسَحُ) عَلَى النَّجِسِ (وَيُعِيدُ) مَا صَلَّى بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ (وَلَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ طَاهِرِ الْعَيْنِ لَكِنْ بِبَاطِنِهِ أَوْ قَدَمِهِ نَجَاسَةً لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهَا إلَّا بِنَزْعِهِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) لِوُجُودِ شَرْطِهِ.
(وَيَسْتَبِيحُ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَيَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ) بِهِ (النَّجَاسَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ) كَالطَّوَافِ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَفَرَّقَ الْمَجْدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَحَلِّ

هُنَاكَ لَمَّا أَوْجَبَتْ الطَّهَارَتَيْنِ جَعَلَتْ إحْدَاهُمَا تَابِعَةً لِلْأُخْرَى وَهَذَا مَعْدُومٌ هُنَا (وَيُشْتَرَطُ) فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ أَيْضًا (أَنْ لَا يَصِفَ الْقَدَمَ لِصَفَائِهِ كَالزُّجَاجِ الرَّقِيقِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ.
وَكَذَا مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ لِخِفَّتِهِ فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (خَرْقٌ أَوْ غَيْرُهُ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، وَلَوْ مِنْ مَوْضِعِ الْخَرْزِ، لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ سَتْرِهِ مَحَلَّ الْفَرْضِ (فَإِنْ انْضَمَّ الْخَرْقُ وَنَحْوُهُ بِلُبْسِهِ جَازَ الْمَسْحُ) لِحُصُولِ الشَّرْطِ وَهُوَ سَتْرُ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ.

(وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيْهِ آخَرَ وَكَانَا) أَيْ: الْخُفَّانِ (صَحِيحَيْنِ مَسَحَ أَيَّهُمَا شَاءَ) ف (إنْ شَاءَ) مَسَحَ (الْفَوْقَانِيَّ) ؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ، أَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ (وَإِنْ شَاءَ) مَسَحَ (التَّحْتَانِيَّ، بِأَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْفَوْقَانِيِّ فَيَمْسَحَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى التَّحْتَانِيِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحَلٌّ لِلْمَسْحِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَمَا يَجُوزُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ فِي الْخُفِّ، مَعَ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ.

(وَلَوْ لَبِسَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فِي أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ) فَوْقَ خُفِّهَا (دُونَ) الرِّجْلِ (الْأُخْرَى) فَلَمْ يَلْبَسْ فِيهَا جَوْرَبًا، بَلْ الْخُفَّ فَقَطْ (جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْجَوْرَبِ الَّذِي لَبِسَهُ فَوْقَ الْخُفِّ وَعَلَى الْخُفِّ (الَّذِي فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ وَبِالْخُفِّ الَّذِي فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ شَيْءٌ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْخُفَّيْنِ اللَّذَيْنِ لَبِسَ أَحَدَهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ (صَحِيحًا) وَالْآخَرُ مُفَتَّقًا (جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ) ؛ لِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ وَكَذَا إنْ لَبِسَ عَلَى صَحِيحٍ مُخَرَّقًا نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَلَا يَجُوزُ) الْمَسْحُ (عَلَى) الْخُفِّ (التَّحْتَانِيِّ) إذَا كَانَ أَحَدُ الْخُفَّيْنِ صَحِيحًا وَالْآخَرُ مُفَتَّقًا (إلَّا أَنْ يَكُونَ) التَّحْتَانِيُّ (هُوَ الصَّحِيحُ) فَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ بِنَفْسِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَرَدَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْفَوْقَانِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ إذَنْ عَلَى التَّحْتَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ بِنَفْسِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَكُلٌّ مِنْ الْخُفِّ الْفَوْقَانِيِّ وَالتَّحْتَانِيِّ بَدَلٌ مُسْتَقِلٌّ مِنْ الْغَسْلِ عَلَى الصَّحِيحِ.

(وَإِنْ كَانَا) أَيْ: الْخُفَّانِ (مُخَرَّقَيْنِ) وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ (وَسَتَرَا) مَحَلَّ الْفَرْضِ (لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ) عَلَيْهِمَا وَلَا عَلَى أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَالِحٍ لِلْمَسْحِ عَلَى انْفِرَادِهِ كَمَا لَوْ لَبِسَ مُخَرَّقًا فَوْقَ لِفَافَةٍ (وَإِنْ نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ مَسْحِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ) كَمَا لَوْ انْفَرَدَ.

(وَإِنْ) تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفًّا ثُمَّ (أَحْدَثَ ثُمَّ لَبِسَ) الْخُفَّ (الْآخَرَ) لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ بَلْ عَلَى الْأَسْفَلِ (أَوْ مَسَحَ) الْخُفَّ (الْأَوَّلَ) بَعْدَ حَدَثِهِ (ثُمَّ لَبِسَ) الْخُفَّ (الثَّانِيَ) وَلَوْ عَلَى طَهَارَةٍ (لَمْ

يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْخُفَّ الْمَمْسُوحَ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ مَا تَحْتَهُ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ آخَرُ (بَلْ عَلَى الْأَسْفَلِ) ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ.

(وَإِنْ) لَبِسَ خُفًّا عَلَى آخَرَ قَبْلَ الْحَدَثِ وَمَسَحَ الْأَعْلَى، ثُمَّ (نَزَعَ الْمَمْسُوحَ الْأَعْلَى لَزِمَهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ) وَإِعَادَةُ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْمَسْحِ وَنَزْعُهُ كَنَزْعِهِمَا وَالرُّخْصَةُ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا، فَصَارَ كَانْكِشَافِ الْقَدَمِ (وَقَشْطُ ظِهَارَةِ الْخُفِّ) بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ ضِدُّ الْبِطَانَةِ (بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِ لَا تُؤَثِّرُ) فِي الْوُضُوءِ لِبَقَاءِ سَتْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ.

(وَيَمْسَحُ) خُفًّا (صَحِيحًا) لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ (عَلَى لِفَافَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ أَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَرَدَ، وَلَا يَمْسَحُ خُفًّا (مُخَرَّقًا) لَبِسَهُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى لِفَافَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ (وَلَا) يَمْسَحُ (لَفَائِفَ وَحْدَهَا) وَهِيَ خِرَقٌ تُشَدُّ عَلَى الرِّجْلِ تَحْتَهَا نَعْلٌ أَوْ لَا، وَلَوْ مَعَ مَشَقَّةٍ فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.

(وَيَجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ أَعْلَى خُفٍّ وَنَحْوِهِ) كَجَوْرَبٍ وَجُرْمُوقٍ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَلَا يُسَنُّ اسْتِيعَابُهُ مَرَّةً فَلَا يَجِبُ تَكْرَارُهُ، بَلْ وَلَا يُسَنُّ (دُونَ أَسْفَلِهِ) أَيْ: الْخُفِّ (وَعَقِبِهِ، فَلَا يُجْزِي مَسْحُهُمَا) عَنْ مَسْحِ ظَاهِرِهِ (بَلْ وَلَا يُسَنُّ) مَسْحُهُمَا مَعَ مَسْحِ ظَاهِرِهِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ فَبَيَّنَ أَنَّ الرَّأْيَ وَإِنْ اقْتَضَى مَسْحَ أَسْفَلِهِ، إلَّا أَنَّ السُّنَّةَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ؛ لِأَنَّ أَسْفَلَهُ مَظِنَّةُ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَكَثْرَةِ الْوَسَخِ، فَمَسْحُهُ يُفْضِي إلَى تَلَوُّثِ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَمَا وَرَدَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» فَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ: مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ مَعْلُولٌ: وَقَالَ سَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدًا - أَيْ: الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ.

(وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الْمَرَّةِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ (فَيَضَعُ يَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يُمِرُّهُمَا عَلَى مِشْطَيْ قَدَمَيْهِ إلَى سَاقَيْهِ) هَذَا صِفَةُ الْمَسْحِ الْمَسْنُونِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ مَسَحَ إلَى أَعْلَاهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً» (فَإِنْ بَدَأَ) فِي الْمَسْحِ مِنْ سَاقِهِ (إلَى أَصَابِعِهِ أَجْزَأَهُ) قَالَ أَحْمَدُ كَيْفَمَا فَعَلْتَ فَهُوَ جَائِزٌ.
(وَيُسَنُّ مَسْحُ) الرِّجْلِ (الْيُمْنَى ب) الْيَدِ (الْيُمْنَى) (وَ) الرِّجْلُ (الْيُسْرَى

ب) الْيَدِ (الْيُسْرَى) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ السَّابِقِ.
(وَفِي التَّلْخِيصِ وَالتَّرْغِيبِ: يُسَنُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى) وَحَكَاهُ فِي الْمُبْدِعِ عَنْ الْبُلْغَةِ، وَقَالَ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ السَّابِقُ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمٌ.

(وَحُكْمُ مَسْحِهِ بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ إذَا كَرَّرَ الْمَسْحَ بِهَا) أَيْ: بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْإِصْبَعِ أَوْ الْإِصْبَعَيْنِ (حَتَّى يَصِيرَ الْمَسْحُ) بِهَا (مِثْلَ الْمَسْحِ بِأَصَابِعِهِ) حُكْمَ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْإِجْزَاءِ (أَوْ) أَيْ: وَحُكْمُ الْمَسْحِ (بِحَائِلٍ كَخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا) كَخَشَبَةٍ حُكْمُ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْإِجْزَاءِ (وَ) حُكْمُ (غَسْلِهِ حُكْمُ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) فَيُجْزِي إنْ مَسَحَهُ مَعَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا (وَيُكْرَهُ غَسْلُهُ) أَيْ: الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ.

(وَيَصِحُّ) أَيْ: يَجِبُ (مَسْحُ دَوَائِرِ عِمَامَةٍ) أَمَّا صِحَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا كَوْنُ الْوَاجِبِ مَسْحَ أَكْثَرِهَا: فَلِأَنَّهَا مَمْسُوحَةٌ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ، فَأَجْزَأَ فِيهَا ذَلِكَ كَالْخُفِّ، وَاخْتَصَّ ذَلِكَ بِأَكْوَارِهَا وَهِيَ دَوَائِرُهَا (دُونَ وَسَطِهَا) ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ أَسْفَلَ الْخُفِّ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ (إذَا كَانَتْ مُبَاحَةً) بِأَنْ لَا تَكُونَ مُحَرَّمَةً كَمَغْصُوبَةٍ أَوْ حَرِيرٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْخُفِّ، وَأَنْ تَكُونَ (مُحَنَّكَةً) وَهِيَ الَّتِي يُدَارُ مِنْهَا تَحْتَ الْحَنَكِ كَوْر بِفَتْحِ الْكَافِ - أَوْ كَوْرَانِ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهَا عِمَامَةُ الْعَرَبِ وَيَشُقُّ نَزْعُهَا.
وَهِيَ أَكْثَرُ سَتْرًا (أَوْ) تَكُونَ (ذَاتَ ذُؤَابَةٍ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ - وَهِيَ طَرَفُ الْعِمَامَةِ الْمُرْخَى، وَأَصْلُهَا النَّاصِيَةُ أَوْ مَنْبَتُهَا مِنْ الرَّأْسِ وَشَعْرٌ فِي أَعْلَى نَاصِيَةِ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّ إرْخَاءَ الذُّؤَابَةِ مِنْ السُّنَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ يَنْبَغِي أَنْ يُرْخِيَ خَلْفَهُ مِنْ عِمَامَتِهِ كَمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمُّ وَيُرْخِيهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «عَمَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وَأَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ» وَلِأَنَّهَا لَا تُشْبِهُ عَمَائِمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ (كَبِيرَةً كَانَتْ الْعِمَامَةُ أَوْ صَغِيرَةً) وَأَنْ تَكُونَ (لِذَكَرٍ) كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ (لَا أُنْثَى) كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ، فَلَا تَمْسَحُ أُنْثَى عَلَى عِمَامَةٍ.
(وَلَوْ لَبِسَتْهَا لِضَرُورَةِ بَرْدٍ وَغَيْرِهِ) وَكَذَا خُنْثَى وَيَصِحُّ مَسْحُ الذَّكَرِ عَلَى الْعِمَامَةِ غَيْرِ الصَّمَّاءِ (بِشَرْطِ سَتْرِهَا لِمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ) كَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ وَجَوَانِبِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ بِخِلَافِ خَرْقِ الْخُفِّ وَنَحْوِهِ،؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، وَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَلَا يَجِبُ أَنْ يُمْسَحَ مَعَهَا) أَيْ: الْعِمَامَةِ (مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَنْ الرَّأْسِ، فَانْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَيْهَا وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا، وَفِي نُسَخٍ بَلْ يُسَنُّ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ» فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الصَّمَّاءِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عِمَامَةَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا أَشْبَهَتْ الطَّاقِيَّةَ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِالتَّلَحِّي وَنَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالِاقْتِعَاطُ أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَانَ أَبِي يَكْرَهُ أَنْ يَعْتَمَّ الرَّجُلُ بِالْعِمَامَةِ وَلَا يَجْعَلهَا تَحْتَ حَنَكِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ إنَّمَا يَعْتَمُّ مِثْلَ هَذَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا كَرَاهَةٌ لَا تَرْتَقِي إلَى التَّحْرِيمِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَمْنَعُ التَّرَخُّصَ، كَسَفَرِ النُّزْهَةِ، كَذَا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ إبَاحَةُ لُبْسِهَا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتُحْمَلُ كَرَاهَةُ السَّلَفِ عَلَى الْحَاجَةِ لِذَلِكَ، لِجِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا، أَوْ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى وَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ لِغَيْرِ ذَاتِ ذُؤَابَةٍ.

(وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِ جَبِيرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَعْمِيمِهَا بِهِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ يَشُقُّ تَعْمِيمُ جَمِيعِهِ، وَيُتْلِفهُ الْمَسْحُ (لَمْ تُجَاوِزْ) الْجَبِيرَةُ (قَدْرَ الْحَاجَةِ) بِشَدِّهَا،؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ فَتَقَيَّدَ بِقَدْرِهَا، وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ هُوَ مَوْضِعُ الْكَسْرِ وَنَحْوِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْجَبِيرَةِ عَلَيْهِ مِنْ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ أَنْ تُوضَعَ عَلَى طَرَفَيْ الصَّحِيحِ لِيَرْجِعَ الْكَسْرُ.
(وَيُجْزِي) الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى حَائِلٍ فَأَجْزَأَ (مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ) ، كَمَسْحِ الْخُفِّ بَلْ أَوْلَى إذْ صَاحِبُ الضَّرُورَةِ أَحَقُّ بِالتَّخْفِيفِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ ضَعِيفٌ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْوَاوَ فِيهِ بِمَعْنَى أَوْ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِيهِ لِشَدِّ الْعِصَابَةِ فِيهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ (فَإِنْ تَجَاوَزَتْ) الْجَبِيرَةُ مَحَلَّ الْحَاجَةِ (وَجَبَ نَزْعُهَا) لِيَغْسِلَ مَا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ (فَإِنْ خَافَ) مِنْ نَزْعِهَا (تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا تَيَمَّمَ لِزَائِدٍ) عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَمَسَحَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْحَاجَةِ، وَغَسَلَ مَا سِوَى ذَلِكَ، فَيَجْمَعُ إذَنْ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ وَالتَّيَمُّمِ.

(وَيَحْرُمُ الْجَبْرُ بِجَبِيرَةٍ نَجِسَةٍ، كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَالْخِرْقَةِ النَّجِسَةِ، وَ) يَحْرُمُ الْجَبْرُ (بِمَغْصُوبٍ وَالْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ بَاطِلٌ وَكَذَا الصَّلَاةُ فِيهِ) ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ (كَالْخُفِّ النَّجِس وَكَذَلِكَ الْحَرِيرُ لِذَكَرٍ) يَحْرُمُ الْجَبْرُ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ (وَدَوَاءٌ وَعِصَابَةٌ) شَدَّ بِهَا رَأْسَهُ أَوْ غَيْرُهَا (وَلُصُوقٌ عَلَى جِرَاحٍ أَوْ وَجَعٍ وَلَوْ قَارَّا فِي شِقٍّ) وَتَضَرَّرَ بِقَلْعِهِ (أَوْ تَأَلَّمَتْ أُصْبُعُهُ، فَأَلْقَمَهَا مَرَارَةً كَجَبِيرَةٍ) إذَا وَضَعَهَا عَلَى طَهَارَةٍ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا،

لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ خَرَجَتْ بِإِبْهَامِهِ قُرْحَةٌ فَأَلْقَمَهُ مَرَارَةً وَكَانَ يَتَوَضَّأُ عَلَيْهَا، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: لَوْ انْقَلَعَ ظُفْرُهُ أَوْ كَانَ بِإِصْبَعِهِ قُرْحَةٌ أَوْ فَصْدٌ وَخَافَ إصَابَةَ الْمَاءِ أَنْ يَزْرَقَّ الْجُرْحُ، أَوْ وَضَعَ دَوَاءً عَلَى جُرْحٍ أَوْ وَجَعٍ وَنَحْوِهِ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.

(وَمَتَى ظَهَرَ بَعْضُ قَدَمِهِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَقَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ) فَحُشَ أَوْ لَا (أَوْ) ظَهَرَ بَعْضُ (رَأْسِهِ وَفَحُشَ) مَا ظَهَرَ (فِيهِ) أَيْ: فِي الرَّأْسِ فَقَطْ: اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ لِبُطْلَانِ مَا قَبْلَهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ أُقِيمَ مَقَامَ الْغَسْلِ أَوْ الْمَسْحِ فَإِذَا أَزَالَ الْمَمْسُوحَ بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ فِي الْقَدَمِ أَوْ الرَّأْسِ، فَتَبْطُلُ فِي جَمِيعِهَا لِكَوْنِهَا لَا تَتَبَعَّضُ، وَسَوَاءٌ فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ أَوْ لَمْ تَفُتْ وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ انْكِشَافَ يَسِيرٍ مِنْ الرَّأْسِ لَا يَضُرُّ، قَالَ أَحْمَدُ إذَا زَالَتْ عَنْ رَأْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، مَا لَمْ يَفْحُشْ،؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ.

(أَوْ انْتَقَضَ بَعْضُ عِمَامَتِهِ) قَالَ الْقَاضِي: لَوْ انْتَقَضَ مِنْهَا كَوْرٌ وَاحِدٌ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْمَمْسُوحُ عَلَيْهِ أَشْبَهَ نَزْعَ الْخُفِّ أَوْ (انْقَطَعَ دَمُ مُسْتَحَاضَةٍ أَوْ زَالَ ضَرَرُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَنَحْوُهُ) كَالرُّعَافِ، بِأَنْ انْقَطَعَ اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ وَخَلَعَ،؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ طَهَارَةٍ إنَّمَا كَانَ لِوُجُودِ الْعُذْرِ فَإِذَا زَالَ حُكِمَ بِبُطْلَانِهَا عَلَى الْأَصْلِ.

(أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحٍ) وَهِيَ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ أَوْ الثَّلَاثَةُ (وَلَوْ) كَانَ الْمَاسِحُ (مُتَطَهِّرًا أَوْ فِي صَلَاةٍ اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ، وَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ) ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَبَطَلَتْ بِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا، كَخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْمُتَيَمِّمِ، وَيُعِيدُ الْوُضُوءَ، لَا لِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ، بَلْ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَالْحَدَثُ لَا يَتَبَعَّضُ فَإِذَا خَلَعَ عَادَ الْحَدَثُ إلَى الْعُضْوِ الَّذِي مُسِحَ الْحَائِلُ عَنْهُ فَيَسْرِي إلَى بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، فَيَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ وَإِنْ قَرُبَ الزَّمَنُ وَقَطَعَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنَّ هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ.

(وَزَوَالُ جَبِيرَةٍ) وَلَوْ قَبْلَ بُرْءِ الْكَسْرِ أَوْ الْجُرْحِ، وَبُرْؤُهَا (كَ) خَلْعِ (خُفٍّ) ؛ لِأَنَّ مَسْحَهَا بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ مَا تَحْتَهَا، إلَّا أَنَّهَا إذَا مُسِحَتْ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، وَزَالَتْ أَجَزَأَ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا، لِعَدَمِ وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ، بَلْ عَلَى رَفْعِ الْمَسْحِ لِلْحَدَثِ وَعَدَمِ تَبَعُّضِهِ وَإِذَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.

(وَخُرُوجُ قَدَمِ) الْمَاسِحِ (أَوْ بَعْضِهِ إلَى سَاقِ خُفِّهِ، كَخَلْعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ (وَلَا مَدْخَلَ لِحَائِلٍ فِي طَهَارَةٍ كُبْرَى) لِحَدِيثِ صَفْوَانَ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» (إلَّا الْجَبِيرَةَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَلِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِنَزْعِهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ.

(وَامْرَأَةٌ كَرَجُلٍ فِي مَسْحِ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَوَائِلِ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (غَيْرَ الْعِمَامَةِ) فَيَمْسَحُ عَلَيْهَا الذَّكَرُ دُونَ الْمَرْأَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَمْسَحُ الْخُنْثَى عَلَى عِمَامَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى.

[بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَهِيَ مُفْسِدَاتُهُ]

(بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَهِيَ مُفْسِدَاتُهُ) النَّوَاقِضُ: جَمْعُ نَاقِضَةٍ أَوْ نَاقِضٍ، وَقَوْلُهُمْ فَاعِلٌ لَا يُجْمَعُ عَلَى فَوَاعِلَ وَصْفًا، وَشَذَّ: فَوَارِسُ وَهَوَالِكُ وَنَوَاكِسُ، فِي فَارِسٍ وَهَالِكٍ وَنَاكِس خَصَّهُ ابْنُ مَالِكٍ وَطَائِفَةٌ بِمَا إذَا كَانَ وَصْفًا لِعَاقِلٍ وَمَا هُنَا لَيْسَ مِنْهُ يُقَالُ: نَقَضْتُ الشَّيْءَ إذَا أَفْسَدْتُهُ وَالنَّقْضُ حَقِيقَةٌ فِي الْبِنَاءِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعَانِي مَجَازٌ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ وَنَقْضِ الْعِلَّةِ، وَعَلَاقَتُهُ الْإِبْطَالُ.
(وَهِيَ) أَيْ: نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ (ثَمَانِيَةُ) أَنْوَاعٍ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَحَدُهَا (الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ إلَى مَا هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَيَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ) مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ» الْحَدِيثَ.
وَقَوْلُهُ فِي الْمَذْيِ «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» وَقَوْلُهُ «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَقَوْلُهُ: وَيَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ: مُخْرِجٌ لِبَاطِنِ فَرْجِ الْأُنْثَى، إنْ قُلْنَا: هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ تَطْهِيرُهُ لِلْمَشَقَّةِ، وَعَطَفُ تَفْسِيرٍ إنْ قُلْنَا هُوَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ (إلَّا مِمَّنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ) فَلَا يَبْطُلُ وُضُوءُهُ بِالْحَدَثِ الدَّائِمِ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (قَلِيلًا كَانَ) الْخَارِجُ (أَوْ كَثِيرًا) لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ (نَادِرًا) كَانَ (أَوْ مُعْتَادًا) أَمَّا الْمُعْتَادُ، كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْوَدْيِ وَالْمَذْيِ وَالرِّيحِ، فَلِمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا النَّادِرُ، كَالدَّمِ وَالدُّودِ وَالْحَصَى، فَلِمَا رَوَى عُرْوَةُ.
«عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ فَأَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ وَدَمُهَا غَيْرُ مُعْتَادٍ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا سِوَاهُ (طَاهِرًا) كَانَ الْخَارِجُ، كَوَلَدٍ بِلَا دَمٍ (أَوْ نَجِسًا) كَالْبَوْلِ وَغَيْرِهِ فَيَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ (وَلَوْ) كَانَ (رِيحًا مِنْ قُبُلِ أُنْثَى، أَوْ) مِنْ (ذَكَرٍ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ حَدَثٍ أَوْ رِيحٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ شَامِلٌ لِلرِّيحِ مِنْ الْقُبُلِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا أَنْ لَا يَنْقُضَ؛ لِأَنَّ الْمَثَانَةَ لَيْسَ لَهَا مَنْفَذٌ إلَى الْجَوْفِ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا أَصْحَابُنَا جَوْفًا، فَلَمْ يُبْطِلُوا الصَّوْمَ بِالْحُقْنَةِ فِيهِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا - أَيْ: خُرُوجِ الرِّيحِ مِنْ الْقُبُلِ - وُجُودًا وَلَا نَعْلَمُ وُجُودَهُ فِي حَقِّ أَحَدٍ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُعْلَمُ وُجُودُهُ بِأَنْ يَحُسَّ الْإِنْسَانُ فِي ذَكَرِهِ دَبِيبًا وَهَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْيَقِينُ وَالطَّهَارَةُ لَا تُنْقَضُ بِالشَّكِّ، فَإِنْ قَدَّرَ وُجُودَ ذَلِكَ يَقِينًا نَقَضَ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، فَنَقَضَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْخَوَارِجِ.
(فَلَوْ احْتَمَلَ) الْمُتَوَضِّئُ (فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ قُطْنًا أَوْ مِيلًا، ثُمَّ خَرَجَ وَلَوْ بِلَا بَلَلٍ) نَقَضَ صَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَنَصَرَهُ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَخُرُوجُهُ بِلَا بَلَّةٍ نَادِرٌ جِدًّا، فَعُلِّقَ الْحُكْمُ عَلَى الْمَظِنَّةِ وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ إنْ خَرَجَ بِلَا بَلَلٍ.
قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، زَادَ فِي الْإِنْصَافِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ انْتَهَى.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهُوَ الْمَذْهَبُ (أَوْ قَطَرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ (ثُمَّ خَرَجَ) نَقَضَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ بَلَّةٍ نَجِسَةٍ تَصْحَبُهُ (أَوْ خَرَجَتْ الْحُقْنَةُ مِنْ الْفَرْجِ) نَقَضَتْ (أَوْ ظَهَرَ طَرَفُ مُصْرَانٍ أَوْ رَأْسُ، دُودَةٍ) نَقَضَ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ انْتَهَى، وَكَلَامُهُ فِي الْفُرُوعِ أَنَّهُ كَخُرُوجِ الْمَقْعَدَةِ، فَعَلَيْهِ لَا نَقْضَ بِلَا بَلَلٍ (أَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ فَدَبَّ مَاؤُهُ فَدَخَلَ فَرْجَهَا) ثُمَّ خَرَجَ نَقَضَ (أَوْ اسْتَدْخَلَتْهُ) أَيْ: مَنِيَّ الرَّجُلِ (أَوْ) اسْتَدْخَلَتْ (مَنِيَّ امْرَأَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ خَرَجَ نَقَضَ) الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ (وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْغُسْلُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ دَفْقًا بِشَهْوَةٍ.
(فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْحُقْنَةِ) شَيْءٌ (أَوْ) لَمْ يَخْرُجْ مِنْ (الْمَنِيِّ شَيْءٌ لَمْ يُنْقَضْ) الْوُضُوءُ (لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُحْتَقِنُ) أَوْ الْحَاقِنُ (قَدْ أَدْخَلَ رَأْسَ الزَّرَّاقَةِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ نُقِضَ) ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ (وَلَوْ ظَهَرَتْ مَقْعَدَتُهُ فَعَلِمَ أَنَّ عَلَيْهَا بَلَلًا) وَلَمْ

يَنْفَصِلْ (انْتَقَضَ) وُضُوءُهُ بِالْبَلَلِ الَّذِي عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ وَ (لَا) يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ (إنْ جَهِلَ) أَنَّ عَلَيْهَا بَلَلًا؛ لِأَنَّهُ لَا نَقْضَ بِالشَّكِّ (أَوْ صَبَّ دُهْنًا) أَوْ غَيْرَهُ (فِي أُذُنِهِ فَوَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا أَوْ) خَرَجَ (مِنْ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ طَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ أَشْبَهَ الْبُصَاقَ.

(وَلَا يَنْقُضُ يَسِيرُ نَجِسٍ خَرَجَ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ غَيْرَ بَوْلٍ وَغَائِطٍ) ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُتَيَقَّنَةٌ، فَلَا تَبْطُلُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِ النَّاقِضِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ فَرْجٍ أَصْلِيٍّ وَأَمَّا إذَا كَانَ النَّجِسُ كَثِيرًا أَوْ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا فَإِنَّهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا، وَكَذَا الْيَسِيرُ إذَا خَرَجَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمْ أَصْلٌ وَلَا بُدَّ الثَّانِي مِنْ النَّوَاقِضِ.
(خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَتْ) النَّجَاسَاتُ (غَائِطًا أَوْ بَوْلًا، نُقِضَ وَلَوْ قَلِيلًا، مِنْ تَحْتِ الْمَعِدَةِ أَوْ فَوْقِهَا، سَوَاءٌ كَانَ السَّبِيلَانِ مَفْتُوحَيْنِ أَوْ مَسْدُودَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: 43] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ مُعْتَادٌ أَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنْ الْمَخْرَجِ (لَكِنْ لَوْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ وَفُتِحَ غَيْرُهُ فَأَحْكَامُ الْمَخْرَجِ بَاقِيَةٌ) مُطْلَقًا.
(وَفِي النِّهَايَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سُدَّ خِلْقَةً، فَسَبِيلُ الْحَدَثِ الْمُنْفَتِحِ وَالْمَسْدُودِ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنْ الْخُنْثَى انْتَهَى وَلَا يَثْبُتُ لِلْمُنْفَتِحِ أَحْكَامُ الْمُعْتَادِ، فَلَا يَنْقُضُ خُرُوجُ رِيحٍ مِنْهُ وَلَا يُجْزِي الِاسْتِجْمَارُ فِيهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ) . كَوُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْجٍ (وَإِنْ كَانَتْ) النَّجَاسَاتُ الْخَارِجَةُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ (غَيْرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، كَالْقَيْءِ وَالدَّمِ وَالْقَيْحِ) وَدُودِ الْجِرَاحِ (لَمْ يَنْقُضْ إلَّا كَثِيرُهَا) أَمَّا كَوْنُ الْكَثِيرِ يَنْقُضُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ «إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ فَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ خَارِجَةٌ مِنْ الْبَدَنِ أَشْبَهَتْ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلِ وَأَمَّا كَوْنُ الْقَلِيلِ مِنْ ذَلِكَ لَا يَنْقُضُ، فَلِمَفْهُومِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الدَّمِ إذَا كَانَ فَاحِشًا فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
قَالَ أَحْمَدُ عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَابْنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ الدَّمُ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى عَصَرَ دُمَّلًا وَذَكَرَ غَيْرَهُمَا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا.
(وَهُوَ) أَيْ: الْكَثِيرُ (مَا فَحُشَ فِي نَفْسِ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْفَاحِشُ مَا فَحُشَ فِي قَلْبِكَ قَالَ الْخَلَّالُ: إنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ، قَالَ فِي الشَّرْحِ:؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ حَالِ الْإِنْسَانِ بِمَا يَسْتَفْحِشُهُ غَيْرُهُ حَرَجٌ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا يَفْحُشُ

فِي نُفُوسِ أَوْسَاطِ النَّاسِ (فَلَوْ مَصَّ عَلَقٌ أَوْ قُرَادٌ لَا ذُبَابٌ وَبَعُوضٌ) قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: صِغَارُ الْبَقِّ (دَمًا كَثِيرًا نَقَضَ) الْوُضُوءَ وَكَذَا لَوْ اسْتَخْرَجَ كَثِيرَهُ بِقُطْنَةٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا خَرَجَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمُعَالَجَةٍ لَا أَثَرَ لَهُ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَعَدَمِهِ بِخِلَافِ مَصِّ بَعُوضٍ وَبَقٍّ وَذُبَابٍ وَقُمَّلٍ وَبَرَاغِيثَ لِقِلَّتِهِ وَمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ.
(وَلَوْ شَرِبَ) إنْسَانٌ (مَاءً) أَوْ نَحْوَهُ (وَقَذَفَهُ فِي الْحَالِ فَنَجِسٌ) وَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ بِوُصُولِهِ إلَى الْجَوْفِ، لَا بِاسْتِحَالَتِهِ (وَيَنْقُضُ كَثِيرُهُ) أَيْ: كَثِيرُ الْمَقْذُوفِ فِي الْحَالِ، لِمَا رَوَى مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاءَ فَتَوَضَّأَ، قَالَ فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقَالَ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ، فِي هَذَا الْبَابِ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: حَدِيثُ ثَوْبَانَ ثَبَتَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ (وَلَا يَنْقُضُ بَلْغَمُ مَعِدَةٍ وَصَدْرٍ وَرَأْسٍ لِطَهَارَتِهِ) كَالْبُصَاقِ وَالنُّخَامَةِ؛ لِأَنَّهَا تُخْلَقُ مِنْ الْبَدَنِ.
(وَلَا) يَنْقُضُ أَيْضًا (جُشَاءٌ نَصًّا) وَهُوَ الْقَلَسُ بِالتَّحْرِيكِ وَقِيلَ: بِسُكُونِ اللَّامِ مَا خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ مِلْءَ الْفَمِ أَوْ دُونَهُ وَلَيْسَ بِقَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ حُكْمُهُ فِي النَّجَاسَةِ فَإِنْ عَادَ فَهُوَ قَيْءٌ.

(الثَّالِثُ) مِنْ النَّوَاقِضِ (زَوَالُ الْعَقْلِ) كَحُدُوثِ جُنُونٍ أَوْ بِرْسَامٍ كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا (أَوْ تَغْطِيَتِهِ) بِإِغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَشْعُرُونَ بِحَالٍ، بِخِلَافِ النَّائِمِ (وَلَوْ) كَانَتْ تَغْطِيَتُهُ (بِنَوْمٍ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) مَحْفُوظٌ (وَغَيْرُهُ وَلَوْ تَلَجَّمَ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ) إلْحَاقًا بِالْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْحِسَّ يَذْهَبُ مَعَهُ، وَلِعُمُومِ حَدِيثِ عَلِيٍّ «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اُسْتُطْلِقَ الْوِكَاءُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالسَّهُ اسْمٌ لِحَلْقَةِ الدُّبُرِ وَلِأَنَّ النَّوْمَ وَنَحْوَهُ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، وَالنَّوْمُ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ لِيَسْتَرِيحَ بَدَنُهُ عِنْدَ تَعَبِهِ وَهُوَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةٌ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ (إلَّا نَوْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَثِيرًا عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ) فَإِنَّهُ كَانَتْ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، كَمَا يَأْتِي فِي خَصَائِصِهِ (وَإِلَّا) النَّوْمَ (الْيَسِيرَ عُرْفًا مِنْ جَالِسٍ وَقَائِمٍ) لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ تَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَجَعَلْتُ إذَا غَفِيتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الْجَالِسَ وَالْقَائِمَ يَشْتَبِهَانِ فِي الِانْحِفَاظِ وَاجْتِمَاعِ الْمَخْرَجِ وَرُبَّمَا كَانَ الْقَائِمُ أَبْعَدَ مِنْ الْحَدَثِ، لِكَوْنِهِ لَوْ اسْتَثْقَلَ فِي النَّوْمِ سَقَطَ (فَإِنْ شَكَّ فِي الْكَثِيرِ) أَيْ: نَامَ وَشَكَّ هَلْ نَوْمُهُ كَثِيرٌ أَوْ يَسِيرٌ؟ (لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ) لِتَيَقُّنِهِ الطَّهَارَةَ وَشَكِّهِ فِي نَقْضِهَا (وَإِنْ رَأَى) فِي نَوْمِهِ (رُؤْيَا فَهُوَ كَثِيرٌ) نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: لَا بُدَّ فِي النَّوْمِ النَّاقِضِ مِنْ الْغَلَبَةِ عَلَى الْعَقْلِ فَمَنْ سَمِعَ كَلَامَ غَيْرِهِ وَفَهِمَهُ فَلَيْسَ بِنَائِمٍ فَإِنْ سَمِعَهُ وَلَمْ يَفْهَمْهُ فَيَسِيرٌ قَالَ: وَإِذَا سَقَطَ السَّاجِدُ عَنْ هَيْئَتِهِ وَالْقَائِمُ مِنْ قِيَامِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ كَثِيرًا (وَإِنْ خَطَرَ بِبَالِهِ شَيْءٌ لَا يَدْرِي: أَرُؤْيَا أَوْ حَدِيثُ نَفْسٍ؟ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ) لِتَيَقُّنِهِ الطَّهَارَةَ وَشَكِّهِ فِي الْحَدَثِ (وَيَنْقُضُ) النَّوْمُ (الْيَسِيرُ مِنْ رَاكِعٍ وَسَاجِدٍ) كَمُضْطَجِعٍ، وَقِيَاسُهَا عَلَى الْجَالِسِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَحَلَّ الْحَدَثِ فِيهِمَا مُنْفَتِحٌ، بِخِلَافِ الْجَالِسِ (وَ) يَنْقُضُ الْيَسِيرُ أَيْضًا مِنْ (مُسْتَنِدٍ وَمُتَّكِئٍ وَمُحْدَبٍ كَمُضْطَجِعٍ) بِجَامِعِ الِاعْتِمَادِ.

(الرَّابِعُ) مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (مَسُّ ذَكَرِ آدَمِيٍّ إلَى أُصُولِ الْأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْمَاسُّ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى بِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ذَكَرُهُ أَوْ ذَكَرُ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ.
وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ مَعْنَاهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَثْرَمُ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو زُرْعَةَ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «وَلَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ» . وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا وَهَذَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَنْ تَوْقِيفٍ، وَمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ هَلْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ؟ قَالَ: لَا إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ قَيْسٌ لَا تَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ فَهُوَ مَنْسُوخٌ.
«؛ لِأَنَّ طَلْقَ بْنَ عَدِيٍّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُؤَسِّسُ الْمَسْجِدَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد قَالَ «قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَهُ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَسَأَلَهُ - الْحَدِيثَ» وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأْسِيسَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ

كَانَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ، وَبُسْرَةَ فِي الثَّامِنَةِ عَامَ الْفَتْحِ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي النَّسْخِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ وَصَحَّحَهُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» . قَالَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ طَلْقٌ سَمِعَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَفِي تَصْحِيحِهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيِّ، وَأَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ (بِيَدِهِ) فَلَا يَنْقُضُ الْمَسُّ بِغَيْرِهَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَسُّ (بِبَطْنِ كَفِّهِ أَوْ بِظَهْرِهِ أَوْ بِحَرْفِهِ) لِلْعُمُومِ فَالْمُرَادُ بِالْيَدِ: مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْكُوعِ كَالسَّرِقَةِ (غَيْرَ ظُفْرٍ) فَلَا يَنْقُضُ الْمَسُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ (مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ» فَإِنْ مَسَّهُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ لَمْ يَنْقُضْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَسَّ الْحَائِلَ (وَلَوْ) كَانَ الْمَسُّ (بِزَائِدٍ) أَيْ: لَا فَرْقَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ إذَا مَا مَسَّ ذَكَرًا بِيَدِهِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ أَصْلِيَّةً أَوْ زَائِدَةً لِلْعُمُومِ (وَيَنْقُضُ مَسُّهُ) أَيْ الذَّكَرِ (بِفَرْجِ غَيْرِ ذَكَرٍ) فَيَنْقُضُ مَسُّ الذَّكَرِ بِقُبُلِ أُنْثَى أَوْ دُبُرٍ مُطْلَقًا بِلَا حَائِلٍ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ مِنْ مَسِّهِ بِالْيَدِ وَلَا يَنْقُضُ مَسُّ ذَكَرٍ بِذَكَرٍ لَا قُبُلٍ بِقُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ وَعَكْسُهُ.

(وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ مَلْمُوسٍ ذَكَرُهُ أَوْ) مَلْمُوسٍ فَرْجُهُ أَيْ: قُبُلُهُ (أَوْ) مَلْمُوسٍ (دُبُرُهُ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا تَقَدَّمَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْوُضُوءِ وَلَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ لَأَمَرَهُ أَيْضًا بِهِ (وَلَا) يَنْقُضُ (مَسُّ) ذَكَرٍ (بَائِنٍ) أَيْ: مَقْطُوعٍ لِذَهَابِ حُرْمَتِهِ.
(وَ) لَا يَنْقُضُ أَيْضًا مَسُّ (مَحَلِّهِ) أَيْ: مَحَلِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ مِنْ أُصُولِ الْأُنْثَيَيْنِ، كَسَائِرِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ ذَكَرًا.
(وَ) لَا يَنْقُضُ أَيْضًا مَسُّ (قُلْفَةٍ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَقَدْ تُحَرَّكُ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الْخِتَانِ، بَعْدَ قَطْعِهَا لِزَوَالِ الِاسْمِ وَالْحُرْمَةِ - وَأَمَّا قَبْلَ قَطْعِهَا فَيَنْقُضُ مَسُّهَا كَالْحَشَفَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الذَّكَرِ.
(وَ) لَا يَنْقُضُ مَسُّ (فَرْجِ امْرَأَةٍ بَائِنَيْنِ) أَيْ: الْقُلْفَةِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) يَنْقُضُ مِنْ غَيْرِ فَرْجٍ كَالْمُنْفَتِحِ فَوْقَ الْمَعِدَةِ (أَوْ تَحْتَهَا) مَسْدُودًا كَانَ الْأَصْلُ أَوْ مُنْفَتِحًا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ زَائِدٌ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمُعْتَادِ.
(وَلَا) يَنْقُضُ (مَسُّهُ) أَيْ: الذَّكَرِ (بِغَيْرِ يَدٍ) كَالذِّرَاعِ (غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ) مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِفَرْجِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ (وَلَا) يَنْقُضُ (مَسُّ) ذَكَرٍ (زَائِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فَرْجًا (فَإِنْ لَمَسَ) رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ خُنْثَى (قُبُلَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَذَكَرَهُ، وَلَوْ كَانَ هُوَ) أَيْ: الْخُنْثَى (اللَّامِسَ) لِقُبُلِ نَفْسِهِ وَذَكَرِهِ (نُقِضَ) الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ لَمْسَ الْفَرْجِ مُتَيَقَّنٌ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ لَمَسَ ذَكَرَهُ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ لَمَسَ فَرْجَهَا.
وَ (لَا) يُنْقَضُ الْوُضُوءُ إنْ لَمَسَ

جارٍ التحميل