صفحات 88-127
لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ (وَهَلْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ) ؛ لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا كَالْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ (أَوْ) يُقَسَّمُ (عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ الْمُفَاضَلَةِ) كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُمْ رِجَالٌ أَحْرَارٌ؟ (احْتِمَالَانِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ أُعْطِيَ سَهْمًا، وَفُضِّلَ عَلَيْهِمْ) لِمُزَيَّتِهِ بِالْبُلُوغِ، وَالْحُرِّيَّةِ (وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ مَنْ بَقِيَ) ، وَهُمْ الْعَبِيدُ أَوْ الصِّبْيَانُ (عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ التَّفْضِيلِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَهُ سَهْمٌ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
(وَإِنْ غَزَا جَمَاعَةٌ الْكُفَّارِ وَحْدَهُمْ فَغَنِمُوا فَغَنِيمَتُهُمْ لَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ (وَهَلْ يُؤْخَذُ خُمْسُهَا؟ احْتِمَالَانِ) .
[فَصْلٌ قِسْمَة بَاقِي الْغَنِيمَةِ]
فَصْلٌ (ثُمَّ يُقَسِّمُ بَاقِي الْغَنِيمَةِ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَلَ لِنَفْسِهِ الْخُمْسَ، فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ لِلْغَانِمِينَ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْأَبِ (لِلرَّجُلِ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَتَقَدَّمَ (سَهْمٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْفَارِسِ مِنْ الْكُلْفَةِ (الْكُلْفَةِ وَالْفَرَسِ الْعَرَبِيِّ، وَيُسَمَّى) الْعَرَبِيُّ (الْعَتِيقَ قَالَهُ فِي الْمُطْلِعِ، وَغَيْرِهِ) لِخُلُوصِهِ، وَنَفَاسَتِهِ (سَهْمَانِ، فَيُكَمِّلُ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، سَهْم لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْهَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ سَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمٌ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ خَالِدُ الْحَذَّاءُ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ أَسْهَمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» (وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ قَسْمُ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ عَلَى قَسْمِ الْخُمْسِ) ؛ لِأَنَّ الْغَانِمِينَ حَاضِرُونَ، وَرُجُوعُهُمْ إلَى أَوْطَانِهِمْ يَقِفُ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَأَهْلُ الْخُمْسِ فِي أَوْطَانِهِمْ.
(وَإِنْ كَانَ فَرَسُهُ هَجِينًا، وَهُوَ مَا أَبُوهُ عَرَبِيٌّ، وَأُمُّهُ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، أَوْ) كَانَ فَرَسُهُ (مُقْرِنًا عَكْسَ الْهَجِينِ) فَتَكُونُ أُمُّهُ عَرَبِيَّةً، وَأَبُوهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ (أَوْ) كَانَ فَرَسُهُ (بِرْذَوْنًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (وَهُوَ مَا أَبَوَاهُ نَبَطِيَّانِ فَلَهُ سَهْمٌ، وَلِفَرَسِهِ سَهْمٌ وَاحِدٌ) قَالَ الْخَلَّالُ: تَوَاتَرَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْفَرَسَ الْعَرَبِيَّ سَهْمَيْنِ، وَأَعْطَى الْهَجِينَ سَهْمًا» رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَأَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ، وَرَوَى مَوْصُولًا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَالْمُرْسَلُ أَصَحُّ؛ وَلِأَنَّ نَفْعَ الْعِرَابِ، وَأَثَرُهَا فِي الْحَرْبِ أَفْضَلُ، فَيَكُونُ سَهْمُهُ أَرْجَحَ لِتَفَاضُلِ مَنْ يُرْضَخُ لَهُ.
(وَإِنْ غَزَا اثْنَانِ عَلَى فَرَسٍ لَهُمَا هَذَا عُقْبَةٌ، وَهَذَا عُقْبَةٌ، وَالسَّهْمُ) أَيْ: سَهْمُ الْفُرْسِ (لَهُمَا) عَلَى حَسَبِ مِلْكَيْهِمَا (فَلَا بَأْسَ) نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرِ مِنْ فَرَسَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسْهِمُ لِلْخَيْلِ، وَكَانَ لَا يُسْهِمُ لِلرَّجُلِ فَوْقَ فَرَسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ» ؛ وَلِأَنَّ بِهِ حَاجَةً إلَى الثَّانِي بِخِلَافِ الثَّالِثِ.
(وَلَا) يُسْهَمُ (لِغَيْرِ الْخَيْلِ كَفِيلٍ، وَبَعِيرٍ، وَبَغْلٍ، وَنَحْوِهَا، وَلَوْ عَظُمَ غَنَاؤُهَا) بِفَتْحِ الْغَيْنِ أَيْ: نَفْعُهَا (وَقَامَتْ مَقَامَ الْخَيْلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَسْهَمَ لِغَيْرِ الْخَيْلِ، وَقَدْ كَانَ مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعُونَ بَعِيرًا، وَلَمْ تَخْلُ، غَزَاةٌ مِنْ غَزَوَاتِهِ مِنْ الْإِبِلِ بَلْ هِيَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ، وَكَذَا أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ أَسْهَمُوا لِغَيْرِ الْخَيْلِ، وَلَوْ أُسْهِمَ لَهَا لَنُقِلَ؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْخَيْلِ لَا يَلْحَقُ بِهَا فِي التَّأْثِيرِ فِي الْحَرْبِ، وَلَا يَصْلُحُ لِلْكَرِّ، وَالْفَرِّ، فَلَمْ يُلْحَقْ بِهَا فِي الْإِسْهَامِ.
(وَمَنْ اسْتَعَارَ فَرَسًا أَوْ اسْتَأْجَرَهُ أَوْ كَانَ) الْفَرَسُ (حَبِيسًا وَشَهِدَ بِهِ الْوَقْعَةَ فَلَهُ سَهْمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ نَفْعَهُ فَاسْتَحَقَّ سَهْمَهُ وَيُعْطَى رَاكِبُ الْحَبِيسِ نَفَقَةَ الْحَبِيسِ مِنْ سَهْمِهِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ.
(وَإِنْ غَصَبَهُ) أَيْ: الْفَرَسَ فَغَزَا عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ الْغَاصِبُ لِلْفَرَسِ (مِنْ أَهْلِ الرَّضْخِ) كَالْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ رَاكِبِهِ، فَيَخْتَصُّ الْمَنْعُ بِهِ (فَقَاتَلَ) الْغَاصِبُ (عَلَيْهِ فَسَهْمُ الْفَرَسِ لِمَالِكِهِ) ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ نَفْعِ الْفَرَسِ مُرَتَّبٌ عَلَى نَفْعِهِ، وَهُوَ لِمَالِكِهِ فَكَذَا السَّهْمُ.
(وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، ثُمَّ مَلِكَ فَرَسًا أَوْ اسْتَعَارَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ اسْتَأْجَرَهُ وَشَهِدَ بِهِ الْوَقْعَةَ، فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ، وَلَوْ صَارَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ رَاجِلًا) ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِاسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الْفَرَسِ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ الْوَقْعَةَ، لَا حَالَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ، وَلَا مَا بَعْدَ الْوَقْعَةِ؛ وَلِأَنَّ الْفَرَسَ حَيَوَانٌ يُسْهَمُ لَهُ فَاعْتُبِرَ وُجُودُهُ حَالَةَ الْقِتَالِ كَالْآدَمِيِّ (وَإِنْ دَخَلَهَا) أَيْ: دَارَ الْحَرْبِ (فَارِسًا ثُمَّ حَضَرَ الْوَقْعَةَ رَاجِلًا حَتَّى فَرَغَ الْحَرْبُ لِمَوْتِ فَرَسِهِ أَوْ شُرُودِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَمَرَضِهِ (فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ، وَلَوْ صَارَ فَارِسًا بَعْدَ الْوَقْعَةِ) اعْتِبَارًا بِحَالِ شُهُودِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَحْرُمُ قَوْلُ الْإِمَامِ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ كَانُوا يُقَسِّمُونَ الْغَنَائِمَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى
اشْتِغَالِهِمْ بِالنَّهْبِ عَنْ الْقِتَالِ، وَإِلَى ظَفَرِ الْعَدُوِّ بِهِمْ؛ وَلِأَنَّ الْغُزَاةَ اشْتَرَكُوا فِي الْغَنِيمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّسْوِيَةِ.
(وَلَا يَسْتَحِقُّهُ) أَيْ: لَا يَسْتَحِقُّ الشَّيْءَ آخِذُهُ، بَلْ يَأْتِي بِهِ الْمَغْنَمَ لِيُقَسَّمَ، وَقِيلَ: وَيَجُوزُ لِمَصْلَحَةٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» وَرُدَّ بِأَنَّ قَضِيَّةَ بَدْرٍ لَمَّا اُخْتُلِفَ فِيهَا نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1] الْآيَةَ.
" تَتِمَّةٌ " قَالَ فِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: فَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ الْجَمْعَ وَالْقِسْمَةَ وَأَذِنَ فِي الْأَخْذِ إذْنًا جَائِزًا فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا بِلَا عُدْوَانٍ حَلَّ لَهُ بَعْدَ تَخْمِيسٍ، وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى الْإِذْنِ فَهُوَ إذْنٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَأْذَنْ أَوْ أَذِنَ إذْنًا غَيْرَ جَائِزٍ جَازَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ مَا يُصِيبُهُ بِالْقِسْمَةِ، مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ.
(مَثَلًا وَيَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ لِغَنَاءٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: نَفْعٍ (فِيهِ، كَشَجَاعَةٍ، وَنَحْوِهَا) كَالرَّأْيِ، وَالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُنْفِلَ، وَيُعْطِيَ السَّلَبَ فَجَازَ التَّفْضِيلُ لِذَلِكَ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّفْضِيلُ لِغَنَاءٍ فِيهِ (حَرُمَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغَانِمِينَ اشْتَرَكُوا فِي الْغَنِيمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّسْوِيَةِ، فَوَجَبَ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ، كَسَائِرِ الشُّرَكَاءِ.
(وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى الْجِهَادِ وَلَوْ كَانَ) الْأَجِيرُ (مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ) الْجِهَادُ كَالْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ أَشْبَهَ الصَّلَاةَ (فَيَرُدُّ) الْأَجِيرُ (الْأُجْرَةَ) لِبُطْلَانِ الْإِجَارَةِ (وَلَهُ سَهْمُهُ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْهَامِ (أَوْ رَضْخُهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْهَامِ.
(وَمَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا عَلَى حِفْظِ الْغَنِيمَةِ أَوْ حَمْلِهَا حَمْلِهَا وَسَوْقِ الدَّوَابِّ الدَّوَابِّ وَرَعْيهَا، وَنَحْوِهِ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْقُطْ مِنْ سَهْمِهِ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُؤْنَةِ الْغَنِيمَةِ، فَهُوَ كَعَلَفِ الدَّوَابِّ، وَإِطْعَامِ السَّبْيِ، يَجُوزُ لِلْإِمَامِ بَذْلُهُ، وَيُبَاحُ لِلْأَجِيرِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَجَّرَ نَفْسَهُ لِفِعْلٍ لِلْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ حَاجَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْأُجْرَةُ كَالدَّلِيلِ عَلَى الطَّرِيقِ.
(وَلَوْ أَجَّرَ نَفْسَهُ) لِذَلِكَ (بِدَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ الْمَغْنَمِ، أَوْ جُعِلَتْ أُجْرَتُهُ رَكُوبَ دَابَّةٍ مِنْهَا صَحَّ) ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَجَّرَ بِنَقْدٍ مِنْهَا.
(وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، فَسَهْمُهُ لِوَارِثِهِ لِاسْتِحْقَاقِ الْمَيِّتِ لَهُ بِانْقِضَاءِ الْحَرْبِ، وَلَوْ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَهَا فِي حَالٍ لَوْ قُسِّمَتْ فِيهِ صَحَّتْ قِسْمَتُهَا، وَكَانَ لَهُ سَهْمُهُ مِنْهَا، فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَهُ فِيهَا كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ إحْرَازِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ
وَلِقَوْلِ عُمَرَ " الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ "، وَهَذَا قَدْ شَهِدَهَا.
(شَهِدَهَا وَيُشَارِكُ الْجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَتْ، وَتُشَارِكُهُ فِيمَا غَنِمَ) أَيْ: أَيُّهُمَا غَنِمَ شَارَكَهُ الْآخَرُ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا غَزَا هَوَازِنَ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ الْجَيْشِ قِبَلَ أَوْطَاسٍ، فَغَنِمَتْ فَشَارَكَ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ الْجَيْشِ» ؛ وَلِأَنَّ الْجَمِيعَ جَيْشٌ وَاحِدٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا رِدْءٌ لِصَاحِبِهِ فَلَمْ يَخْتَصَّ بَعْضُهُمْ بِالْغَنِيمَةِ، كَأَحَدِ جَانِبِيِّ الْجَيْشِ، وَهَذِهِ الشَّرِكَةُ بَعْدَ النَّفْلِ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) .
(وَإِنْ أَقَامَ الْأَمِيرُ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ مَثَلًا وَبَعَثَ سَرِيَّةً فَمَا غَنِمَتْ فَهُوَ لَهَا) بَعْدَ الْخُمْسِ لِانْفِرَادِهَا بِالْغَزْوِ، وَالْمُقِيمُ بِدَارِ الْإِسْلَام لَيْسَ بِمُجَاهِدٍ (وَإِنْ أَنْفَذَ) الْإِمَامُ (جَيْشَيْنِ أَوْ سَرِيَّتَيْنِ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مُنْفَرِدَةٍ بِمَا غَنِمَتْهُ) لِانْفِرَادِهَا بِالْقِتَالِ عَلَيْهِ.
(وَإِذَا قُسِّمَتْ الْغَنِيمَةُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَتَبَايَعُوهَا أَوْ تَبَايَعُوا غَيْرَهَا، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ مُشْتَرٍ) ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مَقْبُوضٌ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ أَشْبَهَ سَائِرَ أَمْوَالِهِ.
(وَكَذَا لَوْ تَبَايَعُوا شَيْئًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ زَمَنَ خَوْفٍ وَنَهْبٍ، وَنَحْوِهِ) فَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْعَدُوُّ فَإِنَّهُ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي.
(مَثَلًا وَلِلْإِمَامِ الْبَيْعُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِمَصْلَحَةٍ) ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ أَشْبَهَ وَلِيَّ الْيَتِيمِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ لِلْغَانِمِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ (وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ قَبْلَ قِسْمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ أَوْ لِوَلَدِهِ، أُدِّبَ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ حَرَامٍ لِكَوْنِهِ فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ، وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْحَدَّ) ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ مِلْكًا أَوْ شُبْهَةَ مِلْكٍ، فَيُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ.
(وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا يُطْرَحُ فِي الْمُقَسَّمِ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ أَشْبَهَ وَطْءَ أَمَةِ الْغَيْرِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ الْمَهْرِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ كَالْمُشْتَرَكَةِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ حَقِّهِ يَعْسُرُ الْعِلْمُ بِهِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ بِوَضْعِ الْمَهْرِ فِي الْغَنِيمَةِ، فَيَعُودُ إلَيْهِ حَقُّهُ (إلَّا أَنْ تَلِدَ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى الْغَانِمِينَ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا، وَحِينَئِذٍ تُطْرَحُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كَانَتْ فِي ذِمَّتِهِ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ مَهْرِهَا، وَقِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا حِينَ عَلَقَتْ فَلَمْ يَكُنْ لِلْغَانِمِينَ سِوَى قِيمَتُهَا (وَتَصِيرُ أُمُّ، وَلَدٍ لَهُ) ، وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ اسْتِيلَادٌ صَيَّرَ بَعْضَهَا أُمَّ، وَلَدٍ، فَيَجْعَلُ جَمِيعَهَا كَذَلِكَ كَاسْتِيلَادِ جَارِيَةِ ابْنِهِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْعِتْقِ لِكَوْنِهِ فِعْلًا، وَيَنْفُذُ مِنْ الْمَجْنُونِ (وَالْوَلَدِ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ) لِلشُّبْهَةِ.
(لِلشُّبْهَةِ وَلَا يَتَزَوَّجُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ) لِئَلَّا يُسْتَرَقَّ وَلَدُهُ (وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ) مُفَصَّلًا (وَإِذَا أَعْتَقَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ أَسِيرًا مِنْ الْغَنِيمَةِ، أَوْ كَانَ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) كَأَبِيهِ، وَابْنِهِ، وَأَخِيهِ (عَتَقَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ قَدْرَ حَقِّهِ) (؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَبَتَ عَلَيْهِ فِي شَرِكَةِ الْغَانِمِينَ بِاسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهِ) أَشْبَهَ الْمَمْلُوكَ بِالْإِرْثِ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْرَ حَقِّهِ بِأَنْ زَادَ
(فَكَمُعْتِقٍ شِقْصًا) مِنْ مُشْتَرَكٍ يَعْتِقُ قَدْرَ مَا يَمْلِكُهُ، وَبَاقِيهِ بِالسِّرَايَةِ إنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَةِ الْبَاقِي، وَإِلَّا فَبِقَدْرِ مَا هُوَ مُوسِرٌ بِهِ مِنْهَا (وَقَطَعَ فِي الْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ) كَالشَّرْحِ (لَا يُعْتِقُ رَجُلٌ) حُرٌّ مُقَاتِلٌ أُسِرَ بِالْإِعْتَاقِ (قَبْلَ خِيرَةِ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَمَّ عَلِيٍّ، وَعَقِيلًا أَخَا عَلِيٍّ كَانَا فِي أَسْرَى بَدْرٍ، وَلَمْ يُعْتَقَا عَلَيْهِمَا؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ رَقِيقًا بِالِاسْتِرْقَاقِ، فَيُحْمَلُ الْكَلَامُ عَلَى مَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْهُمْ أَوْ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْي، كَالنِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ.
(وَالصِّبْيَانُ وَيَحْرُمُ الْغُلُولُ، وَهُوَ كَبِيرَةٌ) لِلْوَعِيدِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161] (1) (وَالْغَالُّ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَهُوَ مَنْ كَتَمَ مَا غَنِمَهُ، أَوْ) كَتَمَ (بَعْضَهُ: يَجِبُ حَرْقُ رَحْلِهِ كُلِّهِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ حَرَقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
، وَلِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِذَلِكَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ لَا الْحَدِّ الْوَاجِبِ، فَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ (مَا لَمْ يَكُنْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ) ، فَلَا يُحَرَّقُ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ لِغَيْرِ الْجَانِي (إذَا كَانَ) الْغَالُّ (حَيًّا) فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ إحْرَاقِهِ لَمْ يُحَرَّقْ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ (حُرًّا) فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا لَمْ يُحَرَّقْ رَحْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لِسَيِّدِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ (مُكَلَّفًا) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَاقَ عُقُوبَةٌ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.
(أَهْلِهَا وَلَوْ) كَانَ الْغَالُّ (أُنْثَى أَوْ ذِمِّيًّا) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ، وَلِذَلِكَ يُقْطَعَانِ فِي السَّرِقَةِ، وَغَيْرُ الْمُلْتَزِمِ لِأَحْكَامِنَا لَا يُحَرَّقُ مَتَاعُهُ (إلَّا سِلَاحًا) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ (وَمُصْحَفًا) ، وَجِلْدَهُ، وَكِيسَهُ، وَمَا يَتْبَعُهُ لِحُرْمَتِهِ (وَكُتُبَ عِلْمٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْقَصْدُ الْإِضْرَارَ بِهِ فِي دِينِهِ، بَلْ فِي بَعْضِ دُنْيَاهُ (وَحَيَوَانًا بِآلَتِهِ مِنْ سَرْجٍ، وَلِجَامٍ، وَجُلٍّ، وَرَحْلٍ، وَنَحْوِهِ، وَعَلَفِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاج إلَيْهِ، وَلِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّهَا (وَثِيَابُ الْغَالِّ الَّتِي عَلَيْهِ) ، فَلَا تُحْرَقُ تَبَعًا لَهُ.
(وَنَفَقَتُهُ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحْرَقُ عَادَةً (وَسَهْمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَحْلِهِ حَالَ الْغُلُولِ (وَمَا غَلَّهُ) ؛ لِأَنَّهُ لِلْغَانِمِينَ (وَلَا يُحْرَمُ) الْغَالُّ (سَهْمَهُ) مِنْ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ مَوْجُودٌ، فَيَسْتَحِقُّ كَمَا لَوْ لَمْ يَغُلَّ، وَلَمْ يَثْبُتْ حِرْمَانُ سَهْمِهِ فِي خَبَرٍ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قِيَاسٌ، فَبَقِيَ بِحَالِهِ (وَمَا لَمْ تَأْكُلْهُ النَّارُ) كَالْحَدِيدِ (أَوْ اسْتَثْنَى مِنْ التَّحْرِيقِ فَهُوَ لَهُ) أَيْ: الْغَالِّ.
(وَيُعَزَّرُ) الْغَالُّ (مَعَ ذَلِكَ بِالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَهُوَ الْغُلُولُ (وَلَا يُنْفَى) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (وَيُؤْخَذُ مَا غَلَّ لِلْمَغْنَمِ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْغَانِمِينَ، فَتَعَيَّنَ رَدُّهُ إلَيْهِمْ.
(فَإِنْ تَابَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ رَدَّ مَا أَخَذَهُ فِي الْمَغْنَمِ) لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ تَابَ) الْغَالُّ (بَعْدَهَا) أَيْ: الْقِسْمَةِ (أَعْطَى الْإِمَامَ خُمْسَهُ، وَتَصَدَّقَ بِبَقِيَّتِهِ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا يُعْرَفُ مُسْتَحِقُّوهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمَا.
(وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ سَتَرَ عَلَى الْغَالِّ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْغَالِّ (مَا أَهْدَى لَهُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَيْ: مِمَّا غَلَّهُ مِنْهَا (أَوْ بَاعَهُ إمَامٌ أَوْ حَابَاهُ فَلَيْسَ بِغَالٍّ) لِعَدَمِ صِدْقِ حَدِّهِ عَلَيْهِ (وَلَا يُحَرَّقُ رَحْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَالٍّ.
(وَإِنْ لَمْ يُحَرَّقْ رَحْلُ الْغَالِّ حَتَّى اسْتَحْدَثَ مَتَاعًا آخَرَ، وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ) أَوْ لَمْ يَرْجِعْ (أَحْرَقَ مَا كَانَ مَعَهُ حَالَ الْغُلُولِ) دُونَ الْمُسْتَحْدَثِ، اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْجِنَايَةِ.
(وَلَوْ غَلَّ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ لَمْ يُحَرَّقْ رَحْلُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ اسْتَهْلَكَ الْعَبْدُ مَا غَلَّهُ فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ) كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ.
(وَمَنْ أَنْكَرَ الْغُلُولَ وَذَكَرَ أَنَّهُ ابْتَاعَ مَا بِيَدِهِ لَمْ يُحَرَّقْ مَتَاعُهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغُلُولِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (حَتَّى يَثْبُتُ) الْغُلُولُ (بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَلَا يُقْبَلُ فِي بَيِّنَةٍ إلَّا) رَجُلَانِ (عَدْلَانِ) ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا، وَيُوجِبُ عُقُوبَةً أَشْبَهَ سَائِرَ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرُ.
(وَمَا أَخَذَ مِنْ الْفِدْيَةِ) أَيْ: فِدْيَةُ الْأَسَارَى، فَغَنِيمَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَ فِدَاءَ أُسَارَى بَدْرٍ بَيْنَ الْغَانِمِينَ؛ وَلِأَنَّهُ مَالٌ حَصَلَ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، أَشْبَهَ السِّلَاحَ (أَوْ أَهْدَاهُ الْكُفَّارُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَوْ لِبَعْضِ قُوَّادِهِ) جَمْعُ قَائِدٍ، وَهُوَ نَائِبُهُ (أَوْ) أَهْدَاهُ الْكُفَّارُ لِ (بَعْضِ الْغَانِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَ) هُوَ (غَنِيمَةٌ) لِلْجَيْشِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فُعِلَ خَوْفًا مِنْ الْجَيْشِ، فَيَكُونُ غَنِيمَةً كَمَا لَوْ أَخَذَهُ بِغَيْرِهَا فَلَوْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ بِدَارِنَا فَهِيَ لِمَنْ أُهْدِيَتْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبِلَ هَدِيَّةَ الْمُقَوْقِسِ، وَاخْتَصَّ بِهَا (وَلَنَا قَطْعُ شَجَرِنَا الْمُثْمِرِ إنْ خِفْنَا أَنْ يَأْخُذُوهُ، وَلَيْسَ لَنَا قَتْلُ نِسَائِنَا، وَصِغَارِنَا إنْ خِفْنَا أَنْ يَأْخُذُوهُمْ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ) لِعِصْمَةِ النِّسَاءِ، وَالذُّرِّيَّةِ، وَأَمَّا الشَّجَرُ فَمَالٌ، وَإِتْلَافُهُ لِمَصْلَحَةٍ جَائِزٌ.
[بَابُ حُكْمِ الْأَرَضِينَ الْمَغْنُومَةِ]
ِ يَعْنِي: الْمَأْخُوذَةَ مِنْ الْكُفَّارِ بِقِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَهِيَ) أَيْ: الْأَرَضُونَ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ) لِلِاسْتِقْرَاءِ (أَحَدُهَا: مَا فُتِحَ عَنْوَةً أَيْ: قَهْرًا أَوْ غَلَبَةً) ، مِنْ عَنَا يَعْنُو إذَا ذَلَّ، وَخَضَعَ (وَهِيَ) شَرْعًا (مَا أُجْلِيَ عَنْهَا أَهْلُهَا بِالسَّيْفِ، فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ) كَالتَّخْيِيرِ فِي الْأُسَارَى، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَاهُ أَصْلَحَ (لَا) تَخْيِيرَ تَشْبِيهٍ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ (بَيْنَ قِسْمَتِهَا) عَلَى الْغَانِمِينَ (كَمَنْقُولٍ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " قَسَمَ نِصْفَ خَيْبَرَ، وَوَقَفَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ، وَحَوَائِجِهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ (فَتُمْلَكُ) الْأَرْضُ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَقُسِمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ (بِهِ) أَيْ: بِقَسْمِهَا (وَلَا خَرَاجَ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْغَانِمِينَ.
(وَلَا) خَرَاجَ أَيْضًا (عَلَى مَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، كَالْمَدِينَةِ، أَوْ صُولِحَ أَهْلُهُ) عَلَى (أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ، كَأَرْضِ الْيَمَنِ، وَالْحِيرَةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَدِينَةٍ قُرْبَ الْكُوفَةِ (وَبَانِقْيَا) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْقَافِ بَعْدَهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ (أَوْ أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ كَأَرْضِ الْبَصْرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ (وَبَيْنَ وَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِينَ) كَمَا وَقَفَ عُمَرُ الشَّامَ، وَمِصْرَ، وَالْعِرَاقَ، وَسَائِرَ مَا فَتَحَهُ، وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ.
، وَعَنْ عُمَرَ قَالَ " أَمَا، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا أَيْ: لَا شَيْءَ لَهُمْ - مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ، وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا لَهُمْ خِزَانَةً يَقْتَسِمُونَهَا " - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (بِلَفْظٍ يَحْصُلُ بِهِ الْوَقْفُ) .
؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ فَحُكْمُهَا قَبْلَ الْوَقْفِ حُكْمُ الْمَنْقُولِ، وَقَالَ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ: مَعْنَى وَقَفَهَا: تَرْكُهَا عَلَى حَالِهَا لَمْ يَقْسِمْهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، لَا أَنَّهُ أَنْشَأَ تَحْبِيسَهَا، وَتَسْبِيلَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا عُمَرُ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ (فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا، وَنَحْوُهُ) كَهِبَتِهَا بَعْدَ وَقْفِهَا كَسَائِرِ الْوُقُوفِ.
، وَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ (وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا) الْإِمَامُ بَعْدَ وَقْفِهَا (خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ مِنْ مُسْلِمٍ، وَمُعَاهَدٍ يَكُونُ أَجْرُهُ لَهَا) لِمَا
رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ عَنْ الْمَاجِشُونِ قَالَ: قَالَ بِلَالٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُرَى الَّتِي افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً: " اقْسِمْهَا بَيْنَنَا، وَخُذْ خُمْسَهَا " فَقَالَ عُمَرُ: لَا، وَلَكِنِّي أَحْبِسُهُ، فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ " فَقَالَ بِلَالٌ، وَأَصْحَابُهُ " اقْسِمْهَا فَقَالَ عُمَرُ " اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا، وَذَوِيهِ " فَمَا حَالَ الْحَوْلُ، وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُ قَسَمَ أَرْضًا أُخِذَتْ عَنْوَةً إلَّا خَيْبَرَ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ أَوْ يُمَلِّكُهَا لِأَهْلِهَا أَوْ غَيْرِهِمْ بِخَرَاجٍ فَدَلَّ كَلَامُهُمْ: أَنَّهُ لَوْ مَلَّكَهَا بِغَيْرِ خَرَاجٍ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَكَّةَ لَمْ يَجُزْ وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا مَسْجِدٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْبُلْدَانِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْإِمَامَ (فِعْلُ الْأَصْلَحِ) لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْقِسْمَةِ أَوْ الْوَقْفِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ) ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ (وَلَا نَقْضُ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَقْفٍ أَوْ قِسْمَةٍ أَوْ فَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ بَعَدَهُ، وَلَا تَغْيِيرُهُ) أَيْ: تَغْيِيرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ اللَّازِمِ، وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ، وَالِاخْتِلَافُ فِيمَا اُسْتُؤْنِفَ فَتْحُهُ.
الضَّرْبُ (الثَّانِي) مِنْ الْأَضْرُبِ الثَّلَاثَةِ (مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا) ، وَفَزَعًا مِنَّا (وَظَهَرْنَا عَلَيْهَا فَتَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا) قَدَّمَهُ فِي الْمُقْنِعِ، وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ غَنِيمَةً فَتُقْسَمُ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْفَيْءِ أَيْ: لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ، وَعَنْهُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَنْوَةِ قِيَاسًا عَلَيْهَا، فَلَا تَصِيرُ وَقْفًا، حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ وَقَطَعَ بِهَا فِي التَّنْقِيحِ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَكَن لَا تَصِيرُ وَقْفًا إلَّا بِوَقْفِ الْإِمَامِ لَهَا، صَرَّحَ بِهِ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ فَعَلَى هَذَا: حُكْمُهَا قَبْلَ وَقْفِ الْإِمَامِ كَالْمَنْقُولِ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَالْمُعَارَضَةُ بِهَا وَعَلَى الْأُولَى: يَمْتَنِعُ.
الضَّرْبُ (الثَّالِثُ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ) مِنْ الْأَرْضِ (وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُصَالِحَهُمْ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَنَا، لَنَا وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ، فَهَذِهِ) الْأَرْضُ (تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ مَكِّنَا لَهَا، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا) عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ بِلَا فَرْقٍ.
(وَهُمَا) أَيْ: الْمُصَالَحُ عَلَى أَنَّهَا لَنَا، وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ، وَمَا جَلُوا عَنْهَا خَوْفًا مِنَّا (دَارُ إسْلَامٍ، وَسَوَاءٌ سَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ أَوْ أَقَرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا) كَأَرْضِ الْعَنْوَةِ (وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ كَافِرٍ بِهَا سَنَةً إلَّا إقْرَارَهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (بِهَا عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ لَهُمْ) ؛ لِأَنَّهَا دَارُ إسْلَامٍ كَأَرْضِ الْعَنْوَةِ.
(وَيَكُونُ خَرَاجُهَا أُجْرَةً) لَهَا (لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ، وَيُؤْخَذُ) الْخَرَاجُ (مِنْهُمْ، وَمِمَّنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ مِنْ مُسْلِمٍ وَمُعَاهَدٍ) كَسَائِرِ الْأَجْرِ.
(وَمَا كَانَ فِيهَا) أَيْ: فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ (مِنْ شَجَرِ وَقْتَ الْوَقْفِ، فَثَمَرُهُ الْمُسْتَقْبَلُ لِمَنْ تُقَرُّ بِيَدِهِ) الْأَرْضُ (فِيهِ عُشْرُ الزَّكَاةِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَقِيلَ: هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ بِلَا عُشْرٍ جَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ (كَ) الشَّجَرِ (الْمُتَجَدِّدِ فِيهَا) أَيْ: فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ فَإِنَّ ثَمَرَتَهُ لِمَنْ جَدَّدَهُ، وَفِيهَا عُشْرُ الزَّكَاةِ بِشَرْطِهِ (الضَّرْبُ الثَّانِي) مِمَّا صُولِحُوا عَلَيْهِ (أَنَّ يُصَالِحَهُمْ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (عَلَى أَنَّهَا) أَيْ: الْأَرْضَ (لَهُمْ، لَهُمْ وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا) فَهُوَ صُلْحٌ صَحِيحٌ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ (فَهَذِهِ مِلْكٌ لَهُمْ) أَيْ: لِأَرْبَابِهَا، وَتَصِيرُ دَارَ عَهْدٍ (خَرَاجُهَا كَالْجِزْيَةِ) الَّتِي تُؤْخَذُ عَلَى رُءُوسِهِمْ مَا دَامَتْ بِأَيْدِيهِمْ (إنْ أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ الَّذِي ضُرِبَ عَلَيْهَا إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ، فَيَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ كَالْجِزْيَةِ، وَتَبْقَى الْأَرْضُ مِلْكًا لَهُمْ بِغَيْرِ خَرَاجٍ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا (كَمَا لَوْ انْتَقَلَتْ) هَذِهِ الْأَرْضُ (إلَى مُسْلِمٍ) فَإِنَّهُ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَصَدَ بِوَضْعِهِ الصِّغَارَ، فَوَجَبَ سُقُوطُهُ بِالْإِسْلَامِ كَالْجِزْيَةِ وَ (لَا) يَسْقُطُ خَرَاجُهَا إنْ انْتَقَلَتْ (إلَى ذِمِّيٍّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الصُّلْحِ) ؛ لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ رَضِيَ بِدُخُولِهِ فِيمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَهُ.
(الْتَزَمَهُ وَيُقَرُّونَ فِيهَا) أَيْ: فِي الْأَرْضِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا (بِغَيْرِ جِزْيَةٍ مَا أَقَامُوا عَلَى الصُّلْحِ؛ لِأَنَّهَا دَارُ عَهْدٍ بِخِلَافِ مَا قَبْلهَا) مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ، وَمَا جَلُوا عَنْهَا خَوْفًا مِنَّا، وَمَا صُولِحُوا عَلَى أَنَّهُ لَنَا، فَلَا يُقَرُّونَ فِيهَا إلَّا بِجِزْيَةٍ؛ لِأَنَّهَا دَارُ إسْلَامٍ.
[فَصْلٌ الْمَرْجِعُ فِي الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ]
فَصْلٌ (وَالْمَرْجِعُ فِي الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي نَقْصٍ وَزِيَادَةٍ) قَالَ الْخَلَّالُ: رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ فِي الْمَصَالِحِ فَكَانَ مُفَوَّضًا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
(وَيُعْتَبَرُ الْخَرَاجُ بِقَدْرِ مَا تَحْتَمِلُهُ الْأَرْضُ الَّتِي يَضَعُهُ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ لَهَا، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا، وَهَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ، وَإِمَّا مَا وَضَعَهُ إمَامٌ، فَلَا يُغَيِّرُهُ آخَرُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ السَّبَبُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ أَيْضًا فِي نَظَائِرِهِ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى.
(وَعَنْهُ يَرْجِعُ إلَى مَا ضَرَبَهُ) أَمِيرُ الْمُومِنِينَ (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
(فَلَا يُزَادُ) عَلَيْهِ (مَثَلًا وَلَا يَنْقُصُ) عَنْهُ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَ عُمَرَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ كَيْفَ كَانَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعَ شُهْرَتِهِ.
فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ) أَيْ: عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (فِي الْخَرَاجِ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ عَلَى جَرِيبِ الزَّرْعِ قَفِيزًا مِنْ طَعَامِهِ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشْرَةُ) دَرَاهِمَ (وَ) عَلَى (جَرِيبِ الرُّطَبِ سِتَّةُ) دَرَاهِمَ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: هَذَا هُوَ الَّذِي وَظَّفَهُ عُمَرُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ (وَظَاهِرُ ذَلِكَ: أَنَّ جَرِيبَ الزَّرْعِ، وَالْحِنْطَةِ، وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ) لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ عَلَى جَرِيبِ الزَّرْعِ دِرْهَمًا، وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامِهِ ".
وَقَالَ فِي الْمُقْنِعِ قَالَ أَحْمَدُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ أَعْلَى وَأَصَحُّ حَدِيثٍ فِي أَرْضِ السَّوَادِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا " انْتَهَى وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى.
لَكِنْ حَمَلَهُ فِي الْمُبْدِعِ عَلَى مَا ذَكَره الْمُصَنِّفُ (وَفِي) الْهِدَايَةِ لِأَبِي خَطَّابٍ وَ (الرِّعَايَتَيْنِ: خَرَاجُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَانِ، وَالْحِنْطَةِ أَرْبَعَةُ) دَرَاهِمَ (وَالرَّطْبَةِ سِتَّةُ) دَرَاهِمَ (وَالنَّخْلِ ثَمَانِيَةُ) دَرَاهِمَ (وَالْكَرْمِ عَشْرَةُ) دَرَاهِمَ (وَالزَّيْتُونِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا) ، وَهَذَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ لِمَسَّاحَةِ أَرْضِ السَّوَادِ فَضَرَبَهُ "، وَالرِّوَايَاتُ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَلِكَ فَالْآخِذُ بِالْأَعْلَى، وَالْأَصَحِّ، وَهُوَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَوْلَيْ (وَيَأْتِي مَا ضَرَبَهُ) عُمَرُ (فِي الْجِزْيَةِ، وَالْقَفِيزِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ قَالَ الْقَاضِي: وَجَمَعَ بِالْمَكِّيِّ) ؛ لِأَنَّ الرَّطْلَ الْعِرَاقِيَّ لَمْ يَكُنْ.
، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَكِّيُّ (وَ) قَالَ (الْمَجْدُ وَجَمَعَ بِالْعِرَاقِيِّ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا بِالْعِرَاقِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقَفِيزِ الْحَجَّاجِي: قَالَ فِي الْمُبْدِعِ:، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا ذَكَره فِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ (فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ) الْقَفِيزُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ هَذَا الصَّحِيحُ قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ.
وَقَالَ نَصَّ عَلَيْهِ انْتَهَى، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُقَنَّعِ (وَ) الْقَفِيزُ عَلَى الْقَوْلِ (الثَّانِي، وَهُوَ قَفِيزُ الْحُجَّاجِ، وَهُوَ صَاعُ عُمَرَ نَصًّا، وَالْقَفِيزُ الْهَاشِمِيُّ مَكُّوكَانِ، وَهُوَ ثَلَاثُونَ رَطْلًا عِرَاقِيَّةً) ، وَحَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ هُنَا قَوْلًا (وَالْجَرِيبُ عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي عَشْرِ قَصَبَاتٍ) أَيْ: مِائَةُ قَصَبَةٍ مُكَسَّرَةٍ، وَمَعْنَى الْكَسْرِ ضَرْبُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ فِي الْآخَرِ، فَيَصِيرُ أَحَدُهُمَا كَسْرًا لِلْآخَرِ (، وَالْقَصَبَةُ) مَا يَمْسَحُ بِهِ الزُّرَّاعُ كَالذِّرَاعِ لِلْبَزِّ، وَاخْتِيرَ الْقَصَبُ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطُولُ، وَلَا يَقْصُرُ، وَهُوَ أَحَقُّ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ الْخَشَبِ
وَهِيَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ عُمَرَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ:، وَالْمَعْرُوفُ بِالذِّرَاعِ الْهَاشِمِيَّةِ، سَمَّاهُ الْمَنْصُورُ بِهِ (وَهُوَ ذِرَاعٌ وَسَطٌ) أَيْ: بِيَدِ الرَّجُل الْمُتَوَسِّطِ الطُّولِ.
(وَقَبْضَةٌ، وَإِبْهَامٌ قَائِمَةٌ) ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ (فَيَكُونُ الْجَرِيبُ ثَلَاثَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ، وَسِتّمِائَةِ ذِرَاعٍ مُكَسَّرًا) ؛ لِأَنَّ الْقَصَبَةَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فِي مِثْلِهَا فَتَكُونُ سِتَّةً، وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا مُكَسَّرَةً تَضْرِبُهَا فِي مُكَسَّرِ الْجَرِيبِ، وَهُوَ مِائَةُ ذِرَاعٍ يَخْرُجُ مَا ذَكَرَ، فَعُلِمَ أَنَّ الْجَرِيبَ رُبْعُ فَدَّانٍ بِعُرْفِ مِصْرَ، وَمَا بَيْنَ الشَّجَرِ مِنْ بَيَاضِ الْأَرْضِ، وَهِيَ الْخَالِي مِنْ الشَّجَرِ (تَبَعٌ لَهَا) أَيْ: لِلشَّجَرِ، فَلَا يُؤْخَذُ سِوَى خَرَاجِ الشَّجَرِ.
(الشَّجَرُ وَالْخَرَاجُ عَلَى الْمَزَارِعِ دُونَ الْمَسَاكِنِ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (حَتَّى مَسَاكِنُ مَكَّةَ) ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهَا.
(وَلَا خَرَاجَ عَلَى مَزَارِعِهَا) أَيْ: مَكَّةَ، وَلَا عَلَى مَزَارِعِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَضْرِبْ عَلَيْهَا شَيْئًا؛ وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ جِزْيَةُ الْأَرْضِ، وَلَا يَجُوزُ إعْطَاؤُهَا عَنْ أَرْضِ مَكَّةَ (وَإِنَّمَا كَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَمْسَحُ دَارِهِ) بِبَغْدَادَ.
(وَيُخْرِجُ عَنْهَا) الْخَرَاجُ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ (؛ لِأَنَّ بَغْدَادَ كَانَتْ حِين فُتِحَتْ مَزَارِعُ) ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ: أَنَّ مَا كَانَ مَزَارِعُ حِينَ فَتْحِهِ وَجُعِلَ مَسَاكِنُ يَجِبُ فِيهِ الْخَرَاجُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافَهُ، وَيُحْمَلُ فِعْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى الْوَرَعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَهْلَ بَغْدَادَ عَامَّةً.
(عَامَّةً وَيَجِبُ خَرَاجٌ عَلَى مَا لَهُ مَاءٌ يُسْقَى بِهِ إنْ زُرِعَ) نَبَتَ أَوْ لَمْ يَنْبُتْ لِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ (وَإِنْ لَمْ يُزْرَعْ فَخَرَاجُهُ خَرَاجُ أَقَلِّ مَا يُزْرَعُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
(وَلَا خَرَاجَ عَلَى مَا يَنَالُهُ الْمَاءُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ زَرْعُهُ) ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لَا أُجْرَةَ لَهُ، وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: لَا عَلَى مَا يَنَالُهُ مَاءٌ، وَلَوْ أَمْكَنَ زَرْعُهُ إحْيَاؤُهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ.
(وَإِنْ أَمْكَنَ زَرْعُهُ عَامًا وَيُرَاحُ عَامًا عَادَةً وَجَبَ نِصْفُ خَرَاجِهِ فِي كُلِّ عَامٍ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْأَرْضِ عَلَى النِّصْفِ فَكَذَا الْخَرَاجُ لِكَوْنِهِ فِي مُقَابَلَةِ النَّفْعِ قَالَ الشَّيْخُ، وَلَوْ يَبِسَتْ الْكُرُومُ بِجَرَادٍ أَوْ غَيْرِهِ سَقَطَ مِنْ الْخَرَاجِ حَسْبَمَا تَعَطَّلَ مِنْ النَّفْعِ) ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ فِي نَظِيرِ النَّفْعِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ النَّفْعُ بِهِ بِبَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ عِمَارَةٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ الْمُطَالَبَةُ بِالْخَرَاجِ) انْتَهَى؛ لِأَنَّ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لَا خَرَاجَ لَهُ.
(مَثَلًا وَالْخَرَاجُ) يَجِبُ (عَلَى الْمَالِكِ دُون الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ) ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الرَّقَبَةِ، وَهِيَ لِلْمَالِكِ كَفِطْرَةِ الْعَبْدِ بِخِلَافِ الْعُشْرِ (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ، وَهُوَ) أَيْ: الْخَرَاجَ (كَالدَّيْنِ) قَالَ أَحْمَدُ يُؤَدِّيه ثُمَّ يُزَكِّي مَا بَقِيَ (يُحْبَسُ بِهِ الْمُوسِرُ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ أَشْبَهَ أُجْرَةَ الْمَسَاكِنِ
(وَيُنْظَرُ بِهِ الْمُعْسِرُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] .
(وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ أَرْضٌ) خَرَاجِيَّةٌ (فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالْخَرَاجِ كَالْمُسْتَأْجِرِ) إلَّا أَنَّ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ لَمْ تُقَدَّرْ لِلْحَاجَةِ.
(وَتَنْتَقِلُ) الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ عَمَّنْ مَاتَ (إلَى وَارِثِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَتْ) عَلَيْهِ (فِي يَدِ مُوَرِّثِهِ) كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
(فَإِنْ آثَرَ) الَّذِي بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ (بِهَا أَحَدًا بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ صَارَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهَا) مِنْ غَيْرِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَوَّلِ (وَمَعْنَى الْبَيْعِ هُنَا: بَذْلُهَا بِمَا عَلَيْهَا مِنْ خَرَاجٍ إنْ مَنَعْنَا بَيْعَهَا الْحَقِيقِيّ) كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ وَقَفَهَا، وَأَقَرَّهَا بِأَيْدِي أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ، وَالْوَقْفُ لَا يُبَاعُ إلَّا إذَا تَعَطَّلَتْ مَصَالِحُهُ عَلَى مَا يَأْتِي.
(وَإِنْ عَجَزَ مَنْ هِيَ) أَيْ: الْأَرْضَ الْخَرَاجِيَّةَ (فِي يَدِهِ عَنْ عِمَارَتِهَا وَ) عَنْ (أَدَاءِ خَرَاجِهَا أُجْبِرَ عَلَى إيجَارِهَا أَوْ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهَا لِتُدْفَعَ إلَى مَنْ يَعْمُرُهَا، وَيَقُومُ بِخَرَاجِهَا) ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ تَعْطِيلُهَا عَلَيْهِمْ.
(وَيَجُوزُ شِرَاءُ أَرْضِ الْخَرَاجِ اسْتِنْفَاذًا كَاسْتِنْفَاذِ الْأَسِيرِ، وَمَعْنَى الشِّرَاءِ أَنَّ تَنْتَقِلَ الْأَرْضُ) إلَيْهِ (بِمَا عَلَيْهَا مِنْ خَرَاجِهَا) لِامْتِنَاعِ الشِّرَاءِ الْحَقِيقِيّ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُكْرَهُ شِرَاؤُهَا) أَيْ: الْخَرَاجِيَّةُ (لِلْمُسْلِمِ) لِمَا فِي دَفْعِ الْخَرَاجِ مِنْ الذُّلِّ، وَالْهَوَانِ ".
تَتِمَّةٌ " إنْ اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْأَرْضِ فِي كَوْنِهَا خَرَاجِيَّةً أَوْ عُشْرِيَّةً مَثَلًا وَأَمْكَنَ قَوْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا فَقَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ فَإِنْ اُتُّهِمَ اُسْتُحْلِفَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى الشَّوَاهِدِ الدِّيوَانِيَّةِ السُّلْطَانِيَّةِ إذَا عُلِمَ صِحَّتهَا، وَوُثِقَ بِكِتَابَتِهَا، وَلَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهَا تُهْمَةٌ.
(وَيَجُوزُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ) الْخَرَاجِيَّةِ (أَنْ يَرْشُوَ الْعَامِلَ) الْقَابِضَ لِخَرَاجِهَا (لِخَرَاجِهَا وَيُهْدِيَ لَهُ لِدَفْعِ ظُلْمِهِ فِي خَرَاجِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى كَفِّ الْيَد الْعَادِيَة عَنْهُ وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْشُوَهُ أَوْ يُهْدِيَهُ (لِيَدَعَ لَهُ مِنْهُ) أَيْ: الْخَرَاجِ (شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إبْطَالِ حَقٍّ فَهُوَ كَرِشْوَةِ الْحَاكِمِ لِيَحْكُمَ لَهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ (فَالرِّشْوَةُ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ (مَا يُعْطَى) لِلْمُرْتَشِي (بَعْدَ طَلَبِهِ، وَالْهَدِيَّةُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ابْتِدَاءً) أَيْ: بِغَيْرِ طَلَبٍ.
(وَيَحْرُمُ عَلَى الْعَامِلِ الْأَخْذُ فِيهِمَا) لِحَدِيثِ «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» (، وَيَأْتِي فِي) بَابْ أَدَبِ الْقَاضِي بِأَوْسَعَ مِنْ هَذَا.
(وَمَنْ ظُلِمَ فِي خَرَاجِهِ لَمْ يَحْتَسِبْهُ مِنْ عُشْرِهِ) الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي زَرْعِهِ أَوْ ثَمَرِهِ قَالَ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ غَصْبٌ، وَعَنْهُ بَلَى اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
(وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي إسْقَاطِ الْخَرَاجِ عَنْ إنْسَانٍ) أَوْ فِي (تَخْفِيفِهِ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْخَرَاجَ، وَصَارَ فِي يَدِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ شَخْصًا إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، فَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
(وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُ الْأَرَاضِي، وَالْمَعَادِنِ، وَالدُّورِ) الَّتِي لِبَيْتِ الْمَالِ (، وَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي) بَابِ (إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) مُوَضَّحًا (مُوَضَّحًا وَالْكُلَفُ الَّتِي تُطْلَبُ مِنْ الْبَلَدِ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ يَحْرُمُ تَوْفِيرُ بَعْضِهِمْ وَجَعْلُ قِسْطِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَمَنْ قَامَ فِيهَا بِنِيَّةِ الْعَدْلِ، وَتَقْلِيلِ الظُّلْمِ مَهْمَا أَمْكَنَ لِلَّهِ) تَعَالَى (فَكَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تَعَالَى (ذَكَره الشَّيْخُ) لِقِيَامِهِ بِالْقِسْطِ، وَالْإِنْصَافِ.
(وَيَأْتِي فِي) بَابِ (الْمُسَاقَاةِ بَعْضُهُ) ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ تَفْرِقَةُ خَرَاجٍ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ وَمَصْرَفُ الْخَرَاجِ كَفَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي.
[بَابُ الْفَيْءِ]
ِ أَصْلُهُ مِنْ الرُّجُوعِ يُقَالُ فَاءَ الظِّلُّ إذَا رَجَعَ نَحْو الْمَشْرِقِ، وَسُمِّيَ الْمَالُ الْحَاصِلُ عَلَى مَا يَذْكُرهُ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَيْهِمْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] الْآيَتَيْنِ (وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ كَافِرٍ بِحَقِّ الْكُفْرِ) احْتِرَازًا عَمَّا أُخِذَ مِنْ ذِمِّيّ غَصْبًا، وَنَحْوه أَوْ بَيْعٍ، وَنَحْوه (بِلَا قِتَالٍ) خَرْجَ الْغَنِيمَةِ (كَجِزْيَةٍ، وَخَرَاجٍ، وَزَكَاةٍ تَغْلِبِيٍّ، وَعُشْرِ مَالِ تِجَارَةِ حَرْبِيٍّ) اتَّجَرَ بِهِ إلَيْنَا.
(وَنِصْفُهُ) أَيْ: نِصْفَ عُشْرِ مَالِ تِجَارَةٍ مِنْ ذِمِّيٍّ اتَّجَرَ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، (وَمَا تَرَكُوهُ) فَزَعًا (وَهَرَبُوا أَوْ بَذَلُوهُ فَزَعًا مِنَّا فِي الْهُدْنَةِ، وَغَيْرِهَا، وَخُمْسُ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ) ، وَمَالُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، وَلَا وَارِثَ لَهُ يُسْتَغْرَقُ (وَمَالُ الْمُرْتَدِّ إذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ) بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ) أَهْلِ (الْإِسْلَامِ) لِلْآيَتَيْنِ.
، وَلِهَذَا لَمَّا قَرَأَ عُمَرُ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ﴾ [الحشر: 7] حَتَّى بَلَغَ - ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] قَالَ هَذِهِ اسْتَوْعَبَتْ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ أَيْضًا " " مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
إلَّا لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبٌ إلَّا الْعَبِيدَ وَذَكَرَ أَحْمَدُ الْفَيْءَ فَقَالَ: فِيهِ حَقٌّ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ بَيْن الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَلِأَنَّ الْمَصَالِحَ نَفْعُهَا عَامٌّ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى فِعْلِهَا تَحْصِيلًا لَهَا.
(وَيَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ) مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِأَهْلِ الدَّارِ الَّتِي بِهَا حِفْظُ الْمُسْلِمِينَ فَيَبْدَأُ (بِجُنْدِ الْمُسْلِمِينَ) الَّذِينَ يَذُبُّونَ عَنْهُمْ (ثُمَّ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنْ عِمَارَةِ الثُّغُورِ بِمَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ) وَهُمْ أَهْلُ الْقُوَّةِ مِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَأَسْلِحَةٌ.
(وَكِفَايَةِ أَهْلِهَا) أَيْ: الْقِيَامِ بِكِفَايَةِ أَهْلِ الثُّغُورِ (وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ) أَيْ: الْخَيْلِ (ثُمَّ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ مِنْ سَدِّ الْبُثُوقِ جَمْعُ بَثْقٍ) بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَة (وَهُوَ الْخَرْقُ فِي أَحَدِ حَافَتَيْ النَّهْرِ) وَهُوَ حَرْفُ الْجُسُورِ لِحُصُولِ النَّفْعِ بِعُلُوِّ الْمَاءِ بِسَبَبِ ذَلِكَ (وَكَرْيُ الْأَنْهَارِ أَيْ: حَفْرُهَا وَتَنْظِيفُهَا وَعَمَلُ الْقَنَاطِرِ أَيْ: الْجُسُورِ وَ) إصْلَاحُ (الطَّرِيقِ وَالْمَسَاجِدِ وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَكُلُّ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ
الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ
أَشْبَهَ الْأَوَّلَ (وَلَا يُخَمَّسُ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَهُ إلَى أَهْلِ الْخُمُسِ كَمَا أَضَافَ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ فَإِيجَابُ الْخُمُسِ فِيهِ لِأَهْلِهِ دُونَ بَاقِيهِ مَنْعٌ لِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَوْ أُرِيدَ الْخُمُسُ مِنْهُ لَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا ذَكَرَهُ فِي خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ ظَهَرَ إرَادَةُ الِاسْتِيعَابِ.
(وَإِنْ فَضَلَ عَنْ الْمَصَالِحِ مِنْهُ أَيْ: مِنْ الْفَيْءِ فَضْلٌ قُسِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ) لِلْآيَةِ وَلِأَنَّهُ مَالٌ فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِمْ، فَقُسِمَ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ، وَيَسْتَوُونَ فِيهِ كَالْمِيرَاثِ (إلَّا عَبِيدَهُمْ فَلَا يُفْرَدُ الْعَبْدُ بِالْعَطَاءِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ فَلَا حَظَّ لَهُ فِيهِ كَالْبَهَائِمِ (بَلْ يُزَادُ سَيِّدُهُ) لِأَجْلِهِ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الصِّدِّيقَ أَعْطَى الْعَبِيدَ.
(وَعَنْهُ يُقَدَّمُ الْمُحْتَاجُ قَالَ الشَّيْخُ وَهُوَ أَصَحُّ عَنْ أَحْمَدَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ [الحشر: 8] وَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي حَقِّهِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حِفْظِ نَفْسِهِ مِنْ الْعَدُوِّ بِالْعُدَّةِ وَلَا بِالْهَرَبِ لِفَقْرِهِ بِخِلَافِ الْغَنِيِّ (وَاخْتَارَ أَبُو حَكِيمٍ وَالشَّيْخُ لَا حَظَّ لِلرَّافِضَةِ فِيهِ، وَذَكَرَهُ فِي الْهَدْيِ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ) وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْمُقَاتِلَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ لِحُصُولِ النُّصْرَةِ فَلَمَّا مَاتَ صَارَتْ بِالْخَيْلِ وَمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
(وَيَكُونُ الْعَطَاءُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) وَلَا يُجْعَلُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، لِئَلَّا يَشْغَلَهُمْ عَنْ الْغَزْوِ.
(وَيُفْرَضُ لِلْمُقَاتِلَةِ قَدْرُ كِفَايَتِهِمْ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِمْ) لِيَتَفَرَّغُوا لِلْجِهَادِ.
(وَتُسَنُّ الْبُدَاءَةُ بِأَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ) جَمْعُ مُهَاجِرٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ هَاجَرَ بِمَعْنَى هَجَرَ ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَرْضٍ إلَى
أُخْرَى وَتُطْلَقُ الْهِجْرَةُ بِأَنْ يَتْرُكَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَيَنْقَطِعَ بِنَفْسِهِ إلَى مُهَاجِرَةٍ.
وَلَا يَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَهِجْرَةُ الْأَعْرَابِ وَهِيَ أَنْ يَدَعَ الْبَادِيَةَ وَيَغْزُوَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْأَجْرِ وَالْمُرَادُ هُنَا أَوَّلًا: الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَجَرُوا أَوْطَانَهُمْ وَخَرَجُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ جَمَاعَةٌ مَخْصُوصُونَ فَيُقَدَّمُ مِنْهُمْ (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ " قَدِمَتْ عَلَى عُمَرَ ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ جَاءَ النَّاسَ مَا لَمْ يَأْتِهِمْ مِثْلُهُ مُذْ كَانَ الْإِسْلَامُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ بِمَنْ أَبْدَأُ؟ قَالُوا: بِك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّك وَلِيُّ ذَلِكَ قَالَ لَا وَلَكِنْ أَبْدَأُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ فَوَضَعَ الدِّيوَانَ عَلَى ذَلِكَ " (فَيَبْدَأُ مِنْ قُرَيْشٍ بِبَنِي هَاشِمٍ) لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُهُمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ثُمَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» (ثُمَّ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ) لِأَنَّهُ هُوَ وَهَاشِمٌ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ (ثُمَّ بَنِي نَوْفَلٍ) لِأَنَّهُ أَخُو هَاشِمٍ لِأَبِيهِ (ثُمَّ يُعْطَى بَنُو عَبْدِ الْعُزَّى) ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ أَصْهَارَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ خَدِيجَةَ مِنْهُمْ (ثُمَّ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ (حَتَّى تَنْقَضِيَ قُرَيْشٌ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ (وَقُرَيْشُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ وَقِيلَ بَنُو فِهْرِ بْنِ مَالكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ: وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي التَّبْيِينِ: هُمْ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ عَلَى مَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ» وَأَطْلَقَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُنْتَهَى (ثُمَّ أَوْلَادُ الْأَنْصَارِ) وَهُمْ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَقُدِّمُوا عَلَى غَيْرِهِمْ لِسَابِقَتِهِمْ وَآثَارِهِمْ الْجَمِيلَةِ (ثُمَّ سَائِرُ الْعَرَبِ) لِفَضْلِهِمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ (ثُمَّ الْعَجَمُ ثُمَّ الْمَوَالِي) أَيْ: الْعُتَقَاءُ لِيَحْصُلَ التَّعْمِيمُ بِالدَّفْعِ (وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُفَاضِلَ بَيْنَهُمْ بِحَسَبِ الْمُسَابَقَةِ) فِي الْإِسْلَامِ (وَنَحْوِهَا) كَالشَّجَاعَةِ وَحُسْنِ الرَّأْيِ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَ عُمَرُ: " لَا أَجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَنْ قُوتِلَ عَلَيْهِ " وَلِأَنَّهُ قَسَمَ النَّفَلَ بَيْنَ أَهْلِهِ مُتَفَاضِلًا عَلَى قَدْرِ غِنَائِهِمْ وَهَذَا مَعْنَاهُ " وَقَدْ فَرَضَ عُمَرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسَةَ آلَافٍ وَلِأَهْلِ بَدْرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَفَرَضَ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَلِأَهْلِ الْفَتْحِ أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ " وَلَمْ يُفَضِّلْ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ.
(وَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ) فِيمَا تَقَدَّمَ (فِي دَرَجَةٍ قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا إسْلَامًا) فَإِنْ اسْتَوَيَا فِيهِ (فَأَسَنُّ) فَإِنْ اسْتَوَيَا فِيهِ (فَأَقْدَمُ هِجْرَةً وَسَابِقَةً ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَ (وَلِيُّ الْأَمْرِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ شَاءَ رَتَّبَهُمَا عَلَى رَأْيِهِ) أَيْ: اجْتِهَادِهِ.
(وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَضَعَ دِيوَانًا يَكْتُبُ فِيهِ أَسْمَاءَ الْمُقَاتِلَةَ، وَ) يَكْتُبُ فِيهِ (قَدْرَ أَرْزَاقِهِمْ) ضَبْطًا لَهُمْ وَلِمَا قَدَّرَ لَهُمْ (وَيَجْعَلُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَرِيفًا يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ وَيَجْمَعُهُمْ وَقْتَ الْعَطَاءِ وَوَقْتَ الْغَزْوِ) لِيَسْهُلَ الْأَمْرُ عَلَى الْإِمَامِ.
(وَالْعَطَاءُ الْوَاجِبُ: لَا يَكُونُ إلَّا لِبَالِغٍ عَاقِلٍ حُرٍّ بَصِيرٍ صَحِيحٍ يُطِيقُ الْقِتَالَ) وَيَتَعَرَّفُ قَدْرَ حَاجَةِ أَهْلِ الْعَطَاءِ وَكِفَايَتِهِمْ وَيَزِيدُ ذَا الْوَلَدِ مِنْ أَجْلِ وَلَدِهِ، وَذَا الْفَرَسِ مِنْ أَجْلِ فَرَسِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ عَبِيدٌ فِي مَصَالِحِ الْحَرْبِ حَسَبَ مُؤْنَتِهِمْ فِي كِفَايَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا لِتِجَارَةٍ أَوْ زِينَةٍ لَمْ يَحْتَسِبْ مُؤْنَتَهُمْ وَيَنْظُرُ فِي أَسْعَارِ بِلَادِهِمْ لِأَنَّ الْأَسْعَارَ تَخْتَلِفُ، وَالْغَرَضُ الْكِفَايَةُ، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ الذُّرِّيَّةُ قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى التَّسْوِيَةَ فَأَمَّا مَنْ رَأَى التَّفْضِيلَ فَإِنَّهُ يُفَضِّلُ أَهْلَ السَّوَابِقِ وَالْغِنَاءِ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى غَيْرِهِمْ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ بِالْكِفَايَةِ.
(فَإِنْ مَرِضَ مَرَضًا غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ كَزَمَانَةٍ وَنَحْوِهَا) كَالسُّلِّ وَالْفَالِجِ (خَرَجَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَسَقَطَ سَهْمُهُ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْقِتَالِ بِخِلَافِ مَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْحُمَّى وَالصُّدَاعِ.
(وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ دُفِعَ إلَى وَرَثَتِهِ حَقُّهُ) لِأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ فَانْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى وَرَثَتِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ قُلْتُ: وَقِيَاسُهُ جِهَاتُ الْأَوْقَافِ إذَا مَاتَ بَعْدَ مُضِيّ زَمَنِ اسْتِحْقَاقِهِ يُعْطَى لِوَرَثَتِهِ.
(وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ دَفَعَ إلَى امْرَأَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ) لِتَطِيبَ قُلُوبُ الْمُجَاهِدِينَ، لِأَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّ عِيَالَهُمْ يُكْفَوْنَ الْمُؤْنَةَ بَعْد مَوْتِهِمْ تُوَفَّرُوا عَلَى الْجِهَادِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ (فَإِذَا بَلَغَ ذُكُورُهُمْ أَهْلًا لِلْقِتَالِ وَاخْتَارُوا أَنْ يَكُونُوا مُقَاتِلَةً فَرَضَ لَهُمْ بِطَلَبِهِمْ) لِأَهْلِيَّتِهِمْ لِذَلِكَ كَآبَائِهِمْ.
وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِمْ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا أَهْلًا لِلْقِتَالِ، أَوْ بَلَغُوا كَذَلِكَ، وَلَمْ يَخْتَارُوا أَنْ يَكُونُوا مُقَاتِلَةً (قَطَعَ فَرَضَهُمْ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمْ فِي الْأَوَّلِ وَعَدَمِ اخْتِيَارِهِمْ فِي الثَّانِي (وَيَسْقُطُ فَرْضُ الْمَرْأَةِ وَالْبَنَاتِ بِالتَّزْوِيجِ) لِحُصُولِ الْغِنَى بِهِ.
(وَبَيْتُ الْمَالِ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ يَضْمَنُهُ مُتْلِفُهُ وَيَحْرُمُ الْأَخْذُ مِنْهُ) وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ (بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ) ذَكَرَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَالِانْتِصَارِ وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُهُ أَنَّ الْمَالِكَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ (وَيَأْتِي) فِي بَابِ ذَوِي الْأَرْحَامِ (أَنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ) وَإِنَّمَا هُوَ جِهَةٌ وَمَصْلَحَةٌ.
[بَابُ الْأَمَانِ]
ِ وَهُوَ ضِدُّ الْخَوْفِ مَصْدَرُ أَمِنَ أَمْنًا وَأَمَانًا وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: 6] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ (وَيَحْرُمُ بِهِ) أَيْ: الْأَمَانِ (قَتْلٌ وَرِقٌّ وَأَسْرٌ وَأَخْذُ مَالٍ) وَالتَّعَرُّضُ لَهُمْ لِعِصْمَتِهِمْ بِهِ.
(وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ) الْأَمَانُ (مِنْ مُسْلِمٍ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ وَلَوْ ذِمِّيًّا لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ كَالْحَرْبِيِّ (عَاقِلٍ) لَا طِفْلٍ وَمَجْنُونٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ مُخْتَارٍ فَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ الْقَاتِلُ (مُمَيِّزًا) لِعُمُومِ الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ عَاقِلٌ فَصَحَّ مِنْهُ كَالْبَالِغِ (حَتَّى مِنْ عَبْدٍ) لِقَوْلِ عُمَرَ " الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ أَمَانُهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ " فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ أَمَانًا لِلْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَدْنَى مِنْهُ صَحَّ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ عَاقِلٌ أَشْبَهَ الْحُرَّ.
(وَ) حَتَّى مِنْ (أُنْثَى) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَجَارَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا الْعَاصِي بْنَ الرَّبِيعِ وَأَجَازَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَهَرَمٍ وَسَفِيهٍ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ وَ (لَا) يَصِحُّ الْأَمَانُ (مِنْ كَافِرٍ وَلَوْ ذِمِّيًّا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا مِنْ مَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ وَطِفْلٍ وَنَحْوِهِ، وَمُغْمًى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْمَصْلَحَةَ مِنْ غَيْرِهَا.
(وَ) يُشْتَرَطُ لِلْأَمَانِ (عَدَمُ الضَّرَرِ عَلَيْنَا) بِتَأْمِينِ الْكُفَّارِ (وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (أَنْ لَا تَزِيدَ مُدَّتُهُ) أَيْ: الْأَمَانِ عَلَى عَشْرِ سِنِينَ فَإِنْ زَادَتْ لَمْ يَصِحَّ، لَكِنْ هَلْ يَبْطُلُ مَا زَادَ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَوْ كُلُّهُ.
(وَيَصِحُّ) الْأَمَانُ (مُنَجَّزًا) كَقَوْلِهِ: أَنْتَ آمِنٌ (وَ) يَصِحُّ (مُعَلَّقًا) بِشَرْطٍ كَقَوْلِهِ مَنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ آمِنٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» .
(وَيَصِحُّ) الْأَمَانُ (مِنْ إمَامٍ وَأَمِيرٍ لِأَسِيرٍ كَافِرٍ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْإِمَامُ)
لِأَنَّ أَمْرَ الْأَسِيرِ مُفَوَّضٌ إلَى الْإِمَامِ فَلَمْ يَجُزْ الِافْتِيَاتُ عَلَيْهِ فِيمَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ: كَقَتْلِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: يَصِحُّ أَمَانُ غَيْرِ الْإِمَامِ لِلْأَسِيرِ الْكَافِرِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالنَّظْمِ وَالْحَاوِيَيْنِ اهـ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَقَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ، لِقِصَّةِ زَيْنَبَ فِي أَمَانِهَا زَوْجَهَا وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ بِأَنَّهُ إنَّمَا صَحَّ بِإِجَازَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنْبِيهٌ " قَالَ الْجَوْهَرِيّ: الرَّعِيَّةُ الْعَامَّةُ.
(وَيَصِحُّ) الْأَمَانُ (مِنْ إمَامٍ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ) لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ.
(وَ) يَصِحُّ (أَمَانُ أَمِيرٍ لِأَهْلِ بَلْدَةٍ جَعَلَ بِإِزَائِهِمْ) أَيْ: وَلِيَ قِتَالَهُمْ لِأَنَّ لَهُ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ فَقَطْ (وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ فَهُوَ كَآحَادِ الرَّعِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى قِتَالِ أُولَئِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
(وَيَصِحُّ أَمَانُ أَحَدِ الرَّعِيَّةِ لِوَاحِدٍ وَعَشْرَةٍ وَقَافِلَةٍ وَحِصْنٍ صَغِيرَيْنِ عُرْفًا) لِأَنَّ عُمَرَ أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ لِأَهْلِ الْحِصْنِ (كَمِائَةٍ فَأَقَلّ) هَكَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْفُرُوعِ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَا صَغِيرَيْنِ عُرْفًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَا مِائَةً فَأَقَلَّ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّاءِ.
وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ أَحَدِ الرَّعِيَّةِ لِأَهْلِ بَلْدَةٍ كَبِيرَةٍ، وَلَا رُسْتَاقٍ، وَلَا جَمْعٍ كَبِيرٍ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ وَالِافْتِيَاتِ عَلَى الْإِمَامِ.
(وَ) يَصِحُّ (أَمَانُ أَسِيرٍ بِدَارِ حَرْبٍ إذَا عَقَدَهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلْعُمُومَاتِ (وَكَذَا أَمَانُ أَجِيرٍ وَتَاجِرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» (وَمَنْ صَحَّ أَمَانُهُ) مِمَّنْ تَقَدَّمَ (صَحَّ إخْبَارُهُ بِهِ إذَا كَانَ عَدْلًا كَالْمُرْضِعَةِ عَلَى فِعْلِهَا) وَالْقَاسِمِ وَنَحْوِهِ.
(وَلَا يَنْقُضُ الْإِمَامُ أَمَانَ الْمُسْلِمِ) حَيْثُ صَحَّ لِوُقُوعِهِ لَازِمًا (إلَّا أَنْ يَخَافَ خِيَانَةَ مَنْ أُعْطِيَهُ) فَيَنْقُضُهُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَهُوَ عَدَمُ الضَّرَرِ.
(وَيَصِحُّ) الْأَمَانُ (بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ) وَتَأْتِي أَمْثِلَتُهُ (وَإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ) حَتَّى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ لِقَوْلِ عُمَرَ " وَاَللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إلَى السَّمَاءِ إلَى مُشْرِكٍ فَنَزَلَ بِأَمَانِهِ فَقَتَلَهُ لَقَتَلْتُهُ بِهِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ، تَغْلِيبًا لَحَقْنِ الدَّمِ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الْإِشَارَةِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِمْ عَدَمُ فَهْمِ كَلَامِ الْمُسْلِمِينَ كَالْعَكْسِ (وَرِسَالِهِ) بِأَنْ يُرَاسِلَهُ بِالْأَمَانِ (وَكِتَابٍ) بِأَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِالْأَمَانِ كَالْإِشَارَةِ وَأَوْلَى (فَإِذَا قَالَ لِكَافِرٍ: أَنْتَ آمِنٌ) فَقَدْ أَمَّنَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»
(أَوْ) قَالَ لِكَافِرٍ (لَا بَأْسَ عَلَيْكَ) فَقَدْ أَمَّنَهُ.
لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَالَ لِلْهُرْمُزَانِ " تَكَلَّمْ وَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ " ثُمَّ أَرَادَ قَتْلَهُ قَالَ لَهُ أَنَسٌ وَالزُّبَيْرُ " قَدْ أَمَّنْتَهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ (أَوْ أَجَرْتُكَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (أَوْ) قَالَ لَهُ (قِفْ أَوْ قُمْ أَوْ لَا تَخَفْ، أَوْ لَا تَخْشَ أَوْ لَا خَوْفَ عَلَيْكَ، أَوْ لَا تُذْهَلُ أَوْ أَلْقِ سِلَاحَكَ) فَقَدْ أَمَّنَهُ لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ (أَوْ) قَالَ لَهُ (مَتَرْسُ بِالْفَارِسِيَّةِ) وَمَعْنَاهُ: لَا تَخَفْ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم، وَالتَّاء وَسُكُون الرَّاء آخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ وَيَجُوزُ سُكُونُ التَّاءِ وَفَتْحُ الرَّاءِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ " إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ بِكُلِّ لِسَانٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَعْجَمِيًّا فَقَالَ: مَتَرْسُ فَقَدْ أَمَّنَهُ " (أَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَدْ أَمَّنَهُ) ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ مَعْنَاهُ الْأَمَانُ (أَوْ أَمَّنَ بَعْضَهُ أَوْ يَدَهُ فَقَدْ أَمَّنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ.
(وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ الْأَمَانَ) وَقَالَ أَحْمَدُ إذَا اشْتَرَاهُ لِيَقْتُلَهُ فَلَا يَقْتُلْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ فَقَدْ أَمَّنَهُ.
(فَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِمْ بِمَا اعْتَقَدُوهُ أَمَانًا: وَقَالَ أَرَدْتُ بِهِ الْأَمَانَ فَهُوَ أَمَانٌ) لِصِحَّتِهِ بِالْإِشَارَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِلَّا) بِأَنْ قَالَ لَمْ أُرِدْ بِهِ الْأَمَانَ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ (وَإِنْ خَرَجَ الْكُفَّارُ مِنْ حِصْنِهِمْ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْإِشَارَةِ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ وَيُرَدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ) قَالَ أَحْمَدُ إذَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْأَمَانِ فَظَنَّهُ أَمَانًا فَهُوَ أَمَانٌ وَكُلُّ شَيْءٍ يَرَى الْعِلْجُ أَنَّهُ أَمَانٌ فَهُوَ أَمَانٌ.
(وَإِنْ مَاتَ الْمُسْلِمُ) الَّذِي وَقَعَتْ مِنْهُ تِلْكَ الْإِشَارَةُ الْمُحْتَمِلَةُ (أَوْ غَابَ رُدُّوا إلَى مَأْمَنِهِمْ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْأَمَانِ.
(وَإِذَا قَالَ لِكَافِرٍ: أَنْتَ آمِنٌ فَرَدَّ) الْكَافِرُ (الْأَمَانَ لَمْ يَنْعَقِدْ) أَمَانُهُ أَيْ: انْتَقَضَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ كَالرِّقِّ (وَإِنْ قَبِلَهُ) أَيْ قَبِلَ الْكَافِرُ الْأَمَانَ لَمْ يَنْعَقِدْ أَمَانُهُ أَيْ انْتَقَضَ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ كَالرِّقِّ.
(وَإِنْ قَبِلَهُ) أَيْ: الْكَافِرُ الْأَمَانَ (ثُمَّ رَدَّهُ وَلَوْ بِصَوْلَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِ وَطَلَبَهُ نَفْسَهُ أَوْ جُرْحَهُ أَوْ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ انْتَقَضَ) الْأَمَانُ، لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَهُوَ عَدَمُ الضَّرَرِ عَلَيْنَا.
(وَإِنْ سُبِيَتْ كَافِرَةٌ وَجَاءَ ابْنُهَا يَطْلُبُهَا وَقَالَ إنَّ عِنْدِي أَسِيرًا مُسْلِمًا فَأَطْلِقُوهَا حَتَّى أُحْضِرَهُ فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ: أَحْضِرْهُ لَزِمَ إطْلَاقُهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا إجَابَتُهُ إلَى مَا سَأَلَ (فَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ: لَمْ أُرِدْ إجَابَتَهُ لَمْ يُجْبَرْ) الْكَافِرُ عَلَى تَرْكِ أَسِيرهِ وَرُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ الشَّرْطُ فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ فَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ وَبَنَى عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَهِمَ الْأَمَانَ مِنْ الْإِشَارَةِ.
(وَمَنْ جَاءَ بِمُشْرِكٍ فَادَّعَى أَنَّهُ أَسَرَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ بِمَالِهِ فَادَّعَى الْمُشْرِكُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمَّنَهُ فَأَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْأَمَانِ (وَيَكُونُ)
الْأَسِيرُ (عَلَى مِلْكِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إبَاحَةُ دَمِ الْحَرْبِيِّ.
(وَمَنْ طَلَبَ الْأَمَانَ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ وَيَعْرِفْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ لَزِمَ إجَابَتُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلَى مَأْمَنِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6] قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هِيَ إلَى يَوْم الْقِيَامَةِ.
(وَإِذَا أَمَّنَهُ) مَنْ يَصِحُّ أَمَانُهُ (سَرَى) الْأَمَانُ (إلَى مَنْ مَعَهُ) أَيْ: الْمُؤَمَّنُ (مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ إلَّا أَنْ يَقُولَ) مُؤَمِّنُهُ (أَمَّنْتُك وَحْدَكَ) وَنَحْوَهُ مِمَّا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْأَمَانِ فَيَخْتَصُّ بِهِ.
(وَمَنْ أَعْطَى أَمَانًا لِيَفْتَحَ حِصْنًا فَفَتَحَهُ) وَاشْتَبَهَ (أَوْ أَسْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) قَبْلَ الْفَتْحِ (ثُمَّ ادَّعَوْهُ) أَيْ: ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ الَّذِي أَعْطَى الْأَمَانَ أَوْ أَنَّهُ الَّذِي أَسْلَمَ قَبْلُ (وَاشْتَبَهَ عَلَيْنَا) الَّذِي أَمَّنَّاهُ أَوْ كَانَ أَسْلَمَ (فِيهِمْ حَرُمَ قَتْلُهُمْ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحْتَمَلُ صِدْقُهُ وَاشْتَبَهَ الْمُبَاحُ بِالْمُحَرَّمِ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ فَوَجَبَ تَغْلِيبُ التَّحْرِيمِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ زَانٍ مُحْصَنٍ بِمَعْصُومَيْنِ (وَ) حَرُمَ (اسْتِرْقَاقُهُمْ) ؛ لِأَنَّ اسْتِرْقَاقَ مَنْ لَا يَحِلُّ اسْتِرْقَاقُهُ مُحَرَّمٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّه مِثْلُهُ لَوْ نَسِيَ، أَوْ اشْتَبَهَ مَنْ لَزِمَهُ قَوَدٌ فَلَا قَوَدَ وَفِي التَّسْوِيَةِ بِقُرْعَةٍ الْخِلَافُ.
(وَإِنْ قَالَ) كَافِرٌ (كُفَّ عَنِّي حَتَّى أَدُلَّك عَلَى كَذَا، فَبَعَثَ مَعَهُ قَوْمًا لِيَدُلَّهُمْ فَامْتَنَعَ مِنْ الدَّلَالَةِ فَلَهُمْ ضَرْبُ عُنُقِهِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَمَانِ الْمُعَلَّقِ بِشَرْطٍ وَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا لَقِيَ عِلْجًا فَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ فَلَا يُؤَمِّنُهُ لِأَنَّهُ يَخَافُ شَرَّهُ) وَشَرْطُ الْأَمَانِ أَمْنُ شَرِّهِ.
(وَإِنْ كَانُوا سَرِيَّةً فَلَهُمْ أَمَانُهُ) لِأَمْنِهِمْ شَرَّهُ (وَإِنْ لَقِيَتْ السُّرِّيَّةُ أَعْلَاجًا فَادَّعَوْا أَنَّهُمْ جَاءُوا مُسْتَأْنِسِينَ قُبِلَ مِنْهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ) ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ.
(وَيَجُوزُ عَقْدُهُ) أَيْ: الْأَمَانِ (لِرَسُولٍ وَمُسْتَأْمَنٍ) أَيْ: طَالِبِ الْأَمَانِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ «جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمَا: أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَا إنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمَنْتُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ لَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَمَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَبِي دَاوُد نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ إذْ لَوْ قُتِلَ لَفَاتَتْ مَصْلَحَةُ الْمُرَاسَلَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَظَاهِرُهُ جَوَازُ عَقْدِ الْأَمَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا بِمُدَّةٍ قَصِيرَةٍ وَطَوِيلَةٍ، بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا مُقَيَّدَةً؛ لِأَنَّ فِي جَوَازِهَا مُطْلَقًا تَرْكًا لِلْجِهَادِ.
(وَيُقِيمُونَ مُدَّةَ الْهُدْنَةِ) أَيْ: الْأَمَانِ (بِغَيْرِ جِزْيَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ أُبِيحَ لَهُ الْمُقَامُ فِي دَارِنَا مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ جِزْيَةٍ فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَالنِّسَاءِ.
(وَمَنْ دَخَلَ مِنَّا) مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ (دَارَهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (بِأَمَانٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ خِيَانَتُهُمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْهُ الْأَمَانَ بِشَرْطِ عَدَمِ خِيَانَتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى، وَلَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ (وَ) حَرُمَتْ عَلَيْهِ (مُعَامَلَتُهُمْ بِالرِّبَا) لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (فَإِنْ خَانَهُمْ) شَيْئًا (أَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ) شَيْئًا (أَوْ اقْتَرَضَ) مِنْهُمْ (شَيْئًا وَجَبَ رَدُّهُ إلَى أَرْبَابِهِ) فَإِنْ جَاءُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَعْطَاهُ لَهُمْ وَإِلَّا بَعَثَهُ إلَيْهِمْ،؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ بِأَمَانٍ فَخَانَنَا كَانَ نَاقِضًا لِأَمَانِهِ) لِمُنَافَاةِ الْخِيَانَةِ لَهُ.
(وَمَنْ دَخَلَ) مِنْهُمْ (دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ قُبِلَ مِنْهُ إنْ صَدَّقَتْهُ عَادَةٌ كَدُخُولِ تِجَارَتِهِمْ إلَيْنَا وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُمْكِنٌ، فَيَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقَتْلِ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ وَلِجَرَيَانِ الْعَادَةِ مَجْرَى الشَّرْطِ.
(وَإِلَّا) فَإِنْ انْتَفَتْ الْعَادَةُ وَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْعِصْمَةِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تِجَارَةٌ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إذَا قَالَ جِئْتُ مُسْتَأْنِسًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَادِقٍ وَحِينَئِذٍ (فَ) يَكُونُ (كَأَسِيرٍ) يُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ بَيْنَ قَتْلٍ وَرِقٍّ وَمَنٍّ وَفِدَاءٍ.
(وَإِنْ كَانَ جَاسُوسًا) وَهُوَ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ وَعَكْسُهُ النَّامُوسُ (فَكَأَسِيرٍ) يُخَيَّرُ فِيهِ، الْإِمَامُ لِقَصْدِهِ نِكَايَةَ الْمُسْلِمِينَ.
(وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ أَوْ حَمَلْتُهُ رِيحٌ فِي مَرْكَبِهِ إلَيْنَا، أَوْ شَرَدَ إلَيْنَا بَعْضُ دَوَابِّهِمْ، أَوْ أَبَقَ بَعْضُ رَقَبَتِهِمْ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ غَيْرُ مَخْمُوسٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ ظَهَرَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قِتَالٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَانَ لِأَخْذِهِ ذَلِكَ كَالصَّيْدِ.
(وَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَيْنَا بِلَا إذْنٍ وَلَوْ رَسُولًا وَتَاجِرًا) أَيْ: يَحْرُمُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُبْدِعِ.
(وَيُنْتَقَضُ الْأَمَانُ بِرِدَّةٍ وَبِالْخِيَانَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ.
(وَإِنْ أَوْدَعَ الْمُسْتَأْمَنُ مَالَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ أَقْرَضَهُ) الْمُسْتَأْمَنُ (إيَّاهُ) أَيْ: مَالَهُ (ثُمَّ عَادَ) الْمُسْتَأْمَنُ (إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِتِجَارَةٍ أَوْ حَاجَةٍ عَلَى عَزْمِ عَوْدِهِ إلَيْنَا فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
(وَإِنْ دَخَلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ مُسْتَوْطِنًا أَوْ مُحَارِبًا أَوْ نَقَضَ ذِمِّيٌّ عَهْدَهُ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَمْ لَا انْتَقَضَ) عَهْدُهُ (فِي نَفْسِهِ وَبَقِيَ فِي مَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ ثَبَتَ لِمَا لَهُ، فَإِذَا بَطَلَ فِي نَفْسِهِ بِدُخُولِهِ إلَيْهَا وَبَقِيَ فِي مَالِهِ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ لِاخْتِصَاصِ الْمُبْطِل بِنَفْسِهِ لَا يُقَالُ: إذَا بَطَلَ فِي الْمَتْبُوعِ فَالتَّابِعُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ تَبَعًا وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِيهِمَا جَمِيعًا فَإِذَا بَطَلَ فِي أَحَدِهِمَا بَقِيَ الْآخِرُ وَلَوْ سَلَّمَ فَيَحُوزُ بَقَاءُ حُكْمِ التَّبَعِ
وَإِنْ زَالَ فِي الْمَتْبُوعِ كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ بَاقٍ وَيَأْتِي فِي آخِرِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ: أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ إذَا انْتَقَضَ عَهْدُهُ فَيْءٌ.
وَفِي الْإِنْصَافِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ انْتَهَى قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ فِي مَالِ الذِّمِّيِّ دُونَ مَالِ الْحَرْبِيِّ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ ثَبَتَ فِي مَالِ الْحَرْبِيِّ بِدُخُولِهِ مَعَهُ فَإِنَّ الْأَمَانَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْأَصَالَةِ كَمَا لَوْ بَعْثَهُ مَعَ وَكِيلٍ أَوْ مُضَارِبٍ، بِخِلَافِ مَالِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ تَبَعًا؛ لِأَنَّهُ مُكْتَسَبٌ بَعْدَ عَقْدِ ذِمَّتِهِ (فَيَبْعَثُ بِهِ) أَيْ: بِمَالِ الْمُعَاهِدِ الذِّمِّيِّ عَلَى الْأَوَّلِ (إلَيْهِ إنْ طَلَبَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ.
(وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ) الْمُسْتَأْمَنُ أَوْ الذِّمِّيُّ بَعْدَ نَقْضِهِ الْعَهْدَ (بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا) كَشَرِكَةٍ وَإِجَارَةٍ (صَحَّ تَصَرُّفُهُ) لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ مَاتَ فَلِوَارِثِهِ) كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَاخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ لَيْسَ بِمَانِعٍ كَمَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ (وَإِنْ عَدِمَ) وَارِثَهُ (فَ) هُوَ (فَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ كَمَا لَوْ مَاتَ بِدَارِنَا.
(وَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ مَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُسْتَوْطِنًا أَوْ مُحَارِبًا (انْتَقَضَ الْأَمَانُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَالِ (كَ) مَا يُنْتَقَضُ الْأَمَانُ فِي (نَفْسِهِ) لِوُجُودِ الْمُبْطِلِ فِيهِمَا.
(وَإِنْ أُسِرَ الْمُسْتَأْمَنُ وَاسْتُرِقَّ وُقِفَ مَالُهُ فَإِنَّ عَتَقَ أَخَذَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لِمَالِكٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ سَبَبُ الِانْتِقَالِ فَيُوقَفُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ السَّبَبُ (وَإِنْ مَاتَ قِنًّا فَفَيْءٌ) ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُورَثُ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَرَقَّ بَلْ مَنَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَوْ فَوُدِيَ بِمَالٍ فَمَالُهُ لَهُ وَإِنْ قَتَلَهُ فَمَالُهُ لِوَرَثَتِهِ.
(وَإِنْ أَخَذَ مُسْلِمٌ مِنْ حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَالًا مُضَارَبَةً أَوْ وَدِيعَةً وَدَخَلَ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ) أَيْ: الْمَالُ (فِي أَمَانٍ) بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ.
(وَإِنْ أَخَذَهُ) أَيْ: أَخَذَ الْمُسْلِمُ مَالَ حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ (بِبَيْعٍ فِي الذِّمَّةِ أَوْ قَرْضٍ فَالثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ) بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ (عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ إلَيْهِ) لِعُمُومِ " أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مِنْ ائْتَمَنَكَ ".
(وَإِنْ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ مَالًا ثُمَّ دَخَلَ إلَيْنَا فَأَسْلَمَ فَعَلَيْهِ رَدُّ الْبَدَلِ) لِاسْتِقْرَارِهِ فِي ذِمَّتِهِ (كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ حَرْبِيَّةً ثُمَّ أَسْلَمَ لَزِمَهُ رَدُّ مَهْرِهَا) إلَيْهَا إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا.
(وَإِذَا سَرَقَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا أَوْ قَتَلَ أَوْ غَصَبَ) أَوْ لَزِمَهُ مَالٌ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ (ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ مُسْتَأْمَنًا مَرَّةً ثَانِيَةً اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ مَا لَزِمَهُ فِي أَمَانَةِ الْأَوَّلِ) لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ.
(وَإِنْ اشْتَرَى) الْمُسْتَأْمَنُ (عَبْدًا مُسْلِمًا فَخَرَجَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرِبِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْعَبْدِ (لَمْ يَغْنَمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِلْكُهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الشِّرَاءِ بَاطِلًا) فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ مِنْ انْتِقَالِ الْمِلْكِ.
(وَيُرَدُّ) الْعَبْدُ (إلَى بَائِعِهِ وَيَرُدُّ بَائِعُهُ الثَّمَنَ إلَى الْحَرْبِيِّ) إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبَدَلَهُ إنْ كَانَ تَالِفًا،؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ تَالِفًا فَعَلَى الْحَرْبِيِّ قِيمَتُهُ)
فَرَّطَ فِيهِ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِأَنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ كَصَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ كَمَا يَأْتِي (وَيَتَرَادَّانِ) أَيْ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (الْفَضْلَ) أَيْ: الزَّائِدَ فَيَسْقُطُ مِنْ الْأَكْثَرِ بِقَدْرِ الْأَقَلِّ، وَيَرْجِعُ رَبُّ الزَّائِدِ بِهِ إنْ كَانَ.
(وَإِذَا دَخَلْتِ الْحَرْبِيَّةُ) دَارَ الْإِسْلَامِ (بِأَمَانٍ فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا فِي دَارِنَا، ثُمَّ أَرَادَتْ الرُّجُوعَ لَمْ تُمْنَعْ إذَا رَضِيَ زَوْجُهَا أَوْ فَارَقَهَا) قُلْتُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْعِدَدِ.
(وَإِنْ أَسَرَ كُفَّارٌ مُسْلِمًا فَأَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً أَوْ أَبَدًا لَزِمَهُ الْوَفَاءُ) لَهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: 91] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَهْرَبَ.
(قَالَ الشَّيْخُ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ فِي الْتِزَامِ الْإِقَامَةِ أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ انْتَهَى) أَيْ: حَيْثُ عَجَزَ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَتُقَدَّمُ.
(وَإِنْ) أَطْلَقُوهُ وَ (لَمْ يَشْتَرِطُوا شَيْئًا أَوْ شَرَطُوا كَوْنَهُ رَقِيقًا وَلَمْ يُؤَمِّنُوهُ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَسْرِقَ وَيَهْرَبَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْأَمَانُ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ مِنْ الْوَثَاقِ لَا يَكُونُ أَمَانًا وَالرِّقُّ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ إذَا أَطْلَقُوهُ فَقَدْ أَمَّنُوهُ (وَإِنْ أَحَلَفُوهُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: عَلَى كَوْنِهِ رَقِيقًا (وَكَانَ مُكْرَهًا) عَلَى الْحَلِفِ (لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ) لِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَهُوَ الِاخْتِيَارُ (وَإِنْ أَمَّنُوهُ فَلَهُ الْهَرَبُ فَقَطْ) أَيْ: لَا الْخِيَانَةُ وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ صَارُوا بِأَمَانِهِ فِي أَمَانٍ مِنْهُ فَإِذَا خَالَفَ فَهُوَ غَادِرٌ.
(وَيَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إنْ أَمْكَنَهُ) أَيْ: حَيْثُ عَجَزَ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ لِوُجُوبِ الْهِجْرَةِ إذَنْ وَإِلَّا سُنَّ لَهُ ذَلِكَ (فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ) الْمُضِيُّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ (أَقَامَ) حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] (وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ) فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَالِاجْتِهَادِ لِأَوْقَاتِهَا عَلَى مَا سَبَقَ.
(فَإِنْ خَرَجَ) الْأَسِيرُ بَعْدَ أَنْ أَطْلَقُوهُ وَأَمَّنُوهُ (وَتَبِعُوهُ فَأَدْرَكُوهُ قَاتَلَهُمْ وَبَطَلَ الْأَمَانُ) بِقِتَالِهِمْ إيَّاهُ.
(وَإِنْ أَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَالًا بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَادَ إلَيْهِمْ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي الْوَفَاءِ مَصْلَحَةً لِلْأَسَارَى، وَفِي الْغَدْرِ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِمْ لِكَوْنِهِمْ لَا يُؤَمِّنُونَ بَعْدَهُ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً فَلَا تَرْجِعُ) إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] وَلِأَنَّ فِي
رُجُوعِهَا تَسْلِيطًا لَهُمْ عَلَى وَطْئِهَا حَرَامًا.
(وَيَجُوزُ نَبْذُ الْأَمَانِ إلَيْهِمْ إنْ تَوَقَّعَ شَرَّهُمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58] .
(وَإِذَا أُمِّنَ الْعَدُوُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى مُدَّةٍ) مَعْلُومَةٍ (صَحَّ) أَمَانُهُ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ (فَإِذَا بَلَغَهَا وَاخْتَارَ الْبَقَاءَ فِي دَارِنَا أَدَّى الْجِزْيَةَ) إنْ كَانَ مِمَّنْ تُعْقَدُ لَهُ الذِّمَّةُ (وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ) الْبَقَاءَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ (فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى مَأْمَنِهِ) أَيْ: حَتَّى يُفَارِقَ الْمَحَلَّ الَّذِي أَمَّنَّاهُ فِيهِ لِبَقَاءِ أَمَانِهِ.
[بَابُ الْهُدْنَةِ]
ُ (وَهِيَ) لُغَةً السُّكُونُ وَشَرْعًا (الْعَقْدُ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً مَعْلُومَةً) بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَإِنْ زَادَتْ بَطَلَتْ فِي الزِّيَادَةِ فَقَطْ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61] وَمِنْ السُّنَّةِ مَا رَوَى مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى وَضْعِ الْقِتَالِ عَشْرَ سِنِينَ» وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ.
؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ، فَيُهَادِنُونَهُمْ حَتَّى يَقْوَوْا بِعِوَضٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنًّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا يَأْتِي (وَبِغَيْرِ عِوَضٍ) بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَتُسَمَّى مُهَادَنَةً وَمُوَادَعَةً) مِنْ الدَّعَةِ وَهِيَ التَّرْكُ.
(وَمُعَاهَدَةً) مِنْ الْعَهْدِ بِمَعْنَى الْأَمَانِ (وَمُسَالَمَةً) مِنْ السِّلْمِ بِمَعْنَى الصُّلْحِ (وَلَا يَصِحُّ عَقْدُهَا إلَّا مِنْ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ وَلَيْسَ غَيْرُهُمَا مَحَلًّا لِذَلِكَ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ.
وَلَوْ جُوِّزَ ذَلِكَ لِلْآحَادِ لَزِمَ تَعْطِيلُ الْجِهَادِ (وَيَكُونُ الْعَقْدُ) أَيْ: عَقْدُ الْهُدْنَةِ (لَازِمًا) لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَلَا عَزْلِهِ، بَلْ يَلْزَمُ الثَّانِيَ إمْضَاؤُهُ لِئَلَّا يَنْقُضَ الِاجْتِهَادَ بِالِاجْتِهَادِ وَيَسْتَمِرُّ مَا لَمْ يَنْقُضْهُ الْكُفَّارُ بِقِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ (الْوَفَاءُ بِهَا) أَيْ: بِالْهُدْنَةِ لِلُزُومِهَا (فَإِنْ هَادَنَهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارَ (غَيْرُهُمَا) أَيْ: غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (لَمْ تَصِحَّ) الْهُدْنَةُ لِمَا سَبَقَ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْهُدْنَةُ (إلَّا حَيْثُ جَازَ تَأْخِيرُ الْجِهَادِ) لِمَصْلَحَةٍ (فَمَتَى رَأَى) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (الْمَصْلَحَةَ فِي عَقْدِهَا لِضَعْفٍ فِي الْمُسْلِمِينَ عَنْ الْقِتَالِ، أَوْ لِمَشَقَّةِ الْغَزْوِ أَوْ لِطَمَعِهِ فِي إسْلَامِهِمْ، أَوْ فِي أَدَائِهِمْ الْجِزْيَةَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ الْمَصَالِحِ (جَازَ) لَهُ عَقْدُهَا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " هَادَنَ قُرَيْشًا لَكِنْ قَوْلُهُ: لِطَمَعِهِ فِي إسْلَامِهِمْ رِوَايَةٌ قَطَعَ بِهَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِذَلِكَ وَيَقْتَضِي كَلَامُهُ فِي الْإِنْصَافِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ صَحَّحَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا إلَّا حَيْثُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْجِهَادِ، كَمَا هُوَ صَدْرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْجِهَادِ لِذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَيَجُوزُ عَقْدُ الْهُدْنَةِ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ (وَلَوْ بِمَالٍ مِنَّا ضَرُورَةً) مِثْلَ أَنْ يَخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْهَلَاكَ أَوْ الْأَسْرَ،؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَسِيرِ فِدَاءُ نَفْسِهِ بِالْمَالِ فَكَذَا هُنَا وَجَازَ تَحَمُّلُ صَغَارٍ دَفَعَهُ لِدَفْعِ صَغَارٍ أَعْظَمَ مِنْهُ وَهُوَ الْقَتْلُ أَوْ الْأَسْرُ، وَسَبْيُ الذُّرِّيَّةِ الْمُفْضِي إلَى كُفْرِهِمْ وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْمَغَازِي عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَهُوَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ يَعْنِي يَوْمَ الْأَحْزَابِ أَرَأَيْت إنْ جَعَلْتُ لَك ثُلُثَ ثَمَرِ الْأَنْصَارِ أَتَرْجِعُ بِمَنْ مَعَك مِنْ غَطَفَانَ أَوْ تُخَذِّلُ بَيْنَ الْأَحْزَابِ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ عُيَيْنَةُ إنْ جَعَلْتَ الشِّطْرَ فَعَلْتُ» وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَمَا بَذَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مُدَّةً مَعْلُومَةً) ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ تَقْدِيرُهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَخِيَارِ الشَّرْطِ (وَلَوْ فَوْقَ عَشْرِ سِنِينَ) لِأَنَّهَا تَجُوزُ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشْرٍ فَجَازَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا كَمُدَّةِ الْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ عَقْدُهَا لِلْمَصْلَحَةِ فَحَيْثُ وُجِدَتْ جَازَتْ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ.
(وَإِنْ هَادَنَهُمْ مُطْلَقًا) بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي التَّأْيِيدَ وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (أَوْ) هَادَنَهُمْ (مُعَلِّقًا بِمَشِيئَةٍ كَمَا شِئْنَا أَوْ شِئْتُمْ أَوْ شَاءَ فُلَانٌ أَوْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ) عَلَيْهِ (لَمْ يَصِحَّ) كَالْإِجَارَةِ وَلِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ.
(وَإِنْ نَقَضُوا) أَيْ: الْمُهَادَنُونَ (الْعَهْدَ بِقِتَالٍ أَوْ مُظَاهَرَةٍ) أَيْ: مُعَاوَنَةِ عَدُوِّنَا عَلَيْنَا (أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ وَحَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " قَتَلَ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ " وَلَمَّا هَادَنَ قُرَيْشًا فَنَقَضُوا عَهْدَهُ حَلَّ لَهُ مِنْهُمْ مَا كَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ.
(وَإِنْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ) الْعَهْدَ (دُونَ بَعْضٍ فَسَكَتَ بَاقِيهِمْ عَنْ النَّاقِضِ) لِلْعَهْدِ (وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ إنْكَارٌ) عَلَى النَّاقِضِ (وَلَا مُرَاسِلَةُ الْإِمَامِ) فِي شَأْنِهِ
(وَلَا تَبَرُّؤٌ) مِنْهُ (فَالْكُلُّ نَاقِضُونَ) لِلْعَهْدِ لِرِضَاهُمْ بِفِعْلِ أُولَئِكَ، وَإِقْرَارِهِمْ لَهُمْ.
(وَإِنْ أَنْكَرَ مَنْ لَمْ يُنْقِضْ عَلَى الْبَاقِينَ) أَيْ: النَّاقِضِينَ (بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ظَاهِرٍ أَوْ اعْتِزَالٍ) بِأَنْ اعْتَزَلُوا النَّاقِضِينَ (أَوْ رَاسَلَ الْإِمَامَ بِأَنِّي مُنْكِرٌ مَا فَعَلَهُ النَّاقِضُ مُقِيمٌ عَلَى الْعَهْدِ لَمْ يُنْتَقَضْ فِي حَقِّهِ) أَيْ: حَقِّ مَنْ أَنْكَرَ وَفَعَلَ مَا سَبَقَ، لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِي نَقْضَهُ مِنْهُ (وَيَأْمُرُهُ الْإِمَامُ بِالتَّمْيِيزِ لِيَأْخُذَ النَّاقِضُ وَحْدَهُ) لِنَقْضِ عَهْدِهِ (فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّمْيِيزِ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ) أَيْ: عَهْدُ الْمُنْكِرِ لِمَا فَعَلَهُ النَّاقِضُ.
وَفِي الشَّرْحِ: فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّمْيِيزِ أَوْ إسْلَامِ النَّاقِضِ صَارَ نَاقِضًا؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ أَخْذِ النَّاقِضِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّمْيِيزُ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْأَسِيرِ.
وَفِي الْإِنْصَافِ فِي آخِرِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ: وَكَذَا أَيْ: فِي نَقْضِ الْعَهْدِ مَنْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَعْتَزِلْهُمْ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ الْإِمَامُ.
وَفِي الْمُنْتَهَى، وَشَرْحِهِ: فَإِنْ أَبَوْهُمَا أَيْ: التَّسْلِيمَ وَالتَّمْيِيزَ حَالَ كَوْنِهِمْ قَادِرِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْتَقَضَ عَهْدُ الْكُلِّ بِذَلِكَ (فَإِنْ أَسَرَ الْإِمَامُ مِنْهُمْ) أَيْ: مِمَّنْ وَقَعَ النَّقْضُ مِنْ بَعْضِهِمْ (قَوْمًا فَادَّعَى الْأَسِيرُ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُضْ) الْعَهْدَ (وَأُشْكِلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْإِمَامِ (قُبِلَ قَوْلُ الْأَسِيرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا مِنْهُمْ.
(وَإِنْ شَرَطَ) الْعَاقِدُ لِلْهُدْنَةِ (فِيهَا شَرْطًا فَاسِدًا كَنَقْضِهَا مَتَى شَاءَ، أَوْ رَدِّ النِّسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ) إلَيْهِمْ بَطَلَ الشَّرْطُ فَقَطْ لِمُنَافَاتِهِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَ الصُّلْحَ فِي النِّسَاءِ» ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَفِرَّ (أَوْ) رَدَّ (صَدَاقَتِهِنَّ) بَطَلَ الشَّرْطُ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10] فَقَالَ قَتَادَةَ نُسِخَ.
وَقَالَ عَطَاءُ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ لَا يُعْمَلُ بِهَا الْيَوْمَ إنَّمَا نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَطَ رَدَّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا (أَوْ رَدَّ صَبِيٍّ عَاقِلٍ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ فِي ضَعْفِ الْعَقْلِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّخَلُّصِ وَالْهَرَبِ (أَوْ رَدَّ الرِّجَالِ) الْمُسْلِمِينَ (مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ أَوْ رَدَّ سِلَاحِهِمْ، أَوْ إعْطَائِهِمْ شَيْئًا مِنْ سِلَاحِنَا أَوْ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ أَوْ شَرَطَ لَهُمْ مَالًا) مِنَّا (فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ بَذْلُهُ أَوْ إدْخَالُهُمْ الْحَرَمَ بَطَلَ الشَّرْطُ) فِي الْكُلِّ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ الْعَقْدِ فَيَصِحُّ، وَكَذَا عَقْدُ الذِّمَّةِ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ، لَكِنْ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ:
إذَا شَرَطَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ نَقْضَهَا مَتَى شَاءَ، فَإِنَّهُ يَنْبُ غِي أَنَّ لَا تَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّ طَائِفَةَ الْكُفَّارِ يَبْنُونَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَلَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْ الْجِهَتَيْنِ فَيَفُوتُ مَعْنَى الْهُدْنَةِ (فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ) أَيْ: بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
(وَلَا يَجُوزُ) الْوَفَاءُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَأَمَّا الطِّفْلُ الَّذِي لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ) وَهُوَ مَنْ دُونَ التَّمْيِيزِ (فَيَجُوزُ شَرْطُ رَدِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ شَرْعًا.
(وَمَتَى وَقَعَ الْعَقْدُ) لِلْهُدْنَةِ (بَاطِلًا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ الْكُفَّارِ) الْعَاقِدِينَ لَهُ (دَارَ الْإِسْلَامِ مُعْتَقِدِينَ الْأَمَانَ، كَانُوا آمَنِينَ وَيُرَدُّونَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يُقَرُّونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) لِبُطْلَانِ الْأَمَانِ.
(وَإِنْ شَرَطَ رَدَّ مَنْ جَاءَ مِنْ الرِّجَالِ مُسْلِمًا جَازَ لِحَاجَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَشِيرَةٌ تَحْمِيهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ كَظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّتِهِمْ فَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ (فَلَا يَمْنَعُهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارَ الْإِمَامُ (أَخْذَهُ) أَيْ: أَخْذَ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا.
(وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: عَلَى الْعَوْدِ مَعَهُمْ «؛ لِأَنَّ أَبَا بَصِيرٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فَجَاءُوا فِي طَلَبِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْهِ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَك فَرَجًا وَمَخْرَجًا فَرَجَعَ مَعَ الرَّجُلَيْنِ فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا وَرَجَعَ فَلَمْ يَلُمْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» (وَلَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (أَنْ يَأْمُرَهُ سِرًّا بِقِتَالِهِمْ وَبِالْهَرَبِ مِنْهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إلَى بَاطِلٍ فَكَانَ لَهُ الْأَمْرُ بِعَدَمِهِ كَالْمَرْأَةِ إذَا سَمِعَتْ طَلَاقَهَا.
وَفِي التَّرْغِيبِ يَعْرِضُ لَهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ (وَلَهُ) أَيْ: لِمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ مُسْلِمًا (وَلِمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ أَنْ يَتَحَيَّزُوا نَاحِيَةً، وَيَقْتُلُوا مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ الْكُفَّارِ وَيَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ وَلَا يَدْخُلُونَ فِي الصُّلْحِ فَإِنْ ضَمَّهُمْ الْإِمَامُ إلَيْهِ بِإِذْنِ الْكُفَّارِ دَخَلُوا فِي الصُّلْحِ) وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ قِتَالُ الْكُفَّارِ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ «؛ لِأَنَّ أَبَا بَصِيرٍ لَمَّا رَجَعَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إلَيْهِمْ وَأَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَلُمْهُ، بَلْ قَالَ: وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ» فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو بَصِيرٍ لَحِقَ بِسَاحِلِ الْبَحْر وَانْحَازَ إلَيْهِ أَبُو جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ فَجَعَلُوا لَا يَمُرُّ عَلَيْهِمْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ إلَّا عَرَضُوا لَهَا وَأَخَذُوهَا وَقَتَلُوا مَنْ مَعَهَا فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ أَنْ يَضُمَّهُمْ إلَيْهِ وَلَا يَرُدَّ إلَيْهِمْ
أَحَدًا جَاءَهُ فَفَعَلَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مُخْتَصَرًا.
(وَإِذَا عَقَدَهَا) أَيْ: عَقَدَ الْإِمَامُ الْهُدْنَةَ (مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَمْ يَجُزْ لَنَا رَدُّ مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا أَوْ بِأَمَانٍ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً) ؛ لِأَنَّهُ رَدٌّ لَهُمْ إلَى بَاطِلٍ.
(وَلَا يَجِبُ رَدُّ مَهْرِ الْمَرْأَةِ) إلَيْهِمْ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْهُ بِمَا نِيلَ مِنْهَا فَلَا يُرَدُّ لِغَيْرِهَا.
(وَإِذَا طَلَبَتْ امْرَأَةٌ) مُسْلِمَةٌ (أَوْ صَبِيَّةٌ مُسْلِمَةٌ الْخُرُوجَ مِنْ عِنْدِ الْكُفَّارِ جَازَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ إخْرَاجُهَا) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَقَفَتْ ابْنَةُ حَمْزَةَ عَلَى الطَّرِيقِ فَلَمَّا مَرَّ بِهَا عَلِيٌّ قَالَتْ: يَا ابْنَ عَمِّ لِمَنْ تَدَعُنِي؟ فَتَنَاوَلَهَا فَدَفَعَهَا إلَى فَاطِمَةَ حَتَّى قَدِمَ بِهَا الْمَدِينَةَ» .
(وَإِنْ هَرَبَ مِنْهُمْ) أَيْ الْمُهَاجِرِينَ (عَبْدٌ أَسْلَمَ لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِمْ وَهُوَ حُرٌّ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ نَفْسَهُ بِإِسْلَامِهِ، ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] .
(وَيَضْمَنُونَ) أَيْ: أَهْلُ الْهُدْنَةِ (لِمَا أَتْلَفُوهُ لِمُسْلِمٍ) مِنْ مَالٍ (وَيُحَدُّونَ لِقَذْفِهِ، وَيُقَادُونَ لِقَتْلِهِ، وَيُقْطَعُونَ بِسَرِقَةِ مَالِهِ) ؛ لِأَنَّ الْهُدْنَةَ تَقْتَضِي أَمَانَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ وَأَمَانَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ فَلَزِمَهُمْ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ.
(وَلَا يُحَدُّونَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُلْزَمِينَ بِأَحْكَامِنَا.
[فَصْلٌ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ حِمَايَةُ مَنْ هَادَنَهُ]
(فَصْلٌ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ حِمَايَةُ مَنْ هَادَنَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمَّنَهُمْ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدهِ وَتَحْتَ قَبْضَتِهِ فَلَوْ أَتْلَفَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ (دُونَ غَيْرِهِمْ، كَأَهْلِ حَرْبٍ) فَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ حِمَايَتُهُمْ، وَلَا حِمَايَةُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْهُدْنَةَ الْتِزَامُ الْكَفِّ عَنْهُمْ فَقَطْ (فَلَوْ أَخَذَهُمْ) أَيْ: الْمُهَادَنِينَ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ (أَوْ) أَخَذَ (مَالَهُمْ غَيْرُهُمَا حَرُمَ أَخْذُنَا ذَلِكَ) بِشِرَاءٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي عَهْدِنَا (وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارٌ آخَرُونَ أَوْ سَبَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ يَقْتَضِي رَفْعَ الْأَذَى عَنْهُمْ وَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ أَذًى لَهُمْ بِالْإِذْلَالِ بِالرِّقِّ فَلَمْ يَجُزْ كَسَبْيِهِمْ وَالْوَاحِدُ كَالْكُلِّ وَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ اسْتِنْقَاذُهُمْ.
(وَإِنْ سَبَى بَعْضُهُمْ وَلَدَ بَعْضٍ ثُمَّ بَاعَهُ صَحَّ) كَبَيْعِ عَرَبِيٍّ وَلَدَهُ (وَلَنَا شِرَاءُ أَوْلَادِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ) مِنْهُمْ أَوْ مِمَّنْ سَبَاهُمْ (كَحَرْبِيٍّ بَاعَ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ) بِخِلَافِ الذِّمِّيّ وَقَدْ ذَكَرْتُ كَلَامَ ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَرِقَّاءً قَبْل وَإِنَّمَا يَصِيرُونَ أَرِقَّاءً بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِمْ كَالسَّبْيِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى.
(وَإِنْ خَافَ) الْإِمَامُ (نَقْضَ الْعَهْدِ مِنْهُمْ بِأَمَارَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ جَازَ نَبْذُهُ إلَيْهِمْ بِخِلَافِ ذِمَّتِهِ) فَيَقُولُ لَهُمْ قَدْ نَبَذْتُ عَهْدَكُمْ وَصِرْتُمْ حَرْبِيِّينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58] أَيْ: أَعْلِمْهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ، حَتَّى تَصِيرَ أَنْتَ وَهُمْ سَوَاءً فِي الْعِلْمِ (فَيَعْلَمُ بِنَقْضِ عَهْدِهِمْ وُجُوبًا قَبْلَ الْإِغَارَةِ) عَلَيْهِمْ (وَالْقِتَالِ) لِلْآيَةِ.
(وَمَتَى نَقَضَهَا) أَيْ: نَقَضَ الْإِمَامُ الْهُدْنَةَ (وَفِي دَارِنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ وَجَبَ رَدُّهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ) لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا بِأَمَانٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَدُّوا آمِنِينَ.
(وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ حَقٌّ اسْتَوْفَى مِنْهُمْ) كَغَيْرِهِمْ لِلْعُمُومَاتِ (وَيُنْتَقَضُ عَهْدُ نِسَائِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ بِنَقْضِ عَهْدِ رِجَالِهِمْ تَبَعًا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " قَتَلَ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ " وَلَمَّا هَادَنَ قُرَيْشًا فَنَقَضُوا عَهْدَهُ حَلَّ لَهُ مِنْهُمْ مَا كَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ (وَيَجُوزُ قَتْلُ رَهَائِنُهُمْ إذَا قَتَلُوا رَهَائِنَنَا، وَمَتَى مَاتَ إمَامٌ، أَوْ عُزِلَ لَزِمَ مَنْ بَعْدَهُ الْوَفَاءُ بِعَقْدِ) الْهُدْنَةِ لِلُزُومِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
[بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ]
ِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الذِّمَّةُ الْأَمَانُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ " وَالذِّمَّةُ الضَّمَانُ وَالْعَهْدُ، وَهِيَ فِعْلَةٌ مِنْ أَذَمَّ يَذُمُّ إذَا جَعَلَ لَهُ عَهْدًا وَمَعْنَى عَهْدِ الذِّمَّةِ إقْرَارُ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ (لَا يَصِحُّ عَقْدُهَا إلَّا مِنْ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ، وَمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتَاتَ بِهِ عَلَى الْإِمَامِ.
(وَيَحْرُمُ) عَقْدُ الذِّمَّةِ (مِنْ غَيْرِهِمْ) أَيْ: غَيْرِ الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ؛ لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ (وَيَجِبُ عَقْدُهَا إذَا اجْتَمَعَتْ الشُّرُوطُ) السَّابِقُ ذِكْرُهَا، وَتَأْتِي أَيْضًا (مَا لَمْ يَخَفْ غَائِلَةً مِنْهُمْ) أَيْ: غَدْرًا بِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ الْإِقَامَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَجُوزُ عَقْدُهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْنَا.
(وَصِفَةُ عَقْدِهَا أَقْرَرْتُكُمْ بِجِزْيَةٍ وَاسْتِسْلَامٍ) أَيْ: انْقِيَادٍ وَالْتِزَامٍ لِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ (أَوْ يَبْذُلُونَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: أَقْرَرْتُكُمْ عَلَى ذَلِكَ وَنَحْوِهِمَا) أَيْ: هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ كَقَوْلِهِ: عَاهَدْتُكُمْ عَلَى أَنْ تُقِيمُوا بِدَارِنَا بِجِزْيَةٍ وَالْتِزَامِ حُكْمِنَا، وَلَا يُعْتَبَرُ ذِكْرُ قَدْرِ الْجِزْيَةِ فِي الْعَقْدِ (فَالْجِزْيَةُ) مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْجَزَاءِ (مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَة أَيْ: الذِّلَّةِ وَالِامْتِهَانِ (كُلَّ عَامٍ بَدَلًا عَنْ قَتْلِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ بِدَارِنَا) فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَبْذُلُوهَا، لَمْ يَكْفِ عَنْهُمْ.
(وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ الْمُؤَبَّدَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا الْتِزَامُ إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ كُلَّ حَوْلٍ وَالثَّانِي الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ قَبُولُ مَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ أَوْ تَرْك مُحَرَّمٍ) فَإِنْ عَقَدَ عَلَى غَيْرِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ لَمْ يَصِحَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] قِيلَ: الصَّغَارُ جَرَيَانُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ.
(وَلَا يَجُوزُ عَقْدُهَا، إلَّا لِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ) التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى (وَلِمَنْ وَافَقَهُمَا) أَيْ: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى (فِي التَّدَيُّنِ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَالسَّامِرَةِ) قَبِيلَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ نُسِبَ إلَيْهِمْ السَّامِرِيُّ وَيُقَالُ لَهُمْ فِي زَمَنِنَا سَمَرَةٌ بِوَزْنِ شَجَرَةٍ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْيَهُودِ يَتَشَدَّدُونَ فِي دِينِهِمْ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ.
(وَالْفِرِنْجَةِ) وَهُمْ الرُّومُ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو الْأَصْفَرِ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا مُوَلَّدَةٌ نِسْبَةً إلَى فَرَنْجَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَسُكُونِ ثَالِثِهِ وَهِيَ جَزِيرَةٌ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا فَرَنْجِيٌّ ثُمَّ حُذِفَتْ الْيَاءُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 29] إلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] «وَقَوْلُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لِعَامِلِ كِسْرَى أَمَرَنَا نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
وَالْإِجْمَاعُ عَلَى قَبُولِ الْجِزْيَةِ لِمَنْ بَذَلَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ يَلْحَقُ بِهِمْ وَإِقْرَارُهُمْ بِذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (وَلِمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ كَالْمَجُوسِ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ «حَتَّى شَهِدَ عِنْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قَالَ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ؛ لِأَنَّهُ رَوَى أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ فَصَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ أَوْجَبَتْ حَقْنَ دِمَائِهِمْ.
وَأَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ وَلَا تَنْهَضُ فِي إبَاحَةِ نِسَائِهِمْ وَحِلِّ ذَبَائِحِهِمْ (وَ) (كَالصَّابِئِينَ وَهُمْ جِنْسٌ مِنْ النَّصَارَى نَصًّا) وَعَنْهُ أَنَّهُمْ يَسْبِتُونَ وَرَوَى عَنْ عُمَرَ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ.
وَقَالَ مُجَاهِدُ: هُمْ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَرُوِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْفَلَكَ حَيٌّ نَاطِقٌ، وَأَنَّ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ آلِهَةٌ وَحِينَئِذٍ فَهُمْ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ (وَمَنْ عَدَاهُمْ) أَيْ: عَدَا أَهْلَ الْكِتَابِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي التَّدَيُّنِ بِالْكِتَابَيْنِ وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ كَالْمَجُوسِ (فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ) لِحَدِيثِ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» خَصَّ مِنْهُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ لِمَا تَقَدَّمَ وَبَقِيَ مَنْ عَدَاهُمْ عَلَى الْأَصْلِ فَأَمَّا أَهْلُ صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ أُولَئِكَ وَلِأَنَّ هَذِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَرَائِعُ إنَّمَا هِيَ مَوَاعِظُ وَأَمْثَالٌ كَذَلِكَ وَصَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُحُفَ إبْرَاهِيمَ وَزَبُورَ دَاوُد فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ.
(وَإِذَا عَقَدَ الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ (الذِّمَّةَ لِكُفَّارٍ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ يَقِينًا أَنَّهُمْ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ) أَوْ نَحْوُهُمْ (فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ) لِفَوَاتِ شَرْطِهِ.
(وَمَنْ انْتَقَلَ إلَى أَحَدِ الْأَدْيَانِ الثَّلَاثَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا بِأَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ أَوْ تَمَجَّسَ قَبْلَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ بَعْدَ التَّبْدِيلِ فَلَهُ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ إقْرَارِهِ بِالْجِزْيَةِ وَغَيْرِهِ) كَحِلِّ ذَبِيحَتِهِ وَمُنَاكَحَتِهِ إذَا تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ.
(وَكَذَا) مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ أَوْ تَمَجَّسَ (بَعْدَ بَعْثَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْبَلُهَا مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ لَسَأَلَ عَنْهُ وَلَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ.
(وَكَذَا مَنْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا) كَمَنْ وُلِدَ بَيْنَ مَجُوسِيٍّ وَوَثَنِيَّةٍ (إذَا اخْتَارَ دِينَ مَنْ يُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ) فَتُقْبَلُ مِنْهُ لِعُمُومِ النَّصِّ فِيهِمْ وَلِأَنَّهُ اخْتَارَ أَفْضَلَ الدِّينَيْنِ، وَأَقَلَّهُمَا كُفْرًا (وَيَأْتِي إذَا انْتَقَلَ أَحَدُ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الثَّلَاثَةِ إلَى غَيْرِ دِينِهِ) فِي الْبَابِ مُفَصَّلًا " تَتِمَّةٌ " فِي تَسْمِيَةِ الْيَهُودِ بِذَلِكَ أَقْوَالٌ إمَّا لِأَنَّهُمْ هَادُوا عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ أَيْ: تَابُوا أَوْ لِأَنَّهُمْ مَالُوا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَهَوَّدُونَ عِنْدَ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ أَيْ: يَتَحَرَّكُونَ أَوْ لِنِسْبَتِهِمْ إلَى يَهُودِ بْنِ يَعْقُوبَ بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ عُرِّبَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنَّصَارَى وَاحِدُهُمْ نَصْرَانِيٌّ وَالْأُنْثَى نَصْرَانِيَّةٌ نِسْبَةً إلَى قَرْيَةٍ بِالشَّامِّ يُقَالُ لَهَا نَصْرَانُ وَنَاصِرَةٌ.
[فَصْلٌ أَخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ]
فَصْلٌ (وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ) بْنِ وَائِلٍ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نَذَارٍ فَإِنَّهُمْ انْتَقَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ فَدَعَاهُمْ عُمَرُ إلَى بَذْلِ الْجِزْيَةِ فَأَبَوْا وَأَنِفُوا وَقَالُوا نَحْنُ عَرَبٌ خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ: لَا آخُذُ مِنْ مُشْرِكٍ صَدَقَةً فَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالرُّومِ فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ الْقَوْمَ لَهُمْ بَأْسٌ وَشِدَّةٌ وَهُمْ عَرَبٌ يَأْنَفُونَ مِنْ الْجِزْيَةِ فَلَا تُعِنْ عَلَيْكَ عَدُوَّكَ بِهِمْ وَخُذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ فَبَعَثَ عُمَرُ فِي طَلَبِهِمْ وَرَدِّهِمْ، وَضَعَّفَ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةَ.
(وَلَوْ بَذَلُوهَا) أَيْ: الْجِزْيَةَ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ وَقَدْ عَقَدَهُ مَعَهُمْ عُمَرُ هَكَذَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ (بَلْ) تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ (مِنْ حَرْبِيٍّ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ بَنِي تَغْلِبَ (لَمْ يَدْخُلْ فِي الصُّلْحِ إذَا بَذَ لَهَا) قَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَقْضٌ لِفِعْلِ عُمَرَ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيهِ.
(وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ نَقْضُ عَهْدِهِمْ) أَيْ: بَنِي تَغْلِبَ (وَتَجْدِيدُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ وَقَدْ عَقَدَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَكَذَا فَلَا يُغَيِّرُهُ إلَى الْجِزْيَةِ) أَحَدٌ (وَإِنْ سَأَلُوهُ) ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَنْقُضُ الِاجْتِهَادَ.
(وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ بَنِي تَغْلِبَ (عِوَضَهَا) أَيْ: الْجِزْيَةَ (مِنْ مَاشِيَةٍ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ مِثْلَيْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّ تَمَامَ حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ ضَعَّفَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبِلِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاتَانِ، وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعَانِ وَفِي كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ وَفِي كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشْرَةٌ وَفِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْخُمُسُ وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْخٍ أَوْ دُولَابٍ الْعُشْرُ وَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ وَيُؤْخَذُ عِوَضُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مِثْلَيْ زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ (حَتَّى مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ جِزْيَةٌ فَيُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِغَارِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ وَزَمِنَاهُمْ وَمَكَافِيفِهِمْ) أَيْ: الْعُمْيِ مِنْهُمْ (وَشُيُوخِهِمْ وَنَحْوِهِمْ) ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا بِالْأَنْفُسِ سَقْطٌ وَانْتَقَلَ إلَى الْأَمْوَالِ بِتَقْدِيرِهِمْ فَتُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ مَالٍ زَكَوِيٍّ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهُ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلِأَنَّ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ صِينُوا عَنْ السَّبْيِ بِهَذَا الصُّلْحِ وَدَخَلُوا فِي حُكْمِهِ فَجَازَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْوَاجِبِ بِهِ كَالرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ (وَ) لِهَذَا (لَا تُؤْخَذُ مِنْ فَقِيرٍ) وَلَوْ مُعْتَمَلًا (وَلَا مِمَّنْ لَهُ مَالٌ دُونَ نِصَابٍ أَوْ) لَهُ مَالٌ (غَيْرُ زَكَوِيٍّ) كَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وَنَحْوِهِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ وَيَكْتَفِي بِمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ
بِاسْمِ الزَّكَاةِ (وَلَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَحَدِهِمْ أَقَلَّ مِنْ جِزْيَةِ ذِمِّيٍّ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَيَلْحَقُ بِهِمْ) أَيْ: بِبَنِي تَغْلِبَ (كُلُّ مَنْ أَبَاهَا) أَيْ: الْجِزْيَةَ (إلَّا بِاسْمِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْعَرَبِ وَخِيفَ مِنْهُمْ الضَّرَرُ كَمَنْ تَنَصَّرَ مِنْ تَنُوخِ) قَبِيلَةٌ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فَأَقَامُوا فِي مَوَاضِعِهِمْ يُقَالُ تَنَخَ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ.
(وَبَهْرَاءَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ وِزَانُ حَمْرَاءَ قَبِيلَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ قَالَهُ فِي حَاشِيَتَيْهِ (أَوْ تَهَوَّدَ مِنْ كِنَانَةَ) بِكَسْرِ الْكَافِ (وَحِمْيَرَ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (أَوْ تَمَجَّسَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) وَمُضَرَ لِأَنَّهُمْ مِنْ الْعَرَبِ أَشْبَهُوا بَنِي تَغْلِبَ (وَمَصْرِفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كَجِزْيَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُشْرِكٍ فَكَانَ جِزْيَةً وَغَايَتُهُ أَنَّهُ جِزْيَةٌ مُسَمَّاةٌ بِالصَّدَقَةِ وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ هَؤُلَاءِ حَمْقَاءُ رَضُوا بِالْمَعْنَى وَأَبَوْا عَنْ الِاسْمِ.
(وَلَا جِزْيَةَ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ إذَا أُسِرَ) ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ مُمْتَنِعٌ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْجِزْيَةَ بَدَلٌ عَنْ قَتْلِهِمْ وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ " أَنْ اضْرِبُوا الْجِزْيَةَ وَلَا تَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ (فَلَا تَجِبُ) الْجِزْيَةُ (عَلَى صَغِيرٍ وَلَا امْرَأَةٍ) لِمَا مَرَّ.
(وَلَا) عَلَى (خُنْثَى) مُشْكَلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجْلًا (فَإِنْ بَانَ) الْخُنْثَى (رَجُلًا أُخِذَ مِنْهُ لِلْمُسْتَقْبِلِ فَقَطْ) أَيْ: دُونَ الْمَاضِي (وَلَا) جِزْيَةَ (عَلَى مَجْنُونٍ وَلَا زَمِنٍ وَلَا أَعْمَى وَلَا شَيْخٍ فَانٍ وَلَا رَاهِبٍ بِصَوْمَعَةٍ، وَهُوَ الَّذِي حَبَسَ نَفْسَهُ وَتَخَلَّى عَنْ النَّاسِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ) لِأَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (وَلَا يَبْقَى بِيَدِهِ) أَيْ: الرَّاهِبِ بِصَوْمَعَةٍ (مَالٌ إلَّا بَلَغَتْهُ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ مَا بِيَدِهِ) زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ.
(وَأَمَّا الرُّهْبَانُ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ وَيَتَّخِذُونَ الْمَتَاجِرَ وَالْمَزَارِعَ فَحُكْمُهُمْ كَسَائِرِ النَّصَارَى تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ قَالَهُ الشَّيْخُ وَتُؤْخَذُ) الْجِزْيَةُ (مِنْ الشَّمَّاسِ كَغَيْرِهِ) لِعَدَمِ الْفَرْقِ.
(وَلَا) جِزْيَةَ (عَلَى عَبْدٍ وَلَوْ لِكَافِرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا جِزْيَةَ عَلَى عَبْدٍ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ وَلِأَنَّهُ مَالٌ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ.
(بَلْ) تَجِبُ الْجِزْيَةُ (عَلَى مُعْتَقٍ ذِمِّيٍّ) لِمَا يُسْتَقْبَلُ (وَلَوْ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ) ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُكَلَّفٌ مُوسِرٌ مِنْ أَهْلِ الْقَتْلِ، فَلَمْ يُقَرَّ فِي دَارِنَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ كَحُرِّ الْأَصْلِ.
(وَ) تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَى (مُعْتَقٍ بَعْضُهُ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَجَزَّأُ يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَيَقْسِمُ عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْهُمَا كَالْإِرْثِ.
(وَلَا) تَجِبُ الْجِزْيَةُ (عَلَى فَقِيرٍ يَعْجَزُ عَنْهَا غَيْرُ مُعْتَمَلٍ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ: جَعَلَ أَدْنَاهَا عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمَلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَمَلِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
(فَإِنْ كَانَ) الْفَقِيرُ (مُعْتَمَلًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ) الْجِزْيَةُ لِمَا سَبَقَ.
(وَمَنْ بَلَغَ أَوْ أَفَاقَ أَوْ اسْتَغْنَى مِمَّنْ تُعْقَدُ لَهُ الْجِزْيَةُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ) لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ تَجْدِيدَهُ لِمَنْ ذُكِرَ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ مَعَ سَادَتِهِمْ، فَيَدْخُلُ فِيهِ سَائِرُهُمْ.
(وَتُؤْخَذُ) مِنْهُ الْجِزْيَةُ (فِي آخِرِ الْحَوْلِ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَ) مِنْهُ فَإِنْ كَانَ فِي نِصْفِهِ فَنِصْفُهَا، وَلَا يُتْرَكُ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلٌ مِنْ حِينِ وَجَدَ سَبَبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إفْرَادِهِ بِحَوْلٍ وَضَبْطُ كُلِّ إنْسَانٍ بِحَوْلٍ يَشُقُّ وَيَتَعَذَّرُ وَمِثْلُهُمْ مَنْ عَتَقَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ.
(وَمَنْ كَانَ) مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ (يُجَنُّ) تَارَةً (وَيُفِيقُ) أُخْرَى (لُفِّقَتْ إفَاقَتُهُ فَإِذَا بَلَغَتْ) إفَاقَتُهُ (حَوْلًا أُخِذَتْ مِنْهُ) الْجِزْيَةُ؛ لِأَنَّ حَوْلَهُ لَا يَكْمُلُ إلَّا حِينَئِذٍ.
(وَإِنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ نِسَاءٌ أَوْ مَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ) كَالْأَعْمَى وَالشُّيُوخِ (فَطَلَبُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ أُجِيبُوا إلَيْهَا) فَيُعْقَدُ لَهُمْ الْأَمَانُ (وَإِنْ طَلَبُوا عَقْدَهَا) أَيْ: الذِّمَّةِ (بِجِزْيَةٍ أُخْبِرُوا أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ) لِيَنْكَشِفَ لَهُمْ الْأَمْرُ (وَإِنْ تَبَرَّعُوا بِهَا، كَانَتْ هِبَةً) لَا جِزْيَةً فَلَا تَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَ (مَتَى امْتَنَعُوا مِنْهَا لَمْ يُجْبَرُوا) عَلَيْهَا لِعَدَمِ اللُّزُومِ.
(وَإِنْ بَذَلَتْهَا) أَيْ: الْجِزْيَةَ (امْرَأَةٌ لِدُخُولِ دَارِنَا مُكِّنَتْ مَجَّانًا) أَيْ: بِلَا شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْطَتْ شَيْئًا رُدَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَدَّى شَيْئًا يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى آخِذِهِ لِفَسَادِ الْقَبْضِ (إلَّا إنْ تَتَبَرَّعَ بِهِ) أَيْ: بِمَا تَدْفَعُهُ (بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا) فَتَكُونُ هِبَةً لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ فَإِنْ شَرَطَتْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهَا ثُمَّ رَجَعَتْ فَلَهَا ذَلِكَ (لَكِنْ يَشْتَرِطُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَتْ دُخُولَ دَارِنَا (الْتِزَامَ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ) كَمَا يَشْتَرِطُهُ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ (وَيَعْقِدُ لَهَا الذِّمَّةَ) بَعْدَ إجَابَتِهَا لِذَلِكَ.
(وَمَرْجِعُ جِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ: إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَتَقَدَّمَ) فِي الْأَرَضِينَ الْمَغْنُومَةِ.
(وَعَنْهُ) يَرْجِعُ فِيهِمَا (إلَى مَا ضَرَبَهُ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (فَيَجِبُ أَنْ يَقْسِمَهُ) أَيْ: مَالَ الْجِزْيَةِ (الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ، فَيَجْعَلُ عَلَى الْمُوسِرِ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ) دِرْهَمًا.
(وَعَلَى الْأَدْوَنِ اثْنَا عَشْرَ) دِرْهَمًا لِفَعْلِ عُمَرَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ وَيُجَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» بِأَنَّ الْفَقْرَ كَانَ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ أَغْلَبُ لِذَلِكَ قِيلَ لِمُجَاهِدٍ مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ قَالَ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ " وَبِأَنَّ الْجِزْيَةَ يُرْجَعُ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ التَّقْدِيرُ
وَاجِبًا لِأَنَّهَا وَجَبَتْ صَغَارًا وَعُقُوبَةً فَاخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِهِمْ (وَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ) فِي الْجِزْيَةِ (عَنْ كُلِّ اثْنَيْ عَشْرَةَ دِرْهَمًا دِينَارًا) ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ لَهَا قِيمَةً بِحَسْبِ الزَّمَنِ الْأَوَّلِ.
(وَلَا يَتَعَيَّنُ أَخْذُهَا) أَيْ: الْجِزْيَةِ (مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ بَلْ كُلُّ الْأَمْتِعَةِ بِالْقِيمَةِ) لِحَدِيثِ مُعَاذٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ يَعْنِي مُحْتَلِمًا - دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مِنْ الْمَعَافِرِ - ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
(وَيَجُوزُ أَخْذُ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَنْ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ إذَا تَوَلَّوْا بَيْعَهَا وَقَبَضُوهُ) أَيْ: الثَّمَنَ،؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي نُقِرُّهُمْ عَلَى اقْتِنَائِهَا كَثِيَابِهِمْ قَالَ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ قُلْت: وَلَوْ بَذَلُوهَا فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ إجَارَةٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ بَدَلِ مُتْلَفٍ جَازَ لِلْمُسْلِمِ أَخْذُهَا وَطَابَتْ لَهُ (وَالْغَنِيُّ فِيهِمْ مَنْ عَدَّهُ النَّاسُ غَنِيًّا عُرْفًا) ؛ لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَلَا تَوْقِيفَ هُنَا فَوَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ، وَالْحِرْزِ.
(وَمَتَى بَذَلُوا الْوَاجِبَ) عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ (لَزِمَ قَبُولُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ «اُدْعُهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ» . (وَدَفَعَ مَنْ قَصَدَهُمْ بِأَذًى فِي دَارِنَا) وَلَوْ كَانُوا مُنْفَرِدِينَ بِبَلَدٍ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَالْمُنْفَرِدُونَ بِبَلَدٍ مُتَّصِلٍ بِبَلَدِنَا يَجِبُ ذَبُّ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ عَلَى الْأَشْبَهِ، وَلَوْ شَرَطْنَا أَنْ لَا نَذُبَّ عَنْهُمْ لَمْ يَصِحَّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ فَإِنْ كَانُوا بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَلْزَمْنَا الذَّبُّ عَنْهُمْ (وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ وَأَخْذُ مَالِهِمْ) بَعْدَ إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِقِتَالِهِمْ.
(وَمَنْ أَسْلَمَ) مِنْهُمْ (بَعْدَ الْحَوْلِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ سَبَبُهَا الْكُفْرُ فَسَقَطَتْ بِالْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ إسْلَامُهُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ لَمْ تُؤْخَذْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَ (لَا) الْجِزْيَةُ (إنْ مَاتَ) الذِّمِّيُّ بَعْدَ الْحَوْلِ (أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ مَانِعٌ مِنْ جُنُونٍ وَنَحْوِهِ) كَعَمًى (فَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَةِ مَيِّتٍ وَمِنْ مَالِ حَيٍّ) لِأَنَّهَا دَيْنٌ فَلَمْ تَسْقُطْ بِذَلِكَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ (وَإِنْ طَرَأَ الْمَانِعُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ كَمَوْتٍ سَقَطَتْ) ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَجِبُ وَلَا تُؤْخَذُ قَبْلَ كَمَالِ حَوْلِهَا.
(وَمَنْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ سِنِينَ اُسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا وَلَمْ تَتَدَاخَلْ) كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ يَجِبُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ فَلَمْ تَتَدَاخَلْ كَالدِّيَةِ.
(وَتُؤْخَذُ)
الْجِزْيَةُ (كُلَّ سَنَةٍ هِلَالِيَّةٍ مَرَّةً) وَاحِدَةً (بَعْدَ انْقِضَائِهَا) أَيْ: السَّنَةِ لِأَنَّهَا مَالٌ يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ الْحَوْلِ فَلَمْ تُؤْخَذْ قَبْلَهُ كَالزَّكَاةِ.
(وَلَا تَجُوزُ مُطَالَبَتُهُ بِهَا عَقِبَ عَقْدِ الذِّمَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَرْطُ تَعْجِيلِهَا، وَلَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ قَالَ الْأَصْحَابُ: لِأَنَّا لَا نَأْمَنُ نَقْضَ أَمَانِهِ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْعِوَضِ.
(وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أَخْذِهَا) أَيْ: الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ (وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ عِنْدَ أَخْذِهَا وَيُطَالُ قِيَامُهُمْ حَتَّى يَأْلَمُوا وَيُتْعَبُوا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَهُمْ قِيَامٌ وَالْآخِذُ) لِلْجِزْيَةِ (جَالِسٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مُسْتَحَقَّةٌ.
(وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إرْسَالُهَا) أَيْ: الْجِزْيَةِ (مَعَ غَيْرِهِمْ لِزَوَالِ الصَّغَارِ كَمَا لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا بِنَفْسِهِ بَلْ يُحْضَرُ الذِّمِّيُّ بِنَفْسِهِ لِيُؤَدِّيَهَا وَهُوَ قَائِمٌ) صَاغِرٌ (وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَوَكَّلَ لَهُمْ فِي أَدَائِهَا، وَلَا أَنْ يَضْمَنَهَا، وَلَا أَنْ يُحِيلَ الذِّمِّيَّ عَلَيْهِ بِهَا) لِفَوَاتِ الصَّغَارِ.
(وَلَا يُعَذَّبُونَ) أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ (فِي أَخْذِهَا) أَيْ: الْجِزْيَةِ (وَلَا يُشْتَطُّ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَا يُتَسَطَّطُ (عَلَيْهِمْ) لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ " أَنَّ عُمَرَ أَتَى بِمَالٍ كَثِيرٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَحْسَبُهُ الْجِزْيَةَ فَقَالَ: إنِّي لَأَظُنُّكُمْ قَدْ أَهْلَكْتُمْ؟ قَالُوا وَاَللَّهِ مَا أَخَذْنَا إلَّا عَفْوًا صَفْوًا قَالَ بِلَا سَوْطٍ وَلَا نَوْطٍ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ عَلَى يَدَيَّ وَلَا فِي سُلْطَانِي ".
[فَصْلٌ يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ]
فَصْلٌ (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِمْ) فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ (مَعَ الْجِزْيَةِ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُجَاهِدِينَ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى الرَّاعِي وَعَلْفِ دَوَابِّهِمْ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرَبَ عَلَى نَصَارَى أَيْلَةَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ نَفْسٍ وَأَنْ يُضِيفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَعَلْفَ دَوَابِّهِمْ، وَمَا يُصْلِحُهُمْ " وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ " أَنَّ عُمَرَ شَرَطَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ضِيَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَنْ يُصْلِحُوا الْقَنَاطِرَ، وَإِنْ قُتِلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
بِأَرْضِهِمْ فَعَلَيْهِمْ دِيَتُهُ " (وَيُبَيِّنُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لَهُمْ (أَيَّامَ الضِّيَافَةِ، وَالْإِدَامُ وَالْعَلْفَ، وَعَدَدَ مَنْ يُضَافُ مِنْ الرَّجَّالَةِ وَالْفُرْسَانِ وَالْمَنْزِلِ فَيَقُولُ: تُضَيِّفُونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ يَوْمٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ عَشْرَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ خُبْزِ كَذَا وَكَذَا) وَمِنْ الْأُدْمِ كَذَا (وَلِلْفَرَسِ مِنْ الشَّعِيرِ كَذَا، وَمِنْ التِّبْنِ كَذَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْجِزْيَةِ، فَاعْتُبِرَ الْعِلْمُ بِهِ كَالنُّقُودِ.
قَالَهُ الْقَاضِي (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ) مِنْ الضِّيَافَةِ كَمَا فِي الْجِزْيَةِ (فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ جِزْيَتِهِمْ) قَطَعَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَحَكَاهُ فِي الْإِنْصَافِ قَوْلًا عَنْ الرِّعَايَةِ، مُقَابِلًا لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ يُبَيِّنُ مَا عَلَى الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ (فَإِنْ شَرَطَ الضِّيَافَةَ مُطْلَقًا قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ: صَحَّ) وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ، وَقَالَ " أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ " " تَنْبِيهٌ " فِي عَزْوِهِ ذَلِكَ لِلْفُرُوعِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ فِيهِ الْخِلَافَ.
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النُّسَخَ مُخْتَلِفَةٌ (وَتَكُونُ مُدَّتُهَا) أَيْ: الضِّيَافَةِ (يَوْمًا وَلَيْلَةً) قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَاجِبُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ كَالْمُسْلِمِينَ وَلَا يُكَلَّفُونَ إلَّا مِنْ طَعَامِهِمْ وَإِدَامِهِمْ.
(وَلَا تَجِبُ) الضِّيَافَةُ (مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ) لِأَنَّهَا مَالٌ فَلَا يَلْزَمُهُمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ كَالْجِزْيَةِ (فَلَا يُكَلَّفُونَ الضِّيَافَةُ) (مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ) وَلَا (يُكَلَّفُونَ الذَّبِيحَةَ) وَإِنْ شُرِطَتْ عَلَيْهِمْ الضِّيَافَةُ (وَلَا) يُكَلَّفُونَ (أَنْ يُضَيِّفُونَا بِأَرْفَعَ مِنْ طَعَامِهِمْ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ " أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ".
(وَلِلْمُسْلِمِينَ النُّزُولُ فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ) فَإِنَّ عُمَرَ صَالَحَ أَهْلَ الشَّامِ عَلَى أَنْ يُوَسِّعُوا أَبْوَابَ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ لِمَنْ يَجْتَازُ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيَدْخُلُوهَا رُكْبَانًا (فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا) أَيْ: الْمُسْلِمُونَ (مَكَانًا فَلَهُمْ النُّزُولُ فِي الْأَفْنِيَةِ وَفُضُولِ الْمَنَازِلِ وَلَيْسَ لَهُمْ تَحْوِيلُ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ الضِّيَافَةَ فَامْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِهَا لَمْ يَعْقِدْ لَهُمْ الذِّمَّةَ (فَإِنْ) قَبِلُوا وَ (امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ) كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ (فَإِنْ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ) مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ (أُجْبِرُوا) عَلَى الْقِيَامِ بِهِ لِوُجُوبِهِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) إجْبَارُهُمْ (إلَّا بِالْقِتَالِ قُوتِلُوا) عَلَيْهِ (فَإِنْ قَاتَلُوا انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ) بِالْقِتَالِ.
(فَإِنْ جَعَلَ الضِّيَافَةَ مَكَانَ الْجِزْيَةِ صَحَّ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ لِرَاهِبٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ " إنَّنِي إنْ وُلِّيتُ هَذِهِ الْأَرْضَ أَسْقَطْتُ عَنْك خَرَاجَكَ فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الْجَابِيَةَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ جَاءَ بِهِ وَقَالَ إنَّنِي جَعَلْتُ لَكَ مَا لَيْسَ لِي،
وَلَكِنْ اخْتَرْ إنْ شِئْتَ أَدِّ الْخَرَاجَ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُضَيِّفَ الْمُسْلِمِينَ فَاخْتَارَ الضِّيَافَةَ " لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الضِّيَافَةُ يَبْلُغُ قَدْرُهَا مَا يُقَابِلُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ قَدْرُهَا أَقَلَّ الْجِزْيَةِ إذَا قُلْنَا هِيَ مُقَدَّرَةٌ لِئَلَّا يَنْقُصَ خَرَاجُهُ مِنْ أَقَلِّهَا اهـ وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إذْ الْأَصَحُّ أَنَّهَا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
(وَإِذَا شَرَطَ فِي) عَقْدِ (الذِّمَّةِ شَرْطًا فَاسِدًا مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ أَوْ) يَشْتَرِطَ (إظْهَارَهُمْ الْمُنْكَرَ أَوْ إسْكَانَهُمْ الْحِجَازَ وَنَحْوَهُ فَسَدَ الْعَقْدُ) لِفَسَادِ الشَّرْطِ وَصَحَّحَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: أَنَّهُ يَفْسُدُ الشَّرْطُ دُونَ الْعَقْدِ ذَكَرَهُ فِي الْهُدْنَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى هُنَاكَ.
(وَإِذَا تَوَلَّى إمَامٌ فَعَرَفَ قَدْرَ جِزْيَتِهِمْ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَ) قَدْرُ جِزْيَتِهِمْ (ظَاهِرًا أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ أَقَرُّوهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدُوا لِمَنْ كَانَ فِي زَمَنِهِمْ عَقَدًا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ أَوْ عَقْدٌ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا يُنْقَضُ.
(وَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْهُ) أَيْ: مَا عَلَيْهِمْ (رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمْ فِيمَا يَسُوغُ أَنْ يَكُونَ جِزْيَةً) لِإِنْكَارِهِمْ مَا زَادَ (وَلَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (تَحْلِيفُهُمْ مَعَ التُّهْمَةِ) أَيْ: اتِّهَامِهِ إيَّاهُمْ فِيمَا يَذْكُرُونَهُ (فَإِنْ بَانَ لَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (كَذِبُهُمْ) وَأَنَّهُمْ أَخْبَرُوهُ بِنَقْصٍ عَمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ لِمَنْ قَبْلَهُ (رَجَعَ عَلَيْهِمْ) بِمَا بَقِيَ لِبَقَائِهِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ قَالُوا كُنَّا نُؤَدِّي كَذَا جِزْيَةٍ وَكَذَا هَدِيَّةٍ اسْتَحْلَفَهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِيمَا يَدْفَعُونَهُ أَنَّهُ كُلَّهُ جِزْيَةٌ وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ كُنَّا نُؤَدِّي دِينَارًا، وَبَعْضُهُمْ كُنَّا نُؤَدِّي دِينَارَيْنِ، أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَلَا يَقْبَلُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّ أَقْوَالَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
(وَإِذَا عَقَدَ الْإِمَامُ الذِّمَّةَ كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ) فَيُكْتَبُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ.
(وَ) كَتَبَ (حِلَاهُمْ) جَمْعُ حِلْيَةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، فَيُكْتَبُ طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ، أَوْ رَبْعَةٌ أَسْمَرُ أَوْ أَخْضَرُ أَوْ أَبْيَضُ مَقْرُونُ الْحَاجِبَيْنِ أَوْ مَفْرُوقُهُمَا أَدْعَجُ الْعَيْنِ، أَقْنَى الْأَنْفِ أَوْ ضِدُّهُمَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِهِ.
(وَ) كَتَبَ (دِينَهُمْ) فَيَقُولُ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ مَجُوسِيٌّ (وَجَعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَرِيفًا) وَهُوَ الْقَيِّمُ بِأُمُورِ الْقَبِيلَةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ «الْعِرَافَةُ حَقٌّ» (مُسْلِمًا) لِيُقْبَلَ خَبَرُهُ وَيَجْمَعُهُمْ عِنْدَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَ (يَكْشِفَ حَالَ مَنْ بَلَغَ أَوْ اسْتَغْنَى أَوْ أَسْلَمَ أَوْ سَافَرَ وَنَحْوَهُ) كَمَنْ عَتَقَ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ، أَوْ أَفَاقَ مِنْ مَجَانِينِهِمْ لِيَتَعَرَّفَ أَمْرَ الْجِزْيَةِ (أَوْ نَقْضَ الْعَهْدِ أَوْ خَرَقَ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ)
لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ.
(وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنَّ مَعَهُمْ كِتَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ لَا يَصِحُّ) وَسُئِلَ ابْنُ شُرَيْحٍ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرُوِيَ: أَنَّهُمْ طُولِبُوا بِذَلِكَ فَأَخْرَجُوا كِتَابًا ذَكَرُوا فِيهِ أَنَّهُ بِخَطِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَتَبَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَنَّ فِيهِ: شَهَادَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمُعَاوِيَةَ فَوُجِدَ تَارِيخُهُ بَعْدَ مَوْتِ سَعْدٍ وَقَبْلَ إسْلَامِ مُعَاوِيَةَ فَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى بُطْلَانِهِ.
(وَمَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ لِتَكُونَ لَهُ حُجَّةً إذَا احْتَاجَ إلَيْهَا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ، بَلْ هُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِلَا بَيِّنَةٍ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ فِي (الْبَابِ بَعْدَهُ) .
[بَابُ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ]
ِ أَيْ: مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَوْ لَهُمْ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ مِمَّا يَقْتَضِيهِ عَقْدُهَا لَهُمْ (يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ) أَيْ: أَهْلَ الذِّمَّةِ (بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ) فَمَنْ قَتَلَ أَوْ قَطَعَ طَرَفًا أُخِذَ بِمُوجِبِ ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَالْمَالِ) فَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا لِغَيْرِهِ ضَمِنَهُ (وَالْعِرْضِ) فَمَنْ قَذَفَ إنْسَانًا أَوْ سَبَّهُ وَنَحْوَهُ أُقِيمَ عَلَيْهِ مَا يُقَامُ عَلَى الْمُسْلِمِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ نَقَضَ حُكْمَ مَا يُخَالِفُهُ.
(وَ) يَلْزَمُهُ (إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ كَزِنًا وَسَرِقَةٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ الْيَهُودِ زَنَيَا فَرَجْمَهُمَا» وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ فِي دِينِهِمْ وَقَدْ الْتَزَمُوا حُكْمَ الْإِسْلَامِ فَثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ كَالْمُسْلِمِ وَ (لَا) يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِمْ (فِيمَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ، كَشُرْبِ خَمْرٍ وَنِكَاحٍ مُحَرَّمٍ) وَأَكْلِ لَحْمِ خِنْزِيرٍ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ، وَلِأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ
عَلَى كُفْرِهِمْ، وَهُوَ أَعْظَمُ جُرْمًا، إلَّا أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لِتَأَذِّيهِمْ بِهِ (أَوْ يَرَوْنَ صِحَّتَهُ مِنْ الْعُقُودِ، وَلَوْ رَضُوا بِحُكْمِنَا) فَلَا نَعْرِضُ لَهُمْ فِيهِ، مَا لَمْ يَرْتَفِعُوا إلَيْنَا.
(قَالَ الشَّيْخُ وَالْيَهُودِيُّ إذَا تَزَوَّجَ بِنْتَ أَخِيهِ أَوْ) بِنْتِ أُخْتِهِ كَانَ وَلَدُهُ مِنْهَا - (يَلْحَقُهُ وَيَرِثُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ هَذَا النِّكَاحُ بَاطِلًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ:؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ لِاعْتِقَادِهِمْ حِلَّهُ.
(وَيَلْزَمُهُمْ التَّمْيِيزُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَشْتَرِطُهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ) لِاشْتِرَاطِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ذَلِكَ حَيْثُ قَالُوا: " وَأَنْ نَلْزَمَ زِيَّنَا حَيْثُمَا كُنَّا، وَأَنْ لَا نَتَشَبَّهَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي لُبْسِ قَلَنْسُوَةٍ، وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا نَعْلَيْنِ، وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ إلَخْ وَكَتَبُوا بِهِ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ فَكَتَبَ بِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ عُمَرُ " أَنْ امْضِ لَهُمْ مَا سَأَلُوهُ " الْخَبَرُ مُطَوَّلًا رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَيَكُونُ التَّمْيِيزُ فِي أُمُورٍ مِنْهَا (فِي شُعُورِهِمْ بِحَذْفِ) أَيْ: حَلْقِ (مَقَادِمِ رُءُوسِهِمْ، بِأَنْ يَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ) وَهِيَ مِقْدَارُ رُبُعِ الرَّأْسِ (وَلَا يَتَّخِذُونَ شَرَابَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ الْأَشْرَافِ) فَيُمْنَعُونَ مِنْهُ.
(وَ) يَلْزَمُهُمْ التَّمَيُّزُ أَيْضًا فِي شُعُورِهِمْ (بِتَرْكِ الْفَرْقِ) وَهُوَ قَسْمُ شَعْرِ الرَّأْسِ نِصْفَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ وَجَعْلُهُ ذُؤَابَتَيْنِ (فَلَا يَفْرِقُ) الذِّمِّيُّ (شَعْرَ جُمَّتِهِ) أَيْ: رَأْسِهِ (فِرْقَتَيْنِ كَمَا تَفْرُقُ النِّسَاءُ) ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ تَكُونُ شُعُورُ رُءُوسِهِمْ جُمَّةً لِمَا تَقَدَّمَ (وَكُنَاهُمْ فَلَا يَكْتَنُونَ بِكُنَى الْمُسْلِمِينَ كَأَبِي الْقَاسِمِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ وَأَبِي الْحَسَنِ وَأَبِي بَكْرٍ وَنَحْوِهَا) مِمَّا هُوَ فِي الْغَالِبِ فِي الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِمْ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ " وَلَا نَكْتَنِي بِكُنَاهُمْ " (وَكَذَا اللَّقَبُ) أَيْ: يُمْنَعُونَ مِنْ أَلْقَابِ الْمُسْلِمِينَ (كَعِزِّ الدِّينِ وَنَحْوِهِ) كَزَيْنِ الدِّينِ.
(وَلَا يُمْنَعُونَ الْكُنَى بِالْكُلِّيَّةِ) قَالَ أَحْمَدُ لِطَبِيبٍ نَصْرَانِيٍّ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ وَاحْتَجَّ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِ عُمَرَ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا بَأْسَ بِهِ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَسْقُفِ نَجْرَانَ يَا أَبَا الْحَارِثِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ» وَعُمَرُ قَالَ لِنَصْرَانِيٍّ: يَا أَبَا حَسَّانَ.
وَفِي الْفُرُوعِ يَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَجُوزُ لِلْمَصْلَحَةِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَلَيْهِ.
(وَيَلْزَمُهُمْ الِانْقِيَادُ لِحُكْمِنَا إذَا جَرَى عَلَيْهِمْ) وَلَوْ اعْتَقَدُوا خِلَافَهُ لِنَسْخِ الْإِسْلَامِ سَائِرَ الشَّرَائِعِ، وَالْتِزَامِهِمْ ذَلِكَ بِالْعَقْدِ، إذْ شَرْطُهُ الْتِزَامُ حُكْمِنَا كَمَا سَبَقَ.
(وَلَهُمْ رُكُوبُ غَيْرِ خَيْلٍ) يَدْخُلُ فِيهِ: الْبِغَالُ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ قُلْتُ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: إذَا لَمْ تُرَدْ لِلْغَزْوِ؛ لِأَنَّهَا إذَنْ كَالْخَيْلِ وَالْمَقْصُودُ