صفحات 475-514
وَقْتِهِ وَلَوْ كَانَ النَّذْرُ بِإِذْنِهِ أَوْ كَانَ نَذْرُهَا قَبْلَ النِّكَاحِ وَصَامَتْهُ (فِي وَقْتِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَى زَوْجِهَا حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِاخْتِيَارِهَا، وَلِأَنَّ النَّذْرَ صَدَرَ مِنْ جِهَتِهَا بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (فِي نُشُوزِهَا بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِالتَّسْلِيمِ أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَوْ) فِي (تَسْلِيمِ النَّفَقَةِ إلَيْهَا فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ الْقَيِّمِ فِي النَّفَقَةِ قَوْلَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الْعُرْفُ، لِأَنَّهُ يُعَارِضُ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تَكُونُ رَاضِيَةً وَإِنَّمَا تُطَالِبُهُ عِنْدَ الشِّقَاقِ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ) الزَّوْجَةُ (يَسَارَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (لِيَفْرِضَ) الْحَاكِمُ (لَهَا نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ، أَوْ قَالَتْ) لِزَوْجِهَا (كُنْتَ مُوسِرًا) فَيَلْزَمُكَ لِمَا مَضَى نَفَقَة الْمُوسِرِينَ (فَأَنْكَر) الزَّوْج الْيَسَارَ (فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فَقَوْلُهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ وَلَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِالْمَلَاءَةِ (فَقَوْلُهُ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (فِي بَذْلِهِ التَّسْلِيمَ) بِأَنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا بَذَلَتْ التَّسْلِيمَ وَأَنْكَرَ فَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي وَقْتِهِ) بِأَنْ قَالَتْ بَذَلْتُ التَّسْلِيمَ مِنْ سَنَةٍ فَقَالَ بَلْ مِنْ شَهْرٍ فَقَوْلُهُ.
(أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي فَرْضِ الْحَاكِمِ) النَّفَقَةَ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي وَقْتِهَا فَقَالَ) الزَّوْجُ (فَرَضَهَا) الْحَاكِمُ (مُنْذُ شَهْرٍ وَقَالَتْ) الزَّوْجَةُ (بَلْ مُنْذُ عَامٍ فَقَوْلُهُ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزَّائِدِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ (وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ فَلِخَصْمِهِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ خَصْمِهِ.
(وَإِنْ دَفَعَ) الزَّوْجُ (إلَيْهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (نَفَقَةً وَكُسْوَةً أَوْ بَعَثَ بِذَلِكَ إلَيْهَا فَقَالَتْ) لِلزَّوْجِ (إنَّمَا فَعَلْتَهُ تَبَرُّعًا وَهِبَةً فَقَالَ) الزَّوْجُ (بَلْ وَفَاءً لِلْوَاجِبِ) عَلَيَّ (فَقَوْلُهُ) لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي نِيَّتِهِ وَهُوَ أَدْرَى بِهَا (كَمَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ وَاخْتَلَفَ هُوَ وَغَرِيمُهُ فِي نِيَّتِهِ) فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَدِينِ.
(وَإِنْ دَفَعَ) الزَّوْجُ (إلَيْهَا شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْكُسْوَةِ مِثْلَ مَصَاغٍ وَقَلَائِدَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ فَقَدْ مَلَكَتْهُ) بِقَبْضِهِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ (وَلَيْسَ لَهُ إذَا طَلَّقَهَا أَنْ يُطَالِبَهَا بِهِ) لِلُزُومِ الْهِبَةِ بِالْقَبْضِ (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (قَدْ أَعْطَاهَا) ذَلِكَ (لِلتَّجَمُّلِ بِهِ كَمَا يُرْكِبُهَا دَابَّتَهُ وَيَخْدُمُهَا غُلَامُهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ الْمُعَيَّنِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ بِشَيْءٍ يَقْتَضِيهِ (فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مَتَى شَاءَ سَوَاءٌ طَلَّقَهَا أَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا) الزَّوْجُ (وَكَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ حَامِلًا فَانْقَضَتْ عِدَّتُكِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَانْقَضَتْ نَفَقَتُكِ وَ) انْقَضَتْ (رَجْعَتُكِ فَقَالَتْ: بَلْ) طَلَّقْتَنِي (بَعْدَ الْوَضْعِ فَلِيَ النَّفَقَةُ وَلَكَ الرَّجْعَةُ) فَالْقَوْلُ (قَوْلُهَا) فِي بَقَاءِ النَّفَقَةِ اسْتِصْحَابًا
لِلْأَصْلِ (وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ) مُؤَاخَذَةً لَهَا بِإِقْرَارِهَا (وَلَا رَجْعَةَ لَهُ) عَلَيْهَا لِإِقْرَارِهِ بِسُقُوطِهَا (وَإِنْ رَجَعَ) الْمُطَلِّقُ (فَصَدَّقَهَا) أَنَّهُ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ (فَلَهُ الرَّجْعَةُ) مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةُ (وَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ: (طَلَّقْتُكِ بَعْدَ الْوَضْعِ فَلِيَ الرَّجْعَةُ وَلَكِ النَّفَقَةُ فَقَالَتْ: بَلْ) طَلَّقْتَنِي (وَأَنَا حَامِلٌ) فَلَا رَجْعَةُ لَكَ وَلَا نَفَقَةُ لِي (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) فِي سُقُوطِ النَّفَقَةِ لِاعْتِرَافِهَا عَلَى نَفْسِهَا قَالَ فِي الْمُنْتَهَى فِي الْعَدَدِ وَيُقْبَلُ قَوْلُ زَوْجٍ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ إلَّا بَعْدَ حَيْضٍ أَوْ وِلَادَةٍ أَوْ وَقْتِ كَذَا (وَإِنْ عَادَ) الزَّوْجُ (فَصَدَّقَهَا سَقَطَتْ رَجْعَتُهُ) لِاعْتِرَافِهِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْوَضْعِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الطَّلَاقِ (وَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ) لِاعْتِرَافِهِ بِبَقَائِهَا فِي الْعِدَّةِ (هَذَا) أَيْ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ (فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ وَ) أَمَّا (مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُبْنَى عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ دُونَ مَا قَالَهُ) فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ الْبَاطِنَةِ.
[فَصْلٌ وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا الْوَاجِبَةِ]
(فَصْلٌ وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا) الْوَاجِبَةِ (أَوْ) أَعْسَرَ الزَّوْجُ (بِبَعْضِهَا) أَيْ بَعْضِ النَّفَقَةِ بِأَنْ أَعْسَرَ (عَنْ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ) فَلَهَا الْفَسْخُ وَ (لَا) تَفْسَخُ إذَا أَعْسَرَ (بِمَا زَادَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَسْقُطُ بِإِعْسَارِهِ (أَوْ) أَعْسَرَ الزَّوْجُ (بِالْكُسْوَةِ أَوْ بِبَعْضِهَا أَوْ) أَعْسَرَ (بِالسُّكْنَى أَوْ) أَعْسَرَ (بِ) الْمَهْرِ (بِشَرْطِهِ وَتَقَدَّمَ) السَّابِقُ فِي آخِرِ الصَّدَاقِ (خُيِّرَتْ عَلَى التَّرَاخِي بَيْنَ الْفَسْخِ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارٍ) أَيْ تَأْجِيلِ ثَلَاثًا خِلَافًا لِابْنِ الْبَنَّاءِ (وَبَيْنَ الْمَقَامِ) مَعَهُ عَلَى النِّكَاحِ وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَلَيْسَ الْإِمْسَاكُ مَعَ تَرْكِ الْإِنْفَاقِ إمْسَاكًا بِمَعْرُوفٍ فَتَعَيَّنَ التَّسْرِيحُ «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَتُكَ تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَارِقْنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ " سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفَقُ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَالَ أَبُو الزِّنَادِ لِسَعِيدٍ: سَنَةً؟ قَالَ سَعِيدٌ سَنَةً " وَلِأَنَّ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنْ الْعَجْزِ بِالْوَطْءِ وَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ.
(وَ) إذَا اخْتَارَتْ الْمَقَامَ فَلَهَا (تَمْكِينُهُ وَتَكُونُ النَّفَقَةُ أَيْ
نَفَقَةُ الْفَقِيرِ وَالْكُسْوَةُ وَالْمَسْكَنُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ مَا لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ إذَا رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ حَقِّهَا فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا لَوْ رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ مَهْرِهَا (وَلَهَا الْمَقَامُ) عَلَى النِّكَاحِ (وَمَنْعُهُ مِنْ نَفْسِهَا فَلَا يَلْزَمُهَا تَمْكِينُهُ وَلَا الْإِقَامَةُ فِي مَنْزِلِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْبِسَهَا بَلْ يَدَعَهَا تَكْتَسِبُ وَلَوْ كَانَتْ مُوسِرَةً) لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهَا عِوَضَ الِاسْتِمْتَاعِ (فَإِنْ اخْتَارَتْ الْمَقَامَ) ثُمَّ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَلَهَا ذَلِكَ (أَوْ رَضِيَتْ بِعُسْرَتِهِ) ثُمَّ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَلَهَا ذَلِكَ (أَوْ تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِهِ) أَيْ بِأَنَّهُ مُعْسِرٌ وَفِي نُسْخَةٍ " بِهَا " أَيْ بِعُسْرَتِهِ بِالنَّفَقَةِ، ثُمَّ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَلَهَا ذَلِكَ (أَوْ) تَزَوَّجَتْهُ مُعْسِرًا أَوْ (شَرَطَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا، أَوْ أَسْقَطَتْ النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ، ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ فَلَهَا ذَلِكَ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَيَتَجَدَّدُ لَهَا الْفَسْخُ كَذَلِكَ.
وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُ نَفَقَتِهَا فِيمَا لَا يَجِبُ لَهَا كَالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَكَمَا لَوْ أَسْقَطَتْ الْمَهْرَ أَوْ النَّفَقَةَ قَبْلَ النِّكَاحِ.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا قُوتَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ فَلَيْسَ بِمُعْسِرٍ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ) وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (يَجِدُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَا يُغَدِّيهَا وَ) يَجِدُ (فِي آخِرِهِ مَا يُعَشِّيهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا وَالْكِفَايَةُ مَوْجُودَةٌ (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (صَانِعًا يَعْمَلُ فِي الْأُسْبُوعِ مَا يَبِيعُهُ فِي يَوْمٍ بِقَدْرِ كِفَايَتهَا فِي الْأُسْبُوعِ) فَلَا فَسْخَ لَهَا، لِحُصُولِ الْكِفَايَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهَا (أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (الْكَسْبُ فِي بَعْضِ زَمَانِهِ) فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ (أَوْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ (الْبَيْعُ) فَلَا فَسْخَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِرَاضُ (أَوْ مَرِضَ مَرَضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ أَوْ عَجَزَ عَنْ الِاقْتِرَاضِ أَيَّامًا يَسِيرَةً) فَلَا فَسْخَ لَهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ يَزُولُ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ (أَوْ اقْتَرَضَ مَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهَا) فَلَا فَسْخَ لَهَا، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا (أَوْ تَبَرَّعَ لَهُ إنْسَانٌ بِمَا يُنْفِقُهُ) عَلَيْهَا بِأَنْ مَلَّكَهُ لَهُ ثُمَّ أَنْفَقَهُ هُوَ عَلَيْهَا (فَلَا فَسْخَ) لِأَنَّ الْمِنَّةَ عَلَيْهِ لَا عَلَيْهَا.
(وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ يَطُولُ) وَتَعَذَّرَ مَعَهُ الْإِنْفَاقُ فَلَهَا الْفَسْخُ (أَوْ كَانَ) الزَّوْجُ (لَا يَجِدُ مِنْ النَّفَقَةِ إلَّا يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ فَلَهَا الْفَسْخُ) لِمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الضَّرَرِ الْغَالِبِ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْبَدَنَ لَا يَقُومُ بِدُونِ كِفَايَتِهِ.
(وَإِنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَتِهَا فَبَذَلَهَا غَيْرُهُ لَمْ تُجْبَرْ) عَلَى قَبُولِهَا مِنْ غَيْرِهِ لِمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْمِنَّةِ (إلَّا إنْ مَلَكَهَا الزَّوْجُ) ثُمَّ دَفَعَهَا الزَّوْجُ لَهَا (أَوْ دَفَعَهَا) إلَيْهَا (وَكِيلُهُ) فَإِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ مِنْهُ لِأَنَّ الْمِنَّةَ إذَنْ عَلَى الزَّوْجِ دُونَهَا (وَكَذَا مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ دَيْنٍ عَنْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَقْبَلْ رَبُّهُ) أَيْ الدَّيْنَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ مِنْ الْمُتَبَرِّعِ، وَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ لِلْمَدِينِ ثُمَّ دَفَعَهُ الْمَدِينُ أَوْ وَكِيلُهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ أُجْبِرَ (وَتَقَدَّمَ فِي
السَّلَمِ إنْ أَتَاهَا) الزَّوْجُ (بِنَفَقَةٍ حَرَامٍ لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهَا) بَلْ لَمْ يَجُزْ لَهَا تَنَاوُلُهَا (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي الْمُكَاتَبِ وَيُجْبَرُ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ) لِيُؤَدِّيَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ.
(وَإِنْ أَعْسَرَ) الزَّوْجُ (بِنَفَقَةِ الْخَادِمِ) فَلَا فَسْخَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهَا الصَّبْرُ عَنْهَا (أَوْ) أَعْسَرَ بَ (النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ) فَلَا فَسْخَ كَالصَّدَاقِ إذَا أَعْسَرَ بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ (أَوْ) أَعْسَرَ بِ (نَفَقَةِ الْمُوسِرِ أَوْ الْمُتَوَسِّطِ أَوْ) أَعْسَرَ ب (الْإِدَامِ فَلَا فَسْخَ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُهَا الصَّبْرُ عَنْهُ (وَتَبْقَى النَّفَقَةُ) أَيْ نَفَقَةُ الْخَادِمِ وَالنَّفَقَةُ الْمَاضِيَةُ.
(وَ) يَبْقَى (الْإِدَامُ) دَيْنًا (فِي ذِمَّتِهِ) لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ فَتَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لِلْمَرْأَةِ قُوتًا وَهَذَا فِيمَا عَدَا الزَّائِدَ عَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَلَعَلَّهُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ بَعْدُ وَأَمَّا عَلَى مَا قَدَّمَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى فَلَا.
(وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ مُتَمَكِّنٌ مِنْ اسْتِيفَائِهِ) وَالْإِنْفَاقِ مِنْهُ (فَكَمُوسِرِ) لَيْسَ لِزَوْجَتِهِ الْفَسْخُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِنْفَاقِ (وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ) مِنْ اسْتِيفَائِهِ لِجَحْدٍ أَوْ مَطْلٍ وَنَحْوِهِمَا (فَكَمُعْسِرٍ) لِزَوْجَتِهِ الْفَسْخُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَلَيْهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (دَيْنٌ فَأَرَادَ أَنْ يَحْتَسِبَ عَلَيْهَا بِدَيْنِهِ مَكَانَ النَّفَقَةِ فَلَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ مُوسِرَةً) بِالدَّيْنِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا إذَنْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُوسِرَةً (فَلَا) يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا بِدَيْنِهِ مِنْ نَفَقَتِهَا، لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا فَضُلَ عَنْ الْكِفَايَةِ.
(وَإِنْ أَعْسَرَ زَوْجُ الْأَمَةِ فَرَضِيَتْ أَوْ زَوْجُ الصَّغِيرَةِ أَوْ) زَوْجُ (الْمَجْنُونَةِ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِنَّ الْفَسْخُ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ لَهُنَّ فَلَمْ يَمْلِكْ الْوَلِيُّ الْفَسْخَ كَالْفَسْخِ لِلْعَيْبِ وَقَالَ الْقَاضِي لِسَيِّدِهَا: الْفَسْخُ فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ رَجَعَ عَلَى الزَّوْجِ، رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ.
[فَصْلٌ مَنَعَ زَوْجٌ مُوسِرٌ كُسْوَةً أَوْ بَعْضَهَا]
(فَصْلٌ وَإِنْ مَنَعَ زَوْجٌ مُوسِرٌ) (أَوْ) مَنَعَ (سَيِّدُهُ إنْ كَانَ) الزَّوْجُ (عَبْدًا كُسْوَةً أَوْ بَعْضَهَا، وَقُدِّرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ وَلَوْ مِنْ عَيْنِ جِنْسِ الْوَاجِبِ أَخَذَتْ) الزَّوْجَةُ مِنْهُ أَيْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، أَوْ مَالِ سَيِّدِهِ (كِفَايَتَهَا وَكِفَايَةَ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ عُرْفًا وَنَحْوَهُ) كَالْوَلَدِ الْمَجْنُونِ وَالْخَادِمِ (بِالْمَعْرُوفِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ - حِينَ قَالَتْ لَهُ: «إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي -: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا بَعْضَ الْكِفَايَةِ وَلَا يُتِمُّهَا لَهَا فَرَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا فِي أَخْذِ تَمَامِ الْكِفَايَةِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا غِنًى عَنْهَا وَلَا قَوَامَ إلَّا بِهَا وَلِأَنَّهَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَتَشُقُّ الْمُرَافَعَةُ بِهَا إلَى الْحَاكِمِ وَالْمُطَالَبَةُ بِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَحَدِيثُ " أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَخْ " مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ هِنْدٍ لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِالنَّفَقَةِ.
(وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ) عَلَى أَخْذِ كِفَايَتِهَا وَكِفَايَةِ وَلَدِهَا مِنْ مَالِهِ (أَخْبَرَهُ الْحَاكِمُ) إذَا رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَيْهِ عَلَى كِفَايَتِهَا وَكِفَايَةِ وَلَدِهَا وَنَحْوِهِ بِالْمَعْرُوفِ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ) ذَلِكَ (حَبْسَهُ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ وُضِعَ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَالْحَبْسُ طَرِيقٌ إلَى الْفَصْلِ فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُ (فَإِنْ صَبَرَ) الزَّوْجُ (عَلَى الْحَبْسِ وَقَدَرَ الْحَاكِمُ عَلَى مَالِهِ أَنْفَقَ مِنْهُ) عَلَيْهَا وَعَلَى مَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّفَقَةُ لِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ وَجَبَ الدَّفْعُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ مِنْ مَالٍ خَصَمَهُ كَالدَّيْنِ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ الدَّيْنِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الْأَخْذِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْحَاكِمُ (لَهُ عَلَى مَال يَأْخُذُهُ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ) الْحَاكِمُ (عَلَى النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ وَلَمْ يَجِدْ) الْحَاكِمُ (إلَّا عُرُوضًا أَوْ عَقَارًا بَاعَهُ وَأَنْفَقَ مِنْهُ فَيَدْفَعُ) الْحَاكِمُ (إلَيْهَا نَفَقَةَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ) كَالنَّقْدَيْنِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ) الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ نَقْدًا وَلَا عَرَضًا وَلَا عَقَارًا (فَلَهَا الْفَسْخُ) لِتَعَذُّرِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ كَحَالِ الْإِعْسَارِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ.
وَلَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَ الزَّوْجَةِ لِفَقْدِ مَالِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ يُنْفَقُ مِنْهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مَالٌ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: الظَّاهِرُ صِحَّةُ الْفَسْخِ وَعَدَمُ نَقْضِهِ، لِأَنَّ نَفَقَتَهَا إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِمَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا وَأَمَّا مَا كَانَ غَائِبًا عَنْهَا لَا عِلْمَ لَهَا بِهِ فَلَا تُكَلَّفَ الصَّبْرَ لِاحْتِمَالِهِ، وَلَا تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْمُتَيَمِّمِ إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ، لِأَنَّ الْمَاءَ فِي قَبْضِهِ وَيَدِهِ وَنِسْيَانُهُ لَا يَخْلُو مِنْ تَقْصِيرٍ وَتَفْرِيطٍ بِخِلَافِ هَذِهِ قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ فِي الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا.
(وَنَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالرَّقِيقِ وَالْبَهَائِمِ إذَا امْتَنَعَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ) قُلْتُ أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ (فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا غَيْرُهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ فَلَهُ الرُّجُوعُ) لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ أَشْبَهَ قَضَاءَ الدَّيْنِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) وَحُكْمُ وَكِيلِهِ حُكْمُهُ فِي الْمُطَالَبَةِ وَالْأَخْذِ مِنْ الْمَالِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (نَفَقَةً وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَالٍ لَهُ وَلَا) عَلَى اسْتِدَانَةٍ (وَلَا) عَلَى (الْأَخْذِ مِنْ وَكِيلِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ كَتَبَ الْحَاكِمُ إلَيْهِ) لَمْ أَجِدْ الْكِتَابَةَ إلَيْهِ فِي كَلَامِهِمْ بَلْ الْكُتُبُ الْمَشْهُورَةُ لَمْ يَذْكُرُوهَا وَعَمِلَ قُضَاتُنَا عَلَى عَدَمِ الْكِتَابَةِ وَكَذَا إفْتَاءُ مَشَايِخِنَا (فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ) قُلْت أَوْ عُلِمَ إذْ لَمْ نَرَ فِي كَلَامِهِمْ هَذَا الْقَيْدَ (وَتَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ كَمَا تَقَدَّمَ) بِالِاسْتِدَانَةِ وَعَدَمِ الْوُصُولِ، إلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ (فَلَهَا الْفَسْخُ) لِأَنَّهَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْوُصُولِ إلَى نَفَقَتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ إعْسَارُهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً أَوْ قَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ أَوْ عَلَى الِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا فَسْخَ لَهَا، لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا مِنْ جِهَتِهِ غَيْرُ مُتَعَذَّرٍ (وَلَا يَصِحُّ الْفَسْخُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَافْتُقِرَ إلَى الْحُكْمِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ (فَيَفْسَخُ) الْحَاكِمُ (بِطَلَبِهَا) لِأَنَّهُ لِحَقِّهَا فَلَا يَسْتَوْفِيه إلَّا بِطَلَبِهَا (أَوْ تَفْسَخُ) هِيَ (بِأَمْرِهِ) أَيْ الْحَاكِمِ (وَفَسْخُ الْحَاكِمِ تَفْرِيقٌ لَا رَجْعَةَ فِيهِ) قُلْتُ وَكَذَا فَسْخُهَا بِأَمْرِهِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ.
(وَمَنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ لِامْرَأَتِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ مُدَّةً لَمْ تَسْقُطْ) النَّفَقَةُ كَالدَّيْنِ (وَلَوْ لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ وَكَانَتْ) النَّفَقَةُ (دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ) وَتَقَدَّمَ (وَيَصِحُّ ضَمَانُ النَّفَقَةِ مَا وَجَبَ مِنْهَا وَمَا يَجِبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) كَضَمَانِ السُّوقِ (وَتَقَدَّمَ فِي الضَّمَانِ وَالصَّدَاقِ) .
(تَتِمَّةٌ) قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ إذَا ثَبَتَ عِنْد الْحَاكِمِ صِحَّةُ النِّكَاحِ وَمَبْلَغُ الْمَهْرِ فَإِنْ عُلِمَ مَكَانُهُ كُتِبَ إنْ سَلَّمْتَ إلَيْهَا حَقَّهَا وَإِلَّا بِعْتُ عَلَيْكَ بِقَدْرِهِ فَإِنْ أَبَى أَوْ لَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ بَاعَ بِقَدْرِ نَصْفِهِ لِجَوَازِ طَلَاقِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
[بَاب نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ وَالْبَهَائِمِ]
(بَاب نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ وَالْبَهَائِمِ) وَالْمُرَادُ بِالْأَقَارِبِ مِنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ كَمَا يَأْتِي فَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْعَتِيقُ (تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] وَمِنْ الْإِحْسَانِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] وَمِنْ الْمَعْرُوفِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ
أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا وَلَا مَالَ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا نَفَقَةُ (وَلَدِهِ وَإِنْ سَفُلَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ فَكَذَا عَلَى بَعْضِهِ وَأَصْلِهِ (أَوْ بَعْضِهَا) أَيْ لَوْ وَجَدَ وَالِدُهُ أَوْ وَلَدُهُ بَعْضَ النَّفَقَةِ وَعَجَزُوا عَنْ إتْمَامِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ إكْمَالُهَا لِمَا سَبَقَ (حَتَّى ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا وَوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلُوا (وَلَوْ حَجَبَهُ مُعْسِرٌ) كَجَدٍّ مُوسِرٍ مَعَ أَب مُعْسِرٍ، وَكَابْنٍ مُعْسِرٍ وَابْنِ ابْنٍ مُوسِرٍ، فَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُوسِرِ فِي الْمِثَالَيْنِ وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ مَحْجُوبًا، لِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً قَوِيَّةً تُوجِبُ الْعِتْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ فَأَشْبَهَ الْقَرِيبَ وَتَجِبُ النَّفَقَةُ لِمَنْ ذُكِرَ (بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ (مِنْ حَلَالٍ) لَا مِنْ حَرَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّوْجَةِ (إذَا كَانُوا) أَيْ الْأُصُولُ وَالْفُرُوعُ (فُقَرَاءَ) فَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُنْفِقِ (مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ فَاضِلًا عَنْ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ وَرَقِيقِهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَ) عَنْ (كُسْوَتِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ مِنْ مَالِهِ وَأُجْرَةِ مِلْكِهِ وَنَحْوِهِ) كَتِجَارَتِهِ (أَوْ مِنْ كَسْبِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ابْدَأْ بِنَفْسِكِ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُحْتَاجِ كَالْبِرِّ وَ (لَا) يَجِبُ الْإِنْفَاقُ - عَلَى مَنْ ذُكِرَ - (مِنْ أَصْلِ الْبِضَاعَةِ) الَّتِي يَتَّجِرُ بِهَا.
(وَ) لَا مِنْ (ثَمَنِ الْمِلْكِ وَآلَةِ الْعَمَلِ) لِحُصُولِ الضَّرَرِ بِذَلِكَ لِفَوَاتِ مَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ قُوتَهُ وَقُوتَ زَوْجَتِهِ وَنَحْوِهَا (وَيُجْبَرُ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ) مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ وَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ إذَنْ لِأَنَّ كَسْبَهُ الَّذِي يَسْتَغْنِي بِهِ كَالْمَالِ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْضًا (نَفَقَةُ كُلِّ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ مِمَّنْ سِوَاهُ) أَيْ: سِوَى عَمُودِيِّ النَّسَبِ سَوَاءٌ وَرِثَهُ الْآخَرُ كَأَخِيهِ (أَوْ لَا كَعَمَّتِهِ وَعَتِيقِهِ وَبِنْتِ أَخِيهِ وَنَحْوِهِ) كَبِنْتِ عَمِّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] أَوْجَبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ ثُمَّ عُطِفَ الْوَارِثُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الْوُجُوبِ.
(فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ) وَهُمْ مَنْ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ (مِنْ غَيْرِ عَمُودِيِّ النَّسَبِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ) لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمْ، وَلِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ ضَعِيفَةٌ وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ مَالَهُ فَهُمْ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ الْمَالَ يُصْرَفُ إلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ بِدَلِيلِ تَقْدِيمِ الرَّدّ عَلَيْهِمْ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْوُجُوبَ، لِأَنَّهُ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَهُوَ عَامٌّ.
(وَيَتَلَخَّصُ لِوُجُوبِ الْإِنْفَاقِ) عَلَى الْقَرِيبِ (ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِمْ فُقَرَاءَ لَا مَالَ لَهُمْ وَلَا كَسْبَ يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْ إنْفَاقِ غَيْرِهِمْ) وَالْكُسْوَةُ وَالسَّكَنُ كَالنَّفَقَةِ وَشَرْطُهُ الْحُرِّيَّةُ فَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا فَلَا نَفَقَةَ (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِمْ (مُوسِرِينَ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَكْفِيهِمْ فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ وَجَبَ إكْمَالُهَا وَتَقَدَّمَ.
(الثَّانِي أَنْ تَكُونَ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ) مِنْهُ (فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ) وَزَوْجَتِهِ وَقَنِّهِ كَمَا سَبَقَ (إمَّا مِنْ مَالِهِ وَإِمَّا مِنْ كَسْبِهِ، فَمَنْ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ شَيْءٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا إذَنْ (الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمُنْفِقُ وَارِثًا) لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ (إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عَمُودِيِّ النَّسَبِ) أَمَّا عَمُودًا النَّسَبِ فَتَجِبُ وَلَوْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْ حَجَبَهُ مُعْسِرٌ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَعَلَى الْوَلَدِ الْمُوسِرِ أَنْ يُنْفَقَ عَلَى أَبِيهِ الْمُعْسِرِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ وَعَلَى إخْوَتِهِ الصِّغَارِ.
(وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيرِ وَلَوْ حَمْلًا وَارِثٌ غَيْرُ أَبٍ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ) عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ (لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْإِرْثِ) فَيَجِبُ أَنْ يُرَتَّبَ الْمِقْدَارُ عَلَيْهِ (فَأُمٌّ وَجَدٌّ) لِأَبٍ (عَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ) لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ (وَجَدَّةٌ وَأَخٌ) لِغَيْرِ أُمٍّ أَيْ شَقِيقٍ أَوْ لِأَبٍ (عَلَى الْجَدَّةِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي عَلَى الْأَخِ) كَإِرْثِهِمَا لَهُ (وَأُمٌّ وَبِنْتٌ) النَّفَقَةُ (بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا) كَمَا يَرِثَانِهِ فَرْضًا وَرَدًّا (وَابْنُ وَبِنْتٌ) النَّفَقَةُ (بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا) لِمَا سَبَقَ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ) أَيْ الْوَارِثُ (مُوسِرًا لَزِمَهُ بِقَدْرِ إرْثِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ) لِأَنَّ الْمُوسِرَ مِنْهُمَا إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ يَسَارِ الْآخَرِ ذَلِكَ الْقَدْرُ فَلَا يَتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْغَيْرُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمُودِيِّ النَّسَبِ) فَتَجِبُ النَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الْمُوسِرِ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ، بِدَلِيلِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِرْثِ.
(وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى) السَّابِقِ (حِسَابُ النَّفَقَاتِ) يَعْنِي أَنَّ تَرْتِيبَ النَّفَقَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، فَكَمَا أَنَّ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ مِنْ الْمِيرَاثِ كَذَلِكَ عَلَيْهَا السُّدُسُ مِنْ النَّفَقَةِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ بِنْتٌ وَأُخْتٌ لِغَيْرِ أُمٍّ أَوْ بِنْتٌ وَأَخٌ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٌ فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ رَدًّا أَوْ عَوْلًا أَوْ لَا، وَلَوْ اجْتَمَعَ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي النَّفَقَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِيرَاثِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ (أَبٌ فَيَنْفَرِدُ بِالنَّفَقَةِ) بِالْمَعْرُوفِ (وَأُمُّ أُمٍّ وَأَبُو أُمٍّ الْكُلُّ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ) لِأَنَّهَا وَارِثَةٌ بِخِلَافِ أَبِي الْأُمِّ.
(وَمَنْ لَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ وَأَخٌ مُوسِرٌ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا) أَمَّا الِابْنُ فَلِعُسْرَتِهِ، وَأَمَّا الْأَخ فَلِعَدَمِ مِيرَاثِهِ (وَمَنْ لَهُ أُمٌّ فَقِيرَةٌ وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْجَدَّةِ) الْمُوسِرَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَحْجُوبَةً لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ (وَكَذَا أَبٌ فَقِيرٌ وَجَدٌّ مُوسِرٌ) النَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ
(وَأَبَوَانِ وَجَدٌّ وَالْأَبُ مُعْسِرٌ عَلَى الْأُمِّ) الْمُوسِرَةِ (ثُلُثُ النَّفَقَةِ) لِأَنَّهَا تَرِثُ الثُّلُثَ (وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ) لِأَنَّهُ يَرِثُهُ كَذَلِكَ لَوْلَا الْأَبُ (وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ زَوْجَةٌ فَكَذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ بَلْ نَفَقَتُهَا تَابِعَةٌ لِنَفَقَتِهِ (وَأَبَوَانِ وَأَخَوَانِ وَجَدٌّ وَالْأَبُ مُعْسِرٌ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَخَوَيْنِ لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ وَلَيْسَا مِنْ عَمُودِيِّ النَّسَبِ وَيَكُونُ عَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ) مِنْ النَّفَقَةِ قِيَاسُ الْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ السُّدُسُ فَقَطْ كَالْإِرْثِ لِحَجْبِ الْأَخَوَيْنِ لَهَا عَنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَا مَحْجُوبَيْنِ بِالْأَبِ (وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ) كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ أَخَوَانِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ جَدٌّ فَالنَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الْأُمِّ) وَحْدَهَا دُونَ الْأَبِ لِعُسْرَتِهِ وَدُونَ الْإِخْوَةِ لِحَجْبِهِمْ.
(وَتَجِبُ نَفَقَةُ مِنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا مُكَلَّفًا وَلَوْ) كَانَ (مِنْ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ بَالِغًا وَلَا صَحِيحًا، وَلِأَنَّهُ فَقِيرٌ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ عَلَى قَرِيبِهِ أَشْبَهَ الزَّمِنَ فَإِنْ كَانَ لَهُ حِرْفَةٌ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّ الْحِرْفَةَ تُعِينُهُ وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ لَا تَجِبُ إلَّا مَعَ الْفَقْرِ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْحِرْفَةُ يَحْصُلُ بِهَا غِنَاهُ وَإِلَّا وَجَبَ الْإِكْمَالُ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُنْفِقَ (خِدْمَةُ قَرِيبٍ) وَجَبَتْ نَفَفْتُهُ فَيَخْدُمُهُ (بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِحَاجَةٍ) إلَى الْخِدْمَةِ (كَزَوْجَةٍ) لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْكِفَايَةِ.
(وَيَبْدَأُ) مَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ مَا يَكْفِي جَمِيعَ مِنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ (بِالْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ) لَحَدِيثِ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» (فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُ نَفَقَةُ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ بَدَأَ بِامْرَأَتِهِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمُوَاسَاةِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ (ثُمَّ بِرَقِيقِهِ) لِأَنَّ نَفَقَته تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ (ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ) لِحَدِيثِ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» أَيْ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ صِلَةٌ وَبِرٌّ وَمَنْ قَرُبَ أَوْلَى بِالْبِرِّ مِمَّنْ بَعُدَ يُبْدَأُ بِالْعَصَبَةِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الدَّرَجَةِ كَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ (ثُمَّ التَّسَاوِي) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ.
(وَإِنْ فَضُلَ عَنْهُ مَا يَكْفِي وَاحِدًا لَزِمَهُ بَذْلُهُ) لِمَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ قُدِّمَ الْأَبُ) عَلَى الْأُمِّ لِفَضِيلَتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالْوِلَايَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ (فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا) أَيْ الْأَبَوَيْنِ (ابْنٌ قَدَّمَهُ عَلَيْهِمَا) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِالنَّصِّ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ الِابْنُ أَحَقُّ بِالنَّفَقَةِ مِنْهَا وَهِيَ أَحَقُّ بِالْبِرِّ (وَقَالَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ الْأَبَوَانِ وَالِابْنُ إنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا قُدِّمَ) لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَجَبَتْ بِالنَّصِّ مَعَ أَنَّهُ عَاجِزٌ.
(وَإِنْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا وَالْأَبُ زَمِنًا فَهُوَ) أَيْ الْأَبُ
(أَحَقُّ) لِأَنَّ حُرْمَتَهُ آكَدُ وَحَاجَتَهُ أَشَدُّ (وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ يُقَدَّمُ الْأَحْوَجُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ) لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ (وَإِنْ كَانَ أَبٌ وَجَدٌّ أَوْ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ قُدِّمَ الْأَبُ وَالِابْنُ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ (وَيُقَدَّمُ جَدٌّ عَلَى أَخٍ) لِأَنَّ لَهُ مَزِيَّةَ الْوِلَادَةِ وَالْأُبُوَّةِ (وَأَبٌ عَلَى ابْنِ ابْنٍ) لِقُرْبِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إرْثُهُ بِحَالٍ.
(وَ) يُقَدَّمُ أَبُو أَبٍ عَلَى أَبِي أُمٍّ لِامْتِيَازِهِ بِالْعُصُوبَةِ (وَ) الْجَدُّ أَبُو الْأُمِّ (مَعَ أَبِي أَبِي أَبٍ يَسْتَوِيَانِ) لِأَنَّ أَبَ الْأُمِّ امْتَازَ بِالْقُرْبِ وَأَبَا أَبِي الْأَبِ امْتَازَ بِالْعَصَبَةِ فَتَسَاوَيَا لِذَلِكَ.
(وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا (يَأْخُذُ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّفَقَةُ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ إذْنِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (إنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ لِزَوْجَةٍ) نَقَلَ ابْنَاهُ وَالْجَمَاعَةُ يَأْخُذُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ بِلَا إذْنِهِ بِالْمَعْرُوفِ إذَا احْتَاجَ وَلَا يَتَصَدَّقُ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) .
وَلَا تَجِبُ نَفَقَةٌ لِقَرِيبٍ (مَعَ اخْتِلَافِ دِينٍ) أَيْ إذَا كَانَ دِينُ الْقَرِيبَيْنِ مُخْتَلِفًا فَلَا نَفَقَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا وَلَا وِلَايَةَ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا (إلَّا بِالْوَلَاءِ) لِثُبُوتِ إرْثِهِ مِنْ عَتِيقِهِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ (أَوْ بِإِلْحَاقِ الْقَافَةِ) فَتَجِبُ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ وَالرِّعَايَةِ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
(وَمَنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ مُدَّةً لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ) أَطْلَقَهُ الْأَكْثَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ وَجَبَتْ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ وَإِحْيَاءِ النَّفْسِ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ فِي الْمَاضِي بِدُونِهَا وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ (إلَّا إنْ فَرَضَهَا حَاكِمٌ) لِأَنَّهَا تَأَكَّدَتْ بِفَرْضِهِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ (أَوْ اسْتَدَانَ بِإِذْنِهِ) قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَأَمَّا نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ فَلَا تَلْزَمُهُ لِمَا مَضَى وَإِنْ فُرِضَتْ إلَّا أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ.
(لَكِنْ لَوْ غَابَ زَوْجٌ فَاسْتَدَانَتْ لَهَا وَلِأَوْلَادِهَا الصِّغَارِ رَجَعْت) بِمَا اسْتَدَانَتْهُ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ كَانَ أَوْلَادُهَا لِأَنَّ وَلَاءَهُمْ حِينَئِذٍ لِمَوْلَى أَبِيهِمْ فَهُوَ الْوَارِثُ لَهُمْ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ) (أَعْتَقَهُ أَبُوهُمْ) أَيْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ (فَأَنْجَزَ الْوَلَاءَ إلَى مُعْتِقِهِ) كَمَا مَرَّ فِي الْوَلَاءِ (صَارَ وَلَاؤُهُمْ لِمُعْتِقِ أَبِيهِمْ وَنَفَقَتُهُمْ) عِنْدَ عَدَمِ أَبِيهِمْ (عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَوْلَاهُمْ الْوَارِثُ لَهُمْ.
(وَلَيْسَ عَلَى الْعَتِيقِ نَفَقَة مُعْتِقِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلَى الْآخَرِ) وَتَقَدَّمَ تَصْوِيرُهُ فِي الْوَلَاءِ (فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفَقَةُ الْآخَرِ) مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عَتِيقًا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُعْتِقًا كَمَا يَرِثُهُ.
كَذَلِكَ (لَيْسَ عَلَى الْعَبْد نَفَقَةُ وَلَدِهِ حُرَّةً كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ أَمَةً) لِأَنَّ أَوْلَادَ الْحُرَّةِ أَحْرَارٌ وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ قَرِيبِهِ الْحُرِّ لِمَا يَأْتِي، وَأَوْلَادُ الْأَمَةِ عَبِيدٌ لِسَيِّدِهَا فَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ (وَلَا نَفَقَةَ أَقَارِبِهِ الْأَحْرَارِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ مَلَكَ فَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ كَالزَّكَاةِ (وَنَفَقَةُ أَوْلَادِ الْمُكَاتَبِ وَالْأَحْرَارِ وَ) نَفَقَةُ (أَقَارِبِهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ وَحَاجَتُهُ إلَى فَكِّ رَقَبَتِهِ أَشَدُّ (وَتَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ) لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ وَكَسْبُهُ لَهُ (وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ حُرَّةً فَنَفَقَةُ أَوْلَادِهَا عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ مُوسِرَةً وَانْفَرَدَتْ، لِأَنَّهَا الْوَارِثَةُ لَهُمْ دُونَهُ (فَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَقَارِبُ أَحْرَارٌ كَجَدٍّ وَأَخٍ مَعَ أُمٍّ أَنْفَقَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَسَبِ مِيرَاثِهِ وَالْمُكَاتَبُ كَالْمُعْدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّفَقَةِ) وَالْإِرْثِ وَالْحَجْبِ (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (مُكَاتَبَةً فَسَيَأْتِي) فِي نَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ الْكَلَامُ عَلَى نَفَقَتِهِمْ (فَإِنَّ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ التَّبَرُّعَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أَمَةٍ) لِغَيْرِ سَيِّدِهِ (أَوْ) مِنْ (مُكَاتَبَةٍ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ أَوْ) مِنْ (حُرَّةٍ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَلَا يَتَبَرَّعُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَإِنْ كَانَ) وَلَد الْمُكَاتَبِ (مِنْ أَمَةٍ لِسَيِّدِهِ جَازَ) لِلْمُكَاتَبِ التَّبَرُّعُ بِنَفَقَةٍ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَلَمْ يَتَبَرَّعْ لِأَجْنَبِيٍّ وَ (لَا) يَتَبَرَّعُ بِنَفَقَةِ (وَلَدِهِ مِنْ مُكَاتَبَةٍ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّ نَفَقَةَ وَلَدِهَا عَلَيْهَا فَتَبَرُّعُهُ بِنَفَقَتِهِ تَبَرُّعٌ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّهِ.
[فَصْلٌ وَتَجِبُ نَفَقَةُ ظِئْرٍ]
ٍ) أَيْ مُرْضِعَةِ (الصَّغِيرِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (فِي مَالِهِ) إنْ كَانَ كَنَفَقَةِ الْكَبِيرِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الصَّغِيرِ (مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) مِنْ أَبٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ نَفَقَةَ ظِئْرِ الصَّغِيرِ كَنَفَقَةِ الْكَبِيرِ وَيَخْتَصُّ وُجُوبُهَا بِالْأَبِ وَحْدَهُ إنْ كَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] الْآيَةَ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) نَفَقَةُ الظِّئْرِ (لِمَا فَوْقَ الْحَوْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233] (وَلَا يُفْطَمُ قَبْلَهَا) لِلْآيَةِ (إلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ) فَيَجُوزُ (إلَّا أَنْ يُضَرَّ) الصَّغِيرُ فَلَا، وَلَوْ رَضِيَا لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَفِي الرِّعَايَةِ هُنَا يَحْرُمُ رَضَاعَةٌ بَعْدَهُمَا وَلَوْ رَضِيَا وَظَاهِرُ عُيُونِ الْمَسَائِلِ إبَاحَتُهُ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَقَالَ فِي تُحْفَةِ الْوَدُودِ فِي أَحْكَامِ الْمَوْلُودِ: وَيَجُوزُ أَنْ تَسْتَمِرَّ الْأُمُّ عَلَى رَضَاعَةٍ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إلَى نِصْفِ الثَّالِثِ أَوْ
أَكْثَرِهِ.
(وَلِلْأَبِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ خِدْمَةِ وَلَدِهَا مِنْهُ) مَجَانِينَ أَوْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ التَّكَسُّبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ امْتَنَعَ زَوْجٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ نَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ بِأَنْ تُطْلَبَ مِنْهُ) النَّفَقَةُ (فَيَمْتَنِعُ) فَقَامَ بِهَا غَيْرُهُ (رَجَعَ عَلَيْهِ مُنْفِقٌ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ) لِأَنَّهُ قَامَ بِوَاجِبٍ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَتَقَدَّمَ.
(وَيَلْزَمُهُ نَفَقَةُ زَوْجَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِعْفَافِ إلَّا بِهِ.
(وَ) يَجِبُ أَيْضًا (عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِقَرِيبِهِ إعْفَافُ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ نَفَقَةٌ مِنْ أَبٍ وَإِنْ عَلَا وَ) مِنْ ابْنٍ وَإِنْ نَزَلَ وَغَيْرِهِمْ كَأَخٍ وَعَمٍّ (إذَا احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ لِزَوْجَةٍ حُرَّةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ تُعِفُّهُ أَوْ يَدْفَعُ) الْمُنْفِقُ إلَيْهِ مَالًا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً أَوْ يَشْتَرِي بِهِ أَمَةً لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو حَاجَتُهُ إلَيْهِ وَيُسْتَضَرُّ بِفَقْدِهِ فَلَزِمَ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَلَا يُشْبِهُ ذَلِكَ الْحَلْوَى فَإِنَّهُ لَا يُسْتَضَرُّ بِتَرْكِهَا (وَالتَّخْيِيرُ) فِيمَا ذُكِرَ (لِلْمَلْزُومِ بِذَلِكَ) لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِهِ فَكَانَتْ الْخِيَرَةُ إلَيْهِ فِيهِ فَيُقَدِّمُ تَعْيِينَهُ عَلَى تَعْيِينِ الْمَعْفُوفِ.
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ قَبِيحَةً وَلَا أَنْ يُمَلِّكَهُ إيَّاهَا) أَيْ أَمَةً قَبِيحَةً لِعَدَمِ حُصُولِ الْإِعْفَافِ بِهَا (وَلَا) يُزَوِّجَهُ وَلَا يُمَلِّكَهُ (كَبِيرَةً لَا اسْتِمْتَاعَ بِهَا) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا (وَلَا أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَةً) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ لِاسْتِرْقَاقِ أَوْلَادِهِ (وَلَا يَمْلِكُ) الْقَرِيبُ اسْتِرْجَاعَ مَا دَفَعَ إلَيْهِ مِنْ جَارِيَةٍ وَلَا عِوَضِ مَا زَوَّجَهُ بِهِ (إذَا أَيْسَرَ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ لَا يَرْجِعُ بِهَا بَعْدُ (وَيُقَدِّمُ تَعْيِينَ قَرِيبٍ إذَا اسْتَوَى الْمَهْرُ) عَلَى تَعْيِينِ زَوْجٍ لِمَا سَبَقَ (وَيَصَّدَّقُ) الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ (إذَا ادَّعَى أَنَّهُ تَائِقٌ بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ.
(وَإِنْ مَاتَتْ) الَّتِي أَعَفَّهُ بِهَا مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ (أَعَفَّهُ ثَانِيًا) لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي ذَلِكَ (إلَّا إنْ طَلَّقَ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ أَعْتَقَ) السُّرِّيَّةَ مَجَّانًا بِأَنْ لَمْ يَجْعَلْ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فَلَا يَلْزَمُهُ إعْفَافُهُ ثَانِيًا، لِأَنَّهُ الَّذِي فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَإِنْ اجْتَمَعَ جَدَّانِ وَلَمْ يَمْلِكْ) وَلَدُ وَلَدِهِمَا (إلَّا إعْفَافَ أَحَدِهِمَا قُدِّمَ الْأَقْرَبُ) كَالنَّفَقَةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ فَيُقَدَّمَ وَإِنْ بَعُدَ عَلَى الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ) لِامْتِيَازِهِ بِالْعُصُوبَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي تَحْقِيقُ الْقُرْبِ بَيْنَ النَّفَقَةِ وَالْإِعْفَافِ.
(وَيَلْزَمُهُ إعْفَافُ أُمِّهِ كَأَبِيهِ إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ وَخَطَبَهَا كُفْءٌ) قَالَ الْقَاضِي وَلَوْ سَلِمَ فَالْأَبُ آكَدُ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّ الْإِعْفَافَ لَهَا بِالتَّزْوِيجِ وَنَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إنْ تَعَذَّرَ تَزْوِيجٌ بِدُونِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
(وَالْوَاجِبُ فِي نَفَقَتِهِ الْقَرِيبَ قَدْرُ الْكِفَايَةِ مِنْ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ وَالْمَسْكَنِ بِقَدْرِ الْعَادَةِ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ إنَّمَا تَنْدَفِعُ بِذَلِكَ (كَمَا ذَكَرْنَا فِي الزَّوْجَةِ) .
(وَيَجِبُ عَلَى الْمُعْتِقِ نَفَقَةُ عَتِيقِهِ) لِأَنَّهُ يَرِثُهُ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]
وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ أَدْنَاكَ وَمَوْلَاكَ الَّذِي يَلِي ذَاكَ حَقًّا وَاجِبًا وَرَحِمًا مَوْصُولًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ مَاتَ مَوْلَاهُ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ مِنْ عَصَبَاتِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي) بَابِ (الْوَلَاءِ) لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ النَّفَقَةَ تَتْبَعُ الْإِرْثَ.
(وَيَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَوْلَى (نَفَقَةُ أَوْلَادِ مُعْتِقِهِ إذَا كَانَ أَبُوهُمْ عَبْدًا) لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَيُقَدِّرَهَا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهَا أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُبَاشَرَةُ الْخِدْمَةِ بِنَفْسِهَا بَلْ تَخْدُمُهُ خَادِمُهَا وَنَحْوُهَا عِنْدَهَا.
وَ (لَا) يَمْنَعُ الْأَبُ أُمَّ الرَّضِيعِ (مِنْ رَضَاعِهِ إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ وَإِنْ طَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلِهَا وَوَجَدَ) الْأَبُ (مَنْ يَتَبَرَّعُ) لَهُ (بِرَضَاعِهِ فَهِيَ) أَيْ الْأُمُّ (أَحَقُّ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: 233] الْآيَةَ وَهُوَ خَبَرٌ يُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَالِدَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَلِأَنَّهَا أَشْفَقُ وَأَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ وَلَبَنُهَا أَمْرَأُ.
(فَإِنْ طَلَبَتْ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهَا وَلَوْ بِيَسِيرٍ لَمْ تَكُنْ أَحَقَّ بِهِ) مَعَ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِهِ أَوْ يَرْفَعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6] (إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يُرْضِعُهُ إلَّا بِمِثْلِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ) فَتَكُونُ الْأُمُّ أَحَقَّ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ لِشَفَقَتِهَا (وَلَوْ كَانَتْ) أُمُّ الرَّضِيعِ (زَوْجَ آخَرَ وَطَلَبَتْ رَضَاعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا وَوُجِدَ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِرَضَاعِهِ فَأُمُّهُ أَحَقُّ إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ الثَّانِي) بِذَلِكَ لِلْآيَةِ وَقَدْ رَضِيَ الزَّوْجُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فَأَشْبَهَتْ غَيْرَ الْمُزَوَّجَةِ (وَإِذَا أَرْضَعَتْ الزَّوْجَةُ وَلَدَهَا وَهِيَ فِي حِبَالِ وَالِدِهِ فَاحْتَاجَتْ إلَى زِيَادَةِ نَفَقَةٍ لَزِمَهُ) ذَلِكَ إذْ كِفَايَتُهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ الزَّوْجَةِ وَلِرَضَاعِ وَلَدِهِ.
(وَلِلسَّيِّدِ إجْبَارُ أُمِّ وَلَدِهِ عَلَى رَضَاعِهِ) أَيْ وَلَدِهَا (مَجَّانًا) لِأَنَّهَا مِلْكُهُ وَمَنَافِعُهَا لَهُ كَالْقِنِّ (فَإِنْ عَتَقَتْ عَلَى السَّيِّدِ) بِإِعْتَاقٍ أَوْ تَعْلِيقٍ (فَحُكْمُ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْهُ حُكْمُ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ) لِأَنَّهَا مَلَكَتْ أَمْرَ نَفْسِهَا بِالْعِتْقِ فَلَهَا طَلَبُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ رَضَاعِهِ.
(وَإِنْ امْتَنَعَتْ الْأُمُّ) الْحُرَّةُ (مِنْ إرْضَاعِ وَلَدِهَا لَمْ تُجْبَرْ) وَلَوْ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6] وَإِذَا اخْتَلَفَا فَقَدْ تَعَاسَرَا وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: 233] مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الْإِنْفَاقِ وَعَدَمِ التَّعَاسُرِ (إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ) الصَّغِيرُ (إلَيْهَا أَوْ يُخْشَى عَلَيْهِ) بِأَنْ لَا يُوجَدَ مُرْضِعَةٌ سِوَاهَا أَوْ لَا يَقْبَلُ الصَّغِيرُ الْإِرْضَاعَ مِنْ غَيْرِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا إرْضَاعُهُ لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ وَحِفْظُ النَّفْسِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ غَيْرُهَا (وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْقِيَهُ اللَّبَنَ) لِتَضَرُّرِهِ بِعَدَمِهِ بَلْ يُقَالُ لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ.
(وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ إرْضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا وَمِنْ إرْضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَقْضِي تَمْلِيكَ الزَّوْجِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ فِي كُلِّ الزَّمَانِ سِوَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، فَالرَّضَاعُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَكَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ كَالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ (إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا بِأَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يُرْضِعُهُ غَيْرُهَا أَوْ لَا يَقْبَلُ الْإِرْضَاعَ مِنْ غَيْرِهَا فَيَجِب التَّمْكِين مِنْ إرْضَاعِهِ) لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ وَحِفْظٍ فَقُدِّمَ عَلَى حَقّ الزَّوْجِ كَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الْمَالِكِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ (أَوْ تَكُونُ) الْمَرْأَةُ (قَدْ شَرَطَتْهُ) أَيْ الرَّضَاعَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الزَّوْجِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ (نَصًّا) لِحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» .
(وَإِنْ أَجَّرَتْ) الْمَرْأَةُ (نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ لَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ وَلَا مَنْعَهَا مِنْ الرَّضَاعِ حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ، لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُسْتَأْجَرَةً وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي عِشْرَة النِّسَاء) فَإِنْ نَامَ الصَّبِيُّ أَوْ اشْتَغَلَ فَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمُزَوَّجَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا صَحَّ وَلَزِمَ الْعَقْدُ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ، لِتَضَمُّنِهِ تَفْوِيتَ حَقِّ زَوْجِهَا وَتَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ]
(فَصْلٌ وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ قَدْر كِفَايَتِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَوْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَلَوْ) كَانَ رَقِيقُهُ (آبِقًا أَوْ نَشَزَتْ الْأَمَةُ أَوْ عَمِيَ أَوْ زَمِنَ أَوْ مَرِضَ أَوْ انْقَطَعَ كَسْبُهُ) وَتَكُونُ النَّفَقَةُ (مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَأُدْمِ مِثْلِهِ وَ) يَلْزَمُهُ (كُسْوَتُهُمْ مِنْ غَالِبِ الْكِسْوَةِ لِأَمْثَالِ الْعَبِيدِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ وَ) يَلْزَمُهُ (غِطَاءٌ وَوِطَاءٌ وَمَسْكَنٌ وَمَاعُونٌ) لِرَقِيقِهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ لَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ، لِأَنَّهُ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْمِلْكِ فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ لِلْآبِقِ وَالنَّاشِزِ وَالزَّمِنِ وَغَيْرِهِمْ (وَإِنْ مَاتُوا فَعَلَيْهِ
تَكْفِينُهُمْ وَتَجْهِيزُهُمْ وَدَفْنُهُمْ) كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ حَالَ الْحَيَاةِ.
(وَيُسَنُّ) لِسَيِّدِ الرَّقِيقِ (أَنْ يُلْبِسَهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَ) أَنْ (يُطْعِمَهُ مِمَّا يَطْعَمُ فَإِنْ وَلِيَهُ) أَيْ وَلِيَ الرَّقِيقُ الطَّعَامَ (فَ) إنَّ سَيِّدَهُ يُجْلِسُهُ يَأْكُلُ (مَعَهُ) أَوْ يُطْعِمُهُ (مِنْهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «إذَا وَلَّى أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ طَعَامَهُ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيَدْعُهُ وَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُرَوِّغْ لَهُ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَعْنَى التَّرْوِيغِ غَمْسُهَا فِي الْمَرَقِ وَالدَّسَمِ وَرَفْعُهَا إلَيْهِ وَلِأَنَّ الْحَاضِرَ تَتُوقُ نَفْسُهُ إلَى ذَلِكَ (وَلَا يَأْكُلُ) الرَّقِيقُ (بِلَا إذْنِهِ) أَيْ السَّيِّدِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ لَكِنْ إنْ مَنَعَهُ مَا وَجَبَ لَهُ فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِهِ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ عَبِيدِهِ) فِي الْكُسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ (وَ) بَيْنَ (إمَائِهِ فِي الْكُسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ) لِأَنَّهُ أَطْيَبُ لِنُفُوسِهِمْ وَأَقْرَبُ لِلْعَدْلِ (وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ مَنْ هِيَ) مِنْ الْإِمَاءِ (لِلِاسْتِمْتَاعِ فِي الْكِسْوَةِ) لِدُعَاءِ الْمَصْلَحَةِ إلَيْهِ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ السَّيِّدَ (نَفَقَةُ وَلَدِ أَمَتِهِ الرَّقِيقِ) لِأَنَّهُ رَقِيقُهُ تَبَعًا لِأُمِّهِ (دُونَ زَوْجِهَا) أَيْ الْأَمَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ الرَّقِيقِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ تَابِعًا لَهُ بَلْ لِأُمِّهِ (وَيَلْزَمُ الْحُرَّةَ نَفَقَةُ وَلَدِهَا مِنْ عَبْدٍ) وَطْئِهَا بِزَوْجِيَّةٍ أَوْ شُبْهَةٍ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهَا وَإِلَّا فَعَلَى قَدْرِ الْإِرْثِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَلْزَمُ الْمُكَاتَبَةَ نَفَقَةُ وَلَدِهَا وَلَوْ كَانَ أَبُوهُ مُكَاتَبًا) لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ لَا أَبَاهُ (وَكَسْبُهُ) أَيْ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ (لَهَا) لِتَبَعِيَّتِهِ لَهَا.
(وَيُنْفِقُ) السَّيِّدُ (عَلَى مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ بِقَدْرِ رِقِّهِ وَبَقِيَّتُهَا) أَيْ النَّفَقَةُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُبَعَّضِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ أَعْتَقَ الْبَعْضَ أَوْ وَارِثِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ) أَيْ الْمُبَعَّضِ (وَطْءُ أَمَةٍ مَلَكَهَا يُجْزِئُهُ الْحُرُّ بِلَا إذْنِ) سَيِّدِهِ، لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهَا تَامٌّ وَلَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِهِ.
(وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ تَزْوِيجُهُمْ) أَيْ الْأَرِقَّاءِ (إذَا طَلَبُوهُ كَالنَّفَقَةِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلِأَنَّهُ يَخَافُ مِنْ تَرْكِ إعْفَافِهِ الْوُقُوعَ فِي الْمَحْظُورِ، وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ الْعَبْدِ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ) إذَا كَانَ كَبِيرًا (إلَّا أَمَةً يَسْتَمْتِعُ بِهَا وَلَوْ مُكَاتَبَةً بِشَرْطِ وَطْئِهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ وَإِزَالَةُ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ وَإِنْ شَاءَ زَوْجُهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ (فَإِنْ أَبَى) السَّيِّدُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَزْوِيجِهِمْ (أُجْبَرَ) عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ (وَتَصْدُقُ الْأُمَّةُ أَنَّهُ مَا يَطَؤُهَا) لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَإِنْ زَوَّجَهَا) أَيْ السَّيِّدُ (بِمَنْ عَيْبُهُ غَيْرُ الرِّقِّ فَلَهَا الْفَسْخُ) لِلْعَيْبِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ زَوْجَةٌ
فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَيْلًا) لِأَنَّ الْعَادَةَ ذَلِكَ.
(وَمَنْ غَابَ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ زُوِّجَتْ لِحَاجَةِ نَفَقَةٍ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَحُفِظَ مَهْرُهَا لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّهُ يَلِي مَالَ الْغَائِبِ كَمَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ.
وَفِي الِانْتِصَارِ يُزَوِّجُهَا مَنْ يَلِي مَالَهُ أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ بَكْرٍ (وَكَذَا) تُزَوَّجُ أُمُّ وَلَدٍ (لِحَاجَةِ وَطْءٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ (وَأَمَّا الْأَمَةُ) غَيْرُ أُمِّ الْوَلَدِ (فَقَالَ الْقَاضِي إذَا غَابَ سَيِّدُهَا غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً) وَهِيَ مَا لَا يُقْطَعُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ (فَطَلَبَتْ التَّزْوِيجَ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ، وَتَقَدَّمَ فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ) لِوِلَايَتِهِ عَلَى الْغَائِبِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يُزَوِّجُهَا مَنْ يَلِي مَالَهُ وَمَشَى عَلَيْهِ هُنَا فِي الْمُنْتَهَى.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى السَّيِّدِ (أَنْ يُكَلِّفهُمْ) أَيْ الْأَرِقَّاءِ (مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَهُوَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ) أَيْ الرَّقِيقِ (مَشَقَّةً كَثِيرَةً) بِحَيْثُ يَقْرُبُ مِنْ الْعَجْزِ عَنْهُ (فَإِنْ كَلَّفَهُ) مُشِقًّا (أَعَانَهُ) لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْأَمَةِ بِالرَّعْيِ، لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الطَّمَعِ لِبُعْدِهَا عَمَّنْ يَذُبُّ عَنْهَا) وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عَنْ نَقْلِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ زَوْجَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ النَّوَى عَلَى رَأْسِهَا لِلزُّبَيْرِ مِنْ نَحْوِ ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ مِنْ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي سَفَرِ الْمَرْأَةِ السَّفَرَ الْقَصِيرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَرَعْيُ جَارِيَةٍ الْحُكْمُ فِي مَعْنَاهُ وَأَوْلَى وَقَالَ غَيْرُهُ يَجُوزُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَرٍ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا وَلَا يُتَأَهَّبُ لَهُ أُهْبَةً قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَيَجِبُ) عَلَى سَيِّدِ الْأَرِقَّاءِ (أَنْ يُرِيحَهُمْ وَقْتَ قَيْلُولَةٍ وَنَوْمٍ وَصَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ) لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ.
(وَ) يَجِبُ (أَنْ يُرْكِبَهُمْ عُقْبَةً) بِوَزْنِ غُرْفَةٍ (عِنْدَ الْحَاجَةِ) إذَا سَافَرَ بِهِمْ لَيْلًا لِئَلَّا يُكَلِّفَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَمَعْنَاهُ يُرْكِبُهُمْ تَارَةً وَيُمْشِيهِمْ أُخْرَى (وَتُسْتَحَبُّ مُدَاوَاتُهُمْ إذَا مَرِضُوا) قَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قُلْتُ الْمَذْهَبُ أَنَّ تَرْكَ الدَّوَاءِ أَفْضَلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ: الْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ فَالسَّيِّدُ أَحَقُّ بِنَفَقَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ وَلِهَذَا: النَّفَقَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالْمَرَضِ تَلْزَمهُ مِنْ الدَّوَاءِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ.
(وَيَجِبُ خِتَانُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا مِنْهُمْ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ أَدِلَّة الْخِتَانِ وَمَحَلُّهُ عِنْدَ الْبُلُوغِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَإِبَاقُ الْعَبْدِ كَبِيرَةٌ) لِلتَّوَعُّدِ عَلَيْهِ (وَيَحْرُمُ إفْسَادُهُ عَلَى سَيِّدِهِ وَإِفْسَادُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا) لِأَنَّهُ مِنْ السَّعْيِ بِالْفَسَادِ وَمَحَلُّ كَوْنِ إبَاقِ الْعَبْدِ مُحَرَّمًا إذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ وَلِهَذَا.
(قَالَ الشَّيْخُ فِي مُسْلِمٍ نَحِسٍ فِي بِلَادِ التَّتَارِ أَبَى بَيْعَ عَبْدِهِ وَ) أَبَى (عِتْقَهُ وَيَأْمُرُهُ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ وَفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَهَرَّبَهُ إلَى بِلَادِ)
أَهْلِ بِدَعٍ مُضِلَّةٍ (فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِهَذَا) النَّحِسِ الْآمِرِ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ وَفِعْلِ الْمَنْهِيِّ (وَلَوْ كَانَ فِي طَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْعَبْدُ إذَا هَاجَرَ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ) مُسْلِمًا (فَهُوَ حُرٌّ) إذَا حَصَلَ بِدَارِنَا أَوْ لَحِقَ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَوْ سَبَى سَيِّدَهُ لَكَانَ لَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ (وَلَوْ لَمْ تُلَائِمْ أَخْلَاقُ الْعَبْدِ أَخْلَاقَ سَيِّدِهِ لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا يُعَذِّبُ خَلْقَ اللَّهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ» .
(وَيَجِبُ أَنْ لَا يَسْتَرْضِعَ الْأَمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِهَا) لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِوَلَدِهَا لِلنَّقْصِ مِنْ كِفَايَتِهِ وَصَرْفِ اللَّبَنِ الْمَخْلُوقِ لَهُ إلَى غَيْرِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ كَنَقْصِ الْكَبِيرِ عَنْ كِفَايَتِهِ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ (بَعْدَ رَبّهِ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْوَلَدُ فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ (كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا وَبَقِيَ لَبَنُهَا) .
(وَلَا يَجُوز لَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (إجَارَتُهَا) أَيْ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ (بِلَا إذْن زَوْجٍ فِي مُدَّة حَقِّهِ) لِاشْتِغَالِهَا عَنْهُ بِرَضَاعٍ وَحَضَانَةٍ (وَيَجُوزُ) إيجَارُهَا (فِي مُدَّةِ حَقِّ السَّيِّدِ) لِأَنَّ لَهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا) أَيْ الْأَمَةِ فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَيَجُوزُ الْمُخَارَجَةُ بِاتِّفَاقِهِمَا إذَا كَانَ مَا جَعَلَ عَلَى الْحَجْمِ بِقَدْرِ كَسْبِ الْعَبْدِ فَأَقَلّ بَعْدَ نَفَقَتِهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا طَيْبَةَ «حَجَمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُ أُجْرَةً وَأَمَرَ مَوَالِيَهُ أَنْ يَحْفَظُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ» وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَضْرِبُونَ لِرَقِيقِهِمْ خَرَاجًا، وَرُوِيَ " أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمٌ كُلَّ يَوْمٍ ". (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ أَوْ وُضِعَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ كَسْبِهِ (لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ لَهُ مَا لَا يُطِيقهُ (وَلَا يُجْبَرُ) عَلَى الْمُخَارَجَةِ مَنْ أَبَاهَا مِنْ السَّيِّدِ أَوْ الْعَبْدِ لِأَنَّهَا عَقْدٌ بَيْنَهُمَا فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ كَالْكِتَابَةِ (وَمَعْنَاهَا) أَيْ الْمُخَارَجَةِ (أَنْ يَضْرِبَ) السَّيِّدُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْعَبْدِ (خَرَاجًا مَعْلُومًا يُؤَدِّيهِ إلَى سَيِّدِهِ كُلَّ يَوْمٍ وَمَا فَضَلَ لِلْعَبْدِ) . قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ (وَيُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيِّ لِعَبْدٍ مُخَارَجٍ هَدِيَّةُ طَعَامٍ وَإِعَارَةُ مَتَاعٍ وَعَمَلُ دَعْوَةٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَعَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُبْدِعِ قَالَا: وَظَاهِرُ كَلَامُ جَمَاعَةٍ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا فَائِدَةُ الْمُخَارَجَةِ تَرْكُ الْعَمَلِ بَعْدَ الضَّرِيبَةِ (وَفِي الْهَدْيِ لِلْعَبْدِ التَّصَرُّفُ بِمَا زَادَ عَلَى خَرَاجِهِ) .
قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ (وَلِلسَّيِّدِ تَأْدِيبُهُمْ) أَيْ الْأَرِقَّاءِ (بِاللَّوْمِ وَالضَّرْبِ كَوَلَدٍ وَزَوْجَةٍ) نَاشِزٍ (وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ) فِي الرَّقِيقِ عَلَى الزَّوْجَةِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ لَقِيطٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ ضَرْبَ أَمَتِكَ» وَلِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ «لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ لَعَلَّهُ يُجَامِعُهَا أَوْ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ الْيَوْمِ» وَلِابْنِ مَاجَهْ بَدَلَ الْعَبْدِ الْأَمَةُ فَهَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ضَرْبَ الرَّقِيقِ أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الْمَرْأَةِ (وَيُسَنُّ) لِلسَّيِّدِ (الْعَفْوُ عَنْهُ أَوْ لَا) أَيْ قَبْلَ التَّأْدِيبِ (وَيَكُونُ) الْعَفْوُ (مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ نَصًّا) نَقَلَ حَرْبٌ " لَا تَضْرِبْ إلَّا فِي ذَنْبٍ بَعْدَ عَفْوٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ " (وَلَا يَضْرِبُهُ شَدِيدًا وَلَا يَضْرِبُهُ إلَّا فِي ذَنْبٍ عَظِيمٍ نَصًّا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا» (وَيُقَيِّدُهُ بِقَيْدٍ إذَا خَافَ عَلَيْهِ) الْإِبَاقَ (وَيُؤَدَّبُ عَلَى فَرَائِضِهِ) أَيْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
(وَ) يُؤَدِّبُهُ السَّيِّدُ (عَلَى مَا إذَا كَلَّفَهُ مَا يُطِيقُ فَامْتَنَعَ) مِنْ امْتِثَالِهِ (وَلَيْسَ لَهُ لَطْمُهُ فِي وَجْهِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَطَمَ غُلَامَهُ فَكَفَّارَتُهُ عِتْقُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا خِصَاؤُهُ وَلَا التَّمْثِيلُ بِهِ) بِجَدْعِ أَنْفٍ أَوْ نَحْوِهِ وَيُعْتَقُ بِذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ.
(وَلَا يَشْتُمُ) السَّيِّدُ (أَبَوَيْهِ الْكَافِرِينَ لَا يُعَوِّد لِسَانَهُ الْخَنَا وَالرَّدَى) الْخَنَا بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيفِ النُّونِ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ وَقَدْ أَخْنَى عَلَيْهِ مِنْ بَابِ صَدَى وَأَخْنَى عَلَيْهِ فِي مَنْطِقِهِ أَيْ أَفْحَشَ «وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا (وَهُوَ الَّذِي يُسِيءُ إلَى مَمَالِيكِهِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ السِّرُّ الْمَصُونُ: " مُعَاشَرَةُ الْوَلَدِ بِاللُّطْفِ وَالتَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ وَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى ضَرْبِهِ ضُرِبَ) يَعْنِي غَيْرَ مُبَرِّحٍ (وَيُحْمَلُ الْوَلَدُ عَلَى أَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَيُجَنَّبُ سَيِّئَهَا) لِيَعْتَادَ ذَلِكَ وَيَنْشَأَ عَلَيْهِ (فَإِذَا كَبِرَ) الْوَلَدُ (فَالْحَذَرُ مِنْهُ وَلَا يُطْلِعُهُ عَلَى كُلِّ الْأَسْرَارِ، وَمِنْ الْغَلَطِ تَرْكُ تَزْوِيجِهِ إذَا بَلَغَ فَإِنَّك تَدْرِي مَا هُوَ فِيهِ بِمَا كُنْتَ فِيهِ فَصُنْهُ مِنْ الزَّلَلِ عَاجِلًا خُصُوصًا الْبَنَاتِ) فَإِنَّ عَارَهُنَّ عَظِيمٌ (وَإِيَّاكَ أَنْ تُزَوِّجَ الْبِنْتَ بِشَيْخٍ أَوْ شَخْصٍ مَكْرُوهٍ) فَرُبَّمَا حَمَلَهُنَّ ذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي (وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَسْكُنَ إلَيْهِ بِحَالٍ بَلْ كُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ وَلَا تُدْخِلْ الدَّارَ مِنْهُمْ مُرَاهِقًا وَلَا خَادِمًا فَإِنَّهُمْ رِجَالٌ مَعَ النِّسَاءِ وَنِسَاءٌ مَعَ الرِّجَالِ وَرُبَّمَا امْتَدَّتْ عَيْنُ امْرَأَةٍ إلَى غُلَامٍ مُحْتَقَرٍ انْتَهَى) وَكَذَا خِدْمَةُ أَحْرَارٍ.
(وَإِنْ بَعَثَ) أَيْ الرَّقِيقَ (سَيِّدُهُ لِحَاجَةٍ فَوَجَدَ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ صَلَّى) فَيَجْمَعُ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ مَوَالِيهِ وَهُوَ مِمَّنْ يُؤْتَى أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ إذَنْ (وَإِنْ صَلَّى) أَوَّلًا ثُمَّ قَضَى حَاجَتَهُ (فَلَا بَأْسَ) لِحُصُولِ الْغَرَضِ وَإِذَا خَافَ فَوَاتَ الْحَاجَةِ بِالصَّلَاةِ فَلَهُ تَأْخِيرُهَا وَيَقْضِي حَاجَتَهُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ يَدْخُلُهَا الْقَضَاءُ.
(وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ فَطَلَبَ الْعَبْدُ) أَوْ الْأَمَةُ (الْبَيْعَ لَزِمَهُ بَيْعُهُ سَوَاءٌ كَانَ امْتِنَاعُ السَّيِّدِ لِعَجْزِهِ عَنْهُ أَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ
عَلَيْهِ إذَنْ عَلَيْهِ إضْرَارٌ بِهِ وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ وَاجِبَةٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «جَارِيَتُكَ تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي إلَى مَنْ تَتْرُكُنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَلَا يَلْزَمهُ بَيْعُهُ بِطَلَبِهِ مَعَ الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لَهُ) لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَطَلَاقِ زَوْجَتِهِ إذَنْ.
(وَلَا يَتَسَرَّى عَبْدٌ وَلَوْ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ) وَالْوَطْءُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ لِلنَّصِّ (وَقِيلَ بَلْ) يَتَسَرَّى (بِإِذْنِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ جَمَاعَةٌ وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ) قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ، وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ هُوَ قَوْلُ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَابْنُ شَاقِلَا، نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْوَاضِحِ وَرَجَّحَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغَنِّي وَالشَّارِحُ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَهِيَ أَصَحُّ فَإِنَّ نُصُوصَ أَحْمَدَ لَا تَخْتَلِفُ فِي إبَاحَةِ التَّسَرِّي لَهُ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيّ وَنَصَرَهُ (وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ) .
فِيهِ نَظَرٌ إنَّمَا الْمَذْهَبُ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مِلْكِهِ فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي (إذَا قَالَ لَهُ السَّيِّدُ تَسَرَّاهَا أَوْ أَذِنْت لَكَ فِي وَطْئِهَا أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِذْنِ فِي التَّسَرِّي (أُبِيحَ لَهُ عَلَى) هَذَا (الْقَوْلِ) وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهَدٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ النِّكَاحَ بِإِذْنِهِ فَمِلْكُ التَّسَرِّي كَالْحُرِّ (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (يَجُوزُ) أَنْ يَأْذَنَ لَهُ (فِي) التَّسَرِّي (أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ) كَالنِّكَاحِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَأَطْلَقَ تَسَرَّى بِوَاحِدَةٍ فَقَطْ كَالتَّزْوِيجِ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَلَهُ التَّسَرِّي بِمَا شَاءَ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ التَّسَرِّي جَازَ بِغَيْرِ حَصْرٍ كَالْحُرِّ (وَلَمْ يَمْلِكْ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ بَعْدَ التَّسَرِّي) مِنْ الْعَبْدِ بِإِذْنِهِ (نَصًّا) أَيْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَاهَانَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ كَالنِّكَاحِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بُضْعًا أُبِيحَ لَهُ وَطْؤُهُ كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ.
[فَصْلٌ فِي نَفَقَةِ الْبَهَائِمِ]
(فَصْلٌ) فِي نَفَقَةِ الْبَهَائِمِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمَالِكَ (إطْعَامُ بَهَائِمِهِ وَلَوْ عَطِبَتْ وَ) يَلْزَمُهُ (سَقْيُهَا حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى أَوَّلِ شِبَعِهَا وَرِيِّهَا دُونَ غَايَتِهِمَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشَ الْأَرْضِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ مَالِكَ الْبَهِيمَةِ (الْقِيَامُ بِهَا وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا وَإِقَامَةُ مَنْ يَرْعَاهَا أَوْ نَحْوُهُ) ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهَا.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يُحَمِّلَهَا مَا لَا تُطِيقُ) حَمْلَهُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ مَنَعَ تَكْلِيفَ الْعَبْدِ مَا لَا يُطِيقُ، وَالْبَهِيمَةُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ حُرْمَةٌ فِي نَفْسِهِ وَإِضْرَارًا بِهِ.
(وَ) يَحْرُمُ (أَنْ يَحْلُبَ مِنْ لَبَنِهَا مَا يَضُرُّ بِوَلَدِهَا) لِأَنَّ كِفَايَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ، أَشْبَهَ وَلَدَ الْأَمَةِ، (وَيُسَنُّ لِلْحَالِبِ أَنْ يَقُصَّ أَظْفَارَهُ لِئَلَّا يَجْرَحَ الضَّرْعَ، وَجِيفَتُهَا لَهُ) أَيْ الْمَالِكِ (وَنَقْلُهَا عَلَيْهِ) قَالَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ (فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَنْقُلَهَا إلَى مَكَان يَدْفَعُ فِيهِ ضَرَرَهَا عَنْ النَّاسِ) لِأَنَّ نَقْلَهَا كَانَ لَهُ فَغُرْمُهَا عَلَيْهِ.
(وَيَحْرُمُ وَسْمٌ فِي الْوَجْهِ) وَضَرْبٌ فِي الْوَجْهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ مَنْ وَسَمَ أَوْ ضَرَبَ الْوَجْهَ وَنَهَى عَنْهُ (إلَّا لِمُدَاوَاةٍ) لِلْحَاجَةِ (وَ) يَحْرُمُ ضَرْبُ الْوَجْهِ (فِي الْآدَمِيِّ أَشَدُّ) لِأَنَّهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً، وَيَجُوزُ وَسْمُ الْبَهِيمَةِ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.
(وَيُكْرَهُ خَصْيُ غَيْرِ غَنَمٍ وَدُيُوكٍ) وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَيُكْرَهُ خِصَاءٌ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَكَرِهَ أَحْمَدُ خِصَاءَ غَنَمٍ وَغَيْرِهَا إلَّا خَوْفَ غَضَاضَةٍ، وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُخْصَى شَيْءٌ.
(وَيَحْرُمُ) الْخِصَاءُ (فِي الْآدَمِيِّينَ لِغَيْرِ قِصَاصٍ وَلَوْ) رَقِيقًا وَتَقَدَّمَ.
(وَيُكْرَهُ تَعْلِيقُ جَرَسٍ وَوَتَرٍ وَجَزِّ مَعْرَفَةٍ وَنَاصِيَةٍ وَذَنَبٍ) لِلْخَبَرِ.
(وَيَحْرُمُ لَعْنُ الدَّابَّةِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ فِي سَفَرٍ فَلَعَنَتْ امْرَأَةٌ نَاقَةً فَقَالَ: خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا مَكَانَهَا مَلْعُونَةً، فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا تَعَرَّضَ لَهَا أَحَدٌ» وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ «لَا تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ» قَالَ الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: قَالَ الصَّالِحُونَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) أَيْ شَهَادَةُ لَاعِنِ الدَّابَّةِ.
(وَإِنْ امْتَنَعَ) مَالِكُ الْبَهِيمَةِ (مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ (فَإِنْ أَبَى) الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا (أَوْ عَجَزَ) عَنْهُ (أُجْبِرَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ ذَبْحِ مَأْكُولٍ) لِأَنَّ بَقَاءَهَا فِي يَدِهِ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ظُلْمٌ، وَالظُّلْمُ تَجِبُ إزَالَتُهُ (فَإِنْ أَبَى) فِعْلَ أَخْذِهَا (فَعَلَ الْحَاكِمُ الْأَصْلَحَ) مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ (أَوْ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ) وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ.
(وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ مَا خُلِقَتْ لَهُ كَ) الِانْتِفَاعِ بِبَقَرٍ (لِلْحَمْلِ أَوْ الرُّكُوبِ وَإِبِلٍ وَحُمُرٍ لِحَرْثٍ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمِلْكِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِيمَا يُمْكِنُ، وَهَذَا مُمْكِنٌ كَاَلَّذِي خُلِقَ لَهُ وَجَرَتْ بِهِ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَكْلُ الْخَيْلِ وَاسْتِعْمَالُ اللُّؤْلُؤِ فِي الْأَدْوِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا ذَلِكَ وَقَوْلُهُ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَهَا قَالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِذَلِكَ إنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْ أَنَّهُ مُعْظَمُ النَّفْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَنْعُ غَيْرِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهَا) أَيْ الْبَهِيمَةِ (وَلَا ذَبْحُهَا لِلْإِرَاحَةِ) لِأَنَّهَا مَالٌ مَا دَامَتْ حَيَّةً، وَذَبْحُهَا إتْلَافٌ لَهَا وَقَدْ نُهِيَ عَنْ إتْلَافِ الْمَالِ (كَالْآدَمِيِّ الْمُتَأَلِّمِ بِالْأَمْرَاضِ الصَّعْبَةِ) أَوْ الْمَصْلُوبِ بِنَحْوِ حَدِيدٍ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مَادَامَ حَيًّا.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى مُقْتَنِي الْكَلْبِ الْمُبَاحِ) وَهُوَ كَلْبُ صَيْدٍ وَمَاشِيَةٍ وَزَرْعٍ (أَنْ يُطْعِمَهُ) وَيَسْقِيَهُ (أَوْ يُرْسِلَهُ) لِأَنَّ عَدَمَ ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهُ.
(وَلَا يَحِلُّ حَبْسُ شَيْءٍ مِنْ الْبَهَائِمِ لِتَهْلِكَ جُوعًا) أَوْ عَطَشًا لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ وَلَوْ غَيْرَ مَعْصُومٍ لِحَدِيثِ: «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» .
(وَيَحْسُنُ قِتْلَةُ مَا يُبَاحُ قَتْلُهُ) لِلْخَبَرِ.
(وَيُبَاحُ تَجْفِيفُ دُودِ الْقَزِّ بِالشَّمْسِ إذَا اسْتَكْمَلَ) كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ (وَتَدْخِينُ الزَّنَابِيرِ) دَفْعًا لِأَذَاهَا بِالْأَسْهَلِ (فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ ضَرَرُهَا إلَّا بِإِحْرَاقِهَا جَازَ) إحْرَاقُهَا، خَرَّجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَنْظُومَةِ الْآدَابِ عَلَى الْقَوْلِ فِي النَّمْلِ وَالْقَمْلِ وَغَيْرِهِمَا إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ ضَرَرُهُ إلَّا بِالْحَرْقِ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّاظِمُ، وَقَالَ إنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ الشَّيْخَ شَمْسَ الدِّينِ شَارِحَ الْمُقْنِعِ فَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، أَمَّا إذَا انْدَفَعَ ضَرَرُهَا بِدُونِ الْحَرْقِ فَقَالَ النَّاظِمُ: يُكْرَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ التَّحْرِيمُ حَتَّى فِي الْقَمْلَةِ لِلْخَبَرِ (وَلَا يَجِبُ عِيَادَةُ الْمِلْكِ الطِّلْقِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ الْمُخْتَصِّ بِهِ وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْجِوَارِ (إذَا كَانَ) الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ (مِمَّا لَا رُوحَ فِيهِ كَالْعَقَارِ) مِنْ دُورٍ وَبَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ الْعَقَارِ كَالْأَوَانِي؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، نَفَقَتُهُ عَلَى الْعَقَارِ وَنَحْوِهِ لِئَلَّا يَضِيعَ (وَإِنْ كَانَ) الْمِلْكُ (الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ) لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ (وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ عِمَارَةُ دَارِهِ) لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَحَظِّ (وَ) يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَيْضًا (حِفْظُ ثَمَرِهِ وَزَرْعِهِ بِالسَّقْيِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ إضَاعَتَهُ لِمَالِهِ حَرَامٌ وَفِي تَرْكِهِ ذَلِكَ إضَاعَةٌ.
[بَابُ الْحَضَانَةِ]
ِ بِفَتْحِ الْحَاءِ مَصْدَرُ حَضَنْتُ الصَّغِيرَ حَضَانَةً أَيْ تَحَمَّلْتُ مُؤْنَتَهُ وَتَرْبِيَتَهُ، وَالْحَاضِنَةُ الَّتِي تُرَبِّي الطِّفْلَ سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَضُمُّ الطِّفْلَ إلَى حِضْنِهَا (وَهِيَ) أَيْ الْحَضَانَةُ (حِفْظُ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ وَهُوَ الْمُخْتَلُّ الْعَقْلِ بِمَا يَضُرُّهُمْ وَتَرْبِيَتُهُمْ بِعَمَلِ مَصَالِحِهِمْ كَغَسْلِ رَأْسِ الطِّفْلِ وَ) غَسْلِ (يَدَيْهِ وَ) غَسْلِ (ثِيَابِهِ وَ) كَ (دَهْنِهِ وَتَكْحِيلِهِ وَرَبْطِهِ فِي الْمَهْدِ وَتَحْرِيكِهِ لِيَنَامَ وَنَحْوِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِهِ (وَهِيَ) أَيْ حَضَانَةُ مَنْ ذُكِرَ (وَاجِبَةٌ) لِأَنَّهُ يَهْلِكُ بِتَرْكِهَا فَوَجَبَ حِفْظُهُ عَنْ الْهَلَاكِ (كَ) مَا يَجِبُ (الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ) وَإِنْجَاؤُهُ مِنْ الْمَهَالِكِ (وَمُسْتَحِقُّهَا رَجُلُ عَصَبَةٍ) كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْأَخِ لِغَيْرِ أُمٍّ وَالْعَمِّ كَذَلِكَ (وَامْرَأَةٌ وَارِثَةٌ) كَالْأُمِّ وَالْجَدَّةِ وَالْأُخْتِ (أَوْ مُدْلِيَةٌ بِوَارِثٍ كَالْخَالَةِ وَبَنَاتِ الْأَخَوَاتِ أَوْ مُدْلِيَةٌ بِعَصَبَةٍ كَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ وَ) بَنَاتِ (الْأَعْمَامِ وَذَوِي رَحِمٍ) هُوَ مَرْفُوعٌ عُطِفَ عَلَى " رَجُلُ عَصَبَةٍ " وَجَرُّهُ لِلْمُجَاوَرَةِ عَلَى مَا فِيهِ (غَيْرَ مَنْ تَقَدَّمَ) كَالْعَمِّ لِأُمٍّ وَالْجَدِّ لِأُمٍّ وَالْأَخِ لِأُمٍّ (وَحَاكِمٌ) .
(فَإِذَا افْتَرَقَ الزَّوْجَانِ وَلَهُمَا طِفْلٌ أَوْ مَعْتُوهٌ أَوْ مَجْنُونٌ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى فَأَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ أُمُّهُ كَمَا قَبْلَ الْفِرَاقِ مَعَ أَهْلِيَّتِهَا وَحُضُورِهَا وَقَبُولِهَا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ «امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلَفْظُهُ لَهُ.
وَ " لِقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ بِعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ لِأُمِّهِ، وَقَالَ: وَرِيحُهَا وَشَمُّهَا وَلَفْظُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَلِأَنَّ الْأَبَ لَا يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَقُومُ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِيَّتِهَا أَنْ تَكُونَ حُرَّةً عَاقِلَةً عَدْلًا فِي الظَّاهِرِ فَتُقَدَّمَ (وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا) مَعَ مُتَبَرِّعَةٍ (كَرَضَاعٍ) فَهِيَ أَيْ الْأُمُّ (أَحَقُّ) بِحَضَانَتِهِ مِنْ أَبِيهِ لِلْحَدِيثِ (وَلِأَنَّ أَبَاهُ لَا يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إلَى امْرَأَةٍ وَأُمُّهُ أَوْلَى مِنْ امْرَأَةِ أَبِيهِ لِشَفَقَتِهَا) .
(وَلَوْ امْتَنَعَتْ) الْأَمُّ مِنْ حَضَانَتِهِ (لَمْ تُجْبَرْ) عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا (ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا) الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى؛ لِأَنَّ وِلَادَتَهُنَّ مُحَقَّقَةٌ، فَمَنْ فِي مَعْنَى الْأُمِّ وَالْأَقْرَبُ - أَكْمَلُ شَفَقَةً مِنْ الْأَبْعَدِ (ثُمَّ أَبٌ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ كَمَالُ شَفَقَةٍ فَرَجَحَ بِهَا (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ وَقُدِّمْنَ عَلَى الْجَدِّ؛ لِأَنَّ الْأُنُوثَةَ مَعَ التَّسَاوِي تُوجِبُ الرُّجْحَانَ دَلِيلُهُ مَعَ الْأَب (ثُمَّ جَدٌّ) أَبُو الْأَبِ لِأَنَّهُ أَبٌ أَوْ بِمَنْزِلَتِهِ (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ وَقُدِّمْنَ عَلَى الْأَخَوَاتِ مَعَ إدْلَائِهِنَّ بِالْأَبِ؛ لِمَا فِيهِنَّ مِنْ وَصْفِ الْوِلَادَةِ وَكَوْنِ الطِّفْلِ بَعْضًا مِنْهُنَّ وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْأَخَوَاتِ ثُمَّ جَدُّ الْأَبِ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ ثُمَّ جَدُّ الْجَدِّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ (وَهَلُمَّ جَرًّا ثُمَّ) الْأَخَوَاتُ؛ لِأَنَّهُنَّ يُشَارِكْنَ فِي
النَّسَبِ.
وَتُقَدَّمُ مِنْهُنَّ (أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ) لِقُوَّةِ قَرَابَتِهِنَّ (وَتُقَدَّمُ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أَبٍ) لِأَنَّ الْأُمَّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَبِ فَقُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِالْأُمِّ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِهِ.
(وَ) تُقَدَّمُ (خَالَةٌ عَلَى عَمَّةٍ) ؛ لِأَنَّ الْخَالَةَ تُدْلِي بِالْأُمِّ؛ وَلِأَنَّ الشَّارِعَ قَدَّمَ خَالَةَ ابْنَةِ حَمْزَةَ عَلَى عَمَّتِهَا صَفِيَّةَ لِأَنَّ صَفِيَّةَ لَمْ تَطْلُبْ وَجَعْفَرًا طَلَبَ نَائِبًا عَنْ خَالَتِهَا فَقَضَى الشَّارِعُ بِهَا لَهَا فِي غَيْبَتِهَا.
(وَ) تُقَدَّمُ (خَالَةُ أُمٍّ عَلَى خَالَةِ أَبٍ) كَالْأَخَوَاتِ (وَ) تُقَدَّمُ (خَالَاتُ أَبِيهِ عَلَى عَمَّاتِهِ) أَيْ الْأَبِ؛ لِأَنَّ خَالَاتِهِ يُدْلِينَ بِأُمِّهِ، وَعَمَّاتِهِ يُدْلِينَ بِأَبِيهِ وَالْأُمُّ أَحَقُّ مِنْهُ.
(وَ) تُقَدَّمُ (مَنْ يُدْلِي بِعَمَّاتٍ وَخَالَاتٍ بِأُمٍّ) فَقَطْ (عَلَى مَنْ يُدْلِي بِأَبٍ) وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَبِ فَقُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِهَا، وَمَنْ يُدْلِي بِالْأَبَوَيْنِ مِنْهُمَا مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِأَحَدِهِمَا.
(وَتَحْرِيرُهُ) أَيْ الْأَحَقِّ بِالْحَضَانَةِ أَنْ تَكُونَ الْأَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ (أُمٌّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى ثُمَّ أَبٌ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) كَذَلِكَ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى (ثُمَّ جَدٌّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذَلِكَ) الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى، وَيُقَدَّمُ أَيْضًا مِنْ الْأَجْدَادِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ (ثُمَّ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ) (أُخْتٌ لِأُمٍّ ثُمَّ) أُخْتٌ (لِأَبٍ ثُمَّ خَالَةٌ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ) خَالَةٌ (لِأُمٍّ ثُمَّ) خَالَةٌ (لِأَبٍ ثُمَّ عَمَّاتٌ كَذَلِكَ) أَيْ تُقَدَّمُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ (ثُمَّ خَالَاتُ أُمِّهِ) كَذَلِكَ ثُمَّ خَالَاتُ أَبِيهِ ثُمَّ عَمَّاتُ أَبِيهِ كَذَلِكَ (ثُمَّ بَنَاتُ إخْوَتِهِ وَ) بَنَاتُ (أَخَوَاتِهِ) كَذَلِكَ (ثُمَّ بَنَاتُ أَعْمَامِهِ وَ) بَنَاتُ عَمَّاتِهِ كَذَلِكَ (ثُمَّ بَنَاتُ أَعْمَامِ أَبِيهِ وَبَنَاتُ عَمَّاتِ أَبِيهِ كَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ) تُقَدَّمُ مَنْ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ مَنْ لِأُمٍّ ثَمَّ مَنْ لِأَبٍ.
(وَتَقَدَّمَتْ حَضَانَةُ لَقِيطٍ) وَأَنَّ الْأَحَقَّ بِهَا مَنْ وَجَدَاهُ فِي بَابِ اللَّقِيطِ (ثُمَّ) يُقَدَّمُ مَنْ تُقَدِّمُ الْحَضَانَةُ (لِبَاقِي الْعَصَبَةِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ) لِأَنَّ لَهُمْ وِلَايَةً وَتَعْصِيبًا بِالْقَرَابَةِ، فَتَثْبُتُ لَهُمْ الْحَضَانَةُ كَالْأَبِ (فَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَ) الْحَضَانَةُ عَلَيْهَا كَمُعَصَّبَةٍ (مِنْ مَحَارِمِهَا وَلَوْ بِرَضَاعٍ وَنَحْوِهِ) كَمُصَاهَرَةٍ بِأَنْ تَكُونَ رَبِيبَةً لَهُ دَخَلَ بِأُمِّهَا (فَلَا حَضَانَةَ عَلَيْهَا لِابْنِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ) كَابْنِ عَمِّ الْأَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا بِرَضَاعٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَارِمِهَا (وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ) كَالشَّرْحِ وَالنَّظْمِ (إذَا بَلَغَتْ سَبْعًا) لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ أَيْ إلَى ابْنِ الْعَمِّ غَيْرِ الْمَحْرَمِ (وَقَبْلَهَا) أَيْ السَّبْعِ (لَهُ) أَيْ ابْنِ الْعَمِّ (الْحَضَانَةُ عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِصُورَتِهَا وَلَيْسَتْ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ (وَهُوَ قَوِيٌّ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ قَوْلِهِمْ وَحَيْثُ اُعْتُبِرَ فَلِمَنْ لِعَوْرَتِهَا حُكْمٌ) .
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِبِنْتِ سَبْعٍ سِوَى ابْنِ عَمِّهَا وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَيْسَ مَحْرَمًا لَهَا سَلَّمَهَا إلَى ثِقَةٍ يَخْتَارُهَا أَوْ إلَى مَحْرُمَةٍ) وَكَذَا أُمٌّ تَزَوَّجَتْ وَلَيْسَ لِوَلَدِهَا غَيْرُهَا.
(وَإِنْ اجْتَمَعَ أَخٌ وَأُخْتٌ أَوْ عَمٌّ وَعَمَّةٌ أَوْ ابْنُ أَخٍ وَبِنْتُ أَخٍ أَوْ ابْنُ أُخْتٍ وَبِنْتُ أُخْت قُدِّمَتْ الْأُنْثَى عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهَا مِنْ الذُّكُورِ) لِأَنَّ الْأُنُوثَةَ مَعَ التَّسَاوِي تُوجِبُ الرُّجْحَانَ، كَمَا تُقَدَّمُ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ، وَأُمُّ الْأَبِ عَلَى أَبِي الْأَبِ ثُمَّ تَكُونُ الْحَضَانَةُ (لِذَوِي الْأَرْحَامِ رِجَالًا وَنِسَاءً غَيْرَ مَنْ تَقَدَّمَ) لِأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَقَرَابَةً يَرِثُونَ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ، أَشْبَهُوا الْبَعِيدَ مِنْ الْعَصَبَةِ (فَيُقَدَّمُ أَبُو أُمٍّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ؛ لِأَنَّ أَبَا الْأُمِّ يُدْلِي إلَيْهَا بِالْأُبُوَّةِ وَالْأَخُ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ، وَالْأَبُ يُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ) فِي الْوِلَايَةِ فَيُقَدَّمُ فِي الْحَضَانَةِ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ (ثُمَّ أَخٌ مِنْ أُمٍّ) لِأَنَّهُ يَرِثُ بِالْفَرْضِ وَيُسْقِطُ ذَوِي الْأَرْحَامِ ثُمَّ خَالٌ ثُمَّ حَاكِمٌ فَيُسَلِّمُهُ إلَى مَنْ يَحْضُنُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ وَشَفَقَةٌ.
(وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَتْ) امْرَأَةٌ (لِلرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ لَزِمَاهَا) بِالْعَقْدِ (وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَتْ لِلرَّضَاعِ وَأُطْلِقَ) الْعَقْدُ (لَزِمَتْهَا الْحَضَانَةُ تَبَعًا) لِلرَّضَاعِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهَا سِوَى الرَّضَاعِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
(وَ) إنْ اُسْتُؤْجِرَتْ (لِلْحَضَانَةِ وَأُطْلِقَ) الْعَقْدُ (لَمْ يَلْزَمْهَا الرَّضَاعُ) قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَالصَّوَابُ الرُّجُوعُ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَيُعْمَلُ بِهِمَا (وَإِنْ امْتَنَعَتْ الْأُمُّ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْحَضَانَةِ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ أَهْلٍ لَهَا انْتَقَلَتْ إلَى مَنْ بَعْدَهَا) كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ.
(وَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهَا) أَيْ الْحَضَانَةِ سَقَطَ لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ وَلَهُ الْعَوْدُ فِي حَقِّهِ (مَتَى شَاءَ) أَنَّهُ يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ كَالنَّفَقَةِ انْتَهَى.
[فَصْلٌ وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ]
ٍ لِعَجْزِهِ عَنْهَا بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ (وَلَا) حَضَانَةَ أَيْضًا (لِمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدٍ مُهَايَأَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْعَهُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْكَفَاءَةُ، وَقَالَ فِي الْهَدْيِ: لَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ فَإِنْ كَانَ بَعْضُ الطِّفْلِ) الْمَحْضُونِ وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ (رَقِيقًا وَ) الْحَضَانَةُ (لِسَيِّدِهِ وَقَرِيبِهِ بِمُهَايَأَةٍ لِأَنَّ حَضَانَةَ الطِّفْلِ الرَّقِيقِ لِسَيِّدِهِ) وَالْحُرِّيَّةُ لِقَرِيبِهِ (وَالْأَوْلَى لِسَيِّدِهِ أَنْ يُقِرَّهُ مَعَ أُمِّهِ) أَوْ نَحْوِهَا لِأَنَّهَا أَشْفَقُ.
(وَلَا) حَضَانَةَ أَيْضًا (لِفَاسِقٍ) لِأَنَّهُ لَا يُوَفِّي الْحَضَانَةَ حَقَّهَا.
(وَلَا) حَضَانَةَ أَيْضًا (لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) بَلْ ضَرَرُهُ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ يَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ وَيُخْرِجُهُ عَنْ الْإِسْلَام بِتَعْلِيمِهِ الْكُفْرَ وَتَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ ضَرَرٌ.
(وَلَا) حَضَانَةَ (لِمَجْنُونٍ وَلَوْ غَيْرَ مُطْبَقٍ وَلَا لِمَعْتُوهٍ وَلَا لِطِفْلٍ) لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ لِمَنْ يَحْضُنُهُمْ.
(وَلَا) حَضَانَةَ
أَيْضًا (لِعَاجِزٍ عَنْهَا كَأَعْمَى وَنَحْوِهِ) كَزَمِنٍ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَضَعْفُ الْبَصَرِ يَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَحْضُونُ مِنْ الْمَصَالِحِ) انْتَهَى.
(وَإِذَا كَانَ بِالْأُمِّ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ) كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ (وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْعَلَائِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ، وَقَالَ لِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَى الْوَلَدِ مِنْ لَبَنِهَا وَمُخَالَطَتِهَا انْتَهَى) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَهُوَ وَاضِحٌ فِي كُلٍّ عَيْبٍ مُتَعَدٍّ ضَرَرُهُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَخِلَافٌ لَنَا (وَيَأْتِي فِي التَّقْرِيرِ أَنَّ الْجَذْمَى مَمْنُوعُونَ مِنْ مُخَالَطَةِ الْأَصِحَّاءِ) فَمَنْعُهُمْ مِنْ حَضَانَتِهِمْ أَوْلَى.
(وَلَا لِامْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ الطِّفْلِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَأَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي» وَلِأَنَّهَا تَشْتَغِلُ عَنْ حَضَانَتِهِ بِحَقِّ الزَّوْجِ فَتَسْقُطُ حَضَانَتُهَا (مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) لِأَنَّهَا بِالْعَقْدِ مَلَكَ مَنَافِعَهَا وَاسْتَحَقَّ زَوْجُهَا مَنْعَهَا مِنْ الْحَضَانَةِ فَسَقَطَتْ حَضَانَتُهَا (وَلَوْ رَضِيَ الزَّوْجُ لِئَلَّا يَكُونَ) الْمَحْضُونُ (فِي حَضَانَةِ أَجْنَبِيٍّ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا كَجَدِّهِ) أَيْ الْمَحْضُونِ (وَقَرِيبِهِ فَلَهَا الْحَضَانَةُ) لِأَنَّ الزَّوْجَ الْقَرِيبَ يُشَارِكُهَا فِي الْقَرَابَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ الْأُمَّ إذَا كَانَتْ مُزَوَّجَةً بِالْأَبِ.
(وَلَوْ اتَّفَقَا) أَيْ أَبُو الْمَحْضُونِ وَأُمُّهُ (عَلَى أَنْ يَكُونَ) الْوَلَدُ (فِي حَضَانَتِهَا وَهِيَ) أَيْ الْأُمُّ (مُزَوَّجَةٌ وَرَضِيَ زَوْجُهَا جَازَ) ذَلِكَ (وَلَمْ يَكُنْ لَازِمًا) لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ، وَأَيُّهُمْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَلَهُ ذَلِكَ.
(وَلَوْ تَنَازَعَ عَمَّانِ وَنَحْوُهُمَا) كَأَخَوَيْنِ وَابْنَيْ أَخٍ وَابْنَيْ عَمٍّ؛ (وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُتَزَوِّجٌ بِالْأُمِّ أَوْ الْخَالَةِ فَهُوَ أَحَقُّ) بِالْحَضَانَةِ لِأَنَّهُ يَلِيهَا بِمَنْ لَهُ قَرَابَةٌ وَشَفَقَةٌ (فَإِنْ زَالَتْ الْمَوَانِعُ كَأَنْ عَتَقَ الرَّقِيقُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَعَدَلَ الْفَاسِقُ - وَلَوْ ظَاهِرًا - وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَطَلُقَتْ الزَّوْجَةُ - وَلَوْ رَجْعِيًّا، وَلَوْ لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ - رَجَعُوا إلَى حَقِّهِمْ) مِنْ الْحَضَانَةِ لِأَنَّ سَبِيلَهَا قَائِمٌ وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِمَانِعٍ فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ عَادَ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الْمُلَازِمِ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَشَرَطَ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ الْبَنَاتِ لَا حَقَّ لَهَا فَتَزَوَّجَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَوْ أَكْثَرُ (ثُمَّ طَلُقَتْ عَادَ إلَيْهَا حَقُّهَا) لِفَوَاتِ شَرْطِهِ (فَإِنْ طَلُقَتْ وَكَانَ قَدْ أَرَادَ بِرَّهَا) مَا دَامَتْ عَازِبَةً (رَجَعَ) إلَيْهَا (حَقُّهَا كَالْوَقْفِ) عَلَى بَنَاتِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْهُنَّ فَلَا حَقَّ لَهَا (وَإِنْ أَرَادَ صِلَتَهَا مَا دَامَتْ حَافِظَةً لِحُرْمَةِ فِرَاشِهِ فَلَا حَقَّ لَهَا) لِأَنَّهَا قَدْ أَزَالَتْ ذَلِكَ بِتَزْوِيجِهَا، وَهَذَا - إذَا عَلِمَتْ إرَادَتَهُ - وَاضِحٌ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ مَا أَرَادَ فَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ لِلِاحْتِمَالَيْنِ.
وَفِي الْإِنْصَافِ قُلْتُ: يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى حَالِ الزَّوْجِ عِنْدَ الْوَقْفِ؛ فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَحَدِهِمْ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا.
(وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ عَلَى الْبَالِغِ الرَّشِيدِ الْعَاقِلِ) لِأَنَّهُ اسْتَقَلَّ
بِنَفْسِهِ وَقَدَرَ عَلَى إصْلَاحِ أُمُورِهِ بِنَفْسِهِ فَوَجَبَ انْفِكَاكُ الْحَجْرِ عَنْهُ (وَإِلَيْهِ الْخِيَرَةُ فِي الْإِقَامَةِ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَبَوَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ (فَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرَدَ يُخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ فَيُمْنَعُ مِنْ مُفَارَقَتِهِمَا) دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ (وَيُسْتَحَبُّ) لِلْوَلَدِ (أَنْ لَا يَنْفَرِدَ عَنْهُمَا وَلَا يَقْطَعَ بِرَّهُ عَنْهُمَا) لِحَدِيثِ: مَنْ أَبَرُّ (وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَلَيْسَ لَهَا الِانْفِرَادُ) بِنَفْسِهَا (وَلِأَبِيهَا وَأَوْلِيَائِهَا - عِنْدَ عَدَمِهِ - مَنْعُهَا مِنْهُ) أَيْ مِنْ الِانْفِرَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا أَنْ تُخْدَعَ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ مَنْعُهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ) بَلْ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ (فَإِنْ لَمْ تُمْنَعْ إلَّا بِالْحَبْسِ حَبَسُوهَا وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى الْقَيْدِ قَيَّدُوهَا، وَمَا يَنْبَغِي لِلْوَلَدِ أَنْ يَضْرِبَ أُمَّهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَطِيعَةٌ لَهَا وَلَكِنْ يَنْهَى وَيُدَارِيهَا.
(وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ) أَيْ لِعَصَبَاتِ الْمَرْأَةِ أُمًّا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا (مُقَاطَعَتُهَا بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُ مِنْ السُّوءِ بَلْ) يَنْهَوْنَهَا (بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى رِزْقٍ وَكُسْوَةٍ كَسَوْهَا) يَقُومُ بِذَلِكَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي النَّفَقَاتِ (وَلَيْسَ لَهُمْ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا) لِأَنَّ إقَامَتَهُ تَخْتَصُّ بِالْحَاكِمِ وَالسَّيِّدِ (وَمَتَى أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ النُّقْلَةَ إلَى بَلَدٍ مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ آمِنٌ هُوَ) أَيْ الْبَلَدُ (وَالطَّرِيقُ لِيَسْكُنَهُ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُقِيمُ هُوَ الْأَبُ أَوْ الْمُنْتَقِلُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ فِي الْعَادَةِ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَأْدِيبِ الصَّغِيرِ وَحِفْظِ نَسَبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْوَلَدُ فِي بَلَدِ الْأَبِ ضَاعَ.
(قَالَ فِي الْهَدْيِ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُرِدْ) الْمُنْتَقِلُ (بِالنُّقْلَةِ مُضَارَّةَ الْآخَرِ) أَيْ مَا لَمْ يُرِدْ الْأَبُ بِالِانْتِقَالِ مُضَارَّةَ الْأُمِّ (وَانْتِزَاعَ الْوَلَدِ) مِنْهَا (فَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ) بَلْ يُعْمَلُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْوَلَدِ (انْتَهَى) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ مُرَادُ الْأَصْحَابِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: أَمَّا صُورَةُ الْمُضَارَّةِ فَلَا شَكَّ فِيهَا وَأَنَّهُ لَا يُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ) الْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ (قَرِيبًا) أَيْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (لِلسُّكْنَى فَالْأُمُّ أَحَقُّ) لِأَنَّهَا أَتَمُّ شَفَقَةً، وَالسَّفَرُ الْقَرِيبُ كَلَا سَفَرٍ (وَإِنْ كَانَ) السَّفَرُ (بَعِيدًا) لِحَاجَةٍ ثُمَّ يَعُودُ (وَلَوْ لِحَجٍّ أَوْ) كَانَ السَّفَرُ (قَرِيبًا لِحَاجَةٍ ثُمَّ يَعُودُ أَوْ) كَانَ السَّفَرُ (بَعِيدًا لِلسُّكْنَى لَكِنَّهُ مَخُوفٌ هُوَ أَوْ الطَّرِيقُ فَمُقِيمٌ) مِنْهُمَا (أَوْلَى) لِأَنَّ فِي الْمُسَافَرَةِ بِالطِّفْلِ إضْرَارًا بِهِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(فَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْأَبُ وَالْأُمُّ (فَقَالَ الْأَبُ: سَفَرِي لِلْإِقَامَةِ وَقَالَتْ الْأُمُّ: بَلْ) سَفَرُك (لِحَاجَةٍ وَتَعُودُ، فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ أَدْرَى بِمَقْصُودِهِ (وَإِنْ انْتَقَلَا) أَيْ الْأَبَوَانِ (جَمِيعًا إلَى بَلَدٍ وَاحِدَةٍ فَالْأُمُّ بَاقِيَةٌ عَلَى حَضَانَتِهَا) لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهَا (وَإِنْ أَخَذَهُ الْأَبُ لِافْتِرَاقِ الْبَلَدَيْنِ ثُمَّ اجْتَمَعَا) أَيْ الْأَبَوَانِ (عَادَتْ إلَى الْأُمِّ حَضَانَتُهَا) لِزَوَالِ الْمَانِعِ انْتَهَى.
[فَصْلٌ وَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ وَاتَّفَقَ أَبَوَاهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا]
(فَصْلٌ وَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ عَاقِلًا وَاتَّفَقَ أَبَوَاهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ فِي حَضَانَتِهِ إلَيْهِمَا لَا يَعْدُوهُمَا (وَإِنْ تَنَازَعَا) أَيْ الْأَبَوَانِ (فِيهِ) أَيْ فِي حَضَانَتِهِ (خَيَّرَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا فَكَانَ مَعَ مَنْ اخْتَارَ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ أَبَوَيْهِ قَضَى بِهِ عُمَرُ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ وَعَلِيٌّ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عُيَيْنَةَ وَنَفَعَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَنَّهُ إذَا مَالَ إلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَقُيِّدَ بِالسَّبْعِ لِأَنَّهَا أَوَّلُ حَالٍ أَمَرَ الشَّرْعُ فِيهَا بِمُخَاطَبَتِهِ بِالصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْأُمِّ فَإِنَّهَا قُدِّمَتْ فِي حَالِ الصِّغَرِ لِحَاجَتِهِ إلَى حَمْلِهِ وَمُبَاشَرَةِ خِدْمَتِهِ لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِذَلِكَ.
(قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَعَ السَّلَامَةِ مِنْ فَسَادٍ، فَأَمَّا إنْ عُلِمَ أَنَّهُ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا لِيُمَكِّنَهُ مِنْ فَسَادٍ وَيَكْرَهُ الْآخَرَ لِلْأَدَبِ لَمْ يُعْمَلْ بِمُقْتَضَى شَهْوَتِهِ انْتَهَى) لِأَنَّ ذَلِكَ إضَاعَةٌ لَهُ.
(وَلَا يُخَيَّرُ) الْغُلَامُ بَيْنَ أَبَوَيْهِ (قَبْلَ سَبْعٍ) لِمَا سَبَقَ (فَإِنْ اخْتَارَ) الْغُلَامُ (أَبَاهُ كَانَ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَا يُمْنَعُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِغْرَاءِ بِالْعُقُوقِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ (وَإِنْ مَرِضَ) الْغُلَامُ (كَانَتْ) أُمُّهُ (أَحَقَّ بِتَمْرِيضِهِ فِي بَيْتِهَا) لِأَنَّهُ صَارَ بِالْمَرَضِ كَالصَّغِيرِ فِي الْحَاجَةِ (وَإِنْ اخْتَارَ) الْغُلَامُ (أُمَّهُ كَانَ عِنْدَهَا لَيْلًا) لِأَنَّهُ وَقْتُ السَّكَنِ وَانْحِيَازُ الرِّجَالِ إلَى الْمَنَازِلِ.
(وَ) يَكُونُ (عِنْدَ أَبِيهِ نَهَارًا لِيُعَلِّمَهُ الصِّنَاعَةَ وَالْكِتَابَةَ وَيُؤَدِّبَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقَصْدُ فِي حِفْظِ الْوَلَدِ (فَإِنْ عَادَ) الْغُلَامُ (فَاخْتَارَ الْآخَرَ نُقِلَ إلَيْهِ وَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الْأَوَّلَ رُدَّ إلَيْهِ هَكَذَا أَبَدًا) لِأَنَّ هَذَا اخْتِيَارُ تَشَهٍّ وَقَدْ يَشْتَهِي أَحَدُهُمَا فِي وَقْتٍ دُونَ آخَرَ فَأُتْبِعَ بِمَا يَشْتَهِيهِ (فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَحَدَهُمَا أَوْ اخْتَارَهُمَا) أَيْ الْأَبَوَيْنِ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (ثُمَّ إنْ اخْتَارَ غَيْرَ مَنْ قُدِّمَ بِالْقُرْعَةِ رُدَّ إلَيْهِ) كَمَا لَوْ اخْتَارَهُ ابْتِدَاءً (وَلَا يُخَيَّرُ) الْغُلَامُ (إذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ) لِأَنَّ غَيْرَ الْأَهْلِ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ) الْغُلَامُ (عِنْدَ الْآخَرِ) الَّذِي هُوَ أَهْلٌ لِلْحَضَانَةِ كَمَا قَبْلَ السَّبْعِ.
(وَإِنْ اخْتَارَ) ابْنُ سَبْعٍ أَبَاهُ ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ رُدَّ إلَى الْأُمِّ
لِحَاجَتِهِ إلَى مَنْ يَتَعَاهَدُهُ كَالصَّغِيرِ (وَبَطَلَ اخْتِيَارُهُ) لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ.
(وَالْجَارِيَةُ إذَا بَلَغَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَأَكْثَرَ فَعِنْدَ أَبُوهَا إلَى الْبُلُوغِ) وُجُوبًا (وَبَعْدَهُ) أَيْ الْبُلُوغِ تَكُونُ (عِنْدَهُ) أَيْ الْأَبِ (أَيْضًا إلَى الزِّفَافِ) بِوَزْنِ كِتَابٍ (وُجُوبًا وَلَوْ تَبَرَّعَتْ الْأُمُّ بِحَضَانَتِهَا) لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْحَضَانَةِ الْحِفْظُ، وَالْأَبُ أَحْفَظُ لَهَا وَإِنَّمَا تُخْطَبُ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ تَحْتَ نَظَرِهِ؛ لِيُؤْمَنَ عَلَيْهَا مِنْ دُخُولِ النِّسَاءِ، لِكَوْنِهَا مُعَرَّضَةً لِلْآفَاتِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا لِلِانْخِدَاعِ لِغِرَّتِهَا، وَلِأَنَّهَا إذَا بَلَغَتْ السَّبْعَ قَارَبَتْ الصَّلَاحِيَةَ لِلتَّزْوِيجِ وَقَدْ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ وَلَا يُصَارُ إلَى تَخْيِيرِهَا لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ فِيهَا (وَيَمْنَعُهَا) الْأَبُ مِنْ (الِانْفِرَادِ وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) لِأَنَّهَا لَا تُؤْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا (وَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ الْأُمِّ أَوْ الْأَبِ فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَإِنَّ تَأْدِيبَهَا أَوْ تَخْرِيجَهَا فِي جَوْفِ الْبَيْتِ) مَنْ يُعَلِّمُهَا الْغَزْلَ وَالطَّبْخَ وَغَيْرَهُمَا وَلَا حَاجَةَ بِهَا إلَى الْإِخْرَاجِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْغُلَامِ (وَلَا يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا أَيْ الْأَبَوَيْنِ مِنْ زِيَارَتِهَا عِنْدَ الْآخَرِ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلًا عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ الزَّوْجُ بِأُمِّهَا وَلَا يُطِيلُ) الْمَقَامَ لِأَنَّ الْأُمَّ صَارَتْ بِالْبَيْنُونَةِ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ (وَالْوَرَعُ إذَا زَارَتْ) امْرَأَةٌ (ابْنَتَهَا تَحَرِّي أَوْقَاتِ خُرُوجِ أَبِيهَا إلَى مَعَاشِهِ لِئَلَّا يَسْمَعَ كَلَامَهَا) وَالْكَلَامُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، لَكِنْ يَحْرُمُ تَلَذُّذٌ بِسَمَاعِهِ (وَإِنْ مَرِضَتْ) الْبِنْتُ (فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِتَمْرِيضِهَا فِي بَيْتِ الْأَبِ) لِحَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ.
(وَيَمْنَعُ) الْأُمَّ (مِنْ الْخَلْوَةِ بِهَا) أَيْ الْبِنْتِ (إنْ كَانَتْ الْبِنْتُ مُزَوَّجَةً إذَا خِيفَ) مِنْهَا (الْفِتْنَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا) وَالْإِضْرَارُ بِهِ (وَكَذَلِكَ الْغُلَامُ) تُمْنَعُ أُمُّهُ مِنْ الْخَلْوَةِ بِهِ إذَا خِيفَ إفْسَادُهُ (وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، وَالْوَلَدُ عِنْدَ الْآخَرِ لَمْ يُمْنَعْ الْوَلَدُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِنْ عِيَادَتِهِ) لِئَلَّا يَكُونَ إغْرَاءً بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ.
(وَ) لَا يُمْنَعُ مِنْ تَكَرُّرِ (ذَلِكَ) فَيُعِيدُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ (لَا) يُمْنَعُ أَيْضًا (مِنْ حُضُورِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَ) لَا مِنْ (تَوَلِّي جَهَازِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الصِّلَةِ وَالْبِرِّ (وَأَمَّا فِي حَالِ الصِّحَّةِ فَالْغُلَامُ يَزُورُ أُمَّهُ) عَلَى الْعَادَةِ (وَالْأُمُّ تَزُورُ ابْنَتَهَا) كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَالْبِنْتُ أَحَقُّ بِالسِّتْرِ وَالصِّيَانَةِ؛ لِأَنَّهَا مُخَدَّرَةٌ بِخِلَافِ أُمِّهَا.
(وَالْغُلَامُ يُزَوَّرُ أُمَّهُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَالْيَوْمِ فِي الْأُسْبُوعِ، وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ حَضَرَتْهُ أُمُّهُ) لِتُعَاهِدَ بَلَّ حَلْقِهِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا أَرْفَقُ أَهْلِهِ (وَتَتَوَلَّى) مِنْ وَلَدِهَا إذَا اُحْتُضِرَ (مَا تَتَوَلَّاهُ حَالَ الْحَيَاةِ فَتَشْهَدُهُ فِي حَالِ نَزْعِهِ وَتَشُدُّ لِحْيَتَهُ وَتُوَجِّهُهُ) إلَى الْقِبْلَةِ (وَتُشْرِفُ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّى غُسْلَهُ وَتَجْهِيزَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ (وَلَا تُمْنَعُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ إذَا طَلَبَتْهُ فَإِنْ أَرَادَتْ الْحُضُورَ بِمَا يُنَافِي الشَّرْعَ مِنْ تَخْرِيقِ ثَوْبٍ وَلَطْمِ خَدٍّ وَنَوْحٍ مُنِعَتْ) مِنْهُ كَمَا تُمْنَعُ لَوْ كَانَتْ فِي حِيَالِ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ (فَإِذَا امْتَنَعَتْ) مِنْ ذَلِكَ (وَإِلَّا حُجِبَتْ عَنْهُ إلَى أَنْ تَتْرُكَ الْمُنْكَرَ) فَيَجِبُ نَهْيُهَا وَكَفُّهَا عَنْهُ بِمَا يُزَالُ بِهِ الْمُنْكَرُ، وَلَا يَنْبَغِي لِينُ الْقَوْلِ لِلنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي حَضَانَةٍ مِمَّنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ كَالْأُخْتَيْنِ) شَقِيقَتَيْنِ أَوْ لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ (وَالْأَخَوَيْنِ) كَذَلِكَ (وَنَحْوِهِمَا) كَالْعَمَّيْنِ (قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِقُرْعَةٍ) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ.
(فَإِذَا بَلَغَ) الْمَحْضُونُ (سَبْعًا وَلَوْ) كَانَ (أُنْثَى كَانَ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِلْبَعْضِ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ (وَسَائِرُ الْعَصَبَاتِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ كَأَبٍ عِنْدَ عَدَمِهِ أَوْ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَبِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ (فِي التَّخْيِيرِ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ إذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعًا (وَالْإِقَامَةُ وَالنُّقْلَةُ) إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا سَفَرًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (إذَا كَانَ) الْعَصَبَةُ (مَحْرَمًا لِلْجَارِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ) وَلَوْ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ (وَسَائِرُ النِّسَاءِ الْمُسْتَحِقَّاتِ لَهَا) أَيْ لِلْحَضَانَةِ كَالْجَدَّةِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ (كَأُمٍّ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي التَّخْيِيرِ وَالْإِقَامَةِ وَالنُّقْلَةِ.
(وَلَا يُقَرُّ الطِّفْلُ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (بِيَدِ مَنْ لَا يَصُونُهُ، وَ) لَا (يُصْلِحُهُ) لِأَنَّ وُجُودَ مَنْ لَا يَصُونُهُ وَلَا يُصْلِحُهُ كَعَدَمِهِ فَتُنْقَلُ عَنْهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ (وَالْمَعْتُوهُ وَلَوْ أُنْثَى) يَكُونُ (عِنْدَ أُمِّهِ وَلَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ) لِحَاجَتِهِ إلَى مَنْ يَخْدُمُهُ وَيَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَالنِّسَاءُ أَعْرَفُ بِذَلِكَ.
(تَتِمَّةٌ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ لَمْ أَقِفْ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى نَقْلٍ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْبِنْتِ الْبِكْرِ حَتَّى يَجِيءَ فِي جَوَازِ اسْتِقْلَالِهِ وَانْفِرَادِهِ عَنْ أَبَوَيْهِ الْخِلَافُ.
[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ]
(كِتَابُ الْجِنَايَاتِ وَهِيَ جَمْعُ جِنَايَةٍ وَهِيَ) لُغَةً التَّعَدِّي عَلَى بَدَنٍ أَوْ مَالٍ، وَشَرْعًا (التَّعَدِّي عَلَى الْأَبْدَانِ بِمَا يُوجِبُ قِصَاصًا أَوْ غَيْرَهُ) أَيْ مَالًا أَوْ كَفَّارَةً وَسَمَّوْا الْجِنَايَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ غَصْبًا وَنَهْبًا وَسَرِقَةً وَخِيَانَةً وَإِتْلَافًا (قَتْلُ الْآدَمِيِّ بِغَيْرِ حَقٍّ) بِأَنْ لَا يَكُونَ مُرْتَدًّا، أَوْ زَانِيًا مُحْصَنًا، أَوْ قَاتِلًا لِمُكَافِئِهِ، أَوْ حَرْبِيًّا (ذَنْبٌ كَبِيرٌ وَفَاعِلُهُ فَاسِقٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَأَمْرُهُ) أَيْ الْقَاتِلِ (إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] (وَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَخَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 93] الْآيَةَ وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ لَمْ يَنْسَخْهُمَا شَيْءٌ وَحُجَّةُ الْأَكْثَرِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَهُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَالْآيَةُ الْأُولَى مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مُسْتَحِلًّا وَلَمْ يَتُبْ أَوْ عَلَى أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ إنْ جَازَاهُ، وَلَهُ الْعَفْوُ إنْ شَاءَ لَا يُقَالُ لَفْظُ الْآيَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ لِأَنَّا نَقُولُ يَدْخُلُهَا التَّخْصِيصُ وَالتَّأْوِيلُ (وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْمَقْتُولِ فِي الْآخِرَةِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ) كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ الْمَقْتُولُ مِنْ حَسَنَاتِ الْقَاتِلِ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا.
(فَإِنْ اُقْتُصَّ) لِلْمَقْتُولِ مِنْ الْقَاتِلِ أَوْ عَفَا عَنْهُ أَيْ عَفَا وَلِيُّهُ عَنْ الْقِصَاصِ (فَهَلْ يُطَالِبُهُ الْمَقْتُولُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا يُطَالِبُهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا.
(قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي حَدِيثِ صَاحِبِ النِّسْعَةِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ) فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكِ» (فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَتْلَ الْقِصَاصِ لَا يُكَفِّرُ ذَنْبَ الْقَاتِلِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ كَفَّرَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَهُوَ) أَيْ قَتْلُ الْقِصَاصِ (كَفَّارَةٌ لَهُ) أَيْ لِحَقِّ اللَّهِ (وَيَبْقَى حَقُّ الْمَقْتُولِ) فَلَهُ الطَّلَبُ بِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ النُّونِ مَعَ السِّينِ: النِّسْعَةُ بِالْكَسْرِ سَيْرٌ مَضْفُورٌ يُجْعَلُ زِمَامًا لِلْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ يُنْسَجُ عَرِيضَةً تُجْعَلُ عَلَى صَدْرِ الْبَعِيرِ (وَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ لَهُ تَتِمَّةٌ) وَتَوْضِيحٌ.
(وَالْقَتْلُ) وَهُوَ فِعْلُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِزُهُوقِ النَّفْسِ وَهُوَ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْبَدَنَ (ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ) أَحَدُهَا (عَمْدٌ يَخْتَصُّ الْقِصَاصُ بِهِ) دُونَ قَسِيمَيْهِ.
(وَ) الثَّانِي (شِبْهُ عَمْدٍ وَ) الثَّالِثُ (خَطَأٌ) وَهَذَا تَقْسِيمُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَنْكَرَ مَالِكٌ شِبْهَ الْعَمْدِ وَقَالَ: " لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ "
وَجَعَلَ شِبْهَ الْعَمْدِ مِنْ قِسْمِ الْعَمْدِ، وَحُكِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «أَلَا إنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا نَصٌّ فِي ثُبُوتِ شِبْهِ الْعَمْدِ.
وَقَسَّمَهُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُقْنِعِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ فَزَادَ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ؛ وَهُوَ أَنْ يَنْقَلِبَ النَّائِمُ عَلَى شَخْصٍ فَيَقْتُلَهُ، وَمَنْ يُقْتَلُ بِسَبَبٍ كَحَفْرِ بِئْرٍ مُحَرَّمٍ وَنَحْوِهِ وَهَذِهِ الصُّوَرُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِسْمِ الْخَطَإِ (وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْقَصْدُ) فَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ الْقَتْلُ فَلَا قِصَاصَ؛ لِحَدِيثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (فَ) الْقَتْلُ (الْعَمْدُ أَنْ يَقْتُلَ قَصْدًا بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ) أَيْ الْمَقْتُولِ (بِهِ عَالِمًا بِكَوْنِهِ) أَيْ الْمَقْتُولِ (آدَمِيًّا مَعْصُومًا) فَلَا قِصَاصَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا؛ لِأَنَّ حُصُولَ الْقَتْلِ بِمَا لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ يَكُونُ اتِّفَاقًا لِسَبَبٍ أَوْجَبَ الْمَوْتَ غَيْرُهُ، وَإِلَّا لَمَا تَخَلَّفَ الْمَوْتُ عَنْهُ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ عَلَى الْأَكْثَرِ، وَكَذَا لَا قِصَاصَ إنْ لَمْ يَقْصِدْ أَوْ قَصَدَ غَيْرَ مَعْصُومٍ.
(وَهُوَ) أَيْ قَتْلُ الْعَمْدِ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ (تِسْعَةُ أَقْسَامٍ) لِلِاسْتِقْرَاءِ (أَحَدُهَا أَنْ يَجْرَحَهُ بِمُحَدِّدٍ لَهُ مَوْرٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ (أَيْ دُخُولٌ وَتَرَدُّدٌ فِي الْبَدَنِ بِقَطْعِ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ كَسِكِّينٍ وَسَيْفٍ وَسِنَانٍ وَقَدُومٍ أَوْ يَغْرِزَهُ بِمِسَلَّةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ) أَيْ حَجَّام الْمُحَدِّدِ الْمَذْكُورِ (مِمَّا يُحَدِّدُ وَيَجْرَحُ مِنْ حَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَزُجَاجٍ وَحَجَرٍ وَخَشَبٍ وَقَصَبٍ وَعَظْمٍ - جُرْحًا وَلَوْ صَغِيرًا كَشَرْطِ حَجَّامٍ فَمَاتَ) الْمَجْرُوحُ (وَلَوْ طَالَتْ عِلَّتُهُ مِنْهُ وَلَا عِلَّةَ بِهِ غَيْرُهُ) أَيْ الْجُرْحِ وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ كَالْأَطْرَافِ؛ لِأَنَّ الْمُحَدِّدَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي حُصُولِ الْقَتْلِ.
بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ شَحْمَةَ أُذُنِهِ أَوْ أُنْمُلَتَهُ فَمَاتَ، وَلِأَنَّ الْعَمْدَ لَا يَخْتَلِفُ مَعَ اتِّحَادِ الْآلَةِ وَالْفِعْلِ بِسُرْعَةِ الْإِفْضَاءِ وَإِبْطَائِهِ؛ وَلِأَنَّ فِي الْبَدَنِ مَقَاتِلَ خَفِيَّةً وَهَذَا لَهُ سِرَايَةٌ وَمَوْرٌ فَأَشْبَهَ الْجُرْحَ الْكَبِيرَ (وَلَوْ لَمْ يُدَاوِهِ) أَيْ الْجُرْحَ (قَادِرٌ عَلَيْهِ) أَيْ الدَّوَاءِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، فَتَرْكُهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ (أَوْ يَغْرِزُهُ) الْجَانِي (بِإِبْرَةٍ أَوْ شَوْكَةٍ وَنَحْوِهَا) مِنْ كُلِّ مُحَدِّدٍ صَغِيرٍ (فِي مَقْتَلٍ كَالْعَيْنِ وَالْفُؤَادِ) وَهُوَ الْقَلْبُ (وَالْخَاصِرَةِ وَالصُّدْغِ وَأَصْلِ الْأُذُنِ وَالْخُصْيَتَيْنِ فَمَاتَ) فِي الْحَالِ (أَوْ) جَرَحَهُ (بِإِبْرَةٍ وَنَحْوِهَا) فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ (كَالْأَلْيَةِ وَالْفَخِذِ فَمَاتَ فِي الْحَالِ أَوْ) لَمْ يَمُتْ فِي الْحَالِ لَكِنْ (بَقِيَ ضَمِنًا) بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ مُتَأَلِّمًا (حَتَّى مَاتَ) فَفِي
ذَلِكَ كُلِّهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِ الْجَانِي.
(وَإِنْ قَطَعَ) أَيْ أَبَانَ سِلْعَةً خَطِرَةً مِنْ أَجْنَبِيٍّ مُكَلَّفٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ (أَوْ بَطَّ أَيْ شَرَطَ سِلْعَةً خَطِرَةً) لِيُخْرِجَ مَاءَهَا (مِنْ أَجْنَبِيٍّ مُكَلَّفٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) لِأَنَّهُ جَرَحَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ جُرْحًا لَا يَجُوزُ لَهُ فَكَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَحَيْثُ تَعَمَّدَهُ كَغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَلَا ضَمَانَ، لَكِنْ إنْ جَنَتْ يَدُهُ أَوْ كَانَ غَيْرَ حَاذِقٍ ضَمِنَهُ بِدِيَتِهِ (وَإِنْ فَعَلَهُ حَاكِمٌ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ) لِمَصْلَحَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (أَوْ) فَعَلَهُ (وَلِيُّهُمَا) أَيْ وَلِيُّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (لِمَصْلَحَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ وَصِيَّهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ خَتَنَهُ فَمَاتَ.
الْقِسْمُ (الثَّانِي أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ) كَبِيرٍ (فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ الَّذِي تَتَّخِذُهُ الْعَرَبُ لِبُيُوتِهَا فِيهِ رِقَّةٌ وَرَشَاقَةٌ لَا) بِمُثْقَلٍ (كَحُوٍّ) أَيْ كَعَمُودِ الْفُسْطَاطِ وَهُوَ الْخَشَبَةُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا بَيْتُ الشَّعْرِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا «سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ جَارِيَتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ وَبِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ لَيْسَ بِعَمْدٍ وَأَنَّ الْعَمْدَ يَكُونُ بِمَا فَوْقَهُ.
(وَأَمَّا الْعَمُودُ تَتَّخِذُهُ التُّرْكُ وَغَيْرُهُمْ لِخِيَامِهِمْ فَالْقَتْلُ بِهِ عَمْدٌ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا أَوْ يَضْرِبُهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ كَاللُّتِّ) بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ (نَوْعٌ مِنْ السِّلَاحِ، وَالدَّبُّوسِ وَعَقِبِ الْفَأْسِ وَالْكُوذِينَ: الْخَشَبَةُ الثَّقِيلَةُ الَّتِي يَدُقُّ بِهَا الدَّقَّاقُ الثِّيَابَ، وَالسِّنْدَانِ أَوْ) يَضْرِبُهُ (بِحَجَرٍ كَبِيرٍ أَوْ يُلْقِي عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ سَقْفًا أَوْ صَخْرَةً أَوْ خَشَبَةً عَظِيمَةً، أَوْ يُلْقِيهِ مِنْ شَاهِقٍ أَوْ يُكَرِّرُ الضَّرْبَ) عَلَيْهِ (بِخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا (أَوْ يَضْرِبُهُ بِهِ) أَيْ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْخَشَبَةِ الصَّغِيرَةِ أَوْ الْحَجَرِ الصَّغِيرِ مَرَّةً فِي مَقْتَلٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ (يَلْكُزُهُ بِيَدِهِ فِي مَقْتَلٍ أَوْ فِي حَالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ أَوْ حَرٍّ مُفْرِطٍ أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ وَنَحْوِهِ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ يَقْتُلُ غَالِبًا.
(وَإِنْ ادَّعَى جَهْلَ الْمَرَضِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يُقْبَلْ) وَكَذَا إنْ قَالَ لَمْ أَقْصِدْ قَتْلَهُ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الضَّرْبُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْخَشَبَةِ الصَّغِيرَةِ أَوْ الْحَجَرِ الصَّغِيرِ أَوْ اللَّكْزِ بِالْيَدِ فِي مَقْتَلٍ وَلَا فِي حَالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا ذَكَرَ (فَفِيهِ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ عَمْدُ الْخَطَإِ) لِكَوْنِهِ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا إذَنْ (إلَّا أَنْ يَصْغُرَ جِدًّا كَالضَّرْبَةِ بِالْقَلَمِ أَوْ الْإِصْبَعِ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ وَنَحْوِهِ أَوْ مَسَّهُ بِالْكَبِيرِ وَلَمْ يَضْرِبْهُ) بِهِ (فَلَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ) لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَا
يَتَسَبَّبُ عَنْهُ قَتْلٌ.
الْقِسْمُ (الثَّالِثُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَسَدٍ أَوْ نَمِرٍ بِضَيِّقٍ كَزُبْيَةٍ وَنَحْوِهَا، وَزُبْيَةُ الْأَسَدِ) بِضَمِّ الزَّايِ (حُفْرَةٌ تُحْفَرُ لَهُ شِبْهُ الْبِئْرِ) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: الزُّبْيَةُ حُفْرَةٌ فِي مَوْضِعٍ عَالٍ يُصَادُ فِيهَا الْأَسَدُ وَغَيْرُهُ (فَيَفْعَلُ بِهِ) الْأَسَدُ وَنَحْوُهُ (بِمَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) لِأَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ الْإِلْقَاءَ فَقَدْ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا (وَإِنْ فَعَلَ بِهِ) أَيْ الْأَسَدُ أَوْ نَحْوُهُ (مَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) لِأَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ الْإِلْقَاءَ فَقَدْ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا (وَإِنْ فَعَلَ بِهِ) الْأَسَدُ وَنَحْوُهُ (فِعْلًا أَوْ فَعَلَهُ الْآدَمِيُّ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا فَلَا قَوَدَ) لِأَنَّ السَّبُعَ صَارَ آلَةً لِلْآدَمِيِّ فَكَانَ فِعْلُهُ كَفِعْلِهِ.
(وَإِنْ أَلْقَاهُ مَكْتُوفًا بِحَضْرَةِ سَبُعٍ فَقَتَلَهُ أَوْ) أَلْقَاهُ (بِمَضِيقٍ بِحَضْرَةِ حَيَّةٍ فَنَهَشَتْهُ، أَوْ لَسَعَهُ عَقْرَبٌ مِنْ الْقَوَاتِلِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) لِأَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَكَانَ عَمْدًا مَحْضًا (وَإِنْ أَنْهَشَهُ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ سَوَاءٌ، وَقِيلَ: بِالْمُهْمَلَةِ الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ، وَبِالْمُعْجَمَةِ بِالْأَضْرَاسِ (كَلْبًا أَوْ سَبُعًا) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْحَيَوَانُ الْمُفْتَرِسُ (أَوْ حَيَّةً مِنْ الْقَوَاتِلِ وَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْفِعْلُ (يَقْتُلُ غَالِبًا فَعَمْدٌ) يُقَادُ بِهِ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا (وَإِنْ كَانَ) مَا ذُكِرَ مِنْ إنْهَاشِ الْكَلْبِ أَوْ السَّبُعِ أَوْ الْحَيَّةِ (لَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَثُعْبَانِ الْحِجَازِ أَوْ سَبُعً صَغِيرٍ) أَوْ كَلْبٍ صَغِيرٍ.
(أَوْ كَتَّفَهُ وَأَلْقَاهُ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَسْبَعَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ كَثِيرَةِ السِّبَاعِ (فَأَكَلَهُ سَبُعٌ أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فَمَاتَ فَشِبْهُ عَمْدٍ) فَيَضْمَنُهُ بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا تَلِفَ بِهِ وَهُوَ لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا (وَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَاهُ مَشْدُودًا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يُعْهَدْ وُصُولُ زِيَادَةِ الْمَاءِ إلَيْهِ أَوْ تُحْتَمَلُ زِيَادَةُ الْمَاءِ وَعَدَمُهَا فِيهِ) فَوَصَلَتْ الزِّيَادَةُ وَمَاتَ بِهَا فَشِبْهُ عَمْدٍ لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ زِيَادَةُ الْمَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) وَأَلْقَاهُ مَشْدُودًا (فَمَاتَ بِهِ فَهُوَ عَمْدٌ) لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا.
الْقِسْمُ (الرَّابِعُ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يُغْرِقُهُ أَوْ نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْمَاءِ وَالنَّارِ (إمَّا لِكَثْرَتِهِمَا أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ التَّخَلُّصِ لِمَرَضٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ كَانَ مَرْبُوطًا أَوْ مَنَعَهُ الْخُرُوجُ كَوْنُهُ فِي حُفْرَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصُّعُودِ مِنْهَا وَنَحْوِ هَذَا فَمَاتَ) فَعَمْدٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بَعْدَ فِعْلٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إسْنَادُ الْقَتْلِ إلَيْهِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ عَمْدًا.
(أَوْ حَبَسَهُ فِي بَيْتٍ وَأَوْقَدَ فِيهِ نَارًا وَسَدَّ الْمَنَافِذَ) الَّتِي لِلْبَيْتِ (حَتَّى) اشْتَدَّ الدُّخَانُ وَضَاقَ بِهِ النَّفَسُ أَوْ دَفَنَهُ حَيًّا أَوْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ ذَاتِ نَفْسٍ عَالِمًا بِذَلِكَ فَمَاتَ فَعَمْدٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا.
(وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ فَلَبِثَ فِيهِ اخْتِيَارًا حَتَّى مَاتَ فَهَدَرٌ) لِأَنَّهُ مُهْلِكٌ لِنَفْسِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) أَلْقَاهُ (فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ فَلَا قَوَدَ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ
أَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ (وَيَضْمَنُهُ بِالدِّيَةِ) لِأَنَّهُ جَانٍ بِالْإِلْقَاءِ الْمُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ وَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ انْتَهَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَإِنَّمَا تُعْلَمُ قُدْرَتُهُ) أَيْ الْمُلْقَى فِي الْمَاءِ أَوْ النَّارِ عَلَى التَّخَلُّصِ بِقَوْلِهِ: أَنَا قَادِرٌ (عَلَى التَّخَلُّصِ أَوْ نَحْوِ هَذَا) .
الْقِسْمُ (الْخَامِسُ خَنَقَهُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْنُقَهُ فِي عُنُقِهِ ثُمَّ يُعَلِّقَهُ فِي نَحْوِ خَشَبَةٍ فَيَمُوتَ فَهُوَ عَمْدٌ؛ سَوَاءٌ مَاتَ فِي الْحَالِ أَوْ بَقِيَ زَمَنًا؛ لِأَنَّ هَذَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ اللُّصُوصِ وَالْمُفْسِدِينَ، الثَّانِي: أَنْ يَخْنُقَهُ وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ (أَوْ سَدَّ فَمَهُ وَأَنْفَهُ أَوْ عَصَرَ خُصْيَتَيْهِ حَتَّى مَاتَ) أَيْ عَصَرَهُمَا عَصْرًا يَقْتُلُهُ غَالِبًا فَمَاتَ (فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَعَمْدٌ) لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ سَدُّ الْفَمِ وَالْأَنْفِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ فِي الْغَالِبِ لَا تَفُوتُ إلَّا بِسَدِّهِمَا (وَإِنْ كَانَ) سَدُّ الْفَمِ أَوْ الْأَنْفِ أَوْ عَصْرُ الْخُصْيَتَيْنِ (فِي مُدَّةٍ لَا يَمُوتُ) مِثْلُهُ (فِيهَا غَالِبًا فَشِبْهُ عَمْدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا إلَى الْغَايَةِ بِحَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ الْمَوْتُ فِيهِ فَمَاتَ فَهَدَرٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ (وَمَتَى خَنَقَهُ وَتَرَكَهُ سَالِمًا حَتَّى مَاتَ فَفِيهِ الْقَوَدُ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا (وَإِنْ تَنَفَّسَ) الْمَخْنُوقُ (وَصَحَّ) بَعْد الْخَنْقِ (ثُمَّ مَاتَ فَلَا ضَمَانَ) عَلَى الْخَانِقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ بَرِئَ الْجُرْحُ ثُمَّ مَاتَ.
الْقِسْمُ (السَّادِسُ حَبَسَهُ وَمَعَهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ أَوْ أَحَدُهُمَا) أَيْ الطَّعَامُ وَحْدَهُ أَوْ الشَّرَابُ (أَوْ) مَنَعَهُ (الدِّفَاءَ فِي الشِّتَاءِ وَلَيَالِيهِ الْبَارِدَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ حَتَّى مَاتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا أَوْ بَرْدًا فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا بِشَرْطِ أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ فَعَمْدٌ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِالْمَوْتِ عِنْدَ ذَلِكَ فَإِذَا تَعَمَّدَهُ الْإِنْسَانُ فَقَدْ تَعَمَّدَ الْقَتْلَ (فَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ) عَلَيْهِ الطَّلَبُ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ (فَهَدَرٌ) لِأَنَّهُ الْمُهْلِكُ لِنَفْسِهِ (كَتَرْكِهِ شَدَّ مَوْضِعِ فِصَادِهِ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا غَالِبًا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ؛ فَإِذَا عَطِشَ فِي الْحَرِّ مَاتَ فِي الزَّمَانِ الْقَلِيلِ وَعَكْسُهُ فِي الْبَرْدِ وَإِنْ كَانَ) حَبَسَهُ مَعَ مَنْعِهِ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ (فِي مُدَّةٍ لَا يَمُوتُ فِيهَا غَالِبًا فَ) هُوَ (عَمْدٌ لَا خَطَأٌ وَإِنْ شَكَكْنَا فِيهَا) أَيْ فِي الْمُدَّةِ هَلْ يَمُوتُ فِيهَا غَالِبًا أَوْ لَا؟ (لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ) لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مُوجِبِهِ.
الْقِسْمُ (السَّابِعُ سَقَاهُ سُمًّا لَا يَعْلَمُ) الْمَقْتُولُ (بِهِ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ ثُمَّ أَطْعَمَهُ إيَّاهُ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ آكَلَهُ فَأَكَلَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) بِهِ (فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ إنْ كَانَ) ذَلِكَ السُّمُّ (مِثْلُهُ يَقْتُلُ غَالِبًا) لِمَا رُوِيَ أَنَّ يَهُودِيَّةً «أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ مَسْمُومَةً فَأَكَلَ مِنْهَا النَّبِيُّ وَبَشِيرُ بْنُ الْعَلَاءِ فَلَمَّا مَاتَ بَشِيرٌ أَرْسَلَ إلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَإِنْ عَلِمَ آكِلُهُ) أَيْ السُّمِّ (بِهِ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ فَلَا ضَمَانَ) كَمَا لَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ سِكِّينًا فَقَتَلَ بِهَا نَفْسَهُ (وَإِنْ كَانَ) الْآكِلُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ بِأَنْ كَانَ صَغِيرًا (أَوْ مَجْنُونًا ضَمِنَهُ) وَاضِعُ السُّمِّ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا عِبْرَةَ بِفِعْلِهِمَا (وَإِنْ خَلَطَهُ) أَيْ السُّمَّ (بِطَعَامِ نَفْسِهِ فَأَكَلَهُ إنْسَانٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ وَإِنَّمَا هُوَ قَتَلَ نَفْسَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا لِيَقَعَ فِيهَا اللِّصُّ إذَا دَخَلَ يَسْرِقُ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ دَخَلَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْأَكْلِ.
(فَإِنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ بِالسُّمِّ عَدَمَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَاتِلٌ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ؛ لِأَنَّ السُّمَّ يَقْتُلُ غَالِبًا (كَمَا لَوْ جَرَحَهُ وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَمُوتْ، وَإِنْ كَانَ) مَا سَقَاهُ لَهُ (سُمًّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا) فَقَتَلَهُ (فَشِبْهُ عَمْدٍ) لِأَنَّهُ قَصَدَ الْجِنَايَةَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا (وَإِنْ اُخْتُلِفَ) فِي السُّمِّ الْمَسْقِيِّ لَهُ (هَلْ يَقْتُلُ غَالِبًا أَوْ لَا، وَثَمَّ بَيِّنَةٌ) لِأَحَدِهِمَا (عُمِلَ بِهَا) إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوِي الْخِبْرَةِ بِهِ (وَإِنْ قَالَتْ) الْبَيِّنَةُ إنَّ ذَلِكَ السُّمَّ (يَقْتُلُ النِّضْوَ الضَّعِيفَ دُونَ الْقَوِيِّ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ عُمِلَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّاقِي) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
الْقِسْمُ (الثَّامِنُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا هُوَ عَمْدٌ) إذَا كَانَ السَّاحِرُ يَعْلَمُ ذَلِكَ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِمُحَدِّدِ (وَإِنْ قَالَ) السَّاحِرُ (لَا أَعْلَمُهُ قَاتِلًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (فَهُوَ) أَيْ السِّحْرُ (كَسُمٍّ حُكْمًا) أَيْ فِي حُكْمِهِ السَّابِقِ (وَإِذَا وَجَبَ قَتْلُهُ) أَيْ السَّاحِرِ (بِالسِّحْرِ وَقُتِلَ) بِهِ (كَانَ قَتْلُهُ بِهِ حَدًّا) قَالَهُ ابْنُ الْبَنَّاءِ وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَمُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ فِي الْحُدُودِ أَنَّهُ يُقْتَلُ قِصَاصًا لِتَقْدِيمِ حَقِّ الْآدَمِيِّ (وَتَجِبُ دِيَةُ الْمَقْتُولِ فِي تَرِكَتِهِ) أَيْ السَّاحِرِ كَمَا لَوْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ بِغَيْرِ الْمَسْحُورِ (وَالْمِعْيَانُ الَّذِي يَقْتُلُ بِعَيْنِهِ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: يَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالسَّاحِرِ الَّذِي يَقْتُلُ بِسِحْرِهِ غَالِبًا فَإِذَا كَانَتْ عَيْنُهُ يَسْتَطِيعُ الْقَتْلَ بِهَا وَيَفْعَلُهُ بِاخْتِيَارِهِ وَجَبَ بِهِ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ فَعَلَ بِهِ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَصْدِ الْجِنَايَةِ فَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ خَطَأٌ يَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ، وَكَذَا مَا أَتْلَفَهُ بِعَيْنِهِ يَتَوَجَّهُ فِيهِ الْقَوْلُ بِضَمَانِهِ إلَّا أَنْ يَقَعَ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَيَتَوَجَّهُ عَدَمُ الضَّمَانِ انْتَهَى وَيَأْتِي فِي التَّعْزِيرِ) وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ بَلْ غَلَبَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ عَمَدَ ذَلِكَ وَقَدَرَ عَلَى رَدِّهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُ بِهِ سَاغَ لِلْوَالِي أَنْ
يَقْتُلَهُ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ بِهِ فَيُعِينُهُ إنْ شَاءَ كَمَا أَعَانَ هُوَ الْمَقْتُولَ، وَأَمَّا قَتْلُهُ قِصَاصًا بِالسَّيْفِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمَاثِلٍ لِلْجِنَايَةِ، قَالَ: وَسَأَلْتُ شَيْخَنَا عَنْ الْقَتْلِ بِالْحَالِ هَلْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ؟ فَقَالَ: لِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْتُلَهُ بِالْحَالِ كَمَا قَتَلَ بِهِ.
وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْمَشْهَدِ الثَّانِي مِنْ الْمَشَاهِدِ بَيْنَ الْعَائِنِ وَالسَّاحِرِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَالْعَيْنُ نَظَرٌ بِاسْتِحْسَانٍ مَشُوبٌ بِحَسَدٍ مِنْ خَبِيثِ الطَّبْعِ يَحْصُلُ لِلْمَنْظُورِ مِنْهُ ضَرَرٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْ سُمٍّ يَصِلُ مِنْ عَيْنِ الْعَائِنِ فِي الْهَوَاءِ إلَى بَدَنِ الْمَعْيُونُ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَائِضَ تَضَعَ يَدَهَا فِي إنَاءِ اللَّبَنِ يَفْسُدُ، وَلَوْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ طُهْرِهَا لَمْ يَفْسُدْ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ يَنْظُرُ فِي عَيْنِ الْأَرْمَدِ فَيَرْمَدُ، وَيَتَثَاءَبُ وَاحِدٌ بِحَضْرَتِهِ فَيَتَثَاءَبُ، قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ.
الْقِسْمُ (التَّاسِعُ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ عَلَى شَخْصٍ بِقَتْلِ عَمْدٍ أَوْ رِدَّةٍ حَيْثُ امْتَنَعَتْ التَّوْبَةُ أَوْ) يَشْهَدَ (أَرْبَعَةٌ فَأَكْثَرُ بِزِنَا مُحْصَنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ الْقَتْلَ فَقُتِلَ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا وَاعْتَرَفُوا بِتَعَمُّدِ الْقَتْلِ فَعَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ) لِمَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا عَمَدْتُمَا لَقَطَعْتُ أَيْدِيَكُمَا " وَلِأَنَّهُمَا تَوَصَّلَا إلَى قَتْلِهِ بِسَبَبٍ يَقْتُلُ غَالِبًا أَشْبَهَ بِهِ الْمُكْرَهَ، وَقَوْلُهُ: " حَيْثُ امْتَنَعَتْ التَّوْبَةُ " بِأَنْ شَهِدَا أَنَّهُ سَبَّ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا تُقْبَلُ فِيهِ التَّوْبَةُ؛ إذْ يُمْكِنُهُ دَفْعُهُمَا بِالتَّوْبَةِ.
(وَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ إذَا حَكَمَ عَلَى شَخْصٍ بِالْقَتْلِ عَالِمًا بِذَلِكَ) أَيْ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ (مُتَعَمِّدًا فَقَتَلَ وَاعْتَرَفَ) الْحَاكِمُ بِذَلِكَ (فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشُّهُودِ، فَكَانَ الْحَاصِلُ بِسَبَبِهِ عَمْدًا كَالْقَتْلِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ الشَّاهِدَيْنِ (وَلَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ أَقَرَّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِ الشُّهُودِ وَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْقَتْلَ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ (فَإِنْ أَقَرَّ الشَّاهِدَانِ وَالْوَلِيُّ وَالْحَاكِمُ جَمِيعًا بِذَلِكَ) أَيْ بِالْكَذِبِ وَالتَّعَمُّدِ بِقَتْلِهِ (فَعَلَى الْوَلِيِّ الْمُبَاشِرِ) لِلْقَتْلِ (الْقِصَاصُ وَحْدَهُ أَيْضًا) لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْقَتْلَ عَمْدًا عُدْوَانًا قَالَ فِي الشَّرْحِ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَسَبِّبُونَ، وَالْمُبَاشَرَةُ يَبْطُلُ حُكْمُهَا كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ.
(وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لَمْ يُبَاشِرْ) الْقَتْلَ (وَإِنَّمَا بَاشَرَ وَكِيلُهُ؛ فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ عَالِمًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَكِيلُ عَالِمًا (فَعَلَى الْوَلِيِّ) الْقِصَاصُ كَمَا لَوْ بَاشَرَ (فَيَخْتَصُّ مُبَاشِرٌ عَالِمٌ بِالْقَوَدِ ثُمَّ وَلِيٌّ) عَالِمٌ (ثُمَّ بَيِّنَةٌ وَحَاكِمٌ وَمَتَى لَزِمَتْ الدِّيَةُ الْحَاكِمَ وَالْبَيِّنَةَ فَهِيَ بَيْنَهُمْ سَوَاءٌ عَلَى الْحَاكِمِ مِثْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُتَسَبِّبُونَ، وَلَوْ رَجَعَ
الْوَلِيُّ وَالْبَيِّنَةُ ضَمِنَهُ الْوَلِيُّ وَحْدَهُ (لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلَ) وَلَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: عَمَدْنَا قَتْلَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَخْطَأْنَا؛ يُرِيد كُلُّ قَائِلٍ نَفْسَهُ دُونَ الْبَعْضِ الْآخَرِ، قَالَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَاشِيَةِ الْفُرُوعِ، أَوْ قَالَ وَاحِدٌ: عَمَدْتُ قَتْلَهُ وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْطَأْتُ، فَلَا قَوَدَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يَتَمَحَّضْ مُوجِبًا (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُتَعَمِّدِ (حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ، (وَعَلَى الْمُخْطِئِ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: تَعَمَّدْتُ وَأَخْطَأَ شَرِيكِي، أَوْ قَالَ وَاحِدُ: عَمَدْنَا جَمِيعًا، وَقَالَ الْآخَرُ: عَمَدْتُ وَأَخْطَأَ صَاحِبِي، أَوْ قَالَ وَاحِدٌ: عَمَدْتُ وَلَا أَدْرِي مَا فَعَلَ صَاحِبِي، فَعَلَيْهِمَا الْقَوَدُ) لِاعْتِرَافِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ عُدْوَانًا (وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ: عَمَدْنَا) حَالَ كَوْنِهِ مُخْبِرًا عَنْهُ وَعَمَّنْ مَعَهُ وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْطَأْنَا، (مُخْبِرًا عَنْهُ وَعَمَّنْ مَعَهُ لَزِمَ الْمُقِرَّ بِالْعَمْدِ الْقَوَدُ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ.
(وَ) لَزِمَ (الْآخَرَ نِصْفُ الدِّيَةِ مُخَفَّفَةً إذَا كَانَا اثْنَيْنِ) فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: عَمَدْنَا وَقَالَ آخَرُ: أَخْطَأْنَا، فَلَا قَوَدَ وَعَلَى مَنْ قَالَ عَمَدْنَا حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ، وَالْآخَرِ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَلَوْ قَالَ: عَمَدْنَا الْإِشْهَادَ دُونَ الْقَتْلِ، فَالدِّيَةُ (وَإِنْ قَالَا: أَخْطَأْنَا، فَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً) .
(وَلَوْ حَفَرَ فِي بَيْتِهِ بِئْرًا وَسَتَرَهُ لِيَقَعَ فِيهِ أَحَدٌ فَوَقَعَ) فِيهَا أَحَدٌ (فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ) الْوَاقِعُ (دَخَلَ بِإِذْنِهِ قُتِلَ بِهِ) لِتَسَبُّبِهِ فِي قَتْلِهِ (إلَّا إنْ دَخَلَ بِلَا إذْنِهِ أَوْ كَانَتْ مَكْشُوفَةً بِحَيْثُ يَرَاهَا الدَّاخِلُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ) أَيْ الْقَتْلَ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ، وَيَأْتِي بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا فِي الدِّيَاتِ.
(وَلَوْ جَعَلَ فِي حَلْقِ زَيْدٍ خُرَاطَةً) أَيْ حَبْلًا وَنَحْوَهُ (وَشَدَّهَا فِي شَيْءٍ عَالٍ وَتَرَكَ تَحْتَهُ حَجَرًا فَأَزَالَهُ آخَرُ عَمْدًا فَمَاتَ قُتِلَ مُزِيلُهُ دُونَ رَابِطِهِ) كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ (وَإِنْ جَهِلَ) الْمُزِيلُ (الْخُرَاطَةَ فَلَا قَوَدَ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْقَتْلَ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ فِي مَالِهِ الدِّيَةُ) جَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَمْدًا أَوْجَبَ الْقَوَدَ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
(وَلَوْ شَدَّ عَلَى ظَهْرِهِ قِرْبَةً مَنْفُوخَةً وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ لَا يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ فَجَاءَ آخَرُ وَخَرَقَ الْقِرْبَةَ فَخَرَجَ الْهَوَاءُ فَغَرَقَ فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي) ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ وَالْأَوَّلُ مُتَسَبِّبٍ (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَنَّ الدَّالَّ) عَلَى الْمَقْتُولِ لِيُقْتَلَ ظُلْمًا (يَلْزَمُهُ الْقَوَدُ إنْ تَعَمَّدَ) وَعَلِمَ الْحَالَ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إذَا تَعَذَّرَ تَضْمِينُ الْمُبَاشِرِ وَإِلَّا فَهُوَ الْأَصْلُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الدَّالُّ (فَ) عَلَيْهِ (الدِّيَةُ وَ) اخْتَارَ الشَّيْخُ أَيْضًا (أَنَّ الْآمِرَ) بِالْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ (لَا يَرِثُ) مِنْ الْمَقْتُولِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ لَهُ تَسَبُّبًا فِي الْقَتْلِ.
[فَصْلٌ وَشِبْهُ الْعَمْدِ وَيُسَمَّى خَطَأَ الْعَمْدِ]
(فَصْلٌ وَشِبْهُ الْعَمْدِ، وَيُسَمَّى خَطَأَ الْعَمْدِ وَعَمْدَ الْخَطَإِ) لِاجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ (أَنْ يَقْصِدَ الْجِنَايَةَ إمَّا لِقَصْدِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ أَوْ) قَصْدِ (التَّأْدِيبِ لَهُ فَيُسْرِفَ فِيهِ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا وَلَمْ يَجْرَحْهُ بِهَا فَيُقْتَلُ قَصَدَ قَتْلَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْفِعْلَ وَأَخْطَأَ فِي الْقَتْلِ (نَحْوُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ أَوْ يَلْكُزَهُ بِيَدِهِ أَوْ يُلْقِيَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ يَسْحَرَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا أَوْ سَائِرِ مَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا أَوْ يَصِيحُ بِصَغِيرٍ أَوْ صَغِيرَةٍ وَهُمَا عَلَى سَطْحٍ أَوْ نَحْوِهِ) مِنْ الْأَمْكِنَةِ الْمُرْتَفِعَةِ (فَيَسْقُطَانِ) فَيَمُوتَانِ (أَوْ يَعْتَقِلَ غَافِلًا فَيَصِيحُ بِهِ فَيَسْقُطُ فَيَمُوتُ أَوْ يَذْهَبُ عَقْلُهُ وَ) هَذَا كُلُّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا فِيهِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ؛ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلَهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ، وَرَوَاهُمَا النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مُسْنَدًا أَوْ مُرْسَلًا، وَهَذَا الْقِسْمُ يَثْبُتُ بِالسُّنَّةِ وَالْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ يَثْبُتَانِ بِالْكِتَابِ.
وَ (فِيهِ الْكَفَّارَةُ إذَا مَاتَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وَالْخَطَأُ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ (وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ صَاحَ بِمُكَلَّفٍ أَوْ مُكَلَّفَةٍ فَسَقَطَا) فَمَاتَا أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُمَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) إذَا لَمْ يَغْتَفِلَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِمَا (وَإِمْسَاكُ الْحَيَّةِ مُحَرَّمٌ وَجِنَايَةٌ) لِأَنَّهُ إلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ إلَى الْهَلَاكِ؛ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] (فَلَوْ قَتَلَتْ) الْحَيَّةُ (مُمْسِكَهَا مِنْ مُدَّعِي الْمَشْيَخَةِ وَنَحْوِهِ فَ) هُوَ (قَاتِلُ نَفْسِهِ) لِأَنَّهُ فَعَلَ بِهَا مَا يَقْتُلُ غَالِبًا.
(وَ) أَمَّا (إمْسَاكُ الْحَيَّةِ مَعَ الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تَقْتُلُ فَشِبْهُ عَمْدٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكَلَ حَتَّى بَشِمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ نَفْسِهِ) قُلْتُ:
وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا مِنْ الْمَشْيِ فِي الْهَوَاءِ عَلَى الْحِبَالِ وَالْجَرْيِ فِي الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَرْبَابُ الْبَطَالَةِ وَالشَّطَارَةِ، وَيَحْرُمُ أَيْضًا إعَانَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَإِقْرَارُهُمْ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ وَالْخَطَأُ ضَرْبَانِ]
(فَصْلٌ وَالْخَطَأُ) ضَرْبَانِ ضَرْبٌ فِي الْفِعْلِ (كَرَمْيِ صَيْدٍ أَوْ غَرَضٍ أَوْ شَخْصٍ - وَلَوْ مَعْصُومًا - أَوْ بَهِيمَةٍ - وَلَوْ مُحْتَرَمَةً - فَيُصِيبُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا لَمْ يَقْصِدْهُ) فَهُوَ خَطَأٌ، قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: إذَا رَمَى مَعْصُومًا أَوْ بَهِيمَةً مُحْتَرَمَةً فَأَصَابَ آدَمِيًّا مَعْصُومًا لَمْ يَقْصِدْهُ فَهُوَ عَمْدٌ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَهُ الْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ اهـ وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُنْتَهَى (أَوْ يَنْقَلِبُ عَلَيْهِ نَائِمٌ وَنَحْوُهُ) كَمُغْمًى عَلَيْهِ (فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) .
الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْمِيَ مَا يَظُنُّهُ صَيْدًا أَوْ هَدَفًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا لَمْ يَقْصِدْهُ أَوْ مُبَاحَ الدَّمِ الثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فَيَتَبَيَّنُ مُسْلِمًا أَوْ يَرْمِي إلَى صَفِّ الْكُفَّارِ فَيُصِيبُ مُسْلِمًا) لَمْ يَقْصِدْهُ (أَوْ يَتَتَرَّسُ الْكُفَّارُ بِمُسْلِمٍ؛ وَيَخَافُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ لَمْ يَرْمِهِمْ فَيَرْمِيهِمْ فَيَقْتُلُ الْمُسْلِمَ فَهَذَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] (بِلَا دِيَةٍ) لِلْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ دِيَةً فِي هَذَا الْقِسْمِ وَذَكَرَهَا فِي اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.
(قَالَ الشَّيْخُ هَذَا فِي الْمُسْلِمِ الَّذِي هُوَ بَيْنَ الْكُفَّارِ مَعْذُورٌ كَالْأَسِيرِ، وَالْمُسْلِمُ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ الْهِجْرَةُ وَالْخُرُوجُ مِنْ صَفِّهِمْ فَأَمَّا الَّذِي يَقِفُ فِي صَفِّ قِتَالِهِمْ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يُضْمَنُ بِحَالٍ) لِأَنَّهُ الَّذِي عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ بِلَا عُذْرٍ (وَإِنْ قُتِلَ بِسَبَبٍ كَاَلَّذِي يَحْفِرُ بِئْرًا أَوْ يَنْصِبُ حَجَرًا أَوْ سِكِّينًا وَنَحْوَهُ تَعَدِّيًا وَلَمْ يَقْصِدْ جِنَايَةً فَيَؤُولُ إلَى إتْلَافِ الْإِنْسَانِ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الْخَطَإِ) لِأَنَّهُ يُشَارِكُ الْخَطَأَ فِي الْإِتْلَافِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ خَطَأً لِعَدَمِ الْقَصْدِ فِي الْجُمْلَةِ، هَذَا كَلَامُ الْمُوَفَّقِ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ هُوَ مِنْ الْخَطَإِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَوَّلًا حَيْثُ جَعَلَ الْقَتْلَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَالْقَتْلُ بِالسَّبَبِ مُلْحَقٌ بِالْخَطَإِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْجِنَايَةَ (فَإِنْ قَصَدَ جِنَايَةً فَشِبْهُ عَمْدٍ مُحَرَّمٌ) وَقَدْ يَقْوَى فَيُلْحَقُ بِالْعَمْدِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِكْرَاهِ وَالشَّهَادَةِ (وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ لَا قِصَاصَ فِيهِ) لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ حَيْثُ وَجَبَتْ) فِي الْخَطَإِ (وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ) فِي الْخَطَإِ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ (وَلَوْ قَالَ) الْقَاتِلُ (كُنْتُ حَالَ الْقَتْلِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا وَأَمْكَنَ) صِدْقُهُ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُوجِبِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهُ بِأَنْ لَمْ يُعْهَدْ لَهُ حَالُ جُنُونٍ وَنَحْوُهُ لَمْ يُصَدَّقْ، وَإِنْ قَالَ أَنَا الْآنَ صَغِيرٌ وَاحْتُمِلَ صُدِّقَ وَلَا يَمِينَ (وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) .
[فَصْلٌ وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ]
(" فَصْلٌ " وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ إذَا كَانَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَالِحًا لِلْقَتْلِ بِهِ) وَانْفَرَدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] لِأَنَّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مَتَى قُتِلَ بِهِ أُتْلِفَ بِهِ فَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ الْقِصَاصُ فِي الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ لَبَطَلَتْ الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ، وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ قَتَلَ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ تَجِبُ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ فَوَجَبَتْ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ وَالدِّيَةِ أَنَّ الدَّمَ لَا يَتَبَعَّضُ بِخِلَافِ الدِّيَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ لِلْقَتْلِ؛ كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَجَرٍ صَغِيرٍ فَمَاتَ (فَلَا) قِصَاصَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَا يُوجِبُ الْقَوَدَ (مَا لَمْ يَتَوَاطَئُوا عَلَى ذَلِكَ) الْفِعْلِ لِيَقْتُلُوهُ بِهِ فَعَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً إلَى دَرْءِ الْقِصَاصِ.
(وَإِنْ عَفَا عَنْهُمْ) أَيْ عَنْ الْقَاتِلِينَ (الْوَلِيُّ سَقَطَ الْقَوَدُ) لِلْعَفْوِ (وَوَجَبَتْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ الْقَتْلَ وَاحِدٌ فَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ كَمَا لَوْ قَتَلُوهُ خَطَأً (وَيَأْتِي حُكْمُ الِاشْتِرَاكِ فِي) قَطْعِ (الطَّرِيقِ فِي) بَابِ (مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَإِنْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ جُرْحًا وَ) جَرَحَهُ (الْآخَرُ مِائَةً) وَمَاتَ (فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ) لِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ؛ إذْ لَا يَكَادُ جُرْحَانِ