صفحات 128-167
إذْلَالُهُمْ (بِلَا سَرْجٍ، عَرْضًا بِأَنْ تَكُونَ رِجْلَاهُ إلَى جَانِبٍ وَظَهْرُهُ إلَى) الْجَانِبِ (الْآخَرِ عَلَى الْأُكُفِ جَمْعُ إكَاف) بِوَزْنِ كُتُبٍ وَكِتَابٍ (وَهُوَ الْبَرْدَعَةُ) لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ " أَنَّ عُمَرَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ " وَظَاهِرُهُ: قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَ) يَلْزَمُهُمْ التَّمْيِيزُ أَيْضًا (فِي لِبَاسِهِمْ بِالْغِيَارِ فَيَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُخَالِفُ لَوْنُهُ بَقِيَّةَ ثِيَابِهِمْ كَعَسَلِيٍّ لِيَهُودَ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ اللِّبَاسِ مَعْرُوفٌ وَأَدْكَنَ لِنَصَارَى) وَهُوَ لَوْنٌ (يُضْرَبُ إلَى السَّوَادِ وَهُوَ الْفَاخِتِيِّ، وَيَكُونُ هَذَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَا فِي جَمِيعِهَا) أَيْ: الثِّيَابِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا.
(وَلِامْرَأَةٍ غِيَارٌ بِخُفَّيْنِ مُخْتَلِفَيْ اللَّوْنِ كَأَبْيَضَ وَأَحْمَرَ وَنَحْوِهِمَا إنْ خَرَجَتْ بِخُفٍّ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَإِنْ أَبَوْ الْغِيَارَ لَمْ يُجْبَرُوا وَنُغَيِّرُهُ نَحْنُ.
(وَ) مِمَّا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ (شَدُّ الْخِرَقِ الصُّفْرِ وَنَحْوِهَا) كَالزُّرْقِ (فِي قَلَانِسِهِمْ وَعَمَائِمِهِمْ، مُخَالَفَةً لِلَوْنِهَا) أَيْ: تَكُونُ الْخِرَقُ مُخَالِفٌ لَوْنُهَا لَوْنَ الْقَلَانِسِ وَالْعَمَائِمِ، لِيَحْصُلَ التَّمْيِيزُ.
(وَلَمَّا صَارَتْ الْعِمَامَةُ الصَّفْرَاءُ وَالزَّرْقَاءُ وَالْحَمْرَاءُ مِنْ شِعَارِهِمْ حَرُمَ عَلَى الْمُسْلِمِ لُبْسُهَا) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَكِنْ فِي الزَّرْقَاءِ وَالصَّفْرَاءِ وَاضِحٌ، لَا فِي الْحَمْرَاءِ (وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَجْتَزِئُ بِهَا) أَيْ: بِالْعِمَامَةِ الزَّرْقَاءِ وَنَحْوِهَا كَاَلَّذِي اعْتَادَهُ الْيَهُودُ بِبَلَدِنَا (فِي حَقِّ الرِّجَالِ: عَنْ الْغَيَارِ وَنَحْوِهِ) كَشَدِّ الزُّنَّارِ (لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ الظَّاهِرِ بِهَا وَهُوَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَقَبْلَهَا كَالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَأْلُوفَةً لَهُمْ فَإِنْ أَرَادُوا الْعُدُولَ عَنْهَا مُنِعُوا وَإِنْ تَزَيَّا بِهَا مُسْلِمٌ أَوْ عَلَّقَ صَلِيبًا بِصَدْرِهِ حَرُمَ) لِحَدِيثِ «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ: يُكْرَهُ التَّشَبُّهُ بِزِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ وَنَحْوِهِمْ: مَخْصُوصٌ بِمَا هُنَا وَالْفَرْقُ مَا فِي هَذِهِ مِنْ شِدَّةِ الْمُشَابَهَةِ (وَلَمْ يَكْفُرْ) بِذَلِكَ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي وَالْخَبَرُ لِلتَّنْفِيرِ.
(وَلَا يَتَقَلَّدُوا السُّيُوفَ وَلَا يَحْمِلُوا السِّلَاحَ وَلَا يُعَلِّمُوا أَوْلَادَهُمْ الْقُرْآنَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَلَّمُوا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قَالَ مُهَنًّا: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَلْ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعَلِّمَ غُلَامًا مَجُوسِيًّا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ: إنْ أَسْلَمَ فَنَعَمْ وَإِلَّا فَأَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ قُلْتُ فَيُعَلِّمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ نَعَمْ.
(وَلَا يَتَعَلَّمُونَ الْعَرَبِيَّةَ)
لِاشْتِرَاطِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي كِتَابِهِمْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ وَأَمْرُ عُمَرَ أَنْ يُكْتَبَ لَهُمْ قَالُوا فِيهِ: " وَلَا نَتَكَلَّمُ بِكَلَامِهِمْ ".
(وَيُمْنَعُونَ مِنْ الْعَمَلِ بِالسِّلَاحِ، وَتَعَلُّمِ الْمُقَاتِلَةِ بِالثِّقَافِ، وَالرَّمْيِ وَغَيْرِهِ) كَلَعِبٍ بِرُمْحٍ وَدَبُّوسٍ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَعُونَةً لَهُمْ عَلَيْنَا.
(وَيُؤْمَرُ النَّصَارَى بِشَدِّ الزُّنَّارِ فَوْقَ ثِيَابِهِمْ) لِأَنَّهُمْ إذَا شَدُّوهُ مِنْ دَاخِلٍ لَمْ يُرَ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ (وَهُوَ) أَيْ: الزُّنَّارُ (خَيْطٌ غَلِيظٌ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ خَارِجُ الثِّيَابِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَيْسَ لَهُمْ إبْدَالُهُ بِمِنْطَقَةٍ وَمِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِمَا) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّمَيُّزِ.
(وَ) يَكُونُ الزُّنَّارُ (لِلْمَرْأَةِ تَحْتَ ثِيَابِهَا) قَالَهُ الْقَاضِي وَعَلَّلَ بِأَنَّهَا إنْ شَدَّتْهُ فَوْقَ كُلِّ الثِّيَابِ انْكَشَفَ رَأْسُهَا.
وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَكِنَّ الْمَرْأَةَ تَشُدُّ فَوْقَ ثِيَابِهَا تَحْتَ الْإِزَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شُدَّ فَوْقَهُ لَمْ يَثْبُتْ (وَيَكْفِي أَحَدُهُمَا أَيْ: الْغِيَارُ أَوْ الزُّنَّارُ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّمْيِيزُ وَهُوَ حَاصِلٌ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: فَالتَّمْيِيزُ فِي الْمَلْبُوسِ بِالْغِيَارِ - إلَى أَنْ قَالَ وَيُؤْمَرُونَ مَعَ ذَلِكَ بِشَدِّ الزُّنَّارِ فَوْقَ ثِيَابِهِمْ فَمُقْتَضَاهُ: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ.
(وَلَا يُمْنَعُونَ فَاخِرَ الثِّيَابِ وَلَا الْعَمَائِمِ، وَالطَّيْلَسَانِ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِالْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ وَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمْ خَوَاتِيمَ مِنْ رَصَاصٍ أَوْ حَدِيدٍ لَا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ) لِتَحْرِيمِهَا عَلَى الذُّكُورِ.
(وَ) كَذَلِكَ (لَوْ جَعَلَ، فِي عُنُقِهِ صَلِيبًا لَمْ يَجُزْ) لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الصَّلِيبِ (أَوْ) يُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمْ (جُلْجُلٌ جَرَسٌ صَغِيرٌ، لِدُخُولِهِمْ حَمَّامِنَا) لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ وَظَاهِرُهُ جَوَازُ دُخُولِهَا الْحَمَّامَ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ.
(وَيَلْتَزِمُ تَمْيِيزَ قُبُورِهِمْ عَنْ قُبُورِنَا تَمْيِيزًا ظَاهِرًا كَالْحَيَاةِ وَأَوْلَى) وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَدْفِنُوا أَحَدًا مِنْهُمْ فِي مَقَابِرِنَا (وَيَنْبَغِي مُبَاعَدَةُ مَقَابِرِهِمْ عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَظَاهِرُهُ: وُجُوبًا، لِئَلَّا تَصِيرَ الْمَقْبَرَتَانِ مَقْبَرَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْنُهُمْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَكُلَّمَا بَعُدَتْ) مَقَابِرُهُمْ (عَنْهَا كَانَ أَصْلَحَ) لِلتَّبَاعُدِ عَنْ الْمَفْسَدَةِ.
(وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِي مَقَابِرِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَصَابَهُمْ عَذَابٌ قَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25] .
(وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ) ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَعْظِيمًا لَهُمْ (وَلَا) يَجُوزُ (الْقِيَامُ لَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ.
(وَلَا لِمُبْتَدَعٍ يَجِبُ هَجْرُهُ) كَرَافِضِيٍّ قُلْتُ وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِمَنْ يُسَنُّ هَجْرُهُ كَمُجَاهِرٍ بِمَعْصِيَةٍ كَعِيَادَتِهِ (وَلَا يُوَقَّرُونَ كَمَا يُوَقَّرُ الْمُسْلِمُ) لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِمْ.
(وَلَا تَجُوزُ بَدْأَتُهُمْ بِالسَّلَامِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهَا»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى وَالْمُبْدِعِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَزَاهُ فِي الشَّرْحَيْنِ إلَى التِّرْمِذِيِّ (فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ مُسْلِمٌ نَوَاهُ) أَيْ: الْمُسْلِمُ (بِالسَّلَامِ) لِأَهْلِيَّتِهِ لَهُ.
(وَلَا يَجُوزُ قَوْلُهُ) أَيْ الْمُسْلِمِ (لَهُمْ) أَيْ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ (كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ وَكَيْفَ أَمْسَيْتَ؟ وَكَيْفَ أَنْتَ؟ وَكَيْفَ حَالُكَ؟) نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد هَذَا عِنْدِي أَكْبَرُ مِنْ السَّلَامِ (وَقَالَ الشَّيْخُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَهْلًا وَسَهْلًا وَكَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ وَنَحْوُهُ) مِثْلُ: كَيْفَ حَالُكَ.
(وَيَجُوزُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُسْلِمِ (لَهُ) الذِّمِّيِّ (أَكْرَمَكَ اللَّهُ وَهَدَاكَ اللَّهُ، يَعْنِي بِالْإِسْلَامِ) قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ لِأَحْمَدَ يَقُولُ لَهُ أَكْرَمَكَ اللَّهُ؟ قَالَ نَعَمْ يَعْنِي بِالْإِسْلَامِ (وَيَجُوزُ) قَوْلُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ (أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَك وَأَكْثَرَ مَالَكَ وَوَلَدَكَ قَاصِدًا بِذَلِكَ كَثْرَةَ الْجِزْيَةِ) لَكِنْ كَرِهَ أَحْمَدُ الدُّعَاءَ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالْبَقَاءِ وَنَحْوِهِ،؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ فُرِغَ مِنْهُ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَيَسْتَعْمِلُهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا لِأَنَسٍ بِطُولِ الْعُمُرِ " وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إلَّا الْبِرُّ» إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ: نَقَلَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ قَوْلِ أَطَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَقَاءَكَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ تَحِيَّةُ الزَّنَادِقَةِ (وَلَوْ كَتَبَ كِتَابًا إلَى كَافِرٍ وَكَتَبَ) أَيْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ (فِيهِ سَلَامًا كَتَبَ: سَلَامٌ عَلَى مِنْ اتَّبَعَ الْهُدَى) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنًى جَامِعٌ.
(وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ ظَنَّهُ مُسْلِمًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ اُسْتُحِبَّ قَوْلُهُ) أَيْ الْمُسْلِمِ (لَهُ) أَيْ الذِّمِّيِّ (رُدَّ عَلَى سَلَامِي) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقِيلَ: إنَّهُ كَافِرٌ فَقَالَ: رُدَّ عَلَيَّ مَا سَلَّمْتُ عَلَيْكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَكْثَرَ اللَّهُ مَالَكَ وَوَلَدَكَ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَكْثَرُ لِلْجِزْيَةِ ". (وَإِنْ سَلَّمَ أَحَدُهُمْ) أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ (لَزِمَ رَدُّهُ فَيُقَالُ لَهُ: وَعَلَيْكُمْ، أَوْ عَلَيْكُمْ) بِلَا وَاوٍ (وَبِالْوَاوِ أَوْلَى) لِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ «نُهِينَا أَوْ أُمِرْنَا أَلَّا نَزِيدَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى وَعَلَيْكُمْ» وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيُّ الدِّينِ: يَرُدُّ مِثْلَ تَحِيَّتِهِ فَيَقُولُ: وَعَلَيْكَ مِثْلُ تَحِيَّتِكَ.
(وَإِذَا لَقِيَهُ الْمُسْلِمُ فِي طَرِيقٍ فَلَا يُوَسِّعُ لَهُ وَيَضْطَرُّهُ إلَى ضَيِّقِهِ) لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَقَدَّمَ.
(وَتُكْرَهُ مُصَافَحَتُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَ) يُكْرَهُ (تَشْمِيتُهُ) قَالَهُ الْقَاضِي وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ عَقِيلٍ وَعَنْ أَبِي مُوسَى «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
(وَ) يُكْرَهُ (التَّعَرُّضُ لِمَا يُوجِبُ الْمَوَدَّةَ بَيْنَهُمَا) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22] الْآيَةَ.
(وَإِنْ شَمَّتَهُ كَافِرٌ أَجَابَهُ) ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْهِدَايَةِ جَائِزٌ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ.
(وَيَحْرُمُ تَهْنِئَتُهُمْ وَتَعْزِيَتُهُمْ وَعِيَادَتُهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لَهُمْ أَشْبَهَ السَّلَامَ.
(وَعَنْهُ تَجُوزُ الْعِيَادَةُ) أَيْ: عِيَادَةُ الذِّمِّيِّ (إنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ فَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَ يَهُودِيًّا، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
(وَقَالَ) الشَّيْخُ (وَيَحْرُمُ شُهُودُ عِيدِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ (وَبَيْعُهُ لَهُمْ فِيهِ) . وَفِي الْمُنْتَهَى: لَا بَيْعُنَا لَهُمْ فِيهِ (وَمُهَادَاتُهُمْ لِعِيدِهِمْ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِهِمْ فَيُشْبِهُ بَدَاءَتَهُمْ بِالسَّلَامِ.
(وَيَحْرُمُ بَيْعُهُمْ) وَإِجَازَتُهُمْ (مَا يَعْمَلُونَهُ كَنِيسَةً أَوْ تِمْثَالًا) أَيْ: صَنَمًا (وَنَحْوَهُ) كَاَلَّذِي يَعْمَلُونَهُ صَلِيبًا؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] (وَ) يَحْرُمُ (كُلُّ مَا فِيهِ تَخْصِيصٌ كَعِيدِهِمْ وَتَمْيِيزٌ لَهُمْ وَهُوَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إجْمَاعًا) لِلْخَبَرِ (وَتَجِبُ عُقُوبَةُ فَاعِلِهِ) .
(وَقَالَ وَالْكَنَائِسُ لَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَيْسَ لَهُمْ مَنْعُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا لِأَنَّا صَالَحْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَالْعَابِدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْغَافِلِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا انْتَهَى) قُلْتُ وَفِي مَعْنَاهُ الْأَمَاكِنُ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا الْمَعَاصِي، لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَائِهَا، وَلِهَذَا قِيلَ إنِّي اطَّلَعْتُ عَلَى الْبِقَاعِ وَجَدْتُهَا ... تَشْقَى كَمَا تَشْقَى الرِّجَالُ وَتَسْعَدُ " تَتِمَّةٌ " قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا غَمَّضَ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ: لَا تَأْخُذُوا عَنِّي هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَجِدْهُ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَلَكِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرَى مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ.
(وَتُكْرَهُ التِّجَارَةُ وَالسَّفَرُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَبِلَادِ الْكُفْرِ مُطْلَقًا) مَعَ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ (وَإِلَى بِلَادِ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ وَالرَّوَافِضِ، وَالْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ مِنْهَا
أَنْ لَوْ كَانَ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ إنْ قَدَرَ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِ (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ فِيهَا فَحَرَامٌ سَفَرُهُ إلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ بِنَفْسِهِ إلَى الْمَعْصِيَةِ.
(وَيُمْنَعُونَ مِنْ تَعْلِيَةِ بُنْيَانٍ، لَا) مِنْ (مُسَاوَاتِهِ عَلَى بُنْيَانِ جَارٍ مُسْلِمٍ وَلَوْ كَانَ بُنْيَانُ الْمُسْلِمِ فِي غَايَةِ الْقِصَرِ، أَوْ رَضِيَ) الْمُسْلِمُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى زَادَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: يَدُومُ عَلَى مُدَاوَمَةِ الْأَوْقَاتِ وَرِضَاهُ يُسْقِطُ حَقَّ مِنْ يَأْتِي بَعْدَهُ.
(وَإِنْ لَمْ يُلَاصِقْ) بُنْيَانُهُ بُنْيَانَ مُسْلِمٍ (بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَارِ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ) ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَرَفُّعًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَمُنِعُوا مِنْهُ كَالتَّصْدِيرِ فِي الْمَجَالِسِ (حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِاجْتِنَابِهِ مُحَرَّمٌ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَيَجِبُ هَدْمُهُ، أَيْ: الْعَالِي إنْ أَمْكَنَ هَدْمُهُ بِمُفْرَدِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى هَدْمِ الْعَالِي لِزَوَالِ الْمَفْسَدَةِ بِهِ.
وَأَمَّا الْمُسَاوَاةُ فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُفْضِي إلَى عُلُوِّ الْكُفْرِ وَلَا إلَى اطِّلَاعِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِنَا (وَيَضْمَنُ مَا تَلَفَ بِهِ) أَيْ الْعَالِي (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ هَدْمِهِ، لِتَعَدِّيهِ بِالتَّعْلِيَةِ لِعَدَمِ إذْنِ الشَّارِعِ فِيهَا (وَإِنْ مَلَكُوهُ عَالِيًا مِنْ مُسْلِمٍ) لَمْ يُنْقَضْ سَوَاءٌ كَانَ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا وَإِنْ كَانَتْ مُلِكَتْ مِنْ كَافِرٍ وَجَبَ نَقْضُهَا (أَوْ بَنَى الْمُسْلِمُ) إلَى جَانِبِ دَارِ الذِّمِّيِّ (أَوْ مَلَكَ) الْمُسْلِمُ (دَارًا إلَى جَانِبِ دَارِ الذِّمِّيِّ دُونَهَا لَمْ تُنْقَضْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْهَا بَلْ مَلَكَهَا كَذَلِكَ (لَكِنْ لَا تُعَادُ عَالِيَةً لَوْ انْهَدَمَتْ أَوْ هُدِمَتْ) ظُلْمًا أَوْ بِحَقٍّ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ انْهِدَامِهَا كَأَنْ لَمْ تُوجَدْ (فَإِنْ تَشَعَّثَ الْعَالِي) الَّذِي لَا يَجِبُ هَدْمُهُ وَلَمْ يَنْهَدِمُ (فَلَهُ رَمُّهُ وَإِصْلَاحُهُ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لَا إنْشَاءُ تَعْلِيَةٍ.
(وَإِنْ كَانُوا فِي مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدَةٍ عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُجَاوِرُهُمْ فِيهَا مُسْلِمٌ تُرِكُوا وَمَا يَبْنُونَهُ كَيْفَ أَرَادُوا) وَكَذَا لَوْ كَانَتْ دَارُهُ فِي طَرَفِ الْبَلَدِ حَيْثُ لَا جَارَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْمُطَاوَلَةِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ التَّعْلِيَةِ ذَكَرَهُ فِي الْبُلْغَةِ.
(وَلَوْ وَجَدْنَا دَارَ ذِمِّيٍّ عَالِيَةً وَدَارَ مُسْلِمٍ أَنْزَلَ مِنْهَا وَشَكَكْنَا فِي السَّابِقَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَمْ يَعْرِضْ لَهُ فِيهَا وَقَالَ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ شَمْسِ الدِّينِ (بْنِ) أَبِي بَكْرٍ (الْقَيِّمِ) بِالْمَدْرَسَةِ الْجَوْزِيَّةِ (فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ لَهُ: لَا تُقَرُّ) دَارٌ لِذِمِّيٍّ عَالِيَةٌ (؛ لِأَنَّ التَّعْلِيَةَ مُفْسِدَةٌ وَقَدْ شَكَكْنَا فِي شَرْطِ الْجَوَازِ اهـ) وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَلَوْ أُمِرَ الذِّمِّيُّ بِهَدْمِ بِنَائِهِ) الْعَالِي (فَبَادَرَ) الذِّمِّيُّ (وَبَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ) أَوْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِهِ (صَحَّ) الْبَيْعُ وَنَحْوُهُ (وَسَقَطَ الْهَدْمُ، كَمَا لَوْ بَادَرَ وَأَسْلَمَ) لِزَوَالِ الْمَفْسَدَةِ.
(وَيُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ كَنَائِسَ وَبِيَعٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَمِنْ بِنَاءِ صَوْمَعَةٍ لِرَاهِبٍ، وَمُجْتَمَعٍ لِصَلَوَاتِهِمْ قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ فَلَيْسَ لِلْعَجَمِ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ بَيْعَةً رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ وَالْكَنَائِسُ: وَاحِدُهَا كَنِيسَةٌ وَهِيَ مَعْبَدُ النَّصَارَى وَالْبِيَعُ جَمْعُ بَيْعَةٍ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ لِلنَّصَارَى فَهُمَا حِينَئِذٍ مُتَرَادِفَانِ وَقِيلَ: الْكَنَائِسُ لِلْيَهُودِ وَالْبِيَعُ لِلنَّصَارَى فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ وَهُوَ الْأَصْلُ.
(وَمَا فُتِحَ) مِنْ الْأَرَاضِي (صُلْحًا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا فَلَهُمْ إحْدَاثُ مَا يَخْتَارُونَ) وَلَا يُمْنَعُونَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُمْ فِي بِلَادِهِمْ أَشْبَهُوا أَهْلَ الْحَرْبِ زَمَنَ الْهُدْنَةِ.
(وَإِنْ صُولِحُوا عَلَى أَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ الْإِحْدَاثُ بِشَرْطٍ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ اسْتَحَقُّوهُ بِالشَّرْطِ فَجَازَ لَهُمْ فِعْلُهُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوهَا مُنِعُوا مِنْ إحْدَاثِهَا.
(وَلَا يَجِبُ هَدْمُ مَا كَانَ مَوْجُودًا مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا (وَقْتَ فَتْحِ) الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ بِهَا (وَلَوْ كَانَ) فَتْحُهَا (عَنْوَةً) لِمَفْهُومِ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ وَغَيْرِهِ.
(وَلَهُمْ) أَيْ: أَهْلِ الذِّمَّةِ (رَمُّ مَا تَشَعَّثَ مِنْهَا) أَيْ: الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا مَلَكُوا اسْتِدَامَتِهَا مَلَكُوا رَمَّ شُعُثِهَا (لَا الزِّيَادَةَ) أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ الزِّيَادَةُ بِتَوْسِعَةٍ أَوْ تَعْلِيَةٍ لِلْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي مَعْنَى إحْدَاثِهَا إذًا لِمَزِيدٍ مِنْهَا مُحْدَثٍ فَكَانَ كَإِحْدَاثِ الْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَيُمْنَعُونَ مِنْ بِنَاءِ مَا اسْتُهْدِمَ مِنْهَا) أَيْ الْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا (وَلَوْ) كَانَ الْمُنْهَدِمُ مِنْهَا (كُلَّهَا، أَوْ هُدِمَ) مِنْهَا (ظُلْمًا) ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَمُنِعُوا مِنْهُ كَابْتِدَاءِ بِنَائِهَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْمَذْهَبِ إنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ بَلَدًا فِيهَا بَيْعَةٌ خَرَابٌ لَمْ يَجُزْ بِنَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ إحْدَاثٌ لَهَا فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ.
(وَ) يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ مُنْكَرٍ كَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ (وَ) مِنْ (إظْهَارِ ضَرْبِ نَاقُوسٍ وَرَفْعِ صَوْتِهِمْ بِكِتَابِهِمْ، أَوْ) صَوْتِهِمْ (عَلَى مَيِّتٍ وَإِظْهَارِ عِيدٍ وَصَلِيبٍ) ؛ لِأَنَّ فِي شُرُوطِهِمْ لِابْنِ غَنْمٍ " وَأَنْ لَا نَضْرِبَ نَاقُوسًا إلَّا ضَرْبًا خَفِيفًا فِي جَوْفِ كَنَائِسنَا وَلَا نَظْهَرُ عَلَيْهَا وَلَا نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا، فِيمَا يَحْضُرُهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَنْ لَا نُظْهِرَ صَلِيبًا، وَلَا كِتَابًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ لَا نُخْرِجَ بَاعُوثًا وَلَا شَعَانِينَ وَلَا نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا وَأَنْ لَا نُجَاوِرَهُمْ بِالْجَنَائِزِ وَلَا نُظْهِرَ شِرْكًا ".
(وَ) يُمْنَعُونَ أَيْضًا مِنْ إظْهَارُ (أَكْلٍ وَشُرْبٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَمِنْ إظْهَارِ بَيْعٍ مَأْكُولٍ فِيهِ كَشِوَاءٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إظْهَارُ شَيْءٍ مِنْ شِعَارِ دِينِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا وَقْتَ الِاسْتِسْقَاءِ وَلَا لِقَاءِ الْمُلُوكِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ
تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَ) يُمْنَعُونَ (مِنْ شِرَاءِ مُصْحَفٍ وَكِتَابِ فِقْهٍ وَحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: أَوْ أَخْبَارِ صَحَابَتِهِ.
(وَ) يُمْنَعُونَ (مِنْ ارْتِهَانِ ذَلِكَ وَلَا يَصِحَّانِ) أَيْ: بَيْعُ وَرَهْنُ الْمُصْحَفِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ لَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وَلِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ امْتِهَانِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ شِرَاءِ كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْأَدَبِ، وَالنَّحْوِ، وَالتَّصْرِيفِ، الَّتِي لَا قُرْآنَ فِيهَا) وَلَا أَحَادِيثَ (دُونَ كُتُبِ الْأُصُولِ) أَيْ: أُصُولِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ، فَيُمْنَعُونَ مِنْ شِرَائِهَا كَكُتُبِ الْفِقْهِ وَأَوْلَى.
(وَيُكْرَهُ بَيْعُهُمْ ثِيَابًا مَكْتُوبًا عَلَيْهَا بِطِرَازٍ أَوْ غَيْرِهِ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ كَلَامَهُ) حَذَرًا مِنْ أَنْ يُمْتَهَنَ (وَيُمْنَعُونَ مِنْ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَ) مِنْ إظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ فَإِنْ فَعَلُوا أَتْلَفْنَاهُمَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُظْهِرُوهُمَا (فَلَا) نَتَعَرَّضُ لَهُمَا (وَإِنْ بَاعُوا الْخَمْرَ لِلْمُسْلِمِينَ اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ) مِنْ السُّلْطَانِ (وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ الْأَثْمَانَ الَّتِي قَبَضُوهَا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) لِبُطْلَانِ بَيْعِ الْخَمْرِ وَتَحْرِيمِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ.
(وَلَا تُرَدُّ إلَى مَنْ اشْتَرَى بِهَا مِنْهُمْ الْخَمْرَ فَلَا يُجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ وَمَنْ بَاعَ خَمْرًا لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَمْلِكْ ثَمَنَهُ) لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (وَيُصْرَفُ) مَا أُخِذَ مِنْهُ (فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قِيلَ فِي مَهْرِ الْبَغْيِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ عِوَضٌ عَنْ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، إذَا كَانَ الْمُعَاضُ قَدْ اسْتَوْفَى الْمُعَوَّضَ قَالَهُ الشَّيْخُ) لِئَلَّا يَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ قُلْتُ: مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ بَقَاءُ الْعِوَضِ عَلَى مِلْكِ بَاذِلِهِ لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ مِنْ انْتِقَالِ الْمِلْكِ.
(وَإِنْ صَالَحُوا) أَيْ: الْكُفَّارَ (فِي بِلَادِهِمْ عَلَى إعْطَاءِ جِزْيَةٍ أَوْ خَرَاجٍ لَمْ يُمْنَعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ بَلَدَهُمْ لَيْسَ بِبَلَدِ إسْلَامٍ لِعَدَمِ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ إيَّاهُ فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِمْ فِيهِ كَمَنَازِلِهِمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَمُنِعُوا مِنْهُ.
(وَيُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ حَرَمِ مَكَّةَ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] وَالْمُرَادُ: حَرَمُ مَكَّةَ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: 28] أَيْ ضَرَرًا بِتَأْخِيرِ الْجَلْبِ عَنْ الْحَرَمِ وَيُؤَيِّدُهُ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: 1]
أَيْ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ لَا مِنْ نَفْسِ الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ دُونَ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَمَاكِنِ الْعِبَادَاتِ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَعْظَمُهَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النُّسُكِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَظَاهِرُهُ: مُطْلَقًا أَيْ: سَوَاءٌ أُذِنَ لَهُ أَوْ لَا، لِإِقَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
(وَلَوْ) كَانَ الْكَافِرُ (غَيْرَ مُكَلَّفٍ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَ (لَا) يُمْنَعُونَ دُخُولَ (حَرَمِ الْمَدِينَةَ) لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ وَالْيَهُودُ بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يُمْنَعُوا مِنْ الْإِقَامَةِ بِهَا.
(فَإِنْ قَدِمَ رَسُولٌ) مِنْ الْكُفَّارِ (لَا بُدَّ لَهُ مِنْ لِقَاءِ الْإِمَامِ وَهُوَ) أَيْ الْإِمَامُ (بِهِ) أَيْ: بِالْحَرَمِ الْمَكِّيّ (خَرَجَ) الْإِمَامُ إلَيْهِ.
(وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ) فِي الدُّخُولِ لِعُمُومِ الْآيَةِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ تِجَارَةٌ أَوْ مِيرَةٌ خَرَجَ إلَيْهِ مِنْ يَشْتَرِي مِنْهُ وَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ الدُّخُولِ لِلْآيَةِ.
(فَإِنْ دَخَلَ) الْكَافِرُ الْحَرَمَ رَسُولًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (عَالِمًا عُزِّرَ) لِإِتْيَانِهِ مُحَرَّمًا.
(وَأُخْرِجَ) مِنْ الْحَرَمِ (وَيُنْهَى الْجَاهِلُ) عَنْ الْعَوْدِ لِمِثْلِ ذَلِكَ (وَيُهَدَّدُ وَيَخْرُجُ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُمْ) وَلَا يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِالْجَهْلِ (فَإِنْ مَرِضَ) بِالْحَرَمِ (أَوْ مَاتَ) بِهِ (أُخْرِجَ) مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ إخْرَاجُهُ حَيًّا فَإِخْرَاجُ جِيفَتِهِ أَوْلَى وَإِنَّمَا جَازَ دَفْنُهُ بِالْحِجَازِ سِوَى حَرَمِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ حَرَمِ مَكَّةَ سَهْلٌ مُمْكِنٌ، لِقُرْبِ الْحِلِّ مِنْهُ، وَخُرُوجُهُ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ وَهُوَ مَرِيضٌ، أَوْ مَيِّتٌ صَعْبٌ مُشِقٌّ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ (وَإِنْ دُفِنَ) بِالْحَرَمِ (نُبِشَ) وَأُخْرِجَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ) فَيُتْرَكُ وَكَذَا لَوْ تَصَعَّبَ خُرُوجُهُ لِنَتَنِهِ وَتَقَطُّعِهِ، لِلْمَشَقَّةِ فِي إخْرَاجِهِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَإِنْ صَالَحَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ بِعِوَضٍ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ) ؛ لِأَنَّهُ صُلْحٌ يُحِلُّ حَرَامًا (فَإِنْ دَخَلُوا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ لَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ الْعِوَضُ) لِئَلَّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ الْعِوَضُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَوْفَوْهُ لَا قِيمَةَ لَهُ وَالْعَقْدُ لَمْ يُوجِبْ الْعِوَضَ، لِبُطْلَانِهِ (وَإِنْ دَخَلُوا إلَى بَعْضِهِ) أَيْ: بَعْضِ الْمَوْضِعِ الَّذِي صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ (أُخِذَ مِنْ الْعِوَضِ بِقَدْرِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ مَا سَبَقَ.
(وَيُمْنَعُونَ مِنْ الْإِقَامَةِ بِالْحِجَازِ وَهُوَ الْحَاجِزُ بَيْنَ تِهَامَةَ) بِكَسْرِ التَّاء وَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا نَزَلَ عَنْ نَجْدٍ مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ؛ وَمَكَّةُ مِنْ تِهَامَةَ سُمِّيَتْ تِهَامَةَ مِنْ التَّهَمِ - بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْهَاءِ - وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَرُكُودُ الرِّيحِ ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَنَجْدٌ) وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ وَعِبَارَةُ الْمُبْدِعِ: قِيلَ هُوَ، يَعْنِي الْحِجَازَ مَا بَيْنَ الْيَمَامَةَ وَالْعَرُوضِ، وَبَيْنَ الْيَمَنِ وَنَجْدٍ (كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَخَيْبَرَ
وَيَنْبُعَ وَفَدَكِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَرْيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ.
(وَمَا وَالَاهَا مِنْ قُرَاهَا قَالَ الشَّيْخُ مِنْهُ تَبُوكُ وَنَحْوُهَا وَمَا دُونَ الْمُنْحَنَيْ وَهُوَ عَقَبَةُ صُوَانٍ مِنْ الشَّامِ كَعَمَّانَ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ «أَنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ عُمَرُ " سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَلَا أَتْرُكُ فِيهِمَا إلَّا مُسْلِمًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْمُرَادُ: الْحِجَازُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَخْرَجَ أَحَدًا مِنْ الْيَمَنِ وَتَيْمَاءَ قَالَ أَحْمَدُ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ الْمَدِينَةُ وَمَا وَالَاهَا يَعْنِي أَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْ سُكْنَى الْكُفَّارِ بِهِ: الْمَدِينَةُ وَمَا وَالَاهَا وَهُوَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَخَيْبَرُ وَيَنْبُعُ وَفَدَكُ وَمَخَالِيفُهَا.
(وَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهُ) أَيْ الْحِجَازِ (إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ) كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَدْخُلُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَكَذَلِكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يَدْخُلُونَ أَرْضَ الْحِجَازِ إلَّا بِإِذْنِهِ.
(وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِمَنْعِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ (وَحَدُّ الْجَزِيرَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ) الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ مِنْ عَدَنَ إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ وَالرِّيفُ أَرْضٌ فِيهَا زَرْعٌ وَخِصْبٌ وَالْجَمْعُ أَرْيَافٌ.
قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (طُولًا وَمِنْ تِهَامَةَ إلَى مَا وَرَاءَهَا إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ) عَرْضًا قَالَ الْخَلِيلُ إنَّمَا قِيلَ لَهَا جَزِيرَةٌ؛ لِأَنَّ بَحْرَ الْحَبَشَةِ وَبَحْرَ فَارِسَ وَالْفُرَاتِ أَحَاطَتْ بِهَا، وَنُسِبَتْ إلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهَا أَرْضُهَا وَمَسْكَنُهَا وَمَعْدِنُهَا (فَإِنْ دَخَلُوا الْحِجَازَ لِتِجَارَةٍ) أَوْ غَيْرِهَا (لَمْ يُقِيمُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لِمَنْ دَخَلَ تَاجِرًا فِي إقَامَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ " فَدَلَّ عَلَى الْمَنْعِ فِي الزَّائِدِ (وَلَهُ أَنْ يُقِيمَ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَ (فِي مَوْضِعٍ آخَرَ) مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ.
(وَكَذَا) لَهُ أَنْ يُقِيمَ ثَلَاثَةً فَمَا دُونَ (فِي) مَوْضِعٍ (ثَالِثٍ، وَ) مَوْضِعٍ (رَابِعٍ) وَهَكَذَا (فَإِنْ أَقَامَ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) مِنْ الْحِجَازِ (عُزِّرَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ: فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الدَّاخِلِينَ أَرْضَ الْحِجَازِ لِتِجَارَةٍ (مَنْ لَهُ دَيْنٌ) حَالٌّ (أُجْبِرَ غَرِيمُهُ عَلَى وَفَائِهِ) لِيَخْرُجَ (فَإِنْ تَعَذَّرَ جَازَتْ الْإِقَامَةُ لِاسْتِيفَائِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَفِي إخْرَاجِهِمْ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ذَهَابُ أَمْوَالِهِمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّعَذُّرُ لِمَطْلٍ أَوْ تَغَيُّبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
(وَإِنْ كَانَ) الدَّيْنُ (مُؤَجَّلًا لَمْ يُمَكَّنْ) مِنْ الْإِقَامَةِ حَتَّى يَحِلَّ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً لِلْإِقَامَةِ (وَيُوَكِّلُ) مَنْ يَسْتَوْفِيهِ لَهُ إذَا حَلَّ.
(وَإِنْ مَرِضَ) مَنْ دَخَلَ الْحِجَازَ مِنْهُمْ (جَازَتْ
إقَامَتُهُ) بِهِ (حَتَّى يَبْرَأَ) مِنْ مَرَضِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ يَشُقُّ عَلَى الْمَرِيضِ (وَتَجُوزُ الْإِقَامَةُ أَيْضًا لِمَنْ يُمَرِّضُهُ) لِضَرُورَةِ إقَامَتِهِ.
(وَإِنْ مَاتَ دُفِنَ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ (وَلَا يُمْنَعُونَ) أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ (مِنْ تَيْمَاءَ فَيْدَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَيَاءٍ مُثَنَّاةٍ بَعْدَهَا وَهِيَ مِنْ بِلَادِ طَيٍّ (وَنَحْوِهِمَا) مِنْ بَاقِي الْجَزِيرَةِ غَيْرِ الْحِجَازِ لِمَا مَرَّ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْخُلَفَاءِ لَمْ يُخْرِجْ وَاحِدًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
(وَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولُ مَسَاجِدِ الْحِلِّ، وَلَوْ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ) ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا بَصَرَ بِمَجُوسِيٍّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَلَ وَضَرَبَهُ وَأَخْرَجَهُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَلِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ يَمْنَعُ فَالشِّرْكُ أَوْلَى، وَصَحَّحَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ أَهْلِ الطَّائِفِ فَأَنْزَلَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ إسْلَامِهِمْ» وَأُجِيبَ عَنْهُ وَعَنْ نَظَائِرِهِ: بِأَنَّهُ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ وَبِأَنَّهُمْ كَانُوا يُخَاطِبُونَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَحْمِلُونَ إلَيْهِ الرَّسَائِلَ وَالْأَجْوِبَةَ وَقَدْ يَسْمَعُونَ مِنْهُ الدَّعْوَةَ وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَخْرُجَ لِكُلِّ مَنْ قَصْدَهُ مِنْ الْكُفَّارِ (وَيَجُوزُ دُخُولُهَا) أَيْ: مَسَاجِدِ الْحِلِّ (لِلذِّمِّيِّ إذَا اُسْتُؤْجِرَ لِعِمَارَتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ مَصْلَحَةٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: تَجُوزُ عِمَارَةُ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكِسْوَتُهُ وَإِشْعَالُهُ بِمَالِ كُلِّ كَافِرٍ، وَأَنْ يَبْنِيَهُ بِيَدِهِ ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي وَقْفِهِ عَلَيْهِ وَوَصِيَّتِهِ لَهُ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا: الْعِمَارَةُ فِي الْآيَةِ دُخُولُهُ وَجُلُوسُهُ فِيهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 18] الْآيَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَفِي الْفُنُونِ وَارِدَةٌ عَلَى سَبَبٍ وَهِيَ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَظَاهِرُهُ: الْمَنْعُ فِيهِ فَقَطْ لِشَرَفِهِ وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ بِنَائِهِ وَإِصْلَاحِهِ وَلَمْ يَخُصَّ مَسْجِدًا بَلْ أَطْلَقَ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
[فَصْلٌ إنْ اتَّجَرَ ذِمِّيٌّ وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ تَغْلِبِيًّا إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ ثُمَّ عَادَ]
فَصْلٌ وَإِنْ اتَّجَرَ ذِمِّيٌّ وَلَوْ صَغِيرًا، أَوْ أُنْثَى أَوْ تَغْلِبِيًّا إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ ثُمَّ عَادَ إلَى بَلَدِهِ (وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْوَاجِبُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ مِنْ بِلَادِنَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْعُشْرِ مِمَّا مَعَهُ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ " أَمَرَنِي عُمَرُ أَنْ آخُذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
رُبُعَ الْعُشْرِ وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ " أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إلَى الْكُوفَةِ فَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَمْوَالِهِمْ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ فِيهَا فِي كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا " وَهَذَا كَانَ بِالْعِرَاقِ وَاشْتُهِرَ، وَعُمِلَ بِهِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ وَهُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ فَاسْتَوَى فِيهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، كَالزَّكَاةِ (وَيَمْنَعُهُ) أَيْ: نِصْفَ الْعُشْرِ (دَيْنٌ ثَبَتَ عَلَى الذِّمِّيِّ بِبَيِّنَةٍ كَزَكَاةٍ) أَيْ: كَمَا أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الدَّيْنِ بِمُجَرَّدِهِ، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَلَوْ كَانَ مَعَهُ جَارِيَةٌ فَادَّعَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، أَوْ ابْنَتُهُ صَدَقَ) لِتَعَذُّرِ إقَامَتِهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مِلْكِهِ إيَّاهَا فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهَا.
(وَلَا بِعُشْرِ ثَمَنِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ يَتَبَايَعُونَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَمَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ " وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنْ الثَّمَنِ " أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مِنْ جِزْيَتِهِمْ وَخَرَاجُ أَرْضِهَا بِقِيمَتِهَا ثُمَّ يَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ بَيْعَهَا، فَأَنْكَرَهُ عُمَرُ ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَثْمَانِهَا إذَا كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمُتَوَلِّينَ لِبَيْعِهَا وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمَامَةَ بْنِ غَفَلَةَ " أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِعُمَرَ؟ إنَّ عُمَّالَكَ يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ فِي الْخَرَاجِ فَقَالَ: لَا تَأْخُذُوهَا، وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا مِنْ الثَّمَنِ ".
(وَإِنْ اتَّجَرَ حَرْبِيٌّ إلَيْنَا وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ أُنْثَى أُخِذَ مِنْ تِجَارَتِهِ الْعُشْرُ، دَفْعَةً وَاحِدَةً سَوَاءٌ عَشَرُوا أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ إذَا دَخَلَتْ إلَيْهِمْ أَمْ لَا) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَخَذَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ وَاشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَكَذَا حُكْمُ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا اتَّجَرَ إلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ.
(وَلَا يُؤْخَذُ) الْعُشْرُ وَلَا نِصْفُهُ (مِنْ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ دَنَانِيرَ فِيهِمَا) أَيْ: فِيمَا إذَا اتَّجَرَ الْحَرْبِيُّ أَوْ الذِّمِّيُّ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ فِيهِ حَقٌّ بِالشَّرْعِ فَاعْتُبِرَ لَهُ النِّصَابُ، كَالزَّكَاةِ وَخُصَّ بِالْعُشْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَأْخُوذَ مَالٌ يَبْلُغُ وَاجِبُهُ نِصْفَ دِينَارٍ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ كَالْعُشْرَيْنِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ.
(وَيُؤْخَذُ) نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْعُشْرُ مِنْ الْحَرْبِيِّ (مِنْ كُلِّ عَامٍ مَرَّةً) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رُوِيَ " أَنَّ نَصْرَانِيًّا جَاءَ إلَى عُمَرَ فَقَالَ: إنَّ عَامِلَكَ عَشَرَنِي فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ قَالَ وَمَنْ أَنْتَ قَالَ: أَنَا الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفُ ثُمَّ كَتَبَ إلَى عَامِلِهِ أَنْ لَا يُعَشِّرَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَالزَّكَاةَ إنَّمَا يُؤْخَذَانِ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَكَذَا هُنَا وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ
أَنَّ لِلْإِمَامِ تَرْكَهُ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ وَمَتَى أَخَذَ ذَلِكَ كَتَبَ لَهُمْ بِهِ حُجَّةً لِتَكُونَ وَثِيقَةً لَهُمْ، وَحُجَّةً عَلَى مَنْ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ وَلَا يَعْشُرُهُمْ ثَانِيَةً إلَّا مَنْ مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ الْمَالِ الْأَوَّلِ فَيَأْخُذُ مِنْ الزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا لَمْ تُعْشَرْ.
(وَيَحْرُمُ تَعْشِيرُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْكُلَفُ الَّتِي ضَرَبَهَا الْمُلُوكُ عَلَى النَّاسِ) بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ (إجْمَاعًا قَالَ الْقَاضِي لَا يَسُوغُ فِيهَا اجْتِهَادٌ بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ قَالَ الشَّيْخُ لِوَلِيٍّ) أَيْ: فِي نِكَاحٍ (يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ: مَنْعُ مُوَلِّيَتِهِ مِنْ التَّزْوِيجِ مِمَّنْ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا إلَّا مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ بِحَقٍّ.
(وَعَلَى الْإِمَامِ حِفْظُهُمْ) أَيْ: أَهْلِ الذِّمَّةِ (وَالْمَنْعُ مِنْ آذَاهُمْ) لِأَنَّهُمْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ عَلَى ذَلِكَ (وَاسْتِنْقَاذُ أَسْرَاهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ، وَتَأَبَّدَ عَهْدُهُمْ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُهُ لِلْمُسْلِمِينَ (بَعْدَ فَكِّ أَسَرَانَا) فَيَبْدَأُ بِفِدَاءِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُمْ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ أَعْظَمُ (وَلَوْ لَمْ يَكُونَا فِي مَعُونَتِنَا) خِلَافًا لِلْقَاضِي قَالَ: إنَّمَا يَجِبُ فِدَاؤُهُمْ إذَا اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ فِي قِتَالٍ فَسُبُوا.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، مِثْلِ كِتَابَةٍ وَعِمَالَةٍ، وَجِبَايَةِ خَرَاجٍ، وَقِسْمَةِ فَيْءٍ وَغَنِيمَةٍ، وَحِفْظِ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ وَنَقَلَهُ) أَيْ: نَقَلَ مَا ذُكِرَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) ؛ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى دَخَلَ عَلَى عُمَرَ وَمَعَهُ كِتَابٌ قَدْ كَتَبَهُ فِيهِ حِسَابُ عَمَلِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ " اُدْعُ الَّذِي كَتَبَهُ لِيَقْرَأَهُ قَالَ: إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَالَ وَلِمَ لَا يَدْخُلُ؟ فَقَالَ: إنَّهُ نَصْرَانِيٌّ فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ.
(وَلَا يَكُونُ) الذِّمِّيُّ (بَوَّابًا وَلَا جَلَّادًا، وَلَا جَهْبَذًا وَهُوَ النَّقَّادُ الْخَبِيرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ) لِخِيَانَتِهِمْ، فَلَا يُؤْمَنُونَ.
(وَيَحْرُمُ تَوْلِيَتُهُمْ الْوِلَايَاتِ مِنْ دِيوَانِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ إضْرَارِ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَدَاوَةِ الدِّينِيَّةِ (وَتَقَدَّمَ نَحْوُ الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي الْقِتَالِ فِي بَابِ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالْجَيْشَ) .
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُسْتَشَارُوا أَوْ يُؤْخَذَ بِرَأْيِهِمْ) لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَأْمُومِينَ (فَإِنْ أَشَارَ الذِّمِّيُّ بِالْفِطْرِ فِي الصِّيَامِ، أَوْ) أَشَارَ (بِالصَّلَاةِ جَالِسًا لَمْ يُقْبَلْ) خَبَرُهُ (لِتَعَلُّقِهِ بِالدِّينِ، وَكَذَا لَا يُسْتَعَانُ بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ) كَالرَّافِضَةِ أَيْ: تَحْرُمُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ إلَى بِدْعَتِهِمْ كَمَا سَبَقَ.
(وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَطِبَّ ذِمِّيًّا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ دَوَاءً لَمْ يَقِفْ عَلَى مُفْرَدَاتِهِ الْمُبَاحَةِ وَكَذَا مَا وَصَفَهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ أَوْ عَمَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَخْلِطَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَسْمُومَاتِ أَوْ النَّجَاسَاتِ) قَالَ تَعَالَى ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: 118] (وَ) يُكْرَهُ (أَنْ تَطِبَّ ذِمِّيَّةٌ مُسْلِمَةً وَلَوْ بَيَّنَتْ لَهَا الْمُفْرَدَاتِ لِلِاخْتِلَافِ فِي إبَاحَةِ النَّظَرِ لَكِنْ يَنْبَغِي جَوَازُهُ لِلضَّرُورَةِ كَالرَّجُلِ) (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا نَقْبَلَهَا) أَيْ: تَكُونُ قَابِلَةً لَهَا (فِي وِلَادَتِهَا مَعَ وُجُودِ مُسْلِمَةٍ) لِمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ تَحَاكَمُوا إلَى حَاكِمِنَا مَعَ مُسْلِمٍ لَزِمَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ) لِمَا فِيهِ مِنْ إنْصَافِ الْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ رَدِّهِ عَنْ ظُلْمِهِ وَذَلِكَ وَاجِبٌ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ إلَيْهِ تَضْيِيعًا لِلْحَقِّ.
(وَإِنْ تَحَاكَمَ بَعْضُهُمْ) أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ (مَعَ بَعْضٍ) وَلَوْ زَوْجَةً مَعَ زَوْجِهَا (أَوْ) تَحَاكَمَ إلَيْنَا (مُسْتَأْمَنَانِ أَوْ اسْتَعْدَى بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ خُيِّرَ) الْحَاكِمُ (بَيْنَ الْحُكْمِ وَتَرْكِهِ) قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] (فَيَحْكُمُ) لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إنْ شَاءَ (وَيُعَدَّى بِطَلَبِ أَحَدِهِمَا) إحْضَارَ الْآخَرِ إنْ شَاءَ لِمَا تَقَدَّمَ (وَفِي الْمُسْتَأْمَنِينَ بِاتِّفَاقِهِمَا) فَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا لَمْ يَحْكُمْ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِمَا حُكْمَنَا، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّينَ (وَلَا يَحْكُمُ إلَّا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] (وَيَلْزَمُهُمْ حُكْمُنَا) إنْ حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ لِالْتِزَامِهِمْ بِالْعَقْدِ ذَلِكَ (لَا شَرِيعَتُنَا) لِإِقْرَارِنَا لَهُمْ بِالْجِزْيَةِ فَلَا يَلْزَمُهُمْ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ وَلَا الزَّكَاةِ وَلَا الْحَجِّ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانُوا يُعَاقَبُونَ عَلَى سَائِرِ الْفُرُوعِ كَالتَّوْحِيدِ.
(وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتْبَعَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِهِمْ وَلَا يَدْعُو) هُمْ (إلَى حُكْمِنَا نَصًّا) لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
(وَلَا يُحْضِرُ) الْحَاكِمُ (يَهُودِيًّا يَوْمَ السَّبْتِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ) لِبَقَاءِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ أَوْ لِضَرَرِهِ بِإِفْسَادِ سَبْتِهِ وَلِهَذَا لَا يُكْرِهُ امْرَأَتَهُ عَلَى إفْسَادِهِ مَعَ تَأْكِيدِ حَقِّهِ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ «وَأَنْتُمْ يَهُودُ عَلَيْكُمْ خَاصَّةً أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ» فَيُسْتَثْنَى مَنْ عَمِلَ فِي إجَارَةٍ.
(وَإِنْ تَبَايَعُوا بُيُوعًا فَاسِدَةً) كَبَيْعِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ (وَتَقَابَضُوا مِنْ الطَّرَفَيْنِ ثُمَّ أَتَوْنَا أَوْ أَسْلَمُوا لَمْ يُنْقَضْ فِعْلُهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ بِالتَّقَابُضِ وَلِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً وَتَنْفِيرًا عَنْ الْإِسْلَامِ بِتَقْدِيرِ إرَادَتِهِ وَكَذَا سَائِرُ عُقُودِهِمْ وَمُقَاسَمَاتِهِمْ إذَا تَقَابَضُوهَا.
(وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا) مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا (فَسَخَهُ) حَاكِمُنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ فَنُقِضَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حَاكِمُهُمْ أَوْ لَا لِعَدَمِ لُزُومِهِمْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَغْوٌ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ.
(وَإِنْ تَبَايَعُوا بِرِبًا فِي سُوقِنَا مُنِعُوا) مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَائِدٌ بِفَسَادِ نُقُودِنَا.
(وَإِنْ عَامَلَ الذِّمِّيُّ بِالرِّبَا وَبَاعَ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَذَلِكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ مَضَى فِي حَالِ كُفْرِهِ فَأَشْبَهَ نِكَاحَهُ فِي الْكُفْرِ إذَا أَسْلَمَ.
(وَأَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: 21] (وَ) أَوْلَادُ (الزِّنَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ) إذْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْوِزْرِ شَيْءٌ وَلِأَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ (وَأَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي النَّارِ) لِلْخَبَرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى (هُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ قَالَ الشَّيْخُ غَلَّطَ الْقَاضِي عَلَى أَحْمَدَ بَلْ يُقَالُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) وَهَذَا مُصَادَمَةٌ فِي النَّقْلِ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ وَلِهَذَا جَزَمَ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ بِقَوْلِ الْقَاضِي وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ أَقْوَالٍ وَالْإِخْبَارُ فِيهَا ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ " وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ - حَتَّى سَمِعَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ - فَتَرَكَ قَوْلَهُ ".
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: وَنَحْنُ نُمِرُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ، وَلَا نَقُولُ شَيْئًا وَسُئِلَ عَنْ الْمَجُوسِيَّيْنِ يَجْعَلَانِ وَلَدَهُمَا مُسْلِمًا فَيَمُوتُ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ فَقَالَ: يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» يَعْنِي أَنَّ هَذَيْنِ لَمْ يُمَجِّسَاهُ فَبَقِيَ عَلَى الْفِطْرَةِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَقَالَ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ: لِأَنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ فَإِذَا جَعَلَاهُ مُسْلِمًا صَارَ مُسْلِمًا (وَيَأْتِي: إذَا مَاتَ أَبَوَا الطِّفْلِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي) بَابِ حُكْمِ (الْمُرْتَدِّ) وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي السَّبْيِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا صَلَاتَيْنِ أَوْ يَرْكَعَ وَلَا يَسْجُدَ وَنَحْوَهُ) كَأَلَّا يَسْجُدَ إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً (صَحَّ إسْلَامُهُ وَيُؤْخَذُ بِالصَّلَاةِ كَامِلَةً) لِلْعُمُومَاتِ.
(وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ كِتَابًا بِمَا أَخَذَ مِنْهُمْ) لِيَكُونَ لَهُمْ حُجَّةً إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ (وَ) يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ (وَقْتَ الْأَخْذِ وَقَدْرَ الْمَالِ، لِئَلَّا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ شَيْءٌ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ وَأَنْ يَكْتُبَ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ عَقْدِ الصُّلْحِ مَعَهُمْ فِي دَوَاوِينِ الْأَمْصَارِ لِيُؤْخَذُوا بِهِ إذَا تَرَكُوهُ) أَوْ أَنْكَرُوهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ.
(وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ لَمْ يُقِرَّ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْحَقِّ، وَالدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ دِينٌ صُولِحَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ غَيْرُهُمَا لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ دِينٌ بَاطِلٌ فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ انْتَقَلَ إلَى الْمَجُوسِيَّةِ (فَإِنْ أَبَى الْإِسْلَامَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ هُدِّدَ وَضُرِبَ وَحُبِسَ وَلَمْ يُقْتَلْ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَمْ يُقْتَلْ كَالْبَاقِي عَلَى دِينِهِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى الْيَهُودُ نَصْرَانِيًّا فَجَعَلُوهُ يَهُودِيًّا عُزِّرُوا) لِفِعْلِهِمْ مُحَرَّمًا (وَلَا) يَكُونُ الْعَبْدُ (مُسْلِمًا) لِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَفْظًا وَحُكْمًا.
(وَإِنْ انْتَقَلَا) أَيْ: الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ (إلَى دِينِ الْمَجُوسِ أَوْ انْتَقَلَا) إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ (أَوْ) انْتَقَلَ مَجُوسِيٌّ (إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يُقِرَّ) ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى مَا اعْتَرَفَ بِبُطْلَانِهِ وَلَمْ يُقْبَلْ (مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ أَدْيَانٌ بَاطِلَةٌ فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهَا لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِهَا كَالْمُرْتَدِّ (أَوْ السَّيْفُ فَيُقْتَلُ إنْ أَبَى الْإِسْلَامَ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى أَدْنَى مِنْ دِينِهِ كَالْمُرْتَدِّ.
(وَإِنْ انْتَقَلَ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ) كَالْوَثَنِيِّ (إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ) بِأَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ (أُقِرَّ) عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى وَأَكْمَلُ مِنْ دِينِهِ، لِكَوْنِهِ يُقَرُّ عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَتَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ (وَلَوْ) كَانَ الْمُنْتَقِلُ إلَى ذَلِكَ (مَجُوسِيًّا) لِمَا سَبَقَ (وَكَذَا إنْ تَمَجَّسَ وَثَنِيٌّ) ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى دِينٍ أَفْضَلَ مِنْ دِينِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَهَوَّدَ.
(وَمَنْ أَقْرَرْنَاهُ عَلَى تَهَوُّدٍ أَوْ تَنَصُّرٍ مُتَجَدِّدٍ أُبِيحَتْ ذَبِيحَتُهُ وَمُنَاكَحَتُهُ) قَطَعَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَيَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ فِي النِّكَاحِ وَالزَّكَاةِ.
(وَإِنْ تَزَنْدَقَ ذِمِّيٌّ لَمْ يُقْتَلْ لِأَجْلِ الْجِزْيَةِ نَصًّا) نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ.
(وَإِنْ كَذَّبَ نَصْرَانِيٌّ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ) عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (خَرَجَ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ) لِتَكْذِيبِهِ لِنَبِيِّهِ عِيسَى فِي قَوْلِهِ ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: 50] لِتَكْذِيبِهِ بِنَبِيِّهِ عِيسَى تَصْرِيحًا (وَلَمْ يُقَرَّ) عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَيُسْتَتَابُ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَ (لَا) يَخْرُجُ (يَهُودِيٌّ) مِنْ دِينِهِ إنْ كَذَّبَ بِعِيسَى وَيَبْقَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبٌ لِنَبِيِّهِ مُوسَى.
[فَصْلٌ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
(فَصْلٌ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (مَنْ نَقَضَهُ) أَيْ: الْعَهْدَ (بِمُخَالَفَتِهِ شَيْئًا مِمَّا صُولِحُوا عَلَيْهِ) مِمَّا يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ بِهِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ (حَلَّ مَالُهُ وَدَمُهُ) لِمَا فِي كِتَابِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ " وَإِنْ نَحْنُ غَيَّرْنَا أَوْ خَالَفْنَا عَمَّا شَرَطْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَقَبِلْنَا الْأَمَانَ
عَلَيْهِ فَلَا ذِمَّةَ لَنَا وَقَدْ حَلَّ لَك مِنَّا مَا يَحِلُّ لِأَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ " وَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُقِرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ (وَلَا يَقِفُ نَقْضُهُ) أَيْ الْعَهْدِ (عَلَى حُكْمِ الْإِمَامِ) بِنَقْضِهِ، حَيْثُ أَتَى مَا يَنْقُضُهُ لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ.
(فَإِذَا امْتَنَعَ) أَحَدُهُمْ (مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ أَوْ) مِنْ (الْتِزَامِ أَحْكَامِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، بِأَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ جَرْيِ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا عَلَيْهِ حَاكِمُنَا) خِلَافًا لِمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ اُنْتُقِضَ عَهْدُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَيَلْتَزِمُوا أَحْكَامَ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا نَسَخَتْ كُلَّ حُكْمٍ يُخَالِفُهَا فَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ الْعَهْدِ مَعَ الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ (أَوْ أَبَى الصَّغَارَ، أَوْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ مُنْفَرِدًا، أَوْ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ حَرْبٍ مُقِيمًا بِهَا اُنْتُقِضَ عَهْدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبًا لَنَا بِدُخُولِهِ فِي جُمْلَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
(وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ) أَنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ اُنْتُقِضَ عَهْدُهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ (وَكَذَا لَوْ تَعَدَّى الذِّمِّيُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَوْ عَبْدًا بِقَتْلٍ عَمْدًا) قَيَّدَهُ بِهِ أَبُو الْخَطَّابُ فِي خِلَافِهِ الصَّغِيرِ (أَوْ فَتْنِهِ عَنْ دِينِهِ أَوْ تَعَاوَنَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِدَلَالَةٍ، مِثْلِ مُكَاتَبَةِ الْمُشْرِكِينَ وَمُرَاسَلَتِهِمْ بِأَخْبَارِهِمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ) أَيْ: الزِّنَا مِنْ حَيْثُ نَقْضُ الْعَهْدِ (أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْمُسْلِمِ بَلْ يَكْفِي اسْتِفَاضَةُ ذَلِكَ وَاشْتِهَارُهُ قَالَهُ الشَّيْخُ) .
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِ شَيْءٌ (أَوْ أَصَابَهَا) أَيْ: الْمُسْلِمَةَ (بِاسْمِ نِكَاحٍ) وَقِيَاسُ الزِّنَا اللِّوَاطُ بِالْمُسْلِمِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّرَّاجُ الْبُلْقِينِيُّ الشَّافِعِيُّ (أَوْ) تَعَدَّى (بِقَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ تَجْسِيسٍ لِلْكُفَّارِ، أَوْ إيوَاءِ جَاسُوسِهِمْ) وَهُوَ عَيْنُ الْكُفَّارِ (أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ كِتَابَهُ أَوْ دِينَهُ أَوْ رَسُولَهُ بِسُوءٍ وَنَحْوِهِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رُفِعَ إلَيْهِ ذِمِّيٌّ أَرَادَ اسْتِكْرَاهَ امْرَأَةٍ عَلَى الزِّنَا فَقَالَ: مَا عَلَى هَذَا صَالَحْنَاكُمْ وَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ " إنَّ رَاهِبًا يَشْتُمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَوْ سَمِعْتُهُ لَقَتَلْتُهُ، إنَّا لَمْ نُعْطِ الْأَمَانَ عَلَى هَذَا " وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَشْبَهَ الِامْتِنَاعَ مِنْ الصَّغَارِ (فَإِنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ، فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يُقْتَلُ) وَ (لَا) يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ (بِقَذْفِ الْمُسْلِمِ وَإِيذَائِهِ بِسِحْرٍ فِي تَصَرُّفِهِ) كَإِبْطَالِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ لَا يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ
أَشْبَهَ مَا لَوْ لَطَمَهُ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ فِيهِ غَضَاضَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، خُصُوصًا بِسَبِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ.
(وَلَا يُنْتَقَضُ بِنَقْضِ عَهْدِهِ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ الْمَوْجُودِينَ، لَحِقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ وُجِدَ مِنْهُ دُونَهُمْ، فَاخْتَصَّ حُكْمُهُ بِهِ (وَلَوْ لَمْ يُنْكِرُوا) عَلَيْهِ (النَّقْضَ) وَأَمَّا مَنْ حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ وَوَلَدَتْهُ بَعْدَ النَّقْضِ فَإِنَّهُ يُسْتَرَقُّ وَيُسْبَى، لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْأَمَانِ لَهُ وَإِنْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ اخْتَصَّ حُكْمُ النَّقْضِ بِالنَّاقِضِ وَلَوْ سَكَتَ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْقُضُوا لَكِنْ خَافَ مِنْهُمْ النَّقْضَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْبَذَ إلَيْهِمْ عَهْدُهُمْ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لَحِقَهُمْ بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِمَامَ يَلْزَمُهُ إجَابَتُهُمْ إلَيْهِ بِخِلَافِ عَقْدِ الْأَمَانِ وَالْهُدْنَةِ فَإِنَّهُ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَإِنْ أَظْهَرَ) الذِّمِّيُّ (مُنْكَرًا أَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِكِتَابِهِ، أَوْ رَكِبَ الْخَيْلَ وَنَحْوَهُ) مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْهُ (لَمْ يُنْقَضْ عَهْدُهُ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِيهِ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِيهِ (وَيُؤَدَّبُ) لِارْتِكَابِهِ الْمُحَرَّمَ.
(وَحَيْثُ اُنْتُقِضَ) عَهْدُهُ (خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ كَالْأَسِيرِ الْحَرْبِيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) لِفِعْلِ عُمَرَ وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا أَمَانَ لَهُ أَشْبَهَ الْأَسِيرَ، وَكَمَا لَوْ دَخَلَ مُتَلَصِّصًا (وَمَالُهُ فَيْءٌ) ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، إنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِمَالِكِهِ حَقِيقَةً، وَقَدْ اُنْتُقِضَ عَهْدُ الْمَالِكِ فِي نَفْسِهِ فَكَذَا فِي مَالِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَمَانِ وَسَبَقَ مَا فِيهِ (وَيَحْرُمُ قَتْلُهُ لِأَجْلِ نَقْضِهِ الْعَهْدَ إذَا أَسْلَمَ وَلَوْ لِسَبِّهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَيَحْرُمُ أَيْضًا رِقُّهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ، لَا إنْ كَانَ رُقَّ قَبْلُ (وَيُسْتَوْفَى مِنْهُ مَا يَقْتَضِيهِ الْقَتْلُ) إذَا أَسْلَمَ وَقَدْ قُتِلَ: مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ دِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ.
وَلَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَقِيلَ يُقْتَلُ سَابُّهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِكُلِّ حَالٍ) وَإِنْ أَسْلَمَ (اخْتَارَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَابْنُ الْبَنَّاءِ وَالسَّامِرِيُّ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ لِمَيِّتٍ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ.
(وَقَالَ إنْ سَبَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرْبِيٌّ ثُمَّ تَابَ بِإِسْلَامِهِ، قُبِّلَتْ تَوْبَتُهُ إجْمَاعًا) لِلْآيَةِ وَالْحَدِيثِ السَّابِقَيْنِ (وَقَالَ: مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ (دِيوَانَ الْمُسْلِمِينَ اُنْتُقِضَ عَهْدُهُ وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالْجَيْشَ.
(وَقَالَ إنْ جَهَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ) تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ
عُلُوًّا كَبِيرًا (عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ إمَّا بِقَتْلٍ أَوْ بِمَا دُونَهُ) أَيْ لِإِتْيَانِهِ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَ (لَا) يُعَاقَبُ بِذَلِكَ (إنْ قَالَهُ سِرًّا فِي نَفْسِهِ أَوْ قَالَ) ذِمِّيٌّ: (هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ الْكِلَابُ أَبْنَاءُ الْكِلَابِ إنْ أَرَادَ طَائِفَةً مُعَيَّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ عُوقِبَ عُقُوبَةً تَزْجُرُهُ وَأَمْثَالَهُ) عَنْ أَنْ يَعُودَ لِذَلِكَ الْقَوْلِ الشَّنِيعِ.
(وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ الْعُمُومِ اُنْتُقِضَ عَهْدُهُ وَوَجَبَ قَتْلُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَضَاضَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ جَاءَنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ نَقْضَ الْعَهْدَ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ فَكَذِمِّيٍّ، وَتَقَدَّمَ وَتَخْرُجُ نَصْرَانِيَّةٌ لِشِرَاءِ الزُّنَّارِ وَلَا يَشْتَرِي مُسْلِمٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْكُفْرِ، وَيَأْتِي فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَلَا يَأْذَنُ الْمُسْلِمُ لِزَوْجَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ أَمَتِهِ كَذَلِكَ أَنْ تَخْرُجَ إلَى عِيدٍ أَوْ تَذْهَبَ إلَى بَيْعَةٍ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
[كِتَابِ الْبَيْعِ]
بَابٌ كِتَابِ الْبَيْعِ قَدَّمَهُ عَلَى الْأَنْكِحَةِ وَمَا بَعْدَهَا لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا غِنَى لِلْإِنْسَانِ عَنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَلِبَاسٍ، وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُهْتَمَّ بِهِ، لِعُمُومِ الْبَلْوَى إذْ لَا يَخْلُو مُكَلَّفٌ غَالِبًا مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ فَيَجِبُ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِهِ وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُكَلَّفٍ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى فِعَلٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ وَبَعَثَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ يُقِيمُ مِنْ الْأَسْوَاقِ مَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ.
وَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] وَلِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِقْرَارِهِ أَصْحَابَهُ عَلَيْهِ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَلَا يُبَدِّلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ غَالِبًا، فَفِي تَجْوِيزِ الْبَيْعِ وُصُولٌ لِغَرَضِهِ، وَدَفْعُ حَاجَتِهِ (وَهُوَ) أَيْ: الْبَيْعُ مَصْدَرُ بَاعَ يَبِيعُ إذَا مَلَكَ، وَيُطْلَقُ بِمَعْنَى شَرَى وَكَذَلِكَ شَرَى يَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ كَغَيْرِ بَاعَ، أَبَاعَ بِمَعْنًى وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْبَاعِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَمُدُّ بَاعَهُ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَذَكَرْتُ فِي الْحَاشِيَةِ: مَا رُدَّ بِهِ ذَلِكَ
وَالْجَوَابُ عَنْهُ وَمَعْنَاهُ لُغَةً: دَفْعُ عِوَضٍ، وَأَخْذُ مَا عَوَّضَ عَنْهُ وَشَرْعًا (مُبَادَلَةُ مَالٍ) مِنْ نَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ مُعَيَّنٍ أَوْ مَوْصُوفٍ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمَالُ (فِي الذِّمَّةِ) كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ صِفَتُهُ كَذَا (أَوْ) مُبَادَلَةُ (مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ) عَلَى الْإِطْلَاقِ بِأَنْ لَا تَخْتَصُّ إبَاحَتُهَا بِحَالٍ دُونَ حَالٍ (كَ) نَفْعِ (مَمَرِّ الدَّارِ) وَبُقْعَةٍ تُحْفَرُ بِئْرًا (بِمِثْلِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: بِمَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ وَالْجَارُ مُتَعَلِّقٌ بِمُبَادَلَةٍ وَشَمَلَ صُوَرًا: بَيْعَ نَحْوِ عَبْدٍ بِثَوْبٍ أَوْ دِينَارٍ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ مَمَرٍّ فِي دَارٍ، وَبَيْعَ نَحْوِ دِينَارٍ فِي ذِمَّةٍ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِدَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ إذَا قُبِضَتْ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، أَوْ بِمَمَرِّ دَارٍ، وَبَيْعَ نَحْوِ مَمَرِّ دَارٍ بِعَبْدٍ وَدِينَارٍ فِي ذِمَّةٍ أَوْ مَمَرٍّ آخَرَ وَمَعْنَى الْمُبَادَلَةِ: جَعْلُ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ آخَرَ وَأَتَى بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَتَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ وَعَدَلَ عَنْ التَّعْبِيرِ بِعَيْنٍ مَالِيَّةٍ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَخْصَرُ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، وَأَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ، وَقَوْلُهُ (عَلَى التَّأْبِيدِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُبَادَلَةٍ أَيْضًا، وَخَرَجَ بِهِ الْإِجَارَةُ وَالْإِعَارَةُ فِي نَظِيرِ الْإِعَارَةِ وَإِنْ لَمْ تُقَيَّدْ بِزَمَنٍ؛ لِأَنَّ الْعَوَارِيَّ مَرْدُودَةٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: لِلْمِلْكِ وَقَوْلُهُ (غَيْرُ رِبًا وَقَرْضٍ) إخْرَاجٌ لَهُمَا فَإِنَّ الرِّبَا مُحَرَّمٌ، وَالْقَرْضُ وَإِنْ قُصِدَ فِيهِ الْمُبَادَلَةُ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ فِيهِ: الْإِرْفَاقُ.
ثُمَّ الْبَيْعُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: عَاقِدٌ، وَمَعْقُودٌ عَلَيْهِ، وَصِيغَةٌ، وَالْكَلَامُ عَلَى الْعَاقِدِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يَأْتِي فِي الشُّرُوطِ وَأَمَّا الصِّيغَةُ فَذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ) أَيْ: لِلْبَيْعِ (صُورَتَانِ يَنْعَقِدُ) أَيْ: يُوجَدُ عَقْدُهُ (بِهِمَا) أَيْ: بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (إحْدَاهُمَا الصِّيغَةُ الْقَوْلِيَّةُ، وَهِيَ) أَيْ: الصِّيغَةُ الْقَوْلِيَّةُ (غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي لَفْظٍ بِعَيْنِهِ) كَبِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ (بَلْ) هِيَ (كُلُّ مَا أَدَّى مَعْنَى الْبَيْعِ) ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَخُصَّهُ بِصِيغَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَتَنَاوَلَ كُلَّ مَا أَدَّى مَعْنَاهُ (فَمِنْهَا) أَيْ: مِنْ الصِّيغَةِ الْقَوْلِيَّةِ (الْإِيجَابُ) وَهُوَ مَا يَصْدُرُ (مِنْ بَائِعٍ فَيَقُولُ) الْبَائِعُ (بِعْتُكَ) كَذَا (أَوْ مَلَّكْتُكَ) هَذَا.
(وَنَحْوُهُمَا كَوَلَّيْتُكَ، أَوْ شَرِكْتُكَ فِيهِ أَوْ وَهَبْتُكَهُ) بِكَذَا (وَنَحْوَهُ) كَأَعْطَيْتُكَ.
(وَ) مِنْهَا (الْقَبُولُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَحَكَى فِي اللُّبَابِ الضَّمَّ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْإِيجَابِ وَيَأْتِي حُكْمُ مَا لَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وَالْقَبُولُ مَا يَصْدُرُ مِنْ مُشْتَرٍ (بِأَيِّ لَفْظٍ دَالٍّ عَلَى الرِّضَا) بِالْبَيْعِ (فَيَقُولُ) الْمُشْتَرِي (ابْتَعْتُ، أَوْ قَبِلْتُ، أَوْ رَضِيتُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ) أَيْ: مَعْنَى مَا ذُكِرَ (كَتَمَلَّكْتُهُ أَوْ اشْتَرَيْتُهُ أَوْ أَخَذْتُهُ وَنَحْوَهُ) كَاسْتَبْدَلْتُهُ.
(وَيُشْتَرَطُ) لِانْعِقَادِ الْبَيْعِ.
(أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ عَلَى وَفْقِ الْإِيجَابِ فِي الْقَدْرِ) فَلَوْ خَالَفَ، كَأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِعَشْرَةٍ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِثَمَانِيَةٍ لَمْ يَنْعَقِد.
(وَ) أَنْ
يَكُونَ عَلَى وَفِقْهِ أَيْضًا فِي (النَّقْدِ وَصِفَتِهِ، وَالْحُلُولِ وَالْأَجَلِ فَلَوْ قَالَ بِعْتُكَ بِأَلْفِ) دِرْهَمٍ فَقَالَ اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ قَالَ بِعْتُكَ بِأَلْفٍ (صَحِيحَةٍ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفٍ مُكَسَّرَةٍ وَنَحْوَهُ) كَاشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ نِصْفُهَا صَحِيحٌ وَنِصْفُهَا مُكَسَّرٌ، أَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ حَالَّةٍ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ، أَوْ قَالَ الْبَائِعُ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى رَجَبٍ فَقَالَ الْمُشْتَرِي إلَى شَعْبَانَ (لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ رَدٌّ لِلْإِيجَابِ لَا قَبُولٌ لَهُ.
(وَلَوْ قَالَ) الْبَائِعُ: (بِعْتُكَ) كَذَا (بِكَذَا فَقَالَ) الْمُشْتَرِي: (أَنَا آخُذُهُ بِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ) أَيْ: لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَعْدٌ بِأَخْذِهِ (فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي) لِمَنْ قَالَ لَهُ: بِعْتُكَ كَذَا بِكَذَا (أَخَذْتُهُ مِنْك أَوْ) أَخَذْتُهُ (بِذَلِكَ صَحَّ) الْبَيْعُ، لِوُجُودِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.
(وَلَا يَنْعَقِدُ) الْبَيْعُ (بِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ) فِي بَابِ السَّلَمِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ: لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِلَفْظِ السَّلَمِ ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّلَاثِينَ وَقِيلَ يَصِحُّ بِلَفْظِ السَّلَمَ، قَالَهُ الْقَاضِي: قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ (فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ صَحَّ) الْبَيْعُ إنْ كَانَ الْقَبُولُ (بِلَفْظِ أَمْرٍ أَوْ) كَانَ بِلَفْظِ (مَاضٍ مُجَرَّدٍ عَنْ اسْتِفْهَامٍ وَنَحْوِهِ) كَتَمَنَّ وَتَرَجَّ وَيَأْتِي مِثَالُهُ فِي كَلَامِهِ (وَمَعَهُ) أَيْ: مَعَ الِاسْتِفْهَامِ وَنَحْوِهِ (أَلَا) بِعْتنِي (أَوْ مُضَارِعًا مِثْل: أَتَبِيعُنِي) وَكَذَا لَوْ تَجَرَّدَ عَنْ الِاسْتِفْهَامِ،؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَبُولٍ وَلَا اسْتِدْعَاءٍ (فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي بِعْنِي) كَذَا (بِكَذَا) فَقَالَ: بِعْتُكَهُ صَحَّ، وَهَذَا مِثَالُ الْأَمْرِ.
(أَوْ) قَالَ (اشْتَرَيْتُ مِنْك) هَذَا (بِكَذَا فَقَالَ) الْبَائِعُ (بِعْتُكَ وَنَحْوَهُ) مِمَّا تَقَدَّمَ صَحَّ الْبَيْعُ، (أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: بِعْنِي بِكَذَا أَوْ اشْتَرَيْتُ مِنْك بِكَذَا، فَقَالَ الْبَائِعُ: بَارَكَ اللَّهُ لَك فِيهِ، أَوْ هُوَ مُبَارَكٌ عَلَيْك أَوْ) قَالَ (إنَّ اللَّهَ قَدْ بَاعَكَ) صَحَّ الْبَيْعُ لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى الْمَقْصُودِ (أَوْ قَالَ) الْمُشْتَرِي (أَعْطِنِيهِ بِكَذَا فَقَالَ) الْبَائِعُ: (أَعْطَيْتُكَ أَوْ أَعْطَيْتُ صَحَّ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرِهِ بِكَذَا، أَوْ ابْتَعْهُ بِكَذَا فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ أَوْ ابْتَعْتُهُ لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ (حَتَّى يَقُولَ الْبَائِعُ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ قَوْلِ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ (بِعْتُكَ أَوْ مَلَّكْتُكَ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ) قَالَ فِي النُّكَتِ: وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَتَقَدُّمِ الطَّلَبِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْبَذْلِ.
(وَلَوْ قَالَ) الْبَائِعُ (بِعْتُكَ) إنْ شَاءَ اللَّهُ (أَوْ) قَالَ الْمُشْتَرِي: (قَبِلْتُ إنْ شَاءَ اللَّهُ صَحَّ) الْبَيْعُ (وَيَأْتِي) فِي الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ (وَإِنْ تَرَاخَى أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ) أَيْ: الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ أَوْ عَكْسُهُ (صَحَّ) الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا وَلَمْ يُلْغَ (مَا دَامَا) أَيْ: الْمُتَبَايِعَانِ (فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا) ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْقَبْضِ فِيهِ لِمَا يُعْتَبَرُ قَبْضُهُ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِمَا بَقِيَ مِنْهُمَا، أَوْ تَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا (فَلَا) يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إعْرَاضٌ عَنْ الْعَقْدِ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَا بِالرَّدِّ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمُشْتَرِي (غَائِبًا عَنْ الْمَجْلِسِ فَكَاتَبَهُ) الْبَائِعُ (أَوْ رَاسَلَهُ: إنِّي بِعْتُك) دَارِي بِكَذَا (أَوْ) إنِّي (بِعْتُ فُلَانًا) وَنَسَبَهُ بِمَا يُمَيِّزُهُ (دَارِي بِكَذَا فَلَمَّا بَلَغَهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِيَ (الْخَبَرُ) قَبِلَ الْبَيْعَ (صَحَّ) الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ التَّرَاخِيَ مَعَ غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي لَا يَدُلُّ عَلَى إعْرَاضِهِ عَنْ الْإِيجَابِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَفَرَّقَ الْمُصَنِّفُ فِي تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنْ الْإِيجَابِ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي حَاضِرًا، وَمَا إذَا كَانَ غَائِبًا وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ أَبِي طَالِبٍ فِي النِّكَاحِ، قَالَ فِي رَجُلٍ يَمْشِي إلَيْهِ قَوْمٌ، فَقَالُوا: زَوِّجْ فُلَانًا فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُهُ عَلَى أَلْفٍ فَرَجَعُوا إلَى الزَّوْجِ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: قَدْ قَبِلْت، هَلْ يَكُونُ هَذَا نِكَاحًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الشَّيْخُ التَّقِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْعَاقِدُ الْآخَرُ حَاضِرًا اُعْتُبِرَ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا جَازَ تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنْ الْمَجْلِسِ كَمَا قُلْنَا فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ انْتَهَى وَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ فَإِنَّهُمْ اعْتَبَرُوا فِي الْقَبُولِ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ الْإِيجَابِ، ثُمَّ ذَكَرُوا حُكْمَ التَّرَاخِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْمَجْلِسِ فَقَطْ وَحَكَّمُوا رِوَايَةَ أَبِي طَالِبٍ فِي النِّكَاحِ مُقَابِلَةً لِمَا قَدَّمُوهُ.
(وَ) الصُّورَةُ (الثَّانِيَةُ) لِعَقْدِ الْبَيْعِ (الدَّلَالَةُ الْحَالِيَّةُ وَهِيَ الْمُعَاطَاةُ تَصِحُّ) فَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِهَا (فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتِعْمَالُ إيجَابٍ وَقَبُولٍ فِي بَيْعِهِمْ وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ لَنُقِلَ نَقْلًا شَائِعًا، وَلَبَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُخْفِ حُكْمَهُ وَلَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَبِيَاعَاتِهِمْ عَلَى الْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ بِهَا فِي الْيَسِيرِ خَاصَّةً وَهُوَ رِوَايَةٌ وَاخْتَارَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَمِنْ صُوَرِ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ (وَنَحْوِهِ) قَوْلُ الْمُشْتَرِي (أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ خُبْزًا فَيُعْطِيهِ) الْبَائِعُ (مَا يُرْضِيهِ) وَهُوَ سَاكِتٌ (أَوْ يَقُولُ الْبَائِعُ) لِلْمُشْتَرِي (خُذْ هَذَا بِدِرْهَمٍ فَيَأْخُذُهُ) وَهُوَ سَاكِتٌ.
(وَمِنْهَا) أَيْ: الْمُعَاطَاةِ (لَوْ سَلَّمَهُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ فَيَقُولُ) الْبَائِعُ: (خُذْهَا) فَأَخَذَهُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ سَاكِتٌ، (أَوْ) يَقُولُ الْبَائِعُ: (هِيَ لَك أَوْ) يَقُولُ (أَعْطَيْتُكَهَا) فَيَأْخُذُهَا (أَوْ يَقُولُ) الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ (كَيْفَ تَبِيعُ الْخُبْزَ؟ فَيَقُولُ) الْبَائِعُ: (كَذَا بِدِرْهَمٍ فَيَقُولُ) الْمُشْتَرِي: (خُذْ دِرْهَمًا أَوْ وَزْنَهُ) وَمِنْ الْمُعَاطَاةِ أَيْضًا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ وَضَعَ ثَمَنَهُ) أَيْ: الْقَدْرِ
الْمَعْلُومِ أَنَّهُ ثَمَنُهُ (عَادَةً) كَقِطَعِ الْحَلْوَى، وَحُزَمِ الْبَقْلِ (وَأَخَذَهُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَالِكُ حَاضِرًا (وَ) يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِنَحْوِ (ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى بَيْعٍ وَشِرَاءٍ) فِي الْعَادَةِ.
(وَيُعْتَبَرُ فِي) صِحَّةِ بَيْعِ (الْمُعَاطَاةِ مُعَاقَبَةُ الْقَبْضِ) لِلطَّالِبِ فِي نَحْوِ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَمٍ (أَوْ) مُعَاقَبَةُ (الْإِقْبَاضِ لِلطَّلَبِ) فِي نَحْوِ: أَعْطِنِي بِهَذَا خُبْزًا (لِأَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ عَدَمُ التَّأْخِيرِ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ اللَّفْظِيِّ) أَيْ: إذَا اُعْتُبِرَ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ الْمَجْلِسِ، أَوْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا (فَ) اعْتِبَارُ عَدَمِ التَّأْخِيرِ (فِي الْمُعَاطَاةِ أَوْلَى) نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ قُنْدُسٍ، وَالْعَطْفُ بِالْفَاءِ فِي نَحْوِ: فَيُعْطِيهِ، وَمَا بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ فِي الْمُعَاطَاةِ مُبْطِلٌ وَلَوْ كَانَ بِالْمَجْلِسِ، لَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ لِضَعْفِهَا عَنْ الصِّيغَةِ الْقَوْلِيَّةِ (وَكَذَا هِبَةٌ، وَهَدِيَّةٌ، وَصَدَقَةٌ) فَتَنْعَقِدُ بِالْمُعَاطَاةِ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي الْمَعْنَى، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتِعْمَالُ إيجَابٍ وَقَبُولٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (فَتَجْهِيزُ بِنْتِهِ) أَوْ غَيْرِهَا.
قَالَ الشَّيْخُ التَّقِيُّ: تَجْهِيزُ الْمَرْأَةِ (بِجِهَازٍ إلَى بَيْتِ زَوْجٍ تَمْلِيكٌ) لَهَا (وَلَا بَأْسَ بِذَوْقِ الْمَبِيعِ عِنْدَ الشِّرَاءِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ لَا أَدْرِي إلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ فَلِذَا قَالَ: (مَعَ الْإِذْنِ) وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، لَكِنْ قَدَّمَ الْأُولَى فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُبْدِعِ، وَالْإِنْصَافِ، وَغَيْرِهَا.
(وَشُرُوطُ الْبَيْعِ سَبْعَةٌ أَحَدُهَا التَّرَاضِي بِهِ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ (وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ اخْتِيَارًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] وَلِحَدِيثِ «إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (مَا لَمْ يَكُنْ بَيْعَ تَلْجِئَةٍ وَأَمَانَةٍ، بِأَنْ يُظْهِرَا بَيْعًا لَمْ يُرِيدَاهُ بَاطِنًا بَلْ) أَظْهَرَاهُ (خَوْفًا مِنْ ظَالِمٍ وَنَحْوِهِ) كَخَوْفِ ضَيَاعِهِ، أَوْ نَهْبِهِ وَدَفْعًا لَهُ (فَ) الْبَيْعُ إذْن (بَاطِلٌ) حَيْثُ تَوَاطَآ عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَقُولَا فِي الْعَقْدِ: تَبَايَعْنَا هَذَا تَلْجِئَةً) لِدَلَالَةِ الْحَال عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ بَيْعُ الْأَمَانَةِ) هُوَ (الَّذِي مَضْمُونُهُ اتِّفَاقُهُمَا) أَيْ: اتِّفَاقُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي (عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ جَاءَ بِالثَّمَنِ، أَعَادَ إلَيْهِ) الْمُشْتَرِي (مِلْكَ ذَلِكَ يَنْتَفِعُ بِهِ) أَيْ: بِالْمِلْكِ الْمَبِيعِ (الْمُشْتَرِي بِالْإِجَارَةِ وَالسُّكْنَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَرُكُوبِ مَا يَرْكَبُهُ، أَوْ حَلْبِهِ (وَهُوَ) أَيْ: الْبَيْعُ إذَنْ (عَقْدٌ بَاطِلٌ بِكُلِّ حَالٍ وَمَقْصُودُهُمَا: إنَّمَا هُوَ الرِّبَا بِإِعْطَاءِ دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ، وَمَنْفَعَةُ الدَّارِ) أَوْ نَحْوُهَا (هِيَ الرِّبْحُ) فَهُوَ فِي الْمَعْنَى
قَرْضٌ بِعِوَضٍ.
(وَالْوَاجِبُ رَدُّ الْمَبِيعِ إلَى الْبَائِعِ، وَأَنْ يَرُدَّ) الْبَائِعُ إلَى (الْمُشْتَرِي مَا قَبَضَهُ مِنْهُ لِكَيْ يُحْسَبَ لَهُ) أَيْ: الْبَائِعُ (مِنْهُ مَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمَالِ الَّذِي سَمَّوْهُ أُجْرَةً) وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي سَكَنَ حُسِبَ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَتَحْصُلُ الْمُقَاصَّةُ بِقَدْرِهِ، وَيُرَدُّ الْفَضْلُ.
(وَكَذَا) أَيْ: كَبَيْعِ التَّلْجِئَةِ (بَيْعُ الْهَازِلِ) فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُرَدْ حَقِيقَتُهُ (وَيُقْبَلُ مِنْهُ أَيْ: مِنْ الْبَائِعِ: أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ تَلْجِئَةً أَوْ هَزْلًا (بِقَرِينَةٍ) دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ (مَعَ يَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (فَإِنْ بَاعَهُ) أَيْ: بَاعَ إنْسَانٌ مَالَهُ (خَوْفًا مِنْ ظَالِمٍ أَوْ خَافَ) إنْسَانٌ (ضَيْعَتَهُ، أَوْ نَهْبَهُ، أَوْ سَرِقَتَهُ، أَوْ غَصْبَهُ) فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِ تَوَاطُؤٍ) مَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ تَلْجِئَةٌ وَأَمَانَةٌ (صَحَّ بَيْعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَمَنْ اسْتَوْلَى عَلَى مِلْكٍ بِلَا حَقٍّ فَطَلَبَهُ فَجَحَدَهُ) إيَّاهُ حَتَّى يَبِيعَهُ لَهُ (أَوْ مَنَعَهُ إيَّاهُ حَتَّى يَبِيعَهُ) لَهُ فَبَاعَهُ (عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهَذَا مُكْرَهٌ بِغَيْرِ حَقٍّ) فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُلْجَأٌ إلَيْهِ.
(فَإِنْ كَانَ) أَيْ: الْمُتَبَايِعَانِ (أَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا مُكْرَهًا لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا أَنْ يُكْرَهَ بِحَقٍّ كَاَلَّذِي يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ) أَوْ عَلَى شِرَاءِ مَا يُوَفِّي مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ (فَيَصِحُّ) الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَصَحَّ، كَإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ.
(وَإِنْ أُكْرِهَ) إنْسَانٌ (عَلَى وَزْنِ مَالٍ فَبَاعَ مِلْكَهُ) فِي ذَلِكَ (صَحَّ) الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ (وَكُرِهَ الشِّرَاءُ) مِنْهُ (وَهُوَ بَيْعُ الْمُضْطَرِّينَ) قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ: لِبَيْعِهِ بِدُونِ ثَمَنِهِ أَيْ: ثَمَنِ مِثْلِهِ.
(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: اشْتَرِنِي مِنْ زَيْدٍ فَإِنِّي عَبْدُهُ فَاشْتَرَاهُ) الْمَقُولُ لَهُ (فَبَانَ حُرًّا لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: الْقَائِلَ (الْعُهْدَةُ) أَيْ عُهْدَةُ الثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَهُ الْبَائِعُ (حَضَرَ الْبَائِعُ، أَوْ غَابَ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَدَ مِنْهُ الْإِقْرَارَ، دُونَ الضَّمَانِ (كَقَوْلِهِ) أَيْ: كَقَوْلِ إنْسَانٍ لِآخَرَ: (اشْتَرِ مِنْهُ عَبْدَهُ هَذَا) فَاشْتَرَاهُ، فَتَبَيَّنَ حُرًّا فَلَا تَلْزَمُ الْقَائِلَ الْعُهْدَةُ.
(وَيُؤَدَّبُ، هُوَ وَبَائِعُهُ) لِمَا صَدَرَ مِنْهُمَا مِنْ التَّغْرِيرِ (وَيَرُدُّ) كُلٌّ مِنْهُمَا (مَا أَخَذَهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْإِمَامِ رِوَايَةٌ (يُؤْخَذُ الْبَائِعُ وَالْمُقِرُّ بِالثَّمَنِ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ غَابَ أُخِذَ الْآخَرُ بِالثَّمَنِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَيَتَوَجَّهُ هَذَا فِي كُلِّ غَارٍّ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ.
(وَلَوْ كَانَ الْغَارُّ أُنْثَى) فَقَالَتْ لِآخَرَ: اشْتَرِنِي مِنْ هَذَا فَإِنِّي أَمَتُهُ، فَاشْتَرَاهَا وَوَطِئَهَا (حُدَّتْ دُونَهُ) وَلَا مَهْرَ (لَهَا؛ لِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ) وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ لِلشُّبْهَةِ.
(وَلَوْ أَقَرَّ) شَخْصٌ لِآخَرَ (أَنَّهُ عَبْدُهُ فَرَهَنَهُ فَكَبَيْعٍ) فَلَا تَلْزَمُ الْعُهْدَةُ الْقَائِلَ: حَضَرَ الرَّاهِنُ، أَوْ غَابَ عَلَى الْمُخْتَارِ.
[فَصْلٌ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ]
فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ: (أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ) مِنْ بَائِعٍ وَمُشْتَرٍ (جَائِزَ التَّصَرُّفِ وَهُوَ) الْحُرُّ (الْبَالِغُ الرَّشِيدِ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ وَنَائِمٍ وَمُبَرْسَمٍ وَسَفِيهٍ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يُعْتَبَرُ لَهُ الرِّضَا فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ رَشِيدٍ كَالْإِقْرَارِ (إلَّا الصَّغِيرَ الْمُمَيِّزَ وَالسَّفِيهَ فَيَصِحُّ، تَصَرُّفُهُمَا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا وَلَوْ فِي الْكَثِيرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] أَيْ: اخْتَبِرُوهُمْ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِتَفْوِيضِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إلَيْهِمْ (وَحَرُمَ عَلَى الْوَلِيِّ لَهُمَا) أَيْ: لِلْمُمَيِّزِ وَالسَّفِيهِ فِي التَّصَرُّفِ (لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضَاعَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْمُمَيِّزِ وَالسَّفِيهِ (قَبُولُ هِبَةٍ) وَنَحْوِهَا (وَوَصِيَّةٍ بِلَا إذْنِ) وَلِيٍّ كَالْبَيْعِ (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَالْحَارِثِيُّ (صِحَّتَهُ) أَيْ (صِحَّةَ) قَبُولِ هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ (مِنْ مُمَيِّزٍ) بِلَا إذْنِ وَلِيِّهِ (كَعَبْدٍ) أَيْ: كَمَا يَصِحُّ فِي الْعَبْدِ قَبُولُ الْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ نَصًّا وَيَكُونَانِ لِسَيِّدِهِ.
(وَيَصِحُّ تَصَرُّفُ صَغِيرٍ، وَلَوْ دُونَ تَمْيِيزٍ) فِي يَسِيرٍ لِمَا رُوِيَ " أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ اشْتَرَى مِنْ صَبِيٍّ عُصْفُورًا فَأَرْسَلَهُ " ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى.
(وَ) يَصِحُّ أَيْضًا تَصَرُّفُ (رَقِيقٍ وَسَفِيهٍ بِغَيْرِ إذْنِ) وَلِيٍّ وَسَيِّدٍ (فِي) شَيْءٍ (يَسِيرٍ) كَبَاقَةِ الْبَقْلِ وَالْكِبْرِيتِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الْحَجْرِ خَوْفُ ضَيَاعِ الْمَالِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْيَسِيرِ (وَشِرَاءُ رَقِيقٍ) بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ (فِي ذِمَّتِهِ) لَا يَصِحُّ لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ وَكَذَا شِرَاؤُهُ بِعَيْنِ الْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ،؛ لِأَنَّهُ فُضُولِيٌّ (وَاقْتِرَاضُهُ) أَيْ اقْتِرَاضُ الرَّقِيقِ مَالًا (لَا يَصِحُّ كَسَفِيهٍ) بِجَامِعِ الْحَجْرِ (وَتُقْبَلُ مِنْ مُمَيِّزٍ) حُرٍّ أَوْ رَقِيقٍ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَدُونَهُ (هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ بِهَا وَ) يُقْبَلُ مِنْهُ أَيْضًا (إذْنُهُ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَنَحْوِهَا) عَمَلًا بِالْعُرْفِ.
(قَالَ الْقَاضِي) فِي جَامِعِهِ (وَمِنْ كَافِرٍ وَفَاسِقٍ) وَذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ إجْمَاعًا.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ يُقْبَلُ مِنْهُ (إذَا ظُنَّ صِدْقُهُ) بِقَرِينَةٍ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَّجَهٌ.
[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط الْبَيْع أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ مَالًا]
فَصْلٌ: الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ مَالًا لِأَنَّهُ مُقَابَلٌ بِالْمَالِ، إذْ هُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ (وَهُوَ) أَيْ: الْمَالُ شَرْعًا: (مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ أَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ضَرُورَةٍ) فَخَرَجَ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ أَصْلًا كَالْحَشَرَاتِ وَمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُحَرَّمَةٌ كَالْخَمْرِ، وَمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِلْحَاجَةِ كَالْكَلْبِ، وَمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ تُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ كَالْمَيْتَةِ فِي حَالِ الْمَخْمَصَةِ وَخَمْرٍ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا " تَنْبِيهٌ " ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا كَغَيْرِهِ: أَنَّ النَّفْعَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي حَدِّ الْبَيْعِ صِحَّتَهُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هُنَا: كَوْنُ الْمَبِيعِ مَالًا أَوْ نَفْعًا مُبَاحًا مُطْلَقًا أَوْ يُعَرَّفُ الْمَالُ بِمَا يَعُمُّ الْأَعْيَانَ وَالْمَنَافِعَ (فَيَجُوزُ بَيْعُ بَغْلٍ وَحِمَارٍ وَعَقَارٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَمَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَمَلْبُوسٍ وَمَرْكُوبٍ وَدَقِيقٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ ذَلِكَ وَيَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَقِيَاسًا، لِمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ النَّصُّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا وَرَدَ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (دُودِ قَزٍّ وَبَزْرِهِ) قَبْلَ أَنْ يَدِبَّ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ يَخْرُجُ مِنْهُ الْحَرِيرُ الَّذِي هُوَ أَفْخَرُ الْمَلَابِسِ، بِخِلَافِ الْحَشَرَاتِ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (مَا يُصَادُ عَلَيْهِ كَبُومَةٍ) يَجْعَلُهَا (شَبَاشًا) وَهُوَ طَائِرٌ تُخَاطُ عَيْنَاهُ وَيُرْبَطُ لِيَنْزِلَ عَلَيْهِ الطَّيْرُ فَيُصَادُ.
(وَيُكْرَهُ فِعْلُ ذَلِكَ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِهَا (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (دِيدَانٍ لِصَيْدِ سَمَكٍ وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (عَلَقٍ لِمَصِّ دَمٍ وَ) .
يَصِحُّ (بَيْعُ طَيْرٍ لِقَصْدِ صَوْتِهِ كَبُلْبُلٍ وَهَزَارٍ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا (وَ) كَذَا (بَبَّغَاءٌ وَهِيَ الدُّرَّةُ وَ) كَذَا (نَحْوُهَا) كَقُمْرِيٍّ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (نَحْلٍ مُنْفَرِدًا عَنْ كُوَّارَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهِ شَرَابٌ فِيهِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ فَهُوَ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَكَذَا يَصِحُّ بَيْعُهُ خَارِجًا عَنْ كُوَّارَتِهِ مَعَهَا (بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ) وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ لِلْغَرَرِ (وَفِيهَا) أَيْ: وَيَصِحُّ بَيْعُ نَحْلٍ فِي كُوَّارَتِهِ (مَعَهَا) إذَا شُوهِدَ دَاخِلًا إلَيْهَا.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ النَّحْلِ فِي كُوَّارَتِهِ (بِدُونِهَا إذَا شُوهِدَ دَاخِلًا إلَيْهَا) أَيْ: إلَى كُوَّارَتِهِ هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَقَوْلُهُ: (فَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِفَتْحِ رَأْسِهَا) أَيْ: الْكُوَّارَةِ (وَمُشَاهَدَتِهِ) أَيْ: النَّحْلِ: يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُشَاهَدَتُهُ دَاخِلًا إلَيْهَا، بَلْ يَكْفِي رُؤْيَتُهُ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ قَالَ (وَخَفَاءُ بَعْضِهِ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ) أَيْ صِحَّةَ الْبَيْعِ (كَالصُّبْرَةِ) لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِهَا اسْتِتَارُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ فَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا) أَيْ: الْكُوَّارَةِ (بِمَا فِيهَا مِنْ عَسَلٍ وَنَحْلٍ) لِلْجَهَالَةِ (وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ مَا كَانَ مَسْتُورًا) مِنْ النَّحْلِ (بِأَقْرَاصِهِ) لِلْجَهَالَةِ.
(وَيَجُوزُ بَيْعُ هِرٍّ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ النَّارَ فِي هِرَّةٍ لَهَا حَبَسَتْهَا» وَالْأَصْلُ فِي اللَّامِ الْمِلْكُ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يُبَاحُ نَفْعُهُ وَاقْتِنَاؤُهُ مُطْلَقًا أَشْبَهَ الْبَغْلَ (وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ اخْتَارَهُ فِي الْهَدْيِ وَالْفَائِقِ وَصَحَّحَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ السِّنَّوْرِ فَقَالَ زَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ» . وَفِي لَفْظٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمَمْلُوكِ مِنْهَا، أَوْ مَا لَا نَفْعَ مِنْهَا.
(وَيَجُوزُ بَيْعُ فِيلٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ نَفْعُهُ وَاقْتِنَاؤُهُ أَشْبَهَ الْبَغْلَ (وَ) يَجُوزُ بَيْعُ (سِبَاعِ بَهَائِمَ) كَالْفَهْدِ.
(وَ) بَيْعُ (جَوَارِحِ طَيْرٍ) كَصَقْرٍ وَبَازٍ (يَصْلُحَانِ) أَيْ: السِّبَاعُ وَالْجَوَارِحُ (لِصَيْدٍ) بِأَنْ تَكُونَ (مُعَلَّمَةً أَوْ تَقْبَلَهُ) أَيْ: التَّعْلِيمَ؛ لِأَنَّ فِيهَا نَفْعًا مُبَاحًا (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (وَلَدِهِ) أَيْ: وَلَدِ ذَكَرٍ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (فَرْخِهِ) أَيْ: فَرْخِ طَيْرِ الصَّيْدِ (وَبَيْضِهِ لِاسْتِفْرَاخِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْمَالِ أَشْبَهَتْ الْجَحْشَ الصَّغِيرَ فَإِنْ اشْتَرَى الْبَيْضَ الْمَذْكُورَ لِنَحْوِ أَكَلٍ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ إبَاحَتِهِ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (قِرْدٍ لِحِفْظٍ) ؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ مِنْ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ وَ (لَا) يَصِحُّ بَيْعُ قِرْدٍ (لِلَّعِبِ وَكَرِهَ أَحْمَدُ بَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ) قَالَ أَكْرَهُ بَيْعَ الْقِرْدِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِطَاقَةِ بِهِ وَاللَّعِبِ فَأَمَّا بَيْعُهُ لِحِفْظِ الْمَتَاعِ وَالدُّكَّانِ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّقْرِ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ قِنٍّ (مُرْتَدٍّ) وَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ،؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَخَشْيَةُ هَلَاكِهِ لَا تَمْنَعُ بَيْعَهُ كَالْمَرِيضِ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ قِنٍّ (جَانٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَا دُونَهَا) سَوَاءٌ (أَوْجَبَتْ) الْجِنَايَةُ (الْقِصَاصَ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَقٌّ ثَبَتَ بِغَيْرِ رِضَا سَيِّدِهِ فَلَمْ يُمْنَعْ بَيْعُهُ كَالدَّيْنِ (وَلِجَاهِلٍ) بِالرِّدَّةِ أَوْ الْجِنَايَةِ حَالَ الشِّرَاءِ (الْخِيَارُ) بَيْنَ الرَّدِّ وَالْأَرْشِ كَالْعَيْبِ (وَيَأْتِي آخِرَ خِيَارِ الْعَيْبِ) .
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (مَرِيضٍ وَلَوْ مَأْيُوسًا مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ خَشْيَةَ هَلَاكِهِ لَا تَمْنَعُ بَيْعَهُ (وَلِجَاهِلٍ) بِمَرَضِهِ حَالَ الشِّرَاءِ (الْخِيَارُ) بَيْنَ الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ عَيْبٌ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ قِنٍّ (قَاتَلَ فِي مُحَارَبَةٍ مُتَحَتِّمٍ قَتْلُهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ إلَى قَتْلِهِ، وَيُعْتِقُهُ فَيَجُرُّ وَلَاءَ وَلَدِهِ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ قِنٍّ (مُتَحَتَّمٍ قَتْلُهُ بِكُفْرٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: وَمُرْتَدٍّ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (أَمَةٍ لِمَنْ بِهِ عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ كَجُذَامٍ وَبَرَصٍ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُرَادُ لِلْوَطْءِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ (وَهَلْ لَهَا) أَيْ: لِلْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ لِمَنْ بِهِ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ
(مَنْعَهُ مِنْ وَطْئِهَا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَوْلَاهُمَا لَيْسَ لَهَا مَنْعُهُ) لِمِلْكِهِ لَهَا وَلِمَنَافِعِهِ (وَبِهِ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ، حَكَاهُ عَنْهُمْ ابْنُ الْعِمَادِ فِي كِتَابِ التِّبْيَانِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ الْحَيَوَانِ) .
(وَ) يَصِحُّ (بَيْعُ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ وَلَوْ) كَانَتْ (حُرَّةً) أَيْ: الْمُنْفَصِلِ مِنْهَا،؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ كَلَبَنِ الشَّاةِ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي إجَارَةِ الظِّئْرِ فَيَضْمَنُهُ مُتْلِفُهُ.
(وَيُكْرَهُ) لِلْمَرْأَةِ بَيْعُ لَبَنِهَا نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَ) لَا يَصِحُّ (بَيْعُ لَبَنِ رَجُلٍ) فَلَا يُضْمَنُ بِإِتْلَافٍ.
(وَلَا) بَيْعُ (خَمْرٍ وَلَوْ كَانَا) أَيْ: الْمُتَبَايِعَانِ (ذِمِّيَّيْنِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (لَا) بَيْعُ وَلَوْ مُبَاحَ الِاقْتِنَاءِ (كَلْبِ صَيْدٍ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَمَنْ قَتَلَهُ) أَيْ: الْكَلْبَ (وَهُوَ مُعَلَّمُ) الصَّيْدِ.
وَالْمُرَادُ مَنْ قَتَلَ كَلْبًا يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ، كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (أَسَاءَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ لَا يُمْلَكُ) وَلَا قِيمَةَ لَهُ وَيَأْتِي فِي الصَّيْدِ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُ غَيْرِ أَسْوَدَ بَهِيمٍ وَعَقُورٍ، وَلَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ.
(وَيَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ) أَيْ الْكَلْبِ (كَ) مَا يَحْرُمُ اقْتِنَاءُ (خِنْزِيرٍ) وَلَوْ لِحِفْظِ الْبُيُوتِ وَنَحْوِهَا (إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ وَصَيْدٍ، وَحَرْثٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ لِلْمَاشِيَةِ وَالصَّيْدِ وَالْحَرْثِ (إنْ لَمْ يَكُنْ أَسْوَدَ بَهِيمًا أَوْ عَقُورًا وَيَأْتِي فِي الصَّيْدِ) بَيَانُ ذَلِكَ وَتَعْلِيلُهُ.
(وَيَجُوزُ تَرْبِيَةُ الْجَرْوِ الصَّغِيرِ لِأَجْلِ الثَّلَاثَةِ) أَيْ: لِوَاحِدٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَالصَّيْدِ وَالْحَرْثِ،؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ مَا يُبَاحُ.
(وَمَنْ اقْتَنَى كَلْبَ صَيْدٍ ثُمَّ تَرَكَ الصَّيْدَ مُدَّةً وَهُوَ يُرِيدُ الْعَوْدَ إلَيْهِ لَمْ يَحْرُمْ اقْتِنَاؤُهُ فِي مُدَّةِ تَرْكِهِ) الصَّيْدَ.
(وَكَذَا) مَنْ اقْتَنَى كَلْبَ زَرْعٍ (لَوْ حَصَدَ الزَّرْعَ أُبِيحَ اقْتِنَاؤُهُ حَتَّى يَزْرَعَ زَرْعًا آخَرَ وَكَذَا لَوْ هَلَكَتْ مَاشِيَةٌ) اقْتَنَى لَهَا كَلْبًا (أَوْ بَاعَهَا وَهُوَ يُرِيدُ شِرَاءَ غَيْرِهَا فَلَهُ إمْسَاكُ كَلْبِهَا لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي الَّتِي يَشْتَرِيهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
(وَمَنْ مَاتَ وَفِي يَدِهِ كَلْبٌ) يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ (فَوَرَثَتُهُ أَحَقُّ بِهِ) كَسَائِرِ الِاخْتِصَاصَاتِ (وَيَجُوزُ إهْدَاءُ الْكَلْبِ الْمُبَاحِ وَالْإِثَابَةُ عَلَيْهِ) لَا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ) قِنٍّ (مَنْذُورٍ عِتْقُهُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: نَذْرٌ تَبَرَّرَ) ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ وَجَبَ بِالنَّذْرِ، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ بِبَيْعِهِ، كَالْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ وَاحْتَرَزَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ عَنْ نَذْرِ اللَّجَاجِ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ لِإِجْزَاءِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ.
(وَلَا) بَيْعُ (تِرْيَاقٍ يَقَعُ فِيهِ لُحُومُ الْحَيَّاتِ) ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ إنَّمَا
يَحْصُلُ بِالْأَكْلِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ فَخَلَا مِنْ نَفْعٍ مُبَاحٍ وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ، وَلَا بِسُمِّ الْأَفَاعِي وَيَصِحُّ بَيْعُ التِّرْيَاقِ الْخَالِي مِنْ لُحُومِ الْحَيَّاتِ وَمِنْ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ كَسَائِرِ الْمَعَاجِينِ الْخَالِيَةِ مِنْ مُحَرَّمٍ (وَلَا) بَيْعُ (سُمُومٍ قَاتِلَةٍ كَسُمِّ الْأَفَاعِي) لِخُلُوِّهَا مِنْ نَفْعٍ مُبَاحٍ (فَأَمَّا السُّمُّ مِنْ الْحَشَائِشِ وَالنَّبَاتِ فَإِنْ كَانَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ كَانَ يَقْتُلُ قَلِيلُهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ اُنْتُفِعَ بِهِ وَأَمْكَنَ التَّدَاوِي بِيَسِيرِهِ كَالسَّقَمُونْيَا وَنَحْوِهَا، جَازَ بَيْعُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ الْمُبَاحِ.
(وَيَحْرُمُ بَيْعُ مُصْحَفٍ وَلَوْ فِي دَيْنٍ) قَالَ أَحْمَدُ لَا نَعْلَمُ فِي بَيْعِ الْمُصْحَفِ رُخْصَةً قَالَ ابْنُ عُمَرَ: " وَدَدْتُ أَنَّ الْأَيْدِي تُقْطَعُ فِي بَيْعِهَا " وَلِأَنَّ تَعْظِيمَهُ وَاجِبٌ وَفِي بَيْعِهِ ابْتِذَالٌ لَهُ وَتَرْكٌ لِتَعْظِيمِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ) بَيْعُ الْمُصْحَفِ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْإِنْصَافِ: أَنَّهُ الْمَذْهَبُ.
وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَلَا يَصِحُّ لِكَافِرٍ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَمُقْتَضَاهُ: صِحَّتُهُ لِلْمُسْلِمِ مَعَ الْحُرْمَةِ (كَ) مَا لَا يَصِحُّ (بَيْعُهُ لِكَافِرٍ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِدَامَةِ مِلْكِهِ فَمُنِعَ مِنْ ابْتِدَائِهِ (فَإِنْ مَلَكَهُ) الْكَافِرُ (بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَاسْتِيلَاءٍ عَلَيْهِ مِنْ مُسْلِمٍ (أُلْزِمَ بِإِزَالَةِ يَدِهِ عَنْهُ) خَشْيَةَ امْتِهَانِهِ.
(وَكَذَا) أَيْ كَبَيْعِ الْمُصْحَفِ (إجَارَتُهُ وَرَهْنُهُ) فَيَحْرُمَانِ وَلَا يَصِحَّانِ (وَيَلْزَمُ بَذْلُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (لِمَنْ احْتَاجَ إلَى الْقِرَاءَةِ فِيهِ وَلَمْ يَجِدْ مُصْحَفًا غَيْرَهُ) لِلضَّرُورَةِ (وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ بِلَا إذْنِ) مَالِكِهِ.
(وَلَوْ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ افْتِيَاتًا عَلَى رَبِّهِ (وَلَا يُكْرَهُ شِرَاؤُهُ) أَيْ: شِرَاءُ الْمُصْحَفِ (؛ لِأَنَّهُ اسْتِنْقَاذٌ) لَهُ كَشِرَاءِ الْأَسِيرِ.
(وَلَا) يُكْرَهُ (إبْدَالُهُ) أَيْ إبْدَالِ الْمُصْحَفِ (لِمُسْلِمٍ بِمُصْحَفٍ آخَرَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الرَّغْبَةِ عَنْهُ وَلَا عَلَى الِاسْتِبْدَالِ بِهِ بِعِوَضٍ دُنْيَوِيٍّ، بِخِلَافِ أَخْذِ ثَمَنِهِ (وَلَوْ وَصَّى بِبَيْعِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ وَلَوْ فِي دَيْنٍ (لَمْ يُبَعْ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَجُوزُ نَسْخُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (بِأُجْرَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ (وَلَا يُقْطَعُ) سَارِقٌ (بِسَرِقَتِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ.
(وَيَجُوزُ وَقْفُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَهِبَتُهُ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِيَاضَ فِي ذَلِكَ عَنْهُ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ أَحْكَامِهِ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ) فَلَمْ نُطِلْ بِإِعَادَتِهَا.
وَيَجُوزُ بَيْعُ كُتُبِ الْعِلْمِ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا تُبَاعُ (وَيَصِحُّ شِرَاءُ كُتُبِ زَنْدَقَةٍ لِيُتْلِفَهَا، لَا) شِرَاءُ خَمْرٍ لِيُرِيقَهَا (؛ لِأَنَّ فِي الْكُتُبِ مَالِيَّةُ الْوَرَقِ) وَتَعُودُ وَرَقًا مُنْتَفَعًا بِهِ بِالْمُعَالَجَةِ.
(قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَبْطُلُ بِآلَةِ اللَّهْوِ، وَسَقَطَ حُكْمُ مَالِيَّةِ الْخَشَبِ) .
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ آلَةِ لَهْوٍ كَمِزْمَارٍ وَطُنْبُورٍ وَمِنْهَا النَّرْدُ وَالشِّطْرَنْجُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْغَصْبِ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (حَشَرَاتٍ) كَخَنَافِسَ (سِوَى مَا تَقَدَّمَ) مِنْ دُودِ الْقَزِّ وَدِيدَانٍ يُصَادُ بِهَا وَالْحَشَرَاتُ (كَفَأْرٍ وَحَيَّاتٍ وَعَقَارِبَ وَنَحْوِهَا) كَصَرَاصِرَ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ
(مَيْتَةٍ وَلَا شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَوْ لِمُضْطَرٍّ) لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا سَمَكًا وَجَرَادًا وَنَحْوَهُمَا) كَجُنْدُبٍ لِحِلِّ أَكْلِهَا (وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (دَمٍ وَخِنْزِيرٍ وَصَنَمٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ السَّابِقِ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (سِبَاعِ بَهَائِمَ) لَا تَصْلُحُ لِصَيْدٍ (وَ) لَا (جَوَارِحِ طَيْرٍ لَا تَصْلُحُ لِصَيْدٍ، كَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَدُبٍّ وَسَبُعٍ وَغُرَابٍ) لَا يُؤْكَلُ (وَحِدَأَةٍ وَنِسْرٍ وَعَقْعَقٍ وَنَحْوِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهَا كَالْحَشَرَاتِ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (سِرْجِينٍ) أَيْ زِبْلٍ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَيُقَالُ: سِرْقِينٌ (نَجِسٍ) بِخِلَافِ الطَّاهِرِ مِنْهُ كَرَوَثِ الْحَمَامِ وَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
(وَ) لَا يَصِحُّ بَيْعُ (أَدْهَانٍ نَجِسَةِ الْعَيْنِ مِنْ شُحُومِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (وَلَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا) أَيْ: بِالْأَدْهَانِ النَّجِسَةِ الْعَيْنِ (بِاسْتِصْبَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَتُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ: لَا بَلْ هُوَ حَرَامٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ) نَحْوِ (نِصْفٍ مُعَيَّنٍ مِنْ إنَاءٍ وَسَيْفٍ وَنَحْوِهِمَا) مِنْ كُلِّ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لَوْ كُسِرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ مُفْرَدًا إلَّا بِإِتْلَافِهِ، وَإِخْرَاجِهِ عَنْ الْمَالِيَّة، بِخِلَافِ بَيْعِ جُزْءٍ مِنْهُ مُشَاعًا (وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ أَدْهَانٍ مُتَنَجِّسَةٍ) كَزَيْتٍ لَاقَى نَجَاسَةً.
(وَلَوْ) بِيعَ (لِكَافِرٍ) يُعْلَمُ حَالُهُ (لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مُخْتَصَرًا (وَيَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهَا) أَيْ: بِالْأَدْهَانِ الْمُتَنَجِّسَةِ (فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ عَلَى وَجْهٍ لَا تَتَعَدَّى نَجَاسَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضُرٍّ وَاسْتِعْمَالُهَا عَلَى وَجْهٍ لَا تَتَعَدَّى بِأَنْ تُجْعَلَ فِي إبْرِيقٍ وَيُصَبُّ مِنْهُ فِي الْمِصْبَاحِ وَلَا يُمَسَّ، أَوْ يُدْعَ عَلَى أُسِّ الْجَرَّةِ الَّتِي فِيهَا الدُّهْنُ سِرَاجًا مَثْقُوبًا وَيُطَيِّنُهُ عَلَى رَأْسِ إنَاءِ الدُّهْنِ وَكُلَّمَا نَقَصَ دُهْنُ السِّرَاجِ صُبَّ فِيهِ مَاءٌ بِحَيْثُ يَرْفَعُ الدُّهْنَ فَيَمْلَأُ السِّرَاجَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْقَيْدُ قَالَهُ جَمَاعَةٌ وَنَقَلَهُ طَائِفَةٌ عَنْ الْإِمَامِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ شَرْطًا فِي جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهَا فِيهِ مُطْلَقًا.
(وَ) يَجُوزُ (أَنْ تُدْفَعَ) الْأَدْهَانُ الْمُتَنَجِّسَةُ (إلَى كَافِرٍ فِي فِكَاكِ مُسْلِمٍ وَيُعْلَمُ بِنَجَاسَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا حَقِيقَةً) بَلْ افْتِدَاءً (وَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْ دُخَانِهِ) أَيْ: الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ (شَيْءٌ فَهُوَ نَجِسٌ) كَغُبَارِهَا وَبُخَارِهَا وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ عَلَقَ) دُخَانُ النَّجَاسَةِ (بِشَيْءٍ) طَاهِرٍ (عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ) وَهُوَ مَا لَا تَظْهَرُ صِفَتُهُ لِلْمَشَقَّةِ وَتَقَدَّمَ.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ نَجِسٍ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) كَإِنَاءٍ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَ تَطْهِيرِهِ.
(وَيَجُوزُ بَيْعُ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ إذَا خُلِعَتْ) عَنْهَا (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحُرِّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا بَاعَ حُرًّا وَأَكَلَ ثَمَنَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَا) بَيْعُ (مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ كَالْمُبَاحَاتِ) مِنْ نَحْوِ كَلَأٍ وَمَاءٍ وَمَعْدِنٍ (قَبْلَ حِيَازَتِهَا وَتَمَلُّكِهَا) لِفَقْدِ الشَّرْطِ الرَّابِعِ.
(وَلَوْ بَاعَ أَمَةً حَامِلًا بِحُرٍّ قَبْلَ وَضْعِهِ صَحَّ) الْبَيْعُ (فِيهَا) لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ، وَجَهَالَةُ الْحَمْلِ لَا تَضُرُّ وَقَدْ يُسْتَثْنَى بِالشَّرْعِ مَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِاللَّفْظِ كَبَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ يَصِحُّ وَمَنْفَعَةُ الْبُضْعِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالشَّرْعِ وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهَا بِاللَّفْظِ.
[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط الْبَيْع أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَمْلُوكًا لِبَائِعِهِ]
فَصْلٌ الشَّرْطُ الرَّابِعُ (أَنْ يَكُونَ) الْمَبِيعُ (مَمْلُوكًا لِبَائِعِهِ) وَقْتَ الْعَقْدِ وَكَذَا الثَّمَنُ (مِلْكًا تَامًّا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: مِلْكًا تَامًّا الْوُقُوفُ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَالْمَبِيعُ زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ (حَتَّى أَسِيرٌ) فَيَصِحُّ بَيْعُهُ لِمِلْكِهِ، إذْ الْأَسْرُ لَا يُزِيلُ مِلْكَهُ (أَوْ) أَنْ يَكُونَ (مَأْذُونًا لَهُ فِي بَيْعِهِ وَقْتَ إيجَابٍ وَقَبُولٍ) لَفْظِيَّيْنِ أَوْ فِعْلِيَّيْنِ، أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، لِقِيَامِ الْمَأْذُونِ لَهُ مَقَامَ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ نَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ نَفْسِهِ (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمَالِكُ أَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكَهُ (بِأَنْ ظَنَّهُ) أَيْ ظَنَّ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ (لِغَيْرِهِ، فَبَانَ) أَنَّهُ (قَدْ وَرِثَهُ) ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْمَأْذُونُ لَهُ الْإِذْنَ بِأَنْ ظَنَّ عَدَمَ الْإِذْنِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ (قَدْ وُكِّلَ فِيهِ) وَقَوْلُهُ (كَمَوْتِ أَبِيهِ وَهُوَ) أَيْ: الْبَائِعُ (وَارِثُهُ) مِثَالٌ لِلْأَوَّلِ (أَوْ تَوْكِيلُهُ) وَالْوَكِيلُ لَا يَعْلَمُ: مِثَالٌ لِلثَّانِي، وَإِنَّمَا صَحَّ الْبَيْعُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْمُعَامَلَاتِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَا بِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمِلْكَ وَالْإِذْنَ شَرْطٌ.
(فَإِنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَوْ بِحَضْرَتِهِ وَسُكُوتِهِ) لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَلَوْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ بَعْدُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَحَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ ثُمَّ عَادَ بِالدِّينَارِ وَالشَّاةِ فَدَعَاهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ مُطْلَقٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ سَلَّمَ وَتَسَلَّمَ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ وَالْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ بِاتِّفَاقٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ (أَوْ اشْتَرَى لَهُ) أَيْ: لِغَيْرِهِ (بِعَيْنِ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ)
الشِّرَاءُ وَلَوْ أُجِيزَ بَعْدُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ اشْتَرَى لَهُ) أَيْ لِغَيْرِهِ شَيْئًا (فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) صَحَّ (إنْ لَمْ يُسَمِّهِ) أَيْ: لَمْ يُسَمِّ الْمُشْتَرِي مَنْ اشْتَرَى لَهُ (فِي الْعَقْدِ) بِأَنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ هَذَا وَلَمْ يَقُلْ لِفُلَانٍ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ (سَوَاءٌ نَقَدَ) الْمُشْتَرِي (الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ) الَّذِي اشْتَرَى لَهُ (أَوْ لَا) بِأَنْ نَقَدَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي ذِمَّتِهِ وَهِيَ قَابِلَةٌ لِلتَّصَرُّفِ وَاَلَّذِي نَقَدَهُ إنَّمَا هُوَ عِوَضٌ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ سَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ إنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ (فَإِنْ أَجَازَهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (مَنْ اشْتَرَى لَهُ) وَلَمْ يُسَمِّ (مِلْكَهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) فَمَنَافِعُهُ وَنَمَاؤُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِأَجْلِهِ وَنَزَّلَ الْمُشْتَرِي نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الْوَكِيلِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُجِزْهُ مَنْ اشْتَرَى لَهُ (لَزِمَ مَنْ اشْتَرَاهُ فَيَقَعُ الشِّرَاءُ لَهُ) لِأَنَّ الْغَيْرَ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ لِلْمُشْتَرِي، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ (وَإِنْ حُكِمَ بِصِحَّةِ مُخْتَلَفٍ فِيهِ) مِمَّنْ يَرَاهُ (كَتَصَرُّفِ فُضُولِيٍّ بَعْدَ إجَازَتِهِ صَحَّ) الْعَقْدُ وَاعْتُبِرَتْ آثَارُهُ (مِنْ الْحُكْمِ لَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي فَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَاطِلٌ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى الْحُكْمِ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيُتَوَجَّهُ كَالْإِجَازَةِ.
وَقَالَ فِي الْفُصُولِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ: إنَّهُ يَقْبَلُ الِانْبِرَامَ وَالْإِلْزَامَ بِالْحُكْمِ وَالْحُكْمُ لَا يُنْشِئُ الْمِلْكَ بَلْ يُحَقِّقُهُ (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ) شَيْءٍ (مُعَيَّنٍ لَا يَمْلِكُهُ لِيَشْتَرِيَهُ وَيُسَلِّمَهُ) لِحَدِيثِ حَكِيمٍ السَّابِقِ.
(بَلْ) يَصِحُّ بَيْعُ (مَوْصُوفٍ) بِمَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ (غَيْرِ مُعَيَّنٍ) وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ فِي مِلْكِهِ مِثْلُهُ (بِشَرْطِ قَبْضِهِ) أَيْ: الْمَوْصُوفِ (أَوْ قَبْضِ ثَمَنِهِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ) وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ (وَيَأْتِي) الْبَيْعُ بِالْوَصْفِ (قَرِيبًا) فِي الشَّرْطِ السَّادِسِ.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَلَمْ يُقَسَّمْ، وَتَصِحُّ إجَارَتُهُ) وَكَذَا الْأَرْضُ الَّتِي جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا مِنَّا أَوْ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا لَنَا، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا بِخِلَافِ مَا فُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ، أَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً - وَقُسِّمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَنِصْفِ خَيْبَرَ أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا كَالْمَدِينَةِ فَيَصِحُّ بَيْعُهَا وَاَلَّذِي فُتِحَ عَنْوَةً وَلَمْ يُقَسَّمْ (كَأَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ وَنَحْوِهَا) فَتَصِحُّ إجَارَتُهَا مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ دُونَ بَيْعِهَا (؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَقَرَّهَا فِي أَيْدِي أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِي ضَرَبَهُ أُجْرَةً لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ وَلَمْ يُقَدِّرْ) عُمَرُ (مُدَّتَهَا) أَيْ: مُدَّةَ الْإِجَارَةِ (لِعُمُومِ
الْمَصْلَحَةِ
فِيهَا) قَالَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، قَالَ وَقَدْ اشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي قِصَصٍ نُقِلَتْ عَنْهُ.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَسَاكِنِ) مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ (الْمَوْجُودَةِ حَالَ الْفَتْحِ، أَوْ حَدَثَتْ بَعْدَهُ وَآلَتِهَا) أَيْ الْمَسَاكِنِ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ (أَوْ مِنْ غَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اقْتَطَعُوا الْخِطَطَ فِي الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ
وَبَنَوْا مَسَاكِنَ وَتُبَايِعُوهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ بِنَاءٍ لَيْسَ مِنْهَا (كَبَيْعِ غَرْسٍ مُحْدَثٍ) فِيهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِغَارِسِهِ وَكَلَامُهُ هُنَا كَالْفُرُوعِ يَقْتَضِي أَنَّ الْغَرْسَ الْمَوْجُودَ حَالَ الْفَتْحِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَإِنَّهُ يَتْبَعُ الْأَرْضَ فِي الْوَقْفِ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْأَرَضِينَ الْمَغْنُومَةِ أَنَّهُ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي ثَمَرَتِهَا عَلَى مَنْ تَقَرُّ بِيَدِهِ كَالْمُتَجَدِّدِ فَعَلَيْهِ تَكُونُ مِلْكًا لَهُ فَيَصِحُّ بَيْعُهَا.
(وَكَذَا إنْ رَأَى الْإِمَامُ
الْمَصْلَحَةَ
فِي بَيْعِ شَيْءٍ مِنْهَا) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ مَا يَحْتَاجُ إلَى عِمَارَةٍ وَلَا يَعْمُرُهَا إلَّا مَنْ يَشْتَرِيهَا (فَبَاعَهُ أَوْ وَقَفَهُ أَوْ أَقْطَعَهُ إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ) فَيَصِحُّ ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ كَحُكْمِهِ بِذَلِكَ يَصِحُّ كَبَقِيَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ هَذَا مَعْنَى مَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْمُغْنِي صِحَّةَ الْبَيْعِ مِنْهُ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَرَى صِحَّةَ بَيْعِهِ أَوْ وَقْفِهِ، وَإِلَّا يَنْفُذُ حُكْمُ حَاكِمٍ بِمَا يَعْتَقِدُ خِلَافَهُ وَفِي صِحَّةِ الْوَقْفِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ إمَّا مَوْقُوفَةٌ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُهَا ثَانِيًا أَوْ فَيْءٌ لِبَيْتِ الْمَالِ وَالْوَقْفُ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْوَقْفَ هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْإِرْصَادِ وَالْإِفْرَازِ لِشَيْءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى بَعْضِ مُسْتَحِقِّيهِ، لِيَصِلُوا إلَيْهِ بِسُهُولَةٍ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
(وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ فِي حُكْمِ الْأَرَاضِي الْمَغْنُومَةِ: وَلَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (إقْطَاعُ هَذِهِ الْأَرْضِ) أَيْ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً وَلَمْ تُقَسَّمْ (وَالدُّورِ وَالْمَعَادِنِ إرْفَاقًا لَا تَمْلِيكًا وَيَأْتِي) .
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي فِي بَابِ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ: وَحُكْمُ إقْطَاعِ هَذِهِ الْأَرْضِ حُكْمُ بَيْعِهَا وَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَقَالَ أَيْضًا وَلَا يُخَصُّ أَحَدٌ بِمِلْكِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَوْ جَازَ تَخْصِيصُ قَوْمٍ بِأَصْلِهَا لَكَانَ الَّذِينَ فَتَحُوهَا أَحَقَّ بِهَا.
(وَمِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ الْإِمَامِ لَهَا فِي صِحَّتِهِ (لَوْ بِيعَتْ وَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ حَاكِمٌ يَرَاهُ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) كَبَقِيَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ (إلَّا أَرْضًا مِنْ الْعِرَاقِ فُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ) أَيْ: لِأَهْلِهَا فَيَصِحُّ بَيْعُهُمْ لَهَا لِمِلْكِهِمْ إيَّاهَا وَسُمِّيَ عِرَاقًا لِامْتِدَادِ أَرْضِهِ وَخُلُوِّهَا مِنْ جِبَالٍ مُرْتَفِعَةٍ وَأَوْدِيَةٍ مُنْخَفِضَةٍ.
قَالَ السَّامِرِيُّ: (وَهِيَ) أَيْ الْأَرْضُ الْمَذْكُورَةُ (الْحِيرَةُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ مَدِينَةٌ بِقُرْبِ الْكُوفَةِ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا حَيْرِيٌّ وَحَارِيٌّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ (وَأُلَّيْسُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ مَدِينَةٌ بِالْجَزِيرَةِ (وَبَانِقْيَا) بِزِيَادَةِ أَلْفٍ بَيْنَ الْبَاءِ وَالنُّونِ الْمَكْسُورَةِ، ثُمَّ قَافٍ سَاكِنَةٍ تَلِيهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ، نَاحِيَةٌ بِالنَّجَفِ دُونَ الْكُوفَةِ (وَأَرْضُ بَنِي صَلُوبَا) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ اللَّامِ بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ تَلِيهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ فَهَذِهِ الْأَمَاكِنُ فُتِحَتْ صُلْحًا لَا عَنْوَةً
فَيَصِحُّ بَيْعُهَا وَمِثْلُهَا الْأَرْضُ الَّتِي لَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا كَأَرْضِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهَا مِلْكُ أَرْبَابِهَا (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ وَقْفِ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَلَمْ يُقَسَّمْ (وَنَفْعُهُ وَالْمُرَادُ مِنْهُ بَاقٍ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ: فِي حَالِ بَقَاءِ نَفْعِهِ الْمَقْصُودِ، فَإِنْ تَعَطَّلَ جَازَ بَيْعُهُ (وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ) بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ رَبْعٍ (وَهِيَ الْمَنَازِلُ وَدَارُ الْإِقَامَةِ، وَلَا الْحَرَمِ كُلِّهِ وَكَذَا بِقَاعِ الْمَنَاسِكِ) كَالْمَسْعَى وَالْمَرْمَى، وَالْمَوْقِفِ وَنَحْوِهَا.
(وَ) الْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْمَنَاسِكِ (أَوْلَى) مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ رِبَاعِ مَكَّةَ (إذْ هِيَ) أَيْ: بِقَاعُ الْمَنَاسِكِ (كَالْمَسَاجِدِ) لِعُمُومِ نَفْعِهَا وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ (لِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً) بِدَلِيلِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَمَرَ بِقَتْلِ أَرْبَعَةٍ فَقَتَلَ مِنْهُمْ ابْنَ خَطَلٍ وَمَقِيسَ بْنَ صَبَابَةَ " وَلَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُ أَهْلِهَا وَلَمْ تُقَسَّمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَصَارَتْ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
(وَلَا) تَصِحُّ (إجَارَةُ ذَلِكَ) أَيْ رِبَاعِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَبِقَاعِ الْمَنَاسِكِ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مَرْفُوعًا «مَكَّةُ حَرَامٌ بَيْعُهَا، حَرَامٌ إجَارَتُهَا» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «مَكَّةُ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُكْرَى بُيُوتُهَا» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ (فَإِنْ سَكَنَ بِأُجْرَةٍ) فِي رِبَاعِ مَكَّةَ (لَمْ يَأْثَمْ بِدَفْعِهَا) صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ التَّقِيُّ: هِيَ سَاقِطَةٌ يَحْرُمُ بَذْلُهَا (وَلَا يَمْلِكُ مَاءَ عِدٍّ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ قَبْلَ حِيَازَتِهِ (وَهُوَ الَّذِي لَهُ مَادَّةٌ لَا تَنْقَطِعُ كَمِيَاهِ الْعُيُونِ وَ) كَ (نَقْعِ الْبِئْرِ) لِقَوْلِهِ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَلَا) يُمْلَكُ (مَا فِي مَعْدِنِ جَارٍ) إذَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ خَلَّفَهُ غَيْرُهُ (كَمِلْحٍ وَقَارٍ وَنِفْطٍ وَنَحْوِهَا) قَبْلَ حِيَازَتِهِ لِعُمُومِ نَفْعِهِ فَهُوَ كَالْمَاءِ (وَلَا) يُمْلَكُ (كَلَأٌ) قَبْلَ حِيَازَتِهِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ (وَلَا) يُمْلَكُ (شَوْكٌ نَبَتَ فِي أَرْضِهِ قَبْلَ حِيَازَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الشَّوْكَ كَالْكَلَأِ وَقَوْلُهُ (يُمْلَكُ أَرْضٌ) مُتَعَلِّقٌ بِلَا يُمْلَكُ، أَيْ: لَا تُمْلَكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ بِالْحِيَازَةِ (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) أَيْ: بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ حِيَازَتِهِ.
(وَلَا يَدْخُلُ) مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ ذَلِكَ (فِي بَيْعِهَا) ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَمْلِكْهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْبَيْعُ (كَ) مَا لَوْ كَانَ فِي (أَرْضٍ مُبَاحَةٍ) غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ (وَلَكِنْ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِهِ، لِكَوْنِهِ فِي أَرْضِهِ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ، وَمَنْ حَازَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنْ الْمَاءِ الْعِدِّ وَالْكَلَأِ وَالشَّوْكِ وَالْمَعْدِنِ الْجَارِي (شَيْئًا مَلَكَهُ) وَجَازَ بَيْعُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ إلَّا مَا حُمِلَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي
الْأَمْوَالِ وَعَلَى ذَلِكَ مَضَتْ الْعَادَةُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
(إلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِأَجْلِ أَخْذِ ذَلِكَ إنْ كَانَ) رَبُّ الْأَرْضِ (مُحَوِّطًا عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُحَوِّطْ عَلَيْهَا (جَازَ) الدُّخُولُ بِلَا إذْنِهِ (بِلَا ضَرَرٍ) لِدَلَالَةِ الْقَرِينَةِ عَلَى رِضَاهُ حَيْثُ لَمْ يُحَوِّطْ (وَلَوْ اسْتَأْذَنَهُ) أَحَدٌ فِي الدُّخُولِ (حَرُمَ) عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ (مَنْعُهُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ) ضَرَرٌ بِدُخُولِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَسَوَاءٌ) فِيمَا تَقَدَّمَ (كَانَ ذَلِكَ) أَيْ: الْمَاءُ الْعِدُّ وَالْمَعْدِنُ الْجَارِي، وَالْكَلَأُ وَالشَّوْكُ (مَوْجُودًا فِي الْأَرْضِ خَفِيًّا أَوْ حَدَثَ بِهَا بَعْدَ مِلْكِهَا) وَسَوَاءٌ مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ أَوْ إحْيَاءٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِهَا.
(وَلَوْ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ) أَيْ فِي أَرْضِ إنْسَانٍ (سَمَكٌ) لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ (أَوْ عَشَّشَ فِيهَا طَائِرٌ لَمْ يَمْلِكْهُ) بِذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ قَبْلَ حِيَازَتِهِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي الصَّيْدِ) مُوَضَّحًا.
(وَالْمَصَانِعُ الْمُعَدَّةُ لِمِيَاهِ الْأَمْطَارِ) يَمْلِكُ رَبُّهَا مَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنْهَا، وَالْمَصَانِعُ الْمُعَدَّةُ لَهَا إذَا (إذَا جَرَى إلَيْهَا مَاءُ نَهْرٍ غَيْرُ مَمْلُوكٍ) كَالنِّيلِ (يُمْلَكُ مَاؤُهَا) الْحَاصِلُ فِيهَا (بِحُصُولِهِ فِيهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حِيَازَةٌ لَهُ (وَيَجُوزُ) لِمَالِكِهِ (بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا) وَهِبَتُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَلَا يَحِلُّ) لِأَحَدٍ (أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ) لِجَرَيَانِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ (وَالطُّلُولُ الَّتِي تَجْتَنِي مِنْهَا النَّحْلُ) إذَا كَانَتْ عَلَى نَبْتٍ مَمْلُوكٍ (كَكَلَأٍ) فِي الْإِبَاحَةِ.
(وَأَوْلَى) بِالْإِبَاحَةِ مِنْ الْكَلَأِ لِمَا يَأْتِي (وَلَا حَقَّ) أَيْ: لَا عِوَضَ (عَلَى أَهْلِ النَّحْلِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ الَّتِي يَجْنِي مِنْهَا قَالَ الشَّيْخُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ مِنْ مِلْكِهِمْ شَيْئًا) وَلَا يَكَادُ يَجْتَمِعُ مِنْهَا مَا يُعَدُّ شَيْئًا إلَّا بِمَشَقَّةٍ ذَكَرَ ابْنُ عَادِلٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ: فِي كُتُبِ الطِّبِّ أَنَّ الطِّلَالَ هِيَ الَّتِي يَتَغَذَّى مِنْهَا النَّحْلُ إذَا تَسَاقَطَتْ عَلَى أَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ وَالْأَزْهَارِ، فَيَلْتَقِطُهَا النَّحْلُ وَيَتَغَذَّى مِنْهَا وَيُكَوِّنُ مِنْهَا الْعَسَلُ انْتَهَى وَالطَّلُّ نَوْعٌ مِنْ الْقَطْرِ وَنَحْلُ رَبِّ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِهِ فَلَهُ مَنْعُ غَيْرِهِ إنْ أَضَرَّ بِهِ ذَكَرُهُ الشَّيْخُ التَّقِيُّ.
(فَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْجَامِدَةُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالصُّفْرِ وَالرَّصَاصِ وَالْكُحْلِ، وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ كَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَنَحْوِهَا فَتُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ عَلَى مَا يَأْتِي) فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ.
(وَيَجُوزُ لِرَبِّهَا) أَيْ: رَبِّ الْأَرْضِ (بَيْعُهُ) أَيْ: بَيْعُ مَا بِهَا مِنْ مَعْدِنٍ جَامِدٍ، وَلَوْ قَبْلَ حِيَازَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ (وَلَا تُؤْخَذُ) الْمَعَادِنُ الْجَامِدَةُ (بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: إذْنِ رَبِّ الْأَرْضِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَسْتَوِي) فِي ذَلِكَ (الْمَوْجُودُ) مِنْ تِلْكَ الْمَعَادِنِ (فِيهَا) أَيْ فِي الْأَرْضِ (قَبْلَ مِلْكِهَا) خَفِيًّا (وَمَا حَدَثَ بَعْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ) وَأَمَّا مَا كَانَ فِيهَا ظَاهِرًا وَقْتَ إحْيَائِهَا فَلَا يُمْلَكُ بِمِلْكِهَا وَلَوْ كَانَ جَامِدًا وَيَأْتِي فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.
[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط الْمَبِيع أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ]
فَصْلٌ الشَّرْطُ الْخَامِسُ (أَنْ يَكُونَ) الْمَبِيعُ وَمِثْلُهُ الثَّمَنُ (مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ) حَالَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ شَبِيهٌ بِالْمَعْدُومِ وَالْمَعْدُومُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ، (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ آبِقٍ) وَلَا جَعْلُهُ ثَمَنًا سَوَاءٌ (عَلِمَ) الْآخِذُ لَهُ (مَكَانَهُ أَوْ جَهِلَهُ وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (لِقَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِهِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ» (وَكَذَا جَمَلٌ شَارِدٌ وَفَرَسٌ غَائِرٌ وَنَحْوُهُمَا) مِمَّا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (نَحْلٍ) فِي الْهَوَاءِ (وَ) بَيْعُ (طَيْرٍ فِي الْهَوَاءِ يَأْلَفُ الرُّجُوعَ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ (وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (سَمَكٍ فِي لُجَّةِ مَاءٍ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ انْقِطَاعٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَاللُّجَّةُ بِضَمِّ اللَّامِ مُعْظَمُ الْمَاءِ (فَإِنْ كَانَ الطَّيْرُ فِي مَكَان) كَالْبُرْجِ (مُغْلَقٍ) عَلَيْهِ (وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ) صَحَّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
وَشَرَطَ الْقَاضِي مَعَ ذَلِكَ أَخْذَهُ بِسُهُولَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِتَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ لَمْ يَجُزْ (أَوْ) كَانَ (السَّمَكُ فِي مَاءٍ) نَحْوِ بِرْكَةٍ (صَافٍ) ذَلِكَ الْمَاءُ (يُشَاهَدُ فِيهِ) السَّمَكُ (غَيْرِ مُتَّصِلِ) الْمَاءِ (بِنَهْرٍ وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ) أَيْ: السَّمَكِ (مِنْهُ) أَيْ: الْمَاءِ (صَحَّ) الْبَيْعُ لِعَدَمِ الْغَرَرِ (وَلَوْ طَالَتْ مُدَّةُ تَحْصِيلِهِمَا) أَيْ: الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ هَذَا إنْ سَهُلَ أَخْذُهُ فَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ بِحَيْثُ يَعْجِزُ عَنْ تَسْلِيمِهِ لَمْ يَصِحُّ الْبَيْعُ لِعَجْزِهِ عَنْ تَسْلِيمِهِ فِي الْحَالِ وَلِلْجَهْلِ بِوَقْتِ تَسْلِيمِهِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَغْصُوبٍ) ؛ لِأَنَّ بَائِعَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ (إلَّا لِغَاصِبِهِ أَوْ قَادِرٍ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِهِ فَلَهُ الْفَتْحُ) ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهُ مَعْدُومٌ هُنَا كَمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط الْبَيْع أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا لَهُمَا]
فَصْلٌ الشَّرْطُ (السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا لَهُمَا) أَيْ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمَبِيعُ غَرَرٌ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَلَا يَصِحُّ، وَالْعِلْمُ بِهِ يَحْصُلُ (بِرُؤْيَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ) أَيْ: الْمَبِيعِ (مُقَارِنَةً) تِلْكَ الرُّؤْيَةُ لِلْعَقْدِ بِأَنْ لَا تَتَأَخَّرَ عَنْهُ وَيَأْتِي لَوْ تَقَدَّمَتْ (لَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِرُؤْيَةٍ أَيْ: لِجَمِيعِ الْمَبِيعِ إنْ لَمْ تَدُلَّ بَقِيَّتُهُ عَلَيْهِ، كَالثَّوْبِ الْمَنْقُوشِ وَمَعْنَى مُقَارَنَةِ الرُّؤْيَةِ أَنْ تَكُونَ (وَقْتَ الْعَقْدِ، أَوْ) بِرُؤْيَةٍ (لِبَعْضِهِ إنْ دَلَّتْ) رُؤْيَةُ بَعْضِهِ عَلَى (بَقِيَّتِهِ) لِحُصُولِ الْمَعْرِفَةِ بِهَا.
(وَإِلَّا) تَدُلُّ رُؤْيَةُ بَعْضِهِ عَلَى بَقِيَّتِهِ كَالثَّوْبِ الْمَنْقُوشِ (فَلَا تَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِهِ فَ) تَكْفِي (رُؤْيَةُ أَحَدِ وَجْهَيْ ثَوْبٍ غَيْرِ مَنْقُوشٍ وَ) تَكْفِي (رُؤْيَةُ وَجْهِ الرَّقِيقِ وَ) تَكْفِي رُؤْيَةُ (ظَاهِرِ الصُّبَرِ الْمُتَسَاوِيَةِ الْأَجْزَاءِ مِنْ حَبٍّ وَتَمْرٍ وَنَحْوِهِمَا) بِخِلَافِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَجْزَاءِ كَصُبْرَةِ بَقَّالِ الْقَرْيَةِ.
(وَ) تَكْفِي رُؤْيَةُ ظَاهِرِ (مَا فِي ظُرُوفٍ وَأَعْدَالٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مُتَسَاوِي الْأَجْزَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِنْ كُلِّ مَا يَدُلُّ بَعْضُهُ عَلَى كُلِّهِ، لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْأُنْمُوذَجِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِفَةِ الشَّيْءِ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ (بِأَنْ يُرِيَهُ صَاعًا) مَثَلًا مِنْ صُبْرَةٍ (وَيَبِيعَهُ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ جِنْسِهِ) فَلَا يَصِحُّ لِعَدَمِ رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ وَقْتَ الْعَقْدِ (وَمَا عُرِفَ مِمَّا يُبَاعُ بِلَمْسِهِ أَوْ شَمِّهِ أَوْ ذَوْقِهِ، فَكَرُؤْيَتِهِ) لِحُصُولِ الْمَعْرِفَةِ (وَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِمَعْرِفَتِهِ) أَيْ الْمَبِيعِ.
(وَيَصِحُّ) الْبَيْعُ (بِصِفَةٍ) تَضْبِطُ مَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فِي تَمْيِيزِهِ (وَهُوَ) أَيْ: الْبَيْعُ بِالصِّفَةِ (نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا بَيْعُ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَيْنُ الْمُعَيَّنَةُ غَائِبَةً مِثْلَ أَنْ يَقُولُ: بِعْتُكَ عَبْدِي التُّرْكِيَّ وَيَذْكُرُ صِفَاتِهِ) الَّتِي تَضْبُطُ وَتَأْتِي فِي السَّلَمِ (أَوْ) كَانَتْ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ بِالصِّفَةِ (حَاضِرَةً مَسْتُورَةً، كَجَارِيَةٍ مُنْتَقِبَةٍ، وَأَمْتِعَةٍ فِي ظُرُوفِهَا، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا) النَّوْعُ (يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ بِرَدِّهِ عَلَى الْبَائِعِ) بِنَحْوِ عَيْبٍ أَوْ نَقْصِ صِفَةٍ وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي طَلَبُ بَدَلِهِ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى عَيْنِهِ كَحَاضِرٍ، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ بِأَنْ قَالَ: إنْ فَاتَكَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، أَعْطَيْتُك مَا هَذِهِ صِفَاتُهُ، لَمْ يَصِحُّ الْعَقْدُ قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
(وَ) يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ أَيْضًا بِ (تَلَفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ) لِزَوَالِ مَحَلِّ الْعَقْدِ (وَ) هَذَا النَّوْعُ (يَجُوزُ التَّفْرِيقُ) مِنْ مُتَبَايِعَيْهِ (قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ،
وَقَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ كَحَاضِرٍ) بِالْمَجْلِسِ (وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوَصْفِ فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ عَلَى الْعَقْدِ كَمَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الرُّؤْيَةِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَحَلُّ وِفَاقٍ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوَصْفِ) لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (فِي السَّلَمِ عَلَى الْعَقْدِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ تَقْدِيمِ الْوَصْفِ فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ عَلَى الْعَقْدِ، وَتَقْدِيمِهِ فِي السَّلَمِ عَلَى الْعَقْدِ.
وَكَذَا تَقْدِيمُ الْوَصْفِ فِي بَيْعِ مَا فِي الذِّمَّةِ (فَلَوْ قَالَ) لِآخَرَ (: أُرِيدُ أَنْ أُسْلِفَكَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَوَصَفَهُ بِالصِّفَاتِ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ.
(قَالَ قَدْ أَسْلَفْتُكَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ عَلَى الصِّفَاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَعَجَّلَ الثَّمَنَ) قَبْلَ التَّفْرِيقِ (جَازَ) وَصَحَّ الْعَقْدُ لِلْعِلْمِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالْكُرُّ بِضَمِّ الْكَافِ كَيْلٌ مَعْرُوفٌ بِالْعِرَاقِ وَهُوَ سِتُّونَ قَفِيزًا وَأَرْبَعُونَ إرْدَبًّا قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
(وَ) النَّوْعُ (الثَّانِي) مِنْ نَوْعَيْ الْبَيْعِ بِالصِّفَةِ (بَيْعُ مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَيَصِفُهُ بِصِفَةٍ تَكْفِي فِي السَّلَمِ إنْ صَحَّ السَّلَمُ فِيهِ) بِأَنْ انْضَبَطَتْ صِفَاتُهُ (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ عَبْدًا تُرْكِيًّا ثُمَّ يَسْتَقْصِي صِفَاتِ السَّلَمِ فِيهِ فَهَذَا فِي مَعْنَى السَّلَمِ) وَلَيْسَ سَلَمًا لِحُلُولِهِ (فَمَتَى سَلَّمَ الْبَائِعُ إلَيْهِ عَبْدًا عَلَى غَيْرِ مَا وَصَفَهُ لَهُ فَرَدَّهُ) الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ (أَوْ) سَلَّمَ إلَيْهِ عَبْدًا عَلَى مَا وَصَفَ لَهُ، (فَأَبْدَلَهُ) الْمُشْتَرِي لِنَحْوِ عَيْبٍ (لَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ) بِرَدِّهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ عَلَى عَيْنِهِ بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ (وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا النَّوْعِ قَبْضُ الْمَبِيعِ، أَوْ قَبْضُ ثَمَنِهِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى السَّلَمِ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ بِلَفْظِ سَلَمٍ أَوْ سَلَفٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إذَنْ سَلَمًا وَلَا يَصِحُّ حَالًّا وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى قَوْلِ التَّلْخِيصِ: أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ.
(وَ) يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِمَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ (بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ) عَلَى الْعَقْدِ (بِزَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْمَبِيعُ يَقِينًا، أَوْ) لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ (ظَاهِرًا) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الصِّحَّةِ الْعِلْمُ وَقَدْ حَصَلَ بِطَرِيقِهِ وَهِيَ الرُّؤْيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَالْمَبِيعُ مِنْهُ مَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ كَالْفَاكِهَةِ وَمَا يَتَوَسَّطُ كَالْحَيَوَانِ وَمَا يَتَبَاعَدُ كَالْعَقَارَاتِ فَيُعْتَبَرُ كُلُّ نَوْعٍ بِحَسَبِهِ وَلَوْ (مَعَ غَيْبَةِ الْمَبِيعِ، وَلَوْ فِي مَكَان بَعِيدٍ لَا يَقْدِرُ) الْبَائِعُ (عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي الْحَالِ، لَكِنْ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِحْضَارِهِ غَيْرَ آبِقٍ وَنَحْوِهِ) كَشَارِدٍ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ إنْ وَجَدَهُ) أَيْ: وَجَدَ الْمُشْتَرِي مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ (لَمْ يَتَغَيَّرْ فَلَا خِيَارَ لَهُ) لِسَلَامَةِ الْمَبِيعِ.
(وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا فَلَهُ الْفَسْخُ عَلَى التَّرَاخِي) كَخِيَارِ الْعَيْبِ وَكَذَا لَوْ وُجِدَ بِالصِّفَةِ نَاقِصًا صِفَةً (وَيُسَمَّى) هَذَا الْخِيَارُ (خِيَارَ الْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ) مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبِيلِهِ (إلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمُشْتَرِي (مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا) بِالْمَبِيعِ (مِنْ سَوْمٍ
وَنَحْوِهِ) فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ لِذَلِكَ.
وَ (لَا) يَسْقُطُ خِيَارُهُ (بِرُكُوبِ الدَّابَّةِ الْمَبِيعَةِ) فِي طَرِيقِ الرَّدِّ (إلَى الْبَائِعِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالتَّغَيُّرِ (وَمَتَى أَبْطَلَ) الْمُشْتَرِي (حَقَّهُ) مِنْ رَدِّهِ، (فَلَا أَرْشَ لَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ مَجَّانًا لِئَلَّا يُعْتَاضَ عَنْ صِفَةٍ كَالسَّلَمِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ صِفَةٍ فَإِنَّ لَهُ أَرْشَ فَقْدِهَا، كَمَا يَأْتِي فِي الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (فِي الصِّفَةِ) بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: ذَكَرْتَ فِي وَصْفِ الْأَمَةِ أَنَّهَا بِكْرٌ مَثَلًا وَأَنْكَرَهُ الْبَائِعُ (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (التَّغْيِيرِ) أَيْ: قَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّ الْمَبِيعَ الَّذِي سَبَقَتْ رُؤْيَتُهُ تَغَيَّرَ، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ وَقَالَ كَانَ عَلَى هَذَا الْحَالِ حِينَ رَأَيْتَهُ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَبِيعُ الَّذِي تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ (يَفْسُدُ فِي الزَّمَنِ) الَّذِي مَضَى بَيْنَ الرُّؤْيَةِ وَالْعَقْدِ (أَوْ) كَانَ (يَتَغَيَّرُ) فِيهِ (يَقِينًا أَوْ ظَاهِرًا أَوْ شَكًّا) مُسْتَوِيًا (لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، أَوْ لِلشَّكِّ فِيهِ.
(وَلَوْ قَالَ) الْبَائِعُ (بِعْتُكَ هَذَا الْبَغْلَ بِكَذَا فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ فَبَانَ) الْمُشَارُ إلَيْهِ (فَرَسًا أَوْ حِمَارًا لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ وَمِثْلُهُ بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ فَبَانَ أَمَةً أَوْ هَذَا الْجَمَلَ فَبَانَ نَاقَةً وَنَحْوُهُ فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ لِلْجَهْلِ بِالْمَبِيعِ، وَعَدَمِ رُؤْيَةٍ يَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ.
(وَلَا يَصِحُّ اسْتِصْنَاعُ سِلْعَةٍ) بِأَنْ يَبِيعَهُ سِلْعَةً يَصْنَعُهَا لَهُ (؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ السَّلَمِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ أَعْمَى) بِالصِّفَةِ لِمَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (وَ) (يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِالصِّفَةِ) مَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (كَمَا تَقَدَّمَ نَصًّا كَتَوْكِيلٍ) أَيْ كَمَا يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ الْأَعْمَى فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (بَصِيرًا وَلَهُ) أَيْ: لِلْأَعْمَى إنْ وَجَدَ مَا اشْتَرَاهُ بِالصِّفَةِ نَاقِصًا صِفَةً (خِيَارُ الْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ) كَالْبَصِيرِ وَأَوْلَى.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ الْأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ (بِمَا يُمْكِنُهُ مَعْرِفَتُهُ) أَيْ مَعْرِفَةُ مَا يَبِيعُهُ أَوْ يَشْتَرِيهِ (بِغَيْرِ حَاسَّةِ الْبَصَرِ كَشَمٍّ وَلَمْسٍ وَذَوْقٍ) لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ الْمَبِيعِ وَكَذَا لَوْ كَانَ رَآهُ قَبْلَ عَمَاهُ بِزَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْمَبِيعُ ظَاهِرًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ اشْتَرَى) إنْسَانٌ (مَا لَمْ يَرَهُ، وَمَا لَمْ يُوصَفْ لَهُ) لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ (أَوْ) اشْتَرَى شَيْئًا (رَآهُ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ) لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ (أَوْ) اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ بِمَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ، بَلْ (ذَكَرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا لَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ) لِلْجَهَالَةِ بِالْبَيْعِ.
(وَحُكْمُ مَا لَمْ يَرَ بَائِعٌ حُكْمُ مُشْتَرٍ) يَهِ (فِيمَا تَقَدَّمَ) مِنْ التَّفْصِيلِ فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إنْ لَمْ يُوصَفْ لَهُ بِمَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ بِشَمٍّ أَوْ لَمْسٍ أَوْ ذَوْقٍ وَيَصِحُّ إنْ وَصَفَ بِذَلِكَ أَوْ
عَرَفَهُ بِلَمْسٍ أَوْ شَمٍّ أَوْ ذَوْقٍ.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَمْلِ مُفْرَدًا) عَنْ أُمِّهِ إجْمَاعًا (وَهُوَ بَيْعُ الْمَضَامِينِ وَالْمَجْرِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَبِسُكُونِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْمَضَامِينُ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ وَالْمَلَاقِيحُ: مَا فِي الْبُطُونِ وَهِيَ الْأَجِنَّةِ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَجْرِ» قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْمَجْرُ مَا فِي بَطْنِ النَّاقَةِ، وَالْمَجْرُ الْقِمَارُ، وَالْمَجْرُ الْمُحَاقَلَةُ وَالْمُزَابَنَةُ (وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ الْحَمْلِ أَيْضًا (بِأَنْ يَعْقِدَ مَعَ أُمِّهِ عَلَيْهِ مَعَهَا) أَيْ مَعَ أُمِّهِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَمُطْلَقُ الْبَيْعِ) أَيْ إذَا بَاعَ الْحَامِلَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحَمْلِ، فَالْعَقْدُ (يَشْمَلُهُ تَبَعًا) لِأُمِّهِ إنْ كَانَ مَالِكُهَا مُتَّحِدًا وَإِلَّا بَطَلَ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: (كَالْبَيْضِ وَاللَّبَنِ) قِيَاسًا عَلَى أُسِّ الْحَائِطِ وَيُغْتَفَرُ فِي التَّبَعِيَّةِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِاسْتِقْلَالِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) بَيْعُ عَسْبِ الْفَحْلِ وَهُوَ ضِرَابُهُ، لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَمَعْنَاهُ: نِتَاجُ النِّتَاجِ) وَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الصِّحَّةِ مِنْ بَيْعِ الْحَمْلِ (وَلَا) بَيْعُ (اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَلَا الْبَيْضِ فِي الطَّيْرِ) كَالْحَمْلِ.
وَ (لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمِسْكِ) فِي الْفَأْرِ (وَهُوَ وِعَاؤُهُ) وَيُسَمَّى: النَّافِجَةَ مَا لَمْ يُفْتَحْ وَيُشَاهَدْ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ كَاللُّؤْلُؤِ فِي الصَّدَفِ وَاخْتَارَ فِي الْهَدْيِ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّهَا وِعَاءٌ لَهُ، وَلِأَنَّهُ يَصُونُهُ وَتُجَّارُهُ يَعْرِفُونَهُ.
(وَ) لَا بَيْعُ (النَّوَى فِي التَّمْرِ) لِلْجَهَالَةِ.
(وَ) لَا (الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ أَوْ لَبَنٍ فِي ضَرْعٍ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ فَلَمْ يَجُزْ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ كَأَعْضَائِهِ.
(وَلَا) بَيْعُ (مَا قَدْ تَحْمِلُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ أَوْ) مَا قَدْ تَحْمِلُ هَذِهِ (الشَّاةُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ، مَعَ أَنَّهُ مَجْهُولٌ أَيْضًا، وَغَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ حَالَ الْبَيْعِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ بِأَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا وَلَا يُشَاهِدُهُ فَيَقُولُ: أَيُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ أَوْ نَبَذْتَهُ) فَهُوَ بِكَذَا (أَوْ) أَيُّ ثَوْبٍ (لَمَسْتَ أَوْ نَبَذْتَ فَهُوَ بِكَذَا) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ مَسْتُورٍ فِي الْأَرْضِ يَظْهَرُ وَرَقُهُ فَقَطْ كَلِفْتٍ وَفُجْلٍ وَجَزَرٍ وَقُلْقَاسٍ وَبَصَلٍ وَثُومٍ وَنَحْوِهِ، قَبْلَ قَلْعِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ) لِلْجَهَالَةِ بِمَا يُرَادُ مِنْهُ (وَيَصِحُّ بَيْعُ وَرَقِهِ) أَيْ: وَرَقِ الْفُجْلِ وَنَحْوِهِ الظَّاهِرِ (الْمُنْتَفَعِ بِهِ) لِعَدَمِ الْمُنَافِي.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ ثَوْبٍ مَطْوِيٍّ) وَلَوْ تَامَّ النَّسْجِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى:
حَيْثُ لَمْ يُرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى بَقِيَّتِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ يَتَبَايَعُونَ الثِّيَابَ الْمَطْوِيَّةَ وَيَكْتَفُونَ بِتَقْلِيبِهِمْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى بَقِيَّتِهَا وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ الْمُغْنِي: وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَنَشَرَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ فَقَوْلُهُ: فَنَشَرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَطْوِيًّا: وَكَوْنُهُ يَمْلِكُ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ: دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (ثَوْبٍ نُسِجَ بَعْضُهُ عَلَى أَنْ يُنْسَجَ بَقِيَّتُهُ وَلَوْ مَنْشُورًا) لِلْجَهَالَةِ وَالتَّعْلِيقِ (فَإِنْ أَحْضَرَ) الْبَائِعُ مَا نَسَجَهُ مِنْ الثَّوْبِ وَبَقِيَّةِ السَّدَى وَ (اللُّحْمَةَ وَبَاعَهَا مَعَ الثَّوْبِ وَشَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ نَسْجَهَا) أَيْ: الْبَقِيَّةِ (صَحَّ) الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ (إذْ هُوَ اشْتِرَاطُ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ) كَاشْتِرَاطِ الْحَطَبِ أَوْ تَكْسِيرِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَطَاءِ قَبْلَ قَبْضِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعَطَاءَ مُغَيَّبٌ فَيَكُونُ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (وَهُوَ) أَيْ: الْعَطَاءُ (قِسْطُهُ فِي الدِّيوَانِ وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ رُقْعَةٍ بِهِ) أَيْ: الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيْعُ الْعَطَاءِ لَا هِيَ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ مَعْدِنٍ وَحِجَارَتِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: قَبْلَ حَوْزِهِ انْتَهَى وَهَذَا وَاضِحٌ فِي الْمَعْدِنِ الْجَارِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْأَرْضَ بِخِلَافِ الْجَامِدِ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ حَوْزِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِهِ فَمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْدِنِ الْجَارِي مُطْلَقًا وَعَلَى الْجَامِدِ غَيْرِ الْمَعْلُومِ (وَ) لَا يَصِحُّ (السَّلَفُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَعْدِنِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا فِيهِ فَهُوَ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ الْحَصَاةِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَهُوَ) أَيْ: بَيْعُ الْحَصَاةِ (أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا أَوْ يَقُولُ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْرَ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ إذَا رَمَيْتُهَا بِكَذَا أَوْ يَقُولُ: بِعْتُكَ هَذَا بِكَذَا، عَلَى أَنِّي مَتَى رَمَيْتُ هَذِهِ الْحَصَاةَ وَجَبَ الْبَيْعُ وَكُلُّهَا) أَيْ كُلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ (فَاسِدَةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ وَلِمَا فِيهَا مِنْ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ عَبْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ) إنْ لَمْ يُوصَفْ بِمَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) بَيْعُ (عَبْدٍ) غَيْرِ مُعَيَّنٍ (مِنْ عَبْدَيْنِ أَوْ مِنْ عَبِيدٍ) لِلْجَهَالَةِ (وَلَا) بَيْعُ (شَاةٍ مِنْ قَطِيعٍ) (وَلَا) بَيْعُ (شَجَرَةٍ مِنْ بُسْتَانٍ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ.
(وَلَا) يَصِحُّ: (بِعْتُك هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إلَّا وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَلَا) بِعْتُكَ (هَذَا الْقَطِيعَ إلَّا شَاةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ) وَلَا هَذَا الْبُسْتَانَ إلَّا شَجَرَةً مُبْهَمَةً؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ وَيُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ.
(وَلَوْ تَسَاوَتْ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْعَبِيدِ وَالشِّيَاهِ وَالشَّجَرِ