صفحات 128-167
(أَحَدَهُمَا) أَيْ: ذَكَرَ الْخُنْثَى أَوْ قُبُلَهُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَرْجٍ فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ (إلَّا أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ) أَيْ: الْخُنْثَى (بِشَهْوَةٍ) فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ اللَّامِسِ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ مَسَّ ذَكَرًا أَصْلِيًّا، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ مَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ (أَوْ) تَمَسُّ (الْمَرْأَةُ فَرْجَهُ) أَيْ: الْخُنْثَى (بِهَا) أَيْ: بِشَهْوَةٍ فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهَا؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى إنْ كَانَ امْرَأَةً فَقَدْ لَمَسَتْ الْمَرْأَةُ فَرْجَ امْرَأَةٍ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ لَمَسَتْهُ بِشَهْوَةٍ.
(وَيَنْقُضُ مَسُّ حَلْقَةِ دُبُرٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَاسِّ، بِأَنْ مَسَّ حَلْقَةَ دُبُرِ نَفْسِهِ (أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) بِأَنْ مَسَّ حَلْقَةَ دُبُرِ غَيْرِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَ) يَنْقُضُ أَيْضًا (مَسُّ امْرَأَةٍ فَرْجَهَا الَّذِي بَيْنَ شَفْرَيْهَا) وَهُمَا حَافَّتَا الْفَرْجِ (وَهُوَ) أَيْ: فَرْجُهَا (مَخْرَجُ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ وَحَيْضٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ.
وَالْفَرْجُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ فَيَعُمَّ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَيْهِ وَكَالذَّكَرِ وَ (لَا) يَنْقُضُ مَسُّ امْرَأَةٍ (شَفْرَيْهَا وَهُمَا اسْكَتَاهَا) ؛ لِأَنَّ الْفَرْجَ هُوَ مَخْرَجُ الْحَدَثِ وَهُوَ مَا بَيْنَهُمَا دُونَهُمَا (وَيَنْقُضُ مَسُّ) امْرَأَةٍ (فَرْجَ امْرَأَةٍ أُخْرَى) وَيَنْقُضُ (مَسُّ رَجُلٍ فَرْجَهَا وَ) يَنْقُضُ (مَسُّهَا ذَكَرَهُ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْتَقَضَ وُضُوءُ الْإِنْسَانِ بِمَسِّ فَرْجِ نَفْسِهِ مَعَ كَوْنِ الْحَاجَةِ قَدْ تَدَعُوا إلَى مَسِّهِ، وَهُوَ جَائِزٌ فَلَأَنْ يَنْتَقِضَ بِمَسِّ فَرْجِ غَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَعْصِيَةً أَوْلَى.
(الْخَامِسُ) مِنْ النَّوَاقِضِ (مَسُّ بَشَرَتَهُ) أَيْ: الذَّكَرِ (بَشَرَةَ أُنْثَى) لِشَهْوَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: 6] وَأَمَّا كَوْنُ اللَّمْسِ لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا كَانَ لِشَهْوَةٍ فَلِلْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «فَقَدْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَنَصْبُهُمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي.
وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا قَالَتْ «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَمْزَهُ رِجْلَيْهَا كَانَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ إذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ
أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّهَا وَلِأَنَّ الْمَسَّ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ دَاعٍ إلَى الْحَدَث فَاعْتُبِرَتْ الْحَالَةُ الَّتِي يَدْعُو فِيهَا إلَى الْحَدَثِ، وَهِيَ حَالَةُ الشَّهْوَةِ.
(وَمَسُّ بَشَرَتِهَا بَشَرَتَهُ لِشَهْوَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا مُلَامَسَةٌ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَاسْتَوَى فِيهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى كَالْجِمَاعِ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا مَسَّتْ زَوْجَهَا قَالَ مَا سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئًا، وَلَكِنْ هِيَ شَقِيقَةُ الرَّجُلِ يُعْجِبُنِي أَنْ تَتَوَضَّأَ تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ: لِشَهْوَةٍ، عِبَارَةُ الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ.
وَعِبَارَةُ الْوَجِيزِ: بِشَهْوَةٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: أَحْسَنُ لِتَدُلَّ عَلَى الْمُصَاحَبَةِ وَالْمُقَارَنَةِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْحَائِلِ لَمْ يَلْمَسْ بَشَرَتَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمَسَ ثِيَابهَا لِشَهْوَةٍ وَالشَّهْوَةُ لَا تُوجِبُ الْوُضُوءَ بِمُجَرَّدِهَا، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ (مِنْ غَيْر) لَمْسِ شَيْءٍ (غَيْرَ طِفْلَةٍ وَطِفْلٍ) أَيْ: لَا يَنْقُضُ مَسُّ الرَّجُلِ الطِّفْلَةَ وَلَا الْمَرْأَةِ الطِّفْلَ أَيْ: مِنْ دُونِ سَبْعٍ وَيَنْقُضُ اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ) كَانَ اللَّمْسُ (بِزَائِدٍ أَوْ لِزَائِدٍ أَوْ شَلَلٍ) أَيْ: يَنْقُضُ الْمَسُّ لِأَشَلَّ وَالْمَسُّ بِهِ كَغَيْرِهِ وَيَنْقُضُ اللَّمْسُ أَيْضًا بِشَهْوَةٍ (وَلَوْ كَانَ الْمَلْمُوسُ مَيِّتًا، أَوْ عَجُوزًا أَوْ مُحَرَّمًا أَوْ صَغِيرَةً تُشْتَهَى) وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ فَأَكْثَرَ لِعُمُومِ ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: 6] لَا مِنْ دُونِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ مَلْمُوسٍ بَدَنُهُ (وَلَوْ وُجِدَ مِنْهُ شَهْوَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى اللَّمْسِ لَا يَصِحُّ لِفَرْطِ شَهْوَةٍ.
(وَلَا) يَنْتَقِضُ وُضُوءٌ (بِانْتِشَارِ) (ذَكَرٍ) (عَنْ فِكْرٍ وَتَكْرَارِ نَظَرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ (وَلَا) يَنْقُضُ (لَمْسُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَسِنٍّ) وَلَا الْمَسُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ.
(وَ) لَا يَنْقُضُ مَسُّ (عُضْوٍ مَقْطُوعٍ) لِزَوَالِ حُرْمَتِهِ (وَأَمْرَدَ مَسَّهُ رَجُلٌ) يَعْنِي لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ رَجُلٍ مَسَّ أَمْرَدَ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْآيَةِ لَهُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ شَرْعًا قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْأَمْرَدُ الشَّابُّ طَرَّ شَارِبُهُ وَلَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ.
(وَلَا) يَنْقُضُ (مَسُّ خُنْثَى مُشْكِلٍ) مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ (وَلَا بِمَسِّهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً) وَلَوْ لِشَهْوَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنُ الطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ (وَلَا) يَنْقُضُ (مَسُّ الرَّجُلِ الرَّجُلَ وَلَا الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ فِيهِنَّ) أَيْ: فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الصُّوَرِ، كَمَا أَشَرْت إلَيْهِ " تَتِمَّةٌ " إذَا لَمْ يَنْقُضْ مَسُّ أُنْثَى اُسْتُحِبَّ الْوُضُوءُ، نَصَّ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(السَّادِسُ) مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (غُسْلُ الْمَيِّتِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ فِي قَمِيصٍ) لِمَا رَوَى
عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ، وَكَانَ شَائِعًا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْإِخْلَالُ بِهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ وَلِأَنَّ الْغَاسِلَ لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّ عَوْرَةِ الْمَيِّتِ غَالِبًا فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، كَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ وَ (لَا) يَنْقُضُ (تَيَمُّمُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (لِتَعَذُّرِ غُسْلٍ) لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِ (وَغَاسِلُ الْمَيِّتِ: مَنْ يُقَلِّبَهُ وَيُبَاشِرُهُ وَلَوْ مَرَّةً لَا مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ وَنَحْوَهُ) وَفُرِّقَ فِي الْمَيِّتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، لِلْعُمُومِ.
(السَّابِعُ) مِنْ النَّوَاقِضِ (أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَالْأَوَّلُ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَهَبَ إلَى هَذَا عَامَّةُ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَكَوْنِهِ (نِيئًا وَغَيْرَ نِيءٍ) وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْآكِلِ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ أَوْ جَاهِلًا لَا يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَقْرُونٌ بِالْأَكْلِ، كَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ الْوَارِدَ فِي الشَّرْعِ يُحْمَلُ عَلَى مَوْضُوعِهِ الشَّرْعِيِّ وَلِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ مَا أَمَرَ بِهِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ مِنْ لُحُومِهَا، وَبَيْنَ مَا نَهَى عَنْهُ وَهُوَ عَدَمُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ.
وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءُ الْمُقْتَرِنُ بِهَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْإِيجَابُ، خُصُوصًا وَقَدْ سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ هَذَا اللَّحْمِ، فَأَجَابَ بِالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ فَلَوْ حُمِلَ عَلَى غَيْرِ الْوُجُوبِ لَكَانَ تَلْبِيسًا لَا جَوَابًا وَدَعْوَى النَّسْخِ مَرْدُودَةٌ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ: عَدَمُ إمْكَانِ الْجَمْعِ وَتَأَخُّرُ النَّاسِخِ وَوَجَبَ الْوُضُوءُ مِنْ أَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ (تَعَبُّدًا) لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ.
فَ (لَا) يَجِبْ الْوُضُوءُ ب (شُرْبِ) (لَبَنِهَا وَمَرَقِ لَحْمِهَا، وَأَكْلِ كَبِدِهَا، وَطِحَالِهَا وَسَنَامِهَا) بِفَتْحِ السِّينِ (وَجِلْدِهَا وَكِرْشِهَا وَنَحْوِهِ) كَمُصْرَانِهَا؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ.
(وَلَا) يَنْقُضُ (طَعَامٌ مُحَرَّمٌ أَوْ نَجِسٌ) وَلَوْ كَلَحْمِ خِنْزِيرٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي لَحْمِ الْإِبِلِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فِيهِ وَمَا رَوَى أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ: فَقَالَ تَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ
ابْنِ عُمَرَ وَنَحْوِهِ أُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ أُسَيْدٍ بِأَنَّ فِي طَرِيقِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ قَالَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
وَعَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ رَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَقَدْ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ قَالَ أَحْمَدُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا فَهُوَ صَحِيحٌ وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا لَمْ يَكُنْ بِشَيْءٍ.
(الثَّامِنُ) الْمُتَمِّمُ لِلنَّوَاقِضِ (مُوجِبَاتُ الْغُسْلِ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَانْتِقَالِ الْمَنِيِّ، وَإِسْلَامِ الْكَافِرِ) أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا، وَلِذَلِكَ أَسْقَطَ الرِّدَّةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِذَا وَجَبَ الْغُسْلُ (وَجَبَ الْوُضُوءُ) وَ (كَغَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ فَمُوجِبَاتُ الْغُسْلِ كُلُّهَا (تُوجِبُ الْوُضُوءَ غَيْرَ الْمَوْتِ) فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ (فَهَذِهِ النَّوَاقِضُ) لِلْوُضُوءِ (الْمُشْتَرَكَةُ) بَيْنَ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَغَيْرِهِ.
(وَأَمَّا) النَّوَاقِضُ (الْمَخْصُوصَةُ كَبُطْلَانِ) طَهَارَةِ (الْمَسْحِ) عَلَى الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (بِفَرَاغِ مُدَّتِهِ) (وَخَلْعِ حَائِلِهِ) وَ (كَغَيْرِ ذَلِكَ) كَانْتِقَاضِ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَطَهَارَةِ الْمُتَيَمِّمِ بِوُجُودِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ (فَمَذْكُورٌ فِي أَبْوَابِهِ) فَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْحِ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ وَنَحْوُهُ يَأْتِي فِي الِاسْتِحَاضَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّيَمُّمِ يَأْتِي فِي بَابِهِ وَإِنَّمَا حَمَلْت قَوْلَهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ: عَلَى هَذَا لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فِي أَبْوَابِهِ.
(وَلَا نَقْضَ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ) كَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالْقَذْفِ وَالسَّبِّ وَنَحْوِهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ وَتَقَدَّمَ وَلَا نَقْضَ (بِإِزَالَةِ شَعْرٍ) .
(وَ) أَخْذِ (ظُفْرٍ وَنَحْوِهِمَا) خِلَافًا لِمَا حُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ أَوْ مَسْحَهُ أَصْلِيٌّ، لَا بَدَلٌ عَمَّا تَحْتَهُ، بِخِلَافِ الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (وَلَا) نَقْضَ (بِقَهْقَهَةٍ) وَلَوْ فِي صَلَاةٍ، وَهِيَ أَنْ يَضْحَكَ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْ ضَحِكِهِ حَرْفَانِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَمَا رَوَى أُسَامَةُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ فَضَحِكْنَا مِنْهُ فَأَمَرَنَا بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ كَامِلًا وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا» فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَضَعَّفَهَا.
وَقَالَ إنَّمَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ مُرْسَلًا وَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ أَحْمَدُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا تَأْخُذُوا بِمَرَاسِيلِ الْحَسَنِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ فَإِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ عَمَّنْ أَخَذَا.
(وَلَا) نَقْضَ بِ أَكْلِ (مَا مَسَّتْهُ النَّارُ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (وَلَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْقَهْقَهَةِ وَأَكْلِ مَا مَسَّتْ النَّارُ.
(وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ) وَشَكَّ، (أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) وَهُوَ الطَّهَارَةُ فِي الْأُولَى وَالْحَدَثُ فِي الثَّانِيَةِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلِأَنَّهُ إذَا شَكَّ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، فَيَجِبُ سُقُوطُهُمَا كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا، وَيُرْجَعُ إلَى الْيَقِينِ.
(وَلَوْ عَارَضَهُ ظَنٌّ) ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا، كَظَنِّ صِدْقِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، هَذَا اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ: إنْ تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ فَهُوَ شَكٌّ وَإِلَّا فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الشَّكُّ خِلَافُ الْيَقِينِ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ فِي مُقَدِّمَةِ الرَّوْضَةِ فِي الْأُصُولِ: مَا أَذْعَنَتْ النَّفْسُ لِلتَّصْدِيقِ بِهِ وَقَطَعَتْ بِهِ، وَقَطَعَتْ بِأَنَّ قَطْعَهَا صَحِيحٌ.
وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: فِي تَسْمِيَةِ مَا هُنَا يَقِينًا بَعْدَ وُرُودِ الشَّكِّ عَلَيْهِ نَظَرٌ نَعَمْ كَانَ يَقِينًا ثُمَّ صَارَ الْآنَ شَكًّا فَاعْتُبِرَتْ صِفَتُهُ السَّابِقَةُ وَقُدِّمَتْ عَلَى صِفَتِهِ اللَّاحِقَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ السَّابِقِ، لِمَا قَارَنَهُ مِنْ الْيَقِينِ، وَتَقْدِيمًا لَهُ عَلَى الْوَصْفِ اللَّاحِقِ، لِنُزُولِهِ عَنْ دَرَجَتِهِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الشَّكُّ (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا) أَيْ: تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ،.
أَيْ: تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَرَّةً كَانَ مُتَطَهِّرًا وَمَرَّةً كَانَ مُحْدِثًا، وَكَانَ ذَلِكَ وَقْتَ الظُّهْرِ مَثَلًا (وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ هَلْ اتِّصَافُهُ بِالطَّهَارَةِ سَابِقٌ عَلَى اتِّصَافِهِ بِالْحَدَثِ أَوْ بِالْعَكْسِ (فَهُوَ عَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا) إنْ عَلِمَ قَبْلَهُمَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي الْمِثَالِ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ هَذَا الْحَدَثِ إلَى الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَهَا، وَالْحَدَثُ الْمُتَيَقَّنُ قَبْلَ الزَّوَالِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الطَّهَارَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَعْدَهَا، فَوُجُودُهُ بَعْدَ هَذَا مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَزُولُ عَنْ طَهَارَةٍ مِنْهُ مُتَيَقَّنَةٍ بِشَكٍّ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ.
(فَإِنْ جَهِلَ قَبْلَهُمَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ: هَلْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا أَوْ مُحْدِثًا (تَطَهَّرَ) وُجُوبًا،
إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا، لِوُجُودِ يَقِينِ الْحَدَثِ فِي إحْدَى الْمَرَّتَيْنِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَ يَقِينِ الطَّهَارَةِ فِي الْمَرَّةِ الْأُخْرَى مَشْكُوكٌ فِيهِ: هَلْ كَانَ قَبْلَ الْحَدَثِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَلَا يَرْتَفِعُ يَقِينُ الْحَدَثِ بِالشَّكِّ فِي رَافِعِهِ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ أَوْ مُسْتَصْحَبَةٍ وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَوَجَبَ الْوُضُوءُ (وَإِنْ تَيَقَّنَ فِعْلَهُمَا: رَفْعًا لِحَدَثٍ وَنَقْضًا لِطَهَارَةٍ) بِأَنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَطَهَّرَ عَنْ حَدَثٍ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ (وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا، فَعَلَى مِثْلِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا) فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَقَضَ الطَّهَارَةَ الْأُولَى ثُمَّ تَوَضَّأَ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوُضُوءُ مَعَ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ الْأُولَى لِتَيَقُّنِ كَوْنِ طَهَارَتِهِ عَنْ حَدَثٍ وَنَقْضُ هَذَا الْوُضُوءِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَزُولُ بِهِ الْيَقِينُ وَإِنْ تَيَقَّنَ حَدَثَهُ قَبْلَهُمَا: فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ عَنْهَا وَلَمْ يَتَيَقَّنْ بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي طَهَارَةً.
(وَكَذَا لَوْ تَيَقَّنَهُمَا) أَيْ: فِعْلَ الطَّهَارَةِ وَفِعْلَ الْحَدَثِ (وَعَيَّنَ وَقْتًا لَا يَسَعُهُمَا سَقَطَ الْيَقِينُ لِتَعَارُضِهِ) وَكَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ طَهَارَةٍ (فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمَا) أَيْ: حَالَ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ، بِأَنْ لَمْ يَدْرِ الطَّهَارَةَ رَافِعَةً لِحَدَثٍ أَوْ لَا كَالتَّجْدِيدِ، وَلَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ عَنْ حَدَثٍ آخَرَ أَوْ عَنْ طَهَارَةٍ.
(وَ) جَهِلَ (أَسْبَقَهُمَا) فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، (أَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا) أَيْ: اتِّصَافَهُ بِالْحَدَثِ (وَفَعَلَ طَهَارَةً فَقَطْ) وَلَمْ يَدْرِ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ أَوْ لَا (فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا) أَيْ: قَبْلَ التَّيَقُّنَيْنِ وَكَذَا لَوْ تَيَقَّنَ حَالَةَ طَهَارَةٍ وَفِعْلَ حَدَثٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا تَيَقَّنَهُ مِنْ حَالَتَيْ الْحَدَثِ أَوْ الطَّهَارَةِ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَنَّ ضِدَّ ذَلِكَ هُوَ الطَّارِئُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَ التَّيَقُّنَيْنِ.
(وَإِنْ تَيَقَّنَ حَدَثًا نَاقِضًا) لِطَهَارَةٍ (وَ) تَيَقَّنَ (فِعْلَ طَهَارَةٍ جَهِلَ حَالَهَا) مِنْ كَوْنِهَا رَافِعَةً لِحَدَثٍ أَوْ لَا (فَمُحْدِثٌ، عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ) سَوَاءٌ كَانَ مُتَطَهِّرًا قَبْلَهُمَا، أَوْ مُحْدِثًا أَوْ جَهِلَ (قَبْلَهُمَا) لِتَيَقُّنِهِ نَقْضَ الطَّهَارَةِ بِالْحَدَثِ وَشَكِّهِ فِي وُجُودِهَا بَعْدَهُ (وَعَكْسُ هَذِهِ الصُّورَةِ) فِي التَّصْوِيرِ.
وَهُوَ مَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ وَلَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ: عَنْ طَهَارَةٍ أَوْ لَا (بِعَكْسِهَا) فِي الْحُكْمِ فَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا مُطْلَقًا، لِتَيَقُّنِهِ وَرَفْعِ الْحَدَثِ بِالطَّهَارَةِ، وَشَكِّهِ فِي وُجُودِهِ بَعْدَهَا (وَيَأْتِي إذَا سُمِعَ صَوْتٌ أَوْ شُمَّ رِيحٌ) بِبِنَاءِ الْفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ (مِنْ أَحَدِهِمَا) لَا بِعَيْنِهِ، فِي أَوَائِلِ بَابِ الْغُسْلِ
[فَصْلٌ أَحْدَثَ حَدَثًا أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ]
" فَصْلٌ " (وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ حُرِّمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، وَالسُّجُودَ الْمُجَرَّدَ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَالْقِيَامَ الْمُجَرَّدَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ جَوَازَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ (فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْحَدَثِ وَلَوْ عَالِمًا (لَمْ يَكْفُرْ) كَسَائِرِ الْمَعَاصِي، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
(وَ) حُرِّمَ عَلَيْهِ (الطَّوَافُ، وَلَوْ نَفْلًا) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «إنَّ الطَّوَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمْ إلَّا بِخَيْرٍ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَى عَطَاءٍ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَاخْتَلَطَ فِي آخِر عُمْرِهِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِيهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ عَطَاءٌ رَجُلٌ صَالِحٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رَوَى عَنْ طَاوُوسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ (وَلَمْ يَصِحَّ) أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ مَعَ الْحَدَثِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْدِثِ (مَسُّ الْمُصْحَفِ) وَبَعْضِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] أَيْ: لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وَالْمُطَهَّرُونَ: الْمَلَائِكَةُ؛ لِأَنَّ الْمُطَهَّرَ مَنْ طَهَّرَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ أُرِيدَ بَنُو آدَمَ لَقِيلَ الْمُتَطَهِّرُونَ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ هُمْ وَبَنُو آدَمَ قِيَاسًا عَلَيْهِمْ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا، وَكَانَ فِيهِ: لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مُتَّصِلًا.
قَالَ الْأَثْرَمُ: وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا (مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ عَنْ مَسِّهِ وَمَعَ الْحَائِلِ إنَّمَا يَكُونُ الْمَسُّ لَهُ دُونَ الْمُصْحَفِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَسُّ (بِغَيْرِ يَدِهِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ وَلَا يَخْتَصُّ الْمَسُّ بِالْيَدِ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ لَاقَى شَيْئًا فَقَدْ مَسَّهُ (حَتَّى جِلْدُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَحَوَاشِيهِ) وَالْوَرَقُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّصِلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّاهُ بِدَلِيلِ شُمُولِ الْبَيْعِ لَهُ.
(وَلَوْ كَانَ الْمَاسُّ) لِلْمُصْحَفِ (صَغِيرًا) فَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ تَمْكِينُهُ مِنْ مَسِّهِ (إلَّا بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) كَالْمُكَلَّفِ (وَلَوْ) كَانَتْ الطَّهَارَةُ (تَيَمُّمًا) مُطْلَقًا.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ:
إنْ احْتَاجَهُ، فَإِنْ عَدِمَ الْمَاءَ لِتَكْمِيلِ الْوُضُوءِ تَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، ثُمَّ مَسَّهُ (سِوَى مَسِّ صَغِيرٍ لَوْحًا فِيهِ قُرْآنٌ) فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ اللَّوْحِ مِنْ الْمَحَلِّ الْخَالِي مِنْ الْكِتَابَةِ لِلْمَشَقَّةِ (وَلَا) يَجُوزُ تَمْكِينُ الصَّغِيرِ مِنْ مَسِّ الْمَحَلِّ (الْمَكْتُوبِ فِيهِ) الْقُرْآنُ مِنْ اللَّوْحِ بِلَا طَهَارَةٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِمَسِّ الْخَالِي وَ (مَا حَرُمَ) مِمَّا تَقَدَّمَ (بِلَا وُضُوءٍ حَرُمَ بِلَا غُسْلٍ) بِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا الْعَكْسِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ تَحْرُمُ بِلَا غُسْلٍ فَقَطْ (وَلِلْمُحْدِثِ حَمْلُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (بِعِلَاقَتِهِ وَفِي غُلَافِهِ) أَيْ: كِيسِهِ.
(وَفِي خُرْجٍ فِيهِ مَتَاعٌ وَفِي كُمِّهِ) مِنْ غَيْرِ مَسٍّ لَهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ الْمَسِّ وَالْحَمْلُ لَيْسَ بِمَسٍّ (وَ) لَهُ (تَصَفُّحُهُ) أَيْ: تَصَفَّحُ الْمُصْحَفِ (بِكُمِّهِ أَوْ) بِ (عُودٍ وَنَحْوِهِ) كَخِرْقَةٍ وَخَشَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَاسٍّ لَهُ.
(وَ) لَهُ (مَسُّهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (كَحَمْلِ رُقًى وَتَعَاوِيذَ فِيهَا قُرْآنٌ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وِفَاقًا وَهَلْ يَجُوزُ مَسُّ ثَوْبٍ رُقِمَ بِالْقُرْآنِ أَوْ فِضَّةٍ نُقِشَتْ بِهِ؟ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فِيهِ وَجْهَانِ أَوْ رِوَايَتَانِ ثُمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْجَوَازُ قَالَ فِي النَّظْمِ عَنْ الدِّرْهَمِ الْمَنْقُوشِ: هَذَا الْمَنْصُورُ.
(وَ) لَهُ (مَسُّ تَفْسِيرٍ وَرَسَائِلَ فِيهَا قُرْآنٌ) وَكَذَا كُتُبُ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ وَنَحْوِهَا فِيهَا قُرْآنٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمُصْحَفِ لَا يَتَنَاوَلُهَا وَظَاهِرُهُ قَلَّ التَّفْسِيرُ أَوْ كَثُرَ (وَ) لَهُ مَسُّ (مَنْسُوخِ تِلَاوَتِهِ) وَإِنْ بَقِيَ حُكْمُهُ " كَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا ".
(وَ) لَهُ مَسُّ (الْمَأْثُورِ عَنْ اللَّهِ) تَعَالَى كَالْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ (وَ) لَهُ مَسُّ (التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) وَالزَّبُورِ وَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَشِيثٍ إنْ وُجِدَتْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا.
(فَإِنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَمْ يَجُزْ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِهِ قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُتَطَهِّرًا قَبْلَ كَمَالِهَا (وَلَوْ قُلْنَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَاعًى فَإِنْ أَكْمَلَهُ ارْتَفَعَ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَيَحْرُمُ مَسُّهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (بِعُضْوٍ مُتَنَجِّسٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْحَدَثِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا مَسُّ ذِكْرِ اللَّهِ بِنَجِسٍ وَلَا يَحْرُمُ مَسُّهُ (بِعُضْوٍ طَاهِرٍ) إذَا كَانَ عَلَى (غَيْرِهِ نَجَاسَةٌ) ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا يَتَعَدَّى وُجُوبُ غَسْلِهَا غَيْرَ مَحَلِّهَا وَالْحَدَثُ يَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَتَجُوزُ كِتَابَتُهُ لَمُحْدِثٍ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ، وَلَوْ لِذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ كَمَا تَقَدَّمَ وَرَدَ عَنْ مَسِّهِ، وَهِيَ لَيْسَتْ مَسًّا (وَيُمْنَعُ) الذِّمِّيُّ (مِنْ قِرَاءَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْجُنُبِ.
(وَ) يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ (تَمَلُّكِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَيُمْنَعُ الْمُسْلِمُ
مِنْ تَمْلِيكِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (لَهُ) أَيْ: لِلذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ مُتَدَيِّنٌ بِانْتِهَاكِهِ وَإِزَالَةِ حُرْمَتِهِ، وَالْكَافِرُ غَيْرُ الذِّمِّيِّ أَوْلَى (فَإِنْ مَلَكَهُ) أَيْ: الْمُصْحَفَ كَافِرٌ (بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ أُلْزِمَ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ) لِمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي فِي الْبَيْعِ مَا يَمْلِكُ بِهِ الْكَافِرُ الْمُصْحَفَ.
(وَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى نَسْخِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ (وَيَحْرُمُ بَيْعُهُ) وَلَوْ لِمُسْلِمٍ (وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْبَيْعِ) مُوَضَّحًا وَيَأْتِي أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ شِرَاؤُهُ اسْتِنْقَاذًا.
(وَ) يَحْرُمُ (تَوَسُّدُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَالْوَزْنُ بِهِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ابْتِذَالٌ لَهُ (وَكَذَا كُتُب الْعِلْمِ الَّتِي فِيهَا قُرْآنٌ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ قُرْآنٌ (كُرِهَ) تَوَسُّدُهَا وَالْوَزْنُ بِهَا وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهَا (وَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا) سَرِقَةً (فَلَا بَأْسَ) أَنْ يَتَوَسَّدَهَا لِلْحَاجَةِ.
(وَلَا يُكْرَهُ نَقْطُ الْمُصْحَفِ وَ) لَا (شَكْلُهُ) بَلْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ نَقْطُهُ وَشَكْلُهُ، صِيَانَةً عَنْ اللَّحْنِ فِيهِ وَالتَّصْحِيفِ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ النَّقْطَ فَلِلْخَوْفِ مِنْ التَّغْيِيرِ فِيهِ وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُهُ مُحْدَثًا فَإِنَّهُ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ الْحَسَنَةِ كَنَظَائِرِهِ، مِثْلِ تَصْنِيفِ الْعِلْمِ وَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ.
(وَ) لَا (كِتَابَةُ الْأَعْشَارِ فِيهِ وَأَسْمَاءُ السُّوَرِ وَعَدَدُ الْآيَاتِ وَالْأَحْزَابِ وَنَحْوِهَا) لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ.
(وَتَحْرُمُ مُخَالَفَةُ خَطِّ عُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (فِي) رَسْمِ (وَاوٍ وَيَاءٍ وَأَلِفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَمَدِّ التَّاءِ وَرَبْطِهَا (نَصًّا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِي» الْحَدِيثَ وَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ تَوْقِيفٌ كَمَا يَأْتِي.
(وَيُكْرَهُ مَدُّ الرِّجْلَيْنِ إلَى جِهَتِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَفِي مَعْنَاهُ: اسْتِدْبَارُهُ وَتَخَطِّيهِ وَرَمْيِهِ إلَى الْأَرْضِ بِلَا وَضْعٍ وَلَا حَاجَةٍ بَلْ هُوَ بِمَسْأَلَةِ التَّوَسُّدِ أَشْبَهُ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قُلْت وَكَذَا كُتُبُ عِلْمٍ فِيهَا قُرْآنٌ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَجَعْلُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (عِنْدَ الْقَبْرِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَوْ جُعِلَ لِلْقِرَاءَةِ هُنَاكَ) أَيْ: عِنْدَ الْقَبْرِ (وَرَمَى رَجُلٌ بِكِتَابٍ عِنْدَ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ فَغَضِبَ، وَقَالَ هَكَذَا يُفْعَلُ بِكَلَامِ الْأَبْرَارِ) انْتَهَى، فَكَيْفَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مَا هُوَ فِيهِ؟ .
(وَيَحْرُمُ السَّفَرُ بِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (إلَى دَارِ الْحَرْبِ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» وَلِأَنَّهُ عُرْضَةٌ إلَى اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ وَاسْتِهَانَتِهِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعَبِ: يُكْرَهُ بِدُونِ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ.
(وَتُكْرَهُ تَحْلِيَتُهُ
بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ نَصًّا) لِتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ (وَيَحْرُمُ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ) أَنْ تُحَلَّى (وَيُبَاحُ تَطْيِيبُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَجَعْلُهُ عَلَى كُرْسِيٍّ وَ) يُبَاحُ (كَسْيُهُ الْحَرِيرَ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ قَدْرَ ذَلِكَ يَسِيرٌ.
(وَقَالَ) أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاغُونِيُّ: (يَحْرُمُ كَتْبُهُ بِذَهَبٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زَخْرَفَةِ الْمَصَاحِفِ (وَيُؤْمَرُ بِحَكِّهِ، فَإِنْ كَانَ يَجْتَمِعُ مِنْهُ مَا يُتَمَوَّلُ زَكَّاهُ) .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يُزَكِّيهِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَلَهُ حَكُّهُ وَأَخْذُهُ (وَاسْتِفْتَاحُ الْفَأْلِ فِيهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (فَعَلَهُ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ بِفَتْحِ الْبَاءِ (وَلَمْ يَرَهُ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ) وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَحَكَاهُ الْقَرَافِيُّ الطَّرْطُوسِيُّ الْمَالِكِيُّ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْكَرَاهَةُ.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يُكْتَبَ الْقُرْآنُ وَ) أَنْ يُكْتَبَ (ذِكْرُ اللَّهِ بِشَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى شَيْءٍ نَجِسٍ (أَوْ فِيهِ) أَيْ: فِي شَيْءٍ نَجِسٍ (فَإِنْ كُتِبَا) أَيْ: الْقُرْآنُ وَذِكْرُ اللَّهِ (بِهِ) أَيْ: بِالنَّجِسِ (أَوْ عَلَيْهِ أَوْ فِيهِ أَوْ تَنَجَّسَ وَجَبَ) عَلَيْهِ غَسْلُهُ ذَكَرَهُ فِي؛ الْفُنُونِ.
وَقَالَ فَقَدْ جَازَ (غَسْلُهُ) وَتَحْرِيقُهُ، لِنَوْعِ صِيَانَةٍ (وَقَالَ) ابْنُ عَقِيلٍ (فِي الْفُنُونِ: إنْ قُصِدَ بِكَتْبِهِ بِنَجِسٍ إهَانَتُهُ فَالْوَاجِبُ قَتْلُهُ انْتَهَى) ،.
(وَتُكْرَهُ كِتَابَتُهُ) أَيْ: الْقُرْآنِ (فِي السُّتُورِ وَفِيمَا هُوَ مَظِنَّةُ بَذْلِهِ) ، (وَلَا تُكْرَهُ كِتَابَةُ غَيْرِهِ مِنْ الذِّكْرِ فِيمَا لَمْ يُدَسْ وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يُدَاسُ (كُرِهَ) (شَدِيدًا وَيَحْرُمُ دَوْسُهُ) أَيْ: الذِّكْرِ، فَالْقُرْآنُ أَوْلَى، قَالَ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى حِيطَانِ الْمَسْجِدِ ذِكْرٌ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُلْهِي الْمُصَلِّي (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ شِرَاءَ ثَوْبٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، يُجْلَسُ عَلَيْهِ وَيُدَاسُ) ،.
(وَلَوْ بَلِيَ الْمُصْحَفُ أَوْ انْدَرَسَ دُفِنَ نَصًّا) ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ بَلِيَ لَهُ مُصْحَفٌ فَحَفَرَ لَهُ فِي مَسْجِدِهِ فَدَفَنَهُ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ الصَّحَابَةَ حَرَقَتْهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لَمَّا جَمَعُوهُ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ذَلِكَ لِتَعْظِيمِهِ وَصِيَانَتِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي دَاوُد رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ دَفَنَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا أَنْ تُحَرَّقَ الْكُتُبُ وَقَالَ إنَّ الْمَاءَ وَالنَّارَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ.
(وَيُبَاحُ تَقْبِيلُهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ: رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ كَانَ يَضَعُ الْمُصْحَفَ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَقُولُ كِتَابُ رَبِّي كِتَابُ رَبِّي.
(وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ الْوَقْفَ) فِيهِ (وَفِي جَعْلِهِ عَلَى عَيْنَيْهِ) لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ رَفْعُهُ وَإِكْرَامُهُ؛ لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ التَّقَرُّبُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ فِيهِ مَدْخَلٌ لَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ عَنْ «الْحَجَرِ لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك» .
وَلَمَّا قَبَّلَ مُعَاوِيَةُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا، فَقَالَ إنَّمَا هِيَ السُّنَّةُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ عَلَى فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَظَاهِرُ الْخَبَرِ) الْمَذْكُورِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ (لَا يُقَامُ لَهُ) لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ (.
وَقَالَ الشَّيْخُ: إذَا اعْتَادَ النَّاسُ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَقِيَامُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أَحَقُّ) إجْلَالًا وَتَعْظِيمًا، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ تَرْكُ الْقِيَامِ كَالْإِهْوَانِ بِالشَّخْصِ اُسْتُحِبَّ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهُ الْقِيَامُ، وَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ.
(وَيُبَاحُ كِتَابَةُ آيَتَيْنِ فَأَقَلَّ إلَى الْكُفَّارِ) لِحَاجَةِ التَّبْلِيغِ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ: يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، قَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمُشْرِكِينَ.
(وَقَالَ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيٌّ (بْنُ عَقِيلٍ تَضْمِينُ الْقُرْآنِ لِمَقَاصِدَ تُضَاهِي مَقْصُودَ الْقُرْآنِ لَا بَأْسَ بِهِ) تَحْسِينًا لِلْكَلَامِ (كَمَا يُضَمَّنُ فِي الرَّسَائِلِ آيَاتٌ إلَى الْكُفَّارِ) مُقْتَضِيَةٌ الدِّعَايَةَ، وَلَا يَجُوزُ فِي كُتُبِ الْمُبْتَدِعَةِ.
(وَ) كَ (تَضْمِينِ الشِّعْرِ لِصِحَّةِ الْقَصْدِ وَسَلَامَةِ الْوَضْعِ وَأَمَّا تَضْمِينُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ التَّحْرِيمُ) كَمَا يَحْرُمُ جَعْلُ الْقُرْآنِ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: سُورَةُ كَذَا) كَسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ الْكَهْفِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا لَا يُحْصَى، وَكَذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ.
وَفِي السُّورَةِ لُغَتَانِ الْهَمْزُ وَتَرْكُهُ وَالتَّرْكُ أَفْصَحُ (وَ) أَنْ يَقُولَ: (السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا) لِوُرُودِهِ فِي الْأَخْبَارِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَرَأَ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ» الْحَدِيثُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَآدَابُ الْقِرَاءَةِ تَأْتِي فِي) فَصْلِ (صَلَاةِ التَّطَوُّعِ) مُفَصَّلَةً.
[بَابُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَمَا يُسَنُّ لَهُ]
(بَابُ) مَا يُوجِبُ (الْغُسْلَ وَمَا يُسَنُّ لَهُ) الْغُسْلُ (وَ) بَابُ (صِفَتِهِ) أَيْ: الْغُسْلِ، وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ مَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ، وَمَسَائِلُ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ وَالْحَمَّامِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: غَسَلْتُ الشَّيْءَ غَسْلًا بِالْفَتْحِ، وَالِاسْمُ الْغُسْلُ بِالضَّمِّ، وَبِالْكَسْرِ مَا
يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: بِالْفَتْحِ الْمَاءُ، وَبِالضَّمِّ الْفِعْلُ.
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ بِالضَّمِّ الِاغْتِسَالُ، وَالْمَاءُ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ بَرِّيٍّ أَنَّ غَسْلَ الْجَنَابَةِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ (وَهُوَ) أَيْ: الْغُسْلُ شَرْعًا (اسْتِعْمَالُ مَاءٍ) خَرَجَ التَّيَمُّمُ (طَهُورٍ) لَا طَاهِرٍ (فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ) خَرَجَ الْوُضُوءُ (عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي كَيْفِيَّتُهُ، بِأَنْ يَكُونَ بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] .
يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ، وَرَجُلَانِ جُنُبٌ، وَرِجَالٌ جُنُبٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَقَدْ يُقَالُ: جُنُبَانِ وَجُنُبُونَ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَنَحْنُ جُنُبَانِ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَقْرُب مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَاءَ جَانَبَ مَحَلَّهُ، وَالْأَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ بِذَلِكَ وَيَأْتِي بَعْضُهَا فِي مَحَالِّهِ (وَمُوجِبُهُ) أَيْ: الْحَدَثُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ (سِتَّةُ) أَشْيَاءَ، أَيُّهَا وُجِدَ كَانَ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ.
(أَحَدُهَا: خُرُوجُ الْمَنِيِّ) وَهُوَ الْمَاءُ الْغَلِيظُ الدَّافِقُ يَخْرُجُ عِنْدَ اشْتِدَادِ الشَّهْوَةِ، وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ (مِنْ مَخْرَجِهِ) فَإِنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ انْكَسَرَ صُلْبُهُ، فَخَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ، وَحُكْمُهُ كَالنَّجَاسَةِ الْمُعْتَادَةِ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمَنِيُّ (دَمًا) أَيْ: أَحْمَرَ كَالدَّمِ، لِقُصُورِ الشَّهْوَةِ عَنْ قَصْرِهِ (دَفْقًا بِلَذَّةٍ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَاضِخًا فَلَا تَغْتَسِلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْفَضْخُ: هُوَ خُرُوجُهُ بِالْغَلَبَةِ، قَالَهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ (فَإِنْ خَرَجَ) الْمَاءُ (لِغَيْرِ ذَلِكَ) كَمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ كَسْرِ ظَهْرٍ (مِنْ غَيْرِ نَائِمٍ وَنَحْوِهِ) كَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَسَكْرَانَ (لَمْ يُوجِبْ) غُسْلًا لِمَا تَقَدَّمَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ نَجِسًا وَلَيْسَ مَذْيًا، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
(وَإِنْ انْتَبَهَ بَالِغٌ، أَوْ مَنْ يُمْكِنُ بُلُوغُهُ كَابْنِ عَشْرٍ) وَبِنْتِ تِسْعٍ مِنْ نَوْمٍ وَنَحْوِهِ (وَوَجَدَ بَلَلًا) بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ (جَهِلَ كَوْنَهُ مَنِيًّا، بِلَا سَبَبٍ تَقَدَّمَ نَوْمَهُ، مِنْ بَرْدٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ انْتِشَارٍ وَجَبَ الْغُسْلُ، كَتَيَقُّنِهِ مَنِيًّا وَغَسَلَ مَا أَصَابَهُ مِنْ بَدَنٍ وَثَوْبٍ) احْتِيَاطًا.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَا يَجِبُ انْتَهَى، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِيجَابِ بِالشَّكِّ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ وَجَهِلَهَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْمِثَالِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا، وَلَا سَبَبَ
لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ يُرَجَّحُ بِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ إلَّا بِمَا ذُكِرَ (وَإِنْ تَقَدَّمَ نَوْمَهُ سَبَبٌ مِنْ بَرْدٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ انْتِشَارٍ) لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ لِعَدَمِ يَقِينِ الْحَدَثِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّهَارَةِ قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ غَسْلِ مَا أَصَابَهُ مِنْ ثَوْبٍ وَبَدَنٍ، لِرُجْحَانِ كَوْنِهِ مَذْيًا، بِقِيَامِ سَبَبِهِ إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ كَمَا لَوْ وَجَدَ فِي نَوْمِهِ حُلْمًا، فَإِنَّا نُوجِبُ الْغُسْلَ عَلَيْهِ لِرُجْحَانِ كَوْنِهِ مَنِيًّا، بِقِيَامِ سَبَبِهِ.
وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ لَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ وَلَا الْبَدَنِ جَمِيعًا لِتَرَدُّدِ الْأَمْرِ فِيهِمَا، نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الطَّبَقَاتِ.
وَقَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الرَّجُلَيْنِ إذَا وَجَدَا عَلَى فِرَاشِهِمَا مَنِيًّا، وَلَمْ يَعْلَمَا مَنْ خَرَجَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِحَالِهِ فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِذَلِكَ حُصُولَ الْمُفْسِدِ لِصَلَاتِهِ، وَهُوَ إمَّا الْجَنَابَةُ وَإِمَّا النَّجَاسَةُ (أَوْ تَيَقَّنَهُ) أَيْ: الْبَلَلَ (مَذْيًا لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ) بَلْ يُغْسَلُ مَا أَصَابَهُ وُجُوبًا.
(وَلَا يَجِبُ) الْغُسْلُ (بِحُلْمٍ بِلَا بَلَلٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ (فَإِنْ انْتَبَهَ) مَنْ احْتَلَمَ (ثُمَّ خَرَجَ) الْمَنِيُّ (إذَنْ وَجَبَ) الْغُسْلُ مِنْ حِينِ الِاحْتِلَامِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ اُنْتُقِلَ حِينَهُ.
تَتِمَّةٌ قَالَ فِي الْهَدْيِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ مَاسَوَيْهِ: مَنْ احْتَلَمَ فَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى وَطِئَ أَهْلَهُ، فَوَلَدَتْ مَجْنُونًا أَوْ مُخْتَلًّا فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ.
(وَإِنْ وَجَدَ مَنِيًّا فِي ثَوْبٍ لَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ) قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَالْأَزَجِيُّ: لَا بِظَاهِرِهِ، لِجَوَازِهِ مِنْ غَيْرِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ مُرَادُ الْأَصْحَابِ فِيمَا يَظْهَرُ (فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ) لِوُجُودِ مُوجِبِهِ (وَإِعَادَةُ الْمُتَيَقَّنِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ) أَيْ: الْمَنِيُّ (فِيهِ) أَيْ: الثَّوْبِ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعِيدُ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّاهُ بَعْدَ وُجُودِ الْمَنِيِّ، وَمَا شَكَّ فِيهِ لَا يُعِيدُهُ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْأَوْلَى إعَادَةُ صَلَوَاتِ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَمَا يَصِلُ بِهِ الْيَقِينُ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ إذَا تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ يُعِيدُ، وَنَصُّهُ: حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَتَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: بَعْدَ ظَنِّهِ نَجَاسَتَهُ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْفَرْقُ أَنَّ الْمَنِيَّ الْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَيَكُونُ فِي وَقْتِ الشَّكِّ كَالْمَعْدُومِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَقْتِ الشَّكِّ قَدْ شَكَّ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ رَفْعِهِ فَيَكُونُ الْحَدَثُ فِي وَقْتِ الشَّكِّ كَالْمَوْجُودِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَإِنْ كَانَ يَنَامُ هُوَ) أَيْ: مَنْ وَجَدَ الْمَنِيَّ فِي الثَّوْبِ.
(وَغَيْرُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ
الثَّوْبِ الَّذِي وُجِدَ بِهِ الْمَنِيُّ (وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الِاحْتِلَامِ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَيَقِّنٌ مِنْ الطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ (وَمِثْلُهُ) فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِمَا: (إنْ سُمِعَ صَوْتٌ أَوْ شُمَّ رِيحٌ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا تُعْلَمُ عَيْنُهُ لَمْ تَجِبْ الطَّهَارَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بِعَيْنِهِ، لِعَدَمِ تَيَقُّنهِ الْحَدَثَ.
(وَلَا يَأْثَمُ أَحَدُهُمَا) وَحْدَهُ، وَلَا مَعَ غَيْرِهِ (بِالْآخَرِ) لِتَحَقُّقِ الْمُفْسِدِ وَهُوَ إمَّا حَدَثُهُ وَإِمَّا حَدَثُ إمَامِهِ (وَلَا يُصَافُّهُ) أَيْ: لَا يُصَافُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (وَحْدَهُ) لِتَحَقُّقِ الْمُفْسِدِ؛ إذْ صَلَاةُ الْفَذِّ غَيْرُ صَحِيحَةٍ كَمَا يَأْتِي فَإِنْ صَافَّهُ مَعَ غَيْرِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا لِزَوَالِ الْفَذِّيَّةِ (فِيهِمَا) أَيْ: فِي مَسْأَلَةِ وُجْدَانِ الْمَنِيِّ فِي الثَّوْبِ، وَمَسْأَلَةِ سَمَاعِ الصَّوْتِ أَوْ شَمِّ الرِّيحِ مِنْ أَحَدِهِمَا (وَكَذَا كُلُّ اثْنَيْنِ تَيَقَّنَ مُوجِبُ الطَّهَارَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ كَرَجُلَيْنِ) أَوْ.
امْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَةٍ (لِمَسِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحَدَ فَرْجَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ) ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْفَرْجَيْنِ أَصْلِيٌّ فَانْتَقَضَ وُضُوءُ لَامِسِهِ فَإِنْ مَسَّ لِشَهْوَةٍ مِثْلِ مَا لِلَّامِسِ مِنْهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ يَقِينًا وَتَقَدَّمَ.
قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ: وَإِنْ أَرَادَا ذَلِكَ، أَيْ: أَنْ يُصَلِّيَا جَمَاعَةً أَوْ أَنْ يَكُونَا صَفًّا وَحْدَهُمَا تَوَضَّأَ ثُمَّ فَعَلَا ذَلِكَ لِيَزُولَ الِاعْتِقَادُ الَّذِي أَبْطَلْنَا صَلَاتَهُمَا مِنْ أَجْلِهِ وَلَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ وُضُوءُ أَحَدِهِمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَحْدَثَ مِنْهُمَا هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَوَضَّأْ (وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَتَطَهَّرَا) فِيمَا تَقَدَّمَ مُطْلَقًا لِيَخْرُجَا مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ.
(وَإِنْ أَحَسَّ) رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ (بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ فَحَبَسَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ وَجَبَ الْغُسْلُ، كَخُرُوجِهِ) ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَصْلُهَا الْبُعْدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36] أَيْ: الْبَعِيدِ، وَمَعَ الِانْتِقَالِ قَدْ بَاعَدَ الْمَاءُ مَحَلَّهُ فَصَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْجُنُبِ وَإِنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِالشَّهْوَةِ وَتَعْلِيقًا لَهُ عَلَى الْمَظِنَّةِ، إذْ بَعْدَ انْتِقَالِهِ يَبْعُدُ عَدَمُ خُرُوجِهِ، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ يَرْجِعُ.
(وَيَثْبُتُ بِهِ) أَيْ: بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ (حُكْمُ بُلُوغٍ) كَمَا يَثْبُتُ بِخُرُوجِهِ (وَ) يَثْبُتْ بِهِ حُكْمُ (فِطْرٍ) مِنْ صَوْمٍ مِمَّنْ قَبَّلَ أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ لِشَهْوَةٍ وَنَحْوِهِ، لَا مِمَّنْ احْتَلَمَ، كَخُرُوجِهِ (وَغَيْرِهِمَا) كَوُجُوبِ بَدَنَةٍ فِي الْحَجِّ حَيْثُ وَجَبَتْ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: كَفَسَادِ نُسُكٍ وَقَالَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ: الْتِزَامًا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِفَسَادِ النُّسُكِ بِخُرُوجِهِ بِالْمُبَاشَرَةِ (وَكَذَا انْتِقَالُ حَيْضٍ قَالَهُ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَيَثْبُتُ بِهِ مَا يَثْبُتُ بِخُرُوجِهِ (فَإِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنْ انْتِقَالِهِ) لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ.
(أَوْ) خَرَجَ الْمَنِيُّ (بَعْدَ غُسْلِهِ مِنْ جِمَاعٍ لَمْ يُنْزِلْ فِيهِ) بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَمْ
يَجِبْ الْغُسْلُ (أَوْ خَرَجَتْ بَقِيَّةُ مَنِيٍّ اغْتَسَلَ لَهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجُنُبِ يَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الْغُسْلِ؟ قَالَ: يَتَوَضَّأُ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ وَلِأَنَّهُ مَنِيٌّ وَاحِدٌ فَأَوْجَبَ غُسْلًا وَاحِدًا، كَمَا لَوْ خَرَجَ دَفْقَةً وَاحِدَةً، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَشْبَهَ الْخَارِجَ لِبَرْدٍ، وَبِهِ عَلَّلَ أَحْمَدُ قَالَ: لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مَاضِيَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدَثٌ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ الْوُضُوءُ.
(وَلَوْ) انْتَقَلَ الْمَنِيُّ (ثُمَّ خَرَجَ إلَى قُلْفَةِ الْأَقْلَفِ، أَوْ) إلَى (فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَجَبَ) الْغُسْلُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ بِالِانْتِقَالِ.
(وَلَوْ خَرَجَ مَنِيُّهُ مِنْ فَرْجِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنِيَّهَا (وَيَكْفِي الْوُضُوءُ، وَإِنْ دَبَّ مَنِيُّهُ) أَيْ: الرَّجُلِ فَدَخَلَ فَرْجَهَا ثُمَّ خَرَجَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا أَوْ دَبَّ إلَى فَرْجِهَا (مَنِيُّ امْرَأَةٍ أُخْرَى بِسِحَاقٍ، فَدَخَلَ فَرْجَهَا) ثُمَّ خَرَجَ (فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا بِدُونِ إنْزَالٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنِيًّا خَارِجًا مِنْ مَخْرَجِهِ دَفْقًا بِلَذَّةٍ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا وَجَبَ جَبْرًا لِلْبَدَنِ لِكَوْنِهِ يَنْقُصُ بِهِ مِنْهُ جُزْءٌ لِخُرُوجِهِ مِنْ جَمِيعِهِ؛ لِكَوْنِ الْحَيَوَانِ يُخْلَقُ مِنْهُ وَلِكَوْنِهِ يَنْقُصُ بِهِ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ وَلِهَذَا يَضْعُفُ بِكَثْرَتِهِ.
تَنْبِيهٌ مَحَلُّ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ: إذَا لَمْ يَصِرْ سَلَسًا قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فَيَجِبُ الْوُضُوءُ فَقَطْ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: يُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِ هَذَا مَنِيًّا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ فِيهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْغُسْلَ كَالْوُضُوءِ سَبَبُ وُجُوبِهِ الْحَدَثُ.
(الثَّانِي) مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ (تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ أَوْ قَدْرِهَا إنْ فُقِدَتْ بِلَا حَائِلٍ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» زَادَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْإِنْزَالِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَمَنْسُوخٌ بِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: «إنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ رُخْصَةٌ رَخَّصَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْتِقَائِهِمَا، تَقَابُلُهُمَا وَتَحَاذِيهِمَا.
فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ (قُبُلًا كَانَ) الْفَرْجُ (أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ، وَلَوْ مُكْرَهًا أَوْ) مِنْ (بَهِيمَةٍ حَتَّى سَمَكَةٍ وَطَيْرٍ) ؛ لِأَنَّهُ إيلَاجٌ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، أَشْبَهَ الْآدَمِيَّةَ (حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ بِذَلِكَ حَرَارَةً خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
(وَلَوْ كَانَ) ذُو الْحَشَفَةِ الْأَصْلِيَّةِ (مَجْنُونًا أَوْ نَائِمًا) أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ (بِأَنْ أَدْخَلَتْهَا فِي فَرْجِهَا، فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ) وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ (كَهِيَ) أَيْ: كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجَامَعَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مَجْنُونَةً أَوْ نَائِمَةً أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ، كَسَبْقِ الْحَدَثِ.
(وَإِنْ اسْتَدْخَلَتْهَا) أَيْ: الْحَشَفَةَ الْأَصْلِيَّةَ (مِنْ مَيِّتٍ أَوْ) مِنْ (بَهِيمَةٍ وَجَبَ عَلَيْهَا) الْغُسْلُ (دُونَ الْمَيِّتِ، فَلَا يُعَادُ غُسْلُهُ) لِذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، فَلَوْ مَكَثَ زَمَانًا يُصَلِّي وَلَمْ يَغْتَسِلْ احْتَاطَ فِي الصَّلَاةِ، وَيُعِيدُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا اشْتَهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، فَلَمْ يُعْذَرْ فِيهِ بِالْجَهْلِ (وَيُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتَةِ الْمَوْطُوءَةِ) قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ:: وَمَنْ وُطِئَ بَعْدَ غُسْلِهِ أُعِيدَ غُسْلُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَيَجِبُ الْغُسْلُ بِالْجِمَاعِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ كَانَ الْمُجَامِعُ غَيْرَ بَالِغٍ نَصًّا، فَاعِلًا وَمَفْعُولًا) إنْ كَانَ (يُجَامِعُ مِثْلَهُ كَابْنَةِ تِسْعٍ، وَابْنِ عَشْرٍ) قَالَ الْإِمَامُ: يَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ إذَا وَطِئَ وَالصَّغِيرَةِ إذَا وُطِئَتْ، مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ (فَيَلْزَمُهُ) أَيْ: ابْنَ عَشْرٍ وَبِنْتَ تِسْعٍ (غُسْلٌ وَوُضُوءٌ بِمُوجِبَاتِهِ، إذَا أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ) فَقَطْ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (أَوْ) عَلَى (وُضُوءٍ) كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ (لِغَيْرِ لُبْثٍ بِمَسْجِدٍ) فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ إذَا أَرَادَهُ وَيَكْفِيهِ الْوُضُوءُ كَالْمُكَلَّفِ وَيَأْتِي، وَمَثَلُ مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ إلْزَامُهُ بِاسْتِجْمَارٍ وَنَحْوِهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَلَيْسَ مَعْنَى وُجُوبِ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ: التَّأْثِيمُ بِتَرْكِهِ، بَلْ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ أَوْ الطَّوَافِ، أَوْ لِإِبَاحَةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
(أَوْ مَاتَ) الصَّغِيرُ (شَهِيدًا) بَعْدَ الْجِمَاعِ (قَبْلَ غُسْلِهِ) فَيُغْسَلُ، لِوُجُوبِهِ قَبْلَهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ غَيْرَ شَهِيدٍ (وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ) أَيْ: الصَّغِيرِ (بِغُسْلِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ) فَلَا يَجِبُ إعَادَتُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، لِصِحَّةِ غُسْلِهِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَثَرُهَا وَهُوَ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ ثُمَّ أَخَذَ يُصَرِّحُ بِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ فَقَالَ: (وَلَا يَجِبُ غُسْلٌ بِتَغْيِيبِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ) بِلَا إنْزَالٍ (وَلَا بِإِيلَاجٍ بِحَائِلٍ، مِثْلَ إنْ لَفَّ عَلَى ذَكَرِهِ خِرْقَةً، أَوْ أَدْخَلَهُ فِي كِيسٍ) بِلَا إنْزَالٍ.
(وَلَا بِوَطْءٍ دُونَ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ) وَلَا انْتِقَالٍ لِعَدَمِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ (وَلَا بِالْتِصَاقٍ) أَيْ: تَمَاسِّ (خِتَانَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ (وَلَا سِحَاقَ) وَهُوَ إتْيَانُ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ (بِلَا إنْزَالٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا بِإِيلَاجِ فِي غَيْرِ أَصْلِيٍّ) أَوْ
بِغَيْرِ أَصْلِيٍّ (كَإِيلَاجِ رَجُلٍ فِي قُبُلِ الْخُنْثَى) الْمُتَّضِحِ الذُّكُورِيَّةِ أَوْ الْمُشْكِلِ، بِلَا إنْزَالٍ لِعَدَمِ الْفَرْجِ الْأَصْلِيِّ بِيَقِينٍ.
(أَوْ إيلَاجِ الْخُنْثَى) الْوَاضِحِ الْأُنُوثَةِ، أَوْ الْمُشْكِلِ (ذَكَرَهُ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ بِلَا إنْزَالٍ) لِعَدَمِ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِيَقِينٍ (وَكَذَا لَوْ وَطِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُنْثَيَيْنِ الْمُشْكِلَيْنِ الْآخَرَ بِالذَّكَرِ فِي الْقُبُلِ) لِاحْتِمَالِ زِيَادَتِهِمَا، أَوْ زِيَادَةِ أَحَدِهِمَا (أَوْ) وَطِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُنْثَيَيْنِ الْآخَرَ بِالذَّكَرِ فِي (الدُّبُرِ) لِاحْتِمَالِ زِيَادَةِ الذَّكَرَيْنِ.
(وَإِنْ تَوَاطَأَ رَجُلٌ وَخُنْثَى فِي دُبُرَيْهِمَا فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ) ؛ لِأَنَّ دُبُرَ الْخُنْثَى أَصْلِيٌّ قَطْعًا وَقَدْ وُجِدَ تَغْيِيبُ حَشَفَةِ الرَّجُلِ فِيهِ (وَإِنْ وَطِئَ الْخُنْثَى بِذَكَرِهِ امْرَأَةً وَجَامَعَهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْخُنْثَى (رَجُلٌ فِي قُبُلِهِ فَعَلَى الْخُنْثَى الْغُسْلُ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ جُومِعَتْ فِي قُبُلِهَا الْأَصْلِيِّ.
(وَأَمَّا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فَيَلْزَمُ أَحَدَهُمَا الْغُسْلُ، لَا بِعَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى لَا يَخْلُو عَنْ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَوْ يَكُونَ أُنْثَى، فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الرَّجُلِ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَتَطَهَّرَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، أَوْ يُصَافَّهُ وَحْدَهُ اغْتَسَلَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الْمُنْتَهَى.
(وَلَوْ قَالَتْ امْرَأَةٌ: بِي جِنِّيٌّ يُجَامِعُنِي، كَالرَّجُلِ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ) .
وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا غُسْلَ لِعَدَمِ الْإِيلَاجِ وَالِاحْتِلَامِ ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 56] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِنِّيَّ يَغْشَى الْمَرْأَةَ كَالْإِنْسِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْغَشَيَانِ الْإِيلَاجُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إيلَاجُهُ عَنْ مُلَابَسَتِهِ بِبَدَنِهِ خَاصَّةً انْتَهَى قُلْتُ: وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ: بِي جِنِّيَّةٌ أُجَامِعُهَا كَالْمَرْأَةِ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ.
(وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ كَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَطْءِ الْكَامِلِ) مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَالْبَدَنَةِ فِي الْحَجِّ، وَإِفْسَادِ النُّسُكِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَتَقَرُّرِ الصَّدَاقِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْفَيْئَةِ فِي الْإِيلَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَأْتِي فِي أَبْوَابِهِ (وَجَمَعَهَا بَعْضُهُمْ فَبَلَغَتْ أَرْبَعَمِائَةِ) حُكْمٍ (إلَّا ثَمَانِيَةَ أَحْكَامٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تُحْفَةِ الْوَدُودِ فِي أَحْكَامِ الْمَوْلُودِ) وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا يَأْتِي يَظْفَرْ بِأَكْثَرِهَا.
الثَّالِثُ) مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ (إسْلَامُ الْكَافِرِ، وَلَوْ مُرْتَدًّا أَوْ مُمَيِّزًا) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ أَسْلَمَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذْهَبُوا بِهِ إلَى حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَمُرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْعُمَرِيِّ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا.
«وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ فَأُقِيمَتْ الْمَظِنَّةُ مُقَامَ الْحَقِيقَةِ، كَالنَّوْمِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ.
وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُسَاوٍ لِلْأَصْلِيِّ فِي الْمَعْنَى وَهُوَ الْإِسْلَامُ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ (سَوَاءٌ وُجِدَ مِنْهُ فِي كُفْرِهِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ) مِنْ نَحْوِ جِمَاعٍ أَوْ إنْزَالٍ (أَوْ لَا وَسَوَاءٌ اغْتَسَلَ قَبْلَ إسْلَامِهِ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحَالُ لَوَجَبَ الِاسْتِفْصَالُ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الَّذِي أَسْلَمَ (غُسْلٌ) آخَرُ (بِسَبَبِ حَدَثٍ وُجِدَ مِنْهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ بَلْ يَكْفِيهِ غُسْلُ الْإِسْلَامِ) سَوَاءٌ نَوَى الْكُلَّ، أَوْ نَوَى غُسْلَ الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فِيمَا إذَا اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ وُضُوءًا أَوْ غُسْلًا (وَوَقْتُ وُجُوبِهِ) أَيْ: غُسْلِ الْإِسْلَامِ (عَلَى الْمُمَيِّزِ) إذَا أَسْلَمَ (كَوَقْتِ وُجُوبِهِ عَلَى الْمُمَيِّزِ الْمُسْلِمِ إذَا جَامَعَ) يَعْنِي إذَا أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ لِغَيْرِ لُبْثٍ بِمَسْجِدٍ أَوْ مَاتَ شَهِيدًا.
قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، أَيْ: الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ إلَّا إذَا وُجِدَ فِي حَالِ كُفْرِهِ مَا يُوجِبُهُ، فَيَجِبُ (إلَّا حَائِضًا وَنُفَسَاءَ كِتَابِيَّتَيْنِ، إذَا اغْتَسَلَتَا لِوَطْءِ زَوْجٍ) مُسْلِمٍ (أَوْ سَيِّدٍ مُسْلِمٍ) انْتَهَى بِالْمَعْنَى (ثُمَّ أَسْلَمَتَا فَلَا يَلْزَمُهُمَا إعَادَةُ الْغُسْلِ) لِصِحَّتِهِ مِنْهُمَا، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ لِلْعُذْرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اغْتَسَلَ الْكَافِرُ لِجَنَابَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ، لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْهُ.
وَهَذَا كَمَا عَلِمْتَ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْإِنْصَافِ وَقَدْ تَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ (وَيَحْرُمُ تَأَخُّرُ إسْلَامٍ لِغُسْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ.
(وَلَوْ اسْتَشَارَ) كَافِرٌ (مُسْلِمًا) فِي الْإِسْلَامِ (فَأَشَارَ بِعَدَمِ إسْلَامِهِ) لَمْ يَجُزْ (أَوْ أَخَّرَ عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ) لَهُ ذَلِكَ (وَلَمْ يَصِرْ) الْمُسْلِمُ (مُرْتَدًّا) خِلَافًا لِصَاحِبِ التَّتِمَّةِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ.
(الرَّابِعُ) مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ: (الْمَوْتُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْسِلْنَهَا إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ فِي مَحَلِّهِ (تَعَبُّدًا) لَا عَنْ حَدَثٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْهُ لَمْ يَرْتَفِعْ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِهِ، كَالْحَائِضِ، لَا تُغَسَّلُ مَعَ جَرَيَانِ الدَّمِ وَلَا عَنْ نَجِسٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ
عَنْهُ لَمْ يَطْهُرْ، مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ وَهُوَ الْمَوْتُ (غَيْرَ شَهِيدِ مَعْرَكَةٍ وَمَقْتُولٍ ظُلْمًا) فَلَا يُغَسَّلَانِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مَحَلِّهِ.
(الْخَامِسُ خُرُوجُ حَيْضٍ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ وَإِذَا ذَهَبَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ بِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ وَسَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ وَحَمْنَةَ وَغَيْرَهُنَّ، يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: 222] أَيْ: إذَا اغْتَسَلْنَ فَمَنَعَ الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ غُسْلِهَا فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالْخُرُوجِ إنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِسَبَبِهِ وَالِانْقِطَاعُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ، وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الِانْقِطَاعُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا اُسْتُشْهِدَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ.
فَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الدَّمِ وَجَبَ غُسْلُهَا لِلْحَيْضِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجِبُ إلَّا بِالِانْقِطَاعِ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُغَسَّلُ وَلَمْ يَنْقَطِعْ الدَّمُ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ قَالَهُ الْمَجْدُ وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَالزَّرْكَشِيُّ وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْمُبْدِعِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَعَلَى هَذَا التَّفْرِيعِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَوْتَ إمَّا أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ انْقِطَاعِ الدَّمِ أَوْ لَا فَإِنْ نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ لَزِمَ وُجُوبُ الْغُسْلِ لِتَحَقُّقِ سَبَبِ وُجُوبِهِ وَشَرْطِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُنَزَّلْ مَنْزِلَةَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْحَائِضِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَلَا يَجِبُ غُسْلُهَا.
لِأَنَّا إنْ قُلْنَا: الْمُوجِبُ هُوَ الِانْقِطَاعُ فَلَمْ يُوجَدْ وَإِنْ قُلْنَا: الْخُرُوجُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ وَهُوَ الِانْقِطَاعُ نَعَمْ يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقًا أَوْ طَلَاقًا عَلَى مَا يُوجِبُ غُسْلًا وَقَعَ بِالْخُرُوجِ عَلَى الْأَوَّلِ وَبِالِانْقِطَاعِ عَلَى الثَّانِي (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا) أَيْ: الْحَائِضِ (جَنَابَةٌ فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ) لِلْجَنَابَةِ (حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا نَصًّا) لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ (فَإِنْ اغْتَسَلَتْ لِلْجَنَابَةِ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا صَحَّ) غُسْلُهَا لَهَا (بَلْ يُسْتَحَبُّ) تَخْفِيفًا لِلْحَدَثِ (وَيَزُولُ حُكْمُ الْجَنَابَةِ) ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْآخَرِ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَيَأْتِي أَوَّلَ الْحَيْضِ.
(السَّادِسُ) الْمُتَمِّمُ لِلْمُوجِبَاتِ (خُرُوجُ نِفَاسٍ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِهِمَا اهـ.
وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ (وَهُوَ) أَيْ: النِّفَاسُ (الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ) وَيَأْتِي مُفَصَّلًا فِي آخِرِ الْحَيْضِ (وَلَا يَجِبُ) الْغُسْلُ (بِوِلَادَةٍ عُرِيَتْ عَنْ دَمٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ (فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ) بِالْوِلَادَةِ الْعَارِيَّةِ عَنْ الدَّمِ.
(وَلَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ بِهَا) قَبْلَ الْغُسْلِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) يَجِبُ الْغُسْلُ (بِإِلْقَاءِ عَلَقَةٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِلَا نِزَاعٍ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: بِلَا دَمٍ (أَوْ) بِإِلْقَاءِ (مُضْغَةٍ) لَا تَخْطِيطَ فِيهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ وِلَادَةً وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِإِلْقَاءِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ وَلَوْ خَفِيًّا (وَالْوَلَدُ طَاهِرٌ وَمَعَ الدَّمِ يَجِبُ غَسْلُهُ) كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَنَجِّسَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ لَا؛ لِلْمَشَقَّةِ.
[فَصْلٌ مَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ]
" فَصْلٌ " (وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ) لِجَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (حَرُمَ عَلَيْهِ الِاعْتِكَافُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِ (قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا) رُوِيَتْ كَرَاهَةُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ.
وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْجُبُهُ وَرُبَّمَا قَالَ لَا يَحْجِزُهُ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَاهُ قَالَ شُعْبَةُ: لَسْتُ أَرْوِي حَدِيثًا أَجْوَدَ مِنْ هَذَا.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْحَائِضِ أَنْ تَقْرَأَهُ إذَا خَافَتْ نِسْيَانَهُ، بَلْ يَجِبُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ، وَ (لَا) يَحْرُمُ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ (بَعْضِ آيَةٍ؛) ؛ لِأَنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهِ الْمُنَقَّحُ، مَا لَمْ تَكُنْ طَوِيلَةً (وَلَوْ كَرَّرَهُ) أَيْ: الْبَعْضَ (مَا لَمْ يَتَحَيَّلْ عَلَى قِرَاءَةٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ) كَقِرَاءَةِ آيَةٍ فَأَكْثَرَ، لِمَا يَأْتِي أَنَّ الْحِيَلَ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا.
(وَلَهُ) أَيْ: الْجُنُبِ وَنَحْوِهِ (تَهَجِّيهِ) أَيْ: الْقُرْآنِ؛؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ لَهُ فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ لِخُرُوجِهِ عَنْ نَظْمِهِ وَإِعْجَازِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ، وَلَهُ التَّفَكُّرُ فِيهِ وَتَحْرِيكُ شَفَتَيْهِ بِهِ مَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ وَقِرَاءَةُ أَبْعَاضِ آيَةٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَوْ آيَاتٍ سَكَتَ بَيْنَهَا سُكُوتًا طَوِيلًا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَ) لَهُ (الذِّكْرُ) أَيْ: أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» وَيَأْتِي أَنَّهُ يُكْرَهُ أَذَانُ جُنُبٍ.
(وَ) لَهُ (قِرَاءَةٌ لَا تُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ لِإِسْرَارِهَا) نَقَلَهُ عَنْ الْفُرُوعِ عَنْ ظَاهِرِ نِهَايَةِ الْأَزَجِيِّ، قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ تَحْرِيكُ شَفَتَيْهِ بِهِ إذَا لَمْ يُبِنْ الْحُرُوفَ (وَلَهُ قَوْلُ مَا وَافَقَ قُرْآنًا وَلَمْ يَقْصِدْهُ كَالْبَسْمَلَةِ وَقَوْلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَآيَةِ الِاسْتِرْجَاعِ) ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] وَهِيَ بَعْضُ آيَةٍ لَا آيَةٌ.
(وَ) كَآيَةِ (الرُّكُوبِ) ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: 13] ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: 14] وَكَذَا آيَةُ النُّزُولِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: 29] .
(وَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ تِلَاوَةٍ وَ) أَنْ (يُقْرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاكِتٌ) ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُنْسَبُ إلَى الْقِرَاءَةِ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي (وَيُمْنَعُ كَافِرٌ مِنْ قِرَاءَتِهِ وَلَوْ رُجِيَ إسْلَامُهُ) قِيَاسًا عَلَى الْجُنُبِ وَأَوْلَى (وَلِجُنُبٍ) وَنَحْوِهِ (عُبُورُ مَسْجِدٍ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43] وَهُوَ الطَّرِيقُ.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا مُجْتَازًا وَحَدِيثُ عَائِشَةَ «إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: لِحَاجَةٍ فَقَطْ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَمِنْ الْحَاجَةِ: كَوْنُهُ طَرِيقًا قَصِيرًا، لَكِنْ كَرِهَ أَحْمَدُ اتِّخَاذَهُ طَرِيقًا (وَكَذَا حَائِضٌ وَنُفَسَاءُ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ فَلَهُمَا عُبُورُهُ كَالْجُنُبِ.
(وَإِنْ خَافَتَا) أَيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ (تَلْوِيثَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (حَرُمَ) دُخُولُهُمَا فِيهِ (كَلُبْثِهِمَا فِيهِ) مُطْلَقًا (وَيَأْتِي فِي الْحَيْضِ، وَيُمْنَعُ مِنْ عُبُورِهِ وَاللُّبْثِ فِيهِ لِسَكْرَانَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] .
(وَ) يُمْنَعُ مِنْهُ (الْمَجْنُونُ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ السَّكْرَانِ بِالْمَنْعِ (وَيُمْنَعُ) مِنْ الْمَسْجِدِ (مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَلْوِيثِهِ (وَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا) أَيْ: لِلنَّجَاسَةِ الَّتِي تَتَعَدَّى إنْ احْتَاجَ اللُّبْثَ (لِعُذْرٍ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَتَيَمَّمُ لَهَا لِلْعُذْرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا ضَعِيفٌ (وَيُسَنُّ مَنْعُ الصَّغِيرِ مِنْهُ) نَقَلَ مُهَنَّا يَنْبَغِي أَنْ تُجَنَّبَ الصِّبْيَانُ الْمَسَاجِدَ.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: أَطْلَقُوا الْعِبَارَةَ وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ اهـ فَلِهَذَا يُقَالُ (وَيُمْنَعُ مِنْ اللَّعِبِ فِيهِ، إلَّا لِصَلَاةٍ وَقِرَاءَةٍ.
وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا) نَصًّا (وَيَأْتِي فِي الِاعْتِكَافِ، وَيَحْرُمُ عَلَى جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا اللُّبْثُ فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَلَوْ مُصَلَّى عِيدٍ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
«وَلْيَعْتَزِلْ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى» (لَا مُصَلَّى الْجَنَائِزِ) فَلَيْسَ مَسْجِدًا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجَنَائِز لَيْسَتْ ذَاتَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْعِيدِ (إلَّا أَنْ يَتَوَضَّئُوا) أَيْ: الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهُمَا فَيَجُوزُ لَهُمَا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْأَثْرَمُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ إذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يُخَفِّفُ حَدَثَهُ فَيَزُولُ بَعْضُ مَا يَمْنَعُهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ النَّوْمُ الْكَثِيرُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَذَلِكَ الْوُضُوءُ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وَوُضُوءُ الْجُنُبِ لِتَخْفِيفِ الْجَنَابَةِ، وَإِلَّا فَهَذَا الْوُضُوءُ لَا يُبِيحُ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
(فَلَوْ تَعَذَّرَ) الْوُضُوءُ عَلَى الْجُنُبِ وَنَحْوِهِ (وَاحْتِيجَ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ لِخَوْفِ ضَرَرٍ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ (جَازَ) لَهُ اللُّبْثُ فِيهِ (مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ نَصًّا) وَاحْتَجَّ بِأَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ.
(وَ) اللُّبْثُ (بِهِ) أَيْ: بِالتَّيَمُّمِ (أَوْلَى) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَيَتَيَمَّمُ) الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ (لِأَجْلِ لُبْثِهِ فِيهِ لَغُسْلٍ) إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ عَاجِلًا، قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: وَاحْتَاجَ إلَى اللُّبْثِ فِيهِ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى بِأَنَّهُ إذَا احْتَاجَ لِلُّبْثِ فِيهِ جَازَ بِلَا تَيَمُّمٍ قَالَ وَالظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ (وَلِمُسْتَحَاضَةٍ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ عُبُورُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (وَاللُّبْثُ فِيهِ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثِهِ) بِالنَّجَاسَةِ، لَحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَتْ مَعَهُ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَمَعَ خَوْفِهِ) أَيْ خَوْفِ تَلْوِيثِهِ (يُحَرَّمَانِ) أَيْ الْعُبُورُ وَاللُّبْثُ لِوُجُوبِ صَوْنِ الْمَسْجِدِ عَمَّا يُنَجِّسُهُ (وَلَا يُكْرَهُ لِجُنُبٍ وَنَحْوِهِ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ (إزَالَةُ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ وَظُفْرِهِ قَبْلَ غُسْلِهِ) كَالْمُحْدِثِ.
[فَصْلٌ فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ]
ِ وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ وَفِي صِفَةِ الْغُسْلِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُسَنُّ الْغُسْلُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَقَوْلِهِ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَقَوْلُهُ: وَاجِبٌ مَعْنَاهُ مُتَأَكِّدُ الِاسْتِحْبَابِ، كَمَا تَقُولُ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَى الْحَسَنِ وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ سَمُرَةَ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْهُ.
وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ عُثْمَانَ أَتَى الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ غُسْلٍ (لِحَاضِرِهَا) أَيْ: الْجُمُعَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ (فِي يَوْمِهَا) أَيْ: يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَأَوَّلُهُ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا يُجْزِئُ الِاغْتِسَالُ قَبْلَهُ (إنْ صَلَّاهَا) أَيْ: الْجُمُعَةَ وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ لِعُمُومِ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ وَ (لَا) يُسْتَحَبُّ غُسْلُ الْجُمُعَةِ (لِامْرَأَةٍ نَصًّا) لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَتَى مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» .
(وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَغْتَسِلَ (عِنْدَ مُضِيِّهِ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى الْجُمُعَةِ؛؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ وَأَنْ يَكُونَ (عَنْ جِمَاعٍ) لِلْخَبَرِ الْآتِي فِي بَابِ الْجُمُعَةِ (فَإِنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ) حَدَثًا أَصْغَرَ (أَجْزَأَهُ الْغُسْلُ) الْمُتَقَدِّمُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يُبْطِلُهُ (وَكَفَاهُ الْوُضُوءُ) لِحَدَثِهِ (وَهُوَ) أَيْ: غُسْلُ الْجُمُعَةِ (آكَدُ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ آكَدُ الْأَغْسَالِ ثُمَّ بَعْدَهُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
(وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ أَيْضًا لِصَلَاةِ (عِيدٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ لِذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقَيْنِ وَفِيهِمَا ضَعْفٌ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ لَهَا الْجَمَاعَةُ أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ (فِي يَوْمِهَا) أَيْ: الْعِيدِ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْعِيدِ أَضْيَقُ مِنْ الْجُمُعَةِ (لِحَاضِرِهَا) أَيْ: الْعِيدِ (إنْ) صَلَّى الْعِيدَ (وَلَوْ) صَلَّى (وَحْدَهُ إنْ صَحَّتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ فِيهَا) بِأَنْ صَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ.
وَفِي التَّلْخِيصِ: إنْ حَضَرَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، وَمِثْلُهُ الزِّينَةُ وَالطِّيبُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ الزِّينَةِ، بِخِلَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
(وَ) يُسَنُّ الِاغْتِسَالُ (لِ) صَلَاةِ (كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (مِنْ غُسْلِ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ وَسَأَلَتْ هَلْ عَلَيَّ غُسْلٌ؟ قَالُوا: لَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا.
(وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِ) الْإِفَاقَةِ مِنْ (جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ بِلَا إنْزَالِ مَنِيٍّ) فِيهِمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ مِنْ الْإِغْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْجُنُونُ فِي مَعْنَاهُ، بَلْ أَوْلَى (وَمَعَهُ يَجِبُ) أَيْ إنْ تَيَقَّنَ مَعَهُمَا الْإِنْزَالُ وَجَبَ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ كَالنَّائِمِ، وَإِنْ وَجَدَ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ بَلَّةً لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَوْ مَرَضٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ التَّفْصِيلُ فِيمَا إذَا أَفَاقَ نَائِمٌ وَنَحْوُهُ وَوَجَدَ بَلَلًا.
(وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِمُسْتَحَاضَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ) «؛ لِأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ «أَنَّهُ أَمَرَهَا بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اُسْتُحِيضَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِإِحْرَامٍ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّ «أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ نُفِسَتْ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (وَدُخُولِ مَكَّةَ) وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ.
قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِالْحَرَمِ كَاَلَّذِي بِمِنًى إذَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فَيُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ لِذَلِكَ (وَدُخُولِ حَرَمِهَا) أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ (نَصًّا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ (وَوُقُوفٍ بِعَرَفَةَ) رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا.
(وَمَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيِ جِمَارٍ وَطَوَافِ زِيَارَةٍ وَ) طَوَافِ (وَدَاعٍ) ؛ لِأَنَّهَا أَنْسَاكٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ وَيَزْدَحِمُونَ، فَيَعْرَقُونَ، فَيُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاسْتُحِبَّ كَالْجُمُعَةِ (وَيَتَيَمَّمُ لِلْكُلِّ، لِحَاجَةٍ) أَيْ: يَتَيَمَّمُ لِمَا يُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ، إذَا عَدِمَ الْمَاءَ أَوْ تَضَرَّرَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَنَحْوِهِ
مِمَّا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، كَمَا لَوْ أَرَادَ الْجُنُبُ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا.
(وَ) يُسَنُّ التَّيَمُّمُ أَيْضًا (لِمَا يُسَنُّ لَهُ الْوُضُوءُ) كَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالْأَذَانِ وَرَفْعِ الشَّكِّ وَالْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ (لِعُذْرٍ) يُبِيحُ التَّيَمُّمَ (وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِ طَيْبَةَ) وَهِيَ مَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَنَصُّ أَحْمَدَ وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَيْ: يَغْتَسِلُ لَهَا.
(وَلَا لِلْحِجَامَةِ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ، أَشْبَهَ الرُّعَافَ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَفِيهِ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَا بِالْحَافِظِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّ أَحَادِيثَهُ مَنَاكِيرُ، وَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهَا (وَ) لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ أَيْضًا لِ (الْبُلُوغِ) بِغَيْرِ إنْزَالٍ (وَكُلّ اجْتِمَاعٍ) مُسْتَحَبّ وَلَا لِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ.
(وَالْغُسْلُ) إمَّا كَامِلٌ وَإِمَّا مُجْزِئٌ ف (الْكَامِلُ) الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ: (أَنْ يَنْوِيَ) أَيْ: يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا (ثُمَّ يُسَمِّيَ) فَيَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا (ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا) كَالْوُضُوءِ، لَكِنْ هُنَا آكَدُ لِاعْتِبَارِ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُمَا وَلِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ «فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» وَيَكُونُ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (ثُمَّ يَغْسِلَ مَا لَوَّثَهُ مِنْ أَذًى) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «فَيُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ» .
وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ نَجِسًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ أَوْ مُسْتَقْذَرًا طَاهِرًا، كَالْمَنِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ (ثُمَّ يَضْرِبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ أَوْ الْحَائِطَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (ثُمَّ يَتَوَضَّأَ كَامِلًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» وَعَنْهُ يُؤَخِّرُ غُسْلَ رِجْلَيْهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ (ثُمَّ يَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، يَرْوِي بِكُلِّ مَرَّةٍ أُصُولَ شَعْرِهِ) لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ» وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ «ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
يُقَالُ: حَثَوْتُ أَحْثُو حَثْوًا، كَغَزَوْتُ، وَحَثَيْتُ أَحْثِي حَثْيًا كَرَمَيْتُ، وَاسْتَحَبَّ الْمُوَفَّقُ أَوْ غَيْرُهُ تَخْلِيلَ أُصُولِ شَعْرِ رَأْسِهِ قَبْلَ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ (ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى بَقِيَّةِ جَسَدِهِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ» وَلِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» (ثَلَاثًا) قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ (يَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ) بِشِقِّهِ
(الْأَيْسَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي طُهُورِهِ» (وَيُدَلِّكَ بَدَنَهُ بِيَدَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَنْقَى، وَبِهِ يَتَيَقَّنُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَغَابِنِهِ وَجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَبِهِ يَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ يَدِهِ عَلَى جَسَدِهِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، وَلَا يَجِبُ إذَا تَيَقَّنَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ (وَيَتَفَقَّدُ أُصُولَ شَعْرِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» (وَغَضَارِيفَ أُذُنَيْهِ، وَتَحْتَ حَلْقِهِ وَإِبِطَيْهِ، وَعُمْقَ سُرَّتِهِ وَحَالِبَيْهِ) .
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْحَالِبَانِ عِرْقَانِ يَكْتَنِفَانِ السُّرَّةَ (وَبَيْنَ أَلْيَتِهِ وَطَيِّ رُكْبَتَيْهِ) لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَيْهَا (وَيَكْفِي الظَّنُّ فِي الْإِسْبَاغِ) أَيْ: فِي وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْيَقِينِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ (ثُمَّ يَتَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ فَيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ، وَلَوْ) كَانَ (فِي حَمَّامٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا طِينَ فِيهِ لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» .
(وَإِنْ أَخَّرَ غَسْلَ قَدَمَيْهِ فِي وُضُوئِهِ فَغَسَلَهُمَا آخِرَ غُسْلِهِ فَلَا بَأْسَ) لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ (وَتُسَنُّ مُوَالَاةٌ) فِي الْغُسْلِ بَيْنَ غَسْلِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا تَجِبُ) الْمُوَالَاةُ فِي الْغُسْلِ (كَالتَّرْتِيبِ) ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (فَلَوْ اغْتَسَلَ إلَّا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ) ثُمَّ أَرَادَ غَسْلَهَا مِنْ الْحَدَثَيْنِ (لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِيهَا) وَلَا الْمُوَالَاةُ (لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ بَاقٍ، وَإِنْ فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ) قَبْلَ إتْمَامِ الْغُسْلِ، بِأَنْ جَفَّ مَا غَسَلَهُ مِنْ بَدَنِهِ بِزَمَنٍ مُعْتَدِلٍ وَأَرَادَ أَنْ يُتِمّ غُسْلَهُ (جَدَّدَ لِإِتْمَامِهِ نِيَّةً وُجُوبًا) لِانْقِطَاعِ النِّيَّةِ بِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، فَيَقَعُ غُسْلُ مَا بَقِيَ بِدُونِ نِيَّةٍ.
(وَيُسَنُّ سِدْرٌ فِي غُسْلِ كَافِرٍ أَسْلَمَ) لِحَدِيثِ «قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
(وَ) يُسَنُّ (إزَالَةُ شَعْرِهِ، فَيَحْلِقُ رَأْسَهُ، إنْ كَانَ رَجُلًا) وَيَأْخُذُ عَانَتَهُ وَإِبْطَيْهِ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ أَسْلَمَ «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ) قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهَا، وَجَبَ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ.
(وَيَخْتَتِنُ) الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ (وُجُوبًا بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، وَأَنْ لَا يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ (وَيُسَنُّ سِدْرٌ فِي غُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: «إذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَرَوَتْ «أَسْمَاءُ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ فَقَالَ: تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَهَا فَتَطَهَّرُ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ.
(وَ) يُسَنُّ أَيْضًا (أَخْذُهَا مِسْكًا، إنْ لَمْ تَكُنْ مُحْرِمَةً فَتَجْعَلُهُ فِي فَرْجِهَا فِي قُطْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) كَخِرْقَةٍ
(بَعْدَ غُسْلِهَا لَيَقْطَعَ الرَّائِحَةَ) أَيْ: رَائِحَةَ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَسْمَاءِ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ: ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطْهُرُ بِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْفِرْصَةُ الْقِطْعَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) مِسْكًا (فَطِيبًا) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمِسْكِ فِي ذَلِكَ لَا لِمُحْرِمَةٍ فَإِنَّ الطِّيبَ بِأَنْوَاعِهِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا لِمَا يَأْتِي فِي الْإِحْرَامِ (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَطِينًا، وَلَوْ مُحْرِمَةً فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْمَاءُ) الطَّهُورُ (كَافٍ) لِحُصُولِ الطَّهَارَةِ بِهِ.
(وَالْغُسْلُ الْمُجْزِئُ) وَهُوَ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ فَقَطْ (أَنْ يُزِيلَ مَا بِهِ) أَيْ: بِبَدَنِهِ (مِنْ نَجَاسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ إنْ وُجِدَ) مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهَا، لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى الْبَشَرَةِ (وَيَنْوِيَ) كَمَا تَقَدَّمَ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (ثُمَّ يُسَمِّيَ) قَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ هُنَا كَالْوُضُوءِ، قِيَاسًا لِإِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى.
وَفِي الْمُغْنِي: أَنَّ حُكْمَهَا هُنَا أَخَفُّ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِصَرِيحِهِ الْوُضُوءَ لَا غَيْرُ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وُضُوءٌ وَزِيَادَةٌ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوُضُوءٍ وَلِذَلِكَ لَا تَكْفِي نِيَّةُ الْغُسْلِ عَنْهُ (ثُمَّ يَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغَسْلِ) فَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ (حَتَّى فَمَهُ وَأَنْفَهُ) فَتَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِي غُسْلٍ (كَوُضُوءٍ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) حَتَّى (ظَاهِرَ شَعْرِهِ وَبَاطِنِهِ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مُسْتَرْسِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» (مَعَ نَقْضِهِ) أَيْ: الشَّعْرِ وُجُوبًا (لِغُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ لَا) غُسْلِ (جَنَابَةٍ إذَا رَوَتْ أُصُولَهُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا «إذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَلَا يَكُونُ الْمَشْطُ إلَّا فِي شَعْرٍ غَيْرِ مَضْفُورٍ وَلِلْبُخَارِيِّ «اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَلِابْنِ مَاجَهْ «اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعْرِ لِتَحَقُّقِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَعُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَشَقَّ ذَلِكَ فِيهِ، وَالْحَيْضُ بِخِلَافِهِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْوُجُوبِ وَالنِّفَاسُ فِي مَعْنَى الْحَيْضِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضِ قَالَ لَا، إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهِيَ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ
(وَحَتَّى حَشَفَةُ أَقْلَفَ) أَيْ: غَيْرِ مَخْتُونٍ (إنْ أَمْكَنَ تَشْمِيرُهَا) بِأَنْ كَانَ مَفْتُوقًا؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ (وَ) حَتَّى (مَا تَحْتَ خَاتَمٍ وَنَحْوِهِ، فَيُحَرِّكُهُ) لِيَتَحَقَّقَ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ.
(وَ) حَتَّى (مَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِهَا عِنْدَ قُعُودِهَا لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ (وَلَا) يَجِبُ غَسْلُ (مَا أَمْكَنَ مِنْ دَاخِلِهِ) أَيْ: فَرْجٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَإِمَّا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَعُفِيَ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) لَا غُسْلَ (دَاخِلَ عَيْنٍ) بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَوْ أَمِنَ الضَّرَرَ (وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ فَإِنْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَحَلِّ الْحَدَثِ) الْأَصْغَرِ أَوْ الْأَكْبَرِ (نَجَاسَةٌ) لَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءَ إلَى الْبَشَرَةِ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ (ارْتَفَعَ الْحَدَثُ قَبْلَ زَوَالِهَا كَالطَّاهِرَاتِ) عَلَى مَحَلّ الْحَدَثِ الَّتِي لَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ وَقَدَّمَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَصَحَّحُوهُ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا مَعَ آخِرِ غَسْلَةٍ، طَهُرَ عِنْدَهَا، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ فِي النَّظْمِ: هُوَ الْأَقْوَى.
[فَصْلٌ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ]
فَصْلٌ (وَيُسَنُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمُدٍّ) (وَهُوَ مِائَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ.
(وَ) بِالْمَثَاقِيلِ (مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مِثْقَالًا وَ) بِالْأَرْطَالِ (رِطْلٌ وَثُلُثُ رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) أَيْ: الرَّطْلَ الْعِرَاقِيَّ فِي زِنَتِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ (وَرِطْلٌ وَأُوقِيَّتَانِ وَسُبْعَا أُوقِيَّةٍ مِصْرِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ، وَثَلَاثُ أَوَاقٍ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ دِمَشْقِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ، وَأُوقِيَّتَانِ وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ حَلَبِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ، وَأُوقِيَّتَانِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ قُدْسِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ، وَأُوقِيَّتَانِ وَسُبْعَا أُوقِيَّةٍ بَعْلَبِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَغْتَسِلَ بِصَاعٍ، وَهُوَ) أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ فَهُوَ (سِتُّمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ مِثْقَالًا، وَخَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ بِالْبُرِّ الرَّزِينِ) الْجَيِّدِ وَهُوَ الْمُسَاوِي لِلْعَدَسِ فِي زِنَتِهِ (نَصَّ عَلَيْهِمَا) أَيْ: عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَأَنَّهُ بِالْبُرِّ الرَّزِينِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصَاعٍ وَالْفَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ سِتَّةَ عَشَرَ
رِطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ.
(وَ) الصَّاعُ (أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ وَتِسْعُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةِ) رِطْلٍ (مِصْرِيٍّ) وَالصَّاعُ (رِطْلٌ وَأُوقِيَّةٌ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةِ) رِطْلٍ (دِمَشْقِيٍّ وَإِحْدَى عَشْرَةَ أُوقِيَّةٍ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ حَلَبِيَّةٍ وَعَشْرُ أَوَاقٍ وَسُبْعَا أُوقِيَّةٍ قُدْسِيَّةٍ، وَتِسْعُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةٍ بَعْلِيَّةٍ وَهَذَا) أَيْ: بَيَانُ قَدْرِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ (يَنْفَعُكَ هُنَا) أَيْ: فِي الْمِيَاهِ.
(وَفِي) بَابِ (الْفِطْرَةِ وَالْفِدْيَةِ وَالْكَفَّارَةِ) بِسَائِرِ أَنْوَاعِهَا (وَغَيْرِهَا) كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُدٍّ أَوْ صَاعٍ (فَإِنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِمَا) بِأَنْ تَوَضَّأَ بِدُونِ مُدٍّ أَوْ اغْتَسَلَ بِدُونِ صَاعٍ (أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغُسْلِ وَقَدْ فَعَلَهُ (وَلَمْ يُكْرَهْ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أُمِّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ فَأُتِيَ بِمَاءٍ فِي إنَاءٍ قَدْرَ ثُلُثَيْ الْمُدِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَمَنْطُوقُ هَذَا: مُقَدَّمٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ الْمُدُّ وَفِي الْغُسْلِ الصَّاعُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَثْرَمُ.
(وَالْإِسْبَاغُ) فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ: (تَعْمِيمُ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ، بِحَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مَسْحًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الْآيَةَ، وَالْمَسْحُ لَيْسَ غَسْلًا (فَإِنْ مَسَحَهُ) أَيْ: الْعُضْوَ بِالْمَاءِ (أَوْ أَمَرَّ الثَّلْجَ عَلَيْهِ لَمْ تَحْصُلْ الطَّهَارَةُ بِهِ وَإِنْ ابْتَلَّ بِهِ) أَيْ: الثَّلْجِ (الْعُضْوُ) الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَسْحٌ لَا غَسْلٌ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الثَّلْجُ (خَفِيفًا فَيَذُوبَ، وَيَجْرِيَ عَلَى الْعُضْوِ) فَيُجْزِئَ، لِحُصُولِ الْغَسْلِ الْمَطْلُوبِ.
(وَيُكْرَهُ الْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ وَلَوْ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى سَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَإِذَا اغْتَسَلَ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ مِنْ الْحَدَثَيْنِ) أَجْزَأَ عَنْهُمَا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْجُنُبَ بِالتَّطْهِيرِ، وَلَمْ يَأْمُرْ مَعَهُ بِوُضُوءٍ؛ وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ، فَتَدَاخَلَتَا فِي الْفِعْلِ، كَمَا تَدْخُلُ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ، وَظَاهِرُهُ كَالشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا يَسْقُطُ مَسْحُ الرَّأْسِ، اكْتِفَاءً عَنْهُ بِغُسْلِهَا وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَتَدَاخَلَانِ إنْ أَتَى بِخَصَائِصِ الصُّغْرَى كَالتَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ
وَالْمَسْحِ (أَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْأَكْبَرِ وَلَا بِالْأَصْغَرِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا لِشُمُولِ الْحَدَثِ لَهُمَا (أَوْ) نَوَى (اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ) نَوَى (أَمْرًا لَا يُبَاحُ إلَّا بِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ كَمَسِّ مُصْحَفٍ) وَطَوَافٍ (أَجْزَأَ عَنْهُمَا) لِاسْتِلْزَامِ ذَلِكَ رَفْعَهُمَا (وَسَقَطَ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ) لِدُخُولِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ فَصَارَ الْحُكْمُ لِلْغُسْلِ كَالْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ.
(وَإِنْ نَوَى) مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ بِالْغُسْلِ اسْتِبَاحَةَ (قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ارْتَفَعَ الْأَكْبَرُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ إنَّمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ لَا عَلَى رَفْعِ الْأَصْغَرِ (وَإِنْ نَوَى) الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ: نَوَى رَفْعَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ: الْأَكْبَرِ، أَوْ الْأَصْغَرِ (لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَقَالَ الْأَزَجِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا نَوَى الْأَكْبَرَ ارْتَفَعَ.
(وَمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ غُسْلِهِ) يَعْنِي أَوْ فِي أَوَّلِهِ (كُرِهَ لَهُ إعَادَتُهُ بَعْدَ الْغُسْلِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ (إلَّا أَنْ يَنْتَقِضَ وُضُوءُهُ بِمَسِّ فَرْجِهِ أَوْ غَيْرِهِ) كَمَسِّ امْرَأَةٍ لِشَهْوَةٍ أَوْ بِخُرُوجِ خَارِجٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَتُسْتَحَبُّ لِنَحْوِ قِرَاءَةٍ وَأَذَانٍ، لِوُجُودِ سَبَبِهِ.
(وَإِنْ نَوَتْ مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا) أَوْ نِفَاسُهَا (بِغُسْلِهَا حِلَّ الْوَطْءِ صَحَّ) غُسْلُهَا، وَارْتَفَعَ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ؛ لِأَنَّ حِلَّ وَطْئِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا نَوَتْ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَهُوَ الْوَطْءُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَطْءِ وَحِلِّهِ.
(وَيُسَنُّ لِكُلِّ جُنُبٍ وَلَوْ امْرَأَةٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ) قُلْتُ: وَكَافِرٍ أَسْلَمَ قِيَاسًا عَلَيْهِمْ (إذَا أَرَادُوا النَّوْمَ أَوْ الْأَكْلَ أَوْ الشُّرْبَ أَوْ الْوَطْءَ ثَانِيًا أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ) لِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَذَى (وَيَتَوَضَّأُ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ بِالنَّوْمِ، فَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، «أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» .
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَأَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ لِمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ فَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «: إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَزَادَ فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ (لَكِنَّ الْغُسْلَ لِ) مُعَاوَدَةِ (الْوَطْءِ أَفْضَلُ) مِنْ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ أَنْشَطُ (وَيَأْتِي فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَلَا يَضُرُّ نَقْضُهُ) .
أَيْ: الْوُضُوءِ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: إذَا تَوَضَّأَ الْجُنُبُ لِمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فَلَا تُسَنُّ لَهُ إعَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّخْفِيفُ أَوْ النَّشَاطُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، يَتَوَضَّأُ لِمَبِيتِهِ عَلَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ (وَيُكْرَهُ) لِلْجُنُبِ وَنَحْوِهِ (تَرْكُهُ) أَيْ: الْوُضُوءِ (لِنَوْمٍ فَقَطْ) لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ لِأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَمُعَاوَدَةِ وَطْءٍ (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ) كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءَ شَيْئًا (مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ) وَتَقَدَّمَ (وَلَا أَنْ يَخْتَضِبَ قَبْلَ الْغُسْلِ نَصًّا) .
[فَصْلٌ أَحْكَام الْحَمَّام وَآدَاب دُخُولِهِ]
فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَمَّامِ وَآدَابِ دُخُولِهِ، وَأَجْوَدُ الْحَمَّامَاتِ: مَا كَانَ شَاهِقًا عَذْبَ الْمَاءِ مُعْتَدِلَ الْحَرَارَةِ، مُعْتَدِلَ الْبُيُوتِ قَدِيمَ الْبِنَاءِ (بِنَاءُ الْحَمَّامِ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِجَارَتُهُ) مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَالنَّظَرِ إلَيْهَا وَدُخُولِ النِّسَاءِ إلَيْهِ (وَكَسْبُهُ وَكَسْبُ الْبَلَّانِ وَالْمُزَيِّنِ مَكْرُوهٌ) .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَحَمَّامِيَّةُ النِّسَاءِ أَشَدُّ كَرَاهَةً (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ: لَيْسَ بِعَدْلٍ) وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ لَا تُجَازُ شَهَادَةُ مَنْ بَنَاهُ لِلنِّسَاءِ، وَحَرَّمَهُ الْقَاضِي وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى غَيْرِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ.
(وَلِلرَّجُلِ دُخُولُهُ إذَا أَمِنَ وُقُوعَ مُحَرَّمٍ بِأَنْ يَسْلَمَ مِنْ النَّظَرِ إلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ) وَمَسِّهَا (وَ) يَسْلَمَ مِنْ (نَظَرِهِمْ إلَى عَوْرَتِهِ) وَمَسِّهَا.
لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَمَّامًا كَانَ بِالْجُحْفَةِ وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا (فَإِنْ خَافَهُ) أَيْ: الْوُقُوعَ فِي مُحَرَّمٍ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ (كُرِهَ) دُخُولُهُ (وَإِنْ عَلِمَهُ) أَيْ: الْوُقُوعَ فِي مُحَرَّمٍ (حَرُمَ) دُخُولُهُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ ذُكُورِ أُمَّتِي فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ وَمَنْ كَانَتْ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تَدْخُلْ الْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ إنْ عَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ عَلَيْهِ إزَارٌ فَادْخُلْهُ، وَإِلَّا فَلَا تَدْخُلْ (وَلِلْمَرْأَةِ دُخُولُهُ) أَيْ: الْحَمَّامِ (بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ) بِأَنْ تَسْلَمَ مِنْ النَّظَرِ إلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَمَسِّهَا وَمِنْ النَّظَرِ إلَى عَوْرَتِهَا وَمَسِّهَا (وَبِوُجُودِ عُذْرٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ حَاجَةٍ إلَى الْغُسْلِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إلَّا بِالْأُزُرِ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» .
وَقَوْلُهُ (وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فِي بَيْتِهَا لِخَوْفِهَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ نُزُولِهِ) قَالَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لَا يُعْتَبَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ (حَرُمَ) عَلَيْهَا دُخُولُهُ (نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرَيْنِ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا اعْتَادَتْ الْحَمَّامَ وَشَقَّ عَلَيْهَا تَرْكُ دُخُولِهِ إلَّا لِعُذْرٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا دُخُولُهُ (وَلَا) يَحْرُمُ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ (فِي حَمَّامِ دَارِهَا) حَيْثُ لَمْ يُرَ مِنْ عَوْرَتِهَا مَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَكَبَاقِي دَارِهَا (وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ وَالْمُغْتَسَلِ وَنَحْوِهِمَا) ؛ لِأَنَّهَا لِمَا خَبُثَ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِمَنْ دَخَلَهُ أَنْ يَقُولَ: يَا بَرُّ يَا رَحِيمُ مُنَّ وَقِنَا عَذَابَ السَّمُومِ (وَالْأَوْلَى فِي الْحَمَّامِ أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ وَإِبْطَيْهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَيَلْزَمَ الْحَائِطَ) خَوْفَ السُّقُوطِ (وَيَقْصِدَ مَوْضِعًا خَالِيًا) ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ.
(وَلَا يَدْخُلَ الْبَيْتَ الْحَارَّ حَتَّى يَعْرَقَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ أَجْوَدُ طِبًّا (وَيُقَلِّلَ الِالْتِفَاتَ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّيَاطِينِ، فَتَعْبَثُ بِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِرُؤْيَةِ عَوْرَةٍ (وَلَا يُطِيلَ الْمَقَامَ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ) لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْبَدَنِ (وَيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ) (فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الصُّدَاعَ، وَلَا يُكْرَهُ دُخُولُهُ قُرْبَ الْغُرُوبِ، وَلَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ) لِعَدَمِ النَّهْيِ الْخَاصِّ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مِنْهَاجِ الْقَاصِدِينَ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ الشَّيَاطِينِ (وَيَحْرُمُ أَنْ يَغْتَسِلَ عُرْيَانًا بَيْنَ النَّاسِ) فِي حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ «احْفَظْ عَوْرَتَكَ» إلَى آخِرِهِ.
وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ سَتَرَهُ إنْسَانٌ بِثَوْبٍ) فَلَا بَأْسَ (أَوْ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا خَالِيًا) عَنْ النَّاسِ (فَلَا بَأْسَ) ؛ لِأَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اغْتَسَلَ عُرْيَانًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اغْتَسَلَ عُرْيَانًا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي (وَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ) .
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ: يُكْرَهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَلَيْهِ أَكْثَرُ نُصُوصِهِ قَالَ فِي الْآدَابِ: يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي الْمُسْتَحَمِّ وَدُخُولُ الْمَاءِ بِلَا مِئْزَرٍ لِقَوْلِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَقَدْ دَخَلَا الْمَاءَ وَعَلَيْهِمَا بُرْدٌ: إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا (وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ) أَيْ: الْحَمَّامِ (وَلَوْ خَفَضَ صَوْتَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّكَشُّفِ وَيُفْعَلُ فِيهِ
مَا لَا يَحْسُنُ فِي غَيْرِهِ فَاسْتُحِبَّ صِيَانَةُ الْقُرْآنِ عَنْهُ وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ الْكَرَاهَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ (وَكَذَا) يُكْرَهُ (السَّلَامُ) فِي الْحَمَّامِ، قَالَ فِي الْآدَابِ: وَكَذَلِكَ لَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مُسَلِّمٍ.
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: الْأَوْلَى جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ وَالْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَ (لَا) يُكْرَهُ (الذِّكْرُ) فِي الْحَمَّامِ، لِمَا رَوَى النَّخَعِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَسَطْحُهُ وَنَحْوُهُ) مِنْ كُلِّ مَا يَتْبَعُهُ فِي بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ (كَبَقِيَّتِهِ) لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ.
[بَابُ التَّيَمُّمِ]
(بَابُ التَّيَمُّمِ) (وَهُوَ) لُغَةً الْقَصْدُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] يُقَالُ: يَمَّمْتُ فُلَانًا وَتَيَمَّمْتُهُ وَأَمَمْتُهُ إذَا قَصَدْتُهُ وَمِنْهُ ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَمَا أَدْرِي إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ... أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي
أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا مُبْتَغِيهِ ... أَمْ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ مُبْتَغِينِي
وَشَرْعًا (مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِتُرَابٍ طَهُورٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] الْآيَةَ، وَحَدِيثُ عَمَّارٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْهُ طَهُورًا لِغَيْرِهَا، تَوْسِعَةً عَلَيْهَا وَإِحْسَانًا إلَيْهَا، وَالتَّيَمُّمُ (بَدَلٌ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ) .
؛ لِأَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهَا، يَجِبُ فِعْلُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِهِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَهَذَا شَأْنُ الْبَدَلِ (وَيَجُوزُ) التَّيَمُّمُ (حَضَرًا وَسَفَرًا، وَلَوْ) كَانَ السَّفَرُ (غَيْرَ مُبَاحٍ أَوْ) كَانَ (قَصِيرًا)
دُونَ الْمَسَافَةِ (؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ) عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ.
(قَالَ الْقَاضِي لَوْ خَرَجَ إلَى ضَيْعَةٍ لَهُ تُقَارِبُ الْبُنْيَانَ وَالْمَنَازِلَ، وَلَوْ بِخَمْسِينَ خُطْوَةٍ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ) أَيْ: بِشَرْطِهِ (وَ) جَازَ لَهُ (الصَّلَاةُ) النَّافِلَةُ (عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ) ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ عُرْفًا (وَيَجُوزُ) وَعِبَارَةُ الْمُبْدِعِ: وَهُوَ مَشْرُوعٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ حَيْثُ يَجِبُ التَّطَهُّرُ بِالْمَاءِ، وَيُسَنُّ حَيْثُ يُسَنُّ ذَلِكَ فَيُشْرَعُ (لِكُلِّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَاءِ) أَيْ: بِطَهَارَتِهِ (عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، لِعَدَمٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا (شَرْعًا مِنْ) بَيَانٍ لِمَا يُفْعَلُ بِالْمَاءِ (صَلَاةِ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ (وَطَوَافِ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ (وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ، وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ) .
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ (وَوَطْءِ حَائِضٍ انْقَطَعَ دَمُهَا) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْوَاطِئِ جِرَاحٌ أَوْ لَمْ يُصَلِّ بِهِ ابْتِدَاءً (وَلُبْثٍ فِي مَسْجِدٍ) إذَا تَعَذَّرَ الْوُضُوءُ عَاجِلًا، وَأَرَادَ اللُّبْثَ لِلْغُسْلِ فِيهِ (سِوَى جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا فِي مَسْأَلَةٍ تَقَدَّمَتْ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) وَهِيَ: مَا إذَا تَعَذَّرَ الْوُضُوءُ وَاحْتَاجُوا لِلُّبْثِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِلَا تَيَمُّمٍ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ بِهِ أَوْلَى.
(وَ) سِوَى (نَجَاسَةٍ عَلَى غَيْرِ بَدَنٍ) وَهِيَ النَّجَاسَةُ عَلَى الثَّوْبِ وَفِي الْبُقْعَةِ، فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهُمَا، بِخِلَافِ نَجَاسَةِ الْبَدَنِ وَتَأْتِي (وَلَا يُكْرَهُ الْوَطْءُ لِعَادِمِ الْمَاءِ) وَلَوْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ، إذْ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ إلَّا لِدَلِيلٍ (وَالتَّيَمُّمُ مُبِيحٌ) لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا.
وَ (لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: «فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَوْ رَفَعَ الْحَدَثَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْمَاءِ إذَا وَجَدَهُ (وَلَا يَصِحُّ) التَّيَمُّمُ.
(إلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: دُخُولُ وَقْتِ مَا يُتَيَمَّمُ لَهُ، فَلَا يَصِحُّ) التَّيَمُّمُ (لِفَرْضٍ وَلَا لِنَفْلٍ مُعَيَّنٍ، كَسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ وَنَحْوِهَا) كَوِتْرٍ (قَبْلَ وَقْتِهِمَا نَصًّا) لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «جُعِلَتْ الْأَرْضُ كُلُّهَا لِي وَلِأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْوُضُوءُ إنَّمَا جَازَ قَبْلَ الْوَقْتِ، لِكَوْنِهِ رَافِعًا لِلْحَدَثِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورَةً فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ.
(وَلَا) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِنَفْلٍ فِي وَقْتٍ نُهِيَ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتًا لَهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِرَكْعَتَيْ فَجْرٍ بَعْدَهُ، وَلِرَكْعَتَيْ طَوَافٍ كُلَّ وَقْتٍ لِإِبَاحَتِهِمَا إذَنْ (وَيَصِحُّ) التَّيَمُّمُ (لِفَائِتَةٍ إذَا ذَكَرَهَا وَأَرَادَ فِعْلَهَا) لِصِحَّةِ فِعْلِهَا كُلَّ وَقْتٍ لَا قَبْلَهُ.
(و) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِكُسُوفٍ عِنْدَ وُجُودِهِ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ نَهْيٍ، وَإِلَّا فَإِذَا خَرَجَ.
(وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِاسْتِسْقَاءٍ إذَا اجْتَمَعُوا) لِصَلَاتِهِ (وَ) لِصَلَاةِ
(جِنَازَةٍ إذَا غُسِّلَ الْمَيِّتُ) أَيْ: تَمَّ تَغْسِيلُهُ، كَمَا فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ يُمِّمَ لِعُذْرٍ) وَيُعَايَى بِهَا، فَيُقَالُ: شَخْصٌ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يَتَيَمَّمَ غَيْرُهُ؟ (وَلِعِيدٍ إذَا دَخَلَ وَقْتُهُ، وَلِمَنْذُورَةٍ) مُطْلَقَةٍ (كُلَّ وَقْتٍ) فَإِنْ كَانَتْ مَنْذُورَةً بِمُعَيَّنٍ اُعْتُبِرَ دُخُولُهُ، كَالْمَفْرُوضَةِ.
(وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِنَفْلٍ عِنْدَ جَوَازِ فِعْلِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُهُ.
(الشَّرْطُ الثَّانِي الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَاجِزِ يَجِدُ الْمَاءَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّهُ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ (فَيَصِحُّ) التَّيَمُّمُ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ (لِعَدَمِهِ) حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا، قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا، مُبَاحًا أَوْ غَيْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] وَيُتَصَوَّرُ عَدَمُ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ (بِحَبْسٍ) لِلْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ، أَوْ حَبْسٍ لِلْمَاءِ عَنْ الْمُتَيَمِّمِ، بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِدُ غَيْرَهُ (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْحَبْسِ، كَقَطْعِ عَدُوٍّ مَاءَ بَلَدِهِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّفَرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعَدَمِ غَالِبًا.
(وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِعَجْزِ مَرِيضٍ عَنْ الْحَرَكَةِ) (وَعَمَّنْ يُوَضِّئُهُ إذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ إنْ انْتَظَرَ مَنْ يُوَضِّئُهُ) (وَ) عَجْزِهِ (عَنْ الِاغْتِرَافِ وَلَوْ بِفَمِهِ) ؛ لِأَنَّهُ كَالْعَادِمِ لِلْمَاءِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى اغْتِرَافِ الْمَاءِ بِفَمِهِ، أَوْ عَلَى غَمْسِ أَعْضَائِهِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ.
(أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِخَوْفِ ضَرَرٍ بِاسْتِعْمَالِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (فِي بَدَنِهِ مِنْ جُرْحٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَكَمَا لَوْ خَافَ مِنْ عَطَشٍ أَوْ سَبُعٍ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لَزِمَهُ كَالصَّحِيحِ (أَوْ) مِنْ (بَرْدٍ شَدِيدٍ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ قُلْتُ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] فَضَحِكَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
(وَلَوْ) كَانَ خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْبَرْدِ (حَضَرًا) فَيَتَيَمَّمُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ كَالسَّفَرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِخَوْفِهِ الضَّرَرَ أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ، بَلْ يَكْفِي أَنْ (يَخَافَ مِنْهُ نَزْلَةً أَوْ مَرَضًا وَنَحْوَهُ) كَزِيَادَةِ الْمَرَضِ، أَوْ تَطَاوُلِهِ، فَيَتَيَمَّمُ (بَعْدَ غَسْلِ مَا يُمْكِنُهُ) غَسْلُهُ بِلَا ضَرَرٍ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَا لَا يَتَضَرَّرُ بِغَسْلِهِ وَيَتَيَمَّمُ لِمَا سِوَاهُ مُرَاعِيًا لِلتَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ كَمَا يَأْتِي.
(وَ) إنَّمَا يَتَيَمَّمُ لِلْبَرْدِ إذَا (تَعَذَّرَ تَسْخِينُهُ) أَيْ: الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَغَيْرُهُ مَتَى أَمْكَنَهُ تَسْخِينُ الْمَاءِ أَوْ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ كَأَنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عُضْوًا، كُلَّمَا غَسَلَ شَيْئًا سَتَرَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ.
(أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِخَوْفِ بَقَاءِ شَيْنٍ) أَيْ: فَاحِشٍ فِي بَدَنِهِ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: 6] وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَهُنَا أَوْلَى.
(أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِ (مَرَضٍ يُخْشَى زِيَادَتُهُ أَوْ تَطَاوُلُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَمَنْ بِهِ صُدَاعٌ أَوْ حُمَّى حَارَّةٌ أَوْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْحَارِّ بِلَا ضَرَرٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَيَمَّمُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ.
(وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِ) خَوْفِ (فَوَاتِ مَطْلُوبِهِ) بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، كَعَدُوٍّ خَرَجَ فِي طَلَبِهِ أَوْ آبِقٍ أَوْ شَارِدٍ يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ؛ لِأَنَّ فِي فَوْتِهِ ضَرَرًا وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا.
(أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِ (عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ) كَانَ الْعَطَشُ (مُتَوَقَّعًا) لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي السَّفَرِ فَتُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ وَمَعَهُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ يَخَافُ أَنْ يَعْطَشَ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَغْتَسِلُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّهُ يَخَافُ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ أَشْبَهَ الْمَرِيضَ، بَلْ أَوْلَى (أَوْ) يَخَافُ الْعَطَشَ عَلَى (رَفِيقِهِ الْمُحْتَرَمِ) ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ تُقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَأَى غَرِيقًا عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا، فَيَتْرُكُهَا، وَيَخْرُجُ لِإِنْقَاذِهِ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
قَالَ أَحْمَدُ عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ تَيَمَّمُوا وَحَبَسُوا الْمَاءَ لِشِفَاهِهِمْ (وَلَا فَرْق) فِي الرَّفِيقِ الْمُحْتَرَمِ (بَيْنَ الْمُزَامِلِ لَهُ، أَوْ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّكْبِ) لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمُرَافَقَةِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: مَنْ مَعَهُ الْمَاءُ (بَذْلُهُ لَهُ) أَيْ: لِعَطْشَانَ يَخْشَى تَلَفَهُ.
وَفِي حَبْسِ الْمَاءِ لِعَطَشِ الْغَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ رِوَايَتَانِ، اخْتَارَ الشَّرِيفُ وَابْنُ عَقِيلٍ وُجُوبَهُ وَصَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الصَّوَابُ الْوُجُوبُ، وَهُوَ
ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ ضَعِيفٌ جِدًّا فِيمَا يَظْهَرُ وَ (لَا) يَلْزَمُ بَذْلُ الْمَاءِ (لِطَهَارَةِ غَيْرِهِ بِحَالٍ) سَوَاءٌ كَانَ يَجِدُ غَيْرَهُ أَوْ لَا، طَلَبَهُ بِثَمَنِهِ أَوْ لَا، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ لَا يَلْزَمُ بَذْلُهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: الْمُحْتَرَمِ: الزَّانِي الْمُحْصَنُ وَالْمُرْتَدُّ وَالْحَرْبِيُّ فَلَا يَلْزَمُ بَذْلُهُ لَهُ إذَا عَطِشَ وَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ (أَوْ) عَطَشٍ يَخَافُهُ (عَلَى بَهِيمَتِهِ أَوْ بَهِيمَةِ غَيْرِهِ الْمُحْتَرَمَيْنِ) ؛ لِأَنَّ لِلرُّوحِ حُرْمَةً، وَسَقْيَهَا وَاجِبٌ وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ كَلْبُ الصَّيْدِ وَخَرَجَ عَنْهُ الْعَقُورُ وَالْخِنْزِيرُ وَنَحْوُهُ؛ لِعَدَمِ احْتِرَامِهِ.
(قَالَ) أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (بْنُ الْجَوْزِيِّ: إنْ احْتَاجَ الْمَاءَ لِلْعَجْنِ وَالطَّبْخِ وَنَحْوِهِمَا تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُ) أَيْ: الْمَاءَ لِذَلِكَ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ.
(وَإِذَا وَجَدَ الْخَائِفُ مِنْ الْعَطَشِ مَاءً طَاهِرًا أَوْ مَاءً نَجِسًا) وَكَانَ (يَكْفِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا لِشُرْبِهِ حَبَسَ الطَّاهِرَ) لِشُرْبِهِ (وَأَرَاقَ النَّجِسَ إنْ اسْتَغْنَى عَنْ شُرْبِهِ) سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ، لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ (فَإِنْ خَافَ حَبَسَهُمَا) لِلْحَاجَةِ وَكَمَا لَوْ انْفَرَدَ النَّجِسُ.
(وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْمَاءِ) وَبَقِيَ مَاؤُهُ (يَمَّمَهُ رَفِيقَهُ الْعَطْشَانَ) كَمَا يَتَيَمَّمُ لَوْ كَانَ حَيًّا لِذَلِكَ (وَيَغْرَمُ) الْعَطْشَانُ (ثَمَنَهُ) أَيْ: قِيمَةَ الْمَاءَ (فِي مَكَانِهِ) أَيْ: مَكَانِ إتْلَافِهِ (وَقْتَ إتْلَافِهِ لِوَرَثَتِهِ) لِانْتِقَالِهِ إلَيْهِمْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَإِنَّمَا غَرِمَهُ بِثَمَنِهِ بِقِيمَتِهِ مَعَ أَنَّهُ مِثْلِيٌّ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْوَرَثَةِ، إذْ الْمَاءُ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي الْحَضَرِ غَالِبًا، وَلَوْ كَانَتْ فَشَيْءٌ تَافِهٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي السَّفَرِ وَظَاهِرُ النِّهَايَةِ: إنْ غَرِمَهُ فِي مَكَانِهِ أَيْ: التَّلَفِ فَبِمِثْلِهِ (وَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَجْمَعَ الْمَاءَ) الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ (وَيَشْرَبَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ) أَيْ: تَعَافُ شُرْبَهُ.
(وَمَنْ خَافَ فَوْتَ رُفْقَتِهِ) بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ (سَاغَ لَهُ التَّيَمُّمُ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِفَوْتِ الرُّفْقَةِ؛ لِفَوْتِ الْإِلْفِ وَالْأُنْسِ.
(وَكَذَا لَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (خَوْفًا مُحَقَّقًا، لَا جُبْنًا) وَهُوَ الْخَوْفُ لِغَيْرِ سَبَبٍ، وَالْخَوْفُ الْمُحَقَّقُ (كَأَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ) أَيْ: حَيَوَانٌ مُفْتَرِسٌ (أَوْ حَرِيقٌ أَوْ لِصٌّ وَنَحْوُهُ) سَاغَ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (أَوْ خَافَ) بِطَلَبِ الْمَاءِ (غَرِيمًا يُلَازِمُهُ وَيَعْجَزُ عَنْ أَدَائِهِ) فَلَهُ التَّيَمُّمُ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى وَفَائِهِ حَالَ دَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِإِثْمِهِ بِالتَّأْخِيرِ إذَنْ.
(أَوْ خَافَتْ امْرَأَةٌ) بِطَلَبِ الْمَاءِ (فُسَّاقًا) يَفْجُرُونَ بِهَا، فَتَتَيَمَّمُ، (بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ فِي طَلَبِهِ) إذَنْ؛؛ لِأَنَّهَا تُعَرِّضُ نَفْسَهَا لِلْفَسَادِ، وَمِثْلُهَا الْأَمْرَدُ.
(وَلَوْ كَانَ خَوْفُهُ بِسَبَبِ ظَنِّهِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ السَّبَبِ، مِثْلَ مَنْ رَأَى سَوَادًا بِاللَّيْلِ ظَنَّهُ عَدُوًّا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ بَعْدَ أَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى لَمْ يُعِدْ) لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِهِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَإِنَّهَا نَادِرَةٌ فِي نَفْسِهَا وَهِيَ بِذَلِكَ أَنْدَرُ (يَلْزَمُهُ) أَيْ: عَادِمَ الْمَاءِ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ (شِرَاءُ الْمَاءِ) الَّذِي يَحْتَاجُهُ لَهَا (بِثَمَنِ مِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَوْ مِثْلِهَا) أَيْ: مِثْلِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ (غَالِبًا) ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاءُ سُتْرَةِ عَوْرَتِهِ لِلصَّلَاةِ فَكَذَا هُنَا.
(وَ) يَلْزَمُهُ أَيْضًا شِرَاؤُهُ بِ (زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ) عُرْفًا؛ لِأَنَّ ضَرَرَهَا يَسِيرٌ وَقَدْ اُغْتُفِرَ الْيَسِيرُ فِي النَّفْسِ (كَضَرَرٍ يَسِيرٍ فِي بَدَنِهِ مِنْ صُدَاعٍ أَوْ بَرْدٍ) فَهُنَا أَوْلَى وَ (لَا) يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ (بِثَمَنٍ يَعْجَزُ عَنْهُ) وَيَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الثَّمَنِ يُبِيحُ الِانْتِقَالَ إلَى الْبَدَلِ، كَالْعَجْزِ عَنْ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ بِثَمَنٍ (يَحْتَاجُهُ لِنَفَقَةٍ وَنَحْوِهَا) كَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَمُؤْنَةِ سَفَرِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ مِنْ مُؤْنَةٍ وَكِسْوَةٍ وَغَيْرِهَا (وَحَبْلٍ وَدَلْوٍ كَمَا) يَلْزَمُ شِرَاؤُهُمَا بِثَمَنِ مَالٍ أَوْ أَزْيَدَ يَسِيرًا، إذَا احْتَاجَ إلَيْهِمَا.
وَ (يَلْزَمُهُ طَلَبُهُمَا) أَيْ: الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ، أَيْ: اسْتَعَارَتُهُمَا لِيُحَصِّلَ بِهِمَا الْمَاءَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (وَ) يَلْزَمُهُ (قَبُولُهُمَا) أَيْ الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ (عَارِيَّةً) لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِي ذَلِكَ يَسِيرَةٌ.
(وَإِنْ قَدَرَ عَلَى) اسْتِخْرَاجِ (مَاءِ بِئْرٍ بِثَوْبِهِ، يَبُلُّهُ ثُمَّ يَعْصِرُهُ لَزِمَهُ) ذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَاءِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ حَبْلًا وَدَلْوًا (إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ) الَّذِي يَسْتَخْرِجُهُ فِي مَكَانِهِ فَإِنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، كَشِرَائِهِ (وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمَاءِ قَرْضًا وَكَذَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (ثَمَنِهِ) قَرْضًا (وَلَهُ مَا يُوَفِّيهِ) مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِي ذَلِكَ يَسِيرَةٌ وَ (لَا) يَلْزَمُهُ (اقْتِرَاضُ ثَمَنِهِ) أَيْ الْمَاءِ لِلْمِنَّةِ (وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمَاءِ) إذَا بُذِلَ لَهُ (هِبَةً) لِسُهُولَةِ الْمِنَّةِ فِيهِ لِعَدَمِ تَمَوُّلِهِ عَادَةً.
وَ (لَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (ثَمَنِهِ) هِبَةً لِلْمِنَّةِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ (شِرَاؤُهُ) أَيْ الْمَاءِ (بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ) وَلَوْ قَدَرَ عَلَى أَدَائِهِ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَرُبَّمَا تَلِفَ مَالُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، وَكَالْهَدْيِ وَقَالَ الْقَاضِي يَلْزَمُهُ كَالرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ بِخِلَافِ الْمُكَفِّرِ.
(فَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا وَنَحْوِهِ) بِأَنْ كَانَ بِهِ قُرْحٌ (وَتَضَرَّرَ) بِغَسْلِهِ وَمَسْحِهِ بِالْمَاءِ (تَيَمَّمَ لَهُ) أَيْ لِلْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَ) يَتَيَمَّمُ أَيْضًا (لِمَا يَتَضَرَّرُ بِغَسْلِهِ مِمَّا قَرُبَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي الْحُكْمِ.
(فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ضَبْطِهِ) أَيْ: ضَبْطِ الْجَرِيحِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ مِمَّا يَتَضَرَّرُ بِغَسْلِهِ (لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ إنْ قَدَرَ) عَلَى الِاسْتِنَابَةِ، بِأَنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ وَأُجْرَتَهُ إنْ طَلَبَهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ (كَفَاهُ التَّيَمُّمُ) فَيُصَلِّي بِهِ وَلَا إعَادَةَ
(فَإِنْ أَمْكَنَ مَسْحُهُ) أَيْ: الْجُرْحِ وَنَحْوِهِ (بِالْمَاءِ وَجَبَ) الْمَسْحُ (وَأَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ مَأْمُورٌ بِهِ وَالْمَسْحُ بَعْضُهُ فَوَجَبَ كَمَنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ نَجِسًا، فَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَتَيَمَّمُ، وَلَا يَمْسَحُ ثُمَّ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَعْفُوًّا عَنْهَا أُلْغِيَتْ، وَاكْتَفَى بِنِيَّةِ الْحَدَثِ، وَإِلَّا نَوَى الْحَدَثَ وَالنَّجَاسَةَ إنْ شُرِطَتْ فِيهَا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَزِمَهُ مُرَاعَاةُ تَرْتِيبٍ، وَمُوَالَاةٍ فِي وُضُوءٍ لَا غُسْلٍ فَيَتَيَمَّمُ لَهُ) أَيْ: لِلْجُرْحِ (عِنْدَ غُسْلِهِ، لَوْ كَانَ صَحِيحًا) ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يُعْطَى حُكْمَ مُبْدَلِهِ (فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي الْوَجْهِ قَدْ اسْتَوْعَبَهُ) وَأَرَادَ الْوُضُوءَ (لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ أَوَّلًا) لِقِيَامِهِ مَقَامَ غَسْلِ الْوَجْهِ (ثُمَّ يُتَمِّمُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (فِي بَعْضِ الْوَجْهِ خُيِّرَ بَيْنَ غَسْلِ الصَّحِيحِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْوَجْهِ.
(ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ) أَوَّلًا (ثُمَّ يَغْسِلُ صَحِيحَ وَجْهِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعُضْوَ الْوَاحِدَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَرْتِيبٌ (ثُمَّ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي عُضْوٍ آخَرَ) غَيْرِ الْوَجْهِ (لَزِمَهُ غَسْلُ مَا قَبْلَهُ) مُرَتَّبًا (ثُمَّ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ) أَيْ: الْجَرِيحِ (عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ) فَإِنْ اسْتَوْعَبَهُ عبه الْجُرْحُ تَيَمَّمَ بَعْدَ غَسْلِ مَا قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ خُيِّرَ بَعْدَ غَسْلِهِ قَبْلَهُ بَيْنَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِلْجُرْحِ ثُمَّ، يَغْسِلَ الْبَاقِيَ، أَوْ يَغْسِلَ الصَّحِيحَ ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِلْجُرْحِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ احْتَاجَ فِي كُلِّ عُضْوٍ إلَى تَيَمُّمٍ فِي مَحَلِّ غُسْلِهِ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ) وَلَوْ غَسَلَ صَحِيحَ وَجْهِهِ ثُمَّ تَيَمَّمَ لِجَرِيحِهِ وَجَرِيحِ يَدَيْهِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، فَيَفُوتُ التَّرْتِيبُ، لَا يُقَالُ: يَبْطُلُ هَذَا بِالتَّيَمُّمِ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ حَيْثُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ جُمْلَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ فَالْحُكْمُ لَهُ دُونَهَا وَإِنْ كَانَ عَنْ بَعْضِهَا نَابَ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَنُوبُ عَنْهُ مِنْ التَّرْتِيبِ.
(وَيَبْطُلُ وُضُوءُهُ وَتَيَمُّمُهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ) فَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ فِي رِجْلِهِ فَتَيَمَّمَ لَهُ عِنْدَ غَسْلِهَا، ثُمَّ بَعْدَ زَمَنٍ لَا تُمْكِنُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ وَبَطَلَتْ طَهَارَتُهُ بِالْمَاءِ أَيْضًا؛ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ فَيُعِيدُ غَسْلَ الصَّحِيحِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ عَقِبَهُ (وَلَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ بِالْمَاءِ إنْ كَانَ غُسْلًا لِجَنَابَةٍ وَنَحْوِهَا) كَحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ (بِخُرُوجِهِ) أَيْ: الْوَقْتِ (بَلْ) يَبْطُلُ (التَّيَمُّمُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ.
(وَإِنْ وَجَدَ مَا يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ جُنُبًا كَانَ أَوْ مُحْدِثًا، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الشَّرْطِ، فَلَزِمَهُ كَالسُّتْرَةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَيَمَّمَ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] فَاعْتُبِرَ اسْتِعْمَالُهُ أَوَّلًا؛ لِيَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْمَاءِ وَلِيَتَمَيَّزَ الْمَغْسُولُ عَنْ غَيْرِهِ لِيُعْلَمَ مَا يُتَيَمَّمُ لَهُ وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ وَجَدَ مَاءً طَهُورًا يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَإِنْ وَجَدَ تُرَابًا لَا يَكْفِيهِ لِلتَّيَمُّمِ اسْتَعْمَلَهُ وَصَلَّى) قُلْتُ: وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ عَلَى مَا يَأْتِي وَظَاهِرُهُ: وَلَا إعَادَةَ وَفِي الرِّعَايَةِ: ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ إنْ وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَاب.
(وَمَنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ وَالْمَاءُ يَكْفِي أَحَدَهُمَا، غَسَلَ النَّجَاسَةَ، ثُمَّ تَيَمَّمَ مِنْ الْحَدَثِ وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بُقْعَتِهِ فَكَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلٍّ يَصِحُّ تَطْهِيرِهِ مِنْ الْحَدَثِ فَيَسْتَعْمِلُهُ) أَيْ: الْمَاءَ (فِيهِ عَنْهُمَا) أَيْ: عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ قَالَهُ الْمَجْدُ قُلْتُ: وَهَذَا وَاضِحٌ، إنْ كَانَ الْحَدَثُ أَكْبَرَ، فَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ فَعَلَى كَلَامِهِمْ، لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فَإِنْ كَانَ لَا يَبْقَى لِلنَّجَاسَةِ مَا يُزِيلُهَا بَعْدَ مُرَاعَاتِهِ قَدَّمَهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (وَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِ النَّجَاسَةِ) تَحْقِيقًا لِشَرْطِهِ (وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي ثَوْبِهِ) أَوْ بُقْعَتِهِ (غَسَلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ تَيَمَّمَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ عَدِمَ الْمَاءَ وَظَنَّ وُجُودَهُ]
فَصْلٌ (وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَظَنَّ وُجُودَهُ) لَزِمَهُ طَلَبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] وَلَا يُقَالُ: لَمْ يَجِدْ إلَّا لِمَنْ طَلَبَ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ إلَيْهِ قَبْلَ طَلَبِ الْمُبْدَلِ، كَالصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ التَّرْتِيبِ (أَوْ شَكَّ) أَيْ: تَرَدَّدَ فِي وُجُودِ الْمَاءِ (وَلَمْ يَتَحَقَّقْ عَدَمَهُ) وَلَوْ ظَنَّ عَدَمَ وُجُودِهِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (لَزِمَهُ طَلَبُهُ) أَيْ: (فِي رَحْلِهِ) أَيْ: مَا يَسْكُنُهُ وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنْ الْأَثَاثِ (وَمَا قَرُبَ مِنْهُ عُرْفًا)