كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 115-154
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قَالَا وَلَهُ الْفَسْخُ وَاللَّامُ لِلْإِبَاحَةِ وَهُوَ عِبَارَةُ الْمُبْدِعِ.
وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ يَقُولُ لَا يَفْسَخُ وَيَنْتَظِرُ الْبُلُوغَ أَوْ الْإِفَاقَةَ فَلَا يُنَافِي الْوُجُوبَ وَنَظِيرُهُ فِي كَلَامِهِمْ وَمِنْهُ مَا فِي الْفُرُوعِ فِي الْوَقْفِ فِي بَيْعِ النَّاظِرِ لَهُ (وَلَا لِوَلِيِّ كَبِيرَةٍ تَزْوِيجُهَا بِمَعِيبٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ إذَا عَلِمَتْ بِهِ) أَيْ: الْعَيْبَ (بَعْدَ الْعَقْدِ) فَالِامْتِنَاعُ أَوْلَى (فَإِنْ اخْتَارَتْ) كَبِيرَةٌ (نِكَاحَ مَجْبُوبٍ أَوْ) نِكَاحَ (عِنِّينٍ لَمْ يَمْلِكْ وَلِيُّهَا الَّذِي يَعْقِدُ نِكَاحَهَا مَنْعَهَا) لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْوَطْءِ لَهَا، وَالضَّرَرُ مُخْتَصٌّ بِهَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُزَوِّجهَا بِعِنِّينٍ وَإِنْ رَضِيَتْ السَّاعَةَ تَكْرَه إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِنَّ النِّكَاحَ، وَيُعْجِبُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْجِبُنَا (وَإِنْ اخْتَارَتْ نِكَاحَ مَجْنُونٍ أَوْ مَجْذُومٍ أَوْ أَبْرَصَ؛ فَلَهُ مَنْعُهَا) لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا دَائِمًا وَعَارًا عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلهَا كَمَنْعِهَا مِنْ التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ كُفْءٍ.
(وَإِنْ عَلِمَتْ بِالْعَيْبِ) الَّذِي تَمْلِكُ بِهِ الْفَسْخَ (بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ حَدَثَ بِهِ) أَيْ: بِالزَّوْجِ الْعَيْبُ بَعْدَ الْعَقْدِ (لَمْ يَمْلِكْ الْوَلِيُّ إجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي النِّكَاحِ لَا فِي دَوَامِهِ) لِأَنَّهَا لَوْ دَعَتْ وَلِيَّهَا أَنْ يُزَوِّجهَا بِعَبْدٍ لَمْ يَلْزَمهُ إجَابَتُهَا وَلَوْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ.

[بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

ِ (حُكْمُهُ حُكْمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ النِّسَاءَ إلَيْهِمْ فَقَالَ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4] وَقَالَ ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: 9] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ» (فِيمَا يَجِبُ بِهِ) مِنْ مَهْرٍ وَقَسَمٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَأْتِي.
(وَ) فِي (تَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ) السَّابِقِ تَفْصِيلُهُنَّ، لِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعَ.
(وَ) فِي (وُقُوعِ الطَّلَاقِ) وَالْخُلْعُ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْمُسْلِمِ (و) وَفِي صِحَّةِ (الظِّهَارِ) فَإِذَا ظَاهَرَ كَافِرٌ مِنْ زَوْجَتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَا وَقَدْ وَطِئَهَا، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ.
(وَ) فِي صِحَّةِ (الْإِيلَاءِ)

فَإِذَا آلَى الْكَافِرُ مِنْ زَوْجَتِهِ فَحُكْمُهُ كَالْمُسْلِمِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ، لِتَنَاوُلِ عُمُومِ آيَةِ الظِّهَارِ، وَالْإِيلَاءُ لَهُمْ (وَفِي وُجُوبِ الْمَهْرِ وَالْقَسَمِ) لِمَا تَقَدَّمَ، (و) فِي (الْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ) إذَا كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَكَانَ الثَّانِي وَطِئَهَا لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] . (وَ) فِي (الْإِحْصَانِ) إذَا وَطِئَهَا وَهُمَا حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْحُدُودِ (وَغَيْرُ ذَلِكَ) كَوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَلُزُومِ مَا يَلْزَم مِنْ الشُّرُوطِ وَالْفَسْخِ لِنَحْوِ عُنَّةٍ أَوْ إعْسَارٍ بِوَاجِبِ نَفَقَةٍ، (فَإِذَا طَلَّقَ الْكَافِرُ) امْرَأَتَهُ الْكَافِرَةَ (ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَا، لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثًا لَمْ يُصِبْهَا زَوْجٌ غَيْره، (وَإِنْ طَلَّقَ) الْكَافِرُ امْرَأَتَهُ (أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ثُمَّ) أَعَادَهَا وَ (أَسْلَمَا فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا) سَوَاءٌ أَعَادَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ أَوْ بَعْدَهُ، كَمَا يَأْتِي فِي الْمُسْلِمِ.
(وَإِنْ نَكَحَهَا) أَيْ: الْكَافِرَةَ الزَّوْجُ (الثَّانِي وَأَصَابَهَا حَلَّتْ لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُطَلِّقُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ ظَاهَرَ الذِّمِّيُّ مِنْ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ) بِالْوَطْءِ فِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ لَيْسَتْ قَيْدًا.

(وَنُقِرّهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارَ (عَلَى فَاسِدِ نِكَاحِهِمْ، وَإِنْ خَالَفَ أَنْكِحَةَ الْمُسْلِمِينَ إذَا اعْتَقَدُوهُ فِي دِينهمْ) نِكَاحًا.
(وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إلَيْنَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: 42] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يُخِلُّونَ أَحْكَامَهُمْ إذَا لَمْ يَجِيئُوا إلَيْنَا، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِمْ فِي أَنْكِحَتِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ نِكَاحَ مَحَارِمِهِمْ وَمَا لَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِهِمْ فَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ (فَإِنْ أَتَوْنَا قَبْلَ عَقْدِهِ) أَيْ النِّكَاحَ (عَقَدْنَاهُ عَلَى حُكْمِنَا) بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ وَإِيجَابٍ وَقَبُولِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] . (وَإِنْ أَتَوْنَا مُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمِينَ بَعْدَهُ) أَيْ الْعَقْدَ (لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ) لِأَنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ وَلَمْ يَكْشِفْ

عَنْ كَيْفِيَّتِهَا، فَأَوْلَى إذَا ارْتَفَعُوا إلَيْنَا مِنْ غَيْرِ إسْلَامٍ (وَلَا نَعْتَبِرُ لَهُ) أَيْ لِنِكَاحِهِمْ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ (شُرُوطُ أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ، وَصِفَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ) مِمَّا تَقَدَّمَ، لِمَا سَبَقَ (لَكِنْ لَا نُقِرُّهُمْ عَلَى نِكَاحٍ مُحَرَّمٍ فِي الْحَالِ) أَيْ حَالَ التَّرَافُعِ إلَيْنَا مُسْلِمِينَ أَوْ لَا (كَالْمُحَرَّمَاتِ بِالنَّسَبِ) كَأَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ أُخْتُهُ أَوْ بِنْتُهَا أَوْ بِنْتُ أَخِيهِ (أَوْ السَّبَبُ) كَأَنْ تَكُونَ تَحْتَهُ أُمُّ زَوْجَتِهِ أَوْ زَوْجَةُ أَبِيهِ أَوْ ابْنُهُ أَوْ أُخْتُهُ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِ وَلَوْ بِشُبْهَةٍ أَوْزِنَا (وَكَالْمُعْتَدَّةِ) مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ تَفْرُغْ عِدَّتُهَا (و) كَ (الْمُرْتَدَّةِ) لِأَنَّهَا لَا تُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهَا (وَ) كَ (الْمَجُوسِيَّةِ) إذَا أَسْلَمَ زَوْجُهَا لَا يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا.
(وَ) كَ (الْحُبْلَى مِنْ الزِّنَا) إذَا تَرَافَعَا إلَيْنَا قَبْلَ أَنْ تَلِدَ أَوْ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ (وَ) كَ (الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا) فَلَا يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا إذَا أَسْلَمَ أَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا (أَوْ) كَانَ النِّكَاحُ (شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ مَتَى شَاءَ أَوْ) شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ (إلَى مُدَّةٍ هُمَا فِيهَا) حَيْثُ قُلْنَا بِفَسَادِهِ مِنْ الْمُسْلِم كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تَيْمِيَّةَ وَصَاحِبُ التَّنْقِيحِ لِأَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّهُ لَا يَدُومُ بَيْنَهُمَا وَالْمَذْهَبُ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ فَاسِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَعِبَارَتُهُ كَالْمُنْتَهَى مُوهِمَةٌ، وَسَبَقَهُمَا الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ إلَيْهَا (وَنَحْوُهُ) كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا إلَى مُدَّةٍ وَهُوَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ فَإِذَا أَسْلَمَا لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّهُ لَا يَدُومُ بَيْنَهُمَا (بَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فَإِنْ كَانَ) . التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمْ (قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ) لَهَا لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْعَقْدِ إذَنْ (وَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الدُّخُولِ (فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ) لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ وَالِاعْتِقَادِ (وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تُبَاحُ إذَنْ) أَيْ حَالَ التَّرَافُعِ أَوْ الْإِسْلَامِ (كَعَقْدِهِ) عَلَيْهَا (فِي عِدَّةٍ) وَلَمْ يَتَرَافَعَا أَوْ يُسْلِمَا حَتَّى (فَرَغَتْ) الْعِدَّةُ (أَوْ) عَقَدَهُ (بِلَا وَلِيٍّ أَوْ بِلَا شُهُودٍ وَصِيغَةٍ) أَيْ: إيجَابٌ وَقَبُولُ (أَوْ تَزْوِيجِهَا عَلَى أُخْتٍ) لَهَا وَ (مَاتَتْ) أُخْتُهَا (بَعْد عَقْدِهِ وَقَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالتَّرَافُعِ أُقِرَّا) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ رَضَاعٌ.
(وَإِنْ قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً فَوَطِئَهَا أَوْ طَاوَعَتْهُ وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا أُقِرَّا) عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمَا لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لَهُ اعْتِقَادُهُ الْحِلُّ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ (وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدَاهُ نِكَاحًا لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَنْكِحَتِهِمْ، وَكَذَا ذِمِّيٌّ) يَعْنِي قَهَرَ حَرْبِيَّةً وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا أُقِرَّا عَلَيْهِ أَوْ طَاوَعَتْهُ عَلَى الْوَطْءِ وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا أُقِرَّا عَلَيْهِ وَأَمَّا قَهْرُ الذِّمِّيَّةِ فَلَا يَتَأَتَّى لِعِصْمَتِهَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ قَهَرَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً لَمْ يُقَرَّ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ وَصَرَّحَ

بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبُلْغَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ أَنَّهُمْ كَأَهْلِ الْحَرْبِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا أَشَرْتَ إلَيْهِ أَوَّلًا فَلَا تَعَارُضَ (وَمَتَى كَانَ الْمَهْرُ صَحِيحًا) اسْتَقَرَّ (أَوْ) كَانَ الْمَهْرُ (فَاسِدًا) كَخَمْرِ أَوْ خِنْزِيرٍ (وَقَبَضَتْهُ اسْتَقَرَّ) لِأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِمَا فَعَلُوهُ وَيُؤَكِّدهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 275] وَلِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْمَقْبُوضِ بِإِبْطَالِهِ يَشُقُّ لِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ وَكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي الْحَرَامِ وَلِأَنَّ فِي التَّعَرُّضِ لَهُمْ تَنْفِيرًا لَهُمْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَعَفَى عَنْهُ كَمَا عَفَى عَمَّا تَرَكُوهُ مِنْ الْفَرَائِضِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَهْرُ (صَحِيحًا وَلَمْ تَقْبِضهُ أَخَذَتْهُ) لِوُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ (وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ) الْمَهْرَ الْفَاسِدَ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ فَإِذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ مُسْلِمَةً فَكَذَا الْكَافِرَةُ وَلِأَنَّ الْخَمْرَ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ (أَوْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا مَهْرٌ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ) لِأَنَّهُ نِكَاحٌ خَلَا عَنْ تَسْمِيَةٍ فَوَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ كَالْمُسْلِمَةِ.
(وَلَوْ أَسْلَمَا وَالْمَهْرُ خَمْرٌ قَدْ قَبَضَتْهُ فَانْقَلَبَ) الْخَمْرُ (خَلًّا وَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ بِنِصْفِهِ) أَيْ نِصْفِ الْخَلِّ لِأَنَّهُ عَيْنُ الصَّدَاقِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (وَلَوْ تَلِفَ الْخَلُّ ثُمَّ طَلَّقَ) قَبْلَ الدُّخُولِ (رَجَعَ بِمِثْلِ نِصْفِهِ) لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ.
(وَإِنْ قَبَضَتْ الزَّوْجَةُ بَعْضَ الْحَرَامِ) كَالْخَمْرِ إذَا قَبَضَتْ مِنْهُ بَعْضَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَوْ التَّرَافُعِ إلَيْنَا اسْتَقَرَّ مَا قَبَضَتْهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَ (وَجَبَ) لَهَا (مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ) لِاسْتِقْرَارِ مَا قَبَضَتْهُ وَإِلْغَاءِ مَا لَمْ تَقْبِضْهُ.
(وَتُعْتَبَرُ الْحِصَّةُ فِيمَا يَدْخُلُهُ كَيْلٌ) بِالْكَيْلِ (أَوْ) يَدْخُلُهُ (وَزْنٌ) بِالْوَزْنِ (أَوْ) يَدْخُلُهُ (عَدٌّ بِهِ) أَوْ ذَرْعٌ بِالذَّرْعِ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِيهِ كَذَلِكَ وَلَا قِيمَةَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ لِيُعْتَبَرَ بِهَا فَلَوْ أَصْدَقَهَا عَشْرَةَ خَنَازِيرَ فَقَبَضَتْ مِنْهَا خَمْسَةً وَجَبَ لَهَا قِسْطُ مَا بَقِيَ وَهُوَ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا فَاسْتَوَى كَبِيرُهَا وَصَغِيرُهَا.

[فَصْلٌ إذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا]

(فَصْلٌ وَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا بِأَنْ تَلَفَّظَا بِالْإِسْلَامِ دُفْعَةً وَاحِدَةً قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَدْخُلُ فِي الْمَعِيَّةِ لَوْ شُرِعَ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ الْأَوَّلُ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا اخْتِلَافُ دِينٍ (أَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ كِتَابِيَّةٍ) أَبَوَاهَا كِتَابِيَّانِ

(فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا) لِأَنَّ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ فَالِاسْتِمْرَارُ أَوْلَى (سَوَاءٌ كَانَ) ذَلِكَ (قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ) وَسَوَاءٌ كَانَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ أَوْ غَيْرُهُ (وَإِنْ أَسْلَمَتْ كِتَابِيَّةٌ) تَحْت كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ، (أَوْ) أَسْلَمَ (أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ غَيْرَ الْكِتَابِيَّيْنِ) كَالْمَجُوسِيِّينَ وَالْوَثَنِيَّيْنِ (قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] . إذْ لَا يَجُوزُ لِكَافِرٍ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِر أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلِأَنَّ دِينَهُمَا اخْتَلَفَ فَلَمْ يَجُزْ اسْتِمْرَارُهُ كَابْتِدَائِهِ وَتُعُجِّلَتْ الْفُرْقَةُ.
(وَلَا يَكُونُ) هَذَا الْفَسْخُ (طَلَاقًا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَسْخِ لِلْعَيْبِ وَكَالرِّدَّةِ فَلَوْ أَسْلَمَ الْآخَرُ ثُمَّ أَعَادَهَا فَهِيَ مَعَهُ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ (وَإِنْ سَبَقَتْهُ) بِالْإِسْلَامِ قَبْلَ الدُّخُولِ (فَلَا مَهْرَ) لَهَا لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا أَشْبَهُ مَا لَوْ ارْتَدَّتْ (وَإِنْ سَبَقَهَا) بِالْإِسْلَامِ قَبْلَ الدُّخُولِ (فَلَهَا نِصْفُهُ) لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ جِهَتِهِ أَشْبَهُ مَا لَوْ طَلَّقَهَا.
(وَإِنْ قَالَتْ سَبَقَنِي) وَفِي نُسَخٍ " سَبَقَتْنِي " بِالْإِسْلَامِ فَلِي نِصْفُ الْمَهْرِ (فَقَالَ بَلْ أَنْتَ سَبَقْتِ) بِالْإِسْلَامِ فَلَا شَيْءَ لَكِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) لِأَنَّهَا تَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ وَهُوَ يَدَّعِي سُقُوطَهُ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
(وَإِنْ قَالَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (سَبَقَ أَحَدُنَا وَلَا نَعْلَمُ عَيْنَهُ فَلَهَا أَيْضًا نِصْفُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ سُقُوطِهِ (وَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ أَسْلَمْنَا مَعًا فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ وَأَنْكَرَتْهُ) فَقَالَتْ بَلْ سَبَقَ أَحَدُنَا بِالْإِسْلَامِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا إذْ يَبْعُدُ اتِّفَاقُ الْإِسْلَامِ مِنْهُمَا دُفْعَةً (وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (بَعْدَ الدُّخُولِ وُقِفَ الْأَمْرُ عَلَى فَرَاغِ الْعِدَّة، فَإِنْ أَسْلَمَ الْآخَرُ فِيهَا بَقِيَ النِّكَاحُ) لِمَا رَوَى ابْنُ شُبْرُمَةَ قَالَ «كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ قَبْلَهُ، فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّة فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا» وَرُوِيَ «أَنَّ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ كَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ صَفْوَانُ فَلَمْ يُفَرِّقْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ مِنْ شَهْرٍ رَوَاهُ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: شُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثُ أَقْوَى مِنْ إسْنَادِهِ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ " أَسْلَمَتْ أُمُّ حَكِيمٍ وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ إلَى الْيَمَنِ فَارْتَحَلَتْ إلَيْهِ وَدَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ،

وَقَدِمَ فَبَايَعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ وَزَوْجُهَا مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إلَّا أَنْ يَقْدُمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا " رَوَى ذَلِكَ مَالِكٌ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسْلِم الْآخَرُ فِي الْعِدَّة (تَبَيَّنَّا فَسْخُهُ مُنْذُ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ) لِأَنَّ سَبَبَ الْفُرْقَةِ اخْتِلَافُ الدِّينِ فَوَجَبَ أَنْ تُحْسَبَ الْفُرْقَةُ مِنْهُ كَالطَّلَاقِ.
(وَلَوْ وَطِئَ) فِي الْعِدَّةِ (مَعَ الْوَقْفِ) أَيْ وَقْفِ النِّكَاحِ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَخَلِّفِ وَلَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ فِي الْعِدَّةِ (فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطِئَ فِي غَيْرِ مِلْكٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ.
وَفِي الْمُبْدِعِ وَيُؤَدَّبُ (وَإِنْ أَسْلَمَ) الْآخَرُ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ الْوَطْءِ فَلَا مَهْرَ لِذَلِكَ الْوَطْءِ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي نِكَاحِهِ (وَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةُ إنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ) لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ بِسَبَبِهِ فَكَانَ لَهَا النَّفَقَةُ لِكَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَلَافِي نِكَاحِهَا كَالرَّجْعِيَّةِ وَسَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا أَمْ لَا (وَلَا) نَفَقَةَ لَهَا لِلْعِدَّةِ إنْ أَسْلَمَتْ (بَعْدَهُ) لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى تَلَافِي نِكَاحِهَا فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ وَلَمْ تُسْلِمْ هِيَ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ) مِنْهُمَا بِأَنْ ادَّعَتْ سَبْقَهُ لِتَجِبَ لَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ فَأَنْكَرَهَا فَقَوْلُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ وَهُوَ يَدَّعِي سُقُوطَهَا (أَوْ جُهِلَ الْأَمْرُ) فَلَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا السَّابِقُ (فَقَوْلُهَا) يَعْنِي فَتَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُهَا فَلَا تَسْقُطُ بِالشَّكِّ.
(وَإِنْ قَالَ) الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ (أَسْلَمْتِ بَعْدَ شَهْرَيْنِ مِنْ إسْلَامِي فَلَا نَفَقَةَ لَكِ فِيهِمَا فَقَالَتْ) بَلْ أَسْلَمْتُ (بَعْدَ شَهْرٍ) فَلِي نَفَقَةُ الشَّهْرِ الْآخَرِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِمَّا تَدَّعِيهِ وَاسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ (وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهَا أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ وَقَالَتْ أَسْلَمْتُ فِي الْعِدَّةِ وَقَالَ بَلْ) أَسْلَمْتِ (بَعْدَهَا فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إسْلَامِهَا فِي الْعِدَّةِ (وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ وَقَدْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ (أَسْلَمْتُ فِي عِدَّتِك فَالنِّكَاحُ بَاقٍ وَقَالَتْ بَلْ) أَسْلَمْتَ (بَعْدَ انْقِضَائِهَا) فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءَ النِّكَاحِ (وَيَجِبُ الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءً كَانَتْ هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ أَوْ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءٍ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَا إذَا كَانَ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا.
(وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا اتَّفَقَتْ الدَّارَانِ أَوْ اخْتَلَفَتَا) أَيْ فَلَا فَرْقَ بَيْن كَوْنِهِمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْحَرْبِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَالْآخَرُ بِدَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَامْرَأَتُهُ بِمَكَّةَ لَمْ تُسْلِمْ وَهِيَ حِينَئِذٍ دَارُ حَرْبٍ وَلِأَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ وَزَوْجُهَا عِكْرِمَةُ قَدْ هَرَبَ إلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُتَخَلِّفُ وَأُقَرُّوا عَلَى أَنْكِحَتهمْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ

وَالدَّارِ فَلَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ كِتَابِيَّةً بِدَارٍ الْحَرْبِ صَحَّ نِكَاحُهُ لِأَنَّهُ يُبَاحُ نِكَاحُهَا إذَا كَانَتْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَأُبِيحَ نِكَاحُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْمُسْلِمَةِ.

[فَصْلٌ إنْ ارْتَدَّا الزَّوْجَانِ مَعًا انْفَسَخَ النِّكَاحُ]

(فَصْلٌ وَإِنْ ارْتَدَّا) أَيْ الزَّوْجَانِ (مَعًا فَلَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) لِأَنَّ الِارْتِدَادَ اخْتِلَافُ دِينٍ وَقَعَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ فَوَجَبَ انْفِسَاخُ النِّكَاحِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ تَحْتَ كَافِرٍ (أَوْ) ارْتَدَّ (أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] وَلِأَنَّهُ اخْتِلَافُ دِينٍ يَمْنَعُ الْإِصَابَةَ فَأَوْجَبَ النِّكَاحَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ تَحْتَ كَافِرٍ (وَيَسْقُطُ الْمَهْرُ بِرِدَّتِهَا) لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا.
(وَ) يَسْقُطُ الْمَهْرُ أَيْضًا (بِرِدَّتِهِمَا مَعًا) لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا، (وَيَتَنَصَّفُ) الصَّدَاقُ (بِرِدَّتِهِ) وَحْدَهُ، لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُول، (وَإِنْ كَانَتْ) الرِّدَّةُ (بَعْدَ الدُّخُولِ وُقِفَتْ الْفُرْقَةُ عَلَى الْعِدَّةِ) . فَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ لِلْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، وَإِلَّا تَبَيَّنَّا فَسْخَهُ مِنْ الرِّدَّة كَإِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِخِلَافِ الرَّضَاعِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَأْخِيرِ الْفَسْخِ حَتَّى تَنْقَضِي الْعِدَّةُ، (وَيُمْنَعُ) الزَّوْجُ (مِنْ وَطْئِهَا) إذَا ارْتَدَّ أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَتْ حَالَةُ الْحَظْرِ بِحَالَةِ الْإِبَاحَةِ فَغُلِّبَ الْحَظْرُ احْتِيَاطًا.
(وَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِرِدَّتِهَا) لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى تَلَافِي نِكَاحِهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ كَمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ وَ (لَا) تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا (بِرِدَّتِهِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنهُ تَلَافِي نِكَاحَهَا بِإِسْلَامِهِ، فَهُوَ كَزَوْجِ الرَّجْعِيَّة وَ (لَا) تَسْقُط نَفَقَتُهَا أَيْضًا (بِرِدَّتِهِمَا مَعًا) لِأَنَّ الْمَانِعَ لَمْ يَتَمَحَّضْ مِنْ جِهَتهَا (وَإِنْ) ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُول أَوْ هُمَا وَوُقِفَ الْأَمْرُ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَ (وَطِئَهَا مَعَ الْوَقْفِ أُدِّبَ) لِفِعْلِهِ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ.
(وَوَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِهَذَا الْوَطْءِ إنْ ثَبَتَ عَلَى الرِّدَّةِ) إنْ كَانَتْ مِنْهُمَا (أَوْ ثَبَتَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا) عَلَى رِدَّتِهِ (حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ مُنْذُ الرِّدَّةِ وَأَنَّ الْوَطْءَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ، لَكِنْ لَهُ شُبْهَةُ تَدْرَأُ

الْحَدَّ فَوَجَبَ لَهَا مَهْرٌ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا (وَيَسْقُطُ) مَهْرُ الْوَطْءِ حَالَ الْوَقْفِ (إنْ أَسْلَمَا) قَبْلَ انْقِضَائِهَا.
(وَ) أَسْلَمَ (الْمُرْتَدُّ) مِنْهُمَا (قَبْلَ انْقِضَائِهَا) أَيْ الْعِدَّةِ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطْءَ فِي زَوْجَتِهِ (وَيَجِبُ لَهَا الْمُسَمَّى) لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعُقْدَةِ وَاسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ فَلَمْ يَسْقُطْ بَعْدُ سَوَاءٌ كَانَتْ الرِّدَّةُ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا أَوْ مِنْهُمَا فَتُطَالِبُ بِهِ (إنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْهُ) لِاسْتِقْرَارِهِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا حَالَ الْوَقْفِ فَإِنْ أَسْلَمَا أَوْ الْمُرْتَدُّ فِي الْعِدَّةِ: وَقَعَ الطَّلَاقُ.
وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ انْتَقَلَا) أَيْ الزَّوْجَانِ الْكَافِرَانِ (أَوْ) انْتَقَلَ (أَحَدُهُمَا إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ) كَالْيَهُودِيِّ يَتَنَصَّرُ أَوْ النَّصْرَانِيّ يَتَهَوَّدُ فَكَالرِّدَّةِ (أَوْ تَمَجَّسَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْكِتَابِيَّيْنِ فَكَالرِّدَّةِ) فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَتَوَقَّفُ بَعْدَهُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ إلَى دِينٍ بَاطِلٍ قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهِ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ كَالْمُرْتَدِّ وَكَذَا حُكْمُ كِتَابِيَّةٍ تَحْتَ مُسْلِمٍ إذَا تَمَجَّسَتْ أَوْ نَحْوَهُ.

[فَصْلٌ أَسْلَمَ حُرٌّ وَتَحْتَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ]

فَصْلٌ وَإِنْ أَسْلَمَ حُرٌّ وَتَحْتَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهِنَّ (أَوْ) لَمْ يُسْلِمْنَ وَ (كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ أَمْسَكَ أَرْبَعًا) مِنْهُنَّ وَلَيْسَ لَهُ إمْسَاكُهُنَّ كُلُّهُنَّ لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ «أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ بْنُ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيّ «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا (وَلَوْ كَانَ مُحْرِمًا) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ وَتَعْيِينٌ لِلْمَنْكُوحَةِ فَصَحَّ مِنْ الْمُحْرِمِ كَالرَّجْعَةِ بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ.
وَلَهُ الِاخْتِيَارُ (وَلَوْ مِنْ مِئَاتٍ) لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الِاخْتِيَارِ بِحَالِ ثُبُوتِهِ وَهُوَ وَقْتُ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ كُنَّ أَحْيَاءٌ وَقْتَهُ (وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ) أَيْ بَاقِيهِنَّ (إنْ كَانَ) الزَّوْجُ (مُكَلَّفًا، سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَوَّلُ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ أَوْ آخِرُهُنَّ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِأَنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا وَلَوْ كَانَ جُنُونُهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ (وُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يُكَلَّفَ وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الِاخْتِيَارُ) لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الشَّهْوَةِ فَلَا تَدْخُلهُ الْوِلَايَةُ (وَعَلَيْهِ)

أَيْ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ (النَّفَقَةُ) لِجَمِيعِهِنَّ (إلَى أَنْ يَخْتَارَ) مِنْهُنَّ أَرْبَعًا لِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٍ لِأَجْلِهِ وَهُنَّ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ.
(وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ لَمْ يَقُمْ وَارِثُهُ مَقَامَهُ) فِي الِاخْتِيَارِ وَيَأْتِي حُكْمُ الْعِدَّةِ وَالْإِرْثِ (وَإِنْ أَسْلَمَ الْبَعْضُ) مِنْ الزَّوْجَاتِ (وَلَيْسَ الْبَوَاقِي كِتَابِيَّاتٍ إمْسَاكًا وَفَسْخًا فِي مُسْلِمَةٍ خَاصَّةٍ) إنْ زَادَتْ الْمُسْلِمَاتُ عَلَى أَرْبَعَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَاحِدَةً مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْنَ لِعَدَمِ حِلِّهَا لَهُ.
(وَلَهُ) أَيْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَ فَأَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ وَبَقِيَ الْبَعْضُ (تَعْجِيلُ إمْسَاكٍ مُطْلَقًا وَ) لَهُ (تَأْخِيرٌ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْبَقِيَّةِ أَوْ يُسْلِمْنَ) فَمَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانُ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ خَمْسٌ فَلَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ، وَلَهُ الِاخْتِيَارُ إلَى أَنْ يُسْلِمَ الْبَوَاقِي أَوْ تَنْقَضِي عِدَّتُهُنَّ.
(وَصِفَةُ الِاخْتِيَارِ: اخْتَرْتُ نِكَاحَ هَؤُلَاءِ، أَوْ اخْتَرْتُ هَؤُلَاءِ أَوْ أَمْسَكَتْهُنَّ أَوْ اخْتَرْتُ حَبْسَهُنَّ أَوْ) اخْتَرْتُ (إمْسَاكَهُنَّ أَوْ) اخْتَرْتُ (نِكَاحَهُنَّ أَوْ أَمْسَكَتْ نِكَاحَهُنَّ أَوْ ثَبَتَ نِكَاحُهُنَّ أَوْ ثَبَّتُّهُنَّ أَوْ أَمْسَكْتُ هَؤُلَاءِ أَوْ تَرَكْتُ هَؤُلَاءِ أَوْ اخْتَرْتُ هَذِهِ لِلْفَسْخِ أَوْ) اخْتَرْتُهَا (لِلْإِمْسَاكِ وَنَحْوَهُ) كَأَبْقَيْتُ هَذِهِ وَبَاعَدْتُ هَذِهِ.
(وَإِنْ قَالَ لِمَنْ زَادَ عَلَى أَرْبَعَ: فَسَخْتُ نِكَاحَهُنَّ كَانَ اخْتِيَارًا لِلْأَرْبَعِ) لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ (فَإِنْ قَالَ سَرَّحْتُ هَؤُلَاءِ أَوْ فَارَقْتُهُنَّ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا لَهُنَّ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ (وَلَا اخْتِيَارًا لِغَيْرِهِنَّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِيهِ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ) فَيَعْمَلُ بِمَا نَوَاهُ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ، وَالنِّيَّةُ مُعَيِّنَةٌ لِلْمَقْصُودِ (وَالْمَهْرُ لِمَنْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِالِاخْتِيَارِ إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ فَلَمْ يَسْقُطْ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا (فَلَهَا مَهْرُهَا) لِأَنَّ النِّكَاحَ ارْتَفَعَ مِنْ أَصْلِهِ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ ابْتِدَائِهِ وَاسْتِدَامَتِهِ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْفُرْقَةَ) بِشَرْطٍ.
(وَلَا) يَصِحُّ تَعْلِيقُ (الِاخْتِيَارِ بِشَرْطٍ) فَلَا يَصِحُّ: كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ فَلَقَدْ اخْتَرْتُهَا، أَوْ كُلُّ مَنْ دَخَلَتْ دَارَ فُلَانٍ فَقَدْ فَارَقْتُهَا وَنَحْوَهُ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ يُوجَدُ فِيمَنْ يُحِبُّهَا فَيُفْضِي إلَى تَنْفِيرِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ الْقُرْعَةُ فِيهِ فَإِنْ عَلَّقَ الْفَسْخَ بِشَرْطٍ وَأَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ.

(وَ) يَصِحُّ (فَسْخُ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ لَمْ يَتَقَدَّمهَا) أَيْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فَسْخَ نِكَاحِهَا (إسْلَامُ أَرْبَعٍ) قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَلَوْ اخْتَارَ أَوَّلًا فَسْخَ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ صَحَّ إنْ تَقَدَّمَهُ (إسْلَامُ أَرْبَعٍ) قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَلَوْ اخْتَارَ أَوَّلًا فَسْخَ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ صَحَّ إنْ تَقَدَّمَهُ إسْلَامُ أَرْبَعٍ سِوَاهَا وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: وَإِنْ اخْتَارَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَ، أَوْ اخْتَارَ تَرْكَ الْجَمِيع أُمِرَ بِطَلَاقِ أَرْبَعَ أَوْ تَمَامِ أَرْبَعَ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ زَوْجَاتٍ لَا يَبِنَّ مِنْهُ إلَّا بِطَلَاقٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.

(وَعِدَّةُ ذَوَاتِ الْفَسْخِ مِنْ مُنْذُ اخْتَارَ) لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ حَصَلَتْ بِهِ (وَفُرْقَتُهُنَّ فَسْخٌ) لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ طَلَاقِهِنَّ لَوْ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ بَعْدُ (وَعِدَّتُهُنَّ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ) لِأَنَّهُنَّ مُفَارِقَاتُ حَالَ الْحَيَاةِ (وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَى الْمُخْتَارَاتِ أَوْ بَانَتْ مِنْهُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ وَاحِدَةً مِنْ الْمُفَارَقَاتِ) لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا كَانَ لِعَارِضٍ وَقَدْ زَالَ.
(وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ) يَعْنِي أَنَّ الْفَسْخَ لَا يُحْتَسَبُ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ طَلَاقًا (وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ) مِنْ نِسَائِهِ مَا لِلْفَسْخِ وَمَا لِلْإِمْسَاكِ (أُجْبِرَ) عَلَى الِاخْتِيَارِ (بِحَبْسٍ ثُمَّ تَعْزِيرٍ) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ حَقٌّ عَلَيْهِ فَأُلْزِمَ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ إنْ امْتَنَعَ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَخْتَارَ عَنْهُ) كَمَا يُطَلِّقُ عَلَى الْمُولِي لِأَنَّ الْحَقَّ هُنَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ (وَلَهُنَّ النَّفَقَةُ حَتَّى يَخْتَارَ) لِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ لِأَجْلِهِ وَتَقَدَّمَ.
(فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً) مِنْهُنَّ اخْتَارَهَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي زَوْجَةٍ (أَوْ وَطِئَهَا فَقَدْ اخْتَارَهَا) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مِلْكٍ كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ.
(وَإِنْ وَطِئَ الْكُلَّ تَعَيَّنَ) الْأَرْبَعَ (الْأُوَلُ لَهُ) أَيْ لِلْإِمْسَاكِ وَمَا عَدَاهُنَّ تَعَيَّنَ لِلتَّرْكِ (وَإِنْ ظَاهَرَ) مِنْ وَاحِدَةٍ (أَوْ آلَى مِنْهَا أَوْ قَذَفَهَا لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارًا) لَهَا لِأَنَّ هَذِهِ كَمَا تَدُلُّ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَنْكُوحَةِ؛ تَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ تَرْكِهَا فَيَتَعَارَضُ الِاخْتِيَارُ وَعَدَمُهُ فَلَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا (فَإِنْ طَلَّقَ الْكُلَّ ثَلَاثًا أُخَرَ بِالْقُرْعَةِ أَرْبَعُ مِنْهُنَّ وَكُنَّ الْمُخْتَارَاتُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِنَّ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَ فَإِذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَى الْجَمِيعِ أُخْرِجَ الْأَرْبَعُ الْمُطَلَّقَاتُ بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ لَا بِعَيْنِهِنَّ.
(وَلَهُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْأَرْبَعِ) فَلَوْ كُنَّ ثَمَانِيًا فَكُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ فَلَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُفَارَقَاتِ.
(وَإِنْ مَاتَ) قَبْلَ الِاخْتِيَارِ (فَعَلَى الْجَمِيعِ أَطْوَلُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عِدَّةِ وَفَاةٍ أَوْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ إنْ كُنَّ مِمَّنْ يَحِضْنَ) لِتَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ بِيَقِينٍ لِأَنَّ عِدَّةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُخْتَارَةً أَوْ مُفَارَقَةً وَعِدَّةُ الْمُخْتَارَةِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَعِدَّةُ الْمُفَارَقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ فَأَوْجَبْنَا أَطْوَلَهُمَا (وَعِدَّةُ حَامِلٍ بِوَضْعِهِ) لِأَنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ عِدَّتُهَا.
(وَ) عِدَّةُ (صَغِيرَةٍ وَآيِسَةٍ بِعِدَّةِ وَفَاةٍ) لِأَنَّهَا أَطْوَلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ (وَالْمِيرَاثُ لِأَرْبَعَ) مِنْهُنَّ (بِقُرْعَةٍ) لِأَنَّ الْمِيرَاثَ بِالزَّوْجِيَّةِ وَلَا زَوْجِيَّةَ فِيهِمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ.
(وَإِنْ اخْتَرْنَ جَمِيعُهُنَّ الصُّلْحَ) وَكُنَّ مُكَلَّفَاتٍ رَشِيدَاتٍ (جَازَ كَيْفَ مَا اصْطَلَحْنَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُنَّ (وَمَنْ هَاجَرَ إلَيْنَا) مِنْ الزَّوْجَيْنِ (بِذِمَّةٍ مُؤَبَّدَةٍ أَوْ أَسْلَمَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (أَوْ أَسْلَمَ) أَحَدُهُمَا (وَالْآخَرُ بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ) بِاخْتِلَافِ الدَّارِ لِمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا اخْتِلَافُ الدِّينِ فَقَدْ مَضَى تَفْصِيلُهُ.

(وَإِنْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ وَلَهَا زَوْجَانِ أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ زَوْجَيْنِ (تَزَوَّجَاهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ أَحَدَهُمْ وَلَوْ أَسْلَمُوا مَعًا) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَحَلُّ وِفَاقٍ (وَإِنْ كَانَ) تَزْوِيجُهُمْ بِهَا (فِي عُقُودٍ فَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ وَمَا بَعْدَهُ بَاطِلٌ) .

(وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ أَوْ امْرَأَةٌ وَعَمَّتُهَا أَوْ) امْرَأَةٌ (وَخَالَتُهَا) وَنَحْوَهُ (اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً إنْ كَانَتَا كِتَابِيَّتَيْنِ أَوْ) كَانَتَا غَيْرُهُمَا كَمَجُوسِيَّتَيْنِ.
(وَأَسْلَمَتَا مَعَهُ أَوْ) أَسْلَمَتَا (بَعْدَهُ فِي الْعِدَّةِ إنْ كَانَتْ عِدَّةً) بِأَنْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا لِمَا رَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أُخْتَانِ فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُطَلِّقَ إحْدَاهُمَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.
وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ " اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتْ " وَلِأَنَّ الْمُبْقَاةَ امْرَأَةٌ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءً نِكَاحُهَا فَجَازَ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ كَغَيْرِهَا، وَلِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ وَإِنَّمَا حُرِّمَ الْجَمْعُ وَقَدْ أَزَالَهُ كَمَا لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ إحْدَاهُمَا وَلَا مَهْرَ لِغَيْرِ الْمُخْتَارَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا لِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ أَشْبَهَ تَزَوُّجَ الْمَجُوسِيِّ أُخْتَهُ (وَإِنْ كَانَتَا) أَيْ اللَّتَانِ تَحْتَ مَنْ أَسْلَمَ (أُمًّا وَبِنْتًا) أَسْلَمَتَا مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ (فَسَدَ نِكَاحُ الْأُمِّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] . وَهَذِهِ أُمُّ زَوْجَتِهِ فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَحْدَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا إذَا أَسْلَمَ فَإِذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا وَتَمَسَّكَ بِنِكَاحِهَا فَمِنْ بَابِ أَوْلَى وَيَبْقَى نِكَاحُ الْبِنْتِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِأُمِّهَا (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا) أَيْ بِالْأُمِّ وَالْبِنْتِ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا أَمَّا الْأُمُّ فَلِمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْبِنْتُ فَلِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ دَخَلَ بِأُمِّهَا (أَوْ) كَانَ دَخَلَ (بِالْأُمِّ) وَحْدَهَا (فَسَدَ نِكَاحُهَا) لِمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَتْ إحْدَاهُمَا وَحْدَهَا.
(وَإِنْ اخْتَارَ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا) كَالْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا (لَمْ يَطَأْهَا) أَيْ الْمُخْتَارَةِ (حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِهَا) وَنَحْوِهَا لِئَلَّا يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ نَحْوِ أُخْتَيْنِ (وَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَ) فَلَا يَجْمَعُ مَاءَهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ رَحِمِ أَرْبَعَ.

(فَإِنْ كُنَّ ثَمَانِيًا وَاخْتَارَ أَرْبَعًا وَفَارَقَ الْبَاقِيَاتِ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْ الْمُخْتَارَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ أَوْ يَمُتْنَ) يَعْنِي كُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُفَارَقَاتِ فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ (وَإِنْ كُنَّ خَمْسًا فَفَارَقَ إحْدَاهُنَّ) وَأَمْسَكَ أَرْبَعًا (فَلَهُ وَطْءُ ثَلَاثٍ مِنْ الْمُخْتَارَات وَلَا يَطَأُ الرَّابِعَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَةِ وَإِنْ كُنَّ سِتًّا فَفَارَقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُ وَطْءُ اثْنَتَيْنِ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ) وَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ إحْدَى الْمُفَارَقَتَيْنِ فَلَهُ وَطْءُ ثَالِثَةٍ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ (وَإِنْ كُنَّ سَبْعًا فَفَارَقَ ثَلَاثًا فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ فَقَطْ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ وَكُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُفَارَقَاتِ فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ وَإِنْ أَسْلَمَ) الزَّوْجُ (قَبْلَهُنَّ) أَيْ قَبْلَ إسْلَامِ مَنْ تَحْتَهُ وَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ (ثُمَّ طَلَّقَهُنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ ثُمَّ أَسْلَمْنَ بَعْدَهَا تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِنَّ) لِأَنَّهُنَّ قَدْ بِنَّ بِمُجَرَّدِ إسْلَامِهِ فَلَا يَلْحَقُهُنَّ طَلَاقُهُ.
(وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعَ مِنْهُنَّ) فِي الْحَالِ (وَإِنْ كَانَ وَطِئَهُنَّ) حَالَ الْوَقْفِ (تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطِئَ غَيْرَ نِسَائِهِ) فَيُؤَدَّبُ وَيَجِب لَهُنَّ مَهْرُ الْمِثْلِ حَيْثُ لَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ (وَإِنْ آلَى مِنْهُنَّ أَوْ ظَاهَرَ أَوْ قَذَفَ) هُنَّ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ (تَبَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ خَاطَبَ ذَلِكَ أَجْنَبِيَّةٍ) لِأَنَّهُنَّ قَدْ بِنَّ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ إسْلَامِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.

وَإِنْ أَسْلَمَ ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ أُمِرَ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ فَإِذَا اخْتَارَهُنَّ تَبَيَّنَّا أَنْ طَلَاقَهُ وَقَعَ بِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ وَيَعْتَدِدْنَ مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ وَبِأَنَّ الْبَوَاقِيَ بِاخْتِيَارِهِ لِغَيْرِهِنَّ وَلَا يَقَعُ بِهِنَّ طَلَاقُهُ وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُطَلَّقَاتٍ وَالْفَرْقُ بَيْن هَذِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا طَلَّقَهُنَّ بَعْدَ إسْلَامِهِنَّ لِأَنَّ طَلَاقَهُنَّ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ فِي زَمَنٍ لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِيهِ فَإِذَا أَسْلَمْنَ تَجَدَّدَ لَهُ الِاخْتِيَارُ حِينَئِذٍ وَبَعْدَ إسْلَامِهِنَّ طَلَّقَهُنَّ وَلَهُ الِاخْتِيَارُ وَيَصِحُّ طَلَاقُهُ اخْتِيَارًا وَقَدْ أَوْقَعَهُ فِي الْجَمْعِ وَلَيْسَ بَعْضُهُنَّ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ فَصِرْنَا إلَى الْقُرْعَةِ لِتَسَاوِي الْحُقُوقِ.
(فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّهَا زَوْجَةٌ فَوَقَعَ طَلَاقُهُ بِهَا وَكَانَ وَطْؤُهُ لَهَا) أَيْ: وَطْؤُهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ (وَطْءٌ لِمُطَلَّقَتِهِ) فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا كَانَ رَجْعَةً وَإِنْ كَانَ بَائِنًا فَوَطْؤُهُ شُبْهَةٌ يَجِبُ لَهَا بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
(وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ الْمَوْطُوءَةِ (فَوَطْؤُهُ لَهَا وَطْءٌ لِامْرَأَتِهِ) لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِهِ (وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وَطْؤُهُ لَهَا قَبْلَ طَلَاقِهَا) فَهُوَ وَطْءٌ لِامْرَأَتِهِ لَا شَيْءَ بِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ) أَسْلَمَ قَبْلَهُنَّ ثُمَّ (طَلَّقَ الْجَمِيعَ) قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ (فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ أَوْ) أَسْلَمَ (أَقَلُّ) مِنْ أَرْبَعٍ (فِي عِدَّتِهِنَّ وَلَمْ يُسْلِمْ الْبَوَاقِي تَعَيَّنَتْ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْمُسْلِمَاتِ) لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَتَجَاوَزْنَ أَرْبَعًا (وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِنَّ) لِأَنَّهُنَّ مَحَلٌّ لَهُ (فَإِنْ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي) بَعْدَ عِدَّتِهِنَّ (فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّج مِنْهُنَّ) إلَى أَرْبَعٍ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يُطَلَّقْنَ مِنْهُ.

[فَصْلٌ أَسْلَمَ حُرّ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ]

فَصْلٌ وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ أَكْثَر مِنْ أَرْبَعٍ أَوْ أَقَلُّ (فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ) أَسْلَمْنَ (فِي الْعِدَّةِ) إنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ

(وَكَانَ فِي حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَام مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ) بِأَنْ كَانَ عَادِمَ الطَّوْل خَائِفَ الْعَنَت (اخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً إنْ كَانَتْ تُعِفُّهُ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُعِفُّهُ الْوَاحِدَةُ (اخْتَارَ مَنْ تُعِفُّهُ) مِنْ اثْنَتَيْنِ (إلَى أَرْبَعٍ) لِأَنَّهَا نِهَايَةُ الْجَمْعِ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ حَالَ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِمْ (فَسَدَ نِكَاحُهُنَّ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا حَالَ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَمْلِكْ اخْتِيَارَهَا كَالْمُعْتَدَّةِ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ إلَّا بَعْدَ الْعِدَّةِ انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ وَإِنْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٌ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ) الزَّوْجُ (وَهُوَ مُوسِرٌ) أَوْ غَيْرَ خَائِفِ الْعَنَتِ (فَلَمْ يُسْلِمْنَ) أَيْ: الْإِمَاءِ (حَتَّى أَعْسَرَ) أَوْ خَافَ الْعَنَتَ (فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ) مَنْ تُعِفُّهُ لِأَنَّ شَرَائِطَ النِّكَاح إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ حَالُ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ (وَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ) خَائِفُ الْعَنَتِ (فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَيْسَرَ) أَوْ زَالَ خَوْفُ الْعَنَتِ (لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ) اعْتِبَارًا بِحَالِ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ وَهُوَ مُوسِرٌ أَوْ) أَسْلَمَ (بَعْضُهُنَّ وَهُوَ مُعْسِرٌ) خَائِفُ الْعَنَتِ (فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِمَّنْ اجْتَمَعَ إسْلَامُهُ وَإِسْلَامهُنَّ وَهُوَ مُعْسِرٌ) خَائِفٌ لِلْعَنَتِ لِأَنَّهُنَّ اجْتَمَعْنَ مَعَهُ فِي حَالٍ يَجُوزُ فِيهِ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهِنَّ (وَإِنْ) أَسْلَمَ ثُمَّ (أَسْلَمَتْ إحْدَاهُنَّ بَعْدَهُ ثُمَّ عَتَقَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَالُ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِمْ عَادِمَ الطَّوْلِ خَائِفَ الْعَنَتِ لِأَنَّ الْعِبْرَة بِحَالِ الِاخْتِيَار كَمَا تَقَدَّمَ وَحَالَةُ اجْتِمَاعِهِ مَعَهَا فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ أَمَةً فَلَمْ تَتَمَيَّز عَلَى الْبَوَاقِي.
(وَإِنْ) أَسْلَمَ ثُمَّ (عَتَقَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمْنَ) أَيْ: الْبَوَاقِي مِنْ الْإِمَاءِ تَعَيَّنَتْ الْأُولَى إنْ كَانَتْ تُعِفُّهُ (أَوْ) أَسْلَمَ ثُمَّ (عَتَقَتْ ثُمَّ أَسْلَمْنَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ) تَعَيَّنَتْ مَنْ عَتَقَتْ إنْ كَانَتْ تُعِفُّهُ (أَوْ عَتَقَتْ بَيْنَ إسْلَامِهَا وَإِسْلَامِهِ) كَأَنْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ عَتَقَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ (تَعَيَّنَتْ الْأُولَى) وَهِيَ الْعَتِيقَة (إنْ كَانَتْ تُعِفُّهُ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِعِصْمَةِ حُرَّةٍ تُعِفُّهُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهَا وَإِسْلَامِهِ فَلَمْ تُبَحْ لَهُ الْإِمَاءُ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تُعِفُّهُ الْعَتِيقَةُ إذَنْ (اخْتَارَ مِنْ الْبَوَاقِي مَعَهَا مَنْ تُعِفُّهُ) مِنْ وَاحِدَة أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ لِوُجُودِ الْحَاجَةِ حَيْثُ كَانَ عَادِمَ الطَّوْلِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ) حُرٌّ (وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ فَأَسْلَمَتْ الْحُرَّةُ فِي عِدَّتِهَا قَبْلَهُنَّ) أَيْ: الْإِمَاءُ (أَوْ بَعْدَهُنَّ انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ وَتَعَيَّنَتْ الْحُرَّةُ إنْ كَانَتْ تُعِفُّهُ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْحُرَّةِ الَّتِي تُعِفُّهُ فَلَا يَخْتَارُ عَلَيْهَا أَمَةً.
(هَذَا) الْحُكْمُ (إذَا لَمْ يَعْتِقْنَ ثُمَّ يُسْلِمْنَ فِي الْعِدَّة فَإِنْ أُعْتِقْنَ ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ فَحُكْمُهُنَّ كَالْحَرَائِرِ) فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَإِنْ عَتَقْنَ أَوْ بَعْضُهُنَّ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ لَمْ يُؤَثِّرْ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ثُبُوتِ الِاخْتِيَارِ بِحَالِ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ وَإِنْ أَسْلَمَتْ

الْحُرَّةُ مَعَهُ دُون الْإِمَاءِ ثَبَتَ نِكَاحُهَا وَانْقَطَعَتْ عِصْمَتُهُنَّ، وَابْتِدَاءُ عِدَّتِهِنَّ مُنْذُ أَسْلَمَ وَإِنْ أَسْلَمَ الْإِمَاءُ دُونَ الْحُرَّةِ وَلَمْ تُسْلِمْ الْحُرَّةُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَانَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّين، وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ بِشَرْطِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحُرَّةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْحُرَّةِ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ عَدَمَ إسْلَامِهَا فِي عِدَّتِهَا وَإِنْ طَلَّقَ الْحُرَّةُ ثَلَاثًا فِي عِدَّتِهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقِ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ.

(وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدٌ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ) أَسْلَمْنَ (فِي الْعِدَّةِ) بَعْد الدُّخُولِ (ثُمَّ عَتَقَ أَوَّلًا) أَيْ أَوْ لَمْ يُعْتَقْ (اخْتَارَ) الْعَبْدُ مِنْ الْإِمَاءِ (اثْنَتَيْنِ) لِأَنَّهُ حَالُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ كَانَ عَبْدًا يَجُوزُ لَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْإِمَاءِ، وَالثِّنْتَانِ نِهَايَةُ جَمْعِهِ (فَإِنْ أَسْلَمَ) الْعَبْدُ (وَعَتَقَ ثُمَّ أَسْلَمْنَ) فِي الْعِدَّةِ اخْتَارَ مَا يُعِفُّهُ إلَى أَرْبَعٍ بِشَرْطِهِ (أَوْ أَسْلَمْنَ ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ أَسْلَمَ اخْتَارَ مَا يُعِفُّهُ إلَى أَرْبَعٍ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَادِمَ الطَّوْلِ خَائِفَ الْعَنَتِ لِأَنَّهُ فِي حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ حُرًّا فَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْحُرِّ وَيَثْبُتُ لَهُ مَا يَثْبُتُ لِلْحُرِّ (وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ) أَيْ: الْعَبْدُ (أَحْرَارًا فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ) أَوْ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهِنَّ اخْتَارَ مِنْهُنَّ اثْنَتَيْنِ وَ (لَمْ يَكُنْ لِلْحُرَّةِ) الَّتِي يُمْسِكُهَا (خِيَارُ الْفَسْخِ) لِأَنَّهُنَّ رَضِينَ بِهِ عَبْدًا كَافِرًا فَعَبْدًا مُسْلِمًا أَوْلَى.

[كِتَابُ الصَّدَاقِ]

ِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا وَيُقَالُ: صَدُقَة بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّ الدَّالِ وَصُدْقَة وَصَدْقَة بِسُكُونِ الدَّالِ فِيهِمَا مَعَ ضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِهَا وَلَهُ أَسْمَاءُ الصَّدَاقِ وَالصَّدْقَةِ وَالْمَهْرِ وَالنِّحْلَةِ وَالْفَرِيضَةِ وَالْأَجْرِ وَالْعَلَائِقِ وَالْعَقْرِ وَالْحِبَاءِ وَقَدْ نَظَمْتُ مِنْهَا ثَمَانِيَةً فِي بَيْتٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: صَدَاقٌ مَهْرٌ وَنِحْلَةٌ وَفَرِيضَةٌ ... حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عَلَائِقُ يُقَالُ أَصَدَقْت الْمَرْأَةَ وَمَهَرْتهَا وَلَا يُقَالُ أَمْهَرْتهَا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالنِّهَايَةِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَسَتَقِفُ عَلَى أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّتِهِ.
(وَهُوَ) أَيْ الصَّدَاقُ (الْعِوَضُ فِي النِّكَاحِ) سَوَاءٌ سُمِّيَ فِي الْعَقْدِ أَوْ فُرِضَ بَعْدَهُ بِتَرَاضِيهِمَا أَوْ الْحَاكِمِ (وَنَحْوَهُ) أَيْ: نَحْوَ النِّكَاحِ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ وَالزِّنَا بِأَمَةٍ أَوْ مُكْرَهَةٍ (وَيُسَنُّ تَخْفِيفُهُ) أَيْ: الصَّدَاقُ لِقَوْلِهِ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِيهِ ضَعْفٌ.
    وَقَالَ عُمَرُ " لَا تَغْلُو فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى فِي الْآخِرَة كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ.

(وَ) تُسَنُّ (تَسْمِيَتُهُ فِي الْعَقْدِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُزَوِّجُ وَيَتَزَوَّجُ وَلَمْ يَكُنْ يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ صَدَاقٍ مَعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ وَقَالَ لِلَّذِي زَوَّجَهُ الْمَوْهُوبَةَ: «هَلْ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا قَالَ لَا قَالَ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» وَلِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ.

(وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَرْبَعمِائَةٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ) أَيْ: أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ صَدَاقَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَزْوَاجِهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ» . (وَإِنْ زَادَ) الصَّدَاق عَلَى ذَلِكَ (فَلَا بَأْسَ) لِمَا رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ فَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَلَوْ كُرِهَ ذَلِكَ لَأَنْكَرَهُ.

(وَيُكْرَهُ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ فِيهِ قَالَهُ فِي التَّبْصِرَةِ) لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى التَّنَازُعِ فِي فَرْضِهِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ) خُرُوجًا مِنْ خِلَاف مَنْ قَدَّرَ أَقَلَّهُ بِذَلِكَ (وَكَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ) لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.

(وَكُلُّ مَا صَحَّ ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً صَحَّ مَهْرًا وَإِنْ قَلَّ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْطَى امْرَأَةً صَدَاقًا مِلْءَ يَدِهِ طَعَامًا كَانَتْ لَهُ حَلَالًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ.
وَرَوَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَضِيَتْ مِنْ مَالِكِ وَنَفْسِكِ بِنَعْلَيْنِ: قَالَتْ نَعَمْ: فَأَجَازَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ثُمَّ بَيَّنَ مَا صَحَّ ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً بِقَوْلِهِ (مِنْ عَيْنٍ وَدَيْنٍ وَمُعَجَّلٍ وَمُؤَجَّلٍ وَمَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ كَرِعَايَةِ غَنَمِهَا مُدَّةٍ) مَعْلُومَةٍ (وَخِيَاطَةِ ثَوْبِهَا وَرَدِّ آبِقهَا مِنْ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ) .

وَمَنَافِعُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ شُعَيْبٍ مَعَ مُوسَى ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْحُرِّ يَجُوزُ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهَا فِي الْإِجَارَةِ فَجَازَتْ صَدَاقًا

كَمَنْفَعَةِ الْعَبْدِ وَمَنْ قَالَ لَيْسَتْ مَالًا مَمْنُوعًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهَا وَبِهَا ثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ مَالًا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْمَالِ (فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ أُجْرَةِ ذَلِكَ) النَّفْعُ الَّذِي جَعَلَهُ صَدَاقًا لَهَا.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْمَنْفَعَةُ الَّتِي جَعَلَهَا صَدَاقًا لَهَا (مَجْهُولَةً كَرَدِّ آبِقِهَا أَيْنَ كَانَ وَخِدْمَتُهَا فِيمَا شَاءَتْ شَهْرًا لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ صَدَاقًا لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَصِحّ مَجْهُولًا كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِهِ) الْمَعْلُومَةِ (أَوْ) عَلَى (مَنَافِعِ غَيْرِهِ الْمَعْلُومَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَحَّ) بِدَلِيلِ قِصَّةِ مُوسَى وَقِيَاسًا عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَبْدِ.
(وَيَصِحُّ) أَنْ يَتَزَوَّجهَا (عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ) كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ (مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ) فَإِنْ تَلِفَ الثَّوْبُ قَبْلَ خِيَاطَتِهِ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ عَبْدِهَا صِنَاعَةً فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ خِيَاطَتِهِ مَعَ بَقَائِهِ فَمَاتَ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ مَنْ يَخِيطُهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ خِيَاطَتِهِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ فَعَلَيْهِ خِيَاطَةُ نِصْفِهِ إنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ نِصْفَهُ، وَإِلَّا فَنِصْفُ الْأُجْرَةِ إلَى أَنْ يُبَدِّلَ خِيَاطَةَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ خَاطَ النِّصْفَ يَقِينًا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْح انْتَهَى.
(وَ) يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَتَزَوَّجهَا عَلَى (دَيْنٍ سَلَمٍ أَوْ غَيْرِهِ وَعَلَى غَيْرِ مَقْدُورٍ لَهُ كَآبِقٍ وَمُغْتَصَبٍ يُحَصِّلهُمَا وَمَبِيعٍ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ نَصًّا وَلَوْ مَكِيلًا وَنَحْوَهُ) كَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَيْسَ رُكْنًا فِي النِّكَاحِ فَاغْتُفِرَ الْجَهْلُ الْيَسِيرُ وَالْغَرَرُ الَّذِي يُرْجَى زَوَالُهُ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالِاسْتِمْتَاعُ.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الزَّوْجِ (تَحْصِيلُهُ) أَيْ: الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ تَحْصِيلُهُ (فَ) عَلَيْهِ (قِيمَتُهُ) لِمَحَلِّ الْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَلَهَا مِثْلُهُ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَيْهِ.
(وَ) يَصِحُّ أَنْ يَتَزَوَّجهَا (عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا عَبْدَ زَيْدٍ) لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْلُومٌ (أَوْ) أَنْ يَتَزَوَّجهَا عَلَى أَنْ يُعْتِقَ أَبَاهَا أَوْ عِتْقَ قِنٍّ لَهُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى لِأَنَّ بَذْلَ الْعِوَضِ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ جَائِزٌ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ شِرَاؤُهُ أَوْ طَلَب) رَبُّهُ (بِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَلَهَا قِيمَتُهُ) لِأَنَّهُ عِوَضُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ فَرَجَعَ إلَى قِيمَتِهِ كَمَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ فَاسْتَحَقَّ (فَإِنْ جَاءَهَا بِقِيمَتِهِ مَعَ إمْكَانِ شِرَائِهِ لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ) لِأَنَّهُ يَفُوتُ عَلَيْهَا الْغَرَضَ فِي عِتْقِهِ.
(وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا تَصِحُّ فِيهِ التَّسْمِيَةُ أَوْ خَلَا الْعَقْدُ عَنْ ذِكْرِهِ حَتَّى فِي التَّفْوِيض وَيَأْتِيَ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُسَلَّمُ إلَّا بِبَدَلٍ وَلَمْ يُسَلَّمْ الْبَدَلُ وَتَعَذَّرَ رَدُّ الْعِوَضِ فَوَجَبَ بَدَلُهُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِخَمْرٍ فَتَلِفَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي.
(وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ أَبْوَابِ فِقْهٍ أَوْ) أَبْوَابِ (حَدِيثٍ أَوْ) تَعْلِيمَ (شَيْءٍ مِنْ شِعْرٍ مُبَاحٍ أَوْ أَدَبٍ أَوْ صَنْعَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ مَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ وَهُوَ مُعَيَّنٌ صَحَّ) لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا كَمَنَافِعِ الدَّارِ (حَتَّى وَلَوْ كَانَ لَا يَحْفَظُهُ وَيَتَعَلَّمُهُ ثُمَّ يُعَلِّمُهَا) لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ تَعَلَّمَتْهُ) أَيْ تَعَلَّمَتْ مَا أَصْدَقَهَا تَعْلِيمُهُ مِنْ غَيْرِهِ لَزِمَتْهُ أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ (أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَعْلِيمُهَا) بِأَنْ أَصْدَقَهَا خِيَاطَةً فَتَعَذَّرَ (لَزِمَتْهُ أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ) لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ بِالْوَاجِبِ؛ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى بَدَلِهِ.
(وَإِنْ عَلَّمَهَا) مَا أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَهُ (ثُمَّ نَسِيَتْهَا) أَيْ: الصَّنْعَةَ الَّتِي عَلَّمَهَا إيَّاهَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهَا.
(وَإِنْ لَقَّنَهَا الْجَمِيعَ وَكُلَّمَا لَقَّنَهَا شَيْئًا نَسِيَتْهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ تَعْلِيمًا) لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَعُدُّهُ تَعْلِيمًا (وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ عَلَّمَهَا وَادَّعَتْ أَنَّ غَيْرَهُ عَلَّمَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
(وَإِنْ جَاءَتْهُ بِغَيْرِهَا لِيُعَلِّمَهُ مَا كَانَ يُرِيدُ يُعَلِّمُهَا) لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي عَيْنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إيقَاعُهُ فِي غَيْرِهَا كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَتْهُ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ فَأَتَتْهُ بِغَيْرِهِ وَلِأَنَّ الْمُتَعَلِّمِينَ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّعْلِيمِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (أَوْ أَتَاهَا بِغَيْرِهِ يُعَلِّمُهَا لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ) لِأَنَّ الْمُعَلِّمِينَ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّعْلِيمِ وَقَدْ يَكُونُ لَهَا غَرَضٌ فِي التَّعْلِيمِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ زَوْجُهَا.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُول وَقَبْلَ تَعْلِيمهَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْأُجْرَةِ) أَيْ: نِصْفُ أُجْرَةِ مِثْلِ تَعْلِيمِ مَا أَصْدَقَهَا تَعْلِيمهُ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ فَلَا يُؤْمَنُ فِي تَعْلِيمهَا الْفِتْنَةُ.
(وَ) عَلَيْهِ بِطَلَاقِهَا قَبْلَ التَّعْلِيم وَبَعْد (الدُّخُولِ كُلِّهَا) أَيْ: كُلِّ الْأُجْرَةِ لِاسْتِقْرَارِ مَا أَصْدَقَهَا بِالدُّخُولِ (وَإِنْ كَانَ) طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (بَعْدَ تَعْلِيمِهِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْأُجْرَةِ) لِأَنَّ الطَّلَاق قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ نِصْفَ الصَّدَاقِ وَالرُّجُوعُ بِنِصْفِ التَّعْلِيمِ مُتَعَذَّرٌ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى بَدَلِهِ وَهُوَ الْأُجْرَةُ (وَلَوْ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتهَا) قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ التَّعْلِيمِ (رَجَعَ عَلَيْهَا بِالْأُجْرَةِ كَامِلَةً) لِتَعَذُّرِ الرُّجُوعِ بِالتَّعْلِيمِ.
(وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ يَصِحَّ) الْإِصْدَاقُ لِأَنَّ الْفُرُوجَ لَا تُسْتَبَاحُ إلَّا بِالْمَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24] ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: 25] وَالطَّوْلُ الْمَالُ وَلِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآن قُرْبَةٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ صَدَاقًا كَالصَّوْمِ.
وَحَدِيثُ الْمَوْهُوبَةِ قِيلَ مَعْنَاهُ زَوَّجْتُكَهَا لِأَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ كَمَا زَوَّجَ أَبَا طَلْحَةَ عَلَى إسْلَامِهِ فَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ أَتَى أُمِّ سُلَيْمٍ يَخْطُبُهَا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ فَقَالَتْ: أَتَزَوَّجُكَ وَأَنْتَ تَعْبُدُ خَشَبَةً نَحَتَهَا عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ إنْ أَسْلَمْتَ تَزَوَّجْتُ بِكَ قَالَ فَأَسْلَمَ

أَبُو طَلْحَة فَتَزَوَّجَهَا عَلَى إسْلَامِهِ " وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ذِكْرُ التَّعْلِيمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِذَلِكَ الرَّجُلِ وَيُؤَيِّدُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ زَوَّجَ غُلَامًا عَلَى سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ لَا تَكُونُ بَعْدَكَ مَهْرًا» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْبُخَارِيُّ (وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُمَا لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (كِتَابِيَّةً أَوْ) كَانَ (الْمُصْدِقُ كِتَابِيًّا لِأَنَّهُ) أَيْ: الْمَذْكُورَ مِنْ التَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ (مَنْسُوخٌ مُبَدَّلٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا مُحَرَّمًا) وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.

(وَإِذَا تَزَوَّجَ نِسَاءً بِمَهْرٍ وَاحِدٍ) صَحَّ وَقُسِّمَ بَيْنَهُنَّ عَلَى قَدْرِ مَهْرِ مِثْلِهِنَّ (أَوْ خَالَعَهُنَّ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ صَحَّ) لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي الْجُمْلَةِ مَعْلُومٌ فَلَمْ تُؤَثِّرْ جَهَالَةُ تَفْصِيلِهِ كَشِرَاءِ أَرْبَعَةِ أَعْبُدٍ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ (وَيُقَسَّمُ بَيْنَهُنَّ عَلَى قَدْرِ مُهُورِ مِثْلِهِنَّ) لِأَنَّ الصِّفَة إذَا وَقَعَتْ عَلَى شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةِ وَجَبَ تَقْسِيطُ الْعِوَضِ بَيْنَهُمَا بِالْقِيمَةِ كَمَا لَوْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا.
(وَلَوْ) تَزَوَّجَهُنَّ أَوْ خَالَعَهُنَّ عَلَى عِوَضٍ وَاحِدٍ وَ (قَالَ بَيْنَهُنَّ فَعَلَى عَدَدِهِنَّ) لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِنَّ إضَافَةً وَاحِدَةً فَكَانَ بَيْنهنَّ بِالسَّوِيَّةِ.

(فَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ بِصَدَاقٍ وَاحِدٍ فَنِكَاحُ إحْدَاهُمَا فَاسِدٌ لِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ فَلِمَنْ صَحَّ نِكَاحُهَا حِصَّتُهَا مِنْ الْمُسَمَّى) كَمَا لَوْ صَحَّ النِّكَاحَانِ (وَإِنْ جَمَعَ بَيْن نِكَاحٍ وَبَيْعٍ فَقَالَ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَبِعْتُك دَارِي هَذِهِ بِأَلْفٍ صَحَّ) كُلٌّ مِنْ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَتَقْسِيطِ الْأَلْفِ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَقِيمَةِ الدَّارِ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ (وَإِنْ قَالَ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَاشْتَرَيْتُ مِنْكَ عَبْدَكَ هَذَا بِأَلْفٍ فَقَالَ بِعْتُكَ وَقَبِلْتُ النِّكَاحَ صَحَّ وَيُقَسَّطُ الْأَلْفُ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَمَهْرِ مِثْلِهَا) كَاَلَّتِي قَبْلَهَا (فَإِنْ قَالَ زَوَّجْتُكَ) ابْنَتِي وَنَحْوَهَا (وَلَك هَذَا الْأَلْفُ بِأَلْفَيْنِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ كَمُدِّ عَجْوَةٍ) وَدِرْهَمٍ بِمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ لِأَنَّهُ بَيْعٌ رِبَوِيٌّ بِجِنْسِهِ وَمَعَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَانْظُرْ هَلْ يَبْطُلُ النِّكَاحُ أَوْ التَّسْمِيَةُ فَيَصِحُّ وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.

[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مَعْلُومًا]

(فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مَعْلُومًا كَالثَّمَنِ) لِأَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ فِي حَقِّ مُعَاوَضَةٍ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمَعْلُومِ مَجْهُولٌ لَا يَصِحُّ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ فَلَمْ تَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ كَالْمُحَرَّمِ (فَإِنْ أَصْدَقَهَا دَارًا غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ) لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) أَصْدَقَهَا (دَابَّةً) مُبْهَمَةً (أَوْ) أَصْدَقَهَا (عَبْدًا مُطْلَقًا) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ وَلَمْ يَصِفْهُ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ

عَبْدَيَّ لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) أَصْدَقَهَا (شَيْئًا مَعْلُومًا كَ) أَنْ يَتَزَوَّجهَا عَلَى (مَا يُثْمِرُ شَجَرُهُ وَنَحْوُهُ) كَاَلَّذِي يَكْتَسِبُهُ عَبْدُهُ (أَوْ) أَصْدَقَهَا (مَجْهُولًا كَمَتَاعِ بَيْتِهِ وَمَا يَحْكُمُ بِهِ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَوْ) مَا يَحْكُمُ بِهِ (زَيْدٌ أَوْ) أَصْدَقَهَا (مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ) كَالْحَشَرَاتِ (أَوْ) أَصْدَقَهَا (مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ وَمَا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً كَقِشْرَةِ جَوْزَةٍ وَحَبَّةٍ وَحِنْطَةٍ لَمْ يَصِحَّ) إلَّا صَدَاقٌ لِلْجَهَالَةِ أَوْ الْغَرَرِ أَوْ عَدَمِ التَّمْوِيلِ.
(وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ: الصَّدَاقُ (نِصْفٌ يَتَمَوَّلُ وَيُبْذَلُ الْعِوَضُ فِي مِثْلِهِ عُرْفًا) هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَتَبِعَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَالْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِعِوَضٍ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا يَبْقَى لِلْمَرْأَةِ فِيهِ إلَّا نِصْفُهُ فَيَجِبُ أَنْ يَبْقَى لَهَا مَالٌ تَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ هَذَا الشَّرْطَ وَكَذَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ حَتَّى بَالَغَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي ضِمْنِ كَلَامٍ لَهُ فَجَوَّزَ الصَّدَاقَ بِالْحَبَّةِ وَالثَّمَرَةِ الَّتِي يُنْبَذُ مِثْلُهَا وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ انْتَهَى، وَمَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ هُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ قَلَّ.
(وَالْمُرَادُ) بِوُجُوبِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفٌ يَتَمَوَّلُ (نِصْفَ الْقِيمَة لَا نِصْفَ عَيْنِ الصَّدَاقِ فَإِنَّهُ قَدْ يُصْدِقُهَا مَا لَا يَنْقَسِم كَعَبْدٍ وَلَوْ نَكَحَهَا عَلَى أَنْ يَحُجَّ بِهَا لَمْ تَصِحّ التَّسْمِيَةُ) لِأَنَّ الْحَمْلَانِ مَجْهُولٌ لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى حَدٍّ.
(وَلَا يَضُرُّ جَهْلٌ يَسِيرٌ وَلَا غَرَرَ يُرْجَى زَوَالُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ) مِنْ صِحَّةِ تَسْمِيَةِ الْآبِقِ وَالْمَغْصُوبِ وَدَيْنِ السَّلَمِ وَالْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَوْ مَكِيلًا وَنَحْوَهُ (وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ) صَحَّ (أَوْ) أَصْدَقَهَا (دَابَّةً مِنْ دَوَابِّهِ) يَعْنِي فَرَسًا مِنْ خَيْلِهِ أَوْ بَغْلًا مِنْ بِغَالِهِ أَوْ حِمَارًا مِنْ حَمِيرِهِ صَحَّ (أَوْ) أَصْدَقَهَا قَمِيصًا (مِنْ قُمْصَانِهِ وَنَحْوَهُ) كَخَاتَمٍ مِنْ خَوَاتِمِهِ (صَحَّ) ذَلِكَ (لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ يَسِيرَةٌ وَلَهَا أَحَدُهُمْ) يَخْرُجُ (بِقُرْعَةٍ نَصًّا) نَقَلَهُ مُهَنَّا لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقَهَا اسْتَحَقَّتْ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَوَجَبَتْ الْقُرْعَةُ لِتُمَيِّزَهُ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ.
(وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مَوْصُوفًا) بِذِمَّتِهِ (صَحَّ) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ وَالصِّفَةِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ التَّعْيِينِ فَجَازَ أَنْ يَكُون صَدَاقًا (فَإِنْ جَاءَهَا بِقِيمَتِهِ أَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا وَسَطًا ثُمَّ جَاءَهَا بِقِيمَتِهِ أَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى ذَلِكَ لِعَنَتِهِ فَجَاءَتْهُ بِقِيمَتِهِ لَمْ يَلْزَمهَا قَبُولٌ) لِأَنَّ الْعَبْدَ اُسْتُحِقَّ بِعَقْدٍ فَلَمْ يَلْزَمْهَا أَخْذُ قِيمَتِهِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ وَكَمَا لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا " تَنْبِيهٌ " قَالَ فِي الشَّرْحِ: الْوَسَطُ مِنْ الْعَبِيدِ السِّنْدِيِّ لِأَنَّ الْأَعْلَى التُّرْكِيّ وَالرُّومِيّ وَالْأَسْفَلُ الزِّنْجِيُّ وَالْحَبَشِيُّ وَالْوَسَطُ السِّنْدِيُّ وَالْمَنْصُورِيُّ (وَإِنْ أَصْدَقَهَا عِتْقَ أَمَتِهِ؛ صَحَّ)

لِأَنَّ لَهَا فِيهِ فَائِدَةً وَنَفْعًا لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ ثَوَابِ الْعِتْقِ.

(وَإِنْ أَصْدَقَهَا طَلَاقَ امْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى أَوْ أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهَا طَلَاقَ ضَرَّتِهَا إلَى سَنَةٍ) مَثَلًا (لَمْ يَصِحّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا» . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً بِطَلَاقِ أُخْرَى» وَ (كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) لِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ كَانَ أَبُوهَا حَيًّا وَأَلْفَيْنِ إنْ كَانَ) أَبُوهَا (مَيِّتًا لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي مَوْتِ أَبِيهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ وَرُبَّمَا كَانَتْ حَالَةُ الْأَبِ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ فَيَكُونُ مَجْهُولًا.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ) أَوْ سُرِّيَّةٌ (أَوْ إنْ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا وَ) عَلَى (أَلْفَيْنِ إنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ) أَوْ سَرِيَّةٌ (أَوْ إنْ أَخْرَجَهَا) مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدهَا (صَحَّ) لِأَنَّ خُلُوَّ الْمَرْأَةِ مِنْ ضَرَّةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ تُغَايِرُهَا وَتُضَيِّقُ عَلَيْهَا مِنْ أَكْبَرِ أَغْرَاضهَا الْمَقْصُودَةِ وَكَذَا إبْقَاؤُهَا فِي دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا بَيْنَ أَهْلِهَا وَفِي وَطَنِهَا وَلِذَلِكَ خُفِّفَ صَدَاقُهَا لِتَحْصِيلِ غَرَضِهَا وَتَغَلُّبِهِ عِنْدَ فَوَاتِهِ.
(وَإِذَا قَالَ) الْعَبْدُ (لِسَيِّدَتِهِ أَعْتِقِينِي عَلَى أَنْ أَتَزَوَّجَكِ فَأَعْتَقَتْهُ) عَتَقَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ (أَوْ قَالَتْ) لَهُ ابْتِدَاءً (أَعْتَقْتُكَ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ بِي عَتَقَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّهَا اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ شَرْطًا هُوَ حَقٌّ لَهُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ تَهَبَهُ دَنَانِيرَ فَيَقْبَلُهَا وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ الرَّجُلِ لَا عِوَضَ لَهُ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي فَأَعْتَقَهُ عَلَى ذَلِكَ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ بِعِتْقِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْقَائِلَ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، كَأَعْتَقَ عَبْدَكَ عَلَى أَنْ أَبِيعَكَ عَبْدِي (وَإِذَا فَرَضَ) أَيْ سَمَّى (الصَّدَاقَ) فِي الْعَقْدِ (وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَيَّدْ بِحُلُولٍ وَلَا تَأْجِيلٍ (صَحَّ وَيَكُونُ) الصَّدَاقُ (حَالًّا) لِأَنَّ الْأَصْل عَدَمُ الْأَجَلِ (وَإِنْ فَرَضَهُ) مُؤَجَّلًا (أَوْ) فَرَضَ (بَعْضَهُ مُؤَجَّلًا إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ أَوْ إلَى أَوْقَاتٍ كُلُّ جُزْءِ مِنْهُ إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ؛ صَحَّ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ كَالثَّمَنِ (وَهُوَ إلَى أَجَلِهِ) سَوَاءٌ فَارَقَهَا وَأَبْقَاهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُؤَجَّلَةِ.

(وَإِنْ أَجَّلَهُ) أَيْ: الصَّدَاقَ (أَوْ) أَجَّلَ (بَعْضَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَحَلَّ الْأَجَلِ صَحَّ نَصًّا وَمَحَلُّهُ الْفُرْقَةُ الْبَائِنَةُ فَلَا يَحِلُّ مَهْرُ الرَّجْعِيَّةِ إلَّا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا) قَالَ أَحْمَدُ إذَا تَزَوَّجَ عَلَى الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِمَوْتٍ أَوْ فُرْقَةٍ لِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مُطْلَقٍ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعُرْفُ فِي الصَّدَاقِ تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ بِهِ

إلَى حِينِ الْفُرْقَةِ بِالْمَوْتِ أَوْ الْبَيْنُونَةِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ مَعْلُومًا بِذَلِكَ فَإِنْ جَعَلَ أَجَلَهُ مُدَّةً مَجْهُولَةً كَقُدُومِ زَيْدٍ لَمْ يَصِحَّ التَّأْجِيلُ لِجَهَالَتِهِ وَإِنَّمَا صَحَّ الْمُطْلَقُ لِأَنَّ أَجَلَهُ الْفُرْقَةُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَقَدْ صُرِفَ هُنَا مِنْ الْعَادَةِ ذِكْرُ الْأَجَلِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ فَبَقِيَ مَجْهُولًا قَالَ فِي الشَّرْحِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ التَّسْمِيَةُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ التَّأْجِيلُ وَيَحِلُّ انْتَهَى قُلْتُ: الثَّانِي هُوَ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَبِيعِ.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَالٍ مَغْصُوبٍ]

(فَصْلٌ وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَالٍ مَغْصُوبٍ صَحَّ النِّكَاحُ) لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِوَضُهُ صَحِيحًا كَانَ صَحِيحًا فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ عِوَضُهُ فَاسِدًا، كَمَا لَوْ كَانَ مَجْهُولًا وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَبْطُلُ بِجَهَالَةِ الْعِوَض فَلَا يُفْسَدُ بِتَحْرِيمِهِ كَالْخُلْعِ وَلِأَنَّ فَسَادَ الْعِوَضِ لَا يَزِيدُ عَلَى عَدَمِهِ، وَلَوْ عَدِمَ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا فَكَذَا إذَا كَانَ فَاسِدًا (وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) لِأَنَّ فَسَادَ الْعِوَضِ يَقْتَضِي رَدَّ عِوَضِهِ وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلِأَنَّ مَا يُضْمَن بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَالْمَبِيعِ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ فَقُبِضَ الْمَبِيعُ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَظَنَّهُ مَمْلُوكًا لَهُ فَخَرَجَ حُرًّا) فَلَهَا قِيمَتُهُ (أَوْ) خَرَجَ (مَغْصُوبًا فَلَهَا قِيمَتُهُ يَوْمَ الْعَقْدِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى التَّسْمِيَةِ فَكَانَ لَهَا قِيمَتُهُ وَلِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِمَا سُمِّيَ لَهَا.
وَتَسْلِيمُهُ مُمْتَنِعٌ لِكَوْنِهِ غَيْرُ قَابِلٍ لِجَعْلِهِ صَدَاقًا فَوَجَبَ الِانْتِقَالُ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ وَلَا تَسْتَحِقُّ مَهْرَ الْمِثْلِ لِعَدَمِ رِضَاهَا بِهِ وَإِنْ أَصْدَقَهَا مِثْلِيًّا فَخَرَجَ مَغْصُوبًا فَلَهَا مِثْلُهُ (وَإِنْ وَجَدَتْ بِهِ) أَيْ: بِمَا أَصْدَقَهَا (عَيْبًا فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَأَخْذ أَرْشِهِ أَوْ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ) إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا (أَوْ مِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا كَمَبِيعٍ) لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَخُيِّرَتْ فِيهِ كَمَبِيعٍ وَكَذَا عِوَضُ الْخُلْعِ الْمُعَيَّنِ فَإِنْ تَعَيَّبَ أَيْضًا عِنْدَهَا خُيِّرَتْ بَيْن أَخْذِ أَرْشِهِ وَرَدِّهِ وَرَدِّ أَرْشِ عَيْبِهِ كَالْمَبِيعِ وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى نَحْوِ شَاةٍ فَوَجَدْتهَا مُصْرَاةٌ فَلَهَا رَدُّهَا وَتَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى قِيَاسِ الْبَيْعِ وَسَائِرِ فُرُوعِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالتَّدْلِيسِ تَثْبُتُ هُنَا لِأَنَّهُ عَقْدٌ مُعَاوَضَةٍ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ هَذَا مَعْنَى كَلَامُهُ فِي الشَّرْح (وَكَذَا إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ مُعَيَّنٍ وَشَرَطَ فِيهِ صِفَاتٍ فَبَانَ نَاقِصًا فَبَانَ صِفَةٌ شَرَطَتْهَا) فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ

مَعَ أَرْشِ فَقْدِ الصِّفَةِ وَبَيْن رَدِّهِ وَالطَّلَبِ بِقِيمَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يَكُنْ بِالصِّفَاتِ فَلَهُ بَدَلُهُ فَقَطْ (وَ) إنْ تَزَوَّجَهَا (عَلَى جَرَّةِ خَلٍّ فَخَرَجَتْ خَمْرًا أَوْ) خَرَجَ الْخَلُّ (مَغْصُوبًا فَلَهَا مِثْلُهُ) خَلًّا لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِهِ خَلًّا وَقَدْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ فَوَجَبَ مِثْلُهُ.
(وَ) إنْ تَزَوَّجَهَا (عَلَى هَذَا الْخَمْرِ وَأَشَارَ إلَى خَلٍّ أَوْ) عَلَى (عَبْدِ فُلَانٍ هَذَا) وَأَشَارَ إلَى عَبْدِهِ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ وَلَهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ لِأَنَّ التَّعْيِينَ أَقْوَى مِنْ التَّسْمِيَةِ فَقُدِّمَ عَلَيْهَا (كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُكِ هَذَا الْأَسْوَدَ وَأَشَارَ إلَى أَبْيَضَ أَوْ) بِعْتُكِ (هَذَا الطَّوِيلَ وَأَشَارَ إلَى قَصِيرٍ) فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ لِقُوَّةِ التَّعْيِينِ.
(وَ) إنْ تَزَوَّجَهَا (عَلَى عَبْدَيْنِ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا حُرًّا فَلَهَا الْحُرُّ وَتَأْخُذُ الرَّقِيقَ) وَكَذَا لَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا مَغْصُوبًا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) إنْ تَزَوَّجَهَا (عَلَى عَبْدٍ فَبَانَ نِصْفُهُ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا أَوْ) تَزَوَّجَهَا (عَلَى أَلْفِ ذِرَاعٍ فَأَتَتْ تِسْعَمِائَةٍ خُيِّرَتْ بَيْنَ أَخْذِهِ وَقِيمَةِ الْفَائِتِ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَةِ الْكُلِّ) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ (وَإِنْ) تَزَوَّجَهَا (عَلَى عَصِيرٍ فَبَانَ خَمْرًا فَلَهَا مِثْلُ الْعَصِيرِ) لِأَنَّهُ مِثْلُ وَالْمِثْلُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الْقِيمَةِ (فَإِنْ كَانَ) الْمِثْلُ (مَعْدُومًا فَقِيمَتُهُ) يَوْمَ إعْوَازِهِ كَبَدَلِ قَرْضٍ تَعَذَّرَ مِثْلُهُ.

[فَصْلٌ لِأَبِي الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَنْ يَشْتَرِطَ شَيْئًا مِنْ صَدَاقِهَا لِنَفْسِهِ]

(فَصْلٌ وَلِأَبِي الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَنْ يَشْتَرِطَ شَيْئًا مِنْ صَدَاقِهَا لِنَفْسِهِ) بَلْ يَصِحُّ (وَلَوْ) اشْتَرَطَ (الْكُلَّ) أَيْ: كُلَّ الصَّدَاقِ لِأَنَّ شُعَيْبًا زَوَّجَ مُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ابْنَتَهُ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمِهِ وَذَلِكَ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ وَلِأَنَّ لِلْوَالِدِ الْأَخْذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ فَإِذَا شَرَط شَيْئًا لِنَفْسِهِ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ صَحَّ (إذَا كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي الْهِبَةِ (وَيَكُونُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ مَالِهَا) فَتُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُهُ (فَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا صَحَّ) ذَلِكَ (وَكَانَا) أَيْ: الْأَلْفَانِ.
وَفِي نُسْخَةٍ وَكَانَ (جَمِيعًا مَهْرُهَا وَعَلَى أَنَّ الْكُلَّ لَهُ يَصِحُّ أَيْضًا) لِمَا تَقَدَّمَ وَكَانَ الْكُلُّ (مَهْرَهَا وَلَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ إلَّا بِالْقَبْضِ مَعَ النِّيَّةِ) لِتَمَلُّكِهِ كَسَائِرِ مَالِهَا (وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يُجْحِفَ بِمَالِ الْبِنْتِ قَالَهُ فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَمَنَعَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِأَنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ الْإِجْحَافَ لِعَدَمِ مِلْكِهَا فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَأَبِي الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ (فَإِنْ طَلَّقَهَا) الزَّوْجُ (قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ قَبْضِهِ) أَيْ: قَبَضَ الْأَبُ مَا شَرَطَهُ مِنْ صَدَاقِ ابْنَتِهِ بِنِيَّةِ التَّمَلُّكِ (رَجَعَ) الزَّوْجُ (عَلَيْهَا فِي الْأُولَى) وَهِيَ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا (بِأَلْفٍ) لِأَنَّهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ.
(وَ) يَرْجِعُ (فِي الثَّانِيَةِ بِقَدْرِ نِصْفِهِ) أَيْ: مَا شَرَطَهُ الْأَبُ صَدَاقًا لَهَا وَشَرَطَهُ لِنَفْسِهِ وَقَبَضَهُ بِنِيَّةِ التَّمَلُّكِ (وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ فِيمَا أَخَذَهُ) مِنْ نِصْفٍ أَوْ كُلٍّ (إنْ قَبَضَهُ بِنِيَّةِ التَّمَلُّكِ) لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ مَالِ ابْنَتِهِ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ كَسَائِرِ مَالِهَا.
(وَ) إنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ (قَبْلَ الْقَبْضِ) لِلصَّدَاقِ الْمُسَمَّى سَقَطَ عَنْ الزَّوْج نِصْفُ الْمُسَمَّى وَيَبْقَى النِّصْفُ لِلزَّوْجَةِ (يَأْخُذُ) الْأَبُ مِنْ النِّصْفِ (الْبَاقِي) لَهَا (مَا شَاءَ بِشَرْطِهِ) السَّابِقِ فِي بَابِ الْهِبَةِ.
(وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنْ اشْتِرَاطِ الصَّدَاقِ أَوْ بَعْضِهِ لَهُ (غَيْرُ الْأَبِ) كَالْجَدِّ وَالْأَخِ وَكَذَا أَبٌ لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ (صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ) وَلَغَا الشَّرْطُ (وَالْكُلُّ لَهَا) لِأَنَّ جَمِيعَ مَا اشْتَرَطَهُ عِوَضٌ فِي تَزْوِيجهَا فَيَكُونُ صَدَاقًا لَهَا، كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لَهَا وَلَيْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنٍ فَيَقَعُ الِاشْتِرَاطُ لَغْوًا.

(وَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَإِنْ كَرِهَتْ كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً) لِأَنَّ عُمَرَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ فَمَا أَصْدَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْ عَشَرَة أُوقِيَّةً وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَة وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ دُونَ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ النِّكَاحِ الْعِوَضَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ السَّكَنُ وَالِازْدِوَاجُ، وَوَضْعُ الْمَرْأَةِ فِي مَنْصِبٍ عِنْدَ مَنْ يَكْفِيهَا وَيَصُونُهَا وَالظَّاهِرُ مِنْ الْأَبِ مَعَ تَمَامِ شَفَقَتِهِ وَحُسْنِ نَظَرِهِ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُهَا مِنْ الصَّدَاقِ إلَّا لِتَحْصِيلِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ بِخِلَافِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْعِوَضُ لَا يُقَالُ كَيْفَ يَمْلِكُ الْأَبُ الثَّيِّبَ الْكَبِيرَةَ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا لِأَنَّ الْأَشْهَرَ أَنَّهُ يَتَصَوَّرُ بِأَنْ تَأْذَنَ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ دُونَ قَدْرِ الْمَهْرِ قَالَ فِي الْمُبْدِع: (وَلَيْسَ لَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةُ (إلَّا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ) فَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا تَتِمَّةَ مَهْرِ الْمِثْلِ إنْ زَوَّجَهَا الْأَبُ بِدُونِهِ وَقِيلَ يُتَمِّمُهُ الْأَبُ كَبَيْعِهِ مَا لَهَا بِدُونِ ثَمَنِهِ لِسُلْطَانٍ يَظُنُّ بِهِ حِفْظُ الْبَاقِي ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ

(وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ: زَوَّجَهَا بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا (غَيْرُ الْأَبِ بِإِذْنِهَا صَحَّ وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْعَاقِدِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (الِاعْتِرَاضُ إنْ كَانَتْ) الْآذِنَةُ (رَشِيدَةً) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا فَإِذَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِهِ سَقَطَ كَبَيْعِ سِلْعَتِهَا.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ: زَوَّجَهَا بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا (بِغَيْرِ إذْنِهَا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ) لِأَنَّهُ قِيمَةُ بُضْعِهَا، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ نَقْصُهَا مِنْهُ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ فَسَادُ التَّسْمِيَةِ وَعَدَمِهَا (وَيُكْمِلُهُ) أَيْ يُكْمِلُ الزَّوْجُ مَهْرَ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ الْمُسْتَوْفَى لِبَدَلِهِ وَهُوَ الْبُضْعُ.
(وَيَكُون الْوَلِيُّ ضَامِنًا) لِأَنَّهُ مُفْرِطٌ كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَهَا بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ.

(وَإِنْ زَوَّجَ) الْأَبُ (ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ صَحَّ) لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْأَبِ مَلْحُوظٌ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ فَكَمَا يَصِحُّ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ لِلْمَصْلَحَةِ فَكَذَا يَصِحُّ هُنَا تَحْصِيلًا لَهَا.
(وَلَزِمَ) الصَّدَاقُ (ذِمَّةَ الِابْنِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ لَهُ فَكَانَ بَدَلُهُ عَلَيْهِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ مَعَ رِضَاهُ (وَإِنْ كَانَ) الِابْنُ (مُعْسِرًا) فَلَا يَضْمَنهُ الْأَبُ كَثَمَنِ مَبِيعِهِ (إلَّا أَنْ يَضْمَنهُ أَبُوهُ) فَيَلْزَمهُ بِالضَّمَانِ (كَثَمَنِ مَبِيعِهِ وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَضَمِنَ أَبُوهُ أَوْ غَيْرُهُ نَفَقَتَهَا عَشْرَ سِنِينَ) مَثَلًا (صَحَّ) الضَّمَانُ (مُوسِرًا كَانَ الْأَبُ أَوْ مُعْسِرًا) لِأَنَّ ضَمَانَ مَا يَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ صَحِيحٌ وَهَذَا مِنْهُ وَلَوْ قِيلَ لَهُ: ابْنَكَ فَقِيرٌ مِنْ أَيْنَ يُؤْخَذُ الصَّدَاقُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ لَزِمَهُ.
(وَإِنْ دَفَعَ الْأَبُ الصَّدَاقَ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ، ثُمَّ طَلَّقَ الِابْنُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَنِصْفُ الصَّدَاقِ) الرَّاجِعِ (لِلِابْنِ دُونَ الْأَبِ، وَكَذَا لَوْ ارْتَدَّتْ) الزَّوْجَةُ (قَبْلَ الدُّخُولِ فَرَجَعَ) الصَّدَاقُ (جَمِيعُهُ) فَهُوَ لِلِابْنِ دُونَ الْأَبِ وَلَوْ قَبْلَ بُلُوغٍ لِأَنَّ الِابْنَ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِلطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ، فَكَانَ ذَلِكَ لِمُتَعَاطِي السَّبَبِ دُونَ غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ بِانْفِسَاخِ الْعَقْدِ عَادَ إلَيْهِ عَرْضُهُ.
(وَلَيْسَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ) أَيْ: فِيمَا عَادَ إلَى الِابْنِ بِالطَّلَاقِ أَوْ الرِّدَّةِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الصَّدَاقِ (بِمَعْنَى الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ) لِأَنَّ الِابْنَ مَلَكَهُ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ الزَّوْجَةِ وَلَهُ تَمَلُّكُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَمَلَّكُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ بِشَرْطِهِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الرَّاجِعَ لِلِابْنِ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ زَوَّجَهُ لِوُجُوبِ الْإِعْفَافِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْأَبِ.

(وَلِلْأَبِ قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا) لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ لِأَنَّهُ يَلِي مَالَهَا، فَكَانَ لَهُ قَبْضُهُ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا وَ (لَا) يُقْبَضُ صَدَاقُ (الْكَبِيرَةِ الرَّشِيدَةِ وَلَوْ بِكْرًا إلَّا بِإِذْنِهَا) الْمُتَصَرِّفَةِ فِي مَالِهَا فَاعْتُبِرَ إذْنُهَا فِي قَبْضِهِ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا فَلَا يَبْرَأُ الزَّوْجُ، وَإِذَا غَرِمَ رَجَعَ عَلَى الْأَبِ.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَ عَبْدٌ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ]

(فَصْلٌ وَإِنْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ صَحَّ نِكَاحُهُ) لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَإِذَا أُسْقِطَ حَقُّهُ سَقَطَ بِغَيْرِ خِلَافٍ (وَلَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ وَلَوْ أَمْكَنَهُ) نِكَاحُ حُرَّةٍ لِأَنَّهَا تُسَاوِيهِ (وَ) إذَا نَكَحَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (تَعَلَّقَ صَدَاقٌ وَنَفَقَةٌ وَكِسْوَةٌ وَمَسْكَنٌ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ نَصًّا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ بِرِضَا سَيِّدِهِ فَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ كَالدَّيْنِ، فَيَجِبُ الصَّدَاقُ وَالنَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَالْمَسْكَنُ عَلَى السَّيِّدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ لِعَدَمِ كَسْبِ الْعَبْدِ وَلِلسَّيِّدِ اسْتِخْدَامُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ الِاكْتِسَابِ.
(وَلَا يَنْكِحُ) الْعَبْدُ (مَعَ الْإِذْنِ الْمُطْلَقِ) مِنْ سَيِّدِهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ: تَزَوَّجْ وَنَحْوَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِوَاحِدَةٍ وَلَا أَكْثَرَ (إلَّا) امْرَأَةً (وَاحِدَةً) نَصًّا لِأَنَّ مَا زَادَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا (وَزِيَادَتُهُ) أَيْ: الْعَبْدُ (عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ) بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ (فِي رَقَبَتِهِ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِفِعْلِهِ أَشْبَهَتْ جِنَايَتَهُ.
(وَإِنْ طَلَّقَ) الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ (رَجْعِيًّا فَلَهُ ارْتِجَاعُهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِدَامَةٌ لِلنِّكَاحِ، لَا ابْتِدَاءٌ لَهُ وَ (لَا) يَمْلِكُ الْعَبْدُ (إعَادَةَ) الْمُطَلَّقَةِ (الْبَائِنِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ إعَادَةَ الْبَائِنِ لَا تَكُونُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ (وَإِنْ تَزَوَّجَ) الْعَبْدُ (بِغَيْرِ إذْنِ) أَيْ: إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ لَكِنْ فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ وَفِيهِ كَلَامٌ، وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَقَدَ شَرْطَهُ فَكَانَ بَاطِلًا كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ شُهُودٍ (أَوْ أَذِنَ) السَّيِّدُ (لَهُ فِي التَّزْوِيجِ بِمُعَيَّنَةٍ) فَنَكَحَ غَيْرَهَا (أَوْ) أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ (مِنْ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مِنْ جِنْسٍ مُعَيَّنٍ فَنَكَحَ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ) لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ.
(وَيَجِبُ بِوَطْئِهَا فِي رَقَبَتِهِ مَهْرُ مِثْلِهَا) كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ وَ (لَا) يَجِبُ شَيْءٌ (بِمُجَرَّدِ الدُّخُول وَالْخَلْوَةِ) مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ وَحَيْثُ تَعَلَّقَ الْمَهْرُ بِرَقَبَتِهِ (يَفْدِيهِ السَّيِّدُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الْمَهْرِ الْوَاجِبِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ أُجْرِيَ مَجْرَى الْجِنَايَةِ.
(وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي تَزْوِيجٍ صَحِيحٍ أَوْ أَطْلَقَ) بِأَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَلَمْ يَقُلْ صَحِيحًا وَلَا فَاسِدًا (فَنَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا فَ) نِكَاحٌ (غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ) لِأَنَّ الصَّحِيحَ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ

وَالْمُطْلَقُ، إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ (وَإِنْ أَذِنَ) السَّيِّدُ لَهُ (فِي نِكَاحٍ وَحَصَلَتْ إصَابَةٌ فَالْمَهْرُ عَلَى السَّيِّدِ) كَإِذْنِهِ لَهُ فِي الْجِنَايَةِ.
(وَإِنْ زَوَّجَهُ) سَيِّدُهُ (أَمَتَه وَجَبَ) لِلسَّيِّدِ (مَهْرُ الْمِثْل) فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ (وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْد عِتْقِهِ نَصًّا) لِأَنَّ النِّكَاحَ إتْلَافُ بُضْعٍ يَخْتَصُّ بِهِ الْعَبْدُ فَلَزِمَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ تَسْمِيَة أَوْ لَا.

(وَإِنْ زَوَّجَهُ) أَيْ: زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ (حُرَّةً ثُمَّ بَاعَهُ) السَّيِّدُ (لَهَا بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ) الْبَيْعُ (وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ) لِأَنَّهَا مَلَكَتْ زَوْجَهَا (وَلَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (عَلَى سَيِّدِهِ الْمَهْرُ إنْ كَانَ) الْبَيْعُ (بَعْدَ الدُّخُولِ) لِاسْتِقْرَارِهِ بِالدُّخُولِ (فَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ وَثَمَنُهُ) الَّذِي بَاعَهُ بِهِ لَهَا (مِنْ جِنْسٍ) وَاحِدٍ (تَقَاصًّا بِشَرْطِهِ وَتَقَدَّمَتْ) الْمُقَاصَّةُ وَشُرُوطُهَا (فِي السَّلَمِ وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ) مِنْ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا الْعَبْدُ (قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ نِصْفُ الصَّدَاقِ) وَرَجَعَ السَّيِّدُ بِنِصْفِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ الصَّدَاقُ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَتَمَحَّضْ مِنْ قِبَلِهَا.
(وَإِنْ بَاعَهَا) أَيْ: بَاعَ السَّيِّدُ زَوْجَةَ عَبْدِهِ الْحُرَّةِ (إيَّاهُ بِالصَّدَاقِ صَحَّ) الْبَيْعُ (قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ) لِأَنَّ الصَّدَاقَ مَالٌ يَصِحُّ جَعْلُهُ ثَمَنًا لِغَيْرِ هَذَا الْعَبْدِ فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ.
(وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ) لِأَنَّ زَوْجَتَهُ صَارَتْ مَالِكَةً لَهُ (وَيَرْجِعُ سَيِّدُهُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ) أَيْ: الْمَهْرِ (إنْ كَانَ) الْبَيْعُ (قَبْلَ الدُّخُولِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ جَعَلَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ مَهْرَهَا بَطَلَ الْعَقْدُ كَمَنْ زَوَّجَ ابْنَهُ عَلَى رَقَبَةِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى الِابْنِ لَوْ مَلَكَهُ) كَأَخِيهِ لِأُمِّهِ (إذْ تَعَذُّرُهُ) أَيْ: الْمِلْكُ فِي الْمَهْرِ (لَهُ) أَيْ: لِلِابْنِ (قَبْلَهَا) أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ لِلزَّوْجَةِ وَإِذَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِخِلَافِ إصْدَاقِ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَمْ يَنْفَسِخْ.
وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ مِلْكِ الِابْنِ لَهُ وَعِتْقِهِ عَلَيْهِ بُطْلَانُ الْعَقْدِ إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بُطْلَانُ الصَّدَاقِ وَأَوْضَحَهُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى.

[فَصْلٌ تَمْلِكُ الزَّوْجَةُ الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ]

(فَصْلٌ وَتَمْلِكُ الزَّوْجَةُ الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ حَالًّا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنْ أَعْطَيْتَهَا إزَارَكَ جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَكَ» فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ كُلُّهُ لِلْمَرْأَةِ وَلَا يَبْقَى لِلرَّجُلِ فِيهِ شَيْءٌ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يُمْلَكُ بِهِ الْعِوَضُ فَتَمْلِكُ بِهِ الْمُعَوَّضَ كَامِلًا كَالْبَيْعِ وَسُقُوطِ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ لَا يَمْنَعُ

وُجُوبَ جَمِيعَهُ بِالْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ ارْتَدَّتْ سَقَطَ جَمِيعُهُ وَإِنْ كَانَتْ مَلَكَتْ نِصْفَهُ (فَإِنْ كَانَ) الصَّدَاقُ (مُعَيَّنًا كَالْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالْمَاشِيَةِ فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ) لِأَنَّهُ مِلْكُهَا فَكَانَ لَهَا ذَلِكَ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهَا (وَنَمَاؤُهُ الْمُتَّصِلُ وَالْمُنْفَصِلُ لَهَا وَزَكَاتُهُ وَنَقْصُهُ وَضَمَانُهُ عَلَيْهَا سَوَاءٌ قَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْمِلْكِ (فَإِنْ زَكَّتْهُ ثُمَّ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَ ضَمَانُ الزَّكَاءِ كُلِّهِ عَلَيْهَا) لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْهُ أَشْبَهَ مَا مَلَكَتْهُ بِالْبَيْعِ (إلَّا أَنْ يَمْنَعهَا) الزَّوْجُ (قَبْضَهُ) أَيْ: الصَّدَاقِ الْمُعَيَّنِ (فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ) وَإِنْ زَادَ فَالزِّيَادَةُ لَهَا وَإِنْ نَقَصَ فَالنَّقْصُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهِ نَاقِصًا وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ إلَى يَوْمِ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ إذَا زَادَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَالزِّيَادَةُ لَهَا وَإِنْ نَقَصَ فَالنَّقْصُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ (إلَّا أَنْ يَتْلَفَ) الصَّدَاقُ لِمُعَيَّنٍ (بِفِعْلِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ) أَيْ إتْلَافُهُ (قَبْضًا مِنْهَا وَيَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُهُ) كَالْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ يُتْلِفُهُ الْمُشْتَرِي.
(وَإِنْ كَانَ) الصَّدَاقُ (غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ مَلَكَتْهُ) بِالْعَقْدِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهَا) إلَّا بِقَبْضِهِ (وَلَمْ تَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ إلَّا بِقَبْضِهِ كَمَبِيعٍ) أَيْ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَبِيعًا وَحُوِّلَ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مِنْ التَّعْيِينِ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ فَحَوَّلَهُ مِنْ الْعَقْدِ وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ (وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا هُوَ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ إذَا تَلِفَ لَمْ يَبْطُلْ الصَّدَاقُ بِتَلَفِهِ) بَلْ يَضْمَنهُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ.

(وَإِنْ قَبَضَتْ) الْمَرْأَةُ (صَدَاقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا) الزَّوْجُ (قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ بِنِصْفِ عَيْنِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا) بِحَالِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ (وَلَوْ) كَانَ الْبَاقِي بِحَالِهِ مِنْ الصَّدَاقِ (النِّصْفُ فَقَطْ وَلَوْ) كَانَ (النِّصْفُ مَشَاعًا) فَيَرْجِعُ بِهِ.
(وَيَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا وَلَوْ لَمْ يَخْتَرْهُ) أَيْ يَخْتَرْ تَمَلُّكهُ (كَالْمِيرَاثِ) لِلْآيَةِ السَّابِقَة لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ لَكُمْ أَوْ لَهُنَّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَيْنُونَةَ النِّصْفِ لَهُ أَوْ لَهَا بِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى اخْتِيَارِهِ كَالْإِرْثِ (فَمَا حَصَلَ مِنْ نَمَائِهِ) أَيْ: الصَّدَاقِ (كُلِّهِ بَعْدَ دُخُولِ نِصْفِهِ فِي مِلْكِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (فَهُوَ بَيْنَهُمَا) : أَيْ الزَّوْجَيْنِ (نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ النَّمَاءَ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ.

(فَإِنْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (تَصَرَّفَتْ فِي الصَّدَاقِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ كِتَابَةٍ مُنِعَ) ذَلِكَ (الرُّجُوعُ فِي نِصْفِهِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَنْقُل الْمِلْكَ أَوْ يَمْنَعُ

الْمَالِكَ مِنْ التَّصَرُّفِ فَمُنِعَ الرُّجُوعُ وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُرَادُ لِلْعِتْقِ الْمُزِيلِ لِلْمِلْكِ وَهِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ فَأُجْرِيَتْ مَجْرَى الرَّهْنِ (وَيَثْبُتُ حَقُّهُ) أَيْ الزَّوْجُ حَيْثُ امْتَنَعَ رُجُوعُهُ (فِي الْقِيمَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ) الصَّدَاقُ (مِثْلِيًّا) فَيَأْخُذُ نِصْفَ قِيمَةِ الْمُقَوِّمِ أَوْ نِصْفَ قِيمَةِ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ (وَلَا تَمْنَعُ الْوَصِيَّةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ) وَالْإِيدَاعُ وَالْإِعَارَةُ (وَالتَّدْبِيرُ) مِنْ الرُّجُوعِ فَوُجُودِ هَذَا التَّصَرُّفِ كَعَدَمِهِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ لَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ وَلَمْ يَمْنَعْ الْمَالِكَ مِنْ التَّصَرُّفِ فَلَا يَمْنَعُ مَنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَالِكِ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ الصَّدَاقُ بِيَدِهِ وَهُوَ الْعَامِلُ وَنَحْوَهُ.
(وَإِنْ تَصَرَّفَتْ) الْمَرْأَةُ فِي الصَّدَاقِ (بِإِجَارَةٍ أَوْ تَزْوِيجِ رَقِيقٍ) لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الرُّجُوعَ كَمَا تَقَدَّمَ وَ (خُيِّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ الرُّجُوعِ فِي نِصْفِهِ نَاقِصًا وَبَيْنَ الرُّجُوعِ فِي قِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ فِي الصَّدَاقِ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ (فَإِنْ رَجَعَ) الزَّوْجُ (فِي نِصْفِ الْمُسْتَأْجَرِ صَبِرَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْإِجَارَةُ) وَلَا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ إبْطَالُهَا (وَلَوْ طَلَّقَهَا) أَيْ: طَلَّقَ الزَّوْجَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا (عَلَى أَنْ الْمَهْرَ كُلُّهُ لَهَا لَمْ يَصِحُّ الشَّرْطُ) لِمُخَالَفَتِهِ لِلْكِتَابِ.
(وَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ) الدُّخُول بِلَا شَرْطٍ (ثُمَّ عَفَا) عَنْ نِصْفِ الْمَهْرِ (صَحَّ) عَفْوُهُ وَيَأْتِي مُفَصَّلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] .

(وَإِنْ زَادَ الصَّدَاقُ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً) كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ ثُمَّ طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ (رَجَعَ فِي نِصْفِ الْأَصْلِ) لِأَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَ الرُّجُوعُ فِيهِ مِنْ غَيْر ضَرَرٍ عَلَى أَحَدٍ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ (وَالزِّيَادَةُ لَهَا) لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهَا (وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ) الْمُنْفَصِلَةُ (وَلَدَ أَمَةٍ) لِأَنَّهَا لَا تَفْرِيقَ فِيهِ لِبَقَاءِ مِلْكِ الزَّوْجَةِ عَلَى النِّصْفِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً كَطَلْعِ نَخْلٍ وَثَمَرِ شَجَرٍ لَمْ يَجُزْ (وَحَرْثِ أَرْضٍ) وَسَمْنٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ (فَهِيَ) أَيْ الزِّيَادَةُ (لَهَا) أَيْ: لِلزَّوْجَةِ (أَيْضًا) أَيْ: كَالْمُنْفَصِلَةِ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهَا، وَيُفَارِقُ الْمَبِيعَ نَمَاءُ الْمَعِيبِ، لِأَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ الْعَيْبُ، وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى الزِّيَادَةِ وَسَبَبُ تَنْصِيفِ الصَّدَاقِ الطَّلَاقُ، وَهُوَ حَادِثٌ بَعْدَهَا (فَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا خُيِّرَتْ بَيْنَ دَفْعِ نِصْفِهِ زَائِدًا، أَوْ بَيْنَ دَفْعِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ إنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا) لِأَنَّهَا إنْ اخْتَارَتْ الْأَصْلَ زَائِدًا كَانَ ذَلِكَ إسْقَاطًا لِحَقِّهَا مِنْ الزِّيَادَةِ وَإِنْ اخْتَارَتْ دَفْعَ نِصْفِ قِيمَتِهِ كَانَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا دَفْعُ نِصْفِ الْأَصْلِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ فَصْلُهَا عَنْهُ وَحِينَئِذٍ تَعَيَّنَتْ الْقِيمَةُ كَالْإِتْلَافِ، وَإِنَّمَا

اُعْتُبِرَتْ قِيمَةُ الْمُتَمَيِّز يَوْمَ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فَاعْتُبِرَتْ صِفَتُهُ وَقْتُهُ.

(وَ) الصَّدَاقُ (غَيْرَ الْمُتَمَيِّزِ) كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ إذَا دَفَعَهُ لَهَا وَزَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ثُمَّ طَلَّقَ وَاخْتَارَتْ دَفْعَ نِصْفِ قِيمَتِهِ (لَهُ قِيمَةُ نِصْفِهِ يَوْمَ الْفُرْقَةِ عَلَى أَدْنَى صِفَةٍ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ قَبْضِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهَا إلَّا بِقَبْضِهِ، فَمَا نَقَصَ ذَلِكَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهَا.
(وَ) الزَّوْجَةُ (الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا) إذَا زَادَ الصَّدَاقُ ثُمَّ تَنَصَّفَ (لَا تُعْطِيه) يَعْنِي لَا يُعْطِيهَا وَلِيُّهَا (إلَّا نِصْفَ الْقِيمَةِ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُهَا ثُمَّ إنْ كَانَ الصَّدَاقُ مُتَمَيِّزًا أَخَذَ نِصْفَ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ أَخَذَ نِصْفَ الْقِيمَةِ عَلَى أَدْنَى صِفَةٍ مِنْ عَقْدٍ إلَى قَبْضٍ.

(وَإِنْ كَانَ) الصَّدَاقُ (نَاقِصًا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ) كَأَنْ نَقَصَ بِمَرَضٍ أَوْ نِسْيَانِ صَنْعَةٍ ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ (خُيِّرَ زَوْجٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَهُ) لِأَنَّهُ إذَا اخْتَارَ أَخْذَ نِصْفِهِ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ (وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ) لِأَنَّ قَبُولَهُ نَاقِصًا ضَرَرٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ (يَوْمَ الْعَقْدِ إنْ كَانَ) الصَّدَاقُ (مُتَمَيِّزًا) لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْعَقْدِ (وَغَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرُ الْمُتَمَيِّزِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ الْفُرْقَةِ عَلَى أَدْنَى صِفَاتِهِ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ إلَى يَوْمِ الْقَبْضِ) لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْمَحْجُور عَلَيْهِ لَا يَأْخُذُ وَلِيُّهُ إلَّا نِصْفَ الْقِيمَةِ.
(وَإِنْ كَانَ نَقْصُهُ) : أَيْ الصَّدَاقُ (بِجِنَايَةِ جَانٍ عَلَيْهِ) كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدًا فَفَقَأَ إنْسَانٌ عَيْنَهُ (فَلَهُ) أَيْ: لِلزَّوْجِ (مَعَ ذَلِكَ) أَيْ: مَعَ أَخْذِ نِصْفِ الْعَبْدِ (نِصْفُ الْأَرْشِ) لِأَنَّهُ بَدَلُ مَا فَاتَ مِنْهُ (وَإِنْ زَادَ) الصَّدَاقُ (مِنْ وَجْهٍ وَنَقَصَ مِنْ وَجْهٍ) آخَرَ (كَعَبْدٍ صَغِيرٍ كَسِيرٍ وَمَصُوغٍ كَسَرَتْهُ وَأَعَادَتْهُ صِيَاغَةً أُخْرَى وَحَمْلُ الْأَمَةِ وَمِثْلُ أَنْ يَتَعَلَّم) الْعَبْدُ (صَنْعَةً وَيَنْسَى أُخْرَى أَوْ هَزَلَ وَتَعَلَّمَ) صَنْعَةً (فَلِكُلِّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ) فَيُخَيَّرُ الزَّوْجُ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهِ نَاقِصًا وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَتُخَيَّرُ الزَّوْجَةُ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهِ زَائِدًا وَبَيْنَ دَفْعِ نِصْفِ قِيمَتِهِ.
(وَلَا أَثَرَ لِمَصُوغٍ كَسَرَتْهُ وَأَعَادَتْهُ كَمَا كَانَ أَوْ أَمَةٍ سَمِنَتْ ثُمَّ هَزِلَتْ ثُمَّ سَمِنَتْ وَلَا لِارْتِفَاعِ سُوقٍ) لِأَنَّهُ وَجَدَهُ بِصِفَتِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ (وَحَمْلُ الْبَهِيمَةِ زِيَادَةٌ مَا لَمْ يَفْسُدْ اللَّحْمُ) بِخِلَافِ حَمْلِ الْأَمَةِ فَإِنَّهُ نَقْصٌ لِأَنَّ قِيمَتَهَا تَنْقُصُ بِهِ.
(وَزَرْعٍ وَغَرْسٍ) وَبِنَاءٍ (نَقَصَ الْأَرْضَ) بِخِلَافِ حَرْثِهَا.
(وَلَوْ أَصْدَقَهَا صَيْدًا ثُمَّ طَلَّقَ) قَبْلَ الدُّخُولِ (وَهُوَ مُحْرِمٌ دَخَلَ) نِصْفُهُ فِي (مِلْكِهِ ضَرُورَةً كَإِرْثٍ، فَلَهُ إمْسَاكُهُ) بِيَدِهِ الْحُكْمِيَّةِ لَا الْمُشَاهَدَةِ (وَإِنْ كَانَ) الصَّدَاقُ (ثَوْبًا فَصَبَغَتْهُ أَوْ أَرْضًا فَبَنَتْهَا فَبَذَلَهُ الزَّوْجُ قِيمَةَ زِيَادَتِهِ لِيُهْلِكَهُ فَلَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ يُزِيلُ بِذَلِكَ

ضَرَرَ الشَّرِكَةَ عَنْهُ كَالشَّفِيعِ وَالْمُؤَجِّرِ وَالْمُعِيرِ إذَا بَذَلَ قِيمَةَ مَا بِالْأَرْضِ مِنْ الْبِنَاءِ وَتَمَلَّكَهُ (فَلَوْ بَذَلَتْ الْمَرْأَةُ النِّصْفَ) مِنْ الصَّدَاقِ (بِزِيَادَةٍ لَزِمَهُ) أَيْ: الزَّوْجُ (قَبُولُهُ) لِأَنَّهَا زَادَتْهُ شَيْئًا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّهُ قُلْتُ قَدْ سَبَقَ فِي الْغَصْب فِيمَنْ غَصَبَ خَشَبًا وَسَمَّرَهُ الْغَاصِبُ بِمَسَامِيرِهِ ثُمَّ وَهَبَهَا لِمَالِكِ الْخَشَبِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا لِلْمِنَّةِ فَلِيُحَرِّرْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْبِنَاءِ وَالْمَسَامِيرِ وَلِذَلِكَ لَوْ بَذَلَتْ لَهُ الْأَرْضَ مَزْرُوعَةً بِنِصْفِ زَرْعِهَا لَمْ يَلْزَمهُ الْقَبُولُ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ.

(وَإِنْ كَانَ) الصَّدَاقُ وَقْتَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ (تَالِفًا أَوْ مُسْتَحَقًّا بِدَيْنٍ) كَمَا إذَا أَفْلَسَتْ الْمَرْأَةُ وَحَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ وَيُشَارِكُ الْغُرَمَاءَ بِهِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ فِي شَرْحِ قِطْعَةِ الْوَجِيزِ وَبَعْضُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ مَنْجَا: مَعْنَى اسْتِحْقَاقِهِ بِدَيْنٍ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا عَلَيْهِ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا إذَا أَفْلَسَتْ وَاسْتَحَقَّ الْغُرَمَاءُ مَالَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الزَّوْجَ مِنْ الرُّجُوعِ فِيهِ إذَا كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي نَقَلَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ عَنْهُ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَجْرِ، لَكِنْ مَسْأَلَةُ الرَّهْنِ تَقَدَّمَتْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا فَالْأَوْلَى حَمْل كَلَامِهِ هُنَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ قِنًّا فَيَسْتَدِينُ دَيْنًا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ (أَوْ) اسْتَحَقَّ (شُفْعَةً) بِأَنْ كَانَ شِقْصًا مَشْفُوعًا وَطَالَبَ الشَّفِيع بِالشُّفْعَةِ إنْ قُلْنَا ثَبَتَ فِيمَا أَخَذ صَدَاقًا مَنَعَ ذَلِكَ رُجُوعَ الزَّوْجِ فِي عَيْنِهِ وَرَجَعَ (فِي الْمِثْلِ بِنِصْفِ مِثْلِهِ وَفِي غَيْرِهِ وَهُوَ) أَيْ: الْمُتَقَوِّمَ (بِنِصْفِ قِيمَتِهِ) لِتَعَذُّرِ الرُّجُوعِ فِي عَيْنِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ (يَوْمَ الْعَقْدِ إنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ) تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ الْفُرْقَةِ عَلَى أَدْنَى صِفَاتِهِ مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ طَلَّقَ) الزَّوْجُ (قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ) بِالشُّفْعَةِ (إنْ قُلْنَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِيمَا أَخَذَ صَدَاقًا) وَهُوَ مَرْجُوحٌ (قُدِّمَ الشَّفِيعُ) لِسَبْقِ حَقِّهِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ وَحَقُّ الزَّوْج إنَّمَا يَثْبُتُ بِالطَّلَاقِ.

(وَإِنْ نَقَصَ الصَّدَاقُ) فِي يَدِهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ ضَمِنَتْهُ (أَوْ تَلِفَ) الصَّدَاقُ (فِي يَدِهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ أَوْ بَعْدَهَا ضَمِنَتْهُ) سَوَاءٌ كَانَ مُتَمَيِّزًا أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ مَنَعَتْهُ قَبْضَهُ أَوْ لَا لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ نِصْفِ الصَّدَاقِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهَا فَتَضْمَنُ نَقْصَهُ وَتَلَفَهُ.

(وَإِنْ قَبَضَتْ) الزَّوْجَةُ (الْمُسَمَّى فِي الذِّمَّةِ) كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مَوْصُوفًا بِذِمَّتِهِ ثُمَّ أَقْبَضَهَا إيَّاهُ (فَهُوَ كَالْمُعَيَّنِ) بِالْعَقْدِ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ اُسْتُحِقَّ بِالْقَبْضِ عَيْنًا فَصَارَ كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ بِالْعَقْدِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُرْجَع) بِالْبِنَاءِ

لِلْمَفْعُولِ، أَيْ: لَا تَرْجِعُ هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا عَلَى زَوْجٍ (بِنَمَائِهِ) قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ (وَيُعْتَبَرُ فِي تَقْوِيمِهِ صِفَتُهُ يَوْمَ قَبَضَتْهُ) لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي مَلَكَتْهُ فِيهِ (وَيَجِبُ رَدُّهُ) أَيْ: رَدُّ نِصْفِهِ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ بَقَائِهِ (بِعَيْنِهِ) كَالْمُعَيَّنِ.

(وَالزَّوْجُ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَلِيُّ الْعُقْدَةِ الزَّوْجُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَرَوَاهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَلِيٍّ وَرَوَاهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلِأَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ بَعْدَ الْعَقْدِ هُوَ الزَّوْجُ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَطْعِهِ وَفَسْخِهِ وَإِمْسَاكِهِ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مِنْهُ شَيْءٌ وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237] وَالْعَفْوُ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى هُوَ عَفْوُ الزَّوْجِ عَنْ حَقِّهِ وَأَمَّا عَفْوُ وَلِيّ الْمَرْأَةِ عَنْ مَالِهَا فَلَيْسَ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلِأَنَّ الْمَهْرَ مَالُ الزَّوْجَةِ فَلَا يَمْلِكُ الْوَلِيُّ إسْقَاطَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهَا وَحُقُوقِهَا وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْعُدُولُ عَنْ خِطَابِ الْحَاضِرِ إلَى خِطَابِ الْغَائِبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: 22] .

(فَإِذَا طَلَّقَ) الزَّوْجُ (قَبْلَ الدُّخُولِ) وَالْخَلْوَةِ وَسَائِرِ مَا يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ (فَأَيُّهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ مِنْ الْمَهْرِ وَهُوَ جَائِزُ الْإِبْرَاءِ فِي مَالِهِ) بِأَنْ كَانَ مُكَلَّفًا رَشِيدًا (بَرِئَ مِنْهُ صَاحِبُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] . (فَإِنْ كَانَ) الْمَعْفُوُّ عَنْهُ (دَيْنًا سَقَطَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْإِسْقَاطِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْعَفْوِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّرْكِ وَلَا يَفْتَقِرُ) إسْقَاطُهُ (إلَى قَبُولٍ) كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْهِبَةِ.
(وَإِنْ) كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ (عَيْنًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَعَفَا الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ فَهُوَ هِبَةٌ يَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَفْوِ: وَالْهِبَةِ وَالتَّمَلُّكِ وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَالْإِسْقَاطِ) لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَقْبَلُ ذَلِكَ أَصَالَةً (وَيَفْتَقِرُ) لُزُومُ الْعَفْوِ عَنْ الْعَيْنِ مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ (إلَى الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هِبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَلَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالْقَبْضُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَبْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ، فَقَبْضُ مَا لَا يُنْقَلُ بِالتَّخْلِيَةِ وَلَوْ أُسْقِطَ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ لَكَانَ مُنَاسِبًا لِمَا سَبَقَ.
وَيُوهِمُ كَلَامُهُ أَنَّ مِنْ الْهِبَةِ فِيمَا بِيَدِ الْوَاهِبِ مَا يَلْزَمُهُ بِلَا قَبْضٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَإِنْ عَفَا غَيْرُ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ) زَوْجًا كَانَ أَوْ زَوْجَةً (صَحَّ الْعَفْوُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ) مِنْ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْإِسْقَاطِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْعَفْو وَالصَّدَقَةِ وَالتَّرْكِ (كُلِّهَا) وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِيهِ فِي الْهِبَةِ، وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ فَلَا يُفْتَقَرُ إلَى مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى فِيهِ الْقَبْضُ.
(وَلَا يَمْلِكُ الْأَبُ الْعَفْوَ عَنْ نِصْفِ مَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ إذَا طَلُقَتْ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ) كَثَمَنِ مَبِيعِهَا (وَلَا) يَمْلِكُ الْأَبُ أَيْضًا الْعَفْوَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ (الْكَبِيرَةِ) إذَا طَلُقَتْ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا.
(وَلَا) يَمْلِكُ غَيْرُهُ أَيْ الْأَبُ (مِنْ الْأَوْلِيَاءِ) كَالْجَدِّ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ الْعَفْوَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِ وَلِيَّتِهِ وَلَوْ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ فِي الْمَالِ.
(وَلَوْ بَانَتْ امْرَأَةُ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ أَوْ الْمَجْنُونِ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ صَدَاقَهَا عَنْهُمْ مِثْلَ أَنْ تَفْعَلَ امْرَأَتُهُ) أَيْ امْرَأَةُ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ أَوْ الْمَجْنُونِ (مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا بِرَضَاعٍ أَوْ رِدَّةٍ أَوْ) وُجِدَ مَا يَسْقُطُ بِهِ (نِصْفُهُ) أَيْ الصَّدَاقِ (كَطَلَاقٍ مِنْ السَّفِيهِ) أَوْ مِنْ صَغِيرٍ يَعْقِلُهُ (أَوْ رَضَاعٍ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ لِمَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ) كَمَا لَوْ دَبَّ الزَّوْجُ الصَّغِيرُ فَارْتَضَعَ مِنْ أُمِّ زَوْجَتِهِ أَوْ أُخْتِهَا أَوْ نَحْوِهَا (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) كَمَا لَوْ وَطِئَ أُمَّ زَوْجَتِهِ فَانْفَسَخَ نِكَاحُ بِنْتِهَا وَعَادَ إلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ (لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِمْ الْعَفْوُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ) لِمَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ أَبْرَأَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ]

(فَصْلٌ وَإِذَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ) الزَّوْجُ (عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ) ؛ لِأَنَّ عَوْدَ نِصْفِ الصَّدَاقِ إلَى الزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ غَيْرُ الْجِهَةِ الْمُسْتَحَقِّ بِهَا الصَّدَاقُ أَوَّلًا، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَبْرَأَ إنْسَانًا مَنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ بِوَجْهٍ آخَرَ فَلَا يَتَسَاقَطَانِ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نِصْفِهِ) أَيْ الصَّدَاقِ (أَوْ وَهَبَتْهُ) أَيْ الصَّدَاقَ (لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا) الزَّوْجُ (قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي) ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ مَا أَصْدَقَهَا بِعَيْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَهَبْهُ لَهُ.
(وَلَوْ اشْتَرَى) إنْسَانٌ (عَبْدًا بِمِائَةٍ ثُمَّ أَبْرَأَهُ الْبَائِعُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ قَبَضَتْهُ ثُمَّ وَهَبَهُ إيَّاهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ) أَيْ الْعَبْدِ (عَيْبًا فَلَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ وَالْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ أَخْذَ أَرْشَ الْعَيْبِ مَعَ إمْسَاكِهِ) أَيْ الْمَعِيبِ كَالصَّدَاقِ فِيمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ وَهَبَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ لِلْبَائِعِ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ ضَرَبَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ مَعَ الْغُرَمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَى الْبَائِعِ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ.

(وَلَوْ كَاتَبَ) إنْسَانٌ (عَبْدًا ثُمَّ سَقَطَ عَنْهُ مَالُ الْكِتَابَةِ بَرِئَ) الْمُكَاتَبُ (وَعَتَقَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْكِتَابَةِ (قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) وَ (لَمْ يَرْجِعْ الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيتَاءِ) وَهُوَ رُبْعُ مَالِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ عَنْهُ يَقُومُ مَقَامَ الْإِيتَاءِ (وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْقَطَ) السَّيِّدُ (عَنْ الْمُكَاتَبِ الْقَدْرَ الَّذِي يَلْزَمُهُ إيتَاؤُهُ إيَّاهُ) وَهُوَ الرُّبْعُ (وَاسْتَوْفَى) السَّيِّدُ (الْبَاقِي) مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ فِي الْكِتَابَةِ.

(وَلَوْ قَضَى الْمَهْرَ أَجْنَبِيُّ) عَنْ الزَّوْجِ (مُتَبَرِّعًا ثُمَّ سَقَطَ) الصَّدَاقُ لِرِدَّتِهَا وَنَحْوِهَا قَبْلَ دُخُولٍ (أَوْ تَنَصَّفَ) الصَّدَاقُ بِنَحْوِ طَلَاقِهِ قَبْلَ دُخُولٍ (فَالرَّاجِعُ) مِنْ الْمَهْرِ (لِلزَّوْجِ) لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ وَهَبَ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ بِقَضَائِهِ عَنْهُ فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ الِاسْتِحْقَاقُ بِغَيْرِ الْجِهَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ أَوَّلًا كَانَ لِلزَّوْجِ، كَمَا لَوْ أَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ.

(وَلَوْ خَالَعَهَا) الزَّوْجُ (بِنِصْفِ صَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ صَحَّ) ذَلِكَ (وَصَارَ الصَّدَاقُ كُلُّهُ لَهُ نِصْفُهُ) لَهُ (بِالطَّلَاقِ) يَعْنِي الْخُلْعَ قَبْلَ الدُّخُولِ (وَنِصْفِهِ) لَهُ (بِالْخُلْعِ) أَيْ عِوَضًا لَهُ وَإِنْ خَالَعَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (عَلَى مِثْلِ نِصْفِ الصَّدَاقِ فِي ذِمَّتِهَا) وَكَانَتْ لَمْ تَقْبِضْ الصَّدَاقَ مِنْهُ (صَحَّ) ذَلِكَ.
(وَسَقَطَ) عَنْهُ (جَمِيعُ الصَّدَاقِ: نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ، وَنِصْفُهُ بِالْمُقَاصَّةِ) حَيْثُ وُجِدَتْ بِشُرُوطِهَا (وَلَوْ قَالَتْ) الْمَرْأَةُ (لَهُ) أَيْ لِزَوْجِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ قَبْضِ الصَّدَاقِ (اخْلَعْنِي بِمَا يُسَلَّمُ إلَيَّ مِنْ صَدَاقِي أَوْ) اخْلَعْنِي (عَلَى أَنْ لَا تَبِعَةَ عَلَيْك فِي الْمَهْرِ فَفَعَلَ) أَيْ خَلَعَهَا عَلَى ذَلِكَ (صَحَّ) الْخُلْعُ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى سُؤَالِهَا الْخُلْعَ عَلَى نِصْفِ الصَّدَاقِ.
(وَبَرِئَ) الزَّوْجُ (مِنْ جَمِيعِهِ) نِصْفِهِ بِالْخُلْعِ وَنِصْفَهُ بِجَعْلِهِ عِوَضًا لَهُ فِيهِ (وَإِنْ خَالَعَهَا) قَبْلَ الدُّخُولِ (بِمِثْلِ جَمِيعِ الصَّدَاقِ فِي ذِمَّتِهَا أَوْ) خَالَعَهَا (بِصَدَاقِهَا كُلِّهِ صَحَّ) الْخُلْعُ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ (وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ) وَسَقَطَ عَنْهُ الصَّدَاقُ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ أَبْرَأَتْ مُفَوَّضَةٌ الْمَهْرَ) وَهِيَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ شَاءَ زَيْدٌ وَنَحْوُهُ مِنْ الْمَهْرِ صَحَّ (أَوْ) أَبْرَأَتْ مُفَوَّضَةٌ (الْبُضْعَ) وَهِيَ مَنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ صَدَاقٍ مِنْ الْمَهْرِ صَحَّ (أَوْ) أَبْرَأَتْ (مَنْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ فَاسِدٌ كَالْخَمْرِ وَالْمَجْهُولِ مِنْ الْمَهْرِ صَحَّ) الْإِبْرَاءُ (قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ) لِانْعِقَادِ سَبَبِ وُجُوبِهِ وَهُوَ عَقْدُ النِّكَاحِ كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ بَعْدَ الْجَرْحِ وَقَبْلَ الزُّهُوقِ (فَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيْ طَلَّقَ الزَّوْجُ الْمُفَوَّضَةَ أَوْ مَنْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ فَاسِدٌ بَعْد الْبَرَاءَةِ وَ (قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ) الْمُطَلِّقُ (بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ) لِأَنَّهُ الَّذِي وَجَبَ بِالْعَقْدِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ الْمُسَمَّى ثُمَّ طَلَّقَهَا وَعَفَا وَهَذَا احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: لَهَا الْمُتْعَةُ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ: (فَإِنْ كَانَتْ الْبَرَاءَةُ) مِنْ الْمُفَوَّضَةِ وَمَنْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ فَاسِدٌ (مِنْ نِصْفِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ الْبَاقِي) بَعْدَ النِّصْفِ السَّاقِطِ بِالْبَرَاءَةِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ.
(وَلَا مُتْعَةَ لَهَا) فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَطَعَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ: فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي

لَا تَسْقُطُ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَقَالَ فِي شَرْحِهِ فِي الْأَصَحِّ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] فَأَوْجَبَ لَهَا الْمُتْعَةَ بِالطَّلَاقِ وَهِيَ إنَّمَا وَهَبَتْهُ مَهْرَ الْمِثْلِ فَلَا تَدْخُلُ الْمُتْعَةُ فِيهِ.
وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُهَا قَبْلَ الْفُرْقَة؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ مَا لَا يَجِبُ كَمَنْ أَسْقَطَ الشُّفْعَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ (وَإِنْ ارْتَدَّتْ مَنْ وَهَبَتْ زَوْجَهَا الصَّدَاقَ) قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِكُلِّهِ (أَوْ) ارْتَدَّتْ مَنْ (أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ) الزَّوْجُ (عَلَيْهَا بِجَمِيعِهِ أَيْ الصَّدَاقِ) لِعَوْدِهِ إلَيْهِ بِذَلِكَ وَكَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ لَوْ تَنَصَّفَ (وَلَا يَبْرَأُ الزَّوْجُ مِنْ الصَّدَاقِ) مُعَيَّنًا كَانَ أَمْ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ (إلَّا بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهَا أَوْ إلَى وَكِيلِهَا إذَا كَانَتْ) بَالِغَةً (رَشِيدَةً وَلَوْ بِكْرًا) كَثَمَنِ مَبِيعِهَا.
(وَلَا يَبْرَأُ) الزَّوْجُ (بِالتَّسْلِيمِ إلَى أَبِيهَا وَلَا إلَى غَيْرِهِ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ سَلَّمَ الزَّوْجُ الصَّدَاقَ لِأَبِيهَا أَوْ غَيْرِهِ (وَأَنْكَرَتْ) الزَّوْجَةُ (وُصُولَهُ) أَيْ الْمَهْرِ (إلَيْهَا حَلَّفَهَا الزَّوْجُ) إنْ أَحَبَّ ذَلِكَ (وَرَجَعَتْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُصُولِهِ إلَيْهَا.
(وَرَجَعَ) الزَّوْجُ (عَلَى أَبِيهَا) أَوْ غَيْرِهِ بِمَا دَفَعَهُ لَهَا لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (غَيْرَ رَشِيدَةٍ سَلَّمَهُ إلَى وَلِيّهَا فِي مَالِهَا مِنْ أَبِيهَا أَوْ وَصِيّهَا أَوْ الْحَاكِمِ أَوْ مَنْ أَقَامَهُ الْحَاكِمُ) فِيمَا عَلَيْهَا كَثَمَنِ مَبِيعِهَا وَسَائِرِ دُيُونِهَا.

[فَصْلٌ كُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ تَنَصَّفَ الْمَهْرُ]

(فَصْلٌ وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ) قِبَلِ (الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ، كَطَلَاقِهِ وَخُلْعِهِ وَلَوْ بِسُؤَالِهَا و) كَ (إسْلَامِهِ) إنْ لَمْ تَكُنْ كِتَابِيَّةً (وَرِدَّتِهِ، أَوْ) جَاءَتْ (مِنْ) قِبَلِ (أَجْنَبِيٍّ كَرَضَاعٍ) بِأَنْ أَرْضَعَتْ أُخْتُهُ الزَّوْجَةَ مَثَلًا (وَنَحْوِهِ) بِأَنْ وَطِئَ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ الزَّوْجَةَ (تَنَصَّفَ الْمَهْرُ) الْمُسَمَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ فَثَبَتَ فِي الطَّلَاقِ، وَالْبَاقِي قِيَاسًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَإِنَّمَا تَنَصَّفَ بِالْخُلْعِ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ جَانِبُ الزَّوْجِ بِدَلِيلٍ أَنَّ بَذْلَ عِوَضِهِ يَصِحُّ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا فَصَارَ الزَّوْجُ كَالْمُنْفَرِدِ بِهِ وَالْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِ الْآخَرِ لَا جِنَايَةَ فِيهَا مِنْ الْمَرْأَةِ لِيَسْقُطَ صَدَاقُهَا وَيَرْجِعَ الزَّوْجُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ قَرَّرَهُ عَلَيْهِ.
(وَيَجِبُ بِهَا)

أَيْ بِالْفُرْقَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ (الْمُتْعَةُ لِغَيْرِ مَنْ سُمِّيَ لَهَا) مَهْرٌ صَحِيحٌ كَالْمُفَوِّضَةِ وَمَنْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ فَاسِدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَى الطَّلَاقِ.
(وَكَذَا تَعْلِيقُ طَلَاقِهَا عَلَى فِعْلِهَا) فَإِذَا فَعَلَتْ وَقَعَ وَتَنَصَّفَ الصَّدَاقُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ مِنْ الزَّوْجِ وَهُوَ الطَّلَاقُ، وَإِنَّمَا هِيَ حَقَّقَتْ شَرْطَهُ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يُضَافُ إلَى صَاحِبِ السَّبَبِ (وَكَذَا تَوْكِيلُهَا) أَيْ تَوْكِيلُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ (فِيهِ) أَيْ فِي طَلَاقِهَا (فَفَعَلَتْهُ) فَيَنْتَصِفُ الصَّدَاقُ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْهُ وَإِنْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَى الزَّوْجِ فِي الْإِيلَاءِ فَهُوَ كَطَلَاقِهِ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَهُ فِي إيفَاءِ الْحَقِّ عَنْهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ: لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى صِفَةٍ مِنْ فِعْلِهَا الَّذِي لَهَا مِنْهُ بُدٌّ) كَدُخُولِهَا دَارَ أَجْنَبِيٍّ (وَفَعَلَتْهُ) قَبْلَ الدُّخُولِ (فَلَا مَهْرَ لَهَا وَقَوَّاهُ ابْنُ رَجَبٍ) بِمَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ تَنْجِيزِهَا فِي نَفْسِهَا إذَا اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ لَكِنْ إنَّمَا تَتِمُّ الْمُشَابَهَةُ إذَا كَانَ بِسُؤَالِهَا كَمَا يَأْتِي (وَلَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِنَسَبِ) زَوْجَتِهِ بِأَنْ قَالَ: هِيَ أُخْتِي مِنْ النَّسَبِ (أَوْ) أَقَرَّ بِ (رَضَاعٍ) كَقَوْلِهِ هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ (أَوْ) أَقَرَّ بِ (غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ) كَتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ لِمُصَاهَرَةٍ (قَبْلَ) إقْرَارِهِ (مِنْهُ فِي انْفِسَاخِ النِّكَاحِ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ فَأُوخِذَ بِهِ (دُونَ سُقُوطِ النِّصْفِ) أَيْ نِصْفِ الصَّدَاقِ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى الْغَيْرِ (فَإِنْ صَدَّقَتْهُ) الزَّوْجَةُ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْمُفْسِدِ سَقَطَ (أَوْ ثَبَتَ) الْمُفْسِدُ (بِبَيِّنَةٍ سَقَطَ) أَيْ تَبَيَّنَّا عَدَمَ وُجُوبِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَلَوْ وَطِئَ) الزَّوْجُ (أُمَّ زَوْجَتِهِ أَوْ) وَطِئَ (ابْنَتَهَا بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا انْفَسَخَ النِّكَاحُ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (نِصْفَ الصَّدَاقِ) إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهِ وَأَمَّا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا فَيَأْنِي حُكْمُهَا فِي الصَّدَاقِ.

(وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (قَبْلَ الدُّخُولِ كَإِسْلَامِهَا) تَحْتَ كَافِرٍ (وَرِدَّتِهَا أَوْ إرْضَاعِهَا مَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ) كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةً لَهُ صُغْرَى.
(وَارْتِضَاعِهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ) مِنْ أُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ وَنَحْوِهَا (وَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ) أَيْ الزَّوْجِ كَكَوْنِهِ مَجْبُوبًا أَوْ مَجْذُومًا وَنَحْوِهِ.
(وَ) فَسْخِهَا (بِإِعْسَارِهِ بِمَهْرٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ لِعِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ وَفَسْخِهِ لِعَيْبِهَا أَوْ) فَسْخِهِ (لِفَقْدِ صِفَةٍ شَرَطَهَا فِيهَا) كَأَنْ شَرَطَهَا بِكْرًا فَبَانَتْ ثَيِّبًا وَفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ (فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا وَ) يَسْقُطُ بِهِ

أَيْضًا (مُتْعَتُهَا إنْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً) أَوْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ الْعِوَضَ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا فَسَقَطَ الْبَدَلُ كُلُّهُ، كَالْبَائِعِ يُتْلِفُ الْمَبِيعَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ.
(وَكَذَا فَسْخُهَا بِشَرْطٍ صَحِيحٍ شُرِطَ عَلَيْهِ حَالَةَ الْعَقْدِ) كَأَنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ لَا يَتَسَرَّى أَوْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا (فَلَمْ يَفِ بِهِ) فَلَا مَهْرَ لَهَا وَلَا مُتْعَةَ لِمَا تَقَدَّمَ (وَفُرْقَةِ اللِّعَانِ تُسْقِطُ كُلَّ الْمَهْرِ) لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ تَمَامِ لِعَانِهَا.
(وَيَتَنَصَّفُ) الصَّدَاقُ (بِشِرَاءِ زَوْجٍ لِزَوْجَتِهِ) لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُوجِبَ لِلْفَسْخِ تَمَّ بِالزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ، أَشْبَهَ الْخُلْعَ (وَلَوْ) كَانَ شِرَاءُ زَوْجَتِهِ (مِنْ مُسْتَحِقِّ مَهْرِهَا) وَهُوَ مَالِكٌ لِرَقَبَتِهَا وَنَفْعِهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يَتَنَصَّفُ أَيْضًا (بِشِرَائِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ (لَهُ) أَيْ لِزَوْجِهَا الرَّقِيقِ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُوجِبَ لِلْفَسْخِ تَمَّ بِالْمَرْأَةِ وَالسَّيِّدِ، أَشْبَهَ الْخُلْعَ (وَلَوْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ بِسُؤَالِهَا) بِأَنْ سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهَا الْخِيَارَ فَجَعَلَهُ لَهَا (فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) قَبْلَ الدُّخُولِ (فَلَا مَهْرَ لَهَا نَصًّا) لِأَنَّ الْفُرْقَةَ تَمَّتْ بِفِعْلِهَا وَهِيَ الْمُسْتَحِقَّةُ لِلصَّدَاقِ فَيَسْقُطُ كَمَا لَوْ بَاشَرَتْ إسْقَاطَهُ، وَكَذَا مُفَارِقَاتُ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ) جَعْلُهُ الْخِيَارَ إلَيْهَا (بِغَيْرِ سُؤَالِهَا لَمْ يُسْقِطْ) الصَّدَاقَ بِاخْتِيَارِهَا نَفْسِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَلْ يَتَنَصَّفُ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْهُ فَفِعْلُهَا كَفِعْلِهِ.

[فَصْلٌ يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى كَامِلًا]

فَصْلٌ وَيُقَرِّرُ (الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى) وَهُوَ الْمَهْرُ (كَامِلًا، حُرَّةً كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ أَمَةً، مَوْتٌ وَقَتْلٌ كَالدُّخُولِ) لِمَا رَوَى مَعْقِلُ بْنُ سِنَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ وَكَانَ زَوْجُهَا مَاتَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، فَجَعَلَ لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ عُمْرٍ، فَبِمَوْتِ أَحَدِهِمَا يَنْتَهِي فَيَسْتَقِرُّ بِهِ الْعِوَض كَانْتِهَاءِ الْإِجَارَةِ وَمَتَى اسْتَقَرَّ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ وَلَا غَيْرِهِ (حَتَّى وَلَوْ قَتَلَ أَحَدهمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (الْآخَر أَوْ قَتَلَ) أَحَدُهُمَا (نَفْسه) لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ بَلَغَ غَايَتَهُ فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ.
(وَ) يُقَرِّرُهُ أَيْضًا (وَطْؤُهَا فِي فَرْجٍ وَلَوْ دُبُرًا) أَوْ فِي غَيْرِ

خَلْوَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ اسْتِيفَاءُ الْمَقْصُودِ فَاسْتَقَرَّ الْعِوَضُ (وَ) يُقَرِّرُهُ أَيْضًا (طَلَاقٌ فِي مَرَضِ مَوْتِ) الزَّوْجِ الْمَخُوفِ (قَبْلَ دُخُولِهِ) بِهَا.
الْمَخُوفُ يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ إذَا مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ وَطَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِرَارًا ثُمَّ مَاتَ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ كَامِلًا بِالْمَوْتِ لِوُجُوبِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَوَجَبَ كَمَالُ الْمَهْرِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ أَوْ تَرْتَدَّ وَعِبَارَتُهُ تُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ، وَصَوَابُهَا مَا قُلْتُهُ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ (وَ) يُقَرِّرُهُ أَيْضًا (خَلْوَةُ) الزَّوْجِ (بِهَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَزَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ رَوَى أَحْمَدُ وَالْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: " قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا فَقَدْ أَوْجَبَ الْمَهْرَ، وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ " وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْأَحْنَفِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ.
وَهَذِهِ قَضَايَا اُشْتُهِرَتْ وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُسْتَحَقَّ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهَا فَيَسْتَقِرُّ بِهِ الْبَدَلُ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا أَوْ كَمَا لَوْ أَجَرَتْ دَارَهَا وَسَلَّمَتْهَا أَوْ بَاعَتْهَا وَأَمَّا وقَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَنَّى بِالْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْخَلْوَةُ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21] فَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ " الْإِفْضَاءُ الْخَلْوَةُ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ " لِأَنَّ الْإِفْضَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَضَاءِ وَهُوَ الْخَالِي فَكَأَنَّهُ قَالَ وَقَدْ خَلَا بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وَيُشْتَرَطُ لِلْخَلْوَةِ الْمُقَرَّرَةِ أَنْ تَكُونَ (مِنْ بَالِغٍ وَمُمَيِّزٍ وَلَوْ) كَانَ (كَافِرًا وَأَعْمَى نَصًّا) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، عَاقِلًا وَمَجْنُونًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجَانِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ الزَّوْج مُسْلِمًا وَالزَّوْجَةُ كِتَابِيَّةً.
(وَلَوْ كَانَ) الزَّوْجُ (الْخَالِي) بِزَوْجَتِهِ (أَعْمَى أَوْ نَائِمًا مَعَ عِلْمِهِ) بِأَنَّهَا عِنْدَهُ (إنْ لَمْ تَمْنَعْهُ) الزَّوْجَةُ مِنْ وَطْئِهَا، فَإِنْ مَنَعَتْهُ مِنْهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ الصَّدَاقُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ التَّمْكِينُ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْخَلْوَةُ مُقَرَّرَةً (إنْ كَانَ) الزَّوْجُ (مِمَّنْ يَطَأُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ وَقَدْ خَلَا.
(وَبِمَنْ يُوطَأُ مِثْلَهَا) فَإِنْ كَانَ دُونَ عَشْرٍ أَوْ كَانَتْ دُونَ تِسْعٍ لَمْ يَتَقَرَّرْ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْوَطْءِ (وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ) أَيْ دَعْوَى الزَّوْجِ

بَعْدَ أَنْ خَلَا بِزَوْجَتِهِ (عَدَمَ عِلْمِهِ بِهَا وَلَوْ كَانَ أَعْمَى نَصًّا إنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ) عَلَى ذَلِكَ (لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقُدِّمَتْ الْعَادَةُ هُنَا عَلَى الْأَصْلِ قَالَ الشَّيْخُ: فَكَذَا دَعْوَى إنْفَاقِهِ) . عَلَى زَوْجَةِ مُقِيمٍ مَعَهَا (فَإِنَّ الْعَادَةَ هُنَاكَ) أَيْ فِي الْإِنْفَاقِ (أَقْوَى انْتَهَى) لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي عَدَمِ الْإِنْفَاقِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَ) إذَا اخْتَلَفَا فِي الْوَطْءِ فِي الْخَلْوَةِ فَإِنَّهُ (يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَطْءِ فِي الْخَلْوَةِ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا وَفِيهِ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْعُيُوبِ (وَتُقَرِّرُهُ الْخَلْوَةُ الْمَذْكُورَةُ وَلَوْ لَمْ يَطَأْ وَلَوْ كَانَ بِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (مَانِعٌ أَوْ) كَانَ (بِأَحَدِهِمَا مَانِعٌ حِسِّيٌّ كَجَبٍّ وَرَتْقٍ وَنَضَاوَةٍ) أَيْ هُزَالٍ (أَوْ) مَانِعٌ (شَرْعِيٌّ كَإِحْرَامٍ وَحَيْضٍ) وَنِفَاسٍ (وَصَوْمٍ) وَلَوْ كَانَتْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهَا تُقَرِّرُ الْمَهْرَ كَامِلًا إذَا كَانَتْ بِشُرُوطِهَا لِأَنَّ الْخَلْوَةَ نَفْسَهَا مُقَرِّرَةٌ لِلْمَهْرِ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ (وَحُكْمُ الْخَلْوَةِ حُكْمُ الْوَطْءِ فِي تَكْمِيلِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) كَذَا فِي (تَحْرِيمِ أُخْتِهَا) إذَا طَلَّقَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (وَ) فِي تَحْرِيمِ (أَرْبَعٍ سِوَاهَا إذَا طَلَّقَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَ) فِي (ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ عَلَيْهَا فِي عِدَّتِهَا، وَ) فِي وُجُوبِ (نَفَقَةِ الْعِدَّةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْعُ وُجُوبِ الْعِدَّةِ.
(وَ) فِي (ثُبُوتِ النَّسَبِ) إذَا خَلَا بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَأَتَتْ بِوَلَدٍ وَلَوْ فَوْقَ أَرْبَعِ سِنِينَ وَلَمْ تَكُنْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرْءِ وَلِأَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ فَهِيَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ (لَا) أَيْ لَيْسَ حُكْمُ الْخَلْوَةِ حُكْمَ الْوَطْءِ (فِي الْإِحْصَانِ) فَلَا يَصِيرُ أَحَدُهُمَا مُحْصَنًا بِالْخَلْوَةِ.
(وَ) لَا فِي (الْإِبَاحَةِ لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا) فَلَا تَحِلُّ لَهُ بِالْخَلْوَةِ لِحَدِيثِ «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» (وَلَا يَجِبُ بِهَا الْغُسْلُ) إذْ لَا الْتِقَاءُ لِلْخِتَانَيْنِ فِيهَا (وَلَا) يَجِبُ بِهَا (الْكَفَّارَةُ) إذَا خَلَا بِهَا فِي الْحَيْضِ أَوْ الْإِحْرَامِ.
(وَلَا يَخْرُجُ بِهَا) الْعِنِّينُ مِنْ الْعُنَّةِ (وَلَا تَحْصُلُ بِهَا الْفَيْئَةُ) مِنْ الْمُولِي (وَلَا تَفْسُدُ بِهَا الْعِبَادَاتُ وَلَا تَحْرُمُ بِهَا الرَّبِيبَةُ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ مَنُوطَةٌ بِالْوَطْءِ وَلَمْ يُوجَدْ (وَيُقَرِّرهُ) أَيْ الصَّدَاقُ كَامِلًا (لَمْسٌ) لِلزَّوْجَةِ (وَنَظَرٌ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ فِيهِمَا) أَيْ فِي اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ لِلْفَرْجِ (وَتَقْبِيلُهَا وَلَوْ بِحَضْرَةِ النَّاسِ) لِأَنَّ ذَلِكَ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ فَأَوْجَبَ الْمَهْرَ كَالْوَطْءِ وَلِأَنَّهُ نَالَ شَيْئًا لَا يُبَاحُ لِغَيْرِهِ، وَلِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ.
وَحَقِيقَةُ اللَّمْسِ الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ وَ (لَا) يَتَقَرَّرُ الصَّدَاقُ (بِالنَّظَرِ إلَيْهَا) دُونَ فَرْجِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
(وَلَا) يُقْرِرُهُ أَيْضًا (تَحَمُّلُهَا مَاءَ الزَّوْجِ) أَيْ مَنِيَّهُ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ مِنْهُ بِهَا وَلَا وَطْءَ لِأَنَّهُ لَا اسْتِمْتَاعَ مِنْهُ بِهَا فِيهِ (وَيَثْبُتُ بِهِ)

أَيْ بِتَحَمُّلِهَا مَاءَهُ (النَّسَبُ) فَإِذَا تَحَمَّلَتْ بِمَائِهِ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ لَحِقَهُ نَسَبُهُ لِمَا يَأْتِي.
(وَهَدِيَّةُ زَوْجٍ لَيْسَتْ مِنْ الْمَهْرِ نَصًّا فَمَا) أَهْدَاهُ الزَّوْجُ مِنْ هَدِيَّةٍ (قَبْلَ الْعَقْدِ، إنْ وَعَدُوهُ بِالْعَقْدِ، وَلَمْ يَفُوا رَجَعَ بِهَا قَالَهُ الشَّيْخُ) لِأَنَّهُ بَذَلَهَا فِي نَظِيرِ النِّكَاحِ وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ امْتِنَاعَ هَؤُلَاءِ رُجُوعٌ لَهُ، كَالْمُجَاعِلِ إذْ لَمْ يَفِ بِالْعَمَلِ.

(وَقَالَ) الشَّيْخُ (فِيمَا إذَا اتَّفَقُوا) أَيْ الْخَاطِبُ مَعَ الْمَرْأَةِ وَوَلِيّهَا (عَلَى النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ فَأَعْطَى) الْخَاطِبُ (إيَّاهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ شَيْئًا) مِنْ غَيْرِ الصَّدَاقِ (فَمَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ لَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُ مَا أَعْطَاهُمْ انْتَهَى) لِأَنَّ عَدَمَ التَّمَامِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِمْ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ: لَوْ مَاتَ الْخَاطِبُ لَا رُجُوعَ لِوَرَثَتِهِ (وَمَا قُبِضَ بِسَبَبِ النِّكَاحِ) كَاَلَّذِي يُسَمُّونَهُ الْمَأْكَلَةَ (فَكَمَهْرٍ) أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَهْرِ فِيمَا يُسْقِطُهُ أَوْ يُنَصِّفُهُ أَوْ يُقَرِّرُهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا وَلَا يَمْلِكُ مِنْهُ الْوَلِيُّ شَيْئًا، إلَّا أَنْ تَهَبَهُ لَهُ بِشَرْطِهِ إلَّا الْأَبُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشَّرْطِ وَبِلَا شَرْطٍ مِنْ مَالِهَا مَا شَاءَ بِشَرْطِهِ وَتَقَدَّمَ (وَمَا كُتِبَ فِيهِ الْمَهْرُ لَهَا وَلَوْ طَلُقَتْ قَالَهُ الشَّيْخُ) لِأَنَّ الْعَادَةَ أَخْذُهَا لَهُ.
(وَلَوْ فُسِخَ) النِّكَاحُ (فِي فُرْقَةٍ قَهْرِيَّةٍ) كَالْفَسْخِ (لِفَقْدِ كَفَاءَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ رَدَّ إلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (الْكُلَّ) أَيْ كُلَّ الصَّدَاقِ وَمَا دَفَعَهُ (وَلَوْ هَدِيَّةً نَصًّا) حَكَاهُ الْأَثْرَمُ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى أَنَّهُ وُهِبَ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْعَقْدِ، فَإِذَا زَالَ مَلِكَ الرُّجُوعِ كَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ قُلْتُ: قِيَاسُ ذَلِكَ لَوْ وَهَبَتْهُ هِيَ شَيْئًا قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ طَلَّقَ وَنَحْوَهُ (وَكَذَا) يُرَدُّ إلَيْهِ الْكُلُّ وَلَوْ هَدِيَّةٌ (فِي فُرْقَةٍ اخْتِيَارِيَّةٍ مُسْقِطَةٍ لِلْمَهْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَتَثْبُتُ الْهَدِيَّةُ) لِلزَّوْجَةِ (مَعَ فَسْخٍ) لِلنِّكَاحِ (مُقَرِّرٍ لَهُ) أَيْ الصَّدَاقِ (أَوْ لِنِصْفِهِ) فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي الْهَدِيَّةِ إذَنْ لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْدِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهَا.
(وَإِنْ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ لِغَيْرِ الْعَاقِدَيْنِ بِسَبَبِ الْعَقْدِ كَأُجْرَةِ الدَّلَّالِ وَنَحْوِهَا) كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ.
(قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ) فِي النَّظَرِيَّاتِ (إنْ فُسِخَ بَيْعٌ بِإِقَالَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَقِفُ عَلَى تَرَاضٍ) مِنْ الْعَاقِدَيْنِ (لَمْ يَرُدَّهُ) أَيْ لَمْ يَرُدَّ الدَّلَّالُ مَا أَخَذَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقِفْ الْفَسْخُ عَلَى تَرَاضِيهِمَا كَالْفَسْخِ لِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ (رَدَّهُ) أَيْ رَدَّ الدَّلَّالُ مَا أَخَذَهُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ وَقَعَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ (وَقِيَاسُهُ) أَيْ قِيَاسُ الْمَبِيعِ (نِكَاحٌ فُسِخَ لِفَقْدِ كَفَاءَةِ) الزَّوْجِ (أَوْ عَيْبٍ فِي أَحَدهمَا) (فَيَرُدُّهُ) أَيْ خَاطِبْ مَا أَخَذَهُ وَ (لَا) يَرُدُّهُ إنْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ (لِرِدَّةٍ وَرَضَاعٍ وَمُخَالَعَةٍ) وَذَلِكَ حِكَايَةٌ لِكَلَامِهِ بِمَعْنَاهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْإِنْصَافِ.

[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ أَوَ وَرَثَتُهُمَا فِي قَدْرَ الصَّدَاقِ أَوْ صِفَتِهِ]

فَصْلٌ (وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ أَوْ اخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَرَثَةُ الْآخَرِ) أَوْ وَلِيُّ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ (أَوْ الزَّوْجُ وَوَلِيُّ غَيْرِ مُكَلَّفَةٍ فِي الصَّدَاقِ أَوْ) فِي (عَيْنِهِ أَوْ) فِي (صِفَتِهِ أَوْ) فِي (جِنْسِهِ أَوْ مَا يَسْتَقِرُّ بِهِ) مِنْ وَطْءٍ أَوْ خَلْوَةٍ وَنَحْوِهِمَا (فَقَوْلُ زَوْجٍ) بِيَمِينِهِ (أَوْ وَارِثِهِ بِيَمِينِهِ) وَكَذَا وَلِيِّهِ.
(وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) مَا ادَّعَاهُ الزَّوْجُ أَوْ وَلِيُّهُ أَوْ وَارِثُهُ (مَهْرُ مِثْلٍ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَصُورَةُ الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِهِ أَنْ يَقُولَ: الصَّدَاقُ مِائَةٌ فَتَقُولُ: بَلْ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَفِي عَيْنِهِ أَنْ يَقُولَ: أَصَدَقْتُكِ هَذَا الْعَبْدَ فَتَقُولُ: بَلْ هَذِهِ الْأَمَةَ، وَفِي صِفَتِهِ أَنْ يَقُولَ: أَصَدَقْتُكِ عَبْدًا زِنْجِيًّا فَتَقُولُ رُومِيًّا، وَفِي جِنْسِهِ أَنْ يَقُولَ: أَصَدَقْتُكِ مِائَةً مِنْ الدَّرَاهِمِ، فَتَقُولُ: مِنْ الدَّنَانِيرِ.
وَفِيمَا يُقَرِّرُهُ أَنْ تَقُولَ: دَخَلَ أَوْ خَلَا بِي فَيُنْكِرُهَا (وَ) إنْ اخْتَلَفَا أَوْ وَرَثَتُهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَلِيُّ الْآخَرِ أَوْ وَارِثُهُ (فِي تَسْمِيَتِهِ) بِأَنْ قَالَ لَمْ نُسَمِّ مَهْرًا، وَقَالَتْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (بِيَمِينِهِ) فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَا يُوَافِقُ الْأَصْلَ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي تَسْمِيَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّنْقِيحِ.
(وَلَهَا مَهْرُ مِثْلٍ) عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ إنْ وُجِدَ مَا يُقَرِّرُهُ (فَإِنْ طَلَّقَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَهَا الْمُتْعَةُ) بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ التَّسْمِيَةِ فَهِيَ مُفَوِّضَةٌ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى لَهَا لِقَبُولِ قَوْلِهَا فِيهِ (وَمِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ) مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَالْوَلِيِّ (حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْيَمِينِ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ) كَالْوَرَثَةِ حَلَفَ (عَلَى نَفْي الْعِلْمِ) لَا عَلَى الْبَتِّ (وَإِنْ أَنْكَرَ) الزَّوْجُ (أَنْ يَكُونَ لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (عَلَيْهِ صَدَاقٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ فِيمَا يُوَافِقُ مَهْرَ الْمِثْلِ سَوَاءٌ ادَّعَى أَنَّهُ وَفَّاهُمَا) الصَّدَاقَ (أَوْ) ادَّعَى أَنَّهَا (أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ، أَوْ قَالَ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا) لِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ مُوجِبُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ بَرَاءَتِهِ مِنْهُ.
(وَإِنْ دَفَعَ) الزَّوْجُ (إلَيْهَا أَلْفًا أَوْ) دَفَعَ إلَيْهَا (عَرَضًا فَقَالَ دَفَعْتُهُ صَدَاقًا، وَقَالَتْ: هِبَةً) فَالْقَوْلُ

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل