كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 324-363
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حَقِّ وَرَثَتِهِ لَا تَتَجَاوَزُ الثُّلُثَ كَالْوَصِيَّةِ (إلَّا الْكِتَابَةُ) لِرَقِيقِهِ أَوْ بَعْضِهِ بِمُحَابَاةٍ (فَلَوْ حَابَاهُ) سَيِّدُهُ الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ (فِيهَا) أَيْ: الْكِتَابَةِ (جَازَ وَتَكُونُ) الْمُحَابَاةُ حِينَئِذٍ (مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْإِنْصَافِ وَالتَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى، لَكِنَّ كَلَامَ الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَالْحَارِثِيِّ وَغَيْرِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ هُوَ الْكِتَابَةُ نَفْسُهَا لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ مِنْ الْغَيْرِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: ثُمَّ إنْ وُجِدَتْ مُحَابَاةٌ فَالْمُحَابَاةُ مِنْ الثُّلُثِ وَقَدْ نَاقَشَ شَارِحُ الْمُنْتَهَى صَاحِبَ الْإِنْصَافِ وَعَارَضَهُ بِكَلَامِ الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَذَكَرَا أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ الْحَارِثِيِّ وَقَدْ ذَكَرَتْهُ لَكَ، فَوَقَعَ الِاشْتِبَاهُ عَلَى صَاحِبِ الْإِنْصَافِ وَالتَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ مَنْ تَبِعَهُ وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ (وَكَذَا لَوْ وَصَّى بِكِتَابَةٍ بِمُحَابَاةٍ) فَتَكُونُ الْمُحَابَاةُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ (وَإِطْلَاقُهَا يَكُونُ بِقِيمَتِهِ) أَيْ: لَوْ وَصَّى السَّيِّدُ أَنْ يُكَاتَبَ عَبْدُهُ وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ عَلَى كَذَا كُوتِبَ عَلَى قِيمَتِهِ لِأَنَّهُ الْعَدْلُ.

(وَفَرَّعَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَلَى الْعِتْقِ فَقَالَ وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فِي الْحَالِ وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ) أَيْ: الْعَتِيقِ (مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا حِينَ الْعِتْقِ فَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ (أَمَةً تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ حَالَ الْعِتْقِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَلَا تَعْتِقُ كُلُّهَا (إلَّا أَنْ يَصِحَّ) الْمَرِيضُ (مِنْ مَرَضِهِ) فَيَصِحُّ تَزَوُّجُهَا لِنُفُوذِ الْعِتْقِ قَطْعًا.
(وَإِنْ وَهَبَهَا) أَيْ: وَهَبَ الْمَرِيضُ أَمَةً (حَرُمَ عَلَى الْمُتَّهَبِ وَطْؤُهَا حَتَّى يَبْرَأَ الْوَاهِبُ أَوْ يَمُوتَ) فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ يَجُوزُ لِلْمُتَّهَبِ وَطْؤُهَا أَيْ: قَبْلَ الْبُرْءِ وَالْمَوْتِ وَاسْتَبْعَدَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ قَبْلَهَا؟ وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ فِي الظَّاهِرِ مِلْكُهُ بِالْقَبْضِ وَمَوْتُ الْوَاهِبِ وَانْتِقَالُ الْحَقِّ إلَى وَرَثَتِهِ مَظْنُونٌ، فَلَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْخَمْسِينَ.

(وَالِاسْتِيلَادُ فِي الْمَرَضِ) الْمَخُوفِ (لَا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِهْلَاكِ فِي مُهُورِ الْأَنْكِحَةِ وَطَيِّبَاتِ الْأَطْعِمَةِ وَنَفَائِسِ الثِّيَابِ وَالتَّدَاوِي وَدَفْعِ الْحَاجَاتِ وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِهِ) أَيْ: بِالِاسْتِيلَادِ وَنَحْوِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إنْشَائِهِ.

(وَلَوْ وَهَبَ فِي الصِّحَّةِ وَأَقْبَضَ فِي الْمَرَضِ) لِغَيْرِ وَارِثٍ (فَ) مَا وَهَبَهُ يُعْتَبَرُ (مِنْ الثُّلُثِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ وَقْتُ لُزُومِهَا.

(فَأَمَّا الْأَمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ كَالسِّلِّ) فِي غَيْرِ حَالِ انْتِهَائِهِ (وَالْجُذَامِ وَحُمَّى الرُّبُعِ) وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ يَوْمًا وَتَذْهَبُ يَوْمَيْنِ وَتَعُودُ فِي الرَّابِعِ (وَالْفَالِجِ فِي دَوَامِهِ فَإِنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهِيَ مَخُوفَةٌ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَصِرْ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ (فَعَطَايَاهُ كَصَحِيحٍ وَالْهَرِمُ إنْ صَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَكَمُخَرِّفٍ) أَيْ: كَالْمَرِيضِ مَرَضًا مَخُوفًا.

(وَمَنْ كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ حَرْبٍ هُوَ فِيهِ وَاخْتَلَطَتْ الطَّائِفَتَانِ لِلْقِتَالِ سَوَاءٌ كَانَتَا مُتَّفِقَتَيْنِ فِي الدَّيْنِ أَوْ لَا) لِوُجُودِ خَوْفِ التَّلَفِ (وَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ (مُكَافِئَةً لِلْأُخْرَى أَوْ) كَانَتْ (إحْدَاهُمَا مَقْهُورَةً وَهُوَ مِنْهَا فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ) لِأَنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ هُنَا كَتَوَقُّعِ الْمَرِيضِ أَوْ أَكْثَرَ فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ (فَأَمَّا) إنْ كَانَ مِنْ (الْقَاهِرَةِ بَعْدَ ظُهُورِهَا أَوْ كَانَ) مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَ (كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُتَمَيِّزَةٌ) عَنْ الْأُخْرَى (لَمْ يَخْتَلِطُوا) لِلْحَرْبِ.
(وَبَيْنَهُمَا رَمْيُ سِهَامٍ أَوْ لَا فَلَيْسَ) حَالُهُ (بِ) مَنْزِلَةِ مَرَضٍ (مَخُوفٍ) لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّعُ التَّلَفَ قَرِيبًا.

(وَمَنْ كَانَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ) أَيْ: ثَوَرَانِهِ بِهُبُوبِ الرِّيحِ الْعَاصِفِ فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ هَذِهِ الْحَالَةَ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ بِقَوْلِهِ ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] (أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ قِصَاصًا أَوْ غَيْرَهُ) فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ وَأَوْلَى لِظُهُورِ التَّلَفِ وَقُرْبِهِ (أَوْ أُسِرَ عِنْدَ مَنْ عَادَتُهُمْ الْقَتْلُ) فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ لِأَنَّهُ يَتَرَقَّبُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُمْ الْقَتْلَ فَعَطَايَاهُ كَصَحِيحٍ (أَوْ حَامِلٍ عِنْدَ مَخَاضٍ) أَيْ: طَلْقٍ (حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ نِفَاسِهَا مَعَ أَلَمٍ وَلَوْ) كَانَ الطَّلْقُ (بِسَقْطٍ تَامِّ الْخَلْقِ) فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ (بِخِلَافِ الْمُضْغَةِ) إذَا وَضَعَتْهَا فَعَطَايَاهَا كَعَطَايَا الصَّحِيحِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَرَضٌ أَوْ أَلَمٌ) قَالَهُ فِي الْمُغْنِي.
فَعَطَايَاهَا إذَنْ كَالْمَرِيضِ الْمَخُوفِ (أَوْ حُبِسَ لِيُقْتَلَ) فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ (أَوْ جُرِحَ جُرْحًا مُوحِيًا مَعَ ثَبَاتِ عَقْلِهِ فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ) لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمَّا جُرِحَ سَقَاهُ الطَّبِيبُ لَبَنًا فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ " اعْهَدْ إلَى النَّاسَ فَعَهِدَ إلَيْهِمْ وَوَصَّى " فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَبُولِ عَهْدِهِ وَوَصِيَّتِهِ وَعَلِيٌّ بَعْدَ ضَرْبِ ابْنِ مُلْجِمٍ أَوْصَى وَأَمَرَ وَنَهَى فَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ قَوْلِهِ: وَمَعَ عَدَمِ ثَبَاتِ عَقْلِهِ لَا حُكْمَ لِعَطِيَّتِهِ بَلْ وَلَا لِكَلَامِهِ (وَحُكْمُ مَنْ ذُبِحَ) كَمَيِّتٍ (أَوْ أُبِينَتْ حَشْوَتُهُ وَهِيَ أَمْعَاؤُهُ لَا خَرَقَهَا فَقَطْ) مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ (كَمَيِّتٍ) فَلَا يُعْتَدُّ بِكَلَامِهِ قَالَ الْمُوَفِّقُ فِي فَتَاوِيهِ: إنْ خَرَجَتْ حَشْوَتُهُ وَلَمْ تَبِنْ، ثُمَّ مَاتَ وَلَدُهُ وَرِثَهُ.
وَإِنْ أُبِينَتْ فَالظَّاهِرُ يَرِثُهُ لِأَنَّ الْمَوْتَ زَهُوقُ النَّفْسِ وَخُرُوجُ الرُّوحِ، وَلَمْ يُوجَدُ، وَلِأَنَّ الطِّفْلَ يَرِثُ وَيُورَثُ بِمُجَرَّدِ اسْتِهْلَالِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاةٍ أَثْبَتَ مِنْ حَيَاةِ هَذَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ هَذَا مِنْ الشَّيْخِ أَنَّ مَنْ ذُبِحَ لَيْسَ كَمَيِّتٍ مَعَ بَقَاءِ رُوحِهِ.

(وَلَوْ عَلَّقَ صَحِيحَ عِتْقِ عَبْدٍ) عَلَى صِفَةٍ كَقُدُومِ زَيْدٍ أَوْ نُزُولِ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ

(فَوُجِدَ شَرْطَهُ) أَيْ: مَا عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَيْهِ (فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ.
(وَلَوْ) كَانَ وُجُودُهُ (بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَ) عِتْقِ الْعَبْدِ يُعْتَبَرُ (مِنْ ثُلُثِهِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ وُجُودِ الصِّفَةِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نُفُوذِ الْعِتْقِ.

(وَإِنْ اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ؛ وَصَاحِبُ الْعَطِيَّةِ هَلْ أُعْطِيَهَا فِي الصِّحَّةِ) فَتَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ (أَوْ) أُعْطِيَهَا فِي (الْمَرَضِ) فَتُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُمْ) نَقَلَهُ عَنْ الْفُرُوعِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَقَالَ: نَقَلَهُ مُهَنَّا، فِي الْعِتْقِ ذَكَرَهُ آخِرَ الْعَطِيَّةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ.

وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: إذَا اخْتَلَفَ الْوَارِثُ وَالْمُعْطَى هَلْ الْمَرَضُ مَخُوفٌ أَمْ لَا؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْطَى، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْخَوْفِ وَعَلَى الْوَارِثِ الْبَيِّنَةُ انْتَهَى فَمَسْأَلَتُنَا أَوْلَى.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْعَطِيَّةُ (فِي رَأْسِ الشَّهْرِ وَاخْتَلَفَا) أَيْ: الْوَارِثُ وَالْمُعْطَى، (فِي مَرَضِ الْمُعْطِي فِيهِ) أَيْ: فِي رَأْسِ الشَّهْرِ (فَقَوْلُ الْمُعْطَى) بِفَتْحِ الطَّاءِ: أَنَّ الْمُعْطِيَ بِكَسْرِهَا كَانَ صَحِيحًا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَرَضِ.

(وَإِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا) لِأَنَّ السَّابِقَ اسْتَحَقَّ الثُّلُثَ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَا بَعْدَهُ وَالتَّبَرُّعُ إزَالَةُ مِلْكٍ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَاحْتُرِزَ بِالْمُنْجَزَةِ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالتَّبَرُّعِ (وَلَوْ كَانَ فِيهَا) أَيْ: التَّبَرُّعَاتِ (عِتْقٌ) فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ وَعَنْهُ يُقَدَّمُ عِتْقٌ (فَإِنْ تَسَاوَتْ) التَّبَرُّعَاتُ الْمُنْجَزَةُ (بِأَنْ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً) وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا وَلَمْ تُجِزْهَا الْوَرَثَةُ (قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالْحِصَصِ) لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ قَالَ فِي الْمُغْنِي فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا عِتْقًا أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ فَكَمَّلْنَا الْعِتْقَ كُلَّهُ فِي بَعْضِهِمْ لِحَدِيثِ عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَتَبِعَهُ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ.

(وَإِذَا قَالَ الْمَرِيضُ) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (الْمَخُوفِ إنْ أَعْتَقْتَ سَعْدًا فَسَعِيدٌ حُرٌّ ثُمَّ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (سَعْدًا عَتَقَ سَعِيدٌ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ) لِوُجُودِ الصِّفَةِ.
(وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) مِنْ الثُّلُثِ (إلَّا أَحَدُهُمَا عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ وَلَمْ يُقْرَعْ بَيْنَهُمَا) لِسَبْقِ عِتْقِ سَعْدٍ (وَلَوْ رُقَّ بَعْضُ سَعْدٍ لِعَجْزِ الثُّلُثِ عَنْ) قِيمَةِ (كُلِّهِ فَاتَ إعْتَاقُ سَعِيدٍ) لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ.
(وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ إعْتَاقِ سَعْدٍ مَا يُعْتَقُ بِهِ بَعْضُ سَعِيدٍ عَتَقَ تَمَامُ الثُّلُثِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ سَعِيدٍ لِوُجُودِ شَرْطِ عِتْقِهِ.

(وَإِنْ قَالَ) الْمَرِيضُ (إنْ أَعْتَقْتُ سَعْدًا فَسَعِيدٌ وَعَمْرٌو حُرَّانِ ثُمَّ أَعْتَقَ سَعْدًا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمْ عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ اثْنَانِ أَوْ) خَرَجَ (وَاحِدٌ وَبَعْضُ آخَرَ عَتَقَ سَعْدٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَأُقْرِعَ بَيْنَ سَعِيدٍ وَعَمْرٍو فِيمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ) لِإِيقَاعِ عِتْقِهِمَا مَعًا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمٍ لِوَاحِدٍ

عَلَى آخَرَ.
(وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ اثْنَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ) عَتَقَ سَعْدٌ كَامِلًا بِلَا قُرْعَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ، وَ (أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ سَعِيدٍ وَعَمْرٍو (لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا، وَحُصُولِ التَّشْقِيصِ فِي الْآخَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ) مَرِيضٌ: (إنْ أَعْتَقْتُ سَعْدًا فَسَعِيدٌ حُرٌّ) فِي حَالِ إعْتَاقِي فَالْحُكْمُ سَوَاءٌ أَوْ قَالَ إنْ أَعْتَقْتُ سَعْدًا (فَسَعِيدٌ وَعَمْرٌو حُرَّانِ فِي حَالِ إعْتَاقِي فَالْحُكْمُ سَوَاءٌ) فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ لِجَعْلِهِ عِتْقَ سَعْدٍ شَرْطًا لِعِتْقِ سَعِيدٍ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ عَمْرٍو (وَلَوْ رُقَّ بَعْضُ سَعْدٍ لَفَاتَ شَرْطُ عِتْقِهِمَا فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ فِي الصِّحَّةِ وَالْإِعْتَاقِ) أَيْ: وُجُودُ الصِّفَةِ (فِي الْمَرَضِ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْإِعْتَاقِ.

(وَإِنْ قَالَ) مَرِيضٌ: (إنْ تَزَوَّجْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ فَتَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَالزِّيَادَةُ مُحَابَاةٌ فَتُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الْمُحَابَاةُ أَوْ الْعَبْدُ قُدِّمَتْ الْمُحَابَاةُ) لِسَبْقِهَا إنْ لَمْ تَرِثْ الْمَرْأَةُ الزَّوْجَ لِمَانِعٍ أَمَّا إنْ وَرِثَتْهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: نَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُحَابَاةَ لَمْ تَثْبُتْ إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ، فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُ الْعِتْقِ لِلُزُومِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إجَازَةٍ، فَيَكُونُ سَابِقًا قَالَهُ الْحَارِثِيُّ وَالشَّارِحُ.

(وَإِنْ اجْتَمَعَتْ عَطِيَّةٌ وَوَصِيَّةٌ وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا وَلَمْ تُجِزْ) الْوَرَثَةُ (جَمِيعَهَا قُدِّمَتْ الْعَطِيَّةُ) لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَصِيَّةِ، كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ.

(وَلَوْ قَضَى مَرِيضٌ بَعْضَ غُرَمَائِهِ) دَيْنَهُ (صَحَّ) الْقَضَاءُ (وَلَمْ يَكُنْ لِبَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مَحَلِّهِ وَلَيْسَ بِتَبَرُّعٍ (وَلَمْ يُزَاحِمْ الْمُقْضَى الْبَاقُونَ) مِنْ الْغُرَمَاءِ (وَلَوْ لَمْ تَفِ تَرِكَتُهُ لِبَقِيَّةِ الدُّيُونِ) لِأَنَّهُ أَدَّى وَاجِبًا عَلَيْهِ كَأَدَاءِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ (وَمَا لَزِمَ الْمَرِيضَ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، وَإِسْقَاطُهُ كَأَرْشِ جِنَايَةِ عَبْدِهِ) وَأَرْشِ جِنَايَتِهِ (وَمَا عَاوَضَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ) بَيْعًا أَوْ شِرَاءً أَوْ إجَارَةً وَنَحْوَهَا (وَلَوْ مَعَ وَارِثٍ) فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّهُ لَا تَبَرُّعَ فِيهَا وَلَا تُهْمَةَ (وَمَا يَتَغَابَنُ النَّاسَ بِمِثْلِهِ) عَادَةً (فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ يَنْدَرِجُ فِي ثَمَنِ الْمِثْلِ، لِوُقُوعِ التَّعَارُفِ بِهِ (وَلَا يَبْطُلُ تَبَرُّعُهُ) أَيْ: الْمَرِيضِ (بِإِقْرَارِهِ بَعْدَهُ) أَيْ: التَّبَرُّعِ (بِدَيْنٍ) لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِالتَّبَرُّعِ فِي الظَّاهِرِ.

(وَلَوْ حَابَى) الْمَرِيضُ (وَارِثَهُ بَطَلَتْ) تَصَرُّفَاتُهُ (فِي قَدْرِهَا) أَيْ: الْمُحَابَاةِ (إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ) لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ كَالْوَصِيَّةِ وَهِيَ لِوَارِثٍ بَاطِلَةٌ فَكَذَا الْمُحَابَاةُ (وَصَحَّتْ فِي غَيْرُهَا) وَهُوَ مَا لَا مُحَابَاةَ فِيهِ (بِقِسْطِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ الْمُحَابَاةُ، وَهِيَ هُنَا مَفْقُودَةٌ فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِنِصْفِ ثَمَنِهِ فَلَهُ نِصْفُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ لَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ فَبَطَلَ التَّصَرُّفُ فِيمَا تَبَرَّعَ بِهِ (وَلِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ) لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ

فِي حَقِّهِ فَشُرِعَ لَهُ ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، فَإِنْ فَسَخَ وَطَلَبَ قَدْرَ الْمُحَابَاةِ أَوْ طَلَبَ الْإِمْضَاءَ فِي الْكُلِّ، وَتَكْمِيلَ حَقِّ الْوَرَثَةِ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
(وَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ: الْوَارِثِ الْمُحَابَى (شَفِيعٌ فَلَهُ) أَيْ: الشَّفِيعِ (أَخْذُهُ) أَيْ: الشِّقْصِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْمُحَابَاةُ، لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَقَدْ وُجِدَ (فَإِنْ أَخَذَهُ) الشَّفِيعُ (فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي) لِزَوَالِ الضَّرَرِ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الشَّفِيعِ.

(وَلَوْ بَاعَ الْمَرِيضُ أَجْنَبِيًّا) شِقْصًا (وَحَابَاهُ) فِي ثَمَنِهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْأَجْنَبِيِّ (شَفِيعٌ وَارِثٌ أَخَذَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (إنْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةً) عَلَى مُحَابَاةِ الْوَارِثِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيْرِهِ) أَيْ: الْوَارِثِ مُتَعَلِّقٌ بِأَخْذِهَا عَلَى أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ كَمَا لَوْ وَصَّى لِغَرِيمِ وَارِثِهِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا فِي حَقِّ الْوَارِثِ لِمَا فِيهَا مِنْ التُّهْمَةِ مِنْ إيصَالِ الْمَالِ إلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِيمَا إذَا أُخِذَ بِالشُّفْعَةِ.

وَإِنْ أَجَّرَ الْمَرِيضُ نَفْسَهُ وَحَابَى الْمُسْتَأْجِرَ وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، صَحَّ مَجَّانًا بِخِلَافِ عَبِيدِهِ وَبَهَائِمِهِ.

(وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عِنْدَ الْمَوْتِ) لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالْوَصِيَّةِ وَالثُّلُثُ فِي الْوَصِيَّةِ مُعْتَبَرٌ بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ وَقْتُ لُزُومِهَا وَقَبُولِهَا وَرَدِّهَا فَكَذَلِكَ فِي الْعَطِيَّةِ (فَلَوْ أَعْتَقَ) مَرِيضٌ (عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ثُمَّ مَلَكَ) الْمَرِيضُ (مَالًا فَخَرَجَ) الْعَبْدُ (مِنْ ثُلُثِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ) لِخُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ.
(وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَرِيضِ (دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ) أَيْ: الْعَبْدَ (لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَالْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ فِي مَعْنَاهَا فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ سَيِّدِهِ مَاتَ حُرًّا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.

[فَصْلٌ حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فِي مَرَض الْمَوْتِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي أَشْيَاءَ]

(فَصْلٌ) حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي أَشْيَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْهَا أَنَّهُ يَقِفُ نُفُوذُهَا عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَمِنْهَا: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَمِنْهَا: أَنَّ فَضِيلَتَهَا نَاقِصَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّدَقَةِ وَمِنْهَا: أَنَّهَا تَتَزَاحَمُ فِي الثُّلُثِ إذَا وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَتَزَاحُمِ الْوَصَايَا، وَمِنْهَا: أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ الثُّلُثِ يُعْتَبَرُ حَالَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.

(وَتُفَارِقُ الْعَطِيَّةُ) فِي الْمَرَضِ (الْوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا) لِوُقُوعِهَا لَازِمَةً (وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ مُتَقَدِّمِهَا وَمُتَأَخِّرِهَا) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَوُجِدَ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
(الثَّانِي: لَا

يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي الْعَطِيَّةِ) بَعْدَ الْقَبْضِ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطَى، وَلَوْ كَثُرَتْ وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ التَّبَرُّعِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ (بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ) فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهَا، لِأَنَّ التَّبَرُّعَ فِيهَا مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ فَقَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يُوجَدْ فَهِيَ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبُولِ.
(الثَّالِثُ: يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ لِلْعَطِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِهَا) لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَالِ (وَالْوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ) فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَاعْتُبِرَ عِنْدَ وُجُودِهِ.
(الرَّابِعُ: أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي الْعَطِيَّةِ مِنْ حِينِهَا) بِشُرُوطِهَا لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ هِبَةً فَمُقْتَضَاهَا تَمْلِيكُهُ الْمَوْهُوبَ فِي الْحَالِ كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ وَكَذَا إنْ كَانَتْ مُحَابَاةً أَوْ إعْتَاقًا.
(وَيَكُونُ) الْمِلْكُ (مُرَاعًى) لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ هَلْ هُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ أَمْ لَا؟ وَلَا نَعْلَمُ هَلْ يَسْتَفِيدُ مَالًا أَوْ يَتْلَفُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ؟ فَتَوَقَّفْنَا لِنَعْلَمَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ لِنَعْمَلَ بِهَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَقْبِضُ الْهِبَةَ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا مَعَ كَوْنِهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجَازَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ.
وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ تَسْلِيمَ الْمَوْهُوبِ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ يَذْهَبُ حَيْثُ يَشَاءُ، وَإِرْسَالُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ وَإِرْسَالُ الْمُحَابَى لَا يَجُوزُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفُ أَمْرُ التَّبَرُّعَاتِ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْوَارِثُ مِنْ رَدِّهَا بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا شَاءَ (فَإِذَا خَرَجَتْ) الْعَطِيَّةُ (مِنْ ثُلُثِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ) أَيْ: الْمِلْكَ (كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِهِ) أَيْ: الْإِعْطَاءِ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ ثُبُوتِهِ كَوْنُهُ زَائِدًا عَلَى الثُّلُثِ وَقَدْ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ.

(فَلَوْ أَعْتَقَ) رَقِيقًا فِي مَرَضِهِ (أَوْ وَهَبَ رَقِيقًا) لِغَيْرِ وَارِثِهِ (فِي مَرَضِهِ فَكَسَبَ) الرَّقِيقُ (ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ فَخَرَجَ) الرَّقِيقُ (مِنْ الثُّلُثِ كَانَ كَسْبُهُ لَهُ إنْ كَانَ مُعْتَقًا) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا حُرِّيَّتَهُ مِنْ حِينِ الْعِتْقِ.
(وَ) كَانَ كَسْبُ الرَّقِيقِ (لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ كَانَ مَوْهُوبًا) لِأَنَّ الْكَسْبَ تَابِعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ (وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) مِنْ الثُّلُثِ (فَلَهُمَا) أَيْ: الْمُعْتَقِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ (مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِهِ) أَيْ: بِقَدْرِ ذَلِكَ الْبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْ الثُّلُثِ (فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَكَسَبَ) الْعَبْدُ (مِثْلَ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ) لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتْبَعُ مَا تَنْفُذُ فِيهِ الْعَطِيَّةُ دُونَ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ لِأَنَّ لِلْعَبْدِ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ وَبَاقِيه لِسَيِّدِهِ، ثُمَّ التَّرِكَةُ اتَّسَعَتْ بِحِصَّةِ الرِّقِّ لِأَنَّ حِصَّةَ الْعِتْقِ مِلْكٌ لِلْعَبْدِ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ فَلَا تَدْخُلُ فِي التَّرِكَةِ.
وَإِذَا اتَّسَعَتْ التَّرِكَةُ اتَّسَعَتْ الْحُرِّيَّةُ فَتَزِيدُ حِصَّتُهَا مِنْ الْكَسْبِ وَمِنْ ضَرُورَةِ هَذَا نُقْصَانُ حِصَّةِ التَّرِكَةِ مِنْ الْكَسْبِ فَتَنْقُصُ الْحُرِّيَّةُ فَتَزِيدُ التَّرِكَةُ فَتَزِيدُ الْحُرِّيَّةُ فَتَدُورُ زِيَادَتُهُ عَلَى زِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ وَلِاسْتِخْرَاجِ الْمَقْصُودِ وَانْفِكَاكِ الدَّوْرِ طُرُقٌ حِسَابِيَّةٌ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا عَلَى طَرِيقِ الْجَبْرِ فَتَقُولُ عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ (وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ شَيْئَانِ

فَصَارَ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا اسْتَحَقَّ بِعِتْقِهِ شَيْئًا وَبِكَسْبِهِ شَيْئًا كَانَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ شَيْئَانِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ (فَيُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ) غَيْرُ مَحْسُوبٍ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ لَا مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهِ.
(وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا) وَذَلِكَ مِثْلَمَا عَتَقَ (فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ يُسَاوِي عَشْرَةً فَكَسَبَ قَبْلَ الْوَفَاةِ مِثْلَهَا) عَشْرَةً (عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ الْكَسْبِ شَيْءٌ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ فَيُعْتَقُ نِصْفُهُ وَيَأْخُذُ خَمْسَةً) . لَا تُحْسَبُ عَلَيْهِ (وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (وَخَمْسَةٌ) مِنْ كَسْبِهِ ذَلِكَ مِثْلَا مَا عَتَقَ (وَإِنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ صَارَ لَهُ) مِنْ كَسْبِهِ (شَيْئَانِ وَعَتَقَ مِنْهُ شَيْء وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ مِنْ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي) مِنْهُ وَمِنْ كَسْبِهِ (لِلْوَرَثَةِ) وَإِنْ كَسَبَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ قِيمَتِهِ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مِنْ كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ وَلَهُ ثُلُثَا كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ الْبَاقِي (وَإِنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ نِصْفُ شَيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ) . فَالْجَمِيعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَنِصْفٍ، أَبْسَطُهَا تَكُنْ سَبْعَةً لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا (فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي) أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ (لِلْوَرَثَةِ وَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ (مَوْهُوبًا لِإِنْسَانِ فَلَهُ) أَيْ: الْمَوْهُوبِ لَهُ (مِنْ الْعَبْدِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ) فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ (وَبِقَدْرِهِ) مِنْ كَسْبِهِ لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتْبَعُ الْمِلْكَ وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً وَكَسَبَ تِسْعَةً فَاجْعَلْ لَهُ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ شَيْئًا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مِائَةُ شَيْءٍ وَلَهُ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ شَيْءٌ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مِائَةُ شَيْءٍ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ وَلَهُمْ مِائَتَا شَيْءٍ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ مِائَةُ جُزْءٍ وَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ.
وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَهُمْ مِائَتَا جُزْءٍ مِنْ نَفْسِهِ وَمِائَتَا جُزْءٍ مِنْ كَسْبِهِ فَإِنْ كَسَبَهُ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ كَسْبِهِ صُرِفَ مِنْ الْعَبْدِ وَمِنْ كَسْبِهِ مَا يُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنُ وَمَا بَقِيَ مِنْهُمَا يُقَسَّمُ عَلَى مَا تَعْمَلُ فِي الْعَبْدِ الْكَامِلِ وَكَسْبِهِ.

(وَإِنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ وَطِئَهَا بِنِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَشُبْهَةٍ (وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا فَكَمَا لَوْ كَسَبَتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا) لِأَنَّ مُهُورَ النِّسَاءِ كَسْبٌ لَهُنَّ (يُعْتَقُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا سُبُعٌ يَمْلِكُهَا لَهُ بِمَهْرِهَا) وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهَا لِأَحَدٍ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَنَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَلَمْ يُسَمِّهِ.
(وَسُبُعَانِ) يُعْتَقَانِ (بِإِعْتَاقِ الْمُتَوَفَّى) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِي التَّشْبِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكَسْبَ يَزِيدُ بِهِ مِلْكُ السَّيِّدِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْعِتْقِ، وَالْمَهْرُ يُنْقِصُهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي نُقْصَانَ الْعِتْقِ، وَنَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ وَقَالَ هُوَ كَمَا قَالَ (وَلَوْ وَهَبَهَا) الْمَرِيضُ

(لِمَرِيضٍ آخَرَ لَا مَالَ لَهُ فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ) وَمَاتَا (صَحَّتْ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ وَعَادَ إلَيْهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ بَقِيَ لِوَرَثَةِ الْآخَرِ ثُلُثَا شَيْءٍ وَلِلْأَوَّلِ) أَيْ: وَرَثَتِهِ (شَيْئَانِ) فَاضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةٍ لِيَزُولَ الْكَسْرُ تَكُنْ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ تَعْدِلُ الْأَمَةَ الْمَوْهُوبَةَ (فَلَهُمْ) أَيْ: لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا) سِتَّةٌ.
(وَلِوَرَثَةِ الثَّانِي رُبُعُهَا) شَيْئَانِ وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّ الْهِبَةَ صَحَّتْ فِي ثُلُثِ الْمَالِ وَهِبَةُ الثَّانِي صَحَّتْ فِي الثُّلُثِ، فَتَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةٍ، اضْرِبْهَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ تَكُنْ تِسْعَةً، أَسْقِطْ السَّهْمَ الَّذِي صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ الثَّانِيَةُ بَقِيَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ.

(وَلَوْ بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوِي عَشْرَةً وَهُمَا) أَيْ: الْقَفِيزَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ (فَيُحْتَاجُ إلَى تَصْحِيحِ الْبَيْعِ فِي جُزْءٍ مِنْهُ مَعَ التَّخَلُّصِ مِنْ الرِّبَا) لِكَوْنِهِ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا (فَأَسْقِطْ) عَشْرَةً (قِيمَةَ الرَّدِيءِ مِنْ) ثَلَاثِينَ قِيمَةِ (الْجَيِّدِ ثُمَّ انْسِبْ الثُّلُثَ إلَى الْبَاقِي وَهُوَ عَشْرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ تَجِدْهُ نِصْفَهَا فَيَصِحَّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَابَلَةُ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِ جَمِيعِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ بِثَمَنٍ فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ فِي إحْدَاهُمَا بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَيَبْطُلُ) الْبَيْعُ (فِيمَا بَقِيَ) لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي لِلصِّحَّةِ وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْجَيِّدِ بِقِيمَةِ الرَّدِيءِ وَيَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ (حَذَرًا مِنْ رِبَا الْفَضْلِ) لِكَوْنِهِ بَيْعَ ثُلُثِ الْجَيِّدِ بِكُلِّ الرَّدِيءِ وَذَلِكَ رِبًا (وَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي سِوَى الْخِيَارِ) لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
(وَإِنْ شِئْتَ فِي عَمَلِهَا) أَيْ: عَمَلِ الْأَخِيرِ (فَانْسِبْ ثُلُثَ الْأَكْثَرِ) وَهُوَ ثَلَاثُونَ وَثُلُثُهُ عَشْرَةٌ فَانْسِبْهَا (مِنْ الْمُحَابَاةِ) وَهِيَ عِشْرُونَ تَكُنْ النِّصْفَ (فَيَصِحَّ الْبَيْعُ فِيهِمَا بِالنِّسْبَةِ وَهُوَ هُنَا نِصْفُ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ وَإِنْ شِئْتَ فَاضْرِبْ مَا حَابَاهُ) . بِهِ وَهُوَ عِشْرُونَ (فِي ثَلَاثَةٍ) مُخْرَجِ الثُّلُثِ (يَبْلُغُ سِتِّينَ ثُمَّ انْسِبْ قِيمَةَ الْجَيِّدِ) ثَلَاثِينَ (إلَيْهَا فَهُوَ نِصْفُهُ فَيَصِحَّ بَيْعُ نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ الثُّلُثَانِ وَمُخْرَجُهُمَا ثَلَاثَةٌ فَخُذْ لِلْمُشْتَرِي سَهْمَيْنِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمُخْرَجِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ (وَلِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةٌ) مِثْلُ مَا لِلْمُشْتَرِي (ثُمَّ انْسِبْ الْمُخْرَجَ) وَهُوَ الثَّلَاثَةُ (إلَى الْكُلِّ) وَهُوَ السِّتَّةُ تَجِدْهُ (بِالنِّصْفِ فَيَصِحَّ بَيْعُ نِصْفِ أَحَدِهِمَا بِنِصْفِ الْآخَرِ وَبِ) طَرِيقِ (الْجَبْرِ) يُقَالُ (يَصِحُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْلَى بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدْنَى فَقِيمَتُهُ ثُلُثُ شَيْءٍ مِنْ - الْأَعْلَى فَتَكُونُ الْمُحَابَاةُ بِثُلُثَيْ شَيْءٍ مِنْهُ) أَيْ: الْجَيِّدِ (فَأَلْقِهَا مِنْهُ يَبْقَى قَفِيزٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ يَعْدِلُ مِثْلَ الْمُحَابَاةِ مِنْهُ، وَهُوَ شَيْءٌ وَثُلُثُ شَيْءٍ فَإِذَا جُبِرَتْ قَابَلَتْ عَدْلَ شَيْئَيْنِ فَالشَّيْءُ نِصْفُ قَفِيزٍ) فَإِنْ كَانَ الْأَدْنَى يُسَاوِي عِشْرِينَ صَحَّتْ فِي جَمِيعِ الْجَيِّدِ

بِجَمِيعِ الرَّدِيءِ وَإِنْ كَانَ الْأَدْنَى يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ فَاعْمَلْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ يَصِحُّ بَيْعُ الْجَيِّدِ بِثُلُثَيْ الرَّدِيءِ.
وَيَبْطُلُ فِيمَا عَدَاهُ (فَلَوْ لَمْ يُفْضِ إلَى الرِّبَا كَمَا لَوْ بَاعَهُ عَبْدًا يُسَاوِي ثَلَاثِينَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ بِعَشْرَةٍ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ) الْمُحَابَاةَ (صَحَّ بَيْعُ ثُلُثِهِ) أَيْ الْعَبْدِ (بِالْعَشَرَةِ وَالثُّلُثَانِ كَالْهِبَةِ، فَيَرُدُّ الْأَجْنَبِيُّ نِصْفَهُمَا وَهُوَ عَشْرَةٌ وَيَأْخُذُ عَشْرَةً بِالْمُحَابَاةِ وَإِنْ كَانَتْ الْمُحَابَاةُ مَعَ وَارِثٍ صَحَّ الْبَيْعُ فِي ثُلُثِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ بِالْعَشَرَةِ.
(وَلَا مُحَابَاةَ) حَيْثُ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ (وَلَهُمَا) أَيْ الْأَجْنَبِيِّ وَالْوَارِثِ (فَسْخُهُ) أَيْ: الْبَيْعِ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (وَإِذَا أَفْضَى إلَى إقَالَةٍ بِزِيَادَةٍ أَوْ) أَفْضَى إلَى (رِبَا فَضْلٍ فَكَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) فَلَوْ أَسْلَفَ عَشْرَةً فِي كُرِّ حِنْطَةٍ، ثُمَّ أَقَالَهُ فِي مَرَضِهِ وَقِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ صَحَّتْ فِي نِصْفِهِ بِخَمْسَةٍ، وَبَطَلَتْ فِيمَا بَقِيَ لِئَلَّا يُفْضِيَ صِحَّتُهَا فِي أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ بِزِيَادَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَارِثًا.
(وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) وَهِيَ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ قَفِيزًا يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوِي عَشْرَةً (أَنَّ لَهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (ثُلُثَهُ) أَيْ: الْجَيِّدِ (بِالْعَشَرَةِ وَثُلُثَهُ بِالْمُحَابَاةِ لِنِسْبَتِهِمَا مِنْ قِيمَتِهِ فَيَصِحُّ بِقَدْرِ النِّسْبَةِ) .

(وَإِنْ أَصْدَقَ) مَرِيضٌ (امْرَأَةً عَشَرَةً لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا وَصَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ فَمَاتَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ) فَيَدْخُلُهَا الدَّوْرُ (فَ) نَقُولُ (لَهَا بِالصَّدَاقِ خَمْسَةٌ) وَهِيَ مَهْرُ مِثْلِهَا.
(وَشَيْء بِالْمُحَابَاةِ رَجَعَ إلَيْهِ نِصْفُ ذَلِكَ) إرْثًا (بِمَوْتِهَا) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ (صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ خَمْسَةُ الْأَشْيَاءِ وَوَرِثَ اثْنَيْنِ وَنِصْفًا وَنِصْفَ شَيْءٍ (يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ) لِأَنَّهُ مِثْلَمَا اسْتَحَقَّتْهُ الْمَرْأَةُ بِالْمُحَابَاةِ وَذَلِكَ شَيْءٌ (اُجْبُرْهَا بِنِصْفِ شَيْءٍ) لِيُعْلَمَ.
(وَقَابِلْ) أَيْ: يُزَادُ عَلَى الشَّيْئَيْنِ نِصْفُ شَيْءٍ لِيُقَابِلَ ذَلِكَ النِّصْفَ الْمُزَادَ أَيْ: يَبْقَى سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا (يَخْرُجُ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً، فَلِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ) لِأَنَّ لَهُمْ شَيْئَيْنِ (وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهَا خَمْسَةٌ وَشَيْءٌ وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، رَجَعَ إلَى وَرَثَتِهِ نِصْفُهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَالطَّرِيقُ فِي هَذَا أَنْ تَنْظُرَ مَا بَقِيَ فِي يَدِ وَرَثَةِ الزَّوْجِ فَخُمُسَاهُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي صَحَّتْ الْمُحَابَاةُ فِيهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْجَبْرِ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا وَالشَّيْءُ هُوَ خُمُسَاهَا، وَإِنْ شِئْتَ أَسْقَطْتَ خَمْسَةً وَأَخَذْتَ نِصْفَ مَا بَقِيَ (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا وَرِثَتْهُ) لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ (وَسَقَطَتْ الْمُحَابَاةُ) لِأَنَّهَا لِوَارِثٍ فَلَا تَصِحُّ فَإِنْ قَامَ بِهَا مَانِعٌ نَحْوَ كُفْرٍ لَمْ تَسْقُطْ لِعَدَمِ الْإِرْثِ.

(وَلَوْ وَهَبَهَا) أَيْ: وَهَبَ الْمَرِيضُ زَوْجَتَهُ (كُلَّ مَالِهِ فَمَاتَتْ قَبْلَهُ) ثُمَّ مَاتَ (فَلِوَرَثَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ وَلِوَرَثَتِهَا خُمُسَهُ) وَطَرِيقُ ذَلِكَ بِالْجَبْرِ أَنْ تَقُولَ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ وَعَادَ إلَيْهِ نِصْفُهُ بِالْإِرْثِ يَبْقَى لِوَرَثَتِهِ الْمَالُ

كُلُّهُ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ يَعْدِلُ ذَلِكَ شَيْئَيْنِ فَإِذَا جَبَرْتَ وَقَابَلْتَ خَرَجَ الشَّيْءُ خُمُسَيْ الْمَالِ وَهُوَ مَا صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ فَيَحْصُلُ لِوَرَثَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ وَلِعَصَبَتِهَا خُمُسُهُ (وَيَأْتِي فِي الْخُلْعِ لَهُ تَتِمَّةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ) تَعَالَى.

(وَلِلْمَرِيضِ لُبْسُ النَّاعِمِ وَأَكْلُ الطَّيِّبِ لِحَاجَةٍ) لِأَنَّ حَقَّ وَارِثِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ مَالِهِ.
(وَإِنْ فَعَلَهُ لِتَفْوِيتِ الْوَرَثَةِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَا يُسْتَدْرَكُ كَإِتْلَافِهِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَدَعْوَةُ الْمَرِيضِ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ.

[فَصْلٌ مَلَكَ فِي صِحَّتِهِ ابْنَ عَمِّهِ فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ]

(فَصْلٌ لَوْ مَلَكَ) فِي صِحَّتِهِ (ابْنَ عَمِّهِ فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ) كَانَ (أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ) عَتَقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ.

(أَوْ مَلَكَ) الْمَرِيضُ (مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) كَأَبِيهِ وَعَمِّهِ (بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ عَتَقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ لَا تَبَرُّعَ فِيهِ إذْ التَّبَرُّعُ بِالْمَالِ إنَّمَا هُوَ بِالْعَطِيَّةِ أَوْ الْإِتْلَافِ أَوْ التَّسَبُّبِ إلَيْهِ وَهَذَا لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَالْعِتْقُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ، فَهُوَ كَالْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُ بِالشَّرْعِ، وَقَبُولُ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ وَلَا إتْلَافٍ لِمَالِهِ وَإِنَّمَا هُوَ تَحْصِيلٌ لِشَيْءٍ تَلِفَ بِتَحْصِيلِهِ فَأَشْبَهَ قَبُولَهُ لِشَيْءٍ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ وَفَارَقَ الشِّرَاءَ فِي أَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ فِي ثَمَنِهِ (وَوُرِّثَ) لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ بِهِ مِنْ مَوَانِعِ الْإِرْثِ.

(فَلَوْ اشْتَرَى) مَرِيضٌ (ابْنَهُ) وَنَحْوَهُ (بِخَمْسِمِائَةٍ مَثَلًا وَ) هُوَ (يُسَاوِي أَلْفًا فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ) الْحَاصِلَة لِلْمَرِيضِ مِنْ الْبَائِعِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) أَيْ: فَلَا يُحْتَسَبُ بِهَا فِي التَّرِكَةِ وَلَا عَلَيْهَا وَيُحْسَبُ الثَّمَنُ مِنْ ثُلُثِهِ وَكَذَا ثَمَنُ كُلِّ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَتَقَ فِي الْمَرَضِ.
(وَلَوْ اشْتَرَى) مَرِيضٌ (مَنْ) أَيْ: قَرِيبِهِ الَّذِي إنْ مَاتَ (يُعْتَقُ عَلَى وَارِثِهِ) كَمَرِيضٍ وَرِثَهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَوَجَدَ أَخَا ابْنِ عَمِّهِ يُبَاعُ فَاشْتَرَاهُ (صَحَّ) الشِّرَاءُ.
(وَعَتَقَ عَلَى وَارِثِهِ) أَخِيهِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُشْتَرِي.
(وَإِنْ دَبَّرَ) مَرِيضٌ (ابْنَ عَمِّهِ) أَوْ ابْنَ عَمِّ أَبِيهِ وَنَحْوَهُ (عَتَقَ) بِمَوْتِهِ (وَلَمْ يَرِثْ) لِأَنَّ الْإِرْثَ شَرْطُهُ الْحُرِّيَّةُ وَلَمْ تَسْبِقْهُ فَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْإِرْثِ (وَلَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ آخِرَ حَيَاتِي) ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ (عَتَقَ وَوُرِّثَ) لِسَبْقِ الْحُرِّيَّةِ الْإِرْثَ.
(وَلَيْسَ عِتْقُهُ وَصِيَّةً لَهُ) أَيْ: فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ حَالَ الْعِتْقِ غَيْرُ وَارِثٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ وَارِثًا بَعْدَ نُفُوذِهِ.

(وَلَوْ اشْتَرَى) مَرِيضٌ (مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَرِثُ) مِنْهُ كَأَبِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ عَتَقَ مِنْ الثُّلُثِ وَوُرِّثَ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ أَعْتَقَ) بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ تَعْلِيقٍ (ابْنَ عَمِّهِ) وَنَحْوِهِ (فِي مَرَضِهِ عَتَقَ) إنْ خَرَجَ (مِنْ الثُّلُثِ وَوُرِّثَ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ) ثَمَنَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ قِيمَةَ مَنْ أَعْتَقَهُ (مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ) أَيْ: بِقَدْرِ الثُّلُثِ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ (وَيَرِثُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ) لِمَا سَيَأْتِي فِي إرْثِ الْمُبَعَّضِ فَلَوْ اشْتَرَى أَبَاهُ بِكُلِّ مَالِهِ وَتَرَكَ ابْنًا عَتَقَ ثُلُثُ الْأَبِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَهُ وَلَاؤُهُ وَوَرِثَ مِنْ نَفْسِهِ بِثُلُثِهِ الْحُرِّ ثُلُثَ سُدُسِ بَاقِيهَا الْمَرْقُوقِ وَلَا وَلَاءَ عَلَى هَذَا الْجُزْءِ لِأَحَدٍ وَبَقِيَّةُ الثُّلُثَيْنِ تُعْتَقُ عَلَى الِابْنِ وَلَهُ وَلَاؤُهَا وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ تِسْعَةُ دَنَانِيرَ وَقِيمَتُهُ سِتَّةً فَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ عَطِيَّتَانِ: مُحَابَاةُ الْبَائِعِ بِثُلُثِ الْمَالِ، وَعِتْقُ الْأَبِ فَيَتَحَاصَّانِ لِتَقَارُنِهِمَا لِأَنَّ مِلْكَ الْمَرِيضِ لِأَبِيهِ مُقَارِنٌ لِمِلْكِ الْبَائِعِ لِثَمَنِهِ فَلِلْبَائِعِ ثُلُثُ الثُّلُثِ مُحَابَاةً وَثُلُثَاهُ لِلْأَبِ عِتْقًا يُعْتَقُ بِهِ ثُلُثُ رَقَبَتِهِ وَيَرُدُّ دِينَارَيْنِ وَثُلُثَا الْأَبِ مَعَ الدِّينَارَيْنِ تَرِكَةٌ وَقَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى، لِلِابْنِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ لِلْأَبِ بِثُلُثِهِ الْحُرِّ ثُلُثُ السُّدُسِ وَالْبَاقِي لِلِابْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

(وَلَوْ أَعْتَقَ) مَرِيضٌ (أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ ثُمَّ مَاتَ (وَرِثَتْهُ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ (تُعْتَقُ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ (عَتَقَ) مِنْهَا (قَدْرُهُ وَبَطَلَ النِّكَاحُ) أَيْ: تَبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ لِأَنَّهُ نَكَحَ مُبَعَّضَةً يَمْلِكُ بَعْضَهَا فَيَبْطُلُ إرْثُهَا لِبُطْلَانِ سَبَبِهِ وَهُوَ النِّكَاحُ.

(وَلَوْ أَعْتَقَهَا) فِي مَرَضِهِ (وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَأَصْدَقَهَا مِائَتَيْنِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا وَهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا ثُمَّ مَاتَ صَحَّ الْعِتْقُ) وَالنِّكَاحُ (وَلَمْ تَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ لِئَلَّا يُفْضِي إلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا ثُمَّ يَبْطُلُ صَدَاقُهَا) لِأَنَّهَا إذَا اسْتَحَقَّتْ الصَّدَاقَ لَمْ يَبْقَ لَهُ سِوَى قِيمَةِ الْأَمَةِ الْمُقَدَّرِ بَقَاؤُهَا فَلَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ فِي كُلِّهَا لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَإِذَا بَطَلَ الْعِتْقُ فِي الْبَعْضِ بَطَلَ النِّكَاحُ وَإِذَا بَطَلَ النِّكَاحُ بَطَلَ الصَّدَاقُ وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَأَصْدَقَ الْمِائَتَيْنِ أَجْنَبِيَّةً وَهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ مَالٌ صَحَّ الْإِصْدَاقُ وَبَطَلَ الْعِتْقُ فِي ثُلُثَيْ الْأَمَةِ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْمَوْتِ وَحَالُ الْمَوْتِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَالٌ وَكَذَا لَوْ تَلِفَتْ الْمِائَتَانِ قَبْلَ مَوْتِهِ.

(وَإِنْ تَبَرَّعَ) مَرِيضٌ (بِثُلُثِ مَالِهِ ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنْ الثُّلُثَيْنِ صَحَّ الشِّرَاءُ وَلَمْ يُعْتَقْ) مِنْهُ شَيْءٌ لِسَبْقِ التَّبَرُّعِ بِالثُّلُثِ (فَإِذَا مَاتَ) الْمُشْتَرِي (عَتَقَ أَبُوهُ عَلَى الْوَرَثَةِ إنْ كَانُوا مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ) كَالْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ لِأَبٍ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ (وَلَا يَرِثُ) الْأَبُ مِنْ ابْنِهِ شَيْئًا (لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ فِي حَيَاتِهِ) وَمِنْ شَرْطِ الْإِرْثِ حُرِّيَّةُ الْوَارِثِ عِنْدَ الْمَوْتِ.

[كِتَابُ الْوَصَايَا]

(كِتَابُ الْوَصَايَا) يُقَالُ: وَصَّى تَوْصِيَةً وَأَوْصَى إيصَاءً وَالِاسْمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوَصَاةُ وَالْوِصَايَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَالْوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ كَقَضَايَا جَمْعُ قَضِيَّةٍ وَأَصْلُهُ وَصَائِي بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الْمَدِّ يَلِيهَا يَاءٌ مُتَحَرِّكَةٌ هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ فُتِحَتْ هَذِهِ الْهَمْزَةُ الْعَارِضَةُ فِي الْجَمْعِ وَقُلِبَتْ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَ وَصَاءَا، فَكَرِهُوا اجْتِمَاعَ أَلِفَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ فَقَلَبُوهَا يَاءً فَصَارَ وَصَايَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَوْ قِيلَ: إنَّ وَزْنَهُ فَعَالَى وَإِنَّ جَمْعَ الْمُعْتَلِّ خِلَافُ جَمْعِ الصَّحِيحِ لَكَانَ حَسَنًا انْتَهَى وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ أَصِيهِ إذَا وَصَلْتُهُ فَإِنَّ الْمَيِّتَ وُصِلَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ حَيَاتِهِ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِ مَمَاتِهِ (الْوَصِيَّةُ لُغَةً الْأَمْرُ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: 132] وَقَالَ ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: 151] وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَطِيبِ: " أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ " وَشَرْعًا (الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ) كَأَنْ يُوصِي إلَى إنْسَانٍ بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ أَوْ غُسْلِهِ أَوْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إمَامًا أَوْ الْكَلَامِ عَلَى صِغَارِ أَوْلَادِهِ أَوْ تَفْرِقَةِ ثُلُثِهِ وَنَحْوِهِ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ لِعُمَرَ، وَوَصَّى بِهَا عُمَرُ إلَى أَهْلِ الشُّورَى وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: " بَعْدَ الْمَوْتِ " الْوَكَالَةُ.

(وَلَا تَجِبُ) الْوَصِيَّةُ لِأَجْنَبِيٍّ لِعَدَمِ دَلِيلِ وُجُوبِهَا وَلَا لِقَرِيبٍ وَآيَةُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: 180] مَنْسُوخَةٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (إلَّا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) بِلَا بَيِّنَةٍ (أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ) بِلَا بَيِّنَةٍ (أَوْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ) مِنْ زَكَاةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُوصِيَ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ) لِأَنَّ أَدَاءَ

الْأَمَانَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَاجِبٌ وَطَرِيقَةُ الْوَصِيَّةِ وَالْحَدُّ السَّابِقُ لِأَحَدِ نَوْعَيْ الْوَصِيَّةِ وَذَكَرَ الثَّانِي بِقَوْلِهِ (وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ التَّبَرُّعُ بِهِ) أَيْ: بِالْمَالِ (بَعْدَ الْمَوْتِ) أَخْرَجَ بِهِ الْهِبَةَ.

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مِنْ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا) لِأَنَّ هِبَتَهُمْ صَحِيحَةٌ فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يُعَايِنْ الْمَوْتَ قَالَهُ فِي الْكَافِي لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ وَالْوَصِيَّةُ قَوْلٌ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَكُونُ كَقَوْلِ الرِّعَايَةِ وَتُقْبَلُ أَيْ: التَّوْبَةُ مَا لَمْ يُعَايِنْ التَّائِبُ الْمَلَكَ وَقِيلَ مَا دَامَ مُكَلَّفًا وَقِيلَ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ أَيْ: تَبْلُغْ رُوحُهُ حُلْقُومَهُ.

(وَ) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ) وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَظِّ الْغُرَمَاءِ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلُثِهِ بَعْدَ وَفَاءِ دُيُونِهِ.
(وَ) تَصِحُّ (مِنْ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فِي غَيْرِ الْمَالِ) لِأَنَّ لَهُمْ عِبَادَةً صَحِيحَةً وَأَهْلِيَّةً تَامَّةً.
(وَ) أَمَّا وَصِيَّتُهُمْ (فِي الْمَالِ) فَ (إنْ مَاتُوا عَلَى الرِّقِّ فَلَا وَصِيَّةَ تَصِحُّ لَهُمْ) لِانْتِفَاءِ مِلْكِهِمْ (وَمَنْ عَتَقَ مِنْهُمْ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُغَيِّرْ وَصِيَّتَهُ صَحَّتْ) وَصِيَّتُهُ (لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ مَعَ عَدَمِ الْمَالِ كَالْفَقِيرِ إذَا أَوْصَى وَلَا شَيْءَ) مِنْ الْمَالِ (لَهُ ثُمَّ اسْتَغْنَى) صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ.

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ بِمَالٍ) لِأَنَّهَا تَمَحَّضَتْ نَفْعًا لَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَصَحَّتْ مِنْهُ كَعِبَادَاتِهِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ وَلَيْسَ فِي الْوَصِيَّةِ إضَاعَةٌ لَهُ لِأَنَّهُ إنْ عَاشَ كَانَ مَالُهُ لَهُ وَإِنْ مَاتَ كَانَ ثَوَابُهُ لَهُ، وَهُوَ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ عَلَى أَوْلَادِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ فَوَصِيَّتُهُ أَوْلَى.

(وَ) وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (مِنْ مُمَيِّزٍ عَاقِلٍ) لِلْوَصِيَّةِ لِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا لَهُ فَصَحَّ مِنْهُ كَالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ.

وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (مِنْ سَكْرَان أَوْ مَجْنُونٍ) مُطْبَقٍ (وَمُبَرْسَمٍ وَطِفْلٍ دُونَ التَّمْيِيزِ) لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِمْ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (مِمَّنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ بِإِشَارَةٍ وَلَوْ فُهِمَتْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَيْئُوسًا مِنْ نُطْقِهِ كَقَادِرٍ) عَلَى الْكَلَامِ.
وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ أَنَّ امْرَأَةً قِيلَ لَهَا فِي مَرَضِهَا أَوْصِي بِكَذَا أَوْصِي بِكَذَا، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَلَمْ يُجِزْهُ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (مِنْ أَخْرَسِ لَا تُفْهَمُ إشَارَتُهُ فَإِنْ فُهِمَتْ) إشَارَتُهُ (صَحَّتْ) لِأَنَّ تَعْبِيرَهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ عُرْفًا فَهِيَ كَاللَّفْظِ مِنْ قَادِرٍ عَلَيْهِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى صِحَّتِهَا مِنْهُ بِالْكِتَابَةِ.

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (فِي إفَاقَةِ مَنْ يُخْنَقُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ) لِأَنَّهُ فِي إفَاقَتِهِ عَاقِلٌ (وَالضَّعِيفُ فِي عَقْلِهِ إنْ مَنَعَ) ضَعْفُهُ (ذَلِكَ رُشْدُهُ فِي مَالِهِ فَكَسَفِيهٍ) تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ فِي مَالِهِ لَا عَلَى وَلَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ رُشْدَهُ فَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ.

(وَإِنْ وُجِدَتْ وَصِيَّتُهُ بِخَطِّهِ الثَّابِتِ) أَنَّهُ خَطُّهُ (بِإِقْرَارِ وَرَثَتِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ تُعَرِّفُ خَطَّهُ صَحَّتْ) الْوَصِيَّةُ (وَعُمِلَ بِهَا) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِالْخَطِّ الْمَعْرُوفِ وَكَذَا الْإِقْرَارُ إذَا وُجِدَ فِي دَفْتَرِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ انْتَهَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْكِتَابَةِ فَدَلَّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهَا.
وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ وَغَيْرِهِمْ " مُلْزِمًا لِلْعَمَلِ بِتِلْكَ الْكِتَابَةِ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُنْبِئُ عَنْ الْمَقْصُودِ فَهِيَ كَاللَّفْظِ قَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: ثُبُوتُ الْخَطِّ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْحَاكِمِ لِفِعْلِ الْكِتَابَةِ.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ وَقَوْلُ أَحْمَدَ إنْ كَانَ عُرِفَ خَطُّهُ وَكَانَ مَشْهُورَ الْخَطِّ يَنْفُذُ مَا فِيهَا يُخَالِفُ مَا قَالَ فَإِنَّهُ أَنَاطَ الْحُكْمَ بِالْمَعْرِفَةِ وَالشُّهْرَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِمُعَايَنَةِ الْفِعْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ إلَى أَنْ قَالَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِنِسْبَةِ الْخَطِّ إلَيْهِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ بِحَيْثُ يَسْتَقِرُّ فِي النَّفْسِ اسْتِقْرَارًا لَا تَرَدُّدَ مَعَهُ، فَوَجَبَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ (مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعَهُ عَنْهَا) أَيْ: الْوَصِيَّةِ فَتَبْطُلُ لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ كَمَا يَأْتِي فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهَا عُمِلَ بِهَا (وَإِنْ تَطَاوَلَتْ مُدَّتُهُ وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُ الْمُوصِي، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ فِي مَرَضٍ فَيَبْرَأُ مِنْهُ ثُمَّ يَمُوتُ بَعْدَ) ذَلِكَ (أَوْ يُقْتَلَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ) أَيْ: الْمُوصِي عَلَى وَصِيَّتِهِ (وَعَكْسُهَا) أَيْ: عَكْسُ الْمَسْأَلَةِ (خَتْمُهَا) أَيْ: الْوَصِيَّةِ (وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ خَطُّهُ) فَلَا يُعْمَلُ بِهِ.
(لَكِنْ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ خَطُّهُ مِنْ خَارِجٍ عُمِلَ بِهِ) أَيْ: بِالْخَطِّ (لَا بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا) مَخْتُومَةً لِأَنَّهُ كِتَابٌ لَا يَعْلَمُ الشَّاهِدُ مَا فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ كَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي (وَعَكْسُ الْوَصِيَّةِ الْحُكْمُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ) لِلْقَاضِي الْحُكْمُ (بِرُؤْيَةِ خَطِّ الشَّاهِدِ) احْتِيَاطًا لِلْحُكْمِ.
(وَلَوْ رَأَى الْحَاكِمُ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ أَوْ رَأَى الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ إنْفَاذُ الْحُكْمِ بِمَا وَجَدَهُ) بِخَطِّهِ تَحْتَ حُكْمِهِ (وَلَا لِلشَّاهِدِ الشَّهَادَةُ بِمَا رَأَى خَطَّهُ بِهِ) عَلَى الصَّحِيحِ احْتِيَاطًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّهَا سُومِحَ فِيهَا بِصِحَّتِهَا مَعَ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ وَبِالْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُولِ فَجَازَتْ الْمُسَامَحَةُ فِيهَا بِالْعَمَلِ بِالْخَطِّ كَالرِّوَايَةِ بِخِلَافِ الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي بَابِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، وَ)

يَأْتِي (أَيْضًا آخِرَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ) مُفَصَّلًا (وَيُسَنُّ أَنْ يَكْتُبَ الْمُوصِي وَصِيَّتَهُ) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُشْهِدَ) الْمُوصِي (عَلَيْهَا) بَعْدَ أَنْ يَسْمَعُوهَا مِنْهُ أَوْ تُقْرَأَ عَلَيْهِ فَيُقِرَّ بِهَا قَطْعًا لِلنِّزَاعِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ فِي صَدْرِهَا: هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَأُوصِي أَهْلِي أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَأُوصِيهِمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبَ ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] . لِمَا ثَبَتَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ " هَكَذَا كَانُوا يُوصُونَ " أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ، خَرَّجَهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَفِي أَوَّلِهِ كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى ".

[فَصْلٌ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ]

فَصْلٌ وَالْوَصِيَّةُ بِبَعْضِ الْمَالِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً لِمَا قَدَّمْنَا (بَلْ مُسْتَحَبَّةً) لِأَنَّهَا بِرٌّ وَمَعْرُوفٌ وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ لِيَجْعَلَهَا لَكُمْ زَكَاةً فِي أَعْمَالِكُمْ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا وَهُوَ) أَيْ: الْخَيْرُ (الْمَالُ الْكَثِيرُ عُرْفًا) فَلَا يَتَقَدَّرُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي تَقْدِيرِهِ (بِخُمُسِ مَالِهِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ أَبُو بَكْرٍ " رَضِيتُ بِمَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ يَعْنِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] (لِقَرِيبٍ فَقِيرٍ لَا يَرِثُ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.
فَخَرَجَ مِنْهُ الْوَارِثُونَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَبَقِيَ سَائِرُ الْأَقَارِبِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لَهُمْ وَأَقَلُّ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ أَفْضَلُ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ (فَإِنْ كَانَ الْقَرِيبُ غَنِيًّا فَلِمِسْكِينٍ وَعَالِمٍ وَدَيِّنٍ وَنَحْوِهِمْ) كَالْغُزَاةِ.
(وَتُكْرَهُ) الْوَصِيَّةُ (لِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَنْ تَرَكَ مَالًا كَثِيرًا (إنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ)

مُحْتَاجٌ كَمَا فِي الْمُغْنِي لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنْ تَتْرُكْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً» قَالَ: وَلِأَنَّ إعْطَاءَ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ خَيْرٌ مِنْ إعْطَائِهِ الْأَجْنَبِيَّ.
فَمَتَى لَمْ يَبْلُغْ الْمِيرَاثُ غِنَاهُمْ كَانَ تَرْكُهُ لَهُمْ كَعَطِيَّتِهِمْ إيَّاهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِهِ لِغَيْرِهِمْ فَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ، فِي كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَغِنَاهُمْ وَفَقْرِهِمْ (وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ بِفَرْضٍ أَوْ عَصَبَةٍ أَوْ رَحِمٍ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِكُلِّ مَالِهِ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنَّ مَنْعَ مُجَاوَزَةِ الثُّلُثِ ثَبَتَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّكَ إنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً» فَحَيْثُ لَا وَارِثَ يَنْتَفِي الْمَنْعُ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ.

(فَلَوْ مَاتَ وَتَرَكَ زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً لَا غَيْرُ، مَثَلًا وَ) كَانَ قَدْ (أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ لِزَيْدٍ أَوْ الْفُقَرَاءِ وَرَدَّ) الْوَصِيَّةَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ (فِي قَدْرِ فَرْضِهِ مِنْ الثُّلُثَيْنِ) فَإِنْ كَانَ الرَّادُّ زَوْجًا بَطَلَتْ فِي الثُّلُثِ لِأَنَّهُ لَهُ نِصْفُ الثُّلُثَيْنِ وَإِنْ كَانَ زَوْجَةً بَطَلَتْ فِي السُّدُسِ، لِأَنَّ لَهَا رُبُعَ الثُّلُثَيْنِ (فَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ الثُّلُثَ) لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةٍ (ثُمَّ يَأْخُذُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَرْضَهُ مِنْ الْبَاقِي، وَهُوَ الثُّلُثَانِ فَيَأْخُذُ رُبُعَهُمَا) وَهُوَ سُدُسٌ (إنْ كَانَ) الرَّادُّ (زَوْجَةً وَنِصْفَهُمَا) وَهُوَ ثُلُثٌ (إنْ كَانَ) الرَّادُّ (زَوْجًا، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الْبَاقِي مِنْ الثُّلُثَيْنِ) لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا، فَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ الْمَالِ أَكْثَرَ مِنْ فَرْضَيْهِمَا.

(وَلَوْ أَوْصَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ بِمَالِهِ كُلِّهِ وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْمُوصِي (وَارِثٌ غَيْرُهُ أَخَذَ) الْمُوصَى لَهُ (الْمَالَ كُلَّهُ إرْثًا وَوَصِيَّةً) لِمَا تَقَدَّمَ (وَتَحْرُمُ الْوَصِيَّةُ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ (وَقِيلَ: تُكْرَهُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: (وَهُوَ الْأَوْلَى) وَلَوْ قِيلَ بِالْإِبَاحَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ (اخْتَارَهُ جُمُوعٌ) وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهِبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمْ (عَلَى مَنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ، لِأَجْنَبِيٍّ، وَبِشَيْءٍ) مُطْلَقًا (لِوَارِثٍ) سَوَاءٌ وُجِدَتْ فِي صِحَّةِ الْمُوصِي أَوْ مَرَضِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِسَعْدٍ حِينَ قَالَ: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ: لَا، قَالَ: فَالشَّطْرُ قَالَ: لَا، قَالَ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّكَ إنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، إلَّا النَّسَائِيَّ.
(وَتَصِحُّ)

هَذِهِ الْوَصِيَّةُ الْمُحَرَّمَةُ (وَتَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ» رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ وَلَوْ خَلَا عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ فَمَعْنَاهُ: لَا وَصِيَّةَ نَافِذَةٌ أَوْ لَازِمَةٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُخَصِّصَانِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعُمُومِ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ، إنَّمَا هُوَ الْوَرَثَةُ، فَإِذَا رَضَوْا بِإِسْقَاطِهِ سَقَطَ (إلَّا إذَا أَوْصَى بِوَقْفِ ثُلُثِهِ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ فَيَجُوزُ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) .

(وَإِنْ أَسْقَطَ) مَرِيضٌ (عَنْ وَارِثِهِ دَيْنًا) فَكَوَصِيَّةٍ (وَإِنْ أَوْصَى بِقَضَائِهِ) أَيْ: قَضَاءِ دَيْنٍ عَنْ وَارِثِهِ (أَوْ أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا عَنْ زَوْجِهَا) فَكَوَصِيَّةٍ (أَوْ عَفَا عَنْ جِنَايَةٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ) فِي مَرَضِهِ الْمَخُوفِ (فَكَالْوَصِيَّةِ) يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فِي الْمَرَضِ فَهُوَ كَالْعَطِيَّةِ فِيهِ.
(وَإِنْ أَوْصَى لِوَلَدِ وَارِثِهِ) بِالثُّلُثِ فَمَا دُونُ (صَحَّ) ذَلِكَ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ (فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ نَفْعَ الْوَارِثِ لَمْ يَجُزْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ) لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ وَتَنْفُذُ حُكْمًا كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَتَصِحُّ وَصِيَّةٌ) مِنْ صَحِيحٍ وَمَرِيضٍ (لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّنٍ) مِنْ الْمَالِ (بِقَدْرِ إرْثِهِ، وَلَوْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ، كَرَجُلٍ خَلَّفَ ابْنًا وَبِنْتًا وَ) خَلَّفَ (عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَأَمَةً قِيمَتُهَا خَمْسُونَ فَوَصَّى لَهُ بِهِ) أَيْ: لِلِابْنِ بِالْعَبْدِ (وَ) وَصَّى (لَهَا بِهَا) أَيْ: لِلْبِنْتِ بِالْأَمَةِ فَيَصِحُّ لِأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الْعَيْنِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَاوَضَ الْمَرِيضُ بَعْضَ وَرَثَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيًّا جَمِيعَ مَالِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ وَلَوْ تَضَمَّنَ فَوَاتَ عَيْنِ جَمِيعِ الْمَالِ (وَكَذَا وَقْفُهُ) أَيْ: الْمَرِيضِ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ، وَكَذَا وَصِيَّتُهُ بِوَقْفِ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَقْفِ، فَإِنْ وَقَفَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ صَحَّ (لَكِنْ بِالْإِجَازَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ) الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ.
(وَاحِدًا) لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَدَّهُ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِهِ فَأَحْرَى إذَا كَانَ عَلَى نَفْسِهِ (وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْوَصَايَا وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ تَحَاصُّوا فِيهِ) أَيْ: الثُّلُثِ.
فَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ (وَلَوْ) كَانَتْ وَصِيَّةُ بَعْضِهِمْ (عِتْقًا كَمَسَائِلِ الْعَوْلِ) لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الْأَصْلِ، وَتَفَاوَتُوا فِي الْمِقْدَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ (وَالْعَطَايَا الْمُعَلَّقَةُ بِالْمَوْتِ كَقَوْلِهِ: إذَا مِتَّ فَأَعْطُوا فُلَانًا كَذَا، أَوْ) إذَا مِتَّ فَ (اعْتِقُوا فُلَانًا وَنَحْوَهُ وَصَايَا كُلُّهَا) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَهَذَا مَعْنَى الْوَصِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ كَانَتْ) الْوَصَايَا

وَالْعَطَايَا الْمُعَلَّقَةُ بِالْمَوْتِ (فِي حَالِ الصِّحَّةِ) أَوْ بَعْضُهَا فِي الصِّحَّةِ وَبَعْضُهَا فِي الْمَرَضِ؛ فَيُسَوِّي بَيْنَهُمْ (وَيُسَوِّي بَيْنَ مُقَدَّمِهَا وَمُؤَخَّرِهَا) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَوُجِدَ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَقَدَّمَ (وَ) يُسَوِّي أَيْضًا بَيْنَ (الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ) فَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَطَايَا.

(وَإِذَا أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ) الْمُعَيَّنِ وَخَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (لَزِمَ الْوَارِثَ إعْتَاقُهُ) لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ وَلُزُومِ الْوَفَاءِ بِهَا وَلَا يَعْتِقُ قَبْلَ إعْتَاقِهِ (وَيُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ) أَيْ: إعْتَاقِهِ (إنْ أَبَى) أَنْ يَعْتِقَهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْوَارِثُ أَوْ الْحَاكِمُ) عِنْدَ عَدَمِهِ أَوْ امْتِنَاعِهِ (فَهُوَ) أَيْ: الْعَبْدُ (حُرٌّ مِنْ حِينِ أَعْتَقَهُ) لَا مِنْ الْمَوْتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي مُوصَى بِوَقْفِهِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ: الْمُوصَى بِعِتْقِهِ لَيْسَ بِمُدَبَّرٍ، وَلَهُ حُكْمُ الْمُدَبَّرِ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ (وَوَلَاؤُهُ لِلْمُوصِي) لِأَنَّهُ السَّبَبُ (فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِهِ إلَى غَيْرِ الْوَارِثِ، كَانَ الْإِعْتَاقُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى مَنْ عَيَّنَهُ الْمُوصِي وَلَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ (غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ مَنْ عَيَّنَهُ الْمُوصِي (إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ) مِنْ الْإِعْتَاقِ، فَإِنْ امْتَنَعَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَهُ فَإِنْ امْتَنَعَ فَالْحَاكِمُ (وَمَا كَسَبَ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْإِعْتَاقِ فَلَهُ) أَيْ: لِلْمُوصَى بِعِتْقِهِ لِاسْتِحْقَاقِ الْحُرِّيَّةِ فِيهَا اسْتِحْقَاقًا لَازِمًا قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَكَرِهَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّمَانِينَ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي فِي آخِرِ بَابِ الْعِتْقِ: كَسْبُهُ لِلْوَرَثَةِ كَأُمِّ الْوَلَدِ انْتَهَى، وَالثَّانِي جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى فِي آخِرِ بَابِ الْمُوصَى لَهُ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ (وَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ مَا يَقِفُ عَلَى إجَازَتِهِمْ) كَالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْنَبِيٍّ، أَوْ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ (بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ) أَيْ: فِيمَا تَوَقَّفَ عَلَى الْإِجَازَةِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ فَلَوْ أَوْصَى لِأَجْنَبِيٍّ بِالنِّصْفِ فَرَدُّوهَا بَطَلَتْ فِي السُّدُسِ خَاصَّةً لِمَا تَقَدَّمَ وَنَفَذَتْ فِي الثُّلُثِ.

[فَصْلٌ حُكْمُ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ]

(فَصْلٌ وَإِجَازَتُهُمْ) أَيْ: الْوَرَثَةِ لِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَلِلْوَارِثِ بِشَيْءٍ (تَنْفِيذٌ) لِقَوْلِ الْمُوصِي (لَا هِبَةَ) أَيْ: لَيْسَتْ إجَازَتُهُمْ هِبَةً مُبْتَدَأَةً كَمَا يَقُولُهُ مَنْ قَالَ بِبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ (فَلَا تَفْتَقِرُ) الْإِجَازَةُ (إلَى شُرُوطِهَا) أَيْ: الْهِبَةِ، وَالْمُرَادُ بِالشُّرُوطِ هُنَا: مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ وَإِنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَاهِيَّةِ،

فَيَتَنَاوَلُ الْأَرْكَانَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ وَنَحْوِهِ) كَالْعِلْمِ بِمَا وَقَعَتْ فِيهِ الْإِجَازَةُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
(وَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ الْإِجَازَةُ (فَلَوْ كَانَ الْمُجِيزُ أَبًا لِلْمُجَازِ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ) فِيمَا أَجَازَهُ لِابْنِهِ، لِأَنَّ الْأَبَ إنَّمَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ، وَالْإِجَازَةُ تَنْفِيذٌ لِمَا وَهَبَهُ غَيْرُهُ لِابْنِهِ (وَلَا يَحْنَثُ بِهَا) أَيْ بِالْإِجَازَةِ (مَنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ) شَيْئًا، فَأَجَازَ الْوَصِيَّةَ بِهِ، لِأَنَّ الْإِجَازَةَ لَيْسَتْ بِهِبَةٍ (وَلَا يُعْتَبَرُ) لِصِحَّةِ الْإِجَازَةِ (أَنْ يَكُونَ الْمُجَازُ مَعْلُومًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ هِبَةً (وَلَوْ كَانَ الْمُجَازُ عِتْقًا كَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُوصِي تَخْتَصُّ بِهِ) أَيْ: بِالْإِرْثِ بِهِ (عَصَبَتُهُ) دُونَ بَاقِي وَرَثَتِهِ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَنْفِيذٌ لِفِعْلِ الْمَيِّتِ.

(وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ أَمَةً فَوَلَدَتْ قَبْلَ الْعِتْقِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ تَبِعَهَا الْوَلَدُ) فِي الْعِتْقِ (كَأُمِّ الْوَلَدِ) وَالْمُدَبَّرَةِ (وَلَوْ قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ الْمُفْتَقِرَةَ إلَى الْإِجَازَةِ) لِمُجَاوَزَتِهَا الثُّلُثَ أَوْ لِكَوْنِهَا لِوَارِثٍ (قَبْلَ الْإِجَازَةِ ثُمَّ أُجِيزَتْ) الْوَصِيَّةُ بَعْدَ قَبُولِهَا (فَالْمِلْكُ ثَابِتٌ لَهُ مِنْ حِينِ قَبُولِهِ) الْوَصِيَّةَ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولِ الْإِجَازَةِ لِأَنَّهَا تَنْفِيذٌ لِقَوْلِ الْمُوصِي لَا ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ.

(وَمَا جَاوَزَ الثُّلُثَ مِنْ الْوَصَايَا إذَا أُجِيزَ) لِلْمُوصَى لَهُ (زَاحَمَ بِهِ مَنْ لَمْ يُجَاوِزْ الثُّلُثَ كَوَصِيَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُجَاوِزَةُ الثُّلُثِ وَالْأُخْرَى غَيْرُ مُجَاوِزَةٍ كَ) وَصِيَّةِ (نِصْفٍ، وَ) وَصِيَّةٍ بِ (ثُلُثِ فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ الْمُجَاوِزَةَ لِلثُّلُثِ خَاصَّةً) وَهِيَ وَصِيَّةُ النِّصْفِ (فَإِنَّ صَاحِبَ النِّصْفِ يُزَاحِمُ صَاحِبَ الثُّلُثِ بِنِصْفٍ كَامِلٍ فَيُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ) وَهِيَ بَسْطُ النِّصْفِ وَالثُّلُثِ مِنْ مُخْرِجِهِمَا وَهُوَ سِتَّةٌ (لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ) أَيْ: الثُّلُثِ.
(وَلِلْآخَرِ) صَاحِبِ الثُّلُثِ (خُمُسَاهُ ثُمَّ يُكَمَّلُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ) نِصْفُهُ (بِالْإِجَازَةِ) وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا عَطِيَّةٌ فَإِنَّمَا يُزَاحِمُهُ بِثُلُثٍ خَاصَّةً، إذْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ عَطِيَّةٌ مَحْضَةٌ مِنْ الْوَرَثَةِ لَمْ تُتَلَقَّ مِنْ الْمَيِّتِ، فَلَا يُزَاحَمُ بِهَا الْوَصَايَا فَيُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ثُمَّ يُكَمَّلُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ بِالْإِجَازَةِ وَإِنَّمَا مَثَّلَ الْمُصَنِّفُ لِهَذِهِ لِإِشْكَالِهَا عَلَى كَثِيرٍ وَلِذَلِكَ تُمِّمَتْ بِذِكْرِ الْمُقَابِلِ.

(وَلَوْ أَجَازَ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَصِيَّةَ مَوْرُوثِهِ جَازَتْ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ مِنْ ثُلُثِهِ) لِأَنَّهَا تَنْفِيذٌ لَا عَطِيَّةٌ هَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَخَالَفَ فِي الْمُنْتَهَى تَبَعًا لِلْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ فَقَالَ تُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ لِأَنَّهُ بِالْإِجَازَةِ قَدْ تَرَكَ حَقًّا مَالِيًّا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يَتْرُكَهُ، فَهُوَ كَمُحَابَاةِ صَحِيحٍ فِي بَيْعِ خِيَارٍ لَهُ ثُمَّ مَرِضَ زَمَنَهُ (وَإِنْ كَانَ) الْمُجَازُ (وَقْفًا عَلَى الْمُجِيزِينَ صَحَّ) (وَلَزِمَ) ، لِأَنَّ الْوَقْفُ لَيْسَ صَادِرًا مِنْ الْمُجِيزِ وَلَا مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لَهُ (وَيَكْفِي فِيهَا) أَيْ: الْإِجَازَةِ (قَوْلُ الْوَارِثِ: أَجَزْتُ أَوْ أَمْضَيْتُ أَوْ أَنَفَذْتُ وَنَحْوُ ذَلِكَ) كَرَضِيتُ بِمَا فَعَلَهُ (فَإِذَا قَالَ) الْوَارِثُ (ذَلِكَ لَزِمَتْ الْوَصِيَّةُ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَطِيَّةٍ وَإِلَّا لَانْعَكَسَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ.
(وَإِنْ أَوْصَى أَوْ وَهَبَ لِوَارِثٍ) ظَاهِرًا كَأَخٍ (فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ) لِتُجَدِّد ابْنٍ (صَحَّتْ) الْوَصِيَّةُ وَالْعَطِيَّةُ إنْ خَرَجَتَا مِنْ الثُّلُث، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْوَصِيَّةِ بِحَالِ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِقَالُ إلَى الْوَارِثِ وَالْمُوصَى لَهُ وَالْعَطِيَّةُ مُلْحَقَةٌ بِالْوَصِيَّةِ فِي ذَلِكَ.
(وَعَكْسُهُ) بِأَنْ أَوْصَى لَهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ كَأَخِيهِ مَعَ وُجُودِ ابْنِهِ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا لِنَحْوِ مَوْتِ ابْنِهِ (بِعَكْسِهِ) أَيْ: فَتَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ (لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ) لِمَا تَقَدَّمَ وَالْعَطِيَّةُ مُلْحَقَةٌ بِهَا (وَلَا تَصِحُّ إجَازَتُهُمْ) أَيْ: الْوَرَثَةِ حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ (وَ) لَا يَصِحُّ (رَدُّهُمْ) حَيْثُ سَاغَ (إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي) لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ حِينَئِذٍ فَيَصِحُّ مِنْهُمْ الْإِجَازَةُ وَالرَّدُّ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
(فَلَوْ أَجَازُوا قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: مَوْتِ الْمُوصِي (أَوْ رَدُّوا) قَبْلَهُ (أَوْ أَذِنُوا لِمُوَرِّثِهِمْ فِي صِحَّتِهِ أَوْ) فِي (مَرَضِهِ بِالْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ) وَلَوْ لِأَجْنَبِيٍّ (أَوْ) أَذِنُوا لَهُ بِالْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ (لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ فَلَهُمْ الرَّدُّ بَعْدَ مَوْتِهِ) وَلَا عِبْرَةَ بِمَا صَدَرَ مِنْهُمْ قَبْلَهُ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْتَهُ، كَالْمَرْأَةِ تُسْقِطُ مَهْرَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ، وَالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ.

(وَمَنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ) لِوَارِثٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ (إذَا كَانَتْ) الْوَصِيَّةُ (جُزْءًا مُشَاعًا مِنْ التَّرِكَةِ كَنِصْفِهَا ثُمَّ قَالَ إنَّمَا أَجَزْتُ لِأَنَّنِي ظَنَنْتُ الْمَالَ قَلِيلًا) بِأَنْ كَانَتْ سِتَّةَ آلَافٍ فَقَالَ ظَنَنْتُهُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُجِيزِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُجِيزَ إنَّمَا يَتْرُكُ الِاعْتِرَاضَ لِلْمُوصَى لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْمُنَازَعَةَ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ وَيَسْتَخِفُّهُ فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ إنَّمَا أَجَازَ لِظَنِّهِ قِلَّةَ الْمَالِ كَانَ الظَّاهِرُ مَعَهُ فَصَدَقَ (مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ كَذِبُهُ.
(وَلَهُ) أَيْ: الْمُجِيزِ (الرُّجُوعُ بِمَا زَادَ عَلَى ظَنِّهِ) لِأَنَّ مَا هُوَ فِي ظَنِّهِ قَدْ أَجَازَهُ فَلَا اعْتِرَاضَ لَهُ فِيهِ فَبَقِيَ مَا لَيْسَ فِي ظَنِّهِ، فَيَرْجِعُ بِهِ فَفِي الْمِثَالِ يَرْجِعُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَيَحْصُلُ لِلْمُوصَى لَهُ أَلْفَانِ وَخَمْسمِائَةٍ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ ظَاهِرًا لَا يَخْفَى) فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُجِيزِ أَنَّهُ ظَنَّهُ قَلِيلًا لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِعِلْمِهِ) أَيْ: الْمُجِيزِ (بِقَدْرِهِ) أَيْ: الْمَالِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ.

(وَإِنْ كَانَ الْمُجَازُ عَيْنًا كَعَبْدٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ) مُعَيَّنٍ (يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ) وَصَّى بِهِ أَوْ وَهَبَهُ الْمَرِيضُ فَأَجَازَ الْوَارِثُ (وَقَالَ) بَعْدَ الْإِجَازَةِ (ظَنَنْتُ الْمَالَ كَثِيرًا تَخْرُجُ الْوَصِيَّةُ مِنْ ثُلُثِهِ فَبَانَ) الْمَالُ (قَلِيلًا أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ أَعْلَمْهُ) لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ:

(أَوْ كَانَ الْمُجَازُ مَبْلَغًا مَعْلُومًا) كَمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ عَشْرَةِ دَنَانِيرَ أَوْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ بُرٍّ تَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ أَوْصَى بِهَا وَأَجَازَهَا الْوَارِثُ ثُمَّ قَالَ ظَنَنْتُ الْبَاقِيَ كَثِيرًا فَبَانَ قَلِيلًا أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ أَعْلَمْهُ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) وَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ لِأَنَّ الْمُجَازَ مَعْلُومٌ لَا جَهَالَةَ فِيهِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَإِنْ قَالَ ظَنَنْتُ قِيمَتَهُ أَلْفًا فَبَانَ أَكْثَرَ قُبِلَ وَلَيْسَ نَقْضًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْإِجَازَةِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَقَالَ وَإِنْ أَجَازَ وَقَالَ أَرَدْتُ أَنَّ أَصْلَ الْوَصِيَّة قُبِلَ (وَلَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ أَشْبَهَتْ الْهِبَةَ (إلَّا الْمُفْلِسِ وَالسَّفِيهِ) فَتَصِحُّ الْإِجَازَةُ مِنْهُمَا لِأَنَّهَا تَنْفِيذٌ لَا ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ.

[فَصْلٌ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ إلَّا بِقَبُولِهِ]

فَصْلٌ (وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ) فِي الْوَصِيَّةِ (لِلْمُوصَى لَهُ إلَّا بِقَبُولِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ إنْ كَانَ) الْمُوصَى لَهُ.
(وَاحِدًا) كَزَيْدٍ (أَوْ جَمْعًا مَحْصُورًا) كَأَوْلَادِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ فَاعْتُبِرَ قَبُولُهُ كَالْهِبَةِ قَالَ أَحْمَدُ: الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَاحِدَةٌ (فَوْرًا أَوْ تَرَاخِيًا) أَيْ: يَجُوزُ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي (وَلَا عِبْرَةَ بِقَبُولِهِ) الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الْمَوْتِ.
(وَ) لَا عِبْرَةَ بِ (رَدِّهِ) الْوَصِيَّةَ (قَبْلَ الْمَوْتِ) لِأَنَّهُ قَبْلَهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ (وَيَحْصُلُ الْقَبُولُ بِاللَّفْظِ) كَقَبِلْتُ (وَبِمَا قَامَ مَقَامَهُ مِنْ الْأَخْذِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى الرِّضَا) كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ (وَيَحْصُلُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ) أَيْ: الْمُوصَى لَهُ (رَدَدْتُ الْوَصِيَّةَ أَوْ مَا أَقْبَلُهَا أَوْ مَا أَدَّى هَذَا الْمَعْنَى) نَحْوُ أَبْطَلْتُهَا.

(وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمُوصَى بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِالْقَبُولِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ) وَلَوْ كَانَ مَكِيلًا وَنَحْوَهُ، لِأَنَّ الْمِلْكَ اسْتَقَرَّ فِيهِ بِالْقَبُولِ فَلَا يُخْشَى انْفِسَاخُهُ وَلَا رُجُوعَ بِبَدَلِهِ عَلَى أَحَدٍ كَالْوَدِيعَةِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ يُخْشَى انْفِسَاخُ الْبَيْعِ فِيهِ.

(وَإِنْ كَانُوا) أَيْ: الْمُوصَى لَهُمْ (غَيْرَ مَحْصُورِينَ كَالْفُقَهَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ كَبَنِي تَمِيمٍ أَوْ عَلَى مَصْلَحَةٍ كَمَسْجِدٍ وَحَجٍّ) لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ.
(وَلَزِمَتْ) الْوَصِيَّةُ (بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ) لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْقَبُولِ مِنْهُمْ مُتَعَذَّرٌ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ كَالْوَقْفِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَيُكْتَفَى بِهِ (وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ ذُو رَحِمٍ مِنْ الْمُوصَى بِهِ مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ بِعَبْدٍ لِلْفُقَرَاءِ وَأَبُوهُ) أَيْ: الْعَبْدُ (فَقِيرٌ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ إلَّا بِالْقَبْضِ.

(وَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي) بَطَلَتْ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ صَادَفَتْ الْمُعْطَى مَيِّتًا فَلَمْ تَصِحَّ كَمَا لَوْ وَهَبَ مَيِّتًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَوْصَى بِقَضَاءِ دَيْنِهِ فَلَا تَبْطُلُ كَمَا يَأْتِي (أَوْ رَدَّ) الْمُوصَى لَهُ (الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ: الْمُوصِي (بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي حَالٍ يَمْلِكُ قَبُولَهُ وَأَخْذَهُ أَشْبَهَ عَفْوَ الشَّفِيعِ عَنْ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الْبَيْعِ.

(وَإِنْ رَدَّهَا) أَيْ: الْمُوصَى لَهُ (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ: الْمُوصِي (وَبَعْدَ قَبُولِهِ) لَمْ

تَبْطُلْ (وَلَوْ) كَانَ الرَّدُّ (قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَوْ فِي مَكِيلٍ وَنَحْوِهِ) كَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَحْصُلُ فِيهِ بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، فَلَا يَمْلِكُ رَدَّهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ.

(أَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي لَمْ تَبْطُلْ) الْوَصِيَّةُ لِأَنَّ تَفْرِيغَ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ الْمَدِينِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَتَفْرِيغِهَا قَبْلَهُ لِوُجُودِ الشُّغْلِ فِي الْحَالَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا.

(وَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ) الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ: الْمُوصِي (وَلَا رَدَّ) الْوَصِيَّةَ، (حُكِمَ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَبَطَلَ حَقُّهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهَا إنَّمَا تَنْتَقِلُ إلَى مِلْكِهِ بِالْقَبُولِ وَلَمْ يُوجَدْ.
(وَكُلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ فِيهِ الرَّدُّ بَطَلَتْ فِيهِ الْوَصِيَّةُ وَيَرْجِعُ الْمُوصَى بِهِ إلَى التَّرِكَةِ وَيَكُونُ لِلْوَارِثِ وَلَوْ خَصَّ بِهِ الرَّادُّ وَاحِدًا مِنْهُمْ) لَمْ يَتَخَصَّصْ وَكَانَ بَيْنَ الْكُلِّ، لِأَنَّ الْمَرْدُودَ عَادَ إلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ فَلَا اخْتِصَاصَ (وَكُلُّ مَوْضِعٍ امْتَنَعَ الرَّدُّ فِيهِ) أَيْ: الْمُوصَى بِهِ (لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ) أَيْ: الْمُوصَى لَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُوصَى بِهِ (فَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ بَعْضَ الْوَرَثَةِ) فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ تَمْلِيكٍ، لِأَنَّ لَهُ تَمْلِيكَهُ لِأَجْنَبِيٍّ فَلَهُ تَمْلِيكُهُ لِوَارِثٍ وَإِذَنْ لَوْ قَالَ: أَرَدْتُ الْوَصِيَّةَ لِفُلَانٍ فَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يُفِيدُ تَمْلِيكَ فُلَانٍ فَيَصِحُّ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالْمُجَرَّدِ: يُقَالُ لَهُ مَا أَرَدْتُ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ تَمْلِيكَهُ إيَّاهَا وَتَخْصِيصَهُ بِهَا فَقَبِلَهَا اُخْتُصَّ بِهَا وَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ رَدَّهَا إلَى جَمِيعِهِمْ لِيَرْضَى فُلَانٌ بِمَا رَدَدْتُ إلَى جَمِيعِهِمْ إذَا قَبِلُوهَا فَإِنْ قَبِلَهَا بَعْضُهُمْ فَلَهُ حِصَّتُهُ انْتَهَى وَفِيهِ بَحْثٌ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ.

(وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ مُوَرِّثِهِمْ إذَا كَانَ الْمَالُ) الْمَتْرُوكُ (عَيْنًا حَاضِرَةً يَتَمَكَّنُ) الْوَارِثُ (مِنْ قَبْضِهَا) وَتَلِفَتْ (فَلَوْ تَرَكَ) الْمَيِّتُ (مِائَتَيْ دِينَارٍ وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ) دِينَارٍ (مُوصًى بِهِ لِرَجُلٍ) كَزَيْدٍ (فَسُرِقَتْ الدَّنَانِيرُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي) وَتَمَكَّنَ الْوَرَثَةُ مِنْ قَبْضِهَا (فَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ.
(وَجَبَ الْعَبْدُ لِلْمُوصَى لَهُ وَذَهَبَتْ دَنَانِيرُ الْوَرَثَةِ) لِأَنَّ مِلْكَهُمْ اسْتَقَرَّ بِثُبُوتِ سَبَبِهِ، إذْ هُوَ لَا يُخْشَى انْفِسَاخُهُ، وَلَا رُجُوعَ لَهُمْ بِالْبَدَلِ عَلَى أَحَدٍ فَأَشْبَهَ الْمُودِعَ وَنَحْوَهُ بِخِلَافِ الْمَمْلُوكِ بِالْعُقُودِ.

تَنْبِيهٌ " أَرْكَانُ الْوَصِيَّةِ أَرْبَعَةٌ: مُوصٍ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَمُوصًى بِهِ وَمُوصًى لَهُ وَيَأْتِيَانِ، وَصِيغَةٌ، وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا، وَذَكَرَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: (وَتَنْعَقِدُ الْوَصِيَّةُ بِقَوْلِهِ: وَصَيْتُ لَكَ) بِكَذَا (أَوْ) وَصَيْتُ (لِزَيْدٍ بِكَذَا أَوْ أَعْطُوهُ مِنْ مَالِي بَعْدَ مَوْتِي كَذَا أَوْ ادْفَعُوهُ إلَيْهِ) بَعْدَ مَوْتِي (أَوْ جَعَلْتُهُ لَهُ) بَعْدَ مَوْتِي (أَوْ هُوَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ هُوَ لَهُ مِنْ مَالِي بَعْدَ مَوْتِي وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا، كَمَلَّكْتُهُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي.

(وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً فَالْمُطْلَقَةُ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتَّ فَثُلُثِي لِلْمَسَاكِينِ أَوْ لِزَيْدٍ وَالْمُقَيَّدَةُ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتَّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ أَوْ فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ فَثُلُثِي لِلْمَسَاكِينِ)

كَالْوَكَالَةِ وَالْجِعَالَةِ (فَإِنْ بَرِئَ) الْمُوصِي (مِنْ مَرَضِهِ أَوْ قَدِمَ) الْمُوصِي (مِنْ سَفَرِهِ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْبَلْدَةِ ثُمَّ مَاتَ بَطَلَتْ) أَيْ: لَمْ تَنْعَقِدْ (الْوَصِيَّةُ) لِعَدَمِ وُجُودِ شُرُوطِهَا.
(وَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ) لِلْوَصِيَّةِ (قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ) لِلْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمَوْرُوثِ فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ» وَكَخِيَارِ الْعَيْبِ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَلَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، كَعَقْدِ الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ إذَا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا، وَبِهَذَيْنِ فَارَقَتْ الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ قَبْلَ الْقَبُولِ وَأَيْضًا الْوَصِيَّةُ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوجِبِ لَهَا فَلَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِ الْآخَرِ (فَإِنْ كَانَ وَارِثُهُ جَمَاعَةً اُعْتُبِرَ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ مِنْ جَمِيعِهِمْ فَمَنْ قَبِلَ مِنْهُمْ) فَلَهُ حُكْمُهُ مِنْ لُزُومِ الْوَصِيَّةِ فِي نَصِيبِهِ (أَوْ رَدَّ) مِنْهُمْ (فَلَهُ حُكْمُهُ) مِنْ سُقُوطِ حَقِّهِ مِنْ نَصِيبِهِ وَعَوْدِهِ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي.
(فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ) وَهُوَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ (قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ) فِي ذَلِكَ (فَيَفْعَلُ مَا فِيهِ الْحَظُّ) لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَإِنْ فَعَلَ) الْوَلِيُّ (غَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرَ مَا فِيهِ الْحَظُّ (لَمْ يَصِحَّ) فَإِذَا كَانَ الْحَظُّ فِي قَبُولِهَا لَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ وَكَانَ لَهُ قَبُولُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي رَدِّهَا لَمْ يَصِحَّ قَبُولُهُ لَهَا لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِ مَا لَهُ الْحَظُّ فِيهِ.

(فَلَوْ وَصَّى لِصَبِيٍّ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ مَجْنُونٍ بِذِي رَحِمٍ يُعْتَقُ بِمِلْكِهِ لَهُ) كَأَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ وَعَمِّهِ (وَكَانَ عَلَى الصَّبِيِّ ضَرَرٌ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي قَبُولِ الْوَصِيَّةِ لَهُ (بِأَنْ تَلْزَمَهُ نَفَقَةُ الْمُوصَى بِهِ لِكَوْنِهِ) أَيْ: الْمُوصَى بِهِ (فَقِيرًا لَا كَسْبَ لَهُ وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ مُوسِرٌ) قَادِرٌ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ: الْوَلِيِّ (قَبُولُ الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِمَحْجُورِهِ فِي قَبُولِهَا.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَحْجُورِ (ضَرَرٌ لِكَوْنِ الْمُوصَى بِهِ ذَا كَسْبٍ وَلِكَوْنِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَقِيرًا لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ تَعَيَّنَ الْقَبُولُ) لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً بِلَا مَضَرَّةٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ إلَّا بِقَبُولِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ (فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ أَوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمُوصَى بِهِ (بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ) وَالنَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ (كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَالْكَسْبِ فَلِلْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ) أَيْ: الْمُوصَى بِهِ (مِلْكُهُمْ) فَنَمَاؤُهُ لَهُمْ وَتَتْبَعُهَا الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ.

(وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ) لِزَيْدٍ مَثَلًا (بِأَمَةٍ فَوَطِئَهَا الْوَارِثُ) الْمُوصِي (قَبْلَ الْقَبُولِ وَأَوْلَدَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) بِمُجَرَّدِ الْإِحْبَالِ لِأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ مَالِكِهَا (وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ) لِأَنَّهُ مِنْ مَالِكٍ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْوَاطِئِ

(قِيمَتُهَا لِلْمُوصَى لَهُ إنْ قَبِلَهَا) بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا وَإِنَّمَا وَجَبَ لَهُ قِيمَتُهَا بِإِتْلَافِهَا قَبْلَ دُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ بِالْقَبُولِ إذَا قَبِلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِثُبُوتِ حَقِّ التَّمَلُّكِ لَهُ فِيهَا بِمَوْتِ الْمُوصِي فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَضَيْتُمْ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَهِيَ لَا تُعْتَقُ بِإِعْتَاقِهِ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى وَلِذَلِكَ يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالشَّرِيكِ الْمُعْسَرِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ إعْتَاقُهُ.
(وَإِنْ وَطِئَهَا) أَيْ: الْأَمَةَ (الْمُوصَى لَهُ) بِهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي (كَانَ ذَلِكَ قَبُولًا) لِأَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ فِي الْمِلْكِ فَتَعَاطِيهِ دَلِيلُ اخْتِيَارِ الْمِلْكِ (كَالْهِبَةِ فَيَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ بِهِ) كَقَبُولِهِ بِاللَّفْظِ (وَكَوَطْءِ الرَّجْعِيَّةِ) تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ.

(وَلَوْ وَصَّى لَهُ) فِي نُسْخَةٍ لِحُرٍّ (بِزَوْجَتِهِ فَقَبِلَهَا) الْمُوصَى لَهُ (انْفَسَخَ النِّكَاحُ) لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ مِلْكِ الْيَمِينِ (فَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ كَانَتْ حَامِلًا بِهِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ فَهُوَ مُوصًى بِهِ مَعَهَا) تَبَعًا لَهَا (وَإِنْ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَوَلَدَتْهُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي فَهُوَ) أَيْ: الْوَلَدُ (لَهُ) أَيْ: لِلْمُوصِي تَبَعًا لِأُمِّهِ.
(وَ) إنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ (قَبْلَ الْقَبُولِ فَ) الْوَلَدُ (لِلْوَرَثَةِ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِمْ (وَ) يَكُونُ الْوَلَدُ (لِأَبِيهِ إنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْقَبُولِ تَبَعًا لِأُمِّهِ.
(وَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ الْوَلَدُ لِلْمُوصَى لَهُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) بِالْمِلْكِ لِأَنَّهُ ابْنُهُ.
(وَإِنْ حَمَلَتْ) الْمُوصَى بِهَا (بِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَوَضَعَتْهُ قَبْلَ الْقَبُولِ فَ) الْوَلَدُ (لِلْوَرَثَةِ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِمْ.
(وَ) إنْ حَمَلَتْ (بِهِ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْقَبُولِ فَالْوَلَدُ (لِأَبِيهِ) حُرُّ الْأَصْلِ (وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ) لِأَنَّهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ حَالَ إحْبَالِهِ (هَذَا كُلُّهُ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ) كُلُّهَا مِنْ الثُّلُثِ (مَلَكَ) الْمُوصَى لَهُ (مِنْهَا بِقَدْرِهِ) أَيْ: الثُّلُثِ إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ.
(وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ) لِحُصُولِ الْمِلْكِ فِي الْبَعْضِ (وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَكُونُ الْوَلَدُ لِأَبِيهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ مِنْهُ هَاهُنَا بِقَدْرِ مِلْكِهِ مِنْ أُمِّهِ وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى بَاقِيهِ إنْ كَانَ) الْمُوصَى لَهُ (مُوسِرًا) بِقِيمَةٍ بَاقِيَةٍ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُوسِرًا بِقِيمَةٍ بَاقِيَةٍ عَتَقَ (مَا مَلَكَ مِنْهُ فَقَطْ) وَلَا سِرَايَةَ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهَا (وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ) هُنَاكَ (فَإِنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ هُنَا مُوسِرًا كَانَ) الْمُوصَى لَهُ (أَوْ مُعْسَرًا) لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِهْلَاكِ وَتَقَدَّمَ.

(وَإِنْ وَصَّى لَهُ) أَيْ: لِزَيْدٍ مَثَلًا (بِأَبِيهِ فَمَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ الْقَبُولِ) وَالرَّدِّ (فَقَبِلَ ابْنُهُ) الْوَصِيَّةَ (صَحَّ) الْقَبُولُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْجَدُّ) بِالْمِلْكِ (وَلَمْ يَرِثْ) الْعَتِيقُ (مِنْ ابْنِهِ شَيْئًا) لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُ إنَّمَا حَصَلَتْ حِينَ الْقَبُولِ بَعْدَ أَنْ صَارَ الْمِيرَاثُ لِغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ ابْنَ أَخٍ لِلْمُوصَى لَهُ وَقَدْ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَقَبِلَ ابْنُهُ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ، لِأَنَّ الْقَابِلَ إنَّمَا تَلَقَّى الْوَصِيَّةَ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي لَا مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ وَلِذَا لَا تُقْضَى دُيُونُ مُوصًى لَهُ مَاتَ بَعْدَ مُوصٍ وَقَبْلَ قَبُولٍ مِنْ وَصِيَّتِهِ إذَا قَبِلَهَا

وَارِثُهُ.

(وَلَوْ وَصَّى لَهُ) أَيْ: لِزَيْدٍ مَثَلًا (بِأَرْضٍ فَبَنَى الْوَارِثُ فِيهَا وَغَرَسَ قَبْلَ الْقَبُولِ، ثُمَّ قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ فَكَبِنَاءِ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ وَغَرْسِهِ) فَيَكُونُ مُحْتَرَمًا يَتَمَلَّكُهُ الْمُوصَى لَهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ يَقْلَعُهُ وَيَغْرَمُ نَقْصَهُ، لِأَنَّ الْوَارِثَ بَنَى وَغَرَسَ فِي مِلْكِهِ فَلَيْسَ بِظَالِمٍ فَلِعَرَقِهِ حَقٌّ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِالْوَصِيَّةِ أَوْ لَا.

(وَلَوْ بِيعَ شِقْصٌ فِي شَرِكَةِ الْوَرَثَةِ وَ) شَرِكَةِ (الْمُوصَى لَهُ) عَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ وَكَانَ الْبَيْعُ (قَبْلَ قَبُولِهِ) الْوَصِيَّةَ (ثُمَّ قَبِلَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ حَالَ الْبَيْعِ وَتَخْتَصُّ الْوَرَثَةُ بِالشُّفْعَةِ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالْمِلْكِ.

(وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ) نِصَابًا (زَكَوِيًّا وَتَأَخَّرَ الْقَبُولُ مُدَّةً تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا فِي مِثْلِهِ) بِأَنْ يَكُونَ نَقْدًا فَيَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ أَوْ مَاشِيَةً فَتَسُومُ الْحَوْلَ أَوْ زَرْعًا أَوْ ثَمَرًا فَيَبْدُو صَلَاحُهُ قَبْلَ قَبُولِهِ (فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) عَلَى الْمُوصَى لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَا عَلَى الْوَارِثِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ أَوْلَى، لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ تَامٍّ وَتَرَدَّدَ فِيهِ ابْنُ رَجَبٍ.
(وَأَمَّا اعْتِبَارُ قِيمَةِ الْمُوصَى بِهِ) عِنْدَ تَقْوِيمِهِ (فَ) تُعْتَبَرُ (يَوْمَ الْمَوْتِ) لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ تَعَلَّقَ بِالْمُوصَى بِهِ تَعَلُّقًا قَطَعَ تَصَرُّفَ الْوَرَثَةِ فِيهِ، فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ الْجَانِي وَزِيَادَتُهُ الْمُتَّصِلَةُ تَابِعَةٌ لَهُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ (وَيَأْتِي آخِرَ بَابِ الْمُوصَى بِهِ) .

[فَصْلٌ حُكْمُ الرُّجُوعِ فِي الْوَصِيَّةِ]

(فَصْلٌ وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ وَفِي بَعْضِهَا وَلَوْ بِالْإِعْتَاقِ) لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " يُغَيِّرُ الرَّجُلُ مَا شَاءَ فِي وَصِيَّتِهِ " وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ تُنْجَزُ بِالْمَوْتِ فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا قَبْلَ تَنْجِيزِهَا كَهِبَةِ مَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَتُفَارِقُ التَّدْبِيرَ فَإِنَّهُ تَعْلِيمٌ عَلَى شَرْطٍ فَلَمْ يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ كَتَعْلِيقِهِ عَلَى صِفَةٍ فِي الْحَيَاةِ (فَإِذَا قَالَ) الْمُوصِي (قَدْ رَجَعْتُ فِي وَصِيَّتِي أَوْ أَبْطَلْتُهَا أَوْ غَيَّرْتُهَا) أَوْ فَسَخْتُهَا بَطَلَتْ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الرُّجُوعِ (أَوْ قَالَ) الْمُوصِي (فِي الْمُوصَى بِهِ هُوَ لِوَرَثَتِي أَوْ) هُوَ (فِي مِيرَاثِي فَهُوَ رُجُوعٌ) عَنْ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَهُ وَصِيَّةً.

(وَإِنْ قَالَ مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِزَيْدٍ فَهُوَ لِعَمْرٍو كَانَ لِعَمْرٍو وَلَا شَيْءَ) مَعَهُ (لِزَيْدٍ) لِرُجُوعِهِ عَنْهُ وَصَرْفهُ إلَى عَمْرو وَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ (وَإِذَا أَوْصَى لِإِنْسَانٍ) كَزَيْدٍ (بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ) وَكَعَبْدٍ سَالِمٍ

(ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ) فَهُوَ بَيْنَهُمَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ هُوَ بَيْنَهُمَا (أَوْ وَصَّى لَهُ) أَيْ: لِزَيْدٍ (بِثُلُثِهِ) مَثَلًا (ثُمَّ وَصَّى لِآخَرَ بِثُلُثِهِ) فَهُوَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الرَّدِّ لِلتَّزَاحُمِ وَإِنْ أُجِيزَ لَهُمَا أَخْذُ كُلِّ الثُّلُثِ لِتَغَايُرِهِمَا (أَوْ وَصَّى لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ ثُمَّ وَصَّى بِهِ) أَيْ: بِجَمِيعِ مَالِهِ (لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) لِلتَّزَاحُمِ (وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْمُوصَى لَهُمَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ (قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي) كَانَ الْكُلُّ لِلْآخَرِ (أَوْ رُدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ) أَيْ: مَوْتِ الْمُوصِي (كَانَ الْكُلُّ لِلْآخَرِ لِأَنَّهُ اشْتِرَاكُ تَزَاحُمٍ) وَقَدْ زَالَ الْمُزَاحِمُ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: قَبْلَ مَوْت الْمُوصِي أَنَّهُ لَوْ مَاتَ بَعْدَهُ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ وَتَقَدَّمَ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ رُدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ أَنَّ رَدَّهُ قَبْلَهُ لَا أَثَرَ لَهُ وَتَقَدَّمَ.

(وَإِذَا أَوْصَى بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ، وَ) أَوْصَى (لِآخَرَ بِثُلُثِهِ فَهُوَ) أَيْ: الْعَبْدُ (بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا) بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِمَا كَمَا يَأْتِي فِي عَمَلِ الْوَصَايَا.
(وَإِنْ وَصَّى بِهِ) أَيْ: بِالْعَبْدِ وَنَحْوِهِ (لِاثْنَيْنِ فَرَدَّ أَحَدُهُمَا وَصِيَّتَهُ) وَقَبِلَ الْآخَرُ (فَلِلْآخَرِ نِصْفُهُ) أَيْ: الْعَبْدِ لِأَنَّهُ الْمُوصَى لَهُ بِهِ.

(وَإِنْ وَصَّى لِاثْنَيْنِ بِثُلُثَيْ مَالِهِ فَرَدَّ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ) لِمُجَاوَزَتِهِ الثُّلُثَ (وَرَدَّ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ وَصِيَّتَهُ فَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ كَامِلًا) لِأَنَّهُ مُوصًى لَهُ بِهِ وَلَا مُزَاحِمَ لَهُ فِيهِ.

(وَإِذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّ أَبَاهُ وَصَّى بِالثُّلُثِ لِرَجُلٍ وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ وَصَّى لَهُ بِالثُّلُثِ فَرَدَّ الْوَارِثُ الْوَصِيَّتَيْنِ وَكَانَ الْوَارِثُ رَجُلًا عَدْلًا وَشَهِدَ بِالْوَصِيَّةِ حَلَفَ مَعَهُ الْمُوصَى لَهُ وَاشْتَرَكَا فِي الثُّلُثِ) لِأَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
(وَإِنْ كَانَ) الْوَارِثُ (الْمُقِرُّ لَيْسَ بِعَدْلٍ أَوْ كَانَ) الْمُقِرُّ (امْرَأَةً فَالثُّلُثُ لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ) لِثُبُوتِ وَصِيَّتِهِ دُونَ الْمُقَرِّ لَهُ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ فَأَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِالثُّلُثِ أَوْ) أَقَرَّ لَهُ (بِهَذَا الْعَبْدِ وَأَقَرَّ لِآخَرَ بِهِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ فَالْمُقَرُّ بِهِ بَيْنَهُمَا) لِقِيَامِ الْمُقْتَضَى، وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسَيْنِ فَلَا يُقْبَلُ لِلْمُتَأَخِّرِ لِتَضَمُّنِهِ رَفْعَ مَا ثَبَتَ لِلْمُتَقَدِّمِ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَالْأَلْفُ بَيْنَهُمَا قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي.

(وَإِنْ بَاعَ الْمُوصِي مَا أَوْصَى بِهِ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ) فَرُجُوعٌ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ وَهُوَ يُنَافِي الْوَصِيَّةَ (أَوْ رَهَنَهُ) فَرُجُوعٌ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَيْعِ (أَوْ أَكَلَهُ أَوْ أَطْعَمَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ أَوْ أَوْجَبَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَلَمْ يَقْبَلْ) الْمُبْتَاعُ أَوْ الْمُتَّهَبُ (فِيهِمَا) فَرُجُوعٌ (أَوْ عَرَضَهُ) الْمُوصِي (لِبَيْعٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ وَصَّى بِبَيْعِهِ أَوْ) وَصَّى بِ (عِتْقِهِ وَهِبَتِهِ) فَرُجُوعٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ (أَوْ أَصْدَقَهُ) لِامْرَأَةٍ نَكَحَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ جَعَلَهُ عِوَضًا فِي خُلْعٍ) أَوْ صُلْحٍ أَوْ جِعَالَةٍ أَوْ عِتْقٍ وَنَحْوِهَا (أَوْ) جَعَلَهُ (أُجْرَةً فِي إجَارَةٍ) فَرُجُوعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ (أَوْ كَانَ) الْمُوصَى بِهِ (قُطْنًا فَحَشَى بِهِ فِرَاشًا أَوْ) كَانَ (مَسَامِيرَ فَسَمَّرَ بِهَا بَابًا) فَرُجُوعٌ.
(أَوْ قَالَ مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ) فَرُجُوعٌ (أَوْ كَاتَبَ الْعَبْدَ) الْمُوصَى بِهِ (أَوْ دَبَّرَهُ) فَرُجُوعٌ (أَوْ خَلَطَهُ) أَيْ: الْمُوصَى بِهِ (بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ) كَزَيْتٍ بِزَيْتٍ أَوْ شَيْرَجٍ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمُوصَى بِهِ (صُبْرَةً) فَخَلَطَهَا (بِغَيْرِهَا) عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ فَرُجُوعٌ (أَوْ أَزَالَ اسْمَهُ أَوْ زَالَ هُوَ) أَيْ: زَالَ اسْمُهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ (أَوْ بَعْضَهُ) أَيْ: أَزَالَ اسْمَ بَعْضِهِ (أَوْ زَالَ) اسْمُ بَعْضِهِ (فَطَحَنَ الْحِنْطَةَ أَوْ خَبَزَ الدَّقِيقَ وَعَجَنَهُ أَوْ جَعَلَ الْخُبْزَ فَتِيتًا أَوْ غَزَلَ الْقُطْنَ وَالْكَتَّانَ أَوْ نَسَجَ الْغَزْلَ أَوْ عَمِلَ الثَّوْبَ قَمِيصًا وَفَصَّلَهُ) أَيْ: الثَّوْبَ (أَوْ كَانَ) الْمُوصَى بِهِ (جَارِيَةً فَأَحْبَلَهَا أَوْ ضَرَبَ النُّقْرَةَ) الْمُوصَى بِهَا (دَرَاهِمَ أَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ) الْمُوصَى بِهَا (أَوْ بَنَى أَوْ غَرَسَ) مَا أَوْصَى بِهِ بِأَنْ كَانَ حَجَرًا أَوْ آجُرًّا فَبَنَاهُ أَوْ نَوَى وَنَحْوُهُ فَغَرَسَهُ فَرُجُوعٌ.
وَلَوْ غَرَسَ الْأَرْضَ الْمُوصَى بِهَا أَوْ بَنَاهَا فَرُجُوعٌ أَيْضًا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ لِلدَّوَامِ فَيُشْعِرُ بِالصَّرْفِ عَلَى الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الزِّرَاعَةِ ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ (أَوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ) الْمُوصَى بِهَا (بَابًا) أَوْ نَحْوَهُ (أَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ) الْمُوصَى بِهَا (أَوْ) انْهَدَمَ (بَعْضُهَا وَزَالَ اسْمُهَا) فَرُجُوعٌ (أَوْ أَعَادَهَا) أَيْ: أَعَادَ الْمُوصِي دَارًا انْهَدَمَتْ.
(وَلَوْ بِآلَتِهَا الْقَدِيمَةِ) أَوْ جَعَلَهَا حَمَّامًا وَنَحْوَهُ (فَرُجُوعٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِيَارِ الرُّجُوعِ (لَا إنْ جَحَدَ) الْمُوصِي (الْوَصِيَّةَ) فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ رُجُوعًا لِأَنَّهَا عَقْدٌ، فَلَا تَبْطُلُ بِالْجُحُودِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ (أَوْ أَجَّرَ) الْمُوصِي الْعَيْنَ الْمُوصَى بِهَا (أَوْ زَوَّجَ) الْأَمَةَ الْمُوصَى بِهَا (أَوْ زَرَعَ) الْأَرْضَ الْمُوصَى بِهَا (أَوْ وَطِئَ الْأَمَةَ) الْمُوصَى بِهَا وَلَمْ تَحْمِلْ مِنْ وَطْئِهِ فَلَيْسَ رُجُوعًا لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ.
(أَوْ خَلَطَهُ) أَيْ: خَلَطَ الْمُوصِي الْمُوصَى بِهِ (بِمَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ) كَبُرٍّ بِبَاقِلَّاءٍ (أَوْ لَبِسَ) الْمُوصِي الثَّوْبَ الْمُوصَى بِهِ (أَوْ سَكَنَ) الْمُوصِي الْمَكَانَ (الْمُوصَى بِهِ) فَلَا رُجُوعَ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ وَلَا الِاسْمَ وَلَا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ (أَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فَتَلِفَ الْمَالُ) الَّذِي كَانَ يَمْلِكُهُ حِينَ الْوَصِيَّةِ بِإِتْلَافِهِ وَغَيْرِهِ (أَوْ بَاعَهُ ثُمَّ مَلَكَ مَالًا) غَيْرَهُ فَلَا رُجُوعَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يَمْلِكُهُ حِينَ الْمَوْتِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهَا (أَوْ انْهَدَمَتْ) الدَّارُ الْمُوصَى بِهَا.
(وَلَمْ يُزِلْ اسْمَهَا أَوْ غَسَلَ الثَّوْبَ) الْمُوصَى بِهِ أَوْ عَلَّمَ الرَّقِيقَ الْمُوصَى بِهِ صَنْعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ وَلَا الِاسْمَ وَلَا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ.

(وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ ثُمَّ خَلَطَ) الْمُوصِي (الصُّبْرَةَ بِ) صُبْرَةٍ (أُخْرَى لَمْ يَكُنْ) ذَلِكَ رُجُوعًا (سَوَاءٌ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ) بِ (دُونِهَا) مِمَّا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ لِأَنَّ الْقَفِيزَ كَانَ مُشَاعًا وَبَقِيَ عَلَى إشَاعَتِهِ.

(وَإِنْ زَادَ) الْمُوصِي (فِي الدَّارِ عِمَارَةً لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُوصَى لَهُ الْعِمَارَةَ وَتَكُونُ) الْعِمَارَةُ (لِلْوَارِثِ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمْ تُوجَدْ حِينَ الْعَقْدِ فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْوَصِيَّةِ (لَا الْمُتَهَدِّمُ)

الْمُنْفَصِلُ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الدَّارِ قَبْلَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ عِنْدَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ (لِأَنَّ الْأَنْقَاضَ مِنْهَا) فَتَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ.
(وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِدَارٍ دَخَلَ فِيهَا) أَيْ: الدَّارِ (مَا يَدْخُلُ) فِيهَا (فِي الْبَيْعِ) وَتَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ.

(وَإِنْ عَلَّقَ الْوَصِيَّةَ عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ مَوْتِهِ إذَا كَانَ يَرْتَقِبُ وُقُوعَهَا كَقَوْلِهِ أَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا إذَا مَرَّ شَهْرٌ بَعْدَ مَوْتِي) صَحَّ (أَوْ قَالَ) وَصَيْتُ (لِفُلَانَةَ بِكَذَا إذَا وَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِي صَحَّ) التَّعْلِيقُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تَعْلِيقُهَا وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَتَأَثَّرُ بِالْفَوْرِ فَأَوْلَى أَنْ لَا تَتَأَثَّرَ بِالتَّعْلِيقِ لِوُضُوحِ الْأَمْرِ وَقِلَّةِ الْغَرَرِ فَإِنْ كَانَتْ الصِّفَةُ لَا يُرْتَقَبُ وُقُوعُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَفِي التَّعْلِيقِ عَلَيْهَا نَظَرٌ، وَالْأَوْلَى عَدَمُ جَوَازِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إضْرَارِ الْوَرَثَةِ بِطُولِ الِانْتِظَارِ لَا إلَى أَمَدٍ يُعْلَمُ.

(وَإِنْ وَصَّى لِزَيْدٍ) بِمُعَيَّنٍ (ثُمَّ قَالَ) الْوَصِيُّ (إنْ قَدِمَ عَمْرٌو فَهُوَ) أَيْ: مَا وَصَّى بِهِ لِزَيْدٍ (لَهُ) أَيْ: لِعَمْرٍو (فَقَدِمَ عَمْرُو فِي حَيَاةِ الْمُوصِي فَهُوَ لَهُ عَادَ) عَمْرُو (إلَى الْغَيْبَةِ أَوْ لَمْ يَعُدْ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ.
(وَإِنْ قَدِمَ) عَمْرٌو (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ: الْمُوصِي (فَ) الْمُوصَى بِهِ (لِزَيْدٍ) لِثُبُوتِهِ لَهُ بِالْمَوْتِ وَالْقَبُولِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إذْ ذَاكَ مَا يَمْنَعُهُ فَلَمْ يُؤَثِّرْ وُجُودُ الشَّرْطِ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ عَلَّقَ إنْسَانٌ عِتْقًا أَوْ طَلَاقًا عَلَى شَرْطٍ فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ.
(وَإِنْ أَوْصَى لَهُ) أَيْ: لِعَمْرٍو مَثَلًا (بِثُلُثِهِ وَقَالَ) الْمُوصِي لِعَمْرٍو (إنْ مِتَّ قَبْلِي أَوْ رَدَدْتَهُ فَ) هُوَ (لِزَيْدٍ) (وَمَاتَ) عَمْرٌو (فَلَهُ) أَيْ: الْمُوصِي (أَوْ رَدَّ) الْوَصِيَّةَ (فَعَلَى مَا شَرَطَ) الْمُوصِي فَتَكُونُ لِزَيْدٍ عَمَلًا بِالشَّرْطِ.

[فَصْلٌ الْوَاجِبَاتُ الَّتِي عَلَى الْمَيِّتِ تُخْرَجُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ]

(فَصْلٌ وَتُخْرَجُ الْوَاجِبَاتُ الَّتِي عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْصَى بِهَا) قَبْلَ مَوْتِهِ (أَوْ لَمْ يُوصِ، كَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ) وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَى نَحْوَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ وَالْوَصَايَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ عَنْ أَبِيهِ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اقْضُوا اللَّهَ فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

مُخْتَصَرًا وَالْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيمِ ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ فِي الْآيَةِ قَبْلَ الدَّيْنِ أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتْ الْمِيرَاثَ فِي كَوْنِهَا بِلَا عِوَضٍ فَكَانَ فِي إخْرَاجِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْوَارِثِ فَقُدِّمَتْ حَثًّا عَلَى إخْرَاجِهَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلِذَلِكَ جِيءَ بِكَلِمَةِ " أَوْ " الَّتِي لِلتَّسْوِيَةِ أَيْ: فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاهْتِمَامِ وَعَدَمِ التَّضْيِيعِ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهَا وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْوَصِيَّةُ غَالِبًا تَكُونُ لِضِعَافِ فَقَوِيَ جَانِبُهَا بِالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ، لِئَلَّا يُطْمَعَ وَيُتَسَاهَلَ فِيهَا بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مُؤْنَةَ التَّجْهِيزِ تُقَدَّمُ مُطْلَقًا.

(فَإِنْ وَصَّى مَعَهَا) أَيْ: الْوَاجِبَاتِ (بِتَبَرُّعٍ اُعْتُبِرَ الثُّلُثُ مِنْ الْبَاقِي بَعْدَ إخْرَاجِ الْوَاجِبِ كَمَنْ تَكُونُ تَرِكَتُهُ أَرْبَعِينَ فَوَصَّى بِثُلُثِ مَالِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنُ عَشْرَةٍ فَتُخْرَجُ الْعَشَرَةُ أَوَّلًا وَيُدْفَعُ إلَى الْمُوصَى لَهُ عَشْرَةٌ وَهِيَ ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ الدَّيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهَا (وَإِنْ لَمْ يَفِ مَالُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (بِالْوَاجِبِ الَّذِي عَلَيْهِ تَحَاصُّوا) أَيْ: وُزِّعَ مَا تَرَكَهُ عَلَى جَمِيعِ الدُّيُونِ بِالْحِصَصِ سَوَاءٌ كَانَتْ دَيْنَ آدَمِيٍّ أَوْ لِلَّهِ أَوْ مُخْتَلِفَةً.
(وَالْمُخْرِجُ لِذَلِكَ) أَيْ: الْوَاجِبَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ (وَصِيَّةٌ) إنْ كَانَ (ثُمَّ وَارِثُهُ) إنْ كَانَ أَهْلًا (ثُمَّ الْحَاكِمُ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ أَوْ كَانَ صَغِيرًا وَلَا وَصِيَّ لَهُ أَوْ أَبَى الْوَارِثَ إخْرَاجَهُ.

(وَإِنْ أَخْرَجَهُ) أَيْ: الْوَاجِبَ (مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ مِنْ مَالِهِ أَجْزَأَ) كَقَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْ حَيٍّ بِلَا إذْنِهِ (كَمَا لَوْ كَانَ) الْقَضَاءُ (بِإِذْنِ حَاكِمٍ، وَإِنْ قَالَ) الْمُوصِي (أَخْرِجُوا الْوَاجِبَ مِنْ ثُلُثِي، أُخْرِجَ مِنْ الثُّلُثِ، وَتُمِّمَ) الْوَاجِبُ مِنْ (رَأْسِ الْمَالِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ إخْرَاجِ الْوَاجِبَاتِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ (فَإِنْ كَانَ مَعَهَا) أَيْ: الْوَاجِبَاتِ (وَصِيَّةُ تَبَرُّعٍ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ) أَيْ: الثُّلُثِ (شَيْءٌ فَ) هُوَ (لِصَاحِبِ التَّبَرُّعِ) لِأَنَّ الدَّيْنَ تَجِبُ الْبُدَاءَةُ بِهِ قَبْلَ الْمِيرَاثِ وَالتَّبَرُّعِ فَإِذَا عَيَّنَهُ فِي الثُّلُثِ وَجَبَتْ الْبُدَاءَةُ بِهِ وَمَا فَضَلَ لِلتَّبَرُّعِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْوَاجِبِ مِنْهُ (بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ) بِالتَّبَرُّعِ كَمَا لَوْ رَجَعَ عَنْهَا إلَّا أَنْ تُجِيزَ الْوَرَثَةُ، فَيُعْطَى مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ.

[بَابُ الْمُوصَى لَهُ]

بَابُ بَابُ الْمُوصَى لَهُ هُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ لِلْوَصِيَّةِ (تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ) مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ (لِكُلِّ مَنْ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ مُعَيَّنٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 6] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، وَلِأَنَّ الْهِبَةَ تَصِحُّ لَهُمْ فَصَحَّتْ لَهُمْ الْوَصِيَّةُ.
(وَلَوْ) كَانَ الْكَافِرُ (مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا، وَلَوْ) كَانَ (بِدَارِ حَرْبٍ) كَالْهِبَةِ لَهُ قَالَ فِي الْمُغْنِي: الْآيَةُ، أَيْ: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: 8] إلَى آخِرِهَا حُجَّةٌ لَنَا فِيمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ فَأَمَّا الْمُقَاتِلُ فَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ تَوَلِّيهِ لَا عَنْ بِرِّهِ، وَالْوَصِيَّةِ لَهُ وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: الصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَّصِفْ بِالْقِتَالِ، أَوْ الْمُظَاهَرَةِ صَحَّتْ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ.

(فَلَا تَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (لِ) كَافِرٍ (غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَ) الْوَصِيَّةِ لِ (الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَنَحْوِهِمْ) كَالْمَجُوسِ، أَوْ لِفُقَرَاءِ الْيَهُودِ وَنَحْوِهِمْ كَالْوَقْفِ عَلَيْهِمْ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (لَكَافِرٍ بِمُصْحَفٍ، وَلَا بِعَبْدٍ مُسْلِمٍ، وَلَا بِسِلَاحٍ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ ذَلِكَ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَكَافِرٍ (بِحَدِّ قَذْفٍ) يَسْتَوْفِيهِ لِلْمُسْلِمِ الْمَقْذُوفِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهُ لِنَفْسِهِ، فَلِغَيْرِهِ أَوْلَى.

(فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ) الْمُوصَى بِهِ لَكَافِرٍ (كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ) الْعَبْدُ (قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي (قَبْلَ الْقَبُولِ بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ لِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ تَعَاطِي مِلْكِهِ.

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (لِلْمُكَاتَبِ) لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ (وَلَوْ) كَانَ الْمُوصِي (مُكَاتِبَهُ) أَيْ: مُكَاتَبِ الْمُوصِي (بِجُزْءٍ شَائِعٍ) كَثُلُثِ مَالِهِ وَرُبُعِهِ (أَوْ) بِشَيْءٍ (مُعَيَّنٍ) كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ لِأَنَّهُ مَعَهُ كَأَجْنَبِيٍّ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَلِهَذَا جَازَ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ (فَإِنْ قَالَ) لِوَرَثَتِهِ (ضَعُوا عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ أَوْ) قَالَ ضَعُوا عَنْهُ (بَعْضَ مَا عَلَيْهِ، وَضَعُوا مَا شَاءُوا) لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ.
(وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ نَجْمًا، فَلَهُمْ أَنْ يَضَعُوا عَنْهُ أَيَّ نَجْمٍ شَاءُوا) سَوَاءٌ (اتَّفَقَتْ النُّجُومُ أَوْ اخْتَلَفَتْ) لِصِدْقِ اللَّفْظِ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُوصِي: (ضَعُوا عَنْهُ مَا شَاءَ فَالْكُلُّ) يُوضَعُ عَنْهُ (إذَا شَاءَ) ذَلِكَ لِدُخُولِ الشَّرْطِ عَلَى مُطْلَقِ، وَلَوْ قَالَ ضَعُوا مَا شَاءَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ لَمْ يُوضَعْ الْكُلُّ لِأَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ قَالَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ وَنَظَرَ فِيهِ الْحَارِثِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، فَيُوضَعُ الْكُلُّ.
(وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ) أَيْ: الْمُكَاتَبِ (أَيَّ نَجْمٍ شَاءَ رُجِعَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (إلَى مَشِيئَتِهِ) عَمَلًا بِقَوْلِ الْمُوصِي.
(وَإِنْ قَالَ ضَعُوا عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْمُكَاتَبِ (أَكْبَرَ نُجُومِهِ وَضَعُوا أَكْثَرَهَا مَالًا) لِأَنَّهُ

أَكْبَرُهَا قَدْرًا.
(وَإِنْ قَالَ) قَالَ ضَعُوا عَنْهُ (أَكْثَرَهَا بِالْمُثَلَّثَةِ، وَضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهَا فَإِنْ كَانَتْ النُّجُومُ خَمْسَةً وَضَعُوا) مِنْهَا (ثَلَاثَةً وَإِنْ كَانَتْ نُجُومُهُ سِتَّةً وَضَعُوا) مِنْهَا (أَرْبَعَةً) لِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّيْءِ يَزِيدُ عَلَى نِصْفِهِ.
(وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِأَوْسَطِ نُجُومِهِ، وَكَانَتْ النُّجُومُ شَفْعًا مُتَسَاوِيَةَ الْقَدْرِ تَعَلَّقَ الْوَضْعُ بِالشَّفْعِ الْمُتَوَسِّطِ كَالْأَرْبَعَةِ) النُّجُومِ (الْمُتَوَسِّطُ مِنْهَا: الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالسِّتَّةُ الْمُتَوَسِّطُ مِنْهَا الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ) لِأَنَّهُ الْأَوْسَطُ.
(وَإِنْ كَانَتْ) النُّجُومُ (وِتْرًا مُتَسَاوِيَةَ الْقَدْرِ وَالْأَجَلِ كَ) مَا لَوْ كَانَتْ النُّجُومُ (خَمْسَةً تَعَيَّنَ) النَّجْمُ.
(الثَّالِثُ أَوْ سَبْعَةً، فَ) النَّجْمُ (الرَّابِعُ) لِأَنَّهُ أَوْسَطُهَا (وَإِنْ كَانَتْ) النُّجُومُ ((مُخْتَلِفَةَ الْمِقْدَارِ فَبَعْضُهَا مِائَةٌ، وَبَعْضُهَا مِائَتَانِ، وَبَعْضُهَا ثَلَاثُمِائَةِ فَأَوْسَطُهَا الْمِائَتَانِ فَيَتَعَيَّنَ) وَضْعُهُ، وَإِنْ تَعَدَّدَ.
(وَإِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الْقَدْرِ مُخْتَلِفَةَ الْأَجَلِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ) نَجْمَانِ (اثْنَانِ إلَى شَهْرٍ شَهْرٍ، وَ) نَجْمٌ وَاحِدٌ إلَى شَهْرَيْنِ، وَ) نَجْمٌ وَاحِدٌ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الَّذِي إلَى شَهْرَيْنِ لِأَنَّهُ الْأَوْسَطُ (وَإِنْ اتَّفَقَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي) أَيْ: مَعَانِي الْأَوْسَطِ (فِي وَاحِدٍ) بِأَنْ اتَّفَقَ أَنَّهُ أَوْسَطُ فِي الْعَدَدِ وَالْقَدْرِ وَالْأَجَلِ (تَعَيَّنَ) وَضْعُهُ بِلَا إشْكَالٍ (وَإِنْ كَانَ لَهَا أَوْسَطُ فِي الْقَدْر، وَأَوْسَطُ فِي الْأَجَلِ، وَأَوْسَطُ فِي الْعَدَدِ، يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْوَرَثَةِ) فَيَتَعَيَّنُ مَا يَضَعُونَهُ عَنْهُ لِصِدْقِ الْكَلَامِ بِكُلٍّ مِنْهَا.
وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُكَاتَبُ وَالْوَرَثَةُ فِي مُرَادِ الْمُوصِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ (مَعَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا أَرَادَ الْمُوصِي مِنْهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا مَا يَخِفُّ أَوْ مَا يَكْثُرُ أَوْ مَا يَثْقُلُ، اُعْتُبِرَ تَقْدِيرُ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ الْقَلِيلَ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهُ وَالْكَثِيرَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فَوْقَهُ، فَهُوَ كَالْإِقْرَارِ بِمَالٍ عَظِيمٍ أَوْ جَلِيلٍ أَوْ قَلِيلٍ يُعْتَبَرُ لَهُ تَفْسِيرُ الْمُقِرِّ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمُقِرَّ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ فَتَفْسِيرُهُ مُعْتَبَرٌ وَتَقْدِيرُ الْوَارِثِ يَتَعَلَّقُ بِمُرَادِ غَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مُرَادَهُ بِدُونِ إعْلَامِهِ، وَإِعْلَامُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا وَتَعَذَّرَ الْعِلْمُ بِالْمُرَادِ مِنْهُ، رَجَعَ إلَى تَقْدِيرِ الْوَرَثَةِ بِأَقَلَّ مَا يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّهُ الْمُتَعَيَّنُ وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا عَلَيْهِ، وَمِثْلُ نِصْفِهِ بِذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ أَوْ أَدْنَى زِيَادَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا مَا عَلَيْهِ وَمِثْلَهُ فَذَلِكَ الْكِتَابَةُ كُلُّهَا وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا، فَتَصِحُّ فِي الْكِتَابَةِ، وَتَبْطُلُ فِي الزِّيَادَةِ لِعَدَمِ مَحَلِّهَا.

(وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَمُدَبَّرِهِ) لِصَيْرُورَتِهِ حُرًّا عِنْدَ لُزُومِهَا، فَيُقْبَلُ التَّمْلِيكُ (لَكِنْ لَوْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ الْمُدَبَّرِ وَعَنْ وَصِيَّتِهِ بُدِئَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ

(بِ) الْمُدَبَّرِ (نَفْسِهِ، فَيُقَدَّمُ عِتْقُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ) لِأَنَّهُ أَهَمُّ وَبَطَلَ مَا عَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ.

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (لِأُمِّ وَلَدِهِ) لِوُجُودِ الْحُرِّيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَتَقْبَلُ التَّمْلِيكَ (كَوَصِيَّتِهِ أَنَّ ثُلُثَ قَرْيَتِهِ وَقْفٌ عَلَيْهَا مَا دَامَتْ عَلَى وَلَدِهَا) أَيْ: مَا دَامَتْ حَاضِنَةً لِوَلَدِهَا مِنْهُ نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ (فَإِنْ) وَصَّى لَهَا بِشَيْءٍ، وَ (شَرَطَ عَدَمَ تَزْوِيجِهَا، فَلَمْ تَتَزَوَّجْ، وَأَخَذَتْ الْوَصِيَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، رَدَّتْ مَا أَخَذَتْ مِنْ الْوَصِيَّةِ) لِبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ بِتَعَذُّرِ رَفْعِهِ.

(وَلَوْ دَفَعَ لِزَوْجَتِهِ مَالًا عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَتَزَوَّجَتْ رَدَّتْ الْمَالَ إلَى وَرَثَتِهِ نَصًّا) نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ (وَإِنْ أَعْطَتْهُ مَالًا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا رَدَّهُ إذَا تَزَوَّجَ) نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ.

(وَإِذَا وَصَّى بِعِتْقِ أَمَتِهِ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ فَمَاتَ) الْمُوصِي (فَقَالَتْ) الْأَمَةُ (لَا أَتَزَوَّجُ عَتَقَتْ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ (فَإِنْ تَزَوَّجَتْ) بَعْدَ ذَلِكَ (لَمْ يَبْطُلْ عِتْقُهَا) لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَبَحَثَ فِيهِ الْحَارِثِيُّ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ الْوُقُوعَ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِوُقُوعِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حُكِمَ بِعِتْقِ عَبْدٍ فِي وَصِيَّةٍ، ثُمَّ ظَهَرَ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ الرَّدَّ إلَى الرِّقِّ وَقَالَ عَنْ الرَّدِّ إلَى الرِّقِّ: هُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ شَرْطَ أَلَّا تَتَزَوَّجَ نَفْيٌ يَعُمُّ الزَّمَانَ كُلَّهُ فَإِذَا تَزَوَّجَتْ تَبَيَّنَ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ فَيَتَبَيَّنُ انْتِفَاءُ الْوَصِيَّةِ.

(وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِعَبْدٍ غَيْرِهِ وَلَوْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُ) صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْوَاضِحِ وَهُوَ ظَاهِرُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلسَّيِّدِ لِأَنَّهَا مِنْ إكْسَابِ الْعَبْدِ، وَإِكْسَابُهُ لِسَيِّدِهِ وَسَوَاءٌ اسْتَمَرَّ فِي رِقِّ الْمَوْجُودِ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَوْ انْتَقَلَ إلَى آخَرَ وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا إذَا قُلْنَا يَمْلِكُ وَتَبِعَهُ فِي التَّنْقِيحِ، وَالْمُنْتَهَى، وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ ظَاهِرٌ كَالْهِبَةِ وَلَمْ يَحْكِ الْحَارِثِيُّ فِيهِ خِلَافًا مَعَ سَعَةِ اطِّلَاعِهِ، وَكَذَا الشَّارِحُ لَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ (وَيُعْتَبَرُ قَبُولُهُ) أَيْ: قَبُولُ الْعَبْد لِلْوَصِيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِذَا قَبِلَ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ نَوْعُ كَسْبٍ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ كَكَسْبِ الْمُبَاحِ (فَهِيَ) أَيْ: الْوَصِيَّةُ (لِسَيِّدِهِ) وَقْتَ الْقَبُولِ (كَكَسْبِهِ) الْمُبَاحِ.
(وَإِنْ قَبِلَ سَيِّدُهُ) الْوَصِيَّةَ (دُونَهُ لَمْ يَصِحَّ) قَبُولُهُ لِأَنَّ الْخِطَابَ لَمْ يَجْرِ مَعَ السَّيِّدِ فَلَا جَوَابَ لَهُ.
(وَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ الْمُوصَى لَهُ (حُرًّا وَقْتَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ ثُمَّ قَبِلَ فَهِيَ لَهُ) أَيْ: الْعَتِيقِ (دُونَ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ الْعَتِيقَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْوَصِيَّةِ (وَوَصِيَّتُهُ لِعَبْدِ وَارِثِهِ كَوَصِيَّتِهِ لِوَارِثِهِ) فَتَقِفُ عَلَى إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ.
(وَ) وَصِيَّتُهُ

(لِعَبْدِ قَاتِلِهِ كَ) وَصِيَّتِهِ (لِقَاتِلِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إذَا قَبِلَهَا لِسَيِّدِهِ.

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (لِعَبْدِهِ) أَوْ أَمَتِهِ (بِمُشَاعٍ يَتَنَاوَلُهُ) أَيْ: الْعَبْدَ (فَلَوْ وَصَّى لَهُ بِرُبُعِ مَالِهِ) صَحَّ لِأَنَّهُ رُبُعُ الْمَالِ أَوْ بَعْضُهُ فَالْوَصِيَّةُ تَنْحَصِرُ فِيهِ اعْتِبَارًا لِلْعِتْقِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ بِمِلْكِهِ نَفْسَهُ وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِالرُّبْعِ.
(وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ وَلَهُ) أَيْ: الْمُوصِي (سِوَاهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (ثَمَانُمِائَةٍ عَتَقَ وَأَخَذَ مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ) لِأَنَّ مَجْمُوعَ الْمَالِ تِسْعُمِائَةٍ وَرُبُعَهَا مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ عَتَقَ مِنْهَا الْعَبْدُ بِمِائَةٍ يَبْقَى لَهُ مَا ذُكِرَ فَيَأْخُذُهُ وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالرُّبُعِ وَلَهُ سِوَاهُ ثَلَاثُمِائَةٍ عَتَقَ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ لَهُ سِوَاهُ مِائَتَانِ عَتَقَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَهَكَذَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَفْقَ قِيمَتِهِ عَتَقَ أَوْ أَزْيَدَ فَالزِّيَادَةُ لَهُ، أَوْ أَنْقَصَ فَيَعْتِقُ بِقَدْرِهِ مِنْهُ.

(وَإِنْ وَصَّى لَهُ) أَيْ: لِقَنِّهِ (بِنَفْسِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ عَتَقَ بِقَبُولِهِ إنْ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ) كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِعِتْقِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْبَلْ لَمْ يُعْتَقْ لِاقْتِضَاءِ الصِّيغَةِ الْقَبُولَ كَمَا لَوْ قَالَ وَهَبْتُ مِنْكَ نَفْسَكَ أَوْ مَلَّكْتُكَ نَفْسَكَ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقَ مِنْهُ (بِقَدْرِهِ) أَيْ: الثُّلُثِ إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ (وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمُعَيَّنٍ لَا يَتَنَاوَلُ شَيْئًا مِنْهُ كَثَوْبٍ وَمِائَةِ) دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ (لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ لِلْوَرَثَةِ، فَكَأَنَّهُ وَصَّى لَهُمْ بِمَا يَرِثُونَهُ.

(وَلَوْ وَصَّى بِعِتْقِ نَسَمَةٍ بِأَلْفٍ فَأَعْتَقُوا) أَيْ: الْوَرَثَةُ (نَسَمَةً بِخَمْسِمِائَةٍ لَزِمَهُمْ عِتْقُ) نَسَمَةٍ (أُخْرَى بِخَمْسِمِائَةٍ) حَيْثُ احْتَمَلَ الثُّلُثُ الْأَلْفَ اسْتِدْرَاكًا لِبَاقِي الْوَاجِبِ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُوصِي أَعْتِقُوا (أَرْبَعَةَ) أَعْبُدٍ (بِكَذَا) كَخَمْسِمِائَةٍ (جَازَ الْفَضْلُ بَيْنَهُمْ) بِأَنْ يُشْتَرَى وَاحِدٌ بِمِائَةٍ وَآخَرُ بِمِائَتَيْنِ وَآخَرُ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَآخَرُ بِثَمَانِينَ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ (مَا لَمْ يُسَمِّ) الْمُوصِي (ثَمَنًا مَعْلُومًا) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَا قَالَهُ.

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (لِلْحَمْلِ) لِأَنَّهُ يَرِثُ وَهِيَ فِي مَعْنَى الْإِرْثِ مِنْ جِهَةِ الِانْتِقَالِ عَنْ الْمَيِّتِ مَجَّانًا (إنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فَلَا تَصِحُّ لِمَعْدُومٍ (بِأَنْ تَضَعَهُ حَيًّا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَصِيَّةِ فِرَاشًا كَانَتْ لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، أَوْ بَائِنًا) لِأَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ كَمَا يَأْتِي فَإِذَا وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْهَا وَعَاشَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حِينَهَا (أَوْ) تَضَعُهُ (لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ إنْ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا أَوْ كَانَتْ فِرَاشًا لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا لِكَوْنِهِ غَائِبًا فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ أَوْ مَرِيضًا مَرَضًا يَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ كَانَ أَسِيرًا أَوْ مَحْبُوسًا أَوْ عَلِمَ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا أَوْ أَقَرُّوا إقْرَارًا بِذَلِكَ) لِلِحَاقِهِ بِأَبِيهِ وَالْوُجُودُ لَازِمٌ لَهُ، فَوَجَبَ تَرَتُّبَ الِاسْتِحْقَاقِ وَوَطْءُ الشُّبْهَةِ نَادِرٌ وَتَقْدِيرُ الزِّنَا

إسَاءَةُ ظَنٍّ بِمُسْلِمٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا فَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ لَمْ يَسْتَحِقَّ لِاسْتِحَالَةِ الْوُجُودِ حِينَ الْوَصِيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: " أَوْ أَقَرُّوا " صَوَابُهُ: وَأَقَرُّوا لِأَنَّ عِلْمَهُمْ مَعَ عَدَمِ إقْرَارِهِمْ بِهِ لَا وُصُولَ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ (وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ) أَيْ: الْحَمْلِ (مِنْ حِينِ قَبُولِ الْوَلِيِّ) الْوَصِيَّةَ (لَهُ) أَيْ: لِلْحَمْلِ (بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي) هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ عَقِيلٍ وَقَالَ تَارَةً أُخْرَى تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْقَاضِي: أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ تَعْلِيقٌ عَلَى خُرُوجِهِ حَيًّا وَالْوَصِيَّةُ قَابِلَةٌ لِلتَّعْلِيقِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، انْتَهَى.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَقَبُولُ الْوَلِيِّ يُعْتَبَرُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَا قَبْلُ، لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الْمِلْكِ إنَّمَا تَثْبُتُ حِينَئِذٍ (وَإِنْ انْفَصَلَ) الْحَمْلُ الْمُوصَى لَهُ (مَيِّتًا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ) لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَوْتِهِ بِجِنَايَةِ جَانٍ وَغَيْرِهَا لِانْتِفَاءِ إرْثِهِ.
(وَلَوْ وَصَّى لِحَمْلِ امْرَأَةٍ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ إنْ لَحِقَ لَهُ بِهِ) أَيْ: بِالزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْحَمْلُ (مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ أَوْ دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ فَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِعَدَمِ شَرْطِهِ الْمَشْرُوطِ فِي الْوَصِيَّة (وَلَوْ وَصَّى لِحَمْلِ امْرَأَةٍ) بِوَصِيَّةٍ (فَوَلَدَتْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى تَسَاوَيَا فِيهَا) أَيْ: الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ عَطِيَّةٌ وَهِبَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهَا شَيْئًا بَعْدَ الْوِلَادَةِ (وَإِنْ فَاضَلَ بَيْنَهُمَا) بِأَنْ جَعْلَ لِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ (فَعَلَى مَا قَالَ) كَالْوَقْفِ (وَإِنْ وَلَدَتْ أَحَدَهُمَا مُنْفَرِدًا فَلَهُ وَصِيَّتُهُ) لِتَحَقُّقِ الْمُقْتَضَى.
(وَلَوْ قَالَ) الْمُوصِي (إنْ كَانَ فِي بَطْنِك ذَكَرٌ فَلَهُ كَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ أُنْثَى فَ) لَهَا (كَذَا فَكَانَا فِيهِ) بِأَنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى (فَلَهُمَا مَا شَرَطَ) لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِيهِمَا.
(وَإِنْ كَانَ) حَمْلُهَا (خُنْثَى فَفِي الْكَافِي لَهُ مَا لِلْأُنْثَى) أَيْ: إنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا جَعَلَ لِلذَّكَرِ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ) وَتَتَبَيَّنَ ذُكُورِيَّتَهُ فَيَأْخُذُ الزَّائِدَ (وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرَيْنِ أَوْ) وَلَدَتْ (أُنْثَيَيْنِ فَلِلذَّكَرَيْنِ مَا لِلذَّكَرِ وَلِلْأُنْثَيَيْنِ مَا لِلْأُنْثَى) إذْ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُوصِي (إنْ كَانَ حَمْلُكِ أَوْ مَا فِي بَطْنِك ذَكَرًا فَلَهُ كَذَا وَإِنْ كَانَ) حَمْلُكِ أَوْ مَا فِي بَطْنِك (أُنْثَى فَلَهُ كَذَا فَوَلَدَتْ أَحَدَهُمَا مُنْفَرِدًا فَلَهُ وَصِيَّتُهُ) لِوُجُودِ شَرْطِهِ (وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى فَلَا شَيْءَ لَهُمَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ هُوَ كُلَّ الْحَمْلِ وَلَا كُلَّ مَا فِي الْبَطْنِ) بَلْ بَعْضُهُ فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ.
(وَإِنْ وَصَّى لِمَنْ تَحْمِلُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمْ تَصِحَّ) الْوَصِيَّةُ (لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِمَعْدُومٍ وَكَذَا الْمَجْهُولُ) لَا تَصِحُّ - الْوَصِيَّةُ لَهُ (كَأَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِهِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ) الرَّجُلَيْنِ أَوْ الْمَسْجِدَيْنِ وَنَحْوِهِمَا.

(أَوْ قَالَ) أَوْصَيْتُ بِكَذَا (لِجَارِي) فُلَانٍ (أَوْ)

لِ (قَرِيبِي فُلَانٍ بِاسْمٍ مُشْتَرَكٍ) لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُوصَى لَهُ شَرْطٌ فَإِذَا قَالَ لِأَحَدِ هَذَيْنِ فَقَدْ أَبْهَمَ الْمُوصَى لَهُ وَكَذَا الْجَارُ وَالْقَرِيبُ لِوُقُوعِهِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمُسَمَّيَيْنِ (مَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مُعَيَّنًا مِنْ الْجَارِ وَالْقَرِيبِ) فَيُعْطَى مَنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إرَادَتِهِ (فَإِنْ قَالَ أَعْطُوا ثُلُثِي أَحَدَهُمَا صَحَّ) كَمَا لَوْ قَالَ أَعْتِقُوا أَحَدَ عَبْدَيَّ.
(وَلِلْوَرَثَةِ الْخِيرَةُ) فِيمَنْ يُعْطُوهُ الثُّلُثَ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ قَوْلَهُ أَعْطُوا ثُلُثِي أَحَدَهُمَا أَمْرٌ بِالتَّمْلِيكِ فَصَحَّ جَعْلُهُ إلَى اخْتِيَارِ الْوَرَثَةِ كَمَا لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: بِعْ سِلْعَتِي مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَصَيْتُ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَصِحَّ لِمُبْهَمٍ.

(وَإِنْ قَالَ عَبْدِي غَانِمٌ حُرٌّ وَلَهُ مِائَةٌ وَلَهُ) أَيْ: الْمُوصِي (عَبْدَانِ بِهَذَا الِاسْمِ عَتَقَ أَحَدُهُمَا بِقُرْعَةٍ) لِأَنَّهُ عِتْقٌ اسْتَحَقَّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَأُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُمَا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمَا وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ عِتْقَهُمَا.
(وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَلَوْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا وَقَعَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلَمْ تَصِحَّ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَإِنْ وَصَفَ الْمُوصَى لَهُ أَوْ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ صِفَتِهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَوْلَادِي السُّودِ، وَهُمْ بِيضٌ، أَوْ الْعَشَرَةِ، وَهُمْ اثْنَا عَشَرَ، فَهَهُنَا الْأَوْجُهُ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْمَوْصُوفُ دُونَ الصِّفَةِ.

[فَصْلٌ قَتَلَ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصَى]

(فَصْلٌ وَإِنْ قَتَلَ الْوَصِيُّ) أَيْ: الْمُوصَى لَهُ (الْمُوصِي) قَتْلًا مَضْمُونًا بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ كَمَا قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ.
(وَلَوْ) كَانَ الْقَتْلُ (خَطَأً، أَوْ قَتَلَ مُدَبَّرٌ سَيِّدَهُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ) وَالتَّدْبِيرُ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْهَا فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى وَمُعَامَلَةٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ (وَإِنْ أَوْصَى لِقَاتِلِهِ لَمْ تَصِحَّ) الْوَصِيَّةُ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ جَرَحَهُ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ فَمَاتَ مِنْ الْجُرْحِ لَمْ تَبْطُلْ) وَصِيَّتُهُ لِأَنَّهَا صَدَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا فِي مَحَلِّهَا لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهَا مَا يُبْطِلُهَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَتْ فَإِنَّ الْقَتْلَ طَرَأَ عَلَيْهَا فَأَبْطَلَهَا (وَكَذَا فِعْل مُدَبَّرٍ بِسَيِّدِهِ) فَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ ثُمَّ دَبَّرَهُ وَمَاتَ السَّيِّدُ لَمْ يَبْطُلْ تَدْبِيرُهُ لِمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَبَّرَهُ ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَبْطُلَ تَدْبِيرُهُ وَتَقَدَّمَ قَالَ الْحَارِثِيُّ وَكَذَلِكَ الْعَطِيَّةُ الْمُنْجَزَةُ فِي الْمَرَضِ إذَا وُجِدَ الْقَتْلُ مِنْ الْمُعْطَى.

(وَإِنْ وَصَّى لِصِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ أَوْ لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ) الثَّمَانِيَةِ (صَحَّ) الْإِيصَاءُ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ

وَلِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ بِدَلِيلِ الزَّكَاةِ وَالْوَقْفِ (وَيُعْطُونَ بِأَجْمَعِهِمْ) بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ فِي الزَّكَاةِ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ أَنَّ آيَةَ الزَّكَاةِ أُرِيدَ بِهَا بَيَانُ مَنْ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ وَالْوَصِيَّةُ أُرِيدَ بِهَا مَنْ يَجِبُ الدَّفْعُ إلَيْهِ قَالَ فِي الْمُغْنِي ". (وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطِي كُلَّ صِنْفٍ) حَيْثُ أَوْصَى لِجَمِيعِهِمْ (ثُمُنَ الْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ وَصَّى لِثَمَانِ قَبَائِلَ وَيَكْفِي مِنْ كُلِّ صِنْفٍ) شَخْصٌ (وَاحِدٌ) لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيعَابِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِثَلَاثَةٍ عُيِّنُوا حَيْثُ تَجِبُ التَّسْوِيَةُ لِإِضَافَةِ الِاسْتِحْقَاقِ إلَى أَعْيَانِهِمْ (وَيُسْتَحَبُّ إعْطَاءُ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ) وَالدَّفْعُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ.
(وَتَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْمُوصِي) لِمَا فِيهِ مِنْ الصِّلَةِ (وَلَا يُعْطِي إلَّا الْمُسْتَحِقَّ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ) أَيْ: الْمُوصِي كَالزَّكَاةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ فَقِيرٌ تَقَيَّدَ بِالْأَقْرَبِ إلَيْهِ (وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ) بَيْنَهُمْ فَيَجُوزُ التَّفْضِيلُ كَمَا لَا يَجِبُ التَّعْمِيمُ (وَيُعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْقَدْرَ الَّذِي يُعْطَاهُ مِنْ الزَّكَاةِ) عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ.
(وَإِنْ وَصَّى لِلْفُقَرَاءِ دَخَلَ فِيهِ الْمَسَاكِينُ وَكَذَا الْعَكْسُ) فَإِذَا أَوْصَى لِلْمَسَاكِينِ دَخَلَ فِيهِ الْفُقَرَاءُ لِأَنَّهُمْ كَنَوْعٍ وَاحِدٍ فِيمَا عَدَا الزَّكَاةَ لِوُقُوعِ كُلٍّ مِنْ الِاسْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (إلَّا أَنْ يَذْكُرَ الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا) فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ (وَيُسْتَحَبُّ تَعْمِيمُ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ، وَ) يُسْتَحَبُّ (الدَّفْعُ إلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالْبُدَاءَةُ بِأَقَارِبِ الْمُوصِي كَمَا تَقَدَّمَ) .

وَالْوَصِيَّةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمَشْهُورُ عَنْهُ اخْتِصَاصُهَا بِالْغَزْوِ وَعَنْهُ دُخُولُ الْحَجِّ فِي ذَلِكَ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ.

(وَإِنْ وَصَّى لِكَتْبِ الْقُرْآنِ أَوْ) كَتْبِ (الْعِلْمِ) النَّافِعِ (صَحَّ) لِأَنَّهُ جِهَةُ قُرْبَةٍ.

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (لِمَسْجِدٍ وَتُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِ) وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ لِقَنْطَرَةٍ وَسِقَايَةٍ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ.

(وَإِنْ وَصَّى بِشِرَاءِ عَيْنٍ) كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ (وَأَطْلَقَ أَوْ) وَصَّى بِ (بَيْعِ عَبْدِهِ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يَقُلْ لِزَيْدٍ وَنَحْوِهِ وَلَا بِشَرْطِ عِتْقٍ (فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ) لِخُلُوِّهَا عَنْ قُرْبَةٍ (فَإِنْ وَصَّى بِبَيْعِهِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ) لِأَنَّ عِتْقَهُ قُرْبَةٌ (وَبَيْعٌ كَذَلِكَ) أَيْ: بِشَرْطِ الْعِتْقِ (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْتَرِيه كَذَلِكَ بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ بِهَا.
(وَإِنْ وَصَّى بِبَيْعِهِ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ بِيعَ بِهِ) أَيْ: بِالثَّمَنِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ الرِّفْقَ إمَّا بِالْعَبْدِ لِحُسْنِ مُعَاشَرَةِ الرَّجُلِ، أَوْ بِالرَّجُلِ لِنَفْعِ الْعَبْدِ لَهُ.
(وَإِنْ) وَصَّى بِبَيْعِهِ لِرَجُلٍ مُعَيَّنٍ، وَ (لَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا بِيعَ) لَهُ (بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ الْعَدْلُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ لِلرَّجُلِ) لِمَانِعٍ مَا (أَوْ أَبَى) الرَّجُلُ (أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِالثَّمَنِ) الْمُعَيَّنِ (أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ) الْمُوصِي (الثَّمَنَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ) لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ.

(وَإِنْ وَصَّى فِي أَبْوَاب الْبِرِّ صُرِفَ فِي الْقُرَبِ كُلِّهَا وَيُبْدَأُ بِالْغَزْوِ)

لِأَنَّهُ أَفْضَلُهَا.

(وَإِنْ قَالَ ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ أَرَاك اللَّهُ فَلَهُ صَرْفُهُ فِي أَيْ: جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْقُرْبِ وَالْأَفْضَلُ) صَرْفُهُ (إلَى فُقَرَاءِ أَقَارِبِهِ) لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْوَصِيُّ أَقَارِبَ فُقَرَاءَ غَيْرَ وَارِثِينَ لِلْمُوصَيْ لَهُ (فَإِلَى مَحَارِمِهِ مِنْ الرَّضَاعِ) كَأَبِيهِ وَأَخِيهِ وَعَمِّهِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ رَضَاعٍ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) لَهُ مَحَارِمَ مِنْ رَضَاعٍ (فَإِلَى جِيرَانِهِ) الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ إلَى مَا يَرَاهُ فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالتَّحَكُّمِ وَلَوْ وَصَّى بِفِكَاكِ الْأَسْرَى أَوْ وَقَفَ مَالًا عَلَى فِكَاكِهِمْ صُرِفَ مِنْ يَدِ الْوَصِيِّ أَوْ وَكِيلِهِ وَلَهُ أَنْ يَقْتَرِضَ عَلَيْهِ وَيُوفِيَهُ مِنْهُ وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْجِهَاتِ وَمَنْ افْتَكَّ أَسِيرًا غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ جَازَ صَرْفُ الْمَالِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَرَضَ غَيْرُ الْوَصِيِّ مَالًا فَكَّ بِهِ أَسِيرًا جَازَ تَوْفِيَتُهُ مِنْهُ وَمَا احْتَاجَ إلَيْهِ الْوَصِيُّ فِي افْتِكَاكِهِمْ مِنْ أُجْرَةٍ صُرِفَ مِنْ الْمَالِ.
وَلَوْ تَبَرَّعَ بَعْضُ أَهْلِ الثَّغْرِ بِفِدَائِهِ وَاحْتَاجَ الْأَسِيرُ إلَى نَفَقَةِ الْإِيَابِ صَرَفَ مِنْ مَالِ الْأَسْرَى، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى مِنْ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ عَلَى افْتِكَاكِهِمْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ إلَى بُلُوغِ مَحَلِّهِ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ (وَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُوصَى إلَيْهِ إذَا قَالَ: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ شِئْتَ وَإِذَا قَالَ: يَخْدُمُ عَبْدِي فُلَانًا سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ) عَلَى مَا قَالَ الْمُوصِي (فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ) الْوَصِيَّةَ (أَوْ وَهَبَ لَهُ) أَيْ: الْعَبْد (الْخِدْمَةَ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بَعْدَ السَّنَةِ) قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَفِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرُهُ يَعْتِقُ فِي الْحَالِ.

فَرْعٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَوْ قَالَ الْمُوصِي أَعْتِقْ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا فَأَعْتَقَ مُسْلِمًا أَوْ ادْفَعْ ثُلُثِي إلَى نَصْرَانِيٍّ فَدَفَعَهُ إلَى مُسْلِمٍ ضَمِنَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ (وَإِذَا أَوْصَى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ زَيْدٍ بِخَمْسِمِائَةٍ فَيُعْتَقُ فَلَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ أَوْ امْتَنَعَ) سَيِّدُهُ (مِنْ بَيْعِهِ بِالْخَمْسِمِائَةِ أَوْ تَعَذَّرَ شِرَاؤُهُ بِمَوْتِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ (أَوْ لِعَجْزِ الثُّلُثِ عَنْ ثَمَنِهِ فَالْخَمْسمِائَةِ لِلْوَرَثَةِ) وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لِتَعَذُّرِ الْإِيفَاءِ بِهَا.
(وَلَا يَلْزَمُهُمْ شِرَاءُ عَبْدٍ آخَرَ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنِ الْمُوصَى بِهِ (وَإِنْ اشْتَرَوْهُ) أَيْ: الْعَبْدَ (بِأَقَلَّ) (مِمَّا قَالَ الْمُوصِي) كَمَا لَوْ اشْتَرَوْهُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ (فَالْبَاقِي) مِنْ الثَّمَنِ (لِلْوَرَثَةِ) لِأَنَّهُ لَا مَصْرِفَ لَهُ.
(وَإِذَا أَوْصَى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدٌ بِأَلْفٍ فَيُعْتَقُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ اُشْتُرِيَ عَبْدٌ بِالثُّلُثِ) إنْ لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ.

(وَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ الْقُرْبَةِ) كَالْهِبَةِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ لِأَنَّهُ لِلدَّوَامِ بِخِلَافِهِمَا.

(قَالَ الشَّيْخُ لَوْ جَعَلَ الْكُفْرَ أَوْ الْجَهْلَ شَرْطًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ لَمْ تَصِحَّ) الْوَصِيَّةُ (فَلَوْ وَصَّى لِأَجْهَلِ النَّاسِ لَمْ يَصِحَّ) انْتَهَى.

(وَإِنْ وَصَّى مَنْ لَا حَجَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ صَرَفَ) الْوَصِيُّ (مِنْ ثُلُثِهِ مُؤْنَةَ حَجَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى) لِمَنْ يَحُجَّ (رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا يَدْفَعُ) الْوَصِيُّ (لِكُلِّ وَاحِدٍ قَدْرَ مَا يَحُجَّ بِهِ) مِنْ النَّفَقَةِ (حَتَّى يَنْفَدَ) أَيْ: يَفْرُغَ الْأَلْفُ لِأَنَّهُ وَصَّى بِجَمِيعِهِ فِي جِهَة قُرْبَةٍ فَوَجَبَ صَرْفُهُ فِيهَا، كَمَا لَوْ وَصَّى بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَةِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ التَّصَرُّفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ عِوَضَ الْمِثْلِ كَالتَّعْوِيضِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (فَلَوْ لَمْ يَكْفِ الْأَلْفُ) لِلْحَجِّ حَجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ (أَوْ) صُرِفَ مِنْهُ فِي حَجَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ وَلَمْ تَكْفِ (الْبَقِيَّةُ) لِلْحَجِّ (حَجَّ بِهِ) أَيْ: الْبَاقِي (مِنْ حَيْثُ يَبْلُغَ) لِأَنَّ الْمُوصِي قَدْ عَيَّنَ صَرْفَ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ فَصُرِفَ فِيهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
(وَلَا يَصِحُّ حَجُّ وَصِيٍّ بِإِخْرَاجِهَا) أَيْ: الْأَلْفِ فِي الْحَجِّ (لِأَنَّهُ مُنَفِّذٌ فَهُوَ كَقَوْلِهِ) الْإِنْسَانُ (تَصَدَّقَ عَنِّي) بِكَذَا (لَمْ) يَجُزْ لِلْمَأْمُورِ (أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ) شَيْئًا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ.
(وَلَا) يَصِحُّ أَيْضًا حَجُّ (وَارِثٍ) لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُوصِي جَعْلُهُ لِغَيْرِهِ فَإِنْ عَيَّنَ الْمُوصِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ الْوَارِثُ بِالنَّفَقَةِ جَازَ (وَيُجْزِئُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ) أَيْ: عَمَّنْ أَوْصَى بِالْحَجِّ وَلَا حَجَّ عَلَيْهِ (مِنْ الْمِيقَاتِ) حَمْلًا عَلَى أَدْنَى الْحَالَاتِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّائِدِ، وَلِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا تَنَاوَلَ الْحَجَّ، وَفِعْلُهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَقَطْعُ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَسَافَةِ لَيْسَ مِنْهُ.

(وَإِنْ قَالَ حُجُّوا عَنِّي بِأَلْفٍ وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدَةً لَمْ يُحَجَّ عَنْهُ إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ وَمَا فَضَلَ لِلْوَرَثَةِ) هَكَذَا فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ أَسْقَطَ بِأَلْفٍ لَكَانَ مُوَافِقًا لِنُصُوصِ الْإِمَامِ قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَحَرْبٍ إنْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي وَلَمْ يُسَمِّ دَرَاهِمَ فَمَا فَضَلَ رَدَّهُ إلَيْهِمْ قَالَ الْحَارِثِيُّ: أَمَّا إيجَابُ الْمِثْلِ فَلِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِيهِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ.
وَأَمَّا أَنَّ الْفَضْلَ لِلْوَارِثِ فَلِحُصُولِ الْمُوصَى بِهِ وَهُوَ الْحَجُّ وَالْإِنْفَاقُ فِيهِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ لِلْوَارِثِ وَأَمَّا وُجُوبُ حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَلِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا اقْتَضَى وُجُودَ الْمَاهِيَّةِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْمَرَّةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ إرَادَةِ الْمُوصِي الزِّيَادَةَ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى اخْتِيَارِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ إنْ أَوْصَى بِأَلْفٍ يُحَجُّ بِهَا يُصْرَفُ فِي كُلِّ حَجَّةٍ قَدْرُ نَفَقَةٍ حَتَّى يَنْفَدَ وَلَوْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي بِأَلْفٍ فَمَا فَضَلَ لِلْوَرَثَةِ، لَكِنَّ صَاحِبَ الْإِنْصَافِ حَكَاهُ مُقَابِلًا لِمَا قَدَّمَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ.
(وَإِنْ قَالَ) حُجُّوا عَنِّي (حَجَّةً بِأَلْفٍ دُفِعَ إلَى مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ) حَجَّةً وَاحِدَةً بِمُقْتَضَى وَصِيَّتِهِ وَتَنْفِيذًا لَهَا (فَإِنْ عَيَّنَهُ) الْمُوصِي (أَوَّلًا فِي الْوَصِيَّةِ فَقَالَ: يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ) حَجَّةً (بِأَلْفٍ فَهُوَ وَصِيَّةٌ لَهُ إنْ حَجَّ) وَلَهُ أَخْذُهُ قَبْلَ التَّوَجُّهِ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي التَّجَهُّزِ بِهِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْأَخْذُ قَبْلَهُ لَكِنْ لَا يَمْلِكُهُ بِالْأَخْذِ لِأَنَّ الْمَالَ جُعِلَ لَهُ عَلَى صِفَةٍ فَلَا يُمْلَكُ بِدُونِ تِلْكَ الصِّفَةِ فَلَا يَضْمَنُهُ إنْ تَلِفَ أَوْ ضَاعَ بِلَا تَفْرِيطَ (وَلَا يُعْطَى) الْمَالُ

(إلَّا أَيَّامَ الْحَجَّ) احْتِيَاطًا لِلْمَالِ وَلِأَنَّهُ مَعُونَةٌ فِي الْحَجِّ، فَلَيْسَ مَأْذُونًا فِيهِ قَبْلَ وَقْتِهِ.
(فَإِنْ أَبَى) الْمُعَيَّنُ (الْحَجَّ وَقَالَ اصْرِفُوا الْفَضْلَ لَمْ يُعْطَهُ وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّهِ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهِ إنَّمَا هِيَ بِصِفَةِ الْحَجِّ فَلَا يُسْتَحَقُّ بِدُونِهَا، وَسَوَاءٌ فِيهِ حَجُّ الْفَرْضِ وَنَفْلُهُ (وَيُحَجُّ عَنْهُ بِأَقَلَّ مَا يُمْكِنُ مِنْ النَّفَقَةِ) لِمِثْلِهِ (وَالْبَقِيَّةُ لِلْوَرَثَةِ) لِأَنَّهُ لَا مَصْرِفَ لَهَا (وَلَهُ تَأْخِيرُهُ) أَيْ: لِلنَّائِبِ تَأْخِيرُ الْحَجِّ (لِعُذْرٍ) كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ.
(وَلَوْ قَالَ مَنْ عَلَيْهِ حَجٌّ) أَيْ: قَالَ حُجُّوا عَنِّي بِأَلْفٍ أَوْ حَجَّةً بِأَلْفٍ (صُرِفَ الْأَلْفُ كَمَا سَبَقَ) إنْ لَمْ يَقُلْ حَجَّةً صُرِفَ فِي حَجَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَنْفَدَ وَإِنْ قَالَ حَجَّةً وَكَانَ أَوْصَى لِمُعَيِّنٍ دُفِعَ إلَيْهِ إنْ قَبِلَ (وَحُسِبَ مِنْ الثُّلُثِ الْفَاضِلِ مِنْ نَفَقَةِ الْمِثْلِ) لِحَجَّةِ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ.

(وَإِنْ قَالَ قَالَ حُجُّوا عَنِّي حَجَّةً وَلَمْ يُذْكَرْ قَدْرًا مِنْ الْمَالِ دُفِعَ إلَى مَنْ يَحُجُّ قَدْرُ نَفَقَةُ الْمِثْلِ فَقَطْ) لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ لَا يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا (فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ فِي الطَّرِيقِ) بِيَدِ النَّائِب (فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُوصِي) غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى النَّائِبِ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ بِالْإِذْنِ فِي إثْبَاتِ يَدِهِ أَشْبَهَ الْمُودَعَ وَالتَّصَرُّفُ بِالْإِنْفَاقِ لَا يُوجِدُ ضَمَانًا وَلَا يُزِيلُ ائْتِمَانًا لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ كَمَا فِي إنْفَاقِ الْمُضَارِبِ بِالْإِذْنِ.
(وَلَيْسَ عَلَى النَّائِبِ إتْمَامُ الْحَجِّ) وَلَا يَضْمَنُ مَا كَانَ أَنْفَقَ لِوُجُودِ الْإِذْنِ وَكَذَا لَوْ مَاتَ أَوْ أُحْصِرَ أَوْ مَرِضَ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ لِلْإِذْنِ فِيهِ وَإِنْ رَجَعَ خَشْيَةَ أَنْ يَمْرَضَ وَجَبَ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ صَحِيحٌ وَالْعُذْرُ مَوْهُومٌ وَلِلْمَعْذُورِ مِمَّنْ ذُكِرَ نَفَقَةُ الرُّجُوعِ وَإِنْ مَضَى مَنْ ضَاعَتْ مِنْهُ النَّفَقَةُ فَمَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَالٍ اسْتَدَانَهُ رَجَعَ بِهِ عَلَى التَّرِكَةِ إذَا عَادَ إنْ كَانَ وَاجِبًا وَإِنْ مَضَى هَذَا الضَّائِعُ مِنْهُ النَّفَقَةُ لِلْحَجِّ عَنْ آخَرَ بِنَفَقَةٍ يَأْخُذُهَا جَازَ لِانْقِطَاعِ عَلَقِهِ عَنْ الْأَوَّلِ بِنَفَادِ نَفَقَتِهِ وَلِانْتِفَاءِ اللُّزُومِ عَلَى الْوَصِيِّ اسْتِنَابَةُ ثِقَةٍ لِأَنَّ فِي الْحَجِّ أَمَانَةٌ فَإِنَّ مِمَّا تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ عَلَيْهِ النِّيَّةَ وَلَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَمَا لَمْ يَكُنْ ثِقَةً لَا يَبْرَأُ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ.

(وَلَوْ وَصَّى بِثَلَاثِ حِجَجٍ إلَى ثَلَاثَةٍ صَحَّ صَرْفُهَا) إلَى ثَلَاثَةٍ (فِي عَامٍ وَاحِدٍ) لَإِطْلَاقِ الْوَصِيَّةِ وَإِمْكَانِ الْفِعْلِ قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَكَانَ أَوْلَى مِنْ التَّأْخِيرِ (وَأَحْرَمَ النَّائِبُ بِالْفُرُوضِ أَوَّلًا إنْ كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُوصِي (فَرْضٌ) لِتَقَدُّمِهِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِهِ قَبْلَهُ وَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ (وَكَذَا إنْ وَصَّى) بِثَلَاثِ حِجَجٍ حِجَجَ وَ (لَمْ يَقُلْ إلَى ثَلَاثَةٍ) وَكَذَا لَوْ قَالَ حُجُّوا عَنِّي بِأَلْفٍ وَأَمْكَنَ أَنْ يُسْتَنَابَ بِهَا جَمَاعَةٌ فِي عَامٍ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلُهُمْ صُرِفَ فِي حَجَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى أَيْ: بَعْدَ الصَّرْفِ فِي حَجَّةٍ أُخْرَى كَمَا يَمِيلُ إلَيْهِ كَلَامُ الْحَارِثِيِّ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْصُلْ بِالْمُبَاشَرَةِ إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَّسِعُ لِأَكْثَرَ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَحْصُلَ بِالنَّائِبِ أَكْثَرَ لِأَنَّ النَّائِبَ إذَا تَعَدَّدَ أَمْكَنَ الِاتِّسَاعُ

فَأَمْكَنَ تَعَدُّدُ الْوُقُوعِ.

(وَالْوَصِيَّةُ بِالصَّدَقَةِ) بِمَالٍ (أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّهُ.

(وَإِنْ وَصَّى لِأَهْلِ سِكَّتِهِ) بِكَسْرِ السِّين (أَوْ) وَصَّى (لِقَرَابَتِهِ أَوْ) وَصَّى (لِأَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ لِجِيرَانِهِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَدْخُلْ مَنْ وُجِدَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْمَوْتِ كَمَنْ وُجِدَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَمَا لَوْ أَوْصَى بِمَالٍ فِي كِيسٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُتَجَدِّدَ فِيهِ) بَعْدَ الْوَصِيَّةِ.
(وَأَهْلُ سِكَّتِهِ هُمْ أَهْلُ دَرْبِهِ أَيْ: زُقَاقِهِ) بِضَمِّ الزَّاي وَالْجَمْعُ أَزِقَّةٌ قَالَ الْأَخْفَشُ وَالْفَرَّاءُ: " أَهْلُ الْحِجَازِ يُؤَنِّثُونَ الزُّقَاقَ وَالطَّرِيقَ وَالسَّبِيلَ وَالصِّرَاطَ وَالسُّوقَ، وَتَمِيمٌ تُذَكِّرُ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْوَصِيَّةُ لِأَهْلِ خِطِّهِ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَرَبِ يَقُولُهُ بِالضَّمِّ يَسْتَحِقُّهَا أَهْلُ دَرْبِهِ وَمَا قَارَبَهُ مِنْ الشَّارِعِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ لِأَنَّ الْعُرْفَ وَالْوَصِيَّةَ لِأَهْلِ مَحَلَّتِهِ كَالْوَصِيَّةِ لِأَهْلِ حَارَتِهِ.

" تَتِمَّةٌ أَهْلُ الْعِلْمِ مَنْ اتَّصَفَ بِهِ وَأَهْلُ الْقُرْآنِ حَفَظَتُهُ ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ، وَلَوْ وَصَّى (لِجِيرَانِهِ يَتَنَاوَلُ أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْجَارُ أَرْبَعُونَ دَارًا هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَيُقَسَّمُ الْمَالُ) الْمُوصَى بِهِ (عَلَى عَدَدِ الدُّورِ وَكُلُّ حِصَّةِ دَارٍ تُقَسَّمُ عَلَى سُكَّانِهَا) لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ (وَجِيرَانُ الْمَسْجِدِ مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ) لِحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَة مَعَ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْمَى لَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَجِبْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وَ) إنْ وَصَّى (لِأَقْرَبَ قَرَابَتِهِ أَوْ) وَصَّى بِشَيْءٍ لِ (أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ أَوْ) وَصَّى بِشَيْءٍ لِ (أَقْرَبِهِمْ بِهِ وَمِمَّا لَا يَدْفَعُ إلَى الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ فَأَبٌ وَابْنُ سَوَاءٌ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُدْلِي بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ (وَأَخٌ مِنْ أَبَوَيْنِ أَوْلَى مِنْ أَخٍ لِأَبٍ) لِأَنَّ مَنْ لَهُ قَرَابَتَانِ أَقْرَبُ مِمَّنْ لَهُ قَرَابَةٌ وَاحِدَةٌ (وَكُلُّ مَنْ قُدِّمَ) عَلَى غَيْرِهِ (قُدِّمَ وَلَدُهُ) فَيُقَدَّمُ ابْنُ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ عَلَى ابْنِ أَخٍ لِأَبٍ (إلَّا الْجَدَّ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى بَنِي إخْوَتِهِ) أَيْ: الْمُوصِي مَعَ أَنَّهُ يَسْتَوِي مَعَ آبَائِهِمْ.
(وَ) إلَّا (أَخَاهُ لِأَبِيهِ) فَإِنَّهُ (يُقَدَّمُ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ لِأَبَوَيْهِ) كَمَا فِي الْإِرْثِ مَعَ أَنَّ الْأَخَ لِأَبَوَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ كَمَا تَقَدَّمَ (وَالذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ فِيهَا) أَيْ: الْقَرَابَةِ سَوَاءٌ، فَابْنٌ وَبِنْتٌ (سَوَاءٌ) وَأَخٌ وَأُخْتٌ سَوَاءٌ وَعَمٌّ وَعَمَّةٌ سَوَاءٌ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَبَ أَوْلَى مِنْ ابْنِ الِابْنِ وَمِنْ الْجَدِّ وَمِنْ الْإِخْوَةِ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
(وَأَخٌ) لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (وَجَدٌّ) لِأَبٍ (سَوَاءٌ) لِأَنَّ كُلًّا

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل