كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 118-157
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ اسْتَفَاضَتْ بِتَحْرِيمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ هُنَا فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عُذْرٌ فِي اعْتِقَادِ إبَاحَتِهِ وَقَدْ عَمَّمَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابُهُ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ إبَاحَةَ مَا شَرِبُوهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدَاتِ (وَالرَّقِيقِ) إذَا شَرِبَ الْمُسْكِرَ وَكَانَ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا عَالِمًا بِهِ حَدُّهُ (أَرْبَعُونَ) عَبْدًا كَانَ أَوْ أَمَةً كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ (وَلَا حَدَّ وَلَا إثْمَ عَلَى مُكْرَهٍ عَلَى شُرْبِهَا سَوَاءٌ أُكْرِهَ بِالْوَعِيدِ أَوْ بِالضَّرْبِ أَوْ أُلْجِئَ إلَى شُرْبِهَا بِأَنْ يُفْتَحَ فُوهُ) وَيُصَبَّ فِيهِ (الْمُسْكِرُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَصَبْرُهُ) أَيْ الْمُكْرَهِ (عَلَى الْأَذَى أَوْلَى مِنْ شُرْبِهَا وَكَذَا كُلُّ مَا جَازَ فِعْلُهُ لِمُكْرَهٍ) فَصَبْرُهُ عَلَى الْأَذَى أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ (وَلَا) حَدَّ أَيْضًا (عَلَى جَاهِلٍ تَحْرِيمَهَا) لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (فَلَوْ ادَّعَى الْجَهْلَ) بِتَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ (مَعَ نَشْأَتِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَلَا تُقْبَلُ) أَيْ لَا تُسْمَعُ (دَعْوَى الْجَهْلِ بِالْحَدِّ) فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الْخَمْرَ يُحَرَّمُ لَكِنْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ بِشُرْبِهِ حُدَّ وَلَمْ تَنْفَعْهُ دَعْوَى الْجَهْلِ بِالْعُقُوبَةِ كَمَا مَرَّ فِي الزِّنَا (وَيُحَدُّ مَنْ احْتُقِنَ بِهِ) أَيْ الْمُسْكِرِ (أَوْ اسْتَعَطَ) بِهِ (أَوْ تَمَضْمَضَ بِهِ فَوَصَلَ إلَى حَلْقِهِ أَوْ أَكَلَ عَجِينًا لُتَّ بِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الشُّرْبِ (فَإِنْ خُبِزَ الْعَجِينُ فَأَكَلَ مِنْ خُبْزه لَمْ يُحَدَّ) لِأَنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ (وَإِنْ ثُرِدَ فِي الْخَمْرِ أَوْ اصْطَبَغَ بِهِ أَوْ طَبَخَ بِهِ لَحْمًا فَأَكَلَ مِنْ مَرَقه حُدَّ) لِأَنَّ عَيْنَ الْخَمْرِ مَوْجُودَةٌ (وَلَوْ خَلَطَهُ) أَيْ الْمُسْكِرَ (بِمَاءٍ فَاسْتُهْلِكَ) الْمُسْكِرُ (فِيهِ) أَيْ الْمَاءِ (ثُمَّ شَرِبَهُ) لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّهُ بِاسْتِهْلَاكِهِ فِي الْمَاءِ لَمْ يُسْلَبْ اسْمُ الْمَاءِ عَنْهُ (أَوْ دَاوَى بِهِ) أَيْ الْمُسْكِرِ (جُرْحَهُ لَمْ يُحَدَّ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ شَرَابًا وَلَا فِي مَعْنَاهُ (وَلَا يُحَدُّ ذِمِّيٌّ وَلَا مُسْتَأْمَنٌ بِشُرْبِهِ) أَيْ الْمُسْكِرِ (وَلَوْ رَضِيَ بِحُكْمِنَا لِأَنَّهُ يُعْتَقَدُ حِلَّهُ) وَذَلِكَ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ.

(وَيَثْبُتُ شُرْبُهُ) أَيْ الْمُسْكِرِ (بِإِقْرَارِهِ) أَيْ الشَّارِبِ (مَرَّةً كَقَذْفٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَتَضَمَّنُ إتْلَافًا بِخِلَافِ حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ (وَلَوْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ رَائِحَةُ) الْخَمْرِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (أَوْ) بِ (شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى بَيَان نَوْعِهِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُوجِبُ الْحَدَّ (وَلَا أَنَّهُ شَرِبَهُ مُخْتَارًا عَالِمًا أَنَّهُ مُسْكِرٌ) أَوْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَلَا يُحَدُّ بِوُجُودِ رَائِحَةِ) الْخَمْرِ (مِنْهُ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا أَوْ ظَنَّهَا مَاء فَلَمَّا صَارَتْ فِي فِيهِ مَجَّهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ (وَلَكِنْ يُعَزَّرُ حَاضِرُ شُرْبِهَا) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَبَائِعَهَا وَشَارِبَهَا وَسَاقِيهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ» (وَمَتَى رَجَعَ) الْمُقِرُّ بِالشُّرْبِ

(عَنْ إقْرَارِهِ قُبِلَ رُجُوعُهُ) لِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَيُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ (كَسَائِرِ الْحُدُودِ غَيْرِ الْقَذْفِ) لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ كَمَا سَبَقَ (وَلَوْ وُجِدَ سَكْرَانُ أَوْ تَقَايَأَهَا) أَيْ الْخَمْرَ (حُدَّ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْكَرْ أَوْ يَتَقَيَّأُهَا إلَّا وَقَدْ شَرِبَهَا (وَإِذَا أَتَى عَلَى عَصِيرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ حَرُمَ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ غَلَيَانٌ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَانَ يَشْرَبُهُ إلَى مَسَاءِ ثَلَاثَةٍ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى الْخَدَمُ أَوْ يُهْرَاقَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَحَكَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " الْعَصِيرُ أَشْرَبُهُ مَا لَمْ يَأْخُذْ شَيْطَانَهُ قِيلَ وَفِي كَمْ يَأْخُذُ شَيْطَانَهُ؟ قَالَ: فِي ثَلَاثَةٍ " وَلِأَنَّ الشِّدَّةَ تَحْصُلُ فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ وَهِيَ خَفِيفَةٌ تَحْتَاجُ إلَى ضَابِطٍ وَالثَّلَاثُ تَصْلُحُ لِذَلِكَ (إلَّا أَنْ يَغْلِيَ) كَغَلَيَانِ الْقِدْرِ (وَيَقْذِفَ بِزَبَدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَيُحَرَّمُ) وَلَوْ لَمْ يُسْكِرْ لِمَا رَوَى الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الْعَصِيرُ ثَلَاثًا مَا لَمْ يَغْلِ» وَلِأَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ الشِّدَّةُ الْحَادِثَةُ فِيهِ وَهِيَ تُوجَدُ بِوُجُودِ الْغَلَيَانِ فَإِذَا خُلَّ حَرُمَ (وَلَوْ طُبِخَ) الْعَصِيرُ (قَبْلَ التَّحْرِيمِ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَغْلِيَ وَقَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ (حَلَّ إنْ ذَهَبَ) بِطَبْخِهِ (ثُلُثَاهُ نَصًّا) ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى " كَانَ يَشْرَب مِنْ الطِّلَاءِ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَلَهُ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَلِأَنَّ الْعَصِيرَ إنَّمَا يَغْلِي لِمَا فِيهِ مِنْ الرُّطُوبَةِ فَإِذَا غَلَى عَلَى النَّارِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ فَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ رُطُوبَتِهِ فَلَا يَكَادُ يَغْلِي وَإِذَا لَمْ يَغْلِ لَمْ تَحْصُلْ فِيهِ الشِّدَّةُ.
لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالرُّبِّ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ حِين قَالَ لَهُ أَبُو دَاوُد إنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّهُ يُسْكِرُ فَقَالَ: لَوْ كَانَ يُسْكِرُ مَا أَحَلَّهُ عُمَرُ (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا الِاعْتِبَارُ فِي حِلِّهِ عَدَمُ الْإِسْكَارِ سَوَاءٌ ذَهَبَ بِطَبْخِهِ ثُلُثَاهُ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ) لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَظِنَّةَ الْإِسْكَار وَحَيْثُ انْتَفَتْ فَالْأَصْلُ الْحِلُّ.

(وَالنَّبِيذُ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَغْلِ أَوْ تَأْتِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ أَيَّامٍ) بِلَيَالِيِهِنَّ (وَهُوَ) أَيْ النَّبِيذُ (مَاءٌ يُلْقَى فِيهِ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ أَوْ نَحْوُهُمَا لِيَحْلُوَ بِهِ الْمَاءُ وَتَذْهَبُ مُلُوحَتُهُ) رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ كَانَ يَنْقَعُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّبِيبَ فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إلَى مَسَاءِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُسْقَى ذَلِكَ الْخَدَمُ أَوْ يُهْرَاقَ» وَقَوْلُهُ: " إلَى مَسَاءِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ " يَكُونُ قَبْلَ تَمَام الثَّلَاثِ بِقَلِيلٍ فَيَسْقِي ذَلِكَ الْخَدَمَ إنْ شَاءَ أَوْ يَشْرَبُهُ أَوْ يُهْرَاقُ قَبْلَ أَنْ تَتِمَّ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ لِيُنْبَذَ غَيْرُهُ فِي وِعَائِهِ (فَإِنْ طُبِخَ) النَّبِيذُ (قَبْلَ غَلَيَانِهِ حَتَّى صَارَ غَيْرَ مُسْكِرٍ كَرَبِّ الْخَرُّوبِ وَغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ) إذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ

بِالطَّبْخِ ثُلُثَاهُ وَهُوَ وَاضِعٌ عَلَى قَوْلِ الْمُوَفَّقِ وَمَنْ تَابَعَهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْعَصِيرِ وَالنَّبِيذِ (وَجَعَلَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ وَضْعَ زَبِيبٍ فِي جَرْدَلٍ كَعَصِيرٍ) يَعْنِي يَحْرُم إذَا غَلَى أَوْ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ (وَإِنَّهُ إنْ صَبَّ عَلَيْهِ خَلٌّ أُكِلَ) وَلَوْ بَعْدَ الثَّلَاثِ (وَإِنْ غَلَى عِنَبَ وَهُوَ عِنَبٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ نَصًّا) نَقَلَهُ أَبُو دَاوُد وَعَلَى قِيَاسِهِ الرُّمَّانُ وَالْبِطِّيخُ وَنَحْوُهُمَا.

(وَلَا يُكْرَه الِانْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ) بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ وَهِيَ الْقَرْعُ وَالْوَاحِدَةُ دُبَّاءَةٌ وَالْمُرَادُ الْقُرْعَةُ الْيَابِسَةُ الْمَجْعُولَةُ وِعَاءً (وَالْحَنْتَمُ) الْجِرَارُ الْمَدْهُونَةُ وَاحِدُهَا حَنْتَمَةٌ (وَالْمُزَفَّتُ) أَيْ الْوِعَاءُ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ (وَالْمُقَيَّرُ) أَيْ الْإِنَاءُ الْمَطْلِيُّ بِالْقَارِ وَكَذَا مَا يُصْنَعُ مِنْ الْخَشَبِ وَالنَّقِيرِ وَهُوَ أَصْلُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ ثُمَّ يُنْبَذُ فِيهِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ (كَغَيْرِهَا) وَمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِيهَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ يَرْفَعُهُ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَشْرِبَةِ إلَّا فِي ظُرُوفِ الْأُدْمِ فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
(وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ وَهُوَ أَنْ يُنْتَبَذَ عِنَبَتَيْنِ كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ) مَعْنَاهُ كَتَمْرٍ (وَبُسْرٍ أَوْ مُذَنَّبٍ) وَهُوَ مَا نِصْفُهُ بُسْرٌ وَنِصْفُهُ رُطَبٌ (وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ كَنَبِيذِ بُسْرٍ مَعَ رُطَبٍ رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْلِطَ بُسْرًا بِتَمْرٍ أَوْ زَبِيبًا بِتَمْرٍ أَوْ زَبِيبًا بِبُسْرٍ وَقَالَ: مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَنْقَعُ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ الْهِنْدِيَّ وَالْعُنَّابَ وَنَحْوَهُ يَنْقَعُهُ غُدْوَةً وَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً لِلدَّوَاءِ " أَكْرَهُهُ لِأَنَّهُ نَبِيذٌ وَلَكِنْ يَطْبُخُهُ وَيَشْرَبُهُ عَلَى الْمَكَانِ " (مَا لَمْ يَغْلِ أَوْ تَأْتِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) بِلَيَالِيِهِنَّ فَيَحْرُمُ لِمَا سَبَقَ (وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الْخَلِيطِينَ (وَحْدَهُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ السَّابِقِ (وَلَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعِ) لِأَنَّهُ نَبِيذٌ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَا هُوَ مُشْتَدٌّ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِسْكَارُ وَإِنَّمَا يُتَّخَذُ لِهَضْمِ الطَّعَامِ وَصِدْق الشَّهْوَةِ (وَالْخَمْرَةُ إذَا فَسَدَتْ فَصُيِّرَتْ خَلًّا لَمْ تَحِلَّ وَإِنْ قَلَبَ اللَّه عَيْنَهَا فَصَارَتْ خَلًّا) بِنَفْسِهَا أَوْ بِنَقْلٍ لِغَيْرِ قَصْدِ تَخْلِيلٍ (فَهِيَ حَلَالٌ) لِقَوْلِ عُمَرَ عَلَى الْمِنْبَرِ " لَا يَحِلُّ خَمْرُ خَلٍّ أُفْسِدَتْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى إفْسَادَهَا وَلَا بَأْسَ عَلَى مُسْلِمٍ ابْتَاعَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ خَلًّا مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ لِإِفْسَادِهَا " رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ (وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ) مُوَضَّحًا.

(تَتِمَّةٌ) يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِشَرَابِ الْخَمْرِ وَيُعَزَّرُ فَاعِلُهُ وَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوبُ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ فَلَوْ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ وَرَتَّبُوا مَجْلِسًا وَأَحْضَرُوا آلَاتِ الشَّرَابِ وَأَقْدَاحِهِ وَصَبُّوا فِيهَا السَّكَنْجَبِينُ وَنَصَبُوا سَاقِيًّا يَدُورُ عَلَيْهِمْ وَيَسْقِيهِمْ فَيَأْخُذُونَ مِنْ السَّاقِي وَيَشْرَبُونَ وَيَجِيءُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِكَلِمَاتِهِمْ الْمُعْتَادَةِ بَيْنَهُمْ حَرُمَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوبُ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِأَهْلِ الْفَسَادِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ السَّمَاعِ وَمَعْنَاهُ قَوْلُ الرِّعَايَةِ: وَمَنْ تَشَبَّهَ بِالشَّرَابِ فِي مَجْلِسِهِ وَآنِيَتِهِ وَحَاضَرَ مَنْ حَاضَرَهُ بِمَحَاضِرِ الشَّرَابِ حُرِّمَ وَعُزِّرَ.

[بَابُ التَّعْزِيرِ]

(بَابُ التَّعْزِيرِ وَهُوَ) لُغَةً الْمَنْعُ وَاصْطِلَاحًا (التَّأْدِيبُ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ تَعَاطِي الْقَبِيحَ وَعَزَرْتُهُ بِمَعْنَى نَصَرْتُهُ لِأَنَّهُ مَنْعَ عَدُوّهُ مِنْ أَذَاهُ وَقَالَ السَّعْدِيُّ: يُقَالُ عَزَّرَتْهُ وَقَّرْتُهُ وَأَيْضًا أَدَّبْتُهُ وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ وَهُوَ طَرِيقٌ إلَى التَّوْقِيرِ إذَا امْتَنَعَ بِهِ وَصُرِفَ عَنْ الدَّنَاءَةِ حَصَلَ لَهُ الْوَقَارُ وَالنَّزَاهَةُ (وَهُوَ وَاجِبٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ كَاسْتِمْتَاعٍ لَا يُوجِب الْحَدَّ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ.
(وَ) ك (إتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَة) أَيْ الْمُسَاحَقَةُ (وَ) ك (الْيَمِينِ الْغَمُوسِ لِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا وَكَدُعَاءٍ عَلَيْهِ وَلَعْنِهِ وَلَيْسَ لِمَنْ لُعِنَ رَدُّهَا) عَلَى مَنْ لَعَنْهُ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ اللَّعْنِ (وَكَسَرِقَةِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ) لِعَدَمِ الْحِرْزِ أَوْ لِكَوْنِهِ دُونَ رُبْعِ دِينَارٍ وَنَحْوِهِ (وَجِنَايَةٌ لَا قِصَاصَ فِيهَا) كَصَفْعِ وَوَكْزٍ وَهُوَ الدَّفْعُ وَالضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ.
(وَ) كَ (الْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ) كَاللِّوَاطِ (وَكَنَهْبٍ وَغَصْبٍ وَاخْتِلَاسٍ وَسَبِّ صَحَابِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ وَمَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَاتِ (وَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ سَبُّ الصَّحَابِيِّ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْقَذْفِ جُمْلَةٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ (فَيُعَزَّرُ فِيهَا الْمُكَلَّفُ وُجُوبًا) لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَفْتَقِرُ إلَى مَا يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِهَا فَإِذَا لَمْ يَجِبْ فِيهَا حَدٌّ وَلَا كَفَّارَةٌ وَجَبَ أَنْ يُشَرَّعَ فِيهَا التَّعْزِيرُ وَلْيَتَحَقَّقْ الْمَانِعُ مِنْ فِعْلهَا وَقَوْلُهُ " لَا حَدَّ فِيهَا " أَخْرَجَ مَا أَوْجَبَ الْحَدَّ مِنْ الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا وَقَوْلُهُ " وَلَا كَفَّارَةَ خَرَجَ بِهِ الظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ وَشَبَهُ الْعَمْدِ وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: قَدْ يُقَالُ يَجِبُ التَّعْزِيرُ فِيهِ أَيْ: فِي شِبْهِ الْعَمْدِ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ

الْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ وَلَيْسَتْ لِأَجْلِ الْفِعْلِ بَلْ بَدَلَ النَّفْسِ الْفَائِتَةِ فَأَمَّا نَفْسُ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ الْجِنَايَةُ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَيَظْهَرُ هَذَا بِمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَلَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ وَلَا كَفَّارَةَ وَلَوْ أَتْلَفَ بِلَا جِنَايَةٍ مُحَرَّمَةٍ لَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِلَا تَعْزِيرٍ وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ فِي شَبَهِ الْعَمْدِ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَجَامِعِ فِي الصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ.
(وَتَقَدَّمَ قَوْلُ صَاحِبِ الرَّوْضَةِ إذَا زَنَى ابْنُ عَشْرٍ أَوْ بِنْتِ تِسْعٍ عُزِّرَا وَقَالَ الشَّيْخُ لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ يُعَاقِبُ عَلَى الْفَاحِشَةِ تَعْزِيرًا بَلِيغًا وَكَذَا الْمَجْنُونُ يُضْرَبُ عَلَى مَا فَعَلَ) أَيْ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِلْعَاقِلِ (لِيَنْزَجِرَ لَكِنْ لَا عُقُوبَةَ بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ.
وَفِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَغَيْرِهَا مَا أَوْجَبَ حَدًّا عَلَى مُكَلَّفٍ عُزِّرَ بِهِ الْمُمَيَّزُ كَالْقَذْفِ انْتَهَى) .

(وَإِنْ ظَلَمَ صَبِيٌّ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونٌ مَجْنُونًا أَوْ بَهِيمَةٌ بَهِيمَةً اُقْتُصَّ لِلْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِم وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ زَجْرٌ) عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ (لَكِنْ لِاقْتِصَاصِ الْمَظْلُومِ وَأَخْذِ حَقِّهِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَخْلُو عَنْ رَدْعٍ وَزَجْرٍ وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ذَلِكَ لِلْعَدْلِ بَيْن خَلْقِهِ قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْقِصَاصُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ وَالشَّجَرِ وَالْعِيدَانِ جَائِزَةٌ شَرْعًا بِإِيقَاعِ مِثْلِ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا (وَتَقَدَّمَ تَأْدِيبُ الصَّبِيِّ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاة) إذَا بَلَغَ عَشْرًا (وَذَلِكَ لِيَتَعَوَّدَ) . وَكَذَا الصَّوْمُ إذَا أَطَاقَهُ (وَكَتَأْدِيبِهِ عَلَى خَطٍّ وَقِرَاءَةٍ وَصِنَاعَةٍ وَشَبَهِهَا) قَالَ فِي الْوَاضِحِ: وَمِثْله زِنًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِيمَا نَقَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ فِي الْغِلْمَانِ يَتَمَرَّدُونَ لَا بَأْسَ بِضَرْبِهِمْ.
(قَالَ الْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُ إلَّا إذَا شَتَمَ نَفْسَهُ أَوْ سَبَّهَا فَإِنَّهُ لَا يُعَزَّرُ) وَهُوَ مَعْصِيَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي (وَقَالَ) الْقَاضِي (فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ إذَا تَشَاتَمَ وَالِدٌ وَوَلَدُهُ لَمْ يُعَزَّرْ الْوَالِدُ لِحَقِّ وَلَدِهِ) كَمَا لَا يُحَدُّ لِقَذْفِهِ وَلَا يُقَادُ بِهِ (وَيُعَزَّرُ الْوَلَدُ لِحَقِّهِ) أَيْ الْوَالِدُ كَمَا يُحَدُّ لِقَذْفِهِ وَيُقَادُ بِهِ (وَلَا يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ) أَيْ الْوَلَدُ (إلَّا بِمُطَالَبَةِ الْوَالِدِ) بِتَعْزِيرِهِ لِأَنَّ لِلْوَالِدِ تَعْزِيرُهُ بِنَفْسِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ فِي النَّفَقَاتِ (وَلَا يَحْتَاجُ التَّعْزِيرُ إلَى مُطَالَبَةٍ فِي هَذِهِ) الصُّورَةِ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلتَّأْدِيبِ فَيُقِيمُهُ الْإِمَامُ إذَا رَآهُ وَظَاهِرُ الْمُنْتَهَى حَتَّى فِي هَذِهِ قَالَ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مُطَالَبَةٍ.
(وَإِنْ تَشَاتَمَ غَيْرُهُمَا) أَيْ الْوَالِدُ وَوَلَدُهُ (عُزِّرَا) وَلَوْ جَدًّا وَوَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ أُمًّا وَوَلَدِهَا أَوْ أَخَوَيْنِ.

(قَالَ الشَّيْخُ وَمَنْ غَضِبَ فَقَالَ مَا نَحْنُ مُسْلِمُونَ إنْ أَرَادَ ذَمَّ نَفْسِهِ لِنَقْصِ دِينِهِ فَلَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا عُقُوبَةَ انْتَهَى وَيُعَزَّرُ بِعِشْرِينَ سَوْطًا بِشُرْبِ مُسْكِرٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ يُفْطِرُهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُمْ مَعَ الْحَدِّ فَيَجْتَمِعُ الْحَدُّ وَالتَّعْزِيرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ " أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ قَدْ شَرِبَ

خَمْرًا فِي رَمَضَانَ فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ سَوْطًا الْحَدَّ وَعِشْرِينَ لِفِطْرِهِ فِي رَمَضَانَ وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِجِنَايَتِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
(وَلَوْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ تَعْزِيرَاتٌ عَلَى مَعَاصٍ شَتَّى فَإِنْ تَمَحَّضَتْ لِلَّهِ) تَعَالَى (وَاتَّحَدَ نَوْعُهَا) كَأَنْ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً مِرَارًا (أَوْ اخْتَلَفَ) نَوْعُهَا بِأَنْ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً وَلَمَسَ أُخْرَى قَصْدًا (تَدَاخَلَتْ) وَكَفَاهُ تَعْزِيرٌ وَاحِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الزِّنَا (وَإِنْ كَانَتْ) التَّعْزِيرَاتُ (لِآدَمِيٍّ وَتَعَدَّدَتْ كَأَنْ سَبَّهُ مَرَّاتٍ وَلَوْ اخْتَلَفَ نَوْعُهَا) أَيْ السَّبَّاتِ (أَوْ تَعَدَّدَ الْمُسْتَحَقُّ) بِالتَّعْزِيرِ كَسَبِّ أَهْلِ بَلَدٍ (فَكَذَلِكَ) أَيْ تَدَاخَلَتْ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّأْدِيبُ وَرَدْعُهُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِكَلِمَاتٍ (وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَلِأَنَّهُ وَطِئَ فِي فَرْجٍ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا مِلْكٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَوَطْءِ أَمَةً غَيْرَ مُزَوَّجَةٍ (إلَّا أَنْ تَكُونَ أَحَلَّتْهَا لَهُ فَيُجْلَدُ مِائَةً وَلَا يُرْجَمُ وَلَا يُغَرَّبُ) . لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا: عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ: «أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُنَيْنٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ فَرُفِعَ إلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيكَ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ مِائَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَكَ رَجَمْتُكَ بِالْحِجَارَةِ فَوَجَدَهَا أَحَلَّتْهَا لَهُ فَجَلَدَهُ مِائَةً» (وَإِنْ أَوْلَدَهَا) أَيْ أَمَةَ زَوْجَتِهِ (لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا شُبْهَةٍ كَزِنَاهُ بِغَيْرِهَا (وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالْإِبَاحَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ) لِعُمُومِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِي وَإِنَّمَا سَقَطَ هُنَا أَيْ فِي إبَاحَةِ الْمَرْأَةِ أَمَتَهَا لِزَوْجِهَا لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ الْمَذْكُورِ (وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلْدَاتٍ) لِحَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلْدَاتٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ) أَيْ إبَاحَةِ الزَّوْجَةِ أَمَتَهَا لِزَوْجِهَا وَأَيْضًا مَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لِوُرُودِ الْأَثَرِ فَيَكُونُ مُخَصَّصًا (إلَّا إذَا وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً فَيُعَزَّرُ بِمِائَةٍ إلَّا سَوْطًا) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ " إنَّ عُمَرَ قَالَ فِي أَمَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا يُجْلَدُ الْحَدُّ إلَّا سَوْطًا " وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (وَعَنْهُ مَا كَانَ) مِنْ التَّعَازِيرِ (سَبَبُهُ الْوَطْءُ كَوَطْئِهِ جَارِيَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ وَ) وَطْءُ (جَارِيَةِ وَلَدِهِ أَوْ جَارِيَةِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَالْمُحَرَّمَةِ بِرَضَاعٍ وَوَطْءِ مَيِّتَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ إذَا قُلْنَا لَا يُحَدُّ فِيهِنَّ يُعَزَّرُ بِمِائَةٍ) لِمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ فِي وَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا فَيَتَعَدَّى إلَى وَطْءِ أَمَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ الْمُزَوَّجَةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا.
(وَ) يُعَزَّرُ

(الْعَبْدُ) فِي ذَلِكَ (بِخَمْسِينَ إلَّا سَوْطًا) قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ (وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَشْهَرُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ (وَكَذَا لَوْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) مِنْ غَيْرِ زِنًا بِهَا فِي رِوَايَةٍ نَقَلَهَا يَعْقُوبُ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْمَذْهَبِ وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عَلِيًّا وَجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأَةٍ فِي لِحَافِهَا فَضَرَبَهُ بِمِائَةٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.

(وَيَجُوزُ نَقْصُ التَّعْزِيرِ عَنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إذْ لَيْسَ أَقَلُّهُ مِقْدَارًا فَيَرْجِعُ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ أَوْ الْحَاكِمِ فِيمَا يَرَاهُ وَمَا يَقْتَضِيهِ حَالُ الشَّخْصِ وَلَا يُجَرَّدُ لِلضَّرْبِ بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ وَالْقَمِيصَانِ كَالْحَدِّ وَذَكَرَ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا يُضْرَبُ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ وَيَكُونُ) التَّعْزِيرُ (بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالصَّفْعِ وَالتَّوْبِيخِ وَالْعَزْلِ عَنْ الْوِلَايَةِ) وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ دَفْعُ الْفَسَادِ وَلَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ وَحِينَئِذٍ فَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ جِنْسُ الْفَسَادِ وَلَمْ يَرْتَدِعْ بِالْحُدُودِ الْمُقَدَّرَةِ بَلْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْفَسَادِ فَهُوَ كَالصَّائِلِ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَيُقْتَلُ (وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْعَفْوَ عَنْهُ جَازَ) قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَقَالَ فِي الْمُبْدِع وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ كَوَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ مَا كَانَ مِنْ التَّعْزِيرِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فَيَجِبُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ فِيهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ وَرَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ وَجَبَ كَالْحَدِّ وَإِنْ رَأَى الْعَفْوَ جَازَ لِلْأَخْبَارِ وَإِنْ كَانَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ فَطَلَبَهُ لَزِمَهُ إجَابَتُهُ.
وَفِي الْكَافِي يَجِبُ التَّعْزِيرُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَرَدَ الْخَبَرُ فِيهِمَا وَمَا عَدَاهُمَا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فَإِنْ جَاءَ تَائِبًا مُعْتَرِفًا قَدْ أَظْهَرَ النَّدَمَ وَالْإِقْلَاعَ جَازَ تَرْكُ تَعْزِيرِهِ وَإِلَّا وَجَبَ انْتَهَى وَقَدَّمَ فِي الْإِنْصَافِ أَنَّ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ التَّعْزِيرِ مُطْلَقًا وَإِنَّ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَبَقَ.

(وَلَا يَجُوزُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْهُ) أَيْ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ (وَلَا جَرْحُهُ وَلَا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ) لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ يُقْتَدَى بِهِ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ أَدَبٌ وَالْأَدَبُ لَا يَكُونُ بِالْإِتْلَافِ (قَالَ الشَّيْخُ وَقَدْ يَكُونُ التَّعْزِيرِ بِالنَّيْلِ مِنْ عِرْضِهِ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ لَهُ يَا ظَالِمٌ يَا مُعْتَدِي و) قَدْ يَكُونُ التَّعْزِيرُ

(بِإِقَامَتِهِ مِنْ الْمَجْلِسِ وَقَالَ التَّعْزِيرُ بِالْمَالِ سَائِغٌ إتْلَافًا وَأَخْذًا وَقَوْلُ) الْمُوَفَّقِ (أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيِّ لَا يَجُوزُ أَخْذُ مَالِهِ مِنْهُ إلَى مَا يَفْعَلُهُ الْحُكَّامُ الظَّلَمَةُ) .

(وَالتَّعْزِيرُ يَكُونُ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَ) عَلَى (تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ فَمِنْ جِنْسِ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ مِنْ كَتْمِ مَا يَجِبُ بَيَانُهُ كَالْبَائِعِ الْمُدَلِّس) فِي الْمَبِيعِ بِإِخْفَاءِ عَيْبٍ وَنَحْوِهِ (وَالْمُؤَخِّرُ) الْمُدَلِّسُ (وَالنَّاكِحُ) الْمُدَلِّسُ (وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُعَامِلِينَ) إذَا دَلَّسَ (وَكَذَا الشَّاهِدُ وَالْمُخْبِرُ) الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ بِمَا عَلِمَهُ مِنْ نَحْوِ نَجَاسَةِ شَيْءٍ (وَالْمُفْتِي وَالْحَاكِمُ وَنَحْوُهُمْ) . فَإِنَّ كِتْمَانَ الْحَقِّ سَبَبُهُ الضَّمَانُ (وَعَلَى هَذَا لَوْ كَتَمَا شَهَادَةً كِتْمَانًا أَبْطَلَا بِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ ضَمِنَاهُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَقٌّ بِبَيِّنَةٍ وَقَدْ أَدَّاهُ حَقَّهُ لَهُ) أَيْ الْمُؤَدِّي لِمَا كَانَ عَلَيْهِ (بَيِّنَةٌ بِالْأَدَاءِ فَتَكَتَّمَا الشَّهَادَةَ حَتَّى يَغْرَم ذَلِكَ الْحَقَّ فَظَاهِرُ نَقْلِ حَنْبَلٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ سَمَاعُ الدَّعْوَى) عَلَى الْبَيِّنَةِ بِذَلِكَ (وَ) سَمَاعُ الْأَعْذَارِ وَ (التَّحْلِيفُ فِي الشَّهَادَةِ) إذَا أُنْكِرَتْ الْبَيِّنَةُ الْعِلْمَ بِهَا أَوْ نَحْوَهُ.
هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ وَيَأْتِي فِي الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ شَاهِدٌ (وَمَنْ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ خَوْفًا مِنْ الزِّنَا أَوْ خَوْفًا عَلَى بَدَنِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَأْمُرُونَ فِتْيَانَهُمْ يَسْتَغْنُوا بِهِ (وَلَا يَجِدُ ثَمَنَ أَمَةٍ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى نِكَاحٍ وَلَوْ لِأَمَةٍ) لِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ إنَّمَا يُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ مُنْدَفِعَةٌ بِذَلِكَ (وَإِلَّا) بِأَنْ قَدَرَ عَلَى نِكَاحٍ وَلَوْ أَمَةً أَوْ عَلَى ثَمَنِ أَمَةٍ (حَرُمَ وَعُزِّرَ) لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5] وَلِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي حِزْبِهِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الرَّجُلِ فَتَسْتَعْمِلُ أَشْيَاءَ مِنْ الذَّكَرِ) وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ وَعَدَمُ الْقِيَاسِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْنِي بِيَدِ زَوْجَتِهِ وَجَارِيَتِهِ) الْمُبَاحَةِ لَهُ لِأَنَّهُ كَتَقْبِيلِهَا (وَلَوْ اُضْطُرَّ إلَى جِمَاعِهِ وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ يُبَاحُ وَطْؤُهَا حَرُمَ الْوَطْءُ) بِخِلَافِ أَكْلِهِ فِي الْمَخْمَصَةِ مَا لَا يُبَاحُ فِي غَيْرِهَا لِأَنَّ عَدَمَ الْأَكْلِ لَا تَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ بِخِلَافِ الْوَطْءِ (وَإِذَا عَزَّرَهُ) أَيْ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ (الْحَاكِمُ أَشْهَرَهُ لِمَصْلَحَةٍ كَشَاهِدِ الزُّورِ) لِيُجْتَنَبَ (وَيَأْتِيَ) فِي الشَّهَادَاتِ.

(وَيُحَرَّمُ) التَّعْزِيرُ (بِحَلْقِ لِحْيَتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُثْلَةِ (وَلَا تَسْوِيدِ وَجْهِهِ وَ) لَهُ (صَلْبُهُ حَيًّا، وَلَا يُمْنَعُ) الْمَصْلُوبُ (مِنْ أَكْلٍ وَوُضُوءٍ) لِأَنَّ الْبِنْيَةَ لَا تَبْقَى بِدُونِ الْأَكْلِ وَالصَّلَاةِ، لَا تَسْقُط عَنْهُ وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِالْوُضُوءِ كَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (وَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ) لِلْعُذْرِ (وَلَا يُعِيدُ) مَا صَلَّاهُ بِالْإِيمَاءِ وَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ.
(قَالَ الْقَاضِي وَيَجُوزُ أَنْ يُنَادَى عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ إذَا تَكَرَّرَ) الذَّنْبُ (مِنْهُ وَلَمْ يُقْلِعْ انْتَهَى وَمَنْ لَعَنَ ذِمِّيًّا) مُعَيَّنًا أُدِّبَ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ وَعِرْضُهُ مُحَرَّمٌ

(أَدَبًا خَفِيفًا) لِأَنَّ حُرْمَتَهُ دُون حُرْمَةِ الْمُسْلِمِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنْهُ) أَيْ الذِّمِّيُّ (مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ) أَيْ أَنْ يُلْعَنَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْلِمِ قُلْتُ مَا ذَكَرَهُ هُوَ كَلَامُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنْ يُلْعَنَ فَاعِلُ ذَلِكَ الذَّنْبِ عَلَى الْعُمُومِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَعَنَ اللَّهُ فَاعِلَ كَذَا أَمَّا لَعْنَةُ مُعَيَّنٍ بِخُصُوصِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ.

وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا وَصَدَرَ مِنْهُ ذَنْبٌ (وَقَالَ الشَّيْخُ يُعَزَّرُ) أَيْ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ (بِمَا يَرْدَعُهُ) لِأَنَّ الْقَصْدَ الرَّدْعَ (وَقَدْ يُقَالُ بِقَتْلِهِ) أَيْ مَنْ لَزِمَهُ التَّعْزِيرُ (لِلْحَاجَةِ) وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ (وَقَالَ: يُقْتَلُ مُبْتَدِعٌ دَاعِيَةٌ وَذَكَرَهُ وَجْهًا وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَنُقِلَ) الْقَتْلُ (عَنْ أَحْمَدَ فِي الدُّعَاةِ مِنْ الْجَهْمِيَّةِ) لِدَفْعِ شَرِّهِمْ بِهِ وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ يُكَفِّرُ مُجْتَهِدَهُمْ الدَّاعِيَةُ (وَقَالَ) الشَّيْخُ (فِي الْخَلْوَةِ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَاِتِّخَاذِ الطَّوَافِ بِالْحُجْرَةِ دِينًا وَقَوْلُ الشَّيْخِ: أَنْذِرُوا لِي لِتُقْضَى حَاجَتُكُمْ وَاسْتَغِيثُوا بِي وَإِنْ أَصَرَّ وَلَمْ يَتُبْ قُتِلَ كَذَا مَنْ تَكَرَّرَ شُرْبُهُ لِلْخَمْرِ مَا لَمْ يَنْتَهِ بِدُونِهِ) أَيْ يُقْتَلُ (وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِيَةِ: يُحْبَسُ حَتَّى يَكُفَّ عَنْهَا وَمَنْ عَرَفَ بِأَذَى النَّاسِ وَ) أَذَى (مَا لَهُمْ حَتَّى بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَكُفَّ) عَنْ ذَلِكَ (حُبِسَ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَتُوبَ) قَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْوَالِي فِعْلُهُ لَا الْقَاضِي (وَنَفَقَتُهُ مُدَّةُ حَبْسِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِيَدْفَعَ ضَرَرَهُ) . وَفِي التَّرْغِيبِ فِي الْعَائِنِ لِلْإِمَامِ حَبْسُهُ وَقَالَ الْمُنَقِّحُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقْتَلُ الْعَائِنُ إذَا كَانَ يَقْتُلُ بِعَيْنِهِ غَالِبًا وَأَمَّا مَا أَتْلَفَهُ فَيَغْرَمُهُ انْتَهَى (وَمَنْ مَاتَ مِنْ التَّعْزِيرِ) الْمَشْرُوعِ (لَمْ يُضْمَنْ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا كَالْحَدِّ.

[فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ لِلْجَذْمَاءِ مُخَالَطَةُ الْأَصِحَّاءِ عُمُومًا]

(فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ لِلْجَذْمَاءِ مُخَالَطَةُ الْأَصِحَّاءِ عُمُومًا وَلَا مُخَالَطَةُ أَحَدٍ مُعَيَّنٍ صَحِيحٍ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَعَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ مَنْعُهُمْ مِنْ مُخَالَطَةِ الْأَصِحَّاءِ بِأَنْ يَسْكُنُوا فِي مَكَان مُفْرَدٍ لَهُمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَإِذَا امْتَنَعَ وَلِيُّ الْأَمْرِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ الْمَجْذُومِ أَثِمَ وَإِذَا أَصَرَّ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ فَسَقَ) . قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَقَالَ كَمَا جَاءَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ، وَكَمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ (وَجَوَّزَ ابْنُ عَقِيلٍ قَتْلَ مُسْلِمٍ جَاسُوسٍ لِلْكُفَّارِ وَعِنْدَ الْقَاضِي يُعَنَّفُ ذُو الْهَيْئَةِ وَيُعَزَّرُ غَيْرُهُ.
وَفِي الْفُنُونِ لِلسُّلْطَانِ سُلُوكُ السِّيَاسَةِ، وَهُوَ الْحَزْمُ عِنْدَنَا وَلَا تَقِفُ السِّيَاسَةُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ) قُلْتُ: وَلَا تَخْرَجُ عَمَّا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَقَوْلُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ) أَيْ فَيُعَزَّرُ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ (وَمَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ ظُلْمًا فَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى ظَالِمِهِ بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ عَلَيْهِ نَحْوَ: أَخْزَاكَ اللَّهُ أَوْ لَعَنَكَ اللَّهُ أَوْ شَتَمَهُ بِغَيْرِ فِرْيَةٍ) أَيْ قَذْفٍ (نَحْوَ: يَا كَلْبُ يَا خِنْزِيرُ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] (أَوْ تَعْزِيرُهُ) أَيْ وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ لِلْحَاكِمِ لِيُعَزِّرَهُ لِكَوْنِهِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً وَلَا يَرُدّهُ عَلَيْهِ (وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ) أَيْ الشَّيْخِ (فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا يَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ كَمَا تَقَدَّمَ) قُلْتُ وَلَا يَدْعُو عَلَيْهِ وَلَا يَشْتُمُهُ بِمِثْلِهِ بَلْ يُعَزِّرُهُ (وَإِذَا كَانَ ذَنْبُ الظَّالِمِ إفْسَادَ دِينٍ الْمَظْلُومِ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْمَظْلُومِ (أَنْ يُفْسِدَ) عَلَى الظَّالِمِ (دِينَهُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7] (لَكِنْ لَهُ) أَيْ الْمَظْلُومِ (أَنْ يَدْعُو عَلَيْهِ بِمَا يُفْسِدُ دِينَهُ مِثْلَ مَا فَعَلَ) مَعَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] قُلْتُ: الْأَوْلَى عَدَمُ ذَلِكَ (وَكَذَا لَوْ افْتَرَى) إنْسَانٌ (عَلَيْهِ الْكَذِبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْمَكْذُوبِ عَلَيْهِ الْكَذِب.
(لَكِنْ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَلَيْهِ بِمَنْ يَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ نَظِيرَ مَا افْتَرَاهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الِافْتِرَاءُ مُحَرَّمًا لِأَنَّ اللَّهَ إذَا عَاقَبَهُ بِمَنْ يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يُقَبَّحْ مِنْهُ) سُبْحَانَهُ (وَلَا ظُلْمَ فِيهِ) لِأَنَّ الْمَالِكَ يَفْعَلُ فِي مُلْكِهِ مَا يَشَاءُ (وَقَالَ: وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَخْلُوقٍ مِنْ وَكِيلٍ وَوَالٍ وَغَيْرِهِمَا فَاسْتِعَانَتُهُ بِخَالِقِهِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ انْتَهَى وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: الدُّعَاءُ قِصَاصٌ وَقَالَ فَمَنْ دَعَا فَمَا صَبَرَ) أَيْ فَقَدْ انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: 43] .

[فَصْلٌ وَالْقَوَّادَةُ الَّتِي تُفْسِدُ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ]

(فَصْلٌ وَالْقَوَّادَةُ الَّتِي تُفْسِدُ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا الضَّرْبُ الْبَلِيغُ، وَيَنْبَغِي شُهْرَةُ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَسْتَفِيضُ فِي النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ) لِتُجْتَنَبَ (وَإِذَا أُرْكِبَتْ) الْقَوَّادَةُ (دَابَّةً وَضُمَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا) لِيَأْمَنَ كَشْفَ عَوْرَتِهَا

(وَنُودِيَ عَلَيْهَا هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا) أَيْ يُفْسِدُ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ (كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَالِحِ قَالَهُ الشَّيْخُ) لِيَشْتَهِرَ ذَلِكَ وَيَظْهَرَ (وَقَالَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ، كَصَاحِبِ الشُّرْطَةِ أَنْ يَعْرِفَ ضَرَرَهَا إمَّا بِحَبْسِهَا أَوْ بِنَقْلِهَا عَنْ الْجِيرَانِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ: سُكْنَى الْمَرْأَةِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَ) سُكْنَى (الرِّجَالِ بَيْنَ النِّسَاءِ يُمْنَعُ مِنْهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْعَزَبَ أَنْ يَسْكُنَ بَيْنَ الْمُتَأَهِّلِينَ وَالْمُتَأَهِّلَ أَنْ يَسْكُنَ بَيْنَ الْعُزَّابِ) دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ.
(وَنَفَى) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (شَابًّا) هُوَ نَصْرُ بْنُ حَجَّاجٍ إلَى الْبَصْرَةِ (خَافَ بِهِ الْفِتْنَةَ فِي الْمَدِينَةِ) لِتَشَبُّبِ النِّسَاءِ بِهِ «وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْيِ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الْبُيُوتِ» وَقَالَ) الشَّيْخُ أَيْضًا (يُعَزَّرُ مِنْ يُمْسِكُ الْحَيَّةَ) لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَجِنَايَةٌ وَتَقَدَّمَ لَوْ قَتَلَتْ مُمْسِكَهَا مِنْ مُدَّعِي مَشْيَخَةٍ وَنَحْوِهِ فَقَاتِلٌ نَفْسَهُ.
(وَ) يُعَزَّرُ مَنْ (يَدْخُلُ النَّارَ وَنَحْوَهُ) مِمَّنْ يَعْمَلُ الشَّعْبَذَةَ وَنَحْوَهَا (وَكَذَا) يُعَزَّرُ (مَنْ يُنْقِصُ مُسْلِمًا بِأَنَّهُ مُسْلِمَانِيٌّ مَعَ حُسْنِ إسْلَامِهِ) لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً بِإِيذَائِهِ (وَكَذَا) يُعَزَّرُ (مَنْ قَالَ لِذِمِّيٍّ يَا حَاجُّ) لِأَنَّ فِيهِ تَشْبِيهَ قَاصِدِ الْكَنَائِسِ بِقَاصِدِ بَيْتِ اللَّهِ، وَفِيهِ تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ (أَوْ سَمَّى مَنْ زَارَ الْقُبُورَ وَالْمُشَاهَدَ حَاجًّا إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ ذَلِكَ حَجًّا يَقْصِدُ حَجَّ الْكُفَّارِ وَالضَّالِّينَ) أَيْ قَصْدَهُمْ الْفَاسِد (وَإِذَا ظَهَرَ كَذِبُ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ بِمَا يُؤْذِي بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُزِّرَ لِكَذِبِهِ وَأَذَاهُ) لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ قُلْتُ: وَيَلْزَمهُ مَا غَرِمَهُ بِسَبَبِهِ ظُلْمًا لِتَسَبُّبِهِ فِي غُرْمِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْحِجْرِ.

[بَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ]

(بَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ) وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]

وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْقِصَاصِ (وَهِيَ أَخْذُ مَالٍ مُحْتَرَمٍ لِغَيْرِهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ) عَادَةً (لَا شُبْهَةَ لَهُ) أَيْ الْآخِذِ (فِيهِ) وَقَوْلُهُ (عَلَى وَجْهِ الِاخْتِفَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَخْذِ وَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ وَمُسَارَقَةُ النَّظَر إذَا كَانَ يَخْتَفِي بِذَلِكَ إذَا عَلِمْتَ أَنَّ السَّرِقَةَ الْأَخْذُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِفَاءِ (فَلَا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ) وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ عَلَى وَجْهِ الْغَنِيمَةِ لِمَا رَوَى جَابِرُ مَرْفُوعًا قَالَ «لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَا) عَلَى (مُخْتَلِسٍ وَالِاخْتِلَاسُ نَوْعٌ مِنْ الْخَطْفِ وَالنَّهْبِ) وَإِنَّمَا اسْتَخْفَى فِي ابْتِدَاءِ اخْتِلَاسِهِ وَالْمُخْتَلِسُ الَّذِي يَخْطَفُ الشَّيْءَ وَيَمُرُّ بِهِ (وَلَا عَلَى غَاصِبٍ وَلَا) . عَلَى (خَائِنٍ فِي وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ وَالْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد بَلَغَنِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ إنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ يَاسِينِ الزَّيَّاتِ " وَلِأَنَّ الِاخْتِلَاسَ نَوْعٌ مِنْ النَّهْبِ وَإِذَا لَمْ يُقْطَعْ الْخَائِنُ وَالْمُخْتَلِسُ فَالْغَاصِبُ أَوْلَى (وَلَا جَاحِدُ وَدِيعَةٍ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ» وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَارِقٍ (إلَّا الْعَارِيَّةَ فَيُقْطَعُ بِجَحْدِهَا) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِ يَدِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: " هُوَ حُكْمٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ يَدْفَعُهُ شَيْءٌ (وَ) يُقْطَعُ (بِسَرِقَةِ مِلْحٍ وَتُرَابٍ) يَقْصِدُ عَادَةً كَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ وَالْمَغَرَةِ (وَأَحْجَارٍ وَلَبِنٍ) بِكَسْرِ الْبَاءِ جَمْعُ لَبِنَةٍ (وَ) سَرِقَةُ (كَلَأٍ وَسِرْجِينٍ طَاهِرٍ وَثَلْجٍ وَصَيْدٍ وَفَاكِهَةٍ وَطَبِيخٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَمَتَاعٍ وَخَشَبٍ وَقَصَبٍ) سُكَّرٍ فَارِسِيٍّ (وَنَوْرَةٍ وَجَصٍّ وَزَرْنِيخٍ وَفُخَّارٍ وَتَوَابِلَ) وَهِيَ مَا يُوضَعُ عَلَى الْخُبْزِ مِنْ شَمَرٍ وَنَحْوِهِ (وَزُجَاجٍ) حَيْثُ بَلَغَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْ ذَلِكَ نِصَابًا لِعُمُومِ النُّصُوصِ (وَيُشْتَرَطُ فِي قَطْعِ سَارِقٍ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا) لِحَدِيثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَحَدِيثُ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» .

(وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا) لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا حُرْمَةَ لَهُ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ قَطْعٌ وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّ غَيْرَ الْمَالِ لَا يُسَاوِي الْمَالَ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ وَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً فَالْأَخْبَارُ مُقَيَّدَةٌ وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ (مُحْتَرَمًا) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ

يَجُوز سَرِقَتُهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَجَوَازُ الْأَخْذِ مِنْهُ يَنْفِي وُجُوبَ الْقَطْعِ.
وَأَنْ يَكُونَ السَّارِقُ (عَالِمًا بِهِ) أَيْ بِالْمَسْرُوقِ (وَبِتَحْرِيمِهِ) لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ حَسَبَ الِاسْتِطَاعَةِ وَأَنْ تَكُونَ سَرِقَةُ الْمَالِ الْمُحْتَرَمِ (مِنْ مَالِكِهِ أَوْ نَائِبِهِ) أَيْ نَائِبِ الْمَالِكِ كَوَلِيِّهِ وَوَكِيلِهِ بِخِلَافِ مَنْ سَرَقَ مِنْ سَارِقٍ مَا سَرَقَهُ أَوْ مِنْ غَاصِبٍ مَا غَصَبَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحْتَرَمِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَسْرُوقُ (مِنْ غَلَّةِ وَقْفٍ وَلَيْسَ مِنْ مُسْتَحَقِّيهِ) أَيْ الْوَقْفِ لِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ وَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ غَلَّةَ وَقْفٍ (وَيُقْطَعُ الطِّرَارُ) مِنْ الطَّرِّ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَهُوَ الْقَطْعُ (سِرًّا) أَيْ الَّذِي يُبَطُّ خُفْيَةً لِأَنَّهُ سَارِقٌ مِنْ حِرْزٍ (وَهُوَ الَّذِي يَسْرِقُ نِصَابًا مِنْ جَيْبِ إنْسَانٍ أَوْ كُمِّهِ أَوْ صُفْنِهِ) بَعْدَ بَطِّهِ (وَسَوَاءُ بَطَّ مَأْخُوذٌ مِنْهُ الْمَسْرُوقَ أَوْ قَطْعَ الصُّفْنَ) أَوْ نَحْوَهُ (فَأَخَذَهُ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْجَيْبِ فَأَخَذَ مَا فِيهِ بَعْدَ سُقُوطِهِ وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ) لِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مَمْلُوكًا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا أَشْبَهَ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ وَلِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَفْهَمُ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْن سَيِّدِهِ وَغَيْرِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ (كَبِيرًا لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ) لِأَنَّهُ لَا يُسْرَقُ.
وَإِنَّمَا يُخْدَعُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْعَبْدُ الْكَبِيرُ (نَائِمًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ سَيِّدِهِ وَغَيْرِهِ فِي الطَّاعَةِ) فَيُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّغِيرِ وَ (لَا) يَقْطَعُ (بِسَرِقَةِ مُكَاتَبٍ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى لِأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهِ لَيْسَ تَامًّا عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ وَلَا اسْتِخْدَامَهُ وَلَا أَخْذَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ (وَ) لَا بِسَرِقَةِ (أُمِّ وَلَدٍ) لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا وَلَا نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا فَأَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ.
وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقِنِّ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ (وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمَكَاتِبِ) لِأَنَّهُ مَالٌ مُحْتَرَمٌ (إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّارِقُ) لَهُ (سَيِّدُهُ) لِلشُّبْهَةِ قُلْتُ أَوْ عَبْدَ السَّيِّدِ لِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالٍ لَا يُقْطَعُ بِهِ سَيِّدُهُ.
(وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ حُرٍّ وَإِنْ كَانَ) الْحُرُّ (صَغِيرًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ أَشْبَهَ الْكَبِيرَ (وَلَا) يُقْطَعُ (بِمَا عَلَيْهِ) أَيْ الْحُرِّ الصَّغِيرِ (مِنْ حُلِيٍّ وَثِيَابٍ) تَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابًا لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا لَا قَطْعَ فِيهِ أَشْبَهَ ثِيَابَ الْكَبِيرِ وَلِأَنَّ يَدَ الصَّغِيرِ ثَابِتَةٌ عَلَى مَا عَلَيْهِ بِدَلِيلِ مَا يُوجَدُ مَعَ اللَّقِيطِ يَكُونُ لَهُ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْكَبِيرُ نَائِمًا عَلَى مَتَاعِهِ فَسَرَقَهُ وَمَتَاعُهُ لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ (وَلَا) يُقْطَعُ (بِسَرِقَةِ مُصْحَفٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ (وَلَا) يُقْطَعُ أَيْضًا (بِمَا عَلَيْهِ) أَيْ الْمُصْحَفِ (مِنْ حُلِيٍّ) لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا لَا قَطْعَ فِيهِ.
(وَلَا) قَطْعَ (ب) سَرِقَةِ (كُتُبِ بِدَعٍ وَتَصَاوِيرَ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةُ الْإِتْلَافِ (وَلَا بِآلَةِ لَهْوٍ كَطُنْبُورٍ وَمِزْمَارٍ وَشَبَّابَةٍ وَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ آلَةِ لَهْوِ (مُفَصَّلًا نِصَابًا) لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ إجْمَاعًا فَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ كَالْخَمْرِ (وَلَا) يُقْطَعُ أَيْضًا (بِمَا عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى آلَةِ اللَّهْوِ (مِنْ حُلِيٍّ) وَلَوْ بَلَغَ نِصَابًا لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا لَا قَطْعَ فِيهِ أَشْبَهَ الْخَشَبَ (وَلَا) قَطْعَ أَيْضًا (بِمُحَرَّمٍ كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَمَيْتَةٍ سَوَاءٌ سَرَقَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَرَمَةٍ وَلَيْسَتْ مَالًا (وَلَا بِسَرِقَةِ صَلِيبٍ أَوْ صَنَمٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَلِأَنَّ السَّارِقَ بِشُبْهَةٍ فِي أَخْذِهِ لِيَكْسِرَهُ (وَلَا) قَطْعَ (ب) سَرِقَةِ (آنِيَةٍ فِيهَا خَمْرٌ أَوْ مَاءٌ) لِاتِّصَالِهَا بِمَا لَا قَطْعَ فِيهِ (وَلَا بِسَرِقَةِ مَاءٍ) لِأَنَّ أَصْلَهُ الْإِبَاحَةُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَمَوِّلٍ عَادَةً.
(وَ) لَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ (سِرْجِينٍ نَجِسٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِ (وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ إنَاءٍ نَقْدٍ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ مُكَسَّرًا نِصَابًا) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَقِيمَتُهُ بِدُونِ الصِّنَاعَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا نِصَابٌ (وَبِسَرِقَةِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِيهَا تَمَاثِيلُ) لِأَنَّ مَا فِيهَا مِنْ الصِّنَاعَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنهَا مَالًا.
(وَ) يُقْطَعُ (ب) سَرِقَةِ (سَائِرِ كُتُبِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ) وَالْمُبَاحَةِ لِأَنَّهَا مَالٌ حَقِيقَةً وَشَرْعًا وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُهَا (و) يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ (عَيْنٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى مُعَيَّنٍ) لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي مَالٍ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا كَمَا تَقَدَّمَ (و) يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ إنَاءٍ لَا خَمْرَ فِيهِ وَلَا مَاءَ (مُعَدُّ لِخَلٍّ وَلِخَمْرٍ وَوَضْعَهُ فِيهِ كَسِكِّينٍ مُعَدَّةٍ لِذَبْحِ الْخَنَازِيرِ وَسَيْفٍ حُدَّ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ) لِأَنَّ إعْدَادَهُ لِلْمُحَرَّمِ لَا يُزِيلُ مَالِيَّتَهُ (وَإِنْ سَرَقَ مِنْدِيلًا قِيمَتُهُ دُونَ النِّصَابِ فِي طَرَفِهِ دِينَارٌ) أَوْ رُبْعُهُ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَأَكْثَرَ أَوْ مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ذَلِكَ (مَشْدُودٌ يَعْلَمُ بِهِ قُطِعَ) لِسَرِقَتِهِ مَالًا مِنْ حِرْزِهِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ (فَلَا) قَطْعَ عَلَيْهِ لِعِلْمِهِ بِالْمَسْرُوقِ.

[فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا]

(فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا وَهُوَ) أَيْ نِصَابُ السَّرِقَةِ (ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ رُبُعُ دِينَارٍ أَيْ مِثْقَالُ أَوْ عَرَضُ قِيمَتُهُ كَأَحَدِهِمَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى أَنَسٌ: " أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ مِجَنًّا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَقَطَعَهُ أَبُو بَكْرٍ " وَ " أُتِيَ عُثْمَانُ بِرَجُلٍ سَرَقَ أُتْرُجَّةً فَبَلَغَتْ

قِيمَتُهَا رُبْعُ دِينَارٍ فَقَطَعَهُ " وَقَالَ عَلِيٌّ: " فَمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ الْقَطْعُ " وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ يُحْمَلُ عَلَى حَبْلٍ يُسَاوِي ذَلِكَ وَعَلَى بَيْضَةٍ السِّلَاحَ وَهِيَ تُسَاوِي ذَلِكَ أَوْ بَيْضَةَ النَّعَامِ إذَا كَانَتْ تُسَاوِي ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ) أَيْ الْمَسْرُوقِ (حَالَ إخْرَاجهِ مِنْ الْحِرْزِ) لِأَنَّهُ وَقْتَ السَّرِقَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْقَطْعِ (فَإِنْ كَانَ فِي النَّقْدِ) الْمَسْرُوقِ غِشٌّ (لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ حَتَّى يَبْلُغَ مَا فِيهِ مِنْ النَّقْدِ الْخَالِصِ نِصَابًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَسَوَاءٌ كَانَ النَّقْدُ مَضْرُوبًا أَوْ تِبْرًا أَوْ حُلِيًّا أَوْ مُكَسَّرًا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَيُضَمُّ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخِرِ بِالْأَجْزَاءِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) كَالزَّكَاةِ فَلَوْ سَرَقَ ثَمَنَ مِثْقَالٍ وَدِرْهَمًا وَنِصْفًا قُطِعَ وَكَذَا يُضَمُّ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ أَوْ هُمَا إلَى قِيمَةِ عَرَضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ فَلَوْ سَرَقَ دِرْهَمًا وَعَرَضًا يُسَاوِي دِرْهَمًا وَنِصْفَ سُدُسِ دِينَارٍ قُطِعَ (وَإِنْ سَرَقَ عَرَضًا قِيمَتُهُ نِصَابٌ) حِينَ إخْرَاجِهِ (ثُمَّ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ إخْرَاجِهِ) مِنْ الْحِرْزِ (قَبْلَ الْحُكْمِ) بِالْقَطْعِ (أَوْ بَعْدَهُ قُطِعَ) اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِخْرَاجِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ.
(وَإِنْ مَلَكَهُ) أَيْ مَلَكَ السَّارِقُ الْمَسْرُوقَ (بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا) كَإِرْثٍ وَوَصِيَّةٍ (بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ وَبَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ قُطِعَ) لِمَا رَوَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ «أَنَّهُ نَامَ عَلَى رِدَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَجَاءَ بِسَارِقِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ فَقَالَ صَفْوَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُرِدْ هَذَا رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَ (لَا) يُقْطَعُ إنْ مَلَكَهُ السَّارِقُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (قَبْلَ رَفْعِهِ) أَيْ السَّارِقِ لِلْحَاكِمِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» وَ (لِتَعَذُّرِ شَرْطِ الْقَطْعِ وَهُوَ الطَّلَبُ وَإِنْ وُجِدَتْ السَّرِقَةُ) أَيْ الْمَسْرُوقُ (نَاقِصَةً) عَنْ النِّصَابِ (وَلَمْ يَعْلَمْهُ هَلْ كَانَتْ نَاقِصَةً حِينَ السَّرِقَةِ أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يُقْطَعْ) لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ وَلِحَدِيثِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَإِنْ دَخَلَ الْحِرْزَ فَذَبَحَ مِنْهُ شَاةً أَوْ شَقَّ) فِيهِ (ثَوْبًا قِيمَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصَابٌ فَنَقَصَتْ) قِيَمُهُمَا (عَنْ النِّصَابِ ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا نَاقِصَتَيْنِ أَوْ أَتْلَفَهُمَا) فِيهِ (أَوْ) أَتْلَفَ (غَيْرَهُمَا فِيهِ) أَيْ فِي الْحِرْزِ (وَقِيمَتُهُمَا) أَيْ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الثَّوْبِ وَالشَّاةِ وَنَحْوِهِمَا نِصَابٌ وَقَوْلُهُ (بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَتْلَفَهُمَا (لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقَطْعِ أَنْ يُخْرِجَ الْعَيْنَ مِنْ

الْحِرْزِ وَهِيَ نِصَابٌ وَلَمْ يُوجَدْ.
(وَإِذَا ذَبَحَ السَّارِقُ) الْمُسْلِمُ وَالْكِتَابِيُّ (الْمَسْرُوقَ) مُسَمِّيًا (حَلَّ) لِرَبِّهِ وَنَحْوِهِ أَكْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ مَيْتَةً كَالْمَغْصُوبِ وَيُقْطَعُ السَّارِقُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَذْبُوحِ نِصَابًا وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ سَرَقَ فَرْدَ خُفٍّ قِيمَتُهُ مُنْفَرِدًا دِرْهَمٌ وَمَعَ الْآخَرِ أَرْبَعَةٌ لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ نِصَابًا (وَإِنْ أَتْلَفَهُ) أَيْ فَرْدَ الْخُفِّ (لَزِمَهُ سِتَّةٌ) دِرْهَمَانِ قِيمَةُ التَّالِفِ وَأَرْبَعَةٌ أَرْشُ التَّفْرِيقِ.
(وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ سَرَقَ جُزْءًا مِنْ ثِيَابٍ وَنَظَائِرُهُ) كَمِصْرَاعٍ مِنْ بَابٍ (وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ قُطِعُوا) كَالْقِصَاصِ (سَوَاءٌ أَخْرَجُوهُ جُمْلَةً كَثَقِيلٍ اشْتَرَكُوا فِي حَمْلِهِ أَوْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (جُزْءًا) لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ وَإِخْرَاجِ النِّصَابِ فَلَزِمَهُمْ الْقَطْعُ وَفَارَقَ الْقِصَاصَ لِأَنَّهُمْ يَعْمِدُونَ الْمُمَاثَلَةَ وَلَا تُوجَدُ الْمُمَاثَلَةُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ أَفْعَالُهُمْ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْيَدِ وَهَذَا لِقَصْدِ الزَّجْرِ مِنْ غَيْرِ اخْتِبَارِ مُمَاثَلَةٍ (أَوْ دَخَلُوا الْحِرْزَ مَعًا أَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمْ فَأَخْرَجَ بَعْضَ النِّصَابِ ثُمَّ دَخَلَ الْبَاقُونَ فَأَخْرَجُوا بَاقِيهِ) فَيُقْطَعُونَ لِمَا سَبَقَ.
(فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ لِشُبْهَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) كَصِغَرٍ (كَأَبِي الْمَسْرُوقِ مِنْهُ قُطِعَ الْبَاقُونَ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْقَطْعِ عَنْ الشَّرِيكِ لِمَعْنَى غَيْرِ مَوْجُودٍ فِي غَيْرِهِ سُقُوطُ الْقَطْعِ عَنْ الْغَيْرِ كَشَرِيكِ الْأَبِ فِي الْقِصَاصِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إنْ أَخَذَ أَيْ شَرِيكُ الْأَبِ وَنَحْوُهُ نِصَابًا وَقِيلَ أَوْ أَقَلَّ (وَإِنْ اعْتَرَفَ اثْنَانِ بِسَرِقَةِ نِصَابٍ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا) عَنْ إقْرَارِهِ (قُطِعَ الْآخَرُ وَحْدَهُ) فَلَا يُقْطَعُ الرَّاجِعُ (وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِمُشَارَكَةِ آخَرَ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ وَلَمْ يُقِرَّ الْآخَرُ) بِالسَّرِقَةِ قُطِعَ الْمُقِرُّ (وَلَوْ سَرَقَ) وَاحِدٌ (لِجَمَاعَةٍ نِصَابًا قُطِعَ) لِأَنَّ السَّرِقَةَ وَالنِّصَابَ شَرْطٌ لِلْقَطْعِ وَقَدْ وُجِدَ فَوُجِدَ الْقَطْعُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالُ لِوَاحِدٍ (وَإِنْ هَتَكَ اثْنَانِ حِرْزًا فَدَخَلَاهُ فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَحْدَهُ) قُطِعَا نَصًّا لِأَنَّ الْمُخْرِجَ أَخْرَجَهُ بِقُوَّةِ صَاحِبِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَمَعُونَتِهِ (أَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا) الْحِرْزَ (فَقَدَّمَهُ) الْمَسْرُوقُ (إلَى بَابِ النَّقْبِ) وَأَدْخَلَ الْآخَرُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ قُطِعَا لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ وَإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ (أَوْ وَضْعُهُ) أَيْ وَضْعَ الدَّاخِلُ الْمَتَاعَ (فِي النَّقْبِ وَأَدْخَلَ الْآخَرُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ قُطِعَا) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْهَتْكِ وَالْإِخْرَاجِ (وَإِنْ دَخَلَا دَارًا) وَصَارَ (أَحَدُهُمَا فِي سُفْلِهَا جَمَعَ الْمَتَاعَ وَشَدَّهُ بِحَبْلٍ وَالْآخَرُ فِي عُلْوِهَا مَدَّ الْحَبْلَ فَرَمَى بِهِ) أَيْ الْمَتَاعِ (وَرَاءَ الدَّارِ قُطِعَا) لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الدُّخُولِ وَالْإِخْرَاجِ (وَإِنْ رَمَاهُ الدَّاخِلُ إلَى خَارِجٍ) فَأَخَذَهُ أَوَّلًا أَوْ أَعَادَهُ فِيهِ (أَوْ نَاوَلَهُ) الدَّاخِلُ لِلْخَارِجِ (فَأَخَذَهُ الْآخَرُ) أَيْ الْخَارِجُ (أَوَّلًا أَوْ أَعَادَهُ) أَيْ الْمَتَاعَ (فِيهِ) أَيْ فِي الْحِرْزِ.
(أَحَدُهُمَا) أَيْ الدَّاخِلُ أَوْ الْخَارِجُ (قُطِعَ الدَّاخِلُ وَحْدَهُ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي النَّقْبِ) لِأَنَّ الدَّاخِلَ أَخْرَجَ الْمَتَاعَ وَحْدَهُ فَاخْتَصَّ الْقَطْعُ بِهِ لَا يُقَالُ هُمَا اشْتَرَكَا فِي الْهَتْكِ لِأَنَّ شَرْطَهُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَتْكِ وَالْإِخْرَاجِ وَلَمْ يُوجَدْ الثَّانِي فَانْتَفَى الْقَطْعُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ (وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَدَخَلَ الْآخَرُ فَأَخْرَجَهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا وَلَوْ تَوَاطَآ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَسْرِقْ وَالثَّانِي لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزَ.

[فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُخْرِجَهُ أَيْ الْمَسْرُوقَ مِنْ الْحِرْزِ]

(فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُخْرِجَهُ) أَيْ الْمَسْرُوقَ مِنْ الْحِرْزِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الثِّمَارِ فَقَالَ: مَنْ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ أَكْمَامِهِ وَاحْتَمَلَ فَفِيهِ قِيمَتُهُ وَمِثْلُهُ مَعَهُ وَمَا كَانَ مِنْ الْحِرْزِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَبِهَذَا تُخَصُّ الْآيَةُ كَمَا خُصَّتْ بِالنِّصَابِ (فَإِنْ وَجَدَ حِرْزًا مَهْتُوكًا) فَأَخَذَ مِنْهُ فَلَا قَطْعَ (أَوْ) وَجَدَ (بَابًا مَفْتُوحًا فَأَخَذَ مِنْهُ فَلَا قَطْعَ) لِعَدَمِ شَرْطِهِ.
(وَإِنْ هَتَكَ الْحِرْزَ فَابْتَلَعَ فِيهِ جَوْهَرًا أَوْ ذَهَبَا فَخَرَجَ بِهِ) مِنْ الْحِرْزِ (وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْ مِنْهُ مَا ابْتَلَعَهُ) قُطِعَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ فِي كُمِّهِ (أَوْ نَقَّبَ وَتَرَكَ الْمَتَاعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَخَرَجَتْ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَسُقْهَا) قُطِعَ لِأَنَّ الْعَادَةَ مَشْيُ الْبَهِيمَةِ بِمَا عَلَيْهَا (أَوْ) نَقَّبَ وَتَرَكَ الْمَتَاعَ (فِي مَاءٍ جَارٍ فَأَخْرَجَهُ) الْمَاءُ (أَوْ) وَضَعَهُ فِي مَاءٍ (رَاكِدٍ فَفَتَحَهُ فَأَخْرَجَهُ) الْمَاءُ (أَوْ) تُرِكَ الْمَتَاعَ (عَلَى جِدَارٍ) فِي الدَّارِ (أَوْ) عَلَى شَيْءٍ (فِي الْهَوَاءِ فَأَطَارَتْهُ الرِّيحُ) قُطِعَ لِأَنَّ فِعْلَهُ سَبَبُ خُرُوجِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَاقَ الْبَهِيمَةَ (أَوْ أَمَرَ صَغِيرًا أَوْ مَعْتُوهًا أَنْ يُخْرِجَهُ فَفَعَلَ) أَيْ أَخْرَجَهُ الصَّغِيرُ أَوْ الْمَعْتُوهُ قُطِعَ الَّذِي هَتَكَ الْحِرْزَ وَأَمَرَ لِأَنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَعْتُوهَ لَا اخْتِبَارَ لَهُمَا كَالْآلَةِ وَلَوْ أَمَرَهُمَا شَخْصٌ بِالْقَتْلِ قُتِلَ الْآمِرُ (أَوْ رَمَى بِهِ خَارِجًا) عَنْ الْحِرْزِ (أَوْ جَذَمَهُ بِشَيْءٍ) بَعْدَ هَتْكِهِ الْحِرْزَ فَأَخْرَجَهُ مِنْهُ قُطِعَ (أَوْ اسْتَتْبَعَ سَخْلَ شَاةٍ أَوْ فَصِيلَ نَاقَةٍ أَوْ غَيْرَهُمَا مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْأُمَّ وَالسَّخْلَ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ فِي حِرْزٍ فَيَأْتِي بِالْأُمِّ إلَى مَكَانِ السَّخْلِ وَيُرِيَهُ أُمَّهُ حَتَّى يَتْبَعَهَا) قُطِعَ.
(وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ) نَحْوَ (أَنْ يَأْتِيَ مَكَانَ أُمِّهِ وَهِيَ فِي حِرْزِ مَالِكِهَا حَتَّى يَسْتَتْبِعَ الْأُمَّ سَخْلَهَا بِأَنْ يَبْعَثُهُ عَلَيْهَا حَتَّى تَتْبَعُهُ قُطِعَ) لِتَسَبُّبِهِ فِي أَخْذِ ذَلِكَ وَ (لَا) يُقْطَعُ (إنْ تَبِعَهَا) السَّخْلُ (مِنْ غَيْرِ اسْتِتْبَاعٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ (وَإِنْ تَطَيَّبَ فِي الْحِرْزِ بِمَا لَوْ اجْتَمَعَ بَعْدَ تَطْيِيبِهِ وَ) بَعْدَ

(خُرُوجِهِ مِنْ الْحِرْزِ لَبَلَغَ نِصَابًا) قُطِعَ لِأَنَّهُ هَتَكَ الْحِرْزَ وَأَخْرَجَ مِنْهُ نِصَابًا أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ غَيْرَ طَيِّبٍ (أَوْ هَتَكَ الْحِرْزَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَقْتًا آخَرَ) وَقَرَّبَ مَا بَيْنَهُمَا قُطِعَ لِأَنَّهَا سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ (أَوْ) هَتْكَ الْحِرْزَ وَ (أَخَذَ بَعْضَهُ) أَيْ الْمَالَ (ثُمَّ أَخَذَ بَقِيَّتَهُ وَقَرَّبَ مَا بَيْنَهُمَا) قُطِعَ لِأَنَّهَا سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلِأَنَّهُ إذَا بَنَى فِعْلَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى فِعْل شَرِيكِهِ إذَا سَرَقَا نِصَابًا فَبِنَاءُ فِعْلِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ أَوْلَى (أَوْ فَتَحَ أَسْفَلَ كُوَّارَةٍ فَخَرَجَ الْعَسَلُ شَيْئًا فَشَيْئًا) حَتَّى بَلَغَتْ قِيمَةُ مَا أَخْرَجَهُ نِصَابًا قُطِعَ لِأَنَّهُ لَمْ يُهْمِلْ الْأَخْذُ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَجْمُوعًا فَأَخْرَجَهُ (أَوْ أَخْرَجَهُ) أَيْ النِّصَابَ الْمَسْرُوقَ (إلَى سَاحَةِ دَارٍ أَوْ) سَاحَةِ (خَانٍ مِنْ بَيْتٍ مُغْلَقٍ مِنْ الدَّارِ أَوْ الْخَانِ) سَوَاء (فَتَحَهُ) أَيْ الْبَيْتَ (أَوْ نَقَّبَهُ) وَلَوْ أَنَّ بَابَ الدَّارِ أَوْ الْخَانِ مُغْلَقٌ قُطِعَ لِأَنَّهُ هَتَكَ الْحِرْزَ وَأَخْرَجَ مِنْهُ نِصَابًا كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّارِ أَوْ الْخَانِ بَابُ آخَرُ (أَوْ احْتَلَبَ لَبَنًا مِنْ مَاشِيَةٍ فِي الْحِرْزِ وَأَخْرَجَهُ) مِنْ الْحِرْزِ (قُطِعَ) لِسَرِقَتِهِ نِصَابًا كَغَيْرِ اللَّبَنِ (فَإِنْ شَرِبَ اللَّبَنَ فِي الْحِرْزِ أَوْ شَرِبَ مِنْهُ فَانْتَقَصَ النِّصَابُ) لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ نِصَابًا مِنْ الْحِرْزِ (أَوْ تَرَكَ الْمَتَاعَ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ فَانْفَتَحَ مِنْ غَيْر فِعْله فَخَرَجَ بِهِ) لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّ خُرُوجَهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ (أَوْ أَخْرَجَ النِّصَابَ فِي مَرَّتَيْنِ وَبَعَّدَ مَا بَيْنَهُمَا مِثْلَ أَنْ كَانَا فِي لَيْلَتَيْنِ أَوْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَبَيْنَهُمَا مُدَّةً طَوِيلَةً) لَمْ يُقْطَعْ.
لِأَنَّ كُلّ سَرِقَةٍ مِنْهُمَا لَا تَبْلُغُ نِصَابًا، وَكَذَا إنْ عَلِمَ الْمَالِكُ بِهَتْكِ الْحِرْزِ وَأَهْمَلَهُ لِأَنَّ سَرِقَتَهُ الثَّانِيَةُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ (أَوْ عَلَّمَ قِرْدًا وَنَحْوَهُ السَّرِقَةَ فَسَرَقَ لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ تَعْلِيمَ السَّرِقَةِ لَيْسَ بِسَرِقَةٍ (وَعَلَيْهِ) أَيْ مُعَلِّمُ الْقِرْدِ (الضَّمَانَ) أَيْ ضَمَانَ سَرِقَةِ الْقِرْدِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِتَسَبُّبِهِ فِيهِ (وَإِنْ جَرَّ خَشَبَةً فَأَلْقَاهَا بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ بَعْضَهَا مِنْ الْحِرْزِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَخْرَجَ مِنْهَا مَا يُسَاوِي نِصَابًا أَوْ لَا لِأَنَّ بَعْضَهَا لَا يَنْفَرِدُ عَنْ بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَمْسَكَ الْغَاصِبُ طَرَفَ عِمَامَتِهِ وَالطَّرَفُ الْآخَرُ فِي يَدِ مَالِكِهَا لَمْ يَضْمَنْهَا) الْغَاصِبُ لِأَنَّ بَعْضَهَا لَا يَنْفَرِدُ عَنْ بَعْضٍ (وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ ثَوْبًا أَوْ عِمَامَةً فَأَخْرَجَ بَعْضَهُمَا) وَلَمْ يَقْطَعْهُ لَمْ يُقْطَعْ لِتَبَعِيَّتِهِ لِمَا لَا يُخْرِجُهُ.

[فَصْل وَحِرْزُ الْمَالِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِحِفْظِهِ فِيهِ]

(فَصْل وَحِرْزُ الْمَالِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِحِفْظِهِ فِيهِ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْوَالِ وَالْبُلْدَانِ وَعَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ بِالشَّرْعِ اعْتِبَارُهُ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى بَيَانِهِ عُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَرَجَعَ إلَيْهِ كَمَا رَجَعْنَا إلَى مَعْرِفَةِ الْقَبْضِ وَالْفِرْقَةِ فِي الْبَيْعِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ إلَيْهِ (فَحِرْزُ الْأَثْمَانِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْقُمَاشِ فِي الدُّورِ وَالدَّكَاكِينِ فِي الْعُمْرَانِ وَرَاءَ الْأَبْوَابِ وَالْأَغْلَاقِ الْوَثِيقَةِ) وَالْغَلَقِ الْقَافِلِ خَشَبًا كَانَ أَوْ حَدِيدًا.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَكُونُ فِيهِ حَافِظٌ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ فِي حِرْزِ ذَلِكَ (وَالصُّنْدُوقُ فِي السُّوقِ حِرْزٌ ثُمَّ حَارِسٌ) لِأَنَّهُ الْعَادَةُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَارِسٌ (فَلَا) أَيْ فَلَيْسَ الصُّنْدُوقُ حِرْزًا (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأَبْوَابُ مُغْلَقَةً وَلَا فِيهَا حَافِظٌ فَلَيْسَتْ حِرْزًا وَإِنْ كَانَ فِيهَا) أَيْ الدَّارِ الْمَفْتُوحَةِ الْأَبْوَابِ (خَزَائِنُ مُغْلَقَةٌ فَالْخَزَائِنُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا) مِنْ الْأَمْوَالِ (وَمَا خَرَجَ عَنْهَا) أَيْ الْخَزَائِنُ (فَلَيْسَ بِمُحْرِزٍ) إذَا كَانَتْ أَبْوَابُ الدَّارِ مَفْتُوحَةً.
قُلْتُ: وَقِيَاسُ ذَلِكَ خَزَائِنُ الْمَسْجِدِ فَالْمُغْلَقَةُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ فِيهَا (فَأَمَّا الْبُيُوتُ الَّتِي فِي الْبَسَاتِينِ وَالطُّرُقِ وَالصَّحْرَاءِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ فَلَيْسَتْ حِرْزًا مُغْلَقَةً كَانَتْ أَوْ مَفْتُوحَةً وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُهَا أَوْ حَافِظٌ مُلَاحِظٌ فَهِيَ حِرْزٌ مُغْلَقَةً كَانَتْ أَوْ مَفْتُوحَةً فَإِنْ كَانَ بِهَا نَائِمٌ وَهِيَ مُغْلَقَةٌ فَهِيَ حِرْزٌ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُغْلَقَةً (فَلَا) أَيْ فَلَيْسَتْ بِحِرْزٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَافِظُ يَقْظَانَ (وَكَذَا خَيْمَةٍ وَحَرَكَاتٍ وَنَحْوِهِمَا) كَبَيْتٍ الشَّعْرِ إنْ كَانَ فِيهَا أَحَدٌ وَلَوْ نَائِمًا فَهِيَ مُحَرَّزَةٌ مَعَ مَا فِيهَا لِأَنَّهَا هَكَذَا تُحَرَّزُ فِي الْعَادَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهَا حَافِظٌ فَهِيَ مُحَرَّزَةٌ أَيْضًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدهَا حَافِظٌ وَلَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُحَرَّزَةٍ فِي الْعَادَةِ (وَإِنْ كَانَ لَابِسًا ثَوْبًا أَوْ مُتَوَسِّدًا لَهُ) تَحْتَ رَأْسِهِ (نَائِمًا) كَانَ (أَوْ مُسْتَيْقِظًا أَوْ) كَانَ (مُفْتَرِشًا) لَهُ (أَوْ مُتَّكِئًا عَلَيْهِ فِي أَيْ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَوْ بَرِّيَّةٍ) فَحِرْزٌ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُتَوَسِّدُهُ (أَوْ) كَانَ (نَائِمًا عَلَى مَجَرِّ فَرَسِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ أَوْ) كَانَ (نَعْلُهُ فِي رِجْلِهِ فَحِرْزٌ) لِأَنَّهُ هَكَذَا مُحَرَّزٌ (فَإِنْ تَدَحْرَجَ) النَّائِمُ (عَنْ الثَّوْبِ زَالَ الْحِرْزُ) فَلَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ إذَنْ.
(وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْمَتَاعِ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ قُدَّامَهُ (كَبَزِّ الْبَزَّازِينَ وَقُمَاشِ الْبَاعَةِ) وَخُبْزِ

الْخَبَّازِ (بِحَيْثُ يُشَاهَدُ وَيُنْظَرُ إلَيْهِ فَهُوَ حِرْزٌ) لِأَنَّهُ الْعَادَةُ (وَإِنْ نَامَ) أَوْ كَانَ (غَائِبًا عَنْ مَوْضِعِ مُشَاهَدَتِهِ فَلَيْسَ بِمُحَرَّزٍ وَإِنْ جَعَلَ) الْبَزَّازَ وَنَحْوَهُ (الْمَتَاعَ فِي الْغَرَائِرِ وَعَلَّمَ عَلَيْهَا أَيْ شَدَّهَا بِخَيْطٍ وَنَحْوِهِ) كَحَبْلٍ وَسَيْرٍ (وَمَعَهَا حَافِظٌ يُشَاهِدُهَا فَمُحَرَّزَةٌ) عَمَلًا بِالْعُرْفِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا حِينَئِذٍ حَافِظٌ يُشَاهِدُهَا فَلَيْسَتْ بِمُحَرَّزَةٍ (وَحِرْزُ سُفُنٍ فِي شَطٍّ بِرَبْطِهَا) لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ (وَحِرْزُ بَقْلٍ وَبَاقِلَاءَ وَطَبِيخِ وَقُدُورِهِ وَرَاءَ الشَّرَائِحِ) وَاحِدُهَا شَرِيحَةٌ (وَهُوَ) شَيْءٌ يُعْمَلُ (مِنْ قَصَبٍ أَوْ خَشَبٍ) يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ (إذَا كَانَ بِالسُّوقِ حَارِسٌ) لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِإِحْرَازِهَا بِهِ (وَحِرْزُ حَطَبٍ وَخَشَبٍ وَقَصَبٍ الْحَظَائِرُ) وَاحِدَتُهَا حَظِيرَةٌ وَهِيَ مَا يُعْمَلُ لِلْإِبِلِ وَالْغَنَمِ مِنْ الشَّجَرِ تَأْوِي إلَيْهِ.
وَأَصْلُ الْحَظْرِ الْمَنْعُ فَيُصَيَّرُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ وَيُرْبَطُ بِحَيْثُ يَعْسُرُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ (كَمَا لَوْ كَانَ) مَا ذَكَرَ (فِي فُنْدُقٍ) وَهُوَ الْخَانُ الصَّغِيرُ (مُغْلَقٌ عَلَيْهِ) فَيَكُونُ مُحَرَّزًا وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ (وَحِرْزُ مَوَاشٍ) جَمْعُ مَاشِيَةٍ.
(الصُّبُرُ) وَاحِدُهَا صُبْرَةٌ وَهِيَ حَظِيرَةُ الْغَنَمِ (وَ) حِرْزُهَا (فِي الْمَرْعَى بِالرَّاعِي وَنَظَرُهُ إلَيْهَا إذَا كَانَ) الرَّاعِي (يَرَاهَا فِي الْغَالِبِ) لِأَنَّ الْعَادَةَ حِرْزُهَا بِذَلِكَ (وَمَا نَامَ) الرَّاعِي (عَنْهُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْمَاشِيَةِ (أَوْ غَابَ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْحِرْزِ) فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ (وَحِرْزُ حَمُولَةِ إبِلٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ الْإِبِلِ الْمُحَمَّلَةِ (سَائِرَةٌ بِتَقْطِيرِهَا مَعَ قَائِدٍ يَرَاهَا بِحَيْثُ يَكْثُرُ الِالْتِفَاتُ إلَيْهَا وَيُرَاعِيهَا وَزِمَامُ الْأَوَّلِ مِنْهَا بِيَدِهِ) لِأَنَّهَا هَكَذَا تُحْرَزُ عُرْفًا.
(وَالْحَافِظُ الرَّاكِبُ فِيمَا وَرَاءَهُ) مِنْ الْإِبِلِ السَّائِرَةِ وَنَحْوِهَا (كَقَائِدٍ) فَإِذَا كَانَ يَرَاهَا وَيُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ إلَيْهَا فَهِيَ مُحَرَّزَةٌ (أَوْ بِسَائِقٍ يَرَاهَا) أَيْ الْإِبِلَ الْمُحَمَّلَةَ وَنَحْوَهَا (سَوَاءُ كَانَتْ مُقَطَّرَةً أَوْ لَا وَإِنْ كَانَتْ) الْإِبِلُ (بَارِكَةً فَإِنْ كَانَ مَعَهَا حَافِظٌ لَهَا وَلَوْ نَائِمًا وَهِيَ مَعْقُولَةٌ فَهِيَ مُحَرَّزَةٌ) لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ صَاحِبَهَا يَعْقِلُهَا إذَا نَامَ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) الْإِبِلُ (مَعْقُولَةً وَكَانَ الْحَافِظُ نَاظِرًا إلَيْهَا بِحَيْثُ يَرَاهَا فَهِيَ مُحَرَّزَة وَإِنْ كَانَ نَائِمًا أَوْ مَشْغُولًا عَنْهَا فَلَا) حِرْزَ فَلَا قَطْع عَلَى السَّارِقِ مِنْهَا (فَإِنْ سَرَقَ مِنْ أَحْمَالِ الْجِمَالِ السَّائِرَةِ الْمُحَرَّزَة مَتَاعًا قِيمَتُهُ نِصَابٌ) قُطِعَ (أَوْ سَرَقَ الْحِمْلَ قُطِعَ) لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ (وَإِنْ سُرِقَ الْجَمَلُ بِمَا عَلَيْهِ وَصَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّهُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ قَطَعَ وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْإِبِلِ الَّتِي فِي الصَّحْرَاءِ فَأَمَّا) الْإِبِلُ (الَّتِي فِي الْبُيُوتِ وَالْمَكَانِ الْمُحْصَنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الثِّيَابِ فَهِيَ مُحَرَّزَةٌ وَحُكْمٌ سَائِرٌ

الْمَوَاشِي كَالْإِبِلِ) فِيمَا سَبَقَ (وَحِرْزُ ثِيَابٍ فِي حَمَّامٍ) بِحَافِظٍ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا تَبْطُلُ الْمُلَاحَظَةُ بِفَتَرَاتِ وَأَعْرَاضٍ يَسِيرَةٍ بَلْ بِتَرْكِهِ وَرَاءَهُ (أَوْ) ثِيَابٍ (فِي أَعْدَالٍ وَ) حِرْزٍ (غَزْلٍ فِي سُوقٍ أَوْ خَانَ وَمَا كَانَ مُشْتَرِكًا فِي الدُّخُولِ إلَيْهِ بِحَافِظٍ كَقُعُودِهِ عَلَى الْمَتَاعِ وَإِنْ فَرَّطَ حَافِظٌ فَنَامَ أَوْ اشْتَغَلَ فَلَا قَطْعَ) عَلَى السَّارِقِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ (وَيَضْمَنُ الْحَافِظُ) مَا ضَاعَ بِتَفْرِيطِهِ (وَلَوْ لَمْ يَسْتَحْفِظْهُ) رَبُّ الْمَتَاعِ صَرِيحًا عَمَلًا بِالْعُرْفِ (وَإِنْ اسْتَحْفَظَ رَجُلٌ آخَرُ مَتَاعَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَسُرِقَ فَإِنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ فَعَلَيْهِ الْغُرْمُ) لِتَفْرِيطِهِ.
(إنْ كَانَ الْتَزَمَ حِفْظَهُ وَأَجَابَهُ إلَى مَا سَأَلَهُ) صَرِيحًا (وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ لَكِنْ سَكَتَ لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ) لِأَنَّهُ مَا قَبِلَ الِاسْتِيدَاعِ وَلَا قَبَضَ الْمَتَاعِ (وَلَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ (وَإِنْ حَفِظَ الْمَتَاعَ بِنَظَرِهِ إلَيْهِ وَقَرَّبَهُ مِنْهُ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ (وَعَلَى السَّارِقِ الْقَطْعُ) لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ.

(وَحِرْزُ كَفَنٍ مَشْرُوعٌ فِي قَبْرٍ عَلَى مَيِّتٍ وَلَوْ بَعُدَ) الْقَبْرُ (عَنْ الْعُمْرَانِ إذَا كَانَ الْقَبْرُ مَطْمُومًا الطَّمَّ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَهُوَ) أَيْ الْكَفَنُ (مِلْكٌ لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ إلَّا عَمَّا لَا حَاجَةَ لَهُ إلَيْهِ (فَلَوْ عَدِمَ الْمَيِّتُ) وَبَقِيَ الْكَفَنُ (وُفِّيَتْ مِنْهُ دُيُونُهُ) وَيَزِيدُ بِهِ الثُّلُثُ فِي الْوَصِيَّةِ كَسَائِرِ مَالِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّت دَيْنٌ وَبَقِيَ كَفَنُهُ.
(فَهُوَ مِيرَاثٌ) كَبَاقِي أَمْوَالِهِ (فَمَنْ نَبَشَ الْقَبْرَ وَأَخَذَ الْكَفَنَ قُطِعَ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَنْ عَائِشَةَ " سَارِقُ أَمَوَاتَنَا كَسَارِقِ أَحْيَاءَنَا " وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] (وَالْخَصْمُ فِيهِ) أَيْ الْكَفَنِ إنْ سُرِقَ وَنَحْوُهُ (الْوَرَثَةُ) لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي الْمُطَالَبَةِ (فَإِنْ عَدِمُوا) أَيْ الْوَرَثَةُ (فَنَائِبُ الْإِمَامِ) كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَلَوْ كَفَّنَهُ أَجْنَبِيٌّ فَكَذَلِكَ) أَيْ فَالْخَصْمُ فِيهِ إذَا سُرِقَ الْوَرَثَةُ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَ مُوَرِّثِهِمْ وَأَمَّا لَوْ أُكِلَ الْمَيِّتُ وَنَحْوُهُ وَبَقِيَ الْكَفَنُ كَانَ لِمَنْ تَبَرَّعَ بِهِ دُونَ الْوَرَثَةِ كَمَا قَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَنَائِزِ.
لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمَيِّت غَيْرُ مُمْكِنٍ فَهُوَ إبَاحَةٌ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَإِذَا زَالَتْ تَعَيَّنَ لِرَبِّهِ (وَإِنْ أَخْرَجَهُ) أَيْ الْكَفَنُ (مِنْ اللَّحْدِ وَوَضَعَهُ فِي الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجهُ مِنْهُ فَلَا قَطْعَ) لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْحِرْزِ (وَإِنْ كُفِّنَ رَجُلٌ فِي أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثَةِ لَفَائِفَ أَوْ) كُفِّنَتْ (امْرَأَةٌ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ) ثِيَابٍ (فَسُرِقَ الزَّائِدُ عَنْ ذَلِكَ) فَلَا قَطْعَ (أَوْ تُرِكَ) الْمَيِّتُ (فِي تَابُوتٍ فَسُرِقَ التَّابُوتُ) فَلَا قَطْعَ (أَوْ تُرِكَ مَعَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (طِيبٌ مَجْمُوعٌ أَوْ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ جَوْهَرٌ

لَمْ يُقْطَعْ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ) وَتَرْكُ غَيْرِهِ مَعَهُ تَضْيِيعٌ وَسَفَهٌ فَلَا يَكُونُ مُحْرَزًا بِالْقَبْرِ وَلَوْ كَانَ الْقَبْرُ غَيْرُ مَطْمُومٍ أَوْ أُكِلَ الْمَيِّتُ وَبَقِيَ كَفَنُهُ وَسَرَقَهُ سَارِقٌ فَلَا قَطْعَ.

(وَحِرْزُ جِدَارِ الدَّارِ كَوْنُهُ مَبْنِيًّا فِيهَا) أَيْ الدَّارِ (إذَا كَانَتْ فِي الْعُمْرَانِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ وَفِيهَا حَافِظٌ فَإِنْ أَخَذَ مِنْ أَجْزَاءِ الْجِدَارِ أَوْ خَشَبِهِ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا وَجَبَ قَطْعُهُ) لِأَنَّ الْحَائِطَ حِرْزٌ لِغَيْرِهِ فَيَكُونُ حِرْزًا لِنَفْسِهِ وَ (لَا) يُقْطَعُ (إنْ هُدِمَ الْحَائِطُ وَلَمْ يَأْخُذْهُ) كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَتَاعَ فِي الْحِرْزِ بَلْ يُحَرَّمُ أَرْشُ الْهَدْمِ إنْ تَعَدَّى بِهِ (وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي الصَّحْرَاءِ فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْ جِدَارِهَا شَيْئًا) لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ حِرْزًا لِمَا فِيهَا فَلِنَفْسِهَا أَوْلَى (وَحِرْزُ الْبَابِ تَرْكِيبُهُ فِي مَوْضِعِهِ مُغْلَقًا كَانَ أَوْ مَفْتُوحًا) لِأَنَّهُ هَكَذَا يُحْفَظُ (وَعَلَى سَارِقهِ الْقَطْعُ إنْ كَانَتْ الدَّارُ مُحَرَّزَةً بِمَا ذَكَرْنَاهُ) بِأَنْ تَكُونَ فِي الْعُمْرَانِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ وَفِيهَا حَافِظٌ (وَأَمَّا أَبْوَابُ الْخَزَائِنِ فِي الدَّارِ فَإِنْ كَانَ بَابُ الدَّارِ مُغْلَقًا فَهِيَ) أَيْ أَبْوَابُ الْخَزَائِنِ (مُحَرَّزَةً مُغْلَقَةً كَانَتْ) أَبْوَابُ الْخَزَائِنِ (أَوْ مَفْتُوحَةً وَإِنْ كَانَ) بَابُ الدَّارِ (مَفْتُوحًا لَمْ تَكُنْ) أَبْوَابُ الْخَزَائِنِ (مُحَرَّزَةً إلَّا أَنْ تَكُونَ مُغْلَقَةً أَوْ يَكُونَ فِي الدَّارِ حَافِظٌ) يَحْفَظُهَا (وَحَلْقَةُ الْبَابِ إنْ كَانَتْ مُسَمَّرَةً فَهِيَ مُحَرَّزَةٌ) لِأَنَّهَا بِتَرْكِيبِهَا فِيهِ صَارَتْ كَأَنَّهَا بَعْضُهُ.
(فَإِنْ سُرِقَ بَابُ مَسْجِدٍ مَنْصُوبًا أَوْ بَابُ الْكَعْبَةِ الْمَنْصُوبِ أَوْ سُرِقَ مِنْ سَقْفِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (وَجِدَارِهِ أَوْ تَأْزِيرِهِ شَيْئًا قُطِعَ) لِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ عَادَةً نِصَابًا لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ وَمَا كَانَ مُنْفَكًّا مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُحَرَّزٍ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ وَ (لَا) يُقْطَعُ (بِسَرِقَةِ سَتَائِرِ الْكَعْبَةِ) الْخَارِجَةِ (وَلَوْ كَانَتْ مَخِيطَةً عَلَيْهَا) كَغَيْرِ الْمَخِيطَةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّزَةٍ (وَلَا بِسَرِقَةِ قَنَادِيلِ مَسْجِدٍ وَحُصْرِهِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا جُعِلَ لِنَفْعِ الْمُصَلِّينَ كَالْقَفَصِ الْمَجْعُولِ لِوَضْعِ نِعَالِهِمْ (أَوْ كَانَ السَّارِقُ مُسْلِمًا) لِأَنَّهُ مِمَّا يَنْتَفِع بِهِ النَّاسُ فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ كَسَرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا قُطِعَ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ.

(وَمَنْ سَرَقَ مِنْ ثَمَرِ شَجَرٍ أَوْ) مِنْ (جِمَارِ نَخْلٍ وَهُوَ الْكُثْرُ) بِضَمِّ الْكَافِ (قَبْلَ إدْخَالِهِ الْحِرْزَ كَأَخْذِهِ مِنْ رُءُوسِ نَخْلٍ وَشَجَرٍ مِنْ بُسْتَانٍ لَمْ يُقْطَعْ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَحَافِظٌ وَيَضْمَنُ عِوَضُهُ مَرَّتَيْنِ) لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ مِنْهُ بُغْيَةً مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ» وَلِأَنَّ الثِّمَارَ فِي الْعَادَةِ تَسْبِقُ الْيَدُ إلَيْهَا فَجَازَ أَنْ تَغْلُظَ قِيمَتُهَا عَلَى سَارِقهَا رَدْعًا لَهُ وَزَجْرًا بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " غَيْرَ مُتَّخِذٍ خَبْنَةً " بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ نُونٌ أَيْ غَيْرُ مُتَّخِذٍ مِنْهُ فِي حُجْرَتِهِ (وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ) أَيْ الثَّمَرِ (نِصَابًا بَعْدَ إيوَائِهِ الْحِرْزَ كَجَرِينٍ وَنَحْوِهِ أَوْ سَرَقَ) نَصَّابًا مِنْ ثَمَرٍ (مِنْ شَجَرَةٍ فِي دَارٍ مُحَرَّزَةٍ قُطِعَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ السَّابِقِ: «وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَلَفْظُهُ لَهُ (وَكَذَا الْمَاشِيَةُ تُسْرَقُ مِنْ الْمَرْعَى مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُحَرَّزَةً تُضْمَنُ بِمِثْلِ قِيمَتِهَا وَلَا قَطْعَ كَثَمَرٍ وَكُثْرٍ) احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ أَغْرَمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ حِينَ نَحَرَ غِلْمَانُهُ نَاقَةَ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ مِثْلَيْ قِيمَتِهَا.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ (وَمَا عَدَاهُنَّ) أَيْ الثَّمَرِ وَالْكُثْرِ وَالْمَاشِيَةِ (يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً) إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا (أَوْ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا) لِأَنَّ التَّضْعِيفَ فِيهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِلنَّصِّ فَلَا يُجَاوَزُ بِهِ مَحَلَّ النَّصِّ (وَلَا قَطْعَ فِي عَامِ مَجَاعَةٍ عِلْمًا نَصًّا إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِيه أَوْ مَا يَشْتَرِي بِهِ) قَالَ جَمَاعَةٌ مَا لَمْ يُبْذَلْ لَهُ وَلَوْ بِثَمَنٍ غَالٍ.
وَفِي التَّرْغِيبِ مَا يُحْيِي بِهِ نَفْسَهُ (وَإِذَا سَرَقَ الضَّيْفُ مِنْ مَالِ مُضِيفِهِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِيهِ أَوْ) مِنْ (مَوْضِعٍ لَمْ يُحْرِزْهُ عَنْهُ لَمْ يُقْطَعْ) لِعَدَمِ هَتْكِهِ الْحِرْزَ (وَإِنْ سَرَقَ) الضَّيْفُ (مِنْ مَوْضِعٍ مُحَرَّزٍ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ مَنَعَهُ قِرَاهُ فَسَرَقَ بِقَدْرِهِ لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّهُ أَخَذَ الْوَاجِبَ لَهُ أَشْبَهَ الزَّوْجَةَ وَالْقَرِيبَ إذَا أَخَذَا مَا وَجَبَ لَهُمَا (وَإِنْ لَمْ يَمْنَعهُ) الْمُضِيفُ قِرَاهُ الْوَاجِبَ لَهُ (قُطِعَ) إنْ سَرَقَ نِصَابًا لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لِلضَّيْفِ إذَنْ فِي مَالِ الْمُضِيفِ (وَإِذَا أَحْرَزَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ أَوْ) أَحْرَزَ الْوَدِيعُ (الْوَدِيعَةَ أَوْ) أَحْرَزَ الْمُسْتَعِيرُ (الْعَارِيَّةَ أَوْ) أَحْرَزَ الْوَكِيلُ (الْمَالَ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ فَسَرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ) لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ نَائِبِ مَالِكٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَهُ مِنْ مَالِكِهِ.
(وَإِنْ غَصَبَ) إنْسَانٌ (عَيْنًا أَوْ سَرَقَهَا وَأَحْرَزَهَا فَسَرَقَهَا سَارِقٌ) لَمْ يُقْطَعْ (أَوْ غَصَبَ بَيْتًا فَأَحْرَزَ) الْغَاصِبُ (فِيهِ مَالَهُ فَسَرَقَهُ مِنْهُ أَجْنَبِيُّ لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ.

[فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِلْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ]

(فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِلْقَطْعِ) فِي السَّرِقَةِ (انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالِابْنُ وَالْبِنْتُ وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَالْأَبِ) لِأَنَّ بَيْنَهُمْ قَرَابَةٌ تَمْنَعُ شَهَادَةَ أَحَدِهِمْ لِلْآخَرِ فَلَمْ يُقْطَعْ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ كَالْأَبِ بِسَرِقَةِ مَالِ ابْنِهِ.
(وَلَا) قَطْعَ (بِسَرِقَةِ) وَلَدٍ (مَالَ وَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا) لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ فِي مَالِ وَالِدِهِ حِفْظًا لَهُ فَلَا يَجُوزُ إتْلَافُهُ لِحِفْظِهِ مَالَهُ (وَيُقْطَعُ سَائِرُ) أَيْ بَاقِي (الْأَقَارِبِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ أَقَارِبِهِمْ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَمَنْ عَدَاهُمْ) كَالْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ هُنَا لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَلَا تَمْنَعُ الْقَطْعَ وَلِأَنَّ الْآيَةَ وَالْأَخْبَارَ تَعُمُّ كُلَّ سَارِقٍ خَرَجَ مِنْهُ عَمُودُ النَّسَبِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُمَا عَلَى الْأَصْلِ (وَلَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالِ سَيِّدِهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ: " أَنَّهُ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيُّ بِغُلَامٍ لَهُ فَقَالَ: إنَّ غُلَامِي قَدْ سَرَقَ فَاقْطَعْ يَدَهُ: فَقَالَ عُمَرُ: خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَالَكُمْ " وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ " لَا أَقْطَعُ، مَالُكَ سَرَقَ مَالَكَ ". وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ سَرَقَ مِنْ الْخُمُسِ فَرُفِعَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْطَعْهُ وَقَالَ: مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا» (وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمَكَاتِبِ كَالْقِنِّ) فِي عَدَمِ الْقَطْعِ بِسَرِقَةِ مَالِ السَّيِّدِ لِأَنَّهُمْ مُلْكُهُ كَالْقِنِّ (وَلَا سَيِّدُ الْمَكَاتِبِ بِسَرِقَةِ مَالِهِ) لِلشُّبْهَةِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَعْجِيزَهُ فِي الْجُمْلَةِ (وَكُلُّ مَنْ لَا يُقْطَعُ الْإِنْسَانُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ لَا يُقْطَعُ عَبْدُهُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ كَآبَائِهِ وَأَوْلَادِهِ وَغَيْرِهِمْ) كَزَوْجَاتِهِ فَلَا يُقْطَعُ عَبْدٌ بِسَرِقَةِ مَالِ أَحَدٍ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِ سَيِّدِهِ وَلَا مِنْ مَالِ زَوْجِ سَيِّدَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ (وَلَا) يُقْطَعُ (مُسْلِمٌ بِسَرِقَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِقَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: " مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَلِيٍّ " لَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَطْعٌ

(وَلَوْ) كَانَ السَّارِقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (عَبْدًا إنْ كَانَ سَيِّدُهُ مُسْلِمًا) لِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ سَيِّدِهِ فَلَا يُقْطَعُ بِهِ سَيِّدُهُ.
(وَلَا) يُقْطَعُ (بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ) كَالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْطَعْ الْأَبُ بِسَرِقَةِ مَالِ ابْنِهِ لِكَوْنِ أَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ فَلِئَلَّا يُقْطَعَ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى (أَوْ) بِسَرِقَةٍ مِنْ مَالٍ (لَا حَدَّ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ) فِيهِ شِرْكٌ مُشْتَرَكٌ كَمَالٍ لِأَبِيهِ أَوْ لِابْنِهِ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ (وَلَا بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَنِيمَةٍ لَهُ) أَيْ السَّارِقِ (فِيهَا حَقٌّ أَوْ لِوَلَدِهِ) فِيهَا حَقٌّ (أَوْ لِوَالِدِهِ) فِيهَا حَقٌّ (أَوْ) لِ (سَيِّدِهِ) فِيهَا حَقٌّ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَانِمِينَ وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ وَالِدًا وَلَا وَلَدًا لِأَحَدِ الْغَانِمِينَ وَنَحْوِهِمَا (فَسَرَقَ مِنْهَا) أَيْ الْغَنِيمَةِ (قَبْلَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ لِبَيْتِ الْمَالِ فِيهَا حَقًّا وَهُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ وَذَلِكَ شُبْهَةٌ فَيُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ (وَإِنْ أَخْرَجَ الْخُمُسَ) مِنْ الْغَنِيمَةِ (فَسَرَقَ) السَّارِقُ (مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ قُطِعَ) حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِوَلَدِهِ وَلَا وَالِدِهِ وَنَحْوِهِ فِيهَا حَقٌّ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ (وَإِنْ سَرَقَ مِنْ الْخُمُسِ لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا (وَإِنْ قُسِمَ الْخُمْسُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ فَسُرِقَ مِنْ خُمُسِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مُسْتَحَقِّيهِ (وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِهِ) مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ (قُطِعَ) لِأَنَّ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْخُمُسِ) كَمِسْكِينٍ سَرَقَ مِنْ خُمُسِ الْمَسَاكِينِ وَهَاشِمِيٍّ سَرَقَ مِنْ خُمُسِ ذَوِي الْقُرْبَى.
(وَلَا يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ وَلَوْ مِنْ مُحَرَّزٍ عَنْهُ) رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرِثُ صَاحِبَهُ بِغَيْرِ حُجُبٍ وَيَتَبَسَّطُ بِمَالِهِ أَشْبَهَ الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ وَكَمَا لَوْ مَنَعَهَا نَفَقَتَهَا (وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ) لِأَنَّ مَالَهُمَا مُحْتَرَمٌ بِالْأَمَانِ وَلِلذِّمَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِتْلَافِهِ (وَيُقْطَعَانِ) أَيْ الذِّمِّيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ (بِسَرِقَةِ مَالِهِ) أَيْ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ إذَا قُطِعَ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِهِمَا فَلَأَنْ يُقْطَعَا بِسَرِقَةِ مَالِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَ (كَقَوَدٍ وَحَدُّ قَذْفٍ) نُصَّ عَلَيْهِمَا (وَضَمَانُ مَتْلَفٍ) مَالِيٍّ وَأَرْشُ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ (وَإِنْ زَنَى الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ مُسْلِمَةٍ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ نَصًّا) لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ حُكْمَنَا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ (كَحَدِّ خَمْرٍ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَا) فَإِنْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ قُتِلَ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ.
(وَيُقْطَعُ الْمُرْتَدُّ إذَا سَرَقَ) ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ قُتِلَ لِلرِّدَّةِ اُكْتُفِيَ بِقَتْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا (فَإِنْ قَالَ السَّارِقُ الَّذِي أَخَذْتُهُ مِلْكِي كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةً أَوْ رَهْنًا أَوْ ابْتَعْتُهُ مِنْهُ أَوْ وَهَبَهُ لِي وَأَذِنَ لِي فِي أَخْذِهِ أَوْ) أَذِنَ لِي (فِي الدُّخُولِ إلَى حِرْزِهِ أَوْ غُصِبَ مِنِّي أَوْ) غَصَبَهُ (مِنْ أَبِي أَوْ) قَالَ (بَعْضُهُ لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ وَاضِعُ الْيَدِ حُكْمًا وَالظَّاهِرُ خِلَافُ مَا ادَّعَاهُ السَّارِقُ (فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ دَعْوَى السَّارِقِ) أَنَّهُ مِلْكُهُ وَنَحْوُهُ لِحَدِيثِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ) أَيْ السَّارِقِ (وَلَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ لِأَنَّ صِدْقَهُ مُحْتَمَلٌ) فَيَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ وَسَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ السَّارِقُ الظَّرِيفُ (وَإِنْ نَكِلَ) الْمَسْرُوقُ مِنْهُ عَنْ الْحَلِفِ (قُضِيَ عَلَيْهِ) بِالنُّكُولِ لِمَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ.

[فَصْل وَإِذَا سَرَقَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَالَ السَّارِقِ]

(فَصْل وَإِذَا سَرَقَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَالَ السَّارِقِ) أَوْ سَرَقَ (الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ مِنْ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ أَوْ الْمَغْصُوبَةُ وَلَوْ) كَانَتْ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ أَوْ الْمَغْصُوبَةُ (مُمَيَّزَةً) لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شُبْهَةٌ فِي هَتْكِ الْحِرْزِ لِأَخْذِ مَالِهِ فَإِذَا هَتَكَ الْحِرْزَ صَارَ كَأَنَّ الْمَالَ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ (أَوْ أَخَذَ) الْمَسْرُوقَ مِنْهُ أَوْ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ (عَيْنَ مَالِهِ فَقَطْ أَوْ) أَخَذَهُ (وَمَعَهُ نِصَابٌ مِنْ مَالِ الْمُتَعَدِّي) مِنْ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ مَالُهُ (لَمْ يُقْطَعْ) لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ سَرَقَ) الْمَسْرُوقُ مِنْهُ أَوْ الْمَغْصُوبُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ السَّارِقِ أَوْ الْغَاصِبِ (نِصَابًا مِنْ غَيْرِ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ مَالُهُ) فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ مَعَ الْبَدَلِ (أَوْ سَرَقَ) رَبَّ دَيْنٍ (مِنْ مَالِهِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُمَا) أَيْ الْغَاصِبُ وَنَحْوُهُ وَالْمَدِينُ (بَاذِلَانِ غَيْرَ مُمْتَنِعَيْنِ مِنْ أَدَائِهِ أَوْ قَدَرَ الْمَالِكُ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ فَتَرَكَهُ وَسَرَقَ مِنْ مَالِ الْمُتَعَدِّي) مِنْ غَيْرِ حِرْزِ مَالِهِ (أَوْ) سَرَقَ مِنْ مَالِ (الْغَرِيمِ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ) لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ.
(وَإِنْ عَجَزَ) رَبُّ دَيْنٍ (عَنْ اسْتِيفَائِهِ أَوْ) عَجَزَ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ عَنْ اسْتِيفَاءِ (أَرْشِ جِنَايَتِهِ فَسَرَقَ قَدْرَ دَيْنِهِ أَوْ) قَدْرَ (حَقِّهِ) أَيْ أَرْشَ جِنَايَتِهِ (فَلَا قَطْعَ) لِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَبَاحَ لَهُ الْأَخْذَ فَيَكُونُ الِاخْتِلَافُ فِي إبَاحَةِ الْأَخْذِ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ كَالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ (وَإِنْ سَرَقَ) رَبُّ الدَّيْنِ (أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ فَكَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ) يَعْنِي مِنْ عَيْنِ مَالِهِ (عَلَى مَا مَضَى) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَمَنْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ فَعَادَ فَسَرَقَهَا قُطِعَ سَوَاءٌ سَرَقَهَا مِنْ الَّذِي سَرَقَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزَجِرْ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ غَيْرَهَا بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ لَا يُعَادُ مَرَّةً أُخْرَى لِأَنَّ الْغَرَضَ إظْهَارُ كَذِبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ.
وَهُنَا الْمَقْصُودُ رَدْعُهُ وَزَجْرُهُ عَنْ السَّرِقَةِ وَلَمْ يُوجَدْ

فَيُرْدَعَ بِالثَّانِي كَمَا لَوْ سَرَقَ عَيْنًا أُخْرَى (وَمَنْ سَرَقَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْقَطْعِ أَجْزَأ حَدُّ وَاحِدٍ عَنْ جَمِيعِهَا) كَمَا لَوْ زَنَى أَوْ شَرِبَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْحَدِّ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ وَتَقَدَّمَ (وَلَوْ سَرَقَ الْمَالَ الْمَسْرُوقَ أَوْ الْمَغْصُوبَ أَجْنَبِيٌّ لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ مَالٍ لَهُ وَلَا نَائِبِهِ.
(وَمَنْ آجَرَ دَارِهِ أَوْ أَعَارَهَا ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالَ الْمُسْتَعِيرِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ قُطِعَ) لِأَنَّهُ هَتَكَ حِرْزًا وَسَرَقَ مِنْهُ نِصَابًا لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ فَيُقْطَعُ كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ مِلْكِهِ وَلِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ حِرْزًا لِمَالِكٍ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ قَالَ فِي الْفُنُونِ لَهُ الرُّجُوعُ بِقَوْلِ لَا سَرِقَةَ.

[فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِلْقَطْعِ ثُبُوتُ السَّرِقَةِ]

(فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ) لِلْقَطْعِ (ثُبُوتُ السَّرِقَةِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّارِق وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِثُبُوتِهِ (إمَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] وَإِنَّمَا خُولِفَ فِي الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا لِدَلِيلٍ خَاصٍّ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْل (يَصِفَانِ السَّرِقَةَ) فِي شَهَادَتِهِمَا (وَ) يَصِفَانِ (الْحِرْزَ وَجِنْسَ النِّصَابِ وَقَدْرَهُ) لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فَرُبَّمَا ظَنَّ الشَّاهِدُ الْقَطْعَ بِمَا لَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ.
(وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ بِشَهَادَتِهِمَا لَمْ يَسْقُطْ) الْقَطْعُ (بِغِيبَتِهِمَا وَلَا مَوْتِهِمَا) كَسَائِرِ الْحُقُوقِ إذَا ثَبَتَتْ (وَلَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ قَبْلَ الدَّعْوَى) مِنْ مَالِكِ الْمَسْرُوقِ أَوْ نَائِبِهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ) فِي وَقْتٍ السَّرِقَةِ أَوْ مَكَانِهَا أَوْ فِي الْمَسْرُوقِ (فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ أَوْ سَرَقَ ثَوْرًا أَوْ ثَوْبًا أَبْيَضَ أَوْ عَرُوبًا وَشَهْدَ الْآخِرُ أَنَّهُ سَرَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ مِنْ الْبَيْتِ الْآخَرِ أَوْ بَقَرَةً أَوْ حِمَارًا أَوْ ثَوْبًا أَسْوَدَ أَوْ مَرْوِيًّا لَمْ يُقْطَعْ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ اتِّفَاقِهِمَا.
(كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ) بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا سَرَقَ ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى وَنَحْوُهُ (أَوْ بِاعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُتِيَ بِلِصٍّ قَدْ اعْتَرَفَ قَالَ: مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ قَالَ: بَلَى فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ قَالَ: بَلَى: فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَلِيٍّ: " أَنَّهُ قَالَ لِسَارِقٍ سَرَقْتَ؟ قَالَ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ

مَرَّتَيْنِ فَقُطِعَ " رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ وَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إتْلَافًا فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ التَّكْرَارُ كَحَدِّ الزِّنَا (يُذْكَرُ فِيهِ) أَيْ اعْتِرَافِهِ (شُرُوطُ السَّرِقَةِ مِنْ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ يَصِفُ السَّرِقَةَ فِي اعْتِرَافِهِ كَالزِّنَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ لِاحْتِمَالِ ظَنِّهِ وُجُوبَ الْقَطْعِ عَلَيْهِ مَعَ فَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ.
(وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَلَوْ آبِقًا فِي هَذَا سَوَاءٌ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَكَذَلِكَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى (وَلَا يَنْزِعُ) أَيْ يَرْجِعُ (عَنْ إقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ فَإِنْ رَجَعَ) عَنْ إقْرَارِهِ (قُبِلَ) رُجُوعُهُ (وَلَا قَطْعَ) عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ» عَرَّضَ لَهُ لِيَرْجِعَ وَلَوْ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ بِرُجُوعِهِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ وَلِأَنَّ حُجَّةَ الْقَطْعِ زَالَتْ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ فَسَقَطَ كَمَا لَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ (بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَ) الْقَطْعُ (بِبَيِّنَةِ شَهِدَ عَلَى فِعْلِهِ فَإِنَّ إنْكَارَهُ لَا يُقْبَلُ) مِنْهُ بَلْ يُقْطَعُ (فَإِنْ قَالَ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (أَحْلِفُوهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (لِي أَنِّي سَرَقْتُ مِنْهُ لَمْ يَحْلِفْ) لِأَنَّ فِيهِ قَدَحًا فِي الْبَيِّنَةِ وَلِحَدِيثِ " شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ ". (وَإِنْ شَهِدَتْ) الْبَيِّنَةُ (عَلَى إقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ جَحَدَ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ) كَمَا لَوْ اعْتَرَفَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ رَجَعَ وَيُغَرَّمُ الْمَالُ (وَلَوْ أَقَرَّ) بِالسَّرِقَةِ (مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ ثَبَتَ) أَنَّهُ سَرَقَ (ب) شَهَادَةِ (شَاهِدٍ وَيَمِين أَوْ أَقَرَّ) مَرَّتَيْنِ بِالسَّرِقَةِ (ثُمَّ رَجَعَ لَزِمَهُ غَرَامَةُ الْمَسْرُوقِ) لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ (وَلَا قَطْعَ) عَلَيْهِ لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ) عَنْ اعْتِرَافِهِ (وَقَدْ قُطِعَ بَعْضُ الْمَفْصِلِ لَمْ يُتَمَّمْ إنْ كَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ لِكَوْنِهِ قَطْعُ الْأَقَلِّ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ.
(وَإِنْ قُطِعَ الْأَكْثَرُ) مِنْ الْمَفْصِلِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ (فَالْمَقْطُوعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَطَعَهُ) يَسْتَرِيحُ مِنْ تَعْلِيقِ كَفّه وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ (وَلَا يُلْزَمُ الْقَاطِعُ بِقَطْعِهِ) لِأَنَّ قَطْعَهُ تَدَاوٍ وَلَيْسَ بِحَدٍّ (وَلَا بَأْسَ بِتَلْقِينِ السَّارِقِ لِيَرْجِعَ عَنْ إقْرَارِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْرِيضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: «مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ» وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَسَأَلَهُ أَسَرَقْتَ؟ قَالَ لَا فَتَرَكَهُ " وَنَحْوَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ (وَ) لَا بَأْسَ (بِالشَّفَاعَةِ فِيهِ) أَيْ السَّارِقِ (إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَعَافُوا الْحُدُودَ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ وَجَبَ» (فَإِذَا بَلَغَهُ حُرِّمَتْ الشَّفَاعَةُ) وَقَبُولُهَا (وَلَزِمَ الْقَطْعُ) وَكَذَا سَائِرُ الْحُدُودِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ الْمَخْزُومِيَّةِ انْتَهَى.

[فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُطَالِبَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِمَالِهِ]

(فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُطَالِبَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِمَالِهِ) أَوْ يُطَالِبَ بِهِ (وَكِيلُهُ) لِأَنَّ الْمَالَ يُبَاحُ بِالْبَذْلِ وَالْإِبَاحَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكَهُ أَبَاحَهُ إيَّاهُ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ السَّارِقُ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ حِرْزِهِ فَاعْتُبِرَتْ الْمُطَالَبَةُ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ (فَإِنْ أَقَرَّ) مُكَلَّفٌ (بِسَرِقَةِ مَالٍ غَائِبٍ أَوْ شَهِدَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ حُبِسَ) إلَى قُدُومِ الْغَائِبِ (وَلَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يَحْضُرَ) الْغَائِبُ وَيُطَالِبَ وَتُعَادَ الشَّهَادَةُ لِأَنَّهُ يَكْتَفِي بِإِقَامَتِهَا قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ.
(فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ) أَيْ يَدِ الْمُقِرِّ بِالسَّرِقَةِ أَوْ يَدِ مَنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ (أَخَذَهَا الْحَاكِمُ وَحَفِظَهَا لِلْغَائِبِ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَهُ النَّظَرُ فِي مَالِ الْغَائِبِ وَعَلَيْهِ حِفْظُهُ (وَإِنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ) شَيْءٍ مُكَلَّفٍ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ (فَقَالَ الْمَالِكُ لَمْ تَسْرِقْ مِنِّي وَلَكِنْ غَصَبَتْنِي أَوْ كَانَ) ذَلِكَ الشَّيْءَ (لِي قِبَلَكَ وَدِيعَةً فَجَحَدَتْنِي لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يُوَافِقْ دَعْوَى الْمُدَّعِي (وَإِنْ أَقَرَّ) مُكَلَّفٌ (أَنَّهُ سَرَقَ) نِصَابًا (مِنْ رَجُلَيْنِ) مَثَلًا (فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا) وَحْدَهُ (أَوْ حَضَرَ أَحَدُهُمَا فَطَالَبَ وَلَمْ يُطَالِبْ الْآخَرُ لَمْ يُقْطَعْ) لِعَدَمِ كَمَالِ الشَّرْطِ وَهُوَ مُطَالَبَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِنِصَابٍ تَامٍّ وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْ الْمُدَّعِي يَبْلُغُ نِصَابًا قُطِعَ لِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ.
(فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا يَبْلُغُ نِصَابًا فَقَالَ الرَّجُلُ: قَدْ فَقَدْتُهُ مِنْ مَالِي فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّه بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَإِنْ كَذَّبَ مُدَّعٍ نَفْسَهُ سَقَطَ الْقَطْعُ.

(وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ) لِاجْتِمَاعِ شُرُوطِهِ السَّابِقَةِ (قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِلَا خِلَافٍ وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ.
وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا " وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: أَنَّهُمَا قَالَا: " إذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَمِينَهُ مِنْ الْكُوعِ " وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا أَقْوَى، فَكَانَتْ الْبُدَاءَة بِهَا أَرْدَعُ وَلِأَنَّهَا آلَةُ السَّرِقَةِ غَالِبًا فَنَاسَبَ عُقُوبَتُهُ بِإِعْدَامِ آلَتِهَا (وَحُسِمَتْ وُجُوبًا وَهُوَ) أَيْ الْحَسْمُ (أَنْ يُغْمَسَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنْ مَفْصِلِ الذِّرَاعِ فِي زَيْتٍ مَغْلِيٍّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَارِق: «اقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ» . قَالَ ابْن الْمُنْذِرِ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَالْحِكْمَةُ فِي الْحَسْمِ أَنَّ الْعُضْوَ إذَا قُطِعَ فَغُمِسَ فِي الزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ انْسَدَّتْ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ فَيَنْقَطِعَ الدَّمُ إذْ لَوْ تُرِكَ

بِلَا حَسْمٍ لَنَزَفَ الدَّمُ فَأَدَّى إلَى مَوْتِهِ (فَإِنْ عَادَ) فَسَرَقَ (قُطِعَتْ رَجُلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ) بِتَرْكِ عُقْبَةَ لِفِعْلِ عُمَرَ.
رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ مِنْ شَطْرِ الْقَدَمِ مِنْ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ وَيُتْرَكُ لَهُ عَقِبًا يَمْشِي عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي قَطْعِ الرِّجْلِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي السَّارِقِ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» لِأَنَّهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا قُطِعَتْ الرِّجْلُ الْيُسْرَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: 33] وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْمُحَارَبَةِ ثَبَتَ فِي السَّرِقَةِ قِيَاسًا عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ قَطْعَ الرِّجْلِ الْيُسْرَى أَرْفَقُ بِهِ لِأَنَّ الْمَشْيَ عَلَى الرِّجْلِ الْيُمْنَى أَسْهَلُ وَأَمْكَنُ، وَيَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الْمَشْيِ عَلَى الْيُسْرَى فَوَجَبَ قَطْعُ الْيُسْرَى لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ مِنْهُ مَنْفَعَةٌ بِلَا ضَرُورَةٍ (وَحُسِمَتْ وُجُوبًا) بِغَمْسِهَا فِي زَيْتٍ مَغْلِيٍّ لِئَلَّا يَنْزِفَ الدَّمُ فَيُؤَدِّي إلَى مَوْتِهِ.
(وَصِفَةُ الْقَطْعِ أَنْ يَجْلِسَ السَّارِقُ وَيُضْبَطَ لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ) فَيَجْنِي عَلَى نَفْسِهِ (وَتُشَدُّ يَدُهُ بِحَبْلٍ وَتُجَرَّ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَفْصِلُ الْكَفِّ مِنْ مَفْصِلِ الذِّرَاعِ ثُمَّ تُوضَعُ بَيْنَهُمَا سِكِّينٌ حَادَّةٌ وَيُدَقُّ فَوْقَهَا بِقُوَّةٍ لِتَقْطَعَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ تُوضَعَ السِّكِّينُ عَلَى الْمَفْصِلِ وَتُمَدَّ مَدَّةً وَاحِدَةً) وَكَذَا يُفْعَلُ فِي قَطْعِ الرِّجْلِ (وَإِنْ عَلِمَ قَطْعًا أَوْحَى مِنْ هَذَا قَطَعَ بِهِ) لِأَنَّ الْغَرَض التَّسْهِيلَ عَلَيْهِ.
لِحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (وَيُسَنُّ تَعْلِيقُ يَدِهِ فِي عُنُقِهِ) لِمَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَفَعَلَهُ عَلِيٌّ (زَادَ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْبُلْغَةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إنْ رَآهُ الْإِمَامُ) أَيْ أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لِتَتَّعِظَ بِهِ اللُّصُوصُ (وَلَا يُقْطَعُ) السَّارِقُ (فِي شِدَّةِ حَرٍّ وَلَا) فِي شِدَّةِ (بَرْدٍ وَلَا مَرِيضُ فِي مَرَضِهِ وَلَا حَامِلٌ حَالَ حَمْلِهَا، وَلَا بَعْدَ وَضْعِهَا حَتَّى يَنْقَضِي نِفَاسُهَا) لِئَلَّا يَحِيفَ وَيَتَعَدَّى إلَى فَوَاتِ النَّفْسِ.
(وَإِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ سَرَقَ قَبْلَ انْدِمَالِهَا لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يَنْدَمِل الْقَطْعُ الْأَوَّلُ) خَوْفًا مِنْ أَنْ يُفْضِي إلَى هَلَاكِهِ (وَكَذَا لَوْ قُطِعَتْ رَجُلُهُ قِصَاصًا لَمْ تُقْطَعْ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ حَتَّى تَبْرَأ الرِّجْلُ) لِمَا مَرَّ وَأَمَّا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فَإِنَّ قَطْعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ حَدُّ وَاحِدُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ (فَإِنْ عَادَ) لِلسَّرِقَةِ (ثَالِثًا بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ حَرُمَ قَطْعُهُ) رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّ قَطْعَ الْكُلِّ يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ فَلَمْ

يُشْرَعْ كَالْقَتْلِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ (وَحُبِسَ حَتَّى يَتُوبَ) كَالْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ وَفِي الْبُلْغَةِ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ (وَلَوْ سَرَقَ وَيَدُهُ الْيُمْنَى) ذَاهِبَةٌ (أَوْ) سَرَقَ وَ (رِجْلُهُ الْيُسْرَى ذَاهِبَةٌ قُطِعَ الْبَاقِي مِنْهُمَا) وَتُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمَّا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا مَحِلًّا لِلْقَطْعِ انْتَقَلَ الْقَطْعُ إلَى مَا يَلِي ذَلِكَ وَهُوَ الرِّجْلُ الْيُسْرَى وَتُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا الْآلَةُ وَمَحِلُّ النَّصِّ (وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى لَمْ يُقْطَعْ لِتَعْطِيلِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ وَذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شِقٍّ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ الذَّاهِبُ يَدَيْهِ أَوْ يُسْرَاهُمَا) وَسَرَقَ (لَمْ تُقْطَعْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى) لِذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شِقٍّ (وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ رِجْلَيْهِ أَوْ يُمْنَاهُمَا وَيَدَاهُ صَحِيحَتَانِ قُطِعَتْ يُمْنَى يَدَيْهِ) لِأَنَّهَا الْآلَةُ وَمَحِلُّ النَّصِّ.
(وَإِنْ سَرَقَ وَلَهُ يُمْنَى فَذَهَبَتْ فِي قِصَاصٍ أَوْ) ذَهَبَتْ (بِأَكْلَةٍ أَوْ) ذَهَبَتْ ب (تَعَدٍّ سَقَطَ الْقَطْعُ) لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ لِتَلَفِ مَحِلِّهِ كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ (وَعَلَى الْعَادِي) بِقَطْعِ الْيَدِ (الْأَدَبُ فَقَطْ) لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ قَطْعَهَا مُسْتَحَقٌّ أَشْبَهَ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ (سَوَاءٌ قَطَعَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ السَّرِقَةِ وَالْحُكْمِ بِالْقَطْعِ أَوْ قَبْلَهُ إذَا كَانَ) قَطْعُهُ لَهَا (بَعْدَ السَّرِقَةِ لِأَنَّهُ قَطَعَ عُضْوًا غَيْرَ مَعْصُومٍ) أَشْبَهَ قَتْلَ الزَّانِي الْمُحْصَنِ (وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ) شَاهِدَانِ (فَحَبَسَهُ الْحَاكِمُ لِتَعْدِلَ الشُّهُودُ فَقَطَعَهُ قَاطِعٌ ثُمَّ عَدَلُوا فَكَذَلِكَ) لَا ضَمَانَ عَلَى قَاطِعِهِ لِمَا مَرَّ (وَإِنْ لَمْ يَعْدِلُوا) أَيْ الشُّهُودُ (وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاطِعِ) لِأَنَّهُ قَطَعَ عُضْوًا مِنْ مَعْصُومٍ مُكَافِئٍ لَهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي قَطْعِهِ وَلَا شُبْهَةَ حَقٍّ (وَإِنْ ذَهَبَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى) وَحْدَهَا (أَوْ) ذَهَبَتْ (مَعَ رِجْلَيْهِ أَوْ مَعَ إحْدَاهُمَا فَلَا قَطْعَ) لِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ بِقَطْعِ يُمْنَاهُ (وَإِنْ ذَهَبَتْ بَعْدَ سَرِقَتِهِ رِجْلَاهُ أَوْ يُمْنَاهُمَا قُطِعَ) إنْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لِأَنَّهَا الْآلَةُ وَمَحِلُّ النَّصِّ (ك) مَا تُقْطَعُ مَعَ (ذَهَابِ يُسْرَاهُمَا) أَيْ يُسْرَى رِجْلَيْهِ (نَصًّا وَمِثْلًا) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ.
(وَلَوْ أَمِنَ تَلَفَهُ بِقَطْعِهَا) كَمَعْدُومَةٍ (وَمَا ذَهَبَ مُعْظَمُ نَفْعِهَا) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (كَمَعْدُومَةٍ) لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَقْصُودُ الْقَطْع وَالشَّلَّاءُ لَا نَفْعَ فِيهَا وَلَا جَمَالَ فَتُشْبِهُ كَفًّا لَا أَصَابِعَ عَلَيْهِ (لَا مَا ذَهَبَ مِنْهَا خِنْصَرٌ أَوْ بِنْصِرٌ أَوْ أُصْبُعُ سِوَاهُمَا وَلَوْ الْإِبْهَام) فَلَيْسَتْ كَمَعْدُومَةٍ لِبَقَاءِ مُعْظَمِ نَفْعِهَا (وَإِنْ وَجَبَ قَطْعُ يُمْنَاهُ فَقَطَعَ الْقَاطِعُ يُسْرَاهُ بَدَلًا عَنْ يَمِينِهِ أَجْزَأَتْ، وَلَا تُقْطَعُ يُمْنَاهُ) لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ مَنْفَعَةُ الْجِنْسِ، وَتُقْطَعُ يَدَاهُ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ وَ (أَمَّا الْقَاطِعُ فَإِنْ كَانَ قَطَعَهَا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ السَّارِقِ، أَوْ كَانَ أَخْرَجَهَا السَّارِقُ دَهْشَةً أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا تُجْزِئُ فَقَطَعَهَا الْقَاطِعُ عَالِمًا بِأَنَّهَا يُسْرَاهُ، وَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مَعْصُومًا عَمْدًا، فَأُقِيدَ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَجِبْ قَطْعُ يُمْنَاهُ.
(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْقَاطِعُ (أَنَّهَا يُسْرَاهُ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا) لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ عَمْدُهُ الْقَوَدُ أَوْجَبَ خَطَؤُهُ الدِّيَةَ كَالْقَتْلِ (وَإِنْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا اخْتِيَارًا عَالِمًا بِالْأَمْرَيْنِ) أَيْ بِأَنَّهَا الْيَسَارُ وَبِأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ (فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ) لِإِذْنِ الْمَقْطُوعِ فِيهِ (وَلَا تُقْطَعُ يُمْنَى السَّارِقُ) لِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ جَزَمَ بِهِ فِي التَّصْحِيحِ وَالنَّظْمِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَالْوَجْهُ الثَّانِي تُقْطَعُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالتَّنْقِيحِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَيَجْتَمِعُ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ) عَلَى السَّارِقِ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ الْمَمْلُوكِ (فَيَرُدُّ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ إلَى مَالِكِهَا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً (وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً وَهِيَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ فَعَلَيْهِ مِثْلُهَا وَإِلَّا) تَكُنْ مِثْلِيَّةً (فَقِيمَتُهَا قَطَعَ أَوْ لَمْ يَقْطَعْ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا) . وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَرْفُوعًا: «إذَا أَقَمْتُمْ الْحَدَّ عَلَى السَّارِقِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَلَوْ سَلَّمَ صِحَّتَهُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي أُجْرَةِ الْقَطْعِ (وَإِنْ فَعَلَ) السَّارِقُ (فِي الْعَيْنِ فِعْلًا نَقَصَهَا بِهِ كَقَطْعِ الثَّوْبِ) الْمَسْرُوقِ (وَنَحْوِهِ وَجَبَ رَدُّهُ وَرَدُّ) أَرْشِ (نَقْصِهِ) كَالْمَغْصُوبِ (وَالزَّيْتِ الَّذِي يُحْسَم بِهِ وَأُجْرَةُ الْقَطْع مِنْ مَالِ السَّارِقِ) أَمَّا الزَّيْتُ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمهُ حِفْظُ نَفْسِهِ وَهَذَا مِنْهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْسَمْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ فَوَجَبَ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا أُجْرَةُ الْقَطْعِ فَلِأَنَّ الْقَطْعَ حَقٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهُ فَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَقِيلَ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ.

[بَابُ حَدِّ الْمُحَارِبِينَ]

(بَابُ حَدِّ الْمُحَارِبِينَ) وَهُوَ جَمْعُ مُحَارِبٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ حَارَبَ يُحَارِبُ مِنْ الْحَرْبِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ الْحَرْبُ اشْتِقَاقُهَا مِنْ الْحَرَبِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ مَصْدَرُ حَرَبَ مَالَهُ، أَيْ سَلَبَهُ وَالْحَرِبُ: الْمَحْرُوبُ (وَهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ) أَيْ (الْمُكَلَّفُونَ الْمُلْتَزِمُونَ) مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ (وَلَوْ أُنْثَى) لِأَنَّهَا تَقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ فَلَزِمَهَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ كَالرَّجُلِ (الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِسِلَاحٍ وَلَوْ بِعَصَا وَحِجَارَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ السِّلَاحِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ فَلَيْسُوا

مُحَارِبِينَ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ مَنْ قَصَدَهُمْ (فِي صَحْرَاءَ أَوْ بُنْيَانٍ أَوْ بَحْرٍ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِأَنَّ ضَرَرَهُمْ فِي الْمِصْرِ أَعْظَمُ فَكَانُوا بِالْحَدِّ أَوْلَى (فَيَغْصِبُونَهُمْ مَالًا) بِخِلَافِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ (مُحْتَرَمًا) لَا صَلِيبًا وَمِزْمَارًا وَنَحْوَهُمَا (قَهْرًا مُجَاهِرَةً) وَالْأَصْل فِيهِمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: نَزَلَتْ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] وَالْكَفَّارَةُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وَقَبْلهَا وَعَنْ، ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُرْتَدِّينَ لِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا قَضِيَّةُ الْعُرَنِيِّينَ (فَإِنْ أَخَذُوا) الْمَالَ (مُخْتَفِينَ فَهُمْ سُرَّاقٌ) لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إلَى مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ فَلَيْسُوا مُحَارِبِينَ.
(وَإِنْ خَطِفُوهُ وَهَرَبُوا فَمُنْتَهِبُونَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا قُطَّاعَ طَرِيقٍ لِمَا مَرَّ (وَإِنْ خَرَجَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ عَلَى آخِرِ قَافِلَةٍ فَاسْتَلَبُوا مِنْهَا شَيْئًا فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِينَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْجِعُوا إلَى مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ وَإِنْ خَرَجُوا عَلَى عَدَدٍ يَسِيرٍ فَقَهَرُوهُمْ فَهُمْ مُحَارِبُونَ) يَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُهُمْ (وَيُعْتَبَر ثُبُوتُهُ) أَيْ قَطْعُ الطَّرِيقِ (بِبَيِّنَةٍ) أَيْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ (أَوْ إقْرَار مَرَّتَيْنِ) كَسَرِقَةٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ (فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ (قَدْ قَتَلَ) قَتِيلًا (لِأَخْذِ مَالِهِ وَلَوْ) كَانَ الْقَتْلُ (بِمُثْقَلٍ أَوْ سَوْطٍ أَوْ عَصَا وَلَوْ) قَتَلَ (غَيْرَ مَنْ يُكَافِئُهُ كَمَنْ قَتَلَ وَلَدَهُ أَوْ) قَتَلَ (عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ حَتْمًا) أَيْ وُجُوبًا لِلْآيَةِ (بِالسَّيْفِ فِي عُنُقِهِ) لِحَدِيثِ: «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (وَلَوْ عَفَا عَنْهُ وَلِيُّ) الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ الْوَلِيِّ (ثُمَّ صَلْبُ الْمُكَافِئِ) لِمَقْتُولِهِ (دُونَ غَيْرِهِ بِقَدْرِ مَا يَشْتَهِرُ) بِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ زَجْرُ غَيْرِهِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ صُلِبُوا وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِّعَتْ أَيَدِيّهُمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنْ الْأَرْض وَرُوِيَ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا وَقُدِّمَ الْقَتْلُ عَلَى الصَّلْبِ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ وَفِي صَلْبِهِ حَيًّا تَعْذِيبٌ.
وَقَدْ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ (ثُمَّ يُنْزَلُ وَيُدْفَعُ إلَى أَهْلِهِ فَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ) كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (فَإِنْ مَاتَ) قَاطِعُ الطَّرِيقِ (قَبْلَ قَتْلِهِ لَمْ يُصْلَبْ) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي صَلْبِهِ إذَنْ لِأَنَّ الصَّلْبَ إنَّمَا وَجَبَ لِيَشْتَهِرَ أَمْرُهُ فِي الْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَهَذَا لَمْ يُقْتَلْ فِي الْمُحَارَبَةِ (وَلَا يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاءُ جِنَايَةٍ تُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) . فَإِذَا قَطَعَ قَاطَعُ الطَّرِيقِ طَرَفًا لَمْ يَتَحَتَّمْ اسْتِيفَاؤُهُ وَالْخِيرَةُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا يَتَحَتَّمُ لِأَنَّهُ حَدُّ الْمُحَارِبِ إذَا كَانَ قَاتِلًا فَأَمَّا الطَّرَفُ فَإِنَّمَا يُسْتَوْفَى هُنَا قِصَاصًا لَا حَدًّا فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَغَيْرِ الْمُحَارِبِ فَإِذَا عَفَا وَلِيُّ الْقَوَدِ وَسَقَطَ لِذَلِكَ (إلَّا إذَا كَانَ قَتَلَ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَلَا يَسْقُطُ تَحَتُّمُ الْقَوَدِ فِي الطَّرَفِ إذَا كَانَ قَدْ قُتِلَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ انْتَهَى قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُبْدِعِ وَلَا يَسْقُطُ مَعَ تَحَتُّمِ الْقَتْلِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ انْتَهَيَا وَكَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَلَا يَسْقُطُ مَعَ تَحَتُّمِ قَتْلٍ لَكِنْ يُمَكِّنُ عَوْدُ الضَّمِيرِ لِلْقَوَدِ فِي الطَّرَفِ أَيْ لَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ فِي الطَّرَفِ بِتَحَتُّمِ الْقَوَدِ فِي النَّفْسِ لَا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ التَّحَتُّمُ فِي الطَّرَفِ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يَتَحَتَّمُ بِخِلَافِ مَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْإِنْصَافِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَلَا يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاءُ الْجِنَايَةِ فَوَجَبَ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَظَاهِرُهُمَا مُطْلَقًا (وَحُكْمُهَا) أَيْ الْجِنَايَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (حُكْمُ الْجِنَايَةِ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ) إذَا كَانَ قَدْ قَتَلَ (فَإِنْ جَرَحَ إنْسَانًا وَقَتَلَ آخَرَ اُقْتُصَّ مِنْهُ لِلْجِرَاحِ ثُمَّ قُتِلَ لِلْمُحَارَبَةِ حَتْمًا فِيهِمَا) وَعَلَى مَا فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى يَتَحَتَّمُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ فَقَطْ وَوَلِيُّ الْجِرَاحِ بِالْخِيَارِ (وَرِدْءٍ) لِلْمُحَارِبِ وَهُوَ الْمُسَاعِدُ وَالْمُعِينُ لَهُ عِنْدَ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ كَمُبَاشِرٍ (وَطَلِيعٍ) وَهُوَ الَّذِي يَكْشِفُ لِلْمُحَارِبِينَ حَالَ الْقَافِلَةِ لِيَأْتُوا إلَيْهَا (فِي ذَلِكَ) الْقَتْلِ (كَمُبَاشِرٍ) كَمَا فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَبَاشَرَ بَعْضُهُمْ الْقِتَالَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَوَقَفَ الْبَاقُونَ لِلْحِفْظِ وَالْحِرَاسَة مِمَّنْ يَدْهَمُهُمْ مِنْ وَرَائِهِمْ أَوْ أَرْسَلَ الْإِمَامُ عَيْنًا لِيَتَعَرَّفَ أَحْوَالَ الْعَدُوِّ فَإِنَّ الْكُلَّ يَشْتَرِكُونَ فِي الْغَنِيمَةِ وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرِقَةَ لِذَلِكَ.
(وَإِذَا قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ثَبَتَ حُكْمُ الْقَتْلِ فِي حَقِّ جَمِيعِهِمْ) أَيْ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْهُمْ (فَيَجِبُ قَتْلُ الْكُلِّ) لِأَنَّ حُكْمَ الرِّدْءِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ (وَإِنْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ وَأَخَذَ الْمَالَ بَعْضُهُمْ قُتِلُوا كُلُّهُمْ) وُجُوبًا (وَصُلِبَ الْمُكَافِئُ) لِمَقْتُولِهِ كَأَنَّ الْقَتْلَ وَالْأَخْذَ صَدَرَا مِنْ الْكُلِّ (فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ الْمُحَارِبِينَ (صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ عَنْ غَيْرِهِمَا) كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ مُكَلَّفٌ وَغَيْرُهُ فِي شُرْبٍ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَكَا فِي الْقَتْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ عَمْدًا عُدْوَانًا (وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا) أَيْ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» (وَعَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَا أَخَذَا مِنْ الْمَالِ فِي أَمْوَالِهِمَا وَدِيَةُ قَتِيلِهِمَا عَلَى عَاقِلَتِهِمَا) كَمَا لَوْ أَتْلَفَا مَالًا أَوْ قَتَلَا فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ (وَلَا شَيْءٍ) أَيْ لَا حَدَّ (عَلَى رِدْئِهِمَا) لِأَنَّ الرِّدْءَ يَتْبَعُ الْمُبَاشِرَ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فَيَضْمَنُ الرِّدْءَ الْمُكَلَّفُ مَا بَاشَرَ أَخْذَهُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ (وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ

الْمُحَارِبِينَ (امْرَأَةُ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ) كَالرَّجُلِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَكَالسَّرِقَةِ (فَمَتَى قَتَلَتْ أَوْ أَخَذَتْ الْمَالَ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ فِي حَقٍّ مَنْ مَعَهَا كَهِيَ لِأَنَّهُمْ رِدْؤُهَا) فَيَكُونُونَ كَالْمُبَاشِرِينَ.
(وَإِنْ قَطَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الطَّرِيقَ وَحْدَهُمْ أَوْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ اُنْتُقِضَ عَهْدُهُمْ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ (وَحَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ) يَعْنِي أَنَّ الْإِمَامَ يُخَيَّرُ فِيهِمْ كَالْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالرِّقِّ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ فَإِنْ قَتَلُوا فَمَالُهُمْ فَيْءٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ فَإِنْ خِيفَ لُحُوقُهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ فَلِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُمْ وَأَخْذُ مَا مَعَهُمْ كَمَا يَأْتِي فِي الْمُرْتَدِّ.

[فَصْلٌ وَمَنْ قَتَلَ لِقَصْدِ الْمَالِ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ]

(فَصْلٌ وَمَنْ قَتَلَ) لِقَصْدِ الْمَالِ (وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ قُتِلَ حَتْمًا وَلَا أَثَرَ لِعَفْوِ وَلِيٍّ وَلَمْ يُصْلَبْ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالِ قُتِلَ وَلَمْ يَذْكُر صَلْبًا وَلِأَنَّ جِنَايَتَهُمْ بِأَخْذِ الْمَالِ مَعَ الْقَتْلِ تَزِيدُ عَلَى الْجِنَايَةِ بِالْقَتْلِ وَحْدَهُ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُمْ مَعَ أَخْذِ الْمَالِ أَغْلَظَ.
(وَمَنْ أَخَذَ) مِنْهُمْ (الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَحُسِمَتْ ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَحُسِمَتْ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ حَتْمًا مُرَتَّبًا وُجُوبًا) لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ (وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ أَخَذَ مِنْ حِرْزٍ) وَهُوَ الْقَافِلَةُ (لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ) بِخِلَافِ نَحْوِ أَبٍ وَسَيِّدٍ (مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي مِثْلِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ» وَلَمْ يُفَصِّلْ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ تَعَلَّقَتْ بِهَا عُقُوبَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحَارِبِ فَلَا تَغْلُظُ فِي الْمُحَارِبِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ كَالْقَتْلِ.
(فَإِذَا أَخَذُوا نِصَابًا أَوْ مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا) أَيْ رُبْعَ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ خَالِصَةٍ (وَلَوْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا قُطِعُوا) كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ (فَإِنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ كَأَخْذِهِ مِنْ مُنْفَرِدٍ عَنْ الْقَافِلَةِ وَنَحْوِهِ فَلَا قَطْعَ) وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ دُونَ نِصَابٍ أَوْ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ كَالسَّرِقَةِ (وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى أَوْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مَعْدُومَةً أَوْ) كَانَتْ (مُسْتَحَقَّةً فِي قِصَاصٍ أَوْ) كَانَتْ (شَلَّاءَ قُطِعَ الْمَوْجُودُ مِنْهُمَا فَقَطْ) لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ.
(وَيَسْقُطُ الْقَطْعُ فِي الْمَعْدُومِ) وَالشَّلَّاءِ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْغَرَضُ قَدْ زَالَ أَوْ فِي حُكْمِهِ فَيَسْقُطُ كَالْغُسْلِ فِي الْوُضُوءِ

(وَإِنْ عُدِمَ يُسْرَى يَدَيْهِ قُطِعَتْ يُسْرَى رِجْلَيْهِ) فَقَطْ لِئَلَّا تَذْهَبَ مَنْفَعَةُ الْجِنْسِ (وَإِنْ عُدِمَ يُمْنَى يَدَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ يُمْنَى رِجْلَيْهِ) لِئَلَّا يَذْهَبَ عُضْوَانِ مِنْ شِقٍّ وَتُقْطَعُ يُسْرَى رِجْلَيْهِ (وَلَوْ حَارَبَ مَرَّة أُخْرَى لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ) كَالسَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَيَتَعَيَّنَ دِيَةً كَقَوَدٍ لَزِمَهُ بَعْدَ مُحَارَبَتِهِ لِتَقْدِيمِهَا) أَيْ الْمُحَارَبَةِ (بِسَبَقِهَا) لِلْقَوَدِ (وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ قَتْلِهِ لِلْمُحَارَبَةِ) تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ.
(وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَا أَخَذَ الْمَالَ بَلْ أَخَافَ السَّبِيلَ) أَيْ الطَّرِيقَ (نُفِيَ وَشُرِّدَ) أَيْ طُرِدَ (فَلَا يُتْرَكُ يَأْوِي إلَى بَلَدٍ وَلَوْ عَبْدًا حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] (وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً نُفُوا مُتَفَرِّقِينَ) فَيُنْفَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى جِهَةٍ خَشْيَةَ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى الْمُحَارَبَةِ ثَانِيًا (وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ (قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا بَعْدَهَا سَقَطَ عَنْهُ حَقُّ اللَّهِ) تَعَالَى (مِنْ الصَّلْبِ وَالْقَطْعِ وَالْقَتْلِ وَانْحِتَامِ الْقَتْلِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] (حَتَّى حَدُّ زِنًا وَسَرِقَةٍ وَشُرْبٍ) خَمْرٍ فَيَسْقُطُ عَنْ الْمُحَارِبِ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ.
(وَكَذَا خَارِجِيٌّ) مُحَارِبٌ (وَبَاغٍ) مُحَارِبٌ (وَمُرْتَدٌّ) مُحَارِبٌ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لِعُمُومِ الْآيَةِ وَأَمَّا مَنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِمَفْهُومِ الْآيَةِ (وَأُخِذَ) مَنْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ وَالْمُرْتَدِّينَ (بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْجِرَاحِ إلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُمْ عَنْهَا) لِأَنَّهَا حُقُوقٌ عَلَيْهِمْ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا فَلَمْ تَسْقُطْ كَغَيْرِ الْمُحَارِبِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِسُقُوطِ حَقِّهِ دُونَ حَقِّ غَيْرِهِ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْمُشَاحَّةِ (وَإِنْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ بَعْدَ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ لَمْ يَسْقُطْ) الْحَدُّ (بِإِسْلَامِهِ) بَلْ يُؤَاخَذُ بِهِ كَمَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ لِالْتِزَامِهِ حُكْمَنَا (وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْمُسْتَأْمَنِ فِي بَابَيْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ) . قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَيُؤْخَذُ غَيْرُ حَرْبِيٍّ أَسْلَمَ بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ آدَمِيٍّ طَلَبَهُ (وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ فَلَا يُؤْخَذُ بِشَيْءٍ فِي كُفْرِهِ إجْمَاعًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ " (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ) تَعَالَى

(سِوَى ذَلِكَ) أَيْ حَدِّ الْمُحَارَبَةِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ (فَتَابَ قَبْلَ ثُبُوتِهِ سَقَطَ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قَبْلَ إصْلَاحِ الْعَمَل) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: 16] وَلِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 39] . وَفِي الْحَدِيثِ: «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَحَدِّ الْمُحَارِبِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَدُّ لِلَّهِ تَعَالَى بَلْ لِلْآدَمِيِّ كَحَدِّ الْقَذْفِ أَوْ كَانَ لِلَّهِ وَلَمْ يَثْبُت قَبْلَ تَوْبَتِهِ بَلْ بَعْدَهُ (فَلَا) يَسْقُطُ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدٌّ) لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ (سَقَطَ) بِمَوْتِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ كَمَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ بِالْمَوْتِ.

[فَصْلُ وَمَنْ صَالَ عَلَى نَفْسِهِ بَهِيمَةٌ أَوْ آدَمِيٌّ]

(فَصْلُ وَمَنْ صَالَ عَلَى نَفْسِهِ) بَهِيمَةٌ أَوْ آدَمِيٌّ (أَوْ) صَالَ عَلَى (نِسَائِهِ) كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَزَوْجَتِهِ وَنَحْوِهِنَّ (أَوْ) عَلَى (وَلَدِهِ أَوْ مَالِهِ وَلَوْ قَلَّ) الْمَالُ (بَهِيمَةٌ أَوْ آدَمِيٌّ وَلَوْ) كَانَ مَنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ أَوْ حُرْمَتُهُ أَوْ وَلَدُهُ أَوْ مَالُهُ (غَيْرُ مُكَافِئٍ) لِلْمُرِيدِ (أَوْ) كَانَ الصَّائِلُ (صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا) كَالْبَهِيمَةِ وَسَوَاءٌ صَالَ عَلَى ذَلِكَ (فِي مَنْزِلِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ) كَانَ (مُتَلَصِّصًا) أَيْ طَالِبًا لِلسَّرِقَةِ (وَلَمْ يَخَفْ) الدَّافِعُ (أَنْ يَبْدُرَهُ الصَّائِلُ بِالْقَتْلِ دَفَعَهُ بِأَسْهَلِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُهُ بِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لَأَدَّى إلَى تَلَفِهِ وَأَذَاهُ فِي نَفْسِهِ وَحُرْمَتِهِ وَمَالِهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَتَسَلَّطَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَدَّى إلَى الْهَرَجِ وَالْمَرَجِ (فَإِنْ انْدَفَعَ بِالْقَوْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ) بِشَيْءٍ (وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِالْقَوْلِ فَلَهُ) أَيْ الدَّافِعِ (ضَرْبُهُ بِأَسْهَلِ مَا يَظُنُّ أَنْ يَنْدَفِعَ بِهِ فَإِنْ ظَنَّ أَنْ يَنْدَفِعَ بِضَرْبِ عَصَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ بِحَدِيدٍ) لِأَنَّهُ آلَةُ الْقَتْلِ (وَإِنْ وَلَّى هَارِبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ وَلَا اتِّبَاعُهُ) كَالْبُغَاةِ (وَإِنْ ضَرَبَهُ فَعَطَّلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ كُفِيَ شَرُّهُ.

(وَإِنْ ضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَمِينَهُ فَوَلَّى هَارِبًا فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ فَالرِّجْلُ مَضْمُونَةٌ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ) لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الدَّفْعُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ قَالَ أَحْمَدُ لَا يُرِيدُ قَتْلَهُ وَضَرْبَهُ لَكِنْ دَفْعُهُ (فَإِنْ مَاتَ) الصَّائِلُ (مِنْ سِرَايَةِ الْقَطْعَيْنِ فَعَلَيْهِ) أَيْ الدَّافِعِ (نِصْفُ

الدِّيَةِ) لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِ مَأْذُونٍ فِيهِ وَغَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ.

(وَإِنْ رَجَعَ) الصَّائِلُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الدَّافِعِ (بَعْدَ قَطْعِ) يَدِهِ ثُمَّ (رِجْلِهِ فَقَطَعَ) الدَّافِعُ (يَدَهُ الْأُخْرَى) لِكَوْنِهِ لَمْ يَنْدَفِعْ بِدُونِهِ (فَالْيَدَانِ غَيْرُ مَضْمُونَتَيْنِ) بِخِلَافِ الرِّجْلِ الَّتِي قَطَعَهَا بَعْدَ أَنْ وَلَّى هَارِبًا (وَإِنْ مَاتَ) الصَّائِلُ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الدَّافِعِ (ثُلُثُ الدِّيَةِ) كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحِ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَالشَّرْحِ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَضْمَنَ نِصْفَ الدِّيَةِ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ اثْنَانِ وَمَاتَ مِنْهُمَا.

(فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) أَيْ الدَّافِعُ (دَفْعَهُ) أَيْ الصَّائِلُ (إلَّا بِالْقَتْلِ أَوْ خَافَ) الدَّافِعُ (ابْتِدَاءً أَنْ يَبْدَأهُ) أَيْ الصَّائِلَ (بِالْقَتْلِ إنْ لَمْ يُعَاجِلْهُ بِالدَّفْعِ فَلَهُ ضَرْبُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ وَيَقْطَعُ طَرَفَهُ وَيَكُونُ) ذَلِكَ (هَدْرًا) لِأَنَّهُ أُتْلِفَ لِدَفْعِ شَرِّهِ كَالْبَاغِي.

(وَإِنْ قُتِلَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ فَهُوَ شَهِيدٌ مَضْمُونٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَالَ لَا تُعْطِهِ قَالَ أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلَنِي قَالَ قَاتِلْهُ قَالَ أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي قَالَ فَأَنْتَ شَهِيدٌ قَالَ أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ قَالَ فِي النَّارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

(وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ) لِلصَّائِلِ (عَنْ نِسَائِهِ فَهُوَ لَازِمٌ) أَيْ وَاجِبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّهِ وَحَقٍّ اللَّهِ وَهُوَ مَنْعُهُ مِنْ الْفَاحِشَةِ (وَإِنْ كَانَ) الدَّفْعُ (عَنْ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ فَكَذَلِكَ) أَيْ فَالدَّفْعُ لَازِمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] وَكَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إبَاحَةُ قَتْلِهَا وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إحْيَاءِ نَفْسِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا يَتَّقِي بِهِ كَالْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ فَإِنْ كَانَ فِي فِتْنَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْفِتْنَةِ: «اجْلِسْ فِي بَيْتِكَ فَإِنْ خِفْتَ أَنْ يَنْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَغَطِّ وَجْهَكَ» . وَفِي لَفْظٍ «فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» وَلِأَنَّ عُثْمَانَ تَرَكَ الْقِتَالَ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَمَنَعَ غَيْرَهُ قِتَالَهُمْ وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَأَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَدْفَع عَنْ نَفْسِهِ (وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ وَالِاحْتِمَاءُ كَمَا لَوْ خَافَ مِنْ سَيْلٍ أَوْ نَارٍ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَتَنَحَّى عَنْهُ وَكَمَا لَوْ كَانَ الصَّائِلُ) عَلَيْهِ (بَهِيمَةً) فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهَا (وَلَه قَتْلُهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) فِيهَا لِسُقُوطِ حُرْمَتِهَا بِالصَّوْلِ.

(وَإِنْ كَانَ) الدَّفْعُ عَنْ (نَفْسِهِ فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ وَظَنَّ الدَّافِعُ

سَلَامَةَ نَفْسِهِ) الدَّفْعُ (لَازِمٌ أَيْضًا) لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ إيثَارُ الشَّهَادَةِ كَإِحْيَائِهِ بِبَذْلِ طَعَامِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ فِي فِتْنَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ لِقِصَّةِ عُثْمَانَ.

(وَلَا يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ مَالِهِ وَلَا حِفْظُهُ مِنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَذْلُهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ أَفْضَلُ.
وَفِي التَّرْغِيبِ الْمَنْصُوصِ عَنْهُ أَنَّ تَرْكَ قِتَالِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ زَادَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِي عَنْ الثَّلَاثَة وَعِرْضِهِ (كَمَالِ غَيْرِهِ) أَيْ كَمَا لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ قَالَ فِي الْمَذْهَبِ أَمَّا دَفْعُ الْإِنْسَانِ مَالَ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ مَا لَمْ يُفْضِ إلَى الْجِنَايَةِ عَلَى نَفْسِ الطَّالِبِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَجَزَمَ فِي الْمُنْتَهَى بِاللُّزُومِ مَعَ ظَنِّ سَلَامَتِهِمَا وَهُوَ مَعْنَى مَا قَدَّمَهُ فِي الْإِنْصَافِ (لَكِنْ لَهُ) كَذَا فِي الشَّرْحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ (مَعُونَةُ غَيْرِهِ فِي الدَّفْعِ عَنْ مَالِهِ وَنِسَائِهِ فِي قَافِلَةٍ وَغَيْرِهَا) مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ لِحَدِيثِ «اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» وَلِئَلَّا تَذْهَبَ الْأَنْفُسُ وَالْأَمْوَالُ.

(وَإِنْ رَاوَدَ رَجُلٌ امْرَأَةً عَنْ نَفْسِهَا) لِيَفْجُرَ بِهَا (فَقَتَلَتْهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهَا) إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِهِ (لَمْ تَضْمَنْهُ) لِقَوْلِ عُمَرَ: وَلِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي قَتْلِهِ شَرْعًا لِدَفْعِهِ عَنْهَا (وَلَوْ ظُلِمَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (ظَالِمٌ لَمْ يُعِنْهُ) عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ (حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ ظُلْمِهِ) نَصًّا قَالَ: أَخْشَى أَنْ يَجْتَرِئَ يَدَعُهُ حَتَّى يَنْكَسِرَ (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى صَيْحَةٍ بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَكُونُ) نَقَلَهُ صَالِحُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافَهُ فِيهِمَا أَيْ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا وَهُوَ فِي الثَّانِيَةِ أَظْهَرُ.

(وَإِذَا وَجَدَ رَجُلًا يَزْنِي بِامْرَأَتِهِ فَقَتَلَهُمَا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَلَا دِيَةَ) رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ (إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُكْرَهَةً فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) وَيَأْثَمُ لِسُقُوطِ الْحَدِّ عَلَيْهَا بِالْإِكْرَاهِ فَهِيَ مَعْصُومَةٌ (هَذَا إذَا كَانَتْ بَيِّنَةً) أَنَّهُ وَجَدَهُ يَزْنِي بِهَا (أَوْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ) عَلَى ذَلِكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْوَلِيُّ (فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي الظَّاهِرِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعِصْمَةُ وَأَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ (وَتَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ الْقِصَاصِ بَعْضُ ذَلِكَ وَالْبَيِّنَةُ شَاهِدَانِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ عَلَى وُجُودِهِ مَعَ الْمَرْأَةِ وَهَذَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ وَإِنَّمَا الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى أَرْبَعَةِ الزِّنَا، وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الزِّنَا وَعَنْهُ أَرْبَعَةٌ لِقَوْلِ عَلِيٍّ.

(وَإِنْ قَتَلَ رَجُلًا) فِي مَنْزِلِهِ (وَادَّعَى أَنَّهُ هَجَمَ مَنْزِلَهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) لِحَدِيثِ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ يُعْرَفُ بِسَرِقَةٍ أَوْ عِيَارَةٍ أَوْ لَا) يُعْرَفُ بِذَلِكَ وَالْعِيَارَةُ التَّحَزُّبُ لِأَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ وَالْعَيَّارُونَ: الْمَحْزُبُونَ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ بِمِصْرَ وَالشَّامِ الْمَنْسَرُ كَانُوا يُسَمَّوْنَ عَيَّارِينَ بِبَغْدَادَ (فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا هَذَا) أَيْ الْمَقْتُولَ (مُقْبِلًا إلَى هَذَا) أَيْ

الْقَاتِلِ (بِسِلَاحِ مَشْهُورٍ فَضَرَبَهُ هَذَا) أَيْ الْقَاتِلُ (فَدَمُهُ) أَيْ الْمَقْتُولُ (هَدْرٌ) لِثُبُوتِ صِيَالَتِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْهُ) أَيْ الْمَقْتُولَ (دَاخِلًا دَارِهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا سِلَاحًا) أَوْ ذَكَرُوا سِلَاحًا (غَيْرَ مَشْهُورٍ لَمْ يَسْقُطْ الْقَوَدُ بِذَلِكَ) لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ لِحَاجَةٍ.

(وَإِنْ عَضَّ يَدَهُ إنْسَانٌ عَضًّا مُحَرَّمًا فَانْتَزَعَ) الْمَعْضُوضُ (يَدَهُ مِنْ فِيهِ وَلَوْ بِعُنْفٍ فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ) أَيْ الْعَاضُّ (فَهَدْرٌ) ظَالِمًا كَانَ الْمَعْضُوضُ أَوْ مَظْلُومًا لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: " أَنَّ رَجُلًا عَضَّ رَجُلًا فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ فَاخْتَصَمُوا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «يَعَضُّ أَحَدُكُمْ يَدَ أَخِيهِ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ لَا دِيَةَ لَكَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ تَلِفَ ضَرُورَةَ دَفْعِ صَاحِبهِ، كَمَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ وَنَحْوِهِ (وَكَذَا مَا فِي مَعْنَى الْعَضِّ) نَحْوَ أَنْ حَبَسَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ رَبَطَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَخَلَّصَ نَفْسَهُ فَتَلِفَ بِتَخَلُّصِهِ شَيْءٌ لَمْ يَضْمَنْهُ (فَإِنْ عَجَزَ) الْمَعْضُوضُ عَنْ التَّخَلُّصِ (دَفْعَهُ) أَيْ الْعَاضَّ (كَصَائِلٍ) بِأَسْهَلِ مَا يَظُنُّ انْدِفَاعَهُ بِهِ (وَإِنْ كَانَ الْعَضُّ مُبَاحًا مِثْلَ أَنْ يُمْسِكَهُ فِي مَوْضِعٍ يَتَضَرَّرُ بِإِمْسَاكِهِ) كَخُصْيَيْهِ (أَوْ يَعْصِرَ يَدَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ إلَّا بِعَضِّهِ فَعَضَّهُ فَمَا سَقَطَ مِنْ أَسْنَانِهِ ضَمِنَهُ) الْمَعْضُوضُ.

(وَإِنْ نَظَرَ فِي بَيْتِهِ مِنْ خَصَاصِ الْبَابِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهِيَ الْفُرُوجُ الَّتِي فِيهِ (أَوْ) نَظَرَ (مِنْ ثَقْبٍ فِي جِدَارٍ أَوْ) نَظَرَ (مِنْ كَوَّةٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ (وَنَحْوِهِ) كَفُرُوجٍ فِي بَيْتِ شَعْرٍ وَلَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ لَكِنْ ظَنَّهُ مُتَعَمِّدًا (لَا) إنْ نَظَرَ (مِنْ بَابٍ مَفْتُوحٍ فَرَمَاهُ) أَيْ النَّاظِرَ (صَاحِبُ الدَّارِ بِحَصَاةٍ أَوْ نَحْوِهَا أَوْ طَعَنَهُ بِعُودٍ فَقَلَعَ عَيْنَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَمْكَنَ الدَّفْعُ بِدُونِهِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الدَّارِ نِسَاءٌ أَوْ كَانَ) النَّاظِرُ (مَحْرَمًا أَوْ نَظَرَ مِنْ الطَّرِيقِ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ لَا) لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ تَرَكَ) النَّاظِرُ (الِاطِّلَاعَ وَمَضَى لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (فَإِنْ رَمَاهُ فَقَالَ الْمُطَّلِعُ: مَا تَعَمَّدْتُهُ أَوْ لَمْ أَرَ شَيْئًا حِينَ اطَّلَعْتُ لَمْ يَضْمَنْهُ) الرَّامِي لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَا فِي ضَمِيره (وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ ابْتِدَاءً) كَالصَّائِلِ (فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِرَمْيِهِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ جَازَ رَمْيُهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ) كَالصَّائِلِ.

(وَلَوْ تَسَمَّعَ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ عَلَى مَنْ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَجُزْ طَعْنُ أُذُنِهِ) قَبْلَ إنْذَارِهِ قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ.

(وَلَوْ كَانَ عُرْيَانًا فِي طَرِيقٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَمْيُ مَنْ نَظَرَ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ.

(وَإِنْ عَقَرَتْ كَلْبَةٌ مَنْ قَرُبَ مِنْ أَوْلَادِهَا أَوْ خَرَقَتْ ثَوْبَهُ لَمْ تُقْتَلْ) بِذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْعَقُورِ لِأَنَّ الطِّبَاعِ جُبِلَتْ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْوَلَدِ (بَلْ تُنْقَلُ) إلَى مَكَان مُنْفَرِد دَفْعًا لِأَذَاهَا.

(وَقَالَ الشَّيْخُ: فِي جُنْدٍ قَاتَلُوا عَرَبًا نَهَبُوا أَمْوَالَ تُجَّارٍ لِيَرُدُّوهُ) لِمَالِكَيْهِ (هُمْ) أَيْ الْجُنْدُ (مُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فِي حُكْمِهِمْ لِأَنَّهُمْ نَاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْجُنْدِ فِيمَنْ قُتِلَ مِنْ الْعَرَبِ (بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ) أَيْ وَلَا كَفَّارَةٍ حَيْثُ لَمْ يَنْدَفِعُوا إلَّا بِذَلِكَ كَالصَّائِلِ فَإِنْ قَاتَلُوهُمْ لِيَأْخُذُوا مِنْهُمْ مَا أَخَذُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ فَهُمَا ظَالِمَانِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ.

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل