صفحات 35-74
مِنْ نِدَائِهِ بِكُنْيَتِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ قَائِلُهُ أَوْ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ.
(وَيُخَاطَبُ فِي الصَّلَاةِ بِقَوْلِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَلَوْ خَاطَبَ مَخْلُوقًا غَيْرَهُ بَطُلَتْ صَلَاتُهُ وَخَاطَبَ إبْلِيسَ بِاللَّعْنَةِ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ» ) . وَفِي الْفُرُوعِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَوْ مُؤَوَّلٌ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ (وَلَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ.
(وَكَانَتْ الْهَدِيَّةُ حَلَالًا لَهُ) فَكَانَ «إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ قَالَ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ مَعَهُمْ، وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ وَأَكَلَ مَعَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَلَا تَحِلُّ لَهُمْ الْهَدِيَّةُ مِنْ رَعَايَاهُمْ) لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَمَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآهُ حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَخَيَّلُ بِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنْهُ لَكِنْ لَا يَعْمَلُ الرَّائِي بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ لِعَدَمِ الضَّبْطِ لَا لِلشَّكِّ فِي رُؤْيَتِهِ (وَكَانَ لَا يَتَثَاءَبُ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَاَللَّهُ عَصَمَهُ مِنْهُ (وَعُرِضَ عَلَيْهِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ مِنْ آدَمَ إلَى مَنْ بَعْدَهُ كَمَا عَلَّمَ آدَمَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ) لِحَدِيثِ الدَّيْلَمِيِّ «مُثِّلَتْ لِي الدُّنْيَا بِالْمَاءِ وَالطِّينِ فَعُلِّمْتُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا كَمَا عُلِّمَ آدَم الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا» وَعُرِضَ عَلَيْهِ أُمَّتُهُ بِأَسْرِهِمْ حَتَّى رَآهُمْ لِحَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي الْبَارِحَةَ لَدَى هَذِهِ الْحُجْرَةِ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا صُوِّرُوا لِي بِالْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى إنِّي لَأَعْرَفُ بِالْإِنْسَانِ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِصَاحِبِهِ» وَعُرِضَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا هُوَ كَائِن فِي أُمَّتِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ لِحَدِيثِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ «أُدْرِيتُ مَا تَلْقَى أُمَّتِي بَعْدِي وَسَفْكَ بَعْضِهِمْ دِمَاءَ بَعْضٍ» (وَيَبْلُغُهُ سَلَامُ النَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ أَحَدٍ سَلَّمَ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» .
(وَالْكَذِبُ عَلَيْهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ كَبِيرَةٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَاهُ وَالْكَذِبُ عَلَى غَيْرِهِ صَغِيرَةٌ إلَّا فِيمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ (وَمَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَتَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ) لِخَبَرِ
الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» . وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي خَبَرِ الْإِسْرَاءِ «وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ: نَوْمُهُ فِي الْوَادِي عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِأَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ إنَّمَا يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ وَهِيَ نَائِمَةٌ أَوْ يُقَالُ: كَانَ لَهُ نَوْمَان: أَحَدُهُمَا تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ وَالثَّانِي عَيْنُهُ دُونَ قَلْبِهِ وَكَانَ يَوْمُ الْوَادِي عَنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ.
(وَلَا نَقْضَ بِنَوْمِهِ وَلَوْ مُضْطَجِعًا) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اضْطَجَعَ وَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» .
(وَيَرَى مَنْ خَلْفَهُ كَمَا يَرَى أَمَامَهُ رُؤْيَةً بِالْعَيْنِ حَقِيقَةً نَصًّا) كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْأَخْبَارُ الْوَاجِبَةُ فِيهِ مُقَيَّدَةٌ بِحَالِ الصَّلَاةِ فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ لِقَوْلِهِ: «لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي هَذَا» قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ.
(وَالدَّفْنُ فِي الْبُنْيَانِ مُخْتَصٌّ بِهِ لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا) وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا «لَمْ يُقْبَرْ نَبِيٌّ إلَّا حَيْثُ قُبِضَ» (وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ مُسْتَحَبَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِعُمُومِ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَجَّ وَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» وَكَقَبْرِهِ الشَّرِيفِ فِي عُمُومِ الزِّيَارَةِ تَبَعًا لَهُ قَبْرُ صَاحِبَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ مَنْ عَدَاهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَتَقَدَّمَ.
(وَخُصَّ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ) اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: كَانَ خَاصًّا بِهِ وَكَذَا أَجَابَ الْقَاضِي لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَيَنْهَى عَنْهُمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ: أَنَّهُ مِنْ قَضَاءِ الرَّاتِبَةِ إذَا فَاتَتْ، وَلَيْسَ بِخُصُوصِيَّةٍ حَيْثُ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَازِ قَضَاءِ الرَّاتِبَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ.
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ) شَيْئًا (لِيُعْطَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَكْثَرَ مِنْهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] أَيْ لَا تُعْطِ
شَيْئًا لِتَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهُ.
(وَلَهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَنْ يَقْضِيَ) وَيُفْتِيَ (وَهُوَ غَضْبَانُ، وَأَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ وَيَحْكُمَ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ، وَيَشْهَدَ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَيَقْبَلَ شَهَادَةَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لِوَلَدِهِ لِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ وَلِأَنَّهُ مَعْصُومٌ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَشْهَدُ وَيَقْبَلُ وَيَحْكُمُ عَلَى عَدُوِّهِ وَبِإِبَاحَةِ الْحِمَى لِنَفْسِهِ وَتَقَدَّمَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إنْ كَانَ لِصَبِيٍّ مَالٌ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ قِيلَ لِلْقَاضِي: الزَّكَاةُ طُهْرَةٌ وَالصَّبِيُّ مُطَهَّرٌ فَقَالَ: بَاطِلٌ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ ثُمَّ بِالْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لِأَنَّهُمْ مُطَهَّرُونَ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ لَزِمَتْهُمْ الزَّكَاةُ وَخَصَائِصُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذُكِرَ وَفِيهَا كُتُبٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى بَعْضِهَا.
[بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِهِ]
(بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِهِ) أَرْكَانُ الشَّيْءِ أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِهِ وَالْمَاهِيَّةُ لَا تُوجَدُ بِدُونِ جُزْئِهَا فَكَذَا الشَّيْءُ لَا يَتِمُّ بِدُونِ رُكْنِهِ وَالشَّرْطُ مَا يَنْتَفِي الْمَشْرُوطُ بِانْتِفَائِهِ، وَلَيْسَ جَزَاءٌ لِلْمَاهِيَّةِ (وَأَرْكَانُهُ) أَيْ النِّكَاحِ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا (الزَّوْجَانِ الْخَالِيَانِ مِنْ الْمَوَانِعِ) الْآتِيَةِ فِي بَابِ مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ، وَأَسْقَطَهُ فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ لِوُضُوحِهِ.
(وَ) الثَّانِي (الْإِيجَابُ وَ) الثَّالِثُ (الْقَبُولُ) لِأَنَّ مَاهِيَّةَ النِّكَاحِ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا وَمُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهِمَا (وَلَا يَنْعَقِدُ) النِّكَاحُ (إلَّا بِهِمَا مُرَتَّبِينَ، الْإِيجَابُ أَوَّلًا وَهُوَ) أَيْ الْإِيجَابُ (اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيِّ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) كَوَكِيلٍ لِأَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا لِعَدَمِ مَعْنَاهُ.
(وَلَا يَصِحُّ إيجَابٌ مِمَّنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ إلَّا بِلَفْظِ: أَنْكَحْتُ أَوْ زَوَّجْتُ) لِوُرُودِهِمَا فِي نَصِّ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: 22] (وَلِمَنْ يَمْلِكُهَا أَوْ) يَمْلِكُ (بَعْضَهَا الْآخَرُ حُرٌّ) إذَا أَذِنَتْ لَهُ هِيَ وَمُعْتِقُ الْبَقِيَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي (أَعْتَقَهَا وَجَعَلْتَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَنَحْوَهُ) مِمَّا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى وَيَأْتِي لِقِصَّةِ صَفِيَّةَ إذْ الْعَادِلُ عَنْ، هَذِهِ الصِّيَغِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ لَهَا عَادِلٌ عَنْ اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَإِنْ قُلْتَ
قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً فَقَالَ: مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قُلْتُ وَرَدَ فِيهِ «زَوَّجْتُكَهَا، وَزَوَّجْنَاكَهَا وَأَنْكَحْتُكَهَا» مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَى بِالْمَعْنَى، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَيَكُونُ خَاصًّا بِهِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَبْقَى حُجَّةٌ وَيَصِحُّ الْإِيجَابُ مِنْ الْوَلِيِّ بِلَفْظِ زُوِّجْتَ بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْحِ التَّاءِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لَا جَوَّزْتُكَ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ وَسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَنْ رَجُلٍ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقُولَ إلَّا: قَبِلْتُ تَجْوِيزَهَا؟ فَأَجَابَ بِالصِّحَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: جَوْزَتِي طَالِقٌ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ.
(وَلَا يَصِحُّ قَبُولٌ لِمَنْ يُحْسِنُهَا) أَيْ الْعَرَبِيَّةَ (إلَّا بِ) لَفْظِ (قَبِلْتُ تَزْوِيجَهَا أَوْ) قَبِلْتُ (نِكَاحَهَا أَوْ) قَبِلْتُ (هَذَا التَّزْوِيجَ أَوْ) قَبِلْتُ (هَذَا النِّكَاحَ أَوْ تَزَوَّجْتُهَا أَوْ رَضِيتُ هَذَا النِّكَاحَ أَوْ قَبِلْتُ فَقَطْ أَوْ تَزَوَّجْتُ) لِأَنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ فَصَحَّ النِّكَاحُ بِهِ كَالْبَيْعِ (أَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْتَ؟ فَقَالَ) الْوَلِيُّ (نَعَمْ وَقَالَ) الْخَاطِبُ (لِلْمُتَزَوِّجِ أَقَبِلْتَ؟ فَقَالَ) الْمُتَزَوِّجُ (نَعَمْ) انْعَقَدَ النِّكَاحُ لِأَنَّ الْمَعْنَى: نَعَمْ زَوَّجْتُ، نَعَمْ قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ لِأَنَّ السُّؤَالَ يَكُون مُضْمَرًا فِي الْجَوَابِ مُعَادًا فِيهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44] أَيْ نَعَمْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا وَلَوْ قِيلَ لِلرَّجُلِ الْفُلَانِيِّ: عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ كَانَ إقْرَارًا صَرِيحًا لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ وَلَا يَرْجِعُ فِيهِ إلَى تَغْيِيرِهِ وَبِمِثْلِهِ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ مَعَ أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ التَّزْوِيجُ.
(وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَجَمْعُ انْعِقَادِهِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ لَمْ يُحْسِنْهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ (وَقَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا: يَنْعَقِدُ) النِّكَاحُ (بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ نِكَاحًا بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ وَأَنَّ مِثْلَهُ) أَيْ النِّكَاحِ (كُلُّ عَقْدٍ) فَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ وَالْإِجَارَةُ بِمَا عَهِدَهُ النَّاسُ إجَارَةً بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ.
وَهَكَذَا (وَ) قَالَ أَيْضًا (إنَّ الشَّرْطَ بَيْنَ النَّاسِ مَا عَدُّوهُ شَرْطًا) وَكَذَا قَالَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فَلَوْ تَزَوَّجَ مِنْ قَوْمٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالتَّزَوُّجِ عَلَى نِسَائِهِمْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَإِلَى مَأْخَذِهِ فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ (فَالْأَسْمَاءُ تُعْرَفُ حُدُودُهَا تَارَةً بِالشَّرْعِ) كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَنَحْوِهَا (وَ) تُعْرَفُ حُدُودُهَا (تَارَةً بِاللُّغَةِ) كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ وَشَجَرٍ
وَنَحْوِهَا.
(وَ) تُعْرَفُ حُدُودُهَا (تَارَةً بِالْعُرْفِ) الْعَامِّ كَالدَّابَّةِ الذَّوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْ الْخَاصِّ كَالْفَاعِلِ وَالْمُبْتَدَأِ (وَكَذَا الْعُقُودُ) فَتُعْرَفُ حُدُودُهَا بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (انْتَهَى) .
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْكِنَايَةُ إنَّمَا تُعْلَمُ بِالنِّيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَى النِّيَّةِ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ) لِلنِّكَاحِ (يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ دُونَ الْآخَرِ أَتَى الَّذِي يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ) بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ مِنْ إيجَابٍ أَوْ قَبُولٍ (بِهَا) أَيْ بِالْعَرَبِيَّةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (وَ) الْعَاقِدُ (الْآخَرُ يَأْتِي) بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ (بِلِسَانِهِ) أَيْ بِلُغَتِهِ.
(وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ الْعَاقِدَيْنِ (لَا يُحْسِنُ لِسَانَ الْآخَرِ تَرْجَمَ بَيْنَهُمَا ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسَانَيْنِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ الْقَاضِي وَلَمْ يَشْتَرِطْ تَعَدُّدَهُ أَيْ الثِّقَةَ الَّذِي يُتَرْجِمُ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ: أَنَّ التَّرْجَمَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ كَالشَّهَادَةِ، فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُمَا فَلَا بُدَّ فِي التَّرْجَمَةِ عِنْدَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ (وَلَا بُدّ أَنْ يَعْرِفَ الشَّاهِدَانِ اللِّسَانَيْنِ الْمَعْقُودَ بِهِمَا) لِيَتَمَكَّنَا مَنْ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا عَلَى اللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْهُمَا فَإِذَا لَمْ يَعْرِفَاهُ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُمَا الشَّهَادَةُ بِهِ (وَيَأْتِي حُكْمُ تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ) فِي فَصْلِ: وَإِذَا اسْتَوَى وَلِيَّانِ.
(وَيَصِحُّ إيجَابُ أَخْرَسَ وَقَبُولُهُ) النِّكَاحَ (بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ يَفْهَمُهَا صَاحِبُهُ) الْعَاقِدُ مَعَهُ (وَ) يَفْهَمُهَا (الشُّهُودُ) لِأَنَّ النِّكَاحَ مَعْنَى لَا يُسْتَفَادُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَصَحَّ بِإِشَارَتِهِ كَبَيْعِهِ وَطَلَاقِهِ (أَوْ كِتَابَةٍ) أَيْ وَيَصِحُّ إيجَابُهُ وَقَبُولُهُ مِنْ أَخْرَسَ بِكِتَابَةٍ، لِأَنَّهَا أَوْلَى مِنْ الْإِشَارَةِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّرِيحِ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ وَ (لَا) يَصِحُّ النِّكَاحُ (مِنْ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ) بِإِشَارَةٍ وَلَا كِتَابَةٍ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا (وَلَا) يَصِحُّ إيجَابُ النِّكَاحِ وَلَا قَبُولِهِ (مِنْ أَخْرَسَ لَا تُفْهَمُ إشَارَتُهُ) كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ الْقَوْلِيَّةِ، لِعَدَمِ الصِّيغَةِ.
(فَإِنْ قَدِرَ عَلَى تَعَلُّمِهِمَا) أَيْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ (مَنْ لَا يُحْسِنهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ) تَعَلُّمُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ النِّكَاحَ غَيْرُ وَاجِبٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَلَمْ يَجِبْ تَعَلُّمُ أَرْكَانِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ الْمُعْجِزِ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ (وَكَفَاهُ) أَيْ الْعَاجِزُ (مَعْنَاهُمَا الْخَاصُّ بِكُلِّ لِسَانٍ) أَيْ لُغَةٍ عَرَفَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ فِي لُغَتِهِ نَظِيرُ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِلَفْظٍ لَا يُؤَدِّي مَعْنَى النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ الْخَاصِّ لِأَنَّ مَنْ عَدَلَ عَنْ اللَّفْظِ الْخَاصِّ بِذَلِكَ اللِّسَانِ إلَى غَيْرِهِ يُشْبِهُ مَنْ هُوَ عَرَبِيٌّ وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِهِمَا الْخَاصِّ.
(وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ لِلْمُتَزَوِّجِ: زَوَّجْتُكَ) مُوَلِّيَتِي (فُلَانَةَ بِفَتْحِ التَّاءِ) مِنْ زَوَّجْتُكَ (عَجْزًا) عَنْ ضَمِّهَا (أَوْ جَهْلًا بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّة صَحَّ) النِّكَاحُ وَ (لَا) يَصِحُّ إنْ كَانَ ذَلِكَ (مِنْ عَارِفٍ) بِالْعَرَبِيَّةِ
قَادِرٍ عَلَى إصْلَاحِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَأَفْتَى الْمُوَفَّقُ أَنَّهُ يَصِحُّ مُطْلَقًا وَتَوَقَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَاصِحُ الْإِسْلَامِ ابْنُ أَبِي الْفَهْمِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَطْلَقَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُنْتَهَى وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ الزَّوْجُ: قَبِلْتَ بِفَتْحِ التَّاءِ.
(وَإِنْ أَوْجَبَ) الْوَلِيُّ (النِّكَاحَ) وَنَحْوَهُ (ثُمَّ جُنَّ) قَبْلَ الْقَبُولِ (أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبُولِ بَطَلَ الْعَقْدُ) أَيْ الْإِيجَابُ بِذَلِكَ كَمَا يَبْطُلُ (بِمَوْتِهِ نَصًّا) لِأَنَّ الْإِيجَابَ قَبْلَ الْقَبُولِ غَيْرُ لَازِمٍ فَبَطَلَ بِزَوَالِ الْعَقْلِ كَالْعُقُودِ الْجَائِزَةِ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ وَ (لَا) تَبْطُلُ (إنْ) أَوْجَبَ ثُمَّ (نَامَ) وَحَصَلَ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يُبْطِلُ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ فَكَذَلِكَ هُنَا.
(وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ النِّكَاحِ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ كَقَوْلِهِ: إنْ وَضَعَتْ زَوْجَتِي جَارِيَةً فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا أَوْ زَوَّجْتُكَ مَا فِي بَطْنِهَا) أَيْ بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ (أَوْ) زَوَّجْتُك (مَنْ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَهُمَا) أَيْ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ (لَا يَعْلَمَانِ مَا فِيهَا) أَيْ الدَّارِ فَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ (بِخِلَافِ الشُّرُوطِ الْحَاضِرَةِ وَ) الشُّرُوطِ (الْمَاضِيَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: زَوَّجْتُك هَذَا الْمَوْلُودَ إنْ كَانَ أُنْثَى أَوْ زَوَّجْتُك ابْنَتِي إنْ كَانَتْ عِدَّتُهَا قَدْ انْقَضَتْ، أَوْ) زَوَّجْتُكَ بِنْتِي (إنْ كُنْتُ وَلِيُّهَا وَهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنِهَا أُنْثَى فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي أَوْ أَنَّهُ وَلِيُّهَا فِي الثَّالِثِ (فَإِنَّهُ يَصِحُّ) النِّكَاحُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ حَقِيقَةً إذْ الْمَاضِي وَالْحَاضِرُ لَا يَقْبَلُهُ (وَكَذَا تَعْلِيقُهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ) كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ قَبِلْتُ إنْ شَاءَ اللَّهُ (أَوْ قَالَ) الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي إنْ شِئْتَ فَقَالَ: قَدْ شِئْتُ وَقَبِلْتُ فَيَصِحُّ) النِّكَاحُ (قَالَهُ) زَيْنُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَجَبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(وَإِذَا وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ انْعَقَدَ النِّكَاحُ وَلَوْ مِنْ هَازِلٍ أَوْ مُلْجَأٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جَدٌّ وَجَدُّهُنَّ جَدٌّ الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا أَوْ أَطْلَقَ لَاعِبًا أَوْ عَتَقَ لَاعِبًا جَازَ» وَقَالَ عُمَرُ " أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إذَا تُكُلِّمَ بِهِنَّ: الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالنَّذْرُ ".
(وَكَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) مُوَضَّحًا (وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ كَقَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُ ابْنَتَكَ) فَيَقُولُ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَهَا (أَوْ زَوِّجْنِي ابْنَتَك) فَيَقُولُ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَهَا (لَمْ يَصِحَّ نَصًّا) لِأَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ، فَمَتَى وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا لِعَدَمِ مَعْنَاهُ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الطَّلَبِ لَمْ يَصِحَّ وَإِذَا تَقَدَّمَ كَانَ أَوْلَى كَصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ، لِأَنَّهُ لَا
يُشْتَرَطُ فِيهِ صِيغَةُ الْإِيجَابِ بَلْ يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ لَفْظٌ بَلْ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ إذَا أَتَى بِالْمَعْنَى، وَيُفَارِقُ الْخَلْعَ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ إذَا أَتَى بِنِيَّةِ الطَّلَاقِ.
(وَإِنْ تَرَاخَى) قَبُولٌ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِيجَابِ (صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا) وَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَبِدَلِيلِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ.
(وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْقَبُول بَعْدَ الْإِيجَابِ (بَطَلَ الْإِيجَاب) وَكَذَا إنْ تَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا لِأَنَّ ذَلِكَ إعْرَاضٌ عَنْهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَدَّهُ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَ لَفْظُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ) بِنْتِي مَثَلًا (فَقَالَ الْمُتَزَوِّجُ: قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ أَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ قَالَ الْوَلِيُّ: أَنْكَحْتُكَ بِنْتِي، فَقَالَ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْتُهَا وَنَحْوَهُ (صَحَّ) الْعَقْدُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ وَإِنْ اخْتَلَفَ فَالْمَعْنَى مُتَّحِدٌ (وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي النِّكَاحِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا وَلَا فِي مَعْنَاهُ وَالْعِوَضُ لَيْسَ رُكْنًا فِيهِ وَلَا مَقْصُودًا مِنْهُ.
[فَصْلٌ وَشُرُوطُهُ أَيْ النِّكَاحِ خَمْسَةٌ]
[الشَّرْط الْأَوَّل تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ]
فَصْلٌ وَشُرُوطُهُ أَيْ النِّكَاحُ خَمْسَةٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ (أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ) لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ تَعْيِين الْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي النِّكَاحِ التَّعْيِينُ فَلَمْ يَصِحُّ بِدُونِهِ (فَلَا يَصِحُّ) الْعَقْدُ إنْ قَالَ الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُك ابْنَتِي وَلَهُ بَنَاتٌ حَتَّى يُمَيِّزَهَا) عَنْ غَيْرِهَا (بِأَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا أَوْ يُسَمِّيَهَا) بِاسْمٍ يَخُصُّهَا (أَوْ يَصِفُهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا) بِأَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ لَا يُشْرِكُهَا فِيهَا غَيْرُهَا مِنْ أَخَوَاتِهَا (كَقَوْلِهِ) زَوَّجْتُكَ بِنْتِي (الْكُبْرَى أَوْ) بِنْتِي (الصُّغْرَى، أَوْ) بِنْتِي (الْوُسْطَى أَوْ) بِنْتِي (الْبَيْضَاء وَنَحْوه) كَالْحَمْرَاءِ أَوْ السَّوْدَاءِ (فَإِنْ سَمَّاهَا مَعَ ذَلِكَ) أَيْ مَعَ وَصْفِهَا الَّذِي تَتَمَيَّزُ بِهِ، كَأَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فُلَانَةَ الْكُبْرَى (كَانَ) ذَلِكَ (تَأْكِيدًا) لِأَنَّهُ مُقَوٍّ لِمَا دَلَّ الِاسْمُ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ) قَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَ (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (إلَّا) بِنْتٌ (وَاحِدَةٌ صَحَّ) الْعَقْدُ (وَلَوْ سَمَّاهَا) الْوَلِيُّ (بِغَيْرِ اسْمِهَا) لِأَنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ إنَّمَا جَاءَ مِنْ التَّعَدُّدِ وَلَا تَعَدُّدَ هُنَا (وَكَذَا لَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَأَشَارَ إلَيْهَا) بِأَنْ قَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ هَذِهِ وَأَشَارَ إلَى خَدِيجَةَ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى خَدِيجَةَ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَقْوَى.
(وَإِنْ سَمَّاهَا) الْوَلِيُّ (بِاسْمِهَا)
بِأَنْ قَالَ زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ وَلَمْ يَقُلْ بِنْتِي لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) سَمَّاهَا (بِغَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ اسْمِهَا (وَلَمْ يَقُلْ بِنْتِي لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ وَكَذَا لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَ الْكَبِيرَةَ أَوْ الطَّوِيلَةَ وَنَحْوَهُ لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ أَوْ هَذِهِ الصِّفَةَ يَشْتَرِكَانِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْفَوَاطِمِ أَوْ الطِّوَالِ.
(وَكَمَنْ لَهُ بَنَاتٌ فَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ فَقَالَ) الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَائِشَةَ فَقَبِلَ) الزَّوْجُ (وَنَوَيَا فِي الْبَاطِنِ فَاطِمَةَ) فَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُذْكَرْ بِمَا تَتَعَيَّنُ بِهِ فَإِنَّ اسْمَ أُخْتِهَا لَا يُمَيِّزُهَا بَلْ يَصْرِفُ الْعَقْدُ عَنْهَا وَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَلَفَّظَا بِمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَ عَائِشَةَ فَقَطْ، أَوْ مَا لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا إذَا لَمْ يُسَمِّهَا فَفِيمَا سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْلَى وَكَذَا إنْ قَصَدَ الْوَلِيّ وَاحِدَة وَالزَّوْج أُخْرَى.
(وَإِنْ سُمِّيَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ يُرِيدُ التَّزَوُّجَ (فِي الْعَقْدِ غَيْر مَنْ خَطَبَهَا فَقَبِلَ يَظُنّهَا الْمَخْطُوبَةَ لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ لِأَنَّ الْقَبُولَ انْصَرَفَ إلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ الْإِيجَابُ فِيهَا (وَلَوْ رَضِيَ) الزَّوْجُ (بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ) فَلَا يَنْقَلِبُ النِّكَاحُ صَحِيحًا فَإِنْ قَبِلَ غَيْرُ ظَانٍّ أَنَّهَا الْمَخْطُوبَةُ صَحَّ النِّكَاحُ.
(وَإِنْ كَانَ) الَّذِي سُمِّيَ لَهُ الْعَقْدُ غَيَّرَ مَخْطُوبَتَهُ وَقَبِلَ، يَظُنُّهَا إيَّاهَا (قَدْ أَصَابَهَا) أَيْ وَطِئَهَا (وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِالْحَالِ) أَيْ بِأَنَّهَا سُمِّيَتْ لَهُ فِي الْعَقْدِ بَعْدَ أَنْ خَطَبَ غَيْرَهَا (أَوْ) جَاهِلَةٌ بِ (التَّحْرِيمِ فَلَهَا الصَّدَاقُ) أَيْ مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ (يَرْجِعُ بِهِ) الْوَاطِئُ (عَلَى وَلِيِّهَا قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَتُجَهَّزُ إلَيْهِ) أَيْ اسْتِحْبَابًا (الَّتِي خَطَبَهَا بِالصَّدَاقِ الْأَوَّلِ يَعْنِي بِعَقْدٍ جَدِيدٍ) لَتَوَقَّفَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ (بَعْدَ انْقِضَاء عِدَّةِ الَّتِي أَصَابَهَا إنْ كَانَتْ) الْمَخْطُوبَةُ (مِمَّنْ يُحَرَّمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) بِأَنْ كَانَتْ أُخْتَ الْمُصَابَةِ أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا وَنَحْوَهُ لِمَا يَأْتِي فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْمُصَابَةُ.
(وَلَدَتْ مِنْهُ لَحِقَهُ الْوَلَدُ) لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ (وَإِنْ عَلِمَتْ) الْمُصَابَةُ (أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَتَهُ وَ) عَلِمَتْ (أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ وَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ لَا صَدَاقَ لَهَا) وَعَلَيْهَا الْحَدُّ، لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ وَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجَةِ يَأْتِي نَظِيرَهُ الزَّوْجُ، وَلَمْ يُنَبِّهُوا عَلَيْهِ لِوُضُوحِهِ.
[الشَّرْط الثَّانِي رِضَى الزَّوْجَيْنِ]
الشَّرْطُ (الثَّانِي رِضَاهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمَا فَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (أَوْ) لَمْ يَرْضَ (أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَهُمَا فَاعْتُبِرَ تَرَاضِيهِمَا بِهِ كَالْبَيْعِ.
(لَكِنْ لِلْأَبِ) خَاصَّةً (تَزْوِيجُ بَنِيهِ الصِّغَارِ) وَبَنِيهِ (الْمَجَانِينِ وَلَوْ) كَانَ بَنُوهُ الْمَجَانِينِ (بَالِغِينَ) لِأَنَّهُمْ لَا قَوْلَ لَهُمْ فَكَانَ لَهُ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهِمْ كَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَرَوَى الْأَثْرَمُ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ زَوَّجَ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَاخْتَصَمُوا
إلَى زَيْدٍ فَأَجَازَاهُ جَمِيعًا وَكَأَبِي الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَحَيْثُ زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَهُ لِصِغَرِهِ وَجُنُونِهِ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهُ (بِغَيْرِ أَمَةٍ) لِئَلَّا يُسْتَرَقَّ وَلَدُهُ (وَلَا مَعِيبَةٍ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ النِّكَاحُ) كَرَتْقَاءَ وَجَذْمَاءَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ وَيُزَوِّجُ الْأَبُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ (بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ كَرِهَا) لِأَنَّ لِلْأَبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا وَهَذَا مِثْلُهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ فَجَازَ لَهُ بَذْلُ الْمَالِ فِيهِ كَمُدَاوَاتِهِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَرْضَى أَنْ تَتَزَوَّجَ الْمَجْنُونَ، إلَّا أَنْ تُرَغَّبَ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا فَيَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَى النِّكَاحِ بِدُونِ ذَلِكَ (وَلَيْسَ لَهُمْ) أَيْ لِلْبَنِينَ الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ إنْ زَوَّجَهُمْ الْأَبُ (خِيَارٌ إذَا بَلَغُوا) وَعَقَلُوا كَمَا لَوْ بَاعَ مَا لَهُمْ وَنَحْوَهُ.
(وَ) لِلْأَبِ (تَزْوِيجُ بَنَاتِهِ الْأَبْكَارِ وَلَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَلَمَّا قَسَّمَ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ وَأَثْبَتَ الْحَقَّ لِأَحَدِهِمَا دَلَّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ الْآخَرِ وَهِيَ الْبِكْرُ فَيَكُونُ وَلِيُّهَا أَحَقَّ مِنْهَا بِهَا وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْمَارَ هُنَا وَالِاسْتِئْذَانَ فِي حَدِيثِهِمْ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ.
(وَ) لِلْأَبِ أَيْضًا تَزْوِيجُ (ثَيِّبٍ لَهَا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ) لِأَنَّهُ لَا إذْنَ لَهَا (بِغَيْرِ إذْنِهِمْ) أَيْ الْبَنِينَ الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبِنْتِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ الَّتِي لَهَا دُون تِسْعِ سِنِينَ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ تَزْوِيجُ مَنْ ذُكِرَ (لِلْجَدِّ) لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّهُ قَاصِرٌ عَنْ الْأَبِ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْإِجْبَارَ كَالْعَمِّ.
(وَيُسَنُّ اسْتِئْذَانُ بِكْرٍ بَالِغَةٍ هِيَ وَأُمُّهَا أَمَّا) هِيَ فَلِمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا اسْتِئْذَانُ أُمِّهَا فَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيَكُونُ اسْتِئْذَانُ الْوَلِيِّ لَهَا (بِنَفْسِهِ أَوْ بِنِسْوَةٍ ثِقَاتٍ يَنْظُرْنَ مَا فِي نَفْسِهَا) لِأَنَّهَا قَدْ تَسْتَحِي مِنْهُ (وَأُمُّهَا بِذَلِكَ أَوْلَى) لِأَنَّهَا تُظْهِرُ عَلَى أُمِّهَا مَا تُخْفِيهِ عَلَى غَيْرِهَا.
(وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ) فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهُ (بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ) لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا.
(وَ) لَهُ تَزْوِيجُهُ (بِأَكْثَرَ) مِنْ وَاحِدَةٍ (إنْ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً) نَقَلَهُ فِي الْإِنْصَافِ عَنْ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِ لَكِنْ ضَعَّفَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ قَالَ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ بَلْ مَفْسَدَةٌ وَصَوَّبَ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَقَالَ هُوَ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَلَا يُزَوِّجُهُ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ لِحَاجَةٍ، وَالْكِفَايَةُ تَحْصُلُ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ غَائِبَةً أَوْ صَغِيرَةً طِفْلَةً وَبِهِ حَاجَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ثَانِيَةً قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فِي الْوَصَايَا انْتَهَى وَعَلَى نَحْوِ ذَلِكَ يُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ رَزِينٍ
وَغَيْرِهِ فَلَا تَضْعِيفَ.
(وَحَيْثُ أُجْبِرَتْ) الْبِكْرُ (أَخَذَ بِتَعْيِينِ بِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ كُفُؤًا لَا بِتَعَيُّنِ الْمُجْبَرِ) مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِلرَّغْبَةِ فَلَا تُجْبَرُ عَلَى مَنْ لَا تَرْغَبُ فِيهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِجْبَارِ شُرُوطٌ: أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ كُفْءٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَبِ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَأَنْ يُزَوِّجَهَا بِنَقْدِ الْبَلَدِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ قُلْتُ وَفِيهِ شَيْءٌ (فَإِنْ امْتَنَعَ) الْمُجْبِرُ (مِنْ تَزْوِيجِ مَنْ عَيَّنَتْهُ) بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ (فَهُوَ عَاضِلٌ سَقَطَتْ وِلَايَتُهُ) وَيُفَسَّقُ بِهِ إنْ تَكَرَّرَ عَلَى مَا يَأْتِي.
(وَمَنْ يُخْنَقُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ) لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ إنْ كَانَ بَالِغًا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ فَلَمْ تَثْبُتْ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهِ لِغَيْرِهِ كَالْعَاقِلِ (أَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِبِرْسَامٍ أَوْ بِمَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ) كَالْعَاقِلِ فَإِنْ دَامَ بِهِ صَارَ كَالْمَجْنُونِ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّارِحِ.
(وَلَيْسَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنِهِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا وَكَانَ) النِّكَاحُ (أَصْلَحَ لَهُ) بِأَنْ يَكُون زَمِنًا أَوْ ضَعِيفًا يَحْتَاجُ إلَى امْرَأَةٍ تَخْدُمهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ تَزْوِيجُهُ (وَلَهُ) أَيْ الْأَبِ (قَبُولُ النِّكَاحِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ) وَلَوْ مُمَيِّزًا (وَ) لِابْنِهِ (الْمَجْنُونِ) لِمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا الْبَالِغُ الْمَعْتُوهُ.
وَفِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ مَعَ ظُهُورِ أَمَارَاتِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي إنَّمَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَاتُ الشَّهْوَةِ بِمَيْلِهِ إلَى النِّسَاءِ وَنَحْوِهِ.
(وَيَصِحُّ قَبُولُ مُمَيِّزٍ لِنِكَاحٍ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ نَصًّا) كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَ (لَا) يَصِحُّ قَبُولُ (طِفْلٍ دُونَ التَّمْيِيزِ) لِنِكَاحِهِ (وَلَا) قَبُولُ (مَجْنُونٍ) لِنِكَاحِهِ (وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا) لِأَنَّ قَوْلَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
(وَلِلسَّيِّدِ إجْبَارُ إمَائِهِ الْأَبْكَارِ وَالثَّيِّبِ) لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ مِنْهُنَّ وَلَا بَيْنَ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، لِأَنَّ مَنَافِعَهُنَّ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهِنَّ فَأَشْبَهَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ وَلِذَلِكَ مَلَكَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْعَبْدَ وَلِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا وَوَلَدِهَا وَتَسْقُطُ عَنْهُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مُبَاحَةً أَوْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ كَأُخْتِهِ مِنْ رَضَاعٍ (إلَّا مُكَاتَبَتَهُ) وَلَوْ صَغِيرَةً فَلَا يَجْبُرُهَا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ وَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا وَلَا يَمْلِكُ إجَارَتَهَا وَلَا أَخْذَ مَهْرِهَا (وَلَوْ كَانَ نِصْفُ الْأَمَةِ حُرًّا لَمْ يَمْلِك مَالِكُ الرِّقِّ إجْبَارَهَا) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْعَهَا (وَيُعْتَبَرُ إذْنُهَا) لِمَا فِيهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ.
(وَ) يُعْتَبَرُ (إذْنُ مَالِكِ الْبَقِيَّةِ كَأَمَةٍ لِاثْنَيْنِ)
وَكَذَا يُعْتَبَرُ إذْنُ الْمُعْتِقِ لِأَنَّ لَهُ وَلَاءُ مَا أَعْتَقَ مِنْهُمَا فَهُوَ وَلِيُّهُ (وَيَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْمُعْتِقِ وَمَالِكِ الْبَقِيَّةِ (زَوَّجْتُكَهَا وَلَا يَقُولُ زَوَّجْتُكَ بَعْضَهَا) لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَقْبَلُ التَّشْقِيصَ وَالتَّجَزُّؤَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَهَلْ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ زَمَنِ الْإِيجَابِ مِنْهُمَا أَوْ يَجُوزُ تَرَتُّبُهُمَا؟ فِيهِ نَظَرٌ قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ قُلْتُ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَرَتُّبُهُمَا فِيهِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا وَفِي اعْتِبَارِ اتِّحَادِهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ.
(وَيَمْلِكُ) السَّيِّدُ (إجْبَارَ عَبْدِهِ الصَّغِيرِ وَلَوْ) كَانَ الْعَبْدُ (مَجْنُونًا) فَيُجْبِرُهُ وَلَوْ كَانَ بَالِغًا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا مَلَكَ تَزْوِيجَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ فَعَبْدُهُ الذِّمِّيُّ كَذَلِكَ مَعَ مِلْكِهِ، وَتَمَامِ وَلَا يَتِهْ عَلَيْهِ أَوْلَى و (لَا) يَمْلِكُ إجْبَارَ (عَبْدِهِ الْكَبِيرِ الْعَاقِلِ) لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْحُرِّ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ خَالِصُ حَقِّهِ وَنَفْعِهِ لَهُ فَلَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ، وَالْأَمْرُ بِإِنْكَاحِهِ مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ طَلَبَةِ بِدَلِيلِ عَطْفِهِ عَلَى الْأَيَامَى وَإِنَّمَا يُزَوَّجْنَ عِنْدَ الطَّلَبِ.
(وَلَا يَجُوزُ لِسَائِرِ) أَيْ بَاقِي (الْأَوْلِيَاءِ) بَعْدَ الْأَبِ (تَزْوِيجُ حُرَّةٍ كَبِيرَةٍ) بَالِغَةٍ ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا (إلَّا بِإِذْنِهَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ أَنْ تَسْكُتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إلَّا الْمَجْنُونَةَ فَلَهُمْ) أَيْ لِسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ (تَزْوِيجُهَا) أَيْ الْمَجْنُونَةِ (إذَا ظَهَرَ مِنْهَا الْمَيْلُ إلَى الرِّجَالِ) لِأَنَّ لَهَا حَاجَةً إلَى النِّكَاحِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنْهَا وَصِيَانَتِهَا عَنْ الْفُجُورِ وَتَحْصِيلِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالْعَفَافِ وَصِيَانَةِ الْعِرْضِ وَلَا سَبِيلَ إلَى إذْنِهَا فَأُبِيحَ تَزْوِيجُهَا كَالْبِنْتِ مَعَ أَبِيهَا (وَيُعْرَفُ ذَلِكَ) أَيْ مَيْلُهَا إلَى الرِّجَالِ مِنْ (كَلَامِهَا وَتَتَبُّعِهَا الرِّجَالَ وَمَيْلِهَا إلَيْهِمْ وَنَحْوِهِ) مِنْ قَرَائِن الْأَحْوَالِ (وَكَذَا إنْ قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ ثِقَةٌ مِنْهُمْ أَنْ تَعَذَّرَ غَيْرُهُ وَإِلَّا فَاثْنَانِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ (أَنَّ عِلَّتَهَا تَزُولُ بِتَزْوِيجِهَا) فَلِكُلِّ وَلِيٍّ تَزْوِيجُهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحهَا كَالْمُدَاوَاةِ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا) أَيْ الْمَجْنُونَةِ ذَاتِ الشَّهْوَةِ وَنَحْوِهَا (وَلِيٌّ إلَّا الْحَاكِمَ زَوَّجَهَا) لِمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ احْتَاجَ الصَّغِيرُ الْعَاقِلُ أَوْ) احْتَاجَ (الْمَجْنُونُ الْمُطْبَقُ الْبَالِغ إلَى النِّكَاحِ) أَيْ الْوَطْءِ أَوْ (لِحَاجَةٍ غَيْرِهِ) كَخِدْمَةٍ (زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ بَعْدَ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ) أَيْ مَعَ عَدَمِهِمَا لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي مَصَالِحِهِمَا إذَنْ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَنْ يُخْنَقُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ (وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ) أَيْ تَزْوِيجَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (بَقِيَّةُ الْأَوْلِيَاءِ) وَهُمْ مَنْ عَدَا الْأَبِ وَوَصِيِّهِ وَالْحَاكِمِ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ فِي مَالِهِمَا وَمَصَالِحِهِمَا
الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ (وَإِنْ لَمْ يَحْتَاجَا) أَيْ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى النِّكَاحِ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْحَاكِمِ (تَزْوِيجُهُمَا) لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهِمَا بِلَا مَنْفَعَةٍ.
(وَلَيْسَ لِسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ) أَيْ مَنْ عَدَا الْأَبِ وَوَصِيِّهِ الَّذِي نَصَّ لَهُ عَلَيْهِ (تَزْوِيجُ صَغِيرَةٍ لَهَا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ بِحَالٍ) أَيْ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَرُفِعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّهَا يَتِيمَةٌ وَلَا تُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِهَا» وَالصَّغِيرَةُ لَا إذْنَ لَهَا بِحَالٍ (وَلَا لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجُهَا) أَيْ بِنْتٍ دُونَ تِسْعِ سِنِينَ كَغَيْرِهِ (خِلَافًا لِمَا فِي الْفُرُوعِ) قَالَ وَعَنْهُ: لَهُمْ تَزْوِيجُهَا كَالْحَاكِمِ (فَإِنَّهُ) أَيْ صَاحِبُ الْفُرُوعِ (لَمْ يُوَافَقْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجَ الصَّغِيرَةِ وَإِنْ مَنَعْنَا غَيْرَهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مُوَافِقًا عَلَى ذَلِكَ، بَلْ صَرَّحَ فِي الْمُسْتَوْعَبِ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَمَعَ ذَلِكَ لَهُ وَجْهٌ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَصَالِحِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مُوَافِقٍ وَلَعَلَّهُ كَالْأَبِ فَسَبَقَ الْعِلْمُ وَكَذَا قَالَ شَيْخُنَا وَابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَذَكَرَ شَيْخُنَا أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ (وَلَهُمْ) أَيْ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ (تَزْوِيجُ بِنْتِ تِسْعِ) سِنِينَ (فَأَكْثَرَ بِإِذْنِهَا وَلَهَا إذْنٌ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ نَصًّا) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدِهِ إلَى عَائِشَةَ «إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ» وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمَعْنَاهُ: فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ وَلِأَنَّهَا تَصْلُحُ بِذَلِكَ لِلنِّكَاحِ وَتَحْتَاجُ إلَيْهِ أَشْبَهَتْ الْبَالِغَةَ.
(وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ رِضَاهَا صَمْتُهَا» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَابْنُ مَاجَهْ (وَهِيَ) أَيْ الثَّيِّبُ (مَنْ وُطِئَتْ فِي الْقُبُلِ) لَا فِي الدُّبُرِ (بِآلَةِ الرِّجَالِ) لَا بِآلَةٍ غَيْرِهَا (وَلَوْ) كَانَتْ وُطِئَتْ (بِزِنًا) لِأَنَّهُ لَوْ وُصِّيَ لِلثَّيِّبِ دَخَلَتْ فِي الْوَصِيَّةِ وَلَوْ وُصِّيَ لِلْأَبْكَارِ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِنَّ (وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِالثُّيُوبَةِ) بِأَنْ وَطِئَتْ فِي الْقُبُلِ بِآلَةِ رَجُلٍ (وَعَادَتْ الْبَكَارَةُ لَمْ يَزُلْ حُكْمُ الثُّيُوبَةِ) لِأَنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي اقْتَضَتْ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبِكْرِ مُبَاضَعَةُ الرِّجَالِ وَمُخَالَطَتُهُمْ، وَهَذَا مَوْجُودٌ مَعَ عَوْدِ الْبَكَارَةِ.
(وَإِذْنُ الْبِكْرِ الصُّمَاتُ وَلَوْ زَوَّجَهَا غَيْرُ الْأَبِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا وَإِنْ أَبَتْ لَمْ تُكْرَهْ» .
وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي قَالَ رِضَاهَا صُمَاتُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ) فَذَلِكَ (كَسُكُوتِهَا) لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ، فَإِنْ بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» وَلِأَنَّهَا غَيْرُ نَاطِقَةٍ بِالِامْتِنَاعِ مَعَ سَمَاعِهَا لِلِاسْتِئْذَانِ فَكَانَ ذَلِكَ إذْنًا مِنْهَا (وَنُطْقُهَا) أَيْ الْبِكْرُ (أَبْلَغُ) مِنْ سُكُوتِهَا وَضَحِكِهَا وَبُكَائِهَا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْإِذْنِ.
وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِالصُّمَاتِ مِنْ الْبِكْرِ لِلِاسْتِحْيَاءِ (فَإِنْ أَذِنَتْ) الْبِكْرُ نُطْقًا (فَلَا كَلَامَ وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ) الْبِكْرُ نُطْقًا (اسْتَحَبَّ أَنْ لَا يُجْبِرَهَا) عَلَى النُّطْقِ وَاكْتَفَى بِسُكُوتِهَا إنْ لَمْ تُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ فَلَا يُجْبِرُهَا غَيْرُ الْأَبِ وَوَصِيِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَزَوَالُ الْبَكَارَةِ بِأُصْبُعٍ أَوْ وَثْبَةٍ أَوْ شِدَّةِ حَيْضَةٍ وَنَحْوِهِ) كَسُقُوطٍ مِنْ شَاهِقٍ (لَا يُغَيِّرُ صِفَةَ الْإِذْنِ) فَلَهَا حُكْمُ الْبِكْرِ فِي الْإِذْنِ لِأَنَّهَا لَمْ تُخْبَرْ الْمَقْصُودَ وَلَا وُجِدَ وَطْؤُهَا فِي الْقُبُلِ فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ تَزُلْ عُذْرَتُهَا (وَكَذَا وَطْءُ دُبُرٍ) وَمُبَاشَرَةٍ دُونَ الْفَرْجِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ فِي الْقُبُلِ (وَيُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِئْذَانِ تَسْمِيَةُ الزَّوْجِ عَلَى وَجْهٍ تَقَعُ مَعْرِفَتُهَا) أَيْ الْمَرْأَةُ (بِهِ) أَيْ الزَّوْجِ بِأَنْ يَذْكُرَ لَهَا نَسَبَهُ وَمَنْصِبَهُ وَنَحْوَهُ، لِتَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي إذْنِهَا فِي تَزْوِيجِهِ لَهَا.
(وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي اسْتِئْذَانٍ (تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ رُكْنًا فِي النِّكَاحِ وَلَا مَقْصُودًا مِنْهُ.
قُلْتُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا اقْتِرَانُهُ بِالْعَقْدِ فَتَقَدُّمُ الْخِطْبَةِ وَالْإِهْدَاءِ وَنَحْوِهِ إذَا اُسْتُؤْذِنَتْ مَعَ سُكُوتِهَا وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا دَلِيلُ إذْنِهَا (وَلَا) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (الشَّهَادَةُ بِخُلُوِّهَا عَنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَلَا) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (الْإِشْهَادُ عَلَى إذْنِهَا) لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلَوْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَالِاحْتِيَاطُ الْإِشْهَادُ) عَلَى خُلُوِّهَا مِنْ الْمَوَانِعِ وَعَلَى إذْنِهَا لِوَلِيِّهَا إنْ اُعْتُبِرَ احْتِيَاطًا.
(وَإِنْ ادَّعَى زَوْجٌ إذْنَهَا) فِي التَّزْوِيجِ لِلْوَلِيِّ (وَأَنْكَرَتْ) الْإِذْنَ لَهُ (صُدِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَ (لَا) تُصَدَّقُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ، لِأَنَّ تَمْكِينَهَا مِنْ نَفْسِهَا دَلِيلُ إذْنِهَا فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهَا عَدَمَ الْإِذْنِ بَعْدُ لِمُخَالَفَتِهَا الظَّاهِرَ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ) مَنْ مَاتَ الْعَاقِدُ عَلَيْهَا (الْإِذْنَ) لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا لَهُ (فَأَنْكَرَتْ) وَرَثَتُهُ أَنْ تَكُونَ أَذِنَتْ (صُدِّقَتْ) لِأَنَّهَا تَدَّعِي صِحَّةَ الْعَقْدِ وَهُمْ يَدَّعُونَ فَسَادَهُ فَقُدِّمَ قَوْلُهَا عَلَيْهِمْ لِمُوَافَقَتِهِ الظَّاهِرُ فِي الْعُقُودِ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ فَيَتَقَرَّرُ الصَّدَاقُ وَتَرِثُ مِنْهُ.
(وَمَنْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ فَجَحَدَتْهُ) فَقَوْلُهَا: لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي (ثُمَّ) إنْ (أَقَرَّتْ لَهُ) بَعْدَ جُحُودِهَا (لَمْ تَحِلَّ لَهُ) بِنَفْسِ الْإِقْرَارِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةٌ لَهُ سَوَاءٌ صَالَحَهَا عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ أَوْ لَا لِأَنَّهُ صُلْحٌ أَحَلَّ
حَرَامًا (إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ) مَعَ خُلُوِّهَا عَنْ الْمَوَانِعِ وَبَاقِي شُرُوطِهِ وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ فِي الْبَاطِنِ فَإِنْكَارُهَا لَا أَثَرَ لَهُ وَتَحِلُّ لَهُ وَيَحْصُلُ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا كَمَا ذَكَرَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي مَوَاضِعَ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا وَتَأْتِي بَقِيَّتُهَا (فَإِنْ أَقَرَّ الْوَلِيُّ عَلَيْهَا) بِالنِّكَاحِ بِأَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَوَّجَهَا مِنْ الْمُدَّعِي وَأَنْكَرَتْ (وَكَانَ الْوَلِيُّ مِمَّنْ يَمْلِكُ إجْبَارَهَا) كَأَبِي الْبِكْرِ وَوَصِيُّهُ فِي النِّكَاحِ (صَحَّ إقْرَارُهُ) لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ إنْشَاءَ عَقْدٍ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ الْوَلِيُّ مُجْبِرًا كَالْجَدِّ وَالْعَمِّ وَالْأَخِ (فَلَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْر مَا لَمْ تَقِرَّ بِالْإِذْنِ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْوَلِيُّ]
(فَصْلٌ) الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: الْوَلِيُّ فَلَا يَصِحُّ نِكَاحٌ إلَّا بِوَلِيٍّ) لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ.
وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ وَيَحْيَى عَنْ حَدِيثِ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» فَقَالَا: صَحِيحٌ وَهُوَ لِنَفْيِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِدَلِيلِ مَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ لَا يُقَالُ:
يُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْ لَا نِكَاحَ شَرْعِيٌّ أَوْ مَوْجُودٌ فِي الشَّرْعِ إلَّا بِوَلِيٍّ وَلَا يُقَالُ: لِلثَّانِي أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ مَعَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ نِكَاحِهَا لِنَفْسِهَا لِأَنَّهُ إضَافَةٌ إلَيْهِنَّ وَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهَا فَصَحَّ مِنْهَا كَبَيْعِ أَمَتِهَا لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إنَّمَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَالنَّهْيُ عَنْ الْعَضْلِ عَمَّ الْأَوْلِيَاءَ وَنَهْيُهُمْ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ إذْ الْعَضْلُ
لُغَةً الْمَنْعُ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعَضْلِ الْحِسِّيِّ وَالشَّرْعِيِّ ثُمَّ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ حِين امْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِ أُخْتِهِ فَدَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزَوَّجَهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِمَعْقِلٍ وِلَايَةٌ وَأَنَّ الْحُكْمَ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ لَمَا عُوتِبَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْإِضَافَةُ إلَيْهِنَّ فَلِأَنَّهُنَّ مَحَلٌّ لَهُ (فَلَوْ زَوَّجَتْ) امْرَأَةٌ (نَفْسَهَا أَوْ) زَوَّجَتْ (غَيْرَهَا) كَأَمَتِهَا وَبِنْتِهَا وَأُخْتِهَا وَنَحْوِهَا (أَوْ وَكَّلَتْ) امْرَأَةٌ (غَيْرَ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهَا فِيهِنَّ) أَيْ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ (لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْمُونَةٍ عَلَى الْبُضْعِ لِنَقْصِ عَقْلِهَا وَسُرْعَةِ انْخِدَاعِهَا فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيضُهُ إلَيْهَا كَالْمُبَذِّرِ فِي الْمَالِ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ تُوَكِّلَ فِيهِ، وَلَا أَنْ تَتَوَكَّلَ فِيهِ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ (فَإِنْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ حَاكِمٌ) لَمْ يُنْقَضْ (أَوْ كَانَ الْمُتَوَلِّي الْعَقْدَ حَاكِمًا) يَرَاهُ (لَمْ يُنْقَضْ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ) إذَا حَكَمَ بِهَا مَنْ يَرَاهَا لَمْ يُنْقَضْ لِأَنَّهُ يُسَوَّغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ بِهَا (كَمَا لَوْ حَكَمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ) وَنَحْوِهِ مِمَّا لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغٌ وَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةُ قَاطِعٍ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْقَضَاءِ وَهَذَا النَّصُّ مُتَأَوَّلٌ وَفِي صِحَّتِهِ كَلَامٌ وَقَدْ عَارَضَهُ ظَوَاهِرُ.
(وَيُزَوِّجُ أَمَتَهَا بِإِذْنِهَا) أَيْ الْمَالِكَةِ (بِشَرْطِ نُطْقِهَا) أَيْ الْمَالِكَةِ (بِهِ) أَيْ بِالْإِذْنِ (مَنْ يُزَوِّجهَا) أَيْ الْمَالِكَةَ مِنْ أَبٍ وَجَدٍّ وَأَخٍ وَعَمٍّ وَنَحْوِهِمْ لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ كَوْنُ الْوِلَايَةِ لِلْمَالِكَةِ فَامْتَنَعَتْ فِي حَقِّهَا لِقُصُورِهَا فَتَثْبُتُ لِأَوْلِيَائِهَا كَوِلَايَةِ نَفْسِهَا وَلِأَنَّهُمْ يَلُونَهَا لَوْ عَتَقَتْ فَفِي حَالِ رِقِّهَا أَوْلَى.
(وَلَوْ) كَانَتْ الْمَالِكَةُ (بِكْرًا) فَلَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِالْإِذْنِ لِأَنَّ صُمَاتَهَا إنَّمَا اكْتَفَى بِهِ فِي تَزْوِيجِهَا نَفْسِهَا لِحَيَائِهَا وَلَا تَسْتَحْيِي فِي تَزْوِيجِ أَمَتِهَا (إنْ كَانَتْ) الْمَالِكَةُ (غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا) لِحَظِّ نَفْسِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ (فَيُزَوِّجُ أَمَتَهَا وَلِيُّهَا فِي مَالِهَا) مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ حَاكِمٍ أَوْ قِيمَةٍ فَقَطْ (إنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَزْوِيجِهَا) لِأَنَّ التَّزْوِيجَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ وَالْأَمَةُ مَالٌ، وَلَا إذْنَ لِلْمَالِكَةِ إذَنْ.
(وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَمَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ) أَوْ الْمَجْنُونِ أَوْ السَّفِيهِ فَيُزَوِّجُهَا أَبُوهُ لِمَصْلَحَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ فَوَصِيُّهُ ثُمَّ الْحَاكِمُ ثُمَّ قَيِّمُهُ (وَيُجْبِرُهَا مَنْ يُجْبِرُ سَيِّدَتَهَا) إنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْأَمَةِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ فَلَا مَفْهُوم لَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُزَوِّجُ الْأَمَةَ بِلَا إذْنِهَا وَلِيٌّ لِسَيِّدَتِهَا بِإِذْنِ سَيِّدَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ إنْ لَمْ تَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا وَإِلَّا زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا فِي مَالِهَا وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ يُجْبِرُ الْعَتِيقَةَ مَنْ يُجْبِرُ مَوْلَاتَهَا كَمَا فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا الْمُعْتَقَةِ يُجْبِرُ عَتِيقَةَ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ:
وَهُوَ بَعِيدٌ وَقَالَ عَنْ عَدَمِ الْإِجْبَارِ إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَقْطُوعُ بِهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الْكَبِيرَةِ يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْعَتِيقَةُ كَبِيرَةً لَا إجْبَارَ بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ يَتِمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَى التَّمْثِيلِ بِهَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
(وَيُزَوِّجُ مُعْتَقَتَهَا) أَيْ عَتِيقَةَ الْمَرْأَةِ (عَصَبَةُ الْمُعْتَقَةِ) بِفَتْحِ التَّاءِ بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ (مِنْ النَّسَبِ) كَأَبِيهَا وَابْنِهَا وَأَخِيهَا وَنَحْوِهِمْ لِأَنَّ عَصَبَةَ النَّسَبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى عَصَبَةِ الْوَلَاءِ (فَإِنْ عُدِمَ) عَصَبَتُهَا مِنْ النَّسَبِ (فَأَقْرَبُ وَلِيٍّ لِسَيِّدَتِهَا الْمُعْتِقَةِ) يُزَوِّجُ الْعَتِيقَةَ (بِإِذْنِهَا) أَيْ الْعَتِيقَةِ لِأَنَّهُمْ عَصَبَاتٌ يَرِثُونَ وَيَعْقِلُونَ فَكَذَلِكَ يُزَوِّجُونَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا الْإِجْبَارُ وَصَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ قَالَ: وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إجْبَارٍ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ الْعَصَبَاتِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (فَإِنْ اجْتَمَعَ ابْنُ الْمُعْتِقَةِ وَأَبُوهَا فَالِابْنُ أَوْلَى) بِتَزْوِيجِ عَتِيقَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ، وَالْأَبُ إنَّمَا قُدِّمَ فِي نِكَاحِ ابْنَتِهِ لِزِيَادَةِ شَفَقَتِهِ (وَلَا إذْنَ) يُعْتَبَرُ (لِسَيِّدَتِهَا) أَيْ الْمُعْتِقَةِ فِي تَزْوِيجِهَا لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهَا وَلَا مِلْكَ.
(وَأَحَقُّ النَّاسِ) الَّذِينَ لَهُمْ وِلَايَةُ النِّكَاحِ (بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا) ، لِأَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: 90] .
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: 39] ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَإِثْبَاتُ وِلَايَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ وَلِأَنَّ الْأَبَ أَكْمَلُ شَفَقَةً وَأَتَمُّ نَظَرًا بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا مِنْ مَالِهِ وَلَهُ مِنْ مَالِهَا، (ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلَا) لِأَنَّ الْجَدَّ لَهُ إيلَادٌ وَتَعْصِيبٌ أَشْبَهَ الْأَبَ (وَأَوْلَى الْأَجْدَادِ أَقْرَبُهُمْ) كَالْمِيرَاثِ، (ثُمَّ ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ) بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمِيرَاثِ وَلِلِابْنِ وِلَايَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ إلَيْهَا فَقَالَتْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدًا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهَا وَلِيًّا شَاهِدًا أَيْ حَاضِرًا.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّ ابْنَهَا عُمَرَ لَا وِلَايَةَ لَهُ لِصِغَرِهِ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَانَ عُمْرُهُ حِينَ وَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعَ سِنِينَ، وَإِنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ اثْنَيْنِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ عُمْرُهُ حِينَ التَّزْوِيجِ سَنَتَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ حِينَ زُوِّجَ
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّهُ أُمَّ سَلَمَةَ أَلَيْسَ كَانَ صَغِيرًا؟ قَالَ: وَمَنْ يَقُولُ كَانَ صَغِيرًا؟ أَلَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ (ثُمَّ أَخُوهَا) لِأَبَوَيْهَا كَالْمِيرَاثِ (ثُمَّ) أَخُوهَا (لِأَبِيهَا) كَالْإِرْثِ (ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ) ، فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ عَلَى ابْنِ الْأَخِ لِأَبٍ كَالْمِيرَاثِ ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ (وَإِنْ نَزَلُوا) كَالْإِرْثِ، (ثُمَّ الْعَمُّ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ) الْعَمُّ (لِأَبٍ ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ وَإِنْ نَزَلُوا) الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، (ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ) لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مَبْنَاهَا عَلَى النَّظَرِ وَالشَّفَقَةِ، وَمَظِنَّةُ ذَلِكَ الْقَرَابَةُ وَالْأَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ هُوَ الْأَقْرَبُ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِالْوِلَايَةِ.
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوِلَايَةَ فِي النِّكَاحِ لَا تَثْبُتُ إلَّا لِمَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ، عَلَى هَذَا لَا يَلِي بَنُو أَبٍ أَعْلَى مَعَ بَنِي أَبٍ أَقْرَبَ مِنْهُ وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ وَأَوْلَى وَلَدِ كُلِّ أَبٍ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (فَإِذَا كَانَ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ، فَكَأَخٌ لِأَبَوَيْنِ وَأَخٌ لِأَبٍ) ، أَيْ فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي وَالشَّارِحِ وَطَائِفَةٍ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: هُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي التَّعْصِيب وَالْإِرْثِ بِهِ، وَجِهَةُ الْأُمِّ يُورَثُ بِهَا مُنْفَرِدَةً فَلَا تَرْجِيحَ بِهَا فَعَلَى هَذَا لَوْ اجْتَمَعَ ابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ وَابْنُ عَمٍّ لِأَبٍ هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ فَالْوِلَايَةُ لِابْنِ الْعَمِّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ (ثُمَّ الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ) بِالْعِتْقِ لِأَنَّهُ يَرِثُهَا وَيَعْقِلُ عَنْهَا عِنْدَ عَدَمِ عَصَبَتِهَا مِنْ النَّسَبِ فَكَانَ لَهُ تَزْوِيجُهَا (ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهِ) فَأَقْرَبُهُمْ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، ثُمَّ مَوْلَى الْمَوْلَى ثُمَّ عَصَبَاتُهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ مَوْلَى مَوْلَى الْمَوْلَى ثُمَّ عَصَبَاتُهُ كَذَلِكَ (وَيُقَدَّمُ هُنَا ابْنَهُ وَإِنْ نَزَلَ عَلَى أَبِيهِ) لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ وَأَقْوَى فِي التَّعْصِيبِ.
وَإِنَّمَا قَدَّمَ أَبَ النَّسَبِ بِزِيَادَةِ شَفَقَتِهِ وَفَضِيلَةِ وِلَادَتِهِ وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي أَبِ الْمُعْتِقِ فَرَجَعَ فِيهِ إلَى الْأَصْلِ (ثُمَّ السُّلْطَانُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا» (وَهُوَ) أَيْ السُّلْطَانُ (الْإِمَامُ) الْأَعْظَمُ (أَوْ) نَائِبُهُ (الْحَاكِمُ وَمَنْ فَوَّضَا إلَيْهِ) الْأَنْكِحَةَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأَمِيرَ لَا يُزَوِّجُ وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، الْقَاضِي يَقْضِي فِي التَّزَوُّجِ وَالْحُقُوقِ وَالرَّجْمِ وَصَاحِبُ الشُّرَط إنَّمَا هُوَ مُسَلَّطٌ فِي الْأَدَبِ وَالْجِنَايَةِ، وَلَيْسَ إلَيْهِ الْمَوَارِيثُ وَالْوَصَايَا وَالْفُرُوجُ وَالرَّجْمُ وَالْحُدُودُ، وَهُوَ إلَى الْقَاضِي أَوْ إلَى الْخَلِيفَةِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ: فِي الرُّسْتَاقِ يَكُونُ فِيهِ الْمَوْلَى وَلَيْسَ فِيهِ قَاضٍ يُزَوَّجُ إذَا احْتَاطَ لَهَا فِي الْمَهْرِ، وَالْكُفْءُ أَجْوَزُ أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَظْهَرُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّرْحِ
وَهُوَ مَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي (وَلَوْ) كَانَ الْإِمَامُ أَوْ الْحَاكِمُ مِنْ بُغَاةٍ إذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى بَلَدٍ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ سُلْطَانِهِمْ وَقَاضِيهِمْ، مَجْرَى حُكْمِ الْإِمَامِ وَقَاضِيهِ.
وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ خُلُوَّهَا مِنْ الْمَوَانِعِ، وَأَنَّهَا لَا وَلِيَّ لَهَا زُوِّجَتْ، وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ (وَمَنْ حَكَّمَهُ الزَّوْجَانِ) بَيْنَهُمَا (وَهُوَ صَالِحٌ لِلْحُكْمِ كَحَاكِمٍ) مُوَلَّى مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لِمَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ.
(وَلَا وِلَايَةَ لِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ) النَّسَبِيَّةِ وَالسَّبَبِيَّةِ مِنْ (الْأَقَارِبِ كَالْأَخِ مِنْ الْأُمِّ وَالْخَالِ وَعَمِّ الْأُمِّ وَأَبِيهَا وَنَحْوِهِمْ) ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحَقَائِقِ فَمَا لِعَصَبَةٍ أَوْلَى، يَعْنِي إذَا أَدْرَكَنِي " رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ وَلِأَنَّ مَنْ لَيْسَ يَعْصِبُهَا شَبِيهٌ بِالْأَجْنَبِيِّ مِنْهَا وَفِي نُسْخَةٍ: لِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْحِلُّ أَوْلَى وَقَوْلُهُ: " مِنْ الْأَقَارِبِ ": صِفَةٌ لِغَيْرِ الْعَصَبَات أَوْ حَالٌ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَفْهُومُهُ لَيْسَ مُرَادًا بَلْ عَصَبَةُ الْوَلَاءِ أَيْضًا لَهَا الْوِلَايَةُ لَكِنَّهَا الْمُؤَخَّرَةُ عَنْ عَصَبَةِ النَّسَبِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا) وِلَايَةَ (لِمَنْ أَسْلَمَتْ) الْمَرْأَةُ (عَلَى يَدَيْهِ) وَلَا لِمُلْتَقِطٍ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ وَلَا وَلَاءَ لِحَدِيثِ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» .
(فَإِنْ عُدِمَ الْوَلِيُّ مُطْلَقًا) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ (أَوْ عَضَلُ) وَلِيُّهَا وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ (زَوَّجَهَا ذُو سُلْطَانٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، كَوَالِي الْبَلَدِ أَوْ كَبِيرِهِ أَوْ أَمِيرِ الْقَافِلَةِ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ لَهُ سَلْطَنَةً، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) ذُو سُلْطَانٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ (زَوَّجَهَا عَدْلٌ بِإِذْنِهَا قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي دِهْقَانِ قَرْيَةٍ) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَتُضَمُّ وَدَهْقَنَ الرَّجُلُ وَتَدَهْقَنَ كَثُرَ مَالُهُ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ أَيْ (رَئِيسُهَا يُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا إذَا احْتَاطَ لَهَا فِي الْكُفُؤِ وَالْمَهْرِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّسْتَاقِ قَاضٍ) لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْوِلَايَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَمْنَعُ النِّكَاحَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَجُزْ، كَاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْوَلِيِّ عَصَبَةً فِي حَقِّ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهَا.
(وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ وَأَبَى التَّزْوِيجَ إلَّا بِظُلْمٍ كَطَلَبِهِ جُعْلًا لَا يَسْتَحِقُّهُ) ، إمَّا لَأَنْ يَكُونَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ أَوْ طَلَبَ زِيَادَةً عَلَى جُعْلٍ مِثْلِهِ (صَارَ وُجُودُهُ) أَيْ الْحَاكِمِ (كَعَدَمِهِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ.
(وَوَلِيُّ أَمَةٍ وَلَوْ) كَانَتْ (آبِقَةَ سَيِّدُهَا) الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِهَا وَكَانَ إلَيْهِ كَالْإِجَارَةِ (وَلَوْ) كَانَ سَيِّدُهَا (فَاسِقًا أَوْ مُكَاتَبًا) لِأَنَّ تَزْوِيجَهُ إيَّاهَا تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ فَصَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ كَبَيْعِهِ لَكِنْ لَا يُزَوِّجُهَا الْمُكَاتَبُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكِتَابَةِ (فَإِنْ كَانَ لَهَا سَيِّدَانِ اشْتَرَكَا فِي الْوِلَايَةِ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِقْلَالُ بِهَا) أَيْ بِالْوِلَايَةِ عَلَيْهَا (بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ) كَمَا لَا يَبِيعُهَا وَلَا يُؤَجِّرُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَا يَتَأَتَّى تَزْوِيجُ نَصِيبِهِ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَقَصُ (فَإِنْ اشْتَجَرَا) أَيْ سَيِّدَا الْأَمَةِ فِي تَزْوِيجِهَا (لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةٌ) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِمُكَلَّفٍ رَشِيدٍ حَاضِرٍ، وَلَا وِلَايَةَ
عَلَيْهِ لِأَحَدٍ (فَإِنْ أَعْتَقَاهَا) مَعًا أَوْ أَخَّرَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، الْأَوَّلُ مُعْسِرٌ (وَلَيْسَ لَهَا عَصَبَةٌ) مِنْ النَّسَبِ (فَهُمَا وَلِيَّاهَا) يُزَوِّجَانِهَا بِإِذْنِهَا وَلَوْ تَفَاوَتَا فِي الْعَقْدِ، (فَإِنْ اشْتَجَرَا أَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا) لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً وَصَارَ نِكَاحُهَا حَقًّا لَهَا، وَلَا يَسْتَقِلُّ الْآخَرُ بِهِ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ سَبَبُهَا الْعِتْقُ وَهُوَ إنَّمَا أَعْتَقَ بَعْضَهَا، (وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ) كَانَتْ (الْمُعْتِقَةُ وَاحِدًا وَلَهُ عَصَبَتَانِ كَالِابْنَيْنِ وَالْأَخَوَيْنِ فَلِأَحَدِهِمَا الِاسْتِقْلَالُ بِتَزْوِيجِهَا) بِإِذْنِهَا، كَالِابْنَيْنِ وَالْأَخَوَيْنِ مِنْ النَّسَبِ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُوَرَّثُ وَإِنَّمَا زَوَّجَ بِكَوْنِهِ عَصَبَةً لِلْمُعْتِقِ، وَلَا يَنْقُصُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُعْتِقَيْنِ وَعَصَبَتِهِمَا.
(وَلَا تَزُولُ الْوِلَايَةُ لِإِغْمَاءٍ) لِقِصَرِ مُدَّتِهِ عَادَةً كَالنَّوْمِ، (وَلَا) تَزُولُ الْوِلَايَةُ أَيْضًا بِ (الْعَمَى) لِأَنَّ الْأَعْمَى أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ كَالْبَصِيرِ (وَلَا) تَزُولُ الْوِلَايَةُ أَيْضًا (بِالسَّفَهِ) لِأَنَّ رُشْدَ الْمَوْلَى غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي النِّكَاحِ، (وَإِنْ جُنَّ) الْوَلِيُّ (أَحْيَانًا أَوْ أُغْمِيَ) عَلَيْهِ (أَوْ نَقَصَ عَقْلُهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (بِنَحْوِ مَرَضٍ) يُرْجَى زَوَالُهُ، (أَوْ أَحْرَمَ) الْوَلِيُّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (انْتَظَرَ زَوَالَ ذَلِكَ) لِأَنَّ مُدَّتَهُ لَا تَطُولُ عَادَةً، (وَلَا يَنْعَزِلُ وَكِيلُهُمْ بِطَرَيَانِ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْجُنُونِ أَحْيَانًا وَالْإِغْمَاءِ وَنَقْصِ الْعَقْلِ بِالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ زَوَالُهُ وَالْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْوِلَايَةَ، وَأَمَّا الْخَرَسُ فَإِنْ مَنَعَ فَهْمَ الْإِشَارَةِ أَزَالَ الْوِلَايَةَ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا لَمْ تَزُلْ الْوِلَايَةُ لِأَنَّ الْأَخْرَسَ يَصِحُّ تَزْوِيجُهُ فَصَحَّ تَزْوِيجُهُ كَالنَّاطِقِ.
[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ سَبْعَةُ شُرُوطٍ]
(فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ) سَبْعَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا: (حُرِّيَّةٌ) أَيْ كَمَالُهَا لِأَنَّ الْعَبْدَ وَالْمُبَعَّضِ لَا يَسْتَقِلَّانِ بِالْوِلَايَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَعَلَى غَيْرِهِمَا أَوْلَى (إلَّا مُكَاتَبًا يُزَوِّجُ أَمَتَهُ) بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَ) الثَّانِي: (ذُكُورِيَّةٌ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَثْبُتُ لَهَا وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهَا فَعَلَى غَيْرِهَا أَوْلَى.
(وَ) الثَّالِثُ: (اتِّفَاقُ دِينِ) الْوَلِيِّ وَالْمَوْلَى عَلَيْهَا، فَلَا يُزَوَّجُ كَافِرٌ مُسْلِمَةً وَلَا عَكْسُهُ قَالَ فِي الِاخْتِبَارَاتِ: لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ يَهُودِيَّةً وَوَلِيُّهَا نَصْرَانِيًّا أَوْ بِالْعَكْسِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَوَارُثِهِمَا، وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى قَالَ: وَلَا لِنَصْرَانِيٍّ وِلَايَةٌ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا تَوَارُثُ بَيْنَهُمَا بِالنَّسَبِ (سِوَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا) مِنْ أَنَّ أُمَّ وَلَدِ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَتْ يُزَوِّجُهَا، وَالْمُسْلِمُ يُزَوِّجُ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ، وَالسُّلْطَانُ يُزَوِّجُ كَافِرَةً لَا وَلِيَّ لَهَا.
(وَ) الرَّابِعُ: (بُلُوغٌ) وَالْخَامِس: (عَقْل) ، لِأَنَّ
الْوِلَايَةَ يُعْتَبَرُ لَهَا كَمَالُ الْحَالِ لِأَنَّهَا تُفِيدُ التَّصَرُّفَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ مُولًى عَلَيْهِ لِقُصُورِهِ فَلَا تَثْبُت لَهُ وِلَايَةٌ كَالْمَرْأَةِ.
(وَ) السَّادِسُ: (عَدَالَةٌ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَوَلِيٍّ مُرْشِدٍ» قَالَ أَحْمَدُ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَهَا وَلِيٌّ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» .
وَرَوَى الْبَرْقَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ فَلَا يَسْتَبِدَّ بِهَا الْفَاسِقُ كَوِلَايَةِ الْمَالِ، (وَلَوْ) كَانَ الْوَلِيُّ عَدْلًا (ظَاهِرًا) فَيَكْفِي مَسْتُورَ الْحَالِ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَدْلِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ وَيُفْضِي إلَى بُطْلَانِ غَالِبِ الْأَنْكِحَةِ، (إلَّا فِي سُلْطَانٍ) يُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا فَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ لِلْحَاجَةِ.
(وَ) إلَّا فِي (سَيِّدٍ) يُزَوِّجُ أَمَتَهُ فَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي أَمَتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَجَّرَهَا.
(وَ) السَّابِعُ: (رُشْدٌ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَهُوَ) أَيْ الرُّشْدُ هُنَا (مَعْرِفَةُ الْكُفْءِ وَمَصَالِحِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ هُوَ حِفْظَ الْمَالِ لِأَنَّ رُشْدَ كُلِّ مَقَامٍ بِحَسَبِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ) ، وَهُوَ مَعْنَى مَا اشْتَرَطَهُ فِي الْوَاضِحِ مِنْ كَوْنِهِ عَالِمًا بِالْمَصَالِحِ، لَا شَيْخًا كَبِيرًا جَاهِلًا بِالْمَصْلَحَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: (وَيُقَدِّمُ) الْوَلِيُّ (أَصْلَحَ الْخَاطِبِينَ) لِمُوَلِّيَتِهِ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لَهَا (وَفِي النَّوَادِرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ لِمُوَلِّيَتِهِ شَابًّا حَسَنَ الصُّورَةِ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُعْجِبُهَا مِنْ الرَّجُلِ مَا يُعْجِبُهُ مِنْهَا.
(فَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ لَيْسَ أَهْلًا) لِلْوِلَايَةِ (كَالطِّفْلِ) يَعْنِي مَنْ لَمْ يَبْلُغْ (وَالْعَبْدِ وَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ) ظَاهِرِ الْفِسْقِ (وَالْجُنُونِ الْمُطْبَقِ وَالشَّيْخِ إذَا أَفْنَدَ) أَيْ ضَعُفَ فِي الْعَقْلِ وَالتَّصَرُّفِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْفَنَدُ بِالتَّحْرِيكِ: إنْكَارُ الْعَقْلِ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ، وَالْخَلْطُ فِي الْقَوْلِ وَالرَّأْيِ، وَالْكَذِبُ كَالْإِفْنَادِ وَلَا تَقُلْ عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ رَأْيٍ أَبَدًا (أَوْ عَضَلَ الْأَقْرَبُ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ) يَعْنِي مِنْ يَلِي الْأَقْرَبِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَثْبُتُ لِلْأَقْرَبِ مَعَ اتِّصَافِهِ بِمَا تَقَدَّمَ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَلِتَعَذُّرِ التَّزْوِيجِ مِنْ جِهَةِ الْأَقْرَبِ بِالْعَضْلِ جُعِلَ كَالْعَدَمِ، كَمَا لَوْ جُنَّ.
فَإِنْ عَضَلَ الْأَبْعَدُ أَيْضًا زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا» ، (وَالْعَضْلُ مَنْعُهَا) أَنْ تَتَزَوَّجَ (بِكُفْءٍ إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ وَرَغِبَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ) بِمَا صَحَّ مَهْرًا (وَلَوْ) كَانَ (بِدُونِ مَهْرٍ مِثْلَهَا) يُقَالُ: دَاءٌ عُضَالٌ إذَا أَعْيَا الطَّبِيبَ دَوَاؤُهُ، وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ.
(قَالَهُ الشَّيْخُ، وَمِنْ صُوَرِ الْعَضْلِ) الْمُسْقِطِ لِوِلَايَتِهِ: (إذَا امْتَنَعَ الْخَطَّابُ لِشِدَّةِ الْوَلِيِّ انْتَهَى) لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ عَلَى
الْوَلِيِّ هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ فِي ذَلِكَ (وَيُفَسَّقُ) الْوَلِيُّ (بِالْعَضْلِ إنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ) لِأَنَّهُ صَغِيرَةٌ، وَفِيهِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي الْحَاشِيَةِ.
(وَإِنْ غَابَ) الْوَلِيُّ (غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً وَلَمْ يُوَكِّلْ) مَنْ يُزَوِّجُ زَوَّجَ الْوَلِيُّ (الْأَبْعَدُ) دُونَ السُّلْطَانِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا» وَهَذِهِ لَهَا وَلِيٌّ (مَا لَمْ تَكُنْ أَمَةً) غَابَ سَيِّدُهَا (فَيُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ) لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي مَالِ الْغَائِبِ (وَيَأْتِي فِي نَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ) بِأَتَمِّ مِنْ هَذَا (وَهِيَ) أَيْ الْغَيْبَةُ الْمُنْقَطِعَةُ (مَا لَا تُقْطَعُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ فَإِنَّ التَّحْدِيدَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ وَلَا تَوْقِيفَ، (وَتَكُونُ) الْغَيْبَةُ الْمُنْقَطِعَةُ (فَوْق مَسَافَةِ الْقَصْرِ) لِأَنَّ مَنْ دُونَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، (وَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ أَسِيرًا أَوْ مَحْبُوسًا فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ لَا تُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ أَوْ تَتَعَذَّرُ) أَيْ تَتَعَسَّرُ مُرَاجَعَتُهُ فَزَوَّجَ الْأَبْعَدُ صَحَّ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْبَعِيدِ، (أَوْ كَانَ) الْأَقْرَبُ (غَائِبًا لَا يُعْلَمُ) مَحَلُّهُ (أَقَرِيبٌ هُوَ أَمْ بَعِيدٌ؟) فَزَوَّجَ الْأَبْعَدُ صَحَّ، (أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ) أَيْ الْأَقْرَبَ (قَرِيبُ) الْمَسَافَةِ (وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ) فَزَوَّجَ الْأَبْعَدُ صَحَّ لِتَعَذُّرِ مُرَاجَعَتِهِ، (أَوْ كَانَ) الْأَقْرَبُ (مَجْهُولًا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عَصَبَةٌ) لِلْمَرْأَةِ (فَزَوَّجَ الْأَبْعَدُ) الَّذِي يَلِيهِ (صَحَّ) التَّزْوِيجُ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ، (ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْعَصَبَةَ) بَعْدَ الْعَقْدِ وَكَانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ حِينَهُ لَمْ يُعَدْ الْعَقْدُ.
(وَ) إنْ (زَالَ الْمَانِعُ) بَعْدَ الْعَقْدِ، بِأَنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ أَوْ عَقِلَ الْمَجْنُونُ وَنَحْوُهُ (لَمْ يُعَدْ الْعَقْدُ) ، وَكَذَا إنْ قَامَ بِالْأَقْرَبِ مَانِعٌ أَوْ كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ ثُمَّ زَالَ وَعَادَ أَهْلًا وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ حِينَ الْعَقْدِ فَزَوَّجَ الْأَبْعَدُ لَمْ يُعَدْ الْعَقْدُ، (وَكَذَا لَوْ زُوِّجَتْ بِنْتٌ مُلَاعَنَةٌ) بَعْدَ أَنْ نَفَاهَا أَبُوهَا بِاللِّعَانِ (ثُمَّ اسْتَلْحَقَهَا أَبٌ) لَمْ يَعُدْ الْعَقْدُ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ: قَدْ يُقَالُ حُكْمُ تَزْوِيجِهَا حُكْمُ سَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنَّسَبِ تِلْكَ الْمُدَّةَ مِنْ الْعَقْلِ وَالْإِرْثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَلَا يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ وَلَوْ بِنْتَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهَا (إلَّا إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ وَمُكَاتَبَتِهِ وَمُدَبِّرَتِهِ فَيَلِيهِ) أَيْ يَلِي نِكَاحَهَا، (وَيُبَاشِرهُ) كَمَا يُؤَجِّرُهَا لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِهِ لَكِنَّهُ فِي الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِمَا أَوْ نَحْوِهِ وَالْمَذْهَبُ إنَّهُمَا لَا يَبْقَيَانِ بِمِلْكِهِ لِصِحَّةِ بَيْعِهِمَا بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ.
(وَيَلِي كِتَابِيٌّ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ الْكِتَابِيَّةِ) فَيُزَوِّجُهَا (مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ وَيُبَاشِرُهُ) لِأَنَّهُ وَلِيٌّ مُنَاسِبٌ لَهَا فَجَازَ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَمُبَاشَرَتِهِ، (وَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطٌ) مِنْ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالذُّكُورَةِ وَالْعَدَالَةِ فِي دَيْنِهِ وَالرُّشْدِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يَلِي مُسْلِمٌ نِكَاحَ كَافِرَةٍ) كَمَا لَا يَرِثُهَا (إلَّا سَيِّدُ أَمَةٍ)
مُسْلِمٌ يُزَوِّجُ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا) أَيْ سَيِّدُ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ لِأَنَّهَا مَالٌ فَأَشْبَهَ نِكَاحُهَا إجَارَتَهَا (أَوْ يَكُونُ الْمُسْلِمُ سُلْطَانًا فَلَهُ تَزْوِيجُ ذِمِّيَّةٍ لَا وَلِيَّ لَهَا) ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا» .
(وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بِلَا قُرْبٍ) لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَلَوْ أَجَازَهُ الْأَقْرَبُ لِأَنَّ الْأَبْعَدَ لَا وِلَايَةَ لَهُ مَعَ الْأَقْرَبِ أَشْبَهَ مَا لَوْ زَوَّجَهَا أَجْنَبِيٌّ، (أَوْ زَوَّجَ أَجْنَبِيٌّ) وَلَوْ حَاكِمًا مَعَ وُجُودِ وَلِيٍّ (لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ (وَلَوْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْوَلِيُّ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَ الْأَجْنَبِيُّ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ زَوَّجَ الْوَلِيُّ مُوَلِّيَتَهُ الَّتِي يُعْتَبَرُ إذْنُهَا) كَأُخْتِهِ (بِغَيْرِ إذْنِهَا) لَمْ يَصِحَّ.
، (أَوْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ أَجَازَهُ) بَعْدَ الْعَقْدِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» . وَفِي لَفْظٍ «فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ» ، وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَمْ تَثْبُتْ أَحْكَامُهُ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالتَّوَارُثِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ، (وَهُوَ نِكَاحُ الْفُضُولِيِّ فَإِنْ وَطِئَ) الزَّوْجُ فِيهِ (فَلَا حَدَّ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
[فَصْلٌ وَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَوْلِيَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ]
فَصْلٌ وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَوْلِيَاءِ مُجْبِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (يَقُومُ مَقَامَهُ وَإِنْ كَانَ) الْوَلِيُّ (حَاضِرًا) لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ كَالْبَيْعِ وَقِيَاسًا عَلَى تَوْكِيلِ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ رَوَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِهِ مَيْمُونَةَ وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ " (وَالْوَلِيُّ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْمَرْأَةِ) لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ وِلَايَتُهُ مِنْ جِهَتِهَا (وَلَوْ كَانَ) الْوَلِيُّ (وَكِيلًا) عَنْهَا (لَتَمَكَّنَتْ مِنْ عَزْلِهِ) كَسَائِرِ الْوُكَلَاءِ، وَإِنَّمَا إذْنُهَا حَيْثُ اُعْتُبِرَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ أَشْبَهَ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ عَلَيْهَا.
وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهَا (فَلَهُ تَوْكِيلُ) مَنْ يُوجِبُ نِكَاحَهَا (بِغَيْرِ إذْنِهَا وَقَبْل إذْنِهَا لَهُ) أَيْ وَلِيُّهَا فِي تَزْوِيجِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً (وَلَا يَفْتَقِرُ) تَوْكِيلُهُ (إلَى حُضُورِ شَاهِدَيْنِ) لِأَنَّهُ إذْنٌ مِنْ الْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْمَرْأَةِ وَلَا الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ كَإِذْنِ الْحَاكِمِ (وَيَثْبُتُ لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (مَا يَثْبُتُ لِمُوَكِّلٍ حَتَّى فِي الْإِجْبَارِ) لِأَنَّهُ نَائِبُهُ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي السُّلْطَانِ وَالْحَاكِمِ
يَأْذَنُ لِغَيْرِهِ فِي التَّزْوِيجِ (لَكِنْ لَا بُدّ مِنْ إذْنِ امْرَأَةٍ غَيْرِ مُجْبَرَةٍ لِوَكِيلِ) وَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا (فَلَا يَكْفِي إذْنُهَا لِوَلِيِّهَا بِالتَّزْوِيجِ) مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ وَكِيلٍ لَهَا وَإِذْنُهَا لَهُ بَعْدَ تَوْكِيلِهَا قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ (وَلَا) يَكْفِي إذْنُهَا لِوَلِيِّهَا (بِالتَّوْكِيلِ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ الْوَكِيلِ لَهَا وَإِذْنُهَا لَهُ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ فِيمَا يَظْهَرُ) قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى، لِأَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يُوَكِّلَهُ الْوَلِيُّ أَجْنَبِيٌّ وَبَعْدَ تَوْكِيلِهِ وَلِيٌّ.
قُلْتُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ لَوْ أَذِنَتْ لِلْأَبْعَدِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مَعَ أَهْلِيَّةِ الْأَقْرَبِ ثُمَّ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ لَهَا بَعْدَ انْتِقَالِ الْوِلَايَةِ إلَيْهِ.
(وَلَوْ وُكِّلَ وَلِيٌّ) غَيْرُ مُجْبَرٍ فِي نِكَاحِ مُوَلِّيَتِهِ (ثُمَّ أَذِنَتْ) الْمَرْأَةُ (لِلْوَكِيلِ) أَنْ يُزَوِّجَهَا (صَحَّ) ذَلِكَ (وَلَوْ لَمْ تَأْذَنْ لِلْوَلِيِّ) أَنْ يُزَوِّجَهَا أَوْ أَنْ يُوَكِّلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهَا (وَهُوَ فِي كَلَامِهِمْ) قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ.
(وَيُشْتَرَطُ فِي وَكِيلِ وَلِيٍّ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا) كَالرُّشْدِ وَالذُّكُورَةِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَاتِّحَادِ الدِّينِ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُبَاشِرَهَا غَيْرُ أَهْلِهَا وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَ مُنَاسَبَتِهِ فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ تَزْوِيجَ مُوَلِّيَةِ غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ أَوْلَى (وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وَكِيلِ الزَّوْجِ عَدَالَتُهُ) فَيَصِحُّ تَوْكِيلُ فَاسِقٍ فِي قَبُولِهِ لِأَنَّ الْفَاسِقَ يَصِحُّ قَبُولُهُ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ فَصَحَّ قَبُولُهُ لِغَيْرِهِ وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ نَصْرَانِيًّا فِي قَبُولِ نِكَاحِ نَصْرَانِيَّةٍ لِصِحَّةِ قَبُولِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ.
(وَيَصِحُّ تَوْكِيلُهُ) أَيْ الْوَلْيِ فِي إيجَابِ النِّكَاحِ تَوْكِيلًا (مُطْلَقًا) وَإِذْنُهَا لِوَلِيِّهَا فِي الْعَقْدِ مُطْلَقًا (كَقَوْلِ الْمَرْأَةِ لِوَلِيِّهَا) زَوِّجْ مَنْ شِئْتَ أَوْ مَنْ تَرْضَاهُ.
(وَ) قَوْلُ (الْوَلِيِّ لِوَكِيلِهِ: زَوِّجْ مَنْ شِئْت أَوْ مَنْ تَرْضَاهُ) رُوِيَ " أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ تَرَكَ ابْنَتَهُ عِنْدَ عُمَرَ وَقَالَ إذَا وَجَدْتَ كُفُؤًا فَزَوِّجْهُ وَلَوْ بِشِرَاكِ نَعْلِهِ، فَزَوَّجَهَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَهِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ " وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْكَرْ وَكَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ (وَيَتَقَيَّدُ الْوَلِيُّ) إذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَأَطْلَقَتْ بِالْكُفْءِ (وَ) يَتَقَيَّدُ (وَكِيلُهُ الْمُطْلَقُ بِالْكُفْءِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ اشْتَرَطَ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ وَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْلَى لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ، يُحْمَلُ عَلَى مَا لَا نَقِيصَةَ فِيهِ.
(وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ) أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِنَفْسِهِ كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ يَبِيعُ لِنَفْسِهِ (وَلَا لِلْوَلِيِّ) إذَا أَذِنَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَأَطْلَقَتْ (أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِنَفْسِهِ) لِأَنَّ إطْلَاقَ الْإِذْنِ يَقْتَضِي تَزْوِيجَهَا غَيْرَهُ قَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ فِي آخَرَ تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ.
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَأَمَّا مَنْ وِلَايَتُهُ بِالشَّرْعِ كَالْوَلِيِّ وَالْحَاكِمِ وَأَمِينِهِ فَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَ
نَفْسَهُ، وَلَوْ قُلْنَا لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْ الْمَالِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَأَلْحَقَ الْوَصِيَّ بِذَلِكَ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْأُصُولِيَّةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْوَصِيَّ يُشْبِهُ الْوَكِيلَ لِتَصَرُّفِهِ بِالْإِذْنِ، قَالَ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْيَتِيمَةُ وَغَيْرُهَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُون لَهَا إذْنٌ مُعْتَبَرٌ.
(وَيَجُوزُ) لِلْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ وَلِلْوَلِيِّ إذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَأَطْلَقَتْ أَنْ يُزَوِّجَهَا (لِوَلَدِهِ) وَوَالِدِهِ وَأَخِيهِ وَنَحْوِهِمْ إذَا كَانَ كُفُؤًا لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُمْ وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُ لِمَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ لِأَنَّ الثَّمَنَ رُكْنٌ فِي الْبَيْعِ بِخِلَافِ الصَّدَاق.
(وَ) يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ (مُقَيَّدًا كَزَوِّجْ فُلَانًا بِعَيْنِهِ) فَلَا يُزَوِّجُ مَنْ غَيْرُهُ لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ (وَيُشْتَرَطُ) لِصِحَّةِ النِّكَاحِ (قَوْلُ وَلِيٍّ) لِوَكِيلَيْ زَوْجٍ (أَوْ) قَوْلُ (وَكِيلِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ (لِوَكِيلَيْ زَوْجٍ زَوَّجْتُ فُلَانَةِ) بِنْتَ فُلَانٍ وَيَنْسُبُهَا (فُلَانًا) بْنَ فُلَانٍ وَيَنْسُبهُ وَلَمْ يَنْسُبْهُ عَلَى ذَلِكَ هُنَا لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا سَبَقَ مِنْ اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ الزَّوْجَيْنِ (أَوْ) قَوْلُهُ (زَوَّجْتُ مُوَكِّلَكَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فُلَانَةَ) بِنْتَ فُلَانٍ (وَلَا يَقُولُ) الْوَلِيُّ وَلَا وَكِيلُهُ لِوَكِيلِ الزَّوْجِ (زَوَّجْتُهَا مِنْكَ) وَلَا أَنْكَحْتُكَهَا.
(وَ) يُشْتَرَطُ أَنْ (يَقُولَ وَكِيلُ زَوْجٍ: قَبِلْتُهُ لِفُلَانِ) بْنِ فُلَانٍ وَيَنْسُبُهُ (أَوْ) قَبِلْتُهُ (لِمُوَكِّلِي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) فَإِنْ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
(وَوَصِيُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَتِهِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (فَتُسْتَفَادُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ إذَا نَصَّ لَهُ عَلَى التَّزْوِيجِ، مُجْبِرًا كَانَ الْوَلِيُّ كَأَبٍ أَوْ غَيْرَ مُجْبِرٍ كَأَخٍ) لِغَيْرِ أُمٍّ وَكَذَا عَمٌّ وَابْنُهُ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ ثَابِتَةٌ لِلْوَلِيِّ فَجَازَتْ وَصِيَّتُهُ بِهَا كَوِلَايَةِ الْمَالِ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا فِي حَيَاتِهِ وَيَكُونَ نَائِبُهُ قَائِمًا مَقَامَهُ فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِهِ.
(قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ صِفَةُ الْإِيصَاءِ أَنْ يَقُولَ الْأَبُ لِمَنْ اخْتَارَهُ: وَصَّيْتُ إلَيْكَ بِنِكَاحِ بَنَانِي أَوْ جَعَلْتُكَ وَصِيًّا فِي نِكَاحِ بَنَاتِي، كَمَا يَقُولُ فِي الْمَالِ: وَصَّيْتُ إلَيْكَ بِالنَّظَرِ فِي أَمْوَالِ أَوْلَادِي، فَيَقُومُ الْوَصِيُّ مَقَامَهُ) أَيْ مَقَامَ الْمُوصِي (مُقَدِّمًا) الْوَصِيُّ عَلَى مَنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِ (الْمُوصِي فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لَهُ الْإِجْبَارُ) كَأَبِي الْبِكْرِ (فَذَلِكَ) الْإِجْبَارُ (لِوَصِيِّهِ فَيُجْبِرُ) وَصِيُّ الْأَبِ (مَنْ يُجْبِرُهُ) الْأَبُ (مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَبِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْوَلِيُّ لَيْسَ مُجْبِرًا كَأَبِي ثَيِّبٍ - تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ - وَأَخِيهَا وَعَمِّهَا وَنَحْوِهِ مِمَّنْ (يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهَا فَوَصِيُّهُ كَذَلِكَ) يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهَا كَوَكِيلِهِ (وَلَا خِيَارَ لِمَنْ زَوَّجَهُ) الْوَصِيُّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (إذَا بَلَغَ) لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَامَ مَقَامَ الْمُوصِي فَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَزْوِيجِهِ خِيَارٌ كَالْوَكِيلِ (وَأَمَّا الْوَصِيُّ فِي الْمَالِ فَيَمْلِكُ تَزْوِيجَ أَمَةِ مَنْ يَمْلِكُ النَّظَرَ فِي مَالِهِ نَصًّا) لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ الَّذِي يُنْظَرُ فِيهِ وَتَقَدَّمَ (وَكَذَا) إذَا وَصَّى إلَيْهِ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَ أَحَدِهِمْ.
(وَمَنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَهُ الْوَلِيُّ فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ نِكَاحُ مُوَلِّيَتِهِ فَمُوَلِّيَةُ غَيْرِهِ أَوْلَى (فَإِنْ وَكَّلَهُ) أَيْ الْعَبْدَ أَوْ الْفَاسِقَ أَوْ الصَّبِيَّ (الزَّوْجُ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ) صَحَّ لِأَنَّ الْفَاسِقَ وَنَحْوَهُ يَصِحُّ قَبُولُهُ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ فَصَحَّ لِغَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ (أَوْ وَكَّلَهُ الْأَبُ) أَيْ وَكَّلَ عَبْدًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا (فِي قَبُولِهِ) النِّكَاحَ لِابْنِهِ (كَابْنِهِ الصَّغِيرِ) أَوْ لِمَنْ تَحْتَ حَجْرِهِ (صَحَّ) التَّوْكِيلُ لِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلُ اسْتَوَى وَلِيَّانِ فَأَكْثَرُ لِامْرَأَةٍ فِي الدَّرَجَةِ]
(فَصْلُ وَإِذَا اسْتَوَى وَلِيَّانِ فَأَكْثَرُ) لِامْرَأَةٍ (فِي الدَّرَجَةِ) كَإِخْوَةٍ لَهَا كُلُّهُمْ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ أَعْمَامٍ كَذَلِكَ أَوْ بَنِي إخْوَةٍ كَذَلِكَ (فَإِنْ أَذِنَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ) بِعَيْنِهِ (تَعَيَّنَ وَلَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ غَيْرِهِ) مِمَّنْ لَمْ تَأْذَنْ لِعَدَمِ الْإِذْنِ (وَإِنْ أَذِنَتْ لَهُمْ) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُزَوِّجَهَا (صَحَّ التَّزْوِيجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) لِأَنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
(وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ أَفْضَلِهِمْ) أَيْ الْمُسْتَوِي (عِلْمًا وَدِينًا ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ قُدِّمَ (أَسَنُّهُمْ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا قُدِّمَ إلَيْهِ مُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبِّرْ كَبِّرْ أَيْ قَدِّمْ الْأَكْبَرَ فَتَقَدَّمَ حُوَيِّصَةُ» وَلِأَنَّهُ
أَحْوَطُ
لِلْعَقْدِ فِي اجْتِمَاعِ شُرُوطِهِ وَالنَّظَرِ فِي الْحَظِّ (فَإِنْ تَشَاحُّوا) أَيْ الْأَوْلِيَاءُ الْمُسْتَوُونَ فِي الدَّرَجَةِ (أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ) لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الْحَقِّ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ (فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُ مَنْ قَرَعَ) أَيْ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (فَزَوَّجَ) وَقَدْ أَذِنَتْ لَهُمْ (صَحَّ) التَّزْوِيجُ لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ كَامِلِ الْوِلَايَةِ بِإِذْنِ مُوَلِّيَتِهِ، فَصَحَّ مِنْهُ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالْوِلَايَةِ، وَلِأَنَّ الْقُرْعَةِ إنَّمَا شُرِعَتْ لِإِزَالَةِ الْمُشَاحَّةِ.
(وَإِذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ) أَيْ الْمُسْتَوِيَانِ فِي الدَّرَجَةِ (اثْنَيْنِ وَعُلِمَ السَّابِقُ) مِنْهُمَا (فَالنِّكَاحُ لَهُ) وَعَقْدُ الثَّانِي بَاطِلٌ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ وَعُقْبَةَ مَرْفُوعًا «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ خَلَا عَنْ مُبْطِلٍ وَالثَّانِي تَزَوَّجَ زَوْجَةَ غَيْرِهِ فَكَانَ بَاطِلًا كَمَا لَوْ عَلِمَ (فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) لِبُطْلَانِ نِكَاحِهِ (فَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ وَطْءُ شُبْهَةٍ يَجِبُ لَهَا بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَتُرَدُّ لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ.
(وَلَا تَحِلُّ لَهُ) أَيْ لِلْأَوَّلِ (حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) مِنْ وَطْءِ الثَّانِي لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا مِنْهُ.
(وَلَا تَرُدُّ الصَّدَاقَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الدَّاخِلِ بِهَا) وَهُوَ الثَّانِي (عَلَى) الزَّوْجِ الْأَوَّلِ (الَّذِي دُفِعَتْ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي بُضْعِهَا فَلَا يَمْلِكُ عِوَضَهُ بِخِلَافِ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، فَإِنَّهَا مِلْكٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا فَعِوَضُهَا لَهُ (وَلَا يَحْتَاجُ النِّكَاحُ الثَّانِي إلَى فَسْخٍ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَلَا يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ إلَّا بِالْوَطْءِ دُونَ مُجَرَّدِ الدُّخُولِ) أَيْ الْخَلْوَةِ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ (وَ) دُونَ الْفَرْجِ كَالْمُفَاخَذَةِ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ لَا حُكْمَ لَهُ (وَإِنْ وَقَعَا) أَيْ النِّكَاحَانِ (مَعًا) أَيْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (بَطَلَا) أَيْ فَهُمَا بَاطِلَانِ مِنْ أَصْلِهِمَا وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى فَسْخٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا وَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا يَرِثَانِهَا وَلَا تَرِثُهُمَا) لِأَنَّ الْعَقْدَ الْبَاطِلَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
(وَإِنْ جُهِلَ السَّابِقُ) مِنْهُمَا (مِثْلُ جَهْلِ السَّبْقِ) بِأَنْ جَهِلَ هَلْ وَقَعَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبِينَ (أَوْ عَلِمَ عَيْنَ السَّابِقِ) مِنْ الْعَقْدَيْنِ (ثُمَّ جَهِلَ) أَيْ نَسِيَ (أَوْ عَلِمَ السَّبْقَ) كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْآخَرَ بَعْدَهُ (وَجَهِلَ السَّابِقَ) مِنْهُمَا (فَسَخَهُمَا حَاكِمٌ) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا صَحِيحٌ وَلَا طَرِيقَ لِلْعِلْمِ بِهِ (وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ) فَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ غَرَّمَهُ لِأَنَّ عَقْدَ أَحَدِهِمَا صَحِيحٌ وَقَدْ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ (وَكَذَا لَوْ طَلَّقَاهَا) وَجَبَ عَلَى أَحَدِهِمَا نِصْفُ الْمَهْرِ بِقُرْعَةٍ.
وَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا أَحَدُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْقُصَ عَدَدُ طَلَاقِهِ لِهَذِهِ الطَّلْقَةِ، لِأَنَّا لَمْ تَتَحَقَّقْ أَنَّ عَقْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ حَتَّى يَقَعَ طَلَاقُهُ، ذَكَرَ مَعْنَاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَإِنْ أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا بِالسَّبْقِ) بِأَنَّ نِكَاحَهُ سَابِقٌ (لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهَا عَلَى الْآخَرِ (نَصًّا) لِأَنَّ الْخَصْمَ غَيْرُهَا، وَهُوَ الْعَاقِدُ الثَّانِي فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا عَلَيْهِ وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهَا الْعِلْمَ بِالسَّابِقِ لَمْ يَلْزَمْهَا يَمِينٌ لِأَنَّ مَنْ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ لَا يُسْتَحْلَفُ فِي إنْكَارِهِ وَيَأْتِي فِي الْقَضَاءِ.
(وَإِنْ مَاتَتْ) الْمَرْأَةُ (قَبْلَ الْفَسْخِ وَالطَّلَاقِ فَلِأَحَدِهِمَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا بِقُرْعَةٍ) أَيْ يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ قَالَ وَكَيْفَ يَحْلِفُ مَنْ قَالَ لَا أَعْرِفُ الْحَالَ؟ .
(وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجَانِ) قَبْلَ الْفَسْخِ وَالطَّلَاقِ (فَإِنْ كَانَتْ قَرَّتْ بِسَبْقِ أَحَدِهِمَا فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْ الْآخَرِ) لِاعْتِرَافِهَا بِبُطْلَانِ نِكَاحِهِ (وَهِيَ تَدَّعِي مِيرَاثَهَا مِمَّنْ أَقَرَّتْ لَهُ بِالسَّبْقِ فَإِنْ) كَانَ (ادَّعَى ذَلِكَ) أَيْ السَّبْقَ (أَيْضًا دَفَعَ إلَيْهَا مِيرَاثَهَا مِنْهُ)
لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ادَّعَى ذَلِكَ) أَيْ السَّبْقَ قَبْلَ مَوْتِهِ (وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ) كَوْنَهُ السَّابِقَ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ) أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ السَّابِقُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (فَإِنْ نَكَلُوا قُضِيَ عَلَيْهِمْ) بِالنُّكُولِ.
(وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَقَرَّتْ بِالسَّبْقِ فَلَهَا مِيرَاثُهَا مِنْ أَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ) فَيُقْرَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ فَلَهَا إرْثُهَا مِنْهُ نَقَلَ حَنْبَلُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ زَوَّجَ إحْدَاهُنَّ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يُعْلَمْ أَيَّتُهُنَّ زَوَّجَ يُقْرَعُ فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ فَهِيَ الَّتِي تَرِثُهُ (وَلَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السَّبْقَ فَأَقَرَّتْ بِهِ لِأَحَدِهِمَا) فَلَا أَثَر لَهُ كَمَا سَبَقَ (ثُمَّ) إذَا (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) بِأَنْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَهُمَا أَوْ طَلَّقَاهَا (وَجَبَ الْمَهْرُ) بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَبْلَهُ نِصْفُهُ (عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ) لِاعْتِرَافِهِ بِهِ لَهَا وَتَصْدِيقِهَا لَهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ مَاتَ وَرِثَتْ الْمُقَرَّ لَهُ) لِأَنَّهُ مُقْتَضَى إقْرَارِهِمَا (دُونَ صَاحِبِهِ) لِأَنَّهَا تَدَّعِي بُطْلَانَ نِكَاحِهِ لِتَأَخُّرِهِ (وَإِنْ مَاتَتْ) مَنْ أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا بِالسَّبْقِ وَصَدَّقَهَا (قَبْلَهُمَا اُحْتُمِلَ أَنْ يَرِثَهَا الْمُقَرُّ لَهُ) كَمَا تَرِثُهُ (وَاحْتُمِلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهَا لَهُ) كَمَا لَوْ لَمْ تَقْبَلْهُ فِي نَفْسِهَا (أَطْلَقَهَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ لِأَحَدِهِمَا) بِالسَّبْقِ (إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَكَمَا لَوْ أَقَرَّتْ لَهُ فِي حَيَاتِهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ أَحَدِهِمَا الْإِنْكَارُ لِاسْتِحْقَاقِهَا) لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لَهَا.
(وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) بِالسَّبْقِ (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ لَهَا مِيرَاثُهَا مِمَّنْ تَقَعُ لَهَا الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ) قِيَاسًا عَلَى الْقُرْعَةِ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا.
(وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ أَصَابَهَا) أَيْ وَطِئَهَا (وَكَانَ هُوَ الْمُقَرُّ لَهُ) بِالسَّبْقِ فَلَهَا الْمُسَمَّى (أَوْ) وَطِئَهَا مَنْ ادَّعَى السَّبْقَ وَ (كَانَتْ لَمْ تُقِرَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَهَا الْمُسَمَّى) فِي عَقْدِهِ (لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهَا بِهِ وَهِيَ لَا تَدَّعِي سِوَاهُ) فَتَأْخُذُهُ (وَإِنْ كَانَتْ مُقِرَّةً لِلْآخَرِ) بِالسَّبْقِ (فَهِيَ تَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ) بِوَطْئِهِ إيَّاهَا مَعَ كَوْنِهَا غَيْرَ زَوْجَةٍ لَهُ (وَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِالْمُسَمَّى) لِدَعْوَاهُ الزَّوْجِيَّةَ (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ مَهْرُ الْمِثْلِ وَالْمُسَمَّى فَلَا كَلَامَ (أَوْ اصْطَلَحَا) أَيْ الْوَاطِئُ وَالْمَوْطُوءَةُ عَلَى قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ (فَلَا كَلَامَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (وَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ) الَّذِي تَدَّعِيهِ الْمَوْطُوءَةُ (أَكْثَرَ) مِنْ الْمُسَمَّى (حَلَفَ) الْوَاطِئُ (عَلَى الزَّائِدِ وَسَقَطَ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ (وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى لَهَا) فِي الْعَقْدِ (أَكْثَرَ) مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ الَّذِي تَدَّعِيهِ (فَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِالزِّيَادَةِ وَهِيَ تُنْكِرُهَا فَلَا تَسْتَحِقُّهَا) أَيْ لَا تَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَة بِهَا لِإِلْغَاءِ إقْرَارِهِ بِإِنْكَارِهِ.
(وَإِنْ زَوَّجَ سَيِّدٌ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ مِنْ أَمَتِهِ) صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ بِلَا نِزَاعٍ لِأَنَّهُ عَقْدٌ بِحُكْمِ الْمِلْكِ لَا بِحُكْمِ الْإِذْنِ (أَوْ) زَوَّجَ عَبْدَهُ
الصَّغِيرَ مِنْ (بِنْتِهِ) بِإِذْنِهَا صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ وَإِنْ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِمَّنْ لَا يُكَافِئُهَا وَعَنْهُ يَجُوزُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(أَوْ زَوَّجَ) شَخْصٌ (ابْنَهُ) الصَّغِيرَ أَوْ الْمَجْنُونَ أَوْ السَّفِيهَ (بِنْتُ أَخِيهِ) صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ (أَوْ زَوَّجَ وَصِيٌّ فِي نِكَاحٍ صَغِيرًا) تَحْتَ حِجْرِهِ (بِصَغِيرَةٍ تَحْتَ حِجْرِهِ وَنَحْوِهِ) كَحَاكِمٍ يُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ بِمَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا (صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ وَكَذَلِكَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ الْعَاقِلَةِ) إذَا كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ (مِثْلَ ابْنِ عَمٍّ) لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (وَالْمَوْلَى) الْمُعْتَقِ وَعَصَبَتِهِ الْمُتَعَصِّبِ بِنَفْسِهِ (وَالْحَاكِمِ) وَأَمِينِهِ (إذَا أَذِنَتْ لَهُ فِي نِكَاحِهَا) فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ فَارِضٍ «أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ قَدْ تَزَوَّجْتُكِ» وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ وَجَبَ فِيهِ الْإِيجَابُ مِنْ وَلِيٍّ ثَابِت الْوِلَايَةِ وَالْقَبُولُ مِنْ زَوْجٍ هُوَ أَهْلٌ لِلْقَبُولِ فَصَحَّ كَمَا لَوْ وُجِدَ مِنْ رَجُلَيْنِ.
(أَوْ وَكَّلَ الزَّوْجُ الْوَلِيَّ) فِي قَبُولِ نِكَاحِ مَخْطُوبَتِهِ صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى الْوَلِيُّ طَرَفَيْ الْعَقْدِ (أَوْ) وَكَّلَ (الْوَلِيُّ الزَّوْجَ) فِي إيجَابِ النِّكَاحِ لِنَفْسِهِ صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ (أَوْ وَكَّلَا) أَيْ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ رَجُلًا (وَاحِدًا) فِي الْعَقْدِ صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ (وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ الْكَبِيرِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ وَكَذَا الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَنَحْوُهُمَا (وَيَكْفِي) فِي عَقْدِ النِّكَاحِ مِمَّنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ (زَوَّجْتُ فُلَانًا) وَيَنْسِبُهُ (فُلَانَةَ) وَيَنْسِبُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ وَقَبِلْتُ لَهُ نِكَاحَهَا (أَوْ) يَقُولُ (تَزَوَّجْتُهَا إنْ كَانَ هُوَ الزَّوْجُ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لِنَفْسِي لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ السَّابِقِ وَلِأَنَّ إيجَابَهُ يَتَضَمَّنُ الْقَبُولَ (أَوْ) يَقُولُ: تَزَوَّجْتُهَا لِمُوَكِّلِي فُلَانٍ أَوْ فُلَانَةَ وَيَنْسُبُهُ إنْ كَانَ.
(وَكِيلُهُ) أَيْ وَكِيلُ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ: قَبِلْتُ لَهُ نِكَاحَهَا (إلَّا بِنْتَ عَمِّهِ وَعَتِيقَتِهِ الْمَجْنُونَتَيْنِ) فَلَا يَكْفِيهِ تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (فَيُشْتَرَطُ) لِصِحَّةِ النِّكَاحِ إذْنُ (وَلِيٍّ غَيْرِهِ) أَوْ حَاكِمٍ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إنَّمَا جَعَلَ النَّظَرَ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ وَالِاحْتِيَاطَ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ لِنَفْسِهِ فِيمَا هُوَ مَوْلًى عَلَيْهِ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ لَا يَبِيعُهُ لِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ قَالَ لِأَمَتِهِ أَعْتَقْتُكِ وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقكِ]
فَصْلٌ وَإِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ الْقِنِّ أَوْ الْمُدَبَّرَةِ أَوْ الْمُكَاتَبَةِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ (أَوْ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا عَلَى صِفَةٍ) قَبْلَ وُجُودِهَا (الَّتِي تَحِلُّ) أَيْ يَحِلُّ نِكَاحُهَا (لَهُ إذَنْ) لَوْ كَانَتْ حُرَّةً لِيَدْخُلَ فِيهِ الْكِتَابِيَّةُ وَاحْتِرَازًا عَنْ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَالْمُحَرَّمَةِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَقَالَ لِأَمَتِهِ مَا يَأْتِي فَلَا يَكُونُ نِكَاحًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا لِأَنَّهَا خَامِسَةٌ وَقَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَتْ حُرَّةً لِدَفْعِ اعْتِبَارِ عَدَمِ الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ الْمُعْتَبَرِ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ (أَعْتَقْتُكِ وَجَعَلْتُ عِتْقَك صَدَاقَك أَوْ) قَالَ (جَعَلْتُ عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا أَوْ) قَالَ (صَدَاقُ أَمَتِي عِتْقُهَا أَوْ) قَالَ:
(قَدْ أَعْتَقْتُهَا وَجَعَلْتُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا أَوْ) أَعْتَقْتُهَا عَلَى أَنَّ عِتْقَهَا صَدَاقُهَا أَوْ قَالَ (أَعْتَقْتُكِ عَلَى أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَعِتْقك صَدَاقُكِ) أَوْ قَالَ أَعْتَقْتُكِ عَلَى أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَعِتْقِي صَدَاقُكِ (صَحَّ) الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَتَزَوَّجْتُكِ أَوْ وَتَزَوَّجْتُهَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَجَعَلْتُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَنَحْوَهُ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفِيَّةَ قَالَتْ «أَعْتَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَ عِتْقِي صَدَاقِي» وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " إذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ فَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ " وَفَعَلَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَلِأَنَّ الْعِتْقَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى النِّكَاحِ لِيَصِحَّ وَقَدْ شَرَطَهُ صَدَاقًا فَتَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعَقْدِ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ لِيَكُونَ الْعِتْقُ صَدَاقًا فِيهِ وَقَدْ ثَبَتَ الْعِتْقُ فَيَصِحَّ النِّكَاحُ.
وَمَحَلُّ الصِّحَّةِ (إنْ كَانَ) الْكَلَامُ (مُتَّصِلًا نَصًّا) فَلَوْ قَالَ أَعْتَقْتُكِ وَسَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنهُ الْكَلَامُ فِيهِ أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ ثُمَّ قَالَ: وَجَعَلْتُ عِتْقَك صَدَاقَك لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ لِأَنَّمَا صَارَتْ بِالْعِتْقِ حُرَّةً فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا بِصَدَاقٍ جَدِيدٍ.
وَمَحَلُّ الصِّحَّةِ أَيْضًا إنْ كَانَ (بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ) نَصًّا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ.
(فَإِنْ طَلَّقَهَا سَيِّدُهَا) الَّذِي أَعْتَقَهَا وَجَعَلَ عِتْقهَا صَدَاقَهَا (قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا) سَيِّدُهَا (بِنِصْفِ قِيمَتِهَا وَقْتَ الْإِعْتَاقِ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِ مَا فَرَضَ لَهَا، وَقَدْ فَرَضَ لَهَا نَفْسَهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى
الرُّجُوعِ فِي الرِّقِّ بَعْدَ زَوَالِهِ فَرَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا أَعْتَقَ مِنْهَا لِأَنَّهُ صَدَاقُهَا (فَإِنْ) كَانَتْ قَادِرَةً أُجْبِرَتْ عَلَى الْإِعْطَاءِ وَإِنْ (لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً أُجْبِرَتْ عَلَى الِاسْتِسْعَاءِ نَصًّا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُفْلِسِ وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ (وَإِنْ ارْتَدَّتْ) مَنْ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا وَجَعَلَ عِتْقهَا صَدَاقهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (أَوْ فَعَلَتْ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا مِثْلُ أَنْ أَرْضَعَتْ لَهُ زَوْجَةً صَغِيرَةً وَنَحْو ذَلِكَ) كَمَا لَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَر أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ (قَبْلَ الدُّخُولِ فَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا) لِوُجُوبِ عَوْدِ الصَّدَاقِ إذَنْ لِلزَّوْجِ وَقَدْ أَصْدَقهَا نَفْسهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى الرُّجُوعِ فِي الرِّقِّ كَمَا تَقَدَّمَ فَرَجَعَ بِقِيمَتِهَا.
(وَيَصِحُّ جَعْلُ صَدَاقِ مَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ) وَبَعْضُهَا رَقِيقٌ لَهُ (عَتَقَ ذَلِكَ الْبَعْضُ) إذَا أَذِنَتْ لَهُ وَأَذِنَ لَهُ مُعْتِقُ الْبَقِيَّةِ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ وَكَانَ مُتَّصِلًا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ كَامِلَةَ الرِّقِّ.
(وَإِنْ قَالَ) السَّيِّدُ لِأَمَتِهِ: (زَوَّجْتُكِ لِزَيْدٍ وَجَعَلْتُ عِتْقَك صَدَاقَك) وَقَبِلَ زَيْدٌ صَحَّ (أَوْ قَالَ) زَوَّجْتُكِ لِزَيْدٍ وَ (صَدَاقُك عِتْقُكِ أَوْ) قَالَ (أَعْتَقْتُكِ وَزَوَّجْتُكِ لَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ (عَلَى أَلْفٍ وَقَبِلَ زَيْدٌ) النِّكَاحَ (فِيهِمَا صَحَّ) الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ (كَمَا) لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ (أَعْتَقْتُكِ وَأَكْرَيْتُكِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ زَيْدٍ مَثَلًا (بِأَلْفِ) وَقَبِلَ زَيْدٌ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْخِدْمَةِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَعْتَقْتُكِ عَلَى خِدْمَةِ سَنَةٍ وَلَوْ قَالَ وَهَبْتُكِ هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَزَوَّجْتُهَا مِنْ فُلَانٍ أَوْ وَهَبْتُكَهَا، وَأَكْرَيْتُهَا مِنْ فُلَانٍ أَوْ بِعْتُكَهَا وَزَوَّجْتُهَا مِنْ فُلَانٍ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ لِلْمَنْفَعَةِ وَحَاصِلُهُ أَنَّا نُجَوِّزُ الْعِتْقَ وَالْوَقْفَ وَالْهِبَةَ، وَالْبَيْعَ مَعَ اسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَةِ الْخِدْمَةِ وَقَدْ جَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ الْإِعْتَاقُ وَالْإِنْكَاحُ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَجَعَلْنَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْكَاح قَبْلَ الْإِعْتَاقِ لِأَنَّهَا حِينَ الْإِعْتَاقِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ.
(وَلَوْ أَعْتَقَهَا) سَيِّدُهَا (بِسُؤَالِهَا عَلَى أَنْ تَنْكِحَهُ أَوْ قَالَ) لَهَا مِنْ غَيْر سُؤَالِهَا (أَعْتَقْتُكِ عَلَى أَنْ تَنْكِحِينِي وَيَكُونُ عِتْقُك صَدَاقُك أَوْ) قَالَ: أَعَتَقْتُكِ (عَلَى أَنْ تَنْكِحِينِي فَقَطْ) دُونَ أَنْ يَقُولَ: وَيَكُونُ عِتْقُكِ صَدَاقَكِ (وَقَبِلَتْ صَحَّ) الْعِتْقُ (وَ) إذَا تَزَوَّجَهَا (يَصِيرُ الْعِتْقُ صَدَاقًا) لَهَا.
وَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ قَارَنَهُ وَ (كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا) لَوْ كَانَتْ حُرَّةً (مَالًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ) لِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ سَلَفًا فِي النِّكَاحِ فَلَمْ يَلْزَمهَا، كَمَا لَوْ أَسْلَفَ حُرَّةً أَلْفًا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (ثُمَّ إنْ تَزَوَّجَتْهُ) لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهَا بِشَرْطِ عِوَضٍ وَقَدْ سَلِمَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْهُ (لَزِمَهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا) لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهَا بِشَرْطِ عِوَضٍ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِبَدَلِهِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَإِنْ بَذَلَتْ لَهُ نَفْسَهَا لِيَتَزَوَّجهَا فَامْتَنَعَ
لَمْ يُجْبَرْ، وَكَانَتْ لَهُ الْقِيمَةُ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُجْبَرْ عَلَى تَزْوِيجه نَفْسَهَا لَمْ يُجْبَر هُوَ عَلَى قَبُولِهَا.
(وَلَوْ قَالَ أَعْتَقْتُكِ وَزَوِّجِينِي نَفْسَكِ) عَتَقَتْ لِتَنْجِيزِ عِتْقِهَا (وَلَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تَتَزَوَّجهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا) مِنْ قِيمَةِ نَفْسِهَا إذَا لَمْ تَتَزَوَّجْهُ لِأَنَّهُ أَلْزَمَهَا بِمَا لَا يَلْزَمُهَا وَلَمْ تَلْتَزِمْهُ.
(وَلَا بَأْس أَنْ يُعْتِقَ الرَّجُلُ أَمَته ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا سَوَاءٌ أَعْتَقَهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْ) أَعْتَقَهَا (لِيَتَزَوَّجهَا) إذْ لَا مَحْظُورَ فِيهِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ فَعَلَّمَهَا وَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا أَوْ أَحْسَنَ إلَيْهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَإِذَا قَالَ) مُكَلَّفٌ رَشِيدٌ لِآخَرَ (أَعْتِقْ عَبْدك عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الْقَائِلَ (أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتُهُ) لِأَنَّهُ وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْقَائِلِ (لَهُ) أَيْ الْمُعْتِقِ (قِيمَةُ الْعَبْدِ) لِأَنَّهُ غَرَّهُ (كَمَا لَوْ قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ) فَأَعْتَقَهُ لَزِمَهُ ثَمَنُهُ وَتَقَدَّمَ (أَوْ) قَالَ لَهُ (طَلِّقْ زَوْجَتَكَ عَلَى أَلْفٍ فَفَعَلَ أَوْ أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ) فَأَلْقَاهُ فَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي أَوْ أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْر فَفَعَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ عِوَضَهُ.
[فَصْلٌ الشَّرْطُ الرَّابِعُ الشَّهَادَةُ عَلَى النِّكَاحِ]
ِ (احْتِيَاطًا لِلنَّسَبِ خَوْفَ الْإِنْكَارِ فَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ مَرْفُوعًا «لَا بُدَّ فِي النِّكَاح مِنْ حُضُورِ أَرْبَعَةٍ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ وَالشَّاهِدَيْنِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْبَغَايَا اللَّوَاتِي يَنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الْوَلَدُ فَاشْتُرِطَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ لِئَلَّا يَجْحَدَ أَبُوهُ فَيَضِيعَ نَسَبُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ» فَمِنْ خَصَائِصِهِ، كَمَا سَبَقَ (مُسْلِمَيْنِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
(عَدْلَيْنِ) لِلْخَبَرِ (ذَكَرَيْنِ) لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ " مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي
الْحُدُودِ وَلَا فِي النِّكَاحِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ " (بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ) لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ (سَمِيعَيْنِ) لِأَنَّ الْأَصَمَّ لَا يَسْمَعُ الْعَقْدَ فَيَشْهَدُ بِهِ (نَاطِقَيْنِ) لِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.
(وَلَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ) كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ (أَوْ) كَانَا (ضَرِيرَيْنِ إذَا تَيَقَّنَّا الصَّوْتَ تَيَقُّنًا لَا شَكَّ فِيهِ) كَالشَّهَادَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ (أَوْ) كَانَا (عَدُوَّيْ الزَّوْجَيْنِ أَوْ) عَدُوَّيْ (أَحَدِهِمَا أَوْ) عَدُوَّيْ (الْوَلِيِّ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» وَلِأَنَّهُ يَنْعَقِد بِهِمَا غَيْرُ هَذَا النِّكَاحِ فَانْعَقَدَ هُوَ أَيْضًا بِهِمَا كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَ (لَا) يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ (بِمُتَّهَمٍ لِرَحِمٍ كَابْنَيْ الزَّوْجَيْنِ أَوْ ابْنَيْ أَحَدِهِمَا وَنَحْوِهِ) كَأَبَوَيْهِمَا وَابْنِ أَحَدِهِمَا وَأَبِي الْآخَرِ لِلتُّهْمَةِ.
(وَلَا) يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ أَيْضًا (بِأَصَمَّيْنِ أَوْ أَخْرَسَيْنِ أَوْ) بِشَاهِدَيْنِ (أَحَدِهِمَا كَذَلِكَ) أَيْ أَصَمٌّ أَوْ أَخْرَسُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ بِالتَّوَاصِي بِكِتْمَانِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ مَكْتُومًا (فَإِنْ كَتَمَهُ) أَيْ النِّكَاحُ (الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ وَالشُّهُود قَصْدًا صَحَّ الْعَقْدُ وَكُرِهَ) كِتْمَانُهُمْ لَهُ لِأَنَّ السُّنَّةَ إعْلَانُ النِّكَاحِ (وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيِّينَ) وَلَا بِشَهَادَةِ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] .
(وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً) كِتَابِيَّةً أَبَوَاهَا كِتَابِيَّانِ (وَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ أَنَّهُمَا نُكِحَا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ قُبِلَ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ لَا مُنَازِع لَهُمَا فِيهِ (وَيَثْبُتُ النِّكَاحُ بِإِقْرَارِهِمَا) لِعَدْلِ الْمُخَاصِمِ فِيهِ (ويَكْفِي الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا فَقَطْ) فِي الشَّاهِدَيْنِ بِالنِّكَاحِ بِأَنْ لَا يَظْهَرُ فِسْقُهُمَا لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الشَّهَادَةِ إعْلَانُ النِّكَاحِ وَلِهَذَا يَثْبُتُ بِالتَّسَامُعِ.
فَإِذَا حَضَرَ مَنْ يَشْتَهِرُ بِحُضُورِهِ كَفَى، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يَقَعُ بَيْن عَامَّةِ النَّاسِ فِي مَوَاضِعَ لَا تُعْرَف فِيهَا حَقِيقَةُ الْعَدَالَةِ فَاعْتِبَارُ ذَلِكَ يَشُقُّ (فَلَوْ بَانَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ بِالنِّكَاحِ بَعْدَهُ (فَاسِقَيْنِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ) وَلَا يُنْقَضُ وَكَذَا لَوْ بَانَ الْوَلِيُّ فَاسِقًا لِأَنَّ الشَّرْطَ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاهِرَ الْفِسْقِ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ.
(وَلَوْ تَابَ) الشَّاهِدُ (فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَكَمَسْتُورِ) الْعَدَالَةِ (قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ) فَيَكْفِي وَكَذَا لَوْ تَابَ الْوَلِيُّ فِي الْمَجْلِس قُلْتُ: بَلْ يُكْتَفَى بِذَلِكَ بِحَيْثُ اُعْتُبِرَتْ الْعَدَالَةُ مُطْلَقًا لِأَنَّ إصْلَاحَ الْعَمَلِ لَيْسَ شَرْطًا فِيهَا كَمَا يَأْتِي.
[الشَّرْطُ الْخَامِسُ الْخُلُوُّ مِنْ الْمَوَانِعِ]
ِ) الْآتِيَةِ فِي بَابِ الْمُحَرَّمَاتِ (بِأَنْ لَا يَكُونَ بِهِمَا) أَيْ بِالزَّوْجَيْنِ (أَوْ بِأَحَدِهِمَا مَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ) كَرِضَاعٍ وَمُصَاهَرَةٍ (أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ) بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَأْتِي (أَوْ كَوْنُهَا
فِي عِدَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَأَنْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُحَرَّمًا.
(وَالْكَفَاءَةُ فِي زَوْجٍ شَرْطٌ لِلُزُومِ النِّكَاحِ لَا لِصِحَّتِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ فِي الْمُقْنِعِ وَالشَّرْحِ وَهِيَ أَصَحُّ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلَاهُ فَنَكَحَهَا بِأَمْرِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
رَوَتْ عَائِشَةُ " أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ تَبَنَّى سَالِمًا وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَعَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ " رَأَيْتُ أُخْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تَحْتَ بِلَالٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَعَلَى هَذَا (يَصِحُّ النِّكَاحُ مَعَ فَقْدِهَا) أَيْ فَقْدِ الْكَفَاءَةِ (فَهِيَ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ كُلِّهِمْ) الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ (حَتَّى مَنْ يَحْدُثُ مِنْهُمْ) بَعْدَ الْعَقْدِ لِتَسَاوِيهِمْ فِي لُحُوقِ الْعَارِ بِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ.
(فَلَوْ زُوِّجَتْ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ كُفْءٍ فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ) بِالنِّكَاحِ (الْفَسْخُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ جَمِيعِهِمْ) بَيَانٌ لِمَنْ لَمْ يَرْضَ (فَوْرًا وَتَرَاخِيًا) لِأَنَّهُ خِيَارٌ لِنَقْصٍ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَشْبَهَ خِيَارَ الْبَيْعِ (وَيَمْلِكُهُ الْأَبْعَدُ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (مَعَ رِضَا الْأَقْرَبِ) مِنْهُمْ بِهِ.
(وَ) مَعَ رِضَا (الزَّوْجَةِ) دَفْعًا لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ لُحُوقِ الْعَارِ (فَلَوْ زَوَّجَ الْأَبُ) بِنْتَهُ (بِغَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا فَلِلْإِخْوَةِ الْفَسْخُ نَصًّا) لِأَنَّ الْعَارَ فِي تَزْوِيجِ مَنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
(وَلَوْ زَالَتْ الْكَفَاءَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَهَا) أَيْ الزَّوْجَةُ (الْفَسْخُ فَقَطْ) دُونَ أَوْلِيَائِهَا كَعِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ وَلِأَنَّ حَقَّ الْأَوْلِيَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَا فِي اسْتِدَامَتِهِ (وَالْكَفَاءَةُ) لُغَةً الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» أَيْ: تَتَسَاوَى فَيَكُونُ دَمُ الْوَضِيعِ مِنْهُمْ كَدَمِ الرَّفِيعِ وَهِيَ هُنَا (مُفَسَّرَةٌ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الدِّينُ فَلَا يَكُونُ الْفَاجِرُ وَالْفَاسِقُ كُفْئًا لِعَفِيفَةٍ عَدْلٍ) لِأَنَّهُ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَذَلِكَ نَقْصٌ فِي إنْسَانِيَّتِهِ فَلَا يَكُونُ كُفُئًا لِعَدْلٍ يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18] .
الثَّانِي: الْمَنْصِبُ وَهُوَ النَّسَبُ فَلَا يَكُونُ الْعَجَمِيُّ وَهُوَ مَنْ لَيْسَ مِنْ الْعَرَبِ كُفُئًا لِعَرَبِيَّةٍ لِقَوْلِ عُمَرَ " لَأَمْنَعَنَّ أَنْ تُزَوَّجَ ذَاتُ الْأَحْسَابِ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ " رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّ الْعَرَبَ يَعْتَدُّونَ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ وَيَأْنَفُونَ مِنْ نِكَاحِ الْمَوَالِي وَيَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا وَعَارًا وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ:
«إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» وَلِأَنَّ الْعَرَبَ فَضَلَتْ الْأُمَمَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (الثَّالِثُ الْحُرِّيَّةُ فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ وَلَا الْمُبَعَّضُ كُفُئًا لِحُرَّةٍ وَلَوْ) كَانَتْ (عَتِيقَةً) لِأَنَّهُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِهِ غَيْرُ مَالِكٍ لَهُ وَلِأَنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ لِرَقَبَتِهِ يُشْبِهُ مِلْكَ الْبَهِيمَةِ فَلَا يُسَاوِي الْحُرَّةَ لِذَلِكَ وَالْعَتِيقُ كُلُّهُ كُفْءٌ لِلْحُرَّةِ.
(الرَّابِعُ الصِّنَاعَةُ فَلَا يَكُونُ صَاحِبَ صِنَاعَةٍ دَنِيئَةٍ كَالْحَجَّامِ وَالْحَائِك وَالْكَسَّاحِ وَالزَّبَّالِ وَالْفَقَّاطُ كُفْئًا لِبِنْتِ مَنْ هُوَ صَاحِبُ صِنَاعَةٍ جَلِيلَةٍ كَالتَّاجِرِ وَالْبَزَّازِ) أَيْ الَّذِي يَتَّجِرُ فِي الْبَزِّ وَهُوَ الْقُمَاشُ.
(وَالثَّانِي صَاحِبُ الْعُقَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ فَأَشْبَهَ نَقْصَ الْعَيْبِ وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ إلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا» قِيلَ لِأَحْمَدَ كَيْفَ تَأْخُذُ بِهِ وَأَنْتَ تُضَعِّفُهُ قَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ يَعْنِي أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِأَهْلِ الْعُرْفِ.
(الْخَامِسُ الْيَسَارُ بِمَالٍ بِحَسَبِ مَا يَجِبُ لَهَا مِنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ) وَ (قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ بِحَيْثُ لَا تَتَغَيَّرُ عَلَيْهَا عَادَتُهَا عِنْدَ أَبِيهَا فِي بَيْتِهِ فَلَا يَكُونُ الْمُعْسِرُ كُفْئًا لِمُوسِرَةٍ) لِأَنَّ عَلَى الْمُوسِرَةِ ضَرَرًا فِي إعْسَارِ زَوْجِهَا لِإِخْلَالِهِ بِنَفَقَتِهَا وَمُؤْنَةِ أَوْلَادِهِ وَلِهَذَا مَلَكَتْ الْفَسْخ بِإِعْسَارِهِ بِالنَّفَقَةِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ كَتَفَاضُلِهِمْ فِي النَّسَبِ.
(فَائِدَةٌ) وَلَدُ الزِّنَا قَدْ قِيلَ إنَّهُ كُفْءٌ لِذَاتِ نَسَبٍ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ أَنْ يُنْكَحَ إلَيْهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُحِبَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَتَضَرَّرُ بِهِ هِيَ وَأَوْلِيَاؤُهَا وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى وَلَدِهَا وَلَيْسَ هُوَ كُفْئًا لِلْعَرَبِيَّةِ بِغَيْرِ إشْكَالٍ فِيهِ لِأَنَّهُ أَدْنَى حَالًا مِنْ الْمَوَالِي قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَلَيْسَ مَوْلَى الْقَوْمِ كُفْئًا لَهُمْ) نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فِي الصَّدَقَةِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ هَذَا هَكَذَا فِي التَّزْوِيجِ وَنَقَلَ مُهَنَّا أَنَّهُ كُفُؤٌ لَهُمْ ذَكَرَهُمَا فِي الْخِلَافِ.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ (تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ كُفُءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا) لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهَا وَإِدْخَالٌ لِلْعَارِ عَلَيْهَا (وَيَفْسُقُ بِهِ) أَيْ: بِتَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ كُفُءٍ بِلَا رِضَاهَا (الْوَلِيُّ) .
قُلْتُ إنْ تَعَمَّدَهُ (وَيَسْقُطُ خِيَارُهَا) أَيْ الْمَرْأَةُ إذَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ كُفُءٍ (بِمَا يَدُلُّ) مِنْهَا (عَلَى الرِّضَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) بِأَنْ مَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا عَالِمَةً بِهِ (وَأَمَّا الْأَوْلِيَاءُ فَلَا يَثْبُتُ رِضَاهُمْ إلَّا بِالْقَوْلِ) بِأَنْ يَقُولُوا أَسْقَطْنَا الْكَفَاءَةَ أَوْ رَضِينَا بِهِ غَيْرَ كُفْءٍ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا سُكُوتُهُمْ فَلَيْسَ بِرِضًا (وَلَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الصِّفَاتُ) وَهِيَ الدِّينُ وَالْمَنْصِبُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالصِّنَاعَةُ غَيْرَ الذُّرِّيَّةِ وَالْيَسَارِ (فِي الْمَرْأَةِ) لِأَنَّ الْوَلَدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ أَبِيهِ لَا بِشَرَفِ أُمِّهِ (فَلَيْسَتْ الْكَفَاءَةُ شَرْطًا فِي حَقِّهَا لِلرَّجُلِ) وَقَدْ تَزَوَّجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ وَتَسَرَّى بِالْإِمَاءِ.
(وَالْعَرَبُ مِنْ قُرَشِيٍّ وَغَيْرِهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ) لِأَنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ الْمِقْدَادِ الْكِنْدِيَّ تَزَوَّجَ
ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَزَوَّجَ أَبُو بَكْرٍ أُخْتَهُ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ الْكِنْدِيَّ وَزَوَّجَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَسَائِرُ النَّاسِ أَيْ بَاقِيهِمْ بَعْدَ الْعَرَبِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ انْتَهَى.
[بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ]
ِ وَهُوَ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ (يَحْرُمُ عَلَى الْأَبَدِ) وَهُنَّ أَقْسَامٌ الْأَوَّلُ بِالنَّسَبِ وَهُنَّ سَبْعٌ (الْأُمُّ وَالْجَدَّةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ (وَإِنْ عَلَتْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] وَأُمَّهَاتُكَ كُلُّ مَنْ انْتَسَبَ إلَيْهَا بِوِلَادَةٍ سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ الْأُمِّ حَقِيقَة وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْك أَوْ مَجَازًا وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْ وَلَدِكَ وَإِنْ عَلَتْ وَارِثَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ وَارِثَةٍ ذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ «هَاجَرَ أُمَّ إسْمَاعِيلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ» .
وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أَبِينَا آدَمَ وَأُمِّنَا حَوَّاءَ (وَالْبِنْتُ مِنْ حَلَالٍ) زَوْجَةً أَوْ سُرِّيَّةً (أَوْ) مِنْ (حَرَامٍ) كَزِنَا (أَوْ) مِنْ (شُبْهَةٍ أَوْ مَنْفِيَّةً بِلِعَانٍ) لِدُخُولِهِنَّ فِي عُمُومِ لَفْظِ وَبَنَاتِكُمْ وَلِأَنَّ ابْنَتَهُ مِنْ الزِّنَا خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ كَتَحْرِيمِ الزَّانِيَةِ عَلَى وَلَدِهَا مِنْ الزِّنَا وَالْمَنْفِيَّةُ بِلِعَانٍ لَا يَسْقُطُ احْتِمَالُ كَوْنِهَا خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ.
(وَيَكْفِي فِي التَّحْرِيمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا بِنْتُهُ ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ النَّسَبُ لِغَيْرِهِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الشَّبَه يَكْفِي فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ سَوْدَةُ: أَلَيْسَ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْ ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ وَقَالَ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَقَالَ: إنَّمَا حَجَبَهَا لِلشَّبَهِ الَّذِي رَأَى بِعَيْنِهِ (وَبَنَاتُ الْأَوْلَادِ ذُكُورًا كَانُوا) أَيْ الْأَوْلَادُ (أَوْ إنَاثًا وَإِنْ سَفَلْنَ) وَارِثَاتٌ أَوْ غَيْرَ وَارِثَاتٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] .
(وَالْأُخْتُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ شَقِيقَةً أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] (وَبَنَاتُ كُلِّ أَخٍ وَ) بَنَاتُ كُلِّ (أُخْتٍ) وَبَنَاتُ ابْنِهِمَا (وَإِنْ سَفَلْنَ وَبَنَاتُ ابْنَتِهِمَا كَذَلِكَ) لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: 23]
(وَالْعَمَّاتُ) مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَإِنْ عَلَوْنَ (وَالْخَالَاتُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَإِنْ عَلَوْنَ) لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] .
وَ (لَا) تَحْرُم (بَنَاتُهُنَّ) أَيْ بَنَاتُ الْعَمَّاتِ وَبَنَاتُ الْخَالَاتِ (وَتَحْرُمُ عَمَّةُ أَبِيهِ) وَعَمَّةُ جَدِّهِ وَإِنْ عَلَا لِأَنَّهَا عَمَّتُهُ.
(وَ) تَحْرُمُ (عَمَّةُ أُمِّهِ) وَعَمَّةُ جَدَّتِهِ وَإِنْ عَلَتْ لِأَنَّهَا عَمَّتُهُ (وَ) تَحْرُمُ عَمَّةُ الْعَمِّ لِأَبٍ لِأَنَّهَا عَمَّةُ أَبِيهِ و (لَا) تَحْرُمُ (عَمَّةُ الْعَمِّ لِأُمٍّ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ) مِنْهُ (وَتَحْرُمُ خَالَةُ الْعَمَّةِ لِأُمٍّ) لِأَنَّهَا خَالَةُ الْأَبِ.
وَ (لَا) تَحْرُمُ (خَالَةُ الْعَمَّةِ لِأَبٍ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ) مِنْهُ (وَتَحْرُمُ عَمَّةُ الْخَالَةِ لِأَبٍ لِأَنَّهَا عَمَّةُ الْأُمِّ وَلَا تَحْرُمُ عَمَّةُ الْخَالَةِ لِأُمٍّ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ) فَتَحْرُمُ كُلُّ نَسَبِيَّةٍ سِوَى بِنْتِ عَمَّةٍ وَبِنْت خَالٍ وَبِنْتِ خَالَةٍ.
الْقِسْمُ الثَّانِي مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَتَحْرُمُ زَوْجَاتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَطْ) دُونَ بَنَاتِهِنَّ وَأُمَّهَاتِهِنَّ (عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ مَنْ فَارَقَهَا) فِي الْحَيَاةِ (وَهُنَّ أَزْوَاجُهُ دُنْيَا وَأُخْرَى) وَتَقَدَّمَ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (: يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مَنْ النَّسَبِ) فَكُلُّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ بِالنَّسَبِ حَرُمَ مِثْلُهَا بِالرَّضَاعِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ فَقَالَ إنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّحِمِ» .
وَفِي لَفْظٍ «مِنْ النَّسَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنْ الرَّضَاعِ مَا حَرَّمَ مِنْ النَّسَبِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (وَلَوْ) كَانَ الرَّضَاعُ (بِلَبَنٍ غَصَبَهُ فَأَرْضَعَ بِهِ طِفْلًا) أَوْ أَكْرَهَ امْرَأَةً عَلَى إرْضَاعِ طِفْلٍ لِأَنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُبَاحًا، بِدَلِيلِ أَنَّ الزِّنَا يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ.
(قَالَ ابْنُ الْبَنَّاءِ وَابْنُ حَمْدَانَ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ: إلَّا أُمَّ أَخِيهِ وَأُخْتَ ابْنِهِ يَعْنُونَ فَلَا تَحْرُمَانِ بِالرَّضَاعِ وَفِيهَا) أَرْبَعُ (صُوَرٍ وَلِهَذَا قِيلَ إلَّا الْمُرْضِعَةَ وَبِنْتَهَا عَلَى أَبِي الْمُرْتَضِعِ وَأَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ وَ) إلَّا (عَكْسِهِ) أَيْ أُمُّ الْمُرْتَضِعِ وَأُخْتُهُ مِنْ النَّسَبِ لَا يَحْرُمَانِ عَلَى أَبِي الْمُرْتَضِع وَلَا ابْنِهِ الَّذِي هُوَ أَخُو الْمُرْتَضِعِ فِي الرَّضَاع (وَالْحُكْمُ) الَّذِي هُوَ الْإِبَاحَةُ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ (صَحِيحٌ وَيَأْتِي فِي الرَّضَاعِ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ) .
وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَغَيْرِهِ: لَكِنَّ الصَّوَابَ (عَدَمُ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ إبَاحَتهنَّ لِكَوْنِهِنَّ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ لَا فِي مُقَابَلَةِ مَنْ يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ وَالشَّارِعُ إنَّمَا حَرَّمَ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ لَا مَا يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ) .
[فَصْلٌ الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ]
فَصْلٌ الْقِسْمُ الرَّابِعُ الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ (وَيَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ أَرْبَعٌ) عَلَى التَّأْبِيدِ (ثَلَاثٌ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَهُنَّ أُمَّهَاتُ نِسَائِهِ) وَإِنْ عَلَوْنَ مِنْ النَّسَبِ وَمِثْلهنَّ مِنْ رَضَاعٍ فَيَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهَا مِنْ نِسَائِهِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ " أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ الْقُرْآنُ أَنْ عَمِّمُوا حُكْمَهَا فِي كُلّ حَالَ وَلَا تُفَضِّلُوا بَيْن الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا ".
(وَحَلَائِلُ أَبِيهِ وَهُنَّ كُلُّ مَنْ تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ لِأَبِيهِ أَوْ لِأُمِّهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ وَإِنْ عَلَا فَارَقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا) .
وَحَلَائِلُهُمْ زَوْجَاتُهُمْ سُمِّيَتْ امْرَأَةُ الرَّجُلِ حَلِيلَةً لِأَنَّهَا تَحِلُّ إزَارَ زَوْجِهَا وَهِيَ مُحَلَّلَةٌ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِهِ وَهُنَّ كُلُّ مَنْ تَزَوَّجَهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ أَوْ) مِنْ بَنِي أَوْلَادِهِ وَإِنْ نَزَلُوا مِنْ أَوْلَادِ الْبَنِينَ أَوْ الْبَنَاتِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: 23] مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وقَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: 23] لِلِاحْتِرَازِ عَمَّنْ يَتَبَنَّاهُ وَلَيْسَ مِنْهُ.
(وَتُبَاحُ بَنَاتُهَا) أَيْ بَنَاتُ حَلَائِلِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَأُمَّهَاتُهُنَّ لِدُخُولِهِنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] (وَالرَّابِعَةُ الرَّبَائِبُ وَلَوْ كُنَّ فِي غَيْرِ حِجْرِهِ) لِأَنَّ التَّرْبِيَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي التَّحْرِيمِ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23] فَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُج مَخْرَج الشَّرْطِ وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِذَلِكَ تَعْرِيفًا لَهَا بِغَالِبِ أَحْوَالِهَا وَمَا خَرَجَ مَخْرَجٌ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمَفْهُومِهِ (وَهُنَّ) أَيْ الرَّبَائِبُ الْمُحَرَّمَاتُ (بَنَاتُ نِسَائِهِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ) صِفَةٌ لِلنِّسَاءِ (دُونَ) النِّسَاءِ (اللَّاتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ) فَلَا تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] .
(فَإِنْ مُتْنَ) أَيْ نِسَاؤُهُ (قَبْلَ الدُّخُولِ) أَيْ الْوَطْءِ لَمْ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ (أَوْ أَبَانَهُنَّ) الزَّوْجُ (بَعْدَ الْخَلْوَةِ وَقَبْلَ الْوَطْءِ لَمْ تَحْرُمْ الْبَنَاتُ) لِأَنَّ الْخَلْوَةَ لَا تُسَمَّى دُخُولًا (فَلَا يُحَرِّمُ الرَّبِيبَة إلَّا الْوَطْءُ) دُونَ الْعَقْدِ وَالْخَلْوَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ.
(قَالَ الشَّارِحُ: وَالدُّخُولُ بِهَا وَطْؤُهَا كَنَّى عَنْهُ بِالدُّخُولِ وَتَحْرُمُ بِنْتُ رَبِيبَةٍ نَصًّا وَ) تَحْرُمُ (بِنْتُ رَبِيبَتِهِ) وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْقَرِيبَاتُ وَالْبَعِيدَاتُ لِدُخُولِهِنَّ فِي الرَّبَائِبِ.
(وَتُبَاحُ زَوْجَةُ رَبِيبِهِ) إنْ أَبَانَهَا أَوْ خَلَتْ مِنْ الْمَوَانِعِ لِزَوْجِ أُمِّهِ (وَتُبَاحُ) لَهُ (أُخْتُ أَخِيهِ لِأُمِّهِ) مِنْ أَبِيهِ (وَ) تُبَاحُ لَهُ (بِنْتُ زَوْجِ أُمِّهِ وَ) تُبَاحُ لَهُ (زَوْجَةُ زَوْجِ أُمِّهِ وَ) تُبَاحُ لَهُ (حَمَاةُ وَلَدِهِ وَ) حَمَاةُ (وَالِدِهِ وَبِنْتَاهُمَا) أَيْ بِنْتَا حَمَاةِ وَلَدِهِ وَحَمَاةِ وَالِدِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] (1) .
(فَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ ابْنٌ أَوْ بِنْتٌ مِنْ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وُلِدَ لَهُ) أَيْ الِابْنُ أَوْ وَلَدَتْ الْبِنْتُ (قَبْلَ تَزْوِيجِهِ بِهَا أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ) أَنَّهُ وُلِدَ لَهُ (بَعْدَ فِرَاقِهَا وَلَهَا) أَيْ زَوْجَتِهِ (بِنْتٌ أَوْ ابْنٌ مِنْ غَيْرِهِ وَلَدَتْهَا) أَيْ الْبِنْتُ أَوْ وَلَدَتْهُ (قَبْلَ تَزْوِيجِهِ بِهَا أَوْ بَعْدَهُ وَبَعْدَ وَطْئِهَا أَوْ فِرَاقِهَا وَلَدَتْهُ مِنْ آخَرَ جَازَ تَزْوِيجُهُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ.
(وَيُبَاحُ لَهَا) أَيْ لِلْأُنْثَى (ابْنُ زَوْجَةِ ابْنِهَا وَ) يُبَاحُ لَهَا (ابْنُ زَوْجِ ابْنَتِهَا وَ) يُبَاحُ لَهَا (ابْنُ زَوْجِ أُمِّهَا وَ) يُبَاحُ لَهَا (زَوْجُ زَوْجَةِ ابْنِهَا وَ) يُبَاحُ لَهَا (زَوْجُ زَوْجَةِ أَبِيهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْفُرُوجِ الْحِلُّ بِالْعَقْدِ إلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ.
(وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِوَطْءٍ حَلَالٍ (1)) إجْمَاعًا (وَ) بِوَطْءٍ حَرَامٍ كَزِنًا (وَ) بِوَطْءِ (شُبْهَةٍ وَلَوْ) كَانَ الْوَطْءُ (فِي دُبُرٍ) لِأَنَّ الْوَطْءَ يُسَمَّى نِكَاحًا كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ كِتَابِ النِّكَاحِ فَيَدْخُل فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: 22] (2) الْآيَةَ وَنَظَائِرَهَا.
وَفِي الْآيَةِ أَيْضًا قَرِينَةٌ تَصْرِفهُ إلَى الْوَطْءِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [النساء: 22] (3) وَهَذَا التَّغْلِيظُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَطْءِ وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ مِنْ التَّحْرِيمِ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَالْخِرَقِيِّ أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ لَيْسَ بِحَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ.
وَصَرَّحَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ: أَنَّهُ حَرَامٌ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ (وَلَا يَثْبُتُ) التَّحْرِيمُ بِالْوَطْءِ (إنْ كَانَتْ) الْمَوْطُوءَةُ (مَيِّتَةً أَوْ صَغِيرَةً لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْبَعْضِيَّةِ أَشْبَهَ النَّظَرَ (وَلَا) يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ (بِمُبَاشَرَتِهَا وَلَا بِنَظَرِهِ إلَى فَرْجِهَا أَوْ) بِنَظَرِهِ (إلَى غَيْرِهِ وَلَا بِخُلُوِّهِ) وَلَوْ (لِشَهْوَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] (4) يُرِيدُ بِالدُّخُولِ الْوَطْءَ.
(وَكَذَا لَوْ فَعَلَتْ هِيَ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ وَغَيْرِهِ
وَالْخَلْوَةُ لِشَهْوَةٍ (بِرَجُلٍ) لَمْ تَحْرُمْ بِنْتُهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا (أَوْ اسْتَدْخَلَتْ) الْمَرْأَةُ (مَاءَهُ) أَيْ مَنِيَّهُ بِقُطْنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَلَا تَحْرُمُ بِنْتهَا عَلَيْهِ لِعَدَمِ الدُّخُولِ بِالْأُمِّ وَكَذَا لَا تَحْرُمُ هِيَ عَلَى أَبِيهِ وَلَا عَلَى ابْنِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَقَدَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا عَقْدَ وَلَا وَطْءَ نَقَلَهُ فِي الْإِنْصَافِ عَنْ التَّعْلِيقِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى هُنَا وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ مَنِيَّ زَوْجٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ بِشَهْوَةٍ ثَبَتَ النَّسَبُ وَالْعِدَّةُ وَالْمُصَاهَرَةُ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى فِي الصَّدَاقِ (وَيَحْرُم بِاللِّوَاطِ لَا بِدَوَاعِيهِ) مِنْ قُبْلَةٍ وَنَحْوِهَا (وَلَا بِمُسَاحَقَةِ النِّسَاءِ مَا يَحْرُمُ بِوَطْءِ الْمَرْأَةِ مَنْ تَلُوطُ بِغُلَامٍ) غَيْرِ بَالِغٍ يُطِيقُ الْجِمَاعَ (أَوْ بِبَالِغٍ حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ اللَّائِطِ وَالْمَلُوطِ بِهِ (أُمُّ الْآخَرِ وَابْنَتُهُ نَصًّا) لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ فَنَشَرَ الْحُرْمَةَ (1) كَوَطْءِ الْمَرْأَةِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ الصَّحِيحِ أَنَّ هَذَا لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِنَّ فِي التَّحْرِيمِ فَيَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَلِأَنَّهُنَّ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِنَّ وَلَا هُنَّ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فِيهِنَّ فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي هَذَا حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ وَمَنْ نَكَحَهُنَّ الْآبَاءُ وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ وبَنَاتُهُنَّ.
وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِنْهُنَّ وَلَا فِي مَعْنَاهُنَّ (وَتَحْرُمُ أُخْتُهُ مِنْ الزِّنَا وَبِنْتُ ابْنِهِ) مِنْ الزِّنَا (وَبِنْتُ بِنْتِهِ مِنْ الزِّنَا) وَإِنْ نَزَلَتْ (وَبِنْتُ أَخِيهِ) مِنْ الزِّنَا (وَبِنْتُ أُخْتِهِ مِنْ الزِّنَا) وَكَذَا عَمَّتُهُ وَخَالَتُهُ مِنْ الزِّنَا.
وَكَذَا حَلِيلَةُ الْأَبِ وَالِابْنِ مِنْ الزِّنَا لِدُخُولِهِنَّ فِي الْعُمُومَاتِ السَّابِقَةِ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ الْمُحَرَّمَةُ بِاللِّعَانِ وَذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَتَحْرُمُ الْمُلَاعَنَةُ عَلَى الْمُلَاعِنِ عَلَى التَّأْبِيدِ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ " مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَا أَبَدًا رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ (وَلَوْ أَكْذَبَ) الْمُلَاعِنُ (نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ قَبْلَ الْجَلْدِ وَالتَّكْذِيبِ فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِهِمَا (أَوْ كَانَ اللِّعَانُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ) لِنَفْيِ الْوَلَدِ (أَوْ) كَانَ اللِّعَانُ (فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ) لِنَفْيِ الْوَلَدِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَته لَمْ تَحِلَّ لَهُ أَبَدًا قَالَهُ الشَّيْخُ عُقُوبَةً لَهُ) بِنَقِيضِ قَصْدِهِ الْمُحَرَّمِ كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ (وَقَالَ) الشَّيْخُ (فِي رَجُلٍ خَبَّبَ) أَيْ خَدَعَ (امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا) حَتَّى طَلَّقَهَا (يُعَاقَبُ عُقُوبَةً بَلِيغَةً) لِارْتِكَابِهِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ (وَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا وَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا) عُقُوبَةً لَهُ كَمَنْعِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ.
(وَإِذَا فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحًا لِعُنَّةٍ أَوْ عَيْبٍ يُوجِبُ) أَيْ يَقْتَضِي (الْفَسْخَ) كَجُنُونٍ وَجُذَامٍ وَنَحْوِهِمَا (لَمْ تَحْرُمْ) الْمَفْسُوخُ نِكَاحُهَا عَلَى الْمَفْسُوخِ عَلَيْهِ (عَلَى التَّأْبِيدِ) بَلْ تُبَاحُ لَهُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] (1) .
[فَصْلٌ الْمُحَرَّمَاتُ إلَى أَمَدٍ]
فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ إلَى أَمَدٍ وَهُنَّ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا لِأَجْلِ الْجَمْعِ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَيَحْرُم الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ أَوْ حُرَّةً وَأَمَةً قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23] (2) .
(وَ) وَيَحْرُمُ الْجَمْعُ أَيْضًا (بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ) بَيْن الْمَرْأَةِ وَ (خَالَتِهَا وَلَوْ رَضِيَتَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا كَعَمَّاتِ آبَائِهِمْ وَخَالَاتِهِمْ) أَيْ خَالَاتِ الْآبَاءِ وَإِنْ عَلَوْا (وَعَمَّاتِ أُمَّهَاتِهِنَّ وَخَالَاتِهِنَّ وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّه اخْتِلَافٌ إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّنْ لَا تُعَدُّ مُخَالَفَتُهُ خِلَافًا، وَهُمْ الرَّافِضَةُ وَالْخَوَارِجُ لَمْ يُحَرِّمُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَقُولُوا بِالنِّسْبَةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد «وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتهَا وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا، لَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى» وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَإِفْضَاءُ ذَلِكَ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ فَإِنْ احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]