كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 488-16
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قُلْتُ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَائِمًا وَالْآخَرُ قَاعِدًا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ فَلَا يُقَدِّمُ الْقَائِمُ عَقِبَهُ عَلَى مُؤَخَّرِ أَلْيَةِ الْجَالِسِ.

(وَإِنْ أَمَّ) رَجُلٌ (خُنْثَى وَقَفَ) الْخُنْثَى (عَنْ يَمِينِهِ) احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَالْخُنْثَى عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِ الرَّجُلِ وَلَا يَقِفَانِ خَلْفَهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ رَجُلٌ آخَرُ وَقَفَ الثَّلَاثَةُ خَلْفَهُ صَفًّا.

(وَإِنْ أَمَّ رَجُلٌ) امْرَأَةً وَقَفَتْ خَلْفَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ أَوْ رِجَالٌ أَوْ لَا (أَوْ) أَمَّ (خُنْثَى امْرَأَةً وَقَفَ خَلْفَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» (فَإِنْ وَقَفَتْ) الْمَرْأَةُ (عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ يَمِينِ الرَّجُلِ أَوْ الْخُنْثَى الْإِمَامِ، فَكَرَجُلٍ، فَتَصِحُّ (أَوْ) وَقَفَتْ (عَنْ يَسَارِهِ، فَكَرَجُلٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا بِيَسَارِهِ وَإِلَّا صَحَّتْ.
وَفِي التَّعْلِيقِ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ رَجُلًا وَهُوَ عُرْيَانٌ فَإِنَّمَا تَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ.
(وَيُكْرَهُ لَهَا الْوُقُوفُ فِي صَفِّ الرِّجَالِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَأْخِيرِهِنَّ (فَإِنْ فَعَلَتْ) أَيْ وَقَفَتْ فِي صَفِّ الرِّجَالِ (لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا وَلَا) صَلَاةُ (مَنْ خَلْفَهَا) فَصَفٌّ تَامٌّ مِنْ نِسَاءٍ لَا يَمْنَعُ اقْتِدَاءَ مَنْ خَلْفَهُنَّ مِنْ الرِّجَالِ (وَلَا) صَلَاةُ مَنْ (أَمَامَهَا وَلَا صَلَاتُهَا) كَمَا لَوْ وَقَفَتْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَالْأَمْرُ بِتَأْخِيرِهَا لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ مَعَ عَدَمِهِ.

(وَإِنْ أَمَّ) رَجُلٌ (رَجُلًا وَصَبِيًّا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ) لِكَمَالِ الرَّجُلِ (وَالصَّبِيُّ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ) أَمَّ (رَجُلًا وَامْرَأَةً وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا» .

(وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ الصَّفِّ عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ خَلْفَهُ وَكَذَا إنْ بَعُدَ الصَّفُّ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِمَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ (نَصًّا وَقُرْبُهُ) أَيْ الصَّفِّ (مِنْهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَفْضَلُ) مِنْ بُعْدِهِ وَكَذَا قُرْبُ الصُّفُوفِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ.
(وَكَذَا تَوَسُّطُهُ) أَيْ الْإِمَامِ لِلصَّفِّ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَسِّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

(وَإِنْ انْقَطَعَ) الصَّفُّ (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ إنْ كَانَ) الِانْقِطَاعُ بَعْدَ مُقَامِ الثَّلَاثَةِ رِجَالٌ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ) أَيْ صَلَاةُ الْمُنْقَطِعِينَ عَنْ الصَّفِّ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ، وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى.

(وَإِنْ اجْتَمَعَ) فِي الصَّلَاةِ (أَنْوَاعٌ) مِنْ رِجَالٍ وَصِبْيَانٍ وَنِسَاءٍ وَخَنَاثَى (سُنَّ تَقْدِيمُ رِجَالٍ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ قَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَأَقَامَ الصَّفَّ فَصَفَّ الرِّجَالَ وَصَفَّ، الْغِلْمَانَ خَلْفَهُمْ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ، وَزَادَ فِيهِ وَالنِّسَاءَ خَلْفَ الْغِلْمَانِ.

وَيُقَدَّمُ مِنْ

الرِّجَالِ (أَحْرَارٌ) عَلَى أَرِقَّاءَ لِمَزِيَّتِهِمْ بِالْحُرِّيَّةِ (ثُمَّ عَبِيدٌ) بَالِغُونَ (الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ، ثُمَّ الْأَفْضَلُ) مِنْهُمَا لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (ثُمَّ صِبْيَانٌ كَذَلِكَ) أَيْ أَحْرَارٌ، ثُمَّ عَبِيدٌ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ خَنَاثَى) هَكَذَا فِي الْمُقْنِعُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا رِجَالًا وَهَذَا إنْ قُلْنَا: يَصِحُّ وُقُوفُ الْخَنَاثَى صَفًّا.
وَفِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ وَقَفَ الْخَنَاثَى صَفًّا لَمْ يَصِحَّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ مَعَ الْمَرْأَةِ فَذٌّ (ثُمَّ نِسَاءٌ) أَحْرَارٌ بَالِغَاتٌ، ثُمَّ إمَاءٌ بَالِغَاتٌ، ثُمَّ أَحْرَارٌ غَيْرُ بَالِغَاتٍ ثُمَّ إمَاءٌ غَيْرُ بَالِغَاتٍ، الْفُضْلَى فَالْفُضْلَى.

(وَيُقَدَّمُ مِنْ الْجَنَائِزِ إلَى الْأَمَامِ) عِنْدَ اجْتِمَاعِ مَوْتَى فِي الْمُصَلَّى (وَ) يُقَدَّمُ (إلَى الْقِبْلَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ حَيْثُ جَازَ) دَفْنُ مَيِّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (رَجُلٌ حُرٌّ ثُمَّ عَبْدٌ بَالِغٌ، ثُمَّ صَبِيٌّ كَذَلِكَ) أَيْ حُرٌّ، ثُمَّ عَبْدٌ (ثُمَّ خُنْثَى) حُرٌّ ثُمَّ عَبْدٌ بَالِغٌ، ثُمَّ الصَّبِيُّ فِيهِمَا (ثُمَّ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ) بَالِغَةٌ (ثُمَّ أَمَةٌ) بَالِغَةٌ، ثُمَّ صَبِيَّةٌ حُرَّةٌ ثُمَّ صَبِيَّةٌ أَمَةٌ.
(وَتَأْتِي تَتِمَّتُهُ) فِي الْجَنَائِزِ وَتَقَدَّمَ مَعَ تَعَدُّدِ النَّوْعِ الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ كَمَا فِي الْمُصَافَّةِ (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا امْرَأَةٌ) وَهُوَ رَجُلٌ فَفَذٌّ (أَوْ) لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا (كَافِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ خُنْثَى أَوْ مُحْدِثٌ أَوْ نَجِسٌ يَعْلَمُ مُصَافَّةَ ذَلِكَ) أَيْ إنَّهُ مُحْدِثٌ أَوْ نَجِسٌ وَكَذَا لَوْ عَلِمَ الْمُصَافُّ حَدَثَ أَوْ نَجَسَ نَفْسِهِ (فَفَذٌّ) ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْوُقُوفِ مَعَهُ وَلِأَنَّ وُجُودَ الْكَافِرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُحْدِثِ وَالنَّجِسِ كَعَدَمِهِ وَكَذَا إذَا وَقَفَ مَعَهُ سَائِرُ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ.
قَالَهُ فِي الشَّرْحِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ صَحَّتْ مُصَافَّتُهُ (وَكَذَا) مَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا (صَبِيٌّ فِي فَرْضٍ) وَهُوَ رَجُلٌ فَفَذٌّ لِمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا فَلَيْسَ بِفَذٍّ «لِقَوْلِ أَنَسٍ فَقَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (كَذَا) (امْرَأَةٌ مَعَ نِسَاءٍ) إذَا لَمْ يَقِفْ مَعَهَا إلَّا كَافِرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ، أَوْ مَنْ تَعْلَمُ حَدَثَهَا أَوْ نَجَاسَتَهَا فَفَذٌّ أَوْ وَقَفَ مَعَهَا فِي فَرْضٍ غَيْرُ بَالِغَةٍ فَفَذٌّ.
(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُحْدِثُ حَدَثَ نَفْسِهِ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى انْقَضَتْ (وَلَا عَامَّةُ مَصَافِّهِ) كَذَلِكَ (فَلَيْسَ بِفَذٍّ) وَكَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بُقْعَتِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ وَلَا عَلِمَهُ مُصَافُّهُ حَتَّى انْقَضَتْ فَلَيْسَ بِفَذٍّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامًا لَهُ، إذَنْ لَمْ يَعُدْ فَأَوْلَى إذَا كَانَ مُصَافًّا.

(وَمَنْ وَقَفَ مَعَهُ مُتَنَفِّلٌ أَوْ مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ كَالْأُمِّيِّ) يَقِفُ مَعَ الْقَارِئِ (وَالْأَخْرَسِ) يَقْفُ مَعَ النَّاطِقِ (وَالْعَاجِزِ) عَنْ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ يَقِفُ مَعَ الْقَادِرِ عَلَيْهِ (وَنَاقِصِ الطَّهَارَةِ) الْعَاجِزِ عَنْ إكْمَالِهَا يَقْفُ مَعَ تَامِّ الطَّهَارَةِ (وَالْفَاسِقِ) يَقِفُ مَعَ الْعَدْلِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ

(فَصَلَاتُهُمَا صَحِيحَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا صِحَّةُ الْإِمَامَةِ.

(وَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ فُرْجَةً) بِضَمِّ الْفَاءِ وَهِيَ الْخَلَلُ فِي الصَّفِّ دَخَلَ فِيهِ (أَوْ وَجَدَهُ) أَيْ الصَّفَّ (غَيْرَ مَرْصُوصٍ دَخَلَ فِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصَّفَّ» . قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ فَإِنْ كَانَتْ: أَيْ الْفُرْجَةُ، بِحِذَائِهِ كُرِهَ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْهَا عَرْضًا (فَإِنْ مَشَى إلَى الْفُرْجَةِ عَرْضًا بَيْن يَدَيْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي الْحَدِيثَ وَلَعَلَّ عَدَمَ التَّحْرِيمِ هُنَا إمَّا؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ أَوْ لِلْحَاجَةِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَوْضِعًا فِي الصَّفِّ يَقِفُ فِيهِ (وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ إنْ أَمْكَنَهُ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَوْقِفُ الْوَاحِدِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) الْوُقُوفُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ (فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ بِكَلَامٍ أَوْ بِنَحْنَحَةٍ أَوْ إشَارَةٍ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اجْتِنَابِ الْفَذِّيَّةِ (وَيَتْبَعُهُ) مَنْ يُنَبِّهُهُ، وَظَاهِرُهُ وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ.
(وَيُكْرَهُ) تَنْبِيهُهُ (بِجَذْبِهِ نَصًّا) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
(وَلَوْ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ ابْنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، حَالَ الْعِبَادَةِ: كَالْأَجْنَبِيِّ (فَإِنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَةً وَلَوْ امْرَأَةً خَلْفَ امْرَأَةٍ) لَمْ تَصِحَّ لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ شَيْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَثْبَتَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَوْقِفَ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ قُدَّامَ الْإِمَامِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِدِ وَضِدِّهِمَا (أَوْ) وَقَفَ (عَنْ يَسَارِهِ، وَلَوْ) كَانَ الْمَأْمُومُ (جَمَاعَةً مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ لَمْ تَصِحَّ) إذَا صَلَّى رَكْعَةً كَذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ مَوْقِفِهِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ.

(وَلَوْ كَانَ خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (صَفٌّ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى عَنْ يَسَارِهِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ (فَإِنْ كَبَّرَ) فَذًّا (ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ طَمَعًا فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ.
(وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ أَوْ وَقَفَ مَعَهُ) مَأْمُومٌ (آخَرُ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ) مِنْ الرُّكُوعِ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ فِي الصَّفِّ مَا يُدْرِكُ بِهِ الرَّكْعَةَ.
(وَكَذَا إنْ رَفَعَ الْإِمَامُ) مِنْ الرُّكُوعِ فَذًّا (وَلَمْ يَسْجُدْ) حَتَّى دَخَلَ الصَّفَّ، أَوْ جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَ مَعَهُ الرُّكُوعَ.
(وَلَا) تَصِحُّ صَلَاتُهُ (إنْ سَجَدَ) إمَامُهُ

قَبْل دُخُولِهِ فِي الصَّفِّ، وَمَجِيءِ آخَرَ يَقْفُ مَعَهُ، لِانْفِرَادِهِ فِي مُعْظَمِ الرَّكْعَةِ.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ رَكَعَ وَرَفَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ الصَّفَّ أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ بِأَنْ لَا يَخَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْمَعْذُورِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ.

(وَلَوْ زُحِمَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجُمُعَةِ، فَأُخْرِجَ مِنْ الصَّفِّ، وَبَقِيَ فَذًّا فَإِنَّهُ يَنْوِي مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ) لِلْعُذْرِ.
(وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ (وَإِنْ أَقَامَ عَلَى مُتَابَعَةِ إمَامِهِ، وَيُتِمُّهَا مَعَهُ) جُمُعَةً (فَذًّا، صَحَّتْ جُمُعَتُهُ) فِي وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى فَاغْتُفِرَ فِيهَا ذَلِكَ وَصَحَّحَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ عَدَمَ الصِّحَّةِ، ذَكَرَهُ فِي الْجُمُعَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاقْتِدَاءِ]

(فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاقْتِدَاءِ) (إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى الْإِمَامَ أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ، وَكَانَا فِي الْمَسْجِدِ صَحَّتْ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (وَلَوْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ عُرْفًا) ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلْجَمَاعَةِ فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ فِيهِ حَصَلَ فِي مَحَلِّ الْجَمَاعَةِ، بِخِلَافِ خَارِجِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلِاجْتِمَاعِ فِيهِ فَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ الِاتِّصَالُ فِيهِ.
(وَكَذَا إنْ لَمْ يَرَ) الْمَأْمُومُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ: الْإِمَامِ أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ (إنْ سَمِعَ التَّكْبِيرَ) ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْجَمَاعَةِ وَيُمْكِنُهُمْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ أَشْبَهَ الْمُشَاهَدَةَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ التَّكْبِيرَ وَلَمْ يَرَهُ وَلَا بَعْضُ مَنْ وَرَاءَهُ (فَلَا) تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِإِمَامِهِ.

(وَإِنْ كَانَا) أَيْ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (خَارِجَيْنِ عَنْهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ (أَوْ) كَانَ (الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ) خَارِجًا عَنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِهِ الْإِمَامُ وَلَوْ كَانَ بِمَسْجِدٍ آخَرَ (وَأَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ صَحَّتْ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (إنْ رَأَى) الْمَأْمُومُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ بَعْضِ مَنْ وَرَاءَهُ وَلَوْ كَانَتْ جُمُعَةً فِي دَارٍ أَوْ دُكَّانٍ لِانْتِفَاءِ الْمُفْسِدِ وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلصِّحَّةِ وَهُوَ الرُّقْيَةُ وَإِمْكَانُ الِاقْتِدَاءِ.
(وَلَوْ) كَانَتْ الرُّقْيَةُ (مِمَّا لَا يُمْكِنْ الِاسْتِطْرَاقُ مِنْهُ كَشُبَّاكٍ وَنَحْوِهِ) كَطَاقٍ صَغِيرَةٍ، فَتَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (وَإِنْ لَمْ يَرَ) الْمَأْمُومُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ بَعْضِ مَنْ وَرَاءَهُ.
(وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ وَهُمَا خَارِجَا الْمَسْجِدِ أَوْ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ خَارِجَهُ (لَمْ يَصِحَّ) اقْتِدَاؤُهُ بِهِ (وَلَوْ سَمِعَ التَّكْبِيرَ) لِقَوْلِ

عَائِشَةَ لِنِسَاءٍ كُنَّ يُصَلِّينَ فِي حُجْرَتِهَا لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْغَالِبِ قُلْتُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إمْكَانُ الرُّؤْيَةِ لَوْلَا الْمَانِعُ، إنْ كَانَ بِالْمَأْمُومِ عَمًى أَوْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ وَكَانَ بِحَيْثُ يُرَى لَوْلَا ذَلِكَ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ حَيْثُ أَمْكَنَتْهُ الْمُتَابَعَةُ، وَلَوْ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ وَكَذَا إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ بِالْمَسْجِدِ أَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَسْجِدٍ غَيْرِ الَّذِي بِهِ الْآخَرُ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمَأْمُومِ إذَنْ إنْ لَمْ يَرَ الْإِمَامَ أَوْ بَعْضَ مَنْ وَرَاءَهُ.

(وَتَكْفِي الرُّؤْيَةُ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ) كَحَالِ الْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ» الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي حَالِ قِيَامِهِ.
(وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا) لِعَدَمِ الْفَارِقِ (وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ) لِعَدَمِ الْفَارِقِ فِيمَا إذَا كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ (أَيْضًا) أَيْ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ كَانَا فِي الْمَسْجِدِ (إذَا حَصَلَتْ الرُّؤْيَةُ الْمُعْتَبَرَةُ وَأَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ) أَيْ الْمُتَابَعَةُ.
(وَلَوْ جَاوَزَ) مَا بَيْنَهُمَا (ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ) لَمْ تَصِحَّ (أَوْ) كَانَ بَيْنَهُمَا (طَرِيقٌ وَلَمْ تَتَّصِلْ فِيهِ الصُّفُوفُ عُرْفًا إنْ صَحَّتْ) الصَّلَاةُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ وَالْجِنَازَةِ لِضَرُورَةٍ، لَمْ تَصِحَّ فَإِنْ اتَّصَلَتْ إذَنْ صَحَّتْ (أَوْ اتَّصَلَتْ) الصُّفُوفُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ (وَقُلْنَا لَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (أَوْ انْقَطَعَتْ) الصُّفُوفُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ مِمَّا تَصِحُّ فِي الطَّرِيقِ أَوْ لَا، وَبَعْضُهُ دَاخِلٌ فِيمَا تَقَدَّمَ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّلَاةِ أَشْبَهَ مَا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ، وَالنَّهْرُ الْمَذْكُورُ فِي مَعْنَاهَا وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ لِعَدَمِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ وَالْإِجْمَاعِ.
(وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ: مَنْ بِسَفِينَةٍ وَإِمَامُهُ فِي أُخْرَى غَيْرِ مَقْرُونَةٍ بِهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ طَرِيقٌ وَلَيْسَتْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً (فِي غَيْرِ شِدَّةِ خَوْفٍ) فَلَا يُمْنَعُ ذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ لِلْحَاجَةِ.

(وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِهِمْ» وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِحُذَيْفَةَ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ بَلَى» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِ ثِقَاتٍ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ

يَقْصِدَ تَعْلِيمَهُمْ أَمْ لَا وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ (كَثِيرًا وَهُوَ ذِرَاعٌ فَأَكْثَرُ) مِنْ ذِرَاعٍ.
(وَلَا بَأْسَ بِ) عُلُوٍّ (يَسِيرٍ كَدَرَجَةِ مِنْبَرٍ وَنَحْوِهَا) مِمَّا دُونَ ذِرَاعٍ جَمْعًا بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ وَبَيْنَ حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ ثُمَّ عَاد حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ قَالَ «إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ فَيَكُونُ ارْتِفَاعًا يَسِيرًا.
(وَلَا بَأْسَ بِعُلُوِّ مَأْمُومٍ وَلَوْ) كَانَ عُلُوُّهُ (كَثِيرًا نَصًّا) وَلَا يُعِيدُ الْجُمُعَةَ مَنْ يُصَلِّيهَا فَوْقَ سَطْحِ الْمَسْجِدِ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَرَوَاهُ سَعْدٌ عَنْ أَنَسٍ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ أَشْبَهَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ.

(وَيُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ نَصًّا) وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ الْجَاهِلُ لَكِنْ.
قَالَ الْحَسَنُ الطَّاقُ فِي الْمَسْجِدِ أَحْدَثَهُ النَّاسُ وَكَانَ أَحْمَدُ يَكْرَهُ كُلَّ مُحْدَثٍ.
(وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ الصَّلَاةُ فِيهِ) أَيْ الْمِحْرَابِ (إذَا كَانَ يَمْنَعُ الْمَأْمُومَ مُشَاهَدَتَهُ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ عَنْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حِجَابٌ (إلَّا مِنْ حَاجَةٍ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ) وَكَثْرَةِ الْجَمْعِ فَلَا يُكْرَهُ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَلَا) يُكْرَهُ (سُجُودُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْمِحْرَابِ، إذَا كَانَ وَاقِفًا خَارِجَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ مُشَاهَدَتِهِ.
(وَيَقِفُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِ الْمِحْرَابِ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا نَصًّا) لِتَمَيُّزِ جَانِبِ الْيَمِينِ.

(وَيُكْرَهُ تَطَوُّعُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِي مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ بَعْدَهَا) نَصَّ عَلَيْهِمْ وَقَالَ كَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «لَا يُصَلِّيَنَّ الْإِمَامُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ وَلِأَنَّ فِي تَحَوُّلِهِ مِنْ مَكَانِهِ إعْلَامًا لِمَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى فَلَا يَنْتَظِرُهُ وَيَطْلُبُ جَمَاعَةً أُخْرَى (بِلَا حَاجَةٍ) كَضِيقِ الْمَسْجِدِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ.
(وَتَرْكُ مَأْمُومٍ لَهُ) أَيْ لِلتَّطَوُّعِ مَوْضِعَ الْمَكْتُوبَةِ (أَوْلَى) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُسَنُّ الْفِعْلُ بَيْنَ فَرْضٍ وَسُنَّتِهِ بِكَلَامٍ أَوْ قِيَامٍ، بَلْ النَّفَلُ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ.

(وَيُكْرَهُ إطَالَةُ الْقُعُودِ لِلْإِمَامِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِضِيقِ الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ عَلَى حَالِهِ رُبَّمَا سَهَا فَظُنَّ أَنَّهُ يُسَلِّمُ أَوْ ظَنَّ غَيْرُهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ عَلَى حَالِهِمَا (إنْ لَمْ يَكُنْ) هُنَاكَ (نِسَاءٌ وَلَا حَاجَةٌ) تَدْعُو إلَى إطَالَةِ

الْجُلُوسِ مُسْتَقْبِلًا كَمَا إذَا لَمْ يَجِدْ مُنْصَرَفًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِانْحِرَافُ (فَإِنْ أَطَالَ) الْإِمَامُ الْجُلُوسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (انْصَرَفَ مَأْمُومٌ إذَنْ) لِمُخَالَفَةِ الْإِمَامِ السُّنَّةَ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُطِلْ الْإِمَامُ الْجُلُوسَ (اُسْتُحِبَّ لَهُ) أَيْ لِلْمَأْمُومِ (أَنْ لَا يَنْصَرِفَ قَبْلَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا تَسْبِقُونِي بِالِانْصِرَافِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَذْكُرُ سَهْوًا فَيَسْجُدُ لَهُ وَإِنْ انْحَرَفَ فَلَا بَأْسَ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.

(وَيُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ قِيَامُهُنَّ عَقِبَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَثُبُوتُ الرِّجَالِ قَلِيلًا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ فَنَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكْهُنَّ الرِّجَالُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَلِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِذَلِكَ يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (صِفَةِ الصَّلَاةِ) .

(وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ غَيْرِ الْإِمَامِ مَكَانًا بِالْمَسْجِدِ، لَا يُصَلِّي فَرْضَهُ إلَّا فِيهِ) «لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إيطَانِ الْمَكَانِ كَإِيطَانِ الْبَعِيرِ» وَفِي إسْنَادِهِ تَمِيمُ بْنُ مَحْمُودٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي إسْنَادِ حَدِيثِهِ نَظَرٌ.

لَا بَأْسَ (بِهِ) أَيْ اتِّخَاذِ مَكَان لَا يُصَلِّي إلَّا فِيهِ (فِي النَّفْلِ) لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ لَا يُوَطِّنُ الْأَمَاكِنَ وَيَكْرَهُ إيطَانَهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ فَاضِلَةً، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَبَقَ مِنْ تَحَرِّي نَقْرَةَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ «سَلَمَةَ كَانَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ وَقَالَ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا: وَلَوْ كَانَ لِحَاجَةٍ، كَإِسْمَاعِ حَدِيثٍ وَتَدْرِيسٍ، وَإِفْتَاءٍ وَنَحْوِهِ وَيَتَوَجَّهُ لَا وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ اتِّفَاقًا.

(وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِينَ الْوُقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ عُرْفًا) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كُنَّا نُنْهَى أَنْ نَصُفَّ بَيْنَ السَّوَارِي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِيهِ لِينٌ وَقَالَ أَنَسٌ كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّفَّ قَالَ بَعْضُهُمْ فَتَكُونُ سَارِيَةٌ عَرْضُهَا مَقَامَ ثَلَاثَةِ (بِلَا حَاجَةٍ) فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ وَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ لَمْ يُكْرَهْ (وَلَا يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ) أَنْ يَقِفَ بَيْنَ السَّوَارِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ صَفٌّ يُقْطَعُ.

(وَلَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ امْرَأَةً وَاحِدَةً، أَوْ) أَمَّتْ (أَكْثَرَ) مِنْ امْرَأَةٍ كَاثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ (لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَلْفَهَا مُفْرَدَةً) كَالرَّجُلِ خَلْفَ الرَّجُلِ وَكَذَا لَوْ وَقَفَتْ عَنْ يَسَارِهَا (وَتَقَدَّمَ) .

قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ (وَمِنْ الْأَدَبِ وَضْعُ الْإِمَامِ نَعْلَهُ عَنْ يَسَارِهِ) فِي حَالِ صَلَاتِهِ إكْرَامًا لِجِهَةِ يَمِينِهِ.
(وَ) وَضْعُ (مَأْمُومٍ) نَعْلَهُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ قُدَّامَهُ (لِئَلَّا يُؤْذِيَ غَيْرَهُ) وَتَقَدَّمَ: يُسْتَحَبُّ تَفَقُّدُهُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْأَوْلَى تَنَاوُلُهُ بِيَسَارِهِ.

[فَصْلٌ فِي الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ]

ِ) (وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ مَرِيضٌ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا مَرِضَ تَخَلَّفَ عَنْ الْمَسْجِدِ وَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يُعْذَرُ فِي ذَلِكَ (خَائِفُ حُدُوثِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْن عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ الْعُذْرَ بِالْخَوْفِ وَالْمَرَضِ» (أَوْ) خَائِفُ (زِيَادَتِهِ) أَيْ الْمَرَضِ (أَوْ تَبَاطُئِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَرِيضٌ (فَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ) الْمَرِيضُ (بِإِتْيَانِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَوْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِهِ) أَيْ بِأَنْ يُرْكِبَهُ أَوْ يَحْمِلَهُ، أَوْ يَقُودَ أَعْمَى (لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ) لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا (دُونَ الْجَمَاعَةِ) نَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ فِي الْجُمُعَةِ: يَكْتَرِي وَيَرْكَبُ وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ضَعْفٍ عَقِبَ الْمَرَضِ فَأَمَّا مَعَ الْمَرَضِ فَلَا يَلْزَمُهُ لِبَقَاءِ الْعُذْرِ وَمَحَلِّ سُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ عَنْ الْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ) فَإِنْ كَانَ فِيهِ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ.

(وَ) يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ (مَنْ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ فِعْلِهِمَا كَالْمَحْبُوسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] .

(وَ) يُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ (مَنْ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ) الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ (أَوْ) يُدَافِعُ (أَحَدَهُمَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ إكْمَالِ الصَّلَاةِ وَخُشُوعِهَا (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَهُ الشِّبَعُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِخَبَرِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ «وَلَا تَعْجَلَنَّ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْهُ» (أَوْ خَائِفٌ مِنْ ضِيَاعِ مَالِهِ، كَغَلَّةٍ فِي بَيَادِرِهَا، وَدَوَابّ وَأَنْعَامٍ لَا حَافِظَ لَهَا غَيْرُهُ وَنَحْوِهِ أَوْ) خَائِفٍ مِنْ (تَلَفِهِ كَخُبْزٍ فِي تَنُّورٍ وَطَبِيخٍ عَلَى نَارٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ) خَائِفِ (فَوَاتِهِ كَالضَّائِعِ يَدُلُّ بِهِ) أَيْ عَلَيْهِ (فِي مَكَان، كَمَنْ ضَاعَ لَهُ كِيسٌ أَوْ أَبِقَ لَهُ عَبْدٌ وَهُوَ يَرْجُو وُجُودَهُ، أَوْ قَدِمَ بِهِ مِنْ سَفَرٍ إنْ لَمْ يَقِفْ لِأَخْذِهِ ضَاعَ لَكِنْ قَالَ الْمَجْدُ) عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ تَيْمِيَّةَ (الْأَفْضَلُ تَرْكُ مَا يَرْجُو وُجُودَهُ وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ)

لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَرُبَّمَا لَا يَنْفَعُهُ حَذَرُهُ (أَوْ) خَائِفٍ مِنْ (ضَرَرٍ فِيهِ) أَيْ مَالِهِ (أَوْ فِي مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا، أَوْ أَطْلَقَ الْمَاءَ عَلَى زَرْعِهِ أَوْ بُسْتَانِهِ، يَخَافُ إنْ تَرَكَهُ فَسَدَ أَوْ كَانَ مُسْتَحْفَظًا عَلَى شَيْءٍ يَخَافُ عَلَيْهِ) الضَّيَاعَ (إنْ ذَهَبَ وَتَرَكَهُ، كَنَاطُورِ بُسْتَانٍ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ اللَّاحِقَةَ بِذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ بَلِّ الثِّيَابِ بِالْمَطَرِ الَّذِي هُوَ عُذْرٌ بِالِاتِّفَاقِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ خَوْفُ فَوْتِ الْمَالِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ سَبَبَهُ، بَلْ حَصَلَ اتِّفَاقًا تَنْبِيهٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: النَّاطِرُ وَالنَّاطُورُ: حَافِظُ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ أَعْجَمِيٌّ، الْجَمْعُ نُطَّارٌ وَنُطَرَاءُ وَنَوَاطِيرُ وَنَطَرَةٌ وَالْفِعْلُ النَّطْرُ وَالنِّطَارَةُ بِالْكَسْرِ (أَوْ كَانَ عُرْيَانًا وَلَمْ يَجِدْ سُتْرَةً، أَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ، وَنَحْوَهُ فِي غَيْرِ جَمَاعَةِ عُرَاةٍ) لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْخَجَلِ فَإِنْ كَانُوا عُرَاةً كُلُّهُمْ صَلَّوْا جَمَاعَةً وُجُوبًا وَتَقَدَّمَ (أَوْ خَائِفِ مَوْتِ رَفِيقِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَلَا يَحْضُرُهُ، أَوْ لِتَمْرِيضِهِمَا) يُقَالُ: مَرَّضْتُهُ تَمْرِيضًا، قُمْتُ بِمُدَاوَاتِهِ، قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ (إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ) أَيْ الْمَرِيضِ (مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَصْرَخَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ يَتَجَمَّرُ لِلْجُمُعَةِ، فَآتَاهُ بِالْعَقِيقِ وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا (أَوْ خَائِفٍ عَلَى حَرِيمِهِ أَوْ نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ سُلْطَانٍ ظَالِمٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ) وَلَا شَيْءَ مَعَهُ يُعْطِيهِ (أَوْ حَبْسِهِ بِحَقٍّ لَا وَفَاءَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الْمُعْسِرِ ظُلْمٌ وَكَذَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَخَشِىَ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ فَلَا عُذْرَ لِلنَّصِّ (أَوْ) خَافَ (فَوَات رُفْقَةٍ مُسَافِرٌ سَفَرًا مُبَاحًا مُنْشِئًا) لِلسَّفَرِ (أَوْ مُسْتَدِيمًا) لَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا (أَوْ غَلَبَهُ نُعَاسٌ يَخَافُ مَعَهُ فَوْتَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (فِي الْوَقْتِ أَوْ) يَخَافُ مَعَهُ فَوْتَهَا (مَعَ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّ رَجُلًا صَلَّى مَعَ مُعَاذٍ ثُمَّ انْفَرَدَ، فَصَلَّى وَحْدَهُ عِنْدَ تَطْوِيلِ مُعَاذٍ وَخَوْفِ النُّعَاسِ وَالْمَشَقَّةِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَخْبَرَهُ.
ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ.
وَفِي الْمُذْهَبِ وَالْوَجِيزِ: يُعْذَرُ فِيهِمَا أَيْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ بِخَوْفِهِ نَقْضَ الْوُضُوءِ بِانْتِظَارِهِمَا (وَالصَّبْرُ وَالتَّجَلُّدُ عَلَى دَفْعِ النُّعَاسِ وَيُصَلِّي مَعَهُمْ) جَمَاعَةً (أَفْضَلُ) لِمَا فِيهِ مِنْ نَيْلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ (أَوْ تَطْوِيلُ إمَامٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي انْفَرَدَ عَنْ مُعَاذٍ لِتَطْوِيلِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْ مَنْ عَلَيْهِ قَوَدٌ إنْ رَجَا الْعَفْوَ) عَنْهُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلَى مَالٍ حَتَّى يُصَالِحَ (وَمِثْلُهُ) أَيْ الْقَوَدِ (حَدُّ قَذْفٍ) ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ وَهَذَا تَوْجِيهٌ لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ وَلِهَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَكَذَا لَوْ كَانَ

لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ قَذْفٍ عَلَى الصَّحِيحِ أَيْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عُذْرًا وَقَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ.
(وَمَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ) تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَطْعِ السَّرِقَةِ (فَلَا يُعْذَرُ بِهِ) فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا يَدْخُلُهَا الْمُصَالَحَةُ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ (أَوْ مُتَأَذٍّ بِمَطَرٍ أَوْ وَحَلٍ) بِتَحْرِيكِ الْحَاءِ وَالتَّسْكِينُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ (أَوْ ثَلْجٍ أَوْ جَلِيدٍ أَوْ رِيحٍ بَارِدَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَادِي مُنَادِيهِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يَقُلْ فِي السَّفَرِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ زَادَ مُسْلِمٌ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ إذَا قُلْت أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَدْ فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ الْجُمُعَةَ عَزِيمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْت أَنْ أُخْرِجَكُمْ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ» وَالثَّلْجِ وَالْجَلِيدِ، وَالْبَرْدُ كَذَلِكَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالرِّيحُ الْبَارِدَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ عُذْرٌ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْمَطَرِ.
(وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الرِّيحُ شَدِيدَةً) خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُقْنِعِ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي، أَنَّ كُلَّ مَا أَذْهَبَ الْخُشُوعَ كَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ: عُذْرٌ وَلِهَذَا جَعَلَهُ الْأَصْحَابُ كَالْبَرْدِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْحُكْمِ وَالْإِفْتَاءِ (وَالزَّلْزَلَةُ عُذْرٌ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي) ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ خَوْفٍ.
(قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ وَمَنْ لَهُ عَرُوسٌ تَجَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فَهُوَ عُذْرٌ (وَالْمُنْكَرُ فِي طَرِيقِهِ) إلَى الْمَسْجِدِ (لَيْسَ عُذْرًا نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي هُوَ الْجُمُعَةُ أَوْ الْجَمَاعَةُ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ لَا قَضَاءُ حَقٍّ لِغَيْرِهِ وَكَذَا الْمُنْكَرُ فِي الْمَسْجِدِ كَدُعَاءِ الْبُغَاةِ لَيْسَ عُذْرًا أَوْ يُنْكِرُهُ بِحَبْسِهِ.
(وَلَا الْعَمَى) فَلَيْسَ عُذْرًا (مَعَ قُدْرَتِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (فَإِنْ عَجَزَ) الْأَعْمَى عَنْ قَائِدٍ (فَتَبَرَّعَ قَائِدٌ) بِقَوْدِهِ (لَزِمَهُ) حُضُورُ الْجُمُعَةِ، لَا الْجَمَاعَةِ، كَمَا ظَهَرَ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَأَشَرْت إلَيْهِ آنِفًا.
(وَلَا الْجَهْلُ بِالطَّرِيقِ) أَيْ لَيْسَ عُذْرًا (إنْ وَجَدَ مَنْ يَهْدِيهِ) أَيْ يَدُلُّهُ عَلَى الْمَسْجِدِ.
تَتِمَّةٌ: قَالَ فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: وَيَلْزَمُهُ، أَيْ الْأَعْمَى إنْ وَجَدَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَائِدِ، كَمَدِّ الْحَبْلِ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.

(وَيُكْرَهُ حُضُورُ الْمَسْجِدِ) لِمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ فُجْلًا وَنَحْوَهُ، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ (وَلَوْ خَلَا الْمَسْجِدُ مِنْ آدَمِيٍّ، لَتَأَذَّى الْمَلَائِكَةُ) بِرِيحِهِ وَلِحَدِيثِ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» . (وَالْمُرَادُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ، حَتَّى وَلَوْ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِ صَلَاةٍ) ذُكِرَ مَعْنَاهُ فِي الْمُبْدِعِ وَالْحَاصِلُ، كَمَا فِي الْمُنْتَهَى: أَنَّهُ يُكْرَهُ حُضُورُ مَسْجِدٍ وَجَمَاعَةٍ مُطْلَقًا (لِمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا) نِيئَيْنِ (أَوْ فُجْلًا وَنَحْوَهُ) كَكُرَّاثٍ (حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهُ (وَكَذَا جَزَّارٌ لَهُ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ، وَمَنْ لَهُ صُنَانٌ) قُلْتُ وَزِيَاتٌ وَنَحْوُهُ، مِنْ كُلِّ ذِي رَائِحَةٍ مُنْتِنَةٍ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْأَذَى.
(وَكَذَا مَنْ بِهِ بَرَصٌ جُذَامٌ يُتَأَذَّى بِهِ) قِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الثُّومِ وَنَحْوِهِ، بِجَامِعِ الْأَذَى وَيَأْتِي فِي التَّعْزِيرِ مَنْعُ الْجَذْمَى مِنْ مُخَالَطَةِ الْأَصِحَّاءِ فَائِدَةٌ يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ مَضْغُ السَّذَابِ أَوْ السَّعْدِ قَالَهُ الْأَطِبَّاءُ.

[بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ]

ِ وَهُمْ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ وَالْخَائِفُ وَنَحْوُهُمْ، وَالْأَعْذَارُ: جَمْعُ عُذْرٍ كَأَقْفَالٍ جَمْعُ قُفْلٍ (يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ مَرِيضٌ قَائِمًا إجْمَاعًا فِي فَرْضٍ، وَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا كَصِفَةِ رُكُوعٍ كَصَحِيحٍ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ زَادَ النَّسَائِيُّ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا وَحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَلَوْ) كَانَ فِي قِيَامِهِ (مُعْتَمِدًا عَلَى شَيْءٍ) مِنْ نَحْوِ حَائِطٍ (أَوْ مُسْتَنِدًا إلَى حَائِطٍ) وَنَحْوِهَا (وَلَوْ) كَانَ اعْتِمَادُهُ أَوْ اسْتِنَادُهُ إلَى شَيْءٍ (بِأُجْرَةِ) مِثْلِهِ أَوْ زَائِدَةٍ يَسِيرًا (إنْ قَدَرَ عَلَيْهَا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأُجْرَةِ صَلَّى عَلَى حَسَبِ مَا يَسْتَطِيعُ (سِوَى مَا تَقَدَّمَ) فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، عِنْدَ عَدِّ الْقِيَامِ مِنْ الْأَرْكَانِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الْمَرِيضُ الْقِيَامَ (أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ) الْقِيَامُ (مَشَقَّةً شَدِيدَةً، لِضَرَرٍ مِنْ زِيَادَةِ مَرَضٍ أَوْ تَأَخُّرِ بُرْءٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ كَانَ الْقِيَامُ يُوهِنُهُ (حَيْثُ جَازَ تَرْكُ الْقِيَامِ فَ) إنَّهُ يُصَلِّي (قَاعِدًا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ (مُتَرَبِّعًا نَدْبًا) كَمُتَنَفِّلٍ.
(وَكَيْفَ قَعَدَ جَازَ) كَالْمُتَنَفِّلِ (وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَمُتَنَفِّلٍ) وَأَسْقَطَهُ الْقَاضِي بِضَرَرٍ مُتَوَهَّمٍ، وَإِنَّهُ لَوْ تَحَمَّلَ الصَّلَاةَ وَالْقِيَامَ حَتَّى ازْدَادَ مَرَضُهُ أَثِمَ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الْقُعُودَ (أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ) الْقُعُودُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِيَامِ.
(وَلَوْ) كَانَ عَجْزُهُ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ (بِتَعَدِّيهِ بِضَرْبِ سَاقِهِ وَنَحْوِهِ) كَفَخِذِهِ (كَتَعَدِّيهَا) أَيْ الْحَامِلِ (بِضَرْبِ بَطْنِهَا حَتَّى نَفِسَتْ كَمَا سَبَقَ) فِي آخِرِ بَابِ الْحَيْضِ (فَ) إنَّهُ يُصَلِّي (عَلَى جَنْبٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ.

(وَ) الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنْبِ (الْأَيْمَنِ أَفْضَلُ) مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْسَرِ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ مَرْفُوعًا «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى قَاعِدًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنْ صَلَّى عَلَى الْأَيْسَرِ فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ جَوَازُهُ لِظَاهِرِ خَبَرِ عِمْرَانَ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَهُوَ حَاصِلٌ وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُكْرَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَيْمَنِ.

(وَيَصِحُّ) أَنْ يُصَلِّي (عَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَى الصَّلَاةِ (عَلَى جَنْبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِقْبَالٍ وَلِهَذَا يُوَجَّهُ الْمَيِّتُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِلِاخْتِلَافِ، فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ إذَنْ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ (تَعَيَّنَ الظَّهْرُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ.

(وَيَلْزَمُهُ الْإِيمَاءُ بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بِرَأْسِهِ مَا أَمْكَنَهُ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ) وُجُوبًا لِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَتَقَدَّمَ وَلِيَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ لِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ (أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ) أَيْ عَيْنِهِ (وَنَوَى بِقَلْبِهِ) لِمَا رَوَى زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ» وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يَلْزَمُهُ وَصَوَّبَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ (كَأَسِيرٍ عَاجِزٍ) عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْإِيمَاءِ بِهِمَا بِرَأْسِهِ (لِخَوْفِهِ) مِنْ عَدُوِّهِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ إذَنْ (وَيَأْتِي حُكْمُ الْأَسِيرِ) فِي آخِرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ (فَ) إنَّهُ يُصَلِّي (بِقَلْبِهِ مُسْتَحْضِرًا الْقَوْلَ) إنْ عَجَزَ عَنْهُ بِلَفْظِهِ (وَ) مُسْتَحْضِرًا (الْفِعْلَ) بِقَلْبِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وَقَوْلِهِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ) عَنْ الْمُكَلَّفِ (مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا) لِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ مَعَ الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ، أَوْ بِدُونِهِ، وَلِعُمُومِ أَدِلَّةِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَحَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ أَوْلَى بِالْعُذْرِ» إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.

(قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْأَحْدَبُ يُجَدِّدُ لِلرُّكُوعِ) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ الرَّفْعُ مِنْهُ وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ (نِيَّةً، لِكَوْنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَمَرِيضٍ لَا يُطِيقُ الْحَرَكَةَ، يُجَدِّدُ لِكُلِّ فِعْلٍ وَرُكْنٍ قَصْدًا) لِتَتَمَيَّزَ الْأَفْعَالُ وَالْأَرْكَانُ (كَفُلْكٍ فِي) اللُّغَةِ (الْعَرَبِيَّةِ) فَإِنَّهُ يَصْلُحُ (لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ) وَيَتَمَيَّزُ

أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ (بِالنِّيَّةِ) فَإِذَا أُرِيدَ الْوَاحِدُ نَوَى الْمُتَكَلِّمَ ذَلِكَ، وَإِذَا أُرِيدَ الْجَمْعَ نَوَاهُ كَذَلِكَ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ تَمْيِيزُهَا بِالْفِعْلِ فَإِنَّهَا تَمَيُّزٌ بِالنِّيَّةِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَإِنْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ وَحْدَهُ رَكَعَ وَأَوْمَأَ بِالسُّجُودِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَحْنِيَ ظَهْرَهُ حَتَّى رَقَبَتِهِ وَإِنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهُ فَصَارَ كَالرَّاكِعِ زَادَ فِي الِانْحِنَاءِ قَلِيلًا إذَا رَكَعَ وَيُقَرِّبُ وَجْهَهُ إلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ، حَسَبَ الْإِمْكَانِ.
(وَإِنْ سَجَدَ) الْعَاجِزُ عَنْ السُّجُودِ (مَا أَمْكَنَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْحِطَاطُ أَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ) مِنْ مِخَدَّةٍ وَنَحْوِهَا (رَفَعَهُ) عَنْ الْأَرْضِ (كُرِهَ) لِلْخِلَافِ فِي مَنْعِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الرَّافِعُ لَهُ غَيْرَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ.
(وَأَجْزَأَ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ الِانْحِطَاطِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوَمَأَ.
(وَلَا بَأْسَ بِسُجُودِهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا) مَوْضُوعَةٍ بِالْأَرْضِ لَمْ تُرْفَعْ عَنْهَا وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِفِعْلِ أُمِّ سَلَمَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا قَالَ وَنَهَى عَنْهُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ (وَلَا يَلْزَمهُ) السُّجُودُ عَلَى وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا وَيُومِئُ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ.

وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُ الْمَرِيضِ الْمُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ أَوْ مُسْتَلْقِيًا عَنْ أَجْرِ الصَّحِيحِ الْمُصَلِّي قَائِمًا، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» وَذُكِرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْمُتَخَلِّفِ عَنْ الْجِهَادِ لِعُذْرٍ: لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَجْرِ، لِأَكْلِهِ، مَعَ قَوْلِهِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ قَائِمًا لِعَجْزِهِ ثَوَابُهُ كَثَوَابِهِ قَائِمًا لَا يَنْقُصُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا فَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ الْعِبَادَةَ عَلَى قُصُورٍ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَحَدِيثُ «ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ» يُبَيِّنُ أَنَّ فِعْلَ الْخَيْرِ لَيْسَ كَمَنْ عَجَزَ عَنْهُ وَلَيْسَ مَنْ حَجَّ كَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْحَجِّ.

(فَإِنْ قَدَرَ) الْمَرِيضُ (عَلَى الْقِيَامِ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ انْتَقَلَ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] (أَوْ) قَدَرَ عَلَى (الْقُعُودِ وَنَحْوِهِ مِمَّا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ كُلِّ رُكْنٍ أَوْ وَاجِبٍ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، انْتَقَلَ إلَيْهِ وَأَتَمَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ الْعَجْزُ وَقَدْ زَالَ، وَمَا صَلَّاهُ قَبْلُ كَانَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا فِيهِ وَمَا بَقِيَ يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ فِيهِ (لَكِنْ إنْ كَانَ) مَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ (لَمْ يَقْرَأْ) الْفَاتِحَةَ (قَامَ فَقْرًا) بَعْدَ قِيَامِهِ (وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَ) قَاعِدًا حَالَ الْعُذْرِ (قَامَ وَرَكَعَ بِلَا قِرَاءَةٍ) لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ صِحَّةٌ.
(وَيَبْنِي) الْمَرِيضُ (عَلَى إيمَاءٍ) أَيْ عَلَى مَا صَلَّاهُ بِالْإِيمَاءِ، إذَا قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ، لِوُقُوعِهِ صَحِيحًا، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ.
(وَيَبْنِي عَاجِزٌ فِيهَا) أَيْ لَوْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ أَتَمَّهَا عَلَى مَا يَسْتَطِيعُهُ، وَيُبْنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا فَعَجَزَ عَنْهُ لِوُجُودِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ

(وَلَوْ طَرَأَ عَجْزٌ) عَلَى الْقَائِمِ (فَأَتَمَّ الْفَاتِحَةَ فِي انْحِطَاطِهِ أَجْزَأَ) هـ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الْقُعُودَ وَالِانْحِطَاطَ أَعْلَى مِنْهُ.
(وَلَا) تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ (مَنْ بَرِئَ فَأَتَمَّهَا فِي ارْتِفَاعِهِ) أَيْ نُهُوضِهِ كَصَحِيحٍ قَرَأَهَا فِي نُهُوضِهِ.
(وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَعَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ قَائِمًا وَبِالسُّجُودِ قَاعِدًا) ؛ لِأَنَّ الرَّاكِعَ كَالْقَائِمِ فِي نَصْبِ رِجْلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يُومِئَ بِهِ فِي قِيَامِهِ، وَالسَّاجِدُ كَالْجَالِسِ فِي جَمْعٍ فَوَجَبَ أَنْ يُومِئَ جَالِسًا، وَلْيَحْصُلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِيمَاءَيْنِ وَمَنْ قَدَرَ أَنْ يَحْنِيَ رَقَبَتَهُ دُونَ ظَهْرِهِ حَنَاهَا وَإِذَا سَجَدَ قَرَّبَ وَجْهَهُ مِنْ الْأَرْضِ مَا أَمْكَنَهُ.
(وَلَوْ قَدَرَ الْقِيَامَ مُنْفَرِدًا، وَفِي جَمَاعَةٍ) لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بَلْ يَقْدِرُ أَنْ يُصَلِّيَ (جَالِسًا لَزِمَهُ الْقِيَامُ قَدَّمَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قُلْت وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ (وَهَذَا قَادِرٌ) عَلَيْهِ (وَالْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا) حَتَّى مَعَ الْقُدْرَةِ وَتَسْقُطُ لِلْعُذْرِ.
(وَقَدَّمَ فِي التَّنْقِيحِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ) بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا مُنْفَرِدًا وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا فِي جَمَاعَةٍ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: لِأَنَّهُ يَفْعَلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَاجِبًا وَيَتْرُكُ وَاجِبًا.

(وَلَوْ قَالَ إنْ أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ قَدَرْتُ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا وَإِنْ صُمْتُ صَلَّيْت قَاعِدًا أَوْ قَالَ إنْ صَلَّيْت قَائِمًا لَحِقَنِي سَلَسُ الْبَوْلِ، أَوْ امْتَنَعْتُ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَإِنْ صَلَّيْت قَاعِدًا امْتَنَعَ السَّلَسُ) وَأَمْكَنَتْ الْقِرَاءَةُ (فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي يُصَلِّي قَاعِدًا فِيهِمَا) ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَهُ بَدَلٌ وَهُوَ الْقُعُودُ وَيَسْقُطُ فِي النَّفْلِ، بِخِلَافِ الْفِطْرِ وَفَوَاتِ الشَّرْطِ أَوْ الْقِرَاءَةِ وَتَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ.

(وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى صُدْغَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) السُّجُودُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَا مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ وَيُومِئُ مَا يُمْكِنُهُ.

(وَإِذَا قَالَ طَبِيبٌ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفِطْنَتِهِ وَحِذْقِهِ (مُسْلِمٌ ثِقَةٌ) أَيْ عَدْلٌ ضَابِطٌ فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ كَافِرٍ وَلَا فَاسِقٍ،؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ، فَاشْتُرِطَ لَهُ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ (حَاذِقٌ فَطِنٌ لِمَرِيضٍ: إنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ فَلَهُ) أَيْ الْمَرِيضِ (ذَلِكَ) أَيْ الصَّلَاةُ مُسْتَلْقِيًا (وَلَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى جَالِسًا حِينَ جُحِشَ شِقُّهُ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ، بَلْ فَعَلَهُ إمَّا لِلْمَشَقَّةِ أَوْ وُجُودِ الضَّرَرِ أَشْبَهَ الْمَرَضَ وَتَرْكُهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْعَافِيَةِ وَهِيَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا وَاكْتُفِيَ بِالْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ أَشْبَهَ الرِّوَايَةَ وَمَنْ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ فَمُرَادُهُ الْجِنْسُ، إذْ لَمْ يَقُلْ بِاشْتِرَاطِ الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
(وَيَكْفِي مِنْ الطَّبِيبِ غَلَبَةُ الظَّنِّ) لِتَعَذُّرِ الْيَقِينِ (وَنَصَّ) أَحْمَدُ (أَنَّهُ يُفْطِرُ بِقَوْلِ) طَبِيبٍ (وَاحِدٍ) أَيْ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ (إنَّ الصَّوْمَ مِمَّا يُمَكِّنُ الْعِلَّةَ) وَقَاسَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ.

(وَتَصِحُّ صَلَاةُ فَرْضٍ عَلَى رَاحِلَةٍ وَاقِفَةٍ أَوْ سَائِرَةٍ خَشْيَةَ تَأَذٍّ بِوَحْلٍ وَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَثَلْجٍ وَبَرَدٍ لِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى إلَى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِهِمْ، يُومِئُ إيمَاءً يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفَعَلَهُ أَنَسٌ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ يُصَلِّي الْفَرْضَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، لِعُذْرٍ مِمَّا سَبَقَ (الِاسْتِقْبَالُ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] . (وَ) عَلَيْهِ (مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ) مِنْ رُكُوعٍ غَيْرِهِ فِي الصَّلَاةِ (وَ) عَلَيْهِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (فِي شِدَّةِ خَوْفٍ كَمَا يَأْتِي) فِي صَلَاة الْخَوْفِ (فَإِنْ قَدَرَ عَلَى النُّزُولِ) عَنْ رَاحِلَتِهِ (وَلَا ضَرَرَ) عَلَيْهِ فِي النُّزُولِ (لَزِمَهُ) النُّزُولُ وَلَزِمَهُ (الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ) كَغَيْرِ حَالَةِ الْمَطَرِ.
(وَأَوْمَأَ بِالسُّجُودِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، إذَا كَانَ يُلَوِّثُ الثِّيَابَ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ «أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي مَسْجِدِهِ فِي الْمَدِينَةِ.

(وَلَا تَصِحُّ) صَلَاةُ الْفَرْضِ (عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ (لِمَرَضٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ ضَرَرُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ (لَكِنْ إنْ خَافَ هُوَ) أَيْ الْمَرِيضُ (أَوْ) خَافَ (غَيْرُهُ) أَيْ الْمَرِيضُ (بِنُزُولِهِ انْقِطَاعًا عَنْ رُفْقَتِهِ، أَوْ عَجْزًا عَنْ رُكُوبِهِ) إنْ نَزَلَ (صَلَّى عَلَيْهَا) دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (كَخَائِفٍ بِنُزُولِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ) كَسَبْعٍ.
قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ تَصِحُّ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ الِانْقِطَاعِ عَنْ الرُّفْقَةِ، أَوْ حُصُولِ ضَرَرٍ بِالْمَشْيِ، أَوْ تَبَرُّزِ الْحُفْرَةِ.
(وَمَنْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ) أَيْ بِجَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ (مِنْ كُلِّ رُكْنٍ وَنَحْوِهِ) وَهُوَ الشُّرُوطُ وَالْوَاجِبَاتُ (لِلصَّلَاةِ وَصَلَّى عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ) صَلَّى (فِي سَفِينَةٍ وَنَحْوِهَا) كَمِحَفَّةٍ (وَلَوْ جَمَاعَةً مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَاقِفَةً) كَانَتْ (أَوْ سَائِرَةً صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِإِتْيَانِهِ بِمَا يُعْتَبَرُ فِيهَا.

(وَلَا تَصِحَّ) صَلَاةُ الْفَرْضِ (فِيهَا) أَيْ فِي السَّفِينَةِ (مِنْ قَاعِدٍ مَعَ الْقُدْرَةِ) أَيْ قُدْرَتِهِ (عَلَى الْقِيَامِ) ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى رُكْنِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بِسَفِينَةٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ، وَأَنْ يَدُورَ إلَى الْقِبْلَةَ كُلَّمَا انْحَرَفَتْ السَّفِينَةُ، وَتُقَامُ الْجَمَاعَةُ فِي السَّفِينَةِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ، كَمَعَ الْقُدْرَةِ.
(وَكَذَا) أَيْ كَالسَّفِينَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ (عَجَلَةٌ وَمِحَفَّةٌ وَنَحْوُهُمَا) كَعِمَارِيَّةِ وَهَوْدَجٍ.

(وَمَنْ كَانَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ أَوْمَأَ) بِالسُّجُودِ (كَمَصْلُوبٍ وَمَرْبُوطٍ) فَإِنَّهُمَا يُومِئَانِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ الْمُمْكِنِ مِنْهُمْ (وَالْغَرِيقُ يَسْجُدُ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ) وَلَا إعَادَةَ عَلَى الْكُلِّ.

[فَصْلٌ فِي الْقَصْرِ]

(فَصْلٌ فِي الْقَصْرِ) أَيْ قَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ، وَهُوَ جَائِزٌ إجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 101] الْآيَةَ عَلَّقَ الْقَصْرَ عَلَى الْخَوْفِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ أَسْفَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَخْلُ مِنْهُ وَقَالَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «مَا لَنَا نَقْصُرُ، وَقَدْ أَمِنَّا فَقَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
«وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ صَحِبْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ كَذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقِيلَ: إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 101] كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ، مَعْنَاهُ: وَإِنْ خِفْتُمْ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْقَصْرُ قِسْمَانِ مُطْلَقٌ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ قَصْرُ الْأَفْعَالِ وَالْعَدَدِ كَصَلَاةِ الْخَوْفِ، حَيْثُ كَانَ مُسَافِرًا فَإِنَّهُ يُرْتَكَبُ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ فِي صَلَاةِ الْأَمْنِ وَالْآيَةُ وَرَدَتْ عَلَى هَذَا وَمُقَيَّدٌ وَهُوَ مَا فِيهِ قَصْرُ الْعَدَدِ فَقَطْ كَالْمُسَافِرِ، أَوْ قَصْرُ الْعَمَلِ، فَقَطْ كَالْخَائِفِ، وَهُوَ حَسَنٌ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ: خَبَرُ يَعْلَى وَعُمَرَ السَّابِقُ؛ لِأَنَّ ظَاهَرَ مَا فَهِمَاهُ قَصْرُ الْعَدَدِ بِالْخَوْفِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ.

(مَنْ ابْتَدَأَ سَفَرًا) أَيْ شَرَعَ فِيهِ (وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا كَسَفَرِ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ وَالْعُمْرَةِ) فَالسَّفَرُ لِلْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَلِلْمَنْدُوبِ، مِنْهُ مَنْدُوبٌ.
(وَ) كَالسَّفَرِ (لِزِيَارَةِ الْإِخْوَانِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَزِيَارَةِ أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ) أَيْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَقْصَى، وَأَمَّا زِيَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ لِلْمُسْتَحَبِّ، إلَّا إنْ نَذَرَهَا فَتَكُونُ وَاجِبَةً.
(وَ) زِيَارَةِ (الْوَالِدَيْنِ) أَوْ أَحَدِهِمَا (أَوْ) ابْتَدَأَ سَفَرًا (مُبَاحًا وَلَوْ لِنُزْهَةٍ، أَوْ فُرْجَةٍ أَوْ تَاجِرًا، وَلَوْ) كَانَ (مُكَاثِرًا فِي الدُّنْيَا) . قَالَ فِي

الْفُرُوعِ: أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا إبَاحَةَ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مُكَاثِرٍ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ وَحَرَّمَهُ فِي الْمُبْهِجِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُكَاثِرًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ» وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأَمَّا سُورَةُ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: 1] فَتَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ لِمَنْ شَغَلَهُ عَنْ عِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ وَالتَّكَاثُرُ: مَظِنَّةٌ لِذَلِكَ أَوْ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ فَيُكْرَهُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِاتِّسَاعَ فِي الْمَكَاسِبِ وَالْمَبَانِي مِنْ حِلٍّ إذَا أَدَّى جَمِيعَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَهُ مُبَاحٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنْ كَارِهٍ وَمِنْ غَيْرِ كَارِهٍ (أَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا) عَلَى السَّفَرِ (كَأَسِيرٍ، أَوْ زَانٍ مُغَرَّبٍ) وَهُوَ الْحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ (أَوْ قَاطِعُ) طَرِيقٍ (مُشَرَّدٌ) إذَا أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا؛ لِأَنَّ سَفَرَهُمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَإِنْ كَانَ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُسَافِرُ (مَحْرَمًا مَعَ) زَانِيَةٍ غَيْرِ مُحْصَنَةٍ (مُغَرَّبَةٍ) فَيَقْصُرُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ (يَبْلُغُ سَفَرُهُ ذَهَابًا) بِفَتْحِ الذَّالِ مَصْدَرُ ذَهَبَ (سِتَّةَ عَشْرَ فَرْسَخًا تَقْرِيبًا) لَا تَحْدِيدًا، صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ (بَرًّا) كَانَ السَّفَرُ (أَوْ بَحْرًا) لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
(وَهِيَ) أَيْ السِّتَّةُ عَشْرَ فَرْسَخًا (يَوْمَانِ) أَيْ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ (قَاصِدَانِ فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلِ) الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، أَيْ مُعْتَدِلَانِ طُولًا وَقِصَرًا وَالْقَصْدُ الِاعْتِدَالُ: قَالَ تَعَالَى ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: 19] (بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ وَدَبِيبِ الْأَقْدَامِ) وَذَلِكَ (أَرْبَعَةُ بُرُدٍ) جَمْعُ بَرِيدٍ.
(وَالْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ) جَمْعُ فَرْسَخٍ (وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ هَاشِمِيَّةٍ وَبِأَمْيَالِ بَنِي أُمَيَّةَ مِيلَانِ وَنِصْفِ) مِيلٍ (وَالْمِيلُ) الْهَاشِمِيُّ (اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ قَدَمٍ) وَهِيَ (سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ) بِذِرَاعِ الْيَدِ (وَالذِّرَاعُ: أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا مُعْتَرِضَةً مُعْتَدِلَةً كُلُّ أُصْبُعٍ) مِنْهَا عَرْضُهُ (سِتُّ حَبَّاتِ شَعِيرٍ بُطُونُ بَعْضِهَا إلَى) بُطُونِ (بَعْضٍ عَرْضُ كُلِّ شَعِيرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتِ بِرْذَوْنٍ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: يَقَعُ عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى، وَرُبَّمَا قَالُوا فِي الْأُنْثَى بِرْذَوْنَةُ قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ الْبِرْذَوْنُ التُّرْكِيُّ مِنْ الْخَيْلِ وَهُوَ مَا أَبَوَاهُ نَبَطِيَّانِ، عَكْسُ الْعِرَابِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: الذِّرَاعُ الَّذِي ذُكِرَ قَدْ حُرِّرَ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ الْمُسْتَعْمَلِ الْآنَ فِي مِصْرَ وَالْحِجَازِ فِي هَذِهِ الْإِعْصَارِ يَنْقُصُ عَنْ ذِرَاعِ الْحَدِيدِ بِقَدْرِ الثَّمَنِ وَعَلَى هَذَا فَالْمِيلُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ خَمْسَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا قَالَ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ، قَلَّ مَنْ يُنَبِّهُ عَلَيْهَا اهـ قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ؟

قَالَ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ قِيلَ لَهُ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ؟ قَالَ لَا أَرْبَعَةُ بُرُدٍ سِتَّةَ عَشْرَ فَرْسَخًا مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ وَقَدْ قَدَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ عُسْفَانَ إلَى مَكَّةَ زَمَنَ الطَّائِفِ إلَى مَكَّةَ وَمِنْ جُدَّةَ إلَى مَكَّةَ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ خُصُوصًا إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ وَلِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ (فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ) مِنْ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ وَعِشَاءٍ جَوَابُ مَنْ ابْتَدَأَ سَفَرًا (خَاصَّةً) أَيْ دُونَ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَإِنَّمَا لَمْ تُقْصَرْ الْفَجْرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ مِنْهَا رَكْعَةٌ بَقِيَ أُخْرَى وَلَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْفَرْضِ، وَلَا الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهَا وَتْرُ النَّهَارِ فَإِذَا سَقَطَ مِنْهَا رَكْعَةٌ بَطَلَ كَوْنُهَا وَتْرًا وَإِنْ سَقَطَ مِنْهَا رَكْعَتَانِ صَارَ الْبَاقِي رَكْعَةً وَلَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْفَرْضِ (إلَى رَكْعَتَيْنِ إجْمَاعًا) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَكَذَا) لِلْمُسَافِرِ السَّفَرَ الْمُتَقَدِّمَ (الْفِطْرُ) بِرَمَضَانَ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» . (وَلَوْ قَطَعَهَا) أَيْ الْمَسَافَةَ (فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَافَرَ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ (وَمَتَى صَارَ الْأَسِيرُ بِبَلَدِهِمْ) أَيْ الْكُفَّارِ (أَتَمَّ) الصَّلَاةَ (نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا (وَامْرَأَةٌ وَعَبْدٌ وَجُنْدِيٌّ: تَبَعٌ لِزَوْجٍ وَسَيِّدٍ وَأَمِيرٍ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ (فِي نِيَّتِهِ) أَيْ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ أَوْ الْأَمِيرِ الْمَسَافَةُ وَالْإِقَامَةُ.
(وَ) فِي (سَفَرِهِ) يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ وَالسَّيِّدَ وَالْأَمِيرَ، إنْ كَانُوا بِسَفَرٍ يُبِيحُ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ، أُبِيحَ لِلزَّوْجَةِ وَالْقِنِّ وَالْجُنْدِيِّ الْمُسَافِرِينَ مَعَهُمْ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَهُمْ فَلَهُمْ حُكْمُهُمْ.
(وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لِشَرِيكَيْنِ) أَحَدُهُمَا مُسَافِرٌ وَالْآخَرُ مُقِيمٌ (تَرَجَّحَ إقَامَةُ أَحَدِهِمَا) ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ (وَلَا يُتَرَخَّصُ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ بِقَصْرٍ وَلَا فِطْرٍ، وَلَا أَكْلِ مَيْتَةٍ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهَا رُخَصٌ وَالرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي (فَإِنْ خَافَ) الْمُسَافِرُ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ (عَلَى نَفْسِهِ إنْ لَمْ يَأْكُلْ) الْمَيْتَةَ (قِيلَ لَهُ: تُبْ وَكُلْ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ التَّوْبَةِ كُلَّ وَقْتٍ وَتَقَدَّمَ مَعْنَى التَّوْبَةِ، وَيَأْتِي أَيْضًا فِي الشَّهَادَاتِ.

(وَلَا) يُتَرَخَّصُ (فِي سَفَرٍ مَكْرُوهٍ) كَالسَّفَرِ لِفِعْلِ مَكْرُوهٍ (وَلِلنَّهْيِ عَنْهُ وَيُتَرَخَّصُ إنْ قَصَدَ مَشْهَدًا أَوْ قَصَدَ مَسْجِدًا وَلَوْ غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ أَوْ قَصَدَ قَبْرَ نَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) كَوَلِيٍّ وَحَدِيثُ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» أَيْ لَا يُطْلَبُ ذَلِكَ فَلَيْسَ نَهْيًا عَنْ شَدِّهَا لِغَيْرِهَا، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا،

وَيَزُورُ الْقُبُورَ وَقَالَ «زُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» (أَوْ) أَيْ وَيَقْصُرُ مَنْ ابْتَدَأَ سَفَرًا وَلَوْ (عَصَى فِي سَفَرِهِ الْجَائِزِ كَأَنْ شَرِبَ فِيهِ مُسْكِرًا وَنَحْوَهُ) كَأَنْ زَنَى فِيهِ أَوْ قَذَفَ أَوْ اغْتَابَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ السَّفَرَ لِذَلِكَ.

(وَيُشْتَرَطُ) لِإِبَاحَةِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ (قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوَّلًا) أَيْ فِي ابْتِدَاءِ السَّفَرِ (فَلَا قَصْرَ) وَلَا فِطْرَ (لِهَائِمٍ) وَهُوَ مَنْ خَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ، لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ، إنْ سَلَكَ طَرِيقًا مَسْلُوكًا وَإِلَّا فَهُوَ رَاكِبٌ التَّعَاسِيفَ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَ) لَا لِ (تَائِهٍ) ضَالِّ الطَّرِيقِ.
(وَ) لَا لِ (سَائِحٍ) لَا يَقْصِدُ (مَكَانًا مُعَيَّنًا) ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ إذَنْ لَيْسَ بِمُبَاحٍ (وَالسِّيَاحَةُ لِغَيْرِ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مَكْرُوهَةٌ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: السِّيَاحَةُ فِي الْبِلَادِ لِغَيْرِ قَصْدٍ شَرْعِيٍّ، كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النُّسَّاكِ: أَمْرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَيْسَتْ السِّيَاحَةُ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ وَلَا هِيَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ اهـ. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَفِي الْحَدِيثِ «لَا سِيَاحَةَ فِي الْإِسْلَامِ» وَمُرَادُهُ: إذَا كَانَتْ السِّيَاحَةُ لَا لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ (وَالسِّيَاحَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ هَذِهِ) وَهِيَ الصَّوْمُ، أَوْ السِّيَاحَةُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ أَوْ الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ سَافَرَ لِيَتَرَخَّصَ، فَقَدْ ذَكَرُوا: أَنَّهُ لَوْ سَافَرَ لِيُفْطِرَ حَرُمَ (وَيَقْصُرُ) الرُّبَاعِيَّةَ وَيُفْطِرُ بِرَمَضَانَ (مَنْ) أَيْ مُسَافِرٌ (الْمُبَاحِ أَكْثَرُ قَصْدِهِ) بِالسَّفَرِ (كَمَنْ قَصَدَ) بِسَفَرِهِ (مَعْصِيَةً وَمُبَاحًا) وَقَصْدُهُ لِلْمُبَاحِ أَكْثَرُ، كَالتَّاجِرِ الَّذِي يَقْصِدُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ خَمْرَ الْبَلَدِ الَّذِي يَتَّجِرُ إلَيْهِ (أَوْ) سَافَرَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ وَ (تَابَ فِي أَثْنَائِهِ وَقَدْ بَقِيَ مَسَافَةُ قَصْرٍ) فَيَقْصُرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا سَفَرٌ مُبَاحٌ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَعْصِيَةٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْبَاقِي دُونَهَا وَ (لَا) يَقْصُرُ (إذَا اسْتَوَيَا) أَيْ الْمُحَرَّمُ وَالْمُبَاحُ، أَيْ تَسَاوَى قَصْدَاهُمَا (أَوْ كَانَ الْحَظْرُ أَكْثَرُ) قَصْدًا فَلَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ.

(وَلَوْ انْتَقَلَ مِنْ سَفَرِهِ الْمُبَاحِ إلَى) قَصْدِ سَفَرٍ (مُحَرَّمٍ امْتَنَعَ الْقَصْرُ) وَالْفِطْرُ كَمَا لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا ابْتِدَاءً.
(وَلَوْ أَقَامَ مَنْ لَهُ الْقَصْرُ) وَنَوَاهُ (إلَى ثَالِثَةٍ عَمْدًا أَتَمَّ) صَلَاتَهُ أَرْبَعًا، وَصَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ وَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ (وَإِنْ سَلَّمَ) مَنْ نَوَى الْقَصْرَ (مِنْ ثَلَاثٍ عَمْدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ.

(وَإِنْ أَقَامَ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ وَنَوَاهُ (سَهْوًا، قَطَعَ) أَيْ رَجَعَ مَتَى ذَكَرَ وَتَشَهَّدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ وَسَجَدَ وَسَلَّمَ (فَلَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ، أَتَمَّ) كَمَنْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ (وَأَتَى بِمَا بَقِيَ) مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ (سِوَى مَا سَهَا عَنْهُ فَإِنَّهُ يَلْغُو) فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، لِخُلُوِّهِ عَنْ النِّيَّةِ.
(وَلَوْ كَانَ السَّاهِي إمَامًا بِمُسَافِرٍ تَابَعَهُ) الْمُسَافِرُ الْمَأْمُومُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَطَعَ نِيَّةَ الْقَصْرِ، وَنَوَى الْإِتْمَامَ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ سَهْوَهُ) فَلَا يُتَابِعُهُ؛ لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ سَهْوًا لَغْوٌ (فَيُسَبِّحُ بِهِ) الْمَأْمُومُ إنْ كَانَ رَجُلًا وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً صَفَّقَتْ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ رَجَعَ) الْإِمَامُ تَابَعَهُ الْمَأْمُومُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَرْجِعْ (فَارَقَهُ مَأْمُومٌ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُتَابَعَتِهِ) الْإِمَامَ عَامَّةً عَالِمًا سَهْوَهُ، وَحَيْثُ تَقَرَّرَ جَوَازُ الْقَصْرِ بِشَرْطِهِ فَلَا يَقْصُرُ مُسْتَوْطِنٌ بِمَحَلٍّ إلَّا إذَا فَارَقَهُ فَلَا يَقْصُرُ سَاكِنُ الْخِيَامِ أَوْ الْقُرَى إلَّا (إذَا فَارَقَ خِيَامَ قَوْمِهِ أَوْ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ دَاخِلَ السُّوَرِ أَوْ خَارِجَهُ) فَيَقْصُرُ إذَا فَارَقَهَا (بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمُفَارَقَةِ بِنَوْعٍ مِنْ الْبُعْدِ عُرْفًا) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَبَاحَ الْقَصْرَ لِمَنْ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ وَقَبْلَ مُفَارَقَتِهِ مَا ذَكَرَ لَا يَكُونُ ضَارِبًا فِيهَا وَلَا مُسَافِرًا وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَحَدُ طَرْفَيْ السَّفَرِ أَشْبَهَ حَالَةَ الِانْتِهَاءِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانَ يَقْصُرُ إذَا ارْتَحَلَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] . (وَلَا) يُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ (الْخَرَابِ) وَإِنْ كَانَتْ حِيطَانُهُ قَائِمَةً (إنْ لَمْ يَلِهِ عَامِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ إيوَاءٍ.
(فَإِنْ وَلِيَهُ) أَيْ الْخَرَابَ عَامِرٌ (اُعْتُبِرَ مُفَارَقَةُ الْجَمِيعِ) مِنْ الْخَرَابِ وَالْعَامِرِ (كَمَا لَوْ جُعِلَ) الْخَرَابُ (مَزَارِعَ وَبَسَاتِينَ يَسْكُنُهُ أَهْلُهُ وَلَوْ فِي فَصْلِ النَّزْهَةِ) فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُفَارِقَهُ ذَكَرَ مَعْنَاهُ أَبُو الْمَعَالِي وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَامِرِ وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَتَانِ مُتَدَانِيَتَيْنِ، وَاتَّصَلَ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَهُمَا كَالْوَاحِدَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ، فَلِكُلِّ قَرْيَةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا.
(وَلَوْ بَرَزُوا) أَيْ الْمُسَافِرُونَ (لِمَكَانٍ لِقَصْدِ الِاجْتِمَاعِ ثُمَّ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ يُنْشِئُونَ السَّفَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَهُمْ الْقَصْرُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ اهـ؛ لِأَنَّهُمْ ابْتَدَءُوا السَّفَرَ وَفَارَقُوا قَرْيَتَهُمْ قُلْت: إنْ لَمْ يَنْوُوا الْإِقَامَةَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةً أَوْ تَكُونُ الْعَادَةُ عَدَمَ اجْتِمَاعِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ (خِلَافًا لِأَبِي الْمَعَالِي) حَيْثُ قَالَ لَا قَصْرَ حَتَّى يُفَارِقُوهُ.
(وَيُعْتَبَرُ فِي سُكَّانِ قُصُورٍ وَبَسَاتِينَ وَنَحْوِهِمْ) كَأَهْلِ الْعِزَبِ مِنْ الْقَصَبِ وَنَحْوِهِ (مُفَارَقَةُ مَا نُسِبُوا إلَيْهِ) بِمَا يُعَدُّ مُفَارَقَةً (عُرْفًا) لِيَصِيرُوا مُسَافِرِينَ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَ) يُعْتَبَرُ لِإِبَاحَةِ الْقَصْرِ (أَنْ لَا يَرْجِعَ) مَنْ فَارَقَهُ كَمَا تَقَدَّمَ (إلَى وَطَنِهِ) قَرِيبًا (وَ) أَنْ (لَا يَنْوِيَهُ قَرِيبًا) أَيْ فِيمَا دُونَ الْمَسَافَةِ (فَإِنْ رَجَعَ) أَوْ نَوَى الرُّجُوعَ

(لَمْ يَتَرَخَّصْ حَتَّى يُفَارِقَهُ ثَانِيًا) أَوْ تَنْثَنِيَ نِيَّتُهُ وَيَسِيرَ فَيَقْصُرَ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ حِينَئِذٍ.
(وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ) عِنْدَ مُفَارَقَتِهِ كَمَا سَبَقَ مُسَافِرًا (لَكِنْ بَدَا لَهُ) الرُّجُوعُ (لِحَاجَةٍ) بَدَتْ لَهُ (لَمْ يَتَرَخَّصْ) بِقَصْرٍ وَلَا فِطْرٍ (فِي رُجُوعِهِ بَعْدَ نِيَّةِ عَوْدِهِ، حَتَّى يُفَارِقَهُ أَيْضًا) أَوْ تَنْثَنِيَ نِيَّتُهُ فِي نَحْوِ يَسِيرٍ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ رُجُوعُهُ) إلَى وَطَنِهِ (سَفَرًا طَوِيلًا) أَيْ يَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَيُتَرَخَّصُ فِي عَوْدِهِ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ (وَالْمُعْتَبَرُ) لِجَوَازِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ (نِيَّةُ) الْمُسَافِرِ سَفَرَ (الْمَسَافَةِ، لَا وُجُودُ حَقِيقَتِهَا فَمَنْ نَوَى ذَلِكَ) أَيْ السَّفَرَ الَّذِي يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ (قَصَرَ) لِوُجُودِ نِيَّةِ الْمَسَافَةِ الْمُعْتَبَرَةِ.

(وَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الْمَسَافَةِ) وَقَدْ قَصَرَ (لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ مَا قَصَرَ نَصًّا) مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُسَافِرْ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وَلِذَلِكَ عَدَلَ فِي التَّنْقِيحِ عَنْ قَوْلِ الْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ: مَنْ سَافَرَ إلَى قَوْلِهِ: مَنْ نَوَى سَفَرًا وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: أَنَّهُ لَا تَكْتَفِي النِّيَّةُ حَتَّى يَشْرَعَ وَإِنَّ قَوْلَهُ: إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةِ إلَى آخِرِهِ: لَا يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْوِي وَيُفَارِقُهَا فِي طَلَبِ حَاجَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ إذَا فَارَقَهَا مُسَافِرًا وَعَبَّرَ فِي الْفُرُوعِ كَمَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ ابْتِدَاءٍ لَكِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَسْطُرٍ: نَاوِيًا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ.
(وَإِنْ رَجَعَ) لِيَعُودَ إلَى وَطَنِهِ مُقِيمًا أَوْ لِحَاجَةٍ بَدَتْ لَهُ (ثُمَّ بَدَا لَهُ الْعَوْدُ إلَى السَّفَرِ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفَارِقَ مَكَانَهُ) الَّذِي بَدَتْ لَهُ فِيهِ نِيَّةُ الْعَوْدِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إقَامَةٍ حُكْمًا فَاعْتُبِرَتْ مُفَارَقَتُهُ لِمَحَلِّ وَطَنِهِ (فَإِنْ شَكَّ فِي) أَنَّ سَيْرَهُ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي قَصَدَهُ يَبْلُغُ (قَدْرَ الْمَسَافَةِ) بِأَنْ جَهِلَ كَوْنَهُ مَسَافَةَ قَصْرٍ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يَعْلَمَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُبِيحُ لِلْقَصْرِ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ سَفَرِهِ كَمَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ آبِقٍ أَوْ ضَالَّةٍ نَاوِيًا أَنْ يَعُودَ بِهِ أَيْنَ وَجَدَهُ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُجَاوِزَ الْمَسَافَةَ) لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ الْمُبِيحِ لِلْقَصْرِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي أَوَّلِ الْقَصْرِ: مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ أَوْ آبِقٍ حَتَّى جَاوَزَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ لِعَدَمِ نِيَّتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَفِي الشَّرْحِ: وَلَوْ خَرَجَ طَالِبًا لِعَبْدٍ آبِقٍ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ؟ أَوْ مُنْتَجِعًا عُشْبًا، أَوْ كَلَأً، مَتَى وَجَدَهُ أَقَامَ، أَوْ سُلَيْكًا فِي الْأَرْضِ لَا يَقْصِدُ مَكَانًا لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ وَإِنْ سَارَ أَيَّامًا وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ إذَا بَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ قَصَدَ بَلَدًا بَعِيدًا وَفِي عَزْمِهِ أَنَّهُ مَتَى طَلَبَهُ دُونَهُ رَجَعَ أَوْ أَقَامَ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِسَفَرٍ طَوِيلٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْجِعُ وَلَا يُقِيمُ بِوُجُودِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ.

(وَيَقْصُرُ مَنْ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ) وَنَوَى سَفَرًا يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ (وَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّلَاةُ) حَالَ شُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ (كَحَائِضٍ وَكَافِرٍ وَمَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (تَطْهُرُ) الْحَائِضُ (وَيُسْلِمُ) الْكَافِرُ.
(وَيُفِيقُ) الْمَجْنُونُ (وَيَبْلُغُ)

الصَّبِيُّ (وَلَوْ بَقِيَ) بَعْدَ الطُّهْرِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِفَاقَةِ وَالْبُلُوغِ (دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ الْقَصْرِ فِي أَوَّلِ السَّفَرِ بِخِلَافِ مَنْ أَنْشَأَ السَّفَرَ عَاصِيًا بِهِ، ثُمَّ تَابَ فِي أَثْنَائِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ إذَا تَابَ إلَّا إذَا بَقِيَ سَفَرُهُ مَسَافَةَ قَصْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْقَصْرِ فِي ابْتِدَائِهِ.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ جَوَازِ الْقَصْرِ بَعْدَ وُجُودِ مَا سَبَقَ اعْتِبَارُهُ إحْدَى وَعِشْرُونَ صُورَةً يَجِبُ فِيهَا الْإِتْمَامُ الْأُولَى مِنْهَا، أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (وَلَوْ مَرَّ) الْمُسَافِرُ (بِوَطَنِهِ) أَتَمَّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِوَطَنِهِ حَاجَةٌ سِوَى الْمُرُورِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ طَرِيقُهُ إلَى مَا يَقْصِدُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ بِهِ إذْ ذَاكَ.

الثَّانِيَةُ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ) مَرَّ (بِبَلَدٍ لَهُ فِيهِ امْرَأَةٌ) أَتَمَّ وَلَوْ لَمْ يُفَارِقْ وَطَنَهُ حَتَّى يُفَارِقَهُ لِمَا تَقَدَّمَ.

الثَّالِثَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ) مَرَّ بِبَلَدٍ (تَزَوَّجَ فِيهِ أَتَمَّ) أَتَمَّ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ الَّذِي تَزَوَّجَ فِيهِ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ فِرَاقِ الزَّوْجَةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ بِهِ أَقَارِبُ كَأُمٍّ وَأَبٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يُمْنَعْ عَلَيْهِ الْقَصْرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا سَبَقَ.
(وَأَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ) وَهُمْ مَنْ دُونِ الْمَسَافَةِ مَنْ مَكَّةَ (إذَا ذَهَبُوا إلَى عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى فَلَيْسَ لَهُمْ قَصْرٌ وَلَا جَمْعٌ) لِلسَّفَرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُسَافِرِينَ لِعَدَمِ الْمَسَافَةِ (فَهُمْ فِي) اعْتِبَارِ (الْمَسَافَةِ كَغَيْرِهِمْ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَمَثَلُهُمْ مَنْ يَنْوِي الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ فَوْقَ عِشْرِينَ صَلَاةً كَأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ فَلَيْسَ لَهُمْ قَصْرٌ وَلَا جَمْعٌ بِمَكَّةَ وَلَا مِنًى وَلَا عَرَفَةَ وَلَا مُزْدَلِفَةَ لِانْقِطَاعِ سَفَرِهِمْ بِدُخُولِ مَكَّةَ إذْ الْحَجُّ قَصْدُ مَكَّةَ لِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ كَمَا يَأْتِي.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ فِي نِيَّتِهِ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ إذَا رَجَعَ لَمْ يَقْصُرْ بِعَرَفَةَ (لَكِنْ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِيمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ فَلَا يُقِيمُ بِهَا) أَيْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (فَهَذَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ) أَيْ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى (؛ لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَنْشَأَ السَّفَرَ إلَى بَلَدِهِ) بِخُرُوجِهِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهِ (وَالْقَصْرُ رُخْصَةً) ؛ لِأَنَّ سَلْمَانَ بَيَّنَ أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ بِمَحْضَرِ اثْنَيْ عَشَرَ صَحَابِيًّا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٌ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . (وَهُوَ) أَيْ الْقَصْرُ (أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَاوَمَ عَلَيْهِ وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ

تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ.
(وَإِنْ أَتَمَّ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ الرُّبَاعِيَّةَ (جَازَ وَلَمْ يُكْرَهْ) لَهُ الْإِتْمَامُ لِحَدِيثِ يَعْلَى قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ «أَتَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَصَرَ» قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ.

الرَّابِعَةُ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْإِتْمَامُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ أَحْرَمَ مُقِيمًا فِي حَضَرٍ) ثُمَّ سَافَرَ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ.

الْخَامِسَةُ الْمَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ (أَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَضَرِ (ثُمَّ سَافَرَ) لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ تَامَّةً بِدُخُولِ وَقْتِهَا وَهَذِهِ مُغْنِيَةٌ عَنْ الَّتِي قَبْلَهَا.

السَّادِسَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ أَحْرَمَ بِهَا) أَيْ الرُّبَاعِيَّةِ (فِي سَفَرٍ) مُبِيحٍ لِلْقَصْرِ (ثُمَّ أَقَامَ كَرَاكِبِ سَفِينَةٍ) أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ مَقْصُورَةً فِيهَا ثُمَّ وَصَلَتْ إلَى وَطَنِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا حُكْمُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَغَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ.

السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ بَيَّنَهُمَا بِقَوْلِهِ (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ أَوْ عَكْسِهِ) أَيْ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَغَلَبَ.

التَّاسِعَةُ وَالْعَاشِرَةُ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ (أَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ أَوْ بِمَنْ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ) كَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ حَضَرًا ثُمَّ سَافَرَ وَنَحْوُهُ لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تِلْكَ السُّنَّةُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَرْدُودَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ، فَلَا يُصَلِّيهَا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ كَالْجُمُعَةِ وَسَوَاءٌ ائْتَمَّ بِهِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْضِهَا، اعْتَقَدَهُ مُسَافِرًا أَوْ لَا وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ أَحْرَمَ مُسَافِرٌ خَلْفَ مُسَافِرٍ، ثُمَّ طَرَأَ لِلْإِمَامِ عُذْرٌ فَاسْتَخْلَفَ مُقِيمًا فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ دُونَ إمَامِهِ الَّذِي اسْتَخْلَفَ الْمُقِيمَ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ) ائْتَمَّ (بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ) أَيْ فِي كَوْنِهِ مُسَافِرًا (أَوْ) ائْتَمَّ (بِمَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُقِيمٌ، وَلَوْ بَانَ) الْإِمَامُ بَعْدُ (مُسَافِرًا) لَزِمَ الْمَأْمُومُ أَنْ يُتِمَّ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا عِنْدَ الْإِحْرَامِ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الْمُبَيَّنَةُ بِقَوْلِهِ (أَوْ) أَحْرَمَ (بِصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا فَفَسَدَتْ، وَأَعَادَهَا كَمَنْ يَقْتَدِي بِمُقِيمٍ فَيُحْدِثُ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَلَزِمَهُ إعَادَتُهَا تَامَّةً؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً تَامَّةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَادَ مَقْصُورَةً.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ عِنْدَ دُخُولِهِ الصَّلَاةَ) أَيْ إحْرَامَهَا لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَإِطْلَاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَأَطْلَقَ فَإِنَّ نِيَّتَهُ تَنْصَرِفُ إلَى الِانْفِرَادِ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ الْمَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ (أَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ: هَلْ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا؟ وَلَوْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (أَنَّهُ كَانَ نَوَاهُ) لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ لِوُجُودِ مَا أَوْجَبَ الْإِتْمَامَ فِي بَعْضِهَا فَغَلَبَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ صَلَاةٍ أَوْ بَعْضِهَا فِي سَفَرٍ) بِأَنْ أَخَرَّهَا بِلَا عُذْرٍ (حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا) عَنْهَا أَوْ عَنْ بَعْضِهَا لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، قِيَاسًا عَلَى

السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَاصِيًا بِتَأْخِيرِهَا مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقِيلَ: يَقْصُرُ، وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، لِعَدَمِ تَحْرِيمِ السَّبَبِ، أَيْ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْقَصْرِ مُبَاحٌ وَالْمَعْصِيَةُ فِيهِ لَا تَمْنَعُ الْقَصْرَ كَمَا تَقَدَّمَ.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ عَزَمَ) الْمُسَافِرُ (فِي صَلَاتِهِ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ 000 بِهِ الْإِتْمَامُ مِنْ الْإِقَامَةِ وَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ) بِأَنْ قَلَبَ السَّفَرَ لِلْمَعْصِيَةِ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، تَغْلِيبًا لَهُ لِكَوْنِهِ الْأَصْلُ وَكَذَا لَوْ نَوَى الرُّجُوعَ وَمُدَّةُ رُجُوعِهِ لَا يُبَاحُ فِيهَا الْقَصْرُ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: أَوْ عَزَمَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَنَحْوِهِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْلَى لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي السَّفَرِ لَا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ بِخِلَافِ الْمَعْصِيَةِ بِهِ.

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ تَابَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ (فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ) وَلَا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ قَصْرِهَا إذَنْ وَلَا تَبْطُلُ إنْ كَانَ نَوَى الْقَصْرَ فِي ابْتِدَائِهَا جَاهِلًا تَحْرِيمَ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ عِنْدَ إحْرَامِهَا، أَمَّا إنْ نَوَاهُ عَالِمًا لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي ضِمْنِ حُكْمٍ عَامٍّ بِقَوْلِهِ.
(وَإِنْ نَوَى مُسَافِرٌ الْقَصْرَ حَيْثُ يُحْرِمُ عَالِمًا) بِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ (كَمَنْ نَوَاهُ) أَيْ الْقَصْرَ (خَلْفَ مُقِيمٍ عَالِمًا) بِأَنَّ إمَامَهُ مُقِيمٌ، فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ إذَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ (أَوْ قَصَرَ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَ الْقَصْرِ) وَلَوْ أَنَّهُ مُخْطِئٌ فِي اعْتِقَادِهِ (وَلَمْ تَنْعَقِدْ) نِيَّتُهُ فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ (كَنِيَّةِ مُقِيمٍ الْقَصْرَ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ.
(وَ) كَ (نِيَّةِ مُسَافِرٍ الظُّهْرَ خَلْفَ إمَامِ الْجُمُعَةِ) فَلَا تَصِحُّ (نَصًّا) لِلِاخْتِلَافِ عَلَى الْإِمَامِ (وَلَوْ ائْتَمَّ مَنْ لَهُ الْقَصْرُ) وَنَوَاهُ (جَاهِلًا حَدَثَ نَفْسِهِ بِمُقِيمٍ، ثُمَّ عَلِمَ حَدَثَ نَفْسِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ) فِي الْمُعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَنْعَقِدْ، بِخِلَافِهِمَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ كَمَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ نِيَّةُ الْقَصْرِ]

(فَصْلٌ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَصْرِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ، وَإِطْلَاقُ الصَّلَاةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ مُطْلَقًا: انْصَرَفَ إلَى الِانْفِرَادِ (وَالْعِلْمِ بِهَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ) هَكَذَا فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَلَمْ يُعْلَمْ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَالْعِلْمِ بِهَا اهـ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: مَعْنَاهُ: الْعِلْمُ بِالنِّيَّةِ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَتْ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَقْصُورَةِ فَإِنَّهُ يَكْفِي اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ حُكْمًا لَا ذِكْرًا، عِنْدَ التَّكْبِيرِ قُلْتُ وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ نَوَى

الْقَصْرَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ، بِأَنْ لَا يَطْرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ هَلْ نَوَاهُ؟ فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ.

(وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا الْعِلْمُ بِ (أَنَّ إمَامَهُ إذَنْ) أَيْ حَالَ الصَّلَاةِ (مُسَافِرٌ، وَلَوْ بِأَمَارَةٍ وَعَلَامَةٍ، كَهَيْئَةِ لِبَاسٍ) إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْعِلْمِ وَ (لَا) يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ (أَنَّ إمَامَهُ نَوَى الْقَصْرَ عَمَلًا بِالظَّنِّ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْعِلْمُ (فَلَوْ قَالَ) الْمَأْمُومُ (إنْ أَتَمَّ) الْإِمَامُ (أَتْمَمْتُ، وَإِنْ قَصَرَ قَصَرْتُ لَمْ يَضُرَّ) ذَلِكَ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَإِنَّ سَبَقَ إمَامَهُ الْحَدَثُ فَخَرَجَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ، عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَإِنْ صَلَّى مُقِيمٌ وَمُسَافِرٌ خَلْفَ) إمَامٍ (مُسَافِرٍ أَتَمَّ الْمُقِيمُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ) إجْمَاعًا وَإِذَا أَمَّ مُسَافِرٌ مُقِيمِينَ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ صَحَّ،؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ بِنِيَّتِهِ (وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ) الْمُسَافِرُ (لِلْمُقِيمِينَ: أَتِمُّوا فَإِنَّا سَفْرٌ) لِلْحَدِيثِ وَلِئَلَّا يَلْتَبِسَ عَلَى الْجَاهِلِ عَدَدُ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ قَصَرَ الصَّلَاتَيْنِ) أَوْ صَلَّاهُمَا بِتَيَمُّمٍ (فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا) جَمْعَ تَقْدِيمٍ (ثُمَّ قَدِمَ) وَطَنَهُ (قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ) أَوْ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَهُ (أَجْزَأَهُ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْفِعْلِ (وَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ (ثُمَّ رَفَضَهُ وَنَوَى فِي الصَّلَاةِ الْإِتْمَامَ أَتَمَّ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَفَرْضُهُ الْأُولَتَانِ وَهَذِهِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْإِتْمَامُ.

(وَلَوْ نَوَى) مُسَافِرٌ (الْقَصْرَ، ثُمَّ أَتَمَّ سَهْوًا فَفَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ وَالزِّيَادَةُ سَهْوٌ يَسْجُدُ لَهَا نَدْبًا) ؛ لِأَنَّ عَمْدَهَا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مُتَابَعَةِ الْمَأْمُومِ لَهُ وَلَوْ كَانَ إمَامًا.

(وَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ) طَرِيقٌ (بَعِيدٌ، وَ) طَرِيقٌ (قَرِيبٌ فَسَلَكَ الْبَعِيدَ لِيَقْصُرَ الصَّلَاةَ فِيهِ) قَصَرَ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ قَصْدٍ صَحِيحٍ وَكَمَا لَوْ كَانَ الْآخَرُ مَخُوفًا أَوْ مُشِقًّا فَعَدَمُ الْحِكْمَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لَا يَضُرُّهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: مَنْعُ مَنْ قَصَدَ قَرْيَةً بَعِيدَةً لِحَاجَةٍ هِيَ فِي قَرْيَتِهِ، وَجَعَلَهَا صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَصْلًا لِلْجَوَازِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَلَعَلَّ التَّسْوِيَةَ أَوْلَى (أَوْ) سَلَكَ الطَّرِيقَ الْبَعِيدَ (لِغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ لِغَيْرِ الْقَصْرِ، كَجَلْبِ مَالٍ أَوْ نَفْعٍ، أَوْ نَفْيِ ضَرَرٍ قَصَرَ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ قَوْلًا وَاحِدًا (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ (أَوْ فِي سَفَرٍ آخَرَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْحَضَرِ قَصَرَ) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا وَفِعْلَهَا وُجِدَا فِي السَّفَرِ أَشْبَهَ أَدَاءَهَا فَإِنْ ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، أَوْ قَضَى بَعْضَهَا فِي الْحَضَرِ أَتَمَّ.

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْإِتْمَامُ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَلَوْ نَوَى إقَامَةً مُطْلَقَةً) بِأَنْ لَمْ يَحُدَّهَا بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ (فِي بَلَدٍ، وَلَوْ الْبَلَدُ الَّذِي يَقْصِدُهُ بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ إسْلَامٍ أَوْ فِي بَادِيَةٍ لَا يُقَامُ بِهَا، أَوْ كَانَتْ لَا تُقَامُ فِيهَا الصَّلَاةُ) أَتَمَّ، لِزَوَالِ السَّفَرِ الْمُبِيحِ لِلْقَصْرِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ.

الْعِشْرُونَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ) نَوَى إقَامَةَ (أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةً)

أَتَمَّ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعِ ذِي الْحَجَّةِ فَأَقَامَ بِهَا الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ وَصَلَّى الصُّبْحَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِنًى وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ» وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى إقَامَتِهَا، وَقَالَ أَنَسٌ أَقَمْنَا بِمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ حَدِيثَ أَنَسٍ وَيَقُولُ: هُوَ كَلَامٌ لَيْسَ يَفْقَهُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَجْهَهُ: أَنَّهُ حَسَبَ مُقَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ وَمِنًى وَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ غَيْرُ هَذَا.

الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ الْمَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ (أَوْ شَكَّ فِي نِيَّتِهِ هَلْ نَوَى) إقَامَةَ (مَا يُمْنَعُ الْقَصْرَ أَمْ لَا؟ أَتَمَّ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ مَعَ الشَّكِّ فِي مُبِيحِ الرُّخْصَةِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةً بِأَنْ نَوَى عِشْرِينَ فَأَقَلَّ (قَصَرَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَوْمُ الدُّخُولِ وَيَوْمُ الْخُرُوجِ يُحْسَبَانِ مِنْ الْمُدَّةِ) فَلَوْ دَخَلَ عِنْدَ الزَّوَالِ احْتَسَبَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْيَوْمِ وَلَوْ خَرَجَ عِنْدَ الْعَصْرَ احْتَسَبَ بِمَا مَضَى مِنْ الْيَوْمِ.

(وَإِنْ أَقَامَ) الْمُسَافِرُ (لِقَضَاءِ حَاجَةٍ) يَرْجُو نَجَاحَهَا أَوْ جِهَادِ عَدُوٍّ وَسَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ انْقِضَاءُ حَاجَتِهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ بَعْدَ أَنْ يُحْتَمَلَ انْقِضَاؤُهَا فِي مُدَّةٍ لَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ السَّفَرِ بِهَا (بِلَا نِيَّةِ إقَامَةٍ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ) وَهِيَ إقَامَةُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةً (وَلَا يَعْلَمُ قَضَاءَ الْحَاجَةِ قَبْلَ الْمُدَّةِ) أَيْ مُدَّةٍ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةً.
(وَلَوْ) كَانَ الْعِلْمُ (ظَنًّا) لِإِجْرَائِهِ مَجْرَى الْيَقِينِ، حَيْثُ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ (أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا، أَوْ حَبَسَهُ مَطَرٌ أَوْ مَرَضٌ وَنَحْوُهُ) كَثَلْجٍ وَجَلِيدٍ (قَصَرَ أَبَدًا) ؛ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ تَفَرَّدَ مَعْمَرٌ بِرَاوِيَتِهِ مُسْنَدًا وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ مُرْسَلًا.
«وَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ أَقَامَ فِيهَا تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ أَنَسٌ أَقَامَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَامَهُرْمُزَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ مَا لَمْ يَجْمَعْ إقَامَةً وَلَوْ أَتَى عَلَيْهِ سُنُونَ وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ فَإِنْ حُبِسَ بِحَقٍّ لَمْ يَقْصُرْ وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ يَقْصُرُ الَّذِي يَقُولُ: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا: شَهْرًا وَعَنْ سَعِيدٍ أَنَّهُ أَقَامَ فِي بَعْضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ (فَإِنْ) أَقَامَ لِحَاجَةٍ، وَ (عَلِمَ) أَوْ ظَنَّ (أَنَّهَا لَا تَنْقَضِي فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ) كَمَا لَوْ نَوَى إقَامَةً

أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَنْقَضِي إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْقَصْرِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ.

(وَمَنْ رَجَعَ إلَى بَلَدٍ) كَأَنْ (أَقَامَ بِهِ مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ) وَلَمْ يَنْوِ حَالَ الْعَوْدِ إقَامَةً بِهِ تَمْنَعُ الْقَصْرَ (قَصَرَ، حَتَّى فِيهِ، نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، وَلَيْسَ كَمَنْ مَرَّ بِوَطَنِهِ.
(وَإِنَّ عَزَمَ عَلَى إقَامَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رُسْتَاقٍ) أَيْ نَاحِيَةٍ مِنْ أَطْرَافِ الْإِقْلِيمِ وَالْمُرَادُ بِهِ: الْمُعَامَلَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى أَمْكِنَةٍ (يَنْتَقِلُ فِيهِ) أَيْ الرُّسْتَاقِ (مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ لَا يَجْمَعُ) أَيْ لَا يَعْزِمُ مِنْ جَمْعٍ بِمَعْنَى نَوَى (عَلَى الْإِقَامَةِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا) أَيْ الْقُرَى (مُدَّةً تُبْطِلُ حُكْمَ السَّفَرِ) أَيْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (قَصَرَ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ عَشَرًا بِمَكَّةَ وَعَرَفَةَ وَمِنًى يَقْصُرُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كُلِّهَا» ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ نَوَى إقَامَةً بِشَرْطٍ كَأَنْ يَقُولَ: إنْ لَقِيتَ فُلَانًا فِي هَذَا الْبَلَدِ أَقَمْتَ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ لَمْ يَلْقَهُ) فِي الْبَلَدِ (فَلَهُ حُكْمُ السَّفَرِ) لِعَدَمِ الشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْإِقَامَةَ.
(وَإِنْ لَقِيَهُ بِهِ صَارَ مُقِيمًا) لِاسْتِصْحَابِهِ حُكْمَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ (إنْ لَمْ يَكُنْ فَسَخَ نِيَّتَهُ الْأُولَى) لِلْإِقَامَةِ (قَبْلَ لِقَائِهِ أَوْ حَالَ لِقَائِهِ) فَإِنْ فَسَخَهَا إذَنْ فَلَهُ الْقَصْرُ.
(وَإِنْ فَسَخَ) النِّيَّةَ (بَعْدَ لِقَائِهِ، فَهُوَ كَمُسَافِرٍ نَوَى الْإِقَامَةَ الْمَانِعَةَ مِنْ الْقَصْرِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ السَّفَرُ قَبْلَ تَمَامِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فِي مَوْضِعِ إقَامَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ ثَبَتَ لَهُ فِيهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ أَشْبَهَ وَطَنَهُ (حَتَّى يَشْرَعَ فِي السَّفَرِ) وَيُفَارِقَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَالْمَلَّاحُ) صَاحِبُ السَّفِينَةِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ (الَّذِي مَعَهُ أَهْلُهُ فِي السَّفِينَةِ، أَوْ لَا أَهْلَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ بِبَلَدٍ لَا يَتَرَخَّصُ) بِقَصْرٍ وَلَا فِطْرٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاعِنٍ عَنْ وَطَنِهِ وَأَهْلِهِ أَشْبَهَ الْمُقِيمَ وَلِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِلسَّفَرِ الْمُبِيحِ كَوْنُهُ مُنْقَطِعًا، بِخِلَافِ الدَّائِمِ (فَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الْمَلَّاحِ (أَهْلٌ وَلَيْسُوا مَعَهُ، تَرَخَّصَ) كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ،؛ لِأَنَّ الشَّبَهَ حَقِيقَةٌ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ (وَمِثْلُهُ) أَيْ الْمَلَّاحِ فِي التَّفْصِيلِ السَّابِقِ (مُكَارٍ وَرَاعٍ وَفَيْجٌ) بِالْجِيمِ (وَهُوَ رَسُولُ السُّلْطَانِ وَبَرِيدٌ وَنَحْوُهُمْ) كَالسَّاعِي، فَلَا يَتَرَخَّصُونَ إذَا كَانَ مَعَهُمْ أَهْلُهُمْ وَلَيْسَ لَهُمْ نِيَّةُ إقَامَةٍ بِبَلَدٍ (نَصًّا) وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَهْلٌ فَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَهْلٌ وَلَيْسُوا مَعَهُمْ، فَلَهُمْ التَّرَخُّصُ.
(وَعَرَبُ الْبَدْوِ الَّذِينَ حَيْثُ وَجَدُوا الْمَرْعَى رَعَوْهُ يُصَلُّونَ تَمَامًا،؛ لِأَنَّهُمْ مُقِيمُونَ فِي أَوْطَانِهِمْ) وَلَا يُبَاحُ لَهُمْ الْفِطْرُ بِرَمَضَانَ لِذَلِكَ (فَإِنْ كَانَ لَهُمْ سَفَرٌ مِنْ الْمَصِيفِ إلَى الْمَشْتَى، وَمِنْ الْمَشْتَى إلَى الْمَصِيفِ كَمَا لِلتَّرْكِ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ فِي مُدَّةِ هَذَا السَّفَرِ) حَيْثُ بَلَغَ الْمَسَافَةَ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (وَكُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ جَازَ لَهُ الْجَمْعُ وَالْفِطْرُ) لِوُجُودِ مُبِيحِهِمَا، وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ.
(وَلَا عَكْسَ)

أَيْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ وَالْجَمْعُ أُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ (؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ) مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ أَوْ الْجَمْعُ (لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي) إتْمَامِ (الصَّلَاةِ) بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَ (قَدْ يَنْوِي الْمُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ وَيَقْطَعُهَا مِنْ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ مِثْلًا، فَيُفْطِرُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصُرْ) إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ صَلَاةٌ يَقْصُرُهَا أَوْ يُتِمُّهَا.
(قَالَ الْأَصْحَابُ) مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ (الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ) الَّذِي يَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ (أَرْبَعَةٌ الْقَصْرُ، وَالْجَمْعُ، وَالْمَسْحُ) عَلَى الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (ثَلَاثًا وَالْفِطْرُ) بِرَمَضَانَ، وَأَمَّا أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَاحِلَتِهِ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ فَلَا تَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ]

(فَصْلٌ فِي الْجَمْعِ) بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (وَلَيْسَ) الْجَمْعُ (بِمُسْتَحَبٍّ، بَلْ تَرْكُهُ أَفْضَلُ) لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ (غَيْرَ جَمْعَيْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ) فَيُسَنَّانِ بِشَرْطِهِ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِمَا لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَجُوزُ) الْجَمْعُ (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا (وَ) بَيْنَ (الْعِشَاءَيْنِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا) فَهَذِهِ الْأَرْبَعُ هِيَ الَّتِي تُجْمَعُ: الظُّهْرُ، وَالْعَصْرُ، وَالْمَغْرِبُ، وَالْعِشَاءُ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا أَمَّا الْأُولَى، وَيُسَمَّى جَمْعُ التَّقْدِيمِ، أَوْ الثَّانِيَةُ، وَيُقَالُ لَهُ جَمْعُ التَّأْخِيرِ فِي ثَمَانِ حَالَاتٍ إحْدَاهَا (لِمُسَافِرٍ يَقْصُرُ) أَيْ يُبَاحُ لَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ، بِأَنْ يَكُونَ السَّفَرُ غَيْرَ مَكْرُوهٍ وَلَا حَرَامٍ؛ وَيَبْلُغُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ لِمَا رَوَى مُعَاذٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إلَى الْعَصْرِ يُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ وَكَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَعَنْ أَنَسٍ مَعْنَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَازِلًا أَوْ سَائِرًا فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ أَوْ التَّأْخِيرِ وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ إلَّا لِسَائِرٍ (فَلَا يَجْمَعُ مَنْ لَا) يُبَاحُ لَهُ أَنْ (يَقْصُرَ، كَمَكِّيٍّ وَنَحْوِهِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ) . قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: أَمَّا الْمَكِّيُّ وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ عَرَفَةَ وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَاَلَّذِي يَنْوِي الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ فَوْقَ عِشْرِينَ صَلَاةً، فَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ الْجَمْعُ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُسَافِرِينَ سَفَرَ قَصْرٍ.
(وَ) الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ (الْمَرِيضُ يَلْحَقُهُ بِتَرْكِهِ) أَيْ الْجَمْعِ (مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا عُذْرَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الْمَرَضُ.
وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُ الْجَمْعِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ وَهِيَ نَوْعُ مَرَضٍ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ الْمَرَضَ أَشَدُّ مِنْ السَّفَرِ وَاحْتَجَمَ بَعْدَ الْغُرُوبِ ثُمَّ تَعَشَّى، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا " تَنْبِيهٌ " قَوْلُهُ مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ " هَكَذَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالْمُقْنِعِ، وَتَابَعَهُ فِي التَّنْقِيحِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ فِي الْمُبْدِعِ وَلَا الْإِنْصَافِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْفُرُوعِ " وَضَعْفٌ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَحَكَاهُ فِي شَرْحِهِ بِقِيلَ (وَ) الْحَالُ الثَّالِثَةُ (لِمُرْضِعٍ لِمَشَقَّةِ كَثْرَةِ النَّجَاسَةِ) أَيْ مَشَقَّةِ تَطْهِيرِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هِيَ كَمَرِيضٍ (وَ) الْحَالُ الرَّابِعَةُ (لِعَاجِزٍ عَنْ الطَّهَارَةِ) بِالْمَاءِ (أَوْ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ) لِأَنَّ الْجَمْعَ أُبِيحَ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ لِلْمَشَقَّةِ، وَالْعَاجِزُ عَنْ الطَّهَارَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فِي مَعْنَاهُمَا.
الْحَالُ الْخَامِسَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ) عَاجِزٍ (عَنْ مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ كَأَعْمَى) وَمَطْمُورٍ (أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ.
(وَ) الْحَالُ السَّادِسَةُ (لِمُسْتَحَاضَةٍ وَنَحْوِهَا) كَصَاحِبِ سَلَسِ بَوْلٍ أَوْ مَذْيٍ أَوْ رُعَافٍ دَائِمٍ وَنَحْوِهِ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ حِينَ اسْتَفْتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِاسْتِحَاضَةِ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ «فَإِنْ، قَوِيت عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ ثُمَّ تُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَنَحْوُهُ فِي مَعْنَاهَا.
(وَ) الْحَالُ السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ (لِمَنْ لَهُ شُغْلٌ أَوْ عُذْرٌ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ) كَخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ تَضَرُّرٍ فِي مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا بِتَرْكِ الْجَمْعِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُشَيْشٍ الْجَمْعُ فِي الْحَضَرِ إذَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ شُغْلٍ (وَاسْتَثْنَى جَمْعٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْوَجِيزِ (النُّعَاسَ) قَالَ فِي الْوَجِيزِ: عَدَا النُّعَاسَ وَنَحْوَهُ.

(وَفِعْلُ الْجَمْعِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً أَوْلَى مِنْ أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتِهِمْ) لِعُمُومِ حَدِيثِ «خَيْرُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (بَلْ تَرْكُ الْجَمْعِ مَعَ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ بِدْعَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ إذْ السُّنَّةُ أَنْ تُصَلَّى الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فِي الْمَسَاجِدِ جَمَاعَةً وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ مُفَرَّقَةً بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ الْجَمْعَ كَ) الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
(وَ) الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، (وَ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ، قَالَهُ الشَّيْخُ) ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَعْذَارَ السَّابِقَةَ تُبِيحُ

الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ.

ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْأَعْذَارِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْعِشَاءَيْنِ وَهِيَ سِتَّةٌ فَقَالَ: (وَيَجُوزُ) الْجَمْعُ (بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لَا الظُّهْرَيْنِ لِمَطَرٍ يَبُلُّ الثِّيَابَ، زَادَ جَمْعٌ: أَوْ) يَبُلُّ (النَّعْلَ أَوْ الْبَدَنَ، وَتُوجَدُ مَعَهُ مَشَقَّةٌ) رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ» " وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ " وَ (لَا) يُبَاحُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ (الظِّلِّ) وَلَا لِمَطَرٍ خَفِيفٍ لَا يَبُلُّ الثِّيَابَ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ.
(وَ) يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ دُونَ الظُّهْرَيْنِ (لِثَلْجٍ وَبَرَدٍ) لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ الْمَطَرِ.
(وَ) يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لِ (جَلِيدٍ) لِأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ (وَوَحْلٍ وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ بَارِدَةٍ) . قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: " إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَجْمَعُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ " زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ " لَيْلًا " وَزَادَ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَافِي " مَعَ ظُلْمَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَإِذَا جَاءَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ الْبَرْدِ كَانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْوَحْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَشَقَّةَ الْبَرْدِ بِأَعْظَمَ مِنْ مَشَقَّةِ الْوَحْلِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ «جَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ» وَلَا وَجْهَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلَّا الْوَحْلُ أَيْ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمَرَضِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ الْعُذْرِ وَالنَّسْخِ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى فَائِدَةٍ، فَيُبَاحُ الْجَمْعُ مَعَ هَذِهِ الْأَعْذَارِ (حَتَّى لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، أَوْ) يُصَلِّي (فِي مَسْجِدِ طَرِيقِهِ تَحْتَ سَابَاطٍ وَلِمُقِيمٍ فِي الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ خُطُوَاتٌ يَسِيرَةٌ.
(وَلَوْ لَمْ يَنَلْهُ إلَّا يَسِيرٌ) لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ يَسْتَوِي فِيهَا وُجُودُ الْمَشَقَّةِ وَعَدَمُهَا كَالسَّفَرِ وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ هَذِهِ بِالْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِيهِمَا وَمَشَقَّتُهُمَا أَكْثَرُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا يُفْعَلَانِ فِي الظُّلْمَةِ وَمَشَقَّةُ السَّفَرِ لِأَجْلِ السَّيْرِ وَفَوَاتِ الرُّفْقَةِ بِخِلَافِ مَا هُنَا.

(وَفِعْلُ الْأَرْفَقِ بِهِ) أَيْ بِمَنْ يُبَاحُ لَهُ الْجَمْعُ (مِنْ تَأْخِيرٍ وَتَقْدِيمٍ أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ) لِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: قُلْت لَهُ " مَعَ مَنْ كَتَبْت هَذَا عَنْ اللَّيْثِ قَالَ: مَعَ خَالِدٍ الْمَدَائِنِيِّ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَخَالِدٌ هَذَا كَانَ يُدْخِلُ الْأَحَادِيثَ عَلَى الشُّيُوخِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ «وَأَخَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ يَوْمًا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا» رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتُ الْإِسْنَادِ؛ وَلِأَنَّ الْجَمْعَ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِحَالَةٍ كَسَائِرِ رُخَصِهِ وَعَنْهُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ السَّيْرِ؛ وَحُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ (سِوَى جَمْعَيْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَيُقَدِّمُ) الْعَصْرَ (فِي عَرَفَةَ) وَيُصَلِّيهَا مَجْمُوعَةً

مَعَ الظُّهْرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ (وَيُؤَخِّرُ) الْمَغْرِبَ لِيَجْعَلَهَا مَعَ الْعِشَاءِ (فِي مُزْدَلِفَةَ) عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهَا لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِاشْتِغَالِهِ وَقْتَ الْعَصْرِ بِعَرَفَةَ بِالدُّعَاءِ، وَوَقْتَ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ بِالسَّيْرِ إلَيْهَا (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الرِّفْقِ (فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ وَعَمَلٌ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا (سِوَى جَمْعِ عَرَفَةَ) فَالتَّقْدِيمُ فِيهِ أَفْضَلُ، لِمَا سَبَقَ وَإِنْ كَانَ الْأَرْفَقُ بِهِ التَّأْخِيرَ، اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ.

(وَيُشْتَرَطُ لِلْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى) ظُهْرًا كَانَتْ أَوْ مَغْرِبًا، وَهُوَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ (ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ) أَحَدُهَا (نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ إحْرَامِهَا) لِأَنَّهُ عَمَلٌ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَكُلُّ عِبَادَةٍ اُشْتُرِطَتْ فِيهَا النِّيَّةُ اُعْتُبِرَتْ فِي أَوَّلِهَا كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ إحْرَامِ الثَّانِيَةِ.
(وَتَقْدِيمِهَا) أَيْ الْأُولَى (عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْجَمْعَيْنِ) أَيْ جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَلَا يَخْتَصُّ هَذَا الشَّرْطُ بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ (فَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ (كَالتَّرْتِيبِ فِي الْفَوَائِتِ يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ) لِأَنَّ إحْدَاهُمَا هُنَا تَبَعٌ لِاسْتِقْرَارِهِمَا كَالْفَوَائِتِ.
قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْفَائِقُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيّ: التَّرْتِيبُ مُعْتَبَرٌ هُنَا لَكِنْ يُشْتَرَطُ الذِّكْرُ كَتَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ اهـ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَيُشْتَرَطُ لَهُ أَيْ لِلْجَمْعِ تَرْتِيبٌ مُطْلَقًا.
(وَ) الثَّانِي (الْمُوَالَاةُ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُتَابَعَةُ وَالْمُقَارَنَةُ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ التَّفْرِيقِ الطَّوِيلِ (إلَّا بِقَدْرِ إقَامَةٍ وَوُضُوءٍ خَفِيفٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَهُمَا مِنْ مَصَالِحِ الصَّلَاةِ، وَظَاهِرُهُ تَقْدِيرُ الْيَسِيرِ بِذَلِكَ وَصَحَّحَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ: أَنْ يُرْجِعَهُ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ فَإِنْ طَالَ الْوُضُوءُ بَطَلَ الْجَمْعُ (وَلَا يَضُرُّ كَلَامٌ يَسِيرٌ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى قَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ الْخَفِيفِ (مِنْ تَكْبِيرِ عِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَذِكْرٍ وَتَلْبِيَةٍ.
(وَلَوْ) كَانَ الْكَلَامُ (غَيْرَ ذِكْرٍ) كَالسُّكُوتِ الْيَسِيرِ (فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ الرَّاتِبَةَ وَغَيْرَهَا بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ (لَا) إنْ سَجَدَ بَيْنَهُمَا (سُجُودَ السَّهْوِ) وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْأُولَى (بَطَلَ الْجَمْعُ) لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ كَمَا لَوْ قَضَى فَائِتَةً وَلَوْ لَمْ تَطُلْ الصَّلَاةُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَأَمَّا سُجُودُ السَّهْوِ بَيْنَهُمَا فَلَا يُؤَثِّرُ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، وَمِنْ تَعَلُّقِ الْأُولَى وَتَقَدَّمَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ كَلَامُ الْفُصُولِ أَنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَهُمَا.
(وَ) وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ (أَنْ يَكُونَ الْعُذْرُ) الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ مِنْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ (مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتَيْنِ) الْمَجْمُوعَتَيْنِ (وَ)

عِنْدَ (سَلَامِ الْأُولَى) لِأَنَّ افْتِتَاحَ الْأُولَى مَوْضِعُ النِّيَّةِ وَفَرَاغِهَا، وَافْتِتَاحَ الثَّانِيَةِ مَوْضِعُ الْجَمْعِ.

(فَلَوْ أَحْرَمَ) نَاوِي الْجَمْعِ (بِالْأُولَى) مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ (مَعَ وُجُودِ مَطَرٍ، ثُمَّ انْقَطَعَ) الْمَطَرُ.
(وَلَمْ يُعِدْ، فَإِنْ حَصَلَ وَحْلٌ) لَمْ يَبْطُلْ الْجَمْعُ لِأَنَّ الْوَحْلَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ، وَهُوَ نَاشِئٌ مِنْ الْمَطَرِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ الْمَطَرُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ وَحْلٌ (بَطَلَ الْجَمْعُ) لِزَوَالِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لَهُ فَيُؤَخِّرُ الثَّانِيَةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُهَا.
(وَإِنْ شَرَعَ فِي الْجَمْعِ مُسَافِرٌ لِأَجْلِ السَّفَرِ، فَزَالَ سَفَرُهُ) بِوُصُولِهِ إلَى وَطَنِهِ أَوْ نِيَّتِهِ الْإِقَامَةَ (وَوُجِدَ وَحْلٌ أَوْ مَرَضٌ أَوْ مَطَرٌ بَطَلَ الْجَمْعُ) لِزَوَالِ مُبِيحِهِ وَالْعُذْرُ الْمُتَجَدِّدُ غَيْرُ حَاصِلٍ عَنْ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْوَحْلِ بَعْدَ الْمَطَرِ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُ الْعُذْرِ إلَى فَرَاغِ الثَّانِيَةِ فِي جَمْعِ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَثَلْجٍ وَبَرَدِ إنْ خَلَّفَهُ وَحْلٌ (بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ) فَيُشْتَرَطُ اسْتِمْرَارُهُ إلَى فَرَاغِ الثَّانِيَةِ (فَلَوْ انْقَطَعَ السَّفَرُ فِي الْأُولَى بِنِيَّةِ إقَامَةٍ وَنَحْوِهَا) كَمُرُورِهِ بِوَطَنِهِ أَوْ بَلَدٍ لَهُ بِهِ امْرَأَةٌ (بَطَلَ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ كَمَا تَقَدَّمَ) لِزَوَالِ مُبِيحِهِمَا.
(وَيُتِمُّهَا) أَيْ الْأُولَى (وَتَصِحُّ) فَرْضًا لِوُقُوعِهَا فِي وَقْتِهَا وَيُؤَخِّرُ الثَّانِيَةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُهَا (وَإِنْ انْقَطَعَ) السَّفَرُ (فِي الثَّانِيَةِ بَطَلَا) أَيْ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ (أَيْضًا) لِزَوَالِ مُبِيحِهَا.
(وَيُتِمُّهَا نَفْلًا) كَمَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ غَيْرُ عَالِمٍ (وَمَرِيضٌ كَمُسَافِرٍ) فِي جَمْعٍ (فِيمَا إذَا بَرِئَ فِي الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (وَإِنْ جَمَعَ) جَمْعَ تَأْخِيرٍ (فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ) اُشْتُرِطَ لَهُ شَرْطَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (كَفَاهُ) أَيْ أَجْزَأَهُ (نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى) لِأَنَّهُ مَتَى أَخَّرَهَا عَنْ وَقْتِهَا بِلَا نِيَّةٍ صَارَتْ قَضَاءً لَا جَمْعًا (مَا لَمْ يَضِقْ) وَقْتُ الْأُولَى (عَنْ فِعْلِهَا، فَإِنْ ضَاقَ) وَقْتُ الْأُولَى عَنْ فِعْلِهَا (لَمْ يَصِحَّ الْجَمْعُ) لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَضِيقُ عَنْ فِعْلِهَا حَرَامٌ (وَأَثِمَ بِالتَّأْخِيرِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي: (اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ) مِنْهُمْ لِأَنَّ الْمُجَوِّزَ لِلْجَمْعِ الْعُذْرُ.
فَإِذَا لَمْ يَسْتَمِرَّ وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِزَوَالِ الْمُقْتَضِي، كَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ، وَالْمُسَافِرِ يَقْدَمُ، وَالْمَطَرِ يَنْقَطِعُ (وَلَا أَثَرَ لِزَوَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا وَاجِبَتَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلِهِمَا وَيُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ فِي الْجَمْعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ إنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُمَا.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: أَوْ ضَاقَ وَقْتُ الْأُولَى عَنْ إحْدَاهُمَا، فَفِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ لِضِيقِهِ وَجْهَانِ (وَلَا تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ) فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ (فَلَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ بَيْنَهُمَا نَصًّا) وَلَا تُشْتَرَطُ أَيْضًا نِيَّةُ الْجَمْعِ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ

مَفْعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا، فَهِيَ أَدَاءٌ بِكُلِّ حَالٍ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْجَمْعِ) تَقْدِيمًا كَانَ أَوْ تَأْخِيرًا (اتِّحَادُ إمَامٍ وَلَا مَأْمُومٍ فَلَوْ صَلَّى) مَنْ يَجْمَعُ (الْأُولَى وَحْدَهُ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ صَلَّى إمَامٌ الْأُولَى وَإِمَامٌ) آخَرُ (الثَّانِيَةَ أَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ مَأْمُومٌ الْأُولَى وَآخَرُ الثَّانِيَةَ أَوْ نَوَى الْجَمْعَ خَلْفَ مَنْ لَا يَجْمَعُ، أَوْ) نَوَى الْجَمْعَ إمَامًا (بِمَنْ لَا يَجْمَعُ صَحَّ) الْجَمْعُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا لِأَنَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ حُكْمَ نَفْسِهَا وَهِيَ مُنْفَرِدَةٌ بِنِيَّتِهَا فَلَمْ يُشْتَرَطْ اتِّحَادُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، كَغَيْرِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ (تَتِمَّةٌ) إذَا بَانَ فَسَادُ الْأُولَى بَعْدَ الْجَمْعِ بِنِسْيَانِ رُكْنٍ أَوْ غَيْرِهِ بَطَلَتْ، وَكَذَا الثَّانِيَةُ، فَلَا جَمْعَ وَلَا تَبْطُلُ الْأُولَى بِبُطْلَانِ الثَّانِيَةِ وَلَا الْجَمْعُ إنْ صَلَّاهَا قَرِيبًا، وَإِنْ تَرَكَ رُكْنًا وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّهِمَا تَرَكَهُ، أَعَادَهُمَا إنْ بَقِيَ الْوَقْتُ وَإِلَّا قَضَاهُمَا.

[فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ]

(فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ) وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 102] الْآيَةَ وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ وَتَخْصِيصُهُ بِالْخِطَابِ لَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْحُكْمِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] وَبِالسُّنَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّاهَا وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى فِعْلِهَا وَصَلَّاهَا عَلِيٌّ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَحُذَيْفَةُ فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يُصَلِّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ: كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ أَوْ بَعْدَهُ وَنَسِيَهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ قِتَالٌ يَمْنَعُهُ مِنْهَا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " سَأَلَهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالُوا مَا صَلَّيْنَا ".

(وَتَأْثِيرُهُ) أَيْ الْخَوْفِ (فِي تَغْيِيرِ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ وَصِفَاتِهَا، لَا فِي تَغْيِيرِ عَدَدِ رَكَعَاتِهَا) أَيْ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ فَلَا يُغَيِّرُهُ الْخَوْفُ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ فِي مَنْعِ الْوَجْهِ السَّادِسِ الْآتِي

وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ فَيُؤَثِّرُ أَيْضًا فِي عَدَدِهَا كَمَا فِي الْوَجْهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.

(وَيُشْتَرَطُ فِيهَا) أَيْ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ (أَنْ يَكُونَ الْقِتَالُ مُبَاحًا، كَقِتَالِ الْكُفَّارِ وَالْبُغَاةِ وَالْمُحَارِبِينَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101] وَقِيسَ عَلَيْهِمْ بَاقِي مَنْ يَجُوزُ قِتَالُهُ بِخِلَافِ الْقِتَالِ الْمُحَرَّمِ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ فَلَا تُبَاحُ بِمَعْصِيَةٍ.

(قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ) بْنُ حَنْبَلٍ (صَحَّتْ) صَلَاةُ الْخَوْفِ (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ أَوْ سِتَّةٍ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٍ؟ كُلُّهَا جَائِزَةٌ) . قَالَ الْأَثْرَمُ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَقُولُ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا، أَوْ تَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْهَا قَالَ أَنَا أَقُولُ: كُلُّ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهَا كُلِّهَا فَحَسَنٌ وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ فَأَنَا أَخْتَارُهُ اهـ وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى عِلَّةِ اخْتِيَارِهِ لَهُ (فَمِنْ ذَلِكَ) الَّذِي صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَخِيفَ هُجُومُهُ صَلَّى بِهِمْ) إمَامٌ (صَلَاةَ) النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي (عُسْفَانَ) بَلَدٌ يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ بِنَحْوِ مَرْحَلَتَيْنِ (فَيَصُفُّهُمْ) الْإِمَامُ (خَلْفَهُ صَفَّيْنِ فَأَكْثَرَ، حَضَرًا كَانَ) الْخَوْفُ (أَوْ سَفَرًا وَصَلَّى بِهِمْ جَمِيعًا) مِنْ الْإِحْرَامِ وَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ (إلَى أَنْ يَسْجُدَ فَيَسْجُدَ مَعَ الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ وَيَحْرُسَ) الصَّفُّ (الْآخَرُ، حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ إلَى) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ فَيَسْجُدَ) الْمُتَخَلِّفُ (وَيَلْحَقَهُ، ثُمَّ الْأَوْلَى تَأَخُّرُ الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ وَتَقَدُّمُ) الصَّفِّ (الْمُؤَخَّرِ) لِيَحْصُلَ التَّسَاوِي فِي فَضِيلَةِ الْمَوْقِفِ.
وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ مُوَاجَهَةً لِلْعَدُوِّ (فَإِذَا سَجَدَ) الْإِمَامُ (فِي الثَّانِيَةِ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَهُوَ الَّذِي حَرَسَ أَوَّلًا) أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (وَحَرَسَ) الصَّفُّ (الْآخَرُ) الَّذِي سَجَدَ مَعَهُ فِي الْأُولَى (حَتَّى يَجْلِسَ) الْإِمَامُ (لِلتَّشَهُّدِ فَيَسْجُدَ) الْحَارِسُ.
(وَيَلْحَقَهُ فَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ) جَمِيعًا هَذِهِ الصِّفَةُ رَوَاهَا جَابِرٌ قَالَ «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَّنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ وَالْعَدُوُّ خَلْفَهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَكَبَّرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وَقَامُوا ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وَسَجَدَ ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَلَّمْنَاهُ جَمِيعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ.
وَرَوَى هَذِهِ الصِّفَةَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ «فَصَلَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِعُسْفَانَ وَمَرَّةً بِأَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ» (وَيُشْتَرَطُ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (أَنْ لَا يَخَافُوا كَمِينًا) يَأْتِي مِنْ خَلْفِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْكَمِينُ، كَأَمِيرِ: الْقَوْمُ يَكْمُنُونَ فِي الْحَرْبِ (وَ) أَنْ (لَا يَخْفَى بَعْضُهُمْ) أَيْ الْكُفَّارُ (عَنْ الْمُسْلِمِينَ) فَإِنْ خَافُوا كَمِينًا أَوْ خَفِيَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ صَلَّى عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ كَمَا لَوْ كَانُوا فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ.
(وَإِنْ حَرَسَ كُلُّ صَفٍّ مَكَانَهُ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمٍ أَوْ تَأَخُّرٍ) فَلَا بَأْسَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ لَكِنْ مَا تَقَدَّمَ أَوْلَى، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْ جَعَلَهُمْ صَفًّا وَاحِدًا أَوْ حَرَسَ بَعْضُهُ وَسَجَدَ الْبَاقُونَ) ثُمَّ فِي الثَّانِيَةِ حَرَسَ السَّاجِدُونَ أَوَّلًا وَسَجَدَ الْآخَرُونَ فَلَا بَأْسَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (أَوْ حَرَسَ الْأَوَّلُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى وَ) حَرَسَ (الثَّانِي فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ فَلَا بَأْسَ) ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْرُسَ صَفٌّ وَاحِدٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لَهُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَعُدُولٌ عَنْ الْعَدْلِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ.

الْوَجْهُ (الثَّانِي: إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ فِي جِهَتِهَا وَلَمْ يَرَوْهُمْ أَوْ رَأَوْهُمْ) وَخَافُوا كَمِينًا أَوْ خَفِيَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ رَأَوْهُمْ وَلَمْ يَخَافُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
(وَ) لَكِنْ (أَحَبُّوا فِعْلَهَا كَذَلِكَ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ) النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَزْوَةِ (ذَاتِ الرِّقَاعِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ شَدُّوا الْخِرَقَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ لِفَقْدِ النِّعَالِ وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ جَبَلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَدِينَةِ فِيهِ حُمْرَةٌ وَسَوَادٌ وَبَيَاضٌ كَأَنَّهَا خِرَقٌ وَقِيلَ: هِيَ غَزْوَةُ غَطَفَانَ وَقِيلَ: كَانَتْ نَحْوَ نَجْدٍ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (فَيَقْسِمُهُمْ) الْإِمَامُ (طَائِفَتَيْنِ، تَكْفِي كُلُّ طَائِفَةٍ الْعَدُوَّ) زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: بِحَيْثُ يَحْرُمُ فِرَارُهَا، مَتَى خُشِيَ اخْتِلَالُ حَالِهِمْ وَاحْتِيجَ إلَى مَعُونَتِهِمْ بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْهَضَ إلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ وَيَبْنُوا عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّائِفَةِ عَدَدٌ) مَخْصُوصٌ، بَلْ كِفَايَةُ الْعَدُوِّ، لِأَنَّ الْغَرَضَ الْحِرَاسَةُ مِنْهُ وَيَخْتَلِفُ بِحَسَبِ كَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ (فَإِنْ فَرَّطَ) الْإِمَامُ (فِي ذَلِكَ) بِأَنْ كَانَتْ الطَّائِفَةُ لَا تَكْفِي الْعَدُوَّ (أَوْ) فَرَّطَ فِي (مَا فِيهِ حِفْظٌ لَنَا أَثِمَ وَيَكُونُ صَغِيرَةً لَا يَقْدَحُ فِي) صِحَّةِ (الصَّلَاةِ إنْ قَارَنَهَا) لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ شَرْطَ الصَّلَاةِ (وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَسَقَ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ كَالْمُودِعِ وَالْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ، إذَا فَرَّطَ فِي الْحِفْظِ) . قَالَ فِي الْإِنْصَافِ قُلْت: إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَسَقَ وَإِلَّا فَلَا اهـ وَقَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الْمَذْهَبُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَعُدْ إلَى شَرْطِ الصَّلَاةِ، بَلْ إلَى الْمُخَاطَرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، كَتَرْكِ حَمْلِ السِّلَاحِ مَعَ حَاجَةٍ قُلْت: وَفِي الْفِسْقِ مَعَ التَّعَمُّدِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ صَغِيرَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ الصَّغِيرَةُ لَا يَفْسُقُ بِتَعَمُّدِهَا، بَلْ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا (طَائِفَةٌ) تَذْهَبُ (تَحْرُسُ) الْعَدُوَّ.
وَلَا تُحْرِمُ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى لِمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ (وَطَائِفَةٌ) تُحْرِمُ مَعَهُ (يُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً تَنْوِي مُفَارَقَتَهُ إذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا، وَلَا يَجُوزُ) أَنْ تُفَارِقَهُ (قَبْلَهُ) بِلَا عُذْرٍ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهَا بِذَلِكَ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَتَنْوِي الْمُفَارَقَةَ وُجُوبًا لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمُتَابَعَةَ) لِإِمَامِهِ (وَلَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ عَلَى إمَامِهِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ.
(وَأَتَمَّتْ) صَلَاتَهَا (لِأَنْفُسِهَا) بِرَكْعَةٍ (أُخْرَى بِ) سُورَةِ (الْحَمْدُ) لِلَّهِ (وَسُورَةٍ) أُخْرَى (ثُمَّ تَشَهَّدَتْ وَسَلَّمَتْ) لِنَفْسِهَا (وَمَضَتْ تَحْرُسُ) مَكَانَ الْأُولَى (وَتَسْجُدُ لِسَهْوِ إمَامِهَا قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ بَعْدَ فَرَاغِهَا) مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّ نَقْصَ صَلَاتِهِ نَقْصٌ فِي صَلَاتِهَا.
(وَهِيَ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ) لَهُ (مُنْفَرِدَةٌ فَقَدْ فَارَقَتْهُ حِسًّا وَحُكْمًا) لِنِيَّتِهَا الْمُفَارَقَةَ، فَلَا تَسْجُدُ لِسَهْوِهِ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ (وَثَبَتَ) الْإِمَامُ (قَائِمًا يُطِيلُ قِرَاءَتَهُ حَتَّى تَحْضُرَ) الطَّائِفَةُ (الْأُخْرَى) الَّتِي كَانَتْ تَحْرُسُ (فَ) تُحْرِمُ ثُمَّ (تُصَلِّي مَعَهُ) الرَّكْعَةَ (الثَّانِيَةَ، يَقْرَأُ) الْإِمَامُ (إذَا جَاءُوا بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ قَرَأَ) قَبْلَ مَجِيئِهَا (فَإِنْ كَانَ قَرَأَ) قَبْلَهُ (قَرَأَ بَعْدَهُ بِقَدْرِهِمَا وَلَا يُؤَخِّرُ الْقِرَاءَةَ إلَى مَجِيئِهَا اسْتِحْبَابًا) . فَلَا تَبْطُلُ إنْ لَمْ يَقْرَأْ (وَيَكْفِي إدْرَاكُهَا لِرُكُوعِهَا) أَيْ الثَّانِيَةِ كَالْمَسْبُوقِ.
(وَيَكُونُ الْإِمَامُ تَرَكَ الْمُسْتَحَبَّ) وَهُوَ الْقِرَاءَةُ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ (وَفِي الْفُصُولِ: فَعَلَ مَكْرُوهًا يَعْنِي حَيْثُ لَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا بَعْدَ دُخُولِهَا مَعَهُ، إنَّمَا أَدْرَكَتْهُ رَاكِعًا فَإِذَا جَلَسَ) الْإِمَامُ (لِلتَّشَهُّدِ أَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا) رَكْعَةً (أُخْرَى وَتُفَارِقُهُ حِسًّا لَا حُكْمًا) فَلَا تَنْوِي مُفَارَقَتَهُ، (تَسْجُدُ مَعَهُ لِسَهْوِهِ) فِي الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ وَ (لَا) تَسْجُدُ (لِسَهْوِهِمْ) لِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ لَهُ لِأَنَّهَا لَمْ تُفَارِقْهُ مِنْ دُخُولِهَا مَعَهُ إلَى سَلَامِهِ بِهَا.
(وَيُكَرِّرُ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ) أَوْ يُطِيلُ الدُّعَاءَ فِيهِ، كَمَا فِي الْمُبْدِعِ (فَإِذَا تَشَهَّدَتْ سَلَّمَ بِهِمْ، لِأَنَّهَا مُؤْتَمَّةٌ بِهِ حُكْمًا) فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَقْضِيهَا وَفِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى حِسًّا فَلَا يُسَلِّمُ قَبْلَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: 102]

فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُمْ كُلَّهَا مَعَهُ، وَتَحْصُلُ الْمُعَادَلَةُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ، وَالثَّانِيَةَ فَضِيلَةَ السَّلَامِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَمَّنْ «صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» وَصَحَّ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ فَأَنَا أَخْتَارُهُ وَوَجْهُهُ: كَوْنُهُ إنْكَاءً لِلْعَدُوِّ وَأَقَلَّ فِي الْأَفْعَالِ وَأَشْبَهَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْوَطَ لِلصَّلَاةِ وَالْحَرْبِ.

(وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا صَلَّى بِ) الطَّائِفَةِ (الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ) ، وَبِالطَّائِفَةِ (الثَّانِيَةِ رَكْعَةً) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّفْضِيلِ فَالْأُولَى أَحَقُّ بِهِ وَمَا فَاتَ الثَّانِيَةَ يَنْجَبِرُ بِإِدْرَاكِهَا السَّلَامَ مَعَ الْإِمَامِ.
(وَلَا تَتَشَهَّدُ) الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ (مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (عَقِبَهَا) أَيْ الثَّالِثَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِتَشَهُّدِهَا بِخِلَافِ الرُّبَاعِيَّةِ (وَيَصِحُّ عَكْسُهَا) بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالْأُولَى رَكْعَةً، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ (نَصًّا) وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ لِأَنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّكَعَاتِ، لِيَحْصُلَ الْجَبْرُ بِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تُصَلِّي جَمِيعَ صَلَاتِهَا فِي حُكْمِ الِائْتِمَامِ وَالْأُولَى تَفْعَلُ مَا بَقِيَ مُنْفَرِدَةً.

(وَإِنْ كَانَتْ) الصَّلَاةُ (رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) لِيَحْصُلَ الْعَدْلُ بَيْنَهُمْ.
(وَلَوْ صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً وَبِأُخْرَى ثَلَاثًا صَحَّ، وَتُفَارِقُهُ) الطَّائِفَةُ (الْأُولَى فِي الْمَغْرِبِ وَالرُّبَاعِيَّةِ عِنْدَ فَرَاغِ التَّشَهُّدِ) الْأَوَّلِ.
(وَيَنْتَظِرُ الْإِمَامُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ جَالِسًا يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ) الْأَوَّلَ إلَى أَنْ تَحْضُرَ (فَإِذَا أَتَتْ قَامَ) لِتُدْرِكَ مَعَهُ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَلِأَنَّ الْجُلُوسَ أَخَفُّ عَلَى الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ مَتَى انْتَظَرَهُمْ قَائِمًا احْتَاجَ إلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الثَّالِثَةِ، وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: تُحْرِمُ مَعَهُ ثُمَّ يَنْهَضُ بِهِمْ الْوَجْهُ الثَّانِي: يُفَارِقُونَهُ حِينَ يَقُومُ إلَى الثَّالِثَةِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى التَّطْوِيلِ مِنْ أَجْلِ الِانْتِظَارِ، وَالتَّشَهُّدُ يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُ وَلِأَنَّ ثَوَابَ الْقَائِمِ أَكْثَرُ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ (فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ تَشَهَّدَتْ مَعَهُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ كَالْمَسْبُوقِ، ثُمَّ قَامَتْ وَهُوَ جَالِسٌ، فَاسْتَفْتَحْت) وَتَعَوَّذَتْ (وَأَتَمَّتْ صَلَاتَهَا فَإِذَا تَشَهَّدَتْ سَلَّمَ بِهِمْ) . وَلَا يُسَلِّمُ

قَبْلَهُمْ لِمَا تَقَدَّمَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَ بِهِمْ الصَّلَاةَ لِأَنَّ مَوْضُوعَ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَلَى التَّخْفِيفِ وَكَذَلِكَ الطَّائِفَةُ الَّتِي تُفَارِقُهُ تُخَفِّفُ الصَّلَاةَ.
(وَتُتِمُّ الْأُولَى) صَلَاتَهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ (بِالْحَمْدُ لِلَّهِ) وَحْدَهَا (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهَا (وَالْأُخْرَى تُتِمُّ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ) لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهَا.

(وَإِنْ فَرَّقَهُمْ) الْإِمَامُ (أَرْبَعًا) أَيْ أَرْبَعَ طَوَائِفَ (فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً) أَوْ فَرَقَّهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ فَصَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَالْبَاقِيَتَيْنِ رَكْعَةً رَكْعَةً، أَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً فِي الْمَغْرِبِ (صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَيَيْنِ) لِأَنَّهُمَا ائْتَمَّتَا بِمَنْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَلِمُفَارِقَتِهِمْ قَبْلَ الِانْتِظَارِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْمُبْطِلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ) لِأَنَّهُ زَادَ انْتِظَارًا ثَالِثًا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، فَوَجَبَ بُطْلَانُهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا التَّفْرِيقُ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُمْ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ (وَ) بَطَلَتْ صَلَاةُ الطَّائِفَتَيْنِ (الْأُخْرَيَيْنِ إنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ) لِأَنَّهُمَا ائْتَمَّتَا بِمَنْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً مِنْ أَوَّلِهَا (فَإِنْ جَهِلَتَاهُ) أَيْ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ.
(وَ) جَهِلَهُ (الْإِمَامُ صَحَّتْ) صَلَاتُهُمْ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى (كَحَدَثِهِ) أَيْ كَمَا لَوْ جَهِلَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَدَثَ الْإِمَامِ حَتَّى انْقَضَتْ الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا تَصِحُّ لِلْمَأْمُومِ فَقَطْ وَتَقَدَّمَ وَعُلِمَ مِنْهُ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ جَهِلَا.

(وَ) الْوَجْهُ الثَّالِثُ: (أَنْ يُصَلِّيَ) الْإِمَامُ (بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ بِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً ثُمَّ تَمْضِيَ) إلَى الْعَدُوِّ لِلْحِرَاسَةِ (ثُمَّ) بِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، (ثُمَّ تَمْضِيَ) لِحِرَاسَةِ الْعَدُوِّ (وَيُسَلِّمَ وَحْدَهُ ثُمَّ تَأْتِي الْأُولَى فَتُتَمِّمَ صَلَاتَهَا بِقِرَاءَةِ) سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ تَأْتِي الْأُخْرَى، فَتُتَمِّمَ صَلَاتهَا بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةٌ الْعَدُوَّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَيْسَتْ مُخْتَارَةً) لِمَا فِيهَا مِنْ كَثْرَةِ الْعَمَلِ (وَلَوْ قَضَتْ الثَّانِيَةُ رَكْعَتَهَا وَقْتَ مُفَارَقَةِ إمَامِهَا وَسَلَّمَتْ وَمَضَتْ) لِلْحِرَاسَةِ (وَأَتَتْ الْأُولَى فَأَتَمَّتْ) صَلَاتَهَا (صَحَّ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي) مِنْ وَجْهَيْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ) بِالنِّسْبَةِ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ لِلْوَجْهِ الثَّانِي وَقَالَ أَنَا أَذْهَبُ إلَيْهِ.

الْوَجْهُ (الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً) كَامِلَةً (وَيُسَلِّمُ بِهَا)

أَيْ بِكُلِّ طَائِفَةٍ وَالْمَنْصُوصُ جَوَازُهُ وَإِنْ مَنَعْنَا اقْتِدَاءَ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَهَذَا الْوَجْهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّ صِفَتَهُ حَسَنَةٌ قَلِيلَةُ الْكُلْفَةِ، لَا تَحْتَاجُ إلَى مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ وَلَا إلَى تَعْرِيفِ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُفْتَرِضِينَ.

الْوَجْهُ (الْخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ) الْإِمَامُ (الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً وَتُصَلِّيَ مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ بِلَا قَضَاءٍ) لِلرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ (فَتَكُونُ) الصَّلَاةُ (لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً) لِحَدِيثِ جَابِرٍ.
قَالَ «أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حَتَّى إذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ قَالَ: فَكَانَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَنَعَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ لِاحْتِمَالِ سَلَامِهِ فَيَكُونُ هُوَ الْوَجْهَ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى إنْ صَلَّى بِهِمْ كَصَلَاةِ الْحَضَرِ وَأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ قَضَتْ رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُخَالِفٌ لِصِفَةِ الرِّوَايَةِ.

(وَلَوْ قَصَرَ) الرُّبَاعِيَّةَ (الْجَائِزَ قَصْرُهَا، وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا قَضَاءٍ فَمَنَعَ الْأَكْثَرُ) مِنْ الْأَصْحَابِ (صِحَّةَ هَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ) الْوَجْهُ (السَّادِسُ) : لِأَنَّ الْخَوْفَ لَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ الرَّكَعَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ فِي الْكَافِي كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوُجُوهِ الْجَائِزَةِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا: لَا تَأْثِيرَ لِلْخَوْفِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَحَمَلُوا هَذِهِ الصِّفَةَ عَلَى شِدَّةِ الْخَوْفِ انْتَهَى وَاخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَالْفَائِقِ وَقَالَ: هُوَ الْمُخْتَارُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، يَعْنِي بِهِ الْمُوَفَّقَ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ قَصَرَهَا وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا قَضَاءٍ، كَصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ صَحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهَا صِحَاحٌ، ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ " رَكْعَةً رَكْعَةً " إلَّا أَنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَانِ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى خِلَافِهِ وَلِلْخَوْفِ وَالسَّفَرِ - أَيْ اجْتِمَاعِ مُبِيحَيْنِ أَحَدُهُمَا: الْخَوْفُ - وَالْآخَرُ السَّفَرُ.

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل