صفحات 457-496
النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ وَإِفْضَائِهِ إلَى الْإِنْزَالِ.
وَيُخَالِفُهُ فِي التَّحْرِيمِ إذَا تَعَلَّقَ بِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ فِي الْكَرَاهَةِ إذَا تَعَلَّقَ بِمُبَاحَةٍ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ (أَوْ أَمْذَى بِنَظْرَةٍ بِغَيْرِ تَكْرَارٍ) لِلنَّظَرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ (أَوْ احْتَلَمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ (وَخَطَأٌ كَعَمْدٍ فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ وَتَكْرَارِ النَّظَرِ وَالتَّقْبِيلِ وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ فَلَا تَخْتَلِفُ لِلْفِدْيَةِ بِالْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِيهِ كَالْوَطْءِ.
(وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ مَعَ شَهْوَةٍ) فَيَجِبُ عَلَيْهَا مَعَ الشَّهْوَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اللَّذَّةِ فَإِنْ لَمْ تُوجَد مِنْهَا شَهْوَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ كَرَّرَ الْمُحْرِم مَحْظُورًا مِنْ جِنْسِ غَيْرِ قَتْلِ صَيْدٍ]
فَصْلٌ (وَإِنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسِ غَيْرِ) قَتْلِ (صَيْدٍ مِثْلَ أَنْ حَلَقَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ قَلَّمَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ لَبِسَ) مَخِيطًا ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ تَطَيَّبَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ وَطِئَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ) فَعَلَ (غَيْرَهَا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ) كَأَنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ (ثُمَّ أَعَادَ) ذَلِكَ (ثَانِيًا وَلَوْ غَيْرَ الْمَوْطُوءَةِ) أَوْ لَا (أَوْ) كَانَ تَكْرِيرُهُ لِلْمَحْظُورِ (بِلُبْسِ مَخِيطٍ فِي رَأْسِهِ) فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ فَإِنْ لَبِسَ قَمِيصًا وَسَرَاوِيلَ وَعِمَامَةً وَخُفَّيْنِ كَفَاهُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ لُبْسٌ فَأَشْبَهَ الطِّيبَ فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ (أَوْ بِدَوَاءٍ مُطَيَّبٍ) ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ: الْمَذْهَبُ وَأَنَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَاب وَبَنَاهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَلَى رِوَايَةٍ أَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ لَا بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَجْنَاسِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ الطِّيبُ وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ جِنْسَانِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى تَكْرَارِ الطِّيبِ فَقَطْ بِأَنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَا، ثُمَّ أَعَادَهُ بِدَوَاءٍ مُطَيَّبٍ فَهَذَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لَا لُبْسَ مَعَهُ وَلَا تَغْطِيَةَ رَأْسٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ غَطَّى رَأْسَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ بِدَوَاءٍ مُطَيَّبٍ فَإِنَّهُ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِ يَلْزَمُهُ فِدْيَتَانِ لِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ فِدْيَةٌ وَلِلطِّيبِ فِدْيَةٌ وَقَوْلُهُ (قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْأَوَّلِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَعَادَ (ف) عَلَيْهِ (كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تَابَعَ الْفِعْلَ أَوْ فَرَّقَهُ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي دَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ (فَلَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَظْفَارٍ أَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فِي أَوْقَاتٍ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لَزِمَهُ دَمٌ) أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ وَلَمْ تَلْزَمْهُ ثَانِيَةً لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَفَّرَ عَنْ) الْفِعْلِ (الْأَوَّلِ لَزِمَهُ عَنْ الثَّانِي كَفَّارَةٌ) ثَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ عَيْنِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ الْأُولَى أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ ثُمَّ حَنِثَ وَكَفَّرَ ثُمَّ حَلَفَ وَحَنِثَ.
(وَتَتَعَدَّدُ كَفَّارَةُ الصَّيْدِ) أَيْ: جَزَاؤُهُ (بِتَعَدُّدِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ وَلَوْ قُتِلَتْ الصُّيُودُ مَعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] وَجَزَاءُ مِثْلِ الِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مِثْلَ أَحَدِهِمَا.
(وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ) جِنْسٍ (وَاحِدٍ فِدَاءً) سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا اتَّحَدَتْ فِدْيَتُهَا أَوْ اخْتَلَفَتْ؛ لِأَنَّهَا مَحْظُورَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ فَلَمْ يَتَدَاخَلْ مُوجِبُهَا كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ.
(وَإِنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ) أَظْفَارَهُ (أَوْ وَطِئَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا وَلَوْ نَائِمًا قَلَعَ شَعْرَةً أَوْ صَوَّبَ رَأْسَهُ إلَى تَنُّورٍ فَأَحْرَقَ اللَّهَبُ شَعْرَهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ إتْلَافٌ فَاسْتَوَى عَمْدُهَا وَسَهْوُهَا وَجَهْلُهَا كَإِتْلَافِ مَالِ الْآدَمِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِأَذًى بِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ وَدَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَعْذُورِ بِنَوْعٍ آخَرَ كَالْمُحْتَجِمِ يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحَاجِمِهِ وَمَثَلُ ذَلِكَ الْمُبَاشَرَةُ دُونَ الْفَرْجِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
(وَإِنْ لَبِسَ) مَخِيطًا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا (أَوْ تَطَيَّبَ) نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا (أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا فَلَا كَفَّارَةَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» قَالَ أَحْمَدُ إذَا جَامَعَ أَهْلَهُ بَطَلَ حَجُّهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ وَالصَّيْدُ إذَا قَتَلَهُ فَقَدْ ذَهَبَ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ وَالشَّعْرُ إذَا حَلَقَهُ فَقَدْ ذَهَبَ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فِيهَا سَوَاءٌ وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ النِّسْيَانِ بَعْدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ مِثْلَ مَا إذَا غَطَّى الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ ثُمَّ ذَكَرَ أَلْقَاهُ عَنْ رَأْسِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَوْ لَبِسَ خُفًّا نَزَعَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَيُلْحَقُ بِالْحَلْقِ: التَّقْلِيمُ بِجَامِعِ الْإِتْلَافِ (وَيَلْزَمُهُ غَسْلُ الطِّيبِ وَخَلْعُ اللِّبَاسِ فِي الْحَالِ) أَيْ: بِمُجَرَّدِ زَوَالِ الْعُذْرِ مِنْ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ وَالْإِكْرَاهِ لِخَبَرِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ أَوْ قَالَ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي قَالَ اخْلَعْ عَنْكَ هَذِهِ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الْخَلُوقِ أَوْ قَالَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكِ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ مَعَ سُؤَالِهِ عَمَّا يَصْنَعُ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَذَرَهُ لِجَهْلِهِ وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهُ فِي مَعْنَاهُ.
(وَمَتَى أَخَّرَهُ) أَيْ: غَسْلَ الطِّيبِ وَخَلْعَ اللِّبَاسِ (عَنْ زَمَنِ الْإِمْكَانِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) لِاسْتِدَامَةِ الْمَحْظُورِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (وَتَقَدَّمَ) حُكْمُ (غَسْلِ الطِّيبِ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.
(وَمَنْ رَفَضَ إحْرَامَهُ لَمْ يَفْسُدْ) إحْرَامُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِالْفَسَادِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا بِرَفْضِهَا بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
(وَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ لِرَفْضِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ وَذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَحُكْمُ إحْرَامِهِ بَاقٍ) ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْحَجِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إمَّا بِكَمَالِ أَفْعَالِهِ أَوْ التَّحَلُّلِ مِنْهُ عِنْدَ الْحَصْرِ أَوْ بِالْعُذْرِ إذَا شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي (فَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا) بَعْدَ رَفْضِهِ إحْرَامَهُ (فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ) لِبَقَاءِ إحْرَامِهِ.
(وَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ فِي بَدَنِهِ فَلَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ فِي إحْرَامِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ وَحَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ كَانَ فِي عَامِ حُنَيْنٍ بِالْجِعْرَانَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْآثَارِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ بَعْدَ إحْرَامِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا حُكْمُ اسْتِدَامَةِ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ أَحْرَمَ فِيهِ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ وَنَحْوُهُ خَلَعَهُ) بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْآثَارِ (وَلَمْ يَشُقَّهُ) وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ إنَّمَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُحْرِمِ لَا عَلَى الْمُحِلِّ لَا يُقَالُ: إنَّهُ بِإِقْدَامِهِ عَلَى إنْشَاءِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِمَحْظُورَاتِهِ مُتَسَبِّبٌ إلَى مُصَاحَبَةِ اللُّبْسِ فِي الْإِحْرَامِ كَمَا لَا يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحَالِف وَالنَّاذِرِ فَإِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يَحْلِفَ حَتَّى يَتْرُكَ التَّلَبُّسَ بِمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْإِحْرَامُ وَعَلَيْهِ الْمَخِيطُ ثُمَّ يَخْلَعُهُ إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ (فَإِنْ اسْتَدَامَ لُبْسَهُ) أَيْ: الْمَخِيطَ (وَلَوْ لَحْظَةً فَوْقَ الْمُعْتَادِ مِنْ خَلْعِهِ فَدَى) لِاسْتِدَامَةِ الْمَحْظُورِ بِلَا
عُذْرٍ.
(فَإِنْ لَبِسَ بَعْدَ إحْرَامِهِ ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا أَوْ انْقَطَعَ رِيحُهُ) إذَا رُشَّ فِيهِ مَاءٌ فَاحَ رِيحُهُ فَدَى (أَوْ افْتَرَشَهُ وَلَوْ تَحْتَ حَائِلٍ غَيْرِ ثِيَابِهِ لَا يَمْنَعُ رِيحُهُ وَمُبَاشَرَتِهِ إذَا رَشَّ فِيهِ مَاءً فَاحَ رِيحُهُ فَدَى) ؛ لِأَنَّهُ مُطَيَّبٌ بِدَلِيلِ أَنَّ رَائِحَتَهُ تَظْهَرُ عِنْدَ رَشِّ الْمَاءِ وَالْمَاءُ لَا رَائِحَةَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الطِّيبِ الَّذِي فِيهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ ظَهَرَتْ الرَّائِحَةُ بِنَفْسِهَا فَإِنْ كَانَ الْحَائِلُ غَيْرَ ثِيَابِهِ صَفِيقًا يَمْنَعُ رِيحَهُ وَمُبَاشَرَتَهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لَهُ.
[فَصْلٌ كُلُّ هَدْيٍ أَوْ إطْعَامٍ يَتَعَلَّقُ بِحَرَمٍ أَوْ إحْرَامٍ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ]
فَصْلٌ (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إطْعَامٍ يَتَعَلَّقُ بِحَرَمٍ أَوْ إحْرَامٍ كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَمَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ) وَجَبَ ل (فَوَاتٍ أَوْ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ فِي الْحَرَمِ وَهَدْيِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ وَمَنْذُورٍ وَنَحْوِهَا) فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ أَمَّا الْهَدْيُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] وَأَمَّا مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فَوَاتِ الْحَجِّ فَلِأَنَّهُ هَدْيٌ وَجَبَ لِتَرْكِ نُسُكٍ أَشْبَهَ دَمَ الْقِرَانِ وَالْإِطْعَامِ فِي مَعْنَى الْهَدْيِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ "؛ وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَنْفَعَهُمْ كَالْهَدْيِ وَكُلُّ هَدْيٍ قُلْنَا إنَّهُ لِمَسَاكِينِ الْحَرَم فَإِنَّهُ (يَلْزَمهُ ذَبْحه فِي الْحَرَم) وَيُجْزِئُهُ الذَّبْح فِي جَمِيع الْحَرَم لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِر مَرْفُوعًا «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلَكِنَّهُ فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهَا، وَالْفَجُّ الطَّرِيقُ وَقَوْلُهُ: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] لَا يُمْنَعُ الذَّبْحُ فِي غَيْرِهَا كَمَا لَمْ يَمْنَعْهُ بِمِنًى.
(وَ) يَلْزَمُهُ (تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْحَرَمِ (أَوْ إطْلَاقُهُ بَعْدَ ذَبْحِهِ لِمَسَاكِينِهِ) أَيْ: الْحَرَمِ (مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ قَدِرَ عَلَى إيصَالِهِ إلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يُرْسِلُهُ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَبْحِهِ بِالْحَرَمِ التَّوْسِعَةُ عَلَى مَسَاكِينِهِ وَلَا يَحْصُلُ بِإِعْطَاءِ غَيْرِهِمْ.
(وَهُمْ) أَيْ: مَسَاكِينُ الْحَرَم (مَنْ كَانَ) مُقِيمًا
(بِهِ أَوْ وَارِدًا إلَيْهِ مِنْ حَاجٍّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ أَخْذُ زَكَاةٍ لِحَاجَةٍ) كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ لِنَفْسِهِ (فَإِنْ دَفَعَ) مِنْ الْهَدْيِ أَوْ الْإِطْعَامِ (إلَى فَقِيرٍ فِي ظَنِّهِ فَبَانَ غَنِيًّا أَجْزَأَهُ) كَالزَّكَاةِ.
(وَيُجْزِئُ نَحْرُهُ فِي أَيِّ نَوَاحِي الْحَرَمِ كَانَ) الذَّبْحُ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مَكَّةُ وَمِنًى وَاحِدٌ وَمُرَادُهُ: فِي الْإِجْزَاءِ لَا فِي التَّسَاوِي) فِي الْفَضِيلَةِ (وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ (وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يَنْحَرَ فِي الْحَجِّ بِمِنًى وَفِي الْعُمْرَةِ بِالْمَرْوَةِ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(وَإِنْ سَلَّمَهُ) أَيْ: الْهَدْيَ حَيًّا (إلَيْهِمْ) أَيْ: إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ (فَنَحَرُوهُ) بِالْحَرَمِ (أَجْزَأَ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَنْحَرُوهُ (اسْتَرَدَّهُ) مِنْهُمْ.
(وَنَحَرَهُ) لِوُجُوبِ نَحْرِهِ (فَإِنْ أَبَى) أَنْ يَسْتَرِدَّهُ (أَوْ عَجَزَ) عَنْ اسْتِرْدَادِهِ (ضَمِنَهُ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ لِعَدَمِ خُرُوجِهِ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إيصَالِهِ إلَيْهِمْ) أَيْ: إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ (جَازَ نَحْرُهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ) كَالْهَدْيِ إذَا عَطِبَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] .
(وَ) جَازَ (تَفْرِقَتُهُ هُوَ) أَيْ: الْهَدْيَ الَّذِي عَجَزَ عَنْ إيصَالِهِ (وَ) تَفْرِقَةِ (الطَّعَامُ) إذَا عَجَزَ عَنْ إيصَالِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يُرْسِلُهُ مَعَهُ (حَيْثُ نَحَرَهُ) أَيْ: بِالْمَكَانِ الَّذِي نَحَرَهُ فِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ (فِدْيَةَ الْأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوِهِمَا كَطِيبٍ وَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ إذَا لَمْ يُنْزِلْ وَمَا وَجَبَ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ خَارِجَ الْحَرَمِ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ غَيْرِ جَزَاءِ صَيْدٍ فَلَهُ تَفْرِقَتُهَا) أَيْ: الْفِدْيَةِ دَمًا كَانَتْ أَوْ طَعَامًا (حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِالْفِدْيَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ» وَاشْتَكَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَأْسَهُ فَحَلَقَهُ عَلِيٌّ وَنَحَرَ عَنْهُ جَزُورًا بِالسُّقْيَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُمَا.
(وَ) لَهُ تَفْرِقَتُهَا (فِي الْحَرَم أَيْضًا) كَسَائِرِ الْهَدَايَا.
(وَوَقْتُ ذَبْحِ فِدْيَةِ الْأَذَى) أَيْ: حَلْقِ الرَّأْسِ (وَ) فِدْيَةِ (اللُّبْسِ وَنَحْوِهِمَا) كَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَالطِّيبِ.
(وَمَا لَحِقَ بِهِ) أَيْ: بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ (حِين فَعَلَهُ) أَيْ: الْمَحْظُورَ (وَلَهُ الذَّبْحُ قَبْلَهُ) إذَا أَرَادَ فِعْلَهُ (لِعُذْرٍ) كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَنَحْوِهَا وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (وَكَذَلِكَ مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ) أَيْ: يَكُونُ وَقْتُهُ مِنْ تَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ (وَلَوْ أَمْسَكَ صَيْدًا أَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ جَزَاءَهُ ثُمَّ تَلِفَ الْمَجْرُوحُ أَوْ الْمُمْسَكُ أَوْ قَدَّمَ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْحَلْقُ فَدِيَتُهُ قَبْلَ الْحَلْقِ ثُمَّ حَلَقَ أَجْزَأَهُ) وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ تَكْرَارِ مَعَ مَا قَبْلَهُ.
(وَدَم الْإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ) مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَحَرَ هَدْيَهُ فِي مَوْضِعِهِ بِالْحُدَيْبِيَةِ» وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25] ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حِلِّهِ فَكَانَ مَوْضِعُ نَحْرِهِ كَالْحَرَمِ.
(وَأَمَّا الصِّيَامُ وَالْحَلْقُ) فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَان لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ "؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى أَحَدٍ فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِمَكَانٍ بِخِلَافِ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ وَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى التَّخْصِيصِ.
(وَ) أَمَّا (هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَمَا يُسَمَّى نُسُكًا فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَان كَالْأُضْحِيَّةِ) ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ لِأَهْلِ الْحَرَمِ وَكَذَا مَا كَانَ نُسُكًا فَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ هُنَا نَقْصٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: لِعَدَمِ نَفْعِهِ وَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِمَكَانٍ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُنَافِي هَدْيَ التَّطَوُّعِ وَمَا يُسَمَّى نُسُكًا فَإِنَّ فِيهِمَا نَفْعًا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
(وَكُلُّ دَمٍ ذُكِرَ) وَلَمْ يُقَيَّدْ (يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ كَأُضْحِيَّةٍ فَيُجْزِئُ الْجِذْعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ أَوْ سُبُعُ بَقَرَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي التَّمَتُّع: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ وقَوْله تَعَالَى فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] وَفَسَّرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيث كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ " بِذِبْحِ شَاةٍ وَمَا سِوَى هَذَيْنِ مَقِيسٌ عَلَيْهِمَا.
(وَإِنْ ذَبَحَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً فَهُوَ أَفْضَلُ وَتَكُونُ كُلُّهَا وَاجِبَةً) ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْأَعْلَى لِأَدَاءِ فَرْضِهِ فَكَانَ كُلُّهُ وَاجِبًا كَمَا لَوْ اخْتَارَ الْأَعْلَى مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ.
(وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ أَجْزَأَتْهُ) عَنْهَا (بَقَرَةٌ) لِقَوْلِ جَابِرٍ " كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ فَقِيلَ لَهُ: وَالْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ وَهَلْ هِيَ إلَّا مِنْ الْبُدْنِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (كَعَكْسِهِ) أَيْ: إجْزَاءِ الْبَدَنَةِ عَنْ بَقَرَةٍ.
(وَلَوْ) كَانَ ذَبَحَ الْبَقَرَةِ عَنْ الْبَدَنَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ (فِي جَزَاءِ صَيْدٍ وَنَذْرٍ) مُطْلَقٍ فَإِنْ نَوَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (وَيُجْزِئهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ (سَبْعُ شِيَاهٍ) وَلَوْ فِي نَذْرٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ (وَيُجْزِئُهُ عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ) سَوَاءٌ وَجَدَ الشِّيَاهَ أَوْ عَدِمَهَا؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَتَمَتَّعُونَ
فَيَذْبَحُونَ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ قَالَ جَابِرٌ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَذَكَر جَمَاعَةٌ إلَّا فِي جَزَاءِ صَيْدٍ) فَلَا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ عَنْ بَقَرَةٍ وَلَا عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ.
[بَابٌ جَزَاءُ الصَّيْدِ]
(بَابٌ: جَزَاءُ الصَّيْدِ) عَلَى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ (جَزَاؤُهُ مَا يُسْتَحَقُّ بَدَلُهُ) أَيْ: الصَّيْدِ عَلَى مَنْ أَتْلَفَهُ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ (مِنْ مِثْلِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ.
(وَمُقَارِبِهِ وَشِبْهِهِ) لَعَلَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِلْمُرَادِ مِنْ الْمِثْلِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ إرَادَةِ الْمُمَاثَلَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ اتِّحَادُ الِاثْنَيْنِ فِي النَّوْعِ كَمَا ذَكَرْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ عَنْ الْمَطَالِعِ وَالْجَزَاءُ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ مَصْدَرُ جَزَيْتُهُ بِمَا صَنَعَ ثُمَّ أُطْلِقَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ قَالَهُ أَبُو عُثْمَانَ فِي أَفْعَالِهِ: جَزَا الشَّيْءَ عَنْكَ وَأَجْزَا: إذَا قَامَ مَقَامَكَ وَقَدْ يُهْمَزُ.
(وَيَجْتَمِعُ الضَّمَانُ) لِمَالِكِهِ (وَالْجَزَاءُ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ (إذَا كَانَ) الصَّيْدُ (مِلْكًا لِلْغَيْرِ) أَيْ: غَيْرِ مُتْلِفهِ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ فَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَ التَّقْوِيمُ وَالتَّكْفِيرُ فِي ضَمَانِهِ كَالْعَبْدِ (وَتَقَدَّمَ) فِي السَّادِسِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ.
(وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْجَزَاءِ بَعْدَ الْجُرْحِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ) كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ وَتَقَدَّمَ.
(وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ (ضَرْبَانِ) (أَحَدُهُمَا لَهُ مِثْلٌ) أَيْ: شَبِيهٌ (مِنْ النَّعَمِ خِلْقَةً لَا قِيمَةً فَيَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلْآيَةِ (وَهُوَ) أَيْ: الَّذِي لَهُ مِثْلٌ (نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ) أَيْ: وَلَوْ الْبَعْضُ لَا كُلُّهُمْ (فَفِيهِ مَا قَضَتْ بِهِ) الصَّحَابَةُ وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الصَّحَابِيِّ فِي الْخُطْبَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ أَقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ؛ وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ وَأَعْرَفُ بِمَوَاقِعِ الْخِطَابِ كَانَ حُكْمُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ كَالْعَالِمِ مَعَ الْعَامِّيِّ (فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً) حَكَمَ بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي خِلْقَتِهِ فَكَانَ مِثْلًا لَهَا فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ وَجَعَلَهَا الْخِرَقِيُّ مِنْ أَقْسَامِ الطَّيْرِ؛ لِأَنَّ لَهَا جَنَاحَيْنِ
فَيُعَايَى بِهَا فَيُقَالُ: طَائِرٌ يَجِبُ فِيهِ بَدَنَةٌ.
(وَ) يَجِبُ (فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ حِمَارِ الْوَحْشِ) بَقَرَةٌ قَضَى بِهَا عُمَرُ وَقَالَهُ عُرْوَةُ وَمُجَاهِدٌ؛ لِأَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِهِ (وَبَقَرَتُهُ) أَيْ: الْوَحْشِ: بَقَرَةٌ، قَضَى بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَقَالَهُ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ (وَالْوَعَلُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَعَ فَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِهَا: تَيْسُ الْجَبَلِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (وَهُوَ الْأَرْوَى) قَالَ فِي الصِّحَاحِ: يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " فِي الْأَرْوَى بَقَرَةٌ " (يُقَالُ لِذَكَرِهِ الْأَيَلُ) عَلَى وَزْنِ قَتَبٍ وَخَلَبٍ وَسَيِّدٍ، وَفِيهِ بَقَرَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(وَلِلْمُسِنِّ مِنْهُ التَّيْتَلُ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ (بَقَرَةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
(وَفِي الضَّبُعِ: كَبْشٌ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ: هُوَ صَيْدٌ وَفِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وَقَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ (وَهُوَ) أَيْ: الْكَبْشُ (فَحْلُ الضَّأْنِ) .
(وَفِي الظَّبْيِ وَهُوَ الْغَزَالُ: عَنْزٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَقَالَهُ عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ شَبَهًا بِالْعَنْزِ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَدُ الشَّعْرِ مُتَقَلِّصُ الذَّنَبِ (وَهُوَ الْأُنْثَى مِنْ الْمَعْزِ) .
(وَلَا شَيْءَ فِي الثَّعْلَبِ؛ لِأَنَّهُ سَبْعٌ) أَيْ: مُفْتَرِسٌ بِنَابِهِ فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ فَلَيْسَ صَيْدًا.
(وَفِي الْوَبْرِ) بِسُكُونِ الْبَاءِ وَالْأُنْثَى: وَبْرَةٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَهُوَ دُوَيْبَّةٌ كَحْلَاءُ دُونَ السِّنَّوْرِ لَا ذَنَبَ لَهَا.
(وَ) فِي (الضَّبِّ: جَدْيٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَأَرْبَدُ وَالْوَبْرُ مَقِيسٌ عَلَى الضَّبِّ وَالْجَدْيِ (بِمَا بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ) .
(وَفِي الْيَرْبُوعِ: جَفْرَةٌ مِنْ الْمَعْزِ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَجَابِرٌ.
(وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْأَرْنَبِ: عَنَاقٌ وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْعَنَاقُ (أُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ أَصْغَرُ مِنْ الْجَفْرَةِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ) وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى.
(وَفِي وَاحِدِ الْحَمَامِ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ: شَاةٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُهُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقِيمَةِ لِمَا سَبَقَ وَلِاخْتِلَافِ الْقِيمَةِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَقَوْلُهُ: كُلُّ مَا عَبَّ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ: وَضَعَ مِنْقَارَهُ فِي الْمَاءِ فَيَكْرَعُ كَمَا تَكْرَعُ الشَّاةُ وَلَا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً كَالدَّجَاجِ وَالْعَصَافِيرِ وَهَدَرَ أَيْ: صَوَّتَ وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا فِيهِ شَاةً لِشَبَهِهِ بِهَا فِي كَرْعِ الْمَاءِ وَمِنْ هُنَا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ: كُلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الْمَاءَ كَالْحَمَامِ: فِيهِ شَاةٌ (فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقِطُّ وَالْفَوَاخِتُ وَالْوَرَاشِينُ وَالْقَمَارِيُّ وَالدُّبَاسُ)
جَمْعُ دُبْسِيٍّ بِالضَّمِّ: ضَرَبٌ مِنْ الْفَوَاخِتِ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: هُوَ طَائِرٌ لَوْنُهُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ يُقَرْقِرُ وَالْأُنْثَى دِبْسِيَّةٌ (وَنَحْوِهَا) كَالسِّفَانِينَ جَمْعُ سِفْنَةٍ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالنُّونِ مُشَدَّدَةً قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ: طَائِرٌ بِمِصْرَ لَا يَقَعُ عَلَى شَجَرَةٍ إلَّا أَكَلَ جَمِيعَ وَرَقِهَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهِ حَمَامًا.
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُلُّ مُطَوَّقٍ: حَمَامٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَجَلُ؛ لِأَنَّهُ مُطَوَّقٌ.
(النَّوْعُ الثَّانِي مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] فَلَا يَكْفِي وَاحِدٌ (مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمِثْلِ إلَّا بِهِمَا فَيَعْتَبِرَانِ الشَّبَهَ خِلْقَةً لَا قِيمَةَ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَهُمَا) نَصَّ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ " أَمَرَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْجَرَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَادَهُمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ " وَأَمَرَ أَيْضًا " أَرْبَدَ بِذَلِكَ حِينَ وَطِئَ الضَّبَّ فَحَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِجَدْيٍ فَأَقَرّهُ " وَكَتَقْوِيمِهِ عَرَضَ التِّجَارَةِ لِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ.
(وَ) يَجُوزُ (أَنْ يَكُونَا) أَيْ: الْحَاكِمَانِ بِمِثْلِ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ (الْقَاتِلِينَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَحَمَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى مَا إذَا قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ) لِعَدَمِ فِسْقِهِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَعَلَى قِيَاسِهِ: إذَا قَتَلَهُ لِحَاجَةِ أَكْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ مُبَاحٌ لَكِنْ يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاء قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَهُوَ قَوِيٌّ وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ يُنَافِي الْعَدَالَةَ (وَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحَائِلِ وَالْحَامِلِ بِمِثْلِهِ) لِلْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ مَا يُضْمَنُ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِذَلِكَ كَالْبَهِيمَةِ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ وَإِنْ فَدَى الصَّغِيرُ بِكَبِيرٍ وَ) فَدَى (الذَّكَرَ بِأُنْثَى) وَالْمَعِيبَ بِصَحِيحٍ (فَهُوَ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا.
(وَلَوْ جَنَى عَلَى الْحَامِل فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا ضَمِنَ نَقْصَ الْأُمِّ فَقَطْ كَمَا لَوْ جَرَحَهَا) ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ فِي الْبَهَائِمِ زِيَادَةٌ (وَإِنْ أَلْقَتْهُ) أَيْ: الْجَنِينَ (حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ جَزَاؤُهُ) وَإِنْ كَانَ لِوَقْتٍ لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهِ فَكَالْمَيِّتِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
(وَيَجُوزُ فِدَاءُ أَعْوَرَ مِنْ عَيْنٍ وَ) فِدَاءُ (أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ بِأَعْوَرَ وَأَعْرَجَ مِنْ أُخْرَى) ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ يَسِيرٌ وَنَوْعُ الْعَيْبِ وَاحِدٌ وَ (لَا) يَجُوزُ (فِدَاءُ أَعْوَرَ بِأَعْرَجَ وَ) لَا (عَكْسُهُ) كَفِدَاءِ أَعْرَجَ بِأَعْوَرَ لِاخْتِلَافِ نَوْعِ الْعَيْبِ.
(وَيُجْزِئُ فِدَاءُ أُنْثَى بِذَكَرٍ كَعَكْسِهِ) أَيْ: فِدَاءِ ذَكَرٍ بِأُنْثَى؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَر وَهِيَ أَطْيَبُ فَيَتَسَاوَيَانِ.
[فَصْلٌ مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ]
(فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي مَا لَا مِثْلَ لَهُ) مِنْ النَّعَمِ (فَيَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ مَكَانَهُ) أَيْ: مَكَانَ إتْلَافِهِ كَمَالِ الْآدَمِيِّ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ (وَهُوَ سَائِرُ الطُّيُورِ وَلَوْ أَكَبَرَ مِنْ الْحَمَامِ كَالْإِوَزِّ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الزَّاي جَمْعُ إوَزَّةٍ وَيُقَالُ: وَزٌّ جَمْعُ وَزَّةٍ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَالْحُبَارَى وَالْحَجَلُ وَالْكَبِيرُ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ وَالْكَرْكِيّ وَغَيْرُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ تَرَكْنَاهُ فِي الْحَمَامِ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ.
(وَإِنْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ صَيْدٍ وَانْدَمَلَ) أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ جُزْءٌ مِنْهُ ثُمَّ انْدَمَلَ (وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ (مُمْتَنِعُ وَلَهُ مِثْلٌ) مِنْ النَّعَمِ (ضَمِنَهُ) أَيْ: الْجُزْءَ (بِمِثْلِهِ لَحْمًا مِنْ مِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُ جُمْلَتِهِ بِالْمِثْلِ وَجَبَ فِي بَعْضِهِ مِثْلُهُ كَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَشَقَّةُ مَدْفُوعَةٌ بِجَوَازِ عُدُولِهِ إلَى عَدْلِهِ طَعَامًا أَوْ صِيَامًا كَمَا سَبَقَ.
(وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ) إذَا تَلِفَ جُزْؤُهُ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ثُمَّ انْدَمَلَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ يَضْمَنُ (مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ بِالْقِيمَةِ فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ فَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ سَلِيمًا ثُمَّ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ فَيَجِبُ مَا بَيْنَهُمَا لِيَشْتَرِيَ بِهِ طَعَامًا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ نَفَّرَ) الْمُحْرِمُ (صَيْدًا فَتَلِفَ بِشَيْءٍ وَلَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ نَقَصَ فِي حَالِ نُفُورِهِ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ " دَخَلَ دَارَ النَّدْوَةِ فَعَلَّقَ رِدَاءَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهِ حَمَامٌ فَأَطَارَهُ فَوَقَعَ عَلَى وَاقِفٍ فِي الْبَيْتِ فَخَرَجْتَ حَيَّةٌ فَقَتَلَتْهُ فَسَأَلَ مَنْ مَعَهُ فَحَكَمَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ بِشَاةٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَكَذَا إنْ جَرَحَهُ فَتَحَامَلَ فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ وَ (لَا) يَضْمَنُهُ (إنْ تَلِفَ بَعْدَ نُفُورِهِ فِي مَكَانِهِ بَعْدَ أَمْنِهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: أَمَّا إنْ نَفَّرَهُ إلَى مَكَان فَأَكْرَبَهُ ثُمَّ تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَشْهَرِ.
(وَإِنْ رَمَى) الْمُحْرِمُ (صَيْدًا فَأَصَابَهُ ثُمَّ سَقَطَ) الْمَرْمِيُّ (عَلَى آخَرَ فَمَاتَ ضَمِنَهُمَا) لِتَلَفِهِمَا بِجِنَايَتِهِ (فَلَوْ مَشَى الْمَجْرُوحُ قَلِيلًا ثُمَّ سَقَطَ عَلَى آخَرَ) فَمَاتَا (ضَمِنَ الْمَجْرُوحَ) لِمَوْتِهِ بِجِنَايَتِهِ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ مَا سَقَطَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ.
(وَإِنْ جَرَحَهُ) الْمُحْرِمُ (جُرْحًا غَيْرَ مُوحٍ فَغَابَ وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ فَيُقَوَّمُ صَحِيحًا وَجَرِيحًا غَيْرَ مُنْدَمِلٍ ثُمَّ يَخْرُجُ بِقِسْطِهِ مِنْ مِثْلِهِ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَإِلَّا مَا نَقَصَهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا إنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا) بَعْدَ جُرْحِهِ غَيْرَ مُوحٍ (وَلَمْ يُعْلَمْ مَوْتُهُ بِجُرْحِهِ) ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ.
(وَإِنْ
وَقَعَ) بَعْدَ جُرْحِهِ (فِي مَاءٍ أَوْ تَرَدَّى) مِنْ عُلُوٍّ (فَمَاتَ ضَمِنَهُ) لِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ (وَإِنْ انْدَمَلَ) الْجُرْحُ وَصَارَ الصَّيْدُ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ) فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَهُ فَصَارَ كَالتَّالِفِ.
(أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا مُوحِيًا) أَيْ: لَا تَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ غَالِبًا (فَعَلَيْهِ فِدَاءُ جَمِيعِهِ) كَقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ.
(وَكُلُّ مَا يُضْمَنُ بِهِ الْآدَمِيُّ يُضْمَنُ بِهِ الصَّيْدُ) فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ مِنْ (مُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ) كَدَلَالَةٍ وَإِشَارَةٍ وَإِعَانَةٍ.
(وَذَلِكَ مَا جَنَتْ دَابَّتُهُ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا فَأَتْلَفَ صَيْدًا فَالضَّمَانُ عَلَى رَاكِبهَا أَوْ قَائِدِهَا أَوْ سَائِقِهَا) الْمُتَصَرِّفِ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَ الْمُتْلِفُ آدَمِيًّا.
(وَمَا جَنَتْ فَأَتْلَفَتْ بِرِجْلِهَا) أَيْ: نَفَحَتْ بِهَا (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهَا) فِيهِ كَذَنَبِهَا بِخِلَافِ وَطْئِهَا بِهَا (وَتَقَدَّمَ) فِي السَّادِسِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ " (وَإِنْ انْفَلَتَتْ) الدَّابَّةُ (فَأَتْلَفَتْ صَيْدًا لَمْ يَضْمَنْهُ كَالْآدَمِيِّ) إذَا أَتْلَفَتْهُ إذَنْ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ عَلَيْهَا إلَّا الضَّارِيَةُ كَمَا يَأْتِي فِي الْغَصْبِ.
(وَإِنْ نَصَبَ) الْمُحْرِمُ (شَبَكَةً) أَوْ نَحْوَهَا فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ ضَمِنَهُ (أَوْ حَفَرَ) الْمُحْرِمُ (بِئْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ) بِأَنْ حَفَرَهَا فِي غَصْبٍ أَوْ طَرِيقٍ وَلَوْ وَاسِعًا لِنَفْعِ نَفْسِهِ (فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ ضَمِنَهُ) لِعُدْوَانِهِ بِحَفْرِهَا.
(وَإِنْ نَصَبَ شَبَكَةً وَنَحْوَهَا) كَشِرْكٍ وَفَخٍّ (قَبْلَ إحْرَامِهِ فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ إحْرَامِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ) إنْ لَمْ يَتَحَيَّلْ (كَمَا لَوْ صَادَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ وَتَرَكَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَتَلِفَ بَعْدَ إحْرَامِهِ) وَكَذَا إنْ حَفَرَ بِئْرًا بِحَقٍّ فَتَلِفَ بِهَا صَيْدٌ وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ نَتَفَ) الْمُحْرِمُ (رِيشَهُ) أَيْ: الصَّيْدِ (أَوْ شَعْرَهُ أَوْ وَبَرَهُ فَعَادَ) مَا نَتَفَهُ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ زَالَ أَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ (فَإِنْ صَارَ) الصَّيْدُ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ) بِنَتْفِ رِيشِهِ وَنَحْوِهِ (كَالْجُرْحِ) أَيْ: فَكَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا صَارَ بِهِ غَيْر مُمْتَنِعٍ وَإِنْ نَتَفَهُ فَغَابَ وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ.
(وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُمْسِكًا) لِلصَّيْدِ وَالْآخَرُ قَاتِلًا (أَوْ) كَانَ بَعْضُهُمْ (مُتَسَبِّبًا) كَالْمُشِيرِ وَالدَّالِّ وَالْمُعِينِ (وَالْآخَرُ قَائِلًا فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ وَإِنْ كَفَّرُوا بِالصَّوْمِ) ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ الْمِثْلَ أَوْ عَدْلَهُ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ بِقَتْلِهِ فَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْقَتْلُ هُوَ الْفِعْلُ الْمُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ الرُّوحِ وَهُوَ فِعْلُ الْجَمَاعَةِ لَا كُلِّ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ: مَنْ جَاءَ بِعَبْدِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَجَاءَ بِهِ جَمَاعَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَعَلَ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا» وَلَمْ يُفَرِّقْ وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ؛ وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ: وَيُحْتَمَلُ التَّبْعِيضُ فَكَانَ وَاحِدًا كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَالدِّيَةِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
(وَإِنْ
اشْتَرَكَ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ حَرَمِيٍّ فَالْجَزَاء عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْقَتْلِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ جِهَةُ التَّحْرِيمِ فِي أَحَدِهِمَا وَاتَّحَدَتْ فِي الْآخَرِ (وَهَذَا الِاشْتِرَاكُ الَّذِي هَذَا حُكْمُهُ هُوَ الَّذِي يَقَعُ) فِيهِ (الْفِعْلُ مِنْهُمَا مَعًا أَوْ يَجْرَحُهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ وَيَمُوتُ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْجُرْحَيْنِ بِالسِّرَايَةِ (فَإِنْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا وَقَتَلَهُ الْآخَرُ فَعَلَى الْجَارِحِ مَا نَقَصَهُ) أَيْ: أَرْشَ نَقْصِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشَارِكْ فِي الْقَتْلِ (وَعَلَى الْقَاتِلِ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا) ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ كَذَلِكَ.
(وَإِذَا قَتَلَ الْقَارِنُ صَيْدًا فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ) لِعُمُومِ الْآيَةِ: وَكَذَا لَوْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ وَكَذَا الْمُحْرِمُ يَقْتُلُ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ كَفَّارَةُ قَتْلِ الصَّيْدِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَالْآيَةُ اقْتَضَتْ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَائِدِ لِعُمُومِهَا وَذِكْرُ الْعُقُوبَةِ فِي الْعَائِدِ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ.
[بَابُ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبْتِهِمَا]
(بَابُ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبْتِهِمَا) أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ (يَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ) إجْمَاعًا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا فَقَالَ الْعَبَّاسُ إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ قَالَ إلَّا الْإِذْخِرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَكَّةَ كَانَتْ حَرَامًا قَبْلَ إبْرَاهِيمَ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ: إنَّمَا حُرِّمَتْ بِسُؤَالِ إبْرَاهِيمَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ " أَنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَهَا " أَيْ: أَظْهَرَ تَحْرِيمَهَا (فَمَنْ أَتْلَفَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ صَيْدٍ حَرَمِ مَكَّةَ (شَيْئًا وَلَوْ كَانَ الْمُتْلِفُ كَافِرًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ عَبْدًا) ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ كَالْمَالِ وَهُمْ يَضْمَنُونَهُ (فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْرِمِ فِي مِثْلِهِ) .
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ، وَلِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْجَزَاءِ فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ مِثْلِيًّا ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ (وَلَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ) بِقَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ (جَزَاءَانِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ (وَحُكْمُ صَيْدِهِ) أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ (حُكْمُ صَيْدِ الْإِحْرَامِ مُطْلَقًا) أَيْ: فِي التَّحْرِيم وَوُجُوبِ
الْجَزَاءِ لِلصَّوْمِ وَتَمَلُّكِهِ وَضَمَانِهِ بِالدَّلَالَةِ وَنَحْوِهَا سَوَاءٌ كَانَ الدَّالُّ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي لَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ إذَا كَانَ فِي الْحِلِّ وَالْجَزَاءُ عَلَى الْمَدْلُولِ فَكُلُّ مَا يُضْمَنُ فِي الْإِحْرَام يُضْمَنُ فِي الْحَرَمِ (إلَّا الْقَمْلَ فَإِنَّهُ لَا يُضْمَن) فِي الْحَرَمِ (وَلَا يُكْرَهُ قَتْلُهُ فِيهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ حُرِّمَ فِي حَقّ الْمُحْرِم لِأَجْلِ التَّرَفُّهُ وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ كَالطِّيبِ وَنَحْوِهِ.
(وَإِنْ رَمَى الْحَلَالُ مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَم) كُلَّهُ (أَوْ بَعْضَ قَوَائِمِهِ فِيهِ) أَيْ: الْحَرَمِ ضَمِنَهُ وَكَذَا إنْ كَانَ جُزْءٌ مِنْهُ فِيهِ غَيْرَ قَوَائِمِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ فَإِنْ كَانَتْ قَوَائِمُهُ الْأَرْبَعُ بِالْحِلِّ وَهُوَ قَائِمٌ وَرَأْسُهُ أَوْ ذَنَبُهُ بِالْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ كَالشَّجَرَةِ إذَا كَانَتْ بِالْحِلِّ وَأَغْصَانُهَا بِالْحَرَمِ (أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ ضَمِنَهُ (أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ) أَيْ: الْغُصْنِ (فِي الْحِلِّ) ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ فَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ (أَوْ أَمْسَكَ طَائِرًا فِي الْحِلِّ فَهَلَكَ فِرَاخُهُ) وَكَذَا لَوْ أَمْسَكَ وَحْشًا فَهَلَكَ أَوْلَادُهُ (فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ) أَيْ: الْمَذْكُورَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا " وَقَدْ اجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَهَذَا مِنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ صَيْدًا حَرَمِيًّا فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْحَرَم وَ (لَا) يَضْمَنُ (أُمَّهُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ وَهُوَ حَلَالٌ.
(وَلَوْ رَمَى الْحَلَالُ صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ قَبْل أَنْ يُصِيبَهُ ضَمِنَهُ) اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْإِصَابَةِ.
(وَلَوْ رَمَى الْمُحْرِمُ صَيْدًا ثُمَّ حَلَّ قَبْلَ الْإِصَابَةِ لَمْ يَضْمَنْ) الصَّيْدَ (اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْإِصَابَةِ) .
(وَإِنْ قَتَلَ) الْحَلَالُ (مِنْ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ بِسَهْمِهِ أَوْ كَلْبِهِ) فَلَا جَزَاءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَيْسَ مَعْصُومًا (أَوْ) قَتَلَ (صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ) فَلَا جَزَاءَ فِيهِ لِتَبَعِيَّةِ الْهَوَاءِ لِلْقَرَارِ وَقَرَارُهُ حِلٌّ فَلَا يَكُونُ صَيْدُهُ مَعْصُومًا.
(أَوْ أَمْسَكَ حَمَامَةً) مَثَلًا (فِي الْحَرَمِ فَهَلَكَ فِرَاخُهَا فِي الْحِلِّ لَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَلَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَيْسَ بِمَعْصُومٍ.
(وَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ وَالصَّائِدُ) لَهُ (فِي الْحِلِّ فَرَمَاهُ بِسَهْمِهِ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ) فِي الْحِلِّ (فَدَخَلَ الْحَرَمَ ثُمَّ خَرَجَ فَقَتَلَهُ فِي الْحِلِّ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَمِيٍّ.
(وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ مِنْ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ أَوْ غَيْرَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ بِأَنْ شَطَحَ السَّهْمُ فَدَخَلَ الْحَرَمَ لَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ بَلْ دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ وَكَذَا شُطُوحُ السَّهْمِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
(وَلَا يُؤْكَلُ) صَيْدٌ وُجِدَ سَبَبُ مَوْتِهِ بِالْحَرَمِ وَإِنْ
لَمْ يَضْمَنْ (كَمَا لَوْ ضَمِنَهُ) .
(وَلَوْ جَرَحَ) مُحِلٌّ مِنْ (الْحِلِّ صَيْدًا أَيْ: الْحِلِّ فَمَاتَ) الصَّيْدُ (فِي الْحَرَمِ حَلَّ وَلَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ وُجِدَتْ بِالْحِلِّ.
[فَصْلٌ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ]
(فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ) الْمَكِّيِّ (حَتَّى مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَشَوْكٍ وَعَوْسَجٍ) وَالْعَوْسَجُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ: وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ ذُو شَوْكٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا» وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا لَا يَحْرُمُ مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَشَوْكٍ وَعَوْسَجٍ؛ لِأَنَّهُ مُؤْذٍ بِطَبْعِهِ كَالسِّبَاعِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَ) يَحْرُمُ قَطْعُ (حَشِيشِ) الْحَرَمِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا " (حَتَّى شَوْكٍ وَوَرَقٍ وَسِوَاكٍ وَنَحْوِهِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَيَضْمَنُهُ) أَيْ: شَجَرَ الْحَرَمِ وَحَشِيشَهُ حَتَّى شَوْكٍ وَوَرَقٍ وَسِوَاكٍ وَنَحْوِهِ وَيَأْتِي كَيْفِيَّةُ ضَمَانِهِ (إلَّا الْيَابِسَ) مِنْ شَجَرٍ وَحَشِيشٍ وَوَرَقٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ.
(وَ) إلَّا (مَازَالَ بِفِعْلِ غَيْرِ آدَمِيٍّ) فَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ فِي الْقَطْعِ (وَ) إلَّا مَا (انْكَسَرَ) و (لَمْ يَبِنْ) فَإِنَّهُ كَظُفْرٍ مُنْكَسِرٍ.
(وَ) إلَّا (الْإِذْخِرَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إلَّا الْإِذْخِرَ " وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْهَمْزَةِ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَ) إلَّا (الْكَمْأَةَ وَالنَّقْعَ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَا أَصْلَ لَهُمَا فَلَيْسَا بِشَجَرٍ وَلَا حَشِيشٍ فَائِدَةٌ: قَالَ الْقَزْوِينِيُّ فِي عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ: الْعَرَبُ تَقُول إنَّ الْكَمْأَةَ تَبْقَى فِي الْأَرْضِ فَيُمْطَرُ عَلَيْهَا مَطَرُ الصَّيْف فَتَسْتَحِيلُ أَفَاعِي وَكَذَا أَخْبَرَ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَ) إلَّا (الثَّمَرَةَ) ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَخْلَف.
(وَ) إلَّا (مَا زَرَعَهُ آدَمِيٌّ مِنْ بَقْلٍ وَرَيَاحِينَ وَزُرُوعٍ وَشَجَرِ غُرِسَ مِنْ غَيْرِ شَجَرِ الْحَرَمِ فَيُبَاح أَخْذُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكُ الْأَصْلِ كَالْأَنْعَامِ وَالنَّهْيُ عَنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَهُوَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ وَهَذَا يُضَافُ إلَى مَالِكِهِ فَلَا يَعُمُّهُ الْخَبَر.
(وَ) يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ (بِمَا انْكَسَرَ مِنْ الْأَغْصَانِ وَ) بِمَا (انْقَلَعَ مِنْ الشَّجَرِ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ) وَتَقَدَّمَ آنِفًا (وَكَذَا الْوَرَقُ السَّاقِطُ) يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ.
(وَيَجُوزُ رَعْيُ حَشِيشِ) الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تَدْخُلُ فَتَكْثُرُ فِيهِ وَلَمْ يُنْقَلْ سَدُّ أَفْوَاهِهَا وَلِلْحَاجَةِ إلَيْهِ كَالْإِذْخِرِ.
وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْخِلَافُ إنْ أَدْخَلَهَا لِلرَّعْيِ فَإِنْ أَدْخَلَهَا لِحَاجَتِهِ فَلَا ضَمَانَ وَلَا يَجُوزُ (الِاحْتِشَاشُ لِلْبَهَائِمِ) لِعُمُومِ
قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ".
(وَإِذَا قَطَعَ) الْآدَمِيُّ (مَا يَحْرُم قَطْعُهُ) مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ وَنَحْوِهِ (حَرُمَ انْتِفَاعُهُ) بِهِ (وَحَرُمَ انْتِفَاعُ غَيْرِهِ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إتْلَافِهِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ فَإِذَا قَطَعَهُ مَنْ يَحْرُم عَلَيْهِ قَطْعُهُ لَمْ يُنْتَفَع بِهِ (كَصَيْدٍ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ) لَا يَحِلُّ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ (وَمَنْ قَطَعَهُ) أَيْ: شَجَرَ الْحَرَم وَحَشِيشَهُ وَنَحْوَهُ (ضَمِنَ الشَّجَرَةِ الْكَبِيرَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ) عُرْفًا (بِبَقَرَةٍ وَ) ضَمِنَ (الصَّغِيرَةَ) عُرْفًا (بِشَاةٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ وَفِي الْجَزْلَةِ شَاةٌ " وَقَالَهُ عَطَاءٌ وَالدَّوْحَةُ الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ وَالْجَزْلَةُ الصَّغِيرَةُ.
(وَ) يَضْمَنُ (الْحَشِيشَ وَالْوَرَقَةَ بِقِيمَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْقِيمَةِ وَيَفْعَلُ بِالْقِيمَةِ كَمَا سَبَقَ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ.
(وَ) يَضْمَنُ (الْغُصْنَ بِمَا نَقَصَ) أَصْلُهُ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ بِفِعْلِهِ فَوَجَبَ فِيهِ مَا نَقَصَهُ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَالِ آدَمِيٍّ فَنَقَصَهُ (وَإِنْ اسْتَخْلَفَ الْغُصْنَ وَالْحَشِيشَ سَقَطَ الضَّمَانُ) كَمَا لَوْ قُطِعَ شَعْرُ آدَمِيٍّ ثُمَّ نَبَتَ.
(وَكَذَا لَوْ رَدَّ شَجَرَةً) قَلَعَهَا مِنْ الْحَرَمِ إلَيْهِ (فَنَبَتَتْ) فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهَا (وَيَضْمَنُ نَقْصَهَا إنْ نَبَتَتْ نَاقِصَةً) لِتَسَبُّبِهِ فِيهِ.
(وَإِنْ قَلَعَ شَجَرًا مِنْ الْحَرَمِ فَغَرَسَهُ فِي الْحِلِّ لَزِمَهُ رَدُّهُ) إلَى الْحَرَمِ لِإِزَالَةِ حُرْمَتِهَا (فَإِنْ تَعَذَّرَ) رَدُّهَا (أَوْ يَبِسَتْ) ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا (أَوْ قَلَعَهَا مِنْ الْحَرَمِ فَغَرَسَهَا فِي الْحَرَمِ فَيَبِسَتْ ضَمِنَهَا) لِمَا مَرَّ (فَإِنْ قَلَعَهَا غَيْرُهُ مِنْ الْحِلِّ بَعْدَ أَنْ غَرَسَهَا هُوَ) أَيْ: قَالِعُهَا مِنْ الْحَرَمِ (ضَمِنَهَا قَالِعُهَا) مِنْ الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا (بِخِلَافِ مَنْ نَفَّرَ صَيْدًا فَخَرَجَ إلَى الْحِلِّ) فَقَتَلَهُ غَيْرُهُ فِيهِ (لَمْ يَضْمَنْهُ مُنَفِّرٌ وَلَا قَاتِلٌ) لِتَفْوِيتِهِ حُرْمَتَهُ بِإِخْرَاجِهِ وَالْفَرْقُ: أَنَّ الشَّجَرَ لَا يَنْتَقِلُ بِنَفْسِهِ وَلَا تَزُولُ حُرْمَتُهُ بِإِخْرَاجِهِ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى مُخْرِجِهِ رَدُّهُ فَكَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى مُتْلِفِهِ وَالصَّيْدُ تَارَةً يَكُونُ فِي الْحَرَمِ وَمَرَّةً فِي الْحِلِّ فَمَنْ نَفَّرَهُ فَقَدْ فَوَّتَ حُرْمَتَهُ بِإِخْرَاجِهِ فَلَزِمَهُ جَزَاؤُهُ.
(وَيُخَيَّرُ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاءُ شَجَرِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ وَصَيْدِهِ (بَيْنَ الْجَزَاءِ) أَيْ: ذَبْحِهِ وَعَطَائِهِ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ إنْ كَانَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (وَبَيْنَ تَقْوِيمِهِ وَيَفْعَلُ بِثَمَنِهِ) أَيْ: قِيمَتِهِ (كَجَزَاءِ صَيْدِ) الْإِحْرَامِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ طَعَامًا فَيُطْعِمَهُ لِلْمَسَاكِينِ كُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ كَقِيمَةِ الْحَشِيشِ يُتَخَيَّرُ فِيهَا كَجَزَاءِ صَيْدٍ لَا مِثْلَ لَهُ عَلَى مَا سَبَقَ.
(وَإِنْ قَطَعَ غُصْنًا فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ أَوْ بَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ وَتَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ كَالصَّيْدِ وَ (لَا) يَضْمَنُ الْغُصْنَ (إنْ قَطَعَهُ فِي الْحَرَمِ وَأَصْلُهُ كُلُّهُ فِي الْحِلِّ)
لِتَبَعِيَّتِهِ لِأَصْلِهِ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ لَا يَخْرُجُ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَلَا يَدْخَلُ إلَيْهِ مِنْ الْحِلِّ) كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ (وَلَا يَخْرُجُ مِنْ حِجَارَةِ مَكَّةَ إلَى الْحِلِّ وَالْخُرُوجُ أَشَدُّ يَعْنِي فِي الْكَرَاهَةِ) وَاقْتُصِرَ فِي الشَّرْحِ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ إخْرَاجُهُ إلَى الْحِلِّ وَفِي إدْخَالِهِ فِي الْحَرَمِ رِوَايَتَانِ.
وَفِي الْفُصُولِ يُكْرَهُ فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ كَتُرَابِ الْحَرَمِ وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ انْتِفَاعًا بِالْمَوْقُوفِ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُسْتَشْفَى بِطِيبِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا وَيَلْزَقُ عَلَيْهَا طِيبًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: لَا وَضْعَ الْحَصَا فِي الْمَسَاجِدِ أَيْ: لَا يُكْرَهُ وَيَحْرُمُ إخْرَاجُ تُرَابِهَا وَطِيبِهَا.
(وَلَا يُكْرَهُ إخْرَاجُ مَاءِ زَمْزَمَ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَخْلَفُ فَهُوَ كَالثَّمَرَةِ) قَالَ أَحْمَدُ أَخْرَجَهُ كَعْبٌ اهـ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَتُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحْمِلُهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(وَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ ابْنِ الْحَمْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِمُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ أَكْثَرُ وَأَمَّا حَدِيثُ «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» فَلَمْ يَصِحَّ وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا قَبْلَ الْفَتْحِ وَنَحْوُهُ: حَدِيثُ «اللَّهُمَّ إنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيْكَ» يُرَدُّ أَيْضًا: بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَمَعْنَاهُ: أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَيْك بَعْدَ مَكَّةَ (وَتُسْتَحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ بِهَا) أَيْ: بِمَكَّةَ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَفْضَلِيَّتِهَا وَجَزَمَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ بِأَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَأَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ وَذَكَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ الْمُقَامُ بِالْمَدِينَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَهَاجِرُ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا إلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَسَعْدٍ وَفِيهِنَّ " أَوْ شَهِيدًا " وَتُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ بِمَكَانٍ وَزَمَانٍ فَاضِلَيْنِ (وَلِمَنْ هَاجَرَ مِنْهَا) أَيْ: مَكَّةَ (الْمُجَاوَرَةُ بِهَا) كَغَيْرِهِ.
(وَمَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ) نَبِيّنَا (مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْبَرَاهِينُ (وَأَمَّا نَفْسُ تُرَابِ تُرْبَتِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَلَيْسَ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْكَعْبَةِ بَلْ الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ) قَالَ فِي الْفُنُونِ: الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الْحُجْرَةِ فَأَمَّا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فِيهَا فَلَا وَاَللَّهِ وَلَا الْعَرْشُ وَحَمَلَتُهُ وَالْجَنَّةُ؛ لِأَنَّ بِالْحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِهِ لَرَجَحَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ التُّرْبَةَ عَلَى الْخِلَافِ (وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَضَّلَ تُرَابَ الْقَبْرِ عَلَى الْكَعْبَةِ إلَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إلَيْهِ وَلَا وَافَقَهُ أَحَدٌ قَطُّ عَلَيْهِ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَقَالَ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَانٍ يَكْثُرُ فِيهِ إيمَانُهُ وَتَقْوَاهُ أَفْضَلُ حَيْثُ كَانَ.
(وَحَدُّ الْحَرَمِ) الْمَكِّيِّ (مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا) وَيُقَالُ لَهَا: بُيُوتُ نِفَارٍ بِكَسْرِ النُّون وَبِالْفَاءِ وَهِيَ دُونَ التَّنْعِيمِ وَيُعْرَفُ الْآنَ بِمَسَاجِدِ عَائِشَةَ.
(وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (الْيَمَنِ سَبْعَةُ) أَمْيَالٍ (عِنْدَ أَضَاةِ لِبْنٍ) أَمَّا أَضَاةُ فَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بِوَزْنِ قَتَاةٍ وَأَمَّا لِبْنُ فَبِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ اهـ.
وَفِي الْهِدَايَةِ: عِنْدَ إضَاحَةِ لِبْنٍ (وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (الْعِرَاقِ كَذَلِكَ) أَيْ: سَبْعَةِ أَمْيَالٍ (عَلَى ثَنِيَّةِ خَلٍّ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَلَامٍ مُشَدَّدَةٍ هَكَذَا فِي ضَبْطِ الْمُصَنِّفِ بِالْقَلَمِ.
وَفِي الْمُنْتَهَى وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا رِجْلٌ أَيْ: بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ (وَهُوَ جَبَلٌ بِالْمَقْطَعِ) بِقَافٍ سَاكِنَةٍ وَطَاءٍ مَفْتُوحَةٍ هَكَذَا ضَبَطَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْقَلَمِ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ بِالْمُنْقَطِعِ.
(وَمِنْ الْجِعْرَانَةِ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ (تِسْعَةَ أَمْيَالٍ فِي شِعْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (جَدَّةَ عَشْرَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ مُنْقَطَعِ الْأَعْشَاشِ) أَيْ: مُنْتَهَى طَرَفُهَا جَمْعُ عُشٍّ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.
(وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَاتٍ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ سَبْعَةُ) أَمْيَالٍ (عِنْدَ طَرْفِ عُرَنَةَ وَ) حَدُّهُ (مِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ أَحَدَ عَشَرَ مِيلًا) .
[فَصْلٌ صَيْدُ الْمَدِينَةِ]
(فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ) لِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْمَدِينَةُ مِنْ الدِّينِ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقَامَ بِهَا طَاعَةٌ أَوْ بِمَعْنَى الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهَا دِينُ أَهْلِهَا أَيْ: مِلْكُهُمْ يُقَالُ: فُلَانٌ فِي دِينِ فُلَانٍ أَيْ: فِي مِلْكِهِ وَطَاعَتِهِ وَتُسَمَّى أَيْضًا: طَابَةٌ وَطَيْبَةُ (وَالْأَوْلَى: أَنْ لَا تُسَمَّى بِيَثْرِبَ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيَّرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّثْرِيبِ وَهُوَ التَّعْيِيرُ وَالِاسْتِقْصَاءُ فِي اللَّوْمِ وَمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حِكَايَةٌ لِمَقَالَةِ الْمُنَافِقِينَ وَيَثْرِبُ فِي الْأَصْلِ: اسْمُ رَجُلٍ مِنْ الْعَمَالِقَةِ بَنَى الْمَدِينَةَ فَسُمِّيَتْ بِهِ وَقِيلَ: يَثْرِبُ اسْمِ أَرْضِهَا ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ.
(فَلَوْ صَادَ) مِنْ حَرَمِ الْمَدِينَةِ (وَذَبَحَ) صَيْدَهَا (صَحَّتْ تَذْكِيَتُهُ) قَالَ الْقَاضِي تَحْرِيمُ صَيْدِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ ذَكَاتُهُ وَإِنْ قُلْنَا: تَصِحُّ؛ فَلِعَدَمِ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فِي زَوَالِ مِلْكِ الصَّيْدِ نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الصِّحَّةِ احْتِمَالَيْنِ.
(وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهَا) أَيْ: الْمَدِينَةِ (وَحَشِيشِهَا) لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» . (وَيَجُوزُ أَخْذُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ شَجَرِهَا لِلرَّحْلِ) أَيْ: رَحْلِ الْبَعِيرِ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ الْقَتَبِ (وَالْقَتَبُ وَعَوَارِضُهُ وَآلَةُ الْحَرْثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَآلَةِ الدَّيَّاسِ وَالْجَذَّاذِ وَالْحَصَّادِ (وَالْعَارِضَةِ لِسَقْفِ الْمَحْمَلِ وَالْمُسَانَدِ مِنْ الْقَائِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُنْصَبُ الْبَكَرَةُ عَلَيْهِمَا وَالْعَارِضَةُ بَيْنَ الْقَائِمَتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَعُودِ الْبَكَرَةِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَرَّمَ الْمَدِينَةَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا أَصْحَابُ عَمَلٍ وَأَصْحَابُ نُضَحٍ وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَرْضًا غَيْرَ أَرْضِنَا فَرَخِّصْ لَنَا فَقَالَ: الْقَائِمَتَانِ وَالْوِسَادَةُ وَالْعَارِضَةُ وَالْمُسْنَدُ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فَاسْتَثْنَى الشَّارِح ذَلِكَ وَجَعَلَهُ مُبَاحًا وَالْمُسْنَدُ: عُودُ الْبَكَرَةِ (وَ) يَجُوز أَخْذُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ (مِنْ حَشِيشِهَا لِلْعَلَفِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ الْمَدِينَةَ يَقْرُبُ مِنْهَا شَجَرٌ وَزَرْعٌ فَلَوْ مُنِعْنَا مِنْ احْتِشَاشِهَا أَفْضَى إلَى الضَّرَرِ بِخِلَافِ مَكَّةَ.
(وَمَنْ أَدْخَلَ إلَيْهَا صَيْدًا فَلَهُ إمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاس خُلُقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ أَحْسَبُهُ فَطِيمًا وَكَانَ إذَا جَاءَ قَالَ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ طَائِرٌ صَغِيرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَا جَزَاءَ فِي صَيْدِهَا) وَشَجَرِهَا
(وَحَشِيشِهَا) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَلَا جَزَاءَ فِيمَا حُرِّمَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَكَمُوا فِيهِ بِجَزَاءٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ حَرَمِهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَلَا تَصْلُحُ لِأَدَاءِ النُّسُكِ وَلَا لِذَبْحِ الْهَدَايَا فَكَانَتْ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبُلْدَانِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الضَّمَانُ وَلَا لِعَدَمِهَا عَدَمُهُ.
(وَحَدُّ حَرَمِهَا: مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «حَرَمُ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَهُوَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّابَةُ الْحَرَّةُ وَهِيَ أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: رِوَايَةُ " مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا " أَرْجَحُ لَنَا لِتَوَارُدِ الرُّوَاةِ عَلَيْهَا وَرِوَايَة " جَبَلَيْهَا " لَا تُنَافِيهَا فَيَكُونُ عِنْدَ كُلِّ جَبَلٍ لَابَةٌ أَوْ لَابَتَيْهَا مِنْ جِهَة الْجَنُوب وَالشِّمَال وَجَبَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَعَاكَسَهُ فِي الْمَطْلَعِ.
(وَقَدْرُهُ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ نَصًّا) قَالَ أَحْمَدُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ كَذَا فَسَّرَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (وَهُمَا) أَيْ: ثَوْرٌ وَعَيْرٌ (جَبَلَانِ بِالْمَدِينَةِ فَثَوْرٌ) أَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ إيَّاهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ (جَبَلٌ صَغِيرٌ) لَوْنُهُ يَضْرِبُ (إلَى الْحُمْرَةِ بِتَدْوِيرٍ) لَيْسَ بِمُسْتَطِيلٍ (خَلْفَ أُحُدٍ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ) قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حُسَيْنٍ الْمَرَاغِيِّ: أَنَّ خَلَفَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَنْقُلُونَ عَنْ سَلَفِهِمْ أَنَّ خَلْفَ أُحُدٍ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ جَبَلًا صَغِيرًا إلَى الْحُمْرَةِ بِتَدْوِيرٍ يُسَمَّى ثَوْرًا قَالَ وَقَدْ تَحَقَّقْتُهُ بِالْمُشَاهَدَةِ (وَعَيْرٌ) جَبَلٌ (مَشْهُورٌ بِهَا) أَيْ: بِالْمَدِينَةِ قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ «وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحِلِّ صَيْدُ وَجٍّ وَشَجَرِهِ) وَحَشِيشِهِ.
(وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ) كَغَيْرِهِ مِنْ الْحِلِّ أَمَّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «إنَّ صَيْدَ وَجٍّ وَعِضَاهَهُ حَرَمٌ» مَحْرَمٌ لِلَّهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ الطَّائِفَ وَحِصَارِهِ ثَقِيفًا فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِقَوِيٍّ فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْأَزْدِيُّ: لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ وَحَمَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ.
[بَابٌ دُخُولُ مَكَّةَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَغَيْرِهِ]
(بَابٌ: دُخُولُ مَكَّةَ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَغَيْرِهِ (يُسَنُّ الِاغْتِسَالُ لِدُخُولِهَا) وَلَوْ كَانَ بِالْحَرَمِ وَلِدُخُولِ حَرَمِهَا (وَلَوْ لِحَائِضٍ) وَمِثْلُهَا النُّفَسَاءُ فَتَغْتَسِلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَتَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارًا) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَقِيلَ: وَلَيْلًا نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ السُّرَّاقِ انْتَهَى وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَخَلَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْ أَعْلَاهَا» أَيْ: مَكَّةَ (مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ مَصْرُوفٌ وَغَيْرُ مَصْرُوفٍ ذَكَرَهُ فِي الْمَطَالِعِ وَيُعْرَفُ الْآن بِبَابِ الْمُعَلَّاةِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَخْرُجَ مِنْ كُدًى) بِضَمِّ الْكَاف وَتَنْوِينِ الدَّالِ عِنْدَ ذِي طُوَى بِقُرْبِ شِعْبِ الشَّافِعِيِّينَ (مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى) وَيُقَالُ لَهَا: بَابُ شَبَكَةٍ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ وَيَخْرُجُ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا كُدَيّ مُصَغَّرًا فَأَبَاحَهُ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْيَمَنِ وَلَيْسَ مِنْ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فِي شَيْءٍ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ) الْحَرَامَ (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) وَبِإِزَائِهِ الْآنَ الْبَابُ الْمَعْرُوفُ بِبَابِ السَّلَامِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ثُمَّ دَخَلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَيَقُولَ عِنْد دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ.
وَقَالَ فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ: يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَبِاَللَّهِ وَمِنْ اللَّهِ وَإِلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ (فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مَرْفُوعًا وَقَوْلِ جَابِرٍ " مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا الْيَهُودُ الْحَدِيثَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ رُدَّ بِأَنَّهُ قَوْلُ جَابِرٍ عَنْ ظَنِّهِ.
وَخَالَفَهُ ابْنُ عَمْرٍو وَابْنِ عَبَّاسٍ وَكَثِيرٌ لِلْحَدِيثِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ بِقِيلَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَقِيلَ: وَيُهْلِلُ.
(وَقَالَ " اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ ") كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ ذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالسَّلَامُ الْأَوَّلُ: اسْمٌ اللَّهِ وَالثَّانِي مَنْ أَكْرَمْتَهُ بِالسَّلَامِ وَالثَّالِثُ: سَلِّمْنَا بِتَحِيَّتِكَ إيَّانَا مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَزْهَرِيُّ (اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا) أَيْ: تَبْجِيلًا (وَتَشْرِيفًا) أَيْ: رِفْعَةً وَإِعْلَاءً (وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً) أَيْ: تَوْقِيرًا.
(وَبِرًّا) بِكَسْرِ الْبَاءِ
اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ (وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جُرَيْجٍ مَرْفُوعًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا، كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرِيمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اللَّهُمَّ إنَّك دَعَوْتَ إلَى حَجِّ بَيْتِكَ) الْحَرَامِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ انْتَشَرَتْ وَأُرِيدَ بِتَحْرِيمِ الْبَيْتِ سَائِرُ الْحَرَمِ قَالَهُ الْعُلَمَاءُ.
(وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي وَاعْفُ عَنِّي وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إلَه إلَّا أَنْتَ) ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَثْرَمُ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (يَرْفَعُ بِذَلِكَ) الدُّعَاءِ (صَوْتَهُ إنْ كَانَ رَجُلًا) ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فَاسْتُحِبَّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ (وَمَا زَادَ مِنْ الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ) ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْبِقَاعَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ.
(ثُمَّ يَبْدَأُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إنْ كَانَ مُعْتَمِرًا) أَيْ: مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ مُتَمَتِّعًا أَوْ غَيْرَهُ (وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَطُوفَ لَهَا طَوَافَ قُدُومٍ) كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِهَا عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
(وَ) يَبْتَدِئُ (بِطَوَافِ الْقُدُومِ وَيُسَمَّى طَوَافَ الْوُرُودِ إنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا وَهُوَ تَحِيَّةُ الْكَعْبَةِ) فَاسْتُحِبَّتْ الْبُدَاءَةُ بِهِ وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِهِ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ.
(وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ (الصَّلَاةُ وَتُجْزِئُ عَنْهَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الطَّوَافِ) وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطَّوَافُ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ وَهَذَا تَفْصِيلُهُ (فَيَكُونُ أَوَّلَ مَا يُبْدَأُ بِهِ الطَّوَاف) لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَوْ ذَكَرَ فَرِيضَةً فَائِتَةً أَوْ خَافَ فَوَاتَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَوْ الْوِتْرِ أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ فَيُقَدِّمَهَا عَلَيْهِ) أَيْ: الطَّوَافِ لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ وَأَمْنِ فَوَاتِهِ (ثُمَّ يَطُوفَ) إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ تِلْكَ.
(وَالْأَوْلَى لِلْمَرْأَةِ: تَأْخِيرُهُ) أَيْ: الطَّوَافِ (إلَى اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ إنْ أَمِنَتْ الْحَيْضَ أَوْ النِّفَاسَ وَلَا تُزَاحِمُ الرِّجَالَ لِتَسْتَلِمَ الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ وَلَا لِغَيْرِهِ خَوْفَ الْمَحْظُورِ (لَكِنْ تُشِيرُ) الْمَرْأَةُ (إلَيْهِ) الْحَجَرِ (كَ) الرَّجُلِ (الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ) إلَّا بِمَشَقَّةٍ.
(وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَ) فِي (طَوَافِ الْعُمْرَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ غَيْرِ حَامِلٍ مَعْذُورٍ) بِحَمْلِهِ بِرِدَائِهِ (فِي جَمِيع أُسْبُوعِهِ فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ) أَيْ: الرِّدَاءِ (تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَ) يَجْعَلُ (طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ)
مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّبُعِ وَهُوَ عَضُدُ الْإِنْسَانِ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ مُضْطَبِعًا وَعَلَيْهِ بُرْدٌ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ سَوَّاهُ) أَيْ: الرِّدَاءَ فَجَعَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ (وَلَا يُضْطَبَعُ فِي السَّعْي) لِعَدَمِ وُرُودِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ مَا سَمِعْنَا فِيهِ شَيْئًا وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إلَّا فِيمَا عَقَلَ مَعْنَاهُ وَهَذَا تَعَبُّدِيٌّ مَحْضٌ.
(وَيَبْتَدِئُ) الطَّوَافَ (مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَبْتَدِئُ بِهِ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَهُوَ جِهَةُ الْمَشْرِقِ فَيُحَاذِيهِ) أَيْ: الْحَجَرَ (أَوْ) يُحَاذِي (بَعْضَهُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ) ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَ اسْتِقْبَالُهُ لَزِمَ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْقِبْلَةِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: يُحَاذِي الْحَجَرَ أَوْ بَعْضَهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ بِأَنْ ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ عَنْ جَانِبِ الرُّكْنِ مِنْ جِهَةِ الْبَابِ بِحَيْثُ خَرَجَ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ عَنْ مُحَاذَاةِ الْحَجَرِ (أَوْ بَدَأَ بِالطَّوَافِ مِنْ دُون الرُّكْنِ) الَّذِي بِهِ الْحَجَرُ (كَالْبَابِ وَنَحْوِهِ) كَالْمُلْتَزَمِ (لَمْ يُحْتَسَبْ بِذَلِكَ الشَّوْطُ) لِعَدَمِ مُحَاذَاةِ بَدَنِهِ لِلْحَجَرِ وَيُحْتَسَبُ لَهُ بِالثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ وَيَصِيرُ الثَّانِي أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ يُحَاذِي فِيهِ الْحَجَرَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ (ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ) أَيْ: الْحَجَرَ (أَيْ: يَمْسَحُهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى) لِقَوْلِ جَابِرٍ إنَّ «الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالِاسْتِلَامُ: افْتِعَالٌ مِنْ السَّلَامِ وَهُوَ التَّحِيَّةُ وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ الْمُحَيَّا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ بِالِاسْتِلَامِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ الْجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ " لَمَّا أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمِيثَاقَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ كَتَبَ كِتَابًا فَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِ بِالْوَفَاءِ وَعَلَى الْكَافِرِ بِالْجُحُودِ " وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ.
(وَيُقَبِّلُهُ) أَيْ: الْحَجَرَ (مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ يَظْهَرُ لِلْقُبْلَةِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أَسْلَمَ قَالَ " رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ " (وَنَصَّ) أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ (وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ) فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ.
(فَإِنْ شَقَّ اسْتِلَامُهُ) وَتَقْبِيلُهُ لَمْ يُزَاحِمْ وَاسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ
(وَقَبَّلَ يَدَهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ " وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ (فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ بِيَدِهِ (اسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ وَقَبَّلَهُ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا (فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ بِشَيْءٍ (أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ وَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ وَلَا يُقَبِّلُ الْمُشَارَ بِهِ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (وَلَا يُزَاحِم) لِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ أَوْ تَقْبِيلِهِ أَوْ السُّجُودِ عَلَيْهِ (فَيُؤْذِي أَحَدًا) مِنْ الطَّائِفِينَ.
(وَيَقُولُ) عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ أَوْ اسْتِقْبَالِهِ بِوَجْهِهِ إذَا شَقَّ اسْتِلَامُهُ (بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيَّكَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُ ذَلِكَ كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ " (وَزَادَ جَمَاعَةٌ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) .
(فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَجَرُ مَوْجُودًا) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ (وَقَفَ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ إذَا هُدِمَتْ.
(وَاسْتَلَمَ الرُّكْن وَقَبَّلَهُ فَإِنْ شَقَّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ مِمَّا يَلِي بَابَ الْبَيْتِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَجْعَلُهُ) أَيْ: الْبَيْتَ (عَلَى يَسَارِهِ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ قَوْلِهِ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (لِيُقَرِّبَ جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ) الَّذِي هُوَ مَقَرُّ الْقَلْبِ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْبَيْتِ (فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ) الطَّائِفُ (يُسَمَّى الشَّامِيَّ وَالْعِرَاقِيَّ وَهُوَ جِهَةُ الشَّامِ ثُمَّ يَلِيهِ الرُّكْنُ الْغَرْبِيُّ وَالشَّامِيُّ وَهُوَ جِهَةُ الْمَغْرِبِ ثُمَّ الْيَمَانِيُّ جِهَةُ الْيَمَنِ فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الرُّكْن الْيَمَانِيِّ (اسْتَلَمَهُ وَلَمْ يُقَبِّلْهُ) .
وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ اسْتَلَمَهُ وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ» فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا لَا يَصِحُّ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (وَلَا يَسْتَلِمُ وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ) أَيْ: الشَّامِيَّ وَالْغَرْبِيَّ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ " مَا أَرَاهُ يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَلِمْ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ إلَّا؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ وَلَا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ إلَّا لِذَلِكَ " وَطَافَ مُعَاوِيَةُ " فَجَعَلَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمَ تَسْتَلِمْ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُمَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] فَقَالَ مُعَاوِيَةُ صَدَقْتَ ".
(وَلَا) يَسْتَلِمُ وَلَا يُقَبِّلُ (صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا غَيْرَهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَافِنِ الَّتِي فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِيَةَ بَلْ هَذِهِ أَوْلَى.
(وَيَطُوفُ سَبْعًا يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا مَاشٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا وَفِي حَجِّهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الرَّمَلِ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ لِلْمُشْرِكِينَ فَبَقِيَ الْحُكْمُ بَعْدَ زَوَالِ عِلَّتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (غَيْرُ رَاكِبٍ وَ) غَيْرُ (حَامِلٍ مَعْذُورٍ وَ) غَيْرُ (نُفَسَاءَ وَ) غَيْرُ (مُحْرِمٍ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قُرْبِهَا فَلَا يُسَنُّ هُوَ) أَيْ: الرَّمَلُ (وَلَا الِاضْطِبَاعُ لَهُمْ) لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ الرَّمَلُ وَهُوَ إظْهَارُ الْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ لِأَهْلِ الْبَلَدِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَرْمُلْ وَمَنْ لَا يُشْرَع لَهُ الرَّمَلُ لَا يُشْرَعُ لَهُ الِاضْطِبَاعُ (وَلَا) يُسَنُّ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ (فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا اضْطَبَعُوا وَرَمَلُوا فِيهِ.
(وَلَا يَقْضِيهِ) أَيْ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاضْطِبَاعِ وَالرَّمَلِ (وَلَا) يَقْضِي (بَعْضَهُ) إذَا فَاتَهُ (فِي) طَوَافِ (غَيْرِهِ) خِلَافًا لِلْقَاضِي كَمَنْ تَرَكَ الْجَهْرَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ لَا يَقْضِيهِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَا يَقْتَضِي الْقِيَاسُ أَنْ تُقْضَى هَيْئَةُ عِبَادَةٍ فِي عِبَادَةٍ أُخْرَى.
(وَهُوَ) أَيْ: الرَّمَلُ (إسْرَاعُ الْمَشْي مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى فِي غَيْرِ وَثْبٍ وَالرَّمَلُ أَوْلَى مِنْ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ بِدُونِهِ) أَيْ: دُونَ رَمَلٍ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ مَعَ الْقُرْبِ لِلزِّحَامِ؛ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفَسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا أَوْ زَمَانِهَا (وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّمَلِ أَيْضًا) أَيْ: مَعَ الْبُعْدِ مِنْ الْبَيْتِ لِقُوَّةِ الزِّحَامِ.
(وَلَوْ) كَانَ إذَا تَأَخَّرَ فِي حَاشِيَةِ الْقَوْمِ لِلرَّمَلِ (يَخْتَلِطُ بِالنِّسَاءِ فَالدُّنُوُّ) مِنْ الْبَيْتِ مَعَ تَرْكِ الرَّمَلِ (أَوْلَى) مِنْ الْبُعْدِ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْمُعَارِضِ.
(وَيَطُوفُ) مَعَ الزِّحَامِ (كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ) بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي أَحَدًا (فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً رَمَلَ فِيهَا) مَا دَامَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لِبَقَاءِ مَحِلِّهِ (وَتَأْخِيرِ الطَّوَافِ) حَتَّى يَزُولَ الزِّحَامُ (لَهُ) أَيْ: الرَّمَلِ (وَالدُّنُوُّ) مِنْ الْبَيْتِ (أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَوْلَى) مِنْ تَقْدِيمِهِ مَعَ فَوَاتِهِمَا أَوْ فَوَاتِ أَحَدِهِمَا لِيَأْتِيَ بِالطَّوَافِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ.
(وَيَمْشِي الْأَرْبَعَةَ الْأَشْوَاطَ الْبَاقِيَةَ) (مِنْ الطَّوَافِ) لِلْأَخْبَارِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا الَّتِي تَقَدَّمْتِ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا.
(وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُمَا) اسْتِحْبَابًا لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَإِنْ شَقَّ) أَيْ: اسْتِلَامُهُمَا لِلزِّحَامِ
(أَشَارَ إلَيْهِمَا) لِمَا مَرَّ (وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَطْ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ بِيَدِهِ وَكَبَّرَ» .
(وَلَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الطَّوَافِ فَتُسْتَحَبُّ) الْقِرَاءَةُ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَفِيهَا قِرَاءَةٌ وَدُعَاءٌ فَيَجِبُ كَوْنُهُ مِثْلُهَا وَ (لَا) يُسْتَحَبُّ (الْجَهْرُ بِهَا) أَيْ: بِالْقِرَاءَةِ فِي الطَّوَافِ.
(وَيُكْرَهُ) الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ (إنْ غَلَطَ الْمُصَلِّينَ) قُلْتُ أَوْ الطَّائِفِينَ.
(وَ) يَقُولُ (بَيْنَ) الرُّكْنِ الَّذِي بِهِ الْحَجَرُ (الْأَسْوَدُ) (وَ) الرُّكْنُ (الْيَمَانِيُّ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاسِكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «وُكِّلَ بِهِ أَيْ: الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ فَمَنْ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ قَالُوا: آمِينَ» .
(وَيُكْثِرُ فِي بَقِيَّةِ طَوَافِهِ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا) أَيْ: عَمَلًا مُتَقَبَّلًا يَزْكُو لِصَاحِبِهِ ثَوَابُهُ وَمَسَاعِي الرَّجُلِ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ وَاحِدُهَا مَسْعَاةٌ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَذَنْبًا مَغْفُورًا رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَفِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى (وَيَدَعُ الْحَدِيثَ إلَّا الذِّكْرَ وَالْقِرَاءَةَ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» .
(وَمَنْ طَافَ أَوْ سَعَى رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يُجْزِئْهُ) الطَّوَافُ وَلَا السَّعْيُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» ؛ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا رَاكِبًا كَالصَّلَاةِ، وَالسَّعْيُ كَالطَّوَافِ.
(وَ) الطَّوَافُ أَوْ السَّعْيُ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا (لِعُذْرٍ يُجْزِئُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «فَشَكَوْتُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي أَشْتَكِي فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَكَانَ طَوَافُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاكِبًا لِعُذْرٍ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ هَذَا مُحَمَّدٌ حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْبُيُوتِ وَكَانَ
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَضْرِبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ رَكِبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: يُجْزِئُ السَّعْيُ رَاكِبًا وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ (وَيَقَعُ الطَّوَافُ) أَوْ السَّعْيُ (عَنْ الْمَحْمُولِ إنْ نَوَيَا) أَيْ: الْحَامِلُ وَالْمَحْمُولُ (عَنْهُ أَوْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الْفِعْلُ وَهُوَ وَاحِدٌ فَلَا يَقَع عَنْ شَخْصَيْنِ وَوُقُوعُهُ عَنْ الْمَحْمُولِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ بِطَوَافِهِ إلَّا لِنَفْسِهِ وَالْحَامِلُ لَمْ يَخْلُصْ قَصْدُهُ بِالطَّوَافِ لِنَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ أَدَّى بِهَا الْحَامِلُ فَرْضَ غَيْرِهِ فَلَمْ تَقَعْ عَنْ فَرْضِهِ كَالصَّلَاةِ وَصِحَّةِ أَخْذِ الْحَامِلِ عَنْ الْمَحْمُولِ الْأُجْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَخْذُهُ عَنْ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ لِنَفْسِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
(وَإِنْ نَوَيَا) أَيْ: الْحَامِلُ وَالْمَحْمُولُ الطَّوَافَ (عَنْ الْحَامِلِ وَقَعَ) الطَّوَافُ (عَنْهُ) أَيْ الْحَامِلِ لِخُلُوصِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالنِّيَّةِ لِلْحَامِلِ (وَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا) الطَّوَافَ (عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخَرُ لَمْ يَنْوِ) الطَّوَافَ (وَقَعَ لِمَنْ نَوَى) لِحَدِيثِ " إنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ".
(وَإِنْ عُدِمَتْ النِّيَّةُ مِنْهُمَا أَوْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ لَمْ يَصِحَّ) الطَّوَافُ (لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِخُلُوِّ طَوَافِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ نِيَّةٍ مِنْهُ (وَإِنْ حَمَلَهُ بِعَرَفَاتٍ) لِعُذْرٍ أَوْ لَا (أَجْزَأَ) الْوُقُوفُ (عَنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْحُصُولُ بِعَرَفَةَ وَهُوَ مَوْجُودٌ.
(وَإِنْ طَافَ مُنَكِّسًا بِأَنْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ) لَمْ يُجْزِئْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَقَدْ جَعَلَ الْبَيْتَ فِي طَوَافِهِ عَلَى يَسَارِهِ وَكَذَا لَوْ طَافَ الْقَهْقَرَى (أَوْ) طَافَ (عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] وَالْحِجْرُ مِنْهُ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ " هُوَ مِنْ الْبَيْتِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَمَنْ لَمْ يَطُفْ بِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِطَوَافِهِ (أَوْ) طَافَ (عَلَى شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَة بِفَتْحِ الذَّال) الْمُعْجَمَة (وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي تُرِكَ خَارِجًا عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ) لَمْ يُجْزِئْهُ (؛ لِأَنَّهُ) أَيْ: الشَّاذَرْوَانَ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْكَعْبَةِ.
(أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الطَّوَافِ وَإِنْ قَلَّ) لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ (أَوْ لَمْ يَنْوِ) الطَّوَافَ لَمْ يُجْزِئْهُ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ؛ وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ لِلْخَبَرِ وَالصَّلَاةُ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ.
(أَوْ) طَافَ (خَارِجَ الْمَسْجِدِ) لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ وَلَا يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَطُوفُ (أَوْ) طَافَ.
(أَوْ) طَافَ (مُحْدِثًا وَلَوْ حَائِضًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْأَثْرَمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ
الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (وَيَلْزَمُ النَّاسَ انْتِظَارُهَا) أَيْ: الْحَائِضِ (لِأَجْلِهِ فَقَطْ إنْ أَمْكَنَ) لِتَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ انْتِظَارُهَا لِلنِّفَاسِ لِطُولِ مُدَّتِهِ.
(أَوْ) طَافَ (نَجِسًا) ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنُهُ أَوْ بُقْعَتَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ كَالْمُحْدِثِ.
(أَوْ) طَافَ (شَاكًّا فِيهِ) أَيْ: فِي الطَّوَاف (فِي طَهَارَتِهِ) وَقَدْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ لَمْ يُجْزِئْهُ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ وَ (لَا) يَضُرُّهُ شَكُّهُ فِي طَهَارَتِهِ (بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ) أَيْ: الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهُ كَشَكِّهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ.
(أَوْ) طَافَ (عُرْيَانًا) لَمْ يُجْزِئْهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(أَوْ قَطَعَهُ) أَيْ: الطَّوَافَ (بِفَصْلٍ طَوِيلٍ عُرْفًا وَلَوْ سَهْوًا أَوْ لِعُذْرٍ) لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَالَى بَيْنَ طَوَافِهِ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ "؛ وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمُوَالَاةُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ (أَوْ أَحْدَثَ فِي بَعْضِهِ لَا يُجْزِئْهُ) ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِيهِ وَإِذَا وُجِدَ الْحَدَثُ بَطَلَتْ فَيَبْطُلُ كَالصَّلَاةِ (فَتُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ فِيهِ وَفِي سَعْيٍ) لِمَا مَرَّ.
(وَعِنْد الشَّيْخِ الشَّاذَرْوَانُ لَيْسَ مِنْ الْكَعْبَة بَلْ جُعِلَ عِمَادًا لِلْبَيْتِ) فَيَصِحُّ الطَّوَافُ عَلَيْهِ (وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ مَسَّ الْجُدُرَ بِيَدِهِ فِي مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ صَحَّ طَوَافُهُ) اعْتِبَارًا بِجُمْلَتِهِ كَمَا لَا يَضُرُّ الْتِفَاتُ الْمُصَلِّي بِوَجْهِهِ وَعَلَى قِيَاسِهِ: وَلَوْ مَسَّ أَعْلَى جِدَارِ الْحَجَرِ.
(وَإِنْ طَافَ فِي الْمَسْجِد مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ مِنْ قُبَّةٍ وَغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ) الطَّوَافُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ.
(وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ) كَصَلَاتِهِ عَلَيْهَا (قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ) .
وَإِنْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمْ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً وَفِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الْأَشْوَاطِ أَخَذَ بِالْيَقِينِ) لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ (وَيُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلَيْنِ) فِي عَدَدِ الْأَشْوَاطِ كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ فِي الصَّلَاةِ.
(وَيُسَنُّ فِعْلُ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ مِنْ السَّعْي وَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَغَيْرِهَا عَلَى طَهَارَةٍ) وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ.
(وَإِنْ قَطَعَ الطَّوَافَ بِفَصْلٍ يَسِيرٍ) بَنَى مِنْ الْحَجَرِ لِعَدَمِ فَوَاتِ الْمُوَالَاةِ بِذَلِكَ (أَوْ أُقِيمَتْ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ) صَلَّى وَبَنَى لِحَدِيثِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ» وَالطَّوَافُ صَلَاةٌ فَتَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ (أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ صَلَّى وَبَنَى) ؛ لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِالتَّشَاغُلِ عَنْهَا (وَيَكُونُ الْبِنَاءُ مِنْ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ (وَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ أَثْنَاءِ الشَّوْطِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ
بِبَعْضِ شَوْطٍ قُطِعَ فِيهِ وَحُكْمُ السَّعْيِ فِي ذَلِكَ كَطَوَافٍ.
(ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ الطَّوَافِ (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَالْأَفْضَلُ) كَوْنُهُمَا (خَلْفَ الْمَقَامِ) أَيْ: مَقَامِ إبْرَاهِيمَ لِقَوْلِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَتَّى أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ تَقَدَّمَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ» .
(وَحَيْثُ رَكَعَهُمَا مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ) لِعُمُومِ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» وَصَلَّاهُمَا عُمَرُ بِذِي طُوَى (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِتَرْكِ صَلَاتِهِمَا خَلْفَ الْمَقَامِ.
(وَهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ يَقْرَأُ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] وَ) يَقْرَأُ (فِي الثَّانِيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] لِحَدِيثِ جَابِرٍ «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ: فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ثُمَّ عَادَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّفَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَيَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الطَّائِفُونَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّاهُمَا وَالطَّوَافُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ» وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي وَالطَّوَافُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَمُرُّ الْمَرْأَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَنْتَظِرُهَا حَتَّى تَرْفَعَ رِجْلَهَا ثُمَّ يَسْجُدُ وَكَذَا سَائِرُ الصَّلَوَاتِ بِمَكَّةَ لَا يُعْتَبَرُ لَهَا سُتْرَةٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الصَّلَاةِ مُوَضَّحًا (وَيَكْفِي عَنْهُمَا) أَيْ: عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ (مَكْتُوبَةٌ وَسُنَّةٌ رَاتِبَةٌ) كَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
(وَيُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الطَّوَافِ كُلَّ وَقْتٍ) وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْإِمَامِ: أَنَّ الطَّوَافَ لِغَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
(وَلَهُ جَمْع أَسَابِيعَ) مِنْ الطَّوَافِ (فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا رَكَعَ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ) لِفِعْلِ عَائِشَةَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ (وَالْأَوْلَى) أَنْ يُصَلِّيَ (لِكُلِّ أُسْبُوعٍ عَقِبَهُ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا يُشْرَع تَقْبِيلُ الْمَقَامِ وَلَا مَسْحُهُ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
(فَرْعٌ: إذَا فَرَغَ الْمُتَمَتِّعُ) مِنْ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ (ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فِي أَحَدِ الطَّوَافَيْنِ وَجَهِلَهُ) أَيْ: الطَّوَافَ الَّذِي كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ (لَزِمَهُ الْأَشَدُّ) لِيُبَرِّئَ ذِمَّتَهُ بِيَقِينٍ (وَهُوَ) أَيْ: الْأَشَدُّ (كَوْنُهُ) بِلَا طَهَارَةٍ (فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ فَلَمْ تَصِحَّ) لِفَسَادِ طَوَافِهَا (وَلَمْ يُحِلَّ مِنْهَا) بِالْحَلْقِ لِفَسَادِ الطَّوَافِ (فَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِلْحَلْقِ) لِبَقَاءِ إحْرَامِهِ.
(وَيَكُونُ قَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَيَصِيرُ قَارِنًا وَيُجْزِئُهُ الطَّوَافُ لِلْحَجِّ) أَيْ: طَوَاف الْإِفَاضَةِ (عَنْ النُّسُكَيْنِ) أَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَالْقَارِنِ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ قُلْتُ: الَّذِي
يَظْهَرُ: لُزُومُ إعَادَةِ الطَّوَافِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ فِيهِ الطَّهَارَةُ: هُوَ طَوَافُ الْحَجِّ فَلَا يَبْرَأُ بِيَقِينٍ إلَّا بِإِعَادَتِهِ (وَلَوْ قَدَّرْنَاهُ) أَيْ: الطَّوَافَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ (مِنْ الْحَجِّ لَزِمَهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ) لِوُقُوعِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ.
(وَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ السَّعْيِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ مُعْتَدٍّ بِهِ) ؛ لِأَنَّا قَدَّرْنَا كَوْنَهُ وَقَعَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ.
(وَإِنْ كَانَ وَطِئَ بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ الْعُمْرَةِ) وَقَدْ فَرَضْنَا طَوَافَهَا بِلَا طَهَارَةٍ (حَكَمْنَا بِأَنَّهُ أَدْخَلَ حَجًّا عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ) إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا (وَيَلْغُو مَا فَعَلَهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ) لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِهِ.
(وَيَتَحَلَّلُ بِالطَّوَافِ الَّذِي قَصَدَهُ لِلْحَجِّ مِنْ عُمْرَتِهِ الْفَاسِدَةِ وَعَلَيْهِ) دَمَانِ (دَمٌ لِلْحَلْقِ وَدَمٌ لِلْوَطْءِ فِي عُمْرَتِهِ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ) لِفَسَادِ الْعُمْرَةِ بِالْوَطْءِ فِيهَا وَعَدَمِ صِحَّةِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَيْهَا إذَنْ (وَلَوْ قَدَّرْنَاهُ) أَيْ: الطَّوَافَ بِلَا طَهَارَةٍ (مِنْ الْحَجِّ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ إعَادَةِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ) لِلْحَجِّ.
(وَيَحْصُلُ لَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) لِحُصُولِ الْوَطْءِ زَمَنَ الْإِحْلَالِ.
[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَيْئًا]
(فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَيْئًا الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالنِّيَّةُ) كَسَائِرِ الْعِبَادَات (وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ) ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَ (لَا) تُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ (لِطِفْلٍ دُونَ التَّمْيِيزِ) لِعَدَمِ إمْكَانِهَا مِنْهُ.
(وَطَهَارَةُ الْخَبَثِ) وَظَاهِرُهُ: حَتَّى لِلطِّفْلِ (وَتَكْمِيلُ السَّبْع وَجَعْلُ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ، وَالطَّوَافُ بِجَمِيعِهِ) أَيْ: الْبَيْتِ بِأَنْ لَا يَطُوفَ عَلَى جِدَارِ الْحَجَرِ أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ.
(وَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَى الْمَشْيِ (وَأَنْ يُوَالِيَ بَيْنَهُ) إلَّا إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ أَوْ أُقِيمَتْ صَلَاةٌ وَتَقَدَّمَ (وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) يَعْنِي: أَنْ يَطُوفَ فِي الْمَسْجِدِ (وَأَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيُحَاذِيَهُ) بِكُلِّ بَدَنِهِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُوَضَّحًا.
(وَسُنَنُهُ) أَيْ: الطَّوَافِ (عَشْرٌ اسْتِلَامُ الرُّكْنِ) يَعْنِي: بِهِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (وَتَقْبِيلُهُ أَوْ مَا يَقُوم مَقَامَهُ مِنْ الْإِشَارَةِ) عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِلَامِ.
(وَاسْتِلَامُ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالِاضْطِبَاعُ وَالرَّمَلُ وَالْمَشْيُ فِي مَوَاضِعِهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا (وَالدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ وَالدُّنُوُّ مِنْ الْبَيْتِ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ) وَتَقَدَّمَتْ أَدِلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ.
(وَإِذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَأَرَادَ السَّعْيَ سُنَّ عَوْدُهُ إلَى الْحَجَرِ فَيَسْتَلِمُهُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا (ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ)
أَيْ: بَابِ الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بِبَابِ الصَّفَا.
(وَهُوَ) أَيْ: الصَّفَا (طَرْفُ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَعَلَيْهِ دَرَجَ وَفَوْقَهَا أَزَجٌ كَإِيوَانٍ فَيَرْقَى عَلَيْهِ نَدْبًا حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ إنْ أَمْكَنَهُ فَيَسْتَقْبِلَهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إلَى الْبَيْتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو مَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيث جَابِرٍ «فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» لِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ ثَلَاثًا: لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) أَيْ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَالْيَهُودُ.
(وَيَقُولُ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ وَطَوَاعِيَتِكَ وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ) أَيْ: مَحَارِمَكَ (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ وَعِبَادَكَ الصَّالِحِينَ اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إلَيْكَ وَإِلَى مَلَائِكَتِكَ وَإِلَى رُسُلِكَ وَإِلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي الْيُسْرَى وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَة وَالْأُولَى وَاجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ اللَّهُمَّ قُلْتَ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ اللَّهُمَّ إذْ هَدَيْتَنِي لِلْإِسْلَامِ فَلَا تَنْزِعَنِي مِنْهُ وَلَا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي لِلْعَذَابِ وَلَا تُؤَخِّرنِي لِسُوءِ الْفِتَنِ) .
هَذَا دُعَاءُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَحْمَدُ يَدْعُو بِهِ قَالَ نَافِعٌ بَعْدَهُ " وَيَدْعُو دُعَاءً كَثِيرًا حَتَّى إنَّهُ لَيُمِلّنَا وَنَحْنُ شَبَابٌ " (وَلَا يُلَبِّي) عَلَى الصَّفَا لِعَدَمِ وُرُودِهِ وَيَأْتِي حُكْمُ التَّلْبِيَةِ فِي السَّعْيِ (ثُمَّ يَنْزِلُ مِنْ الصَّفَا وَيَمْشِي حَتَّى يُحَاذِيَ الْعَلَمَ وَهُوَ الْمِيلُ الْأَخْضَرُ الْمُعَلَّقُ بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ عَلَى يَسَارِهِ نَحْو سِتَّةِ أَذْرُعٍ) يَعْنِي يَمْشِي مِنْ الصَّفَا حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَلَمِ الْمَذْكُورِ نَحْو سِتَّةِ أَذْرُعٍ (فَيَسْعَى مَاشِيًا سَعْيًا شَدِيدًا نَدْبًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ وَلَا يُؤْذَى حَتَّى يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ وَهُمَا الْعَلَمُ الْآخَرُ أَحَدُهُمَا بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ وَالْآخَرُ بِالْمَوْضِعِ الْمَعْرُوفِ بِدَارِ الْعَبَّاسِ فَيَتْرُكَ شِدَّةَ السَّعْيِ ثُمَّ يَمْشِيَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ وَهِيَ أَنْفُ) جَبَل (قُعَيْقِعَانَ فَيَرْقَاهَا نَدْبًا وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَيَقُولَ عَلَيْهَا مَا قَالَ عَلَى الصَّفَا) لِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ فَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إذَا صَعِدْنَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلِهِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (فَإِنْ لَمْ يَرْقَهُمَا أَلْصَقَ عَقِبَ رِجْلَيْهِ بِأَسْفَلِ الصَّفَا وَ) أَلْصَقَ (أَصَابِعَهُمَا أَسْفَلَ الْمَرْوَةِ) لِيَسْتَوْعِبَ مَا بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ بِدَابَّتِهِ لَكِنْ قَدْ حَصَلَ عُلُوٌّ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْأَتْرِبَةِ وَالْأَمْطَارِ بِحَيْثُ تَغَطَّى مِنْ دَرَجِهِمَا فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ قَدْرَ الْمُغَطَّى يَحْتَاطُ لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِيَقِينٍ (ثُمَّ يَنْقَلِبُ) فَيَنْزِلُ عَنْ الْمَرْوَةِ (إلَى الصَّفَا فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ إلَى الصَّفَا يَفْعَلُ) السَّاعِي (ذَلِكَ سَبْعًا يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً وَ) يَحْتَسِبُ (بِالرُّجُوعِ سَعْيَةً يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ) لِخَبَرِ جَابِرٍ وَسَبَقَ (فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ) لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» .
(وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (وَمِنْهُ) أَيْ: مِنْ الدُّعَاءِ مَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة قَالَ (رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمْ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ) وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وَلَا يُسَنُّ السَّعْيُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) فَهُوَ رُكْنٌ فِيهِمَا كَمَا يَأْتِي فَلَيْسَ السَّعْيُ كَالطَّوَافِ فِي أَنَّهُ يُسَنُّ كُلَّ وَقْتٍ لِعَدَمِ وُرُودِ التَّطَوُّعِ بِهِ مُفْرَدًا (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى طَاهِرًا مِنْ الْحَدَثِ) الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ.
(وَ) مِنْ (النَّجَاسَةِ) فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ (مُسْتَتِرًا) أَيْ: سَاتِرًا لِعَوْرَتِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ سَعَى عُرْيَانًا أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَكَشْفُ الْعَوْرَةِ غَيْرُ جَائِزٍ.
(وَتُشْتَرَطُ) لِلسَّعْيِ (النِّيَّةُ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَالْمُوَالَاةُ) قِيَاسًا عَلَى الطَّوَافِ قَالَهُ الْقَاضِي.
(وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَى) الصَّفَا وَلَا الْمَرْوَةَ (وَلَا تَسْعَى) بَيْنَ الْمِيلَيْنِ سَعْيًا (شَدِيدًا) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَقَالَ " لَا تَصْعَدُ الْمَرْأَةُ فَوْقَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ؛ وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهَا السِّتْرُ وَفِي ذَلِكَ تَعَرُّضٌ لِلِانْكِشَافِ وَالْقَصْدُ بِشِدَّةِ السَّعْيِ: إظْهَارُ الْجَلَدِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَطْلُوبًا فِي حَقِّهَا.
(وَإِنْ سَعَى عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ) بِأَنْ سَعَى مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا (كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ وَأَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ أَشْبَهَ الْوُقُوفَ.
(وَيُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطَّوَاف عَلَيْهِ وَلَوْ) كَانَ الطَّوَافُ الَّذِي تَقَدَّمَ عَلَيْهِ (مَسْنُونًا كَطَوَافِ الْقُدُومِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا سَعَى بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَالَ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» .
(فَإِنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِهِ) الْوَاجِبِ أَوْ الْمَسْنُونِ (ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ طَافَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ لَمْ يُجْزِئْهُ السَّعْيُ) لِبُطْلَانِ الطَّوَافِ الَّذِي تَقَدَّمَهُ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ: لِلسَّاعِي (تَأْخِيرُهُ) أَيْ: السَّعْيِ (عَنْ طَوَافِهِ بِطَوَافٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطُوفَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيَسْعَى آخِرَهُ) أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنْ تُسَنُّ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا.
(وَلَا تُسَنُّ عَقِبَهُ) أَيْ: السَّعْيِ (صَلَاةٌ) لِعَدَمِ الْوُرُودِ.
(وَإِنْ سَعَى) الْمُفْرِدُ أَوْ الْقَارِنُ (مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَمْ يُعِدْهُ) أَيْ: السَّعْيَ (مَعَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ تَكْرَارُهُ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ كَانَ مُتَمَتِّعًا (سَعَى بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِيَأْتِيَ بِرُكْنِ الْحَجِّ.
(فَإِذَا فَرَغَ مِنْ السَّعْيِ فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا بِلَا هَدْيٍ) أَيْ: لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ (حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ وَقَدْ حَلَّ وَلَوْ كَانَ مُلَبِّدًا رَأْسه فَيَسْتَبِيح جَمِيعَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَالْأَفْضَلُ هُنَا: التَّقْصِيرُ لِيَتَوَفَّرَ الْحَلَقُ لِلْحَجِّ وَلَا يُسَنُّ تَأْخِيرُ التَّحَلُّلِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَلَمَّا قَدِمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ قَالَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحْلِلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ تَرَكَ التَّقْصِيرَ وَالْحَلْقَ فَعَلَيْهِ دَمٌ فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ فَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ وَعَلَيْهِ دَمٌ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَإِنْ كَانَ مَعَهُ) أَيْ: الْمُتَمَتِّعِ هَدْيٌ (أَدْخَل الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ) وَيَصِيرُ قَارِنًا وَتَقَدَّمَ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحِلَّ وَلَا) أَنْ (يَحْلِقَ حَتَّى يَحُجَّ فَيُحْرِمَ بِهِ) أَيْ: بِالْحَجِّ (بَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ لِعُمْرَتِهِ كَمَا يَأْتِي) .
(وَيُحِلُّ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (يَوْمَ النَّحْرِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ لِحَدِيثِ حَفْصَةَ قَالَتْ «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحُلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الَّذِي طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ (مُعْتَمِرًا غَيْرَ مُتَمَتِّعٍ فَإِنَّهُ يُحِلُّ) أَيْ: يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَقَدْ حَلَّ (وَلَوْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) سَوَاءٌ كَانَ (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) وَلَمْ يَقْصِدْ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ (أَوْ) كَانَ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَوْ قَصَدَهُ مِنْ عَامِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ سِوَى عُمْرَتِهِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ بَعْضُهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ " وَقِيلَ: كُلُّهُنَّ وَكَانَ يُحِلُّ مِنْهَا وَمَتَى كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَحَيْثُ نَحَرَهُ مِنْ الْحَرَمِ جَازَ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ) الَّذِي طَافَ وَسَعَى (حَاجًّا) مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا (بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ) حَتَّى يَتَحَلَّلَ يَوْمَ النَّحْرِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ مُعْتَمِرًا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «كَانَ يُمْسِكُ عَنْ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ وَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» وَلِشُرُوعِهِ فِي التَّحَلُّلِ كَالْحَاجِّ يَقْطَعُهَا إذَا شَرَعَ فِي رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (وَلَا بَأْسَ بِهَا فِي طَوَافِ الْقُدُومِ) نَصَّ عَلَيْهِ (سِرًّا) وَمَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي يُكْرَهُ أَيْ: الْجَهْرُ بِهَا فِيهِ وَكَذَا السَّعْيُ بَعْدَهُ: يَتَوَجَّهُ أَنَّ حُكْمَهُ كَذَلِكَ وَهُوَ مُرَادُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
[بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
(بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُسْتَحَبُّ لِمُتَمَتِّعٍ حِلٌّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ) وَقُرْبِهَا (الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إلَّا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ» . (وَهُوَ) أَيْ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ (الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ)
قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: اعْلَمْ أَنَّ أَيَّامَ الْمَنَاسِكِ سَبْعَةٌ أَوَّلُهَا: سَابِعُ ذِي الْحِجَّةِ وَآخِرُهَا ثَالِثُ عَشْرِهِ فَالسَّابِعُ ذَكَرَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي بَابِ عَمَلِ الْحَجِّ: أَنَّ اسْمَهُ يَوْمُ الزِّينَةِ أَيْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُزَيِّنُونَ مَحَامِلَهُمْ وَهَوَادِجَهُمْ لِلْخُرُوجِ وَأَمَّا يَوْمُ الثَّامِنِ: فَاسْمُهُ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَرْوِيَتِهِمْ فِيهِ الْمَاءَ وَسُمِّيَ يَوْمَ النَّقْلَةِ لِانْتِقَالِهِمْ فِيهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى وَالتَّاسِعُ: يَوْمُ عَرَفَةَ وَالْعَاشِرُ: يَوْمُ النَّحْرِ وَالْحَادِيَ عَشَرَ يَوْمُ الْقَرِّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ؛ لِأَنَّهُمْ قَارُّونَ فِيهِ بِمِنًى وَالثَّانِي عَشَرَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَالثَّالِثُ عَشَرَ يَوْمُ النَّفْرِ الثَّانِي (إلَّا لِمَنْ) أَيْ: مُتَمَتِّعٍ (لَمْ يَجِد هَدْيًا تَمَتُّعٍ ف) .
يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ (يُحْرِمَ يَوْمَ السَّابِعِ) مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (لِيَكُونَ آخِرُ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ) يَعْنِي أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا فِيهِ فَيُقَدَّمُ الْإِحْرَامُ عَلَيْهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَابِ الْفِدْيَةِ (لِيَكُونَ) صَوْمُ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَيَكُونُ (آخِرُ) تِلْكَ (الثَّلَاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ) فَيَصُومُ السَّابِعَ وَالثَّامِنَ وَالتَّاسِعَ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ إحْرَامِهِ) مِنْ مَكَّةَ أَوْ قُرْبِهَا (مَا يَفْعَلُهُ عِنْدَ إحْرَامِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ مِنْ غُسْلٍ وَغَيْرِهِ) أَيْ: تَنْظِيفٍ وَتَطَيُّبٍ فِي بَدَنِهِ وَتَجَرُّدٍ مِنْ مَخِيطٍ وَلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ وَنَعْلَيْنِ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَطُوفُ أُسْبُوعًا وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ الْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْهِجِ وَالْإِيضَاحِ وَكَانَ عَطَاءٌ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ ثُمَّ يَنْطَلِقُ مُهِلًّا بِالْحَجِّ " (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (الْمَوَاقِيتِ) .
(وَلَا يَطُوفُ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ (لِوَدَاعِ الْبَيْتِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَا أَرَى لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفُوا بَعْدَ أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ وَلَا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعُوا " (فَلَوْ طَافَ وَسَعَى بَعْدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) سَعْيُهُ (عَنْ السَّعْيِ الْوَاجِبِ قَبْلَ خُرُوجِهِ) مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ طَوَافٌ وَاجِبٌ وَلَا مَسْنُونٌ.
(وَلَا يَخْطُبُ يَوْمَ السَّابِعِ بَعْدَ صَلَاةِ الظَّهْرِ بِمَكَّةَ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى مِنًى قَبْلَ الزَّوَالِ فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَبِيتُ بِهَا) أَيْ: بِمِنًى (إلَى أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (الْفَجْرَ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ» .
(وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا) بَلْ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ تَخَلَّفَتْ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ وَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَلَوْ صَادَفَ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَهُوَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَزَالَتْ الشَّمْسُ) وَهُوَ بِمَكَّةَ (فَلَا يَخْرُج قَبْلَ صَلَاتِهَا) أَيْ: الْجُمُعَةِ لِوُجُوبِهَا بِالزَّوَالِ (وَقَبْلَ الزَّوَالِ إنْ شَاءَ خَرَجَ) إلَى مِنًى.
(وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ) بِمَكَّةَ (حَتَّى يُصَلِّيَهَا) أَيْ: الْجُمُعَةَ (فَإِنْ خَرَجَ الْإِمَامُ أَمَرَ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ) الْجُمُعَةَ إنْ اجْتَمَعَ مَعَهُ الْعَدَدُ لِئَلَّا تَفُوتَهُمْ.
(فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ) مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ (سَارَ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ فَأَقَامَ بِنَمِرَةَ نَدْبًا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَنَمِرَةُ مَوْضِعٌ بِعَرَفَةَ) وَقِيلَ بِقُرْبِهَا وَهُوَ خَارِجٌ عَنْهَا (وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ نِصَابٌ) أَيْ: عَلَامَاتُ (الْحَرَمِ عَلَى يَمِينِكَ إذَا خَرَجْتَ مِنْ مَأْزِمِي عَرَفَةَ تُرِيدُ الْمَوْقِفَ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ اُسْتُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَخْطُبَ خُطْبَةً وَاحِدَةً يُقْصِرُهَا) لِقَوْلِ سَالِمٍ لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ يَوْمَ عَرَفَةَ " إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ فَقَصِّرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الصَّلَاةَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ صَدَقَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَيَفْتَتِحَهَا بِالتَّكْبِيرِ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا مَنَاسِكَهُمْ مِنْ الْوُقُوفِ وَوَقْتِهِ وَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ الْحَلْقِ وَالنَّحْرِ (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا إنْ جَازَ لَهُ) الْجَمْعُ كَالْمُسَافِرِ سَفَرَ قَصْرٍ.
(وَتَقَدَّمَ) فِي الْجَمْعِ (بِأَذَانٍ) لِلْأُولَى (وَإِقَامَتَيْنِ) لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةٍ لِقَوْلِ جَابِرٍ «وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَجَازَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إذَا أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقُصْوَى فَرَحَلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا إنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُهُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ
مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فِرَاشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَد أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلَى النَّاسِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّات ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَى الظُّهْرُ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» . (وَإِنْ لَمْ يُؤَذَّنْ) لِلصَّلَاةِ (فَلَا بَأْسَ) أَيْ: لَا كَرَاهَةَ قَالَ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَذَانُ أَوْلَى (وَكَذَا يَجْمَعُ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ الْإِمَامِ (وَلَوْ مُنْفَرِدًا) ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْجَمْعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَحَلِّهِ.
(ثُمَّ يَأْتِي مَوْقِفُ عَرَفَةَ وَيَغْتَسِلُ لَهُ) أَيْ: لِلْوُقُوفِ اسْتِحْبَابًا لِفِعْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَتَقَدَّمَ (وَكُلُّهَا) أَيْ: عَرَفَةَ (مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقِفْ بِعُرَنَةَ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَحَدُّ عَرَفَاتٍ مِنْ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عُرَنَةَ إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ إلَى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ) .
(وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ وَاسْمُهُ الْآلُ عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ وَلَا يُشْرَعُ صُعُودُهُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إجْمَاعًا وَيُقَالُ لِجَبَلِ الرَّحْمَةِ: جَبَلُ الدُّعَاءِ.
(وَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَاكِبًا) لِقَوْلِ جَابِرٍ «ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقُصْوَى إلَى الصَّخْرَاتِ وَجَعَلَ جَبَلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ» (بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ وَالْعِبَادَاتِ ف) إنَّهُ يَفْعَلُهَا (رَاجِلًا) .
وَفِي الِانْتِصَارِ وَمُفْرَدَاتِ أَبِي يَعْلَى الصَّغِيرِ: أَفْضَلِيَّةُ الْمَشْي فِي الْحَجِّ عَلَى الرُّكُوبِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مُثِيرِ الْعَزْمِ السَّاكِنِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْأَخْبَارَ فِي ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُبَّادِ وَأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ حَجَّ خَمْسَ عَشْرَةَ حَجَّةً مَاشِيًا وَذَكَر غَيْرُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَالْجَنَائِبُ تُقَادُ مَعَهُ.
وَقَالَ فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ: فَصْلٌ فِي فَضْلِ الْمَاشِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ
حَسَنَاتِ الْحَرَمِ قِيلَ لَهُ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ قَالَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ» قَالَ وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُصَافِحُ رُكْبَانَ الْحَاجِّ وَتُعَانِقُ الْمُشَاةَ» كَذَا ذَكَرَ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ.
(وَيُكْثِرُ بِعَرَفَةَ مِنْ الدُّعَاءِ وَمِنْ قَوْلِ: لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَآخِرُهُ زَايٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» وَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَرَفَةَ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .
وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ " لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قِيلَ لَهُ: هَذَا ثَنَاءٌ وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ فَقَالَ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ
إذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
وَمَا فِي الْمَتْنِ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ.
وَفِي الْوَجِيزِ: يَدْعُو بِمَا وَرَدَ وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ دَعَا فَقَالَ «اللَّهُمَّ إنَّك تَرَى مَكَانِي وَتَسْمَعُ كَلَامِي وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ وَأَبْتَهِلُ إلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ مَنْ خَشَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ وَذَلَّ لَكَ جَسَدُهُ وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ وَرَغِمَ لَكَ أَنْفُهُ» .
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ " اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّه أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ اللَّهُمَّ اهْدِنِي بِالْهُدَى وَقِنِي بِالتَّقْوَى وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى " وَيَرُدُّ يَدَيْهِ وَيَسْكُتُ قَدْرَ مَا كَانَ إنْسَانٌ قَارِئًا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُولُ
مِثْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى أَفَاضَ.
(وَوَقْتُ الْوُقُوفِ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ) لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ قَالَ «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُزْدَلِفَةِ حِين خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ أَكَلَلْتُ رَاحِلَتِي وَأَتْعَبْت نَفْسِي وَاَللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ كَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ فَكَانَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ كَمَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَتَرْكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوُقُوفَ فِيهِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ كَمَا بَعْدَ الْعِشَاءِ وَإِنَّمَا وَقَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقْتَ الْفَضِيلَةِ.
(وَاخْتَارَ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ) كَأَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ (وَحَكَى إجْمَاعًا) أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ (مِنْ الزَّوَالِ يَوْمِ عَرَفَةَ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ (إلَى طُلُوعِ فَجْرِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ فَقُلْتُ لَهُ أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ» (فَمَنْ حَصَلَ بِعَرَفَةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلَوْ لَحْظَةً وَلَوْ مَارًّا بِهَا أَوْ نَائِمًا أَوْ جَاهِلًا بِهَا) أَيْ: بِأَنَّهَا عَرَفَةُ.
(وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُقُوفِ) بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا مُحْرِمًا بِالْحَجِّ (صَحَّ حَجُّهُ) وَأَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَ حُرًّا بَالِغًا وَإِلَّا فَنَفْلٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» .
وَ (لَا) يَصِحُّ الْوُقُوفُ مِنْ (مَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَسَكْرَانَ) لِعَدَمِ عَقْلِهِ (إلَّا أَنْ يُفِيقُوا وَهُمْ بِهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ) وَكَذَا لَوْ أَفَاقُوا بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْهَا وَعَادُوا فَوَقَفُوا بِهَا فِي الْوَقْتِ.
(وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ) أَيْ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ (فَاتَهُ الْحَجُّ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَابِرٍ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ طَاهِرًا مِنْ الْحَدَثَيْنِ) قُلْتُ وَمِنْ نَجَاسَةٍ بِبَدَنِهِ وَثَوْبِهِ كَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ.
(وَيَصِحُّ وُقُوفُ الْحَائِضِ إجْمَاعًا وَوَقَفَتْ عَائِشَةُ) الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -) وَعَنْ أَبِيهَا وَعَنْ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ (حَائِضًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَتَقَدَّمَ فِي دُخُولِ مَكَّةَ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ) لِلْوُقُوفِ (سِتَارَةٌ وَلَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَلَا نِيَّةٌ) بِخِلَافِ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
(وَيَجِبُ أَنْ يَجْمَعَ فِي الْوُقُوفِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَنْ وَقَفَ نَهَارًا) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ قَوْلِهِ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (فَإِنْ دَفَعَ) مِنْ عَرَفَةَ (قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ لَمْ يَعُدْ قَبْلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا لَا يَفْسُدُ الْحَجُّ بِتَرْكِهِ أَشْبَهَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَإِنْ عَادَ إلَيْهَا لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (وَإِنْ وَافَاهَا) أَيْ: عَرَفَةَ (لَيْلًا فَوَقَفَ بِهَا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ) .
(وَإِنْ خَافَ فَوْتَ وَقْتِ الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ إنْ صَلَّى صَلَاةَ آمِنٍ (صَلَّى صَلَاةَ خَائِفٍ إنْ رَجَا إدْرَاكَهُ) لِمَا فِي فَوْتِ الْحَجِّ مِنْ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ.
(وَوَقْفَةُ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ يَوْمِهَا سَاعَةُ الْإِجَابَةِ) لِلْخَبَرِ (فَإِذَا اجْتَمَعَ فَضْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ كَانَ لَهَا مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ) قِيلَ وَلِهَذَا اشْتَهَرَ وَصْفُ الْحَجِّ بِالْأَكْبَرِ إذَا كَانَتْ الْوَقْفَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ وَلِأَنَّ فِيهَا مُوَافَقَةَ حَجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ وَقْفَةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْحَدِيثَيْنِ الْآتِيَيْنِ.
(قَالَ) ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي الْهَدْي) النَّبَوِيِّ (وَأَمَّا مَا اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامّ مِنْ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ حَجَّةً فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ) لَكِنْ أَخْرَجَ رَزِينٌ مَرْفُوعًا «يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةً فِي غَيْرِ يَوْمِ جُمُعَةٍ» ذَكَرَهُ ابْنُ جَمَاعَةٍ فِي مَنَاسِكِهِ وَالْكَازَرُونِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمَعْرُوفُ بِالْأَخَوَيْنِ وَالشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الزِّيَادِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ وَحَدِيثُ «إذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفَ» قَدْ يُسْتَشْكَلُ بِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ فِي مُطْلَقِ الْحَجِّ وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى مَغْفِرَتِهِ لَهُمْ بِلَا وَاسِطَةٍ وَحَمْلُ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ يَهَبُ قَوْمًا لِقَوْمٍ ذَكَرَهُ الْكَازَرُونِيُّ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ جَمَاعَةٍ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ أَبِيهِ.
[فَصْلٌ يَدْفَعُ الْمُحْرِم بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ عَرَفَةَ بِسَكِينَةٍ]
(فَصْلٌ ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ) مِنْ عَرَفَةَ (بِسَكِينَةٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ غَدَاةَ جَمَعَ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ.
(قَالَ أَبُو حَكِيمٍ) إبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ النَّهْرَوَانِيُّ: وَيَكُونُ (مُسْتَغْفِرًا) حَالَ دَفْعِهِ مِنْ عَرَفَةَ (إلَى مُزْدَلِفَةَ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ الزَّلَفِ وَهُوَ التَّقَرُّبُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ إذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ازْدَلَفُوا إلَيْهَا أَيْ: تَقَرَّبُوا وَمَضَوْا إلَيْهَا وَتُسَمَّى أَيْضًا: جَمْعًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا (عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَكَهَا وَهُمَا جَبَلَانِ صَغِيرَانِ (مَعَ إمَامٍ وَنَائِبِهِ وَهُوَ أَمِيرُ الْحَاجِّ فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَهُ كُرِهَ) لِقَوْلِ أَحْمَدَ مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ.
(وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) فِي الدَّفْعِ قَبْلَ الْإِمَامِ (يُسْرِعُ فِي الْفَجْوَةِ) لِقَوْلِ أُسَامَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْعَنَقُ انْبِسَاطُ السَّيْرِ وَالنَّصِّ: فَوْقَهُ.
(وَيُلَبِّي فِي الطَّرِيقِ) لِقَوْلِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى) ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ السَّعْيِ إلَى شَعَائِرِهِ.
(فَإِذَا وَصَلَهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعًا) إنْ كَانَ مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ الْجَمْعُ (قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ بِإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ بِلَا أَذَانٍ) هَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ آخِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ رِوَايَةُ أُسَامَةَ وَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ رَدِيفَهُ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْأُولَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَذَانِ وَلِقَوْلِ جَابِرٍ «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ» . (وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى فَقَطْ) أَيْ: وَلَمْ يُقِمْ لِلثَّانِيَةِ (فَحَسَنٌ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» لَكِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُقِيمَ لَهَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَتَطَوَّعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ لِقَوْلِ أُسَامَةَ وَابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا» لَكِنْ لَمْ يَبْطُلْ جَمْعُ التَّأْخِيرِ بِالتَّطَوُّعِ بَيْنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِخِلَافِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَمْعِ (فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْهُ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ صَلَاتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَفِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْمُولٌ عَلَى الْأَفْضَلِ.
(وَإِنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ بِهَا) أَيْ: بِمُزْدَلِفَةَ (أَوْ بِعَرَفَةَ جَمَعَ وَحْدَهُ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ (ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيُصَلِّيَ الْفَجْرَ) لِقَوْلِ جَابِرٍ ثُمَّ «اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ» .