صفحات 198-237
لِلضَّرُورَةِ (فَإِنْ بَادَرَ صَاحِبُ الطَّعَامِ فَبَاعَهُ أَوْ رَهَنَهُ) وَنَحْوَهُ (قَبْلَ الطَّلَبِ صَحَّ) تَصَرُّفُهُ لِأَنَّهُ مَالِكٌ تَامُّ الْمِلْكِ كَالشَّفِيعِ قَبْلَ الطَّلَبِ (وَيَسْتَحِقُّ) الْمُضْطَرُّ (أَخْذَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُشْتَرِي) كَالْمَالِكِ الْأَوَّلِ.
(وَ) إنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ (بَعْدَ الطَّلَبِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْأَظْهَرِ قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ) قَالَ: كَمَا لَوْ طَالَبَ الشَّفِيعُ قَالَ: وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الشَّفِيعَ حَقُّهُ مُنْحَصِرٌ فِي عَيْنِ الشِّقْصِ وَهَذَا حَقُّهُ فِي سَدِّ الرَّمَقِ وَلِهَذَا كَانَ إطْعَامُهُ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ فَإِذَا نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِذَلِكَ الْغَيْرِ وَوَجَبَ الْبَذْلُ عَلَيْهِ انْتَهَى وَلِهَذَا أَطْلَقَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: أَنَّهُ يَصِحُّ.
(وَلَوْ بَذَلَهُ) أَيْ الطَّعَامَ رَبُّهُ لِلْمُضْطَرِّ (بِثَمَنٍ مِثْلِهِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَلَوْ كَانَ مُعْسَرًا) وَيُعْطِيهِ ثَمَنَهُ إذَا أَيْسَرَ.
(وَلَوْ امْتَنَعَ الْمَالِكُ) لِطَعَامٍ (مِنْ الْبَيْعِ) لِلْمُضْطَرِّ (إلَّا بِعَقْدِ رِبَا جَازَ) لِلْمُضْطَرِّ (أَخْذُهُ مِنْهُ قَهْرًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ جَمَاعَةٍ) لِإِطْلَاقِهِمْ تَحْرِيمُ الرِّبَا (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْمُضْطَرُّ (عَلَى قَهْرِهِ دَخَلَ) مَعَهُ (فِي الْعَقْدِ) صُورَةً كَرَاهِيَةَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنهمَا دَمٌ (وَعَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يُتِمَّ عَقْدُ الرِّبَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] (فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ) الَّذِي فِيهِ الرِّبَا (نَسَاءً عَزَمَ) الْمُضْطَرُّ (عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ الثَّابِتَ فِي الذِّمَّةِ قَرْضٌ) تَخَلُّصًا مِنْ إتْمَامِ الرِّبَا.
(وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقِيلَ إنَّ لَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ (أَنْ يُظْهِرَ صُورَةَ الرِّبَا وَلَا يُقَاتِلُهُ) لِئَلَّا يَجْرِيَ بَيْنهمَا دَمٌ (وَيَكُونَ) الْمُضْطَرُّ (كَالْمُكْرَهِ) عَلَى مُحَرَّمٍ لِدُعَاءِ ضَرُورَتِهِ إلَيْهِ، وَلَا يَأْثَمُ (فَيُعْطِيهِ مِنْ عَقْدِ الرِّبَا صُورَتَهُ لَا حَقِيقَتَهُ لَكَانَ أَقْوَى) تَخَلُّصًا مِنْ الْقِتَالِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إلَى قَتْلِ أَحَدِهِمَا.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُضْطَرُّ (إلَّا آدَمِيًّا مَحْقُونَ الدَّمِ لَمْ يُبَحْ قَتْلُهُ وَلَا إتْلَافُ عُضْوٍ مِنْهُ مُسْلِمًا كَانَ) الْمَحْقُونُ (أَوْ كَافِرًا) ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا لِأَنَّ الْمَعْصُومُ الْحَيَّ مِثْلُ الْمُضْطَرِّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إبْقَاءُ نَفْسِهِ بِإِتْلَافِ مِثْلِهِ (وَإِنْ كَانَ) الْآدَمِيُّ (مُبَاحَ الدَّمِ كَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ) وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ (حَلَّ قَتْلُهُ وَأَكْلُهُ) لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السِّبَاعِ (وَكَذَا) لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُهُ (بَعْد مَوْتِهِ) لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ.
(وَإِنْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ آدَمِيًّا (مَعْصُومًا مَيِّتًا لَمْ يُبَحْ أَكْلُهُ) لِأَنَّهُ كَالْحَيِّ فِي الْحُرْمَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» .
(وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى نَفْعِ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) أَيْ الْمَالِ (لِدَفْعِ بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ) ل (اسْتِقَاءِ مَاءٍ وَنَحْوِهِ) كَالْمِقْدَحَةِ (وَجَبَ) عَلَى رَبِّهِ (بَذْلُهُ) لِلْمُضْطَرِّ إلَيْهِ (مَجَّانًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ عَلَى مَنْعِهِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِذَا اشْتَدَّتْ الْمَخْمَصَةُ فِي سَنَةِ مَجَاعَةٍ وَأَصَابَتْ الضَّرُورَةُ خَلْقًا كَثِيرًا وَكَانَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةُ عِيَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّينَ وَلَيْسَ لَهُمْ) أَيْ الْمُضْطَرِّينَ (أَخْذُهُ مِنْهُ) لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (وَإِنْ لَمْ يَبْقَ دِرْهَمٌ مُبَاحٌ أَكَلَ عَادَتَهُ لَا مَا لَهُ عَنْهُ غِنًى كَحَلْوَى وَفَاكِهَةٍ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ) وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ فِي الْغَصْبِ (وَتَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ) .
(وَالتِّرْيَاقِ) قَدْ تُبَدَّلُ تَاؤُهُ دَالًا أَوْ طَاءً (الَّذِي فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحَيَّاتِ أَوْ) فِيهِ شَيْءٌ (مِنْ الْخَمْرِ مُحَرَّمٌ) لِأَنَّ الْحَيَّةَ وَالْخَمْرَ مُحَرَّمَاتٌ بِخِلَافِ التِّرْيَاقِ الْخَالِي مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يُبَاحُ.
(وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ أَوْ) بِشَيْءٍ (فِيهِ مُحَرَّمٌ كَأَلْبَانِ الْأُتُنِ وَلَحْمِ شَيْءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَا بِشُرْبِ مُسْكِرٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ وَتَقَدَّمَ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِبَوْلِ إبِلٍ انْتَهَى.
[فَصْلُ مَنْ مَرَّ بِثَمَرٍ عَلَى شَجَرٍ]
ٍ) بِبُسْتَانٍ (أَوْ) مَرَّ بِثَمَرٍ (سَاقِطٍ تَحْتَهُ) أَيْ الشَّجَرِ (لَا حَائِطَ عَلَيْهِ) أَيْ الشَّجَرِ (وَلَا نَاظِرَ) أَيْ حَافِظَ (وَلَوْ) كَانَ الْمَارُّ بِهِ (غَيْرَ مُسَافِرٍ وَلَا مُضْطَرٍّ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَجَّانًا وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) إلَى أَكْلِهِ (وَلَوْ) أَكَلَهُ (مِنْ غُصُونِهِ مِنْ غَيْرِ رَمْيِهِ بِشَيْءٍ وَلَا ضَرْبِهِ وَلَا صُعُودِ شَجَرَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَتَيْتَ حَائِطَ بُسْتَانٍ فَنَادِ يَا صَاحِبَ الْبُسْتَانِ فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلَّا فَكُلْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وَفَعَلَهُ أَنَسٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ وَأَبُو بَرْزَةَ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ رَمْيُهُ بِشَيْءٍ وَلَا ضَرْبُهُ بِهِ وَلَا صُعُودُ شَجَرٍ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ (وَاسْتَحَبَّ جُمْلَةٌ) .
مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ (أَنْ يُنَادِيَ) الْمَارُّ (قَبْلَ الْأَكْلِ ثَلَاثًا يَا صَاحِبَ
الْبُسْتَانِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا أَكَلَ لِلْخَبَرِ) السَّابِقِ (وَكَذَا يُنَادِي لِلْمَاشِيَةِ) إذَا أَرَادَ الشُّرْبَ مِنْ لَبَنِهَا.
(وَنَحْوِهَا) كَزَرْعٍ قَائِمٍ قِيَاسًا عَلَى الثَّمَرَةِ (وَلَا يَحْمِلُ) مِنْ الثَّمَرَةِ إذَا مَرَّ بِهَا وَلَوْ بِلَا حَائِطٍ وَلَا نَاطُورٍ لِقَوْلِ عُمَرَ: " يَأْكُلُ وَلَا يَتَّخِذُ خُبْنَةً " وَهِيَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَحْمِلُهُ فِي حِضْنِهِ (وَلَا يَأْكُلُ مِنْ) ثَمَرٍ (مَجْمُوعٍ) وَ (مَجْنِيٍّ) لِإِحْرَازِهِ (وَلَا) يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِ (مَا وَرَاءَ حَائِطٍ) أَوْ عَلَيْهِ نَاطُورٌ لِأَنَّ إحْرَازَهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى شُحِّ صَاحِبِهِ.
(إلَّا لِضَرُورَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا فَيَأْكُلُ لِلضَّرُورَةِ (مُلْتَزِمًا عِوَضَهُ) لِرَبِّهِ كَغَيْرِ الثَّمَرِ (وَكَثَمَرِ زَرْعٍ قَائِمٍ كَبُرٍّ يُؤْكَلُ فَرِيكًا عَادَةً) لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَكْلِهِ رَطْبًا أَشْبَهَ الثَّمَرَ (وَبَاقِلَّا وَحِمَّص أَخْضَرَيْنِ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا عَادَةً) لِمَا سَبَقَ.
(وَلَبَنَ مَاشِيَةٍ إذَا لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا فَهِيَ كَالثَّمَرَةِ) لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَقَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ أَوْ حَافِظٌ جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ (بِخِلَافِ شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ رَطْبًا فَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ شَرْعًا وَعَادَةً.
(وَالْأَوْلَى فِي الثِّمَارِ وَغَيْرِهَا) كَالزَّرْعِ وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ (أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهَا إلَّا بِإِذْنٍ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ جُبْنِ الْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلَوْ كَانَتْ إِنْفَحَتُهُ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ وَكَذَا الدُّرُوزُ وَالتَّبَّانِيَّةُ وَالنُّصَيْرِيَّةُ) جِيلٌ مِنْ النَّاسِ يَتَزَوَّجُونَ مَحَارِمَهُمْ وَيَفْعَلُونَ كَثِيرًا مِنْ الْبِدَعِ، سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْجُبْنِ فَقَالَ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَقِيلَ لَهُ عَنْ الْجُبْنِ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ فَقَالَ: مَا أَدْرِي وَذَكَرَ أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجُبْنِ وَقِيلَ لَهُ يُعْمَلُ فِيهِ أَنَفْحَةُ الْمَيْتَةِ قَالَ: سَمُّوا اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا ".
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْجَوْزَ وَالْبَيْضَ الَّذِي اُكْتُسِبَ مِنْ الْقِمَارِ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ) فَلَا يَمْلِكُونَهُ وَكَذَا كُلُّ مَا أُخِذَ بِالْقِمَارِ.
[فَصْلٌ أَوَّلُ مَنْ أَضَافَ الضَّيْفَ إبْرَاهِيمُ]
ُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَ (يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُسَافِرِ الْمُجْتَازِ إذَا نَزَلَ بِهِ فِي الْقُرَى) لِمَا رَوَى الْمِقْدَادُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ
أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد: «فَإِنْ لَمْ يُقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ: «فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلَهُمْ حَقُّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَ (لَا) تَجِبُ الضِّيَافَةُ فِي (الْأَمْصَارِ) لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهَا السُّوقُ وَالْمَسَاجِدُ فَلَا يَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إلَى الضِّيَافَةِ بِخِلَافِ الْقُرَى فَإِنَّهُ يَبْعُدُ فِيهَا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فَوَجَبَتْ ضِيَافَةُ الْمُجْتَازِ إذَا نَزَلَ بِهَا وَإِيوَاؤُهُ لِوُجُوبِ حِفْظِ النَّاسِ (مَجَّانًا) فَلَا يَلْزَمُ الضَّيْفَ عِوَضُ الضِّيَافَةِ (يَوْمًا وَلَيْلَةً) لِمَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ مَرْفُوعًا قَالَ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالضِّيَافَةُ (قَدْرُ كِفَايَتِهِ مَعَ أُدُمٍ وَفِي الْوَاضِحِ لِفَرَسِهِ تِبْنٌ لَا شَعِيرٌ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ وَجْهُ كَأُدُمِهِ وَأَوْجَبَ شَيْخُنَا الْمَعْرُوفَ عَادَةً قَالَ كَزَوْجَةٍ وَقَرِيبٍ وَرَقِيقٍ.
(وَلَا تَجِبُ) الضِّيَافَةُ (لِلذِّمِّيِّ إذَا اجْتَازَ بِالْمُسْلِمِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِي الْمُسْلِمَ فِي وُجُوبِ الْإِكْرَامِ.
(فَإِنْ أَبَى) الْمَنْزُولُ بِهِ ضِيَافَةَ الْمُسْلِمِ (فَلِلضَّيْفِ طَلَبُهُ بِهِ) أَيْ بِنَحْوِ ضِيَافَتِهِ (عِنْد حَاكِمٍ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ كَالزَّوْجَةِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى الضَّيْفِ أَنْ يُحَاكِمَهُ (جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ ضِيَافَتِهِ) الْوَاجِبَةِ (بِغَيْرِ إذْنِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَتُسَنُّ ضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ (وَالْمُرَادُ يَوْمَانِ مَعَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَهُوَ صَدَقَةٌ) لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ يَرْفَعُهُ قَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ قَالُوا وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ، يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُؤْثِمَهُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْف يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَقْرِيهِ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إنْزَالُهُ) أَيْ الضَّيْفُ (فِي بَيْتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ) الضَّيْفُ (مَسْجِدًا أَوْ رِبَاطًا وَنَحْوَهُمَا يَبِيتُ فِيهِ وَلَا يَخَافُ مِنْهُ) ضَرَرًا فَيَلْزَمُهُ إنْزَالُهُ فِي بَيْتِهِ لِلضَّرُورَةِ (وَمَنْ قَدَّمَ لِضِيفَانِهِ طَعَامًا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ قَسْمُهُ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ) لَا تَمْلِيكٌ.
(وَيَجُوزُ لِلضَّيْفِ الشُّرْبُ مِنْ كُوزِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَى وِسَادَةٍ) مَوْضُوعَةٍ لِذَلِكَ (وَقَضَاءُ حَاجَةٍ فِي مِرْحَاضِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ بِاللَّفْظِ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا (كَطَرْقِ بَابِهِ عَلَيْهِ وَطَرْقِ حَلْقَتِهِ) أَيْ الْبَابِ.
(قَالَ الشَّيْخُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَمَذْمُومٌ مُبْتَدِعٌ وَمَا نُقِلَ عَنْ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْبِطِّيخِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِكَيْفِيَّةِ أَكْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ كَذِبٌ) ذَكَرَهُ
الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَفِي عُمْدَةِ الصَّفْوَةِ فِي حِلِّ الْقَهْوَةِ لِشَيْخِ شَيْخِنَا الْجَزِيرِيِّ نَقْلًا عَنْ تَارِيخِ الْمَقْرِيزِيِّ الْمُسَمَّى بِالْمُقَفَّى: أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى بْنِ سِرَاجٍ النَّاسِخَ وَكَانَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِهِ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُؤْكَلُ الْبِطِّيخُ فَقَطَعَ شِقَّةً وَأَكَلَهَا مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ إلَى نِصْفِهَا ثُمَّ حَوَّلَهَا إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ وَأَكَلَهَا حَتَّى فَرَغَتْ وَقَالَ: هَكَذَا يُؤْكَلُ الْبِطِّيخُ انْتَهَى وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ رُؤْيَا الْمَنَامِ لَا تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ وَلَكِنَّهُ اسْتِئْنَاسٌ.
[بَابُ الذَّكَاةِ]
ِ قَالَ الزَّجَّاجُ الذَّكَاةُ تَمَامُ الشَّيْءِ وَمِنْهُ الذَّكَاةُ فِي السِّنِّ وَهُوَ تَمَامُ السِّنِّ وَسُمِّيَ الذَّبْحُ ذَكَاةً لِأَنَّهُ إتْمَامُ الزُّهُوقِ وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] أَيْ أَدْرَكْتُمُوهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ فَأَتْمَمْتُمُوهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الذَّبْحِ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ جُرْحٍ سَابِقٍ أَوْ ابْتِدَاءً يُقَال: ذَكَّى الشَّاةَ وَنَحْوَهَا تَذْكِيَةً أَيْ ذَبَحَهَا وَالِاسْمُ الذَّكَاةُ فَالْمَذْبُوحُ ذَكِيٌّ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
(وَهِيَ) أَيْ الذَّكَاةُ شَرْعًا (ذَبْحُ) مَقْدُورٍ عَلَيْهِ (أَوْ نَحْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مُبَاحٌ أَكْلُهُ مِنْ حَيَوَانٍ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لَا جَرَادَ وَنَحْوَهُ) كَالْجُنْدُبِ وَالدَّبَا بِوَزْنِ عَصَا الْجَرَادُ يَتَحَرَّكُ قَبْلَ أَنْ تَثْبُتَ أَجْنِحَتُهُ (بِقَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ) وَيَأْتِي بَيَانُهُمَا (أَوْ عَقْرٍ إذَا تَعَذَّرَ) قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ (فَلَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَنْعَامِ وَالطَّيْرِ إلَّا بِالذَّكَاةِ إنْ كَانَ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَهِيَ مَا زَهَقَتْ نَفْسُهُ بِسَبَبٍ غَيْرِ مُبَاحٍ أَوْ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَمَا لَمْ يُذَكَّ فَهُوَ مَيْتَةٌ فَيَحْرُمُ لِذَلِكَ (إلَّا الْجَرَادُ وَشِبْهُهُ) كَالْجُنْدُبِ فَيَحِلُّ.
(وَلَوْ مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ كَبْسٍ وَتَغْرِيقٍ فَأَمَّا السَّمَكُ وَشِبْهُهُ) مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ (مِمَّا لَا يَعِيش إلَّا فِي الْمَاءِ فَيُبَاحُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ سَوَاءٌ صَادَهُ إنْسَانٌ أَوْ نَبَذَهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ الْمَاءُ عَنْهُ) (أَوْ حُبِسَ فِي الْمَاءِ بِحَظِيرَةٍ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ ذَكَّاهُ أَوْ عَقَرَهُ فِي الْمَاءِ أَوْ خَارِجِهِ أَوْ طَفَا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَاءِ لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ.
(وَمَا كَانَ مَأْوَاهُ الْبَحْرَ وَهُوَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ كَكَلْبِ الْمَاءِ وَطَيْرِهِ وَسُلَحْفَاةٍ وَسَرَطَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُبَحْ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْهُ إلَّا بِالتَّذْكِيَةِ) لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ أُلْحِقَ بِحَيَوَانِ الْبَرِّ احْتِيَاطًا قَالَ أَحْمَدُ كَلْبُ الْمَاءِ نَذْبَحُهُ وَلَا أَرَى بِالسُّلَحْفَاةِ بَأْسًا إذَا ذُبِحَ أَمَّا السُّلَحْفَاةُ الْبَرِّيَّةُ فَنَقَلَ الدَّمِيرِيُّ عَنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَّحَ التَّحْرِيمَ لِأَنَّهَا خَبِيثَةٌ لِأَنَّهَا تَأْكُلُ الْحَيَّاتِ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ قَالَ: بِحِلِّهَا بَرِّيَّةً كَانَتْ أَوْ بَحْرِيَّةً.
(وَذَكَاةُ السَّرَطَانِ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مَا يَمُوتُ بِهِ) بِأَنْ يُعْقَرَ فِي أَيْ مَوْضِعٍ كَانَ كَمُلْتَوَى عُنُقِهِ.
(وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ شَيَّ السَّمَكِ الْحَيِّ) لِأَنَّ لَهُ دَمًا وَلَا حَاجَةَ إلَى إلْقَائِهِ فِي النَّارِ لِإِمْكَانِ تَرْكِهِ حَتَّى يَمُوتَ بِسُرْعَةٍ وَلَمْ يَكْرَهْ أَكْلَ السَّمَكِ إذَا أُلْقِيَ فِي النَّارِ إنَّمَا كَرِهَ تَعْذِيبَهُ (لَا) شَيَّ (جَرَادٍ) حَيٍّ لِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ وَلَا يَمُوتُ فِي الْحَالِ بَلْ يَبْقَى مُدَّةً.
وَفِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ " أَنَّ كَعْبًا كَانَ مُحْرِمًا فَمَرَّتْ بِهِ رِجْلُ جَرَادٍ فَنَسِيَ وَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ فَأَلْقَاهُمَا فِي النَّارِ وَشَوَاهُمَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ تَرْكَهُمَا فِي النَّارِ ".
(وَيَحْرُمُ بَلْعُ السَّمَكِ حَيًّا) ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إجْمَاعًا وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ يُكْرَهُ.
(وَيَجُوزُ أَكْلُ الْجَرَادِ بِمَا فِيهِ وَ) أَكْلُ (السَّمَكِ بِمَا فِيهِ بِأَنْ يُقْلَى) الْجَرَادُ أَوْ السَّمَكُ (أَوْ يُشْوَى وَيُؤْكَلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَقَّ جَوْفُهُ) وَيُخْرَجَ مَا فِيهِ لِعُمُومِ النَّصِّ فِي إبَاحَتِهِ وَكَدُودِ الْفَاكِهَةِ تَبَعًا.
[فَصْلٌ مَا يُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ ذَبْحًا كَانَتْ أَوْ نَحْرًا]
فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ ذَبْحًا كَانَتْ أَوْ نَحْرًا شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ (أَحَدُهَا أَهْلِيَّةُ الذَّابِحِ) وَالنَّاحِرِ أَوْ الْعَاقِرِ (وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا قَاصِدًا التَّذْكِيَةَ) لِأَنَّ التَّذْكِيَةَ أَمْرٌ يُعْتَبَرُ لَهُ الدِّينُ فَيُعْتَبَرُ لَهُ الْعَقْلُ كَالْغُسْلِ فَتَصِحُّ ذَكَاةُ الْعَاقِلِ (وَلَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا) عَلَى ذَبْحِ مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ لِأَنَّ لَهُ قَصْدًا
صَحِيحًا (أَوْ أَقْلَفَ وَتُكْرَهُ ذَبِيحَتُهُ) نَقَلَ حَنْبَلُ عَنْ الْأَقْلَفِ لَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا حَجَّ هِيَ مِنْ تَمَامِ الْإِسْلَامِ وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ لَا بَأْسَ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْأَقْلَفِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالصَّحِيحُ إبَاحَتُهُ فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمُسْلِمِينَ.
(فَلَوْ وَقَعَتْ الْحَدِيدَةُ عَلَى حَلْقِ شَاةٍ فَذَبَحَتْهَا) لَمْ تُبَحْ (أَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا بِسَيْفٍ فَقَطَعَ عُنُقَ شَاةٍ لَمْ تُبَحْ) الشَّاةُ لِعَدَمِ قَصْدِ التَّذْكِيَةِ.
(وَلَا تُعْتَبَرُ) لِصِحَّةِ الذَّكَاةِ (إرَادَةُ الْأَكْلِ) اكْتِفَاءً بِإِرَادَةِ التَّذْكِيَةِ (مُسْلِمًا كَانَ الذَّابِحُ أَوْ كِتَابِيًّا وَلَوْ حَرْبِيًّا أَوْ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ.
وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ لَا تَأْكُلُوا مِنْ الذَّبَائِحِ إلَّا مَا ذَبَحَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ (ذَكَرًا) كَانَ الذَّابِحُ (أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ عَبْدًا) وَلَوْ آبِقًا (وَلَوْ جُنُبًا وَحَائِضًا وَنُفَسَاءَ وَأَعْمَى عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَعَدَمِ الْمُخَصِّصِ (وَالْمُسْلِمُ بِالذَّبْحِ أَوْلَى مِنْ الْكِتَابِيِّ) لِكَمَالِهِ وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ.
(وَلَا تُبَاحُ ذَبِيحَةُ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كَافِرٌ غَيْرَ كِتَابِيٍّ) كَوَلَدِ مَجُوسِيَّةٍ مِنْ كِتَابِيٍّ فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ (وَلَا) يُبَاحُ (صَيْدُهُ غَيْرُ سَمَكٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ وَالْجَرَادِ وَنَحْوِهِ لِحِلِّ مَيْتَتِهِ.
(وَلَا ذَكَاةُ مَجْنُونٍ وَسَكْرَانٍ وَطِفْلٍ غَيْرِ مُمَيِّزٍ) لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُمْ (وَتُبَاحُ) الذَّكَاةُ (مِنْ مُمَيِّزٍ وَلَوْ دُونَ عَشْرِ) سِنِينَ لِأَنَّ لَهُ قَصْدًا صَحِيحًا أَشْبَهَ الْبَالِغَ.
(وَلَا) تُبَاحُ (ذَكَاةُ مُرْتَدٍّ وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا مَجُوسِيٍّ وَلَا وَثَنِيٍّ وَلَا زِنْدِيقٍ وَكَذَا الدُّرُوزُ وَالتَّيَامِنَةُ وَالنُّصَيْرِيَّةُ بِالشَّامِّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] فَمَفْهُومُهُ تَحْرِيمُ طَعَامِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةُ لِأَنَّ شِبْه الْكِتَابِ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لِدِمَائِهِمْ فَلَمَّا غُلِّبَ التَّحْرِيمُ فِي دِمَائِهِمْ وَجَبَ أَنْ يُغَلَّبَ عَدَمُ الْكِتَابِ فِي تَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ احْتِيَاطًا لِلتَّحْرِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (وَيُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ) أَيْ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمَجُوس وَالْوَثَنِيِّ وَالزِّنْدِيقِ وَالدُّرُوزِ وَالتَّيَامِنَةُ وَالنُّصَيْرِيَّةُ (غَيْرُ اللَّحْمِ وَالدَّسْمِ) أَيْ الشَّحْمِ وَالْكَوَارِعِ وَالرُّءُوسِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الذَّبِيحَةِ لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ وَكُلُّ أَجْزَائِهَا مَيْتَةٌ.
(فَلَوْ ذَبَحَ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ) كَالْمَجُوسِيِّ (حَيَوَانًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ضَمِنَهُ حَيًّا) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ (وَ) إنْ كَانَ ذَبْحُهُ لِلْحَيَوَانِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ إذْنِ مَالِكِهِ (لَا يَضْمَنُ) لِإِذْنِ رَبِّهِ فِي إتْلَافِهِ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: الْآلَةُ وَهُوَ) أَيْ الذَّبْحُ بِآلَةٍ (أَنْ يَذْبَحَ بِآلَةٍ مُحَدَّدَةٍ تَقْطَعُ أَوْ تَخْرِقُ بِحَدِّهَا لَا) إنْ قَطَعَتْ
أَوْ خَرَقَتْ (بِثِقَلِهَا مِنْ حَدِيدٍ كَانَتْ) الْآلَةُ (أَوْ) مِنْ (حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ عَظْمٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا السِّنُّ وَالظُّفْرُ) فَلَا يَصِحُّ الذَّكَاةُ بِهِمَا (مُتَّصِلَيْنِ أَوْ مُنْفَصِلَيْنِ) لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِ فَأَمَرَ مَنْ يَسْأَلُهُ وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَفِيهِ مِنْ الْفَوَائِدِ إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالْأَمَةِ وَالْحَائِضِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ وَالذَّبْحُ بِالْحَجَرِ وَذَبْحُ مَا خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَحِلُّ مَا يَذْبَحُهُ غَيْرُ مَالِكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْغَيْرِ عِنْدِ الْخَوْفِ عَلَيْهَا.
(فَإِنْ ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ) بِآلَةٍ مِنْ (ذَهَبٍ وَنَحْوِهَا) كَفِضَّةٍ (حَلَّ) الْمَذْبُوحُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إنْهَارُ الدَّمِ وَقَدْ وُجِدَ (وَيُبَاحُ الْمَغْصُوبُ لِرَبِّهِ وَلِغَيْرِهِ إذَا ذَبَحَهُ غَاصِبُهُ أَوْ غَيْرُهُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ أَنْ يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ قَالَ الشَّيْخُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَطْعُ فَوْقَ الْغَلْصَمَةِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْفَانِي مِنْ الْحَلْقِ أَوْ) كَانَ الْقَطْعَ (دُونَهَا) أَيْ الْغَلْصَمَةِ (وَأَنْ يَقْطَعَ الْمَرِيءَ وَهُوَ الْبُلْعُومُ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) قَالَ وَالنَّحْرُ فِي اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ لِمَنْ قَدَرَ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَرَوَى سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزِيدَ بْنَ وَرْقَاءَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى أَلَا إنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (فَإِنْ أَبَانَهُمَا) أَيْ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ (كَانَ أَكْمَلُ) لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُبِنْهُمَا (صَحَّ) الذَّبْحُ وَحَلَّ الْمَذْبُوحُ قَوَّاهُ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ) لِأَنَّهُ قَطْعٌ فِي مَحَلِّ الذَّبْحِ مَا لَا يَبْقَى الْحَيَوَانُ مَعَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ الْأَرْبَعَةَ (وَالْأَوْلَى قَطْعُهُمَا) أَيْ الْوَدَجَيْنِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " إذَا أُهْرِيقَ الدَّمُ وَقُطِعَ الْوَدَجُ فَكُلْ " (وَلَا يَضُرُّهُ رَفْعُ يَدِهِ) قَبْلَ الْإِتْمَامِ.
(إذَا أَتَمَّ الذَّكَاةَ عَلَى الْفَوْرِ) وَاعْتُبِرَ فِي التَّرْغِيبِ قَطْعًا تَامًّا فَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْحُلْقُومِ جِلْدُهُ وَلَمْ يَنْفُذْ الْقَطْعُ وَانْتَهَى الْحَيَوَانُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ثُمَّ قَطَعَ الْجِلْدَ لَمْ يَحِلَّ (وَمَحَلُّ الذَّكَاةِ الْحَلْقُ وَاللَّبَّةُ وَهِيَ الْوَهْدَةُ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَيَذْبَحُ فِي الْحَلْقِ وَيَنْحَرُ فِي اللَّبَّةِ) وَاخْتَصَّ الذَّبْحُ بِالْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْعُرُوقِ فَيَخْرُجُ بِالذَّبْحِ فِيهِ الدِّمَاءُ السَّيَّالَةُ وَيُسْرِعُ زُهُوقُ الرُّوحِ فَيَكُونُ أَطْيَبَ اللَّحْمِ وَأَخَفَّ عَلَى الْحَيَوَانِ.
(وَيُسَنّ أَنْ يَنْحَرَ الْبَعِيرُ
وَيَذْبَحُ مَا سِوَاهُ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ الْبُدْنَ وَذَبَحَ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ بِيَدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ ذَبَحَ الْبَعِيرَ وَنَحَرَ غَيْرَهُ (أَجْزَأَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْهِرْ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ» وَقَالَتْ أَسْمَاءُ «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ» وَعَنْ عَائِشَةَ «نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً» (وَالنَّحْرُ أَنْ يَطْعَنَهُ بِمُحَدِّدٍ فِي لَبَّتِهِ) وَتَقَدَّمَتْ.
(فَإِنْ عَجَزَ) الْمُذَكِّي (عَنْ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مِثْل أَنْ يَنِدَّ الْبَعِيرُ أَوْ يَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَلَا يَقْدِرُ) الْمُذْكِي (عَلَى ذَبْحِهِ صَارَ كَالصَّيْدِ إذَا جَرَحَهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَهُ فَقَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَدَّ بَعِيرٌ وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ كَذَا» . وَفِي لَفْظٍ " فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَمُوتَ) الْمَعْجُوزُ عَنْ ذَبْحِهِ (بِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ الْجُرْحِ الَّذِي جُرِحَهُ (مِثْل أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ فَلَا يُبَاحُ) أَكْلُهُ (وَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ مُوحِيًا) لِحُصُولِ قَتْلِهِ بِمُبِيحٍ وَحَاظِرٍ فَيُغَلَّبُ جَانِبُ الْحَظْرِ (كَمَا لَوْ جَرَحَهُ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ) أَوْ ذَبَحَاهَا.
(وَإِنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا وَلَوْ عَمْدًا فَأَتَتْ السِّكِّينُ عَلَى مَوْضِعِ ذَبْحِهَا) وَهِيَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ (وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أُكِلَتْ) لِأَنَّ الْجُرْحَ فِي الْقَفَا وَإِنْ كَانَ غَائِرًا تَبْقَى الْحَيَاة مَعَهُ كَأَكِيلَةِ السَّبُعِ إذَا ذُبِحَتْ وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ (وَيُعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّ فِيهَا حَيَاة مُسْتَقِرَّةً (بِوُجُودِ الْحَرَكَةِ) بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَهُوَ دَلِيلُ بَقَاءِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ قَبْلَهُ (فَإِنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا وَشَكَّ) وَلَمْ يَعْلَمْ (هَلْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ أَوْ لَا نَظَرَ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ بَقَاءَ ذَلِكَ لِحِدَّةِ الْآلَةِ وَسُرْعَةِ الْقَطْعِ أُبِيحَ) أَكْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ) الْآلَةُ (كَالَّةً وَأَبْطَأَ قَطْعُهُ وَطَالَ تَعْذِيبُهُ) لِلْحَيَوَانِ (لَمْ يُبَحْ) أَكْلُهُ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي وُجُودِ مَا يُحِلُّهُ.
(وَلَوْ أَبَانَ الرَّأْسَ) مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ (بِالذَّبْحِ أَوْ بِسَيْفِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الذَّبِيحَةَ أُبِيحَتْ) مُطْلَقًا لِأَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِيمَنْ ضَرَبَ رَأْسَ ثَوْرٍ بِالسَّيْفِ تِلْكَ ذَكَاةٌ مُوحِيَةٌ وَأَفْتَى بِأَكْلِهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا وَلِأَنَّ ذَلِكَ قَطْعٌ مَا لَا يَعِيش مَعَهُ فِي مَحَلِّ الذَّبْحِ فَحَلَّتْ.
(وَكُلَّمَا وُجِدَ فِيهِ سَبَبُ الْمَوْتِ كَالْمُنْخَنِقَةِ وَهِيَ الَّتِي تُخْنَقُ فِي حَلْقِهَا وَالْمَوْقُوذَةِ وَهِيَ الَّتِي تُضْرَبُ
حَتَّى تُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَهِيَ الْوَاقِعَةُ مِنْ عُلْوٍ وَالنَّطِيحَةِ وَهِيَ الَّتِي نَطَحَتْهَا دَابَّةٌ أُخْرَى وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ وَهِيَ الَّتِي أَكَلَ السَّبُعُ بَعْضَهَا وَالْمَرِيضَةِ وَمَا صِيدَ بِشَبَكَةٍ أَوْ أُحْبُولَةٍ أَوْ فَخٍّ أَوْ أَنْقَذَهُ مِنْ مَهْلَكَةٍ فَذَكَّاهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ يُمْكِن زِيَادَتُهَا عَلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ سَوَاءٌ انْتَهَتْ) الْمُنْخَنِقَةُ وَنَحْوُهَا.
(إلَى حَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ مَعَهُ أَوْ يَعِيشُ حَلَّتْ) قَالَ الْإِمَامُ (إنْ تَحَرَّكَتْ) الذَّبِيحَةُ (بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ طَرْفِ عَيْنٍ أَوْ مَوْضِعِ ذَنَبٍ أَيْ تَحْرِيكِهِ وَنَحْوِهِ) قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ قَوْلًا.
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ تَعِيشُ زَمَانًا يَكُونُ الْمَوْتُ بِالذَّبْحِ أَسْرَعَ مِنْهُ حَلَّتْ بِالذَّبْحِ.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ حَلَّ أَكْلُهُ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ تَحَرُّكِهِ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ طَرْفِ عَيْنٍ أَوْ مَصْعِ ذَنَبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ وَقَالَ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يُؤْكَلَ إلَّا مَعَ تَحَرُّكٍ وَلَوْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ طَرْفِ عَيْنٍ أَوْ مَصْعِ ذَنَبٍ (وَسُئِلَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ عَنْ شَاةٍ مَرِيضَةٍ خَافُوا عَلَيْهَا الْمَوْتُ فَذَبَحُوهَا فَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهَا طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا أَوْ تَحَرَّكَتْ يَدُهَا أَوْ رِجْلُهَا أَوْ ذَنَبُهَا بِضَعْفٍ فَنَهَرَ الدَّمَ فَقَالَ) أَحْمَدُ (لَا بَأْسَ) قُلْت: مَفْهُومُ مَا وَقَعَ جَوَابًا لِسَائِلٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَلَا يَحْصُلُ غَرَضُهُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ حَيَاتِهَا) أَيْ الْمُنْخَنِقَةِ وَنَحْوِهَا (إلَّا مِثْلُ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ لَمْ تُبَحْ) بِالذَّكَاةِ (لِأَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ مَا ذَبَحَهُ الْمَجُوسُ لَمْ يُبَحْ) لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ.
(وَمَا قُطِعَ حُلْقُومُهُ أَوْ أُبِينَتْ حَشْوَتُهُ وَنَحْوُهُ فَ) هُوَ (فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ) لِأَنَّ وُجُودَ حَيَاتِهِ مِمَّا لَا يَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ كَعَدَمِهَا.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ عِنْد حَرَكَةِ يَدِهِ) بِالذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ أَوْ الْعَقْرِ (لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا) كَالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ إطْلَاقَ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَيْهَا وَالْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَالْفِسْقُ الْحَرَامُ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا ذَبَحَ سَمَّى.
(وَتَجُوزُ) التَّسْمِيَةُ (بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى التَّسْمِيَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اللَّهِ وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ وَالسَّلَامِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ لَفْظُهُ.
(وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ مَعَهَا) أَيْ مَعَ التَّسْمِيَةِ (فَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا ذَبَحَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُهُ وَلَا خِلَافَ بِأَنَّ قَوْلَ بِسْمِ اللَّه يُجْزِئُهُ (وَلَا تُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الذَّبِيحَةِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ وَلِأَنَّهَا لَا تُنَاسِبُ الْمَقَامَ كَزِيَادَةِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ.
(فَإِنْ كَانَ) الْمُذَكِّي (أَخْرَسَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ إلَى السَّمَاءِ وَلَوْ أَشَارَ إشَارَةً تَدُلُّ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَعُلِمَ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ أَرَادَ التَّسْمِيَةَ (كَانَ) فِعْلُهُ (كَافِيًا) لِقِيَامِ إشَارَتِهِ مَقَامَ نُطْقِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ عَلَى إبَاحَةِ ذَبِيحَةِ الْأَخْرَسِ.
(فَإِنْ تَرَكَ) الْمُذَكِّي (التَّسْمِيَةَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا) مِنْهُ بِاعْتِبَارِهَا (لَمْ تُبَحْ) الذَّبِيحَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] (وَ) إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ (سَهْوًا) فَإِنَّهَا (تُبَاحُ) لِحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ» رَوَاهُ سَعِيدٌ.
(وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ التَّسْمِيَةِ عَلَى مَا يَذْبَحُهُ فَلَوْ سَمَّى عَلَى شَاةٍ وَذَبَحَ غَيْرَهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ تُبَحْ) الثَّانِيَةُ سَوَاءٌ أَرْسَلَ الْأُولَى أَوْ ذَبَحَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الثَّانِيَةَ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ (وَكَذَا لَوْ رَأَى قَطِيعًا فَسَمَّى وَأَخَذَ شَاةً) مِنْ الْقَطِيعِ (فَذَبَحَهَا بِالتَّسْمِيَةِ الْأُولَى) لَمْ تُبَحْ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهَا بِالتَّسْمِيَةِ (وَلَوْ جَهِلَ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ) فَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ كَمَا لَوْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ جَاهِلًا (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَجَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ (تَكُونُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَصَلَ بِالْكَلَامِ أَوْ لَا كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ) لِأَنَّ الْقَرِيبَ كَالْمُقَارِنِ (فَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا وَسَمَّى) اللَّهَ (ثُمَّ أَلْقَى السِّكِّينَ وَأَخَذَ سِكِّينًا أُخْرَى أَوْ رَدَّ سَلَامًا أَوْ كَلَّمَ إنْسَانًا أَوْ اسْتَقَى مَاءً ثُمَّ ذَبَحَ حَلَّ) إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ لِأَنَّهُ سَمَّى عَلَى تِلْكَ الشَّاةِ بِعَيْنِهَا.
(وَيَضْمَن أَجِيرٌ وَنَحْوُهُ) كَالْمُتَطَوِّعِ (تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَى رَبِّهَا كَمَا لَوْ قَتَلَهَا وَاخْتَارَ فِي النَّوَادِرِ لِغَيْرِ شَافِعِيٍّ يَعْنِي لِحِلِّهَا لَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ تَضْمِينُهُ النَّقْصَ إنْ حَلَّتْ وَعُلِمَ مِنْهُ إنْ تَرَكَهَا سَهْوًا لَا ضَمَانَ لِحِلِّهَا.
(وَإِنْ ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ بِاسْمِ الْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ تُبَحْ) الذَّبِيحَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] (وَإِذَا لَمْ يَعْلَم أَسَمَّى الذَّابِحُ أَمْ لَا أَوْ) لَمْ يَعْلَمْ (أَذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ أَمْ لَا؟ ف) فَالذَّبِيحَةُ (حَلَالٌ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا؟ فَقَالَ سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَتَحْصُلُ ذَكَاةُ جَنِينٍ مَأْكُولٍ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ ذَبْحِهَا بِذَكَاةِ أُمِّهِ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا أَوْ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ) سَوَاءٌ (أَشْعَرَ) أَيْ نَبَتَ شَعْرُهُ (أَوْ لَمْ يُشْعِرْ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا قَالَ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ
وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَابْنِ مَاجَهْ مِثْله مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ وَلِأَنَّ الْجَنِينَ مُتَّصِلٌ بِأُمِّهِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا فَتَكُونُ ذَكَاتُهُ بِذَكَاتِهَا كَأَعْضَائِهَا وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ذَكَاةُ أُمِّهِ " فِيهِ الرَّفْع وَالنَّصْب فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هِيَ ذَكَاةُ أُمِّهِ لَا يَحْتَاجُ الْجَنِينُ إلَى ذَكَاةٍ لَكِنْ قَدَّرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ النَّصْبِ ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ الرَّفْعِ الْمَشْهُورَةِ قُلْتُ وَكَذَا لَوْ قَدَّرَ بِذَكَاةِ أُمِّهِ (وَيُسْتَحَبُّ ذَبْحُهُ) أَيْ الْجَنِينِ (وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا لِيَخْرُجَ الدَّمُ الَّذِي فِي جَوْفِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ الْجَنِينِ (حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ لَمْ يُبَحْ إلَّا بِذَبْحِهِ) أَوْ نَحْرِهِ لِأَنَّهُ نَفْسٌ أُخْرَى وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ بِحَيَاتِهِ وَلَا يُؤَثِّرُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ كَسَبُعٍ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ الْمُبَاحَةِ.
(وَلَوْ وَجَأَ) أَيْ ضَرَبَ (بَطْنَ أُمِّ جَنِينٍ مُسَمِّيًا فَأَصَابَ مَذْبَحَ الْجَنِينِ) الْمُبَاحِ (فَهُوَ مُذَكًّى وَالْأُمُّ مَيْتَةٌ) لِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَهُوَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى قَطْعِهِمَا فَإِنْ كَانَتْ نَادَّةً حَلَّا.
[فَصْلٌ يُسَنُّ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ]
(فَصْلٌ يُسَنُّ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ضَحَّى وَجَّهَ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَقَالَ ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: 79] » الْآيَتَيْنِ.
(وَ) يُسَنُّ (كَوْنُ الْمَذْبُوحِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَرِفْقِهِ بِهِ وَحَمْلُهُ عَلَى الْآلَةِ بِقُوَّةٍ وَإِسْرَاعِ الْقَطْعِ) لِحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَيُكْرَهُ) تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ (إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ) كَالْأَذَانِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قُرْبَةً كَالْأُضْحِيَّةِ.
(وَ) يُكْرَهُ (آلَةٌ كَالَّةٌ) لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَحُدَّ السِّكِّينَ وَالْحَيَوَانُ يُبْصِرُهُ أَوْ يَذْبَحُ شَاةً وَأُخْرَى تَنْظُرُ إلَيْهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَنْ تُحَدَّ الشِّفَارُ وَأَنْ تَوَارَى عَنْ الْبَهَائِمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَيُكْرَهُ كَسْرُ عُنُقِ الْمَذْبُوحِ) حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسَهُ (وَ)
يُكْرَهُ (سَلْخُهُ وَقَطْعُ عُضْوٍ مِنْهُ وَنَتْفُ رِيشِهِ حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسُهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى بِكَلِمَاتٍ مِنْهَا لَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ إلَى أَنْ تَزْهَقَ وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» وَيُقَالُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَكَسْرُ الْعُنُقِ إعْجَالٌ لِزُهُوقِ الرُّوحِ فِي مَعْنَاهُ السَّلْخُ وَنَحْوُهُ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ كَسَرَ عُنُقَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ وَنَحْوَهُ قَبْلَ زُهُوقِ نَفْسِهِ (أَسَاءَ وَأُكِلَتْ) لِأَنَّ الذَّكَاةَ تَمَّتْ بِالذَّبْحِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٌ.
(وَيُكْرَهُ نَفْخُ اللَّحْمِ نَصًّا قَالَ الْمُوَفَّقُ: مُرَادُهُمْ) أَيْ الْأَصْحَابِ اللَّحْمُ (الَّذِي لِلْبَيْعِ لِأَنَّهُ غِشٌّ) بِخِلَافِ مَا يَذْبَحُهُ لِنَفْسِهِ وَيَنْفُخُهُ لِسُهُولَةِ السَّلْخِ.
(وَإِنْ ذَبَحَهُ فَغَرِقَ الْمَذْبُوحُ فِي مَاءٍ) يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ (أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ لَمْ يَحِلَّ) لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي الصَّيْدِ «وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ فَلَا تُؤْكَلُ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ يُعِينُ عَلَى زُهُوقِ الرُّوحِ فَيَحْصُلُ الزُّهُوقُ مِنْ سَبَبِ مُبِيحٍ وَمُحَرَّمٍ فَيُغَلَّبُ التَّحْرِيمُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ كَطَيْرِ الْمَاءِ يَقَعُ فِيهِ أَوْ طَيْرٍ وَقَعَ بِالْأَرْضِ لَمْ يَحْرُمْ (وَعَنْهُ يَحِلُّ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ) وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ وَذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ أَنَّهَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لِحُصُولِ ذَبْحِهِ وَحُصُولِ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالذَّبْحِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ مَا أَصَابَهُ لِحُصُولِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِحِلِّهِ قُلْتُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ فِي كَسْرِ عُنُقِهِ.
(وَإِنْ ذَبَحَ كِتَابِيٌّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ يَقِينًا كَذِي الظُّفْرِ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالنَّعَامُ وَالْبَطُّ وَمَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الْأَصَابِعِ) لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا لِأَنَّ قَصْدَهُ لِحِلِّهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ (أَوْ) ذَبَحَ كِتَابِيٌّ (مَا زَعَمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدنَا تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِ كَحَالِ الرِّئَةِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا) لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ وَذَبَحَ مَا يَحِلَّ لَنَا أَشْبَهَ الْمُسْلِمَ (وَمَعْنَاهُ) أَيْ حَالِ الرِّئَةِ (أَنَّ الْيَهُودَ إذَا وَجَدُوا الرِّئَةَ لَاصِقَةً بِالْأَضْلَاعِ امْتَنَعُوا مِنْ أَكْلِهَا زَاعِمِينَ تَحْرِيمَهَا وَيُسَمُّونَهَا اللَّازِقَةَ وَإِنْ وَجَدُوهَا غَيْرَ لَاصِقَةٍ أَكَلُوهَا وَإِنْ ذَبَحَ) الْكِتَابِيُّ (حَيَوَانًا غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ (مِمَّا يَحِلُّ لَهُ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْنَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ وَهِيَ شَحْمُ الثَّرْبِ) بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ (شَحْمٌ رَقِيقٌ يَغْشَى الْكَرِشَ وَالْأَمْعَاءِ وَشَحْمِ الْكُلْيَتَيْنِ) وَاحِدُهَا كُلْوَةٌ وَكُلْيَةٌ بِضَمِّ الْكَافِ فِيهِمَا وَالْجَمْعُ كُلُيَاتٌ وَكُلًى (وَلَنَا) مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ.
(أَنْ نَتَمَلَّكَهَا) أَيْ الشُّحُومَ الْمُحَرَّمَةَ عَلَيْهِمْ (مِنْهُمْ بِمَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ قَالَ «أَصَبْتُ مِنْ الشُّحُومِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَالْتَزَمْتُهُ فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا شَيْئًا فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَبَسِّمًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهَا ذَكَاةٌ أَبَاحَتْ اللَّحْمَ فَأَبَاحَتْ الشَّحْمَ كَذَكَاةِ الْمُسْلِمِ وَكَذَبْحِ حَنَفِيِّ حَيَوَانًا
فَتَبَيَّنَ حَامِلًا وَكَذَبْحِ مَالِكِيِّ فَرَسًا مُسَمِّيًا عَلَيْهَا (وَالْأَوْلَى تَرْكُهَا) أَيْ الشُّحُومِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَهُ كَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَالْقَاضِي (وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ) وَلَا لِغَيْرِهِ (أَنْ يُطْعِمَهُمْ) أَيْ الْيَهُودَ (شَحْمًا مِنْ ذَبْحِنَا نَصًّا لِبَاءِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ) فِي مِلَّتِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: 146] الْآيَة وَشَرْعُنَا وَإِنْ نَسَخَ شَرْعَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَكِنْ نُعَامِلُهُمْ بِأَحْكَامِ مِلَّتِهِمْ مَا دَامُوا عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] الْآيَة وَتَحِلُّ ذَبِيحَتُنَا لَهُمْ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ تَحْرِيمَهَا.
(وَإِنْ ذَبَحَ) الْكِتَابِيُّ (لِعَبْدِهِ أَوْ لِكَنِيسَتِهِ أَوْ) ذَبَحَ (الْمَجُوسِيُّ لِآلِهَتِهِ أَوْ لِلزُّهْرَةِ أَوْ لِلْكَوَاكِبِ فَإِنْ ذَبَحَهُ مُسْلِمٌ مُسَمِّيًا فَمُبَاحٌ) لِأَهْلِيَّةِ الْمُذَكِّي (وَإِنْ ذَبَحَهُ الْكِتَابِيُّ وَسَمَّى اللَّهَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ اسْمِهِ حَلَّ) لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ طَعَامِهِمْ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَلِأَنَّهُ قَصَدَ الذَّكَاةَ وَهُوَ مِمَّنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ (وَكُرِهَ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِلْخِلَافِ (وَعَنْهُ: يَحْرُمُ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ) لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا أَوْ ذَكَرَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ مَعَهُ أَوْ مُنْفَرِدًا لَمْ يَحِلَّ.
(وَلَا تُؤْكَلُ الْمَصْبُورَةُ وَلَا الْمُجَثَّمَةُ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُجَثَّمَةِ وَعَنْ أَكْلِهَا وَعَنْ الْمَصْبُورَةِ وَعَنْ أَكْلِهَا» (وَهِيَ) أَيْ الْمُجَثَّمَةُ (الطَّائِرُ أَوْ الْأَرْنَبُ يُجْعَلُ غَرَضًا يُرْمَى) بِالسِّهَامِ (حَتَّى يُقْتَلَ) فَلَا يَحِلُّ لِعَدَمِ الذَّكَاةِ (وَلَكِنْ يُذْبَحُ ثُمَّ يَرْمُوا إنْ شَاءُوا وَالْمَصْبُورَةُ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّ الْمُجَثَّمَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الطَّائِرِ أَوْ الْأَرْنَبِ وَأَشْبَاهِهَا وَالْمَصْبُورَةُ كُلُّ حَيَوَانٍ يُحْبَسُ لِلْقَتْلِ) أَيْ يُحْبَسُ ثُمَّ يُرْمَى حَتَّى يُقْتَلَ.
(وَمَنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا فَوَجَدَ فِي بَطْنِهِ جَرَادًا أَوْ) وَجَدَ (سَمَكَةً فِي حَوْصَلَةِ طَائِرٍ) أَوْ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ (أَوْ) وَجَدَ (حَبًّا فِي بَعْرِ جَمَلٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يُؤْكَلُ (لَمْ يَحْرُمْ) لِأَنَّهُ طَاهِرٌ وُجِدَ فِي مَحَلِّ طَاهِرٍ فَلَمْ يَحْرُمْ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ مُلْقًى (وَكُرِهَ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَهُ لِأَنَّهُ رَجِيعٌ (وَيَحْرُمُ بَوْلٌ وَرَوْثٌ طَاهِرَانِ وَتَقَدَّمَ أَوَّلُ) كِتَابِ (الْأَطْعِمَةِ) لِأَنَّهُ رَجِيعٌ مُسْتَخْبَثٌ.
(وَيَحِلُّ مَذْبُوحٌ مَنْبُوذٌ) أَيْ مُلْقًى (بِمَوْضِعٍ يَحِلُّ ذَبْحُ أَكْثَرِ أَهْلِهِ وَلَوْ جُهِلَتْ تَسْمِيَةُ الذَّابِحِ) لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَى كُلِّ ذَبْحٍ وَعَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ عَائِشَةَ (وَإِسْمَاعِيلَ) بْنِ إبْرَاهِيمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمَا
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ (الذَّبِيحُ عَلَى الصَّحِيحِ) لَا إِسْحَاقَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَة وَتَشْهَدُ بِهِ الْأَخْبَارُ.
[كِتَابُ الصَّيْدِ]
(كِتَابُ الصَّيْدِ وَهُوَ) فِي الْأَصْلِ (مَصْدَرُ) صَادَ يَصِيدُ فَهُوَ صَائِدٌ ثُمَّ أُطْلِقَ (بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ) أَيْ الْمَصِيدُ لِتَسْمِيَتِهِ لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ (وَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ (اقْتِنَاصُ حَيَوَانٍ حَلَالٍ مُتَوَحِّشٍ طَبْعًا غَيْرِ مَمْلُوكٍ وَلَا مَقْدُورٍ عَلَيْهِ) وَالصَّيْدُ حَيَوَانٌ مُقْتَنَصٌ حَلَالٌ مُتَوَحِّشٌ طَبْعًا غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَلَا مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَخَرَجَ الْحَرَامُ كَالذِّئْبِ وَالْإِنْسِيِّ كَالْإِبِلِ وَلَوْ تَوَحَّشَتْ، وَالْمَأْكُولُ وَالْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لِكَسْرِ شَيْءٍ مِنْهُ وَنَحْوِهِ (وَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (مُبَاحٌ لِقَاصِدِهِ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] وَقَوْلِهِ ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4]- الْآيَةُ وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ مِنْهَا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيُكْرَهُ) الصَّيْدُ (لَهْوًا) لِأَنَّهُ عَبَثٌ (وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ الصَّيْدِ (ظُلْمُ النَّاسِ بِالْعُدْوَانِ عَلَى زُرُوعِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَ) هُوَ (حَرَامٌ) لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ (وَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (أَفْضَلُ مَأْكُولٍ) لِأَنَّهُ حَلَالٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ.
(وَالزِّرَاعَةُ أَفْضَلُ مُكْتَسَبٍ) لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ مِنْ غَيْرِهَا وَأَقْرَبُ لِلْحِلِّ وَفِيهَا عَمَلُ الْيَدِ وَالنَّفْعُ الْعَامُّ لِلْآدَمِيِّ وَالدَّوَابِّ وَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْكَلَ عَادَةً مِنْ الزَّرْعِ بِلَا عِوَضٍ (وَقِيلَ: عَمَلُ الْيَدِ) قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ وَذَكَرَ الْمَطَاعِمَ يُفَضِّلُ عَمَلَ الْيَدِ انْتَهَى لِحَدِيثِ «أَفْضَلُ الْكَسْبِ عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ مَبِيعٍ مَبْرُورٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَمَعْنَى مَبْرُورٍ لَا غِشَّ فِيهِ وَلَا خِيَانَةَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ الْمِقْدَامِ مَرْفُوعًا «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُد كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» .
(وَقِيلَ) أَفْضَلُ الْمَكَاسِبِ (التِّجَارَةُ) قَالَ
فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَفْضَلُ الْمَعَاشِ التِّجَارَةُ انْتَهَى وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ وَإِنْ جَعَلْتَ الْكَلَامَ عَلَى مَعْنَى مِنْ أَفْضَلَ فَلَا تَعَارُضَ أَوْ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ (وَأَفْضَلُهَا) أَيْ التِّجَارَةِ (فِي بِزٍّ وَعِطْرٍ وَزَرْعٍ وَغَرْسٍ وَمَاشِيَةٍ) لِبُعْدِهَا مِنْ الشُّبْهَةِ وَالْكَذِبِ (وَأَبْغَضُهَا) أَيْ التِّجَارَةِ (فِي رَقِيقٍ وَصَرْفٍ) لِلشُّبْهَةِ (وَيُسَنُّ التَّكَسُّبُ وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِهِ حَتَّى مَعَ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: 15] وَيُرْشِد إلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَالطَّيْرِ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَعُودُ بِطَانًا» وَالْأَخْذُ فِي الْأَسْبَابِ مِنْ التَّوَكُّلِ فَلَا يُعْتَقَدُ أَنَّ الرِّزْقَ مِنْ الْكَسْبِ بَلْ مِنْ اللَّهِ بِوَاسِطَةٍ.
(وَقَالَ) صَاحِبُ الرِّعَايَةِ (أَيْضًا فِيهَا يُبَاحُ كَسْبُ الْحَلَالِ لِزِيَادَةِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالتَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ وَالْعِرْضِ وَالْمُرُوءَةِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ) لِأَنَّهُ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ إذَنْ (وَيَجِبُ) التَّكَسُّبُ (عَلَى مَنْ لَا قُوتَ لَهُ وَلَا لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ) لِحِفْظِ نَفْسِهِ قُلْتُ وَكَذَا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَاجِبٌ لِأَدَائِهِ (وَيُقَدَّمُ الْكَسْبَ لِعِيَالِهِ عَلَى كُلِّ نَفْلٍ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّطَوُّعِ.
(وَيُكْرَهُ تَرْكه) أَيْ التَّكَسُّبِ (وَالِاتِّكَالِ عَلَى النَّاسِ قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ أَرَ مِثْلَ الْغِنَى عَنْ النَّاسِ.
وَقَالَ فِي قَوْمٍ لَا يَعْمَلُونَ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ هَؤُلَاءِ مُبْتَدِعَةٌ) لِتَعْطِيلِهِمْ الْأَسْبَابَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْكَسْبُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّكَاثُرُ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّوَسُّلُ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ أَوْ التَّعَفُّفِ عَنْ وُجُوهِ النَّاسِ فَهُوَ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ وَمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّفَرُّغِ إلَى طَلَبِ الْعِبَادَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَنَافِعِ النَّاسِ وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ.
(وَأَفْضَلُ الصَّنَائِعِ خِيَاطَةٌ وَكُلُّ مَا نَصَحَ فِيهِ فَهُوَ حَسَنٌ نَصًّا) قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يَجِبُ النُّصْحُ فِي الْمُعَامَلَةِ وَكَذَا فِي غَيْرِهَا وَتَرْكُ الْغِشِّ (وَأَدْنَاهَا) أَيْ الصَّنَائِعِ (حِيَاكَةٌ وَحِجَامَةٌ وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً صَبْغٌ وَصِيَاغَةٌ وَحِدَادَةٌ وَنَحْوُهَا وَيُكْرَهُ كَسْبُهُمْ) لِلْخَبَرِ فِي الْحِجَامَةِ وَقِيَاسِ الْبَاقِي عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهَا.
(وَ) يُكْرَهُ (كَسْبُ الْجَزَّارِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ قَسَاوَةُ قَلْبِهِ وَ) يُكْرَهُ كَسْبُ (مَنْ يُبَاشِرُ النَّجَاسَاتِ وَالْفَاصِدَ وَالْمُزَيِّنَ وَالْجَرَائِحِيَّ وَالْخَتَّان وَنَحْوهُمْ مِمَّنْ صَنْعَتُهُ دَنِيئَةٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الْحِجَامَةِ.
(قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُرَادُ مَعَ إمْكَانِ أَصْلَح مِنْهَا.
وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُحْتَاجًا إلَى هَذَا الْكَسْبِ لَيْسَ لَهُ مَا يُغْنِيهِ عَنْهُ إلَّا الْمَسْأَلَةُ لِلنَّاسِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ كَمَا قَالَ
بَعْضُ السَّلَفِ: كَسْبٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ انْتَهَى قُلْتُ: وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ: أَنَّ الصَّنَائِعَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ ذِي صِنَاعَةٍ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الْقِيَامَ بِذَلِكَ الْفَرْضِ طَاعَةً وَيُثَابُ عَلَيْهَا لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَيُسْتَحَبُّ الْغَرْسُ وَالْحَرْثُ) أَيْ الزَّرْعُ (وَاِتِّخَاذُ الْغَنَمِ) لِلْخَبَرِ.
(وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ) بِأَنْ صَارَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ (مَلَكَهُ) الْمُثْبِتُ لَهُ لِحِيَازَتِهِ لَهُ (ثُمَّ إنْ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ فَإِنْ كَانَتْ رَمْيَةُ الْأَوَّلِ مُوحِيَةً بِأَنْ نَحَرَتْهُ أَوْ ذَبَحَتْهُ أَوْ وَقَعَتْ فِي حُلْقُومِهِ أَوْ قَلْبِهِ وَجِرَاحَةُ الثَّانِي غَيْرُ مُوحِيَةٍ) حَلَّ (أَوْ أَصَابَ) الثَّانِي (مَذْبَحَهُ أَوْ نَحْرَتَهُ حَلَّ) لِأَنَّهُ ذُكِّيَ (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي إلَّا مَا نَقَصَهُ مِنْ خَرْقِ جِلْدِهِ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ سِوَى ذَلِكَ الْمَحَلّ (وَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (الْأَوَّلُ غَيْرَ مُوحٍ حَرُمَ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ بِإِثْبَاتِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يُبَحْ إلَّا بِذَبْحِهِ وَلَمْ يُوجَدْ (وَيُغَرَّمُ) الثَّانِي (قِيمَتَهُ لِلْأَوَّلِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ حَتَّى وَلَوْ أَدْرَكَ الْأَوَّلُ ذَكَاتَهُ فَلَمْ يُذَكِّهِ (إلَّا أَنْ تَنْحَرَهُ رَمْيَتُهُ) أَيْ الثَّانِي (أَوْ تَذْبَحَهُ أَوْ يُدْرِكَ) الصَّيْدَ وَ (فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَيُذَكَّى فَيَحِلُّ) لِأَنَّهُ ذَكِيٌّ (وَإِنْ كَانَ الْمَرْمِيُّ قِنًّا أَوْ شَاةً لِلْغَيْرِ وَلَمْ يُوحِيَاهُ) أَيْ الْجُرْحَانِ (وَسَرَيَا) إلَى النَّفْسِ (فَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ قِيمَتِهِ) أَيْ الْقِنِّ أَوْ الشَّاةِ (مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ) اعْتِبَارًا بِحَالِ جِنَايَتِهِ (وَيُكْمِلُهَا) أَيْ الْقِيمَةِ حَالَ كَوْنِ الْقِنِّ الْمَجْرُوحِ أَوْ الشَّاةِ (سَلِيمًا) الْجَارِحُ (الْأَوَّلُ) لِأَنَّهُ وَقْتُ جِنَايَتِهِ كَانَ كَذَلِكَ.
(وَإِنْ رَمَيَا) أَيْ الصَّائِدَانِ مَعَ أَهْلِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَتَسْمِيَتُهُ (الصَّيْدَ مَعًا فَقَتَلَاهُ كَانَ) الصَّيْدُ (حَلَالًا) كَمَا لَوْ اشْتَرَكَا فِي ذَبْحِهِ (وَمَلَكَاهُ بَيْنهمَا) نِصْفَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إصَابَتِهِ سَوَاءٌ تَسَاوَى الْجُرْحَانِ أَوْ تَفَاوَتَا (فَإِنْ كَانَ جُرْحُ أَحَدِهِمَا) أَيْ الصَّائِدَيْنِ مَعًا (مُوحِيًا وَ) الْجُرْحُ (الْآخَرُ غَيْرَ مُوحٍ وَلَا يُثْبِتُهُ) أَيْ الصَّيْدَ (مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الْجُرْحِ (فَهُوَ) أَيْ الْمَصِيدُ.
(لِصَاحِبِ الْجُرْحِ الْمُوحِي) لِانْفِرَادِهِ بِإِثْبَاتِهِ (وَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ صَاحِبِهِ فَوَجَدَاهُ مَيِّتًا وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ صَارَ ب) الْجُرْحِ (الْأَوَّلِ مُمْتَنِعًا أَوْ لَا حَلَّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ (وَيَكُونُ) مِلْكُهُ (بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ تَخْصِيصَ أَحَدِهِمَا بِهِ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ (فَإِنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: أَنَا أَثْبَتُّهُ ثُمَّ قَتَلْتَهُ أَنْتَ) فَتَضْمَنُهُ (حَرُمَ) لِإِقْرَارِ كُلٌّ مِنْهُمَا بِتَحْرِيمِهِ (وَيَتَحَالَفَانِ لِأَجْلِ الضَّمَانِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ.
(وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَوَّل مِنْهُمَا) أَيْ عَلَى أَنَّ زَيْدًا مَثَلًا رَمَاهُ أَوَّلًا (فَقَالَ الْأَوَّلُ أَنَّا أَثْبَتُّهُ ثُمَّ قَتَلَهُ الْآخَرُ) فَحَرُمَ وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ (وَأَنْكَرَ الثَّانِي إثْبَاتَ الْأَوَّلِ لَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَيَحْرُمُ) الْمَصِيدُ (عَلَى الْأَوَّلِ) لِاعْتِرَافِهِ بِتَحْرِيمِهِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي فِي عَدَمِ الْإِثْبَاتِ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (مَعَ يَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْأَوَّلِ (وَإِنْ عُلِمَتْ جِرَاحَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِعَيْنِهَا (وَ) عُلِمَ (أَنَّ جِرَاحَةَ الْأَوَّلِ لَا يَبْقَى مَعَهَا امْتِنَاعٌ مِثْلُ كَسْرِ جَنَاحِ الطَّائِرِ أَوْ (كَسْرِ) سَاقِ الظَّبْيِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَوَّلِ) أَنَّهُ أَثْبَتَهُ.
(بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ (وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ) أَيْ جُرْحَ الْأَوَّلِ (لَا يُزِيلُ الِامْتِنَاعَ مِثْلُ خَدْشِ الْجِلْدِ فَقَوْلُ الثَّانِي) بِغَيْرِ يَمِينٍ لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ احْتَمَلَ) جُرْحُ الْأَوَّلِ (الْأَمْرَيْنِ) أَيْ إزَالَةَ الِامْتِنَاعِ وَعَدَمِهَا (فَقَوْلُهُ) أَيْ الثَّانِي (نَصًّا) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِامْتِنَاعِ.
(وَلَوْ رَمَاهُ) صَائِدٌ (فَأَثْبَتَهُ ثُمَّ رَمَاهُ) ذَلِكَ الصَّائِدُ (مَرَّةً أُخْرَى فَقَتَلَهُ حَرُمَ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَمْ يَحِلَّ إلَّا بِذَبْحِهِ قُلْتُ فَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى مُوحِيَةً أَوْ أَصَابَتْ الثَّانِيَةُ مَذْبَحَهُ حَلَّ كَمَا لَوْ كَانَتْ الرَّمْيَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ صَائِدٍ آخَرَ كَمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ وَإِنْ أَدْرَكَ الصَّيْدِ وَفِيهِ حَيَاةٌ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ بَلْ وَجَدَهُ مُتَحَرِّكًا فَيَحِلُّ بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ الْآتِيَةِ]
(فَصْلٌ وَإِنْ أَدْرَكَ الصَّيْدِ وَفِيهِ حَيَاةٌ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ بَلْ) وَجَدَهُ (مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَهُوَ كَالْمَيْتَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ) لِأَنَّ عَقْرَهُ ذَكَاةٌ لَهُ فَيَحِلُّ بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ الْآتِيَةِ (وَكَذَا لَوْ كَانَ) لِلصَّيْدِ (فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَوْقَ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَلَكِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ لِتَذْكِيَتِهِ) فَيَحِلُّ بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّهُ بِعَدَمِ الِاتِّسَاعِ لِتَذْكِيَتِهِ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَذْكِيَتِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا (وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لَهَا) أَيْ لِتَذْكِيَتِهِ (لَمْ يُبَحْ) الصَّيْدُ (إلَّا بِهَا) أَيْ بِتَذْكِيَةٍ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ أَشْبَهَ سَائِرَ مَا قُدِرَ عَلَى ذَكَاتِهِ (وَإِنْ خَشِيَ مَوْتَهُ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُذَكِّيهِ بِهِ لَمْ يُبَحْ أَيْضًا) لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُبَاحُ بِغَيْرِ التَّذْكِيَةِ إذَا كَانَ مَعَهُ آلَةُ الذَّكَاةِ فَلَمْ يُبَحْ بِغَيْرِ التَّذْكِيَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ آلَةُ الذَّكَاةِ كَسَائِرِ الْمَقْدُورِ عَلَى تَذْكِيَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا يَحِلَّ بِالْإِرْسَالِ قَالَهُ فِي التَّبْصِرَةِ أَيْ إرْسَالِ الصَّائِدِ عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ.
(وَلَوْ اصْطَادَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ) مِنْ فَخٍّ أَوْ شَبَكَةٍ أَوْ نَحْوِهَا (فَالصَّيْدُ لِمَالِكِهَا) وَكَذَا لَوْ اصْطَادَ عَلَى الْفَرَسِ الْمَغْصُوبِ وَتَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ.
(وَلَوْ امْتَنَعَ الصَّيْدُ عَلَى الصَّائِدِ مِنْ الذَّبْحِ بِأَنْ جَعَلَ يَعْدُو مِنْهُ حَتَّى مَاتَ تَعَبًا حَلَّ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ بِامْتِنَاعِهِ بِالْعَدْوِ صَارَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَى تَذْكِيَتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَحِلُّ
لِأَنَّ الْإِتْعَابَ يُعِينُهُ عَلَى الْمَوْتِ فَصَارَ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ.
(وَإِنْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ مَيِّتًا حَلَّ) لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ أُقِيمَ مَقَامَ الذَّكَاةِ وَالْجَارِحُ لَهُ آلَةٌ كَالسَّكَاكِينِ.
[الشَّرْط الْأَوَّل أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ]
وَعَقْرُهُ بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ (بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ) : (أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ) أَيْ مِمَّنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالصَّائِدُ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكِّي فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ (وَلَوْ) كَانَ الصَّائِدُ (أَعْمَى) خِلَافًا لِابْنِ حَمْدَانَ قَالَ: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِتَعَذُّرِ قَصْدِهِ صَيْدًا مُعَيَّنًا (وَتَقَدَّمَتْ شُرُوطُهَا) أَيْ الذَّكَاةِ فِي بَابِهَا (إلَّا مَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى ذَكَاةٍ كَحُوتٍ وَجَرَادٍ فَيُبَاحُ إذَا صَادَهُ مَنْ لَا تُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ) مِنْ مَجُوسِيٍّ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَ مَيِّتًا.
(فَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ) أَوْ كِتَابِيٌّ (أَوْ غَيْرُ كِتَابِيٍّ) كَمَجُوسِيٍّ وَوَثَنِيٍّ وَدُرْزِيٍّ (أَوْ مُتَوَلِّدٍ بَيْنَهُ) أَيْ بَيْنَ غَيْرِ كِتَابِيٍّ (وَبَيْنَ كِتَابِيٍّ) كَوَلَدِ مَجُوسِيَّةٍ مِنْ كِتَابِيٍّ (صَيْدًا أَوْ أَرْسَلَا عَلَيْهِ جَارِحًا أَوْ شَارَكَ كَلْبُ مَجُوسِيٍّ كَلْبَ مُسْلِمٍ فِي قَتْلِهِ) أَيْ الصَّيْدِ (لَمْ يَحِلَّ) الصَّيْدُ (سَوَاءٌ وَقَعَ سِهَامُهُمَا فِيهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ) وَقَعَ فِيهِ سَهْمُ (أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكِ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ فَغَلَّبْنَا التَّحْرِيمَ كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْن مَا يُؤْكَلُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ الْمُبِيحُ رُدَّ إلَى أَصْلِهِ (لَكِنْ أَثْخَنَهُ كَلْبُ الْمُسْلِمِ) أَوْ الْكِتَابِيِّ.
(ثُمَّ قَتَلَهُ) كَلْبُ (الْآخَرِ) أَيْ الْمَجُوسِيِّ وَنَحْوِهِ (وَفِيهِ) أَيْ الصَّيْدِ (حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَرُمَ) الصَّيْدُ لِعَدَمِ ذَكَاتِهِ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ الْمَجُوسِيُّ وَنَحْوُهُ (لَهُ) أَيْ لِلْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَصَابَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا مَقْتَلَهُ دُونَ الْآخَرِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ قَدْ عَقَرَهُ مُوحِيًا مِثْلَ أَنْ ذَبَحَهُ أَوْ جَعَلَهُ فِي حُكْمِ الْمَذْبُوحِ، ثُمَّ أَصَابَهُ الثَّانِي وَهُوَ) أَيْ جُرْحُهُ (غَيْرُ مُوحٍ فَالْحُكْمُ لِلْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ الْمُسْلِمَ أُبِيحَ) الصَّيْدُ لِأَنَّهُ ذُكِّيَ مِنْ أَهْلٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ كِتَابِيًّا.
(وَإِنْ كَانَ) الْأَوَّلُ (الْمَجُوسِيَّ لَمْ يُبَحْ) الصَّيْدُ كَذَبِيحَتِهِ (وَإِنْ كَانَ الْجَرْحُ الثَّانِي مُوحِيًا أَيْضًا فَ) الصَّيْدُ (مُبَاحٌ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ، مُسْلِمًا) أَوْ كِتَابِيًّا مُسَمِّيًا (لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ حَصَلَتْ بِهِ) فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِعْلُ الثَّانِي (وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ غَيْرَ مُوحٍ وَ) الْجُرْحُ (الثَّانِي مُوحٍ فَالْحُكْمُ الثَّانِي فِي الْحَظْرِ) إنْ كَانَ الثَّانِي مَجُوسِيًّا أَوْ نَحْوَهُ (وَالْإِبَاحَةُ) إنْ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا مُسَمِّيًا لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ حَصَلَتْ بِهِ (وَإِنْ رَدَّ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ الصَّيْدَ عَلَى كَلْبِ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ) كَلْب الْمُسْلِمِ حَلَّ الصَّيْدُ لِأَنَّ جَارِحَ الْمُسْلِمِ
انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ فَأُبِيحَ كَمَا لَوْ رَمَى الْمَجُوسِيُّ سَهْمَهُ فَرَدَّ الصَّيْدَ فَأَصَابَهُ سَهْمُ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ أَوْ أَمْسَكَ الْمَجُوسِيُّ شَاةً فَذَبَحَهَا.
(وَإِنْ صَادَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ حَلَّ صَيْدُهُ) لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالصَّائِدِ وَالْكَلْب آلَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَادَهُ بِقَوْسِهِ وَسَهْمِهِ (وَكُرِهَ) فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ جَابِرُ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْوَفَاءِ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ (وَعَكْسُهُ) بِأَنْ صَادَ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ أَوْ نَحْوِهِ (لَا يَحِلَّ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الصَّائِدِ لِلذَّكَاةِ،.
(وَإِنْ أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ) أَوْ الْكِتَابِيُّ (كَلْبًا فَزَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ) أَوْ نَحْوُهُ (فَزَادَ عَدْوُهُ) فِي عَدْوِهِ (حَلَّ صَيْدُهُ) لِأَنَّ الصَّائِدَ لَهُ هُوَ الْمُسْلِمُ أَوْ الْكِتَابِيُّ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ (وَعَكْسُهُ) بِأَنْ أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ وَنَحْوُهُ كَلْبًا فَزَجَرَهُ الْمُسْلِمُ (لَمْ يَحِلَّ) صَيْدُهُ لِأَنَّ الصَّائِدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ إذْ الْعِبْرَةُ بِالْإِرْسَالِ.
(وَلَوْ وَجَدَ) الْمُسْلِمُ أَوْ الْكِتَابِيُّ (مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا آخَرَ وَجَهِلَ) الْمُسْلِمُ أَوْ الْكِتَابِيُّ () أَيْ الْكَلْبِ الْآخَرِ (هَلْ سَمَّى عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ أَمْ لَا؟ أَوْ جَهِلَ حَالَ مُرْسِلِهِ هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّيْدِ) أَيْ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ (أَمْ لَا؟ وَلَا يُعْلَمُ أَيّهمَا) أَيْ الْكَلْبَيْنِ (قَتَلَهُ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا) أَيْ الْكَلْبَانِ (قَتَلَاهُ مَعًا أَوْ عَلِمَ أَنَّ) الْكَلْبَ (الْمَجْهُولَ هُوَ الْقَاتِلَ) لِلصَّيْدِ وَحْدُهُ (لَمْ يُبَحْ) الصَّيْدُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَتَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ عَلِمَ حَالَ الْكَلْبِ الَّذِي وَجَدَهُ) الْمُسْلِمُ أَوْ الْكِتَابِيُّ (مَعَ كَلْبِهِ وَ) عَلِمَ (أَنَّ الشَّرَائِطَ الْمُعْتَبَرَةَ قَدْ وُجِدَتْ فِيهِ) بِأَنْ كَانَ مُعَلَّمًا وَأَرْسَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ مُسَمِّيًا (حَلَّ) الصَّيْدُ كَمَا لَوْ ذَكَّاهُ مَعًا وَلِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (ثُمَّ إنْ كَانَ الْكَلْبَانِ قَتَلَاهُ مَعًا فَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (لِصَاحِبَيْهِمَا) أَيْ: صَاحِبَيْ الْكَلْبَيْنِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ أَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحِ (وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَتَلَهُ) وَحْدُهُ (فَهُوَ لِصَاحِبِهِ) أَيْ صَاحِبِ الْجَارِحِ الَّذِي قَتَلَهُ لِأَنَّهُ الصَّائِدُ لَهُ (وَإِنْ جَهِلَ الْحَالَ) فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا أَوْ اشْتَرَكَا.
(حَلَّ أَكْلُهُ) لِأَهْلِيَّةِ الصَّائِدَيْنِ (ثُمَّ إنْ كَانَ الْكَلْبَانِ مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ فَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ صَاحِبَيْ الْجَارِحَيْنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ جَارِحَيْهِمَا قَتَلَاهُ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الْكَلْبَيْنِ (مُتَعَلِّقًا بِهِ) وَحْدَهُ (فَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ صَاحِبِ الْجَارِحِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ (وَعَلَى مَنْ حُكِمَ لَهُ بِهِ الْيَمِينُ) بِطَلَبِ رَفِيقِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ الْجَارِحِ الْآخَرِ أَوْ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ (وَإِنْ كَانَ الْكَلْبَانِ) وَاقِفَيْنِ (نَاحِيَةً) عَنْ الصَّيْدِ (وُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِهِ مِنْ الْآخَرِ (فَإِنْ خِيفَ فَسَادُهُ) أَيْ الصَّيْدِ بِبَقَائِهِ عَلَى حَالِهِ (بِيعَ) أَيْ بَاعَهُ الْحَاكِمُ (وَاصْطَلَحَا عَلَى ثَمَنِهِ) لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَالِاعْتِبَارُ بِأَهْلِيَّةِ الرَّامِي) لِلسَّهْمِ (وَسَائِرِ الشُّرُوطِ) مِنْ كَوْنِهِ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا وَالتَّسْمِيَةِ (حَالِ الرَّمْيِ) لِلسَّهْمِ (فَإِنْ) رَمَاهُ وَهُوَ أَهْلٌ ثُمَّ (ارْتَدَّ) بَعْدَ رَمْيِهِ (أَوْ مَاتَ بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ الْإِصَابَةِ حَلَّ) اعْتِبَارًا بِحَالِ الرَّمْيِ وَعَكْسُهُ بِأَنْ رَمَاهُ مُرْتَدًّا أَوْ مَجُوسِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ لَمْ يَحِلَّ.
[فَصَلِّ الشَّرْطُ الثَّانِي الْآلَةُ]
[الْآلَةُ نَوْعَانِ]
[النَّوْع الْأَوَّل مُحَدَّدَةٌ]
(فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّانِي الْآلَةُ وَهِيَ نَوْعَانِ) (أَحَدُهُمَا مُحَدَّدَةٌ فَيُشْتَرَطُ لَهُ) أَيْ لِلْمُحَدَّدِ (مَا يُشْتَرَطُ لِآلَةِ الذَّكَاةِ) لِأَنَّ جُرْحَهُ قَائِمٌ مَقَامَ ذَكَاتِهِ فَاعْتُبِرَ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ فِي آلَةِ الذَّكَاةِ (وَلَا بُدَّ مِنْ جُرْحِهِ) أَيْ الصَّيْدِ (بِهِ) أَيْ بِالْمُحَدَّدِ (فَإِنْ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ لَمْ يُبَحْ كَشَبَكَةٍ وَفَخٍّ وَبُنْدُقَةٍ وَعَصًى وَحَجَرٍ لَا حَدَّ لَهُ وَلَوْ شَدَخَهُ أَوْ حَرَقَهُ أَوْ قَطَعَ حُلْقُومَهُ وَمَرِيئَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الْحَجَرِ (حَدٌّ كَصَوَّانٍ فَكَمِعْرَاضٍ) إنْ قَتَلَهُ بِحَدِّهِ حَلَّ إنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلَّ (وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ وَهُوَ عُودٌ مَحْدُودٌ رُبَّمَا جُعِلَ فِي رَأْسِهِ حَدِيدَةٌ أُكِلَ مَا قَتَلَ بِحَدِّهِ دُونَ عَرْضِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَدِّي بْنِ حَاتِمٍ «مَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ لَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَرَقْتَ فَكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَخْرِقْ فَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْمِعْرَاضِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ، وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْبُنْدُقِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ» (وَكَذَا سَهْمٌ وَرُمْحٌ وَحَرْبَةٌ وَسَيْفٌ وَنَحْوُهُ) كَسِكِّينٍ (يَضْرِبُ) بِهِ (صَفْحًا فَيَقْتُلُ فَكُلُّهُ حَرَامٌ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمِعْرَاضِ لِأَنَّ الْقَتْلَ إذَنْ يَكُونُ بِثِقَلِهِ لَا بِحَدِّهِ (وَكَذَا إنْ أَصَابَ) السَّهْمُ أَوْ نَحْوُهُ الصَّيْدَ (بِحَدِّهِ فَلَمْ يَجْرَحْ) الصَّيْدَ (وَقَتَلَ بِثِقَلِهِ) فَلَا يَحِلُّ كَقَتْلِ الْمِعْرَاضِ بِثِقَلِهِ، لِأَنَّ عِلَّةَ الْحِلِّ الْجُرْحُ وَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَحِلَّ الصَّيْدُ.
(وَإِنْ نَصَبَ مَنَاجِلَ أَوْ) نَصَبَ (سَكَاكِينَ) لِلصَّيْدِ (وَسَمَّى عِنْدَ نَصْبِهَا فَقَتَلَتْ صَيْدًا وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِ نَاصِبهِ أَوْ رِدَّتِهِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ النَّصْبِ لِأَنَّهُ كَالرَّمْيِ (أُبِيحَ) الصَّيْدُ (إنْ جَرَحَهُ) الْمَنْصُوبُ مِنْ سِكِّينٍ أَوْ مِنْجَلٍ رُوِيَ
عَنْ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّ النَّصْبَ جَرَى مَجْرَى الْمُبَاشَرَةِ فِي الضَّمَانِ، فَكَذَا فِي الْإِبَاحَةِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ» وَلِأَنَّهُ قَتْلُ الصَّيْدِ بِمَا لَهُ حَدٌّ، جَرَتْ الْعَادَةُ بِالصَّيْدِ بِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ، وَفَارَقَ مَا إذَا نَصَبَ سِكِّينًا فَإِنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالصَّيْدِ بِهَا ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ: مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُنْتَهَى مَنْ نَصَبَ مِنْجَلًا أَوْ سِكِّينًا لَكِنْ عِبَارَةُ الْمُقْنِعِ بِالْجَمْعِ كَالْمُصَنِّفِ وَلَمْ يُغَيِّرْهَا فِي التَّنْقِيحِ وَلَا تَعَرَّضَ لِهَؤُلَاءِ فِي الْإِنْصَافِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْهُ مَا نَصَبَهُ مِنْ مَنَاجِلَ أَوْ سَكَاكِينَ (فَلَا) يُبَاحُ الصَّيْدُ لِعَدَمِ الْجُرْحِ.
(وَإِنْ قَتَلَ) الصَّيْدَ (بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ لَمْ يُبَحْ) الصَّيْدُ (إذَا احْتَمَلَ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ) لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ فَغُلِّبَ الْمُحَرِّمُ وَكَسَهْمِ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيٍّ فَيَحْرُمُ وَلَوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ حَيْثُ احْتَمَلَ فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ فَلَا.
(وَلَوْ رَمَاهُ) أَيْ الصَّيْدَ (فَوَقَعَ فِي مَا يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ) لَمْ يَحِلَّ (أَوْ تَرَدَّى) مِنْ نَحْوِ جَبَلٍ (تَرَدِّيًا يَقْتُلُ مِثْلُهُ) لَمْ يَحِلَّ (أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) بَعْدَ رَمْيِهِ (فَقَتَلَهُ لَمْ يَحِلَّ) لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ أَشْبَهَ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ وَلِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّيْدِ فَقَالَ إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ إلَّا أَنْ تَجِدَهُ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْمُتَرَدِّي مِنْ نَحْوِ جَبَلٍ وَالْمَوْطُوءِ عَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْقَاتِلِ مِنْ السَّبَبَيْنِ (وَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ مُوحِيًا) لِظَاهِرِ مَا سَبَقَ.
(وَإِنْ وَقَعَ) الصَّيْدُ (فِي مَاءٍ وَرَأْسُهُ) أَيْ الصَّيْدِ (خَارِجُهُ) أَيْ الْمَاءِ فَمُبَاحٌ (أَوْ كَانَ) الصَّيْدُ (مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ) فَمُبَاحٌ (أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لَا يَقْتُلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ فَمُبَاحٌ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ لِأَنَّ التَّرَدِّي وَالْوُقُوعَ إنَّمَا حَرُمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْلِ وَهَذَا مُنْتَفٍ هُنَا.
(وَإِنْ رَمَى طَيْرًا فِي الْهَوَاءِ أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ جَبَلٍ فَوَقَعَ) طَيْرًا (إلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ حَلَّ لِأَنَّ سُقُوطَهُ بِالْإِصَابَةِ) وَالظَّاهِرُ زُهُوقُ رُوحِهِ بِالرَّمْيِ لَا بِالْوُقُوعِ وَلِأَنَّ وُقُوعَهُ إلَى الْأَرْضِ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَلَوْ حَرُمَ بِهِ لَأَدَّى إلَى أَنْ لَا يَحِلَّ طَيْرٌ أَبَدًا.
(وَإِنْ رَمَى صَيْدًا وَلَوْ) كَانَ الرَّامِي (لَيْلًا فَجَرَحَهُ وَلَوْ غَيْرَ مُوحٍ فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا بَعْدَ يَوْمِهِ) أَيْ الَّذِي رَمَاهُ فِيهِ (وَسَهْمُهُ فَقَطْ فِيهِ) حَلَّ (أَوْ أَثَرُهُ) أَيْ السَّهْمِ بِالصَّيْدِ (وَلَا أَثَرَ بِهِ غَيْرُهُ حَلَّ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنِي فِي سَهْمِي؟ قَالَ: مَا رَدَّ عَلَيْكَ سَهْمُكَ
فَكُلْ قَالَ، فَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّي قَالَ: وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ غَيْرَ سَهْمِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ جُرْحَهُ بِسَهْمِهِ سَبَبُ إبَاحَتِهِ وَقَدْ وُجِدَ يَقِينًا، وَالْمُعَارِضُ لَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ كَمَا لَوْ وُجِدَ بِفَمِ كَلْبِهِ أَوْ هُوَ يَعْبَثُ بِهِ (وَإِنْ وَجَدَ بِهِ سَهْمًا) غَيْرَ سَهْمِهِ لَمْ يَحِلَّ (أَوْ) وَجَدَ بِهِ (أَثَرَ سَهْمٍ غَيْرِ سَهْمِهِ) لَمْ يَحِلَّ (أَوْ شَكَّ فِي سَهْمِهِ) إنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّ الَّذِي بِالصَّيْدِ سَهْمُهُ لَمْ يَحِلَّ (أَوْ) شَكَّ.
(فِي قَتْلِهِ) أَيْ الصَّيْدِ (بِهِ) أَيْ بِسَهْمِهِ لَمْ يَحِلَّ (أَوْ أَكَلَ مِنْهُ سَبُعٌ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ) أَكْلُهُ مِنْهُ (قَتَلَهُ لَمْ يَحِلَّ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَكَمَا لَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا سِوَاهُ (وَإِنْ كَانَ الْأَثَرُ مِمَّا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ (مِثْلُ أَكْلِ حَيَوَانٍ ضَعِيفٍ كَسِنَّوْرٍ وَثَعْلَبٍ مِنْ حَيَوَانٍ قَوِيٍّ أَوْ تَهَشَّمَ مِنْ وَقْعَتِهِ فَمُبَاحٌ) لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ (وَلَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ) أَيْ الصَّيْدِ (كَلْبَهُ فَعَقَرَهُ فَغَابَ) ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا (أَوْ غَابَ) الصَّيْدُ (قَبْلَ عَقْرِهِ ثُمَّ وُجِدَ مَيِّتًا وَالْكَلْبُ وَحْده أَوْ) وَجَدَ (الصَّيْدَ بِفَمِهِ أَوْ) وَهُوَ (يَعْبَثُ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ حَلَّ) الصَّيْدُ لِأَنَّ وُجُودَهُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ وَعَدَمَ أَثَرِ ذَلِكَ فِيهِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِجَارِحِهِ فَحَلَّ كَمَا لَوْ لَمْ يَغِبْ عَنْهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَإِنْ غَابَ قَبْلَ عَقْرِهِ ثُمَّ وَجَدَ سَهْمَهُ أَوْ كَلْبَهُ عَلَيْهِ فَفِي الْمُنْتَخَبِ أَنَّهَا كَذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ.
وَعَنْهُ يَحْرُمُ وَذَكَرَهَا فِي الْفُصُولِ كَمَا لَوْ وَجَدَ كَلْبَهُ أَوْ السَّهْمَ نَاحِيَةً كَذَا قَالَ وَتَبِعَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا ذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى الْخِلَافِ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَحَنْبَلٍ كُلْهُ وَهُوَ مَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ (وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا لَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا آخَر) .
(وَإِنْ رَمَى صَيْدًا أَوْ ضَرَبَ صَيْدًا فَأَبَانَ بَعْضَهُ وَلَوْ بِنَصْبِ مَنَاجِلَ وَنَحْوِهَا) كَسَكَاكِينَ (فَإِنْ قَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ أَوْ مُتَقَارِبَتَيْنِ أَوْ قَطَعَ رَأْسَهُ حَلَّ) الْجَمِيعُ (فَإِنْ أَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا غَيْرَ الرَّأْسِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَكَانَتْ الْبَيْنُونَةُ وَالْمَوْتُ مَعًا أَوْ) كَانَ مَوْتُهُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ أَنْ أَبَانَ مِنْهُ الْعُضْوَ (بِقَلِيلٍ أُكِلَ) هُوَ (وَمَا أُبِينَ مِنْهُ) . قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا قَطَعْتَ مِنْ الْحَيِّ مَيْتَةٌ» إذَا قَطَعْتَ وَهِيَ حَيَّةٌ تَمْشِي وَتَذْهَبُ أَمَّا إذَا كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ وَالْمَوْتُ جَمِيعًا أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ إذَا كَانَ فِي عِلَاجِ الْمَوْتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَلَا تَرَى الَّذِي ذُبِحَ رُبَّمَا مَكَثَ سَاعَةً وَرُبَّمَا مَشَى حَتَّى يَمُوتَ وَلِأَنَّ مَا كَانَ ذَكَاةً لِبَعْضِ الْحَيَوَانِ كَانَ ذَكَاةً لِجَمِيعِهِ كَمَا لَوْ قَدَّ الصَّائِدُ الصَّيْدَ نِصْفَيْنِ وَالْخَبَرُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي حَيًّا حَتَّى يَكُونَ الْمُنْفَصِلُ مِنْهُ مَيِّتًا (وَإِنْ كَانَتْ) حَيَاتُهُ (مُسْتَقِرَّةً فَالْمُبَانُ) مِنْهُ (حَرَامٌ سَوَاءٌ بَقِيَ الْحَيَوَانُ حَيًّا أَوْ أَدْرَكَهُ) أَحَدٌ (فَذَكَّاهُ أَوْ رَمَاهُ) الصَّائِدُ (بِسَهْمٍ آخَرَ فَقَتَلَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ
مَيِّتٌ» (وَإِنْ بَقِيَ) الْعُضْوُ (مُتَعَلِّقًا بِجِلْدِهِ حَلَّ) الْعُضْوُ (بِحِلِّهِ) أَيْ الْحَيَوَانِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْعُضْوَ.
(لَمْ يَبِنْ) أَيْ لَمْ يَنْفَصِلْ فَهُوَ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ (وَإِنْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ حُوتٍ وَأَفْلَتَ) الْحُوتُ (حَيًّا أُبِيحَ مَا أَخَذَ مِنْهُ) لِأَنَّ أَقْصَى حَالِهِ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً وَمَيْتَةُ الْحُوتِ وَنَحْوِهِ طَاهِرَةٌ (وَتَحِلُّ الطَّرِيدَةُ وَهِيَ الصَّيْدُ يَقَعُ بَيْنَ الْقَوْمِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَكَاتِهِ فَيَقْطَعُ ذَا مِنْهُ بِسَيْفِهِ قِطْعَةً وَيَقْطَعُ الْآخَرُ أَيْضًا) قِطْعَةً (حَتَّى يُؤْتَى عَلَيْهِ) أَيْ الصَّيْدِ (وَهُوَ حَيٌّ) قَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالطَّرِيدَةِ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِمْ وَمَا زَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ فِي مَغَازِيهِمْ وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ (وَكَذَا النَّادُّ) مِنْ الْإِبِلِ وَنَحْوِهَا إذَا تَوَحَّشَتْ وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَذْكِيَتِهَا.
[فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الْآلَةِ الْجَارِحَةِ]
(فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ نَوْعَيْ الْآلَةِ (الْجَارِحَةِ فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ) الْجَارِحَةُ (إذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ وَكُلُّ طَيْرٍ تَعَلَّمَ الصَّيْدَ " وَالْفُهُودُ وَالصُّقُورُ وَأَشْبَاهُهَا وَالْجَارِحُ لُغَةً الْكَاسِبُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] أَيْ كَسَبْتُمْ وَمُكَلِّبِينَ مِنْ التَّكَلُّبِ وَهُوَ الْإِغْرَاءُ (إلَّا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ الْأَسْوَدَ وَهُوَ مَا لَا بَيَاضَ فِيهِ) قَالَ ثَعْلَبٌ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ كُلُّ لَوْنٍ لَمْ يُخَالِطْهُ لَوْنُ آخَرُ فَهُوَ بَهِيمٌ قِيلَ لَهُمَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ قَالَا نَعَمْ (أَوْ) كَانَ أَسْوَدَ (بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَتَانِ) فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَهُوَ الصَّحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ (كَمَا اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ) أَيْ حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالطُّفْيَةُ خُوصُ الْمُقَلِ فَشَبَّهَ الْخَطَّيْنِ الْأَبْيَضَيْنِ مِنْهُ بِالْخُوصَتَيْنِ (فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ) أَيْ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ: إنَّهُ شَيْطَانٌ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (كَ) صَيْدِ (غَيْرِ الْمُعَلَّمِ) مِنْ
الْكِلَابِ أَوْ غَيْرِهَا (إلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ فِي الْحَيَاةِ فَيُذَكَّى) فَيَحِلُّ لِأَنَّهُ ذَكِيٌّ.
(وَيَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ) أَيْ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ (وَتَعْلِيمُهُ) الصَّيْدَ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيُسَنُّ قَتْلُهُ) أَيْ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ (وَلَوْ كَانَ مُعَلَّمًا) لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ وَذَكَرَ الْأَكْثَرُ يُبَاحُ قَتْلُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى نَقَلَ مُوسَى بْنُ سَعْدٍ لَا بَأْسَ بِهِ (وَكَذَا الْخِنْزِيرُ) أَيْ يُسَنُّ أَوْ يُبَاحُ قَتْلُهُ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا بَأْسَ بِهِ (وَيَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ) أَيْ الْخِنْزِيرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَالَ الْأَصْحَابُ يَحْرُمُ اقْتِنَاءُ الْخِنْزِيرِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْآنِيَةِ حُكْمُ الْخَرْزِ بِشَعْرِهِ.
(وَيَجِبُ قَتْلُ كَلْبٍ عَقُورٍ وَلَوْ كَانَ مُعَلَّمًا) لِيَدْفَعَ شَرَّهُ عَنْ النَّاسِ وَدَعْوَى نَسْخِ الْقَتْلِ مُطْلَقًا إلَّا الْمُؤْذِي دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ وَهُوَ كُلُّ مَا يَجْرَحُ وَيَفْتَرِسُ مِنْ أَسَدٍ وَفَهْدٍ وَذِئْبٍ وَنَمِرٍ وَالْجَمْعُ عُقُرٌ مِثْلَ رَسُولٍ وَرُسُلٍ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ (وَيَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ) أَيْ الْكَلْبِ الْعَقُورِ لِأَذَاهُ (وَلَا تُقْتَلُ كَلْبَةٌ عَقَرَتْ مَنْ قَرُبَ مِنْ وَلَدِهَا أَوْ خَرَقَتْ ثَوْبَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَادَةً لَهَا (بَلْ تُنْقَلُ) بَعِيدًا عَنْ مُرُورِ النَّاسِ دَفْعًا لِشَرِّهَا (وَتَقَدَّمَ آخَرُ حَدِّ الْمُحَارَبِينَ وَلَا يُبَاحُ قَتْلُ الْكِلَابِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ غَيْرِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ لِمَفْهُومِ تَقْيِيدِ الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ (وَيُبَاحُ اقْتِنَاؤُهَا) أَيْ الْكِلَابِ غَيْرِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ وَالْعَقُورِ (لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي كِتَابِ الْبَيْعِ) وَالْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ فِي الْآدَابِ: فَإِنْ اقْتَنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مَنْ لَا يَصِيدُ بِهِ احْتَمَلَ الْجَوَازَ، وَالْمَنْعَ وَهَكَذَا الِاحْتِمَالَانِ فِيمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لِيَحْفَظَ لَهُ حَرْثًا أَوْ مَاشِيَةً إنْ حَصَلَتْ أَوْ يَصِيدُ بِهِ إنْ احْتَاجَ إلَى الصَّيْدِ.
(وَالْجَوَارِحُ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا مَا يَصِيدُ بِنَابِهِ كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَكُلَّمَا أَمْكَنَ الِاصْطِيَادُ بِهِ) قَالَ فِي الْمُذَهَّبِ وَالتَّرْغِيبِ: وَالنَّمِرُ (وَتَعْلِيمُهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَنْ يَسْتَرْسِلَ إذَا أَرْسَلَهُ وَيَنْزَجِرَ إذَا زُجِرَ لَا فِي حَالِ مُشَاهَدَتِهِ الصَّيْدَ وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْمُعَلَّمِ تَرْكَ الْأَكْلِ فَكَانَ شَرْطًا كَالِانْزِجَارِ إذَا زُجِرَ قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْخِصَالَ تُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْكَلْبِ فَإِنَّهُ الَّذِي يُجِيبُ صَاحِبَهُ إذَا دَعَاهُ وَيَنْزَجِرُ إذَا زُجِرَ وَالْفَهْدُ لَا يَكَادُ يُجِيبُ دَاعِيًا وَإِنْ عُدَّ مُتَعَلِّمًا فَيَكُونُ التَّعْلِيمُ فِي حَقِّهِ بِتَرْكِ الْأَكْلِ خَاصَّةً أَوْ بِمَا يَعُدُّهُ أَهْلُ الْعُرْفِ مُتَعَلِّمًا.
(وَلَا يُعْتَبَرُ تَكْرَارُهُ) أَيْ تَرْكُ الْأَكْلِ (بَلْ يَحْصُلُ) تَعْلِيمُهُ (بِ) تَرْكِ الْأَكْلِ (مَرَّةً) لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ صَنْعَةً أَشْبَهَ سَائِرَ الصَّنَائِعِ (فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعْلِيمِهِ لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَعَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِ التَّعْلِيمِ فِيهِ فَلَا يَحْرُمُ بِالِاحْتِمَالِ (وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَلَ مِنْهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ» (وَلَمْ يَخْرُجْ) بِالْأَكْلِ (عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا فَيُبَاحُ مَا صَادَهُ بَعْدَ الصَّيْدِ الَّذِي أَكَلَ مِنْهُ) لِأَنَّنَا تَحَقَّقْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ لِعَدَمِ تَعْلِيمِهِ بَلْ لِجُوعٍ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ شَرِبَ) الْكَلْبُ وَنَحْوُهُ (دَمَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ لَمْ يَحْرُمْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ (وَيَجِبُ غَسْلُ مَا أَصَابَهُ فَمُ الْكَلْبِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ أَصَابَتْهُ نَجَاسَتُهُ فَوَجَبَ غَسْلُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَوَانِي.
(وَ) النَّوْعُ (الثَّانِي) مِنْ الْجَوَارِحِ (ذُو الْمِخْلَبِ) بِكَسْرِ الْمِيم (كَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالْعُقَابِ وَالشَّاهِينِ وَنَحْوِهَا فَتَعْلِيمُهُ بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إذَا أُرْسِلَ وَيَرْجِعَ إذَا دُعِيَ وَلَا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الْأَكْلِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ وَإِنْ أَكَلَ الصَّقْرُ فَكُلْ " وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ وَلِأَنَّ تَعْلِيمَهُ بِالْأَكْلِ وَيَتَعَذَّرُ تَعْلِيمُهُ بِدُونِهِ فَلَمْ يُقْدَحْ فِي تَعْلِيمِهِ بِخِلَافِ الْكَلْبِ (وَلَا بُدَّ أَنْ يَجْرَحَ) ذُو الْمِخْلَبِ (الصَّيْدَ فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ رَمْيِهِ أَوْ خَنَقَهُ فَلَمْ يُبَحْ) لِأَنَّهُ قَتَلَ بِغَيْرِ جُرْحٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ بِالْحَجَرِ وَالْبُنْدُقِ.
[فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّالِثُ إرْسَالُ الْآلَةِ قَاصِدًا الصَّيْدَ]
(فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّالِثُ إرْسَالُ الْآلَةِ قَاصِدًا الصَّيْدَ فَلَوْ سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَعَقَرَهُ لَمْ يَحِلَّ وَإِنْ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ أَوْ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ) فَقَتَلَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ إرْسَالَ الْجَارِحَةِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ التَّسْمِيَةُ مَعَهُ (أَوْ أَرْسَلَهُ) أَيْ الْجَارِحَ (وَلَمْ يُسَمِّ) عِنْدَ إرْسَالِهِ (لَمْ يَصِحَّ صَيْدُهُ) لِلْخَبَرِ (فَإِنْ زَجَرَهُ وَلَمْ يَزِدْ عَدْوَهُ فَكَذَلِكَ) أَيْ يَحِلُّ صَيْدُهُ لِأَنَّ الزَّجْرَ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا عَنْ اسْتِرْسَالِ الصَّائِدِ بِنَفْسِهِ (وَإِنْ زَجَرَهُ فَوَقَفَ ثُمَّ أَشْلَاهُ) أَيْ أَرْسَلَهُ (وَسَمَّى) عِنْدَ إرْسَالِهِ (أَوْ سَمَّى وَزَجَرَهُ وَلَمْ يَقِفْ لَكِنَّهُ زَادَ عَدْوَهُ بِإِشْلَائِهِ حَلَّ صَيْدُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إرْسَالِهِ) لِأَنَّ زَجْرَهُ لَهُ أَثَّرَ فِي عَدْوِهِ لِأَنَّ فِعْلَ الْآدَمِيِّ إذَا انْضَافَ إلَى فِعْلِ الْبَهِيمَةِ كَانَ الِاعْتِبَارُ لِفِعْلِ الْآدَمِيِّ.
(وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ إلَى هَدَفٍ فَقَتَلَ صَيْدًا) لَمْ يَحِلَّ (أَوْ أَرْسَلَهُ يُرِيدُ الصَّيْدَ وَلَا يَرَى صَيْدًا) لَمْ يَحِلَّ (أَوْ قَصَدَ إنْسَانًا أَوْ حَجَرًا أَوْ رَمَى عَبَثًا غَيْرَ قَاصِدٍ صَيْدًا) فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ (أَوْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيْدًا أَوْ شَكَّ فِيهِ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ أَوْ ظَنَّهُ آدَمِيًّا أَوْ بَهِيمَةٍ فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ) لِأَنَّ قَصْدَ الصَّيْدِ شَرْطٌ وَلَمْ يُوجَدْ (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ أَوْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَلَ جَمَاعَةً) حَلَّ الْجَمِيعُ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ وَلِأَنَّهُ أَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ فَحَلَّ مَا صَادَهُ (أَوْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ عَلَى صَيْدٍ فَأَعَانَتْهُ الرِّيحُ فَقَتَلَهُ وَلَوْلَاهَا مَا وَصَلَ) السَّهْمُ حَلَّ لِأَنَّ قَتْلَهُ بِسَهْمِهِ وَرَمْيِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَى حَجَرٍ فَرَدَّهُ عَلَى الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ وَلِأَنَّ الْإِرْسَالَ لَهُ حُكْمُ الْحِلِّ وَالرِّيحُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا (أَوْ وَقَعَ سَهْمُهُ فِي حَجَرٍ فَرَدَّهُ) الْحَجَرُ (عَلَى الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ حَلَّ الْجَمِيعُ) لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ (وَالْجَارِحُ بِمَنْزِلَةِ السَّهْمِ) فَلَوْ أَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ غَيْرَهُ أَوْ عَلَى صَيْدٍ فَصَادَ عَدَدًا حَلَّ الْجَمِيعُ.
(فَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ مَلَكَهُ) لِأَنَّهُ أَزَالَ امْتِنَاعَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ (فَإِنْ تَحَامَلَ) الصَّيْدُ بَعْدَ إثْبَاتِهِ (وَمَشَى غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مُثْبِتِهِ (لَزِمَهُ رَدُّهُ) إلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ فَلَزِمَهُ كَالشَّاةِ وَنَحْوِهَا (وَلَوْ دَخَلَ خَيْمَتَهُ أَوْ دَارِهِ وَنَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِثْبَاتِ فَيُرَدُّ لِمُثْبِتِهِ (كَمَا لَوْ مَشَى) الصَّيْدُ (بِالشَّبَكَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ) مِمَّنْ قَصَدَهُ فَإِنَّهُ يُرَدُّ لِرَبِّ الشَّبَكَةِ لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ (وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ) أَيْ الصَّيْدَ (وَبَقِيَ مُمْتَنِعًا فَدَخَلَ خَيْمَةَ إنْسَانٍ فَأَخَذَهُ) مَلَكَهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يُثْبِتْهُ فَإِذَا أَخَذَهُ الثَّانِي مَلَكَهُ.
(أَوْ دَخَلَتْ ظَبْيَةٌ دَارِهِ فَأَغْلَقَ بَابَهُ وَجَهِلَهَا) مَلَكَهَا لِأَنَّهُ سَبَقَ إلَيْهَا (أَوْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهَا) بِذَلِكَ مَلَكَهَا لِلْحِيَازَةِ (أَوْ عَشَّشَ طَيْرٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ فِي بُرْجِهِ وَفَرَّخَ فِيهِ مَلَكَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ فَمَلَكَهُ بِحِيَازَتِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ مَا يَبْنِيهِ النَّاسُ مِنْ الْأَبْرِجَةِ فَيُعَشِّشُ فِيهَا الطُّيُورُ وَيَمْلِكُونَ الْفِرَاخَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ مَمْلُوكَةً فَهِيَ لِأَرْبَابِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ زَادَ وَلَوْ تَحَوَّلَ الطَّيْرُ مِنْ بُرْجِ زَيْدٍ إلَى بُرْجِ عَمْرٍو لَزِمَ عَمْرًا رَدَّهُ وَإِنْ اخْتَلَطَ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ مُنِعَ عَمْرو مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ يَنْقُلُ الْمِلْكَ حَتَّى يَصْطَلِحَا وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ حَقَّهُ أَوْ وَهَبَهُ صَحَّ فِي الْأَقْيَسِ.
(وَمِثْلُهُ إحْيَاءُ أَرْضٍ بِهَا كَنْزٌ) مَلَكَهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا زَادَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي الْأَصَحِّ وَتَقَدَّمَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَا يَمْلِكُهُ بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ الْجَامِدِ (وَكَنَصْبِ خَيْمَةٍ وَفَتْحِ حِجْرِهِ لِذَلِكَ) أَيْ لِلصَّيْدِ فَيَحْصُلُ فِيهَا أَوْ فِيهِ فَيَمْلِكُهُ لِلْحِيَازَةِ.
(وَ) كَ (نَصْبِ شَبَكَةٍ وَشَرَكِ فَخٍّ وَمِنْجَلٍ لِذَلِكَ) أَيْ لِلصَّيْدِ (وَحَبْسِ جَارِحٍ لَهُ) أَيْ لِلصَّيْدِ (أَوْ بِإِلْجَائِهِ بِمَضِيقٍ لَا يُفْلِتُ مِنْهُ) فَيَمْلِكُهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إثْبَاتِهِ (وَإِنْ صَنَعَ بِرْكَةً لِيَصِيدَ بِهَا سَمَكًا فَمَا حَصَلَ فِيهَا مَلَكَهُ)
كَمَا لَوْ حَصَلَ بِشَبَكَتِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا) أَيْ الْبِرْكَةِ (ذَلِكَ) أَيْ صَيْدِ السَّمَكِ (لَمْ يَمْلِكهُ) بِحُصُولِهِ فِيهَا (كَتَحَوُّلِ صَيْدِ بِأَرْضِهِ أَوْ حَصَلَ) الصَّيْدُ (فِيهَا) أَيْ أَرْضِهِ (مِنْ مَدِّ الْمَاءِ) أَيْ زِيَادَتِهِ (أَوْ عَشَّشَ فِيهَا) أَيْ الْأَرْضِ (طَائِرٌ) لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِذَلِكَ (وَلِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ رَبِّ الْأَرْضِ (أَخْذُهُ) أَيْ السَّمَكِ أَوْ الطَّائِرِ (كَ) أَخْذِ (الْمَاءِ وَالْكَلَإِ) مِنْهَا بِجَامِعِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَمْ يَجُزْ (وَإِنْ رَمَى طَيْرًا عَلَى شَجَرَةٍ فِي دَارِ قَوْمٍ فَطَرَحَهُ فِي دَارِهِمْ) فَأَخَذُوهُ (فَهُوَ لِلرَّامِي) لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِإِزَالَةِ امْتِنَاعِهِ قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ.
وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ إنْ حَمَلَ نَفْسَهُ فَيَسْقُطُ خَارِجَ الدَّارِ فَهُوَ لَهُ وَإِنْ سَقَطَ فِيهَا فَهُوَ لَهُمْ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى، وَفِي الرِّعَايَةِ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لِلْمُوحِي.
(وَلَوْ وَقَعَ صَيْدٌ فِي شَرَكِ إنْسَانٍ أَوْ شَبَكَتِهِ وَنَحْوِهِ وَأَثْبَتَهُ ثُمَّ أَخَذَهُ إنْسَانٌ لَزِمَهُ رَدُّهُ) إلَى رَبِّ الشَّبَكَةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ بِآلَتِهِ (وَإِنْ لَمْ تُمْسِكْهُ الشَّبَكَةُ وَانْفَلَتَ مِنْهَا فِي الْحَالِ) أَوْ أَخْرَقَهَا وَذَهَبَ مِنْهَا (أَوْ بَعْدَ حِينٍ لَمْ يَمْلِكْهُ) رَبُّ الشَّبَكَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْهُ فَإِذَا صَادَهُ غَيْرُهُ مَلَكَهُ (وَإِنْ أَخَذَ الشَّبَكَةَ وَذَهَبَ بِهَا فَصَادَهُ إنْسَانٌ) مَعَ بَقَاءِ امْتِنَاعِهِ (مَلَكَهُ) الثَّانِي (وَيَرُدُّ الشَّبَكَةَ) لِرَبِّهَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّ الشَّبَكَةِ فَهِيَ لُقَطَةٌ (فَإِنْ مَشَى) الصَّيْدُ (بِهَا) أَيْ بِالشَّبَكَةِ (عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ فَهُوَ لِصَاحِبِهَا) لِأَنَّهُ أَزَالَ امْتِنَاعُهُ (كَمَا لَوْ أَمْسَكَهُ الصَّائِدُ وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْفَلَتَ مِنْهُ) فَإِنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ عَنْهُ بِانْفِلَاتِهِ.
(وَإِنْ اصْطَادَ صَيْدًا فَوَجَدَ عَلَيْهِ عَلَامَةَ مُلْكٍ كَقِلَادَةٍ فِي عُنُقِهِ أَوْ قُرْطٍ فِي أُذُنِهِ أَوْ وَجَدَ الطَّائِرَ مَقْصُوصَ الْجَنَاحِ لَمْ يَمْلِكْهُ) لِأَنَّ الَّذِي صَادَهُ أَوَّلًا مَلَكَهُ (وَيَكُونُ لُقَطَةً) فَيُعَرِّفُهُ وَاجِدُهُ (وَمَنْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ) لِأَنَّ السَّمَكَةَ مِنْ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ فَمُلِكَتْ بِالسَّبْقِ إلَيْهَا كَمَا لَوْ فَتَحَ حِجْرَهُ زَادَ فِي الْوَجِيزِ مَا لَمْ تَكُنِ السَّفِينَةُ مُعَدَّةً لِلصَّيْدِ فِي هَذَا الْحَالِ (وَإِنْ وَقَعَتْ) السَّمَكَةُ (فِيهَا) أَيْ فِي السَّفِينَةِ (فَلِصَاحِبِهَا) لِأَنَّ السَّفِينَةَ مِلْكٌ وَيَدُهُ عَلَيْهَا (وَإِنْ وَثَبَتْ بِفِعْلِ إنْسَانٍ لِقَصْدِ الصَّيْدِ كَالصَّيَّادِ الَّذِي يَجْعَلُ فِي السَّفِينَةِ ضَوْءًا بِاللَّيْلِ وَيَدُقُّ بِشَيْءٍ كَالْجَرَسِ لِثَبْتِ السَّمَكِ فِي السَّفِينَةِ فَلِلصَّيَّادِ) لِأَنَّهُ أَثْبَتَهَا بِذَلِكَ.
(وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الصَّيْدَ بِهَذَا) الْفِعْلِ (بَلْ حَصَلَ اتِّفَاقًا فَهِيَ) أَيْ السَّمَكَةُ (لِمَنْ وَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ) لِأَنَّهُ إلَى مُبَاحٍ.
(وَلَا يُصَادَ الْحَمَامُ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَحْشِيًّا) لِأَنَّ الْأَهْلِيَّ مِلْكٌ لِأَهْلِهِ (وَيَحْرُمُ صَيْدُ سَمَكٍ وَغَيْرِهِ بِنَجَاسَةٍ كَعَذِرَةٍ وَمَيْتَةٍ وَدَمٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ أَكْلِ السَّمَكِ لِلنَّجَاسَةِ فَيَصِيرُ كَالْجَلَّالَةِ (وَعَنْهُ يُكْرَهُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي
الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ (وَإِنْ مَنَعَهُ الْمَاءَ حَتَّى صَادَهُ حَلَّ أَكْلُهُ) وَأَمَّا نَفْسُ الْفِعْلِ فَغَيْرِ مُبَاحٍ.
(وَيُكْرَهُ الصَّيْدُ بِبَنَاتِ وَرْدَان لِأَنَّ مَأْوَاهَا الْحُشُوشُ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَ) يُكْرَهُ (بِضَفَادِعَ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ الضُّفْدَعُ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ.
(وَ) يُكْرَهُ الصَّيْدُ بِ (شَبَاشِبَ وَهُوَ طَيْرٌ تُخَاطُ عَيْنَاهُ أَوْ تُرْبَطُ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ (وَ) يُكْرَهُ الصَّيْدُ (بِخَرَاطِيمَ وَكُلِّ شَيْءٍ فِيهِ رُوحٌ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِهِ.
(وَ) يُكْرَهُ صَيْدُ شَيْءٍ (مِنْ وَكْرِهِ) لِخَوْفِ الْأَذَى وَ (لَا) يُكْرَهُ الصَّيْدُ (بِلَيْلٍ وَلَا) صَيْدُ (فَرْخٍ مِنْ وَكْرِهِ وَلَا) الصَّيْدُ (بِمَا يُسْكِرُهُ) أَيْ الصَّيْدَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ (وَلَا بِشَبَكَةٍ وَشَرَكٍ وَفَخٍّ وَدَبْقٍ وَكُلِّ حِيلَةٍ وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ) الصَّيْدَ (بِمُثْقِلٍ كَبُنْدُقٍ) وَكَذَا كَرِهَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الرَّمْيَ بِالْبُنْدُقِ مُطْلَقًا لِنَهْيِ عُثْمَانَ (وَنَصُّهُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ (لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُنْدُقِ وَيُرْمَى بِهَا الصَّيْدُ لَا لِلْعَبَثِ) وَأَطْلَقَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ.
(وَإِذَا أَرْسَلَ صَيْدًا وَقَالَ: أَعْتَقْتُكِ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ) وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ إجْمَاعًا كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ أَعْتَقْتُكَ وَكَانْفِلَاتِهِ وَ (كَمَا أَرْسَلَ الْبَعِيرَ وَالْبَقَرَةَ) وَنَحْوَهُمَا مِنْ الْبَهَائِمِ الْمَمْلُوكَةِ فَإِنَّ مِلْكَهُ عَنْهَا لَا يَزُولُ بِذَلِكَ.
[فَصْلٌ الشَّرْطُ الرَّابِعُ التَّسْمِيَةُ وَلَوْ بِغَيْرِ عَرَبِيَّةٍ]
(فَصْلٌ الشَّرْطُ الرَّابِعُ: التَّسْمِيَةُ وَلَوْ بِغَيْرِ عَرَبِيَّةٍ) مِمَّنْ يُحْسِنُهَا (عِنْدَ إرْسَالِ السَّهْمِ وَالْجَارِحَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] وَالْأَخْبَارُ، وَلِأَنَّ الْإِرْسَالَ هُوَ الْفِعْلُ الْمَوْجُودُ مِنْ الْمُرْسِلِ فَاعْتُبِرَتْ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ كَمَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ الذَّبْحِ.
وَ (لَا) تُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ (مِنْ أَخْرَسَ) لِتَعَذُّرِهَا مِنْهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إشَارَتِهِ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الذَّكَاةِ وَالْوُضُوءِ وَغَيْرِهِمَا لِقِيَامِ إشَارَتِهِ مَقَامَ نُطْقِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى كَمَا فِي ذَكَاتِهِ.
(وَلَا يَضُرُّ تَقَدُّمُ) التَّسْمِيَةِ بِزَمَنٍ (يَسِيرٍ) كَالْعِبَادَاتِ (أَوْ تَأَخُّرُ) أَيْ لَا يَضُرُّ تَأَخُّرٌ يَسِيرٌ كَالتَّقَدُّمِ (وَكَذَا) لَا يَضُرُّ (تَأَخُّرٌ كَثِيرٌ فِي جَارِحٍ إذَا زَجَرَهُ فَانْزَجَرَ) عِنْدَ التَّسْمِيَةِ إقَامَةً لِذَلِكَ مَقَامَ الْإِرْسَالِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ (عَمْدًا أَوْ سَهْوًا) أَوْ جَهْلًا (لَمْ يُبَحْ) الصَّيْدُ لِلْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّيْدِ وَالذَّبِيحَةِ أَنَّ الذَّبْحَ وَقَعَ فِي مَحِلِّهِ فَجَازَ أَنْ يُسَامَحَ فِيهِ بِخِلَافِ
الصَّيْدِ وَلِأَنَّ فِي الصَّيْدِ نُصُوصًا خَاصَّةً، وَلِأَنَّ الذَّبِيحَةَ تَكْثُرُ وَيَكْثُرُ النِّسْيَانُ فِيهَا.
(وَإِنْ سَمَّى عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ) الصَّائِدُ (غَيْرَهُ حَلَّ) الْمُصَابُ (وَلَوْ سَمَّى عَلَى سَهْمٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ وَرَمَى بِغَيْرِهِ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ يُبَحْ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ عَلَى صَيْدٍ بِعَيْنِهِ اُعْتُبِرَتْ عَلَى الْآلَةِ الَّتِي يَصِيدُ بِهَا بِخِلَافِ الذَّبِيحَةِ.
(وَدَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ مَأْكُولٌ) كَمَيْتَتِهِ.
[كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَكَفَّارَاتهَا]
(وَهِيَ) أَيْ الْأَيْمَانُ كَأَيْمُنٍ (جَمْعُ يَمِينٍ وَهِيَ الْقَسَمُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالسِّينِ (وَالْإِيلَاءِ وَالْحَلِفِ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ) تَأْتِي أَمْثِلَتُهَا (فَالْيَمِينُ تَوْكِيدُ الْحُكْمِ) الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) وَأَصْلُهَا يَمِينُ الْيَدِ سُمِّيَ الْحَلِفُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْحَالِفَ يُعْطِي يَمِينَهُ فِيهِ كَمَا فِي الْعَهْدِ وَالْمُعَاهَدَةِ (وَهِيَ) أَيْ الْيَمِينِ (وَجَوَابُهَا كَشَرْطٍ وَجَزَاءٍ) وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِجْمَاعُ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] وَقَوْلُهُ ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ مِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَوَضْعُهَا فِي الْأَصْلِ لِتَأْكِيدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: 53] وَ ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] (وَالْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ أَرَادَهُ تَحْقِيقُ خَبَرٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (مُمْكِنٌ بِقَوْلِهِ يَقْصِدُ بِهِ الْحَثَّ عَلَى فِعْلِ الْمُمْكِنِ أَوْ تَرْكِهِ) فَالْحَثُّ عَلَى الْفِعْلِ نَحْوُ: وَاَللَّهِ لَأَعْتَكِفَنَّ غَدًا وَالْحَثُّ عَلَى التَّرْكِ نَحْوَ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا زَنَيْتُ أَبَدًا (وَالْحَلِفُ عَلَى مَاضٍ إمَّا بَرٌّ وَهُوَ الصَّادِقُ) فِي حَلِفِهِ (وَإِمَّا غَمُوسٌ وَهُوَ الْكَاذِبُ) لِغَمْسِهِ فِي الْإِثْمِ، ثُمَّ فِي النَّارِ كَمَا يَأْتِي (أَوْ لَغْوٌ وَهُوَ مَا لَا أَجْرَ فِيهِ وَلَا إثْمَ وَلَا كَفَّارَةَ) لِأَنَّ اللَّغْوَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ (وَلَا يَصِحُّ) الْيَمِينُ (إلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ) لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَالْإِقْرَارِ وَلِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» (مُخْتَار) فَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (قَاصِدًا الْيَمِينَ) فَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ لِلْخَبَرِ (وَتَصِحُّ) الْيَمِينُ (مِنْ كَافِرٍ) وَلَوْ غَيْرَ ذِمِّيٍّ (وَتَلْزَمهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ، حَنِثَ فِي كُفْرِهِ أَوْ بَعْدَهُ) لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقَسَمِ قَالَ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 12] أَيْ لَا يَفُونَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: 13] وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ.
(وَالْحَلِفُ) خَمْسَةُ أَقْسَامٍ (مِنْهُ وَاجِبٌ مِثْلَ أَنْ يُنَجِّيَ بِهِ إنْسَانًا مَعْصُومًا مِنْ هَلَكَةٍ وَلَوْ نَفْسَهُ، مِثْلَ أَنْ تَتَوَجَّهَ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَيْهِ وَهُوَ بَرِيءٌ) فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلِفُ لِلْإِنْجَاءِ مِنْ الْهَلَكَةِ.
(وَ) مِنْهُ (مَنْدُوبٌ مِثْلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ إصْلَاحٍ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ أَوْ إزَالَةِ حِقْدٍ مِنْ قَلْبِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَالِفِ أَوْ) عَنْ (غَيْرِهِ أَوْ دَفْعِ شَرٍّ) عَنْ الْحَالِفِ أَوْ غَيْرِهِ.
(فَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ) كَلَيُصَلِّيَنَّ (أَوْ) عَلَى (تَرْكِ مَعْصِيَةٍ) كَلَا يَزْنِي (فَلَيْسَ بِمَنْدُوبٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْأَغْلَبِ وَلَوْ كَانَ مَنْدُوبًا لَمْ يُخِلُّوا بِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى النَّذْرِ.
(وَ) مِنْهُ (مُبَاحٌ كَالْحَلِفِ عَلَى فِعْلِ مُبَاحٍ أَوْ) عَلَى (تَرْكِهِ أَوْ عَلَى الْخَبَرِ بِشَيْءٍ هُوَ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ فِيهِ صَادِقٌ وَ) مِنْهُ (مَكْرُوهٌ كَالْحَلِفِ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ أَوْ) عَلَى (تَرْكِ مَنْدُوبٍ) وَلَا يَلْزَمُ حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزْيَدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَزِيدُ عَلَى تَرْكِهَا لَوْ تَرَكَهَا لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحَلِفِ الْمَكْرُوهِ (الْحَلِفُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) «الْحَلِفُ مُنْفِقٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقٌ لِلْبَرَكَةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) مِنْهُ (مُحَرَّمٌ وَهُوَ الْحَلِفُ كَاذِبًا عَمْدًا أَوْ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ وَمَتَى كَانَتْ الْيَمِينُ فِعْلَ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكَ مُحَرَّمٍ كَانَ حِلُّهَا أَيْ حِنْثُهَا مُحَرَّمًا) لِمَا فِي الْحِنْثِ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ فِعْلِ الْمُحَرَّمِ.
(وَيَجِبُ بِرُّهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (إنْ كَانَتْ) الْيَمِينُ (عَلَى فِعْلِ مَنْدُوبٍ أَوْ) عَلَى (تَرْكِ مَكْرُوهٍ وَيُسْتَحَبّ بِرُّهُ) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى بِرِّهِ مِنْ الثَّوَابِ الْحَاصِلِ بِفِعْلِ الْمَنْدُوبِ وَتَرْكِهِ الْمَكْرُوهَ (وَإِنْ كَانَتْ) الْيَمِينُ (عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ فَحِلُّهَا مَنْدُوبٌ) لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ سَمُرَةَ.
وَتَقَدَّمَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الثَّوَابِ وَتَرْكِ الْمَكْرُوهِ امْتِثَالًا وَفِعْلِ الْمَنْدُوبِ (وَيُكْرَهُ بِرُّهُ) لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ الْمَكْرُوهِ وَتَرْكِ الْمَنْدُوبِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْيَمِينُ (عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ) لِمَا فِي
بِرِّهِ مِنْ الْإِثْمِ بِفِعْلِ الْمُحَرَّمِ أَوْ تَرْكِ الْوَاجِبِ (وَيَحْرُمُ بِرُّهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَحِلُّهَا) أَيْ الْيَمِينِ (فِي الْمُبَاحِ مُبَاحٌ وَحِفْظُهَا) أَيْ الْيَمِينِ (فِيهِ) أَيْ الْمُبَاحِ (أَوْلَى) مِنْ حِنْثٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89] " فَائِدَةٌ " قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا كَذَبْتُ قَطُّ وَلَا حَلَفْتُ بِاَللَّهِ تَعَالَى صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا (وَلَا يَلْزَمُ إبْرَارُ قَسَمٍ كَمَا) يَلْزَمُ الْمَسْئُولَ (إجَابَةُ سُؤَالٍ بِاَللَّهِ) تَعَالَى بَلْ يُسَنُّ ذَلِكَ لَا تَكْرَار حَلِفٍ فَإِنْ أَفْرَطَ كُرِهَ.
[فَصْل وَالْيَمِين الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ]
ُ (وَالْيَمِين الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ إذَا حِنْثَ) فِيهَا (هِيَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ: وَاَللَّهِ وَبِاَللَّهِ وَتَاللَّهِ) أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى نَحْوُ:
(وَالرَّحْمَنِ وَالْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ وَخَالِقِ الْخَلْقِ وَرَازِقِ الْعَالَمِينَ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْعَالِمِ بِكُلِّ شَيْءٍ وَرَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ وَالْآخِرِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ فَكَانَ الْحَلِفُ بِهَا مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) ب (صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ كَوَجْهِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَجَبَرُوتِهِ) صِفَةٌ مُبَالَغَةٌ فِي الْجَبْرِ أَيْ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ (وَنَحْوِهِ) فَيَنْعَقِدُ الْحَلِفُ بِهَذِهِ (حَتَّى وَلَوْ نَوَى مَقْدُورَهُ وَمَعْلُومَهُ وَمُرَادُهُ) أَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْيَمِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي مَقْصُودِهِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ (وَأَمَّا مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (كَالْعَظِيمِ وَالرَّحِيمِ وَالرَّبِّ وَالْمَوْلَى وَالرَّازِقِ فَإِنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ) تَعَالَى (أَوْ أَطْلَقَ كَانَ يَمِينًا) لِأَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ تَعَالَى.
(فَإِنْ نَوَى) بِهِ (غَيْرَهُ) تَعَالَى (فَلَيْسَ بِيَمِينٍ) لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: 50] ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: 8] ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]
وَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ وَالْقَادِرُ بِاكْتِسَابِهِ وَحَيْثُ أَرَادَ بِهِ غَيْرَهُ تَعَالَى لَمْ يَبْقَ يَمِينًا لِعَدَمِ تَنَاوُلهِ لِمَا يُوجِبُ الْقَسَمِ (وَمَا لَا يُعَدُّ مِنْ أَسْمَائِهِ) تَعَالَى (وَلَا يَنْصَرِفُ إطْلَاقُهُ إلَيْهِ وَيَحْتَمِلُهُ) تَعَالَى (كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْحَيِّ وَالْعَالِمِ وَالْمُؤْمِنِ وَالْوَاحِدِ وَالْمُكْرِمِ وَالشَّاكِرِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ اللَّهَ) .
لَمْ يَكُنْ يَمِينًا (أَوْ نَوَى) بِهِ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى (لَمْ يَكُنْ يَمِينًا) لِأَنَّ الْحَلِفُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ لَمْ يُقْصَدْ وَلَا اللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِي إرَادَتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ عَلَى الْحَالِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى (وَإِنْ نَوَاهُ) أَيْ نَوَى بِهِ اللَّه تَعَالَى (كَانَ يَمِينًا) لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلهُ فَكَانَ يَمِينًا كَقَوْلِهِ: وَالرَّحِيمِ وَالْقَادِرِ (وَإِنْ قَالَ وَحَقِّ اللَّهِ وَعَهْدِ اللَّهِ وَاسْمِ اللَّهِ وَأَيْمُنِ - جَمْعُ يَمِينٍ - وَأَمَانَةُ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ وَجَلَالِهِ وَنَحْوِهِ) نَحْوُ عَظَمَتِهِ.
(فَهُوَ يَمِينٌ) تَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ بِشَرْطِ الْحِنْثِ لِإِضَافَتِهَا إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَاسْمٍ كَايْمُنٍ وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ تُفْتَحُ وَتُكْسَرُ وَمِيمُهُ مَضْمُومَةٌ وَقَالُوا ايْمُنُ اللَّهِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنُّونِ مَعَ كَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ أَلِفُهَا أَلْفُ قَطْعٍ وَهِيَ جَمْعُ يَمِينٍ فَكَانُوا يَحْلِفُونَ بِالْيَمِينِ فَيَقُولُونَ وَيَمِينِ اللَّهِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ (وَكَذَا) قَوْلُهُ (عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ) يَكُون يَمِينًا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ» وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَ الزَّرْكَشِيّ ظَاهِرُ الْأَثَرِ وَالْحَدِيثِ التَّحْرِيمُ فَلِذَلِكَ قَالَ (كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ) لَكِنَّ ظَاهِرَ الْمُنْتَهَى كَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ (وَإِنْ قَالَ وَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ وَسَائِرِ ذَلِكَ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَلْفَاظِ الصِّفَاتِ (كَالْأَمَانَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْجَلَالِ وَالْعِزَّةِ وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (لَمْ يَكُنْ يَمِينًا) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ اللَّهِ فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا كَالْمَوْجُودِ (إلَّا أَنْ يَنْوِي صِفَةَ اللَّهِ) تَعَالَى فَيَكُونَ يَمِينًا لِأَنَّ النِّيَّةَ تَجْعَلُ الْعَهْدَ وَنَحْوَهُ كَأَمَانَةِ اللَّهِ فَقَدْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِنْ قَالَ لَعَمْرُ اللَّهِ كَانَ يَمِينًا) أَقْسَمَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُمَا كَالْحَلِفِ بِبَقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) لِقَوْلِهِ لَعَمْرُ اللَّهِ الْيَمِينُ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ (وَمَعْنَاهُ الْحَلِفُ بِبَقَاءِ اللَّهِ وَحَيَاتِهِ) لِأَنَّ الْعَمْرَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا الْحَيَاةُ وَاسْتُعْمِلَ فِي الْقَسَمِ الْمَفْتُوحِ خَاصَّةً وَاللَّامُ لِلِابْتِدَاءِ وَعُمَرُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ قَسَمِي.
(وَإِنْ حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ) فَهُوَ يَمِينٌ لِأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ (أَوْ) حَلَفَ (بِالْمُصْحَفِ) فَهُوَ يَمِينٌ وَلَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ الْحَلِفَ بِالْمُصْحَفِ لِأَنَّ الْحَالِفَ إنَّمَا قَصَدَ الْمَكْتُوبَ فِيهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ دَفَّتِي الْمُصْحَفِ بِالْإِجْمَاعِ
(أَوْ) حَلَفَ (بِالْقُرْآنِ أَوْ بِسُورَةٍ مِنْهُ أَوْ) ب (آيَةٍ) مِنْهُ (أَوْ بِحَقِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ يَمِينٌ) لِأَنَّهُ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ تَعَالَى (فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَتْ الْيَمِينُ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَجَبَتْ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا كَانَتْ الْيَمِينُ وَاحِدَةً كَانَ أَوْلَى (وَكَذَا لَوْ حَلَفَ بِالتَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ) الْمُنَزَّلَةِ كَالزَّبُورِ وَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى لِأَنَّ إطْلَاقَ الْيَمِينِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دُون الْمُبَدَّلِ وَلَا تَسْقُطُ حُرْمَةُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخَ الْحُكْمِ بِالْقُرْآنِ إذْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ كَالْآيَةِ الْمَنْسُوخِ حُكْمُهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهَا كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَإِنْ قَالَ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَوْ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ أَوْ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ) كَانَ يَمِينًا (أَوْ) قَالَ (أَقْسَمْتُ بِاَللَّهِ أَوْ شَهِدْتُ بِاَللَّهِ أَوْ حَلَفْتُ بِاَللَّهِ أَوْ آلَيْتُ بِاَللَّهِ) أَوْ عَزَمْتُ بِاَللَّهِ (كَانَ يَمِينًا) نَوَى بِهِ الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ قَالَ تَعَالَى ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] . وَقَالَ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: 109] وَقَالَ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ بِاَللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْفِعْلَ كَانَ يَمِينًا فَإِذَا ضَمَّ إلَيْهِ مَا يُؤَكِّدُهُ كَانَ أَوْلَى.
(وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ كَأَنْ قَالَ أَحْلِفُ وَحَلَفْتُ أَوْ أَشْهَدُ أَوْ شَهِدْتُ إلَى آخِرِهَا) كَأَقْسَمْتُ أَوْ أُقْسِمُ أَوْ عَزَمْتُ أَوْ أَعْزِمُ أَوْ آلَيْتُ (لَمْ يَكُنْ يَمِينًا) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ بِاَللَّهِ وَيَحْتَمِلُ الْقَسَمَ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا كَغَيْرِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُمَا (إلَّا أَنْ يُنْوِيَ) لِأَنَّ النِّيَّةَ صَرَفَتْهُ إلَى الْقَسَمِ بِاَللَّهِ فَيَجِبُ جَعْلُهُ يَمِينًا كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ (وَإِنْ قَالَ نَوَيْتُ بِأَقْسَمْتُ بِاَللَّهِ وَنَحْوِهِ الْخَبَرَ عَنْ قَسَمٍ مَاضٍ أَوْ) نَوَى (بِقَوْلِهِ شَهِدْتُ بِاَللَّهِ آمَنْتُ بِهِ أَوْ) نَوَى (بِأُقْسِمُ وَنَحْوِهِ) كَأَحْلِفُ (الْخَبَرَ عَنْ قَسَمٍ يَأْتِي أَوْ) نَوَى (بِأَعْزِمُ الْقَصْدَ دُونَ الْيَمِينِ دِينَ وَقُبِلَ حُكْمًا) لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ (وَلَا كَفَّارَةَ) إذَنْ حَيْثُ كَانَ قَاصِدًا لِعَدَمِ الْيَمِينِ.
(وَإِنْ قَالَ حَلِفًا بِاَللَّهِ أَوْ قَسَمًا بِاَللَّهِ أَوْ آلَيْتُ بِاَللَّهِ أَوْ آلِي بِاَللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ وَلَوْ لَمْ يَنْوِهَا) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ.
(وَإِنْ قَالَ أَسْتَعِينُ) بِاَللَّهِ (أَوْ أَعْتَصِمُ بِاَللَّهِ أَوْ أَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ أَوْ عَلِمَ اللَّهُ أَوْ عَزَّ اللَّهُ أَوْ تَبَارَكَ اللَّهُ وَنَحْوَهُ) كَالْحَمْدِ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ (لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَلَوْ نَوَى) بِهِ الْيَمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا شَرْعَ وَلَا لُغَةَ وَلَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ.
[فَصْل حُرُوفُ الْقَسَمِ]
(وَحُرُوفُ الْقَسَمِ) ثَلَاثَةٌ (بَاءٌ) وَهِيَ الْأَصْلُ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ الْقَاصِرَة عَنْ التَّعَدِّي تَصِلُ بِهَا إلَى مَفْعُولَاتِهَا لِأَنَّهُ (يَلِيهَا مُظْهَرٌ وَمُضْمَرٌ) وَلَا تُجَامِعُ فِعْلَ الْقَسَمِ وَلَا تُجَامِعُهُ (وَوَاوٌ يَلِيهَا مُظْهَرٌ) فَقَطْ وَلَا تُجَامِعُ فِعْلَ الْقَسَمِ وَهِيَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا (وَتَاءٌ) مُثَنَّاةٌ فَوْقُ (تَخُصُّ اسْمَ اللَّهِ) تَعَالَى وَهِيَ بَدَلٌ مِنْ الْوَاوِ فَإِذَا أَقْسَمَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ فِي مَوْضِعِهِ كَانَ قَسَمًا صَحِيحًا لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَاسْتِعْمَالُ الْعَرَبِ فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْقَسَمَ لَمْ يُقْبَلْ (فَإِنْ قَالَ تَالرَّحْمَنِ أَوْ تَالرَّحِيمِ) أَوْ تَرَبِّي أَوْ تَرَبِّ الْكَعْبَةِ (لَمْ يَكُنْ قَسَمًا) لِأَنَّ التَّاءَ خَاصَّةٌ بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ.
(وَيَصِحُّ الْقَسَمُ بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ فَيَقُولُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِالْجَرِّ وَالنَّصْبِ) لِأَنَّهُ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الشَّرْعِ فَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَتَلَ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّك قَتَلْتَهُ؟ قَالَ اللَّهِ إنِّي قَتَلْتُهُ» «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرُكَانَةَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟» (وَإِنْ رَفَعَهُ) أَيْ اللَّهَ (كَانَ يَمِينًا) لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ يَمِينٌ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحَالِفُ (مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا يَنْوِي بِهِ الْيَمِينَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا نَوَاهَا فَإِنْ نَوَاهَا كَانَ يَمِينًا (وَإِنْ نَصَبَهُ) أَيْ الْمُقْسَمَ بِهِ.
(بِوَاوٍ أَوْ رَفَعَهُ مَعَهَا أَوْ دُونَهَا فَيَمِينٌ إلَّا أَنْ لَا يُرِيدُ عَرَبِيَّ) الْيَمِينِ فَلَا تَكُونُ يَمِينًا لِمَا تَقَدَّمَ (وَهَاء اللَّهِ يَمِينٌ بِالنِّيَّةِ) فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ تَكُنْ يَمِينًا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا عُرْفٌ وَلَا نِيَّةٌ وَلَا حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الْقَسَمِ قُلْتُ وَيَتَوَجَّهُ فِي مِثْلِ تَالرَّحْمَنِ وَلِلَّهِ أَنَّهُ يَمِينٌ بِالنِّيَّةِ.
(قَالَ الشَّيْخُ الْأَحْكَامُ) مِنْ قَسَمٍ وَغَيْرِهِ (مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا أَرَادَهُ النَّاسُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَلْحُونَةِ كَقَوْلِهِ حَلَفْتُ بِاَللَّهِ رَفْعًا وَنَصْبًا) كَقَوْلِهِ (وَاَللَّهِ بِأَصُومُ وَبِأَصْلِيِّ وَنَحْوِهِ، وَكَقَوْلِ الْكَافِرِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللَّهِ بِرَفْعِ الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي وَ) كَقَوْلِهِ (أَوْصَيْتُ لَزَيْدٍ بِمِائَةٍ وَأَعْتَقَتْ سَالِمًا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَقَالَ مَنْ رَامَ جَعْلَ جَمِيعِ النَّاسِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِحَسَبِ عَادَةِ قَوْمٍ بِعَيْنِهِمْ فَقَدْ رَامَ مَالًا يُمْكِنُ عَقْلًا وَلَا يَصِحُّ شَرْعًا انْتَهَى وَهُوَ كَمَا قَالَ) .
لِشَهَادَةِ الْحِسِّ بِهِ.
(وَيُجَابُ الْقَسَمُ فِي الْإِيجَابِ) أَيْ الْإِثْبَاتِ (بِإِنْ خَفِيفَة) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4] (وَ) بِإِنَّ (ثَقِيلَةٍ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6] (وَبِلَامِ التَّوْكِيدِ) نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] (وَبِقَدْ) نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] .
(وَ) ب (بَلْ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: 2] وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ جَوَابُ الْقَسَمِ مَحْذُوفٌ وَبَيْنَهُمْ فِي تَقْدِيرِهِ خِلَافٌ.
(وَ) يُجَابُ الْقَسَمُ (فِي النَّفْي بِمَا) النَّافِيَةِ نَحْوَ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: 1] ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: 2] (وَإِنْ بِمَعْنَاهَا) أَيْ النَّافِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: 107] (وَبِلَا) كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَآلَيْتُ لَا أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ ... وَلَا مِنْ حَفًى حَتَّى تُلَاقِي مُحَمَّدًا
(وَتُحْذَفُ لَا) مِنْ جَوَابِ الْقَسَمِ مُضَارِعًا (نَحْوُ وَاَللَّهِ أَفْعَلُ) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 85] قَالَ فِي الشَّرْحِ وَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ أَفْعَلُ بِغَيْرِ حَرْفٍ فَالْمَحْذُوف هَهُنَا لَا وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّ مَوْضُوعَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَذَلِكَ ثُمَّ اسْتَدَلَّ لَهُ بِالْآيَةِ وَغَيْرِهَا.
(وَيَحْرُمُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ وَ) غَيْرِ (صِفَاتِهِ وَلَوْ) كَانَ الْحَلِفُ (بِنَبِيٍّ لِأَنَّهُ شِرْكٌ فِي تَعْظِيمِ اللَّهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ.
وَرَوَى عُمَرُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ عُمَرَ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ نَهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ (اسْتَغْفَرَ) اللَّهَ (وَتَابَ) بِالنَّدَمِ وَالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ أَنْ لَا يَعُودَ (وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ بِهِ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ لِلِاسْمِ الْأَعْظَمِ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ (وَلَوْ) كَانَ الْحَلِفُ (بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) خِلَافًا لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيْ الشَّهَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَصِيرُ بِهِمَا الْكَافِرُ
مُسْلِمًا وَ (سَوَاءٌ أَضَافَهُ) أَيْ الْمَحْلُوفَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ (إلَى اللَّهِ كَقَوْلِهِ وَمَعْلُومُ اللَّهِ وَخَلْقِهِ وَرِزْقِهِ وَبَيْتِهِ أَوْ لَمْ يُضِفْهُ مِثْلَ وَالْكَعْبَةِ وَالنَّبِيِّ وَأَبِي وَغَيْرِ ذَلِكَ) لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ.
(وَيُكْرَهُ) الْحَلِفُ (بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[فَصْل شُرُوطْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ]
فَصْل (وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُنْعَقِدَةِ إمَّا غَمُوسٌ أَوْ نَحْوَهَا وَإِمَّا لَغْوٌ وَلَا كَفَّارَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَهِيَ) أَيْ الْمُنْعَقِدَةُ (الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ) لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْحِنْثِ وَالْمَنْعِ (بِأَنْ يَقْصِدَ عَقْدَهَا عَلَى مُسْتَقْبَلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] .
فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي الْأَيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ، فَظَاهِرُهُ إرَادَةُ الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الزَّمَانِ لِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي (فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ النَّائِمِ وَ) لَا يَمِينُ (الصَّغِيرِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَ) لَا يَمِينُ (الْمَجْنُونِ وَنَحْوِهِمْ) كَزَائِلِ الْعَقْلِ بِشُرْبِ دَوَاءٍ أَوْ مُحَرَّمٍ مُكْرَهًا لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» .
(وَ) لَا يَنْعَقِدُ (مَا عُدَّ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89] (فَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي فَلَيْسَتْ مُنْعَقِدَةً) لِأَنَّ شَرْطَ الِانْعِقَادِ إمْكَانُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فِي الْمَاضِي (وَهِيَ) أَيْ الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي (نَوْعَانِ غَمُوسٌ وَهِيَ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا) عَلَى الْمَاضِي (كَاذِبًا عَالِمًا) سُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأَنَّهَا (تَغْمِسُهُ) أَيْ الْحَالِف بِهَا (فِي الْإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ " كُنَّا نَعُدّ مِنْ الْيَمِينِ الَّتِي لَا كَفَّارَةَ فِيهَا الْيَمِينَ الْغَمُوسَ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ (وَيُكَفِّرُ كَاذِبٌ فِي لِعَانِهِ ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ كَمَا فِي الْمُبْدِعِ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَهُ (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مُسْتَحِيلٍ لِذَاتِهِ أَوْ) مُسْتَحِيلٍ لِ (غَيْرِهِ كَأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لِأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ إنْ لَمْ أَصْعَدْ أَوْ لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ إنْ فِيهِ مَاءٌ أَوْ إنْ لَمْ أَشْرَبْهُ أَوْ) قَالَ وَاَللَّهِ (لَأَقْتُلَنَّهُ) أَيْ زَيْدًا مَثَلًا (فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ عَلِمَهُ) مَيِّتًا (أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ) لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ (وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْهُ (وَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ إنْ طِرْتُ أَوْ) وَاَللَّهِ (لَا طِرْتُ أَوْ) وَاَللَّهِ إنْ أَوْ لَا (صَعِدْت السَّمَاءَ أَوْ) وَاَللَّهِ إنْ أَوْ لَا (شَاءَ الْمَيِّتُ أَوْ) وَاَللَّهِ إنْ أَوْ لَا (قَلَبْتَ الْحَجَرَ ذَهَبًا أَوْ) وَاَللَّهِ إنْ أَوْ لَا (جَمَعْتَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ أَوْ) النَّقِيضِينَ (أَوْ) وَاَللَّهِ إنْ أَوْ لَا (رَدَدْتَ أَمْس أَوْ) وَاَللَّهِ إنْ أَوْ لَا (شَرِبْت مَاءَ الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ وَنَحْوَهُ) مِنْ الْمُسْتَحِيلَاتِ (فَهَذَا لَغْوٌ) وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
(وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي) بَابِ (الطَّلَاقِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ) وَإِنَّ الْعِتْقَ وَالظِّهَارَ وَنَحْوِهَا كَذَلِكَ (وَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا أَوْ) وَاَللَّهِ (لَا يَفْعَلَنَّ) فُلَانٌ كَذَا فَلَمْ يُطِعْهُ (أَوْ حَلَفَ عَلَى حَاضِرٍ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ) يَا فُلَانُ (كَذَا أَوْ لَا تَفْعَلَنَّ كَذَا فَلَمْ يُطِعْهُ حَنِثَ الْحَالِفُ) لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ) أَيْ الْحَالِفِ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَالْأَكْثَرِ وَ (لَا) تَجِبُ الْكَفَّارَةُ (عَلَى مَنْ أَحْنَثَهُ) لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] (وَإِنْ قَالَ أَسْأَلُكَ بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ وَأَرَادَ الْيَمِينَ فَكَالَّتِي قَبْلَهَا) يَحْنَثُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ (وَإِنْ أَرَادَ الشَّفَاعَةَ إلَيْهِ بِاَللَّهِ) تَعَالَى (فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ) لِعَدَمِ الْإِقْسَامِ (وَيُسَنُّ إبْرَارُ الْقَسَمِ) لِقَوْلِ الْعَبَّاسِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُبَايِعَنَّهُ فَبَايَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ أَبْرَرْتُ قَسَمَ عَمِّي» وَلَا يَجِبُ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقْسَمْتُ عَلَيْك لَتُخْبِرَنِّي بِمَا أَصَبْتُ مِمَّا أَخْطَأْت فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (ك) مَا يُسَنُّ (إجَابَةُ سُؤَالٍ بِاَللَّهِ) قِيَاسًا عَلَى الْقَسَمِ بِهِ (وَلَا يَلْزَمُ) ذَلِكَ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنَّمَا تَجِبُ عَلَى مُعَيَّنٍ إجَابَةُ سَائِلٍ يُقْسِمُ عَلَى النَّاسِ وَرَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ «وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي يَسْأَلُ بِاَللَّهِ وَلَا يُعْطَى بِهِ» فَدَلَّ عَلَى إجَابَةِ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ (وَإِنْ أَجَابَهُ إلَى صُورَة مَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ دُون مَعْنَاهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَعْنَى) أَيْ الْمَقْصُودِ (فَحَسَنٌ) لِأَنَّ فِيهِ صُورَةَ إجَابَةٍ.
(وَ) النَّوْعُ (الثَّانِي) مِنْ نَوْعَيْ الْحَلِفِ عَلَى الْمَاضِي (لَغْوُ الْيَمِينِ وَهُوَ سَبْقُهَا عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَقَوْلِهِ: لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ فِي عَرْضِ حَدِيثِهِ) لِحَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمَالِكٌ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَرَضَ الشَّيْء بِضَمِّ الْعَيْن وَبِفَتْحِهَا خِلَاف الطُّول (وَظَاهِرُهُ وَلَوْ) كَانَ قَوْلُهُ: لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ فِي عُرْضِ حَدِيثِهِ عَلَى الشَّيْءِ يُفْعَلُ (فِي) الزَّمَنِ (الْمُسْتَقْبَلِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89] (وَإِنْ عَقَدَهَا عَلَى زَمَنٍ خَاصٍّ مَاضٍ يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ) كَأَنْ حَلَفَ مَا فَعَلَ كَذَا يَظُنُّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ (فَبَانَ بِخِلَافِهِ حَنِثَ فِي طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ فَقَطْ وَتَقَدَّمَ آخِرَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ) بِخِلَافِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ أَوْ بِنَذْرٍ أَوْ ظِهَارٍ لِأَنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْأَيْمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (وَقَالَ الشَّيْخُ: وَكَذَا عَقْدُهَا عَلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ ظَانًّا صِدْقَهُ فَلَمْ يَكُنْ) صَدْقُهُ (كَمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ يُطِيعُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ أَوْ ظَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ خِلَافَ نِيَّةِ الْحَالِفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَظَنِّهِ خِلَافَ سَبَبِ الْيَمِينِ.
(الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ مُكْرَهٍ) وَتَقَدَّمَ الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ) لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَحْنَثْ لَمْ يَهْتِكْ حُرْمَةَ الْقَسَمِ (بِأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ وَلَوْ مَعْصِيَةٍ) لِأَنَّ الْحِنْثَ الْإِثْمُ، وَلَا وُجُودَ لَهُ إلَّا بِمَا ذَكَرَهُ (مُخْتَارًا ذَاكِرًا فَإِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا كَفَّارَةَ) لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ) إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِهِمَا (نَاسِيًا وَتَقَدَّمَ) فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ (وَجَاهِلٌ كَنَاسٍ) فَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ فَدَخَلَهَا جَاهِلًا أَنَّهَا دَارُهُ حَنِثَ فِي طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ فَقَطْ بِخِلَافِ مَا لَوْ فَعَلَهُ مَجْنُونًا فَلَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا.
[فَصْلٌ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ]
فَصْلٌ وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ أَيْ تَدْخُلُهَا الْكَفَّارَةُ (كَالْيَمِينِ) بِاَللَّهِ تَعَالَى (وَالظِّهَارِ وَالنَّذْرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَحَسَّنَهُ وَقَالَ: رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ عَنْ