صفحات 158-197
[بَاب قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ]
(بَاب قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ) وَهُوَ مَصْدَرٌ بَغَى يَبْغِي إذَا اعْتَدَى وَالْمُرَادُ هُنَا الظَّلَمَةُ الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْمُعْتَدُونَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9]- إلَى قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10] وَفِيهِ فَوَائِدٌ مِنْهَا: أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا بِالْبَغْيِ عَنْ الْإِيمَانِ وَأَنَّهُ أَوْجَبَ قِتَالَهُمْ وَأَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمْ التَّبِعَةَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ فِي قِتَالِهِمْ وَإِجَازَةُ قِتَالِ كُلِّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا عَلَيْهِ وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ مَشْهُورَةٌ مِنْهَا مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِهِمْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَعَلِيًّا قَاتَلَ أَهْلَ الْجَمَلِ وَأَهْلَ صِفِّينَ.
(نَصْبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ لِحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَالذَّبِّ عَنْ الْحَوْزَةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُخَاطَبُ بِذَلِكَ طَائِفَتَانِ إحْدَاهُمَا أَهْلُ الِاجْتِهَادِ حَتَّى يَخْتَارُوا وَالثَّانِيَةُ مَنْ تُوجَدُ فِيهِمْ شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ حَتَّى يَنْتَصِبَ أَحَدُهُمْ لَهَا، أَمَّا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِمْ الْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ الْمُوصِلُ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ وَالرَّأْيَ وَالتَّدْبِيرَ الْمُؤَدِّي إلَى اخْتِيَارِ مَنْ هُوَ لِلْإِمَامَةِ أَصْلَحُ.
وَأَمَّا شُرُوطُ الْإِمَامَةِ فَتَأْتِي فِي كَلَامِهِ (وَيَثْبُتُ) نَصْبُ الْإِمَامِ (بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ كَإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مِنْ بَيْعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ) الَّذِينَ (بِصِفَةِ الشُّهُودِ) مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا نَظَرَ لِمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ كَالْهَوَامِّ (أَوْ يُجْعَلُ الْأَمْرُ شُورَى فِي عَدَدٍ مَحْصُورٍ لِيَتَّفِقَ أَهْلُهَا) أَيْ أَهْلُ الْبَيْعَةِ (عَلَى أَحَدِهِمْ فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ) كَفِعْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ جَعَلَ أَمْرَ الْإِمَامَةِ شُورَى بَيْن سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَوَقَعَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(أَوْ بِنَصِّ مَنْ قَبْلَهُ عَلَيْهِ) بِأَنْ يَعْهَدَ الْإِمَامُ بِالْإِمَامَةِ إلَى إنْسَانٍ يَنُصُّ عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ بِالْإِمَامَةِ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (أَوْ بِاجْتِهَادٍ) مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى نَصْبِ مَنْ يَصْلُحُ وَمُبَايَعَتِهِ (أَوْ بِقَهْرِهِ النَّاسَ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَذْعَنُوا لَهُ وَدَعَوْهُ إمَامًا) فَثَبَتَ لَهُ الْإِمَامَةُ وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةُ طَاعَتَهُ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ: وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً وَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ يَبِيتُ وَلَا يَرَاهُ إمَامًا بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا انْتَهَى.
لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلْكِ بْنَ مَرْوَانَ خَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا وَدَعَوْهُ إمَامًا وَلِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ.
(وَيُعْتَبَرُ) فِي الْإِمَامِ (كَوْنُهُ قُرَشِيًّا) لِحَدِيثِ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَحَدِيثِ «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» وَقَوْلِ الْمُهَاجِرِينَ لِلْأَنْصَارِ: إنَّ الْعَرَبَ لَا تَدِينُ إلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَوَوْا لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَخْبَارِ (بَالِغًا عَاقِلًا) لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ يَحْتَاجُ لِمَنْ يَلِي أَمْرَهُ، فَلَا يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ (سَمِيعًا بَصِيرًا نَاطِقًا) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَّصِفِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَصْلُحُ لِلسِّيَاسَةِ (حُرًّا) لَا عَبْدًا وَلَا مُبَعَّضًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ ذُو الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، فَلَا يَكُونُ وَلِيًّا عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَحَدِيثِ «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ وُلِّيَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ أَسْوَدُ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» مَحْمُولٌ عَلَى نَحْوِ غَيْرِ سَرِيَّةٍ (ذَكَرًا) لِحَدِيثِ «خَابَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» (عَدْلًا) لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَهِيَ دُونَ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى قُلْتُ: فَإِنْ قَهَرَ النَّاسَ غَيْرُ عَدْلٍ فَهُوَ إمَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسٍ (عَالِمًا) بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى مُرَاعَاتِهَا فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ (ذَا بَصِيرَةٍ) أَيْ مَعْرِفَةٍ وَفِطْنَةٍ (كَافِيًا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا) لِلْحُرُوبِ وَالسِّيَاسَةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَا تَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي الذَّبِّ عَنْ الْأُمَّةِ وَنَحْوُ الْإِغْمَاءِ لَا يَمْنَعُ عَقْدَهَا
وَلَا اسْتِدَامَتَهَا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ وَالْجُنُونُ وَالْخَبَلُ إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا إفَاقَةٌ أَوْ كَانَا أَكْثَرُ زَمَانِهِ مَنَعَا الِابْتِدَاءَ وَالِاسْتِدَامَةَ.
وَأَمَّا فَقْدُ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَتَمْتَمَةِ اللِّسَانِ مَعَ إدْرَاكِ الصَّوْتِ إذَا عَلَا وَقَطْعِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ فَلَا يَمْنَعُ عَقْدَهَا وَلَا اسْتِدَامَتَهَا وَذَهَابِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهَا وَاسْتِدَامَتَهَا.
(وَلَوْ تَنَازَعَهَا اثْنَانِ مُتَكَافِئَانِ فِي صِفَاتِ التَّرْجِيحِ قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِقُرْعَةٍ) فَيُبَايَعُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ وَصِفَتُهَا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُلُّ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ قَدْ بَايَعْنَاكَ عَلَى إقَامَةِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِفُرُوضِ الْإِمَامَةِ وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ صَفْقَةُ الْيَدِ.
(فَإِنْ بُويِعَ لِاثْنَيْنِ فِيهِمَا شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ فَالْإِمَامُ الْأَوَّلُ) لِسَبَقِهِ (وَإِنْ بُويِعَ لَهُمَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ فِيهِمَا) لِأَنَّ الْعَمَلَ بِبَيْعَةِ أَحَدِهِمَا إذَنْ تَرْجِيحٌ بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ.
(وَيُجْبَرُ مُتَعَيِّنٌ لَهَا) أَيْ لِلْإِمَامَةِ لِئَلَّا تَذْهَبَ حُقُوقُ النَّاسِ (وَتَصَرُّفُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (عَلَى النَّاسِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ لَهُمْ فَهُوَ وَكِيلُ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ) وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعَاقِلَةِ (وَلَهُمْ) أَيْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ (عَزْلُهُ إنْ سَأَلَ الْعَزْلَ لِقَوْلِ) أَبِي بَكْرٍ (الصِّدِّيقِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (أَقِيلُونِي أَقِيلُونِي) قَالُوا: لَا نُقِيلُكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ الْعَزْلَ (حَرُمَ) عَزْلُهُ (إجْمَاعًا) سَوَاءٌ كَانَ سَأَلَ الْإِمَامَةَ أَوْ لَا خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ التَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى (وَلَا يَنْعَزِلُ) الْإِمَامُ (بِفِسْقِهِ) بِخِلَافِ الْقَاضِي لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ (وَلَا) يُعْزَلُ (بِمَوْتِ مَنْ بَايَعَهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهُ بَلْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ (وَيَحْرُم قِتَالُهُ) لِمَا سَبَقَ.
وَيَلْزَم الْإِمَامَ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ حِفْظُ الدِّينِ عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ فَإِنْ زَاغَ ذُو شُبْهَةٍ عَنْهُ بَيَّنَ لَهُ بِالْحُجَّةِ وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْحُقُوق لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا مِنْ الْخَلَلِ، وَتَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَقَطْعُ مَا بَيْنهمْ مِنْ الْخُصُومَاتِ وَحِمَايَةُ الْبَيْضَةِ وَالذَّبُّ عَنْ الْحَوْزَةِ لِيَنْصَرِفَ النَّاسُ فِي مَعَايِشِهِمْ وَيَسِيرُوا فِي الْأَسْفَارِ آمَنِينَ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ عَنْ الِانْتِهَاكِ وَتُحْفَظُ حُقُوقُ عِبَادِهِ مِنْ إتْلَافٍ أَوْ اسْتِهْلَاكٍ وَتَحْصِينِ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حَتَّى لَا تَظْفَرَ الْأَعْدَاءُ بِغِرَّةٍ يَنْتَهِكُونَ بِهَا مُحَرَّمًا أَوْ يَسْفِكُونَ بِهَا دَمًا مَعْصُومًا وَجِهَادُ مَنْ عَانَدَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يُسْلِمَ أَوْ يَدْخُلَ فِي الذِّمَّةِ وَجِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَتَقْدِيرُ الْعَطَاءِ وَمَا يُسْتَحَقُّ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ سَرَفِ وَلَا تَقْصِيرٍ وَدَفْعُهُ فِي وَقْتِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ وَلَا تَأْخِيرٍ وَاسْتِكْفَاءُ الْأُمَنَاءِ وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يُفَوِّضُهُ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْأَمْوَالِ لِتَكُونَ مَضْبُوطَةٌ
مَحْفُوظَةٌ، وَأَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ مُشَارَفَةَ الْأُمُورِ وَيَتَصَفَّحَ الْأَحْوَالَ لِيَنْهَضَ بِسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ وَلَا يُعَوِّلُ عَلَى التَّفْوِيضِ تَشَاغُلًا فَقَدْ يَخُونُ الْأَمِينُ وَيَغُشُّ النَّاصِحُ وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ بِحُقُوقِ الْأُمَّةِ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِمْ حَقَّانِ: الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ.
(وَالْخَارِجُونَ عَنْ قَبْضَتِهِ) أَيْ طَاعَتِهِ (أَصْنَافٌ أَرْبَعَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ (أَحَدُهَا قَوْمٌ امْتَنَعُوا مِنْ طَاعَتِهِ وَخَرَجُوا عَنْ قَبْضَتِهِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ) أَيْ شُبْهَةٍ (فَهَؤُلَاءِ الْقُطَّاعُ) سَاعُونَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ (الثَّانِي) قَوْمٌ (لَهُمْ تَأْوِيلٌ إلَّا أَنَّهُمْ نَفَرٌ يَسِيرٌ لَا مَنَعَةَ) أَيْ قُوَّةَ (لَهُمْ كَالْعَشَرَةِ وَنَحْوِهِمْ وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ) لِأَنَّا لَوْ أَثْبَتنَا لِلْعَدَدِ الْيَسِيرِ حُكْمَ الْبُغَاةِ فِي سُقُوطِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفُوا أَفْضَى إلَى إتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ (الثَّالِثُ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ) الْمُسْلِمَ (بِالذَّنْبِ وَيُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْحَقِّ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَكَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا مَنْ خَرَجَ مَعَهُمْ فَهُمْ فَسَقَةٌ) بِاعْتِقَادِهِمْ الْفَاسِدِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: تَتَعَيَّنُ اسْتِتَابَتُهُمْ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا عَلَى إفْسَادِهِمْ لَا عَلَى كُفْرِهِمْ (يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ابْتِدَاءً) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَبْدَءُوا بِالْقِتَالِ (وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ) صَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ بِرِوَايَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ (وَذَهَبَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُمْ كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَهِيَ أَشْهَرُ وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ) .
قَالَ أَحْمَدُ الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ صَحَّ الْحَدِيثُ فِيهِمْ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ.
قَالَ وَالْحُكْمُ فِيهِمْ عَلَى مَا قَالَ عَلِيٌّ وَفِيهَا قَالَ: " لَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ " قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرُ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى كُفْرِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ وَقَوْلُهُ: يَتَمَارَى فِي الْفِرَقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَقَلُوا مِنْ الْإِسْلَامِ شَيْئًا بِحَيْثُ يُشَكُّ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْهُ.
(وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْإِرْشَادِ عَنْ أَصْحَابِنَا تَكْفِيرَ مَنْ خَالَفَ فِي أَصْلِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُرْجِئَةِ) الصِّنْفُ (الرَّابِعُ قَوْمُ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ بَايَعُوا الْإِمَامَ وَرَامُوا خَلْعَهُ) أَيْ عَزْلَهُ (أَوْ مُخَالَفَتَهُ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ صَوَابٍ أَوْ خَطَأٍ وَلَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ) بِحَيْثُ.
(يُحْتَاجُ فِي كَفِّهِمْ إلَى جَمْعِ جَيْشٍ وَهُمْ الْبُغَاةُ) الْمَقْصُودُونَ بِالتَّرْجَمَةِ (فَمَنْ خَرَجَ عَلَى إمَامٍ وَلَوْ غَيْرِ عَدْلٍ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ) الْأَرْبَعَةِ (بَاغِيًا وَجَبَ قِتَالُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهِمْ وَاحِدٌ مُطَّلِعٌ) أَوْ لَا (أَوْ كَانُوا فِي طَرَفِ وِلَايَتِهِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ مُتَوَسِّطٍ تُحِيط بِهِ وِلَايَتُهُ أَوْ لَا) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ) أَيْ الْبُغَاةَ (وَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَى الصُّلْحِ وَوَسِيلَةٌ إلَى الرُّجُوعِ إلَى الْحَقِّ وَقَدْ رُوِيَ " أَنَّ عَلِيًّا رَاسَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ " وَلَمَّا اعْتَزَلَتْهُ الْحَرُورِيَّةُ بَعَثَ إلَيْهِمْ ابْنَ عَبَّاسٍ فَوَاضَعُوهُ كِتَاب اللَّهِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ.
(وَ) أَنْ (يُزِيلَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَظْلِمَةٍ وَيَكْشِفَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَى رُجُوعِهِمْ إلَى الْحَقِّ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (وَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ وَالْهَرَجِ وَالْمَرَجِ قَبْلَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَخَافَ كَلَبَهُمْ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ أَيْ شَرَّهُمْ فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ كَالصَّائِلِ إذَا خَافَ أَنْ يَبْدَأَهُ بِالْقَتْلِ (فَإِنْ أَبَوْا الرُّجُوعَ وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِالْقِتَالِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ شَرِّهِمْ لَا قَتْلُهُمْ (فَإِنْ فَاءُوا) أَيْ رَجَعُوا إلَى الطَّاعَةِ تَرَكَهُمْ (وَإِلَّا لَزِمَهُ قِتَالُهُمْ إنْ كَانَ قَادِرًا) لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَفْضَلُ تَرْكُهُ حَتَّى يَبْدَءُوهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ قَادِرًا عَلَى قِتَالِهِمْ (أَخَّرَهُ إلَى الْإِمْكَانِ) أَيْ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] .
(وَ) يَجِبُ (عَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ.
(وَإِنْ اسْتَنْظَرُوهُ) أَيْ طَلَبَ الْبُغَاةُ مِنْهُ أَنْ يُنْظِرَهُمْ (مُدَّةً رَجَاءَ رُجُوعِهِمْ فِيهَا أَنْظَرَهُمْ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ لِأَنَّ الْإِنْظَارَ إذَنْ أَوْلَى مِنْ مُعَالَجَتِهِمْ بِالْقِتَالِ الْمُؤَدِّي إلَى الْهَرَجِ وَالْمَرَجِ (وَإِنْ ظَنَّ) الْإِمَامُ (أَنَّهَا) أَيْ طَلَبَ مُقَاتِلَتِهِمْ الْإِنْظَارَ (مَكِيدَةٌ لَمْ يُنْظِرْهُمْ) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَصِيرَ طَرِيقًا إلَى قَهْرِ أَهْلِ الْحَقِّ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (وَإِنْ أَعْطَوْهُ مَالًا وَإِنْ بَذَلُوا رَهَائِنَ عَلَى إنْظَارِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَخْذُهَا لِتِلْكَ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِغَدْرِ أَهْلِهِمْ فَلَا يُفِيدُ شَيْئًا (فَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (أَسْرَى مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَعْطَوْا بِذَلِكَ رَهَائِنَ مِنْهُمْ قَبِلَهُمْ الْإِمَامُ وَاسْتَظْهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةِ (فَإِنْ أَطْلَقُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (الْأَسْرَى) مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ (أُطْلِقَتْ رَهَائِنُهُمْ) وَفَاءً لَهُمْ بِمَا قِيلَ لَهُمْ (فَإِنْ قَتَلُوا مَنْ عِنْدَهُمْ) مِنْ أَسْرَى أَهْلِ الْعَدْلِ (لَمْ يَجُزْ قَتْلُ رَهَائِنِهِمْ
وَلَا أَسَرَاهُمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] (فَإِذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ خُلِّيَتْ الرَّهَائِنُ كَمَا تُخْلَى الْأَسْرَى مِنْهُمْ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ إرْسَالِهِمْ خَوْفُ مُسَاعِدَةِ إخْوَانِهِمْ وَقَدْ زَالَ.
(وَإِنْ سَأَلُوهُ) أَيْ سَأَلَ الْبُغَاةُ الْإِمَامَ (أَنْ يُنْظِرَهُمْ أَبَدًا وَيَدَعَهُمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِمْ وَيَكُفُّوا عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَخَافَ فَقَرَّهُمْ إنْ قَاتَلَهُمْ تَرَكَهُمْ) حَتَّى يَقْوَى عَلَى قِتَالِهِمْ (وَإِنْ قَوِيَ) الْإِمَامُ (عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْخُرُوجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ قُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ.
(وَإِنْ حَضَرَ مَعَهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَإِنْ قَاتَلَ مَعَهُمْ عَبِيدٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ قُوتِلُوا مُقْبِلِينَ وَتُرِكُوا مُدْبِرِينَ كَغَيْرِهِمْ) مِنْ الْأَحْرَارِ الذُّكُورِ وَالْبَالِغِينَ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ.
وَفِي التَّرْغِيب وَمُرَاهِقٌ وَعَبْدٌ كَخَيْلٍ.
(وَيُكْرَه قَصْدُ رَحِمِهِ الْبَاغِي) كَأَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ (بِقَتْلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ «كَفَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُقْبَةَ عَنْ قَتْلِ أَبِيهِ» (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ قَتَلَ ذَا رَحِمِهِ الْبَاغِي (وَرِثَهُ) لِأَنَّ قَتْلَهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَكَذَا لَوْ قَتَلَ الْبَاغِي ذَا رَحِمِهِ الْعَادِلِ وَكَذَا الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ.
(وَيَحْرُم قَتْلُهُمْ) أَيْ قِتَالُهُمْ (بِمَا يَعُمُّ إتْلَافَهُ كَالْمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ) لِأَنَّهُ يَعُمُّ مَنْ يَجُوزُ وَمَنْ لَا يَجُوزُ كَغَيْرِ الْمُقَاتِلِ (إلَّا لِضَرُورَةٍ مِثْلَ أَنْ يَحْتَاطَ بِهِمْ الْبُغَاةُ وَلَا يُمْكِنهُمْ التَّخَلُّصَ إلَّا بِذَلِكَ) كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِلِ (وَإِنْ رَمَاهُمْ الْبُغَاةُ بِذَلِكَ) أَيْ بِمَنْجَنِيقٍ أَوْ نَارٍ (جَازَ) لِأَهْلِ الْعَدْلِ (رَمْيُهُمْ بِمِثْلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] .
(وَإِنْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْبُغَاةِ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا عَلَى الْخَطَإِ (فَقَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى قَهْرِهِمَا) أَيْ الطَّائِفَتَيْنِ (لَمْ يَمِلْ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْبُغَاةِ (وَإِنْ عَجَزَ) عَنْ قِتَالِهِمَا مَعًا (وَخَافَ) الْإِمَامُ (اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى حَرْبِهِ ضَمَّ إلَيْهِ أَقْرَبَهُمَا إلَى الْحَقِّ) دَفْعًا لِأَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا (وَإِنْ اسْتَوَيَا اجْتَهَدَ) الْإِمَامُ (بِرَأْيِهِ فِي ضَمِّ إحْدَاهُمَا) إلَيْهِ (وَلَا يُقْصَدُ بِذَلِكَ مَعُونَةَ إحْدَاهُمَا) عَلَى الْأُخْرَى (بَلْ) يُقْصَدُ بِذَلِكَ (الِاسْتِعَانَةَ عَلَى) الطَّائِفَةِ (الْأُخْرَى) لِيَرُدَّهَا إلَى الْحَقِّ (فَإِذَا هَزَمَهَا) الْإِمَامُ (لَمْ يُقَاتِلْ
مَنْ مَعَهُمْ) أَيْ الطَّائِفَةَ الَّتِي ضَمَّهَا إلَى أَهْلِ الْعَدْلِ (حَتَّى يَدْعُوَهُمْ إلَى الطَّاعَةِ) لِأَنَّهُمْ قَدْ دَخَلُوا فِي أَمَانِهِ فَإِذَا دَعَاهُمْ فَإِنْ أَطَاعُوهُ كَفَّ عَنْهُمْ وَإِلَّا قَاتَلَهُمْ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يَسْتَعِينَ) أَهْلُ الْعَدْلِ (فِي حَرْبِهِمْ) أَيْ قِتَالِهِمْ لِلْبُغَاةِ (بِكَافِرٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعَانَ بِهِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ فَلِئَلَّا يُسْتَعَانَ بِهِ فِي قِتَالِ مُسْلِمٍ بِطَرِيقٍ أَوْلَى وَلِأَنَّ الْقَصْدَ كَفُّهُمْ لَا قَتْلُهُمْ وَهُوَ لَا يَقْصِدُ إلَّا قَتْلَهُمْ (أَوْ) أَيْ وَيَحْرُمُ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي حَرْبِهِمْ (بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْلِيطِ لَهُ عَلَى قَتْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَأَنْ يَعْجِزَ أَهْلُ الْعَدْلِ عَنْ قِتَالِهِمْ لِقِلَّتِهِمْ فَيَجُوزُ لِلْحَاجَةِ لِفِعْلِهِمْ إنْ لَمْ تَفْعَلْهُ (وَلَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَنْ يَسْتَعِينْ عَلَيْهِمْ بِسِلَاحِ أَنْفُسِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ وَهُوَ خَيْلُهُمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَقَطْ) كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ (وَلَا يَجُوزُ) الِاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِمْ بِسِلَاحِ أَنْفُسِهِمْ وَخُيُولِهِمْ (فِي غَيْرِ قِتَالِهِمْ) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عَصَمَ أَمْوَالَهُمْ وَإِنَّمَا أُبِيحَ قِتَالُهُمْ لِرَدِّهِمْ إلَى الطَّاعَةِ فَيَبْقَى الْمَالُ عَلَى الْعِصْمَةِ كَمَالِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ (وَمَتَى انْقَضَتْ الْحَرْبُ وَجَبَ رَدُّهُ) أَيْ سِلَاحِ الْبُغَاةِ (إلَيْهِمْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ) لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ كَأَمْوَالِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ اغْتِنَامُهَا لِأَنَّ مُلْكَهُمْ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا بِالْبَغْيِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ: " مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ مَعَ أَحَدٍ فَلْيَأْخُذْهُ " فَعَرَفَ بَعْضُهُمْ قِدْرًا مَعَ أَصْحَاب عَلِيٍّ وَهُوَ يَطْبُخُ فِيهَا فَسَأَلَهُ إمْهَالَهُ حَتَّى يَنْضَجَ الطَّبْخُ فَأَبَى وَكَبَّهُ وَأَخَذَهَا (وَالْمُرَاهِقُ مِنْهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (وَالْعَبْدُ كَالْخَيْلِ) تَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمَا عَلَيْهِمْ عِنْد الضَّرُورَةِ فَقَطْ وَيُرَدَّانِ بَعْدَ الْحَرْبِ.
(وَإِذَا تَرَكُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (الْقِتَالَ إمَّا بِالرُّجُوعِ إلَى الطَّاعَةِ أَوْ بِإِلْقَاءِ السِّلَاحِ أَوْ بِالْهَزِيمَةِ إلَى فِئَةٍ أَوْ) بِالْهَزِيمَةِ (إلَى غَيْرِ فِئَةٍ أَوْ بِالْعَجْزِ لِجِرَاحٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ أَسْرٍ حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَ) حَرُمَ (اتِّبَاعُ) مُدْبِرِهِمْ (وَقَتْلُ جَرِيحَهُمْ) لِمَا رَوَى مَرْوَانُ قَالَ: " صَرَخَ صَارِخٌ لِعَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ: لَا يُقْتَلُ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَعَنْ عَمَّارٍ نَحْوُهُ كَالصَّائِلِ (فَإِنْ قُتِلَ مُدْبِرُهُمْ أَوْ جَرِيحُهُمْ فَلَا قَوَدَ) عَلَى قَاتِلِهِ (لِلِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ) فَيَكُونُ شُبْهَةً وَلَكِنْ يَضْمَنُهُ بِالدِّيَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغْنَمَ لَهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (مَالٌ) لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكْفُرُوا بِبَغْيِهِمْ وَلَا قِتَالِهِمْ وَعِصْمَةُ الْأَمْوَالِ تَابِعَةٌ لِدِينِهِمْ (وَلَا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ) لِعِصْمَتِهِمْ (وَيَجِبُ رَدُّ ذَلِكَ إلَيْهِمْ إنْ أُخِذَ مِنْهُمْ) لِمَا سَبَقَ (وَلَا يُرَدُّ السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ) أَيْ الْخَيْلُ (حَالَ الْحَرْبِ) لِأَنَّ فِيهِ مَعُونَةً عَلَيْنَا (بَلْ) يُرَدَّانِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ.
(وَمَنْ أُسِرَ مِنْ رِجَالهمْ فَدَخَلَ فِي الطَّاعَةِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ)
وَلَوْ كَانَ مُطَاعًا زَادَ فِي الرِّعَايَةِ إنْ أُمِنَ شَرُّهُ (وَإِنْ أَبَى) الدُّخُولَ فِي الطَّاعَةِ (وَكَانَ جَلَدًا) قَوِيًّا (حُبِسَ مَا دَامَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَإِذَا انْقَضَتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ) لِأَنَّ فِي إطْلَاقِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا سَاعَدَ عَلَيْهِمْ وَفِي حَبْسِهِ كَسْرُ قُلُوبِ الْبُغَاةِ وَإِضْعَافِ شَوْكَتِهِمْ زَادَ فِي الشَّرْحِ (وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى الْقِتَالِ وَلَا يُرْسَلُ مَعَ بَقَاءِ شَوْكَتِهِمْ) لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً لِلْبُغَاةِ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ (فَإِنْ بَطَلَتْ شَوْكَتُهُمْ وَلَكِنْ يُتَوَقَّعُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي الْحَالِ لَمْ يُرْسَل) حَتَّى يَزُولَ ذَلِكَ (وَإِنْ أُسِرَ صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ فُعِلَ بِهِمَا كَمَا يُفْعَلُ بِالرَّجُلِ) لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْبُغَاةِ (وَلَا يُخْلَى) سَبِيلُهُمَا (فِي الْحَالِ) بَلْ إذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ وَزَالَتْ شَوْكَتُهُمْ.
(وَيَجُوزُ فِدَاءُ أُسَارَى أَهْلِ الْعَدْلِ بِأَسَارَى الْبُغَاةِ) وَإِنْ قَتَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ أَسْرَى أَهْلِ الْعَدْلِ لَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُ أَسْرَاهُمْ وَتَقَدَّمَ (وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) لِأَنَّهُ فِعْلُ مَا أُمِرَ بِهِ كَقَتْلِ الصَّائِلِ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قُتِلَ الْعَادِلُ كَانَ شَهِيدًا) كَالْمَصُولِ عَلَيْهِ (وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) وَيُدْفَنُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا بَعْدَ نَزْعِ لَأْمَةِ حَرْبٍ وَنَحْوِ خُفٍّ لِأَنَّهُ قُتِلَ فِي قِتَالٍ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ كَشَهِيدِ مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ (وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْبَغْي أَيْضًا مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى أَهْلِ عَدْلٍ (حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ) لِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ " هَاجَتْ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ مُتَوَاتِرُونَ فَأَجْمَعُوا أَنْ لَا يُقَادَ أَحَدٌ وَلَا يُؤْخَذُ مَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إلَّا مَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ " ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَاحْتَجَّ بِهِ رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَلِأَنَّ تَضْمِينَهُمْ يُفْضِي إلَى تَنْفِيرِهِمْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الطَّاعَةِ فَسَقَطَ كَأَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ.
(وَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ الطَّائِعِينَ شَيْئًا فِي غَيْرِ الْحَرْبِ ضَمِنَهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ فِي حَالِ الْحَرْبِ لِلضَّرُورَةِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَمَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِالْبَغْيِ عَنْ الْإِسْلَامِ (وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (مِنْ أَهْلِ بِدَعٍ فَلَيْسُوا بِفَاسِقِينَ، بَلْ مُخْطِئِينَ فِي تَأْوِيلِهِمْ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ وَمَا أَخَذُوا فِي حَالِ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ خَرَاجٍ أَوْ جِزْيَةٍ لَمْ يَعُدْ) أَيْ يَرْجِعْ (عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى بَاذِلٍ) وَأَجْزَأَ (لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَهُ) لِأَنَّ عَلِيًّا لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَاهُ أَهْلُ الْبَغْي وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ يَأْتِيهِمْ سَاعِي نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ فَيَدْفَعُوا إلَيْهِ زَكَاتَهُمْ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِسَابِ بِهِ ضَرَرًا عَظِيمًا وَمَشَقَّةً كَثِيرَةً لِأَنَّهُمْ قَدْ يَغْلِبُوا عَلَى الْبِلَادِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ خَوَارِجٌ كَانُوا أَوْ غَيْرُهُمْ (وَمَا أَقَامُوا مِنْ حَدٍّ وَقَعَ مَوْقِعَهُ أَيْضًا خَوَارِجٌ كَانُوا أَوْ غَيْرُهُمْ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
(وَمَنْ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ قُبِلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا قَالَ أَحْمَدُ: " لَا تُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ " (وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى دَفْعِ خَرَاجٍ) إلَيْهِمْ (وَلَوْ كَانَ الدَّافِعُ مُسْلِمًا وَلَا دَعْوَى دَفْعِ جِزْيَةٍ إلَيْهِمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِوَضٌ وَالْأَصْلُ عَدَمِ الدَّفْعِ.
(وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (إلَّا مَا يُنْقَض مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ) بِأَنْ خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ أَوْ إجْمَاعًا وَنَحْوَهُ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي لَهُ مَسَاغٌ فِي الشَّرْعِ لَا يُوجِبُ تَفْسِيقَ قَائِلِهِ أَشْبَهَ الْمُخْطِئَ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي فَرْعٍ مِنْ الْأَحْكَامِ.
(وَإِنْ كَتَبَ قَاضِيهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ جَازَ قَبُولُ كِتَابِهِ) وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ إذَا كَانَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ لِأَنَّهُ قَاضٍ ثَابِتُ الْقَضَاءِ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالتَّرْغِيبِ (الْأَوْلَى) رَدُّ كِتَابِهِ أَيْ (أَنْ لَا يَقْبَلَهُ) قَبْلَ حُكْمِهِ كَسْرًا لِقُلُوبِهِمْ.
(وَإِنْ وَلَّى الْخَوَارِجُ قَاضِيًا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ) لِلْفِسْقِ وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: احْتِمَالٌ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
(وَإِنْ ارْتَكَبَ أَهْلُ الْبَغْي فِي حَالِ امْتِنَاعِهِمْ مَا يُوجِبُ حَدًّا ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِمْ أُقِيمَ عَلَيْهِمْ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ.
(وَإِنْ أَعَانَهُمْ) أَيْ الْبُغَاةَ (أَهْلُ ذِمَّةٍ أَوْ عَهْدٍ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ) بِإِعَانَتِهِمْ لَهُمْ طَوْعًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِقِتَالِهِمْ (وَصَارُوا أَهْلَ حَرْبٍ) تَحِلُّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِقِتَالِهِمْ (إلَّا أَنْ يَدَّعُوا شُبْهَةً كَأَنْ يَظُنُّوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَعُونَةَ مَنْ اسْتَعَانَ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَا يَنْتَقِضُ) عَهْدُهُمْ لِأَنَّ مَا ادَّعَوْهُ مُحْتَمَلٌ فَيَكُونُ شُبْهَةً (وَإِنْ أَكْرَهَهُمْ الْبُغَاةُ عَلَى مَعُونَتِهِمْ) لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُمْ (وَ) إنْ (ادَّعَوْا ذَلِكَ) أَيْ الْإِكْرَاهَ (قُبِلَ مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ.
وَفِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ بِبَيِّنَةٍ (وَيُغَرَّمُونَ) أَيْ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ (مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ (مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ حَالَ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ) بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْي لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا تَأْوِيلَ لَهُمْ وَلِأَنَّ سُقُوطَ الضَّمَانِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَنْفِيرِهِمْ عَنْ الرُّجُوعِ لِلطَّاعَةِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذَلِكَ فِيهِمْ.
(وَإِنْ اسْتَعَانُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (بِأَهْلِ الْحَرْبِ وَأَمَّنُوهُمْ لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُمْ) كَمَا لَوْ عَقَدُوا لَهُمْ ذِمَّةً لِأَنَّ الْأَمَانَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ إلْزَامُ كَفِّهِمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ (وَأُبِيحَ) لِأَهْلِ الْعَدْلِ (قَتْلُهُمْ) مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ (وَحُكْمُ أَسِيرِهِمْ حُكْمُ أَسِيرِ سَائِرِ أَهْلِ الْحَرْبِ) يُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالرِّقِّ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ إلَّا أَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ أَمَّنَهُمْ مِنْ الْبُغَاةِ.
(وَإِنْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ مِثْلِ تَكْفِيرِ مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً وَ)
مِثْلِ (تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَاسْتِحْلَالِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَلَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ) حَيْثُ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ ثُمَّ قَالَ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ " (وَإِنْ سَبُّوا الْإِمَامَ أَوْ عَدْلًا غَيْرَهُ أَوْ تَعَرَّضُوا بِالسَّبِّ عَزَّرَهُمْ) لِأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا مُحَرَّمًا لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ (وَإِنْ جَنَوْا جِنَايَةً وَأَتَوْا حَدًّا أَقَامَهُ) الْإِمَامُ (عَلَيْهِمْ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي ابْنِ مُلْجِمٍ لَمَّا جَرَحَهُ: " أَطْعِمُوهُ وَاسْقُوهُ وَاحْبِسُوهُ فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي وَإِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ وَلَا تُمَثِّلُوا بِهِ " وَإِنَّهُمْ لَيْسُوا بِبُغَاةٍ فَهُمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ.
(وَإِنْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ طَلَبِ رِئَاسَةٍ فَهُمَا ظَالِمَتَانِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَاغِيَةٌ عَلَى الْأُخْرَى (وَتَضْمَنُ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الْأُخْرَى) لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ نَفْسًا مَعْصُومَةً وَمَالًا مَعْصُومًا قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: فَأَوْجَبُوا الضَّمَانَ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّائِفَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْمُتْلِفِ وَإِنْ تَقَابَلَا تَقَاصَّا لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ وَالْمُعِينَ سَوَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ مَا نَهَبَتْهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ الْأُخْرَى تَسَاوَتَا كَمَنْ جَهِلَ قَدْرَ الْحَرَامِ الْمُخْتَلِطِ بِمَالِهِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ النِّصْفَ وَالْبَاقِي لَهُ (فَلَوْ قُتِلَ مَنْ دَخَلَ بَيْنَهُمْ بِصُلْحٍ وَجُهِلَ قَاتِلُهُ ضَمِنَتَاهُ) وَإِنْ عُلِمَ قَاتِلُهُ مِنْ طَائِفَةٍ وَجُهِلَ عَيْنُهُ ضَمِنَتْهُ وَحْدَهَا.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُفَارَقُ الْمَقْتُولُ فِي زِحَامِ الْجَامِعِ وَالطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الزِّحَامَ وَالطَّوَافَ لَيْسَ فِيهَا تَعَدٍّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
تَتِمَّةً قَالَ فِي الِاخْتِبَارَاتِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ مِنْ شَرِيعَةٍ مُتَوَاتِرَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهَا حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ كَالْمُحَارِبِينَ وَأَوْلَى.
[بَابُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ]
(بَاب حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَهُوَ) لُغَةً الرَّاجِعُ يُقَالُ ارْتَدَّ فَهُوَ مُرْتَدٌّ إذَا رَجَعَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 21] وَشَرْعًا (الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إسْلَامِهِ) نُطْقًا أَوْ اعْتِقَادًا
أَوْ شَكًّا أَوْ فِعْلًا (وَلَوْ مُمَيِّزًا) فَتَصِحّ رِدَّتُهُ كَإِسْلَامِهِ وَيَأْتِي (طَوْعًا) لَا مُكْرَهًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] (وَلَوْ) كَانَ (هَازِلًا) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة: 54] الْآيَةَ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ.
(فَمَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ) تَعَالَى أَيْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَلَوْ مُكْرَهًا بِحَقٍّ كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] (أَوْ جَحَدَ بِرُبُوبِيَّتِهِ أَوْ وَحْدَانِيِّتِهِ) كَفَرَ لِأَنَّ جَاحِدَ ذَلِكَ مُشْرِكٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) جَحَدَ (صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ) اللَّازِمَةِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ لِأَنَّهُ كَجَاحِدِ الْوَحْدَانِيَّةِ.
وَفِي الْفُصُولِ: شَرْطُهُ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مُتَّفَقًا عَلَى إثْبَاتِهَا (أَوْ اتَّخَذَ لَهُ) أَيْ لِلَّهِ (صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا) كَفَرَ لِأَنَّهُ تَعَالَى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ وَنَفَاهُ عَنْهُ فَمُتَّخِذُهُ مُخَالِفٌ لَهُ غَيْرُ مُنَزِّهٍ لَهُ عَنْ ذَلِكَ (أَوْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ أَوْ صَدَّقَ مَنْ ادَّعَاهَا) بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَرَ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40] .
وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا) مَجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ جَاحِدٌ لِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ (أَوْ) جَحَدَ (كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ) لِأَنَّ جَحْدَ شَيْءٍ مِنْهُ كَجَحْدِهِ كُلِّهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَوْنِ الْكُلِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (أَوْ جَحَدَ الْمَلَائِكَةَ) أَوْ أَحَدًا مِمَّنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَلَكٌ كَفَرَ لِتَكْذِيبِهِ الْقُرْآنَ (أَوْ) جَحَدَ (الْبَعْثَ) كَفَرَ لِتَكْذِيبِهِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ (أَوْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ) كَفَرَ لِأَنَّهُ لَا يَسُبُّهُ إلَّا وَهُوَ جَاحِدٌ بِهِ (أَوْ اسْتَهْزَأَ بِاَللَّهِ) تَعَالَى (أَوْ بِكُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 66] .
قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى فِي الْهَازِئِ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يُؤَدَّبَ أَدَبًا يَزْجُرُهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُكْتَفَ مِمَّنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّوْبَةِ فَهَذَا أَوْلَى.
(قَالَ الشَّيْخُ أَوْ كَانَ مُبْغِضًا لِرَسُولِهِ أَوْ لِمَا جَاءَ بِهِ) الرَّسُولُ (اتِّفَاقًا، وَقَالَ أَوْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ إجْمَاعًا انْتَهَى) أَيْ كَفَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ كَفِعْلِ عَابِدِي الْأَصْنَامِ قَائِلِينَ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3] .
(أَوْ سَجَدَ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ) عِبَارَةُ الْمُنْتَهَى لِكَوْكَبٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ سَائِرُ الْكَوَاكِبِ كَفَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ إشْرَاكٌ (أَوْ أَتَى بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ صَرِيحٍ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ) الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ كَفَرَ لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ (أَوْ وُجِدَ مِنْهُ امْتِهَانٌ لِلْقُرْآنِ أَوْ طَلَبُ تَنَاقُصِهِ أَوْ دَعْوَى أَنَّهُ مُخْتَلِفٌ أَوْ) أَنَّهُ (مُخْتَلِفٌ أَوْ مَقْدُورٌ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ إسْقَاطٌ لِحُرْمَتِهِ) كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82] وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: 88] الْآيَة (أَوْ أَنْكَرَ الْإِسْلَامَ) كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: 19] (أَوْ) أَنْكَرَ (الشَّهَادَتَيْنِ أَوْ) أَنْكَرَ (أَحَدَهُمَا كَفَرَ) لِأَنَّهُ إنْكَارٌ لِلْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ أَوْ إحْدَاهُمَا، وَذَلِكَ كُفْرٌ لِمَا مَرَّ.
وَ (لَا) يَكْفُرُ (مَنْ حَكَى كُفْرًا سَمِعَهُ وَ) هُوَ (لَا يَعْتَقِدُهُ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ هَذَا إجْمَاعٌ.
وَفِي الِانْتِصَارِ: مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ كُفْرٍ مِنْ لُبْسِ غِيَارٍ وَشَدِّ زُنَّارٍ وَتَعْلِيقِ صَلِيبٍ بِصَدْرِهِ حَرُمَ وَلَمْ يَكْفُرْ.
(أَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَلَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا) فَلَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ (وَلَا مَنْ جَرَى) الْكُفْرُ (عَلَى لِسَانِهِ سَبْقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِشِدَّةٍ فَرَحٍ أَوْ دَهَشٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ فَقَالَ) غَلَطًا (اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ) لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» .
(وَمِنْ إطْلَاقِ الشَّارِعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفْرٌ) دُونَ كُفْرٍ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ (كَدَعْوَاهُمْ لِغَيْرِ أَبِيهِمْ، وَكَمَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَهُوَ تَشْدِيدٌ) وَتَأْكِيدٌ.
(وَ) نَقَلَ حَرْبٌ (كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ) وَقِيلَ كُفْرُ نِعْمَةٍ، وَقِيلَ قَارَبَ الْكُفْرَ وَعَنْهُ يَجِبُ الْوَقْفُ، وَلَا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» أَيْ جَحَدَ تَصْدِيقِهِ بِكَذِبِهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى هَذَا إذَا اعْتَقَدَ تَصْدِيقَهُمْ بَعْد مَعْرِفَتِهِ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ كُفْرًا حَقِيقَةً انْتَهَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا وَأَنْكَرَ الْقَاضِي جَوَازَ
إطْلَاقِ اسْمِ كُفْرِ النِّعْمَةِ عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ.
(وَإِنْ أَتَى بِقَوْلٍ يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ) هُوَ (يَعْبُدُ الصَّلِيبَ وَنَحْوَ ذَلِكَ) نَحْوَ هُوَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى (عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الْإِيمَانِ) فَهُوَ كَافِرٌ.
(وَقَذَفَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ) قَذَفَ (أُمَّهُ) فَهُوَ كَافِرٌ وَتَقَدَّمَ فِي الْقَذْفِ.
(أَوْ اعْتَقَدَ قِدَمَ الْعَالَمِ) وَهُوَ مَا سِوَى اللَّهِ (أَوْ) اعْتَقَدَ (حُدُوثَ الصَّانِعِ) جَلَّ وَعَلَا فَهُوَ كَافِرٌ لِتَكْذِيبِهِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ (أَوْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ أَوْ بِوَعِيدِهِ) فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ كَالِاسْتِهْزَاءِ بِاَللَّهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ.
(أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ) أَيْ تَدَيَّنَ (بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ كَالنَّصَارَى) وَالْيَهُودِ (أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ) فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85] .
(أَوْ قَالَ قَوْلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ) أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلِلْخَبَرِ.
(أَوْ) قَالَ قَوْلًا يُتَوَصَّل بِهِ إلَى (تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ) أَيْ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ (فَهُوَ كَافِرٌ) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» وَغَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْكَنَائِسَ بُيُوتُ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ يُعْبَدُ فِيهَا وَأَنَّ مَا يَفْعَلُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِبَادَةً لِلَّهِ وَطَاعَةً لَهُ وَلِرَسُولِهِ أَوْ أَنَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ أَوْ يَرْضَاهُ) فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اعْتِقَادَ صِحَّةِ دِينِهِمْ وَذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ أَعَانَهُمْ عَلَى فَتْحِهَا) أَيْ الْكَنَائِسِ (وَإِقَامَةِ دِينِهِمْ وَ) اعْتَقَدَ (أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ أَوْ طَاعَةٌ فَهُوَ كَافِرٌ) لِتَضَمُّنِهِ اعْتِقَادَ صِحَّةِ دِينِهِمْ (وَقَالَ) الشَّيْخُ (فِي مَوْضِعِ آخَرَ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنْ زِيَارَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي كَنَائِسِهِمْ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ وَإِنْ جَهِلَ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عُرِّفَ ذَلِكَ فَإِنْ أَصَرَّ صَارَ مُرْتَدًّا) لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: 19] .
(وَقَالَ قَوْلَ الْقَائِلِ مَا ثَمَّ إلَّا اللَّهُ إنْ أَرَادَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الِاتِّحَادِ مِنْ أَنَّ مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ إلَّا اللَّهُ وَيَقُولُونَ إنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ وَ) يَقُولُونَ (الْخَالِقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَالْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ وَالْعَبْدُ هُوَ الرَّبُّ وَالرَّبُّ هُوَ الْعَبْدُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي) الَّتِي قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى بُطْلَانِهَا يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (وَكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَان وَيَجْعَلُونَهُ مُخْتَلِطًا بِالْمَخْلُوقَاتِ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَذِهِ الْفِرَقِ وَأَفْسَدُوا كَثِيرًا مِنْ عَقَائِدِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ نَسْأَل اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ.
(وَقَالَ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ لِأَحَدٍ طَرِيقًا إلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ مُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ أَوْ أَنَّ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ خُرُوجًا عَنْ اتِّبَاعِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَ) عَنْ (أَخْذِ مَا بُعِثَ بِهِ أَوْ قَالَ أَنَا مُحْتَاجٌ إلَى مُحَمَّدٍ فِي عِلْمِ الظَّاهِرِ دُونَ عِلْمِ الْبَاطِنِ أَوْ) هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ (فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ دُونَ عِلْمِ الْحَقِيقَةِ أَوْ قَالَ إنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَسَعُهُ الْخُرُوجَ عَنْ شَرِيعَتِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (كَمَا وَسِعَ الْخَضِرَ الْخُرُوجَ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ كَافِرٌ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153] .
(أَوْ) اعْتَقَدَ (أَنَّ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَقَالَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] بِمَعْنَى قَدَّرَ فَإِنَّ اللَّهَ مَا قَدَّرَ شَيْئًا إلَّا وَقَعَ وَجَعَلَ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ فَإِنَّ هَذَا) الْمُعْتَقِدَ (مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كُفْرًا بِالْكُتُبِ كُلِّهَا) لِتَكْذِيبِهِ لَهَا فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ ثُبُوتِ وَحْدَانِيِّتِهِ تَعَالَى مَعْنَى قَضَى هُنَا: أَوْجَبَ.
(وَقَالَ مَنْ اسْتَحَلَّ الْحَشِيشَةَ) الْمُسْكِرَةَ (كَفَرَ بِلَا نِزَاعٍ وَقَالَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَلْعَنَ التَّوْرَاةَ بَلْ مَنْ أَطْلَقَ لَعْنَهَا يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِفُ أَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا فَهَذَا يُقْتَلُ بِشَتْمِهِ لَهَا وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا مَنْ لَعَنَ دِينَ الْيَهُودِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ) أَيْ لِأَنَّهُ قَدْ غُيِّرَ وَبُدِّلَ بَلْ شَرْعُنَا نَسَخَ سَائِرَ الشَّرَائِعِ (وَكَذَلِكَ إنْ سَبَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي عِنْدَهُمْ) أَيْ الْيَهُودِ (بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَصْدَهُ ذِكْرُ تَحْرِيفِهَا مِثْلَ أَنْ يُقَالَ نُسَخُ هَذِهِ التَّوْرَاةِ مُبَدَّلَةٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا وَمَنْ عَمِلَ الْيَوْمَ بِشَرَائِعِهَا الْمُبَدَّلَةِ وَالْمَنْسُوخَةِ فَهُوَ كَافِرٌ فَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ حَقٌّ لَا شَيْءَ عَلَى قَائِلِهِ) لِمُطَابَقَتِهِ الْوَاقِعَ.
[فَصْلُ وَمَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ]
فَصْلُ (وَقَالَ) الشَّيْخُ (وَمَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ أَوْ) سَبَّ (أَحَدًا مِنْهُمْ وَاقْتَرَنَ بِسَبِّهِ دَعْوَى أَنَّ عَلِيًّا إلَهٌ أَوْ نَبِيٌّ أَوْ أَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِ هَذَا) أَيْ لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ (بَلْ لَا شَكَّ فِي كُفْرِ مَنْ تَوَقَّفَ فِي
تَكْفِيرِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ كُتِمَ أَوْ أَنَّ لَهُ تَأْوِيلَاتٍ بَاطِنَةً تُسْقِطُ الْأَعْمَالَ الْمَشْرُوعَةَ) مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ وَغَيْرِهَا (وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَمِنْهُمْ النَّاسِخِيَّةُ وَلَا خِلَافَ فِي كُفْرِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ) لِتَكْذِيبِهِمْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ.
(وَمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ كَفَرَ بِلَا خِلَافٍ) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ (وَمَنْ سَبَّ غَيْرَهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَسَبِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ) لِعَدَمِ نَصٍّ خَاصٍّ (وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَقَذْفِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -) لِقَدْحِهِ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَأَمَّا مَنْ سَبَّهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةَ (سَبًّا لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ مِثْلَ مَنْ وَصَفَ بَعْضَهُمْ بِبُخْلٍ أَوْ جُبْنٍ أَوْ قِلَّةِ عِلْمٍ أَوْ عَدَمِ زُهْدٍ وَنَحْوِهِ فَهَذَا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وَالتَّعْزِيرَ وَلَا يَكْفُرُ وَأَمَّا مَنْ لَعَنَ وَقَبَّحَ مُطْلَقًا فَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ أَعْنِي هَلْ يَكْفُرُ أَوْ يَفْسُقُ؟ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي كُفْرِهِ وَقَتْلِهِ وَقَالَ يُعَاقَبُ وَيُجْلَدُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقِيلَ: يَكْفُرُ إنْ اسْتَحَلَّهُ) وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ قَبْلِهِ وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ لَهُ تَتِمَّةٌ (وَالْمَذْهَبُ يُعَزَّرُ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ بَابِ التَّعْزِيرِ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ) لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَتَنَازَعُوا هَلْ يُعَاقَبُ بِالْقَتْلِ أَوْ مَا دُونَ الْقَتْلِ؟ وَقَالَ أَمَّا مَنْ جَاوَزَ ذَلِكَ كَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةَ (ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا نَفَرًا قَلِيلًا لَا يَبْلُغُونَ بِضْعَةَ عَشَرٍ وَأَنَّهُمْ فَسَقُوا فَلَا رَيْبَ أَيْضًا فِي كُفْرِ قَائِلِ ذَلِكَ، بَلْ مَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ فَهُوَ كَافِرٌ انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ) عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ.
(وَمَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: 40] فَإِنْكَارُ صُحْبَتِهِ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكْفُرْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى صَحَابِيَّةِ غَيْرِهِ، وَالنَّصُّ وَارِدٌ شَائِعٌ قَالَ شَارِحُهُ الْأُشْمُونِيُّ قَلَتَ وَأَهْلُ الدَّرَجَاتِ أَنْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لِأَنَّ صَحَابَتَهُمْ يَعْرِفهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَافِي صَحَابِيَّةَ أَحَدِهِمْ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَإِنْ جَحَدَ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ) الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» (أَوْ) جَحَدَ (شَيْئًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ (وَمِنْهَا الطَّهَارَةُ) مِنْ الْحَدَثَيْنِ كَفَرَ.
(أَوْ) جَحَدَ (حِلَّ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْمَاءِ أَوْ أَحَلَّ الزِّنَا وَنَحْوَهُ) كَشَهَادَةِ الزُّورِ وَاللِّوَاطِ (أَوْ) أَحَلَّ (تَرْكَ الصَّلَاةِ أَوْ) جَحَدَ (شَيْئًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ وَمِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهُ) كَالنَّاشِئِ فِي قُرَى الْإِسْلَامِ (كَفَرَ) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَسَائِرِ الْأُمَّةِ.
(وَإِنْ اسْتَحَلَّ قَتْلَ الْمَعْصُومِينَ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ وَلَا تَأْوِيلٍ كَفَرَ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ (وَإِنْ كَانَ) اسْتِحْلَالُهُ ذَلِكَ (بِتَأْوِيلٍ كَالْخَوَارِجِ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِمْ مَعَ اسْتِحْلَالِهِمْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ مُتَقَرِّبِينَ بِذَلِكَ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (وَتَقَدَّمَ) الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ (فِي الْمُحَارِبِينَ) صَوَابُهُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ.
(وَالْإِسْلَامُ) لُغَةً الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ وَشَرْعًا (شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ حِين سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْإِسْلَامِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْإِيمَانُ بِمَا عُلِمَ مَجِيءُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إجْمَالًا فِيمَا عُلِمَ إجْمَالًا، وَتَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ تَفْصِيلًا وَقِيلَ التَّصْدِيقُ بِذَلِكَ وَالْإِقْرَارُ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْإِقْرَارُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَيُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَانِ وَالْإِظْهَارِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَيْ عَدْلَيْنِ مِنْهُمْ بِخِلَافِهِ لِإِتْمَامِ الْإِيمَانِ عَلَى الثَّانِي وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ذَلِكَ (فَمَنْ أَنْكَرَ) أَيْ جَحَدَ (ذَلِكَ) أَيْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهَا (أَوْ) جَحَدَ (بَعْضَهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ تَهَاوُنًا فَإِنْ عَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ أَبَدًا) يَعْنِي الْحَجَّ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ إذَا تَرَكَ تَهَاوُنًا فَرْضَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَوْ الصَّوْمِ أَوْ الْحَجِّ بِأَنْ عَزَمَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ أَبَدًا أَوْ أَخَّرَهُ إلَى عَامٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ قَبْلَهُ (اُسْتُتِيبَ عَارِفٌ وُجُوبًا كَالْمُرْتَدِّ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ وَدُعِيَ إلَى ذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا عُرِّفَ) وُجُوبُ ذَلِكَ.
(فَإِنْ أَصَرَّ قُتِلَ حَدًّا وَلَمْ يَكْفُرْ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَارِكَ الشَّهَادَتَيْنِ تَهَاوُنًا كَافِرٌ بِغَيْرِ خِلَافِ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ وَأَمَّا بَقِيَّةُ ذَلِكَ فَكَمَا ذَكَرَهُ (إلَّا الصَّلَاةُ إذَا دُعِيَ إلَيْهَا) مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (وَامْتَنَعَ) حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَ الَّتِي دُعِيَ إلَيْهَا عَنْ فِعْلِهَا (أَوْ) تَرْكَ (شَرْطًا أَوْ رُكْنًا لِلصَّلَاةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ) (فَيُقْتَلُ كُفْرًا) بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ (وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.
(وَمَنْ شُفِعَ عِنْدَهُ فِي رَجُلٍ فَقَالَ) الْمَشْفُوعُ عِنْدَهُ (لَوْ جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْفَعُ فِيهِ مَا قَبِلْتُ مِنْهُ إنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ قُتِلَ لَا) إنْ تَابَ (قَبْلَهَا) أَيْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَالْمُحَارِبِ (فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ قَالَهُ الشَّيْخُ) .
[فَصْلُ وَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ]
(فَصْلُ وَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ الْحَدَّ فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَالزِّنَا وَمَا رُوِيَ أَنَّ " أَبَا بَكْرٍ اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ " فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُنَّ إسْلَامٌ وَأَمَّا نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلِيَّةُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الشُّيُوخَ وَلَا الْمَكَافِيفُ (وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ) لِأَنَّ الطِّفْلَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونَ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ شُرْبٍ مُبَاحٍ لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ وَالْمُمَيِّزَ وَإِنْ صَحَّتْ رِدَّتُهُ لَا يُقْتَلُ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالِاسْتِتَابَةِ لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» (مُخْتَارٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] (دُعِيَ إلَيْهِ) أَيْ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالِاسْتِتَابَةِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ) فِيهَا.
(وَحُبِسَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِي قَالَ: " قَدِمَ رَجُلٌ عَلَى عُمَرَ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ هَلْ مِنْ مُغَرِّبَةٍ خَبَرٌ قَالَ نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَقَالَ مَا فَعَلْتُمْ بِهِ قَالَ قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ فَقَالَ عُمَرُ هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَأَسْقَيْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَرْضَ وَلَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي " رَوَاهُ مَالِكُ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِصْلَاحُهُ فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ قُبِلَ اسْتِصْلَاحُهُ كَالثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ مُدَّةٌ يَتَكَرَّرُ فِيهَا الرَّأْيُ وَيَتَقَلَّبُ النَّظَرُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَكْثَرِ مِنْهَا وَيَكُونُ الْقَتْلُ (بِالسَّيْفِ) لِحَدِيثِ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (إلَّا رَسُولُ الْكُفَّارِ إذَا كَانَ مُرْتَدًّا) فَلَا يُقْتَلُ (بِدَلِيلِ رَسُولَيْ مُسَيْلِمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ الْكَذَّابِ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّتِهِمَا فِي
الْجِهَادِ.
(وَلَا يَقْتُلُهُ إلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ حُرًّا كَانَ الْمُرْتَدُّ أَوْ عَبْدًا) لِأَنَّهُ قُتِلَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ كَقَتْلِ الْحُرِّ وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ لِكُفْرِهِ لَا حَدًّا (وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ فِدَاءٍ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمُرْتَدِّ بَلْ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (وَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْمُرْتَدَّ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ (بِلَا إذْنِهِ أَسَاءَ وَعُزِّرَ) لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (وَلَمْ يَضْمَنْ) الْقَاتِلُ الْمُرْتَدَّ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ غَيْرُ مَعْصُومٍ (سَوَاءٌ قَتَلَهُ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ بَعْدَهَا) لِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ فِي الْجُمْلَةِ وَرِدَّتُهُ مُبِيحَةٌ لِدَمِهِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ بَعْدَهَا (إلَّا أَنْ يَلْحَقَ) الْمُرْتَدُّ (بِدَارِ حَرْبٍ فَلِكُلِّ) أَحَدٍ (قَتْلُهُ) بِلَا اسْتِتَابَةٍ (وَأَخْذُ مَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ) لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا وَمَا تَرَكَهُ بِدَارِنَا مَعْصُومٌ نَصَّ عَلَيْهِ.
(تَتِمَّةٌ) فِي الْفُنُونِ فِي مَوْلُودٍ وُلِدَ بِرَأْسَيْنِ فَبَلَغَ وَنَطَقَ أَحَدُهُمَا بِالْكُفْرِ وَالْآخَرُ بِالْإِسْلَامِ إنْ كَانَا نَطَقَا مَعًا فَفِي أَيِّهِمَا يُغَلَّبُ؟ احْتِمَالَانِ وَالصَّحِيحُ إنْ تَقَدَّمَ الْإِسْلَامُ فَمُرْتَدٌّ.
(وَالطِّفْلُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونُ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ وَلَا إسْلَامُهُ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ وَإِنْ ارْتَدَّ وَهُوَ مَجْنُونٌ فَقَتَلَهُ قَاتِلٌ فَعَلَيْهِ الْقَوْدُ) لِأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا عَمْدًا عُدْوَانًا (وَإِنْ ارْتَدَّ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُقْتَلْ فِي حَالِ جُنُونِهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ (فَإِذَا أَفَاقَ) مِنْ جُنُونِهِ (اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ تَابَ) تُرِكَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتُبْ (قُتِلَ) بِالسَّيْفِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ عَقَلَ صَبِيٌّ الْإِسْلَامَ صَحَّ إسْلَامُهُ) إنْ كَانَ مُمَيِّزًا لِإِسْلَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ صَبِيٌّ وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبِهِ وَسَبْقِهِ وَقَالَ: " سَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا صَبِيًّا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلُمِي " وَيُقَالُ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصِّبْيَانِ وَمِنْ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ وَمِنْ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ وَمِنْ الْعَبِيدِ بِلَالٌ وَقَالَ عُرْوَةُ " أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَهُمَا ابْنَا ثَمَانِ سِنِينَ " وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» وَالصَّبِيُّ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَادَةٌ مُحَصِّنَةٌ فَصَحَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَلِأَنَّ اللَّهَ دَعَاهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَجَعَلَ طَرِيقَهَا الْإِسْلَامَ فَلَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِنْ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ وَسُلُوكِ طَرِيقِهَا لَا يُقَالُ الْإِسْلَامُ يُوجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِي مَالِهِ وَنَفَقَةِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ وَحِرْمَانِ مِيرَاثَ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ وَفَسْخِ نِكَاحِهِ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ نَفْعٌ مَحْضٌ لِأَنَّهَا سَبَبُ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ الْمَحْضَةِ لِلْمَالِ وَالْمِيرَاثِ
وَالنَّفَقَةُ أَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ وَذَلِكَ مَجْبُورٌ بِحُصُولِ الْمِيرَاثِ لِلْمُسْلِمِينَ وَسُقُوطِ نَفَقَةِ أَقَارِبِهِمْ الْكُفَّارِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الضَّرَرَ مَغْمُورٌ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُل لَهُ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَ) تَصِحُّ أَيْضًا (رِدَّتُهُ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا) لِأَنَّ مَنْ صَحَّ إسْلَامُهُ صَحَّتْ رِدَّتُهُ.
(وَمَعْنَى عَقْلُ الْإِسْلَامِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ رَبَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَإِذَا أَسْلَمَ) الْمُمَيِّزُ (حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ وَيَتَوَلَّاهُ الْمُسْلِمُونَ) كَأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ بَقَاءَهُ مَعَ الْكُفَّارِ قَدْ يُفْضِي إلَى عَوْدِهِ لِلْكُفْرِ (وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِهِمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ (إذَا مَاتَ) بَعْدَ غَسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَيَرِثهُ أَقَارِبُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِصِحَّةِ إسْلَامِهِ (فَإِنْ قَالَ) الْمُمَيِّزُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْإِسْلَامِ (لَمْ أَدْرِ مَا قُلْتُ أَوْ قَالَهُ كَبِيرًا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَأُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ) كَالْبَالِغِ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ.
(وَلَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِصَاصِ وَالزِّنَا.
(وَلَا) يُقْتَلُ (الصَّغِيرُ) إذَا ارْتَدَّ (حَتَّى يَبْلُغَ وَيُسْتَتَابَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ (فَإِنْ تَابَ) خُلِّيَ سَبِيلُهُ (وَإِلَّا قُتِلَ) بِالسَّيْفِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِيمَنْ قَالَ لِكَافِرٍ: أَسْلِمْ وَخُذْ أَلْفًا فَأَسْلَمَ فَلَمْ يُعْطِهِ) الْأَلِفَ (فَأَبَى الْإِسْلَامَ يُقْتَلُ) أَيْ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (وَيَنْبَغِي) لِلْقَائِلِ (أَنْ يَفِيَ) بِمَا وَعَدَ بِهِ.
(وَقَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (وَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى صَلَاتَيْنِ قُبِلَ مِنْهُ) الْإِسْلَامُ (وَأُمِرَ بِالْخَمْسِ) لِوُجُوبِهَا عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ (وَمِثْلُهُ إذَا أَسْلَمَ عَلَى الرُّكُوعِ دُون السُّجُودِ وَنَحْوِهِ) فَيُقْبَل مِنْهُ الْإِسْلَامُ وَيُؤْمَرُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَائِرِ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ.
(وَمَنْ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانٌ صَحَّتْ رِدَّتُهُ) كَإِسْلَامِهِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: " إذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ " فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْفِرْيَةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا فِي سُكْرِهِ وَاعْتَبَرُوا مَظِنَّتَهَا وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ فَصَحَّتْ رِدَّتُهُ كَالصَّاحِي (وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَصْحُوَ) لِيَكْمُلَ عَقْلُهُ وَيَفْهَمَ مَا يُقَالُ وَتَزُولُ شُبْهَتُهُ لِأَنَّ الْقَتْلَ جُعِلَ لِلزَّجْرِ.
(وَ) حَتَّى (تَتِمَّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ حِينِ صَحْوِهِ) لِيُسْتَتَابَ فِيهَا لِأَنَّ صَحْوَهُ أَوَّلُ زَمَنٍ صَارَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ (فَإِنْ تَابَ) خُلِّيَ سَبِيلُهُ (وَإِلَّا قُتِلَ) لِرِدَّتِهِ.
(وَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْمُرْتَدَّ (قَاتِلٌ فِي حَالِ سُكْرِهِ أَوْ بَعْدِهِ قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ لَكِنْ يُعَزَّرُ (وَإِنْ مَاتَ) الْمُرْتَدُّ (فِي سُكْرِهِ أَوْ قُتِلَ مَاتَ كَافِرًا) لِأَنَّهُ هَلَكَ بَعْدَ ارْتِدَادِهِ وَقَبْلَ تَوْبَتِهِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُهُ أَقَارِبُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ أَسْلَمَ فِي سُكْرِهِ وَلَوْ أَصْلِيًّا صَحَّ إسْلَامُهُ ثُمَّ يُسْأَلُ بَعْدَ صَحْوِهِ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى إسْلَامِهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ مِنْ حِين إسْلَامِهِ) حَالَ سُكْرِهِ فَيَقْضِي الصَّلَاةَ مِنْ ذَلِكَ
الْوَقْتِ (وَإِنْ كَفَرَ فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ الْآنَ) أَيْ مِنْ حِينِ كَفَرَ بَعْدَ صَحْوِهِ فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(وَلَا تُقْبَلُ فِي الدُّنْيَا أَيْ فِي الظَّاهِرِ) بِحَيْثُ يُتْرَك قَتْلُهُمْ وَتَثْبُتُ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ (تَوْبَةُ زِنْدِيقٍ) وَهُوَ الْمُنَافِقُ (وَهُوَ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: 160] وَالزِّنْدِيقُ لَا يُظْهَرُ مِنْهُ عَلَى مَا يَتَبَيَّنَ بِهِ رُجُوعُهُ وَتَوْبَتُهُ لِأَنَّ الزِّنْدِيقَ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ خِلَافَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ يَنْفِي الْكُفْرَ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَلْبُهُ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ لِمَا قَالَهُ حُكْمٌ لِأَنَّ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَنْدَفِعُ الْقَتْلُ بِإِظْهَارِ التَّوْبَةِ فِي ذَلِكَ وَالْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ أَنَّ الزِّنْدِيقَ هُوَ الَّذِي لَا يَتَمَسَّكُ بِشَرِيعَةٍ وَيَقُولُ بِدَوَامِ الدَّهْرِ وَالْعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِمْ: مُلْحِدٌ أَيْ طَاعِنٌ فِي الْأَدْيَانِ (وَكَالْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ وَكَمَنْ يُفَضِّلُ مَتْبُوعَهُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ) يَعْتَقِدُ (أَنَّهُ إذَا حَصَلَتْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ وَالتَّحْقِيقُ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ أَوْ) يَعْتَقِدُ (أَنَّ الْعَارِفَ الْمُحَقِّقَ يَجُوزُ لَهُ التَّدَيُّنُ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ) الطَّوَائِفِ الْمَارِقِينَ مِنْ الدِّينِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ فِي الظَّاهِرِ كَالْمُنَافِقِ.
(وَلَا) تُقْبَلُ أَيْضًا فِي الظَّاهِرِ تَوْبَةُ (مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ [النساء: 137] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: 90] وَالِازْدِيَادُ يَقْتَضِي كُفْرًا مُتَجَدِّدًا وَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ إيمَانٍ عَلَيْهِ.
وَلِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَيْبَانَ بْنِ عِمَارَةَ " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ لَهُ: إنَّهُ قَدْ أُتِيَ بِك مَرَّةً فَزَعَمْتَ أَنَّكَ تُبْتَ وَأَرَاك قَدْ عُدْتَ فَقَتَلَهُ " وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الرِّدَّةِ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالدِّينِ (أَوْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ صَرِيحًا أَوْ تَنَقَّصَهُ) لِأَنَّ ذَنْبَهُ عَظِيمٌ جِدًّا يَدُلّ مِنْهُ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ وَاسْتِخْفَافِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا السَّاحِرُ الَّذِي يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ) لِمَا رَوَى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
فَسَمَّاهُ حَدًّا وَالْحَدُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى إخْلَاصِهِ فِي تَوْبَتِهِ لِأَنَّهُ يُضْمِرُ السِّحْرَ
وَلَا يَجْهَرُ بِهِ فَيَكُونَ إظْهَارُ الْإِسْلَامِ وَالتَّوْبَةِ خَوْفًا مِنْ الْقَتْلِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ (وَيُقْتَلُونَ بِكُلِّ حَالٍ) لِأَنَّ عَلِيًّا: " أُتِيَ بِزَنَادِقَةٍ فَسَأَلَهُمْ فَجَحَدُوا فَقَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ فَقَتَلَهُمْ وَلَمْ يَسْتَتِبْهُمْ " رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ (وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَمَنْ صَدَقَ مِنْهُمْ فِي تَوْبَتِهِ قُبِلَتْ بَاطِنًا) وَنَفَعَهُ ذَلِكَ (وَمَنْ أَظْهَرَ الْخَيْرَ وَأَبْطَنَ الْفِسْقَ وَ) هُوَ (كَالزِّنْدِيقِ فِي تَوْبَتِهِ) فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ظَاهِرًا لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ خِلَافَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ إظْهَارِ الْخَيْرِ.
(وَمَنْ كَفَرَ بِبِدْعَةٍ) مِنْ الْبِدَعِ (قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَوْ) كَانَ (دَاعِيَةً) إلَى بِدْعَتِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ.
(وَتُقْبَلُ تَوْبَةُ الْقَاتِلِ) لِعُمُومِ حَدِيثِ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» (فَلَوْ اُقْتُصَّ مِنْهُ أَوْ عُفِيَ عَنْهُ) مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ وَلَيِّ الْجِنَايَةِ (فَهَلْ يُطَالِبُهُ الْمَقْتُولُ فِي الْآخِرَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَتْلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ: حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٌّ لِلْمَقْتُولِ وَحَقٌّ لِلْوَلِيِّ) أَيْ الْوَارِث لِلْمَقْتُولِ (فَإِذَا أَسْلَمَ الْقَاتِلُ نَفْسَهُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا إلَى الْوَلِيِّ نَدَمًا عَلَى مَا فَعَلَ وَخَوْفًا مِنْ اللَّهِ وَتَوْبَةٍ نَصُوحًا سَقَطَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ وَحَقُّ الْأَوْلِيَاءِ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ الصُّلْحِ أَوْ الْعَفْوِ) عَنْهُ (وَبَقِيَ حَقُّ الْمَقْتُولِ يُعَوِّضُهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ عَبْدِهِ التَّائِبِ وَيُصْلِحُ بَيْنَهُ) أَيْ الْقَاتِلِ التَّائِبِ (وَبَيْنَهُ) أَيْ الْمَقْتُولِ.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَقَبُولُ التَّوْبَةِ فَضْلُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ رَدُّهَا وَتَوْبَةُ الْكَافِرِ مِنْ كُفْرِهِ قَبُولُهَا مَقْطُوعٌ بِهِ جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَسَبَقَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ: إنَّهُ لَا يَجِبُ وَيَجُوزُ رَدُّهَا وَتَوْبَةُ غَيْرِهِ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ وَلَمْ أَجِدْ الْمَسْأَلَةَ فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا وَذَكَرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ فِيهَا خِلَافًا لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْقَطْعِ وَالظَّنِّ وَاخْتِيَارِ أَبِي الْمَعَالِي الظَّنَّ وَأَنَّهُ أَصَحُّ.
[فَصْلُ وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ]
ِّ) إسْلَامُهُ (وَ) تَوْبَةُ (كُلُّ كَافِرٍ مُوَحِّدًا كَانَ) أَيْ مُقِرًّا لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ (كَالْيَهُودِيِّ أَوْ غَيْرِ مُوَحِّدٍ كَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ إسْلَامُهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَثْبُتُ بِهِ إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَا الْمُرْتَدُّ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ: وَلَا يُفْتَقَرُ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَقُولَ الدَّاخِلُ فِيهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ بَلْ لَوْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كَانَ مُسْلِمًا بِاتِّفَاقٍ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» فَإِذَا تَكَلَّمُوا بِقَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُمْ الْعِصْمَةُ وَإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِلَفْظِ أَشْهَدُ (وَلَا يَكْشِفُ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ يَجْحَدُ الْوَحْدَانِيَّةَ أَوْ رِسَالَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا يُكَلَّفُ الْإِقْرَارَ بِمَا نُسِبَ إلَيْهِ) أَيْ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مِنْ الرِّدَّةِ لِصِحَّةِ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ مُسْلِمٍ وَمُرْتَدٍّ بِخِلَافِ تَوْبَتِهِ مِنْ بِدْعَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِرَافِهِ بِالْبِدْعَةِ (وَلَا يُشْتَرَطُ إقْرَارُهُ بِمَا جَحَدَهُ) مِنْ الرِّدَّةِ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ مَعَ ثُبُوتِ إسْلَامِهِ إلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ (وَيَكْفِي) فِي التَّوْبَةِ (جَحْدُهُ لِرِدَّتِهِ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِهَا) كَرُجُوعِهِ عَنْ إقْرَارِ بِحَدٍّ وَ (لَا) يَكْفِي جُحُودُهُ لِرِدَّتِهِ (بَعْدَ بَيِّنَةٍ) شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِهَا (بَلْ يُجَدِّدُ إسْلَامَهُ) بِإِتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ جَحْدَ الرِّدَّةِ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
(وَلَا يُعَزَّرُ) مَنْ جَحَدَ الرِّدَّةَ بَعْد أَنْ شَهِدَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ وَأَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ وَتَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ يُجَدِّدُ إسْلَامَهُ (اُسْتُتِيبَ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ (فَإِنْ تَابَ) تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ (قُتِلَ) لِرِدَّتِهِ.
(لَكِنْ إنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (بِإِنْكَارِ فَرْضٍ أَوْ إحْلَالِ مُحَرَّمٍ أَوْ جَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ) جَحْدِ (كِتَابٍ أَوْ) جَحْدِ (شَيْءٍ مِنْهُ أَوْ) كَانَتْ رِدَّتُهُ (إلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةٍ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ) إذَا كَانَتْ رِدَّتُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ (يَشْهَدَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بُعِثَ إلَى الْعَالَمِينَ) أَيْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمَلَائِكَةِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ كَلِمَةَ الشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ إقْرَارِهِ بِمَا جَحَدَهُ (أَوْ يَقُول: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ) وَلَا يُكْتَفَى مِنْهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِمَا مَا يَعْتَقِدُهُ (وَلَا يُغْنِي قَوْلُهُ: مُحَمَّدُ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ) لِأَنَّهُ مَنْ جَحَدَ شَيْئَيْنِ لَا يَزُولُ جَحْدُهُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ بِهِمَا جَمِيعًا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّه
احْتِمَالُ يَكْفِي التَّوْجِيهُ مِمَّنْ لَا يُقِرُّ بِهِ.
(وَإِنْ قَالَ الْكَافِرُ: أَشْهَد أَنَّ النَّبِيَّ رَسُولُ) اللَّهِ (لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ نَبِيِّنَا) مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَقَوْلُهُ) أَيْ الْكَافِرِ (أَنَا مُسْلِمٌ أَوْ) قَوْلُهُ (أَسْلَمْتُ أَوْ) قَوْلُهُ (أَنَا مُؤْمِنٌ أَوْ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ تَوْبَةً أَصْلِيًّا كَانَ) الْكَافِرُ (أَوْ مُرْتَدًّا) وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ (قَدْ عُلِمَ مَا يُرَادُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالشَّهَادَتَيْنِ) لِمَا رَوَى الْمِقْدَادُ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ لَقِيتُ كَالْكُفَّارِ يُقَاتِلُنِي فَضَرَبَ أَحَدٌ يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قَالَهَا؟ قَالَ: لَا تَقْتُلْهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ الشَّهَادَتَانِ فَإِذَا أَخْبَرَ بِهِ فَقَدْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: احْتِمَالًا لِأَنَّ هَذَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ أَوْ جَاحِدِ الْوَحْدَانِيَّةِ أَمَّا مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ أَوْ فَرِيضَةٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِهَذَا لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ الْإِسْلَامَ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَافِرٌ.
(وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ) فِي مُفْرَدَاتِهِ (لَا خِلَافَ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ قَالَ: أَنَا مُسْلِمٌ وَلَا أَنْطِقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ) .
وَفِي الِانْتِصَارِ (لَوْ كَتَبَ الشَّهَادَةَ) أَيْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (صَارَ مُسْلِمًا) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْخَطَّ كَاللَّفْظِ فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ صَارَ مُرْتَدًّا وَمُجْبَرًا عَلَى الْإِسْلَامِ نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ أَوْ) أُكْرِهَ (مُسْتَأْمَنٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِهِ) أَيْ الْإِسْلَامِ (لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ) فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِسْلَامِ بِهِ طَوْعًا مِثْلَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ) فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ مِنْ حِينِ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ وَثُبُوتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ (فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ) فِي أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِثهُ أَقَارِبُهُ الْمُسْلِمُونَ (وَإِنْ رَجَعَ) الذِّمِّيُّ أَوْ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ إكْرَاهِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ (إلَى الْكُفْرِ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَدٍّ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِسْلَامِ ابْتِدَاءً (بِخِلَافِ حَرْبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إكْرَاهُهُمَا عَلَيْهِ) أَيْ الْإِسْلَامِ (وَيَصِحُّ) إسْلَامُهُ (ظَاهِرًا) لِحَدِيثِ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» خَصَّ مِنْهُ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ وَالْمَجُوس إذَا أَعْطَوْا الْجِزْيَةَ وَالْمُسْتَأْمَنُ لِأَدِلَّةٍ خَاصَّةٍ وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى الْأَصْلِ (فَإِنْ مَاتَ) الْحَرْبِيُّ أَوْ الْمُرْتَدُّ (قَبْلَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ) عَنْهُ (فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ) لِصِحَّةِ إسْلَامِهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ (وَفِي الْبَاطِنِ إنْ لَمْ يَعْتَقِدْ) الْحَرْبِيُّ أَوْ الْمُرْتَدُّ (الْإِسْلَامَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى كُفْرِهِ بَاطِنًا وَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا عُلِمَ مَجِيءٌ الرَّسُولِ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ.
(وَإِنْ أَتَى الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ صَارَ مُرْتَدًّا وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ نَصًّا) لِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ كَمَا لَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ.
(وَإِذَا صَلَّى) الْكَافِرُ (أَوْ أَذَّنَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا) وَسَوَاءٌ صَلَّى (جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْحَرْبِ وَلَا يَثْبُتُ) الْإِسْلَامُ (بِالصَّلَاةِ حَتَّى تَأْتِيَ بِصَلَاةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ صَلَاةِ الْكُفَّارِ مِنْ اسْتِقْبَالِ قِبْلَتِنَا وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ) لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ فِي صَلَاتِهِمْ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُوَضَّحًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
(وَإِنْ صَامَ) كَافِرٌ (أَوْ زَكَّى أَوْ حَجَّ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَحُجُّونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى مَنَعَهُمْ وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ وَهُمْ يَتَصَدَّقُونَ وَلِكُلِّ أَهْلِ دِينٍ صِيَامٌ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا أَفْعَالٌ تَتَمَيَّزُ عَنْ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ وَيَخْتَصُّ بِهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ (فَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَدُّ فَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْد رِدَّتِهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ وَوَرِثَهُ الْمُسْلِمُ) مِنْ وَرَثَتِهِ لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ بِصَلَاتِهِ (إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ صَلَاتِهِ أَوْ تَكُونُ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ فَرِيضَةٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ مَلَكٍ) مِنْ الْمَلَائِكَةِ (وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ فَلَا يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ بِالصَّلَاةِ) لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَيَفْعَلُهَا مَعَ كُفْرِهِ.
(وَلَا يَبْطُلُ إحْصَانُ مُرْتَدٍّ بِرِدَّةٍ) أَيْ إذَا كَانَ مُحْصَنًا وَارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ إحْصَانُهُ بِرِدَّتِهِ (فَإِنْ أَتَى بِهِمَا) بِأَنْ زَنَى وَقَذَفَ (بَعْدَ إسْلَامِهِ حُدَّ) لِلزِّنَا وَالْقَذْفِ وَكَذَا لَوْ قُذِفَ بَعْدَ إسْلَامِهِ حُدَّ قَاذِفُهُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِحْصَانِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ (وَيُؤَاخَذُ بِحَدٍّ فَعَلَهُ فِي رِدَّتِهِ نَصًّا) كَمَا لَوْ زَنَى فِي رِدَّتِهِ ثُمَّ تَابَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِلزِّنَا كَمَا يُؤَاخَذُ بِحَدٍّ فَعَلَهُ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ رِدَّتِهِ (فَمَتَى زَنَى) وَهُوَ مُحْصِنٌ (رُجِمَ وَلَا تَبْطُلُ عِبَادَاتُهُ الَّتِي فَعَلَهَا فِي إسْلَامِهِ مِنْ صَلَاةٍ وَحَجٍّ وَغَيْرِهِمَا إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِهَا وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا فَلَا تَعُدْ إلَى ذِمَّتِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ.
[فَصْلُ وَمَنْ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ]
ُ) لِأَنَّ الرِّدَّةَ سَبَبٌ يُبِيحُ دَمَهُ فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ بِهَا كَزِنَا الْمُحْصَنِ وَلِأَنَّ زَوَالَ الْعِصْمَةِ
لَا يَلْزَمُ مِنْهُ زَوَالُ الْمِلْكِ كَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارِبَةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ (وَيَمْلِكُ) الْمُرْتَدُّ (بِأَسْبَابِ التَّمْلِيكِ كَالصَّيْدِ وَالِاحْتِشَاشِ وَالِاتِّهَابِ وَالشِّرَاءِ وَإِيجَارِ نَفْسِهِ إجَارَةً خَاصَّةً) بِأَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَنَحْوَهَا (أَوْ) إجَارَةً (مُشْتَرَكَةً) بِأَنْ يُؤَجَّرَ لِخَيَّاطَةٍ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ عَدَمَ عِصْمَتِهِ لَا يُنَافِي صِحَّةَ ذَلِكَ كَالْحَرْبِيِّ (وَلَا يَرِث) الْمُرْتَدُّ أَحَدًا بِقَرَابَةٍ وَلَا غَيْرِهَا لِمُبَايِنَتِهِ لِدِينِ مُوَرِّثِهِ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ (وَلَا يُورَثُ) عَنْهُ شَيْءٌ مِمَّا اكْتَسَبَهُ حَالَ الْإِسْلَامِ أَوْ الرِّدَّةِ بَلْ يَكُونُ فَيْئًا (وَيَكُون مِلْكُهُ مَوْقُوفًا) فَإِنْ أَسْلَمَ ثَبَتَ مِلْكُهُ وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ كَانَ مَالُهُ فَيْئًا (وَيُمْنَعُ) الْمُرْتَدُّ (مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ) أَيْ فِي مَالِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ كَمَالِ الْمُفْلِسِ وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ أَنَّهُ يُتْرَكُ عِنْدَ ثِقَةٍ.
(وَ) يُمْنَعُ أَيْضًا (مِنْ وَطْءِ إمَائِهِ إلَى أَنْ يُسْلِمَ) فَيُمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّف فِي مَالِهِ وَوَطْءِ إمَائِهِ (فَإِذَا أَسْلَمَ عَصَمَ دَمَهُ وَمَالَهُ) لِحَدِيثِ «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ» (وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ) أَيْ بِإِسْلَامِهِ (حَاكِمٌ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ (وَيُنْفَقُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِ الْمُرْتَدِّ (عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةً) لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ أَشْبَهَ الدَّيْنَ (وَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ مَا كَانَ مِنْهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ كَمَا قَبْلِهَا) لِأَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ لَا يَجُوزُ تَعْطِيلُهَا (فَإِنْ أَسْلَمَ) الْمُرْتَدُّ (أَخَذَهُ) أَيْ مَالَهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا (أَوْ) أَخَذَ (بَقِيَّتَهُ) أَيْ مَا فَضَلَ بَعْدَ النَّفَقَاتِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ (وَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ) الَّذِي كَانَ يُصَرِّفُهُ فِي رِدَّتِهِ فِي مَالِهِ.
(وَيَضْمَنُ) الْمُرْتَدُّ (مَا أَتْلَفَهُ لِغَيْرِهِ) مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ (وَلَوْ فِي دَارِ حَرْبٍ) لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْلِمِ فَلَأَنْ يُوجِبَهُ الْمُرْتَدُّ أَوْلَى (وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتْلِفُ وَاحِدًا) مُرْتَدًّا (أَوْ جَمَاعَةً) مُرْتَدِّينَ وَسَوَاءٌ (صَارَ لَهُمْ مَنَعَةً أَوْلَى) أَوْ لَمْ يَصِرْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقُوَّةٌ لِأَنَّهُمْ أَتْلَفُوهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَأَشْبَهُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ) الْمُرْتَدُّ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى وَقْفِهِ النِّكَاحَ كَنِكَاحِ الْكَافِرِ مُسْلِمَةً (أَوْ زَوَّجَ مُوَلِّيَتَهُ) مِنْ نَسَبٍ وَوَلَاءٍ (أَوْ) زَوَّجَ (أَمَتَهُ لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ مَوْقُوفًا وَلِزَوَالِ وِلَايَتِهِ بِالرِّدَّةِ.
(وَإِنْ مَاتَ) الْمُرْتَدُّ (أَوْ قُتِلَ مُرْتَدًّا) لِلرِّدَّةِ أَوْ غَيْرِهَا (صَارَ مَالُهُ فَيْئًا مِنْ حِينِ مَوْتِهِ) لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ (وَبَطَلَ تَصَرُّفُهُ) الَّذِي كَانَ تَصَرُّفُهُ فِي رِدَّتِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ بِقَطْعِ ثَوَابِهِ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ.
(وَإِنْ لَحِقَ) الْمُرْتَدُّ (بِدَارِ حَرْبٍ فَهُوَ وَمَا مَعَهُ كَحَرْبِيٍّ لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُ بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ وَأَخْذُ مَا مَعَهُ) مِنْ مَالٍ لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا (وَمَا بِدَارِنَا مِنْ أَمْلَاكِهِ فَمُلْكُهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَصِيرُ فَيْئًا مِنْ حِينِ مَوْتِهِ)
لِكَوْنِهِ لَا وَارِثَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ لَحِقَ) الْمُرْتَدُّ (بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ تَعَذَّرَ قَتْلُهُ مُدَّةً طَوِيلَةً فَعَلَ الْحَاكِمُ) فِي مَالِهِ (مَا يَرَى فِيهِ الْأَحَظَّ مِنْ بَيْعِ حَيَوَانِهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَتِهِ وَإِجَارَةِ مَا يَرَى إبْقَاءَهُ) مِنْ مَالِهِ لِوِلَايَتِهِ الْعَامَّةِ (وَمُكَاتِبُهُ يُؤَدِّي إلَى الْحَاكِمِ وَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ) كَمَا لَوْ أَدَّى إلَيْهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ.
(وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمَا) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقَرُّ عَلَى الرِّدَّةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الَّذِينَ سَبَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ كَانُوا أَسْلَمُوا وَلَا تَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ الرِّدَّةِ وَقَوْلُ عَلِيٍّ بِسَبْيِ الْمُرْتَدِّ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ (وَلَا اسْتِرْقَاقُ أَوْلَادِهِمَا الَّذِينَ وُلِدُوا) أَيْ حُمِلَ بِهِمْ (فِي الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِمْ قَبْلَ الرِّدَّةِ يَتْبَعُونَهُمْ فِيهَا لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَقَدْ تَبِعُوهُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يَتْبَعُوهُمْ فِي الرِّدَّةِ (وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَوْلَادِهِمَا الَّذِينَ وُلِدُوا أَوْ حُمِلَ بِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ (قُتِلَ) بَعْدَ بُلُوغِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ لِخَبَرِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
(وَلَوْ ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ وَجَرَى فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ (حُكْمُهُمْ) أَيْ الْمُرْتَدِّينَ (فَدَارُ حَرْبٍ) أَيْ صَارُوا حَرْبِيِّينَ (يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ وَيُغْنَمُ مَالُهُمْ وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَنْ) حَدَثَ الْحَمْلُ بِهِ (وَوُلِدَ بَعْدَ الرِّدَّةِ وَإِقْرَارِهِ بِجِزْيَةٍ) فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ بِجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ وَهَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِالْقِتَالِ مِنْ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ وَإِذَا قَاتَلَهُمْ جَازَ قَتْلُ مَنْ يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَاتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ قُلْتُ إقْرَارُ مَنْ حَدَثَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ عَلَى جِزْيَةٍ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَ عَلَى دِينِ مَنْ يُقِرَّ بِهَا كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَإِلَّا لَمْ يُقَرَّ كَمَا فِي الدُّرُوزِ وَالتَّيَامِنَةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ.
(وَلَا يَجْرِي عَلَى الْمُرْتَدِّ رِقٌّ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَقَامَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الرِّدَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَمَنْ وُلِدَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْتَدِّينَ قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ كَانَ حَمْلًا وَقْتُهَا) أَيْ الرِّدَّةِ (فَمَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَتْبَعُ أَبَوَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَا فِي الرِّدَّةِ (وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ صِغَارًا) لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ (وَلَا كِبَارًا) لِأَنَّهُمْ إنْ ثَبَتُوا عَلَى إسْلَامِهِمْ بَعْدَ كِبَرِهِمْ فَهُمْ مُسْلِمُونَ وَإِنْ كَفَرُوا فَهُمْ مُرْتَدُّونَ (وَبَعْدَ الْبُلُوغِ) إذَا ثَبَتُوا عَلَى الْكُفْرِ (فَيُسْتَتَابُونَ كَآبَائِهِمْ) فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا (وَلَا يُقَرُّ مُرْتَدٌّ بِجِزْيَةٍ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ قَتْلُهُ لِخَبَرِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
(وَإِذَا مَاتَ أَبُو الطِّفْلِ أَوْ الْحَمْلِ أَوْ الْمُمَيِّزِ أَوْ) مَاتَ (أَحَدُهُمَا فِي دَارِنَا عَلَى كُفْرِهِ لَا) إنْ مَاتَ (جَدُّهُ وَجَدَّتُهُ فَمُسْلِمٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهِمَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبِمَوْتِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا انْقَطَعَتْ التَّبَعِيَّةُ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ (وَيُقْسَمُ لَهُ) أَيْ الطِّفْلِ الْمُمَيِّزِ (الْمِيرَاثُ) مِنْ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ أَوْ أُمِّهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا وَقْتَ الْمَوْتِ وَأَمَّا الْحَمْلُ فَلَا يَرِثُ مِنْ أَبِيهِ الْكَافِرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ (وَكَذَا لَوْ عُدِمَ الْأَبَوَانِ أَوْ) عُدِمَ (أَحَدُهُمَا بِلَا مَوْتٍ كَزِنَا ذِمِّيَّةٍ وَلَوْ بِكَافِرٍ) فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (أَوْ اشْتِبَاهُ وَلَدٍ مُسْلِمٍ بِوَلَدٍ كَافِرٍ نَصًّا) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ.
(قَالَ الْقَاضِي أَوْ وُجِدَ بِدَارِ حَرْبٍ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إذَا سُبِيَ الطِّفْلُ) يَتْبَعُ سَابِيهِ لِانْقِطَاعِ تَبَعِيَّتِهِ لِأَبَوَيْهِ حَيْثُ سُبِيَ مُنْفَرِدًا عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا.
(وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ نَصًّا وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَكْلِيفَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ) فَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَمَنْ أَطَاعَ مِنْهُمْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ وَقَالَ أَيْضًا أَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ فِيهِمْ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» فَلَا يُحْكَمُ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ لَا بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ (وَمِثْلُهُمْ) أَيْ مِثْلُ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ (مَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ مَجْنُونًا) فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَبِمَوْتِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا بِدَارِنَا بِخِلَافِ مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ (وَمَنْ وُلِدَ أَعْمَى أَبْكَمُ أَصَمُّ وَصَارَ رَجُلًا هُوَ مَعَ أَبَوَيْهِ نَصًّا، وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَا بَعْدَ مَا صَارَ رَجُلًا قَالَ هُوَ مَعَهُمَا) وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ مِثْلَهُمَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.
(وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُرْتَدُّ لِغَيْرِهِ بِالْوَكَالَةِ صَحَّ) تَصَرُّفُهُ فَلَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِالرِّدَّةِ إلَّا فِيمَا يُنَافِيهَا كَالنِّكَاحِ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُرْتَدَّ (قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي رِدَّتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَكَالْحَرْبِيِّ وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَأْمُرْ الْمُرْتَدِّينَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُمْ (وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ) مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَنَحْوِهِمَا (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ حَالَ إسْلَامِهِ.
(وَإِنْ قَتَلَ) الْمُرْتَدُّ (مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) كَالْمُسْلِمِ وَأَوْلَى (وَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ) كَالْمُسْلِمِ (فَإِنْ اخْتَارَ) الْوَلِيُّ (الْقِصَاصَ قُدِّمَ) الْقِصَاصُ (عَلَى قَتْلِ الرِّدَّةِ تَقَدَّمَتْ الرِّدَّةُ أَوْ تَأَخَّرَتْ) لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٍّ جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ (وَإِنْ عَفَا)
الْوَلِيُّ (عَلَى مَالٍ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ) أَيْ الْمُرْتَدِّ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ) الْقَتْلُ (خَطَأً وَجَبَتْ) الدِّيَةُ (أَيْضًا فِي مَالِهِ) وَكَذَا شِبْهُ الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ.
(قَالَ الْقَاضِي تُؤْخَذُ مِنْهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) كَمَا كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْ عَاقِلَتِهِ (فَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ فِي الْحَالِ) مِنْ غَيْرِ تَأْجِيلٍ قُلْتُ فَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُقْتَلْ أَوْ يَمُتْ.
(وَتَثْبُتُ الرِّدَّةُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ الْبَيِّنَةِ) وَهِيَ رَجُلَانِ عَدْلَانِ كَقَتْلِ الْقِصَاصِ.
[فَصْلُ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ]
(فَصْلُ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ) عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ، وَلَا يُجِيبُ (وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ) بِأَنْ كَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى مَوْتِهِ (وَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ وَأَجَابَ) بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ (ظَاهِرًا لَمْ يَصِرْ كَافِرًا إذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] (وَمَتَى زَالَ الْإِكْرَاهُ أُمِرَ بِإِظْهَارِ إسْلَامِهِ) لِزَوَالِ الْعُذْرِ (فَإِنْ أَظْهَرَهُ) فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إسْلَامِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ (حُكِمَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ مِنْ حِينِ نَطَقَ بِهِ) أَيْ بِالْكُفْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ، بَلْ اخْتِيَارًا (وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَكَانَ مَحْبُوسًا أَوْ مُقَيَّدًا عِنْدَ الْكُفَّارِ فِي حَالَةِ خَوْفٍ لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ) لِعَدَمِ طَوَاعِيَتِهِ.
(وَإِنْ شَهِدَتْ) الْبَيِّنَةُ (أَنَّهُ كَانَ آمِنًا فِي حَالِ نُطْقِهِ) بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ (حُكِمَ بِرِدَّتِهِ) لِإِتْيَانِهِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مُخْتَارًا،.
وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَفَرَ فَادَّعَى الْإِكْرَاهَ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ قَرِينَتِهِ فَقَطْ، وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ كُفْرٍ فَادَّعَى الْإِكْرَاهَ قُبِلَ مُطْلَقًا لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ.
(وَإِنْ ادَّعَى وَرَثَتُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (رُجُوعَهُ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِتَشْهَدَ بِرُجُوعِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمه.
(وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ) بَيِّنَةٌ (بِأَكْلِ لَحْمِ خِنْزِيرٍ لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْلِهِ اسْتِحْلَالُهُ (فَإِنْ قَالَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَكَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ أَوْ أَقَرَّ) بَعْضُ وَرَثَتِهِ (بِرِدَّتِهِ حَرُمَ مِيرَاثُهُ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَيُدْفَعُ إلَى مَنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ) مِنْ وَرَثَتِهِ (قَدْرُ مِيرَاثِهِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْهُ وَ)
يُدْفَعُ (الْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الضَّائِعِ لِعَدَمِ مَنْ يَدَّعِيهِ (فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونُ دُفِعَ إلَيْهِ نَصِيبُهُ وَنَصِيبُ الْمُقِرِّ بِرِدَّةِ الْمُوَرِّثِ) لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ رِدَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي.
[فَصْل وَيَحْرُمُ تَعَلَّمُ السِّحْرِ وَتَعْلِيمُهُ وَفِعْلُهُ]
(فَصْلُ وَيَحْرُمُ تَعَلَّمُ السِّحْرِ وَتَعْلِيمُهُ وَفِعْلُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى (وَهُوَ) أَيْ السِّحْرُ (عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ أَوْ يَكْتُبُهُ أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِ الْمَسْحُورِ أَوْ قَلْبِهِ أَوْ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَهُ، وَلَهُ حَقِيقَةٌ، فَمِنْهُ مَا يَقْتُلُ وَ) مِنْهُ (مَا يُمْرِضُ وَ) مِنْهُ (مَا يَأْخُذُ الرَّجُلَ عَنْ زَوْجَتِهِ فَيَمْنَعُهُ وَطْأَهَا أَوْ يَعْقِدُ الْمُتَزَوِّجَ فَلَا يُطِيقُ وَطْأَهَا وَمَا كَانَ مِثْلُ فِعْلِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ حِينَ سَحَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُشْطٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَمِيمٌ تَكْسِرُهَا (وَمُشَاطَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ مَا يَسْقُطُ مِنْ الشَّعْرِ عِنْد مَشْطِهِ رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُحِرَ حَتَّى إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ» (أَوْ يَسْحَرُهُ حَتَّى يَهِيمَ مَعَ الْوَحْشِ وَمِنْهُ) أَيْ السِّحْرِ (مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا يُبَغِّضُ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ وَيُحَبِّبُ بَيْنَ اثْنَيْنِ) زَوْجَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: 66] وَجَوَابُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1]- إلَى قَوْله - ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4] أَيْ السَّوَاحِرِ اللَّاتِي يَعْقِدْنَ فِي سِحْرِهِنَّ، وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً لَمَا أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ (وَيَكْفُرُ) السَّاحِرُ (بِتَعَلُّمِهِ وَفِعْلِهِ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ تَحْرِيمُهُ أَوْ إبَاحَتَهُ كَاَلَّذِي يَرْكَبُ الْحِمَارَ مِنْ مِكْنَسَةٍ وَغَيْرِهَا فَتَسِيرُ) بِهِ (فِي الْهَوَاءِ أَوْ يَدَّعِي أَنَّ الْكَوَاكِبَ تُخَاطِبُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]
(وَيُقْتَلُ) السَّاحِرُ (إنْ كَانَ مُسْلِمًا) بِالسَّيْفِ لِمَا رَوَى جُنْدُبُ مَرْفُوعًا قَالَ «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ وَقَالَ الصَّحِيحُ عَنْ جُنْدُبٍ مَوْقُوفٌ.
وَعَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدٍ " قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِلْجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، فَأَتَانَا كِتَابُ مُعَاوِيَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ أَنْ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ.
وَفِي رِوَايَةِ «فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَقَتَلَتْ حَفْصَةُ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا» رَوَاهُ مَالِكٌ وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ (وَكَذَا مَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ) أَيْ السِّحْرِ (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فَيُقْتَلُ كُفْرًا لِأَنَّهُ أَحَلَّ حَرَامًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ.
(وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرٌ ذِمِّيٌّ) لِأَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَلِأَنَّ الشِّرْكَ أَعْظَمُ مِنْ سِحْرِهِ وَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَالْأَخْبَارُ وَرَدَتْ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ وَهَذَا كَافِرٌ أَصْلِيٌّ (إلَّا أَنْ يَقْتُلَ) السَّاحِرُ الذِّمِّيُّ (بِهِ) أَيْ بِسِحْرِهِ (وَيَكُونُ) سِحْرُهُ (مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا فَيُقْتَصُّ مِنْهُ) إذَا قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ كَمَا لَوْ قَتَلَ بِغَيْرِهِ.
(فَأَمَّا الَّذِي يَسْحَرُ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ وَسَقْيِ شَيْءٍ لَا يَضُرُّ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ السَّاحِرِينَ الْكَافِرِينَ بِأَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ فَيَخْتَصُّ الْكُفْرُ بِهِمْ وَيَبْقَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ السَّحَرَةِ عَلَى أَصْلِ الْعِصْمَةِ (وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا دُونَ الْقَتْلِ) لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً (إلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِفِعْلِهِ) ذَلِكَ وَيَكُونُ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا (فَيُقْتَصُّ مِنْهُ) إذَا قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا (فَ) اللَّازِمُ (الدِّيَةُ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ) :.
(وَأَمَّا الَّذِي يُعَزِّمُ عَلَى الْجِنِّ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا فَتُطِيعهُ فَلَا يَكْفُرُ) بِذَلِكَ (وَلَا يُقْتَلُ) بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَى قَتْلِهِ بِالسِّحْرِ (وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا دُونَ الْقَتْلِ) لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً (وَكَذَا الْكَاهِنُ وَالْعَرَّافُ، وَالْكَاهِنُ الَّذِي لَهُ رَئِيٌّ مِنْ الْجِنِّ يَأْتِيهِ بِأَخْبَارِ وَالْعَرَّافُ الَّذِي يَحْدُسُ وَيَتَخَرَّصُ كَالْمُنَجِّمِ) وَهُوَ الَّذِي يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى الْحَوَادِثِ.
(وَلَوْ أَوْهَمَ قَوْمًا طَرِيقَتُهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ وَقَالَ الشَّيْخُ: التَّنْجِيمُ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَحْوَالِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَّةِ مِنْ السِّحْرِ قَالَ) الشَّيْخُ (وَيَحْرُمُ إجْمَاعًا) وَأَقَرَّ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ أَنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ بِبَرَكَتِهِ مَا زَعَمُوا أَنَّ الْأَفْلَاكَ تُوجِبُهُ، وَأَنَّ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِ الدَّارَيْنِ مَا لَا تَقْوَى الْأَفْلَاكُ أَنْ تَجْلِبَهُ (وَالْمُتَعَبِّدُ وَالْقَائِلُ بِزَجْرِ طَيْرٍ وَالضَّارِبِ بِحَصًى وَشَعِيرٍ وَقِدَاحٍ) أَيْ سِهَامٍ (زَادَ فِي الرِّعَايَةِ وَالنَّظَرِ فِي أَلْوَاحِ الْأَكْتَافِ إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ إبَاحَتَهُ وَ) اعْتَقَدَ (أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ) الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ (عُزِّرَ وَيُكَفُّ عَنْهُ وَإِلَّا) بِأَنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتُهُ وَأَنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ (كَفَرَ) فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(وَتَحْرُمُ رُقْيَةُ وَحِرْزٌ وَتَعَوُّذٌ بِطَلْسَمٍ) بِغَيْرِ عَرَبِيٍّ.
(وَ) تَحْرُمُ (عَزِيمَةٌ بِغَيْرِ عَرَبِيٍّ وَبِاسْمِ كَوْكَبٍ، وَمَا وُضِعَ عَلَى نَجْمٍ مِنْ صُورَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا بَأْسَ بِحَلِّ السِّحْرِ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْأَقْسَامِ وَالْكَلَامِ الْمُبَاحِ وَإِنْ كَانَ) حَلُّ السِّحْرِ (بِشَيْءٍ مِنْ السِّحْرِ فَقَدْ تَوَقَّفَ فِيهِ أَحْمَدُ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي الْحَلِّ وَهُوَ إلَى الْجَوَازِ أَمْيَلُ.
وَسَأَلَهُ مُهَنَّا عَمَّنْ تَأْتِيهِ مَسْحُورَةٌ فَيُطْلِقُهُ عَنْهَا قَالَ: لَا بَأْسَ قَالَ الْخَلَّالُ: إنَّمَا كَرِهَ فِعَالَهُ وَلَا يَرَى بِهِ بَأْسًا كَمَا بَيَّنَهُ مُهَنَّا
وَهَذَا مِنْ الضَّرُورَةِ
الَّتِي تُبِيحُ فِعْلَهَا (وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ ضَرُورَةً قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَمِنْ السِّحْرِ السَّعْي بِالنَّمِيمَةِ وَالْإِفْسَادِ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ غَرِيبٌ) وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْأَذَى بِكَلَامِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَكْرِ وَالْحِيلَةِ أَشْبَهَ السِّحْرَ وَلِهَذَا يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ وَيُنْتَجُ مَا يَعْمَلُهُ السِّحْرُ أَوْ أَكْثَرُ فَيُعْطِي حُكْمُهُ تَسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ أَوْ الْمُتَقَارِبَيْنِ لَا سِيَّمَا إنْ قُلْنَا: يُقْتَلُ الْآمِرُ بِالْقَتْلِ عَلَى رِوَايَةٍ فَهُنَا أَوْلَى.
[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ]
ِ وَاحِدُهَا طَعَامٌ وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249] وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ وَرُبَّمَا خُصَّ بِهِ الْبُرُّ (وَالْمُرَادُ هُنَا بَيَانُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَمَا يُبَاحُ) أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ (وَالْأَصْلُ فِيهَا الْحَلُّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] وَقَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168]
وَقَوْلِهِ ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] وَقَوْلِهِ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] فَجَعَلَ الطَّيِّبَ صِفَةً فِي الْمُبَاحِ عَامَّةً تُمَيِّزُهُ عَنْ الْمُحَرَّمِ.
وَجَعَلَ الْخَبِيثَ صِفَةً فِي الْمُحَرَّمِ تُمَيِّزُهُ عَنْ الْمُبَاحِ وَالْمُرَادُ بِالْخَبِيثِ هُنَا كُلُّ مُسْتَخْبَثٍ فِي الْعُرْفِ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِهِ الْحَرَامَ لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لِأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَمَّا يَحِلُّ فَلَوْ بِهِ أُرِيدَ الْحَرَامُ وَبِالطَّيِّبِ الْحَلَالُ لَكَانَ مَعْنَاهُ الْحَلَالُ هُوَ الْحَلَالُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (فَيُبَاحُ كُلُّ طَعَامِ ظَاهِرٍ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَغَيْرِهَا) كَالنَّبَاتَاتِ غَيْرِ الْمُضِرَّةِ (حَتَّى الْمِسْكِ وَالْفَاكِهَةِ الْمُسَوِّسَةِ وَالْمُدَوِّدَةِ وَيُبَاحُ أَكْلُهَا) أَيْ الْفَاكِهَةِ (بِدُودِهَا) فَيُؤْكَلُ تَبَعًا لَهَا لَا اسْتِقْلَالًا (وَ) يُبَاحُ أَكْلُ (بَاقِلًا بِذُبَابِهِ وَ) أَكْلُ (خِيَارٍ وَقِثَّاءٍ وَحُبُوبٍ وَخَلٍّ بِمَا فِيهِ) مِنْ نَحْوِ دُودٍ (تَبَعًا) لَهَا وَ (لَا) يُبَاحُ (أَكْلُ دُودِهَا وَنَحْوِهَا) كَسُوسِهَا (أَصْلًا) اسْتِقْلَالًا.
(وَلَا) يُبَاحُ (أَكْلُ النَّجَاسَاتِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] (وَالرَّجِيعِ) أَيْ الرَّوْثِ (وَالْبَوْلِ وَلَوْ كَانَا طَاهِرَيْنِ) لِاسْتِقْذَارِهِمَا (بِلَا ضَرُورَةٍ) فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِمَا أَوْ إلَى أَحَدِهِمَا جَازَ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ: يَجُوزُ التَّدَاوِي بِبَوْلِ إبِلٍ.
(وَلَا) يُبَاحُ (أَكْلُ الْحَشِيشَةِ الْمُسْكِرَةِ وَتُسَمَّى حَشِيشَةِ الْفُقَرَاءِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» (وَلَا) يُبَاحُ كُلُّ (مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ مِنْ السُّمُومِ وَغَيْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] . وَفِي الْوَاضِحِ: الْمَشْهُورِ أَنَّ السُّمَّ نَجِسٌ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِأَكْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الذِّرَاعِ الْمَسْمُومَةِ (وَفِي التَّبْصِرَةِ مَا يَضُرُّ كَثِيرُهُ يَحِلُّ يَسِيرُهُ) فَيُبَاحُ يَسِيرُ السَّقَمُونْيَا وَالزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهَا إذَا كَانَ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ (وَيَحْرُمُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْآدَمِيُّ) لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] وَلِمَفْهُومِ حَدِيثِ «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» .
(وَالْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ وَلَوْ تَوَحَّشَتْ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهَا وَسَنَدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَحُكْمُ لَبَنِهَا حُكْمُهَا وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءُ وَطَاوُسُ وَالزُّهْرِيُّ.
(وَالْخِنْزِيرُ) بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّ لَهُ نَابًا يَفْتَرِسُ بِهِ.
(وَمَا لَهُ نَابٌ يَفْتَرِسُ بِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ (سِوَى الضَّبُعُ) فَإِنَّهُ مُبَاحٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ نَابٌ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ، هُوَ صَيْدٌ وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا خَاصٌّ فَيَقْدَمُ عَلَى الْعَامِّ.
وَمَا لَهُ نَابٌ (كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَفَهْدٍ وَكَلْبٍ وَابْنِ آوَى) شِبْهَ الْكَلْبَ وَرَائِحَتُهُ كَرِيهَةٌ (وَابْنِ عِرْسٍ) بِالْكَسْرِ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَسِنَّوْرٍ أَهْلِيٍّ وَبِرِّيٍّ) وَمِنْ أَنْوَاعِهِ أَلْتَفَّا كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (وَنِمْسٍ وَقِرْدٍ وَلَوْ صَغِيرًا لَمْ يَنْبُتْ نَابُهُ وَدُبٍّ وَفِيلٍ وَثَعْلَبٍ) لِمَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ.
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لَحْمِ الْقِرْدِ» (وَيَحْرُمُ سِنْجَابٌ وَسَمُّورٌ وَفَنَكٌ) بِفَتْحِ النُّونِ لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ لَهَا نَابًا.
(وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا (مَا لَهُ مِخْلَبٌ مِنْ الطَّيْرِ يَصِيدُ بِهِ كَعُقَابٍ وَبَازِي وَصَقْرٍ وَشَاهِينِ وَحِدَأَةٍ وَبُومَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
(وَمَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَنِسْرٍ وَرُخْمٍ وَلَقْلَقٍ) مَقْصُورٌ مِنْ اللَّقْلَاقِ أَعْجَمِيٌّ طَائِرٌ نَحْوَ الْإِوَزَّةِ طَوِيلُ الْعُنُقِ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَعَقْعَقٍ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ طَائِرُ نَحْوَ الْحَمَامَةِ طَوِيلُ الذَّنَبِ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْغِرْبَانِ تَتَشَاءَمُ بِهِ الْعَرَبُ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَهُوَ) أَنَّ الْعَقْعَقَ وَ (الْقَاقَ وَغُرَابَ الْبَيْنِ وَالْأَبْقَعَ) . لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَمْسٌ فَوَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» الْخَبَرُ فَذَكَرَ مِنْهَا الْغُرَابَ وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ لِلْمُشَارَكَةِ فِي أَكْلِ الْجِيَفِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ قَتْلَهَا فِي الْحَرَمِ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكُولٍ فِي الْحَرَمِ (وَمَا تَسْتَخْبِثُهُ) أَيْ تَسْتَقْذِرُهُ (الْعَرَبُ ذَوُو الْيَسَارِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ) لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ الْكِتَابُ وَخُوطِبُوا بِهِ وَبِالسُّنَّةِ فَرَجَعَ فِي مُطْلَقِ أَلْفَاظِهَا
إلَى عُرْفِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ (وَلَا عِبْرَةَ بِأَهْلِ الْبَوَادِي) مِنْ الْأَعْرَابِ الْجُفَاةِ لِأَنَّهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَالْمَجَاعَةِ يَأْكُلُونَ كُلَّ مَا وَجَدُوهُ وَلِهَذَا سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَمَّا يَأْكُلُونَ فَقَالَ مَا دَبَّ وَدَرَجَ إلَّا أُمُّ حُبَيْنٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة فَقَالَ أَيُّهُنَّ أُمُّ حُبَيْنٍ الْعَاقِبَةُ تَأْمَنُ أَنْ تُطْلَبَ فَتُؤْكَلَ أُمُّ حُبَيْنٍ الْخَنَافِسُ الْكِبَارُ وَاَلَّذِي تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ ذَوُو الْيَسَارِ (كَالْقُنْفُذِ وَالدُّلْدُلِ وَهُوَ عَظِيمُ الْقَنَافِذِ قَدْرَ السَّخْلَةِ وَيُسَمَّى النَّيْصَ عَلَى ظَهْرِهِ شَوْكٌ طَوِيلٌ نَحْوَ ذِرَاعٍ وَالْحَشَرَاتُ كُلُّهَا كَدِيدَانِ وَجِعْلَانٍ وَبَنَاتٍ وَرْدَانٍ) نَحْوَ الْخُنْفُسَاءِ حَمْرَاءُ اللَّوْنِ.
وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ فِي الْحَمَّامَاتِ وَالْكُنُفِ (وَخَنَافِسُ وَأَوْزَاعُ وَصَرَاصِرُ وَحِرْبَاءُ وَعِضَاه وَجَرَادِينَ وَخُلْدٌ وَفَأْرٌ وَحَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ وَخُفَّاشٌ وَخُشَافٌ وَهُوَ الْوَطْوَاطُ وَزُنْبُورٌ وَنَحْلٌ وَنَمْلٌ وَذُبَابٌ وَطَبَابِيعُ) قَمْلُ أَحْمَرُ (وَقَمْلٌ وَبَرَاغِيثُ وَنَحْوُهَا وَهُدْهُدُ وَصُرَدُ) كَعُمَرَ نَوْعٌ مِنْ الْغِرْبَانِ وَهُوَ طَائِرٌ أَبْقَعُ أَبْيَضُ الْبَطْنِ أَخْضَرُ الظَّهْرِ ضَخْمُ الرَّأْسِ وَالْمِنْقَارِ يَصِيدُ الْعَصَافِيرَ وَصِغَارُ الطَّيْرِ وَيُصَرْصِرُ كَالصَّقْرِ لَا يُرَى إلَّا فِي شُعَبٍ أَوْ شَجَرَةٍ وَلَا يَكَادُ يُقْدَرُ عَلَيْهِ الْأُنْثَى صِرْدَةٌ وَالْجَمْعُ صِرْدَانُ وَيُقَالُ لَهُ الْوَاقُ وَهُوَ طَائِرُ دَمَّامٌ وَمِنْهُ نَوْعٌ أَسْوَدُ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْعَقْعَقَ (وَغُدَافٌ) كَغُرَابٍ وَجَمْعُهُ غِدْفَانُ كَغِرْبَانٍ وَيُقَالُ هُوَ غُرَابُ الْغَيْطِ.
(وَخُطَّافٌ) طَائِرٌ أَسْوَدُ مَعْرُوفٌ (وَأَخْيَلُ وَهُوَ الشِّقِرَّاقُ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَبِكَسْرِ الْقَافِ مُشَدَّدَةٌ وَبِكَسْرِ الشِّينِ مَعَ التَّثْقِيلِ وَأَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ وَبِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَهُوَ دُونَ الْحَمَامَةِ أَخْضَرُ اللَّوْنِ أَسْوَدُ الْمِنْقَارِ بِأَطْرَافِ جَنَاحَيْهِ سَوَادٌ وَبِظَاهِرِهِمَا حُمْرَةٌ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَسُنُونُو وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْخُطَّافِ وَغَيْرِهَا مِمَّا أَمَرَ الشَّرْعُ بِقَتْلِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ وَمَا لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ أَمْصَارِ الْحِجَازِ وَقُرَاهَا وَلَا ذُكِرَ فِي الشَّرْعِ يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ) أَيْ بِالْحِجَازِ (فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا مِنْهَا) أَيْ الْمُحَرَّمَاتِ (فَمُبَاحٌ) لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: 145] الْآيَة.
(وَمَا أَحَدُ أَبَوَيْهِ الْمَأْكُولَيْنِ مَغْصُوبٌ وَ) هُوَ (كَأُمِّهِ حِلًّا وَحُرْمَةً وَمِلْكًا) فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ هِيَ الْمَغْصُوبَةُ لَمْ تَحِلَّ هِيَ وَلَا شَيْءَ مِنْ أَوْلَادِهَا لِلْغَاصِبِ وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ الْفَحْلَ وَنَزَّاهُ الْغَاصِبُ عَلَى إنَاثٍ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْغَاصِبِ شَيْءٌ مِنْ أَوْلَادِ الْفَحْلِ الْآتِيَةِ بِهَا إنَاثُهُ فِي مِلْكِهِ.
(وَلَوْ اشْتَبَهَ مُبَاحٌ وَمُحَرَّمٌ حَرُمَا) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ وَكَذَا لَوْ اشْتَبَهَ مَا لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ وَذُكِرَ
فِي الشَّرْعِ مُبَاحًا وَمُحَرَّمًا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ.
(وَيَحْرُمُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ كَالْبَغْلِ) الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ (وَالسِّمْعِ) بِكَسْرِ السِّين (وَلَدِ الضَّبُعِ مِنْ الذِّئْبِ وَالْعِسْبَارِ وَلَدِ الذِّئْبِ مِنْ الزِّنْجِ وَهُوَ الضِّبْعَانُ) بِكَسْرِ الضَّاد وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَجَمْعُهُ ضَبَاعِينَ كَمَسَاكِينٍ (وَهُوَ ذُكِرَ) تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ (وَالدِّرْيَابُ وَهُوَ أَبُو زُرَيْقٍ قِيلَ إنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الشَّقِرَّاقِ وَالْغُرَابِ وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ أَهْلِيٍّ وَوَحْشِيٍّ) كَالْحِمَارِ بَيْنَ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ وَحِمَارٍ وَحْشِيٍّ تَغْلِيبًا (وَكَحَيَوَانٍ مِنْ نَعْجَةٍ نِصْفُهُ خَرُوفٌ وَنِصْفُهُ كَلْبٌ) فَيَحْرُمُ تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ.
(وَيَحْرُم مَا لَيْسَ مِلْكًا لِآكِلِهِ وَلَا أَذِنَ فِيهِ رَبُّهُ وَلَا الشَّارِعُ) لِحَدِيثِ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ رَبُّهُ جَازَ أَكْلُهُ وَكَذَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ كَأَكْلِ الْوَلِيِّ مِنْ مَالِ مُوَلِّيهِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ مِنْهُ وَالْمُضْطَرِّ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي.
[فَصْل الْمُبَاح مِنْ الْأَطْعِمَة]
(فَصْل وَمَا عَدَا هَذَا) الْمَذْكُورِ مِمَّا تَقَدَّمَ تَحْرِيمُهُ (فَمُبَاحٌ كَمُتَوَلِّدٍ مِنْ مَأْكُولَيْنِ كَبَغْلٍ مِنْ حِمَارِ وَحْشٍ وَخَيْلٍ وَلَوْ) كَانَتْ الْخَيْلُ (غَيْرَ عَرَبِيَّةٍ وَوَبْرٍ) بِسُكُونِ الْبَاءِ (وَيَرْبُوعٍ) لِأَنَّ عُمَرَ قَضَى فِيهِ بِجَفْرَةٍ وَالْوَبْرُ فِي مَعْنَاهُ (وَبَقَرِ وَحْشٍ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا مِنْ الْإِبِلِ وَالتَّيْتَلِ وَالْوَعِلِ وَالْمَهَا وَظِبَاءٍ وَحُمُرِ وَحْشٍ وَلَوْ تَأَنَّسَتْ وَعَلَّقَتْ) لِأَنَّ الظِّبَاءَ إذَا تَأَنَّسَتْ لَمْ تَحْرُمْ وَكَالْأَهْلِيِّ إذَا تَوَحَّشَ (وَأَرْنَبٍ وَزَرَافَةٍ) بِفَتْحِ الزَّاي وَضَمِّهَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ زَادَ الصَّفَّانِيُّ وَالْفَاءُ تُشَدَّدُ وَتُخَفَّفُ فِي الْوَجْهَيْنِ قِيلَ هِيَ مُسَمَّاةٌ بِاسْمِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهَا فِي صُورَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَهِيَ دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْبَعِيرَ إلَّا أَنَّ عُنُقَهَا أَطْوَلُ مِنْ عُنُقِهِ وَجِسْمُهَا أَلْطَفُ مِنْ جِسْمِهِ وَيَدَاهَا أَطْوَلُ مِنْ رِجْلَيْهَا وَوَجْهُ حِلِّهَا أَنَّهَا مُسْتَطَابَةٌ لَيْسَ لَهَا نَابٌ أَشْبَهَتْ الْإِبِلَ.
(وَنَعَامَةٍ) لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ فِيهَا بِالْفِدْيَةِ (وَضَبٍّ) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَنْ يُهْدَى إلَى أَحَدِنَا ضَبٌّ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ دَجَاجَةٍ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَهُوَ دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْحِرْدَوْنِ مِنْ عَجِيبِ خِلْقَتِهِ أَنَّ الذَّكَرَ لَهُ ذَكَرَانِ وَالْأُنْثَى لَهَا فَرْجَانِ تَبِيضُ مِنْهُمَا (وَضَبُعٍ) وَتَقَدَّمَ (وَإِنْ عُرِفَ) الضَّبُعُ (بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ فَ) كَانَ (كَجَلَّالَةٍ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْجَامُوسُ وَالْغَنَمُ) ضَأْنُهَا وَمَعْزُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] .
(وَدَجَاجٍ) لِقَوْلِ أَبِي مُوسَى «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ الدَّجَاجَ» (وَدُيُوكٍ وَطَاوُسٍ وَبَبَّغَاءَ وَهِيَ الدُّرَّةُ وَعَنْدَلِيبِ) وَهُوَ الْهَزَارُ وَهُوَ الشُّحْرُورُ (وَسَائِرِ الْوَحْشِ مِنْ الصَّيُودِ كُلِّهَا وَزَاغٍ) طَائِرٌ صَغِيرٌ أَغْبَرُ (وَغُرَابِ الزَّرْعِ وَهُوَ أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلِ) يَأْكُلُ الزَّرْعَ يَطِيرُ مَعَ الزَّاغِ لِأَنَّ مَرْعَاهُمَا الزَّرْعُ وَالْحُبُوبُ (وَحَجَلٍ وَزُرْزُورٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ نَوْعُ مِنْ الْعَصَافِيرِ (وَصَعْوَةٌ جَمْعُ صَعْوٍ وَهُوَ صِغَارُ الْعَصَافِيرِ أَحْمَرُ الرَّأْسِ وَحَمَامٍ وَأَنْوَاعِهِ مِنْ الْفَوَاخِتِ وَالْجَوَازِلِ وَالرَّقَاطِي وَالدَّيَاسِي وَسُمَّانِىِّ وَسَلْوَى وَقِيلَ هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَعَصَافِيرَ وَقَنَابِرَ وَقَطَا وَحُبَارَى) لِقَوْلِ سَفِينَةَ «أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُبَارَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَكُرْكِيٍّ وَكَرَوَانٍ وَبَطٍّ وَإِوَزٍّ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَغْلُظُ الْحَبُّ أَوْ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَطَابٌ فَيَحِلُّ لِأَنَّهُ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: 157] .
(وَغَرَانِيقَ) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ الْغَرَانِقُ جَمْعُ غُرْنَقٍ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ طَوِيلُ الْعُنُقِ (وَطَيْرُ الْمَاءِ كُلُّهُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ) أَيْ مُبَاحٌ لِمَا سَبَقَ.
(وَيُبَاحُ جَمْعُ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] الْآيَة وَقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» رَوَاهُ مَالِكٌ (إلَّا الضِّفْدِعَ) بِكَسْرِ الضَّادِ وَالدَّالِ وَالْأُنْثَى ضِفْدِعَة وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحْ الدَّالَ نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَتْلِهِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (وَالْحَيَّةُ) لِأَنَّهَا مِنْ الْخَبَائِثِ وَفِيهَا وَجْهٌ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ (وَالتِّمْسَاحُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَأْكُلُ النَّاسَ.
[فَصْل وَتَحْرُمُ الْجَلَّالَةُ وَهِيَ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ]
(فَصْل وَتَحْرُمُ الْجَلَّالَةُ وَهِيَ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ وَلَبَنُهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد «نَهَى عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ» .
وَفِي أُخْرَى لَهُ «نَهَى عَنْ رُكُوبِ جَلَّالَةِ الْإِبِلِ» .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَعَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ وَأَكْلِ لَحْمِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (وَبِيضِهَا) لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ النَّجَاسَةِ.
(وَيُكْرَهُ رُكُوبُهَا لِأَجْلِ عَرَقِهَا) لِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَخْبَارِ (حَتَّى تُحْبَسَ) الْجَلَّالَةُ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهِنَّ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَرَادَ أَكْلَهَا يَحْبِسُهَا ثَلَاثًا (وَتُطْعَمُ الطَّاهِرَ وَتُمْنَعُ مِنْ النَّجَاسَةِ طَائِرًا كَانَتْ أَوْ بَهِيمَةً) إذْ الْمَانِعُ مِنْ حِلِّهَا يَزُولُ بِذَلِكَ وَلِأَنَّ مَا طَهَّرَ حَيَوَانًا طَهَّرَ غَيْرَهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ بِظَاهِرِهِ (وَمِثْلُهُ خَرُوفٌ ارْتَضَعَ مِنْ كَلْبَةٍ ثُمَّ شَرِبَ لَبَنًا طَاهِرًا) أَوْ أَكَلَ شَيْئًا طَاهِرًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ تَعْلِفَ النَّجَاسَةَ الْحَيَوَانَ الَّذِي لَا يُذْبَحُ) قَرِيبًا (أَوْ لَا يُحْلَبُ قَرِيبًا) قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ أَحْيَانًا قَالَ شَارِحُهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهَا فِي الرَّعْيِ عَلَى اخْتِيَارِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا تُعْلَفُ لِلنَّجَاسَةِ انْتَهَى قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَيَحْرُمُ عَلْفُهَا نَجَاسَةً إنْ كَانَتْ تُؤْكَلُ قَرِيبًا أَوْ تُحْلَبُ قَرِيبًا وَإِنْ تَأَخَّرَ ذَبْحُهُ أَوْ حَلْبُهُ وَقِيلَ بِقَدْرِ حَبْسِهَا الْمُعْتَبَرِ جَازَ فِي الْأَصَحِّ كَغَيْرِ الْمَأْكُولِ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ.
(وَإِذَا عَضَّ كَلْبٌ شَاةً وَنَحْوَهَا فَكَلِبَتْ ذُبِحَتْ) دَفْعًا لِضَرَرِهَا (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْكَلَ لَحْمُهَا) لِضَرَرِهَا أَوْ قِيَاسًا عَلَى الْجَلَّالَةِ.
(وَمَا سُقِيَ) بِنَجِسٍ (أَوْ سُمِّدَ بِنَجِسٍ) أَيْ أُصْلِحَ بِالسَّمَادِ كَسَلَامٍ فَلَا يَصْلُحُ بِهِ الزَّرْعُ مِنْ تُرَابٍ أَوْ سِرْجِينٍ (مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ يَحْرُمُ وَيُنَجَّسُ بِذَلِكَ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنَّا نَكْرِي أَرَاضِيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَدْمُلُوهَا بِعَذِرَةِ النَّاسِ» قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَدَمَلَ الْأَرْضَ دَمْلًا وَدَمَلَانًا أَصْلَحَهَا أَوْ سَرْقَنَهَا فَتَدَمَّلَتْ صَلُحَتْ بِهِ انْتَهَى وَلَوْلَا أَنَّ مَا فِيهَا يَحْرُمُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فَائِدَةٌ وَلِأَنَّهُ تَتَرَبَّى بِالنَّجَاسَةِ أَجْزَاؤُهُ وَالِاسْتِحَالَةُ لَا تُطَهِّرُ عِنْدنَا (فَإِنْ سُقِيَ) الثَّمَرُ أَوْ الزَّرْعُ أَيْ بَعْدَ أَنْ سُقِيَ النَّجَسُ أَوْ سُمِّدَ بِهِ (بِطَاهِرٍ يُسْتَهْلَكُ بِهِ عَنْ النَّجَاسَةِ بِهِ طَهُرَ وَحَلَّ) لِأَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ يُطَهِّرُ النَّجَاسَاتِ وَكَالْجَلَّالَةِ إذَا حُبِسَتْ وَأُطْعِمَتْ الطَّاهِرَاتِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْقِ بِطَاهِرٍ يَسْتَهْلِكُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ (فَلَا) يَحِلُّ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُكْرَهُ أَكْلُ تُرَابٍ وَفَحْمٍ وَطِينٍ) لِضَرَرِهِ (وَهُوَ) أَيْ أَكْلُ الطِّينِ (عَيْبٌ فِي الْمَبِيعِ) نَقَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّهُ لَا يَطْلُبُهُ إلَّا مَنْ بِهِ مَرَضٌ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ يُضَرُّ الْبَدَنُ) بِهِ عِلَّةً لِكَرَاهَةِ أَكْلِ الطِّينِ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ كَانَ مِنْهُ) أَيْ الطِّينِ (مَا يُتَدَاوَى بِهِ كَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ لَمْ يُكْرَهْ) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ
(وَكَذَا يَسِيرُ تُرَابٍ وَطِينٍ) بِحَيْثُ لَا يَضُرَّ فَلَا يُكْرَهُ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ.
(وَيُكْرَهُ أَكْلُ غُدَّةٍ وَأُذُنُ قَلْبٍ) نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أُذُنِ الْقَلْبِ» وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ «كَرِهَ النَّبِيُّ أَكْلَ الْعَذِرَةِ» .
(وَ) يُكْرَهُ أَكْلُ (بَصَلٍ وَثُومٍ وَنَحْوِهِمَا) كَالْكُرَّاثِ (مَا لَمْ يَنْضَجْ بِطَبْخٍ) قَالَ أَحْمَدُ لَا يُعْجِبُنِي وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ كَرِهَهُ لِمَكَانِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ (و) يُكْرَهُ (أَكْلُ كُلِّ ذِي رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ وَلَوْ لَمْ يُرِدْ دُخُولَ الْمَسْجِدِ فَإِنْ أَكَلَهُ) أَيْ الْبَصَلَ أَوْ الثُّومَ أَوْ نَحْوَهُ قَبْلَ إنْضَاجِهِ بِالطَّبْخِ (كُرِهَ دُخُولُهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ (حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» وَيُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا حُضُورُ جَمَاعَةٍ وَلَوْ بِغَيْرِ مَسْجِدِ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (أَكْلُ حَبٍّ) مِنْ نَحْوِ بُرٍّ (دُبِّسَ بِحُمُرٍ أَهْلِيَّةٍ وَبِغَالٍ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُدَبِّسُوهُ بِهَا وَقَالَ حَرْبٌ أَكْرَهُهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً (وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَلَ) نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى وَلَا يُؤْكَلُ حَتَّى يُغْسَلَ.
(وَيُكْرَهُ مُدَاوَمَةُ أَكْلِ لَحْمٍ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ قُلْتُ وَمُدَاوَمَةُ تَرْكِ أَكْلِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُوَرِّثُ قَسْوَةَ الْقَلْبِ (وَ) يُكْرَهُ (أَكْلُ لَحْمٍ مُنْتِنٍ وَنَيْءٍ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَجَزَمَ فِي الْمُنْتَهَى بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: فَلَا يُكْرَهُ أَكْلُهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا بَأْسَ بِلَحْمِ نَيْءٍ نَقَلَهُ مُهَنَّا، وَلَحْمُ مُنْتِنٌ نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِيهِمَا يُكْرَهُ وَجَعَلَهُ فِي الِانْتِصَارِ فِي الثَّانِيَةِ اتِّفَاقًا.
(وَيُكْرَهُ الْخُبْزُ الْكِبَارُ) قَالَ الْإِمَامُ: لَيْسَ فِيهِ بَرَكَةٌ (وَ) يُكْرَهُ (وَضْعُهُ) أَيْ الْخُبْزِ (تَحْتَ الْقَصْعَةِ) لَا فَوْقهَا وَحَرَّمَهُ الْآمِدِيُّ.
[فَصْلُ اُضْطُرَّ إلَى محرم]
(فَصْل وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى مُحَرَّمٍ مِمَّا ذَكَرْنَا حَضَرًا أَوْ سَفَرًا سِوَى سُمٍّ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَضُرُّ وَاضْطِرَارُهُ (بِأَنْ يَخَافَ التَّلَفَ إمَّا مِنْ جُوعٍ أَوْ يَخَافَ إنْ تَرَكَ الْأَكْلَ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ وَانْقَطَعَ عَنْ الرُّفْقَةِ فَيَهْلِكَ أَوْ يَعْجِزَ عَنْ الرُّكُوبِ فَيَهْلِكَ وَلَا يَتَقَيَّدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ) لِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فِي ذَلِكَ (وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ) أَيْ الْمُحَرَّمِ (مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْقَافِ أَيْ بَقِيَّةَ رُوحِهِ (وَيَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] وَقَوْلِهِ ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ (الشِّبَعُ) مِنْ الْمُحَرَّمِ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَاسْتَثْنَى مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ فَإِذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ لَمْ يَحِلَّ الْأَكْلُ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ (كَمَا) يَحْرُمُ مَا (فَوْقَ الشِّبَعِ) إجْمَاعًا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ الْمُبْدِعِ (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ إنْ كَانَتْ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً جَازَ الشِّبَعُ وَإِنْ كَانَتْ) الْحَاجَةُ (مَرْجُوَّةَ الزَّوَالِ فَلَا) يَشْبَعُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ (أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْهُ) أَيْ الْمُحَرَّمِ (إنْ خَافَ الْحَاجَةَ) إنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي اسْتِصْحَابِهَا وَلَا فِي إعْدَادِهَا لِدَفْعِ ضَرُورَتِهِ وَقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا إلَّا عِنْدَ ضَرُورَتِهِ (فَإِنْ تَزَوَّدَ فَلَقِيَهُ مُضْطَرٌّ آخَرُ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ) مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ كَبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ (وَيَلْزَمُهُ إعْطَاؤُهُ) مِنْهُ (بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ) أَيْ الْمُتَزَوِّدُ (مُضْطَرًّا فِي الْحَالِ إلَى مَا مَعَهُ) فَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (وَيَجِبُ) عَلَى الْمُضْطَرِّ (تَقْدِيمُ السُّؤَالِ عَلَى أَكْلِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ لِسَائِلٍ قُمْ قَائِمًا لِيَكُونَ لَهُ عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ الْقَاضِي: أَثِمَ إذَا لَمْ يَسْأَلْ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: إنْ اُضْطُرَّ إلَى الْمَسْأَلَةِ فَهِيَ مُبَاحَةٌ قِيلَ: فَإِنْ تَوَقَّفَ قَالَ: مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَمُوتُ مِنْ الْجُوعِ اللَّهُ يَأْتِيهِ بِرِزْقِهِ (وَقَالَ الشَّيْخُ: لَا يَجِبُ) تَقْدِيمُ السُّؤَالِ (وَلَا يَأْثَمُ) بِعَدَمِهِ (وَأَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ) لِظَاهِرِ نَقْلِ الْأَثْرَمِ (وَإِنْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (مَنْ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الِامْتِنَاعُ) لِأَنَّهُ إلْقَاءٌ بِنَفْسِهِ إلَى الْهَلَاكِ (وَ) لَا (الْعُدُولُ إلَى الْمَيْتَةِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهَا (إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَسُمَّهُ فِيهِ) أَيْ فِي الطَّعَامِ (أَوْ يَكُونَ الطَّعَامُ مِمَّا يَضُرُّهُ وَيَخَافُ أَنْ يُهْلِكَهُ أَوْ يُمْرِضَهُ) فَيَمْتَنِعَ مِنْهُ وَيَعْدِلَ إلَى الْمَيْتَةِ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهَا.
(وَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا مَعَ صَاحِبِهِ وَمَيْتَةً وَامْتَنَعَ) رَبُّ الطَّعَامِ (مِنْ بَذْلِهِ) لِلْمُضْطَرِّ (أَوْ بَيْعِهِ مِنْهُ وَوَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (ثَمَنَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ) أَيْ لِلْمُضْطَرِّ (مُكَابَرَتُهُ) أَيْ رَبِّ الطَّعَامِ (عَلَيْهِ وَأَخَذَهُ مِنْهُ) لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ بِالْمَيْتَةِ.
(وَيَعْدِلُ) الْمُضْطَرُّ (إلَى الْمَيْتَةِ سَوَاءٌ كَانَ) الْمُضْطَرُّ (ثَوْبًا يَخَافُ مِنْ مُكَابَرَتِهِ التَّلَفَ أَوْ لَمْ يَخَفْ) التَّلَفَ.
(وَإِنْ بَذَلَهُ) أَيْ الطَّعَامَ رَبُّهُ (لَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ (بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَقَدَرَ) الْمُضْطَرُّ (عَلَى الثَّمَنِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ) لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا بِالْمُبَاحِ.
(وَإِنْ بَذَلَهُ) أَيْ الطَّعَامَ رَبُّهُ (بِزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ أَيْ لَا تَكْثُرُ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ) كَالرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ لِنَذْرِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ
مَاءِ الْوُضُوءِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمُضْطَرُّ عَاجِزًا عَنْ الثَّمَنِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْعَادِمِ) لِمَا يَشْتَرِيهِ فَتَحِلُّ لَهُ الْمَيْتَةُ.
(وَإِنْ امْتَنَعَ) رَبُّ الطَّعَامِ (مِنْ بَذْلِهِ) لِلْمُضْطَرِّ (إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ فَاشْتَرَاهُ الْمُضْطَرُّ بِذَلِكَ) كَرَاهَةَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا دَمٌ أَوْ عَجَزَا عَنْ قِتَالِهِ (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الْمُضْطَرَّ (أَكْثَرُ مِنْ مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى رَبِّهِ بَذْلُهُ بِقِيمَتِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْهَا فَإِنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ رَدَّهُ وَإِلَّا سَقَطَ.
(وَلَيْسَ لِلْمُضْطَرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَ) الْقِنِّ (الْآبِقِ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ.
قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: 173] (إلَّا أَنْ يَتُوبَ) مِنْ الْمَعْصِيَةِ فَيَأْكُلَ مِنْ الْمُحَرَّمِ، لِأَنَّهُ صَارَ بِالتَّوْبَةِ مِنْ أَهْلِ الرُّخْصَةِ.
(وَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا جَهِلَ مَالِكَهُ وَمَيْتَةً) أَكَلَ الْمَيْتَةَ إنْ أَمْكَنَ رَدُّ الطَّعَامِ إلَى رَبِّهِ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ وَحَقُّهُ يَلْزَمُهُ غَرَامَتُهُ بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ.
وَفِي الْفُنُونِ قَالَ حَنْبَلٌ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُنَا خِلَافَ هَذَا فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ إلَى رَبِّهِ بِعَيْنِهِ كَالْمَغْصُوبِ وَالْإِنَاءَاتِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مَالِكُهَا قَدَّمَ أَكْلَهَا عَلَى الْمَيْتَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ.
(أَوْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (صَيْدًا حَيًّا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَمَيْتَةً أَكَلَ مِنْ الْمَيْتَةِ) لِأَنَّ ذَبْحَ الصَّيْدِ جِنَايَةٌ لَا تَجُوزُ لَهُ حَالَ الْإِحْرَامِ (وَإِنْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (صَيْدًا وَطَعَامًا جَهِلَ مَالِكَهُ بِلَا مَيْتَةٍ وَهُوَ) أَيْ الْمُضْطَرُّ (مُحْرِمٌ أَكْلَ الطَّعَامَ) لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ وَفِيهِ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ (وَإِنْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (لَحْمَ صَيْدِ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ وَمَيْتَةً أَكَلَ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ قَالَهُ الْقَاضِي) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَأْكُلُ مِنْ الْمَيْتَةِ انْتَهَى.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ تَمْيِيزُ الصَّيْدِ الَّذِي ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ بِالِاخْتِلَافِ فِي أَنَّهُ مُذَكًّى مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ (وَلَوْ وُجِدَ بَيْضَ صَيْدٍ) سَلِيمًا (وَمَيْتَةً فَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي: يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا يَكْسِرُهُ) لِأَنَّ كَسْرَهُ جِنَايَةٌ لَا تَجُوزُ لَهُ حَالَ الْإِحْرَامِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.
(وَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُحْرِمُ الْمُضْطَرُّ (إلَّا صَيْدًا ذَبَحَهُ وَكَانَ ذَكِيًّا طَاهِرًا وَلَيْسَ بِنَجِسٍ وَلَا مَيْتَةٍ فِي حَقِّهِ) لِإِبَاحَتِهِ لَهُ إذَنْ (وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ فِي مَحَلِّ الذَّبْحِ) وَهُوَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ (وَتُعْتَبَرُ شُرُوطُ الذَّكَاةِ فِيهِ) كَسَائِرِ مَا يُذَكَّى (وَلَهُ الشِّبَعُ مِنْهُ) لِأَنَّهُ ذَكِيٌّ لَا مَيْتَةَ (وَلَا يَجُوزُ) لَهُ (قَتْلُهُ) إذَنْ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَكَاتِهِ كَالْأَهْلِيِّ الْمَأْكُولِ، وَهُوَ مَيْتَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا يُبَاحُ إلَّا لِمَنْ تُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ وَتَقَدَّمَ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَكَذَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى صَيْدٍ بِالْحَرَمِ.
(وَلَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا تَحَرَّى الْمُضْطَرُّ فِيهِمَا) أَيْ اجْتَهَدَ وَأَكَلَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الْمُذَكَّاةُ لِلْحَاجَةِ (وَحَرُمَتَا عَلَى غَيْرِهِ) مِمَّنْ لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ.
(وَلَوْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (مَيْتَتَيْنِ مُخْتَلَفٌ فِي أَحَدِهِمَا) فَقَطْ (أَكَلَهَا دُونَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا مُبَاحَةٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا وَجَدَهَا كَانَ وَاجِدًا لِلْمُبَاحِ عَلَى ذَلِكَ، الْقَوْلِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَلِأَنَّهَا أَخَفُّ (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُضْطَرُّ (شَيْئًا) مُبَاحًا وَلَا مُحَرَّمًا (لَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْلُ بَعْضَ أَعْضَائِهِ) لِأَنَّهُ يُتْلِفُهُ لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ مَوْهُومٌ.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا طَعَامًا) لَمْ يَبْذُلْهُ مَالِكُهُ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ إلَّا (مَا لَمْ يَبْذُلْهُ مَالِكُهُ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) بِأَنْ كَانَ خَائِفًا أَنْ يُضْطَرَّ (فَهُوَ) أَيْ صَاحِبُهُ (أَحَقُّ بِهِ) لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي الضَّرُورَةِ وَانْفَرَدَ بِالْمِلْكِ أَشْبَهَ غَيْرَ حَالَةِ الِاضْطِرَارِ (إلَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَهُ أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْعَطْشَانِ وَيَلْزَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَقِيَهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (طَلَبُهُ) أَيْ الْمَاءِ مِنْ الْعَطْشَانِ وَنَحْوِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] .
(وَلَيْسَ لِلْمُضْطَرِّ الْإِيثَارُ بِالطَّعَامِ الَّذِي مَعَهُ فِي حَالَ اضْطِرَارِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] (وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُضْطَرِّ طَعَامَهُ الْمُضْطَرَّ إلَيْهِ فَإِنْ أَخَذَهُ فَمَاتَ) صَاحِبُهُ جُوعًا (لَزِمَهُ) أَيْ الْآخِذَ (ضَمَانُهُ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ) لِلْمُضْطَرِّ (بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إحْيَاءُ نَفْسٍ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ فَلَزِمَهُ بَذْلُهُ كَمَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَنَافِعِهِ فِي تَخْلِيصِهِ مِنْ الْغَرَقِ.
(فَإِنْ أَبَى) رَبُّ الطَّعَامِ بَذْلَهُ (أَخَذَهُ) الْمُضْطَرُّ (بِالْأَسْهَلِ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ اسْتِرْضَاءٍ وَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُ) حَيْثُ أَمْكَنَ أَخَذَهُ بِدُونِهِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَدَفْعِ الصَّائِلِ (فَإِنْ أَبَى) رَبُّ الطَّعَامِ بَذْلَهُ بِالْأَسْهَلِ (أَخَذَهُ) الْمُضْطَرُّ (قَهْرًا) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ دُونَ مَالِكِهِ (وَيُعْطِيهِ) الْمُضْطَرُّ (عِوَضَهُ) أَيْ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَى مَالِكِهِ فَوَاتُ الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ (فَإِنْ مَنَعَهُ) أَيْ مَنَعَ رَبُّ الطَّعَامِ الْمُضْطَرَّ مِنْ أَخْذِهِ (فَلَهُ قِتَالُهُ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَانِعِي الزَّكَاةِ.
(فَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ) لِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِقِتَالِهِ أَشْبَهَ الصَّائِلَ (وَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ فَعَلَيْهِ) أَيْ صَاحِبِ الطَّعَامِ (ضَمَانُهُ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُضْطَرَّ (عِوَضُهُ) أَيْ الطَّعَامِ (فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَخَذَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْعِوَضُ (مَعَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ (فِي الْحَالِ) بِأَنْ كَانَ مُعْسَرًا (لَزِمَهُ) الْعِوَضُ (فِي ذِمَّتِهِ) إذَا أَيْسَرَ