كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 38-77
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا قِصَاصَ فِي هَذِهِ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُسَاوَاةِ وَفِي كُلِّ حَاجِبٍ نِصْفُهَا) لِأَنَّ لِكُلِّ إنْسَانٍ حَاجِبَيْنِ (وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ بِقِسْطِهِ مِنْ الدِّيَةِ يُقَدَّرُ بِالْمِسَاحَةِ) كَالْأُذُنَيْنِ (وَإِنْ عَادَ الشَّعْرُ قَبْلَ أَخْذِ الدِّيَةِ سَقَطَتْ) دِيَتُهُ.
(وَ) إنْ عَادَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ (تُرَدَّ) لِلْجَانِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي عَدَم الْبَصَرِ وَغَيْرِهِ (وَإِنْ بَقِيَ مِنْ شَعْرِ اللِّحْيَةِ أَوْ) بَقِيَ مِنْ شَعْرِ (غَيْرِهِ مِنْ الشُّعُورِ) الثَّلَاثَةِ (مَا لَا جَمَالَ فِيهِ ف) الْوَاجِبُ (دِيَةٌ كَامِلَةٌ) ، لِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كُلَّهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ ذَهَبَ ضَوْءُ الْعَيْنَيْنِ وَلِأَنَّ جِنَايَتَهُ رُبَّمَا أَحْوَجَتْ لِإِذْهَابِ الْبَاقِي لِزِيَادَتِهِ فِي الْقُبْحِ عَلَى ذَهَابِ الْكُلِّ (وَفِي الشَّارِبِ حُكُومَةٌ) إنْ لَمْ يَعُدْ لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهِ.

(وَفِي الْأُذُنَيْنِ وَلَوْ مِنْ أَصَمَّ الدِّيَةُ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ (وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةِ وَمَا رُوِيَ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى فِي الْأُذُنِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا رَوَاهُ سَعِيدٌ فَمُنْقَطِعٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِر، وَلَا يَثْبُتُ (وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الْأُذُنِ وَجَبَ بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهَا يُقَدَّرُ بِالْأَجْزَاءِ) كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ (وَكَذَا قَطْعُ بَعْضِ الْمَارِنِ) أَيْ مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ.
(وَ) قَطْعُ (الْحَلَمَةِ وَ) قَطْعُ (اللِّسَانِ وَ) قَطْعُ (الشَّفَةِ وَالْحَشَفَةِ وَالْأُنْمُلَةِ وَالسِّنِّ وَشَقُّ الْحَشَفَةِ طُولًا) فَإِنَّ فِي قَطْعِ أَبْعَاضِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِقِسْطِهَا مِنْ دِيَتِهَا (فَإِنْ جَنَى عَلَى أُذُنِهِ فَاسْتَحْشَفَتْ أَيْ شُلَّتْ فَفِيهَا حُكُومَةٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ الْجَمَالُ (فَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ الْأُذُنَ (قَاطِعٌ بَعْدَ اسْتِحْشَافِهَا فَفِيهَا دِيَتُهَا) لِأَنَّ فِيهَا جَمَالُهَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا.
(وَفِي السَّمْعِ إذَا ذَهَبَ مِنْهُمَا) أَيْ الْأُذُنَيْنِ (الدِّيَةُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَفِي السَّمْعِ الدِّيَةُ» (وَإِنْ ذَهَبَ) السَّمْعُ (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْأُذُنَيْنِ (فَنِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةِ (وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَيْهِ فَذَهَبَ سَمْعُهُ فَدِيَتَانِ) دِيَةٌ لِلْأُذُنَيْنِ وَدِيَةٌ لِلسَّمْعِ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْأُذُنَيْنِ فَلَا تَدْخُلُ دِيَةُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ كَالْبَصَرِ مَعَ الْأَجْفَانِ وَالنُّطْقِ مَعَ الشَّفَتَيْنِ.
(فَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْجَانِي وَوَلِيِّ الْجِنَايَةِ (فِي ذَهَابِ سَمْعِهِ فَدِيَتَانِ فَإِنَّهُ) أَيْ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ (يُغْتَفَلُ وَيُصَاحُ بِهِ وَيُنْظَرُ اضْطِرَابُهُ وَيُتَأَمَّلُ عِنْدَ صَوْتِ الرَّعْدِ وَالْأَصْوَاتِ الْمُزْعِجَةِ) كَنَهِيقِ الْحَمِيرِ (فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ انْزِعَاجٌ أَوْ الْتِفَاتٌ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى السَّمْعِ فَقَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ) لِظُهُورِ أَمَارَةِ صِدْقِهِ (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (فَقَوْلُهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَمَتَى حُكِمَ لَهُ بِالدِّيَةِ ثُمَّ انْزَعَجَ عِنْدَ صَوْتٍ فَطُولِبَ بِالدِّيَةِ فَادَّعَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا قُبِلَ قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالِاحْتِمَالِ وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ بِحَيْثُ تُعْلَمُ صِحَّةُ سَمْعِهِ رَدَّ مَا أَخَذَ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا

كَذِبَهُ وَكَذَا يُقَال فِي الشَّمّ وَإِنْ ادَّعَى الْجَانِي أَنَّهُ وُلِدَ أَبْكَمُ وَلَا بَيِّنَةَ تُكَذِّبُهُ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَقِيلَ: تُرَدَّ أَيْ دَعْوَاهُ كَمَا لَوْ قَالَ: وُلِدَ نَاطِقًا ثُمَّ خُرِسَ.
(وَإِنْ ادَّعَى) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (نُقْصَانَ سَمْعِ إحْدَاهُمَا) أَيْ الْأُذُنَيْنِ (فَاخْتِبَارَهُ بِأَنْ تُسَدَّ) الْأُذُنُ (الْعَلِيلَةُ وَتُطْلَقَ الصَّحِيحَةُ وَيَصِيحَ رَجُلٌ مِنْ مَوْضِعٍ يَسْمَعُهُ وَيُعْمَل كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَقْصِ الْبَصَرِ فِي إحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَيُؤْخَذُ مِنْ الدِّيَةِ) أَيْ دِيَةِ سَمْعِ الْأُذُنِ (بِقَدْرِ نَقْصِهِ) أَيْ سَمْعِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَيْنِ (وَإِنْ تَعَدَّى نُقْصَانُ السَّمْعِ فِيهِمَا) أَيْ الْأُذُنَيْنِ وَ (حَلَفَ) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَم إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَلَا يَتَأَتَّى الْعِوَضُ عَلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِخِلَافِ الْبَصَرِ (وَوَجَبَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ) .

(وَفِي مَارِنِ الْأَنْفِ وَهُوَ) أَيْ مَارِنُهُ (مَا لَانَ مِنْهُ) دُونَ الْقَصَبَةِ (وَلَوْ مِنْ أَخْشَمَ الدِّيَةُ) لِأَنَّ الشَّمَّ لَيْسَ فِي الْأَنْفِ كَمَا سَبَقَ (وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (الْمَارِنَ وَشَيْئًا مِنْ الْقَصَبَةِ ف) عَلَيْهِ (دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) وَيَنْدَرِج مَا قَطَعَ مِنْ الْقَصَبَةِ فِي دِيَةِ الْأَنْفِ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْيَدَيْنِ مِمَّا فَوْقَ الْكُوعِ.

(وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَنْخِرَيْنِ وَالْحَاجِزِ بَيْنهمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْأَنْفَ يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (وَفِي قَطْعِ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمَنْخِرَيْنِ (مَعَ نِصْفِ الْحَاجِزِ نِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةِ وَلِأَنَّهُ قَطَعَ نِصْفَ الْأَنْفِ (وَ) فِي قَطْعِ أَحَدِ الْمَنْخِرَيْنِ (مَعَ كُلِّهِ) أَيْ الْحَاجِزِ (ثُلُثَاهَا) أَيْ الدِّيَةِ.

(وَفِي الشَّمِّ الدِّيَةُ) لِمَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (وَفِي ذَهَابِهِ) أَيْ الشَّمِّ مِنْ أَحَدِ الْمَنْخِرَيْنِ نِصْفُهَا أَيْ الدِّيَةِ وَفِي بَعْضِهِ حُكُومَةٌ إذَا لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ (وَإِنْ نَقَصَ) الشَّمُّ (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمَنْخِرَيْنِ (قُدِّرَ) النَّقْصُ (بِمَا يُقَدَّرُ بِهِ نَقْصُ السَّمْعِ مِنْ إحْدَى الْأُذُنَيْنِ) كَمَا مَرَّ (وَإِنْ قَطَعَ أَنْفَهُ فَذَهَبَ شَمُّهُ فَدِيَتَانِ) لِأَنَّ الشَّمَّ لَيْسَ فِي الْأَنْفِ فَلَا تَنْدَرِجُ دِيَتُهُ فِيهِ.
(وَإِنْ ادَّعَى) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (ذَهَابَ شَمِّهِ اُخْتُبِرَ بِالرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ وَالْمُنْتِنَةِ فَإِنْ هَشَّ لِلطَّيِّبِ وَتَنَكَّرَ مِنْ الْمُنْتِنِ) (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَهَشَّ لِلطَّيِّبِ وَلَمْ يَتَنَكَّرْ مِنْ الْمُنْتِنِ (ف) الْقَوْلُ (قَوْلُ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ (وَإِنْ ادَّعَى) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (نَقْصَ شَمِّهِ) بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ (فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ (وَيَجِبُ) لَهُ إذَنْ (مَا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّمْعِ (وَإِنْ قَطَعَ مَعَ الْأَنْفِ اللَّحْمَ الَّذِي تَحْتَهُ، فَفِي اللَّحْمِ حُكُومَةٌ) لِأَنَّهُ غَيْرُ الْأَنْفِ وَلَا مُقَدَّرٌ فِيهِ (كَقَطْعِ الذَّكَرِ وَاللَّحْمِ الَّذِي تَحْتَهُ وَإِنْ ضَرَبَ) الْجَانِي (أَنْفَهُ فَأَشَلَّهُ أَوْ عَوَّجَهُ أَوْ غَيَّرَ لَوْنَهُ فَحُكُومَةٌ) لِأَنَّ نَفْعَ الْأَنْفِ بَاقٍ مَعَ الشَّلَلِ بِخِلَافِ الْيَدِ، فَإِنَّ نَفْعَهَا قَدْ زَالَ وَنَفْعُ الْأَنْفِ جَمْعُ الرَّائِحَةِ وَمَنْعُ وُصُولِ شَيْءٍ إلَى دِمَاغِهِ.
(وَفِي قَطْعِهِ) أَيْ الْأَنْفِ (إلَّا جِلْدَةٍ بَقِيَ مُعَلَّقًا بِهَا فَلَمْ يَلْتَحِمْ وَاحْتِيجَ إلَى قَطْعِهِ فَفِيهِ دِيَتُهُ) لِأَنَّ بَقَاءَهُ إذَنْ كَعَدَمِهِ

(وَإِنْ رَدَّهُ فَالْتَحَمَ أَوْ أَبَانَهُ فَرَدَّهُ فَالْتَحَمَ فَحُكُومَةٌ) لِنَقْصِهِ.

(وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ) إذَا اُسْتُوْعِبَتَا قَطْعًا (وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ الشَّفَتَيْنِ (نِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةِ (فَإِنْ ضَرَبَهُمَا) أَيْ الشَّفَتَيْنِ (فَأَشَلَّهُمَا) فَفِيهِمَا الدِّيَةُ لِأَنَّهُ عَطَّلَ نَفْعَهُمَا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَشَلَّ يَدَهُ (أَوْ) ضَرَبَهَا وَ (تَقَلَّصَتَا فَلَمْ تَنْطَبِقَا عَلَى الْأَسْنَانِ) فَفِيهِمَا الدِّيَةُ لِأَنَّهُ عَطَّلَ جَمَالَهُمَا (أَوْ اسْتَرْخَتَا فَصَارَتَا لَا يَنْفَصِلَانِ عَنْ الْأَسْنَانِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ عَطَّلَ نَفْعَهُمَا (وَإِنْ تَقَلَّصَتَا) أَيْ الشَّفَتَانِ (بَعْضَ التَّقَلُّصِ فَحُكُومَةٌ) لِذَلِكَ النَّقْصِ (وَحَدُّ الشَّفَةِ السُّفْلَى مِنْ أَسْفَلِ مَا تَجَافَى عَنْ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ مِمَّا ارْتَفَعَ مِنْ جِلْدَةِ الذَّقَنِ وَحَدُّ) الشَّفَةِ (الْعُلْيَا مِنْ فَوْقِ مَا تَجَافَى عَنْ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ إلَى اتِّصَالِهِ بِالْمَنْخِرَيْنِ وَالْحَاجِزِ وَحْدَهُمَا) أَيْ الشَّفَتَيْنِ (طُولًا طُولُ الْفَمِ إلَى حَاشِيَةِ الشِّدْقَيْنِ) .

(وَفِي اللِّسَانِ النَّاطِقِ الدِّيَةُ) إذَا اسْتَوْعَبَ قَطْعًا إجْمَاعًا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْأَعْضَاءِ نَفْعًا وَأَتَمُّهَا جَمَالًا يُقَال جَمَالُ الرَّجُلِ فِي لِسَانِهِ، وَالْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَيُقَالُ مَا الْإِنْسَانُ لَوْلَا اللِّسَانُ إلَّا صُورَةً مُهْمَلَةً أَوْ بَهِيمَةً مُهْمَلَةً (وَفِي الْكَلَامِ الدِّيَةُ) لِأَنَّ كُلَّ مَا تَعَلَّقَتْ الدِّيَةُ بِإِتْلَافِهِ تَعَلَّقَتْ بِإِتْلَافِ مَحَلِّهِ (وَفِي الذَّوْقِ إذَا ذَهَبَ وَلَوْ مِنْ لِسَانِ أَخْرَس الدِّيَةُ) لِأَنَّ الذَّوْقَ حَاسَّةٌ أَشْبَهَ الشَّمَّ (وَالْمَذَاقُ الْخَمْسُ: الْحَلَاوَةُ وَالْمَرَارَةُ وَالْحُمُوضَةُ وَالْعُذُوبَةُ وَالْمُلُوحَةُ فَإِذَا ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنْهَا) أَيْ الْخَمْسِ (فَلَمْ يُدْرِكْهُ وَأَدْرَكَ الْبَاقِي) مِنْهَا (فَخُمُسُ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْخَمْسَ تَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ فَفِي إحْدَاهَا خُمُسُهَا (وَإِنْ ذَهَبَ اثْنَتَانِ) مِنْ الْخَمْسِ (فَخُمُسَانِ) مِنْ الدِّيَةِ (وَفِي ثَلَاثَةٍ) مِنْ الْخَمْسِ (ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ) الدِّيَةِ (وَفِي) ذَهَابِ (أَرْبَعَةٍ) مِنْ الْخَمْسِ (أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ) الدِّيَةِ.
(وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ بِوَاحِدَةٍ) مِنْ الْخَمْسِ (وَنَقَصَ الْبَاقِي فَخُمُس الدِّيَةِ) الَّتِي لَمْ تُدْرَكْ بِهَا (وَحُكُومَةٌ لِنَقْصِ الْبَاقِي، وَإِنْ جَنَى عَلَى لِسَانِ نَاطِقٍ فَأَذْهَبَ كَلَامَهُ وَذَوْقَهُ) مَعَ اللِّسَانِ (فَدِيَتَانِ) كَمَا لَوْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُ اللِّسَانِ مَعَ بَقَائِهِ (فَإِنْ قَطَعَهُ) أَيْ اللِّسَانَ (فَذَهَبَتْ) أَيْ مَنْفَعَةُ الْكَلَامِ وَالذَّوْقِ (مَعًا فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهُمَا ذَهَبَا تَبَعًا فَوَجَبَ دِيَةُ اللِّسَانِ دُونَهُمَا، كَمَا لَوْ قَتَلَ إنْسَانًا (وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْكَلَامِ وَجَبَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ) مِنْ الْكَلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرهِ (يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِحُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا) جَعْلًا لِلْأَلْفِ الْمُتَحَرِّكَةِ وَاللَّيِّنَةِ حَرْفًا وَاحِدًا لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَخْرَجِ، وَلِذَلِكَ إذَا احْتَاجُوا إلَى تَحْرِيكِ الْأَلْفِ قَلَبُوهَا هَمْزَةً وَإِلَّا فَهِيَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ.
(فَفِي الْحَرْفِ الْوَاحِدِ رُبْعُ سُبْعِ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْوَاحِدَ رُبْعُ سُبْعِ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ (وَفِي الْحَرْفَيْنِ نِصْفُ سُبْعِهَا، وَكَذَا حِسَابُ مَا زَادَ)

فَفِي الثَّلَاثَةِ أَحْرُفٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ سُبْعٍ الدِّيَةِ، وَفِي أَرْبَعَةِ حُرُوفٍ سُبْعُ الدِّيَةِ وَهَكَذَا (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا خَفَّ عَلَى اللِّسَانِ مِنْ الْحُرُوفِ أَوْ ثَقُلَ) لِأَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْمُقَدَّرُ لَمْ يَخْتَلِفْ لِاخْتِلَافِ قَدْرِهِ كَالْأُصْبُعِ (وَلَا) فَرْقَ أَيْضًا (بَيْنَ الشَّفَوِيَّةِ وَالْحَلْقِيَّةِ وَاللِّسَانِيَّةِ، وَإِنْ جَنَى عَلَى شَفَتَيْهِ فَذَهَبَ بَعْضُ الْحُرُوفِ وَجَبَ فِيهِ) أَيْ الذَّاهِبِ (بِقَدْرِهِ) أَيْ بِنِسْبَتِهِ مِنْ الدِّيَةِ (وَكَذَلِكَ إنْ ذَهَبَ بَعْضُ حُرُوفِ الْحَلْق بِجِنَايَةٍ) وَجَبَ فِي الذَّاهِب بِقَدْرِهِ (وَإِنْ ذَهَبَ حَرْفٌ فَعَجَزَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (عَنْ كَلِمَةٍ كَجَعْلِهِ أَحْمَدَ أَمَدَ لَمْ يَجِبْ غَيْرَ أَرْشِ الْحَرْفِ) الذَّاهِبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ سِوَاهُ.
(وَإِنْ ذَهَبَ حَرْفٌ فَأَبْدَلَ مَكَانَهُ حَرْفًا آخَرَ مِثْلَ أَنْ كَانَ يَقُولُ دِرْهَمٌ فَصَارَ يَقُولُ: دِلْهَمٌ أَوْ دِغْهَمْ أَوْ دِنْهَمٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْحَرْفِ الذَّاهِبِ) لِأَنَّ مَا يُبَدَّلُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الذَّاهِبِ فِي الْقُوَّةِ وَلَا غَيْرِهَا (لَا إنْ جَنَى عَلَيْهِ فَذَهَبَ الْبَدَل وَجَبَتْ دِيَتُهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ) أَيْ الْبَدَلَ (أَصْلٌ) بِنَفْسِهِ (وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ) بِالْجِنَايَةِ (شَيْءٌ مِنْ الْكَلَامِ لَكِنْ حَصَلَتْ فِيهِ عَجَلَةٌ أَوْ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَأَةٌ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ التِّمْتَانَ مَنْ يُكَرِّرُ التَّاءَ وَالْفَأْفَاءُ مَنْ يُكَرِّر الْفَاءَ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي (حُكُومَةٌ) لِمَا حَصَلَ مِنْ النَّقْصِ وَالشَّيْنِ وَلَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بَاقِيَةٌ (فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الَّذِي حَصَلَ فِي كَلَامِهِ عَجَلَةً أَوْ تَمْتَمَةً أَوْ فَأْفَأَةً (جَانٍ آخَرُ فَأَذْهَبَ كَلَامَهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً) . كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى عَيْنِهِ جَانٍ فَعَمِشَتْ ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ آخَرُ فَأَذْهَبَ بَصَرَهَا (فَإِنْ أَذْهَبَ) الْجَانِي (الْأَوَّل بَعْضَ الْحُرُوفِ وَأَذْهَبَ) الْجَانِي (الثَّانِي بَقِيَّةَ الْكَلَامِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ الْجَانِيَيْنِ (بِقِسْطِهِ) مِنْ الدِّيَةِ فَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ دُونَ غَيْرِهِ (وَإِنْ كَانَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (أَلْثَغَ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ فَذَهَبَ إنْسَانٌ بِكَلَامِهِ كُلِّهِ) بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ) الْأَلْثَغُ (مَأْيُوسًا مِنْ زَوَال لُثْغَتِهِ فَفِيهِ) أَيْ الذَّاهِبِ (بِقِسْطِهِ) مِنْ الدِّيَةِ أَيْ بِقِسْطِ (مَا ذَهَبَ مِنْ الْحُرُوفِ) كَمَا لَوْ أَذْهَبَ سَمْعَ أُذُنٍ أَوْ شَمَّ مَنْخِرِ (وَإِنْ كَانَ) الْأَلْثَغُ (غَيْرَ مَأْيُوسٍ مِنْ زَوَالهَا) أَيْ زَوَالِ لُثْغَتهِ (كَالصَّغِيرِ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ زَوَالُ لُثْغَتِهِ (وَكَذَلِكَ الْكَبِيرُ إذَا أَمْكَنَ زَوَالُ لُثْغَتِهِ بِالتَّعْلِيمِ) وَجَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَب كَلَامَهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ.
(وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (بَعْضَ اللِّسَانِ فَذَهَبَ بَعْضُ الْكَلَامِ فَإِنْ اسْتَوَيَا مِثْل أَنْ قَطَعَ رُبْعَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ رُبْعُ كَلَامِهِ فَرُبْعُ الدِّيَةِ) لِرُبْعِ اللِّسَانِ وَيَنْدَرِجُ فِيهِ رُبْعُ الْكَلَامِ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ كُلَّهُ (فَإِنْ ذَهَبَ مِنْ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ كَأَنْ قَطَعَ رُبْعَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ نِصْفُ كَلَامِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ رُبْعُ كَلَامِهِ (وَجَبَ بِقَدْرِ الْأَكْثَرِ وَهُوَ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي الْحَالَيْنِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللِّسَانِ

وَالْكَلَامُ مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ مُنْفَرِدًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْ اللِّسَانِ شَيْءٌ أَوْ ذَهَبَ نِصْفُ اللِّسَانِ وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْ الْكَلَامِ شَيْءٌ وَجَبَ عَلَى كُلِّ صُورَةٍ نِصْفُ الدِّيَةِ.
(وَإِنْ قَطَعَ) جَانٍ (رُبْعَ اللِّسَانِ فَذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ ثُمَّ قَطَعَ) جَانٍ (آخَرُ بَقِيَّتَهُ) أَيْ اللِّسَانِ (فَذَهَبَ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فَعَلَى) الْجَانِي (الْأَوَّل نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّهُ أَذْهَبَ نِصْفَ الْكَلَامِ (وَعَلَى) الْجَانِي (الثَّانِي نِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةِ لِنِصْفِ اللِّسَانِ بِنِصْفِ الْكَلَامِ (وَ) عَلَيْهِ أَيْضًا (حُكُومَةٌ لِرُبْعِ اللِّسَانِ) الَّذِي لَا كَلَامَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَشَلِّ (وَلَوْ قَطَعَ) جَانٍ (نِصْفَهُ) أَيْ اللِّسَانِ (فَذَهَبَ رُبْعُ الْكَلَامِ ثُمَّ) قَطَعَ (آخَرُ) بَقِيَّةَ اللِّسَانِ (فَزَالَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ) أَيْ الْكَلَامِ (فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِإِذْهَابِهِ نِصْفَ اللِّسَانِ (وَعَلَى الثَّانِي ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا) أَيْ الدِّيَةِ لِإِذْهَابِهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْكَلَامِ.
(وَإِنْ) جَنَى عَلَيْهِ فَذَهَبَ كَلَامُهُ أَوْ ذَوْقُهُ أَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ ثُمَّ (عَادَ كَلَامُهُ أَوْ ذَوْقُهُ أَوْ لِسَانُهُ سَقَطَتْ الدِّيَةُ) عَنْ الْجَانِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي عَوْدِ السَّمْعِ وَغَيْرِهِ (وَإِنْ كَانَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (قَبَضَهَا) أَيْ الدِّيَةَ ثُمَّ عَادَ مَا ذَهَبَ بِالْجِنَايَةِ (رَدَّهَا) أَيْ رَدَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الدِّيَةَ لِلْجَانِي أَوْ عَاقِلَتِهِ، لِأَنَّهُ تُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهَا (وَإِنْ قَطَعَ نِصْفَهُ) أَيْ اللِّسَانِ (فَذَهَبَ كُلُّ كَلَامِهِ ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ فَعَادَ كَلَامُهُ لَمْ يَجِبْ رَدُّ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي كَانَ بِاللِّسَانِ قَدْ ذَهَبَ وَلَمْ يَعُدْ إلَى اللِّسَانِ وَإِنَّمَا عَادَ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ (وَإِنْ قَطَعَهُ) أَيْ اللِّسَانَ (فَذَهَبَ كَلَامُهُ ثُمَّ عَادَ اللِّسَانُ دُونَ الْكَلَامِ لَمْ يَرُدَّ الدِّيَةَ) كَمَا لَوْ زَالَ كَلَامُهُ وَاللِّسَانُ بَاقٍ.
(وَإِنْ اقْتَصَّ مِنْ) أَيْ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ (قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْجَانِي مِثْلَ مَا ذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ أَكْثَرَ فَقَدْ اسْتَوْفَى) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (حَقَّهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ الْجَانِي (فِي الزَّائِدِ) عَنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (لِأَنَّهُ مِنْ سِرَايَةِ الْقَوَدِ وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ وَإِنْ ذَهَبَ) مِنْ كَلَام الْجَانِي (أَقَلَّ) مِمَّا ذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (فَلِلْمُقْتَصِّ دِيَةُ مَا بَقِيَ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ بَدَلَهُ) .

وَلَوْ كَانَ اللِّسَانُ ذَا طَرَفَيْنِ فَقَطَعَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْ الْكَلَامِ شَيْءٌ وَكَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْخِلْقَةِ فَكَلِسَانِ مَشْقُوقٍ فِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَامَّ الْخِلْقَةِ وَالْآخَرُ نَاقِصًا فَالتَّامُّ فِيهِ الدِّيَةُ وَالنَّاقِصُ زَائِدٌ فِيهِ حُكُومَةٌ.

(وَإِذَا قَطَعَ لِسَانَ صَغِيرٍ لَمْ يَتَكَلَّم لِطُفُولِيَّتِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَلِسَانِ الْكَبِيرِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةَ (وَإِنْ بَلَغَ) الصَّغِيرُ (حَدًّا يَتَكَلَّمُ مِثْلَهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَفِيهِ حُكُومَةٌ كَلِسَانِ الْأَخْرَسِ) إنْ كَانَ لَا ذَوْقَ لَهُ وَإِلَّا وَجَبَتْ (وَإِنْ كَبِرَ) الصَّغِيرُ بَعْدَ قَطْعِ لِسَانِهِ (فَنَطَقَ بَعْضَ الْحُرُوفِ وَجَبَ فِيهِ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْ الْحُرُوفَ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ

كَانَ نَاطِقًا وَإِنْ كَانَ) الصَّغِيرُ (قَدْ بَلَغَ إلَى حَدٍّ يَتَحَرَّكُ) لِسَانُهُ (بِالْبُكَاءِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ فَفِيهِ) أَيْ لِسَانِهِ إذَا قُطِعَ (حُكُومَةٌ) كَلِسَانِ الْأَخْرَسِ (وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَى حَدٍّ يَتَحَرَّكُ) بِالْبُكَاءِ وَغَيْرِهِ (فَفِيهِ الدِّيَةُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ سَلَامَتُهُ.

(وَفِي كُلِّ سِنٍّ مِمَّنْ قَدْ أُثْغِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مَرْفُوعًا «فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (وَالْأَضْرَاسُ وَالْأَنْيَابُ كَالْأَسْنَانِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «الْأَسْنَانُ سَوَاءٌ الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ» فَيَكُونُ فِي جَمِيعِهَا مِائَةٌ وَسِتُّونَ بَعِيرًا لِأَنَّهَا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ أَرْبَعُ ثَنَايَا وَأَرْبَعُ رُبَاعِيَّاتٍ وَأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ وَعِشْرُونَ ضِرْسًا فِي كُلِّ جَانِبٍ خَمْسَةٌ مِنْ فَوْقَ وَخَمْسَةُ مِنْ أَسْفَلَ (إذَا قُلِعَتْ) الْأَسْنَانُ (بِسَنِخِهَا وَهُوَ مَا بَطَنَ مِنْهَا فِي اللَّحْمِ أَوْ قَطَعَ الظَّاهِرُ) مِنْهَا (فَقَطْ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ وَ (سَوَاءٌ قَلَعَهَا) أَيْ الْأَسْنَانَ (فِي دَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَإِنْ قَلَعَ مِنْهَا السَّنِخُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ أَصْلُهَا كَمَا سَبَقَ (فَقَطْ وَلَوْ كَانَ هُوَ) أَيْ الْقَالِعُ السَّنِخُ (الَّذِي جَنَى عَلَى ظَهْرِهَا فَفِيهِ) أَيْ السَّنِخِ (حُكُومَةٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ.

(وَلَا يَجِبُ بِقَلْعِ سِنِّ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُثْغَرْ) أَيْ تَسْقُطُ رَوَاضِعُهُ (فِي الْحَالِ شَيْءٌ) لِأَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُ سِنِّهِ (لَكِنْ يَنْتَظِرُ عَوْدَهَا فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةً يَيْأَسُ مِنْ عَوْدِهَا وَجَبَتْ دِيَتُهَا) قَالَ أَحْمَدُ يَتَوَقَّفُ سَنَةٌ لِأَنَّهُ غَالِبٌ فِي نَبَاتِهَا (إلَّا أَنْ يَنْبُتَ مَكَانَهَا أُخْرَى) مُمَاثِلَةً لَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ عَادَ السَّمْعُ (وَإِنْ عَادَتْ) السِّنُّ (قَصِيرَةً أَوْ شَوْهَاءَ أَوْ أَطْوَلَ مِنْ أَخَوَاتِهَا أَوْ صَفْرَاءَ أَوْ حَمْرَاءَ أَوَسَوْدَاءَ أَوْ خَضْرَاءَ فَحُكُومَةٌ) لِأَنَّهَا لَمْ تَذْهَبْ بِمَنْفَعَتِهَا فَلَمْ تَجِبْ دِيَتُهَا وَوَجَبَتْ الْحُكُومَةُ لِنَقْصِهَا (وَإِنْ) عَادَتْ قَصِيرَةً وَ (أَمْكَنَ تَقْدِيرُ نَقْصِهَا مِنْ نَظِيرَتِهَا أَوْ كَانَ فِيهَا ثُلْمَةً أَمْكَنَ تَقْدِيرُهَا فَفِيهَا بِقَدْرِ مَا نَقَصَ) مِنْهَا مِنْ دِيَتِهَا بِالنِّسْبَةِ كَمَا لَوْ نَقَصَ سَمْعُ أُذُنٍ أَوْ بَصَرٍ عَيْنٍ وَأَمْكَنَ تَقْدِيرُهُ (وَإِنْ نَبَتَتْ) السِّنُّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا (مَائِلَةً عَنْ صَفِّ الْأَسْنَانِ بِحَيْثُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا فَفِيهَا دِيَتُهَا) كَأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ إذْ لَا نَفْعَ بِذَلِكَ الْعَائِدِ (وَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهَا) مَعَ مَيْلِهَا (فَحُكُومَةٌ) لِلْمَيْلِ.

(وَإِنْ جَعَلَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (مَكَانَ السِّنِّ) الْمَقْلُوعَةِ (سِنًّا أُخْرَى) مِنْ آدَمِيٍّ (أَوْ سِنَّ حَيَوَانٍ أَوْ عَظْمَهَا فَثَبَتَتْ وَجَبَ دِيَتُهَا) كَمَا لَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَكَانهَا شَيْئًا (وَإِنْ قُلِعَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فَحُكُومَةٌ) لِلنَّقْصِ.

(وَإِنْ قَلَعَ سِنَّهُ أَوْ قَلَعَ طَرَفَهُ) كَلِسَانٍ وَمَارِنٍ (وَنَحْوِهِمَا فَرَدَّهُ فَالْتَحَمَ فَلَهُ أَرْشُ نَقْصِهِ) فَقَطْ وَهُوَ حُكُومَةٌ (ثُمَّ إنْ أَبَانَهُ أَجْنَبِيٌّ) بَعْدَ ذَلِكَ (وَجَبَتْ دِيَتُهُ) كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمهُ جِنَايَةٌ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ عَادَتْ

سِنُّ مَنْ قَدْ أُثْغِرَ وَلَوْ بَعْد الْإِيَاسِ مِنْ عَوْدِهَا رَدَّ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (دِيَتَهَا إنْ كَانَ أَخَذَهَا) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخَذَهَا سَقَطَتْ.

(وَإِنْ كَسَرَ) الْجَانِي (بَعْضَ ظَاهِرِ السِّنِّ فَفِيهِ) أَيْ الذَّاهِبِ (مِنْ دِيَةِ السِّنِّ بِقَدْرِهِ كَالنِّصْفِ) وَالثُّلُثُ كَسَائِرِ مَا فِيهِ مُقَدَّرٌ (وَإِنْ جَاءَ) جَانٍ (آخَرُ فَكَسَرَ الْبَاقِي مِنْهَا فَعَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْأَرْشِ) أَيْ بَقِيَّةُ دِيَتِهَا (وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْجَانِيَانِ فِي قَدْرِ مَا أَذْهَب كُلٌّ مِنْهُمَا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي قَدْرِ مَا أَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ الْجَانِيَيْنِ (وَإِنْ انْكَشَفَتْ اللِّثَةُ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الثَّاءِ مُخَفَّفَةً (عَنْ بَعْض السِّنِّ) ثُمَّ كَسَرَ السِّنَّ أَوْ بَعْضَ السِّنِّ وَأُرِيدَ تَقْدِيرُهُ (فَالدِّيَةُ فِي قَدْرِ الظَّاهِرِ) مِنْ السِّنِّ (عَادَةً دُونَ مَا انْكَشَفَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ) لِأَنَّهُ عَارِضٌ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (فِي قَدْرِ الظَّاهِرِ) مِنْ السِّنِّ (اُعْتُبِرَ ذَلِكَ بِأَخَوَاتِهَا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مُسَاوَاتُهَا لَهُنَّ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْء تُعْتَبَرَ بِهِ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا (وَلَمْ يُمْكِن أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ فَقَوْلُ الْجَانِي) بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ فِيمَا زَادَ عَمَّا يُقِرُّ بِهِ.

(وَإِنْ قَلَعَ) الْجَانِي (سِنًّا مُضْطَرِبَةً لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَكَانَتْ مَنَافِعُهَا) أَيْ السِّنِّ (بَاقِيَةً مِنْ الْمَضْغِ وَحِفْظِ الطَّعَامِ وَالرِّيقِ وَجَبَتْ دِيَتُهَا وَكَذَلِكَ إنْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنَافِعِهَا وَبَقِيَ بَعْضُهَا) وَجَبَتْ دِيَتُهَا لِأَنَّهُ أَذْهَبَ عُضْوًا فِيهِ مَنْفَعَةً (وَإِنْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهَا كُلُّهَا فَهِيَ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ) فَفِيهَا حُكُومَةٌ.

(وَإِنْ قَلَعَ سِنًّا فِيهَا دَاءٌ أَوْ) قَلَعَ سِنًّا فِيهَا (أَكِلَةٌ وَلَمْ يَذْهَبْ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا فَفِيهَا دِيَةُ سِنٍّ صَحِيحَةٍ) لِكَمَالِهَا وَبَقَاءِ مَنَافِعِهَا (وَإِنْ سَقَطَ مِنْ أَجْزَائِهَا شَيْءٌ سَقَطَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ الذَّاهِبِ مِنْهَا وَوَجَبَ الْبَاقِي) مِنْ دِيَتِهَا فِيمَا أَذْهَبَهُ كَسَائِرِ مَا فِيهِ مُقَدَّرٌ.

(وَإِنْ كَانَتْ ثَنِيَّتُهُ قَصِيرَةً) خِلْقَةً وَقَلَعَهَا جَانٍ (نَقَصَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ نَقْصِهَا كَمَا لَوْ نَقَصَتْ بِكَسْرِهَا) ثُمَّ جَنَى عَلَيْهَا.

(وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ فَبَقِيَ فِيهَا اضْطِرَابٌ فَفِيهَا حُكُومَةٌ) لِنَقْصِهَا بِذَلِكَ.

(وَفِي تَسْوِيدِ السِّنِّ وَالظُّفْرِ) دِيَتُهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْن ثَابِتٍ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ جَمَالَ ذَلِكَ عَلَى الْكَمَالِ فَكَمُلَتْ دِيَتُهَا كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُن الْأَصَمِّ.

(وَ) فِي تَسْوِيدِ (الْأُذُنِ وَالْأَنْفِ بِحَيْثُ لَا يَزُولُ) السَّوَادَ (عَنْهُ) أَيْ عَمَّا ذُكِرَ مِنْ السِّنِّ وَالظُّفْرِ وَالْأَنْفِ (دِيَتُهُ) كَالسِّنِّ وَالظُّفْرِ (فَإِنْ ذَهَبَتْ) السِّنُّ السَّوْدَاءُ أَوْ الظُّفْرُ أَوْ الْأُذُنُ أَوْ الْأَنْفُ كَذَلِكَ (بَعْدَ ذَلِكَ) الِاسْوِدَادِ (بِجِنَايَةٍ) عَلَيْهِ (فَفِيهَا حُكُومَةٌ) كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ (وَإِنْ احْمَرَّ السِّنُّ) بِالْجِنَايَةِ (أَوْ اصْفَرَّتْ أَوْ اخْضَرَّتْ أَوْ كَلَّتْ أَوْ تَحَرَّكَتْ فَحُكُومَةٌ) لِلنَّقْصِ (فَإِنْ قَلَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ قَالِعٌ فَحُكُومَةٌ) وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا اضْطَرَبَتْ

لِمَرَضٍ أَوْ كِبَرٍ لِأَنَّ تَحَرُّكَهَا هُنَا بِجِنَايَةٍ (وَلَوْ نَبَتَتْ) السِّنُّ (مِنْ صَغِيرٍ سَوْدَاءَ ثُمَّ ثُغِرَ ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاءَ فَدِيَتُهَا) أَيْ إذَا أَذْهَبَهَا الْجَانِي كَمَنْ خُلِقَ أَسْوَدَ الْوَجْهِ وَالْجِسْمِ جَمِيعًا وَإِنْ نَبَتَتْ أَوَّلًا بَيْضَاءَ ثُمَّ ثُغِرَ ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاءَ فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ لَيْسَ السَّوَادُ لِمَرَضٍ وَلَا عِلَّةٍ فَفِيهَا كَمَالُ دِيَتِهَا وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ.

(وَفِي اللَّحْيَيْنِ الدِّيَةُ) لِأَنَّ فِيهِمَا نَفْعًا وَجَمَالًا وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُمَا (وَهُمَا) أَيْ اللَّحْيَانِ (الْعَظْمَاتُ اللَّذَانِ فِيهِمَا الْأَسْنَانُ السُّفْلَى وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا فَإِنْ قَلَعَهَا) أَيْ اللَّحَى (بِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْأَسْنَانِ وَجَبَتْ دِيَتُهَا وَدِيَةُ الْأَسْنَانِ) فَلَا تَدْخُلُ دِيَةَ الْأَسْنَانِ فِي اللَّحْيَيْنِ بِخِلَافِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ لِأَنَّ الْأَسْنَانَ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِاللَّحْيَيْنِ وَإِنَّمَا هِيَ مَغْرُوزَةً فِيهَا بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ وَأَيْضًا كُلٌّ مِنْ اللَّحْيَيْنِ وَالْأَسْنَانِ يَنْفَرِدُ بِاسْمٍ، وَاللَّحْيَانِ يُوجَدَانِ قَبْلَ وُجُودِ الْأَسْنَانِ وَيَنْبُتَانِ بَعْد قَلَعِهِمَا بِخِلَافِ الْكَفِّ مَعَ الْأَصَابِعِ.

(وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا) لِلْأَخْبَارِ (وَسَوَاءٌ قَطَعَهُمَا مِنْ الْكُوعِ أَوْ الْمَنْكِبِ أَوْ مِمَّا بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ مَسَحَ إلَى الْمَنَاكِبِ (فَإِنْ قَطَعَهُمَا مِنْ الْكُوعِ) وَجَبَتْ الدِّيَةُ لِأَنَّ الْيَدَ فِي الشَّرْعِ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَطْعِ السَّارِقِ وَالْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ (ثُمَّ) إنَّ (قَطَعَهُمَا) الْجَانِي (مِنْ الْمَرْفِقِ أَوْ مِمَّا قَبْلَهُ أَوْ) مَا (بَعْدَهُ فَفِي الْمَقْطُوعِ ثَانِيًا حُكُومَةٌ) لِأَنَّ الدِّيَةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ ثُمَّ قَطَعَ الْكَفَّ.
(وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا) أَيْ الْيَدَيْنِ (فَأَشَلَّهُمَا وَأَذْهَبَ نَفْعَهُمَا أَوْ أَشَلَّ رِجْلَهُ أَوْ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ إسْكَتَيْهَا وَكَذَا سَائِرَ الْأَعْضَاءِ) إذَا جَنَى عَلَيْهَا فَأَشَلَّهَا (فَفِيهِ دِيَتُهُ) أَيْ دِيَةُ الْعُضْوِ الَّذِي أَشَلَّ لِأَنَّهُ عَطَّلَ نَفْعَهُ (إلَّا الْأُذُنَ وَالْأَنْفَ) إذَا أَشَلّهُمَا فَلَا تَجِبُ دِيَتهُمَا بَلْ حُكُومَةٌ (كَمَا تَقَدَّمَ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا الْجَمَالُ وَهُوَ بَاقٍ مَعَ شَلَلِهِمَا كَمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ جَنَى عَلَى يَدٍ فَعَوَّجَهَا أَوْ نَقَّصَ قُوَّتهَا أَوْ شَانَهَا) أَيْ عَيَّبَهَا (ف) عَلَيْهِ (حُكُومَةٌ) لِأَنَّهَا أَرْشُ كُلِّ مَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ (وَإِنْ كَسَرَهَا) الْجَانِي أَيْ الْيَدَ (ثُمَّ انْجَبَرَتْ مُسْتَقِيمَةً فَحُكُومَةٌ لِشَيْنِهَا إنْ شَانَهَا ذَلِكَ) إنْ لَمْ يَكُنِ الْكَسْرُ فِي الذِّرَاعِ أَوْ الْعَضُدِ وَإِلَّا فَيَأْتِي حُكْمُهُ (وَإِنْ عَادَتْ) الْيَدُ بَعْد كَسْرِهَا (مُعْوَجَّةً فَالْحُكُومَةُ أَكْثَرُ) مِنْ الْحُكُومَةِ إذَا عَادَتْ مُسْتَقِيمَةً لِزِيَادَةِ الشَّيْنِ (وَإِنْ قَالَ الْجَانِي أَنَا أَكْسِرُهَا ثُمَّ أَجْبُرَهَا مُسْتَقِيمَةً لَمْ يُمَكَّنْ) مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَقَدْ لَا يُصِيبُ (فَإِنْ كَسَرَهَا تَعَدِّيًا) أَيْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ (ثُمَّ جَبَرَهَا فَاسْتَقَامَتْ لَمْ يَسْقُطْ مَا وَجَبَ مِنْ الْحُكُومَةِ فِي اعْوِجَاجِهَا) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالِانْدِمَالِ (وَفِي الْكَسْرِ الثَّانِي حُكُومَةٌ أُخْرَى) لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ غَيْرَ الْأُولَى.

(وَتَجِبُ دِيَةُ الْيَدِ فِي يَدِ الْمُرْتَعِشِ وَ) تَجِب دِيَةُ الرِّجْلِ فِي (قَدَمِ الْأَعْرَجِ وَ) تَجِبُ دِيَةُ الْيَدِ فِي (يَدِ الْأَعْسَمِ) لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (وَهُوَ)

أَيْ الْعَسْمُ (اعْوِجَاجٌ فِي الرُّسْغِ) أَيْ مِفْصَلُ مَا بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ وَالْقَدَمِ إلَى السَّاقِ.

(فَإِنْ كَانَ لَهُ كَفَّانِ فِي ذِرَاعٍ أَوْ يَدَانِ فِي عَضُدٍ وَإِحْدَاهُمَا بَاطِشَةً دُونَ الْأُخْرَى أَوْ) إحْدَاهُمَا (أَكْثَرُ بَطْشًا) مِنْ الْأُخْرَى (أَوْ) إحْدَاهُمَا (فِي سَمْتِ الذِّرَاعِ) أَيْ مُقَابَلَتِهِ (وَالْأُخْرَى مُنْحَرِفَةً عَنْهُ أَوْ إحْدَاهُمَا تَامَّةً) الْخَلْقِ (وَالْأُخْرَى نَاقِصَةً فَالْأُولَى هِيَ الْأَصْلِيَّةُ وَالْأُخْرَى زَائِدَةً فَفِي الْأَصْلِيَّة دِيَتُهَا) إنْ قُطِعَتْ خَطَأً أَوْ عَمْدًا وَاخْتِيرَتْ (وَالْقِصَاصُ بِقَطْعِهَا عَمْدًا وَفِي الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ سَوَاءٌ قَطَعَهَا مُنْفَرِجَةً أَوْ مَعَ الْأَصْلِيَّةِ) لِأَنَّهَا زَائِدَةً (وَإِنْ اسْتَوَيَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ فَإِنْ كَانَتَا غَيْرَ بَاطِشَتَيْنِ فَفِيهِمَا حُكُومَةٌ) لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِمَا كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ (وَإِنْ كَانَتَا بَاطِشَتَيْنِ فَفِيهِمَا جَمِيعًا دِيَةُ يَدٍ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّ إحْدَاهُمَا أَصْلِيَّةً (وَحُكُومَةٌ لِلزَّائِدَةِ وَإِنْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا فَلَا قَوَدَ) فِيهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ هِيَ الزَّائِدَةُ فَلَا تُؤْخَذُ بِهَا الْأَصْلِيَّةُ (وَفِيهَا) أَيْ إحْدَى الْبَاطِشَتَيْنِ (نِصْفُ مَا فِيهِمَا إذَا قُطِعَتَا أَيْ نِصْفُ) دِيَةٍ (يَدٍ وَحُكُومَةٍ وَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعًا مِنْ إحْدَاهُمَا فَنِصْفُ أَرْشِ أُصْبُعٍ وَحُكُومَةٌ) هُنَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ أَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ وَهُوَ قِيَاسُ مَا قَبْلِهِ وَاقْتَصَرَ فِي الْإِنْصَافِ وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَالتَّنْقِيحِ عَلَى نِصْفِ أَرْشِ أُصْبُعٍ وَتَبِعَهُمْ فِي الْمُنْتَهَى.

(وَإِنْ قَطَعَ ذُو الْيَدِ الَّتِي لَهَا طَرَفَانِ يَدًا لَمْ يُقْطَعَا) بِتِلْكَ الْيَدِ لِئَلَّا تُؤْخَذَ يَدَانِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ (وَلَا) تُقْطَعُ (إحْدَاهُمَا) بِتِلْكَ الْيَدِ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ الْأَصْلِيَّةَ فَنَأْخُذُهَا بِهَا وَلَا تُؤْخَذُ زَائِدَةٌ بِأَصْلِيَّةٍ (وَكَذَا الرِّجْلُ) عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ (وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ لَمْ يَجِبْ إلَّا دِيَةَ الْيَدِ) وَتَنْدَرِجُ فِيهَا دِيَةُ الْأَصَابِعِ لِأَنَّ مُسَمَّى الْجَمِيعِ يَدٌ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا عَلَيْهِ بَعْضُ أَصَابِعَ دَخَلَ مَا حَاذَى الْأَصَابِعُ) مِنْ الْكَفِّ (فِي دِيَتِهَا) لِأَنَّ الْأَصَابِعَ لَوْ كَانَتْ سَالِمَةً كُلَّهَا لَدَخَلَ أَرْشُ الْكَفِّ كُلُّهُ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ فَكَذَلِكَ مَا حَاذَى الْأَصَابِعَ السَّالِمَةَ دَخَلَ فِي دِيَتِهَا (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي (أَرْشُ بَاقِي الْكَفِّ) الْمُحَاذِي لِلْمَقْطُوعَاتِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَا يَدْخُلُ فِي دِيَتِهِ فَوَجَبَ أَرْشُهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَصَابِعُ كُلُّهَا مَقْطُوعَةً.

(وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَةً بِظُفْرِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دِيَتُهَا) أَيْ الْأُنْمُلَةِ وَيَنْدَرِجُ فِيهَا دِيَةُ الظُّفْرِ لِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الْأُنْمُلَةِ (وَفِي كَفٍّ بِلَا أَصَابِعَ) حُكُومَةٌ.
(وَ) فِي (ذِرَاعٍ بِلَا كَفٍّ) حُكُومَةٌ (وَ) فِي (عَضُدٍ بِلَا ذِرَاعٍ حُكُومَةٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ فِي مَوَاضِعَ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ يَجِبُ ثُلُثُ دِيَتِهِ قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ قَالَ وَقَدْ شَبَّهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ذَلِكَ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ قَالَ وَحُكْمُ الرِّجْلِ حُكْمُ الْيَدِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى قُلْتُ مُقْتَضَى تَشْبِيهِ الْإِمَامِ لَهُ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ وُجُوبُ حُكُومَةٍ فِيهَا كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ فِيهَا.

(وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا وَتَفْصِيلُهَا كَالْيَدَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَمِفْصَلُ الْكَعْبَيْنِ مِثْلُ مِفْصَلِ الْكَفَّيْنِ فَإِنْ كَانَ لَهُ قَدَمَانِ عَلَى سَاقٍ فَكَالْكَفَّيْنِ عَلَى ذِرَاعٍ وَاحِدٍ) وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَطْوَلَ مِنْ الْأُخْرَى فَقَطَعَ الطُّولَى وَأَمْكَنَهُ الْمَشْي عَلَى الْقَصِيرَةِ فَهِيَ) الْأَصْلِيَّةُ (فَيَكُونُ فِي الْمَقْطُوعَةِ) حُكُومَةٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْمَشْيُ عَلَى الْقَصِيرَةِ فَهِيَ (زَائِدَةٌ) وَيَجِب فِي الْمَقْطُوعَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ.

(وَفِي الثَّدْيَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا) قَالَ فِي الْمُبْدِع بِالْإِجْمَاعِ (وَفِي حَلَمَتَيْهِمَا الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ ذَهَبَ مِنْهُمَا مَا تَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ بِذَهَابِهِ كَحَشَفَةِ الذَّكَرِ (وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا وَإِنْ قَطَعَ الثَّدْيَيْنِ بِحَلَمَتَيْهِمَا فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ) كَقَطْعِ الذَّكَرِ بِحَشَفَتِهِ لِأَنَّ مُسَمَّى الْجَمِيعِ وَاحِدٌ (فَإِنْ حَصَلَ مَكَانُ قَطْعِهِمَا) أَيْ الثَّدْيَيْنِ (جَائِفَةً فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ مَعَ دِيَتِهِمَا) أَيْ دِيَةِ الثَّدْيَيْنِ (وَإِنْ) حَصَلَ (جَائِفَتَانِ فَدِيَةٌ) لِلثَّدْيَيْنِ (وَثُلُثَانِ) مِنْ الدِّيَةِ لِلْجَائِفَتَيْنِ (وَإِنْ جَنَى) عَلَى الثَّدْيَيْنِ (فَأَذْهَبَ لَبَنَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشُلَّهُمَا فَ) عَلَيْهِ (حُكُومَةٌ) لِمَا حَصَلَ فِي النَّقْصِ وَلَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ نَفْعُهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا) أَيْ الثَّدْيَيْنِ (مِنْ صَغِيرَةٍ ثُمَّ وَلَدَتْ فَلَمْ يَنْزِل لَهَا لَبَنٌ فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ قَطَعَتْهُ الْجِنَايَةُ فَعَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي (مَا عَلَى مَنْ ذَهَبَ بِاللَّبَنِ بَعْدَ وُجُودِهِ) وَهُوَ حُكُومَةٌ إذَا لَمْ يَشَلَّهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَالُوا) أَيْ أَهْلُ الْخِبْرَةِ (قَدْ انْقَطَعَ مِنْ غَيْرِ الْجِنَايَةِ لَمْ يَضْمَنْ) مَا ذَهَبَ مِنْ اللَّبَنِ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ جِنَايَتِهِ (وَإِنْ نَقَصَ لَبَنُهُمَا) أَيْ الثَّدْيَيْنِ بِالْجِنَايَةِ (أَوْ كَانَا نَاهِدَيْنِ فَكَسَرَهُمَا أَوْ صَارَ بِهِمَا مَرَضٌ ف) عَلَيْهِ (حُكُومَةٌ) لِذَلِكَ النَّقْصِ.

(وَفِي ثَنْدُوَتَيْ الرَّجُلِ) الْوَاحِدَةُ ثُنْدُوَةٌ بِفَتْحِ الثَّاءِ بِلَا هَمْزَةٍ وَبِضَمِّهَا مَعَ الْهَمْزِ وَهِيَ (مَغْرَزِ الثَّدْي) وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الثَّدْيُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَهُوَ أَصَحُّ فِي اللُّغَة وَمِنْهُمْ مِنْ أَنْكَرَهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِمَا الْجَمَالُ وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا (وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا) .

(وَفِي الْأَلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا وَهُمَا) أَيْ الْأَلْيَتَانِ (مَا عَلَا وَأَشْرَفَ عَنْ الظَّهْرِ وَعَنْ اسْتِوَاءِ الْفَخِذَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُل إلَى الْعَظْمِ الَّذِي تَحْتَهُمَا وَفِي ذَهَابِ بَعْضِهِمَا) أَيْ الْأَلْيَتَيْنِ (بِقَدْرِهِ) مِنْ الدِّيَةِ بِنِسْبَةِ الْأَجْزَاءِ كَسَائِرِ مَا فِيهِ مُقَدَّرٌ (فَإِنْ جَهِلَ الْمِقْدَارَ) أَيْ مِقْدَارَ الذَّاهِبِ مِنْهُمَا أَيْ جَهِلَتْ نِسْبَتَهُ مِنْهُمَا (فَحُكُومَةٌ) كَنَقْصِ السَّمْعِ.

(وَفِي كَسْرِ الصُّلْبِ الدِّيَةُ إذَا لَمْ يَنْجَبِرْ) قَالَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ ذَكَره فِي الْمُبْدِعِ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حُزَمٍ مَرْفُوعًا: «وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ» وَرَوَى الزُّهْرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: " مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ " وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِ دِيَةٌ إلَّا أَنْ يَذْهَبَ مَشْيُهُ أَوْ جِمَاعُهُ.
وَفِي الْمُبْدِع أَيْضًا إذَا كُسِرَ صُلْبُهُ فَجُبِرَ وَعَادَ إلَى حَالِهِ فَحُكُومَةٌ لِلْكَسْرِ وَإِنْ

احْدَوْدَبَ فَحُكُومَةٌ لَهُمَا أَيْ لِلْكَسْرِ وَالِاحْدِيدَابِ (فَإِنْ ذَهَبَ بِهِ) أَيْ بِكَسْرِ الصُّلْبِ (مَشْيُهُ) فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ (أَوْ) ذَهَبَ بِكَسْرِ صُلْبهِ (نِكَاحُهُ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ الذَّاهِبَ مَنْفَعَةٌ وَاحِدَةٌ (وَإِنْ ذَهَبَا) أَيْ الْمَشْيُ وَالنِّكَاحُ (فَدِيَتَانِ) كَمَا لَوْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُ الْإِنْسَانِ مَعَ بَقَائِهِ.
(وَإِنْ جُبِرَ) الصُّلْب بَعْدَ كَسْرِهِ (فَعَادَتْ إحْدَى الْمَنْفَعَتَيْنِ لَمْ يَجِبْ إلَّا دِيَةَ) الْمَنْفَعَةِ الذَّاهِبَةِ دُونَ مَا عَادَتْ (إلَّا أَنْ تَنْقُصَ الْأُخْرَى) الَّتِي عَادَتْ (أَوْ تَنْقُصَا) أَيْ الْمَنْفَعَتَانِ بِلَا ذَهَابٍ (فَحُكُومَةٌ) لِلنَّقْصِ (أَوْ إنْ ادَّعَى) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (ذَهَابَ جِمَاعِهِ) بِالْجِنَايَةِ (فَقَالَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْجِنَايَةِ تُذْهِبُ الْجِمَاعَ فَقَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ (وَإِنْ ذَهَبَ مَاؤُهُ) بِالْجِنَايَةِ (أَوْ) ذَهَبَ (إحْبَالُهُ دُونَ جِمَاعِهِ) بِالْجِنَايَةِ (فَفِيهِ الدِّيَةُ) لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ مَقْصُودَة أَشْبَهَ السَّمْعَ.
(وَفِي ذَهَابِ الْأَكْلِ) بِالْجِنَايَةِ (الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَقْصُودٌ كَالشَّمِّ (وَفِي إذْهَابِ مَنْفَعَةِ الصَّوْتِ الدِّيَةُ) ذَكَره فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْفُنُونِ لَوْ سَقَاهُ زُرْق حَمَامٍ فَذَهَبَ صَوْتُهُ لَزِمَهُ حُكُومَةٌ (وَفِي الْحَدَبِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالدَّالِ (الدِّيَةُ) لِأَنَّ بِذَلِكَ تَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ وَالْجَمَالُ لِأَنَّ انْتِصَابَ الْقَامَةِ مِنْ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ وَبِهِ شَرَفُ الْآدَمِيِّ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ (فَإِنْ انْحَنَى قَلِيلًا فَحُكُومَةٌ) لِلنَّقْصِ.

(وَفِي الصَّعَرِ الدِّيَةُ) رَوَاهُ مَكْحُولٌ عَنْ زَيْدٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ (وَهُوَ) أَيْ الصَّعَرُ (أَنْ يُجْنَى عَلَيْهِ فَيَصِيرُ وَجْهُهُ فِي جَانِبٍ وَلَا يَعُودُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ أَمَامَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ لَيُّ عُنُقِهِ) وَأَصْلُ الصَّعَرِ دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ فِي عُنُقِهِ فَيَلْتَوِي مِنْهُ عُنُقُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18] أَيْ لَا تُعْرِضْ عَنْهُمْ بِوَجْهِكَ (وَإِنْ صَارَ الِالْتِفَاتُ أَوْ ابْتِلَاعُ الْمَاءِ أَوْ) ابْتِلَاعُ (غَيْرِهِ شَاقًّا عَلَيْهِ ف) عَلَى الْجَانِي (حُكُومَةٌ) لِهَذَا النَّقْصِ.

(وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ) إجْمَاعًا وَتَقَدَّمَ (مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَشَيْخٍ وَشَابٍّ) لِعُمُومِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مَرْفُوعًا: «وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ (وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (نِصْفَهُ) أَيْ الذَّكَرِ (بِالطُّولِ فَفِيهِ) الدِّيَةُ كَامِلَةٌ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِمَنْفَعَةِ الْجِمَاعِ.
(قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَنَقَلَ الْمُوَفَّقُ عَنْ أَصْحَابنَا أَنَّ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ قِطْعَةً مَا دُون الْحَشَفَةِ وَخَرَجَ الْبَوْلُ عَلَى عَادَتِهِ وَجَبَ بِقَدْرِ الْقِطْعَةِ مِنْ جَمِيعِ الذَّكَرِ مِنْ الدِّيَةِ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ وَجَبَ الْأَكْثَرُ) مِنْ الدِّيَةِ أَوْ الْحُكُومَةِ.

(وَفِي حَشَفَتِهِ) أَيْ الذَّكَر (الدِّيَةُ) قَالَ فِي الْمُبْدِع بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ تَكْمُلُ بِالْحَشَفَةِ كَمَا تَكْمُل مَنَافِعَ الْيَدِ بِالْأَصَابِعِ.

(وَفِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَلَوْ جَامَعَ بِهِ) حُكُومَةٌ

(وَ) فِي (ذَكَرِ الْعِنِّينِ) حُكُومَةٌ (وَ) فِي (الذَّكَرِ دُونَ حَشَفَتِهِ حُكُومَةٌ) لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ لِذَهَابِ مَنْفَعَتِهِ.

(وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا فَإِنْ قَطَعَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ مَعًا) فَدِيَتَانِ (أَوْ) قَطَعَ (الذَّكَرَ ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ فَدِيَتَانِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ لَوَجَبَ فِي قَطْعِهِ الدِّيَةُ فَكَذَا لَوْ اجْتَمَعَا (وَإِنْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ) قَطَعَ (الذَّكَرَ فَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ) لِأَنَّ قَطْعَهُمَا لَمْ يُصَادِفْ مَا يُوجِبُ نَقْصُهُمَا مِنْ دِيَتِهِمَا (وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةٌ) لِأَنَّهُ ذَكَرُ خَصِيٍّ (وَإِنْ رَضَّ أُنْثَيَيْهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا كَمُلَتْ دِيَتُهُمَا) كَمَا لَوْ قَطَعَهُمَا (وَإِنْ قَطَعَهُمَا) أَيْ الْأُنْثَيَيْنِ (فَذَهَبَ نَسْلُهُ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ) وَكَذَا لَوْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا فَذَهَبَ النَّسْلُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ لِأَنَّ دِيَةُ مَنْفَعَةِ الْعُضْوِ تَنْدَرِجُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ غَيْرَ السَّمْعِ وَالشَّمِّ.

(وَفِي إِسْكَتَيْ الْمَرْأَةِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَفَتْحِهَا (وَهُمَا) أَيْ إسْكَتَاهَا (اللَّحْمُ الْمُحِيطُ بِالْفَرْجِ مِنْ جَانِبَيْهِ إحَاطَةُ الشَّفَتَيْنِ بِالْفَمِ وَهُمَا شُفْرَاهَا) وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الشُّفْرَانِ حَاشِيَتَا الْإِسْكَتَيْنِ (الدِّيَةُ) لِأَنَّ فِيهِمَا مَنْفَعَةً وَجَمَالًا وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسهِمَا (وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا وَسَوَاءٌ كَانَتَا غَلِيظَتَيْنِ أَوْ دَقِيقَتَيْنِ قَصِيرَتَيْنِ أَوْ طَوِيلَتَيْنِ مِنْ بِكْرٍ أَوْ ثَيِّبٍ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ مَخْفُوضَةٍ أَيْ مَخْتُونَةٍ أَوْ غَيْرِ مَخْفُوضَةٍ وَلَوْ مِنْ رَتْقَاءَ) وَإِنْ أَشَلّهُمَا فَفِيهِمَا الدِّيَةُ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى شَفَتَيْهِ فَأَشَلّهُمَا.

(وَفِي رَكَبِ الْمَرْأَةِ) بِالتَّحْرِيكِ (وَهُوَ عَانَتُهَا حُكُومَةٌ وَكَذَا عَانَتُهُ) أَيْ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا (فَإِنْ أُخِذَ مِنْهُ) أَيْ الرَّكَبِ (شَيْءٌ مَعَ فَرْجِهَا أَوْ) مَعَ (ذَكَره فَحُكُومَةٌ) لِمَا أَخَذَ مِنْهُ (مَعَ الدِّيَةِ) أَيْ دِيَةِ الْفَرْجِ أَوْ الذَّكَرِ.

(وَفِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُهَا) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ مَرْفُوعًا قَالَ: " هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ " يَعْنِي الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ.

(وَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ الْعُشْرِ) لِأَنَّ دِيَةَ الْأُصْبُعِ تُقْسَمُ عَلَى أَنَامِلِهِ كَمَا قُسِمَتْ دِيَةُ الْيَدِ عَلَى أَصَابِعِهَا بِالسَّوِيَّةِ (فَإِنْ كَانَتْ) الْأُنْمُلَة (مِنْ إبْهَامٍ فَنِصْفُ الْعُشْرِ) لِأَنَّهُمَا مُفَصَّلَانِ.

(وَفِي الظُّفْرِ خُمْسُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ) لِقَوْلِ زَيْدٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ (إذَا قَلَعَهُ وَلَمْ يَعُدْ) أَوْ عَادَ أَسْوَدَ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى لِذَهَابِ جَمَالِهِ.

(وَفِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ) لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهِ.

(وَإِنْ جَنَى عَلَى مَثَانَتِهِ فَلَمْ يَسْتَمْسِك بَوْلُهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ) بِأَنْ ضَرَبَ بَطْنَهُ أَوْ نَحْوَهُ (فَلَمْ يُمْسِكْ غَائِطَهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْفَعَةُ كَبِيرَةُ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلهَا وَالضَّرَرُ بِفَوَاتِهَا عَظِيمُ فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الدِّيَةُ كَالسَّمْعِ

وَالْبَصَرِ (وَإِنْ أَذْهَبَ الْمَنْفَعَتَيْنِ فَدِيَتَانِ) وَلَوْ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَتْ فِيهَا الدِّيَةُ فَكَذَا إذَا اجْتَمَعَتَا.

(وَفِي ذَهَابِ الْعَقْلِ الدِّيَةُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ مَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَلِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْمَعَانِي قَدْرًا وَأَعْظَمُ الْحَوَاسِّ نَفْعًا فَإِنَّهُ يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَتُعْرَفُ بِهِ صِحَّةُ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ وَيُهْتَدَى بِهِ إلَى الْمَصَالِحِ وَيَدْخُلُ بِهِ فِي التَّكْلِيفِ وَهُوَ شَرْطٌ فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَاتِ وَصِحَّةِ التَّصَرُّفَاتِ وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ بَقِيَّةِ الْحَوَاسِّ (فَإِنْ نَقَصَ) الْعَقْلُ (نَقْصًا مَعْلُومًا مِثْلَ أَنْ صَارَ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمًا فَفِيهِ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ) الذَّاهِبِ بِالنِّسْبَةِ كَذَهَابِ سَمْعِ أُذُنٍ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) قَدْرَ الذَّاهِبِ (مِثْلَ أَنْ صَارَ مَدْهُوشًا أَوْ) صَارَ (يَفْزَعُ مِنْهُ وَيَسْتَوْحِشُ إذَا خَلَا فَحُكُومَةٌ) لِذَلِكَ النَّقْصِ (وَإِنْ أَذْهَبَ عَقْلَهُ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ أَرْشًا كَالْجِرَاحِ) مِنْ مُوضِحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا أَوْ ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ) فَذَهَبَ عَقْلُهُ (وَجَبَتْ الدِّيَةُ لِذَهَابِ) الْعَقْلِ (وَ) وَجَبَ (أَرْشُ الْجُرْحِ إنْ كَانَ) ثَمَّ جُرْحٍ.

(وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَعَقْلَهُ وَبَصَرَهُ وَكَلَامَهُ وَجَبَ أَرْبَعُ دِيَاتٍ) لِقَضَاءِ عُمَرَ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ (مَعَ أَرْشِ الْجُرْحِ) إنْ كَانَ كَمَا لَوْ ذَهَبَتْ بِجِنَايَاتٍ (فَإِنْ مَاتَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (مِنْ الْجِنَايَةِ لَمْ يَجِبْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) لِلنَّفْسِ وَانْدَرَجَ فِيهَا مَا عَدَاهَا مِنْ الْمَنَافِعِ كَدِيَاتِ الْأَعْضَاءِ (وَإِنْ أَنْكَرَ الْجَانِي زَوَالَ عَقْلِهِ وَنَسَبَهُ إلَى التَّجَانُنِ) يَعْنِي أَنْ يَتَفَعَّلَ الْجُنُونَ (رَاقَبْنَاهُ) أَيْ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ (فِي خَلَوَاتِهِ فَإِنْ لَمْ تَنْضَبِط أَحْوَالُهُ وَجَبَتْ الدِّيَةُ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَلَا يَحْلِفُ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لَهُ.

(وَفِي تَسْوِيدِ الْوَجْهِ إذَا لَمْ يَزُلْ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ أَشْبَهَ قَطْعَ أُذُنَيْ الْأَصَمِّ (فَإِنْ حَمَّرَهُ أَوْ صَفَّرَهُ) أَيْ الْوَجْهَ (فَحُكُومَةٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ الْجَمَالُ عَلَى الْكَمَالِ.

[فَصْلٌ وَفِي الْعُضْوِ الْأَشَلِّ]

(فَصْلٌ وَفِي الْعُضْوِ الْأَشَلِّ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ مِنْ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالذَّكَرِ وَالثَّدْيِ وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ) الَّذِي لَا ذَوْقَ لَهُ (وَالْعَيْنُ الْقَائِمَةُ فِي مَوْضِعهَا صُورَتُهَا كَصُورَةِ الصَّحِيحَةِ غَيْر أَنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهَا وَشَحْمَةُ الْأُذُنِ) وَهِيَ مَا لَانَ فِي أَسْفَلِهَا وَهِيَ مُعَلَّقُ الْقُرْطِ (وَذَكَرُ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ وَالسِّنّ السَّوْدَاءِ الَّتِي ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعَضَّ بِهَا شَيْئًا وَالثَّدْيُ دُونَ حَلَمَتِهِ وَالذَّكَرُ دُونَ حَشَفَتِهِ وَقَصَبَةُ الْأَنْفِ دُونَ مَارِنِهِ وَالْيَدُ وَالْأُصْبُع الزَّائِدِينَ حُكُومَةً) لِمَا حَصَلَ مِنْ النَّقْصِ وَالشَّيْنِ مَعَ عَدَمِ وُرُودِ تَقْدِيرِهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَالتَّقْدِيرُ بَابُهُ التَّوْقِيفُ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ) وَيَأْتِي مَعْنَى الْحُكُومَةِ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ (وَلَا تَجِبُ دِيَةُ جُرْحٍ حَتَّى يَنْدَمِلَ) لِمَا مَرَّ (وَلَا) تَجِبُ (دِيَةُ سِنٍّ وَ) لَا دِيَةُ (ظُفْرٍ وَ) لَا دِيَةُ (مَنْفَعَةٍ) مِنْ بَصَرٍ أَوْ غَيْرِهِ (حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا دِيَةَ لِمَا رُجِيَ عَوْدُهُ فِي مُدَّةٍ تَقُولُهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ (فَإِنْ مَاتَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (فِي الْمُدَّةِ) الَّتِي ذَكَر أَهْلُ الْخِبْرَةِ أَنَّهُ يَعُودُ فِيهَا قَبْلَ الْعَوْدِ (فَلِوَلِيِّهِ دِيَةُ) مَا جَنَى عَلَيْهِ مِنْ (سِنٍّ وَظُفْرٍ) وَمَنْفَعَةٍ لِلْيَأْسِ مِنْ عَوْدِهِ بِمَوْتِهِ (وَلَهُ الْقَوَدُ فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ السِّنِّ وَالظُّفْرِ مِنْ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِعَوْدِهِ، لَكِنْ لَا يُقْتَصُّ إلَّا بَعْدَ الِانْدِمَالِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَقَتْلٌ هُوَ أَمْ لَيْسَ بِقَتْلٍ؟ فَيُنْظَرُ لِيَعْلَمَ حُكْمَهُ وَمَا الْوَاجِبُ فِيهِ وَلِذَا لَمْ تَجِبْ دِيَتُهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ وَلَوْ الْتَحَمَتْ الْجَائِفَةُ أَوْ الْمُوضِحَةُ وَمَا فَوْقَهَا) كَالْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ (عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ لَمْ يَسْقُطْ مُوجِبُهَا) لِأَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ فِيهَا ذَلِكَ الْأَرْشُ وَلَمْ يُقَيِّدهُ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ فَوَجَبَ بِكُلِّ حَالٍ.

[بَابُ الشِّجَاجُ وَكَسْرُ الْعِظَامِ]

(بَابُ الشِّجَاجُ وَكَسْرُ الْعِظَامِ الشَّجَّةُ) وَاحِدَةُ الشِّجَاجِ وَهِيَ (اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ وَجُرْحِ الْوَجْهِ خَاصَّةً) وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْضَاءِ قَالَهُ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ (وَهِيَ عَشْرٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ (خَمْسٌ لَا مُقَدَّرُ فِيهَا) لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مِنْ الشَّرْعِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا (أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ) بِالْحَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ قَلِيلًا أَيْ تُقَشِّرُهُ شَيْئًا يَسِيرًا وَلَا تُدْمِيهِ) وَالْحِرْصُ الشَّقُّ وَمِنْهُ حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ إذَا شَقَّهُ قَلِيلًا وَهِيَ الْقَاشِرَةُ وَالْقِشْرَةُ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: تَبَعًا لِلْقَاضِي وَتُسَمَّى الْمِلْطَاةُ (ثُمَّ) ثَانِيهَا (الْبَازِلَةُ وَتُسَمَّى الدَّامِيَةُ وَالدَّامِعَةُ) لِقِلَّةِ سَيْلَانِ دَمِهَا تَشْبِيهًا لَهُ بِخُرُوجِ الدَّمْعِ مِنْ الْعَيْنِ (وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ ثُمَّ) ثَالِثُهَا (الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تُبْضِعُ اللَّحْمَ) أَيْ تَشُقُّهُ (بَعْدَ الْجِلْد ثُمَّ) رَابِعُهَا (الْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ مَا أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ أَيْ دَخَلَتْ فِيهِ دُخُولًا كَثِيرًا فَوْقَ الْبَاضِعَةِ وَدُونَ السِّمْحَاقِ ثُمَّ) خَامِسُهَا (السِّمْحَاقُ وَهِيَ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ) فَوْقَ الْعَظْمِ (تُسَمَّى تِلْكَ الْقِشْرَةُ سِمْحَاقًا وَ) لِذَلِكَ (تُسَمَّى الْجِرَاحُ الْوَاصِلَةُ إلَيْهَا سِمْحَاقًا فَهَذِهِ الْخَمْسُ فِيهَا حُكُومَةٌ) لِأَنَّهَا جِرَاحَاتٌ لَمْ يَرِدْ فِيهَا تَوْقِيتٌ مِنْ الشَّرْعِ أَشْبَهَتْ جِرَاحَاتِ الْبَدَن.

(وَخَمْسٌ) أَيْ مِنْ الشِّجَاجِ (فِيهَا مُقَدَّرٌ أَوَّلُهَا الْمُوضِحَةُ) وَالْوَضَحُ الْبَيَاضُ (وَهِيَ الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ) أَيْ تُبْدِي بَيَاضَهُ (أَيْ تُبْرِزْهُ وَلَوْ بِقَدْرِ رَأْسِ بِزَّةٍ وَمُوضِحَةُ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ) لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (وَفِيهَا إنْ كَانَتْ مِنْ حُرٍّ مُسْلِمٍ وَلَوْ أُنْثَى خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) لِمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْن حَزْمٍ: «وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (وَلَا يُعْتَبَرُ إيضَاحُهَا لِلنَّاظِرِ فَلَوْ أَوْضَحَهُ بِرَأْسِ مِسَلَّةٍ أَوْ) رَأْسِ (إبْرَةٍ وَعَرَفَ وُصُولَهَا إلَى الْعَظْمِ كَانَتْ مُوضِحَةُ) لِأَنَّهَا أَوَضَحَتْ الْعَظْمَ (فَإِنْ عَمَّتْ الرَّأْسَ) وَنَزَلَتْ إلَى الْوَجْهِ فَمُوضِحَتَانِ (أَوْ لَمْ تَعُمُّهُ) أَيْ الرَّأْسَ (وَنَزَلَتْ إلَى الْوَجْهِ فَمُوضِحَتَانِ) لِأَنَّهُ أَوْضَحَهُ فِي عُضْوَيْنِ فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسٍ وَنَزَلَ إلَى الْقَفَا.
(وَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فَعَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي (أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ) عَشْرَةُ أَبْعِرَةٍ (فَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمُوضِحَتَيْنِ صَارَتَا وَاحِدَة (أَوْ ذَهَبَ مَا بَيْنَ) الْمُوضِحَتَيْنِ (بِالسِّرَايَةِ صَارَا مُوضِحَةً وَاحِدَةً) كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ الْكُلُّ مِنْ غَيْر حَاجِزٍ (وَمِثْلُهُ لَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ أَصَابِعَ امْرَأَةٍ) حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ (فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ فَإِنْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ قَبْلَ الْبُرْءِ عَادَ) مَا عَلَيْهِ (إلَى عِشْرِينَ) كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَوْلُهُ: هَكَذَا السُّنَّةُ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا (فِي قَطْعِهَا) أَيْ الْأُصْبُعِ الرَّابِعَةِ بِأَنْ قَالَ الْجَانِي: إنَّهُ قَطَعَهَا أَوْ إنَّهَا ذَهَبَتْ بِالسِّرَايَةِ وَقَالَتْ: بَلْ قَطَعَهَا غَيْرُكَ (فَقَوْلُ مَجْنِيٍّ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا فَيَلْزَمهُ ثَلَاثُونَ بَعِيرًا وَلَا يُقْبَلُ قَوْلَهَا عَلَى الْغَيْرِ بِلَا بَيِّنَةَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ.
وَإِنْ انْدَمَلَتْ الْمُوضِحَتَانِ ثُمَّ أَزَالَ الْجَانِي الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا فَعَلَيْهِ أَرْشُ ثَلَاثِ مَوَاضِحَ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأُولَتَيْنِ بِالِانْدِمَالِ ثُمَّ لَزِمَهُ أَرْشُ الثَّالِثَةِ (وَإِنْ انْدَمَلَتْ إحْدَاهُمَا ثُمَّ زَالَ الْحَاجِزُ بِفِعْلِهِ) أَيْ الْجَانِي (أَوْ بِسِرَايَةِ الْأُخْرَى) الَّتِي لَمْ تَنْدَمِلْ (فَمُوضِحَتَانِ) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَرْشُ الَّتِي انْدَمَلَتْ وَمَا عَدَاهَا مُوضِحَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا غَيْرُهَا (وَإِنْ خَرَقَهُ) أَيْ الْحَاجِزَ بَيْنَ مُوضِحَتَيْنِ (أَجْنَبِيٌّ فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ مُوضِحَةٍ لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ) فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا بِحُكْمِ جِنَايَتِهِ (وَإِنْ أَزَالَهُ) أَيْ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا (الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ)

لِأَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ جِنَايَتُهُ فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ شَيْءٌ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
(فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَنْ خَرَقَهُ) أَيْ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا (فَقَالَ الْجَانِي: أَنَا شَقَقْتُ مَا بَيْنَهُمَا وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَلْ أَنَا) الْخَارِقُ لِمَا بَيْنَهُمَا (أَوْ) قَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي (أَزَالَهَا آخَرُ سِوَاكَ فَقَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ سَبَبَ أَرْشِ مُوضِحَتَيْنِ قَدْ وَجَدَ الْجَانِي يَدَّعِي زَوَالَهُ وَالْمَجْرُوحُ يُنْكِرُهُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ (وَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمُوضِحَتَيْنِ (فِي الْبَاطِنِ بِأَنْ قَطَعَ اللَّحْمَ الَّذِي بَيْنَهُمَا وَتَرَك الْجِلْدَ الَّذِي فَوْقَهُمَا صَارَا) مُوضِحَةً (وَاحِدَةً) لِاتِّصَالِهِمَا فِي الْبَاطِنِ وَكَذَا لَوْ خَرَقَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ (وَإِنْ خَرَقَهُ) أَيْ الْحَاجِزَ (فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ فَثِنْتَانِ) أَيْ مُوضِحَتَانِ لِعَدَمِ اتِّصَالِهِمَا بَاطِنًا (كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جِرَاحًا وَاحِدَةً وَأَوْضَحَهُ فِي طَرَفَيْهَا) أَيْ الْجِرَاحَةَ فَمُوضِحَتَانِ (وَإِنْ شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِهِ سِمْحَاقًا إلَّا مَوْضِعًا مِنْهُ أَوْضَحَهُ لَمْ يَلْزَمهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ مُوضِحَةٍ كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ) أَيْ الرَّأْس (كُلَّهُ) أَيْ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ كُلِّهِ لَمْ يَلْزَمهُ سِوَى أَرْشِ مُوضِحَةٍ فَهُنَا أَوْلَى.
(وَإِنْ شَجَّهُ شَجَّةً بَعْضُهَا هَاشِمَةٌ وَبَاقِيهَا دُونهَا) أَيْ دُون مِنْ الْهَاشِمَةِ مُوضِحَةٌ كَانَتْ أَوْ دُونهَا (لَمْ يَلْزَمهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ هَاشِمَةٍ) كَمَا لَوْ هَشَّمَهُ فِي رَأْسِهِ كُلِّهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الشَّجَّةُ (مُنَقِّلَةً وَمَا دُونَهَا أَوْ) كَانَتْ (مَأْمُومَةً وَمَا دُونَهَا فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُنَقِّلَةُ) فَقَطْ (أَوْ مَأْمُومَةٌ) لِمَا تَقَدَّرَ فِي الْمُوضِحَةِ وَالْهَاشِمَةِ (ثُمَّ) يَلِي الْمُوضِحَةَ (الْهَاشِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ) أَيْ تُبْرِزُهُ (وَتُهَشِّمُهُ) أَيْ تَكْسِرُهُ (وَفِيهَا عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ) رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَيَكُونُ تَوْقِيفًا (فَإِنْ هَشَّمَهُ هَاشِمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فَفِيهِمَا عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ عَلَى مَا ذَكَرنَا مِنْ التَّفْصِيل فِي الْمُوضِحَةِ) بِلَا فَرْقٍ.
(وَتَسْتَوِي الْهَاشِمَةُ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ كَالْمُوضِحَةِ) لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلهُمَا (وَإِنْ ضَرَبَهُ بِمُثْقَلٍ فَهَشَّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوضِحَهُ فَحُكُومَةٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِهَاشِمَةٍ وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ يَرْجِعُ إلَيْهِ فَوَجَبَ فِيهِ حُكُومَةٌ (وَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ هَشَّمَ الْعَظْمَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَانْضَلَّ الْهَشْمُ فِي الْبَاطِنِ فَ) هُمَا (هَاشِمَتَانِ) فِيهِمَا عِشْرُونَ بَعِيرًا لِأَنَّ الْهَشْمَ إنَّمَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْإِيضَاحِ فَإِذَا كَانَتَا مُوضِحَتَيْنِ كَانَ الْهَشِمُ هَاشِمَتَيْنِ بِخِلَافِ الْمُوضِحَة فَإِنَّهَا لَيْسَتْ تَبَعًا لِغَيْرِهَا فَافْتَرَقَا.
(ثُمَّ) يَلِي الْهَاشِمَةَ (الْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ) الْعَظْمَ (وَتُهَشِّمُ) الْعَظْمُ (وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا بِتَكْسِيرِهَا وَفِيهَا خَمْسُ عَشْرَة مِنْ الْإِبِلِ) بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِر فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي كَتَبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسُ عَشْرَة مِنْ الْإِبِلِ (وَفِي تَفْصِيلِهَا) أَيْ الْمُنَقِّلَةِ (مَا فِي تَفْصِيلِ الْمُوضِحَةِ وَالْهَاشِمَةِ عَلَى مَا مَضَى) تَوْضِيحُهُ (ثُمَّ) يَلِي الْمُنَقِّلَةَ.
(الَّتِي تَصِلُ إلَى أُمّ الدِّمَاغِ وَهِيَ) أَيْ أُمُّ الدِّمَاغِ (جِلْدَةٌ فِيهَا الدِّمَاغُ) قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: أُمُّ الرَّأْسِ الْخَرِيطَةُ الَّتِي فِيهَا الدِّمَاغُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَخْرِطُ الدِّمَاغَ وَتَجْمَعهُ (وَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَاب عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «فِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ يَلِي الْمَأْمُومَةَ الدَّامِغَةُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ (وَفِي الدَّامِغَةِ مَا فِي الْمَأْمُومَةِ) أَيْ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِأَنَّهَا أَبْلَغُ مِنْ الْمَأْمُومَةِ وَلَا يَسْلَمُ صَاحِبُهَا فِي الْغَالِبِ (وَهِيَ) أَيْ الدَّامِغَةُ (الَّتِي تَخْرِق جِلْدَة الدِّمَاغِ وَإِنْ أَوْضَحَهُ جَانٍ ثُمَّ هَشَّمَهُ ثَانٍ ثُمَّ جَعَلَهَا) أَيْ الشَّجَّةَ الْمَذْكُورَةَ (ثَالِثَ مُنَقِّلَةٍ ثُمَّ) جَعَلَهَا (رَابِعٌ مَأْمُومَةً أَوْ دَامِغَةً فَعَلَى الرَّابِعِ ثَمَانِيَةَ عَشَر وَثَلَاثٌ مِنْ الْإِبِلِ) لِأَنَّهَا تُفَاوِتُ مَا بَيْن الْمُنَقِّلَة وَالْمَأْمُومَة أَوْ الدَّامِغَة (وَعَلَى كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) لِأَنَّهَا تُفَاوِتُ مَا بَيْنَ اشَّجَّتَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ]

(فَصْلٌ وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» وَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً (وَهِيَ) أَيْ الْجَائِفَةُ (الَّتِي تَصِلُ إلَى بَاطِنِ الْجَوْفِ مِنْ بَطْنٍ أَوْ ظَهْرٍ أَوْ صَدْرٍ أَوْ نَحْرٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَحَلْقٌ وَمَثَانَةٌ وَبَيْنَ خُصْيَتَيْنِ وَدُبُرٌ.
وَفِي الرِّعَايَةِ وَهِيَ مَا وَصَلَ جَوْفًا فِيهِ قُوَّةٌ يُحِيلهُ الْغِذَاءُ مِنْ ظَهْرٍ أَوْ بَطْنٍ وَإِنْ لَمْ تَخْرِقْ الْأَمْعَاءَ أَوْ صَدْرٍ أَوْ نَحْرٍ أَوْ دِمَاغٍ وَإِنْ لَمْ تَخْرِقْ الْخَرِيطَةَ أَوْ مَثَانَةً أَوْ مَا بَيْنَ وِعَاءِ الْخُصْيَتَيْنِ وَالدُّبُرِ (وَإِنْ أَجَافَهُ جَائِفَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فَعَلَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ) لِكُلِّ جَائِفَةٍ ثُلُثٌ.
(وَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا) صَارَا وَاحِدَةً (أَوْ خَرَقَ) مَا بَيْنَهُمَا (بِالسِّرَايَةِ صَارَا جَائِفَةً وَاحِدَةً فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ لَا غَيْرَ) ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُوضِحَةِ (وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ الْجَائِفَتَيْنِ (أَجْنَبِيٌّ أَوْ) خَرَقَهُ (الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الثَّانِي ثُلُثُهَا) لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَجْنَبِيُّ غَيْرُ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَوَلِيّهِ وَالطَّبِيبِ بِأَمْرِهِ (وَيَسْقُطُ مَا قَابَلَ فِعْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) فَلَا يَجِبُ

بِهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَرْشٌ (وَإِنْ احْتَاجَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (إلَى خَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ الْجَائِفَتَيْنِ (لِلْمُدَاوَاةِ فَخَرَقَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ) خَرَقَهَا (غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ أَوْ) خَرَقَهَا (وَلِيُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِذَلِكَ) أَيْ لِلْمُدَاوَاةِ (أَوْ) خَرَقَهَا (الطَّبِيبُ بِأَمْرِهِ) أَيْ أَمْرِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ بِأَمْرِ وَلِيِّ غَيْرِهِ (فَلَا شَيْءَ فِي خَرْقِ الْحَاجِزِ) عَلَى أَحَدٍ (وَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ) لِأَنَّ فِعْلَهُ لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ جَرَحَهُ مِنْ جَانِبٍ فَخَرَجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَجَائِفَتَانِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِسَنَدِهِ إلَى أَبِي بَكْرٍ " أَنَّهُ قَضَى فِي جَائِفَةٍ تَقَذَّتْ بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ " وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: " أَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي الْجَائِفَةِ إذَا نَفَذَتْ بِأَرْشِ جَائِفَتَيْنِ " وَكَمَا لَوْ طَعَنَهُ مِنْ جَانِبَيْنِ فَالِقًا وَالِاعْتِبَارُ بِوُصُولِ الْجُرْحِ إلَى الْجَوْفِ وَلَا عِبْرَةَ لِكَيْفِيَّةِ إيصَالِهِ إذْ لَا أَثَرَ لِصُورَةِ الْفِعْلِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمَعْنَى.
(وَإِنْ خَرَقَ شَدْقَهُ أَوْ) خَرَقَ (أَنْفَهُ فَوَصَلَ إلَى فَمِهِ فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ لِأَنَّ بَاطِنَ الْفَم فِي حُكْمِ الظَّاهِر) لَا الْبَاطِنِ وَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ (وَإِنْ طَعَنَهُ فِي خَدِّهِ فَكَسَرَ الْعَظْمَ وَوَصَلَ إلَى فَمِهِ فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ أَيْضًا) لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ بَاطِنَ الْفَمِ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ (وَعَلَيْهِ دِيَةُ مُنَقِّلَةٍ) خَمْسَةَ عَشَر بَعِيرًا (لِكَسْرِ الْعَظْمِ وَفِيمَا زَادَ) عَلَى كَسْرِ الْعَظْمِ (حُكُومَةٌ) لِمَا نَقَصَ (وَإِنْ جَرَحَهُ فِي ذَكَرِهِ فَوَصَلَ) الْجُرْحُ (إلَى مَجْرَى الْبَوْلِ أَوْ) جَرَحَهُ (فِي جَفْنِهِ فَوَصَلَ) الْجُرْحُ (إلَى بَيْضَةِ عَيْنهِ فَحُكُومَةٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَاطِنٍ فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ (كَإِدْخَالِهِ إصْبَعَهُ فِي فَرْج بِكْرٍ وَدَاخِلِ عَظْمِ فَخِذِ وَإِنْ جَرَحَهُ فِي وَرِكِهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إلَى جَوْفِهِ أَوْ أَوْضَحَهُ فَوَصَلَ) . الْجُرْحُ (إلَى قَفَاهُ فَعَلَيْهِ) فِي الْأُولَى (دِيَةُ جَائِفَةٍ) وَحُكُومَةٌ (وَ) فِي الثَّانِي دِيَة (مُوضِحَةٍ وَحُكُومَةٌ كَجُرْحِ الْقَفَا وَالْوَرِكِ) لِأَنَّ الْجِرَاح فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْجَائِفَةِ وَالْمُوضِحَةِ فَانْفَرَدَ فِيهِ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ جَائِفَةٌ أَوْ مُوضِحَةٌ وَأَمَّا الْحُكُومَةُ فَلِأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِيهِ (وَإِنْ أَجَافَهُ) وَاحِدٌ (وَوَسَّعَ آخَرُ الْجُرْحَ فَجَائِفَتَانِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْشُ جَائِفَةٍ) لِأَنَّ فِعْلَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ جَائِفَةً فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِانْضِمَامِهِ إلَى غَيْرِهِ (وَإِنْ وَسَّعَهَا الطَّبِيبُ بِإِذْنِهِ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفِ (أَوْ) وَسَّعَهَا الطَّبِيبُ (بِإِذْنِ وَلِيّهِ) إنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا (لِمَصْلَحَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ (وَإِنْ أَدْخَلَ) مُكَلَّفٌ (سِكِّينًا فِي الْجَائِفَةِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا عُزِّرَ) لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ جِنَايَتِهِ.
(وَإِنْ خَاطَهَا) أَيْ الْجَائِفَةَ (فَجَاءَ آخَرُ فَقَطَعَ الْخَيْطَ وَأَدْخَل السِّكِّينَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَلْتَحِمَ عُزِّرَ أَشَدُّ مِنْ التَّعْزِيرِ الَّذِي قَبْلَهُ) لِأَنَّ فِعْلَهُ أَشَدُّ (وَغُرِّمَ ثَمَنُ الْخُيُوطِ) لِإِتْلَافِهِ لَهَا تَعَدِّيًا (وَأُجْرَة الْخَيَّاطِ) لِتَسَبُّبِهِ فِي ذَلِكَ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا دِيَةَ لِلْجَائِفَةِ

عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُجِفْهُ (وَإِنْ الْتَحَمَتْ الْجَائِفَةُ فَفَتْحهَا آخَرُ فَهِيَ جَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَيْهِ أَرْشُهَا) أَيْ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ عَادَ إلَى الصِّحَّةِ فَصَارَ كَاَلَّذِي لَمْ يُجْرَحْ.
(وَإِنْ الْتَحَمَ بَعْضُهَا) أَيْ الْجَائِفَةِ (دُونَ بَعْضٍ فَفَتَقَ مَا الْتَحَمَ فَعَلَيْهِ أَرْشُ جَائِفَةٍ) لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ فَتَقَ غَيْرَ مَا الْتَحَمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَرْشُ جَائِفَةٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَى الصِّحَّةِ (وَحُكْمهُ حُكْمُ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِمَ مِنْهَا شَيْءٌ) فَيَغْرَم ثَمَنَ الْخُيُوطِ وَأُجْرَةَ الْخَيَّاطِ (وَإِنْ وَسَّعَ بَعْضَ مَا الْتَحَمَ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ أَوْ) وَسَّعَهُ فِي (الْبَاطِنِ فَقَطْ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ) لِتَوْسِيعِهِ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَبْلُغْ الْجَائِفَةَ (وَمَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ) لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ (أَوْ) وَطِئَهَا وَهِيَ (نَحِيفَةٌ لَا يُوطَأ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ فَخَرَقَ مَا بَيْن مَخْرَجِ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ أَوْ) خَرَقَ (مَا بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ فَلَمْ يَسْتَمْسِكْ الْبَوْلُ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ) لِأَنَّ لِلْبَوْلِ مَكَانًا فِي الْبَدَنِ يَجْتَمِعُ فِيهِ لِلْخُرُوجِ فَعَدَم إمْسَاكُ الْبَوْلِ إبْطَالٌ لِنَفْعِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَتَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ الْغَائِطُ.
(وَإِنْ اسْتَمْسَكَ) الْبَوْلُ (فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) لِأَنَّهَا جَائِفَةٌ وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ " قَضَى فِي الْإِفْضَاءِ بِثُلُثِ الدِّيَةِ " وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ (وَيَلْزَمهُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ) لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ بِالدُّخُولِ (مَعَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ) السَّابِقِ وَهُوَ الدِّيَةُ إنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بَوْلً وَإِلَّا فَثُلُثُهَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُضْمَنُ مُنْفَرِدًا فَضُمِنَا مُجْتَمَعَيْنِ (وَيَكُونُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ) أَيْ الْجَانِي (إنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا) لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْعَمْدُ الْمَحْضُ (إنْ لَمْ يَعْلَمْ) الزَّوْجُ (أَنَّهَا لَا تُطِيقهُ وَأَنَّ وَطْأَهُ يُفْضِيهَا وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهَا لَا تُطِيقُهُ (وَكَانَ) وَطْؤُهُ (مِمَّا يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُفْضِي إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْإِفْضَاءِ (فَ) الْأَرْشُ (عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِأَنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ.
(وَإِنْ انْدَمَلَ الْحَاجِز وَزَالَ الْإِفْضَاءُ وَجَبَتْ حُكُومَةٌ) لِجَبْرِ مَا حَصَلَ مِنْ النَّقْصِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (فَقَطْ) وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر الْبَابِ قَبْلَهُ وَلَوْ الْتَحَمَتْ الْجَائِفَةُ لَمْ يَسْقُطْ مُوجِبُهَا قَالَ فِي الْإِنْصَافِ رِوَايَةً وَاحِدَةً قَالَهُ فِي الْمُجَرَّدِ وَغَيْرِهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (كَبِيرَةً مُحْتَمِلَةً لِلْوَطْءِ يُوطَأُ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ) فَهَدْرٌ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ مِنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَسِرَايَةِ الْقَوَدِ (أَوْ) كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ (أَجْنَبِيَّةً كَبِيرَةً مُطَاوِعَةً وَلَا شُبْهَةَ وَهِيَ حُرَّةٌ مُكَلَّفَةٌ) وَوَقَعَ مَا سَبَقَ (فَهَدْرٌ) لِأَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ مِنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَأَرْشِ بَكَارَتِهَا (وَلَا مَهْرَ) لِلْأَجْنَبِيَّةِ لِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ (كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا فَسَرَى) الْقَطْعُ (إلَى نَفْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ) الْأَجْنَبِيَّةُ (مُكْرَهَةً أَوْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ فَأَفْضَاهَا لَزِمَهُ ثُلُثُ دِيَتِهَا)

إنْ اسْتَمْسَكَ الْبَوْلُ وَإِلَّا فَالدِّيَةُ كَمَا سَبَقَ (وَ) لَزِمَهُ (مَهْرُ مِثْلِهَا) بِمَا اسْتَبَاحَ مِنْ فَرْجِهَا (وَ) لَزِمَهُ (أَرْشُ الْبَكَارَةِ) . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يَنْدَرِجُ أَرْشٌ بَكَارَةٍ فِي دِيَةِ إفْضَاءٍ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَجَزَمَ بِوُجُوبِ أَرْشِ الْبَكَارَةِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ أَنَّ أَرْشَ الْبَكَارَة يَدْخُلُ فِي الْمَهْرِ إذَا كَانَتْ حُرَّةً وَأَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُهَا بِكْرًا فَقَطْ فَيَنْبَغِي حَمْلُ مَا ذَكَرَهُ هُوَ لَا عَلَى إفْضَاءٍ فَلَا يَجِبُ مَعَهُ مَهْرٌ بِأَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ وَطْءٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْفُرُوعِ فِي دِيَةِ إفْضَاءٍ وَلَمْ يُقْبَلْ فِي مَهْرٍ (وَإِنْ اسْتَطْلَقَ بَوْلُهَا) أَيْ الْأَجْنَبِيَّةُ الْمُكْرَهَةُ أَوْ الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ (فَدِيَةٌ فَقَطْ) أَيْ فَلَا يَجِبُ مَعَهَا ثُلُثُ دِيَةٍ لِلْفَتْقِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْمَهْرِ إنْ وَطِئَ وَلَا عَنْ أَرْشِ الْبَكَارَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُبْدِع وَغَيْرِهِ.

[فَصْلٌ وَفِي كَسْرِ الضِّلْعِ]

(فَصْلٌ وَفِي كَسْرِ الضِّلْعِ) بِكَسْرِ الضَّادِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَتَسْكِينِهَا لُغَةٌ وَاحِدُ الضُّلُوعِ الْمَعْرُوفَةِ (بَعِيرٍ) إنْ جُبِرَ مُسْتَقِيمًا (وَفِي التَّرْقُوَتَيْنِ) وَاحِدُهُمَا تَرْقُوَةٌ بِالْفَتْحِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَلَا تَقُلْ تَرْقُوَة بِالضَّمِّ (بَعِيرَانِ وَفِي أَحَدِهِمَا بَعِيرٌ وَالتَّرْقُوَةُ: الْعَظْمُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ الْعُنُقِ مِنْ النَّحْرِ إلَى الْكَتِفِ لِكُلِّ آدَمِيّ تَرْقُوَتَانِ) رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ قَالَ: " فِي الضِّلْع جَمَلٌ وَفِي التَّرْقُوَةِ جَمَلٌ " وَظَاهِر الْخِرَقِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ أَنَّ فِي الْوَاحِدَةِ بَعِيرَيْنِ فَيَكُونُ فِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ زَيْدٍ لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ التَّرْقُوَتَانِ مَعًا وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِإِدْخَالِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةُ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَيَكُونُ فِي كُلّ تَرْقُوَةٍ بَعِيرٌ.
(وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الذِّرَاعِ وَهُوَ السَّاعِدُ الْجَامِعُ لِعَظْمَاتِ الزَّنْدِ) بِفَتْحِ الزَّاي وَهُوَ مَا انْحَسَرَ عَنْهُ اللَّحْمُ مِنْ السَّاعِدِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الزَّنْدُ وَصْلُ طَرَفِ الذِّرَاعِ بِالْكَفِّ وَهُمَا زَنْدَانِ بِالْكُوعِ وَالْكُرْسُوعِ وَهُوَ طَرَفُ الزَّنْد الَّذِي يَلِي الْخِنْصَر وَهُوَ النَّاتِئ عِنْدَ الرُّسْغِ.
(وَ) مِنْ (الْعَضُدِ وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ إذَا جُبِرَ ذَلِكَ مُسْتَقِيمًا) بِأَنْ بَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ صِفَتِهِ (بَعِيرَانِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: " أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ فِي أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ إذَا كُسِرَ

فَكَتَبَ عُمَرُ أَنَّ فِيهِ بَعِيرَيْنِ وَإِذَا كُسِرَ الزَّنْدُ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةَ أَبْعِرَةٍ " وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ وَبَقِيَّةُ الْعِظَامِ الْمَذْكُورَةِ كَالزَّنْدِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْجَبِرْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الضِّلْعِ وَالتَّرْقُوَةِ وَالزَّنْدِ وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ (فَحُكُومَةٌ) لِذَلِكَ النَّقْصُ.
(وَلَا مُقَدَّرَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْعِظَامِ) لِعَدَمِ التَّقْدِيرِ فِيهِ (وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْجُرُوحِ وَكَسْر الْعِظَامِ مِثْلَ خَرَزَةِ الصُّلْبِ) وَالْعُصْعُصِ بِضَمِّ الْعَيْنَيْنِ وَقَدْ تُفْتَحُ الثَّانِيَةُ لِلتَّخْفِيفِ عَجْبُ الذَّنَبِ وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي فِي أَسْفَلِ الصُّلْبِ عِنْدَ الْعَجُزِ وَهُوَ الْعَسِيبُ مِنْ الدَّوَابِّ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَالْعَانَةِ فَفِيهِ حُكُومَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ وَخَرَزُ الصُّلْبِ فَقَاره إنْ أُرِيدَ بِهَا كَسْرُ الصُّلْبِ (فَفِيهِ الدِّيَةُ) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِ حُكُومَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ.
(وَالْحُكُومَةُ أَنْ يَقُومَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ ثُمَّ يَقُومُ وَهِيَ) أَيْ الْجِنَايَةَ (بِهِ قَدْ بَرِئَتْ فَمَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَة فَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (مِثْلُهُ) بِالنِّسْبَةِ (مِنْ الدِّيَةِ) أَيْ دِيَة الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَأَنْ (كَانَ قِيمَتُهُ) أَيْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَوْ فُرِضَ قِنًّا (وَهُوَ صَحِيحُ عِشْرُونَ وَقِيمَتُهُ وَبِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشْرَ فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ) لِأَنَّ النَّاقِصَ بِالتَّقْوِيمِ وَاحِدٌ مِنْ عِشْرِينَ وَهُوَ نِصْفَ عُشْرِهَا فَيَكُونُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ ضَرُورَةً أَنَّ الْوَاجِبَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الدِّيَةِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ فِي شَيْءٍ فِيهِ مُقَدَّرٌ فَلَا يَبْلُغُ بِهِ) أَيْ بِحُكُومَتِهِ (أَرْشُ الْمُقَدَّرِ فَإِنْ كَانَتْ) الْحُكُومَةُ (فِي الشِّجَاجِ الَّتِي دُونَ الْمُوضِحَةِ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا) أَيْ الْحُكُومَةِ (أَرْشَ الْمُوضِحَةِ وَإِنْ كَانَتْ) الْحُكُومَةُ (فِي أُصْبُعٍ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَةَ الْأُصْبُعِ وَإِنْ كَانَتْ) الْحُكُومَةُ (فِي أُنْمُلَةٍ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَتَهَا) وَالنَّقْصُ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ لَا يُقَالُ قَدْ وَجَبَ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ أَكْثَرُ مِمَّا وَجَبَ فِي جَمِيعِهِ وَوَجَبَ فِي مَنَافِعِ الْإِنْسَانِ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاجِبِ فِيهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ دِيَةُ النَّفْس دِيَةٌ عَنْ الرُّوحِ وَلَيْسَتْ الْأَطْرَافُ بَعْضَهَا بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَايَةُ (مِمَّا لَا تَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ الِانْدِمَالِ قُوِّمَتْ حَالُ الْجِنَايَةِ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْصٍ لِأَجْلِ الْجِنَايَةِ (وَلَا تَكُونُ) الْجِنَايَةُ (هَدَرًا) فَإِذَا كَانَ التَّقْوِيمُ بَعْدَ الِانْدِمَال يَنْفِي ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَقُومَ فِي حَالِ جَرَيَان الدَّمِ لِيَحْصُلَ النَّقْصُ (فَإِنْ لَمْ تَنْقُصُهُ حَالَ الْجِنَايَةِ وَلَا بَعْدَ الِانْدِمَالِ أَوْ زَادَتْهُ) الْجِنَايَةُ (حُسْنًا كَإِزَالَةِ لِحْيَةِ امْرَأَةٍ أَوْ أُصْبُع أَوْ يَدِ زَائِدَةٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا) إذْ لَمْ يَحْصُلْ بِالْجِنَايَةِ نَقْصٌ فِي جَمَالٍ وَلَا نَفْعٍ (كَمَا لَوْ قَطَعَ سِلْعَةً أَوْ ثُؤْلُولًا أَوْ بَطَّ جِرَاحًا وَإِنْ لَطَمَهُ فِي وَجْهِهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فَلَا ضَمَانَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ نَقْصٌ (وَيُعَزَّرُ كَمَا لَوْ شَتَمَهُ) لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً.

[بَابُ الْعَاقِلَةُ وَمَا تَحْمِلُهُ]

(بَابُ الْعَاقِلَةُ وَمَا تَحْمِلُهُ وَهِيَ) جَمْعُ عَاقِلٍ يُقَالُ عَقَلْتُ فُلَانًا إذَا أَدَّيْتَ دِيَتَهُ وَعَقَلْتُ عَنْ فُلَانِ إذَا غَرِمْتَ عَنْهُ دِيَتَهُ وَأَصْلُهُ مِنْ عَقْلِ الْإِبِلِ وَهِيَ الْحِبَالُ الَّتِي تُثْنَى بِهَا أَيْدِيهَا إلَى رُكَبِهَا وَقِيلَ مِنْ الْعَقْلِ وَهُوَ الْمَنْعُ لِأَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ عَنْ الْقَاتِلِ وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ يَتَحَمَّلُونَ الْعَقْلَ وَهُوَ الدِّيَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَعْقِلُ لِسَانَ وَلِيّ الْمَقْتُولِ وَالْعَاقِلَةُ (مَنْ غَرِمَ ثُلُثًا فَأَكْثَر بِسَبَبِ جِنَايَة غَيْرِهِ) وَهُوَ تَعْرِيفٌ بِالْحُكْمِ فَيَدْخُلهُ الدَّوْرُ فَلِذَلِكَ رَفَعَهُ بِقَوْلِهِ (فَعَاقِلَةُ الْجَانِي ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ذُكُور عَصَبَته نَسَبًا) كَالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَةِ لِغَيْرِ أُمِّ وَالْأَعْمَامِ كَذَلِكَ (وَوَلَاءٌ) كَالْمُعْتَقِ وَعَصَبَتِهِ الْمُعْتَصِبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ (قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ حَاضِرُهُمْ وَغَائِبُهُمْ صَحِيحُهُمْ وَمَرِيضُهُمْ وَلَوْ هَرِمًا وَزَمِنًا وَأَعْمَى) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبِنْتِهَا وَزَوْجِهَا وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنْ يَعْقِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ عَصَبَتُهَا مَنْ كَانُوا وَلَا يَرِثُونَ مِنْهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيُّ (وَمِنْهُمْ) أَيْ الْعَاقِلَةُ (عَمُودَا نَسَبِهِ آبَاؤُهُ) أَيْ أَبُوهُ وَإِنْ عَلَا بِمَحْضِ الذُّكُورِ (وَأَبْنَاؤُهُ) وَإِنْ نَزَلُوا بِمَحْضِ الذُّكُورِ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ الْعَصَبَاتِ بِمِيرَاثِهِ فَكَانُوا أَوْلَى بِتَحَمُّلِ عَقْلِهِ (وَلَا يُعْتَبَرُ) فِي الْعَاقِلَةِ (أَنْ يَكُونُوا وَارِثِينَ فِي الْحَالِ) أَيْ حَالِ الْعَقْلِ (بَلْ مَتَى كَانُوا يَرِثُونَ لَوْلَا الْحَجْبُ عَقَلُوا) لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ أَشْبَهُوا سَائِرَ الْعَصَبَاتِ يُحَقِّقْهُ أَنَّ الْعَقْلَ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّنَاصُرِ وَهُمْ مِنْ أَهْلِهِ (وَلَيْسَ مِنْهُمْ) أَيْ الْعَاقِلَةُ (الْإِخْوَةُ لِأُمٍّ وَلَا سَائِرُ ذَوِي الْأَرْحَامِ) وَلَا النِّسَاءُ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ ذَوِي النُّصْرَةِ (وَلَا الزَّوْجِ وَلَا الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ) وَهُوَ الْعَتِيقُ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ (وَلَا مَوْلَى الْمُوَالَاةِ وَهُوَ الَّذِي حَالَفَ رَجُلًا يَجْعَلُ لَهُ وَلَاءَهُ وَنُصْرَتَهُ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (وَلَا الْحَلِيفُ الَّذِي يُحَالِفُ آخَرَ عَلَى التَّنَاصُرِ وَلَا الْعَدِيدُ وَهُوَ الَّذِي لَا عَشِيرَةَ لَهُ يَنْضَمُّ إلَى عَشِيرَةٍ فَيُعَدُّ مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي ذَلِكَ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى

الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ عُرِفَ نَسَبُ قَاتِلٍ مِنْ قَبِيلَةٍ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ أَيْ بُطُونِهَا لَمْ يَعْقِلُوا عَنْهُ) لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَهُ (وَلَا مَدْخَلَ لِأَهْلِ الدِّيوَانِ فِي الْمُعَاقَلَةِ) فَإِذَا قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْ دِيوَانِ لَمْ يَعْقِلُوا عَنْهُ كَأَهْلِ مَحَلَّتِهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَهُ (وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ وَلَوْ مُعْتَمِلًا حَمْلُ شَيْءٍ مِنْ الدِّيَةِ) لِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ مُوَاسَاةٌ فَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيرَ كَالزَّكَاةِ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا عَنْ الْقَاتِلِ فَلَا يَجُوزُ التَّثْقِيلُ عَلَى الْفَقِيرِ لِأَنَّهُ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ (وَلَا صَبِيٍّ وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ) لِأَنَّ الْحَمْلَ لِلتَّنَاصُرِ وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهِ (وَلَا امْرَأَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا خُنْثَى مُشْكِلِ وَلَوْ كَانُوا مُعْتَقِينَ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْخُنْثَى امْرَأَةً (وَلَا رَقِيقٍ) لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ (وَلَا مُخَالِفِ لِدِينِ الْجَانِي حَمْلَ شَيْءٍ مِنْ الدِّيَةِ) لِأَنَّ حَمْلَهَا لِلنُّصْرَةِ وَلَا نُصْرَةَ لِمُخَالِفٍ فِي دِينِهِ.
(وَيَحْمِلُ الْمُوسِرُ مِنْ غَيْرِهِمْ) أَيْ غَيْرِ الصَّبِيِّ وَزَائِلِ الْعَقْلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى وَالرَّقِيقِ وَالْمُخَالِفِ إذَا كَانَ عَصَبَةً (وَهُوَ) أَيْ الْمُوسِرُ (هُنَا مَنْ مَلَكَ نِصَابًا) زَكَوِيًّا (عِنْدَ حُلُولِ الْحَوْلِ فَاضِلًا عَنْهُ) أَيْ عَنْ حَاجَتِهِ (كَحَجٍّ وَكَفَّارَة ظِهَارٍ) فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَفْضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَعِيَالِهِ وَوَفَاءِ دَيْنِهِ (وَخَطَأُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ فِي أَحْكَامِهِمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ خَطَأَهُ يَكْثُرُ فَيُجْحِفُ بِعَاقِلَتِهِ وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ اللَّهِ فَكَانَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ فِي مَالِ اللَّهِ (كَخَطَأِ وَكِيلٍ) فَإِنَّهُ عَلَى مُوَكَّلِهِ يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَضْمَنْهُ (فَعَلَى هَذَا لِلْإِمَامِ عَزْلُ نَفْسِهِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَالتَّنْقِيحِ (وَخَطَؤُهُمَا الَّذِي تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَة) هُوَ خَطَؤُهُمَا فِي غَيْرِ حُكْمِهِمَا (وَشِبْهُهُ) أَيْ شِبْهُ الْخَطَأِ إذَا كَانَ (فِي غَيْرِ حُكْمٍ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا) أَيْ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ كَخَطَأِ غَيْرِهِمَا.
(وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ زَادَ سَوْطُ الْخَطَأِ فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ جَهْلًا حَمْلًا أَوْ بِأَنَّ مَنْ حَكَمَا) أَيْ الْإِمَامُ وَالْحَاكِمُ (بِشَهَادَتِهِ غَيْرَ أَهْلٍ فِي أَنَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ مِنْ خَطَئِهِ فِي حُكْمِهِ (وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحُدُودِ وَلَا تَعَاقُلَ بَيْنَ ذِمِّيٍّ وَحَرْبِيٍّ) فَلَا يَعْقِلُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ لِعَدَمِ التَّنَاصُرِ وَقِيلَ إنَّ التَّوَارُثَ (بَلْ بَيْن ذِمِّيَّيْنِ إنْ تَحْدُثْ مِثْلُهَا فَلَا يَعْقِل يَهُودِيٌّ) عَنْ نَصْرَانِيٍّ (وَلَا نَصْرَانِيٌّ عَنْ الْآخَرِ) أَيْ عَنْ يَهُودِيٍّ لِعَدَمِ التَّوَارُثِ وَالتَّنَاظُرِ (فَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ أَوْ ارْتَدَّ مُسْلِمٌ لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُمْ أَحَدٌ) لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَرُّوا عَلَى ذَلِكَ الدِّينِ (وَتَكُونُ جِنَايَاتُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ كَسَائِرِ الْجِنَايَةِ الَّتِي لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ أَوْ لَهُ) عَاقِلَةٌ (وَعَجَزَتْ عَنْ الْجَمِيعِ فَالدِّيَةُ) أَيْ عَجَزُوا عَنْ الْكُلِّ (أَوْ بَاقِيهَا) إنْ أَدَّوْا الْبَعْضَ وَعَجَزُوا عَنْ الْبَاقِي (عَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي (إنْ كَانَ ذِمِّيًّا) لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ لَا يَعْقِلُ عَنْهُ (وَإِنْ كَانَ) الْجَانِي (مُسْلِمًا أُخِذَتْ) الدِّيَةُ.
(أَوْ) أُخِذَ (بَاقِيهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) حَيْثُ لَا عَاقِلَةَ أَوْ عَجَزَتْ

لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَيَعْقِلُونَ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ عَاقِلَتِهِ كَعِصَابَتِهِ فَتُؤْخَذُ (حَالَّةً دَفْعَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدَّى دِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَكَذَا عُمَرُ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا أُجِّلَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْأَخْذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَنْ (فَلَيْسَ عَلَى الْقَاتِل شَيْءٌ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَلْزَم الْعَاقِلَةَ ابْتِدَاءً) بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُطَالِب بِهَا غَيْرَهُمْ وَلَا يَعْتَبِرُ تَحَمُّلُهُمْ وَلَا رِضَاهُمْ بِهَا فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ عُدِمَ الْقَاتِلُ وَعَنْهُ تَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ قَالَ فِي الْمُقْنِعِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إهْدَارِ دَمِ الْأَحْرَارِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ تُوجَدُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كُلَّهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى الْأَخْذِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَتَضِيعُ الدِّمَاءُ وَالدِّيَةُ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ ثُمَّ تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهَا عَلَيْهِمْ ابْتِدَاءً لَكِنْ مَعَ وُجُودِهِمْ كَمَا قَالُوا فِي الْمُرْتَدِّ يَجِبُ أَرْشُ خَطَئِهِ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ تَحْمِلُهَا.
(وَإِنْ رَمَى ذِمِّيٌّ) صَيْدًا ثُمَّ تَغَيَّرَ دِينُهُ (أَوْ) رَمَى (مُسْلِمٌ صَيْدًا ثُمَّ تَغَيَّرَ دِينُهُ ثُمَّ أَصَابَ السَّهْمُ آدَمِيًّا فَقَتَلَهُ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ قَتِيلٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَعْصُومٌ نَفَذَ حَمْلُ عَاقِلَتِهِ عَقْلَهُ فَوَجَبَ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا يَعْقِلُهُ عَصَبَةُ الْقَاتِل الْمُسْلِمُونَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا حَالَ رَمْيِهِ وَلَا الْمُعَاهَدُونَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلهُ إلَّا وَهُوَ مُسْلِمٌ (وَلَوْ اخْتَلَفَ دِينُ جَارِحٍ حَالَتَيْ جَرْح وَزُهُوقٍ) بِأَنْ جَرَحَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ ثُمَّ تَغَيَّرَ دِينُهُ أَوْ وَهُوَ ذِمِّيٌّ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ (حَمَلَتْهُ عَاقِلَتُهُ حَالَ الْجَرْحِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِعْلٌ بَعْدَ الْجَرْحِ (وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ مِنْ عَبْدٍ فَعَقْلُهُ عَلَى مَوَالِي أُمِّهِ) لِأَنَّهُمْ مَوَالِيه وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (فَإِنْ عَتَقَ أَبُوهُ وَانْجَرَّ وَلَاؤُهُ) لِمَوَالِي أَبِيهِ (ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ) خَطَأ فَأَرْشُهَا فِي مَالِهِ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ قَالَهُ فِي الْمُقْنِعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا وَغَيْرُهُمْ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ إلَى أَنْ قَالَ وَإِنْ انْجَرَّ وَلَاءُ ابْنُ مُعْتَقَةٍ بَيْنَ جَرْحٍ أَوْ رَمْيٍ وَتَلَف فَكَتَغَيُّرِ دِينٍ وَقَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا تَكُونُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ الْجَرْحِ عَلَى عَاقِلَتِهِ حَالَ الْجَرْحِ كَمَا فِي تَغَيُّرِ الدِّينِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَلِذَلِكَ حَوَّلَ صَاحِبُ الْمُبْدِع عِبَارَةَ الْمُقْنِعِ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَتَّبِعْ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى كَلَامَهُ فِي الْإِنْصَافِ أَوَّلًا وَلَا الْمُقْنِعِ مَعَ أَنَّ التَّنْقِيحَ لَمْ يُخَالِفَهُ (أَوْ رَمَى) ابْنُ الْمُعْتَقَةِ مِنْ عَبْدٍ (بِسَهْمٍ فَلَمْ يَقَعُ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ أَبُوهُ فَأَرْشُهَا) أَيْ الْجِنَايَةُ (فِي مَالِهِ) أَيْ الْجَانِي لَا يَحْمِلُهُ أَحَدٌ لِمَا سَبَقَ فِي تَغَيُّرِ الدِّينِ.

[فَصْلٌ فِيمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ]

(فَصْلٌ) فِيمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ (وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا مَحْضًا وَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْقِصَاصُ كَالْجَائِفَةِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ «لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا» وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَيَكُونَ كَالْإِجْمَاعِ: وَعَنْ عُمَرَ نَحْوُهُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ «مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ دِيَةِ الْعَمِّ إلَّا أَنْ تَشَاءَ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَلِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ إنَّمَا هُوَ مُوَاسَاةٌ لِلْعُذْرِ وَالْعَامِدُ لَيْسَ بِمَعْذُورٍ (وَلَا) تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ (عَبْدًا قَتَلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً) وَلَا دِيَةَ (طَرَفِهِ وَلَا جِنَايَتِهِ) لِمَا سَبَقَ (وَلَا) تَحْمِلُ (قِيمَةَ دَابَّةٍ) كَالْعَبْدِ (وَلَا) تَحْمِلُ (صُلْحَ إنْكَارٍ وَلَا) تَحْمِلُ (اعْتِرَافًا بِأَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِجِنَايَةٍ خَطَأٍ أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ تُوجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ إنْ لَمْ تُصَدِّقهُ الْعَاقِلَةُ) لِمَا سَبَقَ.
(وَلَا) تَحْمِلُ (مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ وَهِيَ دِيَةُ الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) لِقَضَاءِ عُمَرَ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ شَيْئًا حَتَّى يَبْلُغَ عَقْلَ الْمَأْمُومَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْجَانِي لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ، فَكَانَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ لَكِنْ خُولِفَ فِي الثُّلُثِ لِإِجْحَافِهِ بِالْجَانِي لِكَثْرَتِهِ فَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ وَالثُّلُثُ حَدُّ الْكَثِير لِلْخَبَرِ (إلَّا غُرَّةُ جَنِينٍ مَاتَ مَعَ أُمِّهِ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٌ أَوْ) مَاتَ (بَعْدَ مَوْتِهَا) لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَاحِدَةٌ فَتَبِعَهَا مَعَ زِيَادَتِهَا مَعَ الثُّلُثِ وَ (لَا) تَحْمِلُ الْغُرَّةَ إنْ مَاتَ الْجَنِينُ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ أُمِّهِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنَايَةِ فَلَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ (لِنَقْصِهِ عَنْ الثُّلُثِ) وَلَا تَبَعِيَّةَ لِمَوْتِهِ قَبْلَهَا (فَهَذَا كُلُّهُ) أَيْ الْعَمْدُ الْمَحْضُ وَقِيمَةُ الدَّابَّةِ وَصُلْحِ الْإِنْكَارِ وَالِاعْتِرَافِ وَمَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ (فِي مَالِ الْجَانِي حَالًا) لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَانِي حَالًا لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفِ قِيمَةِ الْمَتَاعِ خُولِفَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ لِدَلِيلِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَتَحْمِلُ) الْعَاقِلَةُ (دِيَةَ الْمَرْأَةِ) الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهَا نِصْفُ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ بِخِلَافِ دِيَةِ الْكَافِرَةِ فَلَا تَحْمِلُهَا لِأَنَّهَا دُونَ الثُّلُثِ (وَتَحْمِلُ) الْعَاقِلَةُ (مِنْ جِرَاحِهَا) أَيْ الْمُسْلِمَةِ (مَا يَبْلُغُ أَرْشُهُ ثُلُثَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ فَأَكْثَر كَدِيَةِ أَنْفِهَا) لِأَنَّ فِيهِ دِيَتَهَا وَهِيَ نِصْفُ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ وَ (لَا) فَتَحْمِل دِيَةَ (يَدِهَا) لِأَنَّهَا نِصْفُ دِيَتِهَا وَهِيَ الرُّبْعُ (وَكَذَا حُكْمُ الْكِتَابِيِّ) فَتَحْمِلُ دِيَتَهُ وَمَا يَبْلُغُ أَرْشُهُ مِنْ جِرَاحَةِ

ثُلُثِ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ كَأَنْفِهِ وَلِسَانِهِ لَا يَدِهِ وَرِجْلِهِ (وَلَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ لِأَنَّهَا دُونَ الثُّلُثِ وَتَحْمِلُ) الْعَاقِلَةُ (شِبْهَ الْعَمْدِ كَالْخَطَأِ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ» الْحَدِيثَ، وَتَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا كَالْخَطَإِ.
(وَمَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ) لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مِنْ الشَّرْعِ وَلَمْ يَرِد بِهِ (وَتَرْجِعُ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فَيَحْمِلُ كُلُّ إنْسَانٍ مَا يَسْهُلُ) عَلَيْهِ (وَلَا يَشُقُّ) لِأَنَّ التَّحَمُّلَ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْ الْجَانِي مَا يَثْقُلُ عَلَى غَيْرِهِ وَلِأَنَّ الْإِجْحَافَ وَلَوْ كَانَ مَشْرُوعًا كَانَ الْجَانِي أَحَقَّ بِهِ (وَيَبْدَأُ) الْحَاكِمُ (بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ كَعَصَبَاتٍ فِي مِيرَاثٍ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ بَعِيدٍ لِغَيْبَةِ قَرِيبٍ) لِمَحَلِّ الضَّرُورَةِ (فَإِنْ اتَّسَعَتْ أَمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا) أَيْ الدِّيَةَ (لَمْ يَتَجَاوَزهُمْ) أَيْ لَمْ يَنْتَقِلُ لِغَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَحَقُّ بِالتَّعْصِيبِ فَتَقَدَّمَ الْأَقْرَبُ كَالْمِيرَاثِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَتَّسِعْ أَمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا (انْتَقَلَ إلَى مَنْ يَلِيهِمْ) لِأَنَّ الْأَقْرَبِينَ لَوْ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ تَعَلَّقَتْ الدِّيَةُ بِمَنْ يَلِيهِمْ فَكَذَا إذَا تَحَمَّلَ الْأَقْرَبُونَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَبَقِيَتْ بَقِيَّةُ (فَيَبْدَأُ بِالْآبَاءِ ثُمَّ بِالْأَبْنَاءِ) الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْإِنْصَافِ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْأَبْنَاءِ ثُمَّ بِالْآبَاءِ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَلَامَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (ثُمَّ بِالْإِخْوَةِ) يُقَدِّمُ مَنْ يُدْلِي بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِأَبٍ (ثُمَّ بَنِيهِمْ) كَذَلِكَ (ثُمَّ أَعْمَامِ بَنِيهِمْ) كَذَلِكَ ثُمَّ أَقَارِبِ الْأَبِ ثُمَّ بَنِيهِمْ كَذَلِكَ (ثُمَّ أَعْمَامِ الْجَدِّ ثُمَّ بَنِيهِمْ كَذَلِكَ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمُنَاسِبُونَ) أَيْ الْعَصَبَةُ مِنْ النَّسَبِ (فَعَلَى الْمَوْلَى الْمُعْتَقِ ثُمَّ عَلَى عَصَبَاتِهِ) الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبِ كَالْمِيرَاثِ (فَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ) لِلْجَانِي (امْرَأَةً حَمَلَ عَنْهَا جِنَايَةَ عَتِيقهَا مَنْ يَحْمِلُ جِنَايَتَهَا مِنْ عَصَبَاتِهَا) كَالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ.
وَقَوْلُهُ حَمَلَ عَنْهُ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَلَاءَ لَهُمْ مِنْ جَرَّائِهَا وَنَسَبِهَا وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ ابْتِدَاءً لَا عَلَيْهَا ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إلَيْهِمَا (ثُمَّ عَلَى مَوْلَى الْمَوْلَى) أَيْ مُعْتِقِ الْمُعْتِق (ثُمَّ عَلَى عَصَبَاتِهِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبِ) مِنْ النَّسَبِ ثُمَّ مِنْ الْوَلَاءِ (كَالْمِيرَاثِ سَوَاءٌ فَيُقَدِّمُ مَنْ يُدْلِي بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِأَبٍ) مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ (وَإِنْ تَسَاوَى جَمَاعَةٌ فِي الْقُرْبِ وَكَثُرُوا) كَالْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (وَزَّعَ مَا يَلْزَمهُمْ بَيْنَهُمْ) كَالْمِيرَاثِ (وَمَنْ صَارَ أَهْلًا عِنْدَ الْحَوْلِ، وَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا عِنْدَ الْوُجُوبِ كَفَقِيرٍ يَسْتَغْنِي وَصَبِيٍّ يَبْلُغُ وَمَجْنُونٍ يُفِيقُ دَخَلَ فِي التَّحَمُّلِ) لِأَنَّهُ فِي وَقْت الْوُجُوبِ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ أَشْبَهَ مَنْ كَانَ مِنْ ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ كَذَلِكَ (وَعَاقِلَةُ ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ) الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ وَوَلَدِ الزِّنَا (عَصَبَةُ أُمِّهِ) لِأَنَّهُمْ عَصَبَتُهُ الْوَارِثُونَ لَهُ.

[فَصْلٌ وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ]

(فَصْلٌ وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) لِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي دِيَة الْخَطَإِ وَلَمْ يُعْرَف لَهُمَا مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (فِي آخِر كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثَهُ إنْ كَانَ) الْوَاجِبُ (دِيَةً كَامِلَةً كَدِيَةِ النَّفْسِ أَوْ) دِيَةِ (طَرَف كَالْأَنْفِ) لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّح لِبَعْضِ السِّنِينَ عَلَى بَعْضٍ وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، فَلَمْ يَجِبُ حَالًّا كَالزَّكَاةِ (وَإِنْ كَانَ) الْوَاجِبُ (الثُّلُثُ كَدِيَةِ الْمَأْمُومَةِ) وَالْجَائِفَةِ (وَجَبَ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى) وَلَمْ يَجِبْ مِنْهُ شَيْءٌ حَالًّا لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ حَالًّا (وَإِنْ كَانَ) الْوَاجِبُ (نِصْفَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ كَدِيَةِ الْيَدِ) مِنْ الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ (وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ) الْمُسْلِمَةِ وَدِيَةُ (الْكِتَابِيِّ أَوْ) كَانَ الْوَاجِبُ (ثُلُثَيْهَا كَدِيَةِ الْمَنْخِرَيْنِ) دُون الْحَاجِزِ (وَجَبَ الثُّلُثُ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى) لِأَنَّهُ قَدْرُ مَا يُؤَدَّى مِنْ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ فَوَجَبَ لِتَسَاوِيهِمَا فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ (وَ) وَجَبَ (الثُّلُثُ الثَّانِي أَوْ السُّدُسُ الْبَاقِي مِنْ النِّصْف فِي آخِرِ) السَّنَة (الثَّانِيَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَحِلُّ الْقِسْطِ الثَّانِي مِنْ الْكَامِلَةِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْوَاجِبُ (أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ مِثْل أَنْ أَذْهَبَ سَمْعَ إنْسَانٍ وَبَصَرهُ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ فَفِي سِتّ سِنِينَ) فَيُؤْخَذُ (فِي كُلّ سَنَةٍ ثُلُث) دِيَةٍ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَوْ كَانَ دُونَ الدِّيَةِ لَمْ يَنْقُصْ فِي السَّنَةِ عَنْ الثُّلُثِ، فَكَذَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ (وَكَذَا أَوْ قَتَلَتْ الضَّرْبَةُ الْأُمَّ وَجَنِينَهَا بَعْدَ مَا اسْتَهَلَّ) لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ فَفِيهِمَا دِيَتُهَا وَدِيَةُ الْجَنِينِ (لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى ثُلُثِ دِيَةٍ) كَامِلَةٍ لِأَنَّهُمَا كَالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ.
(وَإِنْ قَتَلَ اثْنَيْنِ) وَلَوْ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ فَدِيَتُهُمَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ دِيَةٌ فَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَهَا كَمَا انْفَرَدَ حَقُّهُ (أَوْ أَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِجِنَايَتَيْنِ فَدِيَتُهُمَا) أَيْ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ (فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) فَيُؤْخَذُ (مِنْ كُلِّ دِيَةٍ ثُلُثٌ) لِأَنَّهَا مِنْ جِنَايَتَيْنِ أَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ مِنْهُمَا (وَابْتِدَاءُ الْحَوْل فِي الْجَرْحِ مِنْ حِينِ الِانْدِمَالِ) لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِهِ.
(وَ) ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ (فِي الْقَتْلِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ سَوَاءٌ كَانَ قَتْلًا مُوحِيًا أَوْ عَنْ سِرَايَةِ جَرْحٍ) لِأَنَّهُ حَالَةُ الْوُجُوبِ (وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْعَاقِلَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ افْتَقَرَ أَوْ جُنَّ) مِنْهُمْ قَبْلَ الْحَوْلِ (لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ مِنْ مَالٍ يَجِبُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ أَشْبَهَ الزَّكَاةَ (وَإِنْ مَاتَ) مِنْ الْعَاقِلَة أَحَدٌ (بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يَسْقُطْ) مَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَدْخُلهُ النِّيَابَةُ لَا يَمْلِك إسْقَاطَهُ فِي حَيَاتِهِ أَشْبَهَ الدَّيْنَ، وَلِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ لِحَوَلَانِ الْحَوْلِ فَلَمْ يَسْقُطْ كَالزَّكَاةِ وَكَذَا لَوْ جُنَّ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَأَمَّا

لَوْ افْتَقَرَ فَفِيهِ نَظَرٌ.
(وَعَمْدُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ خَطَأٌ تَحْمِلهُ الْعَاقِلَةُ) لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ كَمَالُ الْقَصْدِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَخَطَإِ الْبَالِغ وَلِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ فَحَمَلَتْهُ غَيْرُهُ (وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ) .

[بَابُ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ]

(بَابُ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ) الْكَفَّارَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْكُفْرِ وَهُوَ السَّتْرُ لِأَنَّهَا تُغَطِّي الذَّنْبَ وَتَسْتُرهُ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِجْمَاعُ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: 92] الْآيَةَ فَذَكَرَ فِي الْآيَةِ ثَلَاثَ كَفَّارَاتٍ إحْدَاهُنَّ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خَطَأً الثَّانِيَةُ بِقَتْلِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ لَا يُعْرَفُ إيمَانُهُ الثَّالِثَةُ بِقَتْلِ الْمُعَاهَدِ وَهُوَ الذِّمِّيُّ (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً أَوْ شَارَكَ فِيهَا وَلَوْ نَفْسَهُ أَوْ قِنَّهُ أَوْ مُسْتَأْمَنًا أَوْ مُعَاهَدًا خَطَأً) لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ) لِأَنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرَاهُ فِي عَدَمِ الْقِصَاصِ فَكَذَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي الْكَفَّارَةِ (أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ) لِمَا سَبَقَ (أَوْ قَتَلَ بِسَبَبٍ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ كَحَفْرِ بِئْرٍ وَنَصْبِ سِكِّينٍ وَشَهَادَة زُورٍ) . وَ (لَا) كَفَّارَةَ (فِي قَتْلِ عَمْدٍ مَحْضٍ) لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: 92] وَسَوَاءٌ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ أَوْ غَيْرِهِ (وَلَا) كَفَّارَةَ أَيْضًا (فِي قَتْلِ أَسِيرٍ حَرْبِيٍّ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامُ فَقَتَلَهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامُ.
(وَلَا فِي قَتْلِ نِسَاءِ حَرْبٍ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَلَا) فِي قَتْلِ (مَنْ لَمْ تَبْلُغهُ الدَّعْوَةُ إنْ وُجِدَ) فَيَحْرُم قَتْلُهُ قَبْلَ الدَّعْوَةِ وَلَا كَفَّارَةَ لِأَنَّهُ لَا إيمَانَ لَهُمْ وَلَا أَمَانَ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْقَاتِلِ أَوْ الْمُشَارِكِ فِي سِوَى مَا اُسْتُثْنِيَ (كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ فِي مَالِهِ وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ إمَامًا فِي خَطَأٍ يَحْمِلهُ بَيْتُ الْمَالِ) فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ لَا فِي بَيْتِ الْمَالِ (أَوْ) كَانَ الْقَاتِلُ (كَافِرًا) فَتَجِبُ عُقُوبَةٌ لَهُ كَالْحُدُودِ (وَهِيَ) أَيْ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ (عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَاضِلَةً كَمَا تَقَدَّمَ (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) لِلْآيَةِ (وَتَقَدَّمَ حُكْمُهَا عِنْدَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَة أَشْبَهَ قَتْلَ الْآدَمِيِّ بِالْمُبَاشَرَةِ

وَكَالْمَوْلُودِ.
وَ (لَا) تَجِبُ كَفَّارَةٌ (بِإِلْقَاءِ مُضْغَةٍ) لَمْ تَتَصَوَّر لِأَنَّهَا لَيْسَتْ نَفْسًا (وَإِنْ قَتَلَ جَمَاعَةً) أَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِهِمْ (لَزِمَهُ كَفَّارَاتٌ) بِعَدَدِهِمْ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالدِّيَةِ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ (سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا مَضْمُونًا) كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ لِأَنَّهُ مَقْتُولٌ ظُلْمًا فَوَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمُسْلِمِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ (حُرًّا أَوْ عَبْدًا) لِعُمُومِ " وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً " وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ (صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى) لِمَا سَبَقَ (وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِل كَبِيرًا عَاقِلًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى) لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ فَتَعَلَّقَتْ بِهِمْ كَالدِّيَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عِبَادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ وَهَذِهِ مَالِيَّةٌ أَشْبَهَتْ نَفَقَةَ الْأَقَارِب.
(وَلَا يَجِبُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ) لِأَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ تَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ وَلَا قَوْلَ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَهَذِهِ تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ وَفِعْلُهُمَا مُتَحَقِّقٌ وَيَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ بِدَلِيلِ إحْبَالِهَا (وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ بِالصِّيَامِ) لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا مُكَاتَبًا لِأَنَّ مِلْكَهُ ضَعِيفٌ (وَيَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ وَيُكَفِّرُ مِنْ مَالِ غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَلِيُّهُ) كَإِخْرَاجِ زَكَاةٍ وَيُكَفِّرُ سَفِيهٌ بِصَوْمٍ كَمُفْلِسٍ (وَمَنْ رَمَى فِي دَارِ الْحَرْب مُسْلِمًا يُعْتِقُهُ كَافِرًا أَوْ رَمَى إلَى صَفِّ الْكُفَّارَ فَأَصَابَ فِيهِمْ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ٍ﴾ [النساء: 92] وَلَا دِيَة كَمَا تَقَدَّمَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ (وَلَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِ مُبَاحٍ كَقَتْلِ حَرْبِيٍّ وَبَاغٍ وَصَائِلٍ وَزَانٍ مُحْصَنٍ وَقَتْلِ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا) لِأَنَّهُ قَتْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ وَالْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ لِمَحْوِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
(وَلَا) كَفَّارَةَ (فِي قَطْعِ طَرَفٍ) كَأَنْفٍ وَيَدٍ (وَ) لَا فِي (قَتْلِ بَهِيمَةٍ) لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ وَقَتْلُ الْخَطَإِ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا إبَاحَةٍ لِأَنَّهُ كَقَتْلِ الْمَجْنُونِ لَكِنْ النَّفْسُ الذَّاهِبَةُ بِهِ مَعْصُومَةٌ مُحَرَّمَةٌ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِيهَا وَقَالَ قَوْمٌ الْخَطَأُ مُحَرَّمٌ وَلَا إثْمَ فِيهِ وَلَا تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ قَاتِلًا حَرْبِيًّا ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ (وَأَكْبَرُ الذُّنُوبِ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ ثُمَّ الْقَتْلُ ثُمَّ الزِّنَا) لِلْخَبَرِ.

[بَابُ الْقَسَامَةِ]

(بَابُ الْقَسَامَةِ) اسْم لِلْقَسَمِ أُقِيم مَقَامُ الْمَصْدَر مِنْ أَقْسَمَ إقْسَامًا وَقَسَامَةً فَهِيَ الْأَيْمَانُ إذَا كَثُرَتْ عَلَى وَجْهِ

الْمُبَالَغَةِ (وَهِيَ) شَرْعًا (أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومُ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِف أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّة الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ اهـ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْأَنْصَارِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ (وَلَا تَثْبُتُ) الْقَسَامَةُ (إلَّا بِشُرُوطٍ) أَرْبَعَةٍ بَلْ عَشَرَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي: (أَحَدُهَا دَعْوَى الْقَتْلِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ) لِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ لَا يَثْبُتُ لِشَخْصٍ إلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَهُ وَالْقَتْلُ مِنْ الْحُقُوقِ (عَلَى وَاحِدٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ ضَعِيفَة خُولِفَ بِهَا الْأَصْلُ لِدَلِيلٍ فِي الْوَاحِدِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ وَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ مَا عَدَاهُ (مُعَيَّنٍ) لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ عَلَى الْمُبْهَمِ (مُكَلَّفٍ) لِتَصِحَّ الدَّعْوَى (ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ مُلْتَزِمٍ) لِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ كَالذِّمِّيِّ لِعُمُومِ قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ " وَالْأُنْثَى كَالذَّكَرِ (ذَكَرًا كَانَ الْمَقْتُول أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا) لِأَنَّهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فَشُرِعَتْ الْقَسَامَةُ فِيهِ كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَلِأَنَّ مَا كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ (وَيُقْسِمُ عَلَى الْعَبْدِ) الْمَقْتُولِ (سَيِّدُهُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ وَارِثه (وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ) قَبْلَ وُجُودِهَا (كَالْقِنِّ) لِيُقْسِمَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ.
قُلْتُ وَالْمُبَعَّض يُقْسِم عَلَيْهِ وَارِثُهُ وَسَيِّدُهُ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ (فَإِنْ قُتِلَ عَبْدًا لِمُكَاتِبٍ فَلِلْمُكَاتِبِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْجَانِي) بِشُرُوطِهِ لِأَنَّهُ سَيِّدُ الْمَقْتُولِ (وَإِنْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ (قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ) الْجَانِي (فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُقْسِمَ) عَلَيْهِ لِعَوْدِهِ إلَيْهِ هُوَ وَمَا كَانَ بِيَدِهِ (وَلَوْ اشْتَرَى) الْعَبْدُ (الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَة عَبْدًا أَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ عَبْدًا فَقُتِلَ فَالْقَسَامَةُ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ الْمَالِكُ (دُونَهُ) أَيْ الْمَأْذُونُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَلَوْ مَلَكَ (وَلَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْجِرَاحِ وَالْأَطْرَافِ وَالْمَالِ غَيْرَ الْعَبْدِ) لِأَنَّ الْقَسَامَةَ ثَبَتَتْ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا فَاخْتَصَّتْ بِهَا كَالْكَفَّارَةِ (وَالدَّعْوَى فِيهَا كَ) الدَّعْوَى فِي (سَائِرِ الْحُقُوقِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً) لِأَنَّهَا دَعْوَى لَا قَسَامَةَ فِيهَا فَلَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ.
(وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الْقَتْلَ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ قَتِيلٍ وَلَا عَدَاوَةَ) فَالْبَيِّنَة عَلَيْهِ وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ يَمِينًا وَاحِدَةً لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ كَغَيْرِهِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ) لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا فِي مَالِهِمَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ.
(وَ) الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ كَغَيْرِهِ فِي (الدَّعْوَى عَلَيْهِ) بِالْقَتْلِ (إلَّا أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِمَالٍ أَوْ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ بِالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَلْزَمهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ) لِاحْتِمَالِ التَّوَاطُؤِ وَيُتْبَعُ بِذَلِكَ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ (وَلَوْ جُرِحَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ وَمَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ فَلَا قَسَامَةَ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ.
(وَإِنْ مَاتَ) الْمَجْرُوحُ (مُسْلِمًا فَارْتَدَّ وَارِثُهُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ فَلِذَلِكَ) أَيْ لَا قَسَامَةَ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ لِمَا لَهُ إمَّا أَنْ يَزُولَ أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا وَحُقُوقُ الْمَالِ لَهَا حُكْمُهُ فَإِنْ قُلْنَا بِزَوَالِ مِلْكِهِ فَلَا حَقَّ لَهُ وَإِنْ قُلْنَا مَوْقُوفٌ فَهُوَ قَبْلَ انْكِشَافِ حَالِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِشَيْءٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ خُصُوصًا قَتْلَ مُسْلِمٍ (وَإِنْ ارْتَدَّ) الْوَارِثُ (قَبْلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ كَانَتْ الْقَسَامَةُ لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُرْتَدِّ (مِنْ الْوَارِثِ) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ كَالْعَدَمِ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِهِ فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قَسَامَةِ غَيْرِهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَة قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ) أَيْ الْمُرْتَدُّ (فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ) لِعَدَمِ الْوَارِث الْخَاصِّ (وَإِنْ ارْتَدَّ رَجُلٌ فَقُتِلَ عَبْدُهُ أَوْ ارْتَدَّ) السَّيِّدُ.
(فَإِنْ عَادَ) السَّيِّدُ (إلَى الْإِسْلَامِ فَلَهُ الْقَسَامَةُ) كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ بِأَنْ قُتِلَ لِلرِّدَّةِ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ مَاتَ مُرْتَدًّا (فَلَا) قَسَامَةَ لِعَدَمِ الْوَارِثِ الْخَاصِّ.

[فَصْلٌ اللَّوْثُ وَلَوْ فِي الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ]

(فَصْلٌ) الشَّرْطُ (الثَّانِي اللَّوْثُ وَلَوْ فِي الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ وَاللَّوْثُ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ كَنَحْوِ مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ وَكَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ وَمَا بَيْنَ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْقُرَى الَّذِينَ بَيْنَهُمْ الدِّمَاءُ وَالْحُرُوبُ وَمَا بَيْنَ الْبُغَاةِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ وَمَا بَيْنَ الشُّرَط) بِوَزْنِ رُطَب أَعْوَانُ السُّلْطَانِ الْوَاحِدِ شُرْطَة كَغُرْفَةِ وَشُرْطِيِّ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَاللُّصُوصُ) جَمْعُ لِصٍّ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ السَّارِقُ وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ وَالْمُخْتَلِسُ وَبَاطُّ الصَّفَنِ وَنَحْوِهِ.
(وَكُلُّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقْتُولِ ضِغْنٌ) أَيْ حِقْدٌ (يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ قَتْلَهُ) لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنْ لَا تُشَرِّعَ الْقَسَامَةُ تَرْكَ الْعَمَل بِهِ فِي الْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ لِقِصَّةِ الْأَنْصَارِيِّ فِي الْقَتِيلِ بِخَيْبَرَ وَلَا يَجُوز الْقِيَاسُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ بِالْمَظِنَّةِ وَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي الْمَظَانِّ لِعَدَمِ التَّسَاوِي بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْمُقْتَضَى.
(قَالَ الْقَاضِي

يَجُوز لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى الْقَاتِلِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ وَإِنْ كَانُوا غَائِبِينَ عَنْ مَكَانِ الْقَتْلِ لِأَنَّ) النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْأَنْصَارِ «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» وَكَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَالْقَتِيلُ بِخَيْبَرَ وَلِأَنَّ (لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ كَمَا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مِنْ إنْسَانِ شَيْئًا فَجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيهِ جَازَ) لِلْمُشْتَرِي (أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (لَا يَسْتَحِقُّهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِلْكٌ الَّذِي بَاعَهُ) لَهُ.
(وَكَذَلِكَ) فِي الْحَلِفِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ (إذَا وَجَدَ شَيْئًا بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ أَبِيهِ فِي دَفْتَرِهِ جَازَ أَنْ يَحْلِفَ) إذَا عُلِمَ مِنْهُ الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ وَإِنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا (وَكَذَلِكَ) فِي الْحَلِفِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ (إذَا بَاعَ شَيْئًا لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ عَيْبًا فَادَّعَى عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَعِيبٌ وَأَرَادَ رَدّه كَانَ لَهُ) أَيْ الْبَائِعُ (أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ بَاعَهُ بَلْ يَأْمَنُ الْعَيْبَ) عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَقْبَل قَوْلَ الْبَائِعِ وَالْمَذْهَبُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي) لِلْقَتْلِ (إلَّا بَعْدَ الِاسْتِثْبَاتِ وَغَلَبَةِ ظَنٍّ تُقَارِبُ الْيَقِينَ) وَلِذَلِكَ لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَاتُّهِمَتْ الْيَهُودُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ لِقَاتِلِكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ» . (وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَعِظَهُمْ) وَيَقُولُ لَهُمْ اتَّقُوا اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: 77] الْآيَةَ (وَيُعَرِّفهُمْ مَا فِي الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ) مِنْ الْإِثْمِ وَإِنَّهَا تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ (وَيَدْخُلُ فِي اللَّوْث لَوْ حَصَلَ عَدَاوَةٌ بَيْن سَيِّدِ عَبْدٍ) وَغَيْرِهِ فَقَتَلَ الْعَبْدَ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى عَدُوِّهِ (وَ) يَدْخُلُ فِيهَا اللَّوْثُ أَيْضًا لَوْ حَصَلَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ (عَصَبَتِهِ) وَغَيْرِهِمْ وَقُتِلَ فَلِعَصَبَتِهِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمَقْتُولِ وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ اكْتِفَاءً بِمَا بَيْن عَصَبَتِهِ وَبَيْنَهُمْ وَكَذَا لَوْ حَصَلَتْ عَدَاوَةٌ بَيْن سَيِّدٍ وَعَبْدِهِ (فَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي صَحْرَاءَ وَلَيْسَ مَعَهُ غَيْرَ عَبْدِهِ كَانَ ذَلِكَ لَوْثًا فِي حَقِّ الْعَبْدِ) . قُلْتُ لَعَلَّ الْمُرَادَ إنْ كَانَ عَدَاوَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَإِلَّا فَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ (وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ الْقَسَامَةُ) عَلَى الْعَبْدِ بِبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَة) بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَالْمَقْتُولُ أَوْ عَصَبَتِهِ أَوْ سَيِّدِهِ وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ أَوْ كَانَتْ عَصَبَتُهُ مِنْ غَيْرِ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ (أَوْ وُجِدَ قَتِيلًا عِنْد مَنْ مَعَهُ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ أَوْ فِي زِحَامٍ أَوْ شَهَادَةِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِمْ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْفُسَّاق أَوْ) شَهِدَ بِالْقَتْلِ (عَدْلٌ وَاحِدٌ وَفَسَقَةٌ أَوْ تَفَرَّقَ فِئَتَانِ عَنْ قَتِيلٍ أَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ) عَدْلَانِ (عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ

قَتَلَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْقَتِيلَيْنِ أَوْ شَهِدَ) أَيْ الرَّجُلَانِ (أَنَّ هَذَا الْقَتِيلُ قَتَلَهُ أَحَدُ هَذَيْنِ أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ إنْسَانًا قَتَلَهُ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ) لَمْ يَثْبُتْ الْقَتْلُ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لَوْثًا وَالْمَنْصُوص يُثْبِتُ الْقَتْلَ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ.
(أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الرَّجُلَيْنِ عَلَى الْقَاتِلِ (أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ وَ) شَهِدَ (الْآخَرُ) أَنَّهُ قَتَلَهُ (بِسِكِّينٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِلَوْثٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ» الْخَبَرَ (وَلَا يُشْتَرَطُ) لِلْقَسَامَةِ (مَعَ الْعَدَاوَةِ) الظَّاهِرَةِ (أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بِهِ الْقَتْلُ غَيْرُ الْعَدُوِّ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلْ الْأَنْصَارَ هَلْ كَانَ بِخَيْبَرَ غَيْرَ الْيَهُودِ أَمْ لَا مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُ غَيْرِهِمْ فِيهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمْلَاكًا لِلْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُونَهَا لِأَخْذِ غِلَالِ أَمْلَاكِهِمْ (وَلَا) يُشْتَرَط لِلْقَسَامَةِ أَيْضًا (أَنْ يَكُونَ بِالْقَتِيلِ أَثَرُ الْقَتْلِ كَدَمٍ فِي أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلْ الْأَنْصَارَ هَلْ بِقَتِيلِهِمْ أَثَرٌ أَمْ لَا مَعَ أَنَّ الْقَتْلَ يَحْصُلُ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ كَضَمِّ الْوَجْهِ (وَقَوْل الْقَتِيل قَتَلَنِي فُلَانٌ لَيْسَ بِلَوْثٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ» الْخَبَرَ، وَأَمَّا قَوْلُ قَتِيلِ بَنِي إسْرَائِيلَ فُلَانٌ قَتَلَنِي فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ قَسَامَةُ بَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَمُعْجِزَاتِ نَبِيِّهِ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَلِكَ فِي تَبْرِئَةِ الْمُتَّهَمِينَ فَلَا يَجُوزُ تَعْدِيَتُهُ إلَى تُهْمَةِ الْبَرِيئِينَ.
(وَمَتَى ادَّعَى) أَحَدٌ (الْقَتْلَ عَمْدًا أَوْ غَيْرَهُ) مَعَ عَدَمِ لَوْثٍ (أَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَوْضِعٍ فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى قَاتِل مَعَ عَدَم اللَّوْث) أَيْ عَلَى أَحَد أَنَّهُ قَتَلَهُ (حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً وَبَرِئَ) وَكَذَا لَوْ ادَّعَوْا عَلَى جَمَاعَةٍ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ حُكِمَ بِهَا وَالتَّحْلِيفُ فِي إنْكَارِ دَعْوَى الْعَمْدِ رِوَايَةٌ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَالْقَوْلُ بِالْحَلِفِ هُوَ الْحَقُّ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْن الْبَنَّاءِ وَغَيْرِهِمْ وَالرِّوَايَة الثَّانِيَةُ لَا يَمِينَ وَلَا غَيْرَهُ قَطَعَ بِهَا الْخِرَقِيُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهِيَ أَشْهَرُ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ وَقَدَّمَهَا فِي الْمُنْتَهَى (وَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَحْلِفُ (لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالْقَوَدِ) لِأَنَّهُ كَالْحَدِّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ (بَلْ) يَقْضِي عَلَيْهِ (بِدِيَةِ) الْقَتْلِ.

[فَصْلٌ اتِّفَاقُ الْأَوْلِيَاءِ فِي الدَّعْوَى]

(فَصْلٌ) الشَّرْطُ (الثَّالِثُ اتِّفَاقُ الْأَوْلِيَاءِ فِي الدَّعْوَى) لِأَنَّهَا دَعْوَى قَتْلٍ فَاشْتُرِطَ اتِّفَاقُ جَمِيعُهُمْ فِيهَا كَالْقِصَاصِ (فَإِنْ كَذَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَقَالَ أَحَدُهُمْ قَتَلَهُ هَذَا وَقَالَ آخَرُ لَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا أَوْ) قَالَ (بَلْ قَتَلَهُ هَذَا لَمْ تَثْبُتْ الْقَسَامَةُ عَدْلًا كَانَ الْمُكَذِّبُ أَوْ فَاسِقًا لِعَدَمِ التَّعْيِينِ) أَيْ لِعَدَمِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ (فَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى) بِالْقَتْلِ (عَلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ أَوْ) أَهْلِ (مَحَلَّةٍ أَوْ) عَلَى (وَاحِدٍ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَمْ تُسْمَعْ) الدَّعْوَى لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى (فَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ) أَيْ الْمُدَّعَى (أَحَدُهُمْ وَلَمْ يُوَافِقْهُ فِي الدَّعْوَى مِثْلَ أَنْ قَالَ أَحَدُهُمْ قَتَلَهُ هَذَا وَقَالَ الْآخَرَ لَا نَعْلَمُ قَاتِلَهُ لَمْ تَثْبُتْ) الْقَسَامَةُ (أَيْضًا) لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى عَيْنِ الْقَاتِلِ فَلَمْ تَثْبُتْ الْقَسَامَةُ كَمَا لَوْ كَذَّبَهُ وَلِأَنَّ الْحَقَّ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِأَيْمَانِهِمَا الَّتِي أُقِيمَتْ مَقَامَ الْبَيِّنَة وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ فِي الْأَيْمَانِ كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى.
(وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَحَد الْوَلِيَّيْنِ غَائِبًا فَادَّعَى الْحَاضِرُ دُونَ الْغَائِبِ) لَمْ يَثْبُتْ الْقَتْلُ (أَوْ ادَّعَيَا) أَيْ الْوَلِيَّانِ (جَمِيعًا عَلَى) شَخْصٍ (وَاحِدٍ وَنَكَل أَحَدُهُمَا عَنْ الْأَيْمَانِ لَمْ يَثْبُتْ الْقَتْلُ) لِعَدَمِ الْأَيْمَانِ مِنْهُمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ فِيهَا (وَإِذَا قَالَ الْوَلِيُّ بَعْدَ الْقَسَامَةِ غَلِطْتُ مَا هَذَا) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (الَّذِي قَتَلَهُ) بَطَلَتْ الْقَسَامَةُ (أَوْ) قَالَ الْوَلِيُّ بَعْدَ الْقَسَامَةِ (ظَلَمْتُهُ بِدَعَاوَى الْقَتْلِ عَلَيْهِ) بَطَلَتْ الْقَسَامَةُ لِاعْتِرَافِ الْوَلِيِّ بِذَلِكَ (أَوْ) قَالَ الْوَلِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ (كَانَ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي بَلَد آخَرَ يَوْمَ قُتِلَ وَلِيِّي وَكَانَ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ لَا يُمْكِنْهُ) أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَنْ يَقْتُلَهُ إذَا كَانَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ (بَطَلَتْ الْقَسَامَةُ) لِاعْتِرَافِهِ بِكَذِبِ نَفْسِهِ (وَلَزِمَهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (رَدّ مَا أَخَذَهُ) لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
(وَإِنْ قَالَ) الْوَلِيُّ (مَا أَخَذْتُهُ حَرَامٌ سُئِلَ) الْوَلِيُّ (عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ أَنِّي كَذَبْتُ فِي دَعْوَايَ عَلَيْهِ بَطَلَتْ الْقَسَامَةُ أَيْضًا) لِاعْتِرَافِهِ بِالْكَذِبِ (وَإِنْ قَالَ) الْوَلِيُّ (أَرَدْتُ) بِقَوْلِي مَا أَخَذْتُهُ حَرَامٌ (أَنَّ الْأَيْمَانَ تَكُونُ فِي جَنَبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ فِي جِهَتِهِ (لَمْ تَبْطُلْ) دَعْوَاهُ بِذَلِكَ (وَإِنْ قَالَ) الْوَلِيُّ (هَذَا) أَيْ الْمَالُ (مَغْصُوبٌ وَأَقَرَّ بِمَنْ غَصَبَهُ مِنْهُ لَزِمَهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (رَدُّهُ) أَيْ رَدّ مَا أَخَذَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ مِنْهُ إنْ صَدَّقَهُ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْهُ) أَنَّهُ كَانَ

غَصَبَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ خِلَافَهُ فَلَا يُطَالِبُهُ بِبَدَلِهِ.
(وَإِنْ) قَالَ الْوَلِيُّ هَذَا حَرَامٌ (لَمْ يُقِرُّ بِهِ لِأَحَدٍ لَمْ تُرْفَعْ يَدُهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ مُسْتَحِقُّهُ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (فِي مُرَادِهِ) بِقَوْلِهِ: هَذَا حَرَامٌ لِأَنَّهُ أَدْرَى (وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) بِالْقَتْلِ (بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَتْلِ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنْ بَلَدِ الْمَقْتُولِ لَا يُمْكِنُهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مَجِيئُهُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى بَلَدِ الْمَقْتُولِ (فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بَطَلَتْ الدَّعْوَى) لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقَتْلِ مِنْهُ إذَنْ (وَإِنْ قَالَتْ بَيِّنَةٌ نَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا لَمْ يَقْتُلْهُ لَمْ تُسْمَعْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ) كَمَا لَوْ شَهِدْت أَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى نَفْيٍ غَيْرَ مَحْصُورٍ (فَإِنْ قَالَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (مَا قَتَلَهُ فُلَانٌ بَلْ قَتَلَهُ فُلَانٌ سُمِعَتْ) شَهَادَتُهُمَا وَعُمِلَ بِهَا لِأَنَّهَا عَلَى نَفْيِ مَحْصُورٍ كَقَوْلِهَا: هَذَا وَارِثُ زَيْدٍ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَهُ (وَإِنْ قَالَ إنْسَانٌ: مَا قَتَلَهُ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَلْ أَنَا قَتَلْتُهُ فَإِنْ كَذَّبَهُ) أَيْ الْمُقِرُّ (الْوَلِيُّ لَمْ تَبْطُلْ دَعْوَاهُ وَلَهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (الْقَسَامَةُ) لِاحْتِمَالِ كَذِب الْمُقِرِّ (وَلَا يَلْزَمهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (رَدّ الدِّيَةِ إنْ كَانَ أَخَذَهَا) لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ ظُلْمُهُ.
(وَإِنْ صَدَّقَهُ) أَيْ الْمُقِرُّ (الْوَلِيُّ أَوْ طَالَبَهُ) الْوَلِيُّ (بِمُوجِبِ الْقَتْلِ لَزِمَهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (رَدّ مَا أَخَذَهُ) لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَبَطَلَتْ دَعْوَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ وَسَقَطَ الْقَوَدُ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الْأَوَّلِ لِتَصْدِيقِ الْوَلِيّ أَنَّ الْقَاتِلَ الثَّانِي وَعَنْ الثَّانِي لِأَنَّهُ أَحْيَا نَفْسًا (وَلَهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (مُطَالَبَةُ الثَّانِي بِالدِّيَةِ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ.
وَفِي الْمُنْتَهَى فِي الْجِنَايَاتِ: وَلَوْ أَقَرَّ الثَّانِي بَعْدَ إقْرَارِ الْأَوَّلِ قُتِلَ الْأَوَّلُ.

[فَصْلٌ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِيَيْنِ لِلْقَتْلِ ذُكُورٌ مُكَلَّفُونَ]

(فَصْلٌ) الشَّرْطُ (الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِيَيْنِ) لِلْقَتْلِ (ذُكُورٌ مُكَلَّفُونَ وَلَوْ وَاحِدًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ» وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ حُجَّةٌ يَثْبُتُ بِهَا قَتْلُ الْعَمْدِ فَاعْتُبِرَ كَوْنُهَا مِنْ رِجَالٍ عُقَلَاءَ كَالشَّهَادَةِ (فَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ) فِي الْقَسَامَةِ فَلَا يُسْتَحْلَفْنَ لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ.
(وَ) لَا (الْخَنَاثَى) لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِ (وَ) لَا مَدْخَلَ أَيْضًا (لِلصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينَ فِي الْقَسَامَةِ) لِأَنَّ قَوْلَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ أَقَرَّا عَلَى أَنْفُسِهِمَا لَمْ يُقْبَلْ فَكَذَا لَا يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا (عَمْدً كَانَ الْقَتْلُ أَوْ خَطَأً) لِأَنَّ الْخَطَأَ أَحَدُ الْقَتْلَيْنِ أَشْبَهَ الْآخَرَ لَا يُقَالُ الْخَطَأُ يُثْبِتُ الْمَالَ وَلِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِيهِ لِأَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ ضِمْنًا لِثُبُوتِ الْقَتْلِ وَمِثْلُهُ

لَا يَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ.
بِدَلِيلِ مَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ بَعْدَ مَوْتِهَا لِيَرِثَهَا وَأَقَامَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ (فَيُقْسِمُ الرِّجَالُ الْعُقَلَاءُ فَقَطْ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَالْحَقُّ) فِي الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ (لِلْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا مُكَلَّفِينَ أَوْ لَا (وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ) مِنْ الْوَرَثَةِ (لَا مَدْخَلَ لَهُمْ) فِي الْقَسَامَةِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (فَكَمَا لَوْ نَكَل الْوَرَثَةُ) فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَبْرَأُ (فَإِنْ كَانَ) أَيْ الْوَارِثِينَ (اثْنَيْنِ فَأَكْثَر الْبَعْضُ غَائِبٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ أَوْ نَاكِلٍ عَنْ الْيَمِينِ فَلِحَاضِرٍ مُكَلَّفٍ أَنْ يَحْلِفَ بِقِسْطِهِ وَيَسْتَحِقُّ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْقَسَامَةَ حَقٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فَقِيَامُ الْمَانِعِ بِصَاحِبِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ حَلِفِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ نَصِيبَهُ وَكَالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا حَلَفَ بِقِسْطِهِ لِأَنَّ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ لَمْ يَلْزَمْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِ مِنْ الْإِيمَان فَكَذَا مَعَ الْمَانِعِ.
هَذَا (وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى) بِالْقَتْلِ (خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَعَقِلَ الْمَجْنُونُ حَلَفَ مَا يَخُصّهُ وَأَخَذَ مِنْ الدِّيَة بِقِسْطِهِ) لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَيْمَانِ صَاحِبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَإِنْ كَانَتْ) الدَّعْوَى بِالْقَتْلِ (عَمْدًا لَمْ تَثْبُتْ الْقَسَامَةُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ وَيَبْلُغُ الصَّغِيرُ وَيَعْقِل الْمَجْنُونُ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ وَالْبَيِّنَةُ أَيْمَانُ الْأَوْلِيَاءِ كُلِّهِمْ) وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ قَالَ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ لَكَانَ أَوْلَى.

(وَيُشْتَرَط) لِلْقَسَامَةِ (أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُدَّعِينَ بَيِّنَةٌ) فَإِنْ كَانَ قُضِيَ لَهُمْ بِهَا وَلَا قَسَامَةَ (وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (تَكْلِيفُ قَاتِلٍ لِتَصِحَّ الدَّعْوَى) عَلَيْهِ (وَ) يُشْتَرَط أَيْضًا (إمْكَانُ الْقَتْلِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا كَبَقِيَّةِ الدَّعَاوَى (وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (صِفَةُ الْقَتْلِ) أَيْ أَنْ يَصِفَ الْقَتْلَ فِي الدَّعْوَى فَلَوْ اسْتَحْلَفَهُ حَاكِمٌ قَبْلَ تَفْصِيلِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
(وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (طَلَبُ الْوَرَثَةِ) جَمِيعُهُمْ (وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (اتِّفَاقُهُمْ) أَيْ الْوَرَثَةُ (عَلَى الْقَتْلِ وَ) عَلَى (عَيْنِ الْقَاتِلِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ) مُفَصَّلًا (وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا) أَيْ الْقَسَامَةِ (أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بِقَتْلِ عَمْدٍ يُوجِبُ الْقِصَاصَ) لِأَنَّ الْقَسَامَةَ حُجَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا الْخَطَأُ كَالْعَمْدِ (فَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ مِمَّنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ كَالْمُسْلِمِ يَقْتُلُ كَافِرًا أَوْ الْحُرِّ يَقْتُلُ عَبْدًا سُمِعَتْ الْقَسَامَةُ) كَالْخَطَإِ (لَكِنْ إنْ كَانَ عَلَى قَتْلِ عَمْدٍ مَحْضٍ لَمْ يُقْسِمُوا إلَّا عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ) لِخَبَرِ سَهْلٍ (وَكَذَا إنْ كَانَ) الْقَتْلُ (خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ) لَمْ يُقْسِمُوا إلَّا عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ كَالْعَمْدِ (إنْ قُلْنَا تَجْرِي فِيهِمَا) أَيْ الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ (الْقَسَامَةُ) وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ قَرِيبًا.

[فَصْلٌ وَيَبْدَأُ فِي الْقَسَامَةِ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ]

(فَصْلٌ وَيَبْدَأُ فِي الْقَسَامَةِ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ) عُدُولًا كَانُوا أَوْ لَا نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ» (فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ (بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ قَتَلَهُ) لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَامُ الْبَيِّنَةِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا إذَا وَقَعَتْ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ.
(وَ) إذَا حَلَفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ (ثَبَتَ حَقُّهُمْ قِبَلَهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا) أَيْ الْمُدَّعُونَ (حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَوْ امْرَأَةً خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا قَالُوا: كَيْفَ نَأْخُذُ أَقْوَالَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ قَالَ: فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
(وَيُعْتَبَرُ حُضُورُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقْتَ الْيَمِينِ كَالْبَيِّنَةِ) أَيْ كَمَا يُعْتَبَرُ حُضُورُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقْتَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ (عَلَيْهِ وَ) يُعْتَبَرُ (حُضُورُ الْمُدَّعِي أَيْضًا) وَقْتَ الْيَمِينِ كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَتَخْتَصُّ الْأَيْمَانُ بِالْوَرَثَةِ) لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ فِي دَعْوَى فَلَمْ تُشْرَعْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْوَارِث كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ (الذُّكُورُ) الْمُكَلَّفِينَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينَ (دُونَ غَيْرِهِمْ) أَيْ غَيْرِ الْوُرَّاثِ الذُّكُورِ (فَتُقْسَمُ) الْأَيْمَانُ (بَيْنَ الرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتِ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً) لِأَنَّ مُوجِبَهَا الدِّيَةُ وَهِيَ تُقْسَمُ كَذَلِكَ فَكَذَا يَجِبُ أَنْ تُقْسَمَ هِيَ (وَإِنْ كَانَ) الْوَارِثُ رَجُلًا (وَاحِدًا حَلَفَهَا) أَيْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا (وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الرِّجَالُ الْوَارِثُونَ (خَمْسِينَ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (يَمِينًا) وَاحِدَةً تَعْدِيلًا بَيْنَهُمْ.
(وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ) مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا (حَلَفَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ) رَجُلًا (كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (يَمِينًا) وَاحِدَةً لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ» (وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْوُرَّاثُ (أَقَلَّ) مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا (فَإِنْ انْقَسَمَتْ) الْخَمْسُونَ عَلَيْهِمْ (مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ مِثْلَ أَنْ يَخْلُفَ الْمَقْتُولُ ابْنَيْنِ أَوْ) خَلَّفَ (أَخًا وَزَوْجًا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَة وَعِشْرِينَ يَمِينًا) لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْرُ إرْث كُلٍّ مِنْهُمَا (وَإِنْ كَانَ فِيهَا كَسْرٌ جُبِرَ) الْكَسْرُ

(عَلَيْهِمْ كَزَوْجٍ وَابْنٍ يَحْلِفُ الزَّوْجُ ثَلَاثَةَ عَشَر يَمِينًا وَ) يَحْلِفُ (الِابْنُ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ) يَمِينًا لِأَنَّ تَكْمِيلَ الْخَمْسِينَ وَاجِبٌ وَلَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهَا وَالْجَبْرُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ لِعَدَمِ الْمَزِيَّةِ فَالزَّوْجُ لَهُ الرُّبْعُ اثْنَا عَشَرَ وَنِصْف فَيَكْمُلُ وَالِابْنُ لَهُ الْبَاقِي وَهُوَ سَبْعٌ وَثَلَاثُونَ وَنِصْف فَيَكْمُلُ فَيَصِيرُ كَمَا ذُكِرَ.
(وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْوُرَّاثُ (ثَلَاثَةَ بَنِينَ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (سَبْعَةَ عَشَرَ) يَمِينًا لِأَنَّ لِكُلِّ ابْنٍ ثَلَاثَةُ أَيْمَان سِتَّةَ عَشَرَ يَمِينًا وَثُلُثَيْنِ ثُمَّ يَكْمُلُ (وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ الْوُرَّاث (مَنْ لَا قَسَامَةَ عَلَيْهِ لِحَالٍ كَالنِّسَاءِ) الْخَنَاثَى (سَقَطَ حُكْمُهُ) لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْقَسَامَةِ (فَابْنٌ وَبِنْتٌ يَحْلِف الِابْنُ خَمْسِينَ) يَمِينًا كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ الْبِنْتُ (وَأَخٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ) أَوْ لِأَبٍ فَقَطْ (وَأَخٌ وَأُخْتٌ لِأُمٍّ) فَقَطْ (قُسِمَتْ الْأَيْمَانُ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ) دُونَ الْأُخْتَيْنِ (عَلَى أَحَدِ عَشَرَ) لِأَنَّهَا سِهَامَ الْأَخَوَيْنِ مِنْ مُصَحِّحِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ أَصْلَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ مَخْرَجٍ الثُّلُثُ لِوَلَدَيْ الْأُمِّ وَاحِدٌ لَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهَا وَلِوَلَدَيْ الْأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ اثْنَانِ لَا يَنْقَسِمَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَالِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ مُتَبَايِنَانِ مُسَطَّحُهُمَا سِتَّةٌ هِيَ جُزْءُ السَّهْمِ فَاضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةٍ يَحْصُلُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَمِنْهَا تَصِحُّ حِصَّةُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ ثَمَانِيَةً وَحِصَّةُ الْأَخِ لِأُمٍّ ثَلَاثَةً وَمَجْمُوع ذَلِكَ أَحَدَ عَشَرَ.
فَلِذَلِكَ قَالَ (عَلَى الْأَخ مِنْ الْأَبَوَيْنِ) أَوْ لِأَبٍ (ثَمَانِيَةٌ وَعَلَى الْأَخ لِأُمٍّ ثَلَاثَةٌ) فَيَحْصُلُ فِي قِسْمَةِ الْخَمْسِينَ عَلَى الْأَحَدِ عَشَرَ كَسْرٌ (ثُمَّ يُجْبَرُ الْكَسْرُ عَلَيْهِمَا فَيَحْلِفُ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ وَ) يَحْلِفُ الْأَخُ (الْآخَرُ) وَهُوَ الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ فَقَطْ (أَرْبَعَ عَشْرَةَ) يَمِينًا.

[فَصْلٌ وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْقَسَامَةِ]

(فَصْلٌ وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ) لِلْقَسَامَةِ (انْتَقَلَ إلَى وَارِثِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيْمَانِ عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ) كَالْمَالِ (وَيُجْبَر الْكَسْرُ فِيمَا عَلَيْهِمْ) أَيْ وَرَثَةِ الْمُسْتَحِقِّ (كَمَا يُجْبَرُ فِي حَقِّ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ) لِعَدَمِ تَبْعِيضِ الْيَمِينِ (فَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضُ وَرَثَةِ الْمُسْتَحِقِّ (قُسِمَ نَصِيبُهُ مِنْ الْأَيْمَانِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ) عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ (فَلَوْ كَانَ لِلْقَتِيلِ ثَلَاثَةُ بَنِينَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (سَبْعَةَ عَشَرَ) لِمَا سَبَقَ (فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمْ) أَيْ الْبَنِينَ (قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ) أَيْ يَحْلِفَ مَا عَلَيْهِ (وَخَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ) أَيْضًا ثُمَّ مَاتَ (قُسِمَتْ أَيْمَانُهُمْ بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ بَنِيهِ (كُلُّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَيْمَانٍ)

جَبْرًا لِلْكَسْرِ.
(فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ) أَيْ الِابْنُ (بَعْد شُرُوعِهِ فِي الْأَيْمَانِ فَحَلَفَ) الِابْنُ (بَعْضَهَا اسْتَأْنَفَهَا وَرَثَتُهُ وَلَا يَبْنُونَ عَلَى أَيْمَانِهِ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ جَرَتْ مَجْرَى الْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ) فَلَا تَتَبَعَّضُ (وَإِنْ جُنَّ) مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الْأَيْمَانِ (ثُمَّ أَفَاقَ أَوْ تَشَاغَلَ عَنْهُ الْحَاكِمُ فِي أَثْنَائِهَا تَمَّمَ) الْأَيْمَانَ وَبَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ) الْأَيْمَانَ (لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَبْطُلُ بِالتَّفْرِيقِ) لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُوَالَاةِ فِيهَا (وَكَذَا إنْ عُزِلَ الْحَاكِمُ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الْأَيْمَانِ (أَتَمَّهَا) أَيْ الْأَيْمَانَ (عِنْدَ) الْحَاكِمِ (الثَّانِي فَلَا يُشْتَرَطُ) فِي الْقَسَامَةِ (أَنْ تَكُونَ) الْأَيْمَانُ (فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَكَذَا لَوْ سَأَلَهُ) الْحَالِفُ (الْحَاكِمُ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الْأَيْمَانِ (إنْظَارَهُ فَأَنْظَرَهُ) ثُمَّ أَرَادَ إتْمَامَهَا فَإِنَّهُ يُبْنَى عَلَى مَا سَبَقَ لِمَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ وَإِذَا حَلَفَ الْأَوْلِيَاءُ الْخَمْسِينَ يَمِينًا]

(فَصْلٌ وَإِذَا حَلَفَ الْأَوْلِيَاءُ) الْخَمْسِينَ يَمِينًا (اسْتَحَقُّوا الْقَوَدَ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى) أَنَّهُ قَتَلَهُ (عَمْدًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ» (إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ) كَعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ (وَصِفَةُ الْيَمِينِ: أَنْ يَقُولَ) الْوَارِثُ (وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ لَقَدْ قَتَلَ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ الْفُلَانِيِّ وَيُشِيرُ إلَيْهِ فُلَانًا ابْنِي أَوْ أَخِي) أَوْ نَحْوَهُ (مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ مَا شَرَكهُ غَيْرُهُ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأً بِسَيْفٍ أَوْ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِمَّا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى (فَإِنْ اقْتَصَرَ) الْحَالِفُ (عَلَى لَفْظَةِ وَاَللَّهِ) لَقَدْ قَتَلَ فُلَانٌ إلَخْ (كَفَى) لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ تَغْلِيظٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ كَمَا يَأْتِي فَلَا يَكُونُ نَاكِلًا بِتَرْكِهِ (وَيَكُونُ) لَفْظُ الْجَلَالَةِ (بِالْجَرِّ) فَيَقُول: وَاَللَّهِ وَبِاَللَّهِ وَتَاللَّهِ.
(فَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ) أَوْ بِاَللَّهِ أَوْ تَاللَّهِ (مَضْمُومًا أَوْ مَنْصُوبًا أَجْزَأَهُ قَالَ الْقَاضِي: تَعَمَّدَهُ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدهُ، لِأَنَّ اللَّحْنَ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى) أَيْ لَا يُغَيِّرُهُ (وَبِأَيِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى حَلَفَ) الْحَالِفُ (أَجْزَأَهُ إذَا كَانَ إطْلَاقُهُ) أَيْ مَا حَلَفَ بِهِ (يَنْصَرِفُ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى وَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي كَلَامِهِ (وَيَقُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) إذَا تَوَجَّهَتْ إلَيْهِ الْيَمِينُ (وَاَللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ وَلَا شَارَكْتُ فِي قَتْلِهِ وَلَا فَعَلْتُ شَيْئًا مَاتَ مِنْهُ وَلَا كَانَ سَبَبًا فِي مَوْتِهِ وَلَا مُعِينًا عَلَى مَوْتِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعُونَ أَوْ كَانُوا نِسَاءً حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ.
(فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعُونَ وَلَمْ يَرْضُوا بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَدَاه) أَيْ أَعْطَى دِيَتَهُ (الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِقِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) أَخْذُ دِيَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَيْءٌ) لِحَدِيثِ «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ» (وَإِنْ رَضُوا) أَيْ الْمُدَّعُونَ (بِيَمِينِهِ فَنَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (لَمْ يُحْبَسْ) لِأَنَّهَا يَمِينٌ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَمْ يُحْبَسْ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ (وَلَزِمَتْهُ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِالنُّكُولِ فَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى (وَلَا قِصَاصَ) بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينُ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ كَشَاهِدٍ وَيَمِينٍ (وَلَوْ رَدَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَلَيْسَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ) بَلْ يُقَالُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إمَّا أَنْ تَحْلِفَ أَوْ جَعَلْتُكَ نَاكِلًا وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ بِالنُّكُولِ (وَيُفْدَى مَيِّتٌ فِي زَحْمَةٍ كَجُمُعَةٍ وَطَوَافٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَقَالَ الْقَاضِي فِي قَوْمٍ ازْدَحَمُوا فِي مَضِيقٍ وَتَفَرَّقُوا عَنْ قَتِيلٍ فَقَالَ: إنْ كَانَ فِي الْقَوْم مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَتَلَهُ فَهُوَ لَوْثٌ.

[كِتَابُ الْحُدُودِ]

(كِتَابُ الْحُدُودِ وَهِيَ جَمْعُ حَدٍّ وَهُوَ) لُغَةً الْمَنْعُ وَحُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى مَحَارِمُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187] وَمَا حَدّه وَقَدَّرَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى كَتَزْوِيجِ الْأَرْبَعِ وَمَا حَدَّهُ الشَّرْعُ فَلَا تَجُوزُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ وَالْحُدُودُ بِمَعْنَى الْعُقُوبَاتِ الْمُقَدَّرَةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ الْمَنْعِ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الذَّنْبِ وَأَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ بِالْحُدُودِ الَّتِي هِيَ الْمَحَارِمُ لِكَوْنِهَا زَوَاجِرَ عَنْهَا أَوْ بِالْحُدُودِ الَّتِي هِيَ الْمُقَدَّرَاتِ وَالْحَدُّ (شَرْعًا عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ لِتَمْنَعَ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِهِ) أَيْ مِثْلِ الذَّنْبِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ (وَتَجِبُ إقَامَتُهُ) أَيْ الْحَدُّ (وَلَوْ كَانَ مَنْ يُقِيمُهُ) مِنْ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ سَيِّدٍ (شَرِيكًا لِمَنْ يُقِيمُهُ) أَيْ الْحَدُّ (عَلَيْهِ) فِي تِلْكَ (الْمَعْصِيَةِ) أَوْ كَانَ مَنْ يُقِيمُهُ (عَوْنًا لَهُ) أَيْ لِمَنْ يُقِيمُهُ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّ مُشَارَكَتَهُ أَوْ إعَانَتَهُ لَهُ مَعْصِيَةٌ وَعَدَمُ إقَامَتِهِ مَعْصِيَةٌ فَلَا يَجْمَعُ بَيْن مَعْصِيَتَيْنِ.
(وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ) لَا يَسْقُطُ بِالْمُشَارَكَةِ أَوْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى (فَلَا يَجْمَعُ بَيْن مَعْصِيَتَيْنِ) بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْلَاعُ عَنْهُمَا (وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ إلَّا عَلَى مُكَلَّفٍ) لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ إذَا أُسْقِطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْإِثْمُ فِي الْمَعَاصِي فَالْحَدُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ أَوْلَى (مُلْتَزِمٌ) أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ فَيَخْرُجُ الْحَرْبِيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الذِّمِّيُّ وَتَقَدَّمَ فِي الْهُدْنَةِ أَنَّ الْمُعَاهَدَ يُؤْخَذُ بِحَدِّ آدَمِيٍّ لَا حَدَّ لِلَّهِ (عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ) لِقَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ لَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ أَوْ عَيْن الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا بِأَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ.
(فَإِنْ زَنَى الْمَجْنُونُ فِي إفَاقَتِهِ) فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ (أَوْ أَقَرَّ فِي إفَاقَتِهِ أَنَّهُ زَنَى فِي إفَاقَتِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) قَالَ فِي الْمُبْدِع بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ قَالَ (فَإِنْ أَقَرَّ فِي إفَاقَتِهِ) أَنَّهُ زَنَى (وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى حَالِ) إفَاقَةٍ وَلَا جُنُونٍ (أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالزِّنَا وَلَمْ تُضِفْهُ إلَى إفَاقَتِهِ فَلَا حَدَّ) عَلَيْهِ لِلِاحْتِمَالِ وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نَائِمٍ أَوْ زَنَى بِهَا) الرَّجُلُ (وَهِيَ نَائِمَةٌ فَلَا حَدَّ عَلَى النَّائِم مِنْهُمَا) لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَإِنْ جَهِلَ) الزَّانِي (تَحْرِيمَ الزِّنَا وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ أَوْ) جَهِلَ (تَحْرِيمَ عَيْنِ الْمَرْأَة مِثْلَ أَنْ يُزَفَّ إلَيْهِ) امْرَأَةٌ (غَيْرَ امْرَأَتِهِ فَيَظُنُّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ تُدْفَعُ إلَيْهِ مُعَارِيَةٌ فَيَظُنُّ أَنَّهَا جَارِيَتُهُ فَيَطَؤُهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ إلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَيَفْتَقِرُ إلَى اجْتِهَادٍ وَلَا يُؤْمَنُ مَعَهُ الْحَيْفُ فَوَجَبَ تَفْوِيضُهُ إلَى نَائِبِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقِيمُ الْحُدُود فِي حَيَاتِهِ وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ (لَكِنْ لَوْ أَقَامَهُ) أَيْ الْحَدَّ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرَ الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ (لَمْ يَضْمَنْهُ نَصًّا فِيمَا حَدَّهُ الْإِتْلَافُ) كَرَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُعَزَّرُ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ قُلْتُ لَوْ قَطَعَ إنْسَانٌ يَدَ السَّارِقِ الْيُمْنَى هَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ؟ لَمْ أَقِف وَالْمُتَبَادِرُ تَنَاوُلُ الْعِبَارَةِ لَهُ (إلَّا السَّيِّدَ الْحُرَّ) خَرَجَ الْمُكَاتَبُ (الْمُكَلَّفُ الْعَالِمُ بِهِ) أَيْ بِالْحَدِّ دُونَ الْجَاهِل بِهِ (وَبِشُرُوطِهِ) أَيْ الْحَدِّ (وَلَوْ) كَانَ السَّيِّدُ (فَاسِقًا أَوْ امْرَأَةً فَلَهُ إقَامَةُ الْحَدِّ بِالْجَلْدِ فَقَطْ عَلَى رَقِيقِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل