صفحات 328-367
مُرْسَلٌ فِي الذِّمَّةِ لَا رَهْنَ بِهِ (فَإِذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ هِيَ الْمَرْهُونَةُ) دُونَ وَلَدِهَا وَبِيعَا مَعًا (وَكَانَتْ قِيمَتُهُمَا مِائَةً مَعَ كَوْنِهَا ذَاتَ وَلَدٍ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ خَمْسِينَ، فَحِصَّتُهَا) أَيْ: الْجَارِيَةِ (ثُلُثُ الثَّمَنِ) الَّذِي بِيعَا بِهِ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَصَحَّحَ فِي التَّلْخِيصِ: أَنَّهَا تُقَوَّمُ مَعَ وَلَدِهَا وَوَلَدُهَا مَعَهَا - لِأَنَّ التَّفْرِيقَ مُحَرَّمٌ فَيُقَوَّمُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَعَ الْآخَرِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَوْلَى (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُرْتَهِنُ) لِلْجَارِيَةِ (بِالْوَلَدِ ثُمَّ عَلِمَ) بِهِ (فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ، فَإِنْ أَمْسَكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَهَا، وَإِنْ رَدَّهَا فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ، إنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِيهِ) أَيْ: فِي الْبَيْعِ،؛ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً فِيهِ فَلَا فَسْخَ لَهُ.
(وَإِنْ تَعَيَّبَ الرَّهْنُ) قَبْلَ قَبْضِهِ (أَوْ اسْتَحَالَ الْعَصِيرُ) الْمَرْهُونُ (خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِهِ فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ قَبْضِهِ مَعِيبًا وَرِضَاهُ بِلَا رَهْنٍ فِيمَا إذَا تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ) عْنِي إنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِيهِ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَ) إذَا فَسَخَ الْبَيْعَ (رَدَّ الرَّهْنَ) لِرَبِّهِ لِبُطْلَانِهِ (وَإِنْ عَلِمَ) الْمُرْتَهِنُ (بِالْعَيْبِ بَعْدَ قَبْضِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (فَكَذَلِكَ) أَيْ: يُخَيَّرُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ أَوْ رَدِّهِ وَفَسْخِ الْبَيْعِ، إنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِيهِ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُرْتَهِنِ (مَعَ إمْسَاكِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ الْمَعِيبِ (أَرْشٌ مِنْ أَجْلِ الْعَيْبِ) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَوْ تَلِفَ بِجُمْلَتِهِ لَمْ يَمْلِكْ الطَّلَبَ بِبَدَلِهِ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى.
(وَإِنْ رَهَنَ ثَمَرَةً إلَى مَحِلٍّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ: أَجْلٍ (فَحَدَثَ فِيهِ) أَيْ: الْمَحِلِّ ثَمَرَةً (أُخْرَى لَا تَتَمَيَّزُ فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ.
(وَإِنْ رَهَنَهَا) أَيْ: الثَّمَرَةَ (بِدَيْنٍ حَالٍ، أَوْ) رَهَنَهَا بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، و (شَرَطَ قَطْعَهَا عِنْدَ خَوْفِ اخْتِلَاطِهَا) بِأُخْرَى (جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ (فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهَا) أَيْ: الثَّمَرَةَ (حَتَّى اخْتَلَطَتْ) بِغَيْرِهَا (لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ) ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا (فَإِنْ سَمَحَ الرَّاهِنُ بِبَيْعِ الْجَمِيعِ) مِنْ الثَّمَرَةِ الْمَرْهُونَةِ وَمَا اخْتَلَطَتْ بِهِ (عَلَى أَنَّهُ رَهْنٌ) جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَزِيَادَةِ الرَّهْنِ (أَوْ اتَّفَقَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (عَلَى) بَيْعِ (قَدْرٍ مِنْهُ جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (وَإِنْ اخْتَلَفَا أَوْ تَشَاحَّا ف) يُقَدَّمُ (قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
(وَإِنْ رَهَنَ الْمَكَاتِبُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ الْمُحَرَّمِ كَأَبِيهِ وَأَخِيهِ وَعَمِّهِ (لَمْ يَصِحَّ) رَهْنُهُ (؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ) لِمَا يَأْتِي فِي الْكِتَابَةِ.
(وَلَوْ رَهَنَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ) فِي التِّجَارَةِ (مَنْ يَعْتِقُ عَلَى السَّيِّدِ) كَأَبِي سَيِّدِهِ، وَأَخِيهِ وَعَمِّهِ (لَمْ يَصِحَّ) رَهْنُهُ (؛ لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا بِشِرَائِهِ) ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالسَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ.
(وَلَوْ رَهَنَ الْوَارِثُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ، أَوْ بَاعَهَا، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَلَوْ مِنْ زَكَاةٍ صَحَّ) الرَّهْنُ أَوْ الْبَيْعُ؛ لِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ إلَيْهِ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِ، وَتَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِهَا كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ (فَإِنْ قَضَى)
الْوَارِثُ (الْحَقَّ) الَّذِي عَلَى الْمَيِّتِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ مَا رَهَنَهُ أَوْ بَاعَهُ (فَالرَّهْنُ) وَالْبَيْعُ (بِحَالِهِ) لَا يُنْقَضُ، كَمَا لَوْ رَهَنَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ الْجَانِي، أَوْ بَاعَهُ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِهِ (وَإِلَّا) يُوفِ الْوَارِثُ الْحَقَّ (فَلِلْغُرَمَاءِ انْتِزَاعُهُ) أَيْ: انْتِزَاعُ مَا رَهَنَهُ أَوْ بَاعَهُ وَإِبْطَالُ تَصَرُّفِهِ لِسَبْقِ حَقِّهِمْ.
(وَالْحُكْمُ فِيهِ) أَيْ: فِيمَا انْتَزَعَهُ الْغُرَمَاءُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ (كَالْحُكْمِ فِي) الْعَبْدِ (الْجَانِي) فَيُبَاعُ وَيُوَفَّى مِنْ ثَمَنِهِ مَا عَلَى الْمَيِّتِ، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِلْوَارِثِ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
(وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ تَصَرَّفَ) الْوَارِثُ (فِي التَّرِكَةِ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْوَارِثِ (مَبِيعٌ بَاعَهُ الْمَيِّتُ) قَبْلَ مَوْتِهِ (بِعَيْبٍ) مُتَعَلِّقٍ بِرَدِّ (ظَهَرَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَبِيعِ فَإِنْ وَفَّى الْوَارِثُ الْمُشْتَرِيَ ثَمَنَهُ نَفَذَ تَصَرُّفه، وَإِلَّا فَلَهُ انْتِزَاعُ التَّرِكَةِ مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ وَأَخْذُ ثَمَنِهِ مِنْهَا (أَوْ حَقِّ) أَيْ: حُكْمِ حَقِّ (تَعَلُّقِ تَجَدُّدِهِ) .
وَفِي نُسْخَةٍ " تَجَدَّدَ تَعَلُّقُهُ " وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِمَا فِي الْمُغْنِي (بِالتَّرِكَةِ) بَعْدَ تَصَرُّفِ الْوَارِثِ فِيهَا (مِثْلَ إنْ وَقَعَ إنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ فِي بِئْرٍ حَفَرَهُ) الْمُوَرِّثُ قَبْلَ مَوْتِهِ (فِي غَيْرِ مِلْكِهِ) تَعَدِّيًا، وَقَوْلُهُ: (بَعْدَ مَوْتِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِوَقَعَ، وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ) أَيْ: الْوَارِثِ فِي التَّرِكَةِ إذْن (صَحِيحٌ) عِلَّة لِقَوْلِهِ:
وَلَوْ رَهَنَ الْوَارِث تَرِكَة الْمَيِّت إلَخْ (لَكِنْ) تَعَرُّف الْوَارِث فِي التَّرِكَة مَعَ حَقِّ غُرَمَاء الْمَيِّت بِهَا (غَيْرُ نَافِذٍ) بَلْ مَوْقُوفٌ (فَإِنْ قَضَى) الْوَارِثُ (الْحَقَّ) اللَّازِمَ لِلْمَيِّتِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ (نَفَذَ) تَصَرُّفُهُ.
(وَإِلَّا) يَقْضِيه مِنْ غَيْرِهِ (فُسِخَ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ) وَقَضَى مَا عَلَى الْمَيِّتِ؛ لِسَبْقِ حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: فُسِخَ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَتَأَتَّ فَسْخُ الْعِتْقِ، بَلْ يُجْبَرُ الْوَارِثُ عَلَى قَضَاءِ الْحَقِّ كَمَا لَوْ عَتَقَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ الْجَانِيَ، أَوْ عَتَقَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ، عَلَى مَا يَأْتِي.
(وَيَصِحُّ رَهْنُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ إلَى الْكَافِرِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ (إذَا اُشْتُرِطَ كَوْنُهُ) أَيْ: الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ (فِي يَدِ مُسْلِمٍ عَدْلٍ) وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] . (وَمِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمُ فِيمَا ذُكِرَ فِي (كُتُبُ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ) فَيَصِحُّ رَهْنُهَا لِكَافِرٍ إذَا شَرَطَ أَنْ تَكُونَ بِيَدِ مُسْلِمٍ عَدْلٍ.
(وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ إلَّا بِالْقَبْضِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ فَافْتَقَرَ إلَى الْقَبْضِ الْقَرْضِ وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ:
أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَتَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ: (لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ مَنْ اتَّفَقَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ بِيَدِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَبْضِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَغَيْرِهِمَا.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ أَوْ وَكِيلِهِ (قَبْضُهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (إلَّا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّهُ لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يَمْلِكُ الْمُرْتَهِنُ إسْقَاطَ حَقِّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَالْمَوْهُوبِ (فَإِنْ قَبَضَهُ) أَيْ: الرَّهْنَ مُرْتَهِنٌ أَوْ نَائِبه (بِغَيْرِ إذْن) الرَّاهِنِ (لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ) وَهُوَ اللُّزُومُ (وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُقْبَضْ) ؛ لِفَسَادِ الْقَبْضِ لِعَدَمِ إذْن الرَّاهِنِ فِيهِ.
(فَلَوْ اسْتَنَابَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ فِي الْقَبْضِ لَمْ يَصِحَّ) قَبْضُهُ وَلَمْ يَكُنِ الرَّهْنُ لَازِمًا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَمْ يَقْبِضْهُ هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ (وَعَبْدُ الرَّاهِنِ وَأُمُّ وَلَدِهِ كَهُوَ) فَلَا تَصِحُّ اسْتِنَابَتُهُمَا فِي قَبْضِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ يَدَ سَيِّدِهِمَا ثَابِتَةٌ عَلَيْهِمَا وَعَلَى مَا بِيَدِهِمَا (لَكِنْ تَصِحُّ اسْتِنَابَةُ مَكَاتِبِهِ) أَيْ: مُكَاتَبِ الرَّاهِنِ (وَعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ) فِي التِّجَارَةِ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ؛ لِاسْتِقْلَالِهِمَا بِالتَّصَرُّفِ.
(وَصِفَةُ قَبْضِهِ) أَيْ: قَبْضِ الرَّهْنِ (ك) صِفَةِ قَبْضِ (مَبِيعٍ فَإِنْ كَانَ) الرَّهْنُ (مَنْقُولًا فَقَبْضُهُ نَقْلُهُ) كَالْحُلِيِّ (أَوْ تَنَاوُلُهُ) إنْ كَانَ يُتَنَاوَلُ كَالدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا (مَوْصُوفًا كَانَ) الرَّهْنُ (أَوْ مُعَيَّنًا كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ وَصُبْرَةٍ وَإِنْ كَانَ) الرَّهْنُ (مَكِيلًا ف) قَبَضَهُ (بِكَيْلِهِ أَوْ) كَانَ (مَوْزُونًا ف) قَبَضَهُ (بِوَزْنِهِ أَوْ) كَانَ (مَذْرُوعًا) فَقَبَضَهُ (بِذَرْعِهِ أَوْ) كَانَ (مَعْدُودًا ف) قَبَضَهُ (بِعَدِّهِ وَإِنْ كَانَ) الرَّهْنُ (غَيْرَ مَنْقُولٍ كَعَقَارٍ) مِنْ أَرْضٍ وَبِنَاءٍ وَغِرَاسٍ.
(وَ) ك (ثَمَرٍ عَلَى شَجَرٍ وَزَرْعٍ فِي أَرْضٍ ف) قَبَضَهُ (بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُرْتَهِنِهِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.
(وَلَوْ رَهَنَهُ دَارًا فَخَلَّى) الرَّاهِنُ (بَيْنَهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (وَبَيْنَهَا، وَهُمَا فِيهَا ثُمَّ خَرَجَ الرَّاهِنُ) مِنْهَا (صَحَّ الْقَبْضُ لِوُجُودِ التَّخْلِيَةِ، وَ) الرَّهْنُ (قَبْلَ قَبْضِهِ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ) لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِ اللُّزُومِ، وَهُوَ الْقَبْضُ (فَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (رَاهِنٌ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْقَبْضِ (بِهِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ، أَوْ جَعَلَهُ صَدَاقًا، أَوْ عِوَضًا فِي خُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ، أَوْ جَعَلَهُ أُجْرَةً، أَوْ جُعْلًا فِي جَعَالَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ رَهَنَهُ ثَانِيًا نَفَذَ تَصَرُّفُهُ) ؛ لِعَدَمِ لُزُومِ الرَّهْنِ (وَبَطَلَ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تَمْنَعُ الرَّهْنَ، فَانْفَسَخَ بِهَا (سَوَاءٌ أَقَبَضَ) الرَّاهِنُ (الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ وَالرَّهْنَ الثَّانِيَ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهُ) كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ دَبَّرَهُ) أَيْ: دَبَّرَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ قَبْلَ قَبْضِهِ (أَوْ أَجَرَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ زَوَّجَ الْأَمَةَ) الْمَرْهُونَةَ قِبَلَ الْقَبْضِ (لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَا تَمْنَعُ الْبَيْعَ فَلَا
تَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ.
(وَلَوْ أَذِنَ) الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ (فِي قَبْضِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (ثُمَّ تَصَرَّفَ) الرَّاهِنُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْقَبْضِ (نَفَذَ) تَصَرُّفُهُ (أَيْضًا) لِعَدَمِ اللُّزُومِ بَعْدَ الْقَبْضِ.
(وَإِنْ امْتَنَعَ) الرَّاهِنُ (مِنْ إقْبَاضِهِ) الرَّهْنَ (لَمْ يُجْبَرْ) عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ لُزُومِهِ، وَيَبْقَى الدَّيْنُ بِغَيْرِ رَهْنٍ وَكَذَا إنْ انْفَسَخَ الرَّهْنُ قَبْلَ الْقَبْضِ (لَكِنْ إنْ شَرَطَهُ) الْبَائِعُ (فِي عَقْدِ بَيْعٍ وَامْتَنَعَ) الْمُشْتَرِي (مِنْ إقْبَاضِهِ) الرَّهْنَ (فَلِلْبَائِعِ فَسْخُ الْبَيْعِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا شَرَطَ وَكَذَا لَوْ شَرَطَ فِي قَرْضٍ.
(وَلَوْ رَهَنَهُ) شَخْصٌ (مَا هُوَ فِي يَدِهِ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (وَمَضْمُونٌ عَلَيْهِ كَالْغُصُوبِ وَالْعَوَارِيّ، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ سَوْمٍ وَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ صَحَّ الرَّهْنُ وَزَالَ الضَّمَانُ) ؛ لِانْتِقَالِهِ إلَى الْأَمَانَةِ (كَمَا لَوْ كَانَ) مَا فِي يَدِهِ (غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ كَالْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا) كَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ.
(وَيَلْزَمُ الرَّهْنُ) حِينَئِذٍ (بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ) أَيْ: بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ الْحُكْمُ فَقَطْ فَلَمْ يُحْتَجْ إلَى قَبْضٍ كَمَا لَوْ مَنَعَ الْوَدِيعَةَ صَارَتْ مَضْمُونَةً (وَلَا يَحْتَاجُ) لُزُومُ الرَّهْنِ (إلَى أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: عَلَى الْعَقْدِ، كَمُضِيِّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهِ (كَهِبَةٍ) أَيْ: هِبَةِ إنْسَانٍ مَا بِيَدِهِ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلَا يَحْتَاجُ لِمُضِيِّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى فِيهِ الْقَبْضُ.
(فَإِنْ جُنَّ أَحَدُ الْمُتَرَاهِنَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ مَاتَ) أَحَدُهُمَا قَبْلَهُ (لَمْ يَبْطُلْ زَمَنُ الرَّهْنِ) ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْوَكَالَةِ.
(وَيَقُومُ وَلِي الْمَجْنُونِ مَقَامَهُ فَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ هُوَ الرَّاهِنُ فَعَلَى وَلِيِّهِ مَا فِيهِ الْحَظُّ لَهُ مِنْ التَّقْبِيضِ) لِلرَّهْنِ (وَعَدَمِهِ) يَعْنِي إنْ كَانَ الْحَظُّ لِلْمَجْنُونِ فِي التَّقْبِيضِ بِأَنْ يَكُونَ شَرْطٌ فِي بَيْعٍ وَالْحَظُّ فِي إتْمَامِهِ أَقْبَضَهُ وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَرْكِهِ لَمْ يَجُزْ تَقْبِيضُهُ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْإِذْنُ لِشَبَهِهِ بِالْهِبَةِ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَجْنُونُ هُوَ (الْمُرْتَهِنُ قَبَضَهُ) لَهُ (وَلِيُّهُ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَحُظُّ لَهُ (وَإِنْ مَاتَ) أَحَدُهُمَا (قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ) فِي التَّقْبِيضِ، وَالْقَبْضُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (فَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ لَمْ يَلْزَمْ وَرَثَتَهُ تَقْبِيضُهُ) أَيْ: الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مُوَرِّثَهُمْ وَإِنْ أَرَادُوا إقْبَاضَهُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُسْتَدِين سِوَى هَذَا الدَّيْنِ فَلِلْوَرَثَةِ تَقْبِيض الرَّهْنِ) لِلْمُرْتَهِنِ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ (دَيْنٌ سِوَاهُ فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ تَخْصِيصُ الْمُرْتَهَنِ بِالرَّهْنِ) ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَتْ بِالتَّرِكَةِ قَبْلَ لُزُومِ حَقِّهِ فَلَمْ يَجُزْ تَحْصِيصُهُ بِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ.
(وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا مَا) إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ (بَعْدَ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ) ، وَمَا إذَا حَصَلَ ذَلِكَ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ (؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُون وَالْإِغْمَاءِ وَالْحَجْرِ) ؛ لِأَنَّهُ وَكَالَةٌ.
(فَلَوْ حُجِرَ عَلَى الرَّاهِنِ بِفَلْسٍ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَسْلِيمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِبَعْضِ الْغُرَمَاءِ (وَإِنْ كَانَ) الْحَجْرُ (لِسَفَهٍ فَكَمَا لَوْ زَالَ عَقْله بِجُنُونٍ) فَيَقُومُ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ فِي فِعْلِ الْأَحَظِّ.
(وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى الرَّاهِنِ قَبْلَ إقْبَاضِ الرَّهْنِ) (لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ) بِنَفْسِهِ (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ تَقْبِيضُهُ) لَهُ (؛ لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ) لِأَحَدٍ لِقِصَرِ مُدَّةِ الْإِغْمَاءِ (وَانْتُظِرَتْ إفَاقَتُهُ) مِنْ إغْمَائِهِ لِيَقْبِضَهُ إنْ شَاءَ.
(وَإِنْ خَرَسَ) الرَّاهِنُ (وَكَانَتْ لَهُ كِتَابَةٌ مَفْهُومَةٌ أَوْ إشَارَةٌ مَعْلُومَةٌ فَكَمُتَكَلِّمٍ) ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِكِتَابَتِهِ أَوْ إشَارَتِهِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كِتَابَةٌ مَفْهُومَةٌ وَلَا إشَارَةٌ مَعْلُومَةٌ (لَمْ يَجُزْ) لِلْمُرْتَهِنِ (الْقَبْضُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ قَدْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ بَطَلَ حُكْمُهُ) أَيْ: حُكْمُ إذْنِهِ (؛ لِأَنَّ إذْنَهُمْ يَبْطُلُ بِمَا عَرَضَ لَهُمْ) مِنْ مَوْتٍ وَجُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ وَحَجْرٍ وَخَرَسٍ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ.
(وَاسْتِدَامَةُ قَبْضِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (شَرْطٌ فِي لُزُومِهِ) لِأَنَّ الرَّهْنَ يُرَادُ لِلْوَثِيقَةِ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ بَيْعِهِ وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ زَالَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، فَإِنَّ الْقَبْضَ فِي ابْتِدَائِهَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ فَإِذَا ثَبَتَ اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْقَبْضِ.
(فَإِنْ أَخْرَجَهُ) أَيْ: الرَّهْنَ (الْمُرْتَهِنُ بِاخْتِيَارِهِ إلَى الرَّاهِنِ زَالَ لُزُومُهُ وَبَقِيَ) الرَّهْنُ (كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَبْضٌ) ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ وَقَدْ زَالَتْ وَالْمَشْرُوطُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ (سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ) الْمُرْتَهِنُ إلَى الرَّاهِنِ (بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ إيدَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ رَدَّهُ) أَيْ: رَدَّ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْمُرْتَهِنِ (بِاخْتِيَارِهِ عَادَ لُزُومُهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْبَضَهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَزِمَ كَالْأَوَّلِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَاخَى الْقَبْضُ عَنْ الْعَقْدِ.
(وَإِنْ أُزِيلَتْ) أَيْ: أَزَالَ الرَّاهِنُ أَوْ غَيْرُهُ (يَدَهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (بِغَيْرِ حَقٍّ كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَإِبَاقِ الْعَبْدِ وَضَيَاعِ الْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ فَلُزُومُهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (بَاقٍ) ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ حُكْمًا.
وَلَوْ سَبَى الْكُفَّارُ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ ثُمَّ اُسْتُنْقِذَ مِنْهُمْ عَادَ رَهْنًا بِحَالِهِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّلَاثِينَ وَقَالَ: لَوْ صَالَحَهُ عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ عَلَى مَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ الصُّلْحُ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ وَزَالَ الرَّهْنُ فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلِ الصُّلْحُ وَعَادَ الدَّيْنُ وَالرَّهْنُ بِحَالِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِالتَّقْبِيضِ) لِلرَّهْنِ (ثُمَّ أَنْكَرَهُ وَقَالَ: أَقْرَرْت بِذَلِكَ وَلَمْ أَكُنْ أَقْبَضْت شَيْئًا) ، فَقَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مُؤَاخَذَةٌ لِلرَّاهِنِ بِإِقْرَارِهِ (أَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِالْقَبْضِ ثُمَّ أَنْكَرَهُ فَقَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ) مُؤَاخَذَةٌ لِلْمُقِرِّ بِإِقْرَارِهِ لِحَدِيثِ «لَا عُذْرَ لِمَنْ أَقَرَّ» (فَإِنْ طَلَبَ الْمُنْكِرُ يَمِينَهُ) أَيْ: يَمِينَ خَصْمِهِ أَنَّهُ مَا أَقَرَّ كَاذِبًا (فَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ: تَحْلِيفُهُ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ وَيَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ.
(إنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي الْقَبْضِ (فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبَضْته) أَيْ: الرَّهْنَ فَصَارَ
لَازِمًا (وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ) ذَلِكَ (فَقَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ) فَإِنْ كَانَ بِيَدِ الرَّاهِنِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ وَإِنْ كَانَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ قَبْضُهُ بِحَقٍّ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ) فِي الْقَبْضِ (فَقَالَ الرَّاهِنُ: أَخَذْته) أَيْ: الرَّهْنَ (بِغَيْرِ إذْنِي) فَلَمْ يَلْزَمْ (فَقَالَ) الْمُرْتَهِنُ: (بَلْ) أَخَذْته (بِإِذْنِك وَهُوَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَقَوْلُ الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَإِنْ قَالَ) الرَّاهِنُ: (أَذِنْت لَك) فِي قَبْضِهِ (ثُمَّ رَجَعْت قَبْلَ الْقَبْضِ فَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ) رُجُوعَهُ (فَقَوْلُهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرُّجُوعِ.
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الرَّاهِنِ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبَضْته ثُمَّ غَصَبْتنِيهِ فَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
(وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ زَالَ لُزُومُهُ) ؛ لِأَنَّ تَخْمِيرَهُ بِمَنْزِلَةِ إخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لِمُسْلِمٍ عَلَى خَمْرٍ (وَوَجَبَتْ إرَاقَتُهُ) حِينَئِذٍ كَسَائِرِ الْخَمْرِ (فَإِنْ أُرِيقَ) مَا تَخَمَّرَ مِنْ الْعَصِيرِ (بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ عَادَ) مَا تَخَمَّرَ مِنْ الْعَصِيرِ (خَلًّا) قَبْلَ إرَاقَتِهِ (عَادَ لُزُومُهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ) كَمَا لَوْ زَالَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَنْهُ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ فَلَوْ اسْتَحَالَ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ وَلَمْ يَعُدْ بِعَوْدِهِ خَلًّا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ الْقَبْضِ أَشْبَهَ إسْلَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
(وَإِنْ أَجَرَهُ) أَيْ: أَجَّرَ الرَّاهِنُ (أَوْ أَعَارَهُ لِمُرْتَهِنٍ أَوْ) أَجَرَهُ أَوْ أَعَارَهُ لِ (غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مُرْتَهِنٍ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: إذْنِ مُرْتَهِنٍ (فَلُزُومُهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (بَاقٍ) ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ فَلَمْ يَفْسُدْ الْقَبْضُ (لَكِنَّهُ يَصِيرُ) الرَّهْنُ (فِي الْعَارِيَّةِ مَضْمُونًا) عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مِنْ مُرْتَهِنٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ كَمَا يَأْتِي.
[فَصْلٌ تَصَرُّفُ رَاهِنٍ فِي رَهْنٍ لَازِمٍ]
فَصْلٌ (وَتَصَرُّفُ رَاهِنٍ فِي رَهْنٍ لَازِمٍ) أَيْ: مَقْبُوضٍ (بِغَيْرِ إذْنِ مُرْتَهِنٍ بِمَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ عَقْدِهِ، كَهِبَةٍ وَوَقْفٍ وَبَيْعٍ وَرَهْنٍ وَنَحْوِهِ) كَجَعْلِهِ عِوَضًا فِي صَدَاقٍ أَوْ طَلَاقٍ (لَا يَصِحُّ) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَثِيقَةِ، وَلَيْسَ بِمَبْنِيٍّ عَلَى السِّرَايَةِ وَالتَّغْلِيبِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ كَفَسْخِ الرَّهْنِ (إلَّا الْعِتْقَ مَعَ تَحْرِيمِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَثِيقَةِ (فَإِنَّهُ يَنْفُذُ) ؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ مِنْ مَالِكٍ تَامِّ الْمِلْكِ فَنَفَذَ كَعِتْقِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ وَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى السِّرَايَةِ وَالتَّغْلِيبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَنْفُذُ
فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَفِي مِلْكِهِ أَوْلَى.
(وَلَوْ) كَانَ الرَّاهِنُ (مُعْسِرًا) نَفَذَ عِتْقُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُؤْخَذُ مِنْ) رَاهِنٍ (مُوسِرٍ) إذَا أَعْتَقَ الرَّهْنَ (قِيمَته) ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَثِيقَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ (وَقْتَ عِتْقِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ إتْلَافِهِ تَكُونُ (رَهْنًا مَكَانَهُ) ؛ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ الرَّهْنِ أَوْ بَدَلٌ عَنْهُ (وَمَتَى أَيْ: سَرَ) رَاهِنٌ (مُعْسِرٌ) وَقَدْ أَعْتَقَ الرَّهْنَ (بِقِيمَتِهِ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ أُخِذَتْ) الْقِيمَةُ (مِنْهُ وَجُعِلَتْ رَهْنًا) مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُهُ.
(وَإِنْ أَيْ: سَرَ) الرَّاهِنُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ وَكَانَ قَدْ أَعْتَقَ الرَّهْنَ (طُولِبَ بِالدَّيْنِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ تَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْحَقَّيْنِ مَعًا.
(وَإِنْ أَذِنَ) الْمُرْتَهِنُ (فِيهِ) أَيْ: الْعِتْقِ (أَوْ فِي غَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ) كَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ وَالْبَيْعِ وَالرَّهْنِ وَنَحْوِهِ (صَحَّ) التَّصَرُّفُ الْمَأْذُونُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ مِثْل ذَلِكَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَقَدْ أَسْقَطَهُ بِالْإِذْنِ (وَبَطَلَ الرَّهْنُ) ؛ لِأَنَّ مَا أُذِنَ فِيهِ يَمْتَنِعُ مَعَهُ جَوَازُ الرَّهْنِ ابْتِدَاءً فَامْتَنَعَ مَعَهُ دَوَامًا وَلَهَذَا قُيِّدَ فِيمَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: بِمَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ عَقْدِهِ احْتِرَازًا مِنْ نَحْوِ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْكِتَابَةِ وَنَحْوِهَا فَتَصِحُّ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَيَبْطُلُ بِهَا الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ عَقْدِهِ (وَإِنْ أَذِنَ) الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ (فِي الْبَيْعِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي قَرِيبًا) .
(وَلَهُ) أَيْ: الرَّاهِنِ (إخْرَاجُ زَكَاتِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (مِنْهُ بِلَا إذْنِ مُرْتَهِنٍ إنْ عَدِمَ غَيْرَهُ) لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِعَيْنِ الْمَالِ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي.
(وَمَتَى أَيْ: سَرَّ) الرَّاهِنُ (جَعَلَ بَدَلَهُ) أَيْ: بَدَلَ مَا أَخْرَجَ زَكَاةٍ (رَهْنًا) مَكَانَهُ كَبَدَلِ مَا أَعْتَقَهُ.
(وَلَهُ) أَيْ: لِلرَّاهِنِ (غَرْسُ أَرْضٍ) مَرْهُونَةٍ (إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا) ؛ لِأَنَّ تَعْطِيلَ مَنْفَعَتِهَا إلَى حُلُولِ الدَّيْنِ تَضْيِيعُ الْمَالِ وَقَدْ نَهَى عَنْهُ بِخِلَافِ الْحَالِ فَإِنَّ الرَّاهِنَ حِينَئِذٍ يُجْبَرُ عَلَى فَكِّ الرَّهْنِ بِالْوَفَاءِ أَوْ بَيْعِهِ فَلَا تُعَطَّلُ مَنْفَعَتُهَا.
قَالَ فِي الْكَافِي وَلَوْ ارْتَهَنَ أَرْضًا فَنَبَتَ فِيهَا شَيْءٌ دَخَلَ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ إنْمَائِهَا سَوَاءٌ نَبَتَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِفِعْلِ الرَّاهِنِ.
(وَ) لِلرَّاهِنِ (وَطْءُ) مَرْهُونَةٍ (بِشَرْطٍ أَوْ إذْنِ مُرْتَهِنٍ) ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَقَدْ أَسْقَطَهُ بِالْإِذْنِ فِيهِ أَوْ الرِّضَا بِهِ وَلِرَاهِنٍ (وَإِجَارَةٌ) الرَّهْنِ (وَإِعَارَتُهُ بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (أَيْضًا وَالرَّهْنُ بِحَالِهِ) وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى الرَّاهِنِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْوَطْءِ وَالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ (بِدُونِهِ) أَيْ: بِدُونِ إذْن الْمُرْتَهِنِ فِيهِ لَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ أَلِهِ أَنْ يَطَأَ؟ قَالَ لَا وَاَللَّهِ.
(وَلَا يُمْنَعُ) الرَّاهِنُ (مِنْ إصْلَاحِ الرَّهْنِ، وَدَفْعِ الْفَسَادِ عَنْهُ مِنْ سَقْيِ شَجَرٍ وَتَلْقِيحٍ وَإِنْزَاءِ فَحْلٍ عَلَى إنَاثٍ وَمُدَاوَاةٍ وَفَصْدٍ، وَنَحْوِهِ) كَتَشْرِيطٍ (وَفَنْحِ رَهْصَةٍ وَهُوَ التَّنْزِيغُ) أَيْ: الْبَيْطَرَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلرَّهْنِ، وَزِيَادَةٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ
مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَيْهِ فَلَمْ يَمْلِكْ الْمَنْعَ مِنْهُ وَكَذَا تَعْلِيمُ قِنٍّ صِنَاعَةً وَدَابَّةٍ السِّيَرَ.
(وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فُحُولًا لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ: لِلرَّاهِنِ (إطْرَاقُهَا بِغَيْرِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِهَا (إلَّا إنْ تَضَرَّرَ) الْفُحُولُ (بِتَرْكِهِ) أَيْ: الْإِطْرَاقِ (فَيَجُوزُ) ؛ لِأَنَّهُ (كَالْمُدَاوَاةِ) لَهُ (وَيُمْنَعُ) الرَّاهِنُ (مِنْ قَطْعِ أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ وَ) قَطْعِ (سَلْعَةٍ فِيهَا خَطَرٌ) مِنْ مَرْهُونٍ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ قَطْعِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بِهِ أَكْلَةٌ فَإِنَّهُ يَخَافُ مِنْ تَرْكِهَا، لَا قَطْعِهَا.
(وَيُمْنَعُ) الرَّاهِنُ (مِنْ خِتَانِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (إلَّا مَعَ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ يَبْرَأُ) الْمَخْتُونُ (قَبْلَ أَجَلِهِ وَالزَّمَانُ مُعْتَدِلٌ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَخْتُونِ (مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْخِتَانَ لَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ إذَنْ وَيَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ.
(وَلِلْمُرْتَهِنِ مُدَاوَاةُ مَاشِيَةٍ) مَرْهُونَةٍ (لِمَصْلَحَةٍ) ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا حَقُّ التَّوَثُّقِ.
(وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ الِانْتِفَاعُ بِالرَّهْنِ بِاسْتِخْدَامٍ، وَلَا وَطْءِ الْأَمَةِ، وَلَوْ) كَانَتْ (آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً) لَا تَحْمِلُ كَالْمُسْتَبْرَأَةِ (وَلَا) لِلرَّاهِنِ (سُكْنَى) الْمَرْهُونِ (وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ بِإِجَارَةٍ وَلَا إعَارَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ) وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ رِضَا الرَّاهِنِ (وَتَكُونُ مَنَافِعُهُ مُعَطَّلَةً) إذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى التَّصَرُّفِ.
(فَإِنْ كَانَتْ) الْمَرْهُونَةُ (دَارًا أُغْلِقَتْ، وَإِنْ كَانَ) الْمَرْهُونُ (عَبْدًا أَوْ غَيْرَهُ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُ، حَتَّى يُفَكَّ الرَّهْنُ) وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بِالْحَقِّ.
(وَيَصِحُّ رَهْنُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهَا.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الرَّاهِنِ (تَزْوِيجُ الْأَمَةِ الْمَرْهُونَةِ) بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: زَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ (لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ ثَمَنَهَا فَلَمْ يَصِحَّ كَتَزْوِيجِ الْعَبْدِ.
(وَلَا وَطْؤُهَا) أَيْ: لَيْسَ لِلرَّاهِنِ وَطْءُ الْأَمَةِ الْمَرْهُونَةِ (فَإِنْ فَعَلَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ (وَلَا مَهْرَ) لِذَلِكَ.
(وَإِنْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهَا أَوْ نَقَصَهَا، مِثْلَ أَنْ افْتَضَّ الْبِكْرَ) أَيْ: أَزَالَ بَكَارَتَهَا (أَوْ أَفْضَاهَا) أَيْ: خَرَقَ مَا بَيْنَ سَبِيلَيْهِمَا، أَوْ مَا بَيْن مَخْرَجِ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ (فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ) أَيْ: أَرْشُ نَقْصِهَا (فَإِنْ شَاءَ) الرَّاهِنُ (جَعَلَهُ رَهْنًا مَعَهَا، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ قَضَاءً مِنْ الْحَقِّ إنْ لَمْ يَكُنْ) الْحَقُّ قَدْ (حَلَّ، وَإِنْ كَانَ) الْحَقُّ (قَدْ حَلَّ جَعْلُهُ قَضَاءً) عَنْ الْحَقِّ (لَا غَيْرَ) ؛ لِأَنَّهُ يَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْحَقَّيْنِ.
(وَإِنْ أَوْلَدَهَا) الرَّاهِنُ (بِأَنْ) وَطِئَ الْمَرْهُونَةَ فَ (أَحْبَلَهَا بَعْدَ لُزُومِ الرَّهْنِ وَوَلَدَتْ مَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ) وَهُوَ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ وَلَوْ خَفِيًّا (خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ) ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ (وَأُخِذَتْ مِنْهُ) أَيْ: الرَّاهِنِ (قِيمَتُهَا حِينَ أَحْبَلَهَا) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ إتْلَافِهَا (فَجُعِلَتْ رَهْنًا) مَكَانهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ تَلِفَتْ بِسَبَبِ الْحَمْلِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِسَبَبٍ كَانَ
مِنْهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُفْضِي إلَى الْإِحْبَالِ وَلَا يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ فَالْإِذْنُ فِي سَبَبِهِ إذْنٌ فِيهِ (فَإِنْ أَذِنَ) الْمُرْتَهِنُ فِي الْوَطْءِ (ثُمَّ رَجَعَ) قَبْلَهُ (فَكَمَنْ لَمْ يَأْذَنْ) فِيهِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَرِثَهُ الْآخَرُ أَوْ وَرَثَتُهُمَا (فِي الْإِذْنِ) فِي الْوَطْءِ أَوْ غَيْرِهِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ) الْإِذْنَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ فَإِنْ تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى وَارِثِ الْمُرْتَهِنِ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَإِنْ نَكَلَ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِالْإِذْنِ) فِي الْوَطْءِ (وَأَنْكَرَ) الْمُرْتَهِنُ (كَوْنَ الْوَلَدِ مِنْ الْوَطْءِ الْمَأْذُونِ فِيهِ) وَقَالَ: هُوَ مِنْ وَطْءٍ آخَرَ (أَوْ قَالَ) هُوَ أَيْ: الْوَلَدُ (مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا فَقَوْلُ الرَّاهِنِ بِغَيْرِ يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّا لَمْ نُلْحِقْهُ بِهِ بِدَعْوَاهُ، بَلْ بِالشَّرْعِ (إنْ اعْتَرَفَ الْمُرْتَهِنُ بِالْإِذْنِ فِي الْوَطْءِ، وَ) اعْتَرَفَ (بِالْوَطْءِ وَ) اعْتَرَفَ (بِالْوِلَادَةِ، وَ) اعْتَرَفَ (بِمُضِيِّ مُدَّةٍ بَعْدَ الْوَطْءِ يُمْكِنُ أَنْ تَلِدَهُ فِيهَا) فَإِنْ عَاشَ اُعْتُبِرَ مُضِيُّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحِمْلِ.
(وَإِنْ أَذِنَ) الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ (فِي ضَرْبِهَا) أَيْ: ضَرْبِ الْمَرْهُونَةِ (فَضُرِبَتْ فَتَلِفَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ الضَّرْبِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
(وَإِذَا رَهَنَهَا) أَيْ: الْأَمَةَ (فَبَانَتْ حَائِلًا) لَا حَمْلَ بِهَا (أَوْ) بَانَتْ (حَامِلًا بِوَلَدٍ لَا يَلْحَقُ بِالرَّاهِنِ) ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًا أَوْ زَوْجٍ (فَالرَّهْنُ) بَاقٍ (بِحَالِهِ) ؛ لِعَدَمِ مَا يُبْطِلُهُ (وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ) الْوَلَدُ (يَلْحَقُ بِهِ) أَيْ: بِالرَّاهِنِ (لَكِنْ لَا تَصِيرُ بِهِ) الْأَمَةُ (أُمَّ وَلَدٍ مِثْلَ إنْ وَطِئَهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ) أَوْ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (ثُمَّ مَلَكَهَا ثُمَّ رَهَنَهَا) فَبَانَتْ حَامِلًا مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ.
(وَإِنْ بَانَتْ) الْأَمَةُ (حَامِلًا بِمَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ) بِأَنْ وَطِئَهَا فِي مِلْكِهِ ثُمَّ رَهَنَهَا ثُمَّ ظَهَرَ حَمْلُهَا (بَطَلَ الرَّهْنُ) أَيْ: تَبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا.
(وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ وَلَوْ كَانَ) رَهْنُهَا (مَشْرُوطًا فِي الْبَيْعِ) ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ رَهْنِهَا مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ لَا مِنْ الْمُشْتَرِي.
(وَإِنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ لُزُومِ الرَّهْنِ) وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ (قَبْلَ) قَوْلِ الرَّاهِنِ (فِي حَقِّهِ) وَحْدَهُ (وَلَا يُقْبَلُ) قَوْلُهُ (فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ وَبَقَاءُ التَّوْثِقَةِ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِهِ.
(وَإِنْ أَذِنَ مُرْتَهِنٌ لِرَاهِنٍ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ) فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ (بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا مَكَانَهُ) فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ الثَّانِي مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ أَذِنَ) مُرْتَهِنٌ (فِي بَيْعِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (بَعْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ صَحَّ الْبَيْعُ) ؛ لِصُدُورِهِ مِنْ الْمَالِكِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ.
(وَبَطَلَ الرَّهْنُ فِي عَيْنِهِ وَصَارَ الثَّمَنُ رَهْنًا) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الرَّهْنِ (وَيَأْخُذُ الدَّيْنَ الْحَالَ مِنْهُ) لِأَنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ بَيْعُهُ وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ
ثَمَنِهِ (وَمَا سِوَاهُ) أَيْ: سِوَى مَا أُخِذَ فِي الدَّيْنِ الْحَالِ (يَبْقَى رَهْنًا إلَى) حُلُولِ (أَجَلِهِ) أَيْ: الْمُؤَجَّلِ فَيُوَفَّى مِنْهُ أَيْ: فِي حَالَ الشَّرْطِ.
(وَ) الثَّالِثُ: إذَا أَذِنَ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ (بِدُونِهِمَا أَيْ: حُلُولِ الدَّيْنِ، أَوْ الشَّرْطِ) جُعِلَ (ثَمَنُهُ رَهْنًا) ف (يَبْطُلُ) الرَّهْنُ بِ (الْبَيْعِ) لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَلَا يَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا مَكَانَهُ؛ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ وَحُلُولِ الدَّيْنِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي وَمُتَابِعِيهِ، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تُوهِمُ بُطْلَانَ الْبَيْعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَبِدُونِهِمَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: الثَّانِي أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ بِإِذْنٍ مُطْلَقٍ فَيَبْطُلُ الرَّهْنُ وَيَسْقُطُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَثِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي عَيْنِ الرَّهْنِ تَصَرُّفًا لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُرْتَهِنُ فَأَبْطَلَهُ كَالْعِتْقِ وَكَذَا فِي الْمُغْنِي.
(فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ) بِأَنْ قَالَ الرَّاهِنُ: بِعْته بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: لَمْ آذَنْ لَهُ (فَقَوْلُ مُرْتَهِنٍ) أَوْ وَارِثِهِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ.
(فَإِنْ أَقَرَّ) الْمُرْتَهِنُ (بِهِ) أَيْ: الْإِذْنِ (وَاخْتَلَفَا فِي شَرْطِ جَعْلِ ثَمَنِهِ رَهْنًا) مَكَانَهُ، بِأَنْ قَالَ الرَّاهِنُ: لَمْ تَشْتَرِطْهُ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: اشْتَرَطْته (فَقَوْلُ الرَّاهِنِ) أَوْ وَارِثِهِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ.
(وَإِنْ أَذِنَ) الْمُرْتَهِنُ (لَهُ) أَيْ: لِلرَّاهِنِ (فِي بَيْعِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ (بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ) فَبَاعَهُ (صَحَّ الْبَيْعُ) لِلْإِذْنِ (وَلَغَا الشَّرْطُ) ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ أَخَذَ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ، فَإِذَا أَسْقَطَ بَعْضَ مُدَّةِ الْأَجَلِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِذْن فَقَدْ أَذِنَ بِعِوَضٍ وَهُوَ مَا يُقَابِلُ الْبَاقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْأَجَلِ مِنْ الثَّمَنِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فَيَلْغُو.
(وَيَكُونُ الثَّمَنُ) حِينَئِذٍ (رَهْنًا) مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَمْ يَأْذَنْ فِي الْبَيْعِ إلَّا طَامِعًا فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْهُ مُطْلَقًا.
(وَلِلْمُرْتَهِنِ الرُّجُوعُ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ أَذِنَ فِيهِ) لِرَاهِنٍ (قَبْلَ وُقُوعِهِ) ؛ لِعَدَمِ لُزُومِهِ (فَإِنْ ادَّعَى) الْمُرْتَهِنُ (أَنَّهُ رَجَعَ) عَنْ الْإِذْنِ (قَبْلَ الْبَيْعِ) وَنَحْوِهِ (لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَيْ: الْمَبِيعَ وَنَحْوَهُ تَعَلَّقَ (بِهِ حَقٌّ ثَالِثٌ) فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي إبْطَالِهِ (وَلَوْ ثَبَتَ رُجُوعُهُ) أَيْ: أَنَّ الْمُرْتَهِنَ رَجَعَ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ (وَتَصَرَّفَ الرَّاهِنُ جَاهِلًا رُجُوعَهُ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ) كَالْوَكِيلِ إذَا تَصَرَّفَ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَزْلِ مُوَكِّلِهِ لَهُ.
(وَنَمَاءُ الرَّهْنِ، مُتَّصِلًا كَانَ) النَّمَاءُ (أَوْ مُنْفَصِلًا وَكَسْبُهُ وَغَلَّاتُهُ، وَصُوفُهُ وَلَبَنُهُ، وَوَرَقُ شَجَرِهِ الْمَقْصُودُ، وَمَهْرُهُ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ الْمُوجِبَةُ لِلْمَالِ) أَوْ لِلْقِصَاصِ، أَوْ اُخْتِيرَ الْمَالُ.
(وَمَا يَسْقُطُ مِنْ لِيفِهِ وَسَعَفِهِ وَعَرَاجِينِهِ، وَزَرَجُونِ الْكَرْمِ) بِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَجِيمٍ مَضْمُومَةٍ: قُضْبَانُ الْكَرْمِ، ذَكَرَهُ الْجَوَالِيقِيُّ (وَمَا قُطِعَ مِنْ الشَّجَرِ مِنْ حَطَبٍ، وَأَنْقَاضِ الدَّارِ تَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِهِ) أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ مَنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ (كَالْأَصْلِ فَتُبَاعُ مَعَهُ إذَا بِيعَ) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ عَلَى الْعَيْنِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا ذُكِرَ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَفِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ جُزْءٍ مِنْهُ فَكَانَتْ مِنْ الرَّهْنِ كَقِيمَتِهِ إذَا أَتْلَفَهُ إنْسَانٌ (وَتَأْتِي الْجِنَايَةُ) عَلَى الرَّهْنِ (الْمُوجِبَةُ لِلْقِصَاصِ) مُفَصَّلَةً.
(وَإِذَا رَهَنَ أَرْضًا أَوْ دَارًا أَوْ غَيْرَهُمَا) كَبُسْتَانٍ وَطَاحُونٍ (تَبِعَهُ فِي الرَّهْنِ مَا يَتْبَعُ) الْمَبِيعَ (فِي الْبَيْعِ مِنْ شَجَرٍ وَغَيْرِهِ وَمَا لَا) يُتَّبَعُ فِي الْبَيْعِ (فَلَا) يُتَّبَعُ فِي الرَّهْنِ.
[فَصْلٌ فِي مُؤْنَةُ الرَّهْنِ]
فَصْلٌ وَمُؤْنَةُ الرَّهْنِ.
مِنْ طَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَسْكَنِهِ وَحَافِظِهِ (وَكَفَنِهِ وَبَقِيَّةِ تَجْهِيزِهِ إنْ مَاتَ، وَأُجْرَة مُخَزِّنه إنْ كَانَ مَخْزُونًا وَ) أُجْرَة (سَقْيِهِ وَتَلْقِيحِهِ وَزبَارِهِ) أَيْ: قَطْعِ الْأَغْصَانِ الرَّدِيئَةِ لِتَخْلُفَهَا أَغْصَانٌ جَدِيدَةٌ مِنْ الْكَرْمِ (وَجِذَاذِهِ، وَرَعْيِ مَاشِيَةٍ) مَرْهُونَةٍ (وَرَدِّهِ) أَيْ: رَدِّ الْمَرْهُونِ (مِنْ إبَاقِهِ وَ) أُجْرَةِ (مُدَاوَاتِهِ لِمَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ، وَخِتَانِهِ: عَلَى الرَّاهِنِ) لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ حَسَنٌ مُتَّصِلٌ؛ وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ فَكَانَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ تَابِعَةٌ لِمُؤْنَتِهِ.
(فَإِنْ) امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ بَذْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِمَّا تَقَدَّمَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَخَذَ الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ وَفِعْلِهِ فَإِنْ (تَعَذَّرَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ الرَّهْنِ) لِغَيْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَمْ يَقْدِرْ لَهُ عَلَى مَالٍ (بِيعَ كُلُّهُ وَعَلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُ ثَمَرِهِ مِنْهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ: الرَّاهِنِ (فِعْلُهُ بِقَدَرِ الْحَاجَةِ) ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنْ إضَاعَةِ الْكُلِّ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ " فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ " مِنْ نَحْوِ مُدَاوَاتِهِ وَخِتَانِهِ (فَإِنْ خِيفَ اسْتِغْرَاقُهُ) أَيْ: اسْتِغْرَاقُ الْبَيْعِ لِلرَّهْنِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ (بِيعَ كُلُّهُ) وَجُعِلَ ثَمَنُهُ رَهْنًا مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لَهُمَا (وَعَلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُ الثَّمَرَةِ) الْمَرْهُونَةِ (إذَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ) أَيْ: التَّجْفِيفِ (وَالْحَقُّ مُؤَجَّلٌ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْنَةِ الَّتِي تُحْفَظُ بِهَا وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ) الْحَقُّ (حَالًا بِيعَتْ) الثَّمَرَةُ وَوُفِّيَ مِنْهَا الدَّيْنُ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى تَجْفِيفِهَا.
(وَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (عَلَى بَيْعِهَا) أَيْ: الثَّمَرَةِ (وَجَعْلِ ثَمَنِهَا رَهْنًا) مَكَانَهَا بِدَيْنٍ (مُؤَجَّلٍ جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (فَإِنْ اخْتَلَفَا) بِأَنْ طَلَبِ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ وَالْآخَرُ
بَقَاءَهَا (قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ يَسْتَبْقِيهَا) إلَى حُلُولِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ وُجُوبِ بَيْعِهَا (إلَّا أَنْ تَكُونَ) الثَّمَرَةُ (مِمَّا تَقِلُّ قِيمَتُهُ بِالتَّجْفِيفِ، وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ رُطَبًا) أَوْ عِنَبًا (فَيُبَاعُ) كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لَهُمَا (وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا) مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُهُ.
(وَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ: الْمُتَرَاهِنَانِ (عَلَى قَطْعِهَا) أَيْ: الثَّمَرَةِ (فِي وَقْتٍ جَازَ، حَالًا كَانَ الْحَقُّ أَوْ مُؤَجَّلًا، أَوْ كَانَ الْأَصْلَحُ الْقَطْعَ أَوْ التَّرْكَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا فَمهمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ جَازَ.
(وَيُقَدَّمُ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْأَصْلَحَ) مِنْ الْقَطْعِ أَوْ التَّرْكِ (إنْ كَانَ ذَلِكَ) الْقَطْعُ (قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتَ بَيْعَهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ قُدِّمَ (قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْقَطْعَ) مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلَحَ؛ لِأَنَّهُ إنْ طَلَبَهُ الرَّاهِنُ فَالضَّرَرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْمُرْتَهِنُ فَهُوَ لَا يُجْبَرُ عَلَى تَأْخِيرِ حَقِّهِ بَعْد حُلُولِهِ.
(وَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا قَبْلَ كَمَالِهَا) كَثَمَرَةِ الْجَوْزِ (لَمْ يَجُزْ قَطْعُهَا قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ كَمَالِهَا (وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ، وَقَدْ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ السَّفَرَ بِالْمَاشِيَةِ لِيَرْعَاهَا فِي مَكَان آخَرَ وَكَانَ لَهَا فِي مَكَانِهَا مَرْعَى تَتَمَاسَكُ بِهِ فَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ) مِنْ السَّفَرِ بِهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ إخْرَاجَهَا عَنْ يَدِهِ وَنَظَرِهِ (وَإِنْ أَجْدَبَ مَكَانُهَا) أَيْ: مَحَلُّ رَعْيِهَا (فَلَمْ تَجِدْ مَا تَتَمَاسَكُ بِهِ فَلَهُ) أَيْ: الرَّاهِنِ (السَّفَرُ بِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ (إلَّا أَنَّهَا تَكُونُ) الْمَاشِيَةُ (فِي يَدِ عَدْلٍ يَرْضَيَانِ بِهِ، أَوْ يُنَصِّبُهُ الْحَاكِمُ) فَيُسَافِرُ هُوَ بِهَا (وَلَا يَنْفَرِدُ الرَّاهِنُ بِهَا) ؛ لِئَلَّا يَفُوتَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ التَّوَثُّقِ (فَإِنْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ السَّفَرِ بِهَا) مَعَ جَدْبِ مَكَانِهَا (فَلِلْمُرْتَهِنِ نَقْلُهَا) لِلْحَاجَةِ.
(وَإِنْ أَرَادَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (السَّفَرَ بِهَا وَ) لَكِنْ (اخْتَلَفَا فِي مَكَانِهَا قُدِّمَ مَنْ يُعَيِّنُ الْأَصْلَحَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا قُدِّمَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنُ) ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْيَدِ (وَأَيُّهُمَا أَرَادَ نَقْلَهَا عَنْ الْبَلَدِ مَعَ خَصْبِهِ إلَى مِثْلِهِ أَوْ) إلَى (أَخْصَبَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى نَقْلِهَا إلَى خِصْبٍ مِثْلِ مَكَانِهَا، أَوْ أَخْصَبَ (جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا.
(وَلَا يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى مُدَاوَاةِ الرَّهْنِ) وَلَا فَتْحِ عِرْقِهِ؛ لِأَنَّ الشِّفَاءَ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ يَجِيءُ بِدُونِهِ، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ.
(وَلَا) يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى (إنْزَاءِ الْفَحْلِ عَلَى الْإِنَاثِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِبَقَائِهَا (وَ) لَا يُجْبَرُ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِبَقَاءِ الرَّهْنِ.
وَإِنْ احْتَاجَتْ الْمَاشِيَةُ لِرَاعٍ لَزِمَ الرَّاهِنَ؛ لِأَنَّهُ لَا قِوَامَ لَهَا بِدُونِهِ (وَإِنْ جَرِبَتْ الْمَاشِيَةُ) الْمَرْهُونَةُ (فَلِلرَّاهِنِ دَهْنُهَا بِمَا يُرْجَى نَفْعُهُ وَلَا يُخَافُ ضَرَرُهُ كَالْقَطِرَانِ وَالزَّيْتِ الْيَسِيرِ) كَمُدَاوَاةِ الْقِنِّ (وَإِنْ خِيفَ ضَرَرُهُ ك) الزَّيْتِ (الْكَثِيرِ فَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا فَوَّتَ عَلَيْهِ الرَّهْنَ (وَهُوَ) أَيْ: الرَّهْنُ (أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ فِعْلِهِ خَوْفًا مِنْ الضَّمَانِ، وَذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى تَعْطِيلِ الْمُدَايِنَاتِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ فَلَا يُضْمَنُ كَالزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ.
(وَلَوْ قَبْلَ الْعَقْدِ) بِأَنْ وَضَعَ لَهُ الْعَيْنَ لِيَرْهَنَهَا بَعْدُ فَتَلِفَتْ فَلَا ضَمَانَ (ك) مَا لَوْ تَلِفَ الرَّهْنُ (بَعْدَ الْوَفَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ) مِنْ الدَّيْنِ.
(وَإِنْ تَلِفَ الرَّهْنُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (أَوْ تَفْرِيطٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (كَمَا لَوْ تَلِفَ تَحْتَ يَدِ الْعَدْلِ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ مُؤْنَةُ (رَدِّهِ) بَلْ يُخَلِّي بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَهُ (كَالْوَدِيعَةِ) وَالْأُجْرَةِ، بِخِلَافِ الْعَارِيَّةِ (فَإِنْ سَأَلَ مَالِكَهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (دَفْعَهُ إلَيْهِ) بَعْد فَكِّهِ (لَزِمَ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ دَفْعُهُ إلَيْهِ) أَيْ: أَنْ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ (إذَا أَمْكَنَهُ) ذَلِكَ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) الْمُرْتَهِنُ أَوْ الْعَدْلُ مَعَ الْإِمْكَانِ (صَارَ ضَامِنًا) بِمَنْعِهِ رَبَّهُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ (وَإِنْ تَعَدَّى) الْمُرْتَهِنُ (فِيهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (أَوْ فَرَّطَ زَالَ ائْتِمَانُهُ كَوَدِيعَةٍ وَيَصِيرُ) الرَّهْنُ (مَضْمُونًا) حِينَئِذٍ لِتَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ (وَالرَّهْنُ) بَاقٍ (بِحَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ أَمَانَةً وَاسْتِيثَاقًا فَإِذَا زَالَ أَحَدُهُمَا بَقِيَ الْآخَرُ.
(وَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ) إنْ لَمْ يَتَعَدَّ أَوْ يُفَرِّطْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ قَبْلَ التَّلَفِ، لَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطهُ فَبَقِيَ بِحَالِهِ (كَدَفْعِ عَبْدٍ) أَوْ نَحْوِهِ لِرَبِّ دَيْنٍ (يَبِيعُهُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ، وَكَحَبْسِ عَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ) تَعَجَّلَ رَبُّهَا أُجْرَتَهَا ثُمَّ انْفَسَخَ الْعَقْدُ (بَعْدَ الْفَسْخِ عَلَى الْأُجْرَةِ وَيَتْلَفَانِ) أَيْ: الْعَبْدُ الْمَدْفُوعُ لِمَنْ يَبِيعُهُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَالْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ الْمَحْبُوسَةُ عَلَى أُجْرَتِهَا بَعْدَ الْفَسْخِ فَلَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ وَلَا الْأُجْرَةُ بِتَلَفِهَا؛ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِهِمَا (بِخِلَافِ حَبْسِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ الْمُتَمَيِّزَ عَلَى ثَمَنِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ) ثَمَنُهُ (بِتَلَفِهِ) فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُهُ وَالرَّهْنُ لَيْسَ بِعِوَضِ الدَّيْنِ.
(وَإِذَا تَلِفَ الرَّهْنُ لَمْ يَلْزَمْ الرَّاهِنَ أَنْ يَرْهَنَ مَكَانَهُ رَهْنًا آخَرَ) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِنْ أَصْلِهِ جَائِزٌ غَيْرُ وَاجِبٍ.
(وَإِنْ قَضَى بَعْضَ دَيْنِهِ) أَيْ: دَيْنِ الْمَدِينِ (أَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ وَبِبَعْضِهِ) أَيْ: الدَّيْنِ (رَهْنٌ أَوْ كَفِيلٌ وَقَعَ عَمَّا نَوَاهُ الدَّافِعُ أَوْ الْمُبْرِئُ) ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِي ذَلِكَ لَهُ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا عَيَّنَهُ فَمَنْ عَلَيْهِ مِائَتَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ أَوْ كَفِيلٌ فَوَفَّى مِنْهُمَا مِائَةً، أَوْ أُبْرِئَ مِنْهَا فَإِنْ نَوَى الْقَاضِي أَوْ الْمُبْرِئُ الْمِائَةَ الَّتِي بِهَا الرَّهْنُ أَوْ الْكَفِيلُ وَقَعَ عَنْهَا وَانْفَكَّ الرَّهْنُ، وَبَرِيءَ الْكَفِيلُ، وَإِنْ نَوَى الْآخَرُ عَنْهَا وَقَعَ، وَالرَّهْنُ أَوْ الْكَفِيلُ بِحَالِهِ.
(وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْقَاضِي أَوْ
الْمُبْرِئِ (فِي النِّيَّةِ وَاللَّفْظِ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِمَا صَدَرَ مِنْهُ (فَإِنْ أَطْلَقَ) وَلَمْ يُعَيِّنْ إحْدَى الْمِائَتَيْنِ بِلَفْظِهِ وَلَا نِيَّتِهِ حَالَ الْقَضَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ (صَرَفَهُ) بَعْدَ ذَلِكَ (إلَى أَيُّهُمَا شَاءَ) ؛ لِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ مَالَانِ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ فَأَدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا كَانَ لَهُ صَرْفُهُ إلَى أَيُّهُمَا شَاءَ (وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الرَّهْنِ) وَبَقِيَ بَعْضُهُ (فَبَاقِيه رَهْنٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ كُلَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الرَّهْنِ.
(وَلَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (عَيْنَيْنِ تَلِفَ أَحَدُهُمَا) فَالدَّيْنُ مُتَعَلِّقٌ بِالْأُخْرَى، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ وَلَوْ أَمْكَنَ قِسْمَتُهُ حَتَّى يُقْضَى جَمِيعُ الدَّيْنِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ لِأَنَّ حَقَّ الْوَثِيقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الرَّهْنِ، فَيَصِيرُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ الْحَقِّ وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ لَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ يُقْضَى جَمِيعُهُ (حَتَّى وَلَوْ قَضَى أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ مَا يَخُصُّهُ مِنْ دَيْنٍ بِرَهْنٍ) رَهَنَهُ مُوَرِّثُهُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (فِي التَّلَفِ) بِيَمِينِهِ إنْ أَطْلَقَ أَوْ ذَكَرَ سَبَبًا خَفِيًّا كَسَرِقَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (دُونَ الرَّدِّ) فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِحَظِّ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ ادَّعَاهُ) الْمُرْتَهِنُ، أَيْ: التَّلَفَ (بِحَادِثٍ ظَاهِرٍ قُبِلَ قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (فِيهِ) أَيْ: فِي التَّلَفِ (بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِالْحَادِثِ) الظَّاهِرِ لِعَدَمِ خَفَائِهِ (ثُمَّ) بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِالْحَادِثِ الظَّاهِرِ فَيُقْبَلُ (قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (فِي تَلَفِهِ بِهِ) أَيْ: بِالْحَادِثِ الظَّاهِرِ (بِدُونِهَا) أَيْ: بِدُونِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِأَنَّهُ تَلِفَ بِالْحَادِثِ الظَّاهِرِ (وَإِنْ رَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ) مَثَلًا (فَوَفَّى أَحَدُهُمَا) انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ فَكَأَنَّهُ رَهَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ مُنْفَرِدًا (أَوْ رَهَنَهُ رَجُلَانِ) مَثَلًا (شَيْئًا فَوَفَّاهُ أَحَدُهُمَا) مَا عَلَيْهِ (انْفَكَّ) الرَّهْنُ (فِي نَصِيبِهِ) ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مُتَعَدِّدٌ فَتَعَلَّقَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِنَصِيبِهِ (كَتَعَدُّدِ الْعَقْدِ) .
فَلَوْ رَهَنَ اثْنَانِ عَبْدًا لَهُمَا عِنْدَ اثْنَيْنِ بِأَلْفٍ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ عُقُودٍ وَيَصِيرُ كُلُّ رُبُعٍ مِنْهُ رَهْنًا بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَمَتَى قَضَى فِي شَيْءٍ انْفَكَّ مِنْ الرَّهْنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
(فَإِنْ أَرَادَ مَنْ انْفَكَّ نَصِيبُهُ) مِنْ الرَّهْنِ (مُقَاسَمَةَ الْمُرْتَهِنِ وَكَانَ الرَّهْنُ مِمَّا لَا تُنْقِصُهُ الْقِسْمَةُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ مِمَّا تُنْقِصُهُ الْقِسْمَةُ (فَلَا) يُجِيبُهُ الْمُرْتَهِنُ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ (وَيُقِرُّ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، بَعْضُهُ رَهْنٌ وَبَعْضُهُ وَدِيعَةٌ) حَتَّى يُوَفِّيَ دَيْنَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
(وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ لَزِمَ) الْمَدِينَ (الرَّاهِنَ الْإِيفَاءُ) ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ حَالٌّ فَلَزِمَ إيفَاؤُهُ كَاَلَّذِي لَا رَهْنَ بِهِ (فَإِنْ امْتَنَعَ) الْمَدِينُ (مِنْ وَفَائِهِ فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ أَذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ) فِي بَيْعِهِ (أَوْ) أَذِنَ (الْعَدْلُ فِي بَيْعِهِ بَاعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ.
(وَوَفَّى الدَّيْنَ) مِنْ ثَمَنِهِ (لَكِنْ لَوْ بَاعَهُ الْعَدْلُ) بِإِذْنِ الرَّاهِنِ (اُشْتُرِطَ إذْن الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَحِقَهُ فَلَمْ يَجُزْ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهِ (وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ إذْنِ الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى الْإِذْنِ.
(وَيَجُوزُ لِلْعَدْلِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ) إذَا أَتْلَفَ الرَّهْنَ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ مَكَانَهُ (بَيْعُ قِيمَةِ الرَّهْنِ) أَوْ مِثْلُهُ (كَأَصْلِهِ) الْمَأْخُوذِ عَنْهُ الْقِيمَةَ (بِالْإِذْنِ الْأَوَّلِ) وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ إذْنٍ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يَقُومُ مَقَامَ مُبْدَلِهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الرَّاهِنُ (أَذِنَ) فِي بَيْعِ الرَّهْنِ (أَوْ) كَانَ أَذِنَ فِيهِ (ثُمَّ) (عَزَلَهُ رَفَعَ) الْمُرْتَهِنُ (الْأَمْرَ إلَى حَاكِمٍ فَيُجْبِرُهُ) أَيْ: الْمَدِينَ (عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ أَوْ بَيْعِ الرَّهْنِ) لِلْوَفَاءِ مِنْ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْحَاكِمِ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى عَزَلَهُ عَنْ الْبَيْعِ فَلِلْمُرْتَهِنِ فَسْخُ الْبَيْعِ الَّذِي جُعِلَ الرَّهْنُ بِثَمَنِهِ، كَمَا لَوْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَسْلِيمِ الرَّهْنِ الْمَشْرُوطِ فِي الْبَيْعِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) الرَّاهِنُ ذَلِكَ (حَبَسَهُ) الْحَاكِمُ (أَوْ عَزَّرَهُ لِيَبِيعَهُ) أَوْ يُوَفِّيَ الدَّيْنَ (فَإِنْ أَبَى) الرَّاهِنُ (بَاعَهُ) الْحَاكِمُ (عَلَيْهِ وَقَضَى الدَّيْنَ) مِنْ ثَمَنِهِ؛؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ أَدَاؤُهُ (وَحُكْمُ) الْمَدِينِ (الْغَائِبِ حُكْمُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْوَفَاءِ) فَيَبِيعُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَيُوَفِّي الدَّيْنَ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ مَالِ الْغَائِبِ، كَمَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَمَتَى لَمْ يُمْكِنْ بَيْعُ الرَّهْنِ إلَّا بِخُرُوجِ الْمَدْيُونِ مِنْ الْحَبْسِ أَوْ كَانَ بَيْعُهُ وَهُوَ فِي الْحَبْسِ ضَرَرًا عَلَيْهِ وَجَبَ إخْرَاجُهُ) مِنْ الْحَبْسِ لِيَبِيعَهُ.
(وَيَضْمَنَ عَلَيْهِ أَوْ يَمْشِيَ مَعَهُ هُوَ) أَيْ: رَبُّ الْحَقِّ (أَوْ وَكِيلُهُ) إنْ خِيفَ هَرَبُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
[فَصْلٌ إذَا قَبَضَ الرَّهْنَ مَنْ تَرَاضَى الْمُتَرَاهِنَانِ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ عَلَى يَدِهِ]
فَصْلٌ (وَإِذَا قَبَضَ الرَّهْنَ مَنْ تَرَاضَى الْمُتَرَاهِنَانِ أَنْ يَكُونَ) الرَّهْنُ (عَلَى يَدِهِ صَحَّ قَبْضُهُ) لِلرَّهْنِ (وَكَانَ وَكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ) فِي قَبْضِهِ (وَقَامَ قَبْضُهُ مَقَامَ الْمُرْتَهِنِ فِي اللُّزُومِ بِهِ) أَيْ: بِقَبْضِهِ (إذَا كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ وَهُوَ الْجَائِزُ التَّصَرُّفِ فِ) أَيْ: الْحُرُّ الْبَالِغُ الرَّشِيدُ (مُسْلِمًا كَانَ) مَنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ تَحْتَ يَدِهِ (أَوْ كَافِرًا، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى) ؛ لِأَنَّهُ جَازَ تَوْكِيلُهُ فِي غَيْرِ الرَّهْنِ فَجَازَ فِيهِ كَالْعَدْلِ قَالَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُغْنِي وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ وَاضِحٌ بِخِلَافِ مَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى مِنْ اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ (لَا صَبِيًّا) أَوْ مَجْنُونًا أَوْ سَفِيهًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ (فَإِنْ فَعَلَا) أَيْ: جَعَلَاهُ تَحْتَ يَدِ صَبِيٍّ أَوْ نَحْوِهِ (فَقَبْضُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ) لَا أَثَرَ لَهُ.
(وَلَا عَبْدًا بِغَيْرِ إذْن سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لِسَيِّدِهِ فَلَا يَجُوزُ تَضْيِيعُهَا
فِي الْحِفْظِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ (وَلَا مُكَاتَبًا بِغَيْرِ جُعْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ جَازَ، لِأَنَّ لَهُ التَّكَسُّبَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
(وَإِنْ شَرَطَ جَعْلَهُ) أَيْ: الرَّهْنَ (فِي يَدِ اثْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِحِفْظِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ لَمْ يَرْضَيَا إلَّا بِحِفْظِهِمَا مَعًا فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ كَالْوَصِيَّيْنِ (وَيُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْحِفْظِ بِأَنْ يَجْعَلَاهُ) أَيْ: الرَّهْنَ (فِي مَخْزَنٍ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُفْلٌ) بِضَمِّ الْقَافِ، وَهُوَ الْغَلْقُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَدِيدٍ (فَإِنْ سَلَّمَهُ) أَيْ: الرَّهْنَ (أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النِّصْفِ) ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ.
(فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ شُرِطَ جَعْلُ الرَّهْنِ بِيَدِهِمَا (أَوْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِفِسْقٍ أَوْ ضَعْفٍ عَنْ الْحِفْظِ، أَوْ عَدَاوَةٍ) لِأَحَدِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ (أُقِيمَ مَقَامَهُ عَدْلٌ يُضَمُّ إلَى الْآخَرِ) فَيُقِيمُهُ الْحَاكِمُ إنْ لَمْ يَتَرَاضَ الْمُتَرَاهِنَانِ.
وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ يَوْمًا بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَيَوْمًا بِيَدِ فُلَانٍ جَازَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي مَوَاضِعَ قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
(وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ وَلَا الْمُرْتَهِنِ إذَا لَمْ يَتَّفِقَا، وَلَا الْحَاكِمِ نَقْلُ الرَّهْنِ عَنْ يَدِ مَنْ تَشَارَطَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (أَنْ يَكُونَ) الرَّهْنُ (عَلَى يَدِهِ إنْ كَانَ) الْمَشْرُوطُ جَعَلَهُ تَحْتَ يَدِهِ (عَدْلًا وَلَمْ تَتَغَيَّرْ حَالُهُ وَلَيْسَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا عَدَاوَةٌ) إذَا لَمْ يَمْلِكَاهُ فَالْحَاكِمُ أَوْلَى (وَلَهُ) أَيْ: لِمَنْ اتَّفَقَا أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ تَحْتَ يَدِهِ (رَدُّهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (عَلَيْهِمَا) أَيْ: الْمُتَرَاهِنَيْنِ.
(وَعَلَيْهِمَا قَبُولُهُ) مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ مُتَطَوِّعٌ بِالْحِفْظِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْمُقَامُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ (فَإِنْ امْتَنَعَا) أَيْ: الْمُتَرَاهِنَانِ مِنْ أَخْذِ الرَّهْنِ مِنْ الْعَدْلِ (أَجْبَرَهُمَا الْحَاكِمُ) عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ.
(فَإِنْ دَفَعَهُ الْحَاكِمُ إلَى أَمِينٍ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعِهِمَا) مِنْ أَخْذِهِ (ضَمِنَ الْحَاكِمُ وَالْأَمِينُ مَعًا) الرَّهْنَ؛ لِتَعَدِّي الْحَاكِمِ بِدَفْعِهِ مَعَ حُضُورِ مُسْتَحَقِّيهِ وَعَدَمِ امْتِنَاعِهِمَا، إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْحَاضِرِ غَيْرِ الْمُمْتَنِعِ، وَتَعَدِّي الْأَمِينِ بِأَخْذِهِ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ مُقْتَضٍ (وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَهُ) أَيْ: الرَّهْنَ (الْعَدْلُ عِنْدَ آخَرَ مَعَ وُجُودِهِمَا) أَيْ: الْمُتَرَاهِنَيْنِ (ضَمِنَ الْعَدْلُ وَالْقَابِضُ) الرَّهْنَ لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ امْتَنَعَا) أَيْ: الْمُتَرَاهِنَانِ مِنْ قَبْضِ الرَّهْنِ مِنْ الْعَدْلِ (وَلَمْ يَجِدْ الْعَدْلُ حَاكِمًا) أَهْلًا (فَتَرَكَهُ) الْعَدْلُ (عِنْدَ عَدْلٍ آخَرَ لَمْ يَضْمَنْ) أَحَدٌ مِنْهُمَا الرَّهْنَ لِلْعُذْرِ.
(وَإِنْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْمُتَرَاهِنَيْنِ مِنْ قَبْضِ الرَّهْنِ مِنْ الْعَدْلِ (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ: لِلْعَدْلِ (دَفْعُهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (إلَى الْآخَرِ) فَإِنْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ لَمْ يَدْفَعْهُ لِلْمُرْتَهِنِ، أَوْ امْتَنَعَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُهُ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى سَلَّمَهُ لِأَحَدِهِمَا فَوَّتَ عَلَى الْآخَرِ حَقَّهُ.
(فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: دَفَعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ لِأَحَدِهِمَا بِغَيْرِ إذْن الْآخَرِ (ضَمِنَ) مَا فَاتَ عَلَى الْآخَرِ (فَإِنْ كَانَا) أَيْ: الْمُتَرَاهِنَانِ (غَائِبَيْنِ أَوْ تَغَيَّبَا)
مَسَافَةَ الْقَصْرِ.
(وَكَانَ لِلْعَدْلِ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِهِ دَفَعَهُ) الْعَدْلُ أَيْ: الرَّهْنَ (إلَى الْحَاكِمِ فَقَبَضَهُ) مِنْهُ (أَوْ أَقْبِضَهُ الْحَاكِمُ عَدْلًا) ؛ لِقِيَامِ الْحَاكِمِ مَقَامَهُمَا حِينَئِذٍ.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْعَدْلُ (حَاكِمًا أَوْدَعَهُ) الْعَدْلُ (ثِقَةً) لِلْحَاجَةِ (فَإِنْ أَوْدَعَهُ) الْعَدْلُ (الثِّقَةَ مَعَ وُجُودِ الْحَاكِمِ) الْعَدْلِ (ضَمِنَ) لِقِيَامِ الْحَاكِمِ مَقَامَهُمَا وَقَدْ عَدَلَ عَنْهُ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ: لِلْعَدْلِ (عُذْرٌ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا (وَكَانَتْ الْغَيْبَةُ) أَيْ: غَيْبَةُ الْمُتَرَاهِنَيْنِ (دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَكَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَسَافَةُ الْقَصْرِ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا دَفَعَهُ إلَى عَدْلٍ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي.
(وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (غَائِبًا وَحْدَهُ فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْغَائِبَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْعَدْلِ (رَدُّهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (إلَى الْحَاضِرِ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ فِي رَدِّهِ إلَيْهِ تَضْيِيعَ حَقِّ الْغَائِبِ مِنْهُ (وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا لَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ: الْعَدْلِ (دَفْعُهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (إلَى أَحَدِهِمَا) أَيْ: الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ (إذَا دَفَعَهُ) الْعَدْلُ (إلَيْهِ فَعَلَيْهِ) أَيْ: الْعَدْلِ (رَدُّهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (إلَى يَدِهِ) اسْتِدْرَاكًا لِحَظِّ الْآخَرِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) الْعَدْلُ (ضَمِنَ حَقَّ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (عَلَى نَقْلِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ عَنْ يَدِهِ أَيْ: الْعَدْلِ (جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا.
(وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلَمْ تَتَغَيَّرْ حَالُهُ لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ وَلَا الْحَاكِمِ نَقْلُهُ عَنْ يَدِهِ) إذْ لَا حَاجَةَ تَدْعُوَ إلَى ذَلِكَ.
(فَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُ الْعَدْلِ بِفِسْقٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ حَدَثَتْ عَدَاوَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا فَلِمَنْ طَلَبَ نَقْلَهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (عَنْ يَدِهِ ذَلِكَ) ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَيَضَعَانِهِ) أَيْ: يَضَعُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ (فِي يَدِ مَنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنْ يَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (فَإِنْ اخْتَلَفَا) فِيمَنْ يَضَعَانِهِ عِنْدَهُ (وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدْلٍ) قَطْعًا لِلنِّزَاعِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (فِي تَغَيُّرِ حَالِهِ) أَيْ: الْعَدْلِ (بَحَثَ الْحَاكِمُ) عَنْ حَالِهِ (وَعَمِلَ) الْحَاكِمُ (بِمَا ظَهَرَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ.
(وَهَكَذَا لَوْ كَانَ) الرَّهْنُ (فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَتَغَيَّرَتْ حَالُهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (فِي الثِّقَةِ) أَيْ: الْعَدَالَةِ (وَالْحِفْظِ فَلِلرَّاهِنِ رَفْعُهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (عَنْ يَدِهِ إلَى الْحَاكِمِ لِيَضَعَهُ) أَيْ: الرَّهْنَ (فِي يَدِ عَدْلٍ) ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تَغَيُّرِ حَالِ الْمُرْتَهِنِ بَحَثَ الْحَاكِمُ وَعَمِلَ بِمَا ظَهَرَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَدْلِ.
(وَإِنْ مَاتَ الْعَدْلُ) وَالرَّهْنُ بِيَدِهِ (أَوْ) مَاتَ (الْمُرْتَهِنُ) وَالرَّهْنُ بِيَدِهِ (لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِمَا إمْسَاكُهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (إلَّا بِرِضَاهُمَا) أَيْ: الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ فِيمَا إذَا مَاتَ الْعَدْلُ؛ لِأَنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ
لَمْ يَأْمَنَا الْوَرَثَةَ وَإِنْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ وَالرَّهْنُ بِيَدِهِ، لَمْ يَكُنْ لَوَرَثَتِهِ إمْسَاكُهُ إلَّا بِرِضَا الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَرْضَ بِحِفْظِهِمْ (فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى بَقَاءِ الرَّهْنِ بِيَدِ وَرَثَةِ الْعَدْلِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ جَازَ (أَوْ) اتَّفَقَا (عَلَى عَدْلٍ يَضَعَانِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (عِنْدَهُ) حِينَئِذٍ (فَلَهُمَا ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (عِنْدَ مَوْتِ الْعَدْلِ) فِيمَنْ يَضَعَانِهِ عِنْدَهُ (أَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَوَرَثَةُ الْمُرْتَهِنِ) بَعْدَ مَوْتِهِ فِيمَنْ يَضَعَانِهِ عِنْدَهُ رَفَعَا الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ لِيَضَعَهُ بِيَدِ عَدْلٍ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ.
(وَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ لِلْعَدْلِ فِي الْبَيْعِ) وَعَيَّنَا لَهُ نَقْدًا لَمْ يُخَالِفْهُمَا؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُمَا (أَوْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهَنِ فِيهِ) أَيْ: فِي بَيْعِ الرَّهْنِ.
(وَعَيَّنَ) الرَّاهِنُ لَهُ (نَقْدًا تَعَيَّنَ) ذَلِكَ النَّقْدُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُخَالَفَتُهُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنَا لِلْعَدْلِ نَقْدًا فِي الْأُولَى، وَلَمْ يُعَيِّنْ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ نَقْدًا فِي الثَّانِيَةِ (لَمْ يَبِعْ) الْعَدْلُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ (إلَّا بِنَقْدِ الْبَلَدِ) ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ (فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ نُقُودٌ بَاعَ بِأَغْلَبِهَا) رَوَاجًا (فَإِنْ تَسَاوَتْ) فِي الرَّوَاجِ (بَاعَ) الرَّهْنَ (بِجِنْسِ الدَّيْنِ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى وَفَاءِ الْحَقِّ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ) أَيْ فِي نَقْدِ الْبَلَدِ (جِنْسُ الدَّيْنِ بَاعَ بِمَا يَرَى أَنَّهُ أَصْلَحُ) ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ فِيمَا هُوَ مُتَوَلِّيهِ كَالْحَاكِمِ (فَإِنْ تَسَاوَتْ) فِي نَظَرِهِ (عَيَّنَ حَاكِمٌ لَهُ نَقْدًا بِيعَ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْأَحَظِّ وَأَبْعَدُ عَنْ التُّهْمَةِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعَدْلِ فِي تَعْيِينِ النَّقْدِ لَمْ يَسْمَعْ الْعَدْلُ قَوْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَرْفَعُ) الْعَدْلُ (الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ فَيَأْمُرُهُ) الْحَاكِمُ (بِبَيْعِهِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْحَقِّ أَوْ لَمْ يَكُنْ) مِنْ جِنْسِهِ، وَسَوَاءٌ.
(وَافَقَ قَوْلَ أَحَدِهِمَا أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ (وَحُكْمُهُ) أَيْ: حُكْمُ الْعَدْلِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ (فِي الْبَيْعِ) لِلرَّهْنِ (حُكْمُ الْوَكِيلِ فِي وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ) عَلَى مَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ.
(وَ) حُكْمُهُ أَيْضًا: حُكْمُ الْوَكِيلِ فِي (الْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ، بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) مِمَّا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ (لَكِنْ لَا يَبِيعُ هُنَا نَسَاءً) أَيْ: حَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَكِيلَ يَبِيعُ نَسَاءً؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ هُنَا تُخَالِفُهُ (وَمَتَى خَالَفَ) الْعَدْلُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ (لَزِمَهُ) فِي مُخَالِفَتِهِ (مَا يَلْزَمُ الْوَكِيلُ الْمُخَالِفُ) عَلَى مَا يَأْتِي.
(وَإِنْ قَبَضَ) الْعَدْلُ (الثَّمَنَ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي تَلَفِهِ) أَيْ: تَلَفِ الثَّمَنِ.
وَفِي نَفْيِ تَعَدٍّ وَتَفْرِيطٍ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (فَمِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فَيَفُوتُ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ الرَّاهِنُ الْعَدْلُ: مَا قَبَضْت الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
[فَصْلٌ إنْ اُسْتُحِقَّ الرَّهْنُ الْمَبِيعُ]
فَصْلٌ: (وَإِنْ اُسْتُحِقَّ الرَّهْنُ الْمَبِيعُ) أَيْ: خَرَجَ مُسْتَحَقًّا (رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَهُ، فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ وَحِينَئِذٍ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْعَدْلِ (إنْ أَعْلَمَهُ الْعَدْلُ أَنَّهُ وَكِيلٌ) لَا يُقَالُ: يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَدْلِ؛ لِكَوْنِهِ قَبَضَ الثَّمَنَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا سُلِّمَ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ أَمِينٌ فِي قَبْضِهِ، يُسَلِّمُهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَكِيلٌ (ف) إنَّهُ يَرْجِعُ (عَلَى الْعَدْلِ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ (وَهَكَذَا وَكِيلٌ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ) ثُمَّ بَانَ مُسْتَحَقًّا (أَيْضًا عَلَى الرَّاهِنِ) بِالثَّمَنِ (وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَدْلِ) حَيْثُ أَعْلَمَ الْمُشْتَرِيَ بِالْحَالِ، لِمَا تَقَدَّمَ (فَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَقَدْ بَانَ لَهُ أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ كَانَ فَاسِدًا) ؛ لِكَوْنِ الرَّاهِنِ رَهَنَهُ مَا لَا يَمْلِكُهُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ.
(فَإِنْ كَانَ) الرَّهْنُ (مَشْرُوطًا فِي الْبَيْعِ ثَبَتَ لَهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (الْخِيَارُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي لَمْ يُوفِ لَهُ بِشَرْطِهِ (وَإِلَّا) يَكُنِ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي الْبَيْعِ (سَقَطَ حَقُّهُ) مِنْ الِاسْتِيثَاقِ وَلَمْ يَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ بِبَدَلِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَاجِبٌ وَكَذَا حُكْمُ قَرْضٍ.
(وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُفْلِسًا حَيًّا أَوْ مَيِّتًا) وَبَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ وَتَلِفَ ثَمَنُهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا (كَانَ الْمُرْتَهِنُ وَالْمُشْتَرِي أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِي الذِّمَّةِ.
(وَإِنْ خَرَجَ) الرَّهْنُ (مُسْتَحَقًّا بَعْدَ دَفْعِ الثَّمَنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُرْتَهِنِ) بِمَا قَبَضَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَكَانَ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ.
(وَإِنْ كَانَ) الرَّهْنُ لَيْسَ مُسْتَحَقًّا لَكِنَّ (الْمُشْتَرِيَ رَدَّهُ بِعَيْبٍ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِحَقٍّ (وَلَا عَلَى الْعَدْلِ) إنْ أَعْلَمْهُ أَنَّهُ وَكِيلٌ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَيَرْجِعُ) حِينَئِذٍ (عَلَى الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكُهُ، وَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ الْعَدْلُ حِينَ بَاعَهُ) أَيْ: الرَّهْنَ (لَمْ يُعْلِمْ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وَكِيلٌ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ (وَيَرْجِعُ هُوَ) أَيْ: الْعَدْلُ (عَلَى الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّ قَرَارَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَقَرَّ الْعَدْلُ بِالْعَيْبِ) فِي الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ (أَوْ ثَبَتَ) الْعَيْبُ (بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ أَنْكَرَ) الْعَدْلُ الْعَيْبَ (فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَيْبِ جَزَمَ بِهِ فِي شَرْح الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ هُنَا، تَبَعًا لِلْمُغْنِي لَكِنَّهُ نَبَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ
الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ، حَيْثُ اُحْتُمِلَ حُدُوثُ الْعَيْبِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى إقْرَارِ الْعَدْلِ، وَلَا إلَى بَيِّنَةٍ وَلَا إلَى تَحْلِيفِ الْعَدْلِ.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى الْأَوَّلِ: (فَإِنْ نَكَلَ) الْعَدْلُ (فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ) أَيْ: الْعَدْلِ (لَمْ يَرْجِعْ الْعَدْلُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّ الْمُشْتَرِي ظَلَمَهُ) وَلَا يَرْجِعُ الْمَظْلُومُ إلَّا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ أَوْ تَسَبَّبَ فِي ظُلْمِهِ.
(وَإِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ بَانَ) الْمَبِيعُ (مُسْتَحَقًّا قَبْلَ وَزْنِ ثَمَنِهِ) أَوْ بَعْدَهُ (فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْغَاصِبِ) وَهُوَ الرَّاهِنُ (وَالْعَدْلُ وَالْمُرْتَهِنُ وَالْمُشْتَرِي) ذَكَرَ مَعْنَاهُ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَقَالَ:؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَبَضَ مَالَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ انْتَهَى، وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ وَضَعَ الْمُرْتَهِنُ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا طَلَبَ عَلَيْهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: إذْ لَا تَعَلُّقَ لِلْمُرْتَهِنِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ وَلَا قَبَضَ ثَمَنَهُ، فَكَيْفَ يَضْمَنُهُ؟ . (وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ) بِالْغَصْبِ (؛ لِأَنَّ التَّلَفَ) حَصَلَ (فِي يَدِهِ) وَيَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْهُ.
وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ بَيْعًا فَاسِدًا وَجَبَ رَدُّهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ فَلِلْمُرْتَهِنِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْعَدْلِ وَالْمُشْتَرِي: أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ ذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ دَيْنِهِ وَمَا بَقِيَ لِلرَّاهِنِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَإِنْ وَفَّى الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ قَالَهُ فِي الْكَافِي.
(وَإِنْ ادَّعَى الْعَدْلُ دَفْعَ الثَّمَنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ فَأَنْكَرَ) الْمُرْتَهِنُ أَخْذَهُ (وَلَمْ يَكُنْ) الْعَدْلُ (قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ وَلَا حُضُورِ رَاهِنٍ ضَمِنَ) الْعَدْلُ؛ لِتَفْرِيطِهِ فِي الْقَضَاءِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (كَمَا لَوْ أَمَرَهُ) الرَّاهِنُ (بِالْإِشْهَادِ فَلَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: يَشْهَدْ.
(وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْعَدْلِ (عَلَيْهِمَا) أَيْ: عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ (فِي تَسْلِيمِهِ) أَيْ: الثَّمَنِ (لِمُرْتَهِنٍ) ، أَمَّا كَوْنُهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ فَلِأَنَّهُ يَدَّعِي الدَّفْعَ إلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَلِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ وَكِيلُهُ فِي الْحِفْظِ، لَا فِي دَفْعِ الثَّمَنِ إلَيْهِ (فَيَحْلِفُ مُرْتَهِنٌ) أَنَّهُ مَا أَخَذَ دَيْنَهُ مَثَلًا (وَيَرْجِعُ عَلَى أَيُّهُمَا شَاءَ) أَيْ: عَلَى الْعَدْلِ أَوْ الرَّاهِنِ (فَإِنْ رَجَعَ) الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعَدْلِ لَمْ يَرْجِعْ الْعَدْلُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَيَدَّعِي أَنَّ الْمُرْتَهِنَ ظَلَمَهُ.
(وَإِنْ رَجَعَ) الْمُرْتَهِنُ (عَلَى رَاهِنٍ رَجَعَ) الرَّاهِنُ (عَلَى الْعَدْلِ) لِتَفْرِيطِهِ فِي الْقَضَاءِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
(وَإِنْ دَفَعَهُ الْعَدْلُ) أَيْ: الثَّمَنِ (إلَى الْمُرْتَهِنِ بِحَضْرَةِ الرَّاهِنِ) لَمْ يَرْجِعْ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ وَغُرِّمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا حِينَئِذٍ (أَوْ) دَفَعَ الْعَدْلُ الثَّمَنَ لِلْمُرْتَهِنِ (بِبَيِّنَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَتْ) الْبَيِّنَةُ (حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً، حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً إنْ صَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ) صَوَابُهُ: الرَّاهِنُ إذْ لَوْ صَدَقَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يُطَالِبْ بِدَيْنِهِ (لَمْ يَرْجِعْ) الرَّاهِنُ إذَا أَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ وَرَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدَّ مُفَرِّطًا مَعَ الْإِشْهَادِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعَدْلَ لَوْ ادَّعَى الْقَضَاءَ بِحَضْرَةِ الرَّاهِنِ، أَوْ أَنَّهُ أَشْهَدَ وَغَابَ، أَوْ مَاتَ شُهُودُهُ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ (وَيَأْتِي حُكْمُ الْوَكِيلِ) فِي قَضَاءِ دَيْنٍ إذَا أَنْكَرَهُ الْمُقْضِي فِي الْوَكَالَةِ، وَإِنَّهُ كَالْعَدْلِ فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ غَصَبَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ مِنْ الْعَدْلِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ) ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ إلَى وَكِيلِ الرَّاهِنِ فِي إمْسَاكِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ.
(وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَتَعَدَّى) الْمُرْتَهِنُ فِيهِ (ثُمَّ زَالَ التَّعَدِّي أَوْ سَافَرَ) الْمُرْتَهِنُ (بِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (ثُمَّ رَدَّهُ) أَيْ: عَادَ بِهِ مِنْ السَّفَرِ (لَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ) كَمَا لَوْ صَدَرَ ذَلِكَ مِنْ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ اسْتِئْمَانَهُ زَالَ بِذَلِكَ فَلَمْ يَزُلْ بِفِعْلِهِ مَعَ بَقَائِهِ بِيَدِهِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّهُ رَدَّهُ إلَى يَدِ نَائِبِ مَالِكِهِ وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِالرَّهْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنْ فَعَلَ صَارَ ضَامِنًا بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ فِي الْوَدِيعَةِ قَالَ الْمَجْدُ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ: أَنَّ الرَّهْنَ يَتَعَلَّقُ بِبَلَدِهِ أَحْكَامٌ: مِنْ بَيْعِهِ بِنَقْدِهِ، وَبَيْعِهِ فِيهِ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ بَقَاؤُهُ فِيهِ عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ ثِقَةٍ.
(وَإِذَا اسْتَقْرَضَ ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ مَالًا فَرَهَنَهُ خَمْرًا لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ جَعَلَهُ فِي يَدِ ذِمِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا (فَإِنْ بَاعَهَا الرَّاهِنُ) الذِّمِّيُّ (أَوْ نَائِبُهُ الذِّمِّيُّ) مِنْ ذِمِّيٍّ (وَجَاءَ الْمُقْرِضُ بِثَمَنِهَا لَزِمَهُ قَبُولُهُ فَإِنْ أَبَى قَبُولَهُ قِيلَ: لَهُ: إمَّا أَنْ تَقْبِضَ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا تَقَابَضُوا الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ جَرَى مَجْرَى الصَّحِيحَةِ قَالَ عُمَرُ: فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَهُمْ الْخُمُورُ " وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا ثَمَنَهَا ".
(وَإِنْ جَعَلَهَا) أَيْ: الْخَمْرَ (فِي يَدِ مُسْلِمٍ فَبَاعَهَا الْمُسْلِمُ) وَلَوْ مِنْ ذِمِّيٍّ (لَمْ يُجْبَرْ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قَبُولِ الثَّمَنِ) بَلْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهُ؛ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ وَبَقَاءِ الثَّمَنِ عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ الْأَوَّلِ.
(وَإِنْ شَرَطَ) فِي الرَّهْنِ (أَنْ يَبِيعَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ الْعَدْلُ الرَّهْنَ) عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ (صَحَّ) شَرْطُهُ؛ لِأَنَّ مَا صَحَّ تَوْكِيلُ غَيْرِهِمَا فِيهِ صَحَّ تَوْكِيلُهُمَا فِيهِ كَبَيْعِ عَيْنٍ أُخْرَى (وَلَمْ يُؤَثِّرْ) ذَلِكَ الشَّرْطُ (فِيهِ) أَيْ: فِي عَقْدِ الرَّهْنِ فَسَادًا، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ.
(وَكَذَا كُلُّ شَرْطٍ وَافَقَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ) وَلَمْ يُنَافِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ رَهْنًا أَوْ غَيْرَهُ فَلَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ إلَى أَجَلٍ عَلَى دَيْنٍ حَالٍ يَعْنِي أَنَّهُ شَرَطَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ لَا يُبَاعَ قَبْلَ الْأَجَلِ الْمُسَمَّى،
فَرَهَنَهُ عَلَى ذَلِكَ صَحَّ الرَّهْنُ عِنْدِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ.
(وَإِنْ عَزَلَهُمَا) الرَّاهِنُ، أَيْ: الْمُرْتَهِنُ أَوْ الْعَدْلُ عَنْ بَيْعِ الرَّهْنِ (أَوْ مَاتَ) الرَّاهِنُ (عُزِلَا) ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ فَلَمْ يَلْزَمْ الْمَقَامُ عَلَيْهَا وَسَوَاءٌ (عَلِمَا) بِعَزْلِهِ أَوْ مَوْتِهِ (أَوْ لَمْ يَعْلَمَا) ذَلِكَ كَسَائِرِ الْوُكَلَاءِ.
(وَإِنْ أَتْلَفَ الرَّهْنَ فِي يَدِ الْعَدْلِ أَجْنَبِيٌّ فَعَلَى الْمُتْلِفِ بَدَلُهُ) أَيْ: مِثْلُ الرَّهْنِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ (يَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِهِ) أَيْ: الْعَدْلِ (بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ) مِنْ الْمُتْلِفِ كَبَدَلِ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ (وَلَهُ) أَيْ: لِلْعَدْلِ (الْمُطَالَبَةُ بِهِ) أَيْ: بِالْبَدَلِ عَلَى الْمُتْلَفِ، كَالْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ حِفْظِهِ (فَإِنْ كَانَ الْبَدَلُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَقَدْ أَذِنَ) الرَّاهِنُ (لَهُ) أَيْ: الْعَدْلِ (فِي وَفَائِهِ) أَيْ: الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ مَلَكَ إيفَاءَهُ مِنْهُ أَيْ: مِنْ الْبَدَلِ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ كَثَمَنِهِ وَإِنْ كَانَ الْبَدَلُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَهُ بَيْعُهُ كَنَمَائِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَفِي الْكَافِي: الصَّحِيحُ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ وَلَا هُوَ تَبَعٌ لِمَا أُذِنَ فِيهِ بِخِلَافِ النَّمَاءِ.
(وَإِنْ شَرَطَ) فِي الرَّهْنِ (شَرْطًا لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ، كَالْمُحَرَّمِ) مِنْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَنَحْوِهِمَا.
(وَ) شَرَطَ رَهْنَ (الْمَجْهُولِ وَالْمَعْدُومِ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) كَآبِقٍ وَشَارِدٍ (وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ (أَوْ) شَرَطَ مَا (يُنَافِيه) أَيْ: يُنَافِي مُقْتَضَى عَقْدِ الرَّهْنِ (نَحْوَ: أَنْ لَا يُبَاعَ) الرَّهْنُ (عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ أَوْ لَا يُبَاعَ مَا خِيفَ تَلَفُهُ) مِمَّا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَنَحْوِهِ (أَوْ) شَرَطَ (بَيْعَهُ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ أَوْ) شَرَطَ أَنْ (لَا يَبِيعَهُ إلَّا بِمَا يُرْضِيه أَوْ) أَنْ (يَنْتَفِعَ بِهِ الرَّاهِنُ، أَوْ) أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ (الْمُرْتَهِنُ أَوْ) شَرَطَ (كَوْنَهُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ) مَضْمُونًا عَلَى (الْعَدْلِ أَوْ) شَرَطَ أَنْ (لَا يَقْبِضَهُ أَوْ) شَرَطَ (إنْ جَاءَهُ الرَّاهِنُ بِحَقِّهِ فِي مَحَلِّهِ) أَيْ: أَجَلِهِ.
(وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ) أَيْ الْمُرْتَهِنِ (بِالدَّيْنِ أَوْ) إنْ لَمْ يَأْتِهِ بِحَقِّهِ، فَالرَّهْنُ (مَبِيعٌ لَهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الرَّاهِنِ.
(أَوْ) شَرَطَ الرَّاهِنُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ (لَا يَسْتَوْفِي الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ شَرَطَا الْخِيَارَ لِلرَّاهِنِ أَوْ) شَرَطَا أَنْ (لَا يَكُونَ الْعَقْدُ لَازِمًا فِي حَقِّهِ) أَيْ: الرَّاهِنِ (أَوْ) شَرَطَا (تَوْقِيتَ الرَّهْنِ) بِأَنْ قَالَا: هُوَ رَهْنُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ (أَوْ) شَرَطَا أَنْ (يَكُونَ الرَّهْنُ يَوْمًا) رَهْنًا.
(وَيَوْمًا لَا) يَكُونُ رَهْنًا (أَوْ) شَرَطَا (كَوْنَ الرَّهْنِ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ) ؛ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
(وَالرَّهْنُ صَحِيحٌ) مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ لِحَدِيثِ «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ الْإِمَامُ: لَا يَدْفَعُ رَهْنًا
إلَى رَجُلٍ وَيَقُولُ: إنْ جِئْتُك بِالدَّرَاهِمِ إلَى كَذَا، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَى غَلْقَ الرَّهْنِ دُونَ أَصْلِهِ فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ وَقِيسَ عَلَيْهِ سَائِرُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ (لَكِنْ إذَا لَمْ يَكُنْ) الرَّهْنُ (مَقْبُوضًا) بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ نَائِبِهِ (ف) هُوَ (غَيْرُ لَازِمٍ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ لُزُومِهِ: قَبْضُهُ، كَمَا سَبَقَ.
(وَ) لَكِنْ (إنْ كَانَ) الرَّهْنُ (مَجْهُولًا، أَوْ) كَانَ (مُحَرَّمًا وَنَحْوِهِ) كَالْمَعْدُومِ وَسَائِرِ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مِمَّا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَنَحْوِهِ (فَبَاطِلٌ) ؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ ".
وَإِذَا رَهَنَهُ أَمَةً وَشَرَطَ كَوْنَهَا عِنْدَ امْرَأَتِهِ أَوْ (عِنْدَ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَهَا) بِنَسَبٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ) شَرَطَ (كَوْنَهَا فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي إلَى الْخَلْوَةِ بِهَا، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا) أَيْ: لِلْأَجْنَبِيِّ أَوْ الْمُرْتَهِنِ (زَوْجَاتٌ، أَوْ سَرَارِي أَوْ نِسَاءٌ مِنْ مَحَارِمِهِمَا مَعَهُمَا فِي دَارِهِمَا جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِهَا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ زَوْجَاتٌ وَلَا سَرَارِي وَلَا نِسَاءَ مَعَهُمَا فِي دَارِهِمَا (فَسَدَ الشَّرْطُ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَلَا يُفْسِدُ الرَّهْنُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى نَقْصٍ وَلَا ضَرَرٍ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.
(وَيَجْعَلُهَا) أَيْ: الْأَمَةَ الْمَرْهُونَةَ (الْحَاكِمُ) حِينَئِذٍ (عَلَى يَدِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ) مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ مَحْرَمٍ أَوْ أَمِينٍ لَهُ زَوْجَاتٌ أَوْ سَرَارِي، أَوْ مَحَارِمُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي إلَى الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ.
(وَإِنْ كَانَ مُرْتَهِنُ الْعَبْدِ امْرَأَةً لَا زَوْجَ لَهَا فَشَرَطَتْ كَوْنَهُ عِنْدَهَا عَلَى وَجْهٍ يُفْضِي إلَى خَلْوَتِهِ بِهَا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَمٌ وَلَا زَوْجٌ (لَمْ يَجُزْ أَيْضًا) ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَيَجْعَلُهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ أَمِينٍ.
(وَإِنْ قَالَ الْغَرِيمُ: رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا عَلَى أَنْ تَزِيدَ لِي فِي الْأَجَلِ) بِأَنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا إلَى رَجَبٍ وَرَهَنَهُ عَلَى أَنَّهُ يَمُدُّهُ إلَى رَمَضَانَ مَثَلًا (كَانَ) الرَّهْنُ (بَاطِلًا) ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ لَا يَثْبُتُ فِي الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدٍ وَجَبَ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْأَجَلُ فَسَدَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهِ.
(وَإِذَا فَسَدَ الرَّهْنُ وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) إنْ تَلِفَ بِيَدِهِ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ كَصَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَالرَّهْنُ الصَّحِيحُ غَيْرُ مَضْمُونٍ، فَفَاسِدٌ كَذَلِكَ (وَكُلُّ عَقْدٍ كَانَ صَحِيحًا مَضْمُونًا) كَالْبَيْعِ (أَوْ غَيْرَ مَضْمُونٍ) كَالْإِجَارَةِ (فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ) أَيْ: كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ.
(فَإِنْ كَانَ) الرَّهْنُ (مُؤَقَّتًا) فَهُوَ فَاسِدٌ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالْمُبْدِعِ: صِحَّتُهُ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلًا (أَوْ شَرَطَ أَنَّهُ) أَيْ: الرَّهْنُ (يَصِيرُ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ
(مَضْمُونًا؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِحُكْمِ بَيْعٍ فَاسِدٍ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ هَارُونَ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ بِحَالٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فَسَدَ، فَيَصِيرُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَحُكْمُ الْفَاسِدِ مِنْ الْعُقُودِ: حُكْمُ الصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ) فَالْمَبِيعُ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ مَضْمُونٌ فَكَذَا الْمَقْبُوضُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ كَمَا سَبَقَ.
[فَصْلٌ إذَا اخْتَلَفَا الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ]
فَصْلٌ وَإِذَا اخْتَلَفَا أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (فِي قَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ بِأَلْفَيْنِ) فَقَوْلُ رَاهِنٍ بِيَمِينِهِ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ، أَلْفَانِ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي قَدْرِ الرَّهْنِ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ) الرَّاهِنُ: (رَهَنْتُك هَذَا فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: وَهَذَا أَيْضًا فَقَوْلُ رَاهِنٍ بِيَمِينِهِ، أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (رَدِّهِ) أَيْ: رَدِّ الرَّهْنِ، بِأَنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: رَدَدْته إلَيْك وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ، فَقَوْلُهُ بِيَمِينِهِ وَتَقَدَّمَ (أَوْ قَالَ) الرَّاهِنُ: (رَهَنْتُك بِ) الدَّيْنِ (الْمُؤَجَّلِ مِنْ الْأَلْفَيْنِ فَقَالَ) الْمُرْتَهِنُ: (بَلْ) رَهَنْتَنِيهِ (بِالْحَالِ) مِنْهُمَا فَقَوْلُ الرَّاهِنِ بِيَمِينِهِ (أَوْ قَالَ) الرَّاهِنُ: رَهَنْتَكَهُ (بِبَعْضِ الدَّيْنِ) أَيْ: بِنِصْفِهِ أَوْ رُبُعِهِ وَنَحْوِهِ (فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ بِكُلِّهِ) أَيْ: الدَّيْنِ فَقَوْلُ الرَّاهِنِ بِيَمِينِهِ (أَوْ قَالَ) الرَّاهِنُ (أَقْبَضْتُك عَصِيرًا فِي عَقْدِ شَرْطٍ فِيهِ رَهْنُهُ) بِأَنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَرْهَنَهُ هَذَا الْعَصِيرَ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ خَمْرًا فَقَالَ الرَّاهِنُ: أَقْبَضْتُكَهُ عَصِيرًا وَتَخَمَّرَ عِنْدَك، فَلَا فَسْخَ لَك؛ لِأَنِّي وَفَّيْت بِالشَّرْطِ (فَقَالَ) الْمُرْتَهِنُ: (بَلْ) أَقْبَضَتْنِيهِ (خَمْرًا) فَلِيَ الْفَسْخُ،؛ لِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ فَقَوْلُ رَاهِنٍ.
(أَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الرَّهْنِ نَحْوَ رَهَنْتُك هَذَا) الْعَبْدَ (فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ هَذَا) الْعَبْدَ (فَقَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا أَنْكَرَهُ؛ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ فِي صِفَتِهِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (فِي تَلَفِ الْعَيْنِ) الْمَرْهُونَةِ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي قِيمَتِهَا حَيْثُ لَزِمَتْ) الْقِيمَةُ (الْمُرْتَهِنَ) لِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ بِتَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ (فَقَوْلُهُ) أَيْ: قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ بِيَمِينِهِ أَمَّا فِي تَلَفِ الْعَيْنِ؛ فَلِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَأَمَّا فِي قِيمَتُهَا حَيْثُ لَزِمَتْهُ؛ فَلِأَنَّهُ غَارِمٌ.
(وَإِنْ أَبْرَأَهُ) أَيْ: الرَّاهِنُ (الْمُرْتَهِنَ، مِنْ أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ) اللَّذَيْنِ لَهُ عَلَيْهِ (وَاخْتَلَفَا فِي تَعْيِينِهِ) أَيْ: الدَّيْنِ الْمُبَرَّأِ مِنْهُ (فَقَوْلُ مُرْتَهِنٍ) وَهُوَ الْمُبَرِّئُ
؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِمَا صَدَرَ مِنْهُ وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ) الرَّاهِن (رَهَنْتُك هَذَا الْعَبْد فَقَالَ) الْمُرْتَهِنُ (بَلْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ خَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ الرَّهْنِ) لِإِقْرَارِ الْمُرْتَهِنِ بِأَنَّهُ لَيْسَ رَهْنًا (وَحَلَفَ الرَّاهِنُ أَنَّهُ مَا رَهَنَهُ الْجَارِيَةَ وَخَرَجْت) الْجَارِيَةُ (مِنْ الرَّهْنِ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ رَهْنِهَا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَإِنْ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ قَبَضَهُ) أَيْ: الرَّهْنَ مِنْهُ أَيْ: الرَّاهِنِ، وَأَنْكَرَهُ الرَّاهِنُ (قَبْلَ قَوْلِهِ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (إنْ كَانَ) الرَّهْنُ (بِيَدِهِ) أَنَّهُ قَبَضَهُ، عَمَلًا بِظَاهِرِ الْيَدِ وَإِلَّا فَقَوْلُ رَاهِنٍ.
(وَلَوْ كَانَ بِيَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ رَهَنْتنِي عَبْدَك هَذَا بِأَلْفٍ فَقَالَ) مَالِكُهُ (بَلْ غَصَبَتْنِيهِ أَوْ) قَالَ (هُوَ وَدِيعَةٌ عِنْدَك أَوْ عَارِيَّةٌ فَقَوْلُ السَّيِّدِ، سَوَاءٌ اعْتَرَفَ السَّيِّدُ بِالدَّيْنِ أَوْ جَحَدَهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّهْنِ.
(وَلَوْ قَالَ) الْمُرْتَهِنُ (أَرْسَلْت وَكِيلَك فَرَهَنَ عِنْدِي هَذَا عَلَى أَلْفَيْنِ قَبَضَهُمَا مِنِّي فَقَالَ) الرَّاهِنُ (مَا أَذِنْت لَهُ إلَّا فِي رَهْنِهِ بِأَلْفٍ فَإِنْ صَدَّقَ الرَّسُولُ الرَّاهِنَ حَلَفَ الرَّسُولُ مَا رَهَنَهُ إلَّا بِأَلْفٍ، وَلَا قَبَضَ إلَّا أَلْفًا وَلَا يَمِينَ عَلَى الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِهِ (فَإِذَا حَلَفَ الْوَكِيلُ بَرِئَا جَمِيعًا أَيْ: الرَّسُولُ وَالرَّاهِنُ وَإِنْ نَكِلَ) الرَّسُولُ عَنْ الْيَمِينِ وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ (فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ الْمُخْتَلِفُ فِيهِ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّ الْمُرْتَهِنَ ظَلَمَهُ وَلَا يَرْجِعُ الْإِنْسَانُ بِظُلَامَتِهِ إلَّا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ أَوْ تَسَبَّبَ فِي ظُلْمِهِ.
(وَإِنْ صَدَّقَ) الرَّسُولُ (الْمُرْتَهِنَ فَقَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ) أَنَّهُ وَصَلَهُ أَلْفٌ فَقَطْ وَلَمْ يَأْذَنْهُ فِي غَيْرِهَا (فَإِنْ نَكِلَ) الرَّاهِنُ عَنْ الْيَمِينِ (قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ وَيَدْفَعُ) الْأَلْفَ (إلَى الْمُرْتَهِنِ) وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الرَّسُولِ (وَإِنْ حَلَفَ) الرَّاهِنُ (بَرِئَ) مِنْ الْأَلْفِ (وَعَلَى الرَّسُولِ الْأَلْفُ) ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِهَا (وَيَبْقَى الرَّهْنُ بِأَلْفٍ وَإِنْ عُدِمَ الْوَكِيلُ أَوْ تَعَذَّرَ إحْلَافُهُ) لِنَحْوِ أَسْرٍ أَوْ مَرَضٍ (فَعَلَى الرَّاهِنِ الْيَمِينُ: أَنَّهُ مَا أَذِنَ فِي رَهْنِهِ إلَّا بِأَلْفٍ، وَلَا قَبَضَ أَكْثَرَ مِنْهُ وَبَقِيَ الرَّهْنُ بِأَلْفٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزَّائِدِ.
(وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُك عَبْدِي الَّذِي بِيَدِك بِأَلْفٍ فَقَالَ) ذُو الْيَدِ (بَلْ بِعْتنِيهِ بِهَا أَوْ قَالَ) الْمَالِكُ (بِعْتُكَهُ) أَيْ: الْعَبْدَ (بِهِ) أَيْ: بِالْأَلْفِ (فَقَالَ) ذُو الْيَدِ (رَهَنْتَنِيهِ) بِهِ.
(وَلَا بَيِّنَةَ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَسَقَطَ) مَا ادَّعَى بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ يَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِهِ (وَيَأْخُذُ الرَّاهِنُ رَهْنَهُ وَيَبْقَى الْأَلْفُ بِلَا رَهْنٍ) (وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فَإِنْ نَكَلَا صَرَفَهُمَا) عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ.
(وَكُلُّ أَمِينٍ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ) كَالْوَدِيعِ وَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ
بِغَيْرِ جُعْلٍ (فَطَلَب مِنْهُ) الرَّدَّ (فَلَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُهُ) أَيْ: الرَّدِّ (حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ.
(وَلَوْ قُلْنَا: يَحْلِفُ) إذْ لَا ضَرَرَ فِي الْحَلِفِ صَادِقًا (وَكَذَا مُسْتَعِيرٌ وَنَحْوُهُ) مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ، كَمُرْتَهِنٍ وَوَكِيلٍ بِجُعْلٍ (لَا حُجَّةَ) أَيْ: بَيِّنَةَ (عَلَيْهِ) إذَا طَلَبَ مِنْهُ الرَّدَّ لَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَشْهَدَ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِجَابَةِ، بِنَحْوِ: لَا حَقَّ لَهُ قِبَلِي (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَنَحْوِهِ (حُجَّةٌ فَلَهُ تَأْخِيرُهُ) حَتَّى يَشْهَدَ (كَدَيْنٍ بِحُجَّةٍ) لَهُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَشْهَدَ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ (فَإِذَا قَبَضَ الْوَدِيعَةَ بِبَيِّنَةٍ دَفَعَهَا بِبَيِّنَةٍ) بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ إذَا قَبَضَ الْوَدِيعَةَ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَالْمَذْهَبُ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهَا بِيَمِينِهِ وَإِنْ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْوَدِيعَةِ فَعَلَى هَذَا إذَا طُلِبَتْ مِنْهُ لَزِمَهُ دَفْعُهَا وَلَا يُؤَخِّرُهُ لِيَشْهَدَ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: مَنْ لَهُ دَيْنٌ أَوْ عَارِيَّةٌ وَنَحْوُهَا بِوَثِيقَةٍ (دَفَعَ الْوَثِيقَةَ) إلَى خَصْمِهِ (بَلْ) يَلْزَمُهُ (الْإِشْهَادُ بِأَخْذِهِ) أَيْ: أَخْذِ الدَّيْنِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ وَالْغَرَضُ يَحْصُلُ بِالْإِشْهَادِ بِأَخْذِهِ (قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ إلْزَامُهُ بِهِ) أَيْ: بِدَفْعِ الْوَثِيقَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا الْحُكْمُ فِي تَسْلِيمِ بَائِعٍ كِتَابَ ابْتِيَاعِهِ إلَى مُشْتَرٍ) أَيْ: لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ ذَلِكَ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (آخِرَ الْوَكَالَةِ) .
(وَإِنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَ) الْمَرْهُونَ (قَبْلَ رَهْنِهِ، وَكَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ عَتَقَ) الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي الْإِقْرَارِ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ فَكَذَا إذَا أَخْبَرَ بِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ إنْشَاءُ عَقْدٍ صَحَّ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِهِ.
(وَأُخِذَتْ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الرَّاهِنِ (قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَجُعِلَتْ) الْقِيمَةُ (رَهْنًا) مَكَانَهُ (كَمَا لَوْ بَاشَرَ عِتْقَهُ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْوَثِيقَةَ بِالْإِقْرَارِ بِالْعِتْقِ فَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ، تُجْعَلُ مَكَانَهُ، جَبْرًا لِمَا فَاتَهُ مِنْ الْوَثِيقَةِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَعَلَى مَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيلِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) الرَّاهِنُ أَنَّهُ أَيْ: الرَّهْنُ (كَأَنْ جَنَى) قَبْلَ الرَّهْنِ (أَوْ أَنَّهُ) كَانَ (بَاعَهُ، أَوْ) كَانَ (غَصَبَهُ) قَبْلَ الرَّهْنِ (قَبْلَ) إقْرَارِ الرَّاهِنِ (عَلَى نَفْسِهِ) إذْ لَا عُذْرَ لِمَنْ أَقَرَّ.
(وَلَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهُ (عَلَى الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِ وَقَوْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ (إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ) أَيْ: الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ فَيَبْطُلُ الرَّهْنُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ (وَيَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ الْيَمِينُ) إذَا طُلِبَ مِنْهُ (أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ) صِدْقَ (ذَلِكَ) الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الرَّاهِنُ (فَإِنْ نَكِلَ) الْمُرْتَهِنُ عَنْ الْيَمِينِ (قُضِيَ عَلَيْهِ) بِالنُّكُولِ لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ.
[فَصْلٌ إذَا كَانَ الرَّهْنُ مَرْكُوبًا أَوْ مَحْلُوبًا]
فَصْلٌ (وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ مَرْكُوبًا أَوْ مَحْلُوبًا فَلَهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنُ (أَنْ يَرْكَبَ وَيَحْلِبَ حَيَوَانًا وَلَوْ أَمَةً مُرْضِعَةً بِغَيْرِ إذْنِ رَاهِنٍ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ نَصًّا) مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ وَأَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ: النَّفَقَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الرَّاهِنَ يُنْفِقُ وَيَنْتَفِعُ لِأَنَّهُ مَدْفُوعٌ بِمَا رُوِيَ «إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلْفُهَا» فَجَعَلَ الْمُرْتَهِنَ هُوَ الْمُنْفِقُ فَيَكُونُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ وَقَوْلُهُ " بِنَفَقَتِهِ " أَيْ: بِسَبَبِهَا إذْ الِانْتِفَاعُ عِوَضُ النَّفَقَةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَأْتِي مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَمَّا الرَّاهِنُ فَإِنْفَاقُهُ وَانْتِفَاعُهُ لَيْسَا بِسَبَبِ الرُّكُوبِ وَالشُّرْبِ بَلْ بِسَبَبِ الْمِلْكِ وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ (مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي كَوْنِ الرُّكُوبِ وَالْحَلْبِ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ، لِئَلَّا يَحِيفَ عَلَى الرَّاهِنِ.
(وَسَوَاءٌ أَنْفَقَ) الْمُرْتَهِنُ (مَعَ تَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنْ الرَّاهِنِ بِ) سَبَبِ (غَيْبَةٍ أَوْ امْتِنَاعٍ) أَوْ غَيْرِهِمَا (أَوْ) أَنْفَقَ (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ مِنْهُ) أَيْ: الرَّاهِنِ (أَوْ اسْتِئْذَانِهِ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَلَا يَنْهَكُهُ) أَيْ: الْمَحْلُوبَ وَالْمَرْكُوبَ بِالْحَلْبِ وَالرَّكُوبِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِهِ.
(فَإِنْ فَضَلَ) عَنْ النَّفَقَةِ - مِنْ اللَّبَنِ شَيْءٌ بَاعَهُ الْمَأْذُونُ لَهُ مِنْ مُرْتَهِنٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمَالِكِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَأْذَنِ الرَّاهِنُ لِأَحَدٍ فِي بَيْعِهِ (بَاعَهُ الْحَاكِمُ) ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ إذْ لَوْ تَرَكَهُ لَفَسَدَ.
(وَإِنْ فَضَلَ مِنْ النَّفَقَةِ شَيْءٌ) بِأَنْ لَمْ يَفِ اللَّبَنُ وَالرَّكُوبُ بِهَا (رَجَعَ) الْمُرْتَهِنُ (بِهِ عَلَى رَاهِنٍ) إنْ نَوَى الرُّجُوعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ وَلِلْمُرْتَهِنِ الرُّجُوعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا نَوَى الرُّجُوعَ.
(وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إذَا أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْإِنْصَافِ، نَقْلًا عَنْ الزَّرْكَشِيّ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمُرْتَهِنُ (مُتَطَوِّعًا) بِمَا فَضَلَ عَنْ النَّفَقَةِ (لَمْ يَرْجِعْ) بِشَيْءٍ (وَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي) الرَّهْنِ (غَيْرِ الْمَرْكُوبِ وَالْمَحْلُوبِ فَلَا يُنْفِقُ عَلَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَيَسْتَخْدِمُهَا بِقَدْرِ النَّفَقَةِ) قَصْرًا لِلنَّصِّ عَلَى مَوْرِدِهِ.
(وَ) يَجُوز (لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ بِإِذْنِ رَاهِنٍ مَجَّانًا) أَيْ: بِغَيْرِ عِوَضٍ وَبِعِوَضٍ (وَلَوْ بِمُحَابَاةٍ) فِي الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالِانْتِفَاعِ بِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ (مَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ قَرْضًا) فَلَا يَنْتَفِعُ
بِهِ الْمُرْتَهِنُ وَلَوْ أَذِنَ الرَّاهِنُ مَجَّانًا أَوْ بِمُحَابَاةٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَرْضًا جَرَّ نَفْعًا " تَنْبِيهٌ " فَرَّقَ الْمُصَنِّفُ هُنَا - كَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ - بَيْنَ الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ وَتَقَدَّمَ فِي الْقَرْضِ: أَنَّ كُلَّ غَرِيمٍ كَالْمُقْتَرَضِ فِي الْهَدِيَّةِ وَنَحْوِهَا فَمُقْتَضَاهُ: عَدَمُ الْفَرْقِ هُنَاكَ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ: أَنَّ فِي غَيْرِ الْقَرْضِ رِوَايَتَيْنِ، فَيَكُونُ الْمُصَنِّف كَصَاحِبِ الْمُنْتَهَى مَشَى فِي كُلِّ بَابٍ عَلَى رِوَايَةِ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ) أَيْ: الرَّهْنَ (الْمُرْتَهِنُ أَوْ اسْتِعَارَهُ) الْمُرْتَهِن (لَمْ يَخْرُج) الْمَرْهُون (بِذَلِكَ عَنْ الرَّهْن) خِلَافًا لِلْقَاضِي (؛ لِأَنَّ الْقَبْض مُسْتَدَام) بِيَدِهِ وَلَا تَنَافِي بَيْن الْعَقْدَيْنِ (لَكِنْ يَصِيرُ) الرَّهْنُ (فِي الْعَارِيَّةِ مَضْمُونًا) بِالِانْتِفَاعِ وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ انْتَفَعَ) الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ (بِغَيْرِ إذْن الرَّاهِنِ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ) فِي ذِمَّتِهِ كَالْغَاصِبِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ سَقَطَ مِنْهُ بِقَدَرِهَا بِالْمُقَاصَّةِ بِشَرْطِهَا (وَإِنْ تَلِفَ الرَّهْنُ ضَمِنَهُ) الْمُرْتَهِنُ (؛ لِتَعَدِّيهِ) بِانْتِفَاعِهِ بِهِ بِغَيْرِ إذْن رَبِّهِ، كَالْوَدِيعَةِ.
(وَإِنْ أَنْفَقَ) الْمُرْتَهِنُ (عَلَى الرَّهْنِ بِغَيْرِ إذْنِ رَاهِنٍ مَعَ إمْكَانِهِ) أَيْ: قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ (فَ) هُوَ (مُتَبَرِّعٌ وَلَوْ نَوَى الرُّجُوعَ) ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَأْذِنْ الْمَالِكَ إذْ الرُّجُوعُ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فَافْتَقَرَ إلَى الْإِذْنِ وَالرِّضَا، كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ.
(وَإِنْ عَجَزَ الْمُرْتَهِنُ عَنْ اسْتِئْذَانِهِ) أَيْ: الْمَالِكِ لِنَحْوِ غَيْبَةٍ (رَجَعَ) الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِحُرْمَةِ حَقِّهِ (بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَنْفَقَهُ وَنَفَقَةُ مِثْلِهِ) فَإِنْ كَانَتْ نَفَقَةُ مِثْلِهِ خَمْسَةً وَأَنْفَقَ أَرْبَعَةً رَجَعَ بِالْأَرْبَعَةِ، لِأَنَّهَا الَّتِي أَنْفَقَهَا وَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ رَجَعَ أَيْضًا بِالْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى نَفَقَةِ الْمِثْلِ تَبَرُّعٌ (إذَا نَوَى الرُّجُوعَ) فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ لَا رُجُوعَ لَهُ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
(وَلَوْ قَدَرَ عَلَى اسْتِئْذَانِ حَاكِمٍ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ وَلَمْ يُشْهِدْ) أَنَّهُ يُنْفِقُ لِيَرْجِعَ عَلَى الرَّاهِنِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا) أَيْ: مِثْلُ حُكْمِ النَّفَقَةِ عَلَى الرَّهْنِ حُكْمُ النَّفَقَةِ عَلَى وَدِيعَةٍ وَعَارِيَّةٍ.
(وَجِمَالٍ وَنَحْوِهَا) كَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ (إذَا هَرَبَ صَاحِبُهَا وَتَرَكَهَا فِي يَد مُكْتَرٍ) وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ رَجَعَ، وَإِلَّا فَلَا (وَتَأْتِي هَذِهِ) أَيْ: مَسْأَلَةُ هَرَبِ الْجَمَّالِ وَنَحْوِهِ (فِي الْإِجَارَةِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا مَاتَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَكَفَّنَهُ.
(وَإِنْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ) الْمَرْهُونَةُ (فَعَمَّرَهَا الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ لَمْ يَرْجِعْ) الْمُرْتَهِنُ (بِهِ) أَيْ: بِمَا أَنْفَقَهُ فِي عِمَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الرَّاهِنِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ.
(وَلَوْ نَوَى) الْمُرْتَهِنُ (الرُّجُوعَ لَكِنْ لَهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (أَخْذُ أَعْيَانِ آلَتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا عَيْنُ مَالِهِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ وَكَذَا مُسْتَأْجِرٌ وَمُسْتَعِيرٌ وَوَدِيعٌ.
[فَصْلٌ فِي جِنَايَة الرَّهْنُ]
فَصْلٌ وَإِنْ جَنَى الرَّهْنُ كَالْعَبْدِ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ كَالْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ (عَلَى بَدَنٍ أَوْ مَالٍ تَسْتَغْرِقُ) جِنَايَتُهُ (قِيمَتَهُ) أَيْ: قِيمَةَ الرَّهْنِ (تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ) أَيْ: بِرَقَبَةِ الْجَانِي.
(وَقُدِّمَتْ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَمَعْنَاهُ فِي الْمُغْنِي؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ، وَالْمِلْكُ أَقْوَى مِنْ الرَّهْنِ فَأَوْلَى أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى الرَّهْنِ لَا يُقَالُ: حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مُقَدَّمٌ أَيْضًا عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ بِعَقْدِهِ بِخِلَافِ حَقِّ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّهِ فَقُدِّمَ عَلَى مَا ثَبَتَ بِعَقْدٍ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْجِنَايَةِ يَخْتَصُّ بِالْعَيْنِ فَيَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا وَحُقُّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْعَيْنِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا، فَكَانَ تَعَلُّقُهُ بِهَا أَحَقَّ وَأَوْلَى.
(وَخُيِّرَ سَيِّدُهُ بَيْنَ فِدَائِهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَرْشُ أَقَلَّ فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَكْثَرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ عِوَضٌ عَنْ الْعَبْدِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ.
(وَيَبْقَى الرَّهْنُ بِحَالِهِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ قَائِمٌ لِوُجُودِ سَبَبِهِ وَإِنَّمَا قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ فَإِذَا زَالَ ظَهَرَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ (وَبَيْنَ بَيْعِهِ) أَيْ: الْجَانِي (فِي الْجِنَايَةِ أَوْ تَسْلِيمِهِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكُهُ وَيَبْطُلُ الرَّهْنُ فِيهِمَا) أَيْ: فِيمَا إذَا بَاعَهُ أَوْ سَلَّمَهُ لِوَلِيِّهَا؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَعَلَّقَتْ بِالْعَبْدِ وَبِالْبَيْعِ فِيهَا، أَوْ تَسْلِيمِهِ لِوَلِيِّهَا، اسْتَقَرَّ كَوْنُهُ عِوَضًا عَنْهَا فَبَطَلَ كَوْنُهُ مَحِلًّا لِلرَّهْنِ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ الْأَرْشُ قِيمَتَهُ) أَيْ: قِيمَةَ الْعَبْدِ (بِيعَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْعَبْدِ (بِقَدْرِهِ) أَيْ: الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ إنَّمَا جَازَ ضَرُورَةً فَيَتَقَيَّدُ بِقَدْرِ الْحَقِّ.
(وَبَاقِيه) أَيْ: الْعَبْدِ رَهْنٌ لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ (بِيعَ كُلُّهُ) لِلضَّرُورَةِ وَكَذَا إنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِتَشَقُّصٍ (وَيَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ رَهْنًا) مَكَانَهُ.
(وَإِنْ فَدَاهُ) أَيْ: الْجَانِي (مُرْتَهِنٌ بِإِذْنِ رَاهِنٍ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ) بِفِدَائِهِ رَجَعَ بِهِ أَيْ: بِفِدَائِهِ لِأَدَائِهِ بِإِذْنِ مَالِكِهِ كَمَا لَوْ قَضَى عَنْهُ دَيْنَهُ بِإِذْنِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ مَالِكِهِ (لَمْ يَرْجِعْ وَلَوْ نَوَى الرُّجُوعَ، حَتَّى وَلَوْ تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِافْتِدَاءُ هُنَا) بِخِلَافِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَكَذَا لَا يَرْجِعُ إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَنَوَى التَّبَرُّعُ.
(فَإِنْ فَدَاهُ)
أَيْ: الْجَانِي (الْمُرْتَهِنُ، وَشَرَطَ) الْمُرْتَهِنُ (أَنْ يَكُونَ) الْجَانِي (رَهْنًا بِالْفِدَاءِ مَعَ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَرْهُونٌ بِدَيْنٍ فَلَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ بِآخَرَ (كَمَا لَوْ رَهَنَهُ) أَيْ: الْمَرْهُونَ (بِدَيْنٍ سِوَى هَذَا) الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَشْغُولَ لَا يُشْغَلُ (وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ) أَيْ: الْمَرْهُونِ (مُوجِبَةً الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ فَلِوَلِيِّهَا اسْتِيفَاؤُهُ) أَيْ: الْقِصَاصِ (فَإِنْ اقْتَصَّ) مِنْهُ وَلِيُّهَا (بَطَلَ الرَّهْنُ كَمَا لَوْ تَلِفَ) الرَّهْنُ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَايَةُ (فِي طَرَفٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَبَقِيَ الرَّهْنُ فِي بَاقِيه) لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ.
(وَإِنْ عَفَا) وَلِيُّ الْجِنَايَةِ عَلَى مَالٍ تَعَلَّقَ ذَلِكَ الْمَالُ (بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ) الْجَانِي (وَصَارَ كَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَيَأْتِي حُكْمُ جِنَايَتِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ (عَمْدًا أَوْ خَطَأً فِي) بَابِ (مَقَادِيرِ الدِّيَاتِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا) مُفَصَّلًا.
(وَإِنْ جَنَى الْمَرْهُونُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَكَانَ) الْمَرْهُونُ (يَعْلَمُ تَحْرِيمَ الْجِنَايَةِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ ذَلِكَ) الْأَمْرِ (مِنْ سَيِّدِهِ، فَكَالْجِنَايَةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَرْهُونُ (صَبِيًّا أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ: تَحْرِيمَ الْجِنَايَةِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ (فَالْجَانِي هُوَ السَّيِّدُ) وَالْعَبْدُ كَالْآلَةِ.
(وَيَتَعَلَّقُ بِهِ) أَيْ: بِالسَّيِّدِ أَيْ: بِذِمَّتِهِ (مُوجِبُ الْجِنَايَةِ وَلَا يُبَاعُ الْعَبْدُ فِيهَا) لِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِرَقَبَتِهِ (مُوسِرًا كَانَ السَّيِّدُ أَوْ مُعْسِرًا) كَمَا لَوْ بَاشَرَ السَّيِّدُ الْقَتْلَ.
(وَحُكْمُ إقْرَارِ الْعَبْدِ بِالْجِنَايَةِ حُكْمُ إقْرَارِ غَيْرِ الْمَرْهُونِ) عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْحَجْرِ وَالْإِقْرَارِ.
(وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَرْهُونُ (جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ: مَالٍ (فَالْخَصْمُ سَيِّدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لَهُ وَالْأَرْشُ الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ مِلْكُهُ وَإِنَّمَا لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقُّ الْوَثِيقَةِ (فَإِنْ أَخَّرَ) السَّيِّدُ (الْمُطَالَبَةَ لِغَيْبَةٍ أَوْ عُذْرٍ) مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ (أَوْ غَيْرِهِ فَلِلْمُرْتَهِنِ الْمُطَالَبَةُ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُوجِبِهَا كَمَا لَوْ كَانَ الْجَانِي سَيِّدَهُ (وَيَأْتِي آخِرَ الْوَدِيعَةِ بَعْضُ ذَلِكَ وَلِسَيِّدِهِ) أَيْ: سَيِّدِ الْمَرْهُونِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَمْدًا (الْقِصَاصُ بِإِذْنِ مُرْتَهِنٍ وَبِدُونِهِ) أَيْ: بِدُونِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ (إنْ أَعْطَاهُ) أَيْ: السَّيِّدُ (مَا يَكُونُ رَهْنًا) مَكَانَهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ وَلِلسَّيِّدِ أَيْضًا الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَيَجِبُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ فَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا أَوْ يَأْخُذَ عَنْهَا عِوَضًا لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَمَا قَبَضَ مِنْهُ جُعِلَ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُ فَيُعْطَى حُكْمُهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(فَإِنْ اقْتَصَّ) سَيِّدُ الْمَرْهُونِ مِنْ الْجَانِي عَلَيْهِ (فِي نَفْسٍ أَوْ دُونِهَا) فَعَلَيْهِ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا، تُجْعَلُ رَهْنًا مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا اُسْتُحِقَّ بِسَبَبِ إتْلَافِ الرَّهْنِ فَغَرِمَ قِيمَتَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ وَإِنَّمَا وَجَبَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِيَّةِ وَالْوَاجِبُ مِنْ الْمَالِ هُوَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ
فَعَلَى هَذَا: لَوْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي عَشَرَةً وَالْجَانِي خَمْسَةً أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا الْخَمْسَةُ (أَوْ عَفَا) السَّيِّدُ عَنْ الْجَانِي (عَلَى مَالٍ فَعَلَيْهِ) أَيْ: السَّيِّدِ (قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا) أَيْ: الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (قِيمَةٌ تُجْعَلُ رَهْنًا مَكَانَهُ) أَيْ: مَكَانَ الرَّهْنِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ) مِنْ الرَّهْنِ (عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ) الْمَرْهُونِ (فَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَايَةُ (إتْلَافَ مَالٍ أَوْ) كَانَتْ إتْلَافَ نَفْسٍ لَكِنْ (مُوجِبَةً لِلْمَالِ فَهِيَ هَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لِسَيِّدِهِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ مَالُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَايَةُ عَلَى سَيِّدِهِ (مُوجِبَةً لِلْقَوَدِ وَكَانَتْ) الْجِنَايَةُ (عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ وَعَفَا السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ أَوْ) عَفَا عَلَى (غَيْرِ مَالٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ) لِلْعَفْوِ (وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ اقْتَصَّ) السَّيِّدُ (فَعَلَيْهِ) أَيْ: السَّيِّدِ قِيمَتُهُ (؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ) تَكُونُ رَهْنًا مَكَانه (إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا) أَوْ قَضَاءً عَنْ الدِّينِ (إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًا؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ رَهْنًا بِاخْتِيَارِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ وَكَذَلِكَ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ فَاقْتَصَّ الْوَرَثَةُ) مِنْ الْمَرْهُونِ الْجَانِي.
(وَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقِيمَةُ) فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ، أَوْ قَضَاءً عَنْ الدَّيْنِ " (وَلَيْسَ لَهُمْ) أَيْ: الْوَرَثَةِ (الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ) فَإِنْ عَفَوْا عَلَى مَالٍ أَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ فَ (عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) يَسْقُطُ الْقِصَاصُ لِلْعَفْوِ وَالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ لَهُمْ وَلَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ فِي مَالِهِ مَالٌ.
(وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى عَبْدِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (مَرْهُونًا فَكَالْجِنَايَةِ عَلَى طَرَفِ سَيِّدِهِ) إنْ أَوْجَبَتْ مَالًا فَهَدْرٌ، وَإِنْ أَوْجَبَتْ قِصَاصًا فَلِسَيِّدِهِ الْقِصَاصُ بِإِذْنِ مُرْتَهِنٍ، أَوْ إعْطَائِهِ مَا يَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ وَبِدُونِهِمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا رَهْنًا مَكَانَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مُوَرِّثِ سَيِّدِهِ، وَكَانَتْ عَلَى طَرَفِهِ أَوْ مَالِهِ، فَكَأَجْنَبِيٍّ وَلَهُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لَهُ، وَالْعَفْوُ عَلَى مَالٍ وَغَيْرِهِ فَإِنْ انْتَقَلَ ذَلِكَ إلَى السَّيِّدِ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ، فَلَهُ مَا لِمُوَرِّثِهِ مِنْ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ فَجَازَ إنْ ثَبَتَ بِهَا مَالًا يَثْبُتُ فِي الِابْتِدَاءِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ ثَبَتَ الْحُكْمُ لِسَيِّدِهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَمُكَاتِبُ السَّيِّدِ كَوَلَدِهِ، وَتَعْجِيزُهُ كَمَوْتِ وَلَدِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (مَرْهُونًا عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ وَالْجِنَايَةُ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ) بِأَنْ كَانَتْ عَمْدًا مَحْضًا (فَإِنْ اقْتَصَّ السَّيِّدُ بَطَلَ الرَّهْنُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) كَمَا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
(وَإِنْ عَفَا) السَّيِّدُ (عَلَى مَالٍ أَوْ كَانَتْ) الْجِنَايَةُ (مُوجِبَةً لِلْمَالِ) بِأَنْ كَانَتْ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ.
(وَكَانَا) أَيْ: الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (رَهَنَا بِحَقٍّ وَاحِدٍ فَجِنَايَتُهُ هَدَرٌ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِذَا قُتِلَ أَحَدُهُمَا بَقِيَ
الْحَقُّ مُتَعَلِّقًا بِالْآخَرِ، كَمَا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ.
(وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ: الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (رَهَنَا بِحَقٍّ مُنْفَرِدٍ فَإِنْ كَانَ الْحَقَّانِ سَوَاءً) مِنْ جِنْسٍ أَوْ جِنْسَيْنِ.
(وَ) كَانَتْ (قِيمَتُهُمَا سَوَاءً فَالْجِنَايَةُ هَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي اعْتِبَارِهَا وَتَعَلَّقَ دَيْنُ الْمَقْتُولِ بِرَقَبَةِ الْقَاتِلِ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي (وَإِنْ اخْتَلَفَ الْحَقَّانِ وَاتَّفَقَ الْقِيمَتَانِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ دَيْنُ أَحَدِهِمَا مِائَةً وَدَيْنُ الْآخَرِ مِائَتَيْنِ، وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً فَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْقَاتِلِ أَكْثَرَ) وَهُوَ الْمِائَتَانِ (لَمْ يُنْقَلْ إلَى دَيْنِ الْمَقْتُولِ) ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ.
(وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمَقْتُولِ أَكْثَرَ) بِأَنْ كَانَ مَرْهُونًا بِالْمِائَتَيْنِ (نُقِلَ) دَيْنُهُ وَهُوَ الْمِائَتَانِ (إلَى الْقَاتِلِ بِحَالِهِ) فَيَصِيرُ رَهْنًا بِالْمِائَتَيْنِ (وَلَا يُبَاعُ) الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، بَلْ إذَا حَلَّتْ الْمِائَتَانِ.
(وَإِنْ اتَّفَقَ الدَّيْنَانِ وَاخْتَلَفَ الْقِيمَتَانِ بِأَنْ يَكُونَ دَيْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً وَ) يَكُونَ (قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةً وَالْآخَرُ مِائَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ أَكْثَرَ بَقِيَ بِحَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ فِي النَّقْلِ.
(وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْجَانِي أَكْثَرَ، بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِ، يَكُونُ رَهْنًا بِدَيْنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَالْبَاقِي) مِنْهُ (رَهْنٌ بِدَيْنِهِ وَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (عَلَى تَبْقِيَتِهِ) أَيْ: الْقَاتِلِ (وَنَقْلِ الدَّيْنِ) أَيْ: دَيْنِ الْمَقْتُولِ (إلَيْهِ صَارَ) الْقَاتِلُ (مَرْهُونًا بِهِمَا) أَيْ: بِدَيْنِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ (فَإِنْ حَلَّ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ بِيعَ بِكُلِّ حَالٍ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ دَيْنُهُ الْمُعَجَّلُ بِيعَ لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ، وَمَا بَقِيَ مِنْهُ رُهِنَ بِالدَّيْنِ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ الْآخَرَ بِيعَ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ بِقَدْرِهِ، وَالْبَاقِي رُهِنَ بِدَيْنِهِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَ الدَّيْنَانِ وَالْقِيمَتَانِ، كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ خَمْسِينَ وَالْآخَرُ ثَمَانِينَ، وَ) تَكُونُ (قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةً، وَ) قِيمَةُ الْآخَرِ مِائَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمَقْتُولِ أَكْثَرَ نُقِلَ إلَيْهِ أَيْ: إلَى الْقَاتِلِ (وَإِلَّا) يَكُنْ أَكْثَرُ (فَلَا) يُنْقَلُ إلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَأَمَّا إذَا كَانَ) الْعَبْدُ (الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ رَهْنًا عِنْدَ غَيْرِ مُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ، وَاقْتَصَّ السَّيِّدُ) مِنْ الْقَاتِلِ (بَطَلَ الرَّهْنُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ لَمْ تُوجِبْ مَالًا يُجْعَلُ رَهْنًا مَكَانَهُ.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ: السَّيِّدِ قِيمَةُ الْعَبْدِ (الْمُقْتَصِّ مِنْهُ تَكُونُ رَهْنًا) مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّ الْوَثِيقَةِ فِيهِ بِاخْتِيَارِهِ (وَإِنْ عَفَا) السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ صَارَتْ الْجِنَايَةُ كَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، وَ (ثَبَتَ الْمَالُ) الْمَعْفُوُّ عَلَيْهِ (فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ) الْجَانِي؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ جَنَى عَلَى الْعَبْدِ لَوَجَبَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَبِأَنْ يَثْبُتَ عَلَى عَبْدِهِ أَوْلَى.
(فَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ لَا يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْأَرْشِ يَكُونُ رَهْنًا عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَبَاقِيه) أَيْ: الْعَبْدِ (رَهْنٌ عِنْدَ مُرْتَهِنِهِ) ؛ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْمُعَارِضِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِيعَ كُلُّهُ) لِلضَّرُورَةِ
(وَقُسِّمَ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ) فَقَدْرُ الْأَرْشِ مِنْ ثَمَنِهِ (يَكُونُ رَهْنًا) عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَبَاقِيه رَهْنٌ عِنْدَ مُرْتَهِنِهِ (وَإِنْ كَانَ) الْأَرْشُ (يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ نُقِلَ الْجَانِي فَجُعِلَ رَهْنًا عِنْدَ) الْمُرْتَهِنِ الْآخَرِ لِمَا سَبَقَ وَلَا يُبَاعُ حَتَّى يَحِلَّ دَيْنُهُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ فَكَذَّبَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا) لِتَكْذِيبِهِمَا لَهُ (وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ وَصَدَّقَهُ الرَّاهِنُ فَلَهُ) أَيْ: الرَّاهِنِ (الْأَرْشُ، وَلَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ) لِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ صَدَّقَهُ) أَيْ: الْمُقِرَّ (الْمُرْتَهِنُ وَحْدَهُ) وَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ (تَعَلَّقَ حَقُّهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (بِالْأَرْشِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (قَبْضُهُ) أَيْ: الْأَرْشِ.
(فَإِذَا قَضَى الرَّاهِنُ الْحَقَّ أَوْ أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ) مِنْهُ (رَجَعَ الْأَرْشُ إلَى الْجَانِي) لِإِقْرَارِ السَّيِّدِ لَهُ بِذَلِكَ (وَلَا شَيْءَ لِلرَّاهِنِ فِيهِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ اسْتَوْفَى) الْمُرْتَهِنُ (حَقَّهُ مِنْ الْأَرْشِ لَمْ يَمْلِكْ الْجَانِي مُطَالَبَةَ الرَّاهِنِ) بِمَا اسْتَوْفَاهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ: الْجَانِي (مُقِرّ لَهُ) أَيْ: الرَّاهِنِ (بِاسْتِحْقَاقِهِ) الْأَرْشَ.
(وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً فَضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا فَمَا وَجَبَ فِيهِ) مِنْ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ إنْ سَقَطَ مَيِّتًا، أَوْ قِيمَتِهِ إنْ سَقَطَ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ثُمَّ مَاتَ (وَأُخِذَ) مِنْ الضَّارِبِ (فَهُوَ رَهْنٌ مَعَهَا) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْجَنِينِ التَّابِعِ لَهَا فِي الرَّهْنِ.
(وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْهُونَةُ بَهِيمَةً فَضُرِبَتْ فَأَلْقَتْ وَلَدَهَا مَيِّتًا مِنْ الضَّرْبَةِ) فَفِيهِ (أَيْ: فِي وَلَدِهَا) مَا نَقَصَهَا لَا غَيْرَ (لِمَا يَأْتِي: مَنْ أَنَّ فِي جَنِينِ دَابَّةٍ مَا نَقَصَ أُمَّهُ وَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ رَهْنًا مَعَهَا كَسَائِرِ أَرْشِ الْجِنَايَاتِ) .
(وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ) عَلَى الرَّهْنِ (مُوجِبَةً لِلْمَالِ، فَمَا قُبِضَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَالِ (جُعِلَ) رَهْنًا (مَكَانَهُ) أَيْ: مَكَانَ الْمَرْهُونِ، لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (فَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ) الرَّاهِنُ (عَنْ الْمَالِ صَحَّ فِي حَقِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ (وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَمْلِكُهُ (فَيُؤْخَذُ مِنْ الْجَانِي الْأَرْشُ فَيُدْفَعُ إلَى الْمُرْتَهِنِ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ.
(فَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ بِأَدَاءِ رَاهِنٍ أَوْ إبْرَاءٍ) مُرْتَهِنٍ (رَدَّ) الْمُرْتَهِنُ (إلَى الْجَانِي مَا أُخِذَ مِنْهُ) مِنْ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقّ لَهُ غَيْرُهُ (وَإِنْ اسْتَوْفَاهُ) أَيْ: اسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ (مِنْ الْأَرْشِ) الَّذِي أَبْرَأَ الرَّاهِنُ الْجَانِي مِنْهُ (رَجَعَ جَانٍ عَلَى رَاهِنٍ) ؛ لِأَنَّ مَالَهُ ذَهَبَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ فَلَزِمَهُ غَرَامَتُهُ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَهُ فَرَهَنَهُ.
(وَإِنْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْجَارِيَةَ الْمَرْهُونَةَ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ إجْمَاعًا إذْ لَا نِكَاحَ وَلَا مِلْكَ وَلَا شُبْهَةَ.
(وَ) عَلَيْهِ أَيْضًا (الْمَهْرُ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ الْمَمْلُوكَةَ لِسَيِّدِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا كَأَرْشِ الْبَكَارَةِ (وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ وَهُوَ مِلْكٌ (لِلرَّاهِنِ رَهْنًا مَعَ أُمِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ نَمَاءِ الرَّهْنِ.
(وَإِنْ وَطِئَهَا) مُرْتَهِنٌ (بِإِذْنِ رَاهِنٍ، وَادَّعَى الْجَهَالَةَ، وَكَانَ مِثْلَهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَمَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ، أَوْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ.
(وَلَا مَهْرَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ بِسَبَبِ الْوَطْءِ وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا بِإِذْنِهِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) لِلشُّبْهَةِ
(لَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ) بِخِلَافِ الْمَغْرُورِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ مِنْ وَطْءٍ مَأْذُونٍ فِيهِ كَالْمَهْرِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمُرْتَهِنُ (عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ) أَيْ: الْوَطْءِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ مِنْ الرَّاهِنِ (فَلَا مَهْرَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ) ؛ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ.
(وَإِنْ وَطِئَهَا) الْمُرْتَهِنُ (مِنْ غَيْرِ إذْنِ رَاهِنٍ جَاهِلًا التَّحْرِيمَ فَلَا حَدَّ) عَلَيْهِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) لِلشُّبْهَةِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (الْفِدَاءُ) فَيَفْدِيه بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى الرَّاهِنِ بِاعْتِقَادِهِ الْحُرِّيَّةَ (وَ) عَلَيْهِ (الْمَهْرُ) أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَهُ) أَيْ: لِلْمُرْتَهِنِ (بَيْعُ رَهْنٍ جَهِلَ رَبَّهُ إنْ أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالصَّدَقَةُ بِثَمَنِهِ بِشَرْطِ ضَمَانِهِ) لِرَبِّهِ أَوْ وَارِثِهِ إذَا عَرَّفَهُ فَإِذَا عَرَّفَهُمْ خَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْأَجْرِ أَوْ يَغْرَمُ لَهُمْ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ إذَا عَرَفَ رَدُّ الْمُعَاوَضَةِ؛ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهَا شَرْعًا انْتَهَى وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: بَيْعُهُ وَلَوْ بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْحَارِثِيِّ وَقُدِّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الصَّوَابُ اسْتِئْذَانُ الْحَاكِمِ فِي بَيْعِهِ إنْ كَانَ أَمِينًا.
(وَلَا يَسْتَوْفِي) الْمُرْتَهِنُ (حَقَّهُ) مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ الرَّهْنَ (نَصًّا) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ عَجَزَ عَنْ إذْنِ الْحَاكِمِ وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ أَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا عُدِمَ، يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ.
(وَعَنْهُ: بَلَى) أَيْ: لَهُ أَخْذُ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ (وَلَوْ بَاعَهَا) أَيْ: الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ (الْحَاكِمُ وَوَفَّاهُ) مِنْ ثَمَنِهَا (جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَهُ وِلَايَةُ مَالِ الْغَائِبِ (وَيَأْتِي فِي) بَابِ (الْغَصْبِ: لَوْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ غُصُوبٌ وَنَحْوُهَا) كَعَوَارٍ أَوْ أَمَانَاتٍ (لَا يُعْرَفُ أَرْبَابُهَا) فَيَدْفَعُهَا إلَى الْحَاكِمِ أَوْ يَبِيعُهَا وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا.
[بَابُ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا]
(الضَّمَانُ) مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّمِّ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهَا وَرُدَّ بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ فِي الضَّمِّ مِيمٌ وَفِي الضَّمَانِ نُونٌ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مِنْ الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ الْمُشَارَكَةُ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ مَعَ مُلَاحَظَةِ الْمَعْنَى وَقَالَ الْقَاضِي: مُشْتَقٌّ مِنْ التَّضَمُّنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الْحَقَّ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مِنْ الضِّمْنِ: فَذِمَّةُ الضَّامِنِ فِي ضِمْنِ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَشَرْعًا (الْتِزَامُ مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) وَهُوَ الْحُرُّ غَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (أَوْ) الْتِزَامُ (مُفْلِسٍ بِرِضَاهُمَا) أَيْ: مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ وَالْمُفْلِسُ (مَا) أَيْ: دَيْنًا (وَجَبَ)
عَلَى غَيْرِهِ (أَوْ) مَا (يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ بَقَائِهِ) أَيْ: مَا وَجَبَ أَوْ يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ ثَابِتٌ بِإِجْمَاعٍ وَسَنَدُهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الْكَفِيلُ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ غَيْرُ ضَمَانِ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ جِزْيَةً فَلَا يَصِحُّ وَلَوْ بَعْدَ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهَا إذَا أُخِذَتْ مِنْ الضَّامِنِ فَاتَ الصَّغَارَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ.
(وَ) غَيْرُ (كَفَالَتِهِ) أَيْ: كَفَالَةِ مُسْلِمٍ وَكَذَا كَفَالَةُ كَافِرٍ (مَنْ هِيَ) أَيْ: الْجِزْيَةُ (عَلَيْهِ) فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَلَوْ بَعْدَ الْحَوْلِ، لِفَوَاتِ الصَّغَارِ إذَا اُسْتُوْفِيَتْ مِنْ الْكَفِيلِ (فَلَا يَصِحُّ) أَيْ: الضَّمَانُ وَلَا الْكَفَالَةُ (فِيهِمَا) أَيْ: فِي جِزْيَةٍ وَجَبَتْ وَلَا جِزْيَةٍ سَتَجِبُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَصِحُّ) الضَّمَانُ (بِلَفْظِ) أَنَا (ضَمِينٌ وَكَفِيلٌ، وَقَبِيلٌ، وَحَمِيلٌ، وَصَبِيرٌ، وَزَعِيمٌ) بِمَا عَلَيْهِ يُقَالُ: قَبِلَ بِهِ، بِكَسْرِ الْبَاءِ فَهُوَ قَبِيلٌ، وَحَمَلَ بِهِ حَمَالَةً فَهُوَ حَمِيلٌ وَزَعَمَ بِهِ يَزْعُمُ بِالضَّمِّ - زَعْمًا وَصَبَرَ يَصْبِرُ - بِالضَّمِّ - صَبْرًا وَصِبَارَةً: بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ مَعْنَى كَفِيلٍ.
(وَ) يَصِحُّ الضَّمَانُ أَيْضًا بِلَفْظِ (ضَمِنْت دَيْنَك أَوْ تَحَمَّلْته، وَضَمِنْت إيصَالَهُ أَوْ هُوَ) أَيْ: دَيْنُك (عَلَيَّ وَنَحْوُهُ) مِنْ كُلِّ مَا يُؤَدِّي مَعْنَى الْتِزَامِهِ مَا عَلَيْهِ (فَإِنْ قَالَ) شَخْصٌ: (أَنَا أُؤَدِّي) مَا عَلَيْهِ (أَوْ) أَنَا (أُحْضِرُ) مَا عَلَيْهِ (لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ وَلَيْسَ بِالْتِزَامٍ (وَقَالَ الشَّيْخُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يَصِحُّ) الضَّمَانُ (بِكُلِّ لَفْظٍ فُهِمَ مِنْهُ الضَّمَانُ عُرْفًا مِثْلَ) قَوْلِهِ: (زَوِّجْهُ، وَأَنَا أُؤَدِّي الصَّدَاقَ أَوْ) قَوْلِهِ: (بِعْهُ وَأَنَا أُعْطِيك الثَّمَنَ أَوْ) قَوْلِهِ: اُتْرُكْهُ وَلَا تُطَالِبْهُ وَأَنَا أُعْطِيك مَا عَلَيْهِ (وَنَحْوَ ذَلِكَ) مِمَّا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَحُدَّ ذَلِكَ بِحَدٍّ فَرُجِعَ إلَى الْعُرْفِ كَالْحِرْزِ وَالْقَبْضِ.
(وَإِنْ ضَمِنَ) إنْسَانٌ (وَهُوَ) أَيْ: الضَّامِنُ (مَرِيضٌ مَرَضًا غَيْرَ مَخُوفٍ) كَصُدَاعٍ وَحُمَّى يَسِيرَيْنِ وَلَوْ صَارَ مُخَرِّفًا وَمَاتَ بِهِ، أَوْ وَهُوَ مَرِيضٌ مَرَضًا (مَخُوفًا وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْمَوْتُ ف) هُوَ (كَالصَّحِيحِ) كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الضَّامِنُ وَقْتَ الضَّمَانِ مَرِيضًا (مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ حَسْبَ مَا ضَمِنَهُ مِنْ ثُلُثِهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فَهُوَ كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ وَكَالْوَصِيَّةِ وَقِيَاسُ الْمَرِيضِ كَذَلِكَ: مَنْ بِاللُّجَّةِ عِنْدَ الْهَيَجَانِ، أَوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلْدَةٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ أُلْحِقَ بِالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ كَمَا سَيَأْتِي فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ.
(وَيَصِحُّ الضَّمَانُ مِنْ أَخْرَسَ بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ) كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ؛ لِأَنَّهَا كَاللَّفْظِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُرَادِ (وَلَا يَثْبُتُ) الضَّمَانُ (بِكِتَابَتِهِ) أَيْ: الْأَخْرَسِ حَالَ كَوْنهَا (مُنْفَرِدَةً عَنْ إشَارَةٍ يُفْهَمُ بِهَا عَنْهُ أَنَّهُ قَصَدَ الضَّمَانَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكْتُبُ عَبَثًا أَوْ تَجْرِبَةَ قَلَمٍ) فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا بِالِاحْتِمَالِ.
(وَمَنْ لَا تُفْهَمُ إشَارَتُهُ) مِنْ الْخُرْسِ (وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ) أَيْ: أَنْ يَضْمَنَ غَيْرُهُ وَلَوْ بِكِتَابَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَكْتُبُ عَبَثًا أَوْ تَجْرِبَةَ قَلَمٍ فَلَيْسَتْ صَرِيحَةً (وَكَذَلِكَ) أَيْ: كَالضَّمَانِ (سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ) فَتَصِحُّ بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ، لَا بِكِتَابَةٍ مُفْرَدَةٍ عَنْ إشَارَةٍ يُفْهَمُ بِهَا الْمَقْصُودُ، وَلَا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ إشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ وَتَأْتِي صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ بِالْكِتَابَةِ.
(وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ: مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَالضَّامِنِ (لِثُبُوتِهِ) أَيْ: الْحَقِّ (فِي ذِمَّتَيْهِمَا جَمِيعًا) فَلَا يَبْرَأ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ كَمَا يَبْرَأُ الْمُحِيلُ بَلْ يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَّتَيْهِمَا جَمِيعًا لِصِحَّةِ هِبَتِهِ لَهُمَا؛ وَلِأَنَّ الْكَفِيلَ لَوْ قَالَ: تَكَفَّلْت بِالْمُطَالَبَةِ دُونَ أَصْلِ الدَّيْنِ لَمْ يَصِحَّ اتِّفَاقًا ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَ) لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَيْضًا (مُطَالَبَتُهُمَا) أَيْ: الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَالضَّامِنِ (مَعًا فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَلَوْ كَانَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ) مَلِيئًا (بَازِلًا) لِلدَّيْنِ لِمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» .
(فَإِنْ أَحَالَ رَبُّ الْحَقِّ) عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِدَيْنِهِ، بَرِئَ الضَّامِنُ (أَوْ أُحِيلَ) أَيْ: أَحَالَهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بِدَيْنِهِ بَرِئَ الضَّامِنُ (أَوْ زَالَ الْعَقْدُ) بِأَنْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ الَّذِي ضَمِنَ فِيهِ الثَّمَنَ، أَوْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ وَقَدْ ضَمِنَ الْأُجْرَةَ (بَرِئَ الضَّامِنُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، وَالضَّمَانُ وَثِيقَةٌ فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ زَالَتْ الْوَثِيقَةُ قَالَهُ الْمُبْدِعُ (وَ) بَرِئَ (الْكَفِيلُ وَبَطَلَ الرَّهْنُ إنْ كَانَ) هُنَاكَ رَهْنٌ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ وَرِثَ الدَّيْنَ لَمْ يَبْرَأْ ضَامِنٌ وَلَا كَفِيلٌ وَلَمْ يَبْطُلْ رَهْنٌ.
(فَإِنْ بَرِئَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ) بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ حَوَالَةٍ (بَرِئَ الضَّامِنُ) ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ كَمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ بَرِئَ الضَّامِنُ لَمْ يَبْرَأْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فَلَا يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ التَّبَعِ (أَوْ أَقَرَّ) الْمَضْمُونُ لَهُ (بِبَرَاءَتِهِ) أَيْ: الضَّامِنِ (كَقَوْلِهِ) أَيْ: رَبِّ الْحَقِّ لِلضَّامِنِ (بَرِئْت مِنْ الدَّيْنِ، أَوْ أَبْرَأْتُك) مِنْهُ (لَمْ يَكُنْ) رَبُّ الْحَقِّ (مُقِرًّا بِالْقَبْضِ) لِلدَّيْنِ وَلَمْ يَبْرَأْ مَضْمُونٌ عَنْهُ لِأَصَالَتِهِ فَلَا يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ تَبَعُهُ.
(وَ) الْقَائِلُ لِلضَّامِنِ (بَرِئْت إلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ: مُقِرٌّ بِقَبْضِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ بِفِعْلٍ وَاصِلٍ إلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَبْضِهِ (وَ) قَوْلُ رَبِّ الْحَقِّ لِلضَّامِنِ: (وَهَبْتُك الْحَقَّ: تَمْلِيكٌ لَهُ فَيَرْجِعُ) الضَّامِنُ بِالدَّيْنِ (عَلَى مَضْمُونٍ) وَيَأْخُذهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ رَبَّهُ مَلَّكَهُ لَهُ.
(وَيَصِحُّ أَنْ يَضْمَنَ الْحَقَّ عَنْ)
الْمَدِينِ (الْوَاحِدِ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ، سَوَاءٌ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ جَمِيعَهُ) أَيْ: الدَّيْنِ (أَوْ جُزْءًا) مَعْلُومًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ ثُبُوتُهُ فِي ذِمَّةِ اثْنَيْنِ جَازَ ثُبُوتُهُ فِي ذِمَّةِ أَكْثَرَ مِنْهُمَا (فَإِنْ قَالَا: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لَك الْأَلْفَ) الَّذِي عَلَيْهِ (فَهُوَ) أَيْ: قَوْلُهُمَا ضَمَانُ اشْتِرَاكٍ فِي انْفِرَادٍ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الضَّمَانِ وَكُلُّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ مِنْ الدَّيْنِ مُنْفَرِدٌ بِضَمَانِهِ (لَهُ) أَيْ: لِرَبِّ الْحَقِّ (مُطَالَبَتُهُمَا مَعًا بِالْأَلْفِ وَ) لَهُ (مُطَالَبَةُ أَحَدِهِمَا بِهِ) ؛ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّةِ كُلِّ مِنْهُمَا كَامِلًا (فَإِنْ قَضَاهُ) أَيْ: الْأَلْفَ (أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ) الْقَاضِي بِالْأَلْفِ (إلَّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(فَإِنْ أَبْرَأْ) رَبُّ الْحَقِّ (الْمَضْمُونَ عَنْهُ بَرِئَ الْجَمِيعُ) ؛ لِأَنَّهُمْ تَبَعُهُ.
(وَإِنْ أَبْرَأَ) رَبُّ الْحَقِّ (أَحَدَ الضَّامِنَيْنِ بَرِئَ وَحْدَهُ) دُونَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ، وَدُونَ الضَّامِنِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَبَعًا لِرَفِيقِهِ (وَإِنْ ضَمِنَ أَحَدُهُمَا أَيْ: أَحَدُ الضَّامِنَيْنِ صَاحِبَهُ لَمْ يَصِحَّ) ضَمَانُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِضَمَانِهِ الْأَصْلَ فَهُوَ أَصْلٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا (وَإِنْ قَالَا: ضَمِنَّا لَك الْأَلْفَ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالْحِصَصِ) أَيْ: نِصْفَيْنِ (فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِحِصَّتِهِ) وَهِيَ النِّصْفُ مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ التَّسْوِيَةُ.
(وَلَوْ تَكَفَّلَ بِبَدَنِ) الْمَدِينِ (الْوَاحِدِ اثْنَانِ) فَأَكْثَرَ (صَحَّ) ذَلِكَ كَالضَّمَانِ (وَيَصِحُّ أَنْ يَتَكَفَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفِيلَيْنِ) بِبَدَنِ الْكَفِيلِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْبَدَنِ لَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِ، بِخِلَافِ الضَّمَانِ (فَلَوْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْكَفِيلَيْنِ (بَرِئَ) الَّذِي سَلَّمَهُ مِنْهُ.
(وَبَرِيء كَفِيلُهُ بِهِ) مِنْ كَفَالَتِهِ بِرَفِيقِهِ لِبَرَاءَةِ الْفَرْعِ بِبَرَاءَةِ أَصْلِهِ وَ (لَا) يَبْرَأُ كَفِيلُهُ (مِنْ إحْضَارِ الْمَكْفُولِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْهُ وَلَمْ يُبْرِئْهُ رَبُّ الْحَقِّ، وَلَا بَرِئَ أَصْلُهُ.
(وَإِنْ كَفَلَ الْمَكْفُولُ بِهِ) وَهُوَ الْمَدِينُ (الْكَفِيلَ لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا.
(وَإِنْ كَفَلَ) الْمَكْفُولُ (بِهِ) أَيْ: بِالْكَفِيلِ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَا كَفَلَهُ فِيهِ بِأَنْ كَانَ عَلَى الْكَفِيلِ دَيْنٌ فَكَفَلَهُ الْمَكْفُولُ بِهِ لِرَبِّهِ (صَحَّ) ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَلَوْ ضَمِنَ ذِمِّيٌّ عَنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا فَأَسْلَمَ الْمَضْمُونُ لَهُ أَوْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بَرِئَ) الْمَضْمُونُ عَنْهُ (هُوَ وَالضَّامِنُ) مَعًا؛ لِأَنَّ مَالِيَّةَ الْخَمْرِ بَطَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَضْمُونُ لَهُ لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَلَا الضَّامِنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِأَصْلِهِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَسْلَمَ هُوَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وُجُوبُ خَمْرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَالضَّامِنُ فَرْعُهُ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ الضَّامِنُ) فِي خَمْرٍ (بَرِئَ وَحْدَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يَصِحُّ الضَّمَانُ) (إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) أَيْ: مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ مَالٍ
بِعَقْدٍ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً (إلَّا الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ أَهْلٌ لَهُ (وَيُتَّبَعُ) بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ كَسَائِرِ دُيُونِهِ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ الثَّابِتَةِ بَعْدَ الْحَجْرِ إذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ (فَلَا يَصِحُّ) ضَمَانٌ (مِنْ مَجْنُونٍ وَلَا مُبَرْسَمٍ وَلَا صَبِيٍّ وَلَوْ مُمَيِّزًا) ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِمْ.
(فَلَوْ ضَمِنَ) شَخْصٌ شَخْصًا (وَقَالَ) الضَّامِنُ (كَانَ) الضَّمَانُ (قَبْلَ بُلُوغِي وَقَالَ خَصْمُهُ) وَهُوَ الْمَضْمُونُ لَهُ (بَلْ) كَانَ الضَّمَانُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْبُلُوغِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي سَلَامَةَ الْعَقْدِ، وَهِيَ الْأَصْلُ (وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ) فِيمَا إذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
(وَكَذَا لَوْ ادَّعَى) الضَّامِنُ (الْجُنُونَ) وَقْتَ الضَّمَانِ وَأَنْكَرَهُ خَصْمُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ (وَلَوْ عُرِفَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَةُ الْعَقْدِ.
(وَلَا يَصِحُّ) الضَّمَانُ (مِنْ سَفِيهٍ) لِعَدَمِ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ الضَّمَانُ (مِنْ عَبْدٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَلَوْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَضَمَّنَ إيجَابَ مَالٍ فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ كَالنِّكَاحِ (وَيَصِحُّ) ضَمَانُ الْعَبْدِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ لَصَحَّ فَكَذَا هُنَا (وَيَتَعَلَّقُ) مَا ضَمِنَهُ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (بِذِمَّةِ السَّيِّدِ) كَاسْتِدَانَةٍ (فَإِنْ أَذِنَ) السَّيِّدُ (لَهُ فِي الضَّمَانِ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ صَحَّ) ذَلِكَ وَيَكُونُ (مَا فِي ذِمَّتِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ الْعَبْدِ، كَتَعَلُّقِ حَقِّ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ) الْعَبْدِ (الْجَانِي) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَهُ كَذَلِكَ (كَمَا لَوْ قَالَ الْحُرُّ: ضَمِنْت لَك هَذَا الدَّيْنَ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ) مَا ضَمِنْته (مِنْ مَالِي هَذَا صَحَّ) ذَلِكَ وَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالْمَالِ الَّذِي عَيَّنَهُ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي فَعَلَى هَذَا: إذَا تَلِفَ الْمَالُ سَقَطَ الضَّمَانُ وَإِنْ أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِبَدَلِهِ (وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُكَاتَبِ) بِأَنْ يَضْمَنَ إنْسَانًا (لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ (كَالْقِنِّ) إذَا ضَمِنَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ صَحَّ وَيُؤْخَذُ مِمَّا بِيَدِ مُكَاتَبٍ.
(وَلَا يَصِحُّ) الضَّمَانُ (إلَّا بِرِضَا الضَّامِنِ) فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَالٍ فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ رِضَا الْمُلْتَزِمِ كَالنَّذْرِ (وَلَا يُعْتَبَرُ) لِصِحَّةِ الضَّمَانِ (رِضَا الْمَضْمُونِ لَهُ) ؛ لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمَّنَ الْمَيِّتَ بِغَيْرِ رِضَا الْمَضْمُونِ لَهُ وَأَقَرَّهُ الشَّارِعُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ (وَلَا) رِضَا (الْمَضْمُونِ عَنْهُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قُضِيَ الدَّيْنُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَرِضَاهُ صَحَّ فَكَذَا إذَا ضَمِنَ عَنْهُ وَلَا يُعْتَبَرُ أَيْضًا (مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ لَهُمَا) أَيْ: لِلْمَضْمُونِ لَهُ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا فَكَذَا مَعْرِفَتُهُمَا.
(وَلَا) يُعْتَبَرُ (كَوْنُ الْحَقِّ مَعْلُومًا) ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ حَقٍّ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْإِقْرَارِ (وَلَا) كَوْنُ الْحَقِّ (وَاجِبًا إذَا كَانَ مَآلُهُ) أَيْ: الْحَقِّ (إلَى الْعِلْمِ وَالْوُجُوبِ) فَيَصِحُّ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ إذَا آلَ إلَى الْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] فَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى ضَمَانِ حِمْلِ الْبَعِيرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ لَا يُقَالُ: الضَّمَانُ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَيْءٌ فَلَا ضَمَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمَّ ذِمَّتَهُ إلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُ وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ مَا يَثْبُتُ وَهَذَا كَافٍ.
(فَلَوْ قَالَ: ضَمِنْت لَك مَا عَلَى فُلَانٍ) صَحَّ (أَوْ) قَالَ: (مَا عَلَى فُلَانٍ عَلَيَّ) أَوْ عِنْدِي وَنَحْوَهُ صَحَّ، وَهَذِهِ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَجْهُولِ فِيهَا (أَوْ) قَالَ: ضَمِنْت لَك (مَا تُدَايِنُهُ بِهِ) صَحَّ وَهُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ مَا يَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ (أَوْ) قَالَ: ضَمِنْت لَك (مَا يُقِرُّ لَك بِهِ) فُلَانٌ صَحَّ (أَوْ مَا تَقُومُ) لَك (بِهِ الْبَيِّنَةُ) عَلَيْهِ (أَوْ مَا يُخْرِجُهُ الْحِسَابُ بَيْنَكُمَا وَنَحْوِهِ) كَضَمِنْتُ لَكَ مَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ (صَحَّ) ذَلِكَ وَهَذِهِ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَجْهُولِ أَيْضًا.
(وَمِنْهُ) أَيْ: مِنْ ضَمَانِ مَا يَجِبُ ضَمَانُ السُّوقِ وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ مَا يَلْزَمُ التَّاجِرَ مِنْ دَيْنٍ وَمَا يَقْبِضُهُ مِنْ عَيْنِ مَضْمُونِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ الشَّيْخُ: (تَجُوزُ كِتَابَتُهُ وَالشَّهَادَةُ بِهِ لِمَنْ لَمْ يَرَ جَوَازَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ) قَالَ: وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِعَانَةِ عَلَيْهَا فَحَرَامٌ (وَاخْتَارَ) الشَّيْخُ صِحَّةَ ضَمَانِ حَارِسٍ وَنَحْوِهِ وَتُجَّارِ حَرْبٍ مَا يَذْهَبُ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ الْبَحْرِ وَأَنَّ غَايَتَهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ وَضَمَانُ الْمَجْهُولِ، كَضَمَانِ السُّوقِ وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ الضَّامِنُ مَا يَجِبُ عَلَى التُّجَّارِ لِلنَّاسِ مِنْ الدُّيُونِ، وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ: أَيْضًا الطَّائِفَةُ الْوَاحِدَةُ الْمُمْتَنِعَةُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّتِي يَنْصُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا: تَجْرِي مَجْرَى الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فِي مُعَاهَدَاتِهِمْ وَإِذَا شَرَطُوا عَلَى أَنَّ تُجَّارَهُمْ يَدْخُلُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَأْخُذُوا لِلْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، وَمَا أَخَذُوهُ كَانُوا ضَامِنِينَ لَهُ، وَالْمَضْمُونُ يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ التُّجَّارِ جَازَ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إذَا أَخَذُوا مَالًا لِلتُّجَّارِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِمَا ضَمِنُوهُ وَيَحْبِسَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ك (سَائِرِ) الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ انْتَهَى (وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ) .
وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَعْضِ الدَّيْنِ مُبْهَمًا كَجُزْءٍ مِنْهُ أَوْ حَظٍّ، أَوْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا