صفحات 328-367
قِيلَ لِأَحْمَدَ: قَبْلَ التَّكْبِيرِ تَقُولُ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ يَكُونُ بَعْدَ الْعِبَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: 7] ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 8] وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي بَابِ الْأَذَانِ: وَيَدْعُو عِنْدَ إقَامَةٍ أَيْ: قَبْلَهَا قَرِيبًا، لَا بَعْدَهَا، جَمْعًا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ (وَإِنْ دَعَا) بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالتَّكْبِيرِ (فَلَا بَأْسَ) بِهِ، إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ (فَعَلَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ) حَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ فِي الْأَذَانِ بَعْدَهُ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُقَدَّمَ خِلَافُهُ، كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ (ثُمَّ يُسَوِّي) أَيْ: يَأْمُرُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ (الْإِمَامُ الصُّفُوفَ نَدْبًا بِمُحَاذَاةِ الْمَنَاكِبِ وَالْأَكْعُبِ دُونَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ فَيَلْتَفِتُ) الْإِمَامُ (عَنْ يَمِينِهِ قَائِلًا: اعْتَدِلُوا وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ.
وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ) وَتَبِعَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: (يَقُول اسْتَوُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ) .
وَفِي الرِّعَايَةِ " اعْتَدِلُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ " وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ إلَى جَانِبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي لِمَ صُنِعَ هَذَا الْعُودُ؟ فَقُلْت: لَا وَاَللَّهِ فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ أَخَذَهُ بِيَمِينِهِ، فَقَالَ: اعْتَدِلُوا وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ ثُمَّ أَخَذَهُ بِيَسَارِهِ، وَقَالَ: اعْتَدِلُوا وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَ (لِأَنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَّامِ الصَّلَاةِ) لِلْخَبَرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَنْبَغِي أَنْ تُقَامَ الصُّفُوفُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ) أَيْ مَوْقِفَهُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَتْ الصَّلَاةُ لَتُقَامُ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَامَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيُسَنُّ تَكْمِيلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ) أَيْ الَّذِي يَلِيه وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهُوا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَى ذَلِكَ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» وَظَاهِرُهُ: حَتَّى بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِي مِحْرَابِ زِيَادَةِ عُثْمَانَ.
(وَ) يُسَنُّ (تَرَاصُّ الْمَأْمُومِينَ، وَسَدُّ خُلَلِ الصُّفُوفِ) لِتُشْبِهَ صُفُوفَ الْمُجَاهِدِينَ (فَلَوْ تَرَكَ الْقَادِرُ) الصَّفَّ (الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَيْضًا (وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ) لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لِتَكُونُوا فِي الَّذِي يَلِينِي " (وَهُوَ) أَيْ: الصَّفُّ الْأَوَّلُ: (مَا يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ) .
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ اهـ وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ أَوَّلُ صَفٍّ يَلِي الْإِمَامَ قَطَعَهُ الْمِنْبَرُ أَوَّلًا (لَا مَا يَلِيه) أَيْ: لَا أَوَّلَ صَفٍّ يَلِي الْمِنْبَرَ (وَيَمْنَةُ كُلِّ صَفٍّ لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ) مِنْ يَسْرَتِهِ، أَيْ: صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ مِنْ جِهَةِ يَمِينِ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِمْ جِهَةَ يَسَارِهِ، إذَا كَانُوا رِجَالًا (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) حَيْثُ أَطْلَقُوا أَنَّ يَمِينَهُ لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ (أَنَّ الْأَبْعَدَ عَنْ الْيَمِينِ أَفْضَلُ مِمَّنْ عَلَى الْيَسَارِ، وَلَوْ كَانَ) مَنْ عَلَى الْيَسَارِ (أَقْرَبُ) إلَى الْإِمَامِ، لِإِطْلَاقِهِمْ أَنَّ يَمِينَهُ لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ.
(قَالَ) قَاضِي الْقُضَاةِ أَحْمَدُ مُحِبُّ الدِّينِ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ (فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ) أَيْ: شَرْحِهِ لِبَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ كِتَابِ الْفُرُوعِ (وَهُوَ أَقْوَى عِنْدِي انْتَهَى) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُحَافِظُ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَإِنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ) أَيْ بِسَبَبِ مَشْيِهِ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ: وَيُتَوَجَّهُ مِنْ نَصِّهِ يُسْرِعُ إلَى الْأَوَّلِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا (لَا إنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ) .
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ مِنْ كَلَامِهِمْ إذَا لَمْ تَفُتْهُ الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا، وَإِلَّا حَافَظَ عَلَيْهَا، فَيُسْرِعُ لَهَا، وَقَالَ فِي النُّكَتِ: لَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا مَشَى إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَقَدْ يُقَالُ: يُحَافِظُ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ وَلِهَذَا قُلْنَا: لَا يَسْعَى إذَا أَتَى الصَّلَاةَ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَإِنْ أَدْرَكَ، أَيْ: طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى فَلَا بَأْسَ أَنْ تُسْرِعَ، مَا لَمْ تَكُنْ عَجَلَةً تُقْبَحُ قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُعَجِّلُ لِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ لَكِنْ هَلْ تُقَيَّدُ الْمَسْأَلَتَانِ بِتَعَذُّرِ الْجَمَاعَةِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ (وَكُلُّ مَا قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَكَذَا أَقْرَبُ الْأَفْضَلِ) مِنْ الْإِمَامِ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ «لَيَلِينِي مِنْكُمْ أُولُوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» .
(وَ) كَذَا قُرْبُ (الصَّفِّ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْإِمَامِ، وَكَذَا قُرْبُ الصُّفُوفِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ (وَالْأَفْضَلُ: تَأْخِيرُ الْمَفْضُولِ، كَالصَّبِيِّ لَا الْبَالِغِ) وَلَوْ عَبْدَهُ وَوَلَدَهُ (وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ) أَيْ: مَكَانَ الصَّبِيِّ لِأَنَّ.
أُبَيًّا نَحَّى قَيْسَ بْنَ عُبَادَةَ وَقَامَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: يَا بُنَيَّ لَا يَسُوءُك اللَّهُ فَإِنِّي لَمْ آتِكَ الَّذِي أَتَيْتُ بِجَهَالَةٍ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَنَا: «كُونُوا فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِينِي» ، وَإِنِّي نَظَرْتُ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَعَرَفْتُهُمْ غَيْرَك " إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُنَحِّيهِ مِنْ مَكَانِهِ فَهُوَ رَأْيُ صَحَابِيٍّ، مَعَ أَنَّهُ فِي الصَّحَابَةِ مَعَ التَّابِعِينَ (وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ: أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا عَكْسُ صُفُوفِ النِّسَاءِ) فَخَيْرُهَا آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا لِلْخَبَرِ وَالْمُرَادُ: إذَا صَلَّيْنَ مَعَ الرِّجَالِ وَإِلَّا فَكَالرِّجَالِ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَلَهُ، أَيْ: الصَّفِّ الْأَوَّلِ: ثَوَابُهُ وَثَوَابُ مَنْ وَرَائِهِ مَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ لِاقْتِدَائِهِمْ بِهِ.
(وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهُنَّ) أَيْ: النِّسَاءِ خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ: لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» (فَتُكْرَهُ صَلَاةُ رَجُلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ (وَإِلَّا)
أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُصَلِّي (فَلَا) كَرَاهَةَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (ثُمَّ يَقُولُ) الْإِمَامُ ثُمَّ الْمَأْمُومُ، وَكَذَا الْمُنْفَرِدُ (وَهُوَ قَائِمٌ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَى الْقِيَامِ وَعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ مِمَّا يَأْتِي، وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ (فِي الْفَرْضِ: اللَّهُ أَكْبَرُ مُرَتَّبًا) مُتَوَالِيًا وُجُوبًا (لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا) لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ.
قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ يَرْفَعُهُ قَالَ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَرُوِيَ مُرْسَلًا قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ «إذَا قُمْت فَكَبِّرْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا تَنْعَقِدُ بِقَوْلِ، " اللَّهُ أَكْبَرُ، أَوْ الْكَبِيرُ، أَوْ الْجَلِيلُ، وَلَا بِاَللَّهِ أَقْبَرُ: بِالْقَافِ، وَلَا " اللَّهُ " فَقَطْ وَلَا أُكَبِّرُ اللَّهَ (فَإِنْ أَتَمَّهُ) أَيْ: التَّكْبِيرَ (قَائِمًا) بِأَنْ ابْتَدَأَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ وَأَتَمَّهُ قَائِمًا (أَوْ) ابْتَدَأَهُ قَائِمًا وَأَتَمَّهُ (رَاكِعًا أَوْ أَتَى بِهِ) أَيْ: التَّكْبِيرِ (كُلِّهِ رَاكِعًا أَوْ قَاعِدًا فِي غَيْرِ فَرْضٍ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ رُكْنًا فِي النَّافِلَةِ (وَأَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَ الْإِمَامِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ.
(وَ) إنْ أَتَمَّ التَّكْبِيرَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ أَتَى بِهِ كُلِّهِ رَاكِعًا أَوْ قَاعِدًا (فِيهِ) أَيْ: فِي الْفَرْضِ (تَصِحُّ) صَلَاتُهُ (نَفْلًا إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ) لِإِتْمَامِ النَّفْلِ: وَلِفِعْلِ صَلَاةِ الْفَرْضِ كُلِّهَا بَعْدَهُ فِي الْوَقْتِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِمَا يُفْسِدُ الْفَرْضَ فَقَطْ انْقَلَبَ نَفْلًا وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ اسْتَأْنَفَهَا لِلْفَرْضِ، لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لَهُ (فَإِنْ زَادَ عَلَى التَّكْبِيرِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ أَوْ) اللَّهُ أَكْبَرُ (وَأَجَلُّ وَنَحْوُهُ كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ وَالْحِكْمَةُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِهَذَا اللَّفْظِ.
كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ اسْتِحْضَارُ الْمُصَلِّي عَظَمَةَ مَنْ تَهَيَّأَ لِخِدْمَتِهِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِيَمْتَلِئَ هَيْبَةً فَيَحْضُرُ قَلْبُهُ، وَيَخْشَعُ وَلَا يَغِيبُ، وَسُمِّيَتْ التَّكْبِيرَةُ الَّتِي يُدْخَلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ: تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ بِهَا فِي عِبَادَةٍ يَحْرُمُ فِيهَا أُمُورٌ.
وَالْإِحْرَامُ: الدُّخُولُ فِي حُرْمَةٍ لَا تُنْتَهَكُ (فَإِنْ مَدَّ) الْمُحْرِمُ (هَمْزَة اللَّهِ، أَوْ) مَدَّ هَمْزَةَ (أَكْبَرَ) لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ اسْتِفْهَامًا (أَوْ قَالَ أَكْبَارٌ لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَمْعَ كَبْرٍ، بِفَتْحِ الْكَافِّ وَهُوَ الطَّبْلُ (وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةُ الْمَدِّ عَلَى الْأَلْفِ بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ لِأَنَّهَا) أَيْ زِيَادَةَ الْمَدِّ (إشْبَاعٌ) لِأَنَّ اللَّامَ مَمْدُودَةٌ فَغَايَتُهُ: أَنَّهُ زَادَ فِي مَدِّ اللَّامِ.
وَلَمْ يَأْتِ بِحَرْفٍ زَائِدٍ (وَحَذْفُهَا) أَيْ: حَذْفُهُ زِيَادَةِ
الْمَدِّ (أُولَى لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَمْطِيطُهُ) أَيْ: التَّكْبِيرُ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ التَّكْبِيرَ بِالْعَرَبِيَّةِ لَزِمَهُ تَعَلُّمُهُ) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ، فَلَزِمَهُ تَعَلُّمُهُ، كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (مَكَانَهُ، أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ) فَلَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ لِتَعَلُّمِهِ (فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ) كَبَّرَ بِلُغَتِهِ (أَوْ عَجَزَ عَنْ التَّعَلُّمِ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ اللَّفْظِ فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِمَعْنَاهُ، كَلَفْظَةِ النِّكَاحِ.
(فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ لُغَاتٍ) فِيهَا أَفْضَلُ، كَبَّرَ بِهِ (فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ السِّرْيَانِيِّ، ثُمَّ الْفَارِسِيِّ، ثُمَّ التُّرْكِيِّ أَوْ الْهِنْدِيِّ) فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لِتَسَاوِيهِمَا (وَلَا يُكَبِّرُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ التَّعَلُّمِ، حَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ (بِلُغَتِهِ) فَلَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَهُ بِلَا عُذْرٍ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ التَّكْبِيرِ) بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا (سَقَطَ عَنْهُ كَالْأَخْرَسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] .
(وَلَا يُتَرْجِمُ عَنْ) ذِكْرٍ (مُسْتَحَبٍّ) بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ عَجَزَ عَنْهَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: تَرْجَمَ عَنْ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ (وَحُكْمُ كُلِّ ذِكْرٍ وَاجِبٌ) كَتَشَهُّدٍ وَتَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ (كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) لِمُسَاوَاتِهِ لَهَا فِي الْوُجُوبِ (وَإِنْ أَحْسَنَ الْبَعْضَ) مِنْ التَّكْبِيرِ، أَوْ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ، بِأَنْ لَفَظَ اللَّهَ، أَوْ أَكْبَرَ، أَوْ سُبْحَانَ، دُونَ الْبَاقِي (أَتَى بِهِ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِبَعْضِ حُرُوفِ إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ دُونَ بَقِيَّتِهَا لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَإِنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ اللَّفْظِ أَوْ بَعْضِ الْحُرُوفِ أَتَى بِمَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ (وَالْأَخْرَسُ وَمَقْطُوعُ اللِّسَانِ يُحْرِمُ بِقَلْبِهِ) لِعَجْزِهِ عَنْهُ بِلِسَانِهِ (وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ) كَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ يَسْقُطُ عَنْهُ النُّهُوض إلَيْهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَبَثٌ وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، كَالْعَبَثِ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ وَإِنَّمَا لَزِمَ الْقَادِرَ ضَرُورَةً (وَكَذَا حُكْمُ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِ) كَالتَّحْمِيدِ وَالتَّسْمِيعِ وَالتَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ، يَأْتِي بِهِ الْأَخْرَسُ وَنَحْوُهُ بِقَلْبِهِ، وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُسَنُّ جَهْرُ الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ) لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ مُتَابَعَتِهِ فِيهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا " (وَبِتَسْمِيعٍ) لِيَحْمَدَ الْمَأْمُومُ عَقِبَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ.
وَ (لَا) يُسَنُّ جَهْرُ الْإِمَامِ بِ (تَحْمِيدٍ) لِأَنَّهُ لَا يَتَعَقَّبُهُ مِنْ
الْمَأْمُومِ شَيْءٌ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْجَهْرِ بِهِ.
(وَ) يُسَنُّ جَهْرُ الْإِمَامِ (بِسَلَامٍ أَوَّلٍ) أَيْ: بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، لِيُتَابِعَهُ الْمَأْمُومُ فِي السَّلَامِ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ، لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالسَّلَامِ بِالْأُولَى، إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الثَّانِيَةَ تَعْقُبُ الْأُولَى.
(وَ) يُسَنُّ جَهْرُ الْإِمَامِ (بِقِرَاءَةٍ فِي) صَلَاةٍ (جَهْرِيَّةٍ) كَأُولَتَيْ مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ وَكَصُبْحٍ وَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَنَحْوِهَا، لِمَا يَأْتِي وَيَكُونُ الْجَهْرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.
قُلْنَا: يُسْتَحَبُّ (بِحَيْثُ يُسْمِعُ مَنْ خَلْفَهُ) أَيْ: جَمِيعُهُمْ، إنْ أَمْكَنَ (وَأَدْنَاهُ) أَيْ: أَدْنَى جَهْرِ الْإِمَامِ بِهِ (سَمَاعُ غَيْرِهِ) وَلَوْ وَاحِدًا مِمَّنْ وَرَاءَهُ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ وَاحِدٌ اقْتَدَى بِهِ، وَاقْتَدَى بِذَلِكَ الْوَاحِدِ غَيْرُهُ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ (وَيُسِرُّ مَأْمُومٌ وَمُنْفَرِدٌ بِهِ) أَيْ: التَّكْبِيرِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالسَّلَامِ، لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إسْمَاعِ غَيْرِهِ، وَكَذَا الْمَأْمُومُ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يُسْمِعهُمْ (وَفِي الْقِرَاءَةِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي) عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ.
(وَيُكْرَهُ جَهْرُ مَأْمُومٍ) فِي الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهَا، لِأَنَّهُ يَخْلِطُ عَلَى غَيْرِهِ (إلَّا بِتَكْبِيرٍ وَتَحْمِيدٍ وَسَلَامٍ لِحَاجَةٍ) بِأَنْ كَانَ لَا يُسْمِعُ جَمِيعَهُمْ (وَلَوْ بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ) لَهُ فِي الْجَهْرِ بِذَلِكَ، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (فَيُسَنُّ) لِأَحَدِ الْمَأْمُومِينَ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا صَلَّى هُوَ وَالنَّاسُ قِيَامًا وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ جَالِسًا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: إلَّا الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مَعَ الرِّجَالِ، أَيْ: فَلَا تَجْهَرْ هِيَ، بَلْ أَحَدُهُمْ (قَالَ الشَّيْخُ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَبْلُغُ صَوْتُهُ الْمَأْمُومِينَ) كُلَّهُمْ (لَمْ يُسْتَحَبَّ لِأَحَدِ الْمَأْمُومِينَ التَّبْلِيغُ، بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَجَهْرُ كُلِّ مُصَلٍّ) مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ (فِي رُكْنٍ) قَوْلِي، كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ (وَوَاجِبٍ) قَوْلِي، كَتَكْبِيرِ انْتِقَالٍ وَتَشَهُّدٍ أَوَّلٍ وَتَسْمِيعٍ وَتَحْمِيدٍ (فَرْضٌ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَتَيَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِدُونِ صَوْتٍ وَالصَّوْتُ مَا يَتَأَتَّى سَمَاعُهُ وَأَقْرَبُ السَّامِعِينَ إلَيْهِ نَفْسُهُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الِاكْتِفَاءَ بِالْحُرُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلَهُ كُلُّ مَا تَعَلَّقَ بِالنُّطْقِ، كَطَلَاقٍ وَغَيْرِهِ اهـ.
وَيَأْتِي فِي الطَّلَاقِ: أَنَّهُ يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ (إنْ لَمْ يَكُنْ) بِهِ (مَانِعٌ) مِنْ السَّمَّاعِ، كَصَمَمٍ (فَإِنْ كَانَ) مَانِعٌ (فَ) إنَّهُ يَجِبُ الْجَهْرُ بِالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ (بِحَيْثُ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ: الْمَانِعِ (وَيَرْفَعُ) الْمُصَلِّي (يَدَيْهِ) عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (نَدْبًا) قَالَ فِي الشَّرْحِ.
وَفِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، زَادَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ اتِّفَاقًا.
وَفِي شَرْحِ
الْفُرُوعِ: خِلَافًا لِابْنِ حَزْمٍ فِي إيجَابِهِ هُنَا فَقَطْ (وَالْأَفْضَلُ) أَنْ تَكُونَ يَدَاهُ (مَكْشُوفَتَيْنِ هُنَا وَفِي الدُّعَاءِ) لِأَنَّ كَشْفَهُمَا أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَأَظْهَرُ فِي الْخُضُوعِ (أَوْ) يَرْفَعُ (إحْدَاهُمَا) أَيْ: إحْدَى الْيَدَيْنِ (عَجْزًا) عَنْ رَفْعِ الْيَدِ الْأُخْرَى لِمَرَضِهَا؛ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: وَكَذَا لَوْ عَجَزَ عَنْ رَفْعِهِمَا لِمَانِعٍ، يُتَوَجَّهُ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَهُمَا لَوْ كَانَا.
وَلَمْ أَجِدْ مَنْ ذَكَرَهُ (وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ الرَّفْعِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ، وَانْتِهَاؤُهُ) أَيْ: الرَّفْعِ (مَعَ انْتِهَائِهِ) أَيْ: التَّكْبِيرِ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» وَلِأَنَّ الرَّفْعَ لِلتَّكْبِيرِ، فَكَانَ مَعَهُ وَتَكُونُ الْيَدَانِ حَالَ الرَّفْعِ (مَمْدُودَتَيْ الْأَصَابِعِ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَدًّا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
(مَضْمُومَةً) أَصَابِعُهُمَا لِأَنَّ الْأَصَابِعَ إذَا ضُمَّتْ، تَمْتَدُّ (وَيَسْتَقْبِلُ بِبُطُونِهَا الْقِبْلَةَ) وَيَكُونُ الرَّفْعُ (إلَى حَذْوِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (مَنْكِبَيْهِ بِرُءُوسِهِمَا) وَالْحَذْوُ الْمُقَابِلُ وَالْمَنْكِبُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِّ: مَجْمَعُ عَظْمِ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ (إنْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمُصَلِّي (عُذْرٌ) يَمْنَعُهُ مِنْ رَفْعِهِمَا، أَوْ رَفْعِ إحْدَاهُمَا إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَرْفَعُهُمَا) الْمُصَلِّي (أَقَلَّ) مِنْ ذَلِكَ (وَأَكْثَرَ) مِنْهُ (لِعُذْرٍ) يَمْنَعُهُ مِنْهُ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(وَيَسْقُطُ) نَدْبُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ (مَعَ فَرَاغِ التَّكْبِيرِ كُلِّهِ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا وَإِنْ نَسِيَهُ فِي ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَائِهِ أَتَى بِهِ فِيمَا بَقِيَ لِبَقَاءِ مَحَلِّ الِاسْتِحْبَابِ (وَرَفْعُهُمَا) أَيْ: الْيَدَيْنِ (إشَارَةٌ إلَى رَفْعِ الْحِجَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ) كَمَا أَنَّ السَّبَّابَةَ إشَارَةٌ إلَى الْوَحْدَانِيَّةِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِ التَّكْبِيرِ، (يَحُطُّهُمَا) أَيْ: يَدَيْهِ (مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (ثُمَّ يَقْبِضُ بِكَفِّهِ الْأَيْمَنِ كُوعَهُ الْأَيْسَرَ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد " ثُمَّ «وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَالرُّسْغَ وَالسَّاعِدَ» (وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِقَوْلِ عَلِيٍّ «مِنْ السُّنَّةِ وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قِيلَ لِلْقَاضِي: هُوَ عَوْرَةٌ فَلَا يَضَعُهَا عَلَيْهِ كَالْعَانَةِ وَالْفَخِذِ؟
وَأَجَابَ: بِأَنَّ الْعَوْرَةَ أَوْلَى
وَأَبْلَغُ بِالْوَضْعِ عَلَيْهِ لِحِفْظِهِ (وَمَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى وَضْعِ كَفِّهِ الْأَيْمَنِ عَلَى كُوعِهِ الْأَيْسَرِ وَجَعْلِهَا تَحْتَ سُرَّتِهِ: أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ ذُو (ذُلٍّ بَيْنَ يَدَيْ ذِي عِزٍّ) نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الرَّقِّيُّ.
(وَيُكْرَهُ) جَعْلُ يَدَيْهِ (عَلَى صَدْرِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ رَوَاهُ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَيُسْتَحَبُّ نَظَرُهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ فِي كُلِّ حَالَاتِ الصَّلَاةِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ» وَرَوَاهُ سَعِيدٌ بِسَنَدِهِ أَيْضًا عَنْهُ وَزَادَ فِيهِ " قَالَ «كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ مُصَلَّاهُ وَلِأَنَّهُ أَخْشَعُ وَأَكَفُّ لِنَظَرِهِ إلَّا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الْعَدُوِّ لِلْحَاجَةِ وَكَذَا إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، أَوْ كَانَ خَائِفًا مِنْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ فَوَاتِ» وَقْتِ (الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ ضَيَاعِ مَالِهِ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ ضَرَرٌ، إذَا نَظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) .
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَحَالُ إشَارَتِهِ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى سَبَّابَتِهِ، لِخَبَرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَصَلَاتُهُ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا.
وَفِي الْغُنْيَةِ: يُكْرَهُ إلْصَاقُ الْحَنَكِ بِالصَّدْرِ وَعَلَى الثَّوْبِ، وَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَرِهَتْهُ.
[فَصْلٌ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ سِرًّا]
فَصْلٌ ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ سِرًّا (فَيَقُولُ سُبْحَانَك) أَيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهَك اللَّائِقَ بِجَلَالِك (اللَّهُمَّ) أَيْ: يَا اللَّهُ (وَبِحَمْدِك) قِيلَ الْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: سَبَّحْتُك بِكُلِّ مَا يَلِيقُ تَسْبِيحُك بِهِ، وَبِحَمْدِك سَبَّحْتُك، أَيْ: بِنِعْمَتِكَ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيَّ حَمْدًا سَبَّحْتُك، لَا بِحَوْلِي وَقُوَّتِي.
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ سَبَّحْتُك بِحَمْدِك قَالَ أَبُو عُمَرَ كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْوَاوَ صِلَةٌ، أَيْ: زَائِدَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَبِحَمْدِكَ اللَّائِقِ بِك أَحْمَدُكَ (وَتَبَارَكَ) فِعْلٌ لَا يَتَصَرَّفُ فَلَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ غَيْرُ الْمَاضِي (اسْمُكَ) أَيْ: دَامَ خَيْرُهُ وَالْبَرَكَةُ: الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ، أَيْ: الْبَرَكَةُ تُكْسَبُ وَتُنَالُ بِذِكْرِكَ وَيُقَالُ: تَبَارَكَ: تَقَدَّسَ وَالْقُدْسُ الطَّهَارَةُ.
وَيُقَالُ: تَعَاظَمَ (وَتَعَالَى جَدُّكَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ: عَلَا جَلَالُكَ، وَارْتَفَعَتْ عَظَمَتُك (وَلَا إلَهَ غَيْرُك) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ
عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ الرِّفَاعِيِّ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَابْنُ مَعِينٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَعَمِلَ بِهِ عُمَرُ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَجَوَّزَ الِاسْتِفْتَاحَ بِغَيْرِهِ مِمَّا وَرَدَ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَيَجُوزُ، وَلَا يُكْرَهُ بِغَيْرِهِ مِمَّا وَرَدَ) وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ نَوْعٍ أَحْيَانًا وَكَذَا صَلَاةُ الْخَوْفِ (ثُمَّ يَتَعَوَّذُ سِرًّا، فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: 98] الْآيَةَ) أَيْ: إذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ (وَكَيْفَمَا تَعَوَّذَ بِهِ مِنْ الْوَارِد فَحَسَنٌ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا " أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ وَالْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَ ابْنُ بَطَّةَ وُجُوبَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: التَّعَوُّذَ أَوَّلَ كُلِّ قُرْبَةٍ (ثُمَّ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ) أَيْ: يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (سِرًّا) لِمَا رَوَى نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ قَالَ: صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتَّى بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ الْحَدِيثُ ثُمَّ قَالَ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُسِرُّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ " فِي الصَّلَاةِ " فَيُسِرُّ بِهَا.
(وَلَوْ قِيلَ: إنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ) كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَأَبُو حَفْصٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ شِهَابٍ (وَلَيْسَتْ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْفَاتِحَةِ، جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي إجْمَاعًا سَابِقًا وَ (كَغَيْرِهَا) أَيْ: وَلَيْسَتْ آيَةً مِنْ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ: قَسَّمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي الْحَدِيثَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ كَانَتْ آيَةً لَعَدَّهَا وَبَدَأَ
بِهَا.
وَلَمَّا تَحَقَّقَ التَّنْصِيفُ لِأَنَّ مَا هُوَ ثَنَاءٌ وَتَمْجِيدٌ أَرْبَعُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ، وَمَا هُوَ لِآدَمِيٍّ آيَتَانِ وَنِصْفٌ لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ إجْمَاعًا لَكِنْ حَكَى الرَّازِيّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهَا ثَمَانِ آيَاتٍ «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ أَنَّهَا ثَلَاثُونَ أَيَّةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْعَادُّونَ أَنَّهَا ثَلَاثُونَ أَيَّةً، بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ.
قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ فِي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مَنَعَتْ التَّكْفِيرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (بَلْ) ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] بَعْضُ آيَةٍ مِنْ النَّمْلِ إجْمَاعًا.
وَ (آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ) فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ فَهِيَ (مَشْرُوعَةٌ قَبْلَهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ (وَبَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ سِوَى بَرَاءَةَ فَيُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهَا بِهَا) لِنُزُولِهَا بِالسَّيْفِ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مَعَ الْأَنْفَالِ سُورَةٌ وَاحِدَةٌ.
(فَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِفْتَاحَ) وَفِي نُسْخَةٍ " الِافْتِتَاحَ " (وَلَوْ عَمْدًا، حَتَّى تَعَوَّذَ) سَقَطَ (أَوْ) تَرَكَ (التَّعَوُّذَ حَتَّى بَسْمَلَ) سَقَطَ (أَوْ) تَرَكَ (الْبَسْمَلَةَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقُرْآنِ) وَفِي نُسَخِ " الْقِرَاءَةِ " (سَقَطَ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا.
وَيُسَنُّ كِتَابَةُ الْبَسْمَلَةِ أَوَائِلِ الْكُتُبِ كَمَا كَتَبَهَا سُلَيْمَانُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَإِلَى قَيْصَرَ وَغَيْرِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فَتُذْكَرُ فِي ابْتِدَاءِ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَنْزِلِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ لِلتَّبَرُّكِ، وَهِيَ تَطْرُدُ الشَّيْطَانَ وَإِنَّمَا تُسْتَحَبُّ إذَا ابْتَدَأَ فِعْلًا تَبَعًا لِغَيْرِهَا لَا مُسْتَقِلَّةً فَلَمْ تُجْعَلْ كَالْحَمْدَلَةِ وَغَيْرِهَا وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: لَا تُكْتَبُ أَمَامَ الشِّعْرِ وَلَا مَعَهُ.
وَذَكَرَ الشَّعْبِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ يَشُوبهُ الْكَذِبُ وَالْهَجْوُ غَالِبًا وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَسْمَعُهُ أَنَسٌ مِنْهُمْ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ عَنْ أَنَسٍ وَيُخَيَّرُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ بَيْنَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَتَرْكِهِ قَالَ الْقَاضِي: كَالْقِرَاءَةِ.
(ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ مُرَتَّبَةً مُتَوَالِيَةً مُشَدَّدَةً) أَيْ بِتَشْدِيدَاتِهَا، وَهِيَ رُكْنٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِحَدِيثِ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ «لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ يَقُولُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْخِدَاجُ النُّقْصَانُ فِي الذَّاتِ نَقْصُ فَسَادٍ، وَبُطْلَانٍ تَقُول الْعَرَبُ أَخَدَجَتْ النَّاقَةُ وَلَدَهَا، أَيْ أَلْقَتْهُ وَهُوَ دَمٌ لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ فَإِنْ نَسِيَهَا فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا وَسُمِّيَتْ فَاتِحَةً
لِأَنَّهُ يَفْتَتِحُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَبِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَتُسَمَّى الْحَمْدَ وَالسَّبْعَ الْمَثَانِيَ وَأُمَّ الْكِتَابِ وَالرَّاقِيَةَ، وَالشَّافِيَةَ، وَالْأَسَاسَ، وَالصَّلَاةَ، وَأُمَّ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ - تَقْرِيرًا - أُمُورُ الْإِلَهِيَّاتِ وَالْمَعَادِ، وَالنُّبُوَّاتِ، وَإِثْبَاتُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْحَمْدُ لِلَّهِ إلَى الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلَى الْإِلَهِيَّاتِ " وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " يَدُلُّ عَلَى الْمَعَادِ، " وَإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " يَدُلُّ عَلَى نَفِي الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَعَلَى أَنَّ كُلًّا بِقَضَاءِ اللَّهِ " وَاهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ " إلَى آخِرِهَا: يَدُلُّ عَلَى النُّبُوَّاتِ وَتُسَمَّى: الشِّفَاءَ وَالشَّافِيَةَ، وَالسُّؤَالَ، وَالدُّعَاءَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ أَوْدَعَ اللَّهُ فِيهَا مَعَانِي الْقُرْآنِ كَمَا أَوْدَعَ فِيهِ مَعَانِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّلَةً مُعَرَّبَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: 4] وَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ (يَقِفُ فِيهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ (عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ) لِقِرَاءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَإِنْ) أَيْ: وَلَوْ (كَانَتْ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْأُولَى مُتَعَلِّقَ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ) كَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَعْدَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (أَوْ) كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَا (غَيْرَ ذَلِكَ) التَّعَلُّقِ، كَتَعَلُّقِ الْبَدَلِ بِالْمُبْدَلِ مِنْهُ، كَصِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ، بَعْدَ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.
(وَيُمَكِّنُ حُرُوفَ الْمَدِّ وَاللِّينِ) وَهِيَ الْأَلِفُ اللَّيِّنَةُ وَالْوَاوُ الْمَضْمُومُ مَا قَبْلَهَا، وَالْيَاءُ الْمَكْسُورُ مَا قَبْلَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: 4] (مَا لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ) التَّمْكِينُ (إلَى التَّمْطِيطِ) فَيَتْرُكُهُ (وَهِيَ) أَيْ الْفَاتِحَةُ (أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ) وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ أَفْضَلُ سُورَةٍ وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا «أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ» (وَأَعْظَمُ آيَةٍ فِيهِ) أَيْ: الْقُرْآنِ (آيَةُ الْكُرْسِيِّ) كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْهُ: يُؤْخَذُ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ مِنْ الْمَعَانِي وَالْبَلَاغَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْجَمِيعِ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ التَّفَضُّلَ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقِ لَا بِالذَّاتِ وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ " أَنَّهَا - آيَةُ الْكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ.
(وَفِيهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ (إحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً) وَذَلِكَ فِي: لِلَّهِ، وَرَبِّ، وَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ، وَالدِّينِ، وَإِيَّاكَ، وَإِيَّاكَ، وَالصِّرَاطِ، وَاَلَّذِينَ، وَفِي الضَّالِّينَ ثِنْتَانِ.
وَأَمَّا الْبَسْمَلَةُ فَفِيهَا ثَلَاثُ تَشْدِيدَاتٍ (فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ، بِأَنْ قَدَّمَ بَعْضَ الْآيَاتِ عَلَى بَعْضٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِأَنَّ تَرْتِيبَهَا شَرْطُ صِحَّةِ قِرَاءَتِهَا فَإِنَّ مَنْ نَكَّسَهَا لَا يُسَمَّى قَارِئًا لَهَا عُرْفًا وَقَالَ فِي الشَّرْحِ عَنْ الْقَاضِي: وَإِنْ قَدَّمَ آيَةً مِنْهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا
عَمْدًا أَبْطَلَهَا.
وَإِنْ كَانَ غَلَطًا رَجَعَ فَأَتَمَّهَا (أَوْ) تَرَكَ (حَرْفًا مِنْهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهَا، وَإِنَّمَا قَرَأَ بَعْضَهَا، (أَوْ) تَرَكَ (تَشْدِيدَةً) مِنْهَا (لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا) لِأَنَّ التَّشْدِيدَةَ بِمَنْزِلَةِ حَرْفٍ، فَإِنَّ الْحَرْفَ الْمُشَدَّدَ قَائِمٌ مَقَامَ حَرْفَيْنِ، فَإِذَا أَخَلَّ بِهَا فَقَدْ أَخَلَّ بِحَرْفٍ قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: وَهَذَا إذَا فَاتَ مَحَلُّهَا وَبَعُدَ عَنْهُ بِحَيْثُ يُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ، أَمَّا لَوْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَأَعَادَ الْكَلِمَةَ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَثَابَةِ مَنْ نَطَقَ بِهَا عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ فَيَأْتِي بِهَا عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ.
قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ تَرَكَ التَّشْدِيدَةَ سَهْوًا أَوْ خَطَأً، أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا فَقَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي بُطْلَانَ صَلَاتِهِ إنْ انْتَقَلَ عَنْ مَحَلِّهَا، كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَرْكَانِ، فَأَمَّا مَا دَامَ فِي مَحَلِّهَا، وَهُوَ حَرْفُهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْفَاتِحَةَ رُكْنٌ وَاحِدٌ مَحَلُّهُ الْقِيَامُ، لِأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ رُكْنٌ.
(تَتِمَّةٌ) إذَا أَظْهَرَ الْمُدْغَمَ، مِثْلَ أَنْ يُظْهِرَ " لَامَ " الرَّحْمَنِ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْإِدْغَامَ، وَهُوَ لَحْنٌ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ (وَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةَ (غَيْرُ مَأْمُومٍ) وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ الْمُنْفَرِدُ (بِذِكْرٍ) كَثِيرٍ (أَوْ دُعَاءٍ) كَثِيرٍ (أَوْ قُرْآنٍ كَثِيرٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ عَمْدًا، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا) لِاخْتِلَالِ نَظْمِهَا (لَا إنْ كَانَ) الْقُرْآنُ أَوْ الذِّكْرُ أَوْ الدُّعَاءُ (يَسِيرًا) فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا لِعَدَمِ إخْلَالِهِ بِنَظْمِهَا (أَوْ) كَانَ الْقُرْآنُ أَوْ الذِّكْرُ أَوْ الدُّعَاءُ (كَثِيرًا سَهْوًا أَوْ نَوْمًا) فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» (أَوْ انْتَقَلَ) عَنْ الْفَاتِحَةِ (إلَى) قِرَاءَةِ (غَيْرِهَا غَلَطًا فَطَالَ) ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا لِمَا تَقَدَّمَ، (وَلَا يَضُرُّ) الْقَطْعُ (فِي حَقِّ مَأْمُومٍ إنْ كَانَ الْقَطْعُ) مَشْرُوعًا.
(أَوْ) كَانَ (السُّكُوتُ مَشْرُوعًا كَالتَّأْمِينِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَالتَّسْبِيحِ بِالتَّنْبِيهِ) أَيْ: لِأَجْلِ التَّنْبِيهِ (وَنَحْوِهِ) كَالْفَتْحِ عَلَى إمَامِهِ، إذَا ارْتَجَّ عَلَيْهِ أَوْ غَلِطَ (أَوْ) كَانَ السُّكُوتُ (لِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ) فَلَا أَثَرَ لِلتَّقْطِيعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ (وَيَبْنِي) الْمَأْمُومُ عَلَى مَا قَرَأَهُ (وَلَا تَبْطُلُ) الْقِرَاءَةُ (بِنِيَّةِ قَطْعِهَا وَلَوْ سَكَتَ يَسِيرًا) فَيَبْنِي عَلَى مَا قَرَأَهُ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِاللِّسَانِ، فَلَمْ تَنْقَطِعْ بِخِلَافِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ (وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: إذَا لَحَنَ لَحْنًا يُمِيلُ الْمَعْنَى، أَوْ أَبْدَلَ حَرْفًا بِحَرْفٍ وَنَحْوِهِ) كَإِدْغَامِ مَا لَا يُدْغَمُ.
(وَيُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي التَّشْدِيدِ) بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى حَرْفٍ سَاكِنٍ، لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَامَهُ، فَإِذَا زَادَهَا
عَنْ ذَلِكَ زَادَهَا عَمَّا أُقِيمَتْ مَقَامَهُ (وَ) الْإِفْرَاطُ فِي (الْمَدِّ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا جَعَلَ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَقُولَ مَعَ إمَامِهِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] وَنَحْوَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] (" مَالِكِ " أَحَبُّ إلَيَّ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ مِنْ " مَلِكِ ") لِمَا فِي مَالِكٍ مِنْ زِيَادَةِ حَرْفِ الْأَلِفِ.
وَلِأَنَّهُ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَوْسَعُ وَأَجْمَعُ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَالِكُ الْعَبِيدِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَلَا يُقَالُ: مَلِكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ اهـ وَلَا يُقَالُ: مَالِكُ الشَّيْءِ إلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكُ الشَّيْءِ وَلَا يَمْلِكُهُ وَقَالَ قَوْمٌ: مَلِكٌ أَوْلَى لِأَنَّ كُلَّ مَلِكٍ مَالِكٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا، وَهَذَا غَيْرُ مُفِيدٌ هُنَا، لِأَنَّ مَالِكَ الشَّيْءِ مَلِكٌ لَهُ وَزِيَادَةٌ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي مَالِكٍ الْمُضَافِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، فَإِذَا كَانَ مَالِكُهُ كَانَ مَلِكًا لَهُ.
(فَإِذَا فَرَغَ) مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (قَالَ آمِينَ، بَعْدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ، لِيُعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ) وَإِنَّمَا هِيَ طَابِعُ الدُّعَاءِ، وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، وَقِيلَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى (يَجْهَرُ بِهِ إمَامٌ وَمَأْمُومٌ مَعًا فِي صَلَاةِ جَهْرٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو وَائِلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ «آمِينَ يُمِدُّ بِهَا صَوْتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ " كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُؤَمِّنُ وَيُؤَمِّنُونَ حَتَّى إنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلُجَّةً " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (وَ) يَجْهَرُ بِهَا (مُنْفَرِدٌ) إنْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ تَبَعًا لَهَا.
(وَ) يَجْهَرُ بِهَا (غَيْرُ مُصَلٍّ إنْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ) تَبَعًا لَهَا (وَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ: التَّأْمِينَ عَمْدًا (إمَامٌ) أَوْ سَهْوًا أَتَى بِهِ مَأْمُومٌ جَهْرًا (أَوْ أَسَرَّهُ) الْإِمَامُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (أَتَى بِهِ مَأْمُومٌ جَهْرًا لِيُذَكِّرَهُ) أَيْ: يُذَكِّرُ النَّاسَ، وَكَسَائِرِ السُّنَنِ إذَا تَرَكَهَا الْإِمَامُ أَتَى بِهَا الْمَأْمُومُ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ فِي تَرْكِهَا (وَيَأْتِي الْمَأْمُومُ أَيْضًا بِالتَّعَوُّذِ، وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ) وَقِيَاسُهُ: الِاسْتِفْتَاحُ وَالْبَسْمَلَةُ.
(فَإِنْ تَرَكَ) الْمُصَلِّي (التَّأْمِينَ، حَتَّى شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا (وَالْأَوْلَى) فِي هَمْزَةِ آمِينَ (الْمَدُّ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْإِمَالَةَ وَعَدَمَهَا سِيَّانِ (وَيَجُوزُ الْقَصْرُ فِي آمِينَ) لِأَنَّهُ لُغَةٌ فِيهِ (وَيَحْرُمُ تَشْدِيدُ الْمِيمِ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَعْنَى قَاصِدِينَ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَحَرُمَ وَبَطَلَتْ إنْ شَدَّدَ مِيمَهَا اهـ مَعَ أَنَّهُ فِي شَرْحِ الشُّذُورِ حَكَى ذَلِكَ لُغَةً فِيهَا عَنْ بَعْضِهِمْ (فَإِنْ قَالَ آمِّينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمْ يُسْتَحَبَّ) قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ فِي التَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا: لَا يُسْتَحَبُّ.
(وَيُسْتَحَبُّ سُكُوتُ الْإِمَامِ بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (بِقَدْرِ قِرَاءَةِ مَأْمُومٍ) الْفَاتِحَةَ
فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ سَمُرَةَ: لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَعَ الْإِنْصَاتِ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ.
(وَيَلْزَمُ الْجَاهِلَ) يَعْنِي مَنْ لَمْ يُحِسَّنْ الْفَاتِحَةَ (تَعَلُّمُهَا) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَزِمَهُ تَحْصِيلُهَا إذَا أَمْكَنَهُ كَشُرُوطِهَا (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: لَمْ يَتَعَلَّمْ الْفَاتِحَةَ (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) لِتَرْكِهِ الْفَرْضَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى تَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ لِبُعْدِ حِفْظِهِ (أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ، سَقَطَ) كَسَائِرِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ (وَلَزِمَهُ قِرَاءَةُ قَدْرِهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ وَالْآيَاتِ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ مِنْ أَيِّ سُورَةٍ شَاءَ مِنْ الْقُرْآنِ، لِمُشَارَكَتِهِ لَهَا فِي الْقُرْآنِيَّةِ.
وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ عَدَدُ الْحُرُوفِ لِأَنَّهَا مَقْصُودَةٌ، بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ تَقْدِيرِ الْحَسَنَاتِ بِهَا فَاعْتُبِرَتْ كَالْآيِ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ) مِنْ الْقُرْآنِ (إلَّا آيَةً وَاحِدَةً مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْفَاتِحَةِ (أَوْ مِنْ غَيْرِهَا كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ، مُرَاعِيًا عَدَدَ الْحُرُوفِ وَالْآيَاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ آيَةً مِنْهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ.
(وَ) يُحْسِنُ (شَيْئًا مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ: آيَةً فَأَكْثَرَ مِنْ بَاقِي السُّورِ (كَرَّرَ الْآيَةَ) الَّتِي يُحْسِنُهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ وَ (لَا) يُكَرِّرُ (الشَّيْءَ) الَّذِي لَيْسَ مِنْ الْفَاتِحَةِ (بِقَدْرِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِكَرَّرَ، لِأَنَّ الَّذِي مِنْهَا أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا (لَمْ يُحْسِنْ إلَّا بَعْضَ آيَةٍ، لَمْ يُكَرِّرْهُ وَعَدَلَ إلَى غَيْرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ بَعْضُ الْآيَةِ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» وَغَيْرِهَا مِمَّا يَأْتِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بَعْضُ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِتَكْرَارِهَا (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ حَرُمَ أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُ) أَيْ: أَنْ يَقُولَهُ (بِلُغَةٍ أُخْرَى) غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ (كَعَالِمٍ) بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ عَنْهُ تَفْسِيرٌ لَا قُرْآنٌ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ الْمُنَزَّلُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: 2] وَقَالَ تَعَالَى " بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ".
(وَتَرْجَمَتُهُ) أَيْ: الْقُرْآنَ (بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا لَا تُسَمَّى قُرْآنًا فَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَلَا يَحْنَثُ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ) لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ أَحْمَدُ الْقُرْآنُ مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ، أَيْ: بِخِلَافِ تَرْجَمَتِهِ بِلُغَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهَا، فَدَلَّ أَنَّ الْإِعْجَازَ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَفِي بَعْضِ آيَةٍ إعْجَازٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَفِي كَلَامِهِ فِي التَّمْهِيدِ فِي النَّسْخِ وَكَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي: لَا.
(وَتَحْسُنُ لِلْحَاجَةِ تَرْجَمَتُهُ) أَيْ: الْقُرْآنِ (إذَا احْتَاجَ إلَى تَفَهُّمِهِ إيَّاهُ بِالتَّرْجَمَةِ) وَتَكُونُ تِلْكَ التَّرْجَمَةُ عِبَارَةً عَنْ مَعْنَى الْقُرْآنِ، وَتَفْسِيرًا لَهُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ لَا قُرْآنًا وَلَا مُعْجِزًا، كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) عَلَى هَذَا: فَإِنَّمَا (حَصَلَ الْإِنْذَارُ بِالْقُرْآنِ) أَيْ: الْمُعَبَّرُ عَنْ مَعْنَاهُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ (دُونَ تِلْكَ اللُّغَةِ، كَتَرْجَمَةِ الشَّهَادَةِ) أَيْ: كَمَا لَوْ تُرْجِمَتْ الشَّهَادَةُ لِلْحَاكِمِ فَإِنَّ حُكْمَهُ يَقَعُ بِالشَّهَادَةِ، لَا بِالتَّرْجَمَةِ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: مَنْ لَمْ يُحْسِنْ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ (أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ " وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِينِي عَنْهُ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» الْحَدِيثَ.
وَمَنْ أَسْقَطَ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، اعْتَمَدَ عَلَى حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَ رَجُلًا الصَّلَاةَ فَقَالَ: إنْ كَانَ مَعَك قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ، وَكَبِّرْهُ، وَهَلِّلْهُ، ثُمَّ ارْكَعْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ إيجَابُ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ الْأَمْرُ بِالتَّسْبِيحِ، وَقَدْ أَوْجَبَهُ، أَخْذًا بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فَكَأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِجَمِيعِهِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ قُلْتُ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَمْدَ لَمَّا كَانَ مُقَارِنًا لِلتَّسْبِيحِ غَالِبًا فَكَأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْهُمَا فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ، وَدَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فَكَأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَوْقَلَةِ فَإِسْقَاطُهَا مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالِاحْتِيَاطُ الْإِتْيَانُ بِهَا، لِلْحَدِيثِ وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
تَنْبِيهٌ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ السَّابِقَ يُجْزِئُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ مِنْ غَيْرِهَا، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ لِأَنَّ هَذَا بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ أَشْبَهَ التَّيَمُّمَ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ) الْمُصَلِّي (إلَّا بَعْضَ الذِّكْرِ) الْمَذْكُورِ (كَرَّرَهُ) أَيْ: مَا يُحْسِنُهُ (بِقَدْرِ الذِّكْرِ) مُرَاعِيًا لِعَدَدِ الْحُرُوفِ وَالْجُمَلِ، عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ) الْمُصَلِّي (شَيْئًا مِنْهُ، أَيْ: مِنْ الذِّكْرِ، وَقَفَ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ كَالْأَخْرَسِ) وَمَقْطُوعِ اللِّسَانِ، لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، فَمَعَ الْقُدْرَةِ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ وَالْقِيَامُ بِقَدْرِهَا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الْآخَرُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَكْبِيرَة
الْإِحْرَامِ (وَلَمْ تَلْزَمْهُ) أَيْ: الَّذِي لَمْ يُحْسِنْ الْفَاتِحَةَ (الصَّلَاةُ خَلْفَ قَارِئٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ السَّائِلَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى السَّابِقِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ) لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ قَارِئٍ لِتَكُونَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةً لَهُ، وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ (مَنْ صَلَّى وَتَلَقَّفَ الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِهِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ أَتَى بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ أَشْبَهَ الْقَارِئَ مِنْ حِفْظِهِ، أَوْ مِنْ مُصْحَفٍ (تَنْبِيهٌ) يُقَالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وَتَلَقَّفْتُهُ: إذَا تَنَاوَلْتُهُ بِسُرْعَةٍ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ ذَلِكَ أَيْ: سُرْعَةُ التَّنَاوُلِ، لِئَلَّا تَفُوتَ الْمُوَالَاةُ.
[فَصْلٌ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ سِرًّا فِي الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ (ثُمَّ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ سِرًّا) نَصَّ عَلَيْهِ، كَمَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ (ثُمَّ) يَقْرَأُ (سُورَةً كَامِلَةً) قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ (وَتَجُوزُ) أَيْ: تُجْزِئُ (آيَةٌ، إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ اسْتَحَبَّ أَنْ تَكُونَ) الْآيَةُ (طَوِيلَةً، كَآيَةِ الدَّيْنِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ) لِتُشْبِهَ بَعْضَ السُّوَرِ الْقِصَارِ قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ إجْزَاءِ آيَةٍ لَا تَسْتَقِلُّ بِمَعْنًى أَوْ حُكْمٍ نَحْوِ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: 64] كَمَا يَأْتِي عَنْ أَبِي الْمَعَالِي فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (فَإِنْ قَرَأَ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَسْمِلَ نَصًّا) قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَجُوزُ قِرَاءَةُ آخِرِ سُورَةٍ وَأَوْسَطِهَا، فَيُسَمِّي إذَنْ وَظَاهِرٌ حَتَّى بَرَاءَةَ وَلِبَعْضِ الْقُرَّاءِ فِيهِ تَرَدُّدٌ (وَإِنْ كَانَ) يَقْرَأُ (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنْ شَاءَ جَهَرَ بِهَا) أَيْ: الْبَسْمَلَةِ (وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) بِهَا، كَمَا يُخَيَّرُ فِي الْقِرَاءَةِ.
(وَيُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ) فِي الصَّلَاةِ (عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ (تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي الْفَجْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ) لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَنَحْوِهَا، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ إلَى التَّخْفِيفِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى أَنْ " اقْرَأْ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَاقْرَأْ فِي الظُّهْرِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ، وَاقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ " رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ وَهُوَ السَّبْعُ السَّابِعُ، سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ فُصُولِهِ (وَأَوَّلُهُ) أَيْ الْمُفَصَّلِ سُورَةُ " ق " لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ.
قَالَ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
كَيْف يُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: ثُلُثٌ وَخُمُسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَوَّلَ الْمُفَصَّلِ السُّورَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ، مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ لَا مِنْ الْفَاتِحَةِ وَهِيَ ق، قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ.
وَفِي الْفُنُونِ: أَوَّلُهُ الْحُجُرَاتُ (وَيُكْرَهُ) أَنْ يَقْرَأَ (بِقِصَارِهِ فِي الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا) كَغَلَبَةِ نُعَاسٍ وَخَوْفٍ، لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ (وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ) أَيْ: الْمُفَصَّلِ، لِمَا يَأْتِي.
(وَلَا يُكْرَهُ) أَنْ يَقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ (بِطِوَالِهِ) أَيْ: الْمُفَصَّلِ (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) يَقْتَضِي التَّخْفِيفَ (نَصًّا) لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ» .
(وَ) يَقْرَأُ (فِي الْبَاقِي) وَهُوَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ (مِنْ أَوْسَاطِهِ) أَيْ: الْمُفَصَّلِ، لِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ فُلَانٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ فَصَلَّيْت خَلْفَهُ، فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْغَدَاةِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِهِ، وَفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) مِنْ مَرَضٍ وَسَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا (فَإِنْ كَانَ) ثَمَّ عُذْرٌ (لَمْ يُكْرَهْ) أَنْ يَقْرَأَ (بِأَقْصَرَ مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا ذَكَرَ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ وَإِنْ قَصُرَتْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِهَا، وَلَا يُعْتَدُّ بِالسُّورَةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ.
(وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ اسْتِحْبَابًا فِي الصُّبْحِ، وَأُولَتَيْ الْمَغْرِبِ وَ) أُولَتَيْ (الْعِشَاءِ) إجْمَاعًا لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ.
(وَيُكْرَهُ) الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ (لِمَأْمُومٍ) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ (وَيُخَيَّرُ مُنْفَرِدٌ وَقَائِمٌ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ بَيْنَ جَهْرٍ) بِالْقِرَاءَةِ (وَإِخْفَاتٍ) بِهَا، لِأَنَّهُ يُرَادُ مِنْهُ إسْمَاعُ غَيْرِهِ وَلَا اسْتِمَاعُهُ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ.
(وَلَا بَأْسَ بِجَهْرِ امْرَأَةٍ) فِي الْجَهْرِيَّةِ (إذَا لَمْ يَسْمَعْهَا أَجْنَبِيٌّ) مِنْهَا، بِأَنْ كَانَتْ تُصَلِّي وَحْدَهَا، أَوْ مَعَ مَحْرَمِهَا، أَوْ مَعَ النِّسَاءِ (وَخُنْثَى مِثْلِهَا) أَيْ مِثْلِ الْمَرْأَةِ فِي الْجَهْرِ وَعَدَمِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ إذَا سَمِعَهَا أَجْنَبِيٌّ أَنَّهَا تُسِرُّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وُجُوبًا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: وَلَا تَرْفَعْ صَوْتَهَا قَالَ الْقَاضِي: أُطْلِقَ الْمَنْعُ (وَيُسِرُّ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ جَهْرٍ) كَعِشَاءٍ أَوْ صُبْحٍ قَضَاهَا (نَهَارًا وَلَوْ جَمَاعَةً) اعْتِبَارًا بِزَمَنِ الْقَضَاءِ (كَصَلَاةِ سِرٍّ) قَضَاهَا وَلَوْ لَيْلًا، اعْتِبَارًا بِالْمَقْضِيَّةِ (وَيَجْهَرُ بِالْجَهْرِيَّةِ) كَأُولَتَيْ الْمَغْرِبِ إذَا قَضَاهَا (لَيْلًا فِي جَمَاعَةٍ فَقَطْ) اعْتِبَارًا بِالْقَضَاءِ، وَشَبَهِهَا بِالْأَدَاءِ، لِكَوْنِهَا فِي جَمَاعَةٍ، فَإِنْ قَضَاهَا مُنْفَرِدًا
أَسَرَّهَا لِفَوَاتِ شَبَهِهَا بِالْأَدَاءِ.
(وَيُكْرَهُ جَهْرُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي (فِي نَفْلٍ نَهَارًا) لِحَدِيثِ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» (وَ) الْمُتَنَفِّلُ (لَيْلًا يُرَاعِي الْمَصْلَحَةَ) فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ مَنْ يَتَأَذَّى بِجَهْرِهِ أَسَرَّ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يَنْتَفِعُ بِجَهْرِهِ جَهَرَ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالنَّهَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَبِاللَّيْلِ مِنْ غُرُوبِهَا) أَيْ: الشَّمْسِ (إلَى طُلُوعِهَا قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ) .
وَتَقَدَّمَ فِي الْأَذَانِ مَعْنَاهُ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَيَصِحُّ الْفَجْرُ بَعْدَ نِصْفَ اللَّيْلِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصُّبْحَ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ فِي الْمَوَاقِيتِ (وَإِنْ أَسَرَّ فِي) مَحَلِّ (جَهْرٍ، أَوْ جَهَرَ فِي) مَحَلِّ (سِرٍّ بَنَى عَلَى قِرَاءَتِهِ) لِصِحَّتِهَا، وَالْجَهْرُ وَالسِّرُّ سُنَّةٌ لَا يُبْطِلُ تَرْكُهُ الْقِرَاءَةَ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ كَمَا فِي الْمُصْحَفِ مِنْ تَرْتِيبِ السُّوَرِ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ الْبَقَرَةِ إلَى أَسْفَلَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَنْقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (وَيَحْرُمُ تَنْكِيسُ الْكَلِمَاتِ) أَيْ: كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ، لِإِخْلَالِهِ بِنَظْمِهِ (وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِإِخْلَالِ نَظْمِهِ كَلَامًا أَجْنَبِيًّا، يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ.
(وَيُكْرَهُ تَنْكِيسُ السُّوَرِ) كَأَنْ يَقْرَأَ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: 1] ثُمَّ يَقْرَأَ بَعْدَهَا ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: 1] سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ (فِي رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْكُوسًا فَقَالَ: ذَلِكَ مَنْكُوسُ الْقَلْبِ " وَفَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنْ يَقْرَأَ سُورَةً ثُمَّ يَقْرَأَ بَعْدَهَا أُخْرَى هِيَ قَبْلَهَا فِي النَّظْمِ " ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي الشَّرْحِ (كَالْآيَاتِ) أَيْ: كَمَا يُكْرَهُ تَنْكِيسُ الْآيَاتِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وِفَاقًا قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَلَوْ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ فِي تَنْكِيسِ الْآيَاتِ.
كَمَا يَأْتِي مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّهُ وَاجِبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ النَّصِّ، وَتَغْيِيرِ الْمَعْنَى - كَانَ مُتَّجَهًا وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ فَقَطْ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَالِاحْتِجَاجُ بِتَعَلُّمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ كَانَ لِلْحَاجَةِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ يَنْزِلُ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ،.
وَ (قَالَ الشَّيْخُ تَرْتِيبُ الْآيَاتِ وَاجِبٌ لِأَنَّ تَرْتِيبَهَا بِالنَّصِّ إجْمَاعًا) .
(وَتَرْتِيبُ السُّوَرِ بِالِاجْتِهَادِ لَا بِالنَّصِّ، وَفِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَتَجُوزُ قِرَاءَةُ هَذِهِ) السُّورَةِ (قَبْلَ هَذِهِ) السُّورَةِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَلَّمَ كَذَلِكَ (وَكَذَا فِي الْكِتَابَةِ) أَيْ: تَجُوزُ كِتَابَةُ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ.
(وَلِهَذَا تَنَوَّعَتْ مَصَاحِفُ الصَّحَابَةِ فِي كِتَابَتِهَا، لَكِنْ لَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى الْمُصْحَفِ زَمَنَ عُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (صَارَ هَذَا مِمَّا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ) أَيْ: حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ
بْنِ سَارِيَةَ الَّذِي مِنْ " جُمْلَتِهِ «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» الْحَدِيثَ (عَلَى أَنَّ لَهُمْ سُنَّةً يَجِبُ اتِّبَاعُهَا) لِقَوْلِهِ «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» (وَإِنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ) .
قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ وَافَقَ قِرَاءَةَ أَحَدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَيَحْرُمُ) قِرَاءَةُ مَا خَرَجَ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ (لِعَدَمِ تَوَاتُرِهِ وَعَنْهُ يُكْرَهُ) أَنْ يَقْرَأَ بِمَا يَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ (وَ) عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ (تَصِحُّ) صَلَاتُهُ (إذَا صَحَّ سَنَدُهُ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِقِرَاءَتِهِمْ فِي عَصْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْدِهِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةً بِغَيْرِ شَكٍّ (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِمَا وَافَقَ الْمُصْحَفَ) الْعُثْمَانِيَّ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَشَرَةِ نَصًّا) أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مُصْحَفِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَسُورَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَزِيَادَةِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَصَحَّ سَنَدُهُ عَنْ صَحَابِيٍّ، قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ ذَلِكَ وَالْعَشَرَةُ هُمْ قُرَّاءُ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورُونَ، فَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اثْنَانِ: الْأَوَّلُ أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ،.
وَالثَّانِي نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَمِنْ الْبَصْرَةِ: أَبُو عَمْرٍو يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، وَمِنْ الْكُوفَةِ: عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ بَهْدَلَةَ، وَحَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزَّيَّاتُ الْقَسْمَلِيُّ، وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكِسَائِيُّ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ.
(وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ) لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْكَسْرِ وَالْإِدْغَامِ وَالتَّكَلُّفِ وَزِيَادَةِ الْمَدِّ وَأَنْكَرَهَا السَّلَفُ، مِنْهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ غَيْرَهُمَا وَعَنْهُ (وَالْإِدْغَامُ الْكَبِيرُ لِأَبِي عَمْرٍو) لِلْإِدْغَامِ الشَّدِيدِ.
(وَاخْتَارَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (قِرَاءَةَ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ) لِأَنَّ إسْمَاعِيلَ قَرَأَ عَلَى شَيْبَةَ شَيْخِ نَافِعٍ (ثُمَّ قِرَاءَةَ عَاصِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَيَّاشٍ) لِأَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عُثْمَانَ وَعَلَى زَيْدٍ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ اخْتَارَهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ أَضْبَطُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ مَعَ عِلْمٍ وَعَمَلٍ وَزُهْدٍ، وَقَالَ لَهُ الْمَيْمُونِيُّ: أَيُّ الْقِرَاءَاتِ تَخْتَارُ لِي فَأَقْرَأُ بِهَا؟ قَالَ: قِرَاءَةُ ابْنِ الْعَلَاءِ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَالْفُصَحَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةٍ زِيَادَةُ حَرْفٍ مِثْلُ: فَأَزَلَّهُمَا، وَأَزَالَهُمَا، وَوَصَّى وَأَوْصَى، فَهِيَ أَوْلَى، لِأَجْلِ عَشْرِ الْحَسَنَاتِ نَقَلَهُ حَرْبٌ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الْحَرْفَ الْكَلِمَةُ
[فَصْلٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ]
(فَصْلٌ ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ) إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ (كَرَفْعِهِ الْأَوَّلِ) عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ (بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ ثَبَتَ قَائِمًا، وَسَكَتَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ نَفَسُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَلَا يَصِلُ قِرَاءَتَهُ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ، «إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ سَكَتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيَكُونُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ (مَعَ ابْتِدَاءِ الرُّكُوعِ) اسْتِحْبَابًا فِي قَوْلِ خَلَائِقَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَكَانَ عُمَرُ إذَا رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَصَبَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ " وَمَضَى عَمَلُ السَّلَفِ عَلَى هَذَا (مُكَبِّرًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَيَضَعُ يَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، مُلْقِمًا كُلَّ يَدٍ رُكْبَةً) " لِمَا فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ «وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَرَّجَ أَصَابِعَهُ مِنْ وَرَاءِ رُكْبَتَيْهِ» (وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا) وَيَجْعَلُ (رَأْسَهُ حِيَالِهِ) أَيْ: بِإِزَاءِ (ظَهْرِهِ) لَا يَرْفَعْهُ وَلَا يَخْفِضْهُ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَكَعَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ «إذَا رَكَعَ لَوْ كَانَ قَدَحُ مَاءٍ عَلَى ظَهْرِهِ مَا تَحَرَّكَ، لِاسْتِوَاءِ ظَهْرِهِ» ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَكَانَ إذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لَاسْتَقَرَّ» (وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَرَ يَدَيْهِ، فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُطْبِقَ إحْدَى رَاحَتَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، وَيَجْعَلَهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ) وَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ، «وَقَدْ فَعَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ فَأَمَرَنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، (وَقَدْرُ الْإِجْزَاءِ) فِي الرُّكُوعِ (انْحِنَاؤُهُ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ نَصًّا، إذَا كَانَ وَسَطًا مِنْ النَّاسِ، لَا طَوِيلَ الْيَدَيْنِ، وَلَا قَصِيرَهُمَا) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَاكِعًا بِدُونِهِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْقِيَامِ إلَى الرُّكُوعِ إلَّا بِهِ.
(وَقَدْرُهُ) أَيْ: الِانْحِنَاءِ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ لَوْ كَانَ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ (فِي حَقِّهِمَا) أَيْ: طَوِيلَ الْيَدَيْنِ وَقَصِيرَهُمَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَوْ قَدْرُهُ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ: غَيْرِ الْوَسَطِ مِنْ النَّاسِ، قَالَ الْمَجْدُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَرَّانِيُّ: وَضَابِطُ الْإِجْزَاءِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ (بِحَيْثُ) عِبَارَتِهِ: أَنْ (يَكُونَ انْحِنَاؤُهُ إلَى الرُّكُوعِ الْمُعْتَدِلِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْقِيَامِ الْمُعْتَدِلِ) وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَوْلٌ مُقَابِلٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ يَدَاهُ عَلِيلَتَيْنِ لَا يُمْكِنُهُ وَضْعُهُمَا انْحَنَى وَلَمْ يَضَعْهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَلِيلَةً وَضَعَ الْأُخْرَى ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ (وَقَدْرُهُ) أَيْ: الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ (مِنْ قَاعِدٍ مُقَابَلَةُ وَجِهَةِ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ أَدْنَى مُقَابَلَةٍ، وَتَتِمَّتُهَا) أَيْ: الْمُقَابَلَةِ (الْكَمَالُ) أَيْ: كَمَالُ الرُّكُوعِ مِنْ الْقَاعِدِ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ.
(وَيَقُولُ) فِي رُكُوعِهِ: (سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وَفِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ.
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74] قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَالْأَفْضَلُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ " وَبِحَمْدِهِ " وَالْوَاجِبُ مَرَّةٌ كَمَا يَأْتِي، وَالسُّنَّةُ (ثَلَاثًا، وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَذَلِكَ أَدْنَاهُ وَأَعْلَاهُ، أَيْ: الْكَمَالِ فِي حَقِّ إمَامٍ إلَى عَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُصَلِّي كَصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَزَرُوا ذَلِكَ بِعَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ ".
وَقَالَ أَحْمَدُ " جَاءَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ التَّسْبِيحَ التَّامَّ سَبْعٌ وَالْوَسَطُ خَمْسٌ وَأَدْنَاهُ ثَلَاثٌ (وَ) (أَعْلَاهُ) التَّسْبِيحِ (فِي حَقِّ إمَامٍ إلَى عَشْرٍ وَمُنْفَرِدٍ: الْعُرْفُ) وَقِيلَ: مَا لَمْ
يَخَفْ سَهْوًا.
وَقِيلَ: بِقَدْرِ قِيَامِهِ وَقِيلَ: سَبْعٌ (وَكَذَا سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى فِي سُجُودِهِ) أَيْ: حُكْمُهَا حُكْمُ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ فِيمَا تَقَدَّمَ (وَالْكَمَالُ فِي رَبِّ اغْفِرْ لِي) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (ثَلَاثٌ وَمَحَلُّ ذَلِكَ: فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ) فِي الْكُلِّ لِمَا فِيهَا مِنْ اسْتِحْبَابِ التَّطْوِيلِ (وَلَوْ انْحَنَى لِتَنَاوُلِ شَيْءٍ، وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ الرُّكُوعُ لَمْ يُجْزِئْهُ) الِانْحِنَاءُ (عَنْهُ) أَيْ: الرُّكُوعِ لِعَدَمِ النِّيَّةِ.
(وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهَا حَالُ ذُلٍّ وَانْخِفَاضٍ وَالْقُرْآنُ أَشْرَفُ الْكَلَامِ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مَعَ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الْأَوَّلِ) فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ (قَائِلًا إمَامٌ وَمُنْفَرِدٌ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مُرَتَّبًا وُجُوبًا) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ ".
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبُرَيْدَةَ: يَا بُرَيْدَةُ، إذَا رَفَعْت رَأْسَك مِنْ الرُّكُوعِ فَقُلْ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فَلَوْ قَالَ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ: سَمِعَ لَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ لِتَغْيِيرِ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْأَوَّلَ صِيغَةٌ تَصْلُحُ لِلدُّعَاءِ (وَمَعْنَى سَمِعَ أَجَابَ) أَيْ: اسْتَجَابَ وَالثَّانِي: صِيغَةُ شَرْطٍ وَجَزَاءٍ، لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَافْتَرَقَا (ثُمَّ إنْ شَاءَ أَرْسَلَ يَدَيْهِ) مِنْ غَيْرِ وَضْعِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى (وَإِنْ شَاءَ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ نَصًّا) أَيْ: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى تَخْيِيرِهِ بَيْنَهُمَا (فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ.
قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) .
لِمَا رَوَى عَلِيٌّ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى " مِلْءَ السَّمَاءِ " لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى وَالْمُنْفَرِدُ كَالْإِمَامِ، خُصُوصًا وَقَدْ عَضَّدَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
(وَ) نَقَلَ عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ (إنْ شَاءَ زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلَ الثَّنَاء وَالْمَجْدِ) قَالَ أَحْمَدُ وَأَنَا أَقُولُهُ وَظَاهِرُهُ يُسْتَحَبُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا وَتَبِعَهُمْ فِي الْإِنْصَافِ وَظَاهِرُ التَّنْقِيحِ: لَا يُسْتَحَبُّ وَ " أَهْلَ " مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ، أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى الْخَبَرِ، لِمَحْذُوفٍ، أَيْ: أَنْتَ أَهْلُهُمَا «أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ (أَوْ) يَقُولُ (غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ) وَمِنْهُ «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ» .
وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ الزِّيَادَةِ لِمَنْ يَكْتَفِي فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بِأَدْنَى الْكَمَالِ، (وَالْمَأْمُومُ يَحْمَدُ) أَيْ: يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ (فَقَطْ فِي حَالِ رَفْعِهِ) مِنْ الرُّكُوعِ.
لِمَا رَوَى أَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، فَأَمَّا قَوْلُ " مِلْءَ السَّمَاءِ " وَمَا بَعْدَهُ فَلَا يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَصَرَ عَلَى أَمْرِهِمْ بِقَوْلِ «رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهُمْ سِوَاهُ (وَلِلْمُصَلِّي) إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا (قَوْلُ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، بِلَا وَاوٍ) لِوُرُودِ الْخَبَرِ بِهِ (وَبِهَا) أَيْ: بِالْوَاوِ (أَفْضَلُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَلِكَوْنِهِ أَكْثَرَ حُرُوفًا وَيَتَضَمَّنُ الْحَمْدَ مُقَدَّرًا وَمُظْهَرًا، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: رَبَّنَا حَمِدْنَاك، وَلَك الْحَمْدُ، لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الظَّاهِرِ مَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي الْكَلَامِ مُقَدَّرًا (وَإِنْ شَاءَ) الْمُصَلِّي.
(قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، بِلَا وَاوٍ) نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، لِوُرُودِهِ فِي خَبَرَيْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (وَهُوَ) أَيْ: قَوْلُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ (أَفْضَلُ) مِنْهُ مَعَ الْوَاوِ (وَإِنْ شَاءَ) قَالَهُ (بِوَاوٍ) فَيَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " وَذَلِكَ كُلُّهُ بِحَسَبِ الرِّوَايَاتِ صِحَّةً وَكَثْرَةً، وَضِدَّهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِزِيَادَةِ الْحُرُوفِ وَقِلَّتِهَا.
تَنْبِيهٌ يَجُوزُ فِي " مِلْءَ السَّمَوَاتِ " وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ النَّصْبُ، عَلَى الْحَالِ أَيْ: مَالِئًا، وَالرَّفْعُ عَلَى الصِّفَةِ أَيْ: حَمْدًا لَوْ كَانَ أَجْسَامًا لَمَلَأَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَيْ: كَالْكُرْسِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَعْلَمُ سِعَتَهُ إلَّا اللَّهُ وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا» وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي الْأَخْبَارِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ.
(وَإِنْ عَطَسَ) الْمُصَلِّي (حَالَ رَفْعِهِ) مِنْ الرُّكُوعِ (فَحَمِدَ) اللَّهَ (لَهُمَا جَمِيعًا) بِأَنْ قَالَ " رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ " وَنَحْوَهُ مِمَّا وَرَدَ نَاوِيًا بِهِ الْعُطَاسَ، وَذَكَرَ الِانْتِقَالَ (لَمْ يُجْزِئْهُ نَصًّا وَلَا تَبْطُلُ بِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْهُ لِلرَّفْعِ، وَصَحَّحَ الْمُوَفَّقُ الْإِجْزَاءَ، كَمَا لَوْ قَالَهُ ذَاهِلًا، وَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْآخَرِ (وَمِثْلُ ذَلِكَ: لَوْ أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي الْفَاتِحَةِ فَعَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، يَنْوِي بِذَلِكَ عَنْ الْعُطَاسِ وَالْقِرَاءَةِ) لَمْ يُجْزِئْهُ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ تَمَامِ)
فَضِيلَةِ (الصَّلَاةِ) وَسُنَنِهَا (مَنْ رَفَعَ) يَدَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ، فَهُوَ (أَتَمُّ صَلَاةً مِمَّنْ لَمْ يَرْفَعْ) يَدَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى: لَا يَنْهَاك عَنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إلَّا مُبْتَدِعٌ، فَعَلَ ذَلِكَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَرْفَعُ مَنْ صَلَّى قَائِمًا وَجَالِسًا فَرْضًا وَنَفْلًا، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، (وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُسَبِّحْ فِي رُكُوعِهِ لَمْ يَعُدْ إلَى الرُّكُوعِ، إذَا ذَكَرَهُ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ) لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى رُكْنٍ مَقْصُودٍ، فَلَا يَعُودُ إلَى وَاجِبٍ (فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى التَّسْبِيحِ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ (فَقَدْ زَادَ رُكُوعًا، تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ نَسِيَ التَّسْبِيحَ.
(فَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ: عَادَ إلَى التَّسْبِيحِ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ (نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ بِذَلِكَ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) وُجُوبًا لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ (فَإِنْ أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي هَذَا الرُّكُوعِ) الْعَائِدِ بِهِ إلَى التَّسْبِيحِ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا (لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ) لِأَنَّهُ مَلْغِيٌّ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي سُجُودِ السَّهْوِ) مُوَضَّحًا (ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ سَاجِدًا وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ) لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ شَرِيكٍ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ غَيْرٍ طَرِيقِ شَرِيكٍ وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالْمُصَلِّي، وَأَحْسَنُ فِي الشَّكْلِ، وَرَأْيِ الْعَيْنِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْبَعِيرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَدِيثُ وَائِلٍ أَصَحُّ.
وَقَالَ الْحَاكِمُ: هُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَبِتَقْدِيرِ مُسَاوَاتِهِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، لِمَا رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَأُمِرْنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ» لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ هُنَا الْكَفَّانِ (ثُمَّ) يَضَعُ (جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ) .
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ وَيُمَكِّنُ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ، لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ أَمْكَنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَيُمَكِّنُ (رَاحَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ) أَيْ: مِنْ مُصَلَّاهُ (وَيَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ذَكَرَ مِنْهَا أَطْرَافَ الْقَدَمَيْنِ (وَتَكُونُ) أَصَابِعُ رِجْلَيْهِ (مُفَرَّقَةً، إنْ لَمْ يَكُنْ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلٌ أَوْ خُفٌّ) وَتَكُونُ (مُوَجَّهَةً إلَى الْقِبْلَةِ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ " قَوْلُهُ فَتَخَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ: نَصَبَهُمَا، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ إنَّهُ يُقِيمُ قَدَمَيْهِ، وَيَجْعَلُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ وَفِيهِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْصَقَ كَعْبَهُ فِي سُجُودِهِ.
تَتِمَّةٌ إذَا سَقَطَ عَلَى جَنْبِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْقَلَبَ سَاجِدًا لَمْ يُجْزِهِ سُجُودُهُ، حَتَّى يَنْوِيَهُ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَهَيْئَتِهَا، وَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ سَاجِدًا، أَجْزَأَهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لِأَنَّهُ عَلَى هَيْئَتِهَا، فَلَوْ قَطَعَ النِّيَّةَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
(وَلَوْ سَقَطَ إلَى الْأَرْضِ مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ عَادَ فَأَتَى بِذَلِكَ) أَيْ: بِالرُّكُوعِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُسْقِطُ فَرْضَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ عَنْ انْتِصَابٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ (وَإِنْ) رَكَعَ (اطْمَأَنَّ) ثُمَّ سَقَطَ (عَادَ) وُجُوبًا (فَانْتَصَبَ قَائِمًا ثُمَّ يَسْجُدُ) لِيَحْصُلَ فَرْضُ الِاعْتِدَالِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ فِي مَوْضِعِهِ.
(فَإِنْ) رَكَعَ وَاطْمَأَنَّ ثُمَّ (اعْتَلَّ) بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ (حَتَّى يَسْجُدَ، سَقَطَ) عَنْهُ الرَّفْعُ لِعَجْزِهِ عَنْهُ، وَيَسْجُدُ عَنْ الرُّكُوعِ، فَإِنْ زَالَتْ الْعِلَّةُ قَبْلَ سُجُودِهِ بِالْأَرْضِ لَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَى الْقِيَامِ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُصُولِهِ فِي الرُّكْنِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَلَمْ يَفُتْ مَحَلُّهُ (وَإِنْ عَلَا مَوْضِعُ رَأْسِهِ عَلَى) مَوْضِعِ (قَدَمَيْهِ فَلَمْ تَسْتَعْلِ الْأَسَافِلُ بِلَا حَاجَةٍ فَلَا بَأْسَ بِيَسِيرِهِ) صَحَّحَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ.
(وَيُكْرَهُ بِكَثِيرِهِ) أَيْ: يُكْرَهُ الْكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ (وَلَا يُجْزِئُ) سُجُودُهُ مَعَ عَدَمِ اسْتِعْلَاءِ الْأَسَافِلِ (إنْ خَرَجَ عَنْ صِفَةِ السُّجُودِ) لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاجِدًا (وَالسُّجُودُ بِالْمُصَلِّي عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ) السَّبْعَةِ: الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ (مَعَ الْأَنْفِ: رُكْنٌ مَعَ الْقُدْرَةِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَحَدِيثُ " سَجَدَ وَجْهِي " إلَى آخِرِهِ: لَا يَنْفِي سُجُودَ مَا عَدَاهُ وَإِنَّمَا خَصَّهُ لِأَنَّ الْجَبْهَةَ هِيَ الْأَصْلُ فَمَتَى أَخَلَّ بِالسُّجُودِ عَلَى عُضْوٍ مِنْ هَذِهِ لَمْ يَصِحَّ.
(وَإِنْ عَجَزَ) عَنْ السُّجُودِ (بِالْجَبْهَةِ أَوْ مَا أَمْكَنَهُ، وَسَقَطَ لُزُومُ بَاقِي الْأَعْضَاءِ) لِأَنَّ الْجَبْهَةَ هِيَ الْأَصْلُ فِي السُّجُودِ، وَغَيْرَهَا
تَبَعٌ لَهَا، فَإِذَا سَقَطَ الْأَصْلُ سَقَطَ التَّبَعُ، وَدَلِيلُ التَّبَعِيَّةِ: مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ، فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ: أَنَّ الْيَدَيْنِ يُوضَعَانِ بَعْدَ وَضْعِ الْوَجْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ: أَنَّ السُّجُودَ بِهِمَا تَبَعٌ لِلسُّجُودِ بِالْوَجْهِ وَبَاقِي الْأَعْضَاءِ مِثْلُهُمَا فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ الْفَارِقِ (وَإِنْ قَدَرَ) عَلَى السُّجُودِ (بِهَا) أَيْ: الْجَبْهَةِ (تَبِعَهَا الْبَاقِي) مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُجْزِئُ) فِي السُّجُودِ (بَعْضُ كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ إذَا سَجَدَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ فِي الْحَدِيثِ وَيُجْزِئُهُ.
(وَلَوْ عَلَى ظَهْرِ كَفٍّ وَ) ظَهْرِ (قَدَمٍ وَنَحْوِهِمَا) كَمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ أَوْ قَدَمَيْهِ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، لِأَنَّهُ قَدْ سَجَدَ عَلَى قَدَمَيْهِ أَوْ يَدَيْهِ.
وَ (لَا) يُجْزِئُهُ السُّجُودُ (إنْ كَانَ بَعْضُهَا) أَيْ: بَعْضُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ (فَوْقَ بَعْضٍ) كَوَضْعِ يَدَيْهِ تَحْتَ رُكْبَتَيْهِ أَوْ جَبْهَتِهِ عَلَى يَدَيْهِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَدَاخُلِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ (وَيُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِمَا حَائِلٌ مُتَّصِلٌ بِهِ (وَضَمُّ أَصَابِعِهِمَا مُوَجَّهَةً نَحْوَ الْقِبْلَةِ غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ، رَافِعًا مِرْفَقَيْهِ) لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْك» .
(وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ: السَّاجِدِ (مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِشَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ (حَتَّى الْجَبْهَةِ) .
أَمَّا سُقُوطُ الْمُبَاشَرَةِ بِالْقَدَمَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ فَإِجْمَاعٌ لِصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّعْلَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَأَمَّا سُقُوطُ الْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدَيْنِ فَقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ وَهُوَ يَتَّقِي الطِّينَ إذَا سَجَدَ بِكِسَاءٍ عَلَيْهِ، يَجْعَلُهُ دُونَ يَدَيْهِ إلَى الْأَرْضِ إذَا سَجَدَ» وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ، يَتَّقِي بِفُضُولِهِ حَرَّ الْأَرْضِ وَبَرْدَهَا» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ.
وَأَمَّا سُقُوطُ الْمُبَاشَرَةِ بِالْجَبْهَةِ فَلِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ " كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ (لَكِنْ يُكْرَهُ تَرْكُهَا) أَيْ: تَرْكُ الْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدَيْنِ وَالْجَبْهَةِ (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَيَأْتِي بِالْعَزِيمَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ
يَكْرَهُ السُّجُودَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ (فَلَوْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِل بِهِ غَيْرِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، كَكَوْرِ عِمَامَتِهِ) بِفَتْحِ الْكَافِ، يُقَالُ: كَارَ عِمَامَتَهُ يُكَوِّرُهَا كَوْرًا، مِنْ بَابِ قَالَ (وَكُمِّهِ وَذَيْلِهِ وَنَحْوِهِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَمْ يُكْرَهْ لِعُذْرٍ، كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَنَحْوِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا كُرِهَ.
(وَيُكْرَهُ كَشْفُ الرُّكْبَتَيْنِ) لِأَنَّهُ تَبْدُو بِهِ الْعَوْرَةُ غَالِبًا (كَ) مَا يُكْرَهُ (سَتْرُ الْيَدَيْنِ) لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ كَشْفِهِمَا.
(وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ بِمَكَانٍ شَدِيدِ الْحَرِّ أَوْ) شَدِيدِ (الْبَرْدِ) مَعَ إمْكَانِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْخُشُوعِ وَيَمْنَعُ كَمَالَ الصَّلَاةِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (وَيُسَنُّ) لِلسَّاجِدِ (أَنْ يُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) وَأَنْ يُجَافِيَ (بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) وَأَنْ يُجَافِيَ (فَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُحَيْنَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ يُجَنِّحُ فِي سُجُودِهِ، حَتَّى يُرَى وَضَحَ إبِطَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَجَدَ أَمْكَنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي رِسَالَتِهِ: جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ إذَا سَجَدَ لَوْ مَرَّتْ بَهِيمَةٌ لَنَفَرَتْ» وَذَلِكَ لِشِدَّةِ رَفْعِ مِرْفَقَيْهِ وَعَضُدَيْهِ (مَا لَمْ يُؤْذِ جَارَهُ) الَّذِي بِجَانِبَيْهِ بِفِعْلِ ذَلِكَ فَيَجِبُ تَرْكُهُ لِحُصُولِ الْإِيذَاءِ الْمُحَرَّمِ مِنْ أَجْلِ فِعْلِهِ (وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد (وَلَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ بِمِرْفَقَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ إنْ طَالَ) سُجُودُهُ، لِيَسْتَرِيحَ بِذَلِكَ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُفَرِّقَ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَرِجْلَيْهِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَجَدَ فَرَّقَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ (وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، وَحُكْمُهُ كَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ) وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِتَطْوِيلِ السُّجُودِ لِعُذْرٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا فِي إحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ، فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، فَلَمَّا قَضَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّك سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَيْ صَلَاتِك سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، وَأَنَّهُ يُوحَى إلَيْك، قَالَ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنْ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ، حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا» وَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ.
(وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهَا مِنْ تَحْتِهِ، وَيَجْعَلُ بُطُونَ أَصَابِعِهَا عَلَى الْأَرْضِ مُفَرَّقَةً، مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا لِتَكُونَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهَا إلَى الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا، وَاعْتَدَلَ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ» .
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (بَاسِطًا يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ) قِيَاسًا عَلَى جُلُوسِ التَّشَهُّدِ، وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَوَارَثَهُ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ (قَائِلًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَإِنْ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لَنَا أَوْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا، فَلَا بَأْسَ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (ثَلَاثًا، وَهُوَ الْكَمَالُ هُنَا، وَتَقَدَّمَ) عِنْدَ ذِكْرِ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَا يُكْرَهُ فِي الْأَصَحِّ لِمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافَنِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَلَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَلَا عَلَى سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَ) لَا عَلَى (سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، مِمَّا وَرَدَ) مِنْ دُعَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَمِنْهُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجُلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَسِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَأَمَّا السُّجُودُ: فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَى " قَمِنٌ " حَقِيقٌ وَجَدِيرٌ، (ثُمَّ يَسْجُدُ) السَّجْدَةَ (الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالْهَيْئَةِ.
لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُفْعَلُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا شُرِعَ تَكْرَارُ السُّجُودِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ السُّجُودَ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ فِي التَّوَاضُعِ، لِأَنَّ الْمُصَلِّي لَمَّا تَرَقَّى فِي الْخِدْمَةِ، بِأَنْ قَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَدْ أَتَى بِغَايَةِ الْخِدْمَةِ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي الْجُلُوسِ فِي خِدْمَةِ الْمَعْبُودِ، فَسَجَدَ ثَانِيًا شُكْرًا عَلَى اخْتِصَاصِهِ إيَّاهُ بِالْخِدْمَةِ وَعَلَى اسْتِخْلَاصِهِ مِنْ غَوَايَةِ الشَّيْطَانِ إلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ (قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ، إذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ أَشَقُّ فَكَانَ أَفْضَلَ، كَالتَّجَافِي (إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ) الِاعْتِمَادُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، لِكِبَرٍ، أَوْ ضَعْفٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ سِمَنٍ، وَنَحْوِهِ (فَيَعْتَمِدُ بِالْأَرْضِ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ «مِنْ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ إذَا نَهَضَ أَنْ لَا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ» .
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَدِّمَ إحْدَى رِجْلَيْهِ) إذَا قَامَ، ذَكَرَهُ فِي الْغُنْيَةِ، وَكَذَا فِي رِسَالَةِ أَحْمَدَ، وَفِيهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ:
أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَلَا تُسْتَحَبُّ جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ، وَهِيَ جِلْسَةٌ يَسِيرَةٌ صِفَتُهَا كَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ بَعْدَهَا قِيَامٌ، وَالِاسْتِرَاحَةُ طَلَبُ الرَّاحَةِ كَأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ إعْيَاءٌ فَيَجْلِسُ لِيَزُولَ عَنْهُ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ اسْتِحْبَابِهَا مُطْلَقًا: هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُود وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَحْمَدُ " أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى هَذَا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: تِلْكَ السُّنَّةُ، وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ: أَدْرَكْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ، أَيْ: لَا يَجْلِسُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ دَلِيلٌ صَرِيحٌ لِلْمَطْلُوبِ، كَحَدِيثِ إثْبَاتِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَاخْتِيَارِ الْخَلَّالِ رِوَايَةَ الْجُلُوسِ لَهَا، وَقَالَ: رَجَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إلَى هَذَا، لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ، جَلَسَ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا " أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِي، وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا وَابْنَ مَاجَهْ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا أَبُو حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهِ وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ عِنْدَ كِبَرِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ.
[فَصْلٌ يُصَلِّي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ كَالرَّكْعَةِ الْأُولَى]
(فَصْلٌ ثُمَّ يُصَلِّي) الرَّكْعَةَ (الثَّانِيَةَ) كَالرَّكْعَةِ (الْأُولَى) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ لَمَّا وَصَفَ لَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (إلَّا فِي تَجْدِيدِ النِّيَّةِ) لِلِاكْتِفَاءِ بِاسْتِحْبَابِهَا، وَلَمْ يَسْتَثْنِهِ أَكْثَرُهُمْ، لِأَنَّهَا شَرْطٌ لَا رُكْنٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَ) إلَّا فِي (تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) فَلَا تُعَادُ، لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ، (وَ) إلَّا فِي (الِاسْتِفْتَاحِ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ وَلَوْ) كَانَ عَدَمُ إتْيَانِهِ بِهِ (عَمْدًا فِي الْأُولَى) فَلَا يَأْتِي بِهِ فِي الثَّانِيَةِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا نَهَضَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَمْ يَسْكُتْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَ) إلَّا فِي (الِاسْتِعَاذَةِ، إنْ كَانَ اسْتَعَاذَ فِي الْأُولَى) لِظَاهِرِ خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَاكْتَفَى بِالِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَعَاذَ فِي الْأُولَى (اسْتَعَاذَ) فِي الثَّانِيَةِ (سَوَاءٌ كَانَ تَرْكُهُ لَهَا) أَيْ: لِلِاسْتِعَاذَةِ (فِي الْأُولَى عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] (ثُمَّ يَجْلِسُ) لِلتَّشَهُّدِ إجْمَاعًا (مُفْتَرِشًا) كَجُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: (جَاعِلًا يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) الْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى عَلَى الْيُسْرَى، لِأَنَّهُ أَشْهَرُ فِي الْأَخْبَارِ، وَلَا يَلْقُمُهُمَا رُكْبَتَيْهِ.
وَفِي الْكَافِي، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النَّظْمِ: التَّخْيِيرُ (بَاسِطًا أَصَابِعَ يُسْرَاهُ مَضْمُومَةً) عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، لَا يَخْرُجُ بِهَا عَنْهَا بَلْ يَجْعَلُ أَطْرَافَ أَصَابِعَهُ مُسَامِتَةً لِرُكْبَتِهِ.
وَفِي التَّلْخِيصِ: قَرِيبًا مِنْ الرُّكْبَةِ (مُسْتَقْبِلًا بِهَا الْقِبْلَةَ، قَابِضًا مِنْ يُمْنَاهُ الْخِنْصَرُ وَالْبِنْصِرُ، مُحَلِّقًا إبْهَامَهُ مَعَ وُسْطَاهُ) لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ مِرْفَقَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ عَقَدَ مِنْ أَصَابِعِهِ الْخِنْصَرَ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَحَلَّقَ حَلْقَةً بِإِصْبَعِهِ الْوُسْطَى عَلَى الْإِبْهَامِ، وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ يُشِيرُ بِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ أُصْبُعَهُ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، فَدَعَا بِهَا، وَيَدُهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ بَاسِطًا عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (سِرًّا، نَدْبًا) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ «مِنْ السُّنَّةِ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(كَتَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَقَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَيَنْدُبُ الْإِسْرَارُ بِذَلِكَ لِعَدَمِ الدَّاعِي لِلْجَهْرِ بِهِ، (وَيُشِيرُ بِسَبَّابَتِهَا) أَيْ: سَبَّابَةِ الْيُمْنَى، لِفِعْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُمِّيَتْ سَبَّابَةً: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشِيرُونَ بِهَا عِنْد السَّبِّ وَ (لَا) يُشِيرُ (بِغَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ سَبَّابَةِ الْيُمْنَى (وَلَوْ عُدِمَتْ) سَبَّابَةُ الْيُمْنَى، قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لِأَنَّ عِلَّتَهُ التَّنْبِيهُ عَلَى التَّوْحِيدِ (فِي تَشَهُّدِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَيُشِيرُ (مِرَارًا، كُلَّ مُرَّةٍ عِنْد ذِكْرِ لَفْظِ اللَّهِ، تَنْبِيهًا عَلَى التَّوْحِيدِ وَلَا يُحَرِّكُهَا) لِفِعْلِهِ.
قَالَ فِي الْغُنْيَةِ: وَيُدِيمُ نَظَرَهُ إلَيْهَا، لِخَبَرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَ) يُشِيرُ أَيْضًا بِسَبَّابَةِ الْيُمْنَى (عِنْدَ دُعَائِهِ فِي صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا) لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إذَا دَعَا وَلَا يُحَرِّكُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ «مَرَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَدْعُو بِأَصَابِعِي فَقَالَ: أَحَدٌ أَحَدٌ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
(فَيَقُولُ) تَفْسِيرٌ لِلتَّشَهُّدِ (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَفْظُهُ، قَالَ «كُنَّا إذَا جَلَسْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ فَسَمِعَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ» .
وَفِي لَفْظٍ «عَلَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السَّوْرَةَ مِنْ الْقُرْآنِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي التَّشَهُّدِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَيْسَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ حَدِيثٌ غَيْرُهُ وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَيُرَجَّحُ بِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَبِأَيِّ تَشَهُّدٍ تَشَهَّدَ مِمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ) كَتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ " التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ " إلَى - آخِرِهِ - وَلَفْظِ مُسْلِمٍ، " وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَكَتَشَهُّدِ عُمَرَ " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ سَلَامٌ عَلَيْك إلَى آخِرِهِ وَالتَّحِيَّاتُ: جَمْعُ تَحِيَّةٍ، وَهِيَ الْعَظَمَةُ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمُلْكُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: السَّلَامُ وَقِيلَ: الْبَقَاءُ، وَالصَّلَوَاتُ: هِيَ الْخَمْسُ وَقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: الْأَدْعِيَةُ، وَقِيلَ الْعِبَادَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ: هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الطَّيِّبَاتُ مِنْ الْكَلَامِ، وَمِنْ خَوَاصِّ الْهَيْلَلَةِ، أَنْ حُرُوفَهَا كُلَّهَا مُهْمَلَةٌ تَنْبِيهًا عَلَى التَّجَرُّدِ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَى اللَّهِ، وَجَوْفِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الشَّفَوِيَّةِ، إشَارَةً إلَى أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ الْقَلْبِ، وَإِذَا قَالَ " السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، نَوَى بِهِ النِّسَاءَ وَمَنْ لَا يُشْرِكُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (وَلَا تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ أَوَّلَهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ " كَانَ إذَا تَشَهَّدَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ ".
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُسَمِّي أَوَّلَهُ (وَتَرْكُهَا) أَيْ: تَرْكُ التَّسْمِيَةِ أَوَّلَ التَّشَهُّدِ (أَوْلَى) لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ
سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ (بِسْمِ اللَّهِ) فَانْتَهَرَهُ.
(وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ " وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ (وَالْأَوْلَى تَخْفِيفُهُ، وَعَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ) أَيْ: التَّشَهُّدِ لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِقَوْلِ مَسْرُوقٍ " كُنَّا إذَا جَلَسْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ حَنْبَلٌ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي، فَإِذَا جَلَسَ فِي الْجِلْسَةِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ أَخَفَّ الْجُلُوسَ، ثُمَّ يَقُومُ كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى الرَّضْفِ، أَيْ: الْحِجَارَةِ الْمُحْمَاةِ بِالنَّارِ قَالَ: وَإِنَّمَا قَصَدَ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ،.
(وَإِنْ قَالَ " وَأَنَّ مُحَمَّدًا) رَسُولُ اللَّهِ (وَأَسْقَطَ أَشْهَدُ فَلَا بَأْسَ) لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْ الْمَعْنَى (وَهَذَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ) فِي الْمَغْرِبِ وَالرُّبَاعِيَّةِ (ثُمَّ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا (أَتَى بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِمَا بَعْدَهَا، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ هَذَا الْأَوْلَى مِنْ أَلْفَاظِ الصَّلَاةِ وَالْبَرَكَةِ) عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ، لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ.
قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْك، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ قَالَ قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيَجُوزُ) أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ (مِمَّا وَرَدَ) وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ،.
وَفِيهِ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (وَآلُهُ: أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَقَارِبِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: 49] ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: 50] وَقَدْ يُضَافُ آلُ الشَّخْصِ إلَيْهِ وَيَكُونُ دَاخِلًا فِيهِمْ كَهَذِهِ الْآيَاتِ (وَالصَّوَابُ: عَدَمُ جَوَازِ إبْدَالِهِ أَيْ: آلِ بِأَهْلٍ) لِأَنَّ أَهْلَ الرَّجُلِ أَقَارِبُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ، وَآلُهُ أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ،
فَتَغَايَرَا.
(وَإِذَا أَدْرَكَ) الْمَسْبُوقُ (بَعْضَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، فَجَلَسَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ لَمْ يُزِدْ الْمَأْمُومُ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، بَلْ يُكَرِّرْهُ) أَيْ: التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ حَتَّى يُسَلِّمَ الْإِمَامُ (وَلَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَدْعُو بِشَيْءٍ مِمَّا يُدْعَى بِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَقَّبْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَقْصُرُ سَلَامَهُ.
(فَإِنْ سَلَّمَ إمَامُهُ) قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهُ (قَامَ وَلَمْ يُتِمَّهُ) لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ) بِأَنْ يَكُونَ مَحَلُّ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلَ، فَيُتِمُّهُ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ (وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مُنْفَرِدًا) عَنْهُ (نَصًّا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ لِعُمَرَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى غَيْرِهِ مُنْفَرِدًا، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رَوَاهُ سَعِيدٌ وَاللَّالَكَائِيُّ عَنْهُ قَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ: الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الرَّسُولِ جَائِزَةٌ تَبَعًا لَا مَقْصُودَةً، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَنْصُوصَ أَحْمَدَ.
قَالَ: وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَعَبْدُ الْقَادِرِ، قَالَ: وَإِذَا جَازَتْ جَازَتْ أَحْيَانًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَإِمَّا أَنَّهُ يُتَّخَذُ شِعَارًا لِذِكْرِ بَعْضِ النَّاسِ، أَوْ يُقْصَدُ الصَّلَاةُ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ دُونَ بَعْضٍ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَالسَّلَامُ عَلَى غَيْرِهِ بِاسْمِهِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ.
(وَتُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) فَإِنَّهَا رُكْنٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَكَذَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (بِتَأَكُّدٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56] الْآيَةَ وَالْأَحَادِيثُ بِهَا شَهِيرَةٌ (وَتَتَأَكَّدُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (كَثِيرًا عِنْدَ ذِكْرِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ قِيلَ: بِوُجُوبِهَا إذَنْ، وَتَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ.
(وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا) لِلْخَبَرِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: هِيَ مَشْرُوعَةٌ.
وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ اسْتِقْلَالًا، وَذَكَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَحَبَّةٌ، قَالَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ، فِي حَاشِيَةِ الْفُرُوعِ.
(تَنْبِيهٌ) إنْ قِيلَ إنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَكَيْفَ تَطْلُبُ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُشْبِهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ أَصْلُ الصَّلَاةِ بِأَصْلِهَا، لَا الْقَدْرُ بِالْقَدْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] الْآيَةَ) وَيُحْتَمَلُ أَنَّ
التَّشْبِيهَ وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ، لَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ " وَعَلَى آلِهِ مُتَّصِلًا بِمَا بَعْدَهُ، وَمُقَدَّرًا لَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَالْأَوَّلُ مَقْطُوعٌ عَنْ التَّشْبِيهِ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِمَا نَظَرٌ، وَيُحْتَمَلُ - وَهُوَ أَحْسَنُهَا - أَنَّ الْمُشَبَّهَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ، فَتَقَابَلَتْ الْجُمْلَتَانِ، وَيُقَدَّرُ أَنْ يَكُونَ لِآلِ الرَّسُولِ بِآلِ إبْرَاهِيمَ الَّذِينَ هُمْ الْأَنْبِيَاءُ، وَبِأَنَّ مَا تَوَفَّرَ مِنْ ذَلِكَ حَاصِلٌ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَلَّذِي نَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ آثَارُ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَمَنْ كَانَتْ فِي حَقِّهِ أَكْبَرَ كَانَ أَفْضَلَ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ ذَلِكَ وَيَأْمُرُ بِهِ " وَالْمَحْيَا وَالْمَمَاتُ وَالْحَيَاةُ والْمَوْتُ وَالْمَسِيحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، (وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَتَضَمَّنُ طَاعَةً وَيَعُودُ إلَى أَمْرِ آخِرَتِهِ نَصًّا، وَلَوْ لَمْ يُشْبِهْ مَا وَرَدَ، كَالدُّعَاءِ بِالرِّزْقِ الْحَلَالِ، وَالرَّحْمَةِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ الْفَوَاحِشِ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ «لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ» .
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، فَقَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك، وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ،.
وَعَنْ مُعَاذٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحَسَنِ عِبَادَتِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِك فَصُنْ وَجْهِي عَنْ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِك، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ الثَّوْرَيَّ يَقُولُهُ (مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى مَأْمُومٍ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» (أَوْ يَخَفْ سَهْوًا) إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا وَكَذَا حُكْمُ الدُّعَاءِ (فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَنَحْوِهِمَا) كَالِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِي السُّجُودِ لِلْأَخْبَارِ (وَلَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِغَيْرِ مَا وَرَدَ وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، كَحَوَائِجِ دُنْيَاهُ وَمَلَاذِهَا كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ وَحُلَّةً خَضْرَاءَ وَدَابَّةً هِمْلَاجَةً وَنَحْوَهُ) كَدَارٍ وَاسِعَةٍ (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِالدُّعَاءِ (بِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ.
(وَلَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ) فِي الصَّلَاةِ (لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُنُوتِهِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَمَسْلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ» وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ قَالَ الْمَيْمُونِيُّ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لِابْنِ الشَّافِعِيِّ أَنَا أَدْعُو لِقَوْمٍ مُنْذُ سِنِينَ فِي صَلَاتِي، أَبُوكَ أَحَدُهُمْ (مَا لَمْ يَأْتِ بِكَافِ الْخِطَابِ فَإِنْ أَتَى بِهِ) أَيْ بِكَافِ الْخِطَابِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِخَبَرِ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِبْلِيسَ أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَوْ مُؤَوَّلٍ أَوْ مِنْ خَصَائِصِهِ.
(وَظَاهِرُهُ) (لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ فَلَا تَبْطُلُ) بِهِ فَيَكُونُ مَنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا تَبْطُلُ بِقَوْلِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (لَعَنَهُ اللَّهُ، عِنْدَ ذِكْرِ إبْلِيسَ وَلَا بِتَعْوِيذِ نَفْسِهِ بِقُرْآنٍ لِحُمَّى وَلَا بِحَوْقَلَةٍ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَنَحْوِهِ) كَمَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، لِوَجَعٍ وَوَافَقَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى قَوْلِ بِسْمِ اللَّهِ لِوَجَعِ مَرِيضٍ عِنْدَ قِيَامٍ وَانْحِطَاطٍ (وَيَأْتِي) مُوَضَّحًا.
[فَصْل السَّلَامِ بَعْد التَّشَهُّدِ]
(فَصْل ثُمَّ يُسَلِّمُ وَهُوَ جَالِسٌ) بِلَا نِزَاعٍ فِي الْمُبْدِعِ، وَأَنَّهُ تَحْلِيلُهَا وَهُوَ مِنْهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَلَيْسَ لَهَا تَحْلِيلٌ سِوَاهُ (مُرَتَّبًا مُعَرَّفًا وُجُوبًا) لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ صَحَّتْ، أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ كَذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ خِلَافُهُ وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (مُبْتَدِئًا نَدْبًا عَنْ يَمِينِهِ، قَائِلًا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَلِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (فَقَطْ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ زَادَ وَبَرَكَاتُهُ جَازَ) لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث وَائِلٍ (وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ) كَمَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ (فَإِنْ لَمْ يَقُلْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَمْ يُجْزِئهُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَهُوَ سَلَامٌ فِي صَلَاةٍ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ فَلَمْ يُجْزِئهُ بِدُونِهَا كَالسَّلَامِ فِي التَّشَهُّدِ.
(وَ) يُسَلِّمُ (عَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ) لِمَا تَقَدَّمَ وَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا تَسْلِيمَتَانِ فَعَنْ سَعْدٍ قَالَ «كُنْتُ أَرَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِم (وَالِالْتِفَاتُ سُنَّةٌ) قَالَ أَحْمَد ثَبَتَ عِنْدنَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ «أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» (وَيَكُونُ) الْتِفَاتُهُ (عَنْ يَسَارِهِ أَكْثَرَ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ «كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ» فَيَلْتَفِتُ (بِحَيْثُ يُرَى خَدَّاهُ يَجْهَرُ إمَامٌ بِ) التَّسْلِيمَةِ (الْأُولَى فَقَطْ) لِأَنَّ الْجَهْرَ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ إنَّمَا كَانَ لِلْإِعْلَامِ بِالِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنِ إلَى آخَرَ وَقَدْ حَصَلَ بِالْجَهْرِ بِالْأُولَى (وَيُسِرُّهُمَا) أَيْ التَّسْلِيمَتَيْنِ غَيْرُهُ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ وَالْمَأْمُومُ إلَّا لِحَاجَةٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَيُسْتَحَبّ جَزْمُهُ وَ) هُوَ (عَدَمُ إعْرَابِهِ، فَيَقِفُ عَلَى كُلِّ تَسْلِيمَةٍ) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَزْمِ هُنَا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، أَيْ قَطْعَ إعْرَابَ آخِرِ الْجَلَالَةِ بِحَذْفِ الْجَرِّ مِنْهَا، وَبِحَذْفِ الرَّفْعِ مِنْهَا، وَبِحَذْفِ الرَّفْعِ مَنْ رَاءِ أَكْبَرَ فِي التَّكْبِيرِ (وَحَذْفُهُ) أَيْ السَّلَامَ (سُنَّةٌ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ» وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْهُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ (وَهُوَ) أَيْ حَذْفُ السَّلَامِ (عَدَمُ تَطْوِيلِهِ، وَ) عَدَمِ (مَدِّهِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى النَّاسِ) .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ أَنْ لَا يُطَوِّلَ بِهِ صَوْتَهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُمَدَّ مَدًّا (فَإِنْ نَكَّرَ السَّلَامَ) كَقَوْلِهِ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَوْ عَرَّفَهُ بِغَيْرِ اللَّام، كَسَلَامِي أَوْ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (أَوْ نَكَّسَهُ فَقَالَ) عَلَيْكُمْ سَلَامٌ أَوْ (عَلَيْكُمْ السَّلَامُ، أَوْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ: بِإِسْقَاطِ الْمِيم، أَوْ نَكَّسَهُ فِي التَّشَهُّدِ، فَقَالَ: عَلَيْك السَّلَامُ أَيُّهَا النَّبِيُّ: أَوْ عَلَيْنَا السَّلَامُ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ لَمْ يُجْزِئْهُ) لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَمَنْ تَعَمَّدَ قَوْلًا مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي قُلْنَا إنَّهَا لَا تُجْزِئُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ السَّلَامَ الْوَارِدَ، وَيُخِلُّ بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
(وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ: الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ اسْتِحْبَابًا) لِتَكُونَ النِّيَّةُ شَامِلَةً لِطَرَفَيْ الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ جَازَ، لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ قَدْ شَمِلَتْ جَمِيعَهَا وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَتِهَا كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (فَإِنْ نَوَى مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ السَّلَامَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ (الْحَفَظَةِ وَالْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ جَازَ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ قَالَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ (وَلَمْ يَسْتَحِبَّ) ذَلِكَ (نَصًّا، وَكَذَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ) أَيْ السَّلَامَ عَلَى الْحَفَظَةِ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (دُون الْخُرُوجِ) مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ، خِلَافًا لِابْنِ حَامِدٍ.
(وَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ) كَمَغْرِبٍ وَرُبَاعِيَّةٍ (نَهَضَ مُكَبِّرًا كَنُهُوضِهِ مِنْ السُّجُودِ) قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ (إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) حَكَاهُ بَعْضُهُمْ وِفَاقًا، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَعَنْهُ يَرْفَعْهُمَا اخْتَارَهَا الْمَجْدُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ اهـ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، وَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ (وَأَتَى بِمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ كَمَا سَبَقَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (إلَّا أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) قَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَكَتَبَ عُمَر إلَى شُرَيْحٍ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ» ، وَيُسْتَثْنَى الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْخَوْف إذَا قُلْنَا: يَنْتَظِرُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، فَيَقْرَأُ سُورَةً مَعَهَا (فَإِنْ قَرَأَ) شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي ذَلِكَ (أُبِيحَ وَلَمْ يُكْرَهْ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
(ثُمَّ يَجْلِس فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي مِنْ ثُلَاثِيَّةٍ فَأَكْثَر مُتَوَرِّكًا) لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فَإِنَّهُ وَصَفَ جُلُوسَهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مُفْتَرِشًا.
وَفِي الثَّانِي مُتَوَرِّكًا، وَهَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَزِيَادَة يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، وَالْمَصِيرُ إلَيْهَا، وَحِينَئِذٍ لَا يُسَنَّ التَّوَرُّكُ إلَّا فِي صَلَاةٍ فِيهَا تَشَهُّدَانِ أَصْلِيَّانِ فِي الْأَخِيرِ مِنْهُمَا، وَصِفَتِهِ كَمَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْهُ (يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ «فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إلَى الْأَرْضِ وَأَخْرَجَ قَدَمَهُ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظِهِ «جَلَسَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَنَصَبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى» وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي وَالسَّامِرِيُّ أَنَّهُ يَجْعَلُ بَاطِنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَأَيَّهمَا فَعَلَ فَحَسَنٌ.
(وَيَأْتِي بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرَتَّبًا وُجُوبًا) فَلَا يُجْزِئُ إنْ قَدَّمَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، لِإِخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ (ثُمَّ) يَأْتِي (بِالدُّعَاءِ) أَيْ التَّعَوُّذِ مِمَّا تَقَدَّمَ لِمَا سَبَقَ (ثُمَّ يُسَلِّمُ كَمَا سَبَقَ) لِمَا مَرَّ (وَإِنْ سَجَدَ لِسَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ) وَلَوْ كَانَ مَحَلُّهُ قَبْلَهُ فَأَخَّرَهُ (فِي ثُلَاثِيَّةٍ فَأَكْثَرَ تَوَرَّكَ فِي تَشَهُّدِ سُجُودِهِ) لِأَنَّ تَشَهُّدَهَا يُتَوَرَّكُ فِيهِ، وَهَذَا تَابِعٌ لَهُ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَ) إنْ سَجَدَ لِسَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ (فِي) صَلَاةٍ (ثُنَائِيَّةٍ) كَصُبْحٍ وَجُمُعَةٍ (وَ) فِي رَكْعَةِ (وَتَرٍ يَفْتَرِشُ)
لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِجُلُوسٍ التَّشَهُّدِ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ لِشُمُولِ الْخِطَابِ لَهَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (إلَّا أَنَّهَا تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَجَمِيعِ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَالَ مَرَّةً عَلَى امْرَأَتَيْنِ تُصَلِّيَانِ فَقَالَ إذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إلَى بَعْضٍ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ وَلِأَنَّهَا عَوْرَةٌ فَكَانَ الْأَلْيَقُ بِهَا الِانْضِمَامَ.
(وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً) لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يَتَرَبَّعْنَ فِي الصَّلَاةِ (أَوْ تَسْدُلُ رِجْلَيْهَا عَنْ يَمِينِهَا، وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ التَّرَبُّعِ، لِأَنَّهُ غَالِبُ فِعْلِ عَائِشَةَ وَأَشْبَه بِجِلْسَةِ الرَّجُلِ (كَرَفْعِ يَدَيْهَا) أَيْ أَنَّهُ أَفْضَلُ لَهَا فِي مَوَاضِعِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَخُنْثَى كَامْرَأَةٍ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا تُسِرُّ إنْ سَمِعَهَا أَجْنَبِيٌّ.
(وَيَنْحَرِفُ الْإِمَامُ إلَى الْمَأْمُومِ جِهَةِ قَصْدِهِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا جِهَةً (ف) يَنْحَرِفُ (عَنْ يَمِينِهِ) إكْرَامًا لِلْيَمِينِ (قَبْلَ يَسَارِهِ فِي انْحِرَافهِ) إلَى الْمَأْمُومِينَ (الْقِبْلَة) .
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُطِيلَ الْجُلُوسَ بَعْدَ السَّلَامِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِم.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ لَا يَنْصَرِفَ الْمَأْمُومُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي إمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ» رَوَاهُ مُسْلِم (إلَّا أَنْ يُطِيلَ) الْإِمَامُ (الْجُلُوسَ) فَيَنْصَرِفُ الْمَأْمُومُ لِإِعْرَاضِهِ عَنْ السُّنَّةِ.
(فَإِنْ كَانَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ) مَأْمُومِينَ بِهِ (اُسْتُحِبَّ لَهُنَّ) أَيْ لِلنِّسَاءِ (أَنْ يَقُمْنَ عَقِبَ سَلَامِهِ) وَيَنْصَرِفْنَ، لِأَنَّهُنَّ عَوْرَةٌ فَلَا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ (وَ) اُسْتُحِبَّ (أَنْ يَثْبُتَ الرِّجَالُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُونَ مَنْ انْصَرَفَ مِنْهُنَّ) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَهُوَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ قَالَتْ: نَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ الرِّجَالُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (آخِرَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.
[فَصْل يُسَنُّ ذِكْرُ اللَّهِ وَالدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ عَقِبَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ]
ِ (كَمَا وَرَدَ) فِي الْأَخْبَارِ عَلَى مَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ مُفَصَّلًا قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي الشَّرْحِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمَا أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَاعِدٌ وَلَوْ قَالَهُ بَعْد قِيَامِهِ وَفِي ذَهَابهِ فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مُصِيبٌ لِلسُّنَّةِ أَيْضًا، إذْ لَا تَحْجِيرَ فِي ذَلِكَ.
وَلَوْ شُغِلَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَذَكَّرَهُ فَذَكَرَهُ، فَالظَّاهِرُ حُصُولُ أَجْرِهِ الْخَاصِّ لَهُ أَيْضًا إذَا كَانَ قَرِيبًا لِعُذْرٍ، أَمَّا لَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ فَالظَّاهِرُ فَوَاتُ أَجْرِهِ الْخَاصِّ، وَبَقَاءِ أَجْرِ الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ لَهُ (فَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلَاثًا اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) لِمَا رَوَى ثَوْبَانُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا سَلَّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمِمَّا وَرَدَ مِنْ الذِّكْرِ: مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةِ حِينَ يُسَلِّمُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ مُسْلِم.
وَعَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ: فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةِ مَكْتُوبَةٍ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيُسَبِّحُ وَيُحَمِّدُ وَيُكَبِّرُ، كُلَّ وَاحِدَةٍ) مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «تُسَبِّحُونَ وَتُحَمِّدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» .
(وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُنَّ) أَيْ مِنْ عَدَدِ الْكُلِّ (مَعًا) لِقَوْلِ أَبِي صَالِحٍ رَاوِي الْحَدِيثِ - «تَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَمَامُ الْمِائَةِ - لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَعْقِدُهُ»
أَيْ يَعْقِدُ الْعَدَدَ الْمُتَقَدِّمَ بِيَدِهِ (وَ) يَعْقِدُ (الِاسْتِغْفَارَ بِيَدِهِ، أَيْ يَضْبِطُ عَدَدَهُ بِأَصَابِعِهِ كَمَا يَأْتِي) لِحَدِيثِ بُسْرَةَ مَرْفُوعًا «وَاعْقِدْهُ بِالْأَنَامِلِ، فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ عَقِبَ) كُلِّ (صَلَاةٍ انْتَهَى) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ، إذَا سَمِعْتُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ «كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّكْبِيرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِذَلِكَ وَحَكَى ابْنُ بَطَّةَ عَنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ خِلَافَهُ، وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا مُخْتَلِفٌ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ الْجَهْرُ لِقَصْدِ التَّعْلِيمِ فَقَطْ ثُمَّ يَتْرُكُهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْعَدَدِ: أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنْهُ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا تَضُرُّ شَيْئًا لَا سِيَّمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِأَنَّ الذِّكْرَ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ يُشْبِهُ الْمُقَدَّرَ فِي الزَّكَاةِ، إذَا زَادَ عَلَيْهِ.
(وَ) يَقُولُ (بَعْدَ كُلِّ مِنْ) صَلَاتِي (الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ، قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، عَشْرَ مَرَّاتٍ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لِخَبَرِ أَحْمَدَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا وَلِهَذَا مُنَاسَبَةٌ وَيَكُونُ الشَّارِعُ شَرَعَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، لِيَحْتَرِس بِهِ عَنْ الشَّيْطَانِ فِيهِمَا وَالْخَبَرُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالنَّسَائِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَغْرِبَ فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْفَجْرِ فَقَطْ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَشَهْرٌ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ جِدًّا اهـ وَيَقُولُ أَيْضًا، وَهُوَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ: (اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ) . لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِيهِ - وَقِيلَ الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِيهِ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسَرَّ إلَيْهِ فَقَالَ: إذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ «قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا فَإِنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتّ فِي لَيْلَتِكَ كَتَبَ اللَّهُ لَكَ جِوَارًا مِنْهَا وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ فَإِنَّكَ إنْ قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتَّ مِنْ يَوْمِكَ كَتَبَ اللَّهُ لَك جِوَارًا مِنْهَا قَالَ الْحَارِثُ أَسَرَّ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نَخُصُّ بِهَا إخْوَانَنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ تَفَرَّدَ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَلِهَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يُعْرَفُ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِي لَفْظِهِ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ.
(وَ) يَقْرَأُ (بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالْإِخْلَاصِ) لِخَبَرِ أَبِي أُمَامَةَ «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إلَّا الْمَوْتُ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَكَذَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَارَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا
وَيَقْرَأُ (الْمُعَوِّذَتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «أَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقْرَأَ الْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» لَهُ طُرُقٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَفِي هَذَا سِرٌّ عَظِيمٌ فِي دَفْعِ الشَّرِّ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الصَّلَاةِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَيَدْعُو) الْإِمَامُ (بَعْدَ فَجْرٍ وَعَصْرٍ، لِحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ) أَيْ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (فِيهِمَا فَيُؤَمِّنُونَ) عَلَى الدُّعَاءِ فَيَكُونُ أَقْرَبَ لِلْإِجَابَةِ (وَكَذَا) يَدْعُو بَعْدَ (غَيْرِهِمَا مِنْ الصَّلَوَاتِ) لِأَنَّ مِنْ أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ: أَدْبَارَ الْمَكْتُوبَاتِ (وَيَبْدَأُ) الدُّعَاءَ (بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (وَيَخْتِمُ) دُعَاءَهُ (بِهِ) أَيْ بِالْحَمْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10] (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) . قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَوَسَطَهُ، لِخَبَرِ جَابِرٍ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ فَإِنَّ الرَّاكِبَ يَمْلَأُ قَدَحَهُ ثُمَّ يَضَعُهُ، وَيَرْفَعُ مَتَاعَهُ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَرَابٍ شَرِبَ أَوْ الْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَإِلَّا أَهْرَاقَهُ، وَلَكِنْ اجْعَلُونِي فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ، وَأَوْسَطِهِ وَآخِرهِ» .
(وَيَسْتَقْبِلُ) الدَّاعِي (غَيْر إمَامٍ هُنَا الْقِبْلَةَ) لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ: مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ.
(وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ) اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ (بَلْ يَسْتَقْبِلُ) الْإِمَامُ (الْمَأْمُومِينَ) لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ يَنْحَرِفُ إلَيْهِمْ إذَا سَلَّمَ.
(وَيُلِحُّ) الدَّاعِي فِي الدُّعَاءِ لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» (وَيُكَرِّرُهُ) أَيْ الدُّعَاءُ (ثَلَاثًا) لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْإِلْحَاحِ (وَ) الدُّعَاءُ (سِرًّا أَفْضَلُ) مِنْهُ جَهْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ (وَيَعُمُّ بِهِ) أَيْ بِالدُّعَاءِ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ يَا عَلِيُّ عَمِّمْ» الْحَدِيثَ.
(وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ: بَسْطُ يَدَيْهِ وَرَفْعُهُمَا إلَى صَدْرِهِ) لِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ مَرْفُوعًا «إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَتَكُونُ يَدَاهُ مَضْمُومَتَيْنِ، لِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَعَا ضَمَّ كَفَّيْهِ وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ» وَضَعَّفَهُ فِي الْمَوَاهِبِ وَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا، وَيُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ حَاجَتِهِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
(وَيَدْعُو بِدُعَاءٍ مَعْهُودٍ) أَيْ مَأْثُورٍ، إمَّا مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ عَنْ الصَّحَابَةِ أَوْ