كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 555-37
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أَيْ: السُّفْلَى (وَجَبَ أَرْشُهَا) أَيْ السُّفْلَى (بِدَفْعِهِ إلَيْهِ لِيَدْفَعَهُ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) بِقَطْعِ أُنْمُلَتِهِ السُّفْلَى (وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا) ثُمَّ قَطَعَ أُنْمُلَتَيْ آخَرَ الْعُلْيَا وَالْوُسْطَى مِنْ تِلْكَ الْأُصْبُعِ، فَلِلْأَوَّلِ قَطْعُ الْعُلْيَا لِسَبْقِهِ (ثُمَّ يَقْطَعُ الثَّانِي الْوُسْطَى) لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهَا (وَيَأْخُذُ أَرْشَ الْعُلْيَا مِنْ الْجَانِي) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ بِفَوَاتِهَا كَمَا لَوْ سَقَطَتْ بِتَآكُلٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَإِنْ بَادَرَ الثَّانِي فَقَطَعَ الْأُنْمُلَتَيْنِ فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ) لِأَنَّهُ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ فِيهِمَا وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْأَوَّلُ التَّقْدِيمَ لِسَبْقِهِ (وَلِلْأَوَّلِ الْأَرْشُ) أَيْ دِيَةُ الْأُنْمُلَةِ (عَلَى الْجَانَّيْ) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ فِيهَا.
(وَإِنْ كَانَ قَطَعَ الْأُنْمُلَتَيْنِ أَوَّلًا قُدِّمَ صَاحِبُهُمَا فِي الْقِصَاصِ) لِسَبْقِهِ (وَلِصَاحِبِ الْعُلْيَا أَرْشُهَا) لِفَوَاتِ الْقِصَاصِ (فَإِنْ بَادَرَ صَاحِبُهَا) أَيْ الْعُلْيَا (فَقَطَعَهَا فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ثُمَّ تُقْطَعُ الْوُسْطَى لِلْأَوَّلِ وَيَأْخُذُ) الْأَوَّلُ أَرْشَ الْعُلْيَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاطِعِ أُنْمُلَةٌ) عُلْيَا نَظِيرَتُهَا (فَاسْتَوْفَى) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ (الْجَانِي مِنْ الْوُسْطَى، فَإِنْ عَفَا) صَاحِبُ الْوُسْطَى (إلَى الدِّيَةِ تَقَاصَّا وَتَسَاقَطَا) لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ مِثْلُ مَا وَجَبَ لَهُ (وَإِنْ اخْتَارَ الْجَانِي) الْقِصَاصَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْوُسْطَى (فَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ الْقِصَاصُ (وَيَدْفَعُ أَرْشَ الْعُلْيَا) أَيْ دِيَتَهَا قَالَ فِي الشَّرْحِ: يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِأَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، وَاسْمُ الْأُنْمُلَةِ يَشْمَلُهُمَا فَتَسَاقَطَا كَقَوْلِهِ فِي إحْدَى الْيَدَيْنِ بَدَلًا عَنْ الْأُخْرَى.

(وَلَا تُؤْخَذُ أَصْلِيَّةٌ بِزَائِدَةٍ) لِأَنَّ الزَّائِدَةَ دُونَهَا (وَلَا زَائِدَةٌ بِأَصْلِيَّةٍ) لِأَنَّهَا لَا تُمَاثِلُهَا (وَيُؤْخَذُ زَائِدٌ بِمِثْلِهِ مَوْضِعًا وَخِلْقَةً وَلَوْ تَفَاوَتَا قَدْرًا) كَالْأَصْلِيِّ بِالْأَصْلِيِّ إذَا اتَّفَقَا فِي الْمَوْضِعِ وَالْخِلْقَةِ وَاخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الزَّائِدَانِ (فِي غَيْرِ الْقَدْرِ) بِأَنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَوْضِعِ أَوْ الْخِلْقَةِ (لَمْ يُؤْخَذْ) أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ (وَلَوْ بِتَرَاضِيهِمَا) لِمَا يَأْتِي (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَانِي زَائِدًا يُؤْخَذُ) بِمَا جَنَى عَلَيْهِ (فَحُكُومَةٌ) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ (وَتُؤْخَذُ) يَدٌ أَوْ رِجْلٌ (كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ) بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ (زَائِدَةٍ إصْبَعًا) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَيْبٌ وَنَقْصٌ فِي الْمَعْنَى فَلَمْ يَمْنَع وُجُودَهَا الْقِصَاصُ كَالسِّلْعَةِ.
(وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَخْذِ الْأَصْلِيَّةِ بِالزَّائِدَةِ، أَوْ) عَلَى (عَكْسِهِ) كَأَخْذِ الزَّائِدَةِ بِالْأَصْلِيَّةِ (أَوْ تَرَاضَيَا) عَلَى أَخْذِ (خِنْصَرٍ بِبِنْصِرٍ، أَوْ) عَلَى (أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (بِمَا يُخَالِفُهُ) فِي الِاسْمِ أَوْ الْمَوْضِعِ (لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الدِّمَاءَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَالْبَدَلِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ قَتْلُ نَفْسِهِ وَلَا قَطْعُ طَرَفِهِ، وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ) ذَلِكَ (بِبَذْلِهِ) أَيْ بِإِبَاحَتِهِ لَهُ لِحَقِّ (اللَّهِ تَعَالَى) فَإِنْ فَعَلَا (فَقَطَعَ يَسَارَ جَانٍ مَنْ لَهُ قَوَدٌ فِي يَمِينِهِ) بِتَرَاضِيهِمَا (أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ قَطَعَ يَمِينَ جَانٍ مَنْ لَهُ قَوَدُ يَسَارِهِ (بِتَرَاضِيهِمَا) أَجْزَأَتْ

وَسَقَطَ الْقَوَدُ لِأَنَّ الْقَوَدَ سَقَطَ فِي الْأُولَى بِإِسْقَاطِ صَاحِبِهَا.
وَفِي الثَّانِيَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا فِي قَطْعِهَا وَدِيَتُهَا مُسَاوِيَةٌ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ (أَوْ قَطَعَهَا) أَيْ الْيَسَارَ مَنْ لَهُ قَوَدُ الْيَمِينِ أَوْ بِالْعَكْسِ (تَعَدِّيًا) أَجْزَأَتْ وَلَا قَوَدَ لِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ فِي الدِّيَةِ وَالْأَلَمِ وَالِاسْمِ فَتَسَاقَطَا، وَلِأَنَّ إيجَابَ الْقَوَدِ يُفْضِي إلَى قَطْعِ يَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِذْهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَكُلٌّ مِنْ الْقَطْعَيْنِ مَضْمُونٌ بِسَرَايَتِهِ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ (أَوْ) قَطَعَ خِنْصَرًا (بِبِنْصِرٍ) أَجْزَأَتْ وَلَا ضَمَانَ لِمَا سَبَقَ.

(أَوْ قَالَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي (أَخْرِجْ يَمِينَكَ فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ عَمْدًا أَوْ غَلَطًا أَوْ ظَنًّا أَنَّهَا تُجْزِئُ فَقَطَعَهَا أَجْزَأَتْ عَلَى كُلِّ حَالٍ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَلَمْ يَبْقَ قَوَدٌ وَلَا ضَمَانٌ كَقَطْعِ يَسَارِ السَّارِقِ بَدَلَ يَمِينِهِ (حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (مَجْنُونًا لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّعَدِّي) بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ وَهُوَ سَاكِتٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْبَذْلُ وَقَدْ أَشَرْتُ فِي الْحَاشِيَةِ إلَى مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُنْتَهَى بِمَا يُغْنِي عَنْ الْإِعَادَةِ.

[فَصْلٌ الثَّالِثُ اسْتِوَاؤُهُمَا أَيْ الطَّرَفَانِ فِي الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ]

(فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّالِثُ) اسْتِوَاؤُهُمَا أَيْ الطَّرَفَانِ (فِي الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ) لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ (فَلَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ) مِنْ يَدٍ أَوْ غَيْرُهَا (بِشَلَّاءَ) لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيمَا سِوَى الْجَمَالِ فَلَا يُؤْخَذُ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ (وَلَا) تُؤْخَذُ (كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (بِنَاقِصَةِ) الْأَصَابِعِ.

فَلَوْ قَطَعَ مَنْ لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ يَدَ مَنْ لَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْقِصَاصُ لِأَنَّهَا فَوْقَ حَقِّهِ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ أَصَابِعِ الْجَانِي بِعَدَدِ أَصَابِعِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَلَا) تُؤْخَذُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ ذَاتُ أَظْفَارٍ (بِمَا لَا أَظْفَارَ لَهَا) لِزِيَادَتِهَا عَلَى حَقِّهِ (وَلَا بِنَاقِصَةِ الْأَظْفَارِ، رَضِيَ الْجَانِي) بِذَلِكَ (أَوْ لَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الدِّمَاءَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ (فَلَوْ قَطَعَ مَنْ لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ يَدَ مَنْ لَهُ أَرْبَعُ) أَصَابِعَ فَأَقَلَّ (أَوْ قَطَعَ مَنْ لَهُ أَرْبَعُ) أَصَابِعَ (يَدَ مَنْ لَهُ ثَلَاثُ) أَصَابِعَ فَأَقَلَّ، فَلَا قِصَاصَ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ (أَوْ قَطَعَ ذُو الْيَدِ الْكَامِلَةِ يَدًا فِيهَا إصْبَعٌ شَلَّاءُ فَلَا قِصَاصَ) لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ.

(وَإِنْ كَانَتْ الْمَقْطُوعَةُ) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ ذَاتِ أَظْفَارٍ إلَّا أَنَّهَا أَيْ الْأَظْفَارَ (خَضْرَاءُ أَوْ مُسْتَحْشِفَةٌ) أَيْ رَدِيئَةٌ (أُخِذَتْ بِهَا السَّلِيمَةُ) كَمَا يُؤْخَذُ الصَّحِيحُ بِالْمَرِيضِ، (وَلَا يُؤْخَذُ لِسَانُ نَاطِقٍ) بِلِسَانِ أَخْرَسَ لِنَقْصِهِ.

(وَلَا) يُؤْخَذُ ذَكَرٌ صَحِيحٌ بِأَشَلَّ، (وَلَا ذَكَرُ فَحْلٍ بِذَكَرِ خَصِيٍّ أَوْ عِنِّينٍ) لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِمَا، لِأَنَّ الْخَصِيَّ لَا يُولَدُ لَهُ، وَلَا يُنْزِلُ وَلَا يَكَادُ الْعِنِّينُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْوَطْءِ فَهُمَا كَالْأَشَلِّ.

(وَيُؤْخَذُ مَارِنُ الْأَشَمِّ الصَّحِيحِ بِمَارِنِ الْأَخْشَمِ) الَّذِي لَا يَجِدُ رَائِحَةَ شَيْءٍ، لِعَدَمِ الشَّمِّ لِعِلَّةٍ فِي الدِّمَاغِ وَنَفْسُ الْأَنْفِ صَحِيحٌ فَوَجَبَ أَخْذُ الْأَخْشَمِ بِهِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
(وَ) يُؤْخَذُ مَارِنُ الصَّحِيحِ بِ (الْمَجْذُومِ وَهُوَ الْمَقْطُوعُ وَتَرُ أَنْفِهِ، وَ) بِ (الْمُسْتَحْشَفِ وَهُوَ الرَّدِيءُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ وَلِأَنَّهُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الصَّحِيحِ.

(وَتُؤْخَذَ أُذُنُ سَمِيعٍ صَحِيحَةٌ بِأُذُنِ أَصَمَّ شَلَّاءَ) لِأَنَّ الْعُضْوَ صَحِيحٌ وَمَقْصُودُهُ الْجَمَالُ لَا السَّمْعُ، وَذَهَابُ السَّمْعِ لِنَقْصٍ فِي الرَّأْسِ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ وَلَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْأُذُنِ (وَيُؤْخَذُ مَعِيبٌ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (كُلِّهِ بِصَحِيحٍ) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِدُونِ حَقِّهِ كَمَا رَضِيَ الْمُسْلِمُ بِالْقَوَدِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْحُرُّ مِنْ الْعَبْدِ.
(وَ) يُؤْخَذُ مَعِيبٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (بِمِثْلِهِ) لِحُصُولِ الْمُسَاوَاةِ (فَتُؤْخَذُ الشَّلَّاءُ) مِنْ يَدٍ أَوْ نَحْوِهَا (بِالشَّلَّاءِ إذَا أُمِنَ مِنْ قَطْعِ الشَّلَّاءِ التَّلَفُ) بِأَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الْخِبْرَةِ فَإِنْ قَالُوا إنَّهَا إذَا قُطِعَتْ لَمْ تَفْسُدْ الْعُرُوقُ وَلَمْ يَدْخُلْ الْهَوَاءُ، أُجِيبَ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ قَالُوا: يَدْخُلُ الْهَوَاءُ فِي الْبَدَنِ فَيَفْسُدُ سَقَطَ الْقِصَاصُ.
(وَتُؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بِالنَّاقِصَةِ إذَا تَسَاوَتَا فِيهِ) أَيْ فِي النَّقْصِ (بِأَنْ يَكُونَ الْمَقْطُوعُ مِنْ يَدِ الْجَانِي كَالْمَقْطُوعِ مِنْ يَدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) لِحُصُولِ الْمُمَاثَلَةِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) فِي النَّقْصِ (فَكَانَ الْمَقْطُوعُ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا الْإِبْهَامَ، وَالْمَقْطُوعُ مِنْ الْأُخْرَى أُصْبُعٌ غَيْرُهَا) كَالسَّبَّابَةِ (لَمْ يَجُزْ الْقِصَاصُ) لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ (وَلَا يَجِبُ لَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (إذَا أُخِذَ الْمَعِيبُ بِالصَّحِيحِ وَ) أُخِذَ (النَّاقِصُ بِالزَّائِدِ مَعَ ذَلِكَ) الْأَخْذِ أَرْشٌ لِأَنَّ الْأَشَلَّ كَالصَّحِيحِ فِي الْخِلْقَةِ وَإِنَّمَا نَقَصَ فِي الصِّفَةِ وَلِأَنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ لَا يُوجِبُ مَالًا وَقَوَدًا (وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْجَانِي وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ (فِي شَلَلِ الْعُضْوِ وَصِحَّتِهِ) بِأَنْ قَالَ الْجَانِي كَانَ أَشَلَّ وَأَنْكَرَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ مَعَ يَمِينِهِ) وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي نَقْصِ الْعُضْوِ بِغَيْرِ شَلَلٍ لِأَنَّ الظَّاهِرَ السَّلَامَةُ (وَظُفْرٌ كَسِنٍّ فِي انْقِلَاعٍ وَ) فِي عَوْدٍ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
(وَإِنْ قَطَعَ الْجَانِي بَعْضَ لِسَانٍ أَوْ) بَعْضَ (شَفَةٍ أَوْ بَعْضَ حَشَفَةٍ أَوْ) بَعْضَ (ذَكَرٍ أَوْ) بَعْضَ (أُذُنٍ قُدِّرَ بِالْأَجْزَاءِ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَرُبُعٍ وَأُخِذَ مِنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] وَلِأَنَّهُ يُؤْخَذُ جَمِيعُهُ بِجَمِيعِهِ فَأُخِذَ بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ وَ (لَا) يُؤْخَذُ (بِالْمِسَاحَةِ) لِئَلَّا يُفْضِي إلَى أَخْذِ جَمِيعِ عُضْوِ الْجَانِي بِبَعْضِ عُضْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ الْقِصَاص فِي الْجِرَاحُ]

(فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي الْجِرَاحُ) لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ (فَيُقْتَصُّ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ كَالْمُوضِحَةِ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَجُرْحِ الْعَضُدِ وَالسَّاعِدِ وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالْقَدَمِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ لِانْتِهَائِهِ إلَى عَظْمٍ أَشْبَهَ قَطْعَ الْكَفِّ مِنْ الْكُوعِ وَلِأَنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ سَقَطَ حُكْمُ الْآيَةِ.

(وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِالسَّيْفِ) فَوْقَ التَّعَدِّي (وَلَا) يُسْتَوْفَى (بِآلَةٍ يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ) لِأَنَّهَا عُدْوَانٌ وَسَوَاءٌ كَانَ الْجُرْحُ بِهَا أَيْ بِالْآلَةِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ (أَوْ بِغَيْرِهَا) لِحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مُوضِحَةً أَوْ مَا أَشْبَهَهَا فَ) إنَّهُ يُسْتَوْفَى (بِالْمُوسَى أَوْ حَدِيدَةٍ مَاضِيَةٍ مُعَدَّةٍ) لِذَلِكَ لَا يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ.
(وَلَا يَسْتَوْفِي) ذَلِكَ (إلَّا مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ كَالْجَرَائِحِ وَمَنْ أَشْبَهَهُ) مِمَّنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِذَلِكَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ عِلْمٌ بِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالِاسْتِنَابَةِ) لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ كَالنَّفْسِ (وَلَا يُقْتَصُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ فِي غَيِّرْ جُرْحٌ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ (مِنْ الشِّجَاجِ وَالْجُرْحُ كَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ) كَالْبَاضِعَةِ (أَوْ أَعْظَمَ مِنْهَا) أَيْ الْمُوضِحَةِ (كَالْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْمَأْمُومَةِ) وَأُمِّ الدِّمَاغِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ (وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِيهِنَّ) أَيْ فِي الْهَاشِمَةِ وَمَا بَعْدَهَا مُوضِحَةٌ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ وَيَقْتَصُّ مِنْ مَحِلِّ جِنَايَتِهِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا وَضَعَ السِّكِّينَ فِي مَوْضِعٍ وَضَعَهَا الْجَانِي فِيهِ، لِأَنَّ سِكِّينَ الْجَانِي وَصَلَتْ إلَى الْعَظْمِ ثُمَّ تَجَاوَزَتْهُ، بِخِلَافِ قَاطَعِ السَّاعِدِ فَإِنَّهُ لَا يَضَعُ سَكِينَهُ فِي الْكُوعِ.
(وَيَجْبُ لَهُ) إذَا اقْتَصَّ مُوضِحَةٌ وَالْجِنَايَةُ فَوْقَهَا (مَا بَيْنَ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ وَدِيَةِ تِلْكَ الشَّجَّةِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ فِيهِ الْقِصَاصُ فَوَجَبَ الْأَرْشُ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ فِي جَمِيعِهَا وَفَارَقَ الزِّيَادَةَ ثَمَّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَلَيْسَتْ مُتَمَيِّزَةً بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا (فَيَأْخُذُ فِي الْهَاشِمَةِ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ) لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنهَا وَبَيْنَ الْمُوضِحَةِ.
(وَ) يَأْخُذُ (فِي الْمُنَقِّلَةِ عَشْرًا) مِنْ الْإِبِلِ، لِأَنَّهُ مَا بَيْنَ الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ (وَفِي الْمَأْمُومَةِ) وَأُمِّ الدِّمَاغِ (ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرِينَ) بَعِيرًا (وَثُلُثًا) مِنْ بَعِيرٍ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ فَإِذَا سَقَطَ مِنْهَا دِيَةُ مُوضِحَةٍ خُمْسٌ بَقِيَ ذَلِكَ (وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْجُرْحِ بِالْمِسَاحَةِ دُونَ كَثَافَةِ اللَّحْمِ) لِأَنَّ حَدَّهُ أَعْظَمُ وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي قِلَّةِ اللَّحْمِ وَكَثْرَتِهِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ.

(فَلَوْ أَوْضَحَ) الشَّاجُّ (إنْسَانًا فِي بَعْضِ رَأْسِهِ) وَ (مِقْدَارُ ذَلِكَ الْبَعْضِ جَمِيعُ رَأْسِ الشَّاجِّ وَزِيَادَةٌ كَانَ لَهُ) أَيْ الْمَشْجُوجِ (أَنْ يُوضِحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ) لِتَحْصُلَ الْمُمَاثَلَةُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلِأَنَّ الْجَمِيعَ رَأْسٌ (وَلَا أَرْشَ لَهُ) أَيْ لِلْمَشْجُوجِ (لِلزَّائِدِ) لِئَلَّا يَجْتَمِعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ.

(وَإِنْ أَوْضَحَ) الْجَانِي (كُلَّ الرَّأْسِ وَرَأْسُ الْجَانِي أَكْبَرُ) مِنْ رَأْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (فَلَهُ قَدْرُ شَجَّتِهِ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ الْمُقْتَصُّ) لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ وَ (لَا) يُسْتَوْفَى مِنْ جَانِبَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّهُ يَأْخُذُ (مُوضِحَتَيْنِ بِمُوضِحَةٍ) وَذَلِكَ حَيْفٌ.

(وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَكْبَرَ فَأَوْضَحَهُ الْجَانِي فِي مُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ مُوضِحَتَيْنِ قَدْرُهُمَا قَدْرُ جَمِيعِ رَأْسِ الْجَانِي فَلَهُ) أَيْ الْمُقْتَصِّ (الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُوضِحَهُ مُوضِحَةً وَاحِدَةً فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ) لِأَنَّ الْجَمِيعَ رَأْسٌ (أَوْ يُوضِحَهُ مُوضِحَتَيْنِ يَقْتَصُّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ مُوضِحَتِهِ) لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الزَّائِدِ لَهُ وَقَدْ تَرَكَهُ (وَلَا أَرْشَ) لِلْمُقْتَصِّ (لِذَلِكَ) الْمَتْرُوكِ، لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِيفَاءَ مَعَ إمْكَانِهِ (وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَّةُ بِقَدْرِ بَعْضِ الرَّأْسِ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (لَمْ يَعْدِلْ عَنْ جَانِبِهَا إلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَا وَجَبَ لَهُ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ (وَإِذَا أَرَادَ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ مُوضِحَةٍ وَشِبْهِهَا) مِنْ الْجُرُوحِ الْمَنْهِيَّةِ إلَى الْعَظْمِ (فَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْضِعهَا شَعْرٌ أَزَالَهُ) بِحَلْقٍ أَوْ غَيْرِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ (وَيَعْمِدُ إلَى مَوْضِعِ الشَّجَّةِ مِنْ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ، فَعَلِمَ طُولَهَا وَعَرْضَهَا بِخَشَبَةٍ أَوْ خَيْطٍ) فَعَلِمَ حَتَّى يَقْتَصَّ مِنْ الْجَانِي مِثْلَهُ (ثُمَّ يَضَعُهَا) أَيْ الْخَشَبَةَ أَوْ نَحْوَهَا عَلَى رَأْسِ الشَّاجِّ (وَيَعْلَمُ طَرَفَيْهِ) أَيْ الْمَوْضِعِ عَلَى رَأْسِ الْجَانِي أَوْ غَيْرِهِ مِنْ خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا (بِسَوَادٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ حَدِيدَةً عَرْضُهَا كَعَرْضِ الشَّجَّةِ فَيَضَعُهَا فِي أَوَّلِ الشَّجَّةِ وَيَجُرُّهَا إلَى آخِرِهَا فَيَأْخُذُ مِثْلَ الشَّجَّةِ طُولًا وَعَرْضًا) لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ (وَلَا يُرَاعِي الْعُمْقُ) لِأَنَّ حَدَّهُ الْعَظْمُ وَلَوْ رُوعِيَ لَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي قِلَّةِ اللَّحْمِ وَكَثْرَتِهِ كَمَا سَبَقَ.

[فَصْلٌ وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ فِي جُرْحٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ]

(فَصْلٌ وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ فِي جُرْحٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ) حَتَّى وَلَوْ فِي مُوضِحَةٍ أَوْ تَسَاوَتْ أَفْعَالُهُمْ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ فِعْلُ أَحَدِهِمْ عَنْ فِعْلِ الْآخَرِ مِثْلُ أَنْ

يَضَعُوا حَدِيدَةً عَلَى يَدِهِ وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْهَا جَمِيعًا حَتَّى تَبِينَ أَيْ تَنْفَصِلَ الْيَدُ (أَوْ يَشْهَدُوا بِمَا يُوجِبُ قَطْعَهُ) كَسَرِقَةٍ (فَيُقْطَعُ ثُمَّ يَرْجِعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ، أَوْ يُكْرِهُوا إنْسَانًا عَلَى قَطْعِ طَرَفٍ) فَيَقْطَعَهُ (فَيَجِبُ قَطْعُ الْمُكْرِهِينَ وَالْمُكْرَهِ) كَمَا يُقْتَلُونَ بِالنَّفْسِ (أَوْ يُلْقُوا صَخْرَةً عَلَى طَرَفِ إنْسَانٍ فَتَقْطَعَهُ) الصَّخْرَةُ (أَوْ يَمُدَّهَا) أَيْ الْيَدَ وَنَحْوَهَا (فَتَبِينُ) بِالْمَدِّ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ كَمَا لَوْ أَلْقَمُوهَا لِسَبْعٍ أَوْ نَحْوِهِ فَعَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ الْقِصَاصُ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ لِلشَّاهِدَيْنِ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا " فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقِصَاصَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لَوْ تَعَمَّدَ، أَوْ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ فَتُؤْخَذُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ كَالنَّفْسِ.
وَفِي الِانْتِصَارِ لَوْ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَقْطَعُ يَدًا حَنِثَ بِذَلِكَ، وَعَنْهُ لَا قَوَدَ لِأَنَّهُ لَا تَسَاوِيَ بَيْنَ طَرَفٍ وَأَطْرَافٍ.
وَفِي الرِّعَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ: وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةُ الطَّرَفِ وَالْجُرْحِ كَمَا لَوْ قَطَعَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ أَوْ فِي وَقْتٍ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي دِيَتِهِ اهـ. قُلْتُ هُنَا الِاحْتِمَالُ هُوَ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي النَّفْسِ (وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَفْعَالُهُمْ) أَيْ الْقَاطِعِينَ فَقَطَعَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمْ بَعْضَ الْمِفْصَلِ وَأَتَمَّهُ غَيْرُهُ بِأَنْ قَطَعَ الْبَاقِي أَوْ ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حَدِيدَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وُضِعَتْ عَلَى الْيَدِ أَوْ نَحْوِهَا (ضَرْبَةً حَتَّى) انْفَصَلَتْ (أَوْ وَضَعُوا مِنْشَارًا عَلَى مِفْصَلٍ ثُمَّ مَدَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مَرَّةً حَتَّى بَانَتْ الْيَدُ) أَوْ نَحْوُهَا (فَلَا قِصَاصَ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَقْطَعْ الْيَدَ وَلَمْ يُشَارِكْ فِي قَطْعِ جَمِيعِهَا (وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ) مَضْمُونَةٌ (كَهِيَ) أَيْ الْجِنَايَةِ (فِي الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ فِي النَّفْسِ وَدُونَهَا) لِأَنَّ السِّرَايَةَ أَثَرُ الْجِنَايَةِ وَالْجِنَايَةُ مَضْمُونَةٌ فَكَذَا أَثَرُهَا (حَتَّى لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ فَاقْتَصَّ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (ثُمَّ انْتَقَضَ) الْجُرْحُ (فَسَرَى) كَانَتْ سِرَايَتُهُ مَضْمُونَةً، لِأَنَّهُ إعْرَاضٌ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لِاعْتِمَادِهِ عَلَى الظَّاهِرِ.

(فَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا فَتَآكَلَتْ أُخْرَى إلَى جَانِبِهَا وَسَقَطَ مِنْ مِفْصَلٍ) وَجَبَ الْقِصَاصُ (أَوْ) قَطَعَ أُصْبُعًا فَ (تَآكَلَتْ الْيَدُ وَسَقَطَتْ مِنْ الْكُوعِ) أَوْ الْمِرْفَقِ (وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ) لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقَوَدُ بِالْجِنَايَةِ وَجَبَ بِالسِّرَايَةِ كَالنَّفْسِ، وَفَارَقَ مَا لَوْ رَمَى سَهْمًا إلَى شَخْصٍ فَمَرَقَ مِنْهُ إلَى آخَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ وَلَيْسَ بِسِرَايَةٍ،.

وَلَوْ قَصَدَ قَطْعَ إبْهَامِهِ فَقَطَعَ سَبَّابَتَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ (وَإِنْ شَلَّ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَقِيلَ بِضَمِّهَا أَيْ فَسَدَ الْعُضْوُ وَذَهَبَتْ حَرَكَتُهُ بِالسِّرَايَةِ (فَفِيهِ دِيَتُهُ دُونَ الْقِصَاصِ) لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقِصَاصِ فِي الشَّلَلِ فَيُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قَطْعٌ (وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَا: مَنْ مَاتَ مِنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ

لَا دِيَةَ لَهُ، الْحَقُّ قَتَلَهُ " وَلِأَنَّهُ قَطْعٌ مُسْتَحَقٌّ فَلَا تُضْمَنُ سِرَايَتُهُ كَقَطْعِ السَّارِقِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سِرَايَتِهِ إلَى النَّفْسِ أَوْ مَا دُونَهَا.

(فَلَوْ قَطَعَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (الْيَدَ قِصَاصًا فَمَاتَ الْجَانِي فَهَدَرٌ) لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ (لَكِنْ لَوْ اقْتَصَّ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (قَهْرًا) عَلَى الْجَانِي (مَعَ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ بِآلَةٍ كَالَّةٍ أَوْ مَسْمُومَةٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ حَرَقَ الْعُضْوَ الْمُسْتَحَقَّ لَهُ فَسَرَى فَمَاتَ (لَزِمَهُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ) يَعْنِي أَنَّهُ يَضْمَنُ دِيَةَ النَّفْسِ مَنْقُوصًا مِنْهَا دِيَةُ ذَلِكَ الْعُضْوِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ فِيهِ فَلَوْ وَجَبَ لَهُ فِي يَدٍ كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي جَفْنٍ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا وَهَكَذَا.

(وَيَحْرُمُ أَنْ يُقْتَصّ مِنْ طَرَفٍ قَبْلَ بُرْئِهِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَقِدْنِي فَقَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ: أَقِدْنِي فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرَجْتُ فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ وَأَبْطَلَ عَرَجَكَ، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يُدْرَى أَيُؤَدِّي إلَى الْقَتْلِ أَمْ لَا؟ فَوَجَبَ أَنْ يُنْتَظَرَ لِيُعْلَمَ حُكْمُهُ.

(فَإِنْ فَعَلَ أَيْ اقْتَصَّ لِلطَّرَفِ، قَبْلَ بُرْئِهِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ سِرَايَتِهِ فَلَوْ سَرَى) الْجُرْحُ بَعْدُ (إلَى نَفْسِهِ) فَهَدَرٌ لِلْخَبَرِ (أَوْ سَرَى الْقِصَاصُ إلَى نَفْسِ الْجَانَّيْ فَهَدَرٌ) وَتَقَدَّمَ.

(وَإِنْ قَطَعَ) جَانٍ (يَدَ رَجُلٍ مِنْ الْكُوعِ ثُمَّ) قَطَعَهَا جَانٍ (آخَرُ مِنْ الْمِرْفَقِ فَاتَ الْمَجْنِيُّ) عَلَيْهِ (بِسِرَايَتِهِمَا) أَيْ الْقِطْعَتَيْنِ (فَلِلْوَلِيِّ قَتْلُ الْقَاطِعَيْنِ) لِأَنَّهُمَا قَاتِلَانِ، لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ بِالْقَوَدِ كَمَا سَبَقَ.

[كِتَابُ الدِّيَاتِ]

(وَهِيَ جَمْعُ دِيَةٍ) مُخَفَّفَةٍ وَأَصْلُهَا وَدَيٌ، وَالْهَاءُ بَدَلٌ مِنْ الْوَاوِ كَالْعِدَةِ مِنْ الْوَعْدِ وَالزِّنَةِ مِنْ الْوَزْنِ يُقَالُ: وَدَيْتُ الْقَتِيلَ أَدِيهِ دِيَة إذَا أَعْطَيْت دِيَتَهُ وَاتَّدَيْت إذَا أَخَذْت الدِّيَةَ (وَهِيَ) فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ (الْمَالُ الْمُؤَدَّى إلَى مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ بِسَبَبِ جِنَايَةٍ) كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] . وَفِي الْخَبَرِ «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» (كُلُّ مَنْ أَتْلَفَ إنْسَانًا) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا مُسْتَأْمَنًا أَوْ مُهَادِنًا بِمُبَاشَرَةٍ) لِإِتْلَافِهِ (أَوْ سَبَبٍ) كَشَهَادَةٍ عَلَيْهِ أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى قَتْلِهِ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ تَعَدِّيًا (عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ لَزِمَتْهُ دِيَتُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِي الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالدِّيَاتِ: فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ عِنْد أَهْلِ السِّيَرِ وَمَعْرُوفٌ عِنْد أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بِشُهْرَتِهَا عَنْ الْإِسْنَادِ أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ (إمَّا فِي مَالِهِ) أَيْ: الْقَاتِلِ (أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي) تَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ.

(فَإِنْ كَانَ) الْقَتْلُ (عَمْدًا مَحْضًا فَهِيَ) أَيْ: الدِّيَةُ (فِي مَالِ الْجَانِي) لِأَنَّ بَدَلَ الْمُتْلَفِ وَأَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَانِي قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ» وَلِأَنَّ الْعَامِدَ لَا عُذْرَ لَهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ وَلَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْمُوَاسَاةِ فِي الْخَطَأِ (حَالَّةٌ) كَالْقِصَاصِ وَأَرْشِ أَطْرَافِ الْعَبْدِ وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُ مَعْذُورٍ بِخِلَافِ شِبْهِ الْعَمْدِ.

(وَ) دِيَةُ (شِبْهِ الْعَمْدِ

وَالْخَطَأِ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ) أَيْ: الْخَطَأُ كَانْقِلَابِ النَّائِم عَلَى إنْسَانٍ فَيَقْتُلهُ وَحَفْرِ الْبِئْرِ تَعَدِّيًا فَيَقَعُ فِيهِ فَيَمُوتُ بِهِ (عَلَى عَاقِلَتِهِ) مُؤَجَّلَةً عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ كَمَا يَأْتِي لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِر إجْمَاعًا فِي الْخَطَأِ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ تَكْثُرُ وَدِيَةُ الْآدَمِيِّ كَثِيرَةٌ فَإِيجَابُهَا عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ إيجَابَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ وَالْإِعَانَةِ لَهُ تَخْفِيفًا لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَ (لَا يَلْزَمهُ) أَيْ الْقَاتِلُ (شَيْءٌ مِنْهَا) أَيْ الدِّيَة لِلْخَبَرِ السَّابِقِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ (فَإِنْ كَانَ التَّالِفُ جُزْءًا مِنْ الْإِنْسَانِ فَسَيَأْتِي) بِبَيَانِ دِيَتهِ وَيَأْتِي بَيَانُ مَا تَحْمِلهُ الْعَاقِلَةُ مِنْهُ (فِي بَابِ الْعَاقِلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ) تَعَالَى مُفَصَّلًا.

(فَإِذَا أَلْقَاه عَلَى) أَفْعَى وَهِيَ حَيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ وَالْأَكْثَرُ عَلَى صَرْفِهَا كَعَصَا وَقِيلَ تُمْنَعُ مِنْ الصَّرْفِ لِوَزْنِ الْفِعْلِ وَشَبَهِهَا بِالْمُشْتَقِّ وَهُوَ تَصَوُّرُ أَذَاهَا (أَوْ أَلْقَاهَا) أَيْ الْأَفْعَى (عَلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ) فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ أُتْلِفَ بِعُدْوَانِهِ كَالْمُبَاشِرِ (أَوْ طَلَبَهُ بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ) مِنْ غِمْدِهِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ السَّيْفِ (أَوْ) طَلَبه بِ (مَا يُخِيفُ كَلْت وَدَبُّوس فَهَرَبَ مِنْهُ فَتَلِفَ فِي هَرَبِهِ بِأَنْ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ أَوْ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ أَوْ خَرَّ فِي مَهْوَاة مِنْ بِئْرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ سَقَطَ فَتَلِفَ أَوْ لَقِيَهُ سَبُعٌ) أَوْ نَحْوُهُ (فَافْتَرَسَهُ أَوْ غَرَق فِي مَاءٍ أَوْ احْتَرَقَ بِنَارٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَطْلُوبُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا أَوْ عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا) فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّهُ هَلَكَ بِسَبَبِ عُدْوَانِهِ فَضَمِنَهُ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَالْبُلْغَةِ وَعِنْدِي مَا لَا يَتَعَمَّدُ إلْقَاءَ نَفْسِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِتَلَفِهِ لِأَنَّهُ كَمُبَاشِرٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَجْزِمَ بِهِ أَنَّهُ مُرَادٌ الْأَصْحَابِ وَكَلَامُهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
(أَوْ رَوَّعَهُ بِأَنْ شَهَرَ السَّيْفَ فِي وَجْهِهِ أَوْ دَلَّاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَمَاتَ مِنْ رَوْعَتِهِ أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ) فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِمَا سَبَقَ (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا مُحَرَّمًا حَفْرُهَا فِي فِنَائِهِ أَوْ فِي فِنَاءِ غَيْرِهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ) وَلَوْ وَاسِعًا (لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مُلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ صَاحِبِ الْمُلْكِ فَتَلِفَ بِهَا إنْسَانٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ (أَوْ وَضَعَ حَجَرًا) فِي طَرِيقٍ فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِتَعَدِّيهِ إنْ لَمْ يَضَعْهُ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ وَضَعَهُ بِطِينٍ لِيَطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ (أَوْ رَمَاهُ) أَيْ الْحَجَرَ (أَوْ) رَمَى (غَيْرَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ) أَوْ غَيْرَهُ فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ ضَمِنَهُ (أَوْ حَمَلَ بِهِ رُمْحًا جَعَلَهُ) أَيْ الرُّمْحَ (بَيْن يَدَيْهِ أَوْ خَلْفِهِ) فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ ضَمِنَهُ (لَا) إنْ كَانَ الرُّمْحُ (قَائِمًا فِي الْهَوَاءِ

وَهُوَ يَمْشِي) فَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ (لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ) فَأَتْلَفَ مَا تَقَدَّمَ (إنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ) مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرَهُ ضَمِنَهُ.
(أَوْ صَبَّ مَاءً فِي طَرِيقٍ أَوْ) صَبَّ مَاءً فِي (فِنَائِهِ) أَيْ مَا اتَّسَعَ حَوْلَ دَارِهِ (أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ أَوْ) قِشْرَ (خِيَارٍ أَوْ) قِشْرَ (بَاقِلَا) وَنَحْوَهُ (فِي طَرِيقٍ) فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ ضَمِنَهُ (أَوْ بَالَ) فِي طَرِيقٍ (أَوْ بَالَتْ دَابَّتُهُ فِي طَرِيقٍ وَيَدُهُ عَلَيْهَا رَاكِبًا كَانَ أَوْ مَاشِيًا أَوْ قَائِدًا فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ أَوْ مَاشِيَةٌ أَوْ تَكَسَّرَ مِنْهُ عُضْوٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانٌ مَا لَا تَحْمِلهُ الْعَاقِلَةُ) كَالْعَبْدِ وَالْبَهَائِم وَمَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ عَنْ عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ جَنَتْ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَفِي الشَّرْحِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِذَلِكَ أَيْ بِبَوْلِ الدَّابَّةِ فِي الطَّرِيقِ وَكَمَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ أَمْسَكَ يَدَهُ حَتَّى مَاتَ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ بِرِجْلِهَا وَيُفَارِقُ مَا إذَا أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا لِأَنَّهُ يُمْكِنهُ حِفْظُهَا.
(وَإِنْ حَفَرَ) إنْسَانٌ (بِئْرًا أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا) أَوْ نَحْوَهُ (فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ أَوْ عَلَى السِّكِّينِ ضَمِنَ وَاضِعُ الْحَجَرِ الْمَالَ) حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الْحُرِّ) لِأَنَّ الْحَجَرَ (كَدَافِعٍ) وَلِأَنَّ الْوَضْعَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْحَفْرِ وَالنَّصْبِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ وَالنَّاصِبِ إذَنْ لِأَنَّ وَاضِعَ الْحَجَرِ قَطْعٌ لِتَسَبُّبِهِمَا وَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ عَادَةً لِمُعَيَّنٍ بِخِلَافِ مُكْرَهٍ (إذَا تَعَدَّيَا) أَيْ الْحَافِرَ وَوَاضِعَ الْحَجَرِ (وَإِلَّا) يَعْنِي وَإِنْ تَعَدَّى أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ (ف) الضَّمَانُ (عَلَى مُتَعَدٍّ مِنْهُمَا) لِتَعَدِّيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّيَا وَلَا أَحَدُهُمَا بِأَنْ كَانَتْ الْبِئْرُ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ أَوْ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا ضَرَر وَوُضِعَ الْحَجَرُ بِطِينٍ لِيَطَأَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْعُدْوَانِ.

(وَإِنْ أَعْمَقَ) إنْسَانٌ (بِئْرًا قَصِيرَةً وَلَوْ) كَانَتْ ذِرَاعًا فَحَفَرَهَا آخَرُ إلَى الْقَرَارِ ضَمِنَا التَّالِفَ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ التَّالِفُ (مَالًا وَدِيَةُ الْحُرِّ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا) لِأَنَّ السَّبَبَ حَصَلَ مِنْهُمَا وَكَمَا لَوْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ جُرْحًا (فَإِنْ) حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا وَعَمَّقَهَا آخَرُ وَ (وَضَعَ آخَرُ فِيهَا سِكِّينًا فَ) الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ (أَثْلَاثًا) لِتَسَبُّبِهِمْ.
(وَإِنْ حَفَرَهَا) أَيْ الْبِئْرَ (بِمِلْكِهِ أَوْ وَضَعَ فِيهَا) أَيْ فِي بِئْرٍ بِمِلْكِهِ (حَجَرًا أَوْ حَدِيدَةً وَسَتَرَهَا) لِيَقَعَ فِيهَا أَحَدٌ (فَمَنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ وَتَلِفَ بِهَا فَالْقَوَدُ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ كَمَا لَوْ قَدَّمَ لَهُ طَعَامًا مَسْمُومًا فَأَكَلَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ (فَلَا) ضَمَانَ (كَ) مَا لَوْ كَانَتْ الْبِئْرُ (مَكْشُوفَةً بِحَيْثُ يَرَاهَا) الدَّاخِلُ (إنْ كَانَ بَصِيرًا) لِأَنَّهُ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ كَآكِلِ السُّمِّ عَالِمًا بِهِ (أَوْ) كَانَ ضَرِيرًا أَوْ (دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ) فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ) بِالْإِذْنِ

(أَعْمَى أَوْ كَانَ بَصِيرًا لَكِنْ فِي ظُلْمَةٍ لَا يُبْصِرُهَا) أَيْ الْبِئْرَ (ضَمِنَهُ) الْآذِنُ لِتَسَبُّبِهِ فِي هَلَاكِهِ (وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الدَّار مَا أَذِنْتُ لَهُ فِي الدُّخُولِ وَادَّعَى وَلِيُّ الْهَالِكِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ) فِي الدُّخُولِ (فَقَوْلُ الْمَالِكِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِذْنِ.
(وَإِنْ قَالَ) صَاحِبُ الدَّارِ (كَانَتْ) الْبِئْرُ (مَكْشُوفَةً) بِحَيْثُ يَرَاهَا (وَقَالَ الْآخَرُ) وَهُوَ وَلِيُّ الْهَالِكِ (كَانَتْ مُغَطَّاةً فَقَوْلُ وَلِيِّ الدَّاخِلِ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ إذْ لَوْ كَانَتْ مَكْشُوفَةً بِحَيْثُ يَرَاهَا لَمْ يَسْقُطْ فِيهَا.

(وَإِنْ تَلِفَ أَجِيرٌ لِحَفْرِهَا) أَيْ الْبِئْرَ (بِهَا أَوْ دَعَا مَنْ يَحْفِرُهَا لَهُ بِدَارِهِ أَوْ بِمَعْدِنٍ فَمَاتَ بِهَدْمٍ فَهَدَرٌ) لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ مُبَاشَرَةٌ وَلَا تَسَبُّبٌ وَكَذَا أَجِيرٌ لِبِنَاءِ أَوْ هَدْمِ حَائِطٍ.

(وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ) حَفَرَهَا (فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) بِسَبَبِ الْحَفْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ (وَكَذَلِكَ إنْ حَفَرَهَا) أَيْ الْبِئْرَ (فِي مَوَاتٍ) لِتَمَلُّكٍ أَوْ ارْتِفَاقٍ أَوْ نَفْعِ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ وَضَعَ حَجَرًا) بِطِينٍ لِيَطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ (أَوْ وَضَعَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ نَصَبَ شَرَكًا أَوْ شَبَكَةً أَوْ مِنْجَلًا لِيَصِيدَ بِهَا) فَتَلِفَ بِذَلِكَ شَيْءٌ فَلَا ضَمَانَ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ (وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) بِأَنْ حَفَرَ الْبِئْرَ أَوْ وَضَعَ الْحَجَرَ لَا لِيَطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ بِطِينٍ أَوْ نَصَبَ شَرَكًا أَوْ شَبَكَةً أَوْ مِنْجَلًا (فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ) فِي ذَلِكَ (أَوْ لَمْ يَأْذَنْ) فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِيمَا فِيهِ ضَرَرٌ (وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ لَضَمِنَ) مَا يَتْلَفُ بِهِ لِعُدْوَانِهِ.

(فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا فَحَفَرَهَا) أَيْ الْبِئْرَ (فِي مَكَان مِنْهَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ) كَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ (ضَمِنَ) مَا تَلِفَ بِهَا (وَإِنْ كَانَ) حَفَرَهَا فِي مَكَان (لَا يَضُرُّ) بِالْمُسْلِمِينَ (وَحَفَرَهَا لِنَفْسِهِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ حَفَرَهَا لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ بِلَا ضَرَرٍ فَلَا ضَمَانَ وَتَقَدَّمَ (وَإِنْ حَفَرَهَا) أَيْ الْبِئْرَ (فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ حَفْرِهِ (جَمِيعَهُ) لِتَعَدِّيهِ بِالْحَفْرِ (وَتَقَدَّمَتْ أَحْكَامُ الْبِئْرِ فِي آخِرِ الْغَصْبِ) .

(وَإِنْ غَصَبَ) أَيْ حَبَسَ (صَغِيرًا حُرًّا) عَنْ أَهْلِهِ (فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةُ) نَارٍ تَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ فِيهَا رَعْدٌ شَدِيدٌ (فَفِيهِ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي يَدِهِ الْعَادِيَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْمَغْصُوبُ (قِنًّا) فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ أَوْ تَلِفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ (ف) عَلَى الْغَاصِبِ (الْقِيمَةُ) أَيْ قِيمَةُ الْقِنِّ لِمَالِكِهِ لِأَنَّ الْقِنَّ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَمِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ نَهْشُ الْحَيَّةِ وَإِصَابَةُ الصَّاعِقَةِ (كُلُّ سَبَبٍ يَخْتَصُّ الْبُقْعَةَ كَالْوَبَاءِ وَانْهِدَامِ سَقْفٍ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِمَا انْتَهَى) لِأَنَّهُ بِحَبْسِهِ مَنَعَهُ مِنْ الْهَرَبِ (وَإِنْ مَاتَ) الْمَغْصُوبُ (بِمَرَضٍ أَوْ) مَاتَ (فَجْأَةً لَمْ يَضْمَنْ) الْغَاصِبُ (الْحُرَّ) لِأَنَّهُ لَا تَثْبُت عَلَيْهِ

الْيَدُ بِخِلَافِ الْقِنِّ (وَإِنْ قَيَّدَ حُرًّا مُكَلَّفًا وَغَلَّهُ فَتَلِفَ بِصَاعِقَةٍ أَوْ حَيَّةٍ وَجَبَتْ الدِّيَةُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّغِيرِ.

[فَصْلٌ وَإِنْ اصْطَدَمَ حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ بَصِيرَانِ أَوْ ضَرِيرَانِ]

(فَصْلٌ وَإِنْ اصْطَدَمَ حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ بَصِيرَانِ أَوْ ضَرِيرَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا) بَصِيرٌ وَالْآخَرُ ضَرِيرٌ (وَهُمَا مَاشِيَانِ أَوْ رَاكِبَانِ أَوْ رَاكِبٌ وَمَاشٍ فَمَاتَا فَعَلَى عَاقِلَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ صَدْمَةِ صَاحِبهِ وَذَلِكَ خَطَأٌ فَكَانَتْ دِيَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِهِ (وَقِيلَ بَلْ) عَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا (نِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةُ (لِأَنَّهُ هَلَكَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَفِعْلِ صَاحِبِهِ فَيَهْدُر فِعْلَ نَفْسِهِ وَهَذَا هُوَ الْعَدْل، وَكَالْمَنْجَنِيقِ إذَا رَجَعَ فَقَتَلَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ) الرَّامِينَ لَهُ فَإِنَّهُ يَهْدُر فِعْلَ نَفْسِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ إنْ غَلَبَتْ الدَّابَّةُ رَاكِبَهَا بِلَا تَفْرِيطٍ فَلَا ضَمَانَ وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ فِي تَرِكَتِهِ (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْمُتَصَادِمَيْنِ) دُونَ الْآخَرِ (فَدِيَتُهُ كُلُّهَا أَوْ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ (عَلَى الْخِلَافِ) فَإِنْ قُلْنَا فِيمَا سَبَقَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ فَالْوَاجِبُ هُنَا الدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَإِنْ قُلْنَا نِصْفَهَا هُنَاكَ فَالنِّصْفُ هُنَا (وَإِنْ اصْطَدَمَا عَمْدًا وَيَقْتُلُ ذَلِكَ) الصَّدْمَ (غَالِبًا ف) الْقَتْلُ (عَمْدٌ يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةَ الْآخَرِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَتَقَاصَّانِ) وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، وَعَلَى هَذَا إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ فَالْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ فِي مَالِ صَاحِبِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّدْمُ يَقْتُلُ غَالِبًا (فَ) هُوَ (شِبْهُ عَمْدٍ) فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا.

(وَلَوْ تَجَاذَبَا حَبْلًا وَنَحْوَهُ) كَثَوْبٍ (فَانْقَطَعَ) الْحَبْلُ أَوْ نَحْوُهُ (فَسَقَطَا فَمَاتَا فَكَمُتَصَادَمِينَ سَوَاءٌ انْكَبَّا أَوْ اسْتَلْقَيَا أَوْ انْكَبَّ أَحَدُهُمَا وَاسْتَلْقَى الْآخَرُ لَكِنْ نِصْفُ دِيَةِ الْمُنْكَبِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْتَلْقِي مُغَلَّظَةٌ وَنِصْفُ دِيَةِ الْمُسْتَلْقِي عَلَى عَاقِلَةِ الْمُنْكَبِّ مُخَفَّفَةٌ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.

(وَإِنْ اصْطَدَمَ قِنَّانِ مَاشِيَانِ فَمَاتَا فَهَدْرٌ) لِأَنَّ قِيمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجَبَتْ فِي رَقَبَةِ الْآخَرِ وَقَدْ تَلِفَ الْمَحِلُّ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ فَذَهَبَا هَدْرًا، قُلْتُ فَإِنْ كَانَا رَاكِبَيْنِ وَهُمَا بَالِغَانِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَا صَغِيرَيْنِ وَأَرْكَبَهُمَا سَيِّدُهُمَا لِمَصْلَحَةٍ أَوْ رَكِبَا مِنْ عِنْد أَنْفُسِهِمَا فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَعَلَى مُرَكِّبِ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَمَانُ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَغِيرًا وَالْآخَرُ كَبِيرًا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الْقِنَّيْنِ الْمَاشِيَيْنِ

الْمُصْطَدِمَيْنِ (فَقِيمَتُهُ فِي رَقَبَةِ الْآخَرِ) لِأَنَّهُ مَاتَ بِجِنَايَتِهِ (كَسَائِرِ جِنَايَاتِهِ) .

(وَإِنْ كَانَ) أَيْ الْمُصْطَدِمَانِ (حُرًّا وَقِنًّا وَمَاتَا) بِالصَّدْمِ (ضُمِنَتْ قِيمَةُ الْقِنِّ فِي تَرِكَةِ الْحُرِّ) لِأَنَّ الْعَاقِلَة لَا تَحْمِلُهَا (وَوَجَبَتْ دِيَةُ الْحُرِّ كَامِلَةَ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ) لِتَعَلُّقِ جِنَايَتَهُ بِرَقَبَتِهِ وَالْقِيمَةُ قَائِمَةٌ مَقَامَهَا فَإِنْ تَسَاوَيَا تَقَاصَّا وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ سَقَطَ مِنْهَا بِقَدْرِ الدِّيَةِ وَبَاقِيهَا لِلسَّيِّدِ وَإِنْ كَانَتْ الدِّيَةُ أَكْثَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ اصْطَدَمَ امْرَأَتَانِ فَمَاتَتَا فَكَرَجُلَيْنِ) فَإِنْ كَانَ عَمْدًا وَيَقْتُلُ غَالِبًا فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةُ الْأُخْرَى فِي ذِمَّتِهَا فَيَتَقَاصَّانِ وَإِلَّا فَشِبْهُ عَمْدٍ (فَإِنْ أَسْقَطَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَنِينَهَا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ) مِنْهُمَا (نِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِهَا وَنِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِ صَاحِبَتِهَا) لِمُشَارَكَتِهَا فِي قَتْلِ الْجَنِينِ (وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ) مِنْهُمَا فِي مَالِهَا (عِتْقُ ثَلَاثِ رِقَابٍ، وَاحِدَةٌ لِقَتْلِ صَاحِبَتِهَا وَاثْنَتَانِ لِمُشَارَكَتِهَا فِي) قَتْلِ (الْجَنِينَيْنِ فَإِنْ أُسْقِطَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى) وَمَاتَتَا (اشْتَرَكَتَا فِي ضَمَانِهِ) أَيْ الْجَنِينِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي قَتْلِهِ (وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِتْقُ رَقَبَتَيْنِ) رَقَبَةٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي قَتْلِ الْجَنِينِ وَرَقَبَةٌ لِقَتْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا الْأُخْرَى، وَدِيَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْأُخْرَى إنْ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا يَقْتُلُ غَالِبًا وَيَأْتِي أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الْغُرَّةَ إذَا سَقَطَ بِجِنَايَةٍ عَلَى أُمّهِ وَمَاتَ مَعَهَا أَوْ بَعْدهَا لَا قَبْلَهَا.

(وَإِنْ كَانَ الْمُتَصَادِمَانِ رَاكِبَيْنِ فَرَسَيْنِ أَوْ بَغْلَيْنِ أَوْ حِمَارَيْنِ أَوْ جَمَلَيْنِ) أَوْ فِيلَيْنِ أَوْ نَحْوَهُمَا (أَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا رَاكِبًا فَرَسًا وَالْآخَرُ) رَاكِبًا (غَيْرَهُ) وَكَانَا (مُقْبِلَيْنِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقْبِلٌ عَلَى الْآخَر (أَوْ مُدْبِرَيْنِ) أَيْ ظَهْرَ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ (فَمَاتَتْ الدَّابَّتَانِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةُ دَابَّةِ الْآخَرِ أَوْ نِصْفُهَا عَلَى الْخِلَافِ) السَّابِقِ لِأَنَّهَا مَاتَتْ بِفِعْلِهِ أَوْ مُشَارَكَتِهِ (وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا) أَيْ إحْدَى الدَّابَّتَيْنِ (فَعَلَى الْآخَرِ قِيمَتُهَا) أَوْ نِصْفُهَا عَلَى الْخِلَافِ (وَإِنْ نَقَصَتْ فَعَلَيْهِ نَقْصُهَا) أَيْ نَقْصُ دَابَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَعَلَى الْآخَرِ أَرْشُ نَقْصِهَا وَإِنْ نَقَصَتْ دَابَّةُ أَحَدِهِمَا فَعَلَى الْآخَرُ أَرْشُ نَقْصِهَا (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الرَّاكِبَيْنِ (يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيَّ الْآخَرِ فَأَدْرَكَهُ الثَّانِي فَصَدَمَهُ فَمَاتَتْ الدَّابَّتَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا فَالضَّمَانُ عَلَى اللَّاحِقِ) لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِصَدْمِهِ وَإِنْ مَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَدِيَةُ السَّابِقِ عَلَى عَاقِلَةِ اللَّاحِق (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ وَالْآخَرُ وَاقِفًا) أَوْ قَاعِدًا (فَعَلَى عَاقِلَةِ السَّائِرِ دِيَةُ الْوَاقِفِ) وَالْقَاعِدِ لِأَنَّهُ قَتِيلُ خَطَأٍ (وَعَلَيْهِ) أَيْ السَّائِرِ (ضَمَانُ دَابَّتِهِ) أَيْ دَابَّةِ الْوَاقِفِ أَوْ الْقَاعِدِ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُهَا.
(فَإِنْ مَاتَ الصَّادِمُ أَوْ) تَلِفَتْ (دَابَّتُهُ فَهَدَر) لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ أَحَدٌ بَلْ هُوَ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ (وَإِنْ انْحَرَفَ الْوَاقِفُ فَصَادَفَتْ الصَّدْمَةُ انْحِرَافَهُ فَهُمَا كَالسَّائِرَيْنِ)

عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ هَذَا كُلُّهُ إذَا وَقَفَ أَوْ قَعَدَ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ (فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ) يَعْنِي غَيْرَ السَّائِرِ (فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لَهُ) حَالَ كَوْنِهِ (قَاعِدًا أَوْ وَاقِفًا فَلَا ضَمَانَ فِيهِ) لِأَنَّ السَّائِرَ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ بَلْ الْقَاعِدُ وَالْوَاقِفُ هُوَ الْمُتَعَدِّي (وَإِنْ كَانَ) الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ (مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ) أَوْ الْقَاعِدِ (ضَمِنَهُ السَّائِرُ) لِتَعَدِّيهِ بِسُلُوكِهِ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مَعَ أَنَّ الْوَاقِفَ وَالْقَاعِدَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِوُقُوفِهِ فِي مِلْكِهِ (وَلَا يَضْمَن وَاقِفٌ) أَوْ قَاعِدٌ (لِسَائِرٍ شَيْئًا وَلَوْ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ) غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ.

(وَمَنْ أَرْكَبَ صَغِيرَيْنِ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا فَاصْطَدَمَا فَمَاتَا فَعَلَى الَّذِي أَرْكَبَهُمَا دِيَتُهُمَا فِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ وَتَصَادُمُهُمَا أَثَرُ رُكُوبِهِمَا وَفِعْلُهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَوَجَبَ إضَافَةُ الْقَتْلِ إلَى مَنْ أَرْكَبَهُمَا.
وَفِي التَّرْغِيبِ وَالْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ دِيَتُهُمَا عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ خَطَأٌ فَتَحْمِلهُ الْعَاقِلَةُ (وَمَا تَلِفَ مِنْ مَالِهِمَا فَفِي مَالِهِ) أَيْ الْمُرَكِّبِ لَهُمَا (أَيْضًا) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُهُ (وَإِنْ رَكِبَا) أَيْ الصَّغِيرَانِ (مِنْ عِنْد أَنْفُسِهِمَا فَكَالْبَالِغَيْنِ الْمُخْطِئَيْنِ) عَلَى كُلِّ مِنْهُمَا مَا تَلِفَ مِنْ مَالِ الْآخَرِ وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ (وَكَذَا إنْ أَرْكَبَهُمَا وَلِيٌّ لِمَصْلَحَةٍ كَمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُمَرِّنَهُمَا عَلَى الرُّكُوبِ وَكَانَا يُثْبِتَانِ أَنْفُسَهُمَا) عَلَى مَا أَرْكَبَهُ لَهُمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ إرْكَابٌ مَأْذُونٌ فِيهِ فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُتَعَدِّي (فَأَمَّا إنْ كَانَا لَا يَثْبُتَانِ بِأَنْفُسِهِمَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي الرُّكُوبِ إذَنْ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ إنْ صَلَحَا لِلرُّكُوبِ وَأَصْلَحَهُمَا لِلرُّكُوبِ وَأَرْكَبَهُمَا مَا يَصْلُحُ لِرُكُوبِ مِثْلِهِمَا وَإِلَّا ضَمِنَ.

(وَإِنْ اصْطَدَمَ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ فَإِنْ مَاتَ الصَّغِيرُ ضَمِنَهُ الْكَبِيرُ) لِتَلَفِهِ بِصَدْمِهِ (وَإِنْ مَاتَ الْكَبِيرُ ضَمِنَهُ الَّذِي أَرْكَبَ الصَّغِيرَ) لِتَلَفِهِ بِسَبَبِ إرْكَابِهِ لِلصَّغِيرِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يَتْلَفُ مِنْ دَابَّتِهِمَا وَنَقَلَ حَرْبٌ إنْ حَمَلَ رَجُلٌ صَبِيًّا عَلَى دَابَّةٍ فَسَقَطَ ضَمِنَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ أَهْلُهُ بِحَمْلِهِ.

(وَإِنْ قَرَّبَ) إنْسَانٌ (صَغِيرًا مِنْ هَدَفٍ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ ضَمِنَهُ الْمُقَرِّبُ) دُونَ رَامِي السَّهْمِ إذَا لَمْ يَقْصِدْهُ لِأَنَّ الْقُرْبَ هُوَ الَّذِي عَرَّضَهُ لِلتَّلَفِ بِتَقْرِيبِهِ وَالرَّامِي لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ لِأَنَّ الرَّامِيَ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَالْمُقَرِّبِ كَالدَّافِعِ فَإِنْ قَصَدَهُ الرَّامِي فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ (وَإِنْ أَرْسَلَهُ) أَيْ أَرْسَلَ إنْسَانٌ الصَّغِيرَ (فِي حَاجَةٍ فَأَتْلَفَ) الصَّغِيرُ (مَالًا أَوْ نَفْسًا) فَأَكْثَرَ (فَجِنَايَتُهُ خَطَأُ مِنْ مُرْسِلِهِ) لِتَعَدِّيهِ بِإِرْسَالِهِ فَيَضْمَنُ الْمَالَ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الْآدَمِيِّ (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الصَّغِيرِ الْمُرْسَل فِي حَاجَةٍ (ضَمِنَهُ) مُرْسِلُهُ لِتَسَبُّبِهِ (ذَكَرَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ) قَالَ ابْنُ حَمْدَان: إنْ تَعَذَّرَ تَضْمِينُ الْجَانِي لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ

وَالْمُرْسِلُ مُتَسَبِّبٌ (وَتَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ إذَا اصْطَدَمَ سَفِينَتَانِ) .

[فَصْلٌ وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَرَجَعَ الْحَجَرُ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ فَقَتَلَ رَابِعًا]

(فَصْلٌ وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَرَجَعَ الْحَجَرُ) أَوْ لَمْ يَرْجِعْ (فَقَتَلَ رَابِعًا) حُرًّا (فَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ دِيَتُهُ أَثْلَاثًا) لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الثُّلُثَ فَمَا زَادَ (وَلَا قَوَدَ) عَلَيْهِمْ (وَلَوْ قَصَدُوهُ بِعَيْنِهِ) لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقَصْدِ (فَإِنْ قَصَدَهُ) بِالرَّمْيِ (أَوْ قَصَدُوا جَمَاعَةً) قَلِيلَةً (فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ) لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا الْجِنَايَةَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا (لِأَنَّ قَصْدَ وَاحِدٍ) وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ (بِالْمَنْجَنِيقِ لَا يَكَادُ يُفْضِي إلَى إتْلَافِهِ) هَذَا مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّ ذَلِكَ عَمْدٌ إنْ كَانَ الْغَالِبُ الْإِصَابَةَ قُلْتُ: إنْ قَصَدُوا رَمْيَهُ كَانَ عَمْدًا وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْمُنْتَهَى (وَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوا) أَيْ رُمَاةُ الْمَنْجَنِيقِ (قَتْلَ آدَمِيٍّ) أَصَابَ آدَمِيًّا فَقَتَلَهُ (فَهُوَ خَطَأٌ) لِعَدَمِ الْقَصْدِ (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الرُّمَاةُ (أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ) لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ وَالتَّأْجِيلِ فِي الدِّيَاتِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.

(وَإِنْ قَتَلَ) الْحَجَرُ (أَحَدَهُمْ) أَيْ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الرُّمَاةِ بِالْمَنْجَنِيقِ فَعَلَى كُلُّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِ غَيْرِهِ وَ (سَقَطَ فِعْلُ نَفْسِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ) مِنْ وُجُوبِ ثُلُثِ الدِّيَةِ (وَعَلَى عَاقِلَةُ صَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ) كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِمَا وَجِرَاحَةِ نَفْسِهِ وَكَمَا لَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِ بَهِيمَةٍ وَلِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ فَلَا تَكْمُل الدِّيَةُ عَلَى شَرِيكِهِ كَمَا لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًا غَيْرَهُمْ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ الشَّعْبِيُّ " وَذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ اجْتَمَعَتْ فَرَكِبَتْ إحْدَاهُنَّ عَلَى عُنُقِ أُخْرَى وَقَرَصَتْ الثَّالِثَةَ الْمَرْكُوبَةَ فَقَمَصَتْ فَسَقَطَتْ الرَّاكِبَةُ فَوُقِصَتْ عُنُقُهَا فَمَاتَتْ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ فَقَضَى بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا عَلَى عَوَاقِلهنَّ وَأَلْقَى الثُّلُثَ الَّذِي قَابَلَ فِعْلَ الْوَاقِصَةِ لِأَنَّهَا أَعَانَتْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهَا " وَهَذِهِ تُشْبِهُ مَسْأَلَتَنَا (وَإِنْ رَجَعَ الْحَجَرُ فَقَتَلَ اثْنَيْنِ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَيِّ مِنْهُمْ لِكُلِّ مَيِّتٍ ثُلُثُ دِيَتِهِ) لِأَنَّهُ شَارَكَهُمَا فِي الْقَتْلِ (وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَيِّتَيْنِ ثُلُثُ دِيَةِ صَاحِبِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُلْغِي فِعْلَ نَفْسِهِ) لِمُشَارَكَتِهِ فِي الْقَتْلِ كَمَا مَرَّ (وَالضَّمَانُ فِي ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِمَنْ مَدَّ الْحِبَالَ وَرَمَى الْحَجَرَ دُونَ مَنْ وَضَعَهُ) أَيْ الْحَجَرَ (فِي الْكِفَّةِ) بِتَثْلِيثِ الْكَافِ

(وَ) دُونَ مَنْ (أَمْسَكَ الْخَشَبَ كَمَنْ وَضَعَ سَهْمًا فِي قَوْسِ إنْسَانٍ وَرَمَاهُ صَاحِبُ الْقَوْسِ فَالضَّمَان عَلَى الرَّامِي دُونَ الْوَاضِعِ) اعْتِبَارًا بِالْمُبَاشَرَةِ.

(وَمَنْ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ) جَنَى عَلَى (طَرَفِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَ) لَا مِنْ (غَيْرِهِ) بَلْ هُوَ هَدْرٌ وَلِأَنَّ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ رَجَعَ سَيْفُهُ عَلَيْهِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَمَاتَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ وُدِيَ وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَنُقِلَ ظَاهِرًا وَعَنْهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي الْخَطَأِ دِيَةُ نَفْسِهِ أَوْ طَرَفِهِ لِقَوْلِ عُمَرَ.

(وَإِنْ نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ فَمَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ) أَيْ الثَّانِي (دِيَتُهُ) أَيْ الْأَوَّل لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ سَقْطَتِهِ فَيَكُونُ هُوَ قَاتِلُهُ فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْقَتْلِ خَطَأً (وَإِنْ كَانَ) الثَّانِي رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ (عَمْدًا وَهُوَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ قَصَدَ جِنَايَةً تَقْتُلُ غَالِبًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا (فَشِبْهُ عَمْدٍ) لِأَنَّهُ قَصَدَ جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِبًا (وَإِنْ وَقَعَ) الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ (خَطَأ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُخَفَّفَةٌ) كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ (وَإِنْ مَاتَ الثَّانِي بِسُقُوطِهِ عَلَى الْأَوَّلِ فَدَمُهُ هَدْرٌ) لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ " أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُودُ أَعْمَى فَوَقَعَا فِي بِئْرٍ وَوَقَعَ الْأَعْمَى فَوْقَ الْبَصِيرِ فَقَتَلَهُ فَقَضَى عُمَرُ بِعَقْلِ الْبَصِيرِ عَلَى الْأَعْمَى فَكَانَ الْأَعْمَى يُنْشِدُ فِي الْمَوْسِمِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ رَأَيْتُ مُنْكَرًا ... هَلْ يَعْقِلُ الْأَعْمَى الصَّحِيحَ الْمُبْصِرَا خَرَّا مَعًا كِلَاهُمَا تَكَسَّرَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَشُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيّ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ.
وَلَوْ فَعَلَهُ الْبَصِيرُ قَصْدًا لَمْ يَضْمَنْهُ وَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْأَعْمَى (وَإِنْ سَقَطَ) عَلَيْهِمَا (ثَالِثٌ فَمَاتَ الثَّانِي) مِنْ سَقْطَتِهِ (فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ) لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِهِ (وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِمَا) أَيْ الثَّانِي وَالثَّالِث (فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا) لِمَوْتِهِ بِفِعْلِهِمَا وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الثَّالِث لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِالْوُقُوعِ عَلَيْهِ (وَدَمُ الثَّالِثِ هَدْرٌ) لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ (هَذَا) الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ (إذَا كَانَ الْوُقُوعُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ) أَيْ قَتَلَ مَنْ مَاتَ مِمَّنْ ذُكِرَ (فَإِنْ كَانَ الْبِئْرُ عَمِيقًا) يَمُوتُ الْوَاقِعُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ فِيهِ (لَمْ يَجِبْ ضَمَانٌ عَلَى أَحَدٍ) لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لِأَحَدِهِمْ فِي قَتْلِ غَيْرِهِ (وَإِنْ احْتَمَلَ) الْحَالُ (أَمْرَيْنِ) بِأَنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَوْت بِمُجَرَّدِ الْوُقُوعِ أَوْ بِسُقُوطِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ (فَكَذَلِكَ) لَا ضَمَانَ لِعَدَمِ تَحْقِيقِ مُوجِبِهِ وَالْأَصْلُ الْبَرَاءَةُ.
(وَإِنْ جَذَبَ الْأَوَّلُ الثَّانِي وَجَذَبَ الثَّانِي الثَّالِثَ وَمَاتُوا فَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّالِثِ) لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ (وَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي) لِأَنَّهُ جَذَبَهُ وَبَاشَرَهُ بِذَلِكَ وَالْمُبَاشَرَةُ تَقْطَعُ حُكْمَ التَّسَبُّبِ (وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ هَلَكَ بِجَذْبَتِهِ (وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ هَلَكَ مِنْ وَقْعَةِ الثَّالِثِ) عَلَيْهِ فَضَمَانُ نِصْفَ دِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي وَالْبَاقِي هَدْرٌ لِأَنَّ الْهَلَاكَ حَصَلَ بِفِعْلِ الثَّانِي وَالْأَوَّل فَيُلْغِي فِعْلَ الْأَوَّل فِي نَفْسِهِ وَيَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي نِصْفَ الدِّيَةِ (وَلَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَجَذَبَ) الْأَوَّلُ الثَّانِي وَالثَّانِي الثَّالِثَ وَ (الثَّالِثُ رَابِعًا فَمَاتُوا جَمِيعُهُمْ بِوُقُوعِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّابِعِ) لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ (وَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ) لِجَذْبِهِ لَهُ وَدِيَةُ الثَّالِثِ وَالثَّانِي وَالْأَوَّلِ عَلَى مَا سَبَقَ.
(وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بَلْ مَاتُوا بِسُقُوطِهِمْ أَوْ كَانَ الْبِئْرُ عَمِيقًا يَمُوتُ الْوَاقِعُ فِيهِ بِنَفْسِ الْوُقُوعِ أَوْ كَانَ فِيهِ مَا يُغْرِقُ الْوَاقِعُ فَيَقْتُلهُ أَوْ) كَانَ فِي الْبِئْر (أَسَدٌ يَأْكُلُهُمْ وَلَمْ يَتَجَاذَبُوا) وَلَمْ يَتَدَافَعُوا (لَمْ يَضْمَنْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) لِأَنَّهُ لَا تَسَبُّبَ (وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي وُقُوعِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَّ الْمَوْتَ بِهِ أَوْ بِنَفْسِ الْوُقُوعِ أَوْ الْمَاءِ) أَوْ الْأَسَدِ (لَمْ يَضْمَنْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) لِأَنَّهُ لَا تَضْمِينَ بِالشَّكِّ (وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُمْ لِوُقُوعِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ تَجَاذُبٍ وَلَا تَدَافُعٍ (فَدَمُ الرَّابِعِ هَدْرٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا مَاتَ لِسُقُوطِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِعِ (دِيَةُ الثَّالِثِ) لِأَنَّهُ مَاتَ بِسُقُوطِهِ عَلَيْهِ (وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَاقِلَتِهِ (وَعَلَى) عَاقِلَةِ (الثَّالِثِ نِصْفَيْنِ) لِأَنَّهُ مَاتَ بِسُقُوطِهِمَا عَلَيْهِ (وَدِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا) لِأَنَّهُ مَاتَ بِسُقُوطِهِمْ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ خَرَّ رَجُلٌ فِي زُبْيَةِ أَسَدٍ) أَوْ نَحْوِهِ (فَجَذَبَ) الرَّجُلُ (آخَر وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا فَقَتَلَهُمْ الْأَسَدُ فَدَمُ الْأَوَّلِ هَدْرٌ) لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لِأَحَدٍ فِي إلْقَائِهِ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ) أَيْ الْأَوَّل (دِيَةُ الثَّانِي) لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي قَتْلِهِ (وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي دِيَةُ الثَّالِثِ وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ دِيَةُ الرَّابِعِ) لِمَا سَبَقَ (وَكَذَا لَوْ تَدَافَعَ أَوْ تَزَاحَمَ عِنْد حُفْرَةٍ جَمَاعَةٌ فَسَقَطَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِيهَا مُتَجَاذِبِينَ كَمَا وَصَفْنَا) بِأَنْ سَقَطَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ فَجَذَبَ آخَرَ وَجَذَبَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ رَابِعًا فَقَتَلَهُمْ أَسَدٌ أَوْ نَحْوَهُ فَدَمُ الْأَوَّلِ هَدْرٌ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِي وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي دِيَةُ الثَّالِث وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ دِيَةُ الرَّابِع لِمَا سَبَقَ.

[فَصْلٌ وَمَنْ أَخَذَ طَعَامَ إنْسَانٍ أَوْ شَرَابَهُ فِي بَرِّيَّةٍ]

(فَصْلٌ وَمَنْ أَخَذَ طَعَامَ إنْسَانٍ أَوْ شَرَابَهُ فِي بَرِّيَّةٍ أَوْ مَكَان لَا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ أَوْ أَخَذَ دَابَّتَهُ) وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَاجِزٌ عَنْ دَفْعِ الْآخِذِ (فَهَلَكَ) الْمَأْخُوذُ طَعَامُهُ أَوْ شَرَابُهُ أَوْ دَابَّتُهُ (بِذَلِكَ أَوْ هَلَكَتْ بَهِيمَتُهُ) بِأَخَذِ طَعَامَهَا أَوْ شَرَابَهَا (فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ أَخْذِهِ لِتَسَبُّبِهِ فِي هَلَاكِهِ (وَمِثْلُهَا فِي الْحُكْمِ لَوْ أَخَذَ مِنْهُ قَوْسًا يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ ضَرْبًا ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ) وَكَذَا كُلُّ مَا يَدْفَعُ بِهِ صَائِلًا عَلَيْهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَسَبُّبِهِ فِي هَلَاكِهِ بِأَخْذِهِ مِنْهُ.

(وَإِنْ اُضْطُرَّ) إنْسَانٌ (إلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ لِغَيْرِ مُضْطَرٍّ فَطَلَبَهُ مِنْهُ فَمَنَعَهُ إيَّاهُ فَمَاتَ بِذَلِكَ ضَمِنَهُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ) رُوِيَ " أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَهْلَ أَبْيَاتٍ فَاسْتَسْقَاهُمْ فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ فَأَغْرَمَهُمْ عُمَرُ الدِّيَةَ " حَكَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَقَالَ: أَقُولُ بِهِ قَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ -: وَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى هَلَاكِهِ بِمَنْعِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ فَضَمِنَهُ (بِدِيَتِهِ فِي مَالِهِ) كَمَا لَوْ مَنَعَهُ طَعَامَهُ حَتَّى هَلَكَ وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّ مَانِعَ الطَّعَامِ تَعَمَّدَ الْفِعْلَ الَّذِي يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا وَقَالَ الْقَاضِي هُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ (وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ) الْمُضْطَرُّ أَيْ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرَابَ (مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ) فَلَمْ يَتَسَبَّبْ إلَى هَلَاكِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ مُضْطَرًّا وَطَلَبَهُ مِنْهُ وَمَنَعَهُ فَمَاتَ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْله إذَنْ وَكَذَا إذَا خَافَ أَنْ يُضْطَرَّ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ.

(وَمَنْ أَمْكَنَهُ إنْجَاءَ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) كَحَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ (مِنْ هَلَكَةِ كَمَاءٍ أَوْ نَارٍ أَوْ سَبُعٍ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى هَلَكَ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ إلَى هَلَاكِهِ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.

(وَمَنْ أَفْزَعَ إنْسَانًا أَوْ ضَرَبَهُ فَأَحْدَثَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَنَصَّ) أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ (أَوْ رِيحٍ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ إنْ لَمْ يَدُمْ) الْحَدَثُ لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عُثْمَانَ قَضَى فِيمَنْ ضَرَبَ إنْسَانًا حَتَّى أَحْدَثَ بِثُلُثِ الدِّيَةِ " قَالَ أَحْمَدُ لَا أَعْرِفُ شَيْئًا يَدْفَعهُ وَقَضَاءُ الصَّحَابِيِّ بِمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَوْقِيفٌ (فَإِنْ دَامَ) الْحَدَثُ (فَيَأْتِي فِي دِيَةِ الْأَعْضَاءِ) وَمَنَافِعهَا (وَلَوْ مَاتَ مِنْ الْإِفْزَاعِ فَعَلَى الَّذِي أَفْزَعَهُ الضَّمَانُ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ بِشَرْطِهِ) الْآتِي فِي بَابِ الْعَاقِلَةِ أَنَّ فِيهِ دِيَةً.

(وَإِذَا أَكْرَهَ) إنْسَانٌ (رَجُلًا) أَوْ امْرَأَةً (عَلَى قَتْلِ إنْسَانٍ فَصَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ فَهِيَ عَلَيْهِمَا) كَاشْتِرَاكِهِمَا فِي قَتْلِهِ (وَلَوْ أَكْرَهَ رَجُلٌ امْرَأَةً عَلَى الزِّنَا فَحَمَلَتْ وَمَاتَتْ فِي الْوِلَادَةِ ضَمِنَهَا) الزَّانِي لِمَوْتِهَا بِسَبَبِهِ الْمُتَعَدِّي بِهِ (وَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ) لِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا (إلَّا أَنْ لَا يَثْبُتَ ذَلِكَ) أَيْ الزِّنَا (إلَّا بِاعْتِرَافِهِ فَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ) فِي مَالِهِ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ (وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى إنْسَانٍ بِقَتْلِ عَمْدٍ فَقُتِلَ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ لَزِمَهُمَا الضَّمَانُ فِي مَالِهِمَا) لِأَنَّهُمَا تَعَمَّدَا مَا يَقْتُلُ غَالِبًا.

[فَصْلٌ وَمَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ أَوْ أَدَّبَ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ]

(فَصْلٌ وَمَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ أَوْ أَدَّبَ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ أَوْ أَدَّبَ الْمُعَلِّمُ صَبِيَّهُ أَوْ) أَدَّبَ (السُّلْطَانِ رَعِيَّتَهُ وَلَمْ يُسْرِفْ) الْأَبُ أَوْ الزَّوْجُ أَوْ الْمُعَلِّمُ أَوْ السُّلْطَانُ (فَأَفْضَى) التَّأْدِيبُ (إلَى تَلَفِهِ) أَيْ الْمُؤَدَّبِ (لَمْ يَضْمَنْ) الْمُؤَدِّبُ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ كَالْحَدِّ (وَإِنْ أَسْرَفَ) فِي التَّأْدِيبِ بِأَنْ زَادَ فَوْقَ الْمُعْتَادِ (أَوْ زَادَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ أَوْ ضَرَبَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ مِنْ صَبِيٍّ) غَيْرَ مُمَيِّزٍ (وَغَيْرَهُ) كَمَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ (ضَمِنَ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي ذَلِكَ شَرْعًا.

(وَمَنْ أُسْقِطَتْ بِطَلَبِ سُلْطَانٍ أَوْ تَهْدِيدِهِ) سَوَاءٌ كَانَ طَلَبُهَا (لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ) لِحَقِّ (غَيْرِهِ) أَيْ لِكَشْفِ حَدِّ اللَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ (أَوْ مَاتَتْ بِوَضْعِهَا) مِنْ الْفَزَعِ (أَوْ) مَاتَتْ مِنْ غَيْرِ وَضْعٍ (فَزَعًا أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهَا مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْفَزَعِ (أَوْ اسْتَعْدَى إنْسَانٌ عَلَيْهَا إلَى السُّلْطَانِ) بِأَنْ طَلَبَ مِنْهُ إحْضَارَهَا فَأَحْضَرَهَا فَحَصَلَ لَهَا شَيْءٌ مِمَّا سَبَقَ (ضَمِنَ السُّلْطَانُ مَا كَانَ بِطَلَبِهِ ابْتِدَاءٌ) أَمَّا الْجَنِينُ فَلِمَا رُوِيَ " أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ إلَى امْرَأَةٍ نَفِيسَةَ مُغَنِّيَةً كَانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ إلَيْهَا فَقَالَتْ يَا وَيْلَهَا مَا لَهَا وَلِعُمَرَ؟ فَبَيْنَمَا هِيَ فِي الطَّرِيقِ إذْ فَزِعَتْ فَضَرَبَهَا الطَّلْقُ فَأَلْقَتْ وَلَدًا فَصَاحَ الصَّبِيُّ صَيْحَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَ فَاسْتَشَارَ عُمَرُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَارَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَيْسَ عَلَيْك شَيْءً إنَّمَا أَنْتَ وَالٍ وَمُؤَدِّبٌ وَصَمَتَ عَلِيٌّ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ: مَا تَقُول يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ فَقَالَ: إنْ كَانُوا قَالُوا بِرَأْيِهِمْ فَأَخْطَأَ رَأْيُهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَالُوا فِي هَوَاكَ فَلَمْ يَنْصَحُوا لَك إنَّ دِيَتَهُ عَلَيْكَ لِأَنَّكَ أَفْزَعْتَهَا فَأَلْقَتْهُ فَقَالَ عُمَرُ: " أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَبْرَحَ حَتَّى تَقْسِمَهَا عَلَى قَوْمِكَ " وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلِأَنَّهَا نَفْسٌ هَلَكَتْ بِإِرْسَالِ السُّلْطَانِ إلَيْهَا فَضَمِنَهَا كَجَنِينِهَا وَلِأَنَّ

الْهَلَاكَ حَصَلَ بِسَبَبِهِ (وَضَمِنَ الْمُسْتَعْدِي مَا كَانَ بِسَبَبٍ مِنْ مَوْتهَا فَزَعًا أَوْ إلْقَاءِ جَنِينهَا) لِحُصُولِ الْهَلَاكِ بِسَبَبِهِ (وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ ظُلْمَةٌ) وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَبَقَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ.
فَإِنْ كَانَ الِاسْتِعْدَاءُ إلَى الْحَاكِمِ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا أَوْ مَاتَتْ فَزَعًا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْتَعْدِي الضَّمَانَ إنْ كَانَ ظُلْمًا وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الظَّالِمَةُ فَأَحْضَرَهَا عِنْدَ الْقَاضِي وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَهَا قَالَهُ كَمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ سَوَاءٌ أَحْضَرَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِذْنِ الْحَاكِم وَطَلَبِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا انْتَهَى وَقَيَّدَ الِاسْتِعْدَاءَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُبْدِع بِمَا إذَا كَانَ جَمَاعَةَ الشُّرْطَةِ وَقَدْ أَوَضَحْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ (كَمَا يَضْمَنُ) الْحَاكِمُ (بِإِسْقَاطِهَا بِتَأْدِيبٍ أَوْ قَطْعِ يَدٍ) فِي سَرِقَةٍ أَوْ نَحْوِهَا (لَمْ يَأْذَن سَيِّدٌ فِيهِمَا) أَيْ فِي التَّأْدِيبِ وَقَطْعِ الْيَدِ قَالَ فِي الْمُبْدِع.
وَإِذَا أَدَّبَ حَامِلًا فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا ضَمِنَ (أَوْ) أُسْقِطَتْ حَامِلٌ (لِشُرْبِ دَوَاءٍ لِمَرَضٍ) فَتَضْمَنَ جَنِينَهَا لِسُقُوطِهِ بِفِعْلِهَا (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ أَوْ) مَاتَ (حَمْلُهَا مِنْ رِيحِ طَبْخٍ عَلِمَ رَبُّهُ بِذَلِكَ) أَيْ أَنَّهَا حَامِلٌ (وَكَانَ) رِيحُ الطَّعَامِ (يَقْتُل الْحَامِلَ) أَوْ حَمْلَهَا (عَادَةً ضَمِنَ) مَا تَلِفَ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ وَكَذَا رِيحُ كِبْرِيتٍ وَنَحْوِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَم بِهَا رَبُّ الطَّعَامِ فَلَا إثْمَ وَالضَّمَانُ كَرِيحِ الدُّخَانِ يَتَضَرَّرُ بِهِ صَاحِبُ السُّعَال وَضِيقِ النَّفَسِ.

(وَلَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ فِي ضَرْبِ عَبْدِهِ) ضَرْبًا مُحَرَّمًا (أَوْ) أَذِنَ (الْوَالِدُ فِي ضَرْبِ وَلَدِهِ) ضَرْبًا مُحَرَّمًا (فَضَرَبَهُ الْمَأْذُونُ لَهُ ضَمِنَهُ) إنْ تَلِفَ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْإِذْنِ وَأَمَّا الضَّرْبُ الْمُبَاحُ لِلتَّأْدِيبِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْفَصْلِ.

(وَإِنْ سَلَّمَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ أَوْ سَلَّمَ بَالِغٌ عَاقِلٌ نَفْسَهُ إلَى سَابِحٍ حَاذِقٍ لِيُعَلِّمَهُ السِّبَاحَةَ فَغَرِقَ لَمْ يَضْمَنهُ) السَّابِحُ (إذْ لَمْ يُفَرِّطْ السَّابِحُ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ لِمَصْلَحَتِهِ كَضَرْبِ الْمُعَلِّمِ الصَّبِيَّ الضَّرْبَ الْمُعْتَادَ وَإِنْ قَالَ سَبِّحْ عَبْدِي هَذَا فَسَبَّحَهُ ثُمَّ رَقَّاهُ ثُمَّ عَادَ وَحْدَهُ يَسْبَحُ فَغَرِقَ فَهَدْرٌ وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ لِسَبْحِهِ وَيُعَلِّمُهُ وَمِثْلُهُ لَا يَغْرَقُ غَالِبًا ضَمِنَهُ إنْ غَفَلَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَشُدَّ مَا يُسَبِّحهُ عَلَيْهِ شَدًّا جَيِّدًا أَوْ جَعَلَهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ جَارٍ أَوْ وَاقِفٌ لَا يَحْمِلْهُ، أَوْ عَمِيقٌ مَعْرُوفٌ بِالْغَرَقِ قَالَهُ فِي الرِّعَايَة.

(وَإِنْ أَمَرَ بَالِغًا عَاقِلًا أَنْ يَنْزِلَ بِئْرًا أَوْ يَصْعَدَ شَجَرَةً فَهَلَكَ بِذَلِكَ يَضْمَنُهُ) الْآمِرُ (وَلَوْ كَانَ الْآمِرُ السُّلْطَانَ) كَغَيْرِهِ (كَاسْتِئْجَارِهِ) لِذَلِكَ (أَقْبَضَهُ الْأُجْرَةَ أَوْ لَا) لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ (كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ) فِي ذَلِكَ (وَلَمْ يَأْمُرْهُ) بِهِ (وَإِنْ أَمَرَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ضَمِنَهُ) لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى إتْلَافِهِ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ فَعَلَيْهِ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا الضَّمَانُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَلَعَلَّ مُرَادَ الشَّيْخِ مَا جَرَى بِهِ عُرْفٌ وَعَادَةٌ كَقَرَابَةٍ وَصُحْبَةٍ وَتَعْلِيمٍ وَنَحْوِهِ فَهَذَا مُتَّجَهٌ وَإِلَّا ضَمِنَهُ وَقَدْ كَانَ

ابْنُ عَبَّاسٍ يَلْعَب مَعَ الصِّبْيَانِ فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ فِي شَرْحِهِ لَا يُقَالُ هَذَا تَصَرُّفٌ فِي مَنْفَعَةِ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْمُسَامَحَةِ بِهِ لِلْحَاجَةِ وَاطَّرَدَ بِهِ الْعُرْفُ وَعَمَلُ الْمُسْلِمِينَ.

(وَإِنْ وَضَعَ جَرَّةً عَلَى سَطْحِهِ أَوْ حَائِطِهِ وَلَوْ مُتَطَرِّفَةً أَوْ) وَضَعَ (حَجَرًا) عَلَى سَطْحِهِ أَوْ حَائِطِهِ (فَرَمَتْهَا) أَيْ الْجَرَّةَ أَوْ الْحَجَرَ (الرِّيحُ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَتْهُ أَوْ) رَمَتْهَا الرِّيحُ عَلَى (شَيْءٍ) مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَأَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَوَضْعُهُ لِذَلِكَ كَانَ فِي مِلْكِهِ (وَلَوْ دَفَعَ الْجَرَّةَ حَالَ نُزُولِهَا عَنْ وُصُولِهَا إلَيْهِ) أَوْ دَفَعَ الْحَجَرَ كَذَلِكَ (لَمْ يَضْمَنْ) مَا تَلِفَ بِهِ كَدَفْعِ الصَّائِلِ (وَكَذَا لَوْ تَزَحْزَحَ) عَلَيْهِ شَيْءٌ (فَدَفَعَهُ) عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ.

(وَلَوْ حَالَتْ بَهِيمَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَعَامِهِ أَوْ مَالِهِ وَلَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِقَتْلِهَا فَقَتَلَهَا لَمْ يَضْمَنْهَا وَتَقَدَّمَ آخِرُ الْغَصْبِ) لِأَنَّهُ كَدَفْعِ الصَّائِلِ.

(وَإِنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ) بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ (أَوْ) أَخْرَجَ (مِيزَابًا) أَوْ جَعَلَ سَابَاطًا نَافِذًا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ (أَوْ) جَعَلَ ذَلِكَ (فِي) دَرْبٍ (غَيْرِ نَافِذٍ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَأَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبٍ مُتَعَدٍّ بِهِ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ بِلَا ضَرَرَ أَوْ بِإِذْنِ أَهْلِ غَيْرِ النَّافِذِ فَلَا ضَمَانَ لِعَدَمِ الْعُدْوَانِ (وَتَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ) .

وَإِنْ نَامَ عَلَى سَطْحِهِ فَهَوَى سَقْفُهُ مِنْ تَحْتِهِ عَلَى قَوْمٍ لَزِمَهُ الْمُكْثُ وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ لِأَنَّهُ مَلْجَأٌ لَمْ يَتَسَبَّبْ وَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ بِدَوَامِ لُبْثِهِ أَوْ بِانْتِقَالٍ ضَمِنَهُ ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ وَاخْتَارَ فِي التَّائِبِ الْعَاجِزِ عَنْ مُفَارَقَةِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْحَالِ أَوْ الْعَاجِزِ عَنْ إزَالَةِ أَثَرهَا كَمُتَوَسِّطِ الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ وَمُتَوَسِّطِ الْجَرْحَى تَصِحُّ تَوْبَتُهُ مَعَ الْعَزْمِ وَالنَّدَمِ وَأَنَّهُ لَيْسَ غَاصِبًا بِخُرُوجِهِ مِنْ الْغَصْبِ.

[بَابُ مَقَادِيرِ دِيَةِ النَّفْسِ]

ِ الْمَقَادِيرُ جَمْعُ مِقْدَارٍ وَهُوَ مَبْلَغُ الشَّيْءِ وَقَدْرِهِ (دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ أَوْ أَلْفَا شَاةٍ أَوْ أَلْفَ مِثْقَالٍ ذَهَبًا أَوْ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِضَّةً مِنْ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ الَّتِي كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا) أَيْ الدَّرَاهِمِ (سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ) قَالَ الْقَاضِي لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ أُصُولَ الدِّيَةِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ (فَهَذِهِ الْخَمْسُ أُصُولٍ فِي الدِّيَةِ) لِمَا رَوَى عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةً مِنْ الْإِبِل وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ» . وَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ» (لَا حُلَلَ) فَلَيْسَتْ أَصْلًا لِلْأَخْبَارِ وَلِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ وَلَا تَنْضَبِطُ وَعَنْهُ أَنَّهَا أَصْلٌ وَقَدْرُهَا مِائَتَا حُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ كُلُّ حُلَّةٍ بُرْدَانِ إزَارٌ وَرِدَاءٌ وَفِي الْمَذْهَبِ جَدِيدَانِ (فَأَيُّهَا) أَيْ الْأُصُولُ الْخَمْسِ (أَحْضَرَ مَنْ لَزِمَتْهُ) الدِّيَةُ (لَزِمَ الْوَلِيَّ قَبُولُهُ) سَوَاءٌ كَانَ الْجَانِي مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ النَّوْعِ أَوْ لَا لِأَنَّهَا أُصُولٌ فِي قَضَاءِ الْوَاجِبِ يُجْزِي وَاحِدٌ مِنْهَا فَكَانَتْ الْخِيَرَةُ إلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ.

(فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ وَجَبَتْ) الدِّيَةُ (مُغَلَّظَةً أَرْبَاعًا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةَ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةَ) رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا.

(وَتَجِبُ) الدِّيَةُ (فِي قَتْلِ الْخَطَأِ مُخَفَّفَةٌ أَخْمَاسًا عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ ابْنِ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ حِقَّةَ وَعِشْرُونَ جَذَعَةَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ (ذُكُورًا وَإِنَاثًا) لَعَلَّ مُرَادَهُ فِيمَا عَدَا أَوْلَادِ الْمَخَاضِ (وَيُؤْخَذُ مِنْ الْبَقَرِ النِّصْفُ مُسِنَّاتٌ وَالنِّصْفُ أَتْبِعَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْعَدْلُ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْكُلَّ مُسِنَّاتٍ كَانَ إجْحَافًا بِالْجَانِي وَبِالْعَكْسِ فِيهِ إجْحَافٌ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
(وَ) يُؤْخَذُ (مِنْ الْغَنَمِ النِّصْفُ ثَنَايَا وَالنِّصْفُ أَجْذِعَة) لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ دِيَةَ الْإِبِلِ مِنْ الْأَسْنَانِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الزَّكَاةِ فَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ (وَلَا تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) مِمَّا ذُكِرَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهَا دِيَةَ النَّقْدِ (بَعْدَ أَنْ يَكُونَ) مَا ذُكِرَ (سَلِيمًا مِنْ الْعُيُوبِ) قَلَّتْ قِيمَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَطْلَقَهَا فَتَقْيِيدُهَا بِالْقِيمَةِ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْخَبَرِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ لَا يُجْزِئُ مَرِيضٌ وَلَا عَجِيفٌ وَلَا مَعِيبٌ وَلَا دُونَ دِيَةِ الْأَثْمَانَ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهَا مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَحُلَلٍ (فَيُؤْخَذُ الْمُتَعَارَفُ مَعَ التَّنَازُعِ) لِأَنَّ مَا لَا حَدّ لَهُ فِي الشَّرْعِ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ وَهَذَا فِي الْحُلَلِ كَمَا فِي الْمُقْنِعِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا أَصْلٌ فَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَهُ، وَأَمَّا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهَا.

(وَتُغَلَّظُ دِيَةُ طَرَفٍ) كَدِيَةِ (قَتْلٍ) لِاتِّفَاقِهِمَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ (وَلَا تَغْلِيظَ فِي غَيْرِ إبِلٍ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (وَالتَّخْفِيفُ فِي الْخَطَأِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الضَّرْبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالتَّأْجِيلُ ثَلَاثَ سِنِينَ) كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ الْعَاقِلَةِ (وَوُجُوبُهَا) أَيْ الدِّيَةُ (مُخَمَّسَةٌ) كَمَا سَبَقَ (وَشِبْهُ الْعَمْدِ تُخَفَّفُ) الدِّيَةُ (فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ الضَّرْبُ) لِلدِّيَةِ (عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالتَّأْجِيلُ بِثَلَاثِ سِنِينَ) كَالْخَطَأِ (وَتُغَلَّظُ مِنْ وَجْهٍ) وَاحِدٍ (وَهُوَ التَّرْبِيعُ) أَيْ كَوْنُهَا تُؤْخَذُ أَرْبَاعًا كَمَا تَقَدَّمَ (وَفِي الْعَمْدِ الْمَحْضِ تُغَلَّظُ بِتَخْصِيصِهَا بِالْجَانِي وَتَعْجِيلِهَا عَلَيْهِ) أَيْ كَوْنِهَا حَالَّةً (وَتَبْدِيلُ التَّخْمِيسِ بِالتَّرْبِيعِ فَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ قِسْمَةُ دِيَةِ الطَّرَفِ) أَوْ الشَّجَّةِ (مِثْلَ أَنْ يُوَضِّحَهُ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَرْبَعَةَ أَرْبَاعًا) أَيْ بِنْتَ مَخَاضٍ وَبِنْتَ لَبُونٍ وَحِقَّةَ وَجَذَعَةَ.
(وَ) يَجِبُ الْبَعِيرُ (الْخَامِسُ مِنْ أَحَدِ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ قِيمَتُهُ رُبْعُ قِيمَةِ الْأَرْبَعِ) الْمَذْكُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي زَكَاةِ الْمَالِ إذَا كَانَ مِنْ نَوْعَيْنِ.

(وَإِنْ كَانَ أَوْضَحَهُ خَطَأً وَجَبَتْ الْخُمْسُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بَعِيرٍ) ابْنِ مَخَاضٍ وَابْنِ لَبُونٍ وَحِقَّةَ وَجَذَعَةَ.

(وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دِيَةَ أُنْمُلَةٍ) مِنْ غَيْرِ إبْهَامٍ قُطِعَتْ عَمْدًا أَوْ شِبْهَهُ (وَجَبَتْ ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثُ) بَعِيرٍ (قِيمَتُهَا نِصْفُ قِيمَةِ الْأَرْبَعَةِ) أَيْ بِنْتَ اللَّبُونِ وَبِنْتَ الْمَخَاضِ وَالْحِقَّةِ وَالْجَذَعَةِ (وَثُلُثُهَا) أَيْ ثُلُثُ قِيمَةِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ نِسْبَةَ الثَّلَاثَةِ وَالثُّلُثِ إلَى الْأَرْبَعَةِ نِصْفُ وَثُلُثُ الْخَمْسَةِ ثُلُثَانِ.

(وَإِنْ كَانَ) قَطْعُ الْأُنْمُلَةِ (خَطَأً فِيهَا) ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثُ قِيمَتِهَا (ثُلُثَا قِيمَةُ الْخَمْسِ) لِأَنَّ نِسْبَةَ الثَّلَاثَةِ وَالثُّلُثِ إلَى الْخَمْسَةِ ثُلُثَانِ (وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِبِلِ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ إبِلِ الْجَانِي وَلَا) مِنْ جِنْسِ (إبِلِ بَلَدِهِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَخْبَارِ.

(وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ) مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً (نِصْفُ دِيَةِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ دِيَتِهَا) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِر رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي كِتَابِهِ دِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ» لَكِنْ حُكِيَ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ وَالْأَصَمِّ " أَنَّ دِيَتَهَا كَدِيَةِ الرَّجُلِ " وَرَدَ (وَيُسَاوِي جِرَاحهَا) أَيْ الْمَرْأَةَ (جِرَاحَهُ) أَيْ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ دِيَتِهَا كَيْفَ كَانَا (فِيمَا دُونَ ثُلُثِ دِيَتِهِ فَإِذَا بَلَغَتْهُ) أَيْ الثُّلُثُ (أَوْ زَادَتْ) عَلَيْهِ (صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَرَوَى مَالِكٌ «عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: كَمْ فِي أُصْبُعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ قُلْتُ: فَفِي إصْبَعَيْنِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ قُلْتُ: فَفِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ؟ قَالَ ثَلَاثُونَ قُلْتُ: فَفِي أَرْبَعِ أَصَابِعَ قَالَ؟ عِشْرُونَ قُلْتُ: لَمَّا عَظُمَتْ مُصِيبَتُهَا قَلَّ عَقْلُهَا؟ قَالَ: هَكَذَا السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي» .

(وَدِيَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ نِصْفُ دِيَةِ رَجُلٍ وَنِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى) لِأَنَّ مِيرَاثَهُ كَذَلِكَ لَا يُقَالُ الْوَاجِبُ دِيَةُ أُنْثَى لِتَيَقُّنِهَا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الذُّكُورِيَّةَ وَالْأُنُوثِيَّةَ احْتِمَالًا مُتَسَاوِيًا، فَوَجَبَ التَّوَسُّطُ بَيْنهمَا وَالْعَمَلُ بِكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ (وَيُقَادُ بِهِ) أَيْ الْخُنْثَى (الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَيُقَادُ هُوَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بِشَرْطِهِ وَتَقَدَّمَ (وَيُسَاوِي) أَرْشَ (جِرَاحِ الذَّكَرِ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ) لِأَنَّ أَدْنَى حَالَيْهِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً (وَفِي) جِرَاحٍ يُوجِبُ (الثُّلُثَ) كَالْجَائِفَةِ (وَمَا زَادَ عَنْهُ) أَيْ الثُّلُثُ كَالْيَدِ (ثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ) أَرْش (جُرْح ذَكَرٍ) لِأَنَّ الْجُرْحَ كَالتَّابِعِ لِلْقَتْلِ.

(وَدِيَةُ الذَّكَرِ الْكِتَابِيّ الْحُرِّ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ «دِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَحَسَّنَهُ.

(إنْ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ مُعَاهَدًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا) لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي حَقْنِ الدَّمِ أَمَّا الْحَرْبِيُّ فَهَدْرٌ (وَجِرَاحَاتُهُمْ) أَيْ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ (مِنْ دِيَاتِهِمْ كَجِرَاحَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَاتِهِمْ) لِأَنَّ الْجُرْحَ تَابِعٌ لِلْقَتْلِ.

(وَدِيَةُ الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةُ دِرْهَمٍ) فِي قَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ مَرْفُوعًا «دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ» رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْل الْكِتَابِ» مَحْمُولٌ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَحَقْنِ الدَّمِ لَا فِي كُلِّ شَيْءٍ بِدَلِيلِ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ لَا تَحِلُّ لَنَا (إنْ كَانَ) الْمَجُوسِيُّ (ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا أَوْ مُعَاهَدًا بِدَارِنَا أَوْ غَيْرِهَا) لِحَقْنِ دَمِهِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ (وَجِرَاحُ كُلُّ وَاحِدٍ مُعْتَبَرَةٌ) بِالنِّسْبَةِ (مِنْ دِيَتِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَتَضْعِيفُ دِيَةُ الْكَافِرِ عَلَى قَاتِلِهِ الْمُسْلِمِ عَمْدًا، وَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ) مُوَضَّحًا.

(وَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَسَائِرُ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ كَالتُّرْكِ وَمَنْ عَبَدَ مَا اسْتَحْسَنَ فَلَا دِيَةَ لَهُمْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمَانٌ وَلَا عَهْدٌ) لِأَنَّ دِمَاءَهُمْ مُهْدَرَةٌ إذَنْ (فَإِنْ كَانَ لَهُ أَمَانٌ فَدِيَتُهُ دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ) لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ أَشْبَهَ الْمَجُوسِيِّ.

(وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَة إنْ وُجِدَ) وَقَدْ أُخْبِرْتُ عَنْ قَوْمٍ بِآخِرِ بِلَادِ السُّودَان لَا يَفْقَهُونَ مَا يُقَالُ لَهُمْ مِنْ غَيْرهمْ، وَحِينَئِذٍ فَهَؤُلَاءِ لَا تَبْلُغُهُمْ الدَّعْوَةُ (فَلَا ضَمَانَ فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمَانٌ) لِأَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا أَمَانَ أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ قَتْلَهُ حَتَّى يُدْعَى (فَإِنْ كَانَ لَهُ أَمَانٌ فَدِيَتُهُ دِيَةٌ أَهْلِ دِينِهِ) لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ (فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ فَكَمَجُوسِيٍّ) لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ.

(وَدِيَةُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ قِيمَتُهُمَا وَلَوْ بَلَغَتْ) قِيمَتُهُمَا (دِيَةَ الْحُرِّ أَوْ زَادَتْ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ، لِأَنَّ الْقِنَّ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فَيُضْمَنُ بِكَمَالِ قِيمَتِهِ كَالْفَرَسِ، وَيُخَالِفُ الْحُرَّ فَإِنَّهُ يُضْمَنُ بِمَا

قَدَّرَهُ الشَّارِعُ فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِضَمَانِ مَالٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ صِفَتِهِ وَهَذَا ضَمَانُ مَالٍ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْمِلْكِيَّةِ وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهَا فَاخْتَلَفَا (وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْقِنِّ) وَكَذَا الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَتِهِ قَبْلَ وُجُودِهَا لِحَدِيثِ «الْمُكَاتَبُ قِنٌّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ (وَفِي جِرَاحِهِ) أَيْ الْقِنِّ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) أَرْشُ جِرَاحِهِ مُقَدَّرًا مِنْ الْحُرِّ (كَمَا لَوْ شَجَّهُ دُونَ مُوضِحَةِ مَا نَقَصَهُ بَعْدَ الْتِئَامِ الْجُرْحِ) أَيْ بُرْئِهِ (وَلَوْ زَادَ) ذَلِكَ (عَلَى أَرْشِ الْمُوضِحَةِ) لِأَنَّ الْمُوجِبَ إنَّمَا أَوْجَبَ جَبْرًا لِمَا فَاتَ، وَبِذَلِكَ يَنْجَبِرُ (وَإِنْ كَانَ) أَرْشُ الْجُرْحِ (مُقَدَّرًا مِنْ الْحُرِّ) كَالْمُوضِحَةِ وَالْيَدِ (فَهُوَ مُقَدَّرُ مِنْ الْعَبْدِ مَنْسُوبُ إلَى قِيمَتِهِ) لِأَنَّ قِيمَتَهُ كَدِيَةِ الْحُرِّ (فَفِي يَدِهِ) أَيْ الْقِنُّ (نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوَضِّحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ) مِنْهُ لِأَنَّهُ سَاوَى الْحُرَّ فِي ضَمَانِ الْجِنَايَةِ بِالْقِصَاصِ وَالْكَفَّارَةِ فَسَاوَاهُ فِي اعْتِبَارِ مَا دُونَ النَّفْسِ كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.

(وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ) وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ (فَعَلَى قَاتِلِهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ إذَا كَانَ) الْقَتْلُ (عَمْدًا) لِأَنَّهُ لَا تَحْمِلهُ الْعَاقِلَةُ (وَإِنْ كَانَ) الْقَتْلُ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ عَمْدٍ بِأَنْ كَانَ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ (فَفِي مَالِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ) لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ (وَنِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي جِرَاحِهِ) أَيْ الْمُبَعَّضُ (إنْ كَانَ قَدْرُ الدِّيَةِ مِنْ إرْثِهَا يَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَ أَنْفَهُ أَوْ يَدَيْهِ) أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ أَوْ خُصْيَتَيْهِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ نِصْفُ دِيَةِ ذَلِكَ إنْ كَانَ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ.
(وَإِنْ قَطَعَ إحْدَى يَدَيْهِ فَ) عَلَيْهِ (رُبْعُ الدِّيَةِ وَرُبْعُ قِيمَتِهِ وَيَكُونُ) الْجَمِيعُ عَلَى الْجَانِي لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ وَلَا الْقِيمَةِ (وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (خُصْيَتَيْهِ أَوْ) قَطَعَ (أَنْفَهُ أَوْ قَطَعَ) أُذُنَيْهِ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ بَدَلٌ عَنْ الدِّيَةِ فِي الْأَعْضَاءِ الْمَمْلُوكَةِ لِلسَّيِّدِ (وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُ السَّيِّد عَنْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يَقْتَضِي الزَّوَالَ فَوَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ عَمَلًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ لِأَنَّ قَطْعَ بَعْضِ أَعْضَائِهِ بِمَنْزِلَةِ تَلَفِ بَعْضِ مَالِهِ (وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (ذَكَرَهُ) أَيْ الْقِنُّ (ثُمَّ خَصَّاهُ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ لِقَطْعِ الذَّكَرِ) لِأَنَّ الْوَاجِبِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُرِّ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
(وَ) لَزِمَهُ (قِيمَتُهُ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي قَطْعِ الْخُصْيَتَيْنِ مِنْ الْحُرِّ بَعْد الذَّكَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَاعْتُبِرَ مَقْطُوعُ الذَّكَرِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِمَا (وَمِلْكُ سَيِّدِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ) لِمَا مَرَّ.
وَفِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ قِيمَتَاهُ، وَكَذَا أَنْفِهِ وَأُذُنَاهُ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ السَّيِّدِ (وَالْأَمَةُ كَالْعَبْدِ) وَالصَّغِيرُ كَالْكَبِيرِ فِيمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ بَلَغَتْ جِرَاحَتُهَا) أَيْ الْأَمَةُ (ثُلُثَ قِيمَتِهَا لَمْ تُرَدُّ إلَى النِّصْفِ) بِخِلَافِ الْحُرَّةِ (لِأَنَّ ذَلِكَ)

أَيْ الرَّدَّ إلَى النِّصْفِ (فِي الْحُرَّةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ) فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.

[فَصْل وَدِيَةُ الْجَنِينِ]

(فَصْل وَدِيَةُ الْجَنِينِ) أَيْ الْوَلَدُ فِي الْبَطْنِ مِنْ الِاجْتِنَانِ وَهُوَ السِّتْرُ لِأَنَّهُ أَجَنَّهُ بَطْنُ أُمّهِ أَيْ سِتْرَهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: 32] (الْحُرُّ الْمُسْلِمُ إذَا سَقَطَ) كُلُّهُ (مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ) أَوْ فَزِعَ إذَا طَلَبهَا السُّلْطَانُ، أَوْ مِنْ رِيحِ طَعَامٍ مَعَ عِلْمِ رَبِّهِ وَتَقَدَّمَ (عَمْدًا) كَانَتْ الْجِنَايَةُ (أَوْ خَطَأً أَوْ ظَهَرَ بَعْضُهُ) وَلَمْ يَخْرُجْ بَاقِيهِ فَفِيهِ الْغُرَّةُ (أَوْ أَلْقَتْهُ حَيًّا لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِجِنَايَتِهِ (أَوْ أَلْقَتْ) الْحَامِلَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهَا (يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ رَأْسًا أَوْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ) كَأُذُنٌ وَأُصْبُعٌ سَوَاءٌ كَانَ سُقُوطُهُ (فِي حَيَاةِ أُمِّهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْ أَلْقَتْ) الْمَجْنِيَّ عَلَيْهَا (مَا تَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ) وَهُوَ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ، وَلَوْ خَفِيًّا بِجِنَايَةٍ أَوْ فِي مَعْنَاهَا (غُرَّةٌ) أَيْ دِيَةِ الْجَنِينِ فِيمَا ذَكَرَ غُرَّةَ (عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ) لِقَضَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَالْأَحْسَنُ تَنْوِينُ غُرَّةٍ وَعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بَدَل وَتَجُوزُ الْإِضَافَةُ عَلَى تَأْوِيلِ إضَافَةِ الْجِنْسِ إلَى النَّوْعِ كَشَجَرِ أَرَاكٍ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَنْفَسِ الْأَمْوَالِ وَالْأَصْلُ فِي الْغُرَّةِ الْخِيَارُ وَأَصْلُهَا الْبَيَاضُ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ، وَلَيْسَ الْبَيَاضُ فِي الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ شَرْطًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ (قِيمَتُهَا) أَيْ الْغُرَّةُ (خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلَّ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِي الْجِنَايَةِ وَهُوَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فَرَدَدْنَاهُ إلَيْهِ، وَأَمَّا الْأُنْمُلَةُ فَوَجَبَتْ دِيَتُهَا بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَةِ الْأُصْبُعِ وَإِذَا اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْإِبِلِ وَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِهَا فَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا تَقُومُ بِالْإِبِلِ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَقَالَ غَيْرُهُ: تَقُومُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْوَرَقِ فَتُجْعَل قِيمَتُهَا خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ (ذَكَرًا كَانَ) الْجَنِينُ (أَوْ أُنْثَى) لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ.
(وَهُوَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْخَمْسِ مِنْ الْإِبِلِ (عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ) الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ وَتَأْتِي مُحْتَرَزَاتُ مَا سَبَقَ فِي كَلَامِهِ وَقَوْلِهِ (مِنْ ضَرْبَةٍ أَوْ دَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَفَزَعِهَا لِلِاسْتِعْدَاءِ عَلَيْهَا أَوْ شَمِّ رِيحِ طَعَامٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مُتَعَلِّقٌ بِسَقَطٍ (وَلَوْ) كَانَ سُقُوطُ الْجَنِينِ (بِفِعْلِهَا) أَيْ فِعْلِ أُمِّهِ بِأَنْ شَرِبَتْ دَوَاءً فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا فَعَلَيْهَا الْغُرَّةُ (وَيُعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّ سُقُوطَهُ

بِالْجِنَايَةِ (أَيْ بِأَنْ يَسْقُطَ عَقِبَ الضَّرْبِ أَوْ تَبْقَى) أُمُّهُ (مُتَأَلِّمَةً إلَى أَنْ يَسْقُطَ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ إذَنْ سُقُوطُهُ بِسَبَبِ الضَّرْبِ (وَإِنْ أَلْقَتْهُ) بِجِنَايَةِ (رَأْسَيْنِ أَوْ رُبْعِ أَيْدٍ) أَوْ أَرْجُلٍ (لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ غُرَّةٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ) ذَلِكَ (مِنْ جَنِينٍ وَاحِدٍ وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ) فَلَمْ يَجِب بِهِ شَيْءٌ.

(وَإِنْ دَفَعَ بَدَلَ الْغُرَّةِ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرِهَا) مِنْ أَحَدِ الْأُصُولِ أَوْ غَيْرِهَا (وَرَضِيَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا وَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا لَمْ يُجْبِرْهُ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَلَا تَصِحَّ بِغَيْرِ الرِّضَا.

(وَلَوْ قَتَلَ حَامِلًا وَلَمْ تُسْقِطْ جَنِينَهَا) فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْوَلَدِ إلَّا بِخُرُوجِهِ (أَوْ ضَرَبَ مِنْ فِي جَوْفِهَا حَرَكَةٌ أَوْ انْتِفَاخٌ فَسَكَّنَ الْحَرَكَةَ وَأَذْهَبَهَا) فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِمَا مَرَّ بَلْ هُنَا أَوْلَى لِلشَّكِّ (أَوْ أَسْقَطَتْ مَا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ آدَمِيٍّ أَوْ أَلْقَتْ مُضْغَةً فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنَّهُ مَبْدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ لَوْ بَقِيَ تَصَوَّرَ) آدَمِيًّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدٍ (أَوْ ضَرَبَ بَطْنَ حَرْبِيَّةٍ) حَامِلٍ (أَوْ) بَطْنَ (مُرْتَدَّةٍ حَامِلٍ فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ وَضَعَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ جِنَايَةٌ عَلَيْهَا حِينَ عِصْمَتِهَا (وَإِنْ شَهِدَتْ) أَيْ الثِّقَاتُ مِنْ الْقَوَابِلِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ وَاحِدَةٌ (أَنَّ فِيهِ صُورَةً) خَفِيَّةً (فَفِيهِ غُرَّةٌ) لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ غَالِبًا (وَإِذَا كَانَ أَبَوَا الْجَنِينِ كِتَابِيَّيْنِ فَغُرَّتُهُ نِصْفُ قِيمَةِ غُرَّةِ الْمُسْلِمِ) كَمَا أَنَّ أَصْلَهُ كَذَلِكَ (وَقِيمَتُهُ غُرَّةَ جَنِينِ الْمَجُوسِيَّةِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) لِأَنَّ ذَلِكَ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ وُجُودُ غُرَّةٍ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ) لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَتْ غُرَّةُ الْمُسْلِمِ (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْغُرَّةَ وَجَبَتْ قِيمَتُهَا مِنْ أَحَدِ الْأُصُولِ فِي الدِّيَةِ لِأَنَّ الْخِيَرَةَ لِلْجَانِي فِي دَفْعِ مَا شَاءَ مِنْ الْأُصُولِ) الْخَمْسَةِ.

[فَصْل وَالْغُرَّةُ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ أَيْ الْجَنِينِ]

(فَصْل وَالْغُرَّةُ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ) أَيْ الْجَنِينِ (كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا) لِأَنَّهَا دِيَةُ آدَمِيٍّ حُرٍّ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَوْرُوثَةً عَنْهُ كَمَا لَوْ وَلَدَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ وَقَالَ اللَّيْثُ: هِيَ لِأُمِّهِ وَلَا يُوَرَّثُ عَنْهُ غَيْرُهَا (يَرِثُهَا) أَيْ الْغُرَّةُ (وَرَثَتُهُ) أَيْ الْجَنِينِ (فَلَا يَرِثُ مِنْهَا قَاتِلٌ وَلَا رَقِيقٌ) لِقِيَامِ الْمَانِعِ وَهُوَ الْقَتْلُ أَوْ الرِّقُّ (يَرِث عَصَبَةً سَيِّدٌ قَاتِلُ جَنِينِ مُعْتَقَتِهِ) أَيْ لَوْ ضَرَبَ السَّيِّدُ بَطْنَ عَتِيقَتِهِ فَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا كَانَ عَلَيْهِ غُرَّةٌ يَرِثُهَا أُمّ الْجَنِينِ، وَعَصَبَةُ السَّيِّدِ دُونَهُ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ وَكَذَا لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ أُمِّ وَلَدِهِ

الْحَامِلِ مِنْهُ وَ (لَا) غُرَّةَ عَلَيْهِ فِي (جَنِينِ أَمَتِهِ) إذَا ضَرَبَهَا فَأَسْقَطَتْهُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) جَنِينَ أَمَتِهِ (حُرًّا) فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ (فَإِنْ أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ) أُمُّهُ الْحُرَّةُ (وَرِثَتْ نَصِيبَهَا مِنْ الْغُرَّةِ) لِتَأَخُّرِ حَيَاتِهَا (ثُمَّ يَرِثُهَا) أَيْ حِصَّتَهَا (وَرَثَتُهَا) كَسَائِرِ مَالِهَا (وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) لِمَوْتِهَا قَبْلَهُ فَلَا تَرِثُهُ، وَلِعَدَمِ اسْتِهْلَالِهِ لَا يَرِثُهَا (وَإِنْ خَرَجَ) الْجَنِينُ (حَيًّا) لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ (ثُمَّ مَاتَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ) وَرِثَهَا لِتَأَخُّرِ حَيَاتِهِ (أَوْ مَاتَتْ ثُمَّ خَرَجَ) الْجَنِينُ (حَيًّا ثُمَّ مَاتَ وَرِثَهَا) لِتَأَخُّرِ حَيَاتِهِ (ثُمَّ يَرِثهُ وَرَثَتُهُ وَإِنْ اخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا) أَيْ الْمَرْأَةِ وَجَنِينِهَا (فِي أَوَّلِهِمَا مَوْتًا فَلَهُمَا حُكْمُ الْغَرْقَى) وَتَقَدَّمَ.

(وَإِنْ أَلْقَتْ) مَجْنِيٌّ عَلَيْهَا (جَنِينًا مَيِّتًا أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَتْ ثُمَّ أَلْقَتْ آخَرَ حَيًّا فَفِي الْمَيِّت غُرَّةٌ) لِمَا سَبَقَ (وَفِي الْحَيِّ الْأَوَّلِ) إنْ مَاتَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ (دِيَةٌ إنْ كَانَ سُقُوطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلَهُ) فِيهِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ (وَيَرِثهُمَا) أَيْ الْمَرْأَةَ وَجَنِينَهَا (الْحَيُّ الْآخَرُ ثُمَّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ إنْ مَاتَ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَاتَتْ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ الثَّانِي وَرِثَتْ الْأُمُّ وَالْجَنِينَيْنِ الثَّانِي مِنْ دِيَةِ الْأَوَّلِ) لِتَأَخُّرِ حَيَاتِهِمَا عَنْهُ (ثُمَّ إذَا مَاتَتْ الْأُمُّ) قَبْلَ الثَّانِي (وَرِثَهَا الثَّانِي) لِأَنَّهُ ابْنُهَا (ثُمَّ يَصِيرُ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ) إنْ مَاتَ (فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ بَعْدَهُمَا) أَيْ بَعْدَ الْجَنِينَيْنِ (وَرِثَتْهُمَا) أَيْ وَرِثَتْ مِنْهُمَا (جَمِيعًا) سَوَاءٌ مَاتَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبَيْنِ.

(وَإِنْ ضَرَبَ) الْجَانِي (بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ أَجِنَّةً) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ غُرَّةٌ) كَمَا لَوْ قَتَلَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ وَلَا تَدَاخُلَ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لِآدَمِيٍّ أَشْبَهَتْ الدُّيُونَ (وَإِنْ أَلْقَتْهُمْ) أَيْ الْأَجِنَّةَ (أَحْيَاءً لِوَقْتٍ يَعِيشُونَ لِمِثْلِهِ ثُمَّ مَاتُوا) بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ (فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِيَةٌ كَامِلَةٌ) كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ وِلَادَتِهِمْ أَحْيَاءً (وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الْجَنِينِ أَمَةً وَهُوَ حُرٌّ) فَفِيهِ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ (فَتُقَدَّرُ) أُمَّهُ (حُرَّةً) لِتَكُونَ بِصِفَةِ الْجَنِينِ (أَوْ كَانَتْ) أُمُّ الْجَنِينِ (ذِمِّيَّةً حَامِلًا مِنْ ذِمِّيٍّ وَمَاتَ) الذِّمِّيُّ بِدَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ جُنِيَ عَلَى أُمِّهِ فَأَسْقَطَتْهُ فَفِيهِ غُرَّةٌ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ (عَلَى أَصْلِنَا) أَيْ قَاعِدَةِ مَذْهَبِنَا إنْ مَاتَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَلَهُ وَلَدٌ غَيْرُ بَالِغٍ فَهُوَ مُسْلِمٌ تَبِعَا لِلدَّارِ (فَتُقَدَّرُ) الذِّمِّيَّةُ (مُسْلِمَةً) اعْتِبَارًا بِصِفَةِ الْجَنِينِ.

(وَلَا يُقْبَلُ فِي الْغُرَّةِ خُنْثَى وَلَا خَصِيٌّ وَنَحْوِهِ) كَمَوْجُوءِ الْخُصْيَتَيْنِ وَمَسْلُولِهِمَا لِأَنَّهُ عَيْبٌ (وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ وَلَا مَعِيبَ يُرَدُّ فِي الْبَيْعِ وَلَا هَدْمَةً) لِأَنَّ الْغُرَّةَ بَدَلٌ فَاعْتُبِرَتْ فِيهَا السَّلَامَةُ كَإِبِلِ الصَّدَقَةِ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهَا خِيَارٌ (وَلَا مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ) لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى مَنْ يَكْفُلُهُ (بَلْ) يَقْبَلُ فِيهَا (مِنْ لَهُ سَبْعُ) سِنِينَ (فَأَكْثَرُ وَلَوْ جَاوَزَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ) كَانَ (أَسْوَد كَأَبْيَضَ) لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ.

[فَصْل وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَمْلُوكًا]

(فَصْل وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَمْلُوكًا فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ) لِأَنَّهُ جَنِينُ آدَمِيَّةٍ وَقِيمَةُ الْأَمَةِ بِمَنْزِلَتِهِ دِيَةُ الْحُرَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا فَقُدِّرَ بَدَلُهُ مِنْ قِيمَتِهَا كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا (نَقْدًا) لِأَنَّهُ قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ الْمُتَقَوِّمَةِ (وَمَعَ سَلَامَتِهِ) أَيْ جَنِينِ الْأَمَةِ مِنْ الْعَيْبِ (وَعَيْبِهَا تُعْتَبَرُ) الْأَمَةُ (سَلِيمَةً) وَيُؤْخَذُ عُشْرُ قِيمَتِهَا اعْتِبَارًا بِوَصْفِهِ (وَلَوْ كَانَتْ أُمُّهُ) أَيْ الْجَنِينِ الرَّقِيقِ (حُرَّةً فَتُقَدَّرُ أَمَةً وَيُؤْخَذُ عُشْرُ قِيمَتِهَا نَقْدًا) اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجَنِينِ (وَلَا يَجِبُ مَعَ الْغُرَّةِ ضَمَانُ نَقْصِ الْأُمِّ) لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تُوجِبُ أَرْشَيْنِ (وَوَلَد الْمُدَبَّرَةِ و) وَلَد (الْمُكَاتِبَةِ وَ) وَلَدِ (الْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ) قَبْلَ وُجُودِهَا.
(وَ) وَلَدُ (أُمِّ الْوَلَدِ إذَا حَمَلَتْ) كُلٌّ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ (مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا مِنْ غَيْرِ مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ) بِخِلَافِ نَحْوِ أَخِيهِ فَإِنَّ وَلَدَهُ يُعْتِقُ عَلَى السَّيِّدِ لِأَنَّهُ رَحِمٌ مُحَرَّمٌ (لَهُ حُكْمُ وَلَدِ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ) تَبَعًا لِأُمِّهِ حَيْثُ لَا شَرْطَ وَلَا غَرَرَ (وَجَنِينُ مُعْتَقٌ بَعْضُهَا بِالْحِسَابِ) فَإِذَا كَانَ نِصْفُهَا حُرًّا فَنِصْفُهُ حُرٌّ فِيهِ نِصْفُ غُرَّةٍ لِوَرَثَتِهِ وَفِي النِّصْفِ الْبَاقِي نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ لِسَيِّدِهِ.

(وَإِذَا سَقَطَ جَنِينُ ذِمِّيَّةٍ قَدْ وَطِئَهَا مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَجَبَ فِيهِ مَا فِي الْجَنِينِ الذِّمِّيِّ) لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ (فَإِنْ أُلْحِقَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ فَعَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي (تَمَامُ الْغُرَّةِ) لِاتِّضَاحِ الْحَالِ.

(وَإِنْ ادَّعَتْ نَصْرَانِيَّةٌ) وَيَهُودِيَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْكَوَافِرِ (أَوْ) ادَّعَى (وَرَثَتُهَا أَنَّ جَنِينَهَا مِنْ مُسْلِمٍ مِنْ وَطْءٍ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًا فَإِنْ اعْتَرَفَ الْجَانِي) بِذَلِكَ (فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ كَامِلَةٌ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَإِنْ اعْتَرَفَتْ الْعَاقِلَةُ أَيْضًا وَكَانَ مِمَّا تَحْمِلهُ) الْعَاقِلَةُ بِأَنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ غَيْرَ عَمْدٍ وَمَاتَ مَعَ أُمِّهِ أَوْ بَعْدَهَا (فَالْغُرَّةُ عَلَيْهَا) أَيْ الْعَاقِلَةِ لِاعْتِرَافِهَا (وَتَحْلِفُ) الْعَاقِلَةُ (مَعَ الْإِنْكَارِ) أَنَّهُ مِنْ مُسْلِمٍ (وَعَلَيْهَا مَا فِي جَنِينِ الذِّمِّيِّينَ وَالْبَاقِي عَلَى الْجَانِي) إنْ اعْتَرَفَ لِثُبُوتِهِ بِاعْتِرَافِهِ (وَإِنْ اعْتَرَفَتْ الْعَاقِلَةُ دُونَ الْجَانِي فَالْغُرَّةُ عَلَيْهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ) حَيْثُ مَاتَ بَعْدَهَا أَوْ مَعَهَا بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ (وَإِنْ أَنْكَرَ الْجَانِي وَالْعَاقِلَةُ) أَنَّهُ مِنْ مُسْلِمٍ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ أَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْجَنِينَ مِنْ مُسْلِمٍ وَوَجَبَتْ دِيَةُ ذِمِّيٍّ) وَهِيَ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمّهِ عَلَى ذَلِكَ الدَّيْنِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَلَا يَلْزَمُهُمْ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتِّ) أَيْ أَنَّ هَذَا مِنْ مُسْلِمٍ لَهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ (وَإِنْ كَانَ) مَا وَجَبَ فِي الْجَنِينِ (مَا لَا تَحْمِلهُ الْعَاقِلَةُ) لِكَوْنِهِ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ وَمَاتَ قَبْلَ أُمِّهِ أَوْ بِجِنَايَةٍ مُنْفَرِدَةٍ (فَقَوْلُ الْجَانِي وَحْدَهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ الْخَصْمُ فِيهِ دُونَ الْعَاقِلَةِ (وَلَوْ كَانَتْ النَّصْرَانِيَّةُ امْرَأَةَ مُسْلِمٍ) أَوْ سَرِيَّتَهُ (فَادَّعَى الْجَانِي أَنَّ الْجَنِينَ مِنْ ذِمِّيٍّ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا) وَأَنْكَرَ وَرَثَةُ الْجَنِينِ (فَقَوْلُ وَرَثَةِ الْجَنِينِ) مَعَ يَمِينِهِمْ لِأَنَّ الْجَنِينَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ فَإِنَّ الْوَلَد لِلْفِرَاشِ.

[فَصْل وَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَحَمَلَتْ بِمَمْلُوكَيْنِ فَضَرَبَهَا أَحَدُهُمَا فَأَسْقَطَتْ]

(فَصْل وَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَحَمَلَتْ بِمَمْلُوكَيْنِ فَضَرَبَهَا أَحَدُهُمَا فَأَسْقَطَتْ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَ آدَمِيًّا (وَضَمِنَ) الضَّارِبُ (لِشَرِيكِهِ نِصْفَ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ) كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرُهُمَا (وَيَسْقُطُ ضَمَانُ) نَصِيبِهِ (نَفْسُهُ) لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَضْمَنُ مَالَهُ لِنَفْسِهِ (وَإِنْ أَعْتَقَهَا الضَّارِبُ بَعْدَ ضَرْبِهَا وَكَانَ مُعْسِرًا) بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ (ثُمَّ أَسْقَطَتْ عِتْقَ نَصِيبِهِ مِنْهَا وَمِنْ وَلَدِهَا) بِمُجَرَّدِ الْعِتْقِ (وَعَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ) لِأَنَّ لَهُ نِصْفَ جَنِينِهَا (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ الضَّارِبِ (ضَمَانُ مَا أَعْتَقَهُ) لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ جِنَايَةٌ وَقَبْلَ الْعِتْقِ كَانَ مَمْلُوكَهُ (وَإِنْ كَانَ) الضَّارِبُ (مُوسِرًا سَرَى الْعِتْقُ إلَيْهَا وَإِلَى جَنِينُهَا) وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْ الْجَنِينِ بِنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ وَلَا يَضْمَنُ أُمَّهُ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَهَا بِإِعْتَاقِهَا فَلَا يَضْمَنُهَا بِتَلَفِهَا.
(وَإِنْ ضَرَبَ غَيْرُ سَيِّدٍ بَطْنَ أَمَةٍ فَعَتَقَتْ مَعَ جَنِينِهَا) بِأَنْ كَانَ عِتْقُهَا مُعَلَّقًا عَلَى صِفَةٍ فَوَجَدَتْ أَوْ نَجَزَ السَّيِّدُ عِتْقَهَا (أَوْ عِتْقَ) الْجَنِينِ (وَحْدَهُ) بِأَنْ أَعْتَقَهُ مَالِكُهُ (ثُمَّ أَسْقَطَتْ فَفِيهِ غُرَّةٌ) لِأَنَّهُ سَقَطَ حُرًّا وَالْعِبْرَةُ بِحَالِ السُّقُوطِ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِشَيْءٍ (وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ) حُرًّا (مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ فَفِيهِ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ) وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيًّا وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا اُعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا دِيَةً مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ وَأَخَذَ غُرَّةً) قِيمَتُهَا عُشْرُ (الدِّيَةِ) أَيْ دِيَةِ أُمِّهِ أَوْ كَانَتْ عَلَى الدِّينِ الْأَكْثَرِ دِيَةً لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتَّبِعُ أَشْرَفَ أَبَوَيْهِ دِينًا (وَإِنْ سَقَطَ الْجَنِينُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ إنْ كَانَ حُرًّا) ذَكَرًا إنْ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى إنْ كَانَ أُنْثَى (أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا إذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا إذَا ثَبَتَتْ حَيَاتُهُ بِاسْتِهْلَالِهِ) أَيْ صُرَاخِهِ (أَوْ ارْتِضَاعِهِ أَوْ تَنَفُّسِهِ أَوْ عُطَاسِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُعْلَمُ بِهِ حَيَاتُهُ) لِأَنَّهُ قَدْ يَتَحَرَّكُ بِالِاخْتِلَاجِ وَسَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ خُرُوجُهُ مِنْ مَضِيقٍ فَإِنَّ اللَّحْمَ يَخْتَلِج سِيَّمَا إذَا عُصِرَ ثُمَّ نَزَلَ فَلَمْ

تَثْبُتْ بِذَلِكَ حَيَاتُهُ.
(وَ) إنْ سَقَطَ حَيًّا (لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيِّتَةِ) لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ وَيَجُوزُ بَقَاؤُهَا أَشْبَهَ الْمَيِّتِ.
(وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا فَجَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ وَكَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ إذَا كَانَ) قَتْلُهُ (عَمْدًا) لِأَنَّهُ الْقَاتِلُ (أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً) مَعَ الْعَفْوِ وَفِي الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ (إذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ) وَإِلَّا فَهُوَ كَالْجَانِي عَلَى مَيِّتٍ يُعَزِّرُ فَقَطْ وَالْغُرَّةُ عَلَى الْأَوَّلِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بَلْ كَانَتْ حَرَكَتُهُ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ لِقَاتِلٍ هُوَ الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَيُؤَدَّب الثَّانِي) كَالْجَانِي عَلَى مَيِّت (وَإِنْ بَقِيَ الْجَنِينُ) بَعْدَ الْوَضْعِ (حَيًّا وَبَقِيَ زَمَنًا سَالِمًا لَا أَلَمَ بِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ الضَّارِبُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ جِنَايَتِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْجَانِي وَوَارِثُ الْجَنِينِ (فِي خُرُوجِهِ حَيًّا فَقَوْلُ جَانٍ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُج حَيًّا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ وَإِنْ كَانَ ثُمَّ بَيِّنَةً عَمِلَ بِهَا،.

[فَصْل وَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ ضَرَبَهَا فَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا فَأَنْكَرَ]

(فَصْل وَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ ضَرَبَهَا فَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا فَأَنْكَرَ) الضَّرْبَ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَإِنْ أَقَرَّ) بِالضَّرْبِ (أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ ضَرَبَهَا وَأَنْكَرَ إسْقَاطَهَا فَقَوْلُهُ أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ إسْقَاطَهَا) لَا عَلَى الْبَتِّ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَإِنْ ثَبَتَ الْإِسْقَاطُ وَالضَّرْبُ وَادَّعَى أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ وَأَنْكَرَتْهُ فَإِنْ كَانَتْ أَسْقَطَتْهُ عَقِبَ ضَرْبِهَا ف) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) بِيَمِينِهَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِنْ الضَّرْبِ لِوُجُودِهِ عَقِبَهُ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ لَأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لَهُ (وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهَا ضَرَبَتْ نَفْسَهَا أَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً أَسْقَطَتْ مِنْهُ فَقَوْلُهَا) وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَإِنْ أَسْقَطَتْ بَعْدَ الضَّرْبِ بِأَيَّامٍ وَبَقِيَتْ سَالِمَةً إلَى حِينِ الْإِسْقَاطِ فَقَوْلُهَا أَيْضًا) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ.
(وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَالِمَةً فَقَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ (كَمَا لَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا فَلَمْ يَبْقَ مُتَأَلِّمًا وَلَا ضَمِنًا وَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ) لَمْ يَضْمَنْهُ الضَّارِبُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَوْتُهُ بِجِنَايَتِهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي وُجُودِ التَّأَلُّمِ) بِأَنْ قَالَتْ بَقِيَتْ مُتَأَلِّمَةً إلَى الْإِسْقَاطِ أَنْكَرَ الْجَانِي (فَقَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ لِادِّعَائِهِ الْأَصْلِ (وَإِنْ تَأَلَّمَتْ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ فَادَّعَى) الْجَانِي (بُرْأَهَا) فَأَنْكَرَتْهُ (فَقَوْلُهَا)

لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَإِنْ قَالَتْ سَقَطَ حَيًّا) لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ (وَقَالَ) سَقَطَ مَيِّتًا فَفِيهِ غُرَّةٌ (فَقَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِنْ الدِّيَةِ (وَإِنْ ثَبَتَتْ حَيَاتُهُ) أَيْ مَا وَلَدَتْهُ (وَقَالَتْ) وَلَدْتُهُ (لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ وَأَنْكَرَ) هَا الْجَانِي (فَقَوْلُهَا) مَعَ يَمِينِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا وَلَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَقَبِلَ قَوْلِهَا فِيهِ كَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَوُجُودُ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا.
(وَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً بِاسْتِهْلَالِهِ وَأَقَامَ) الْجَانِي (بَيِّنَةً بِخِلَافِهَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهَا) لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ وَمَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ (وَإِنْ قَالَتْ مَاتَ) الْوَلَدُ (عَقِبَ الْإِسْقَاطِ وَقَالَ) الْجَانِي (عَاشَ مُدَّةً) ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْجِنَايَةِ (فَقَوْلُهَا) بِيَمِينِهَا اعْتِبَارًا بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ (وَمَعَ التَّعَارُضِ) بِأَنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ تَقَدَّمَ بِبَيِّنَتِهِ لِأَنَّهَا وَمَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ (وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَاشَ مُدَّةً فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ بَقِيَ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ فَأَنْكَرَ فَقَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّأَلُّمِ (وَمَعَ التَّعَارُضِ تُقَدِّمُ بَيِّنَتَهَا) لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ (وَيُقْبَلُ فِي اسْتِهْلَالِ الْجَنِينِ وَ) فِي (سُقُوطِهِ وَ) فِي (بَقَائِهِ مُتَأَلِّمًا أَوْ بَقَاءِ أُمِّهِ مُتَأَلِّمَةً قَوْلَ امْرَأَةٍ عَدْلٍ) لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَطَّلِع عَلَيْهِ الرَّجُلُ غَالِبًا.
(وَإِنْ اعْتَرَفَ الْجَانِي بِاسْتِهْلَالِهِ أَوْ مَا يُوجَبُ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ) أَيْ الْجَانِي لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا (وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ فِيهِ الْغُرَّةَ) لِكَوْنِهِ مَاتَ مَعَ أُمِّهِ أَوْ بَعْدَهَا بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ (فَهِيَ) أَيْ الْغُرَّةُ (عَلَى الْعَاقِلَةِ وَبَاقِي الدِّيَةِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ) لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ (وَكُلّ مَنْ قُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ ف) هُوَ (مَعَ يَمِينِهِ) كَمَا سَبَقَ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ خَصْمِهِ.

[فَصْل وَإِنْ انْفَصَلَ مِنْهَا جَنِينَانِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا]

(فَصْل وَإِنْ انْفَصَلَ مِنْهَا جَنِينَانِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا وَمَاتَ وَسَقَطَ الْآخَرُ مَيِّتًا وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ) أَيْ اسْتِهْلَالِ أَحَدِهِمَا (وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْتَهَلِّ فَقَالَ الْجَانِي هُوَ الْأُنْثَى وَقَالَ وَارِثُ الْجَنِينِ هُوَ الذَّكَرُ فَقَوْلُ الْجَانِي) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِمَّا زَادَ عَنْ دِيَةِ الْأُنْثَى (وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ قَدِمَ بِهَا) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُظْهِرُ الْحَقَّ وَتُبَيِّنُهُ (وَإِنْ كَانَ لَهُمَا بَيِّنَتَانِ وَجَبَتْ دِيَةُ الذَّكَرِ) لِثُبُوتِ اسْتِهْلَالِهِ وَالْبَيِّنَةُ الْمُعَارِضَةُ لَهَا نَافِيَةٌ وَلَمْ تَجِبْ دِيَةُ الْأُنْثَى لِعَدَمِ ادِّعَاءِ وَارِثِهَا إيَّاهَا (وَإِنْ) لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَ (اعْتَرَفَ الْجَانِي بِاسْتِهْلَالِ الذَّكَرِ فَأَنْكَرَتْ الْعَاقِلَةُ) اسْتِهْلَالَهُ (فَقَوْلُهُمْ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُمْ (فَإِذَا حَلَفُوا كَانَ عَلَيْهِمْ دِيَةُ الْأُنْثَى) لِاعْتِرَافِهِمْ بِاسْتِهْلَالِهَا (وَعَلَى الْجَانِي تَمَامُ دِيَةِ الذَّكَرِ وَهُوَ نِصْفُ الدِّيَةِ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِاعْتِرَافِهِ.
(وَإِنْ اتَّفَقُوا) عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا اسْتَهَلَّ (وَلَمْ يَعْرِفْ لَزِمَ) الْعَاقِلَةَ (دِيَةُ أُنْثَى) لِأَنَّهَا الْيَقِينُ وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ (وَتَجِبُ الْغُرَّةُ فِي الَّذِي لَمْ يَسْتَهِلَّ) مِنْهُمَا بِكُلِّ حَالٍ (وَإِنْ ضَرَبَهَا) الْجَانِي (فَأَلْقَتْ يَدًا ثُمَّ أَلْقَتْ جَنِينًا فَإِنْ كَانَ إلْقَاؤُهُمَا مُتَقَارِبًا وَبَقِيَتْ الْمَرْأَةُ مُتَأَلِّمَةً إلَى أَنْ أَلْقَتْهُ دَخَلَتْ) دِيَةُ (الْيَدِ فِي ضَمَانِ الْجَنِينِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الضَّرْبَ قَطَعَ يَدَهُ وَسَرَى إلَى نَفْسِهِ (ثُمَّ إنْ كَانَ) الْجَنِينُ (سَقَطَ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا لِوَقْتٍ لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهِ فَفِيهِ غُرَّةٌ) لِمَا مَرَّ (وَإِلَّا) إنْ سَقَطَ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ (فَدِيَةٌ كَامِلَةٌ) لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ بَقِيَ حَيًّا لَمْ يَمُتْ فَعَلَى الضَّارِبِ ضَمَانُ الْيَدِ بِدِيَتِهَا) كَمَا لَوْ جُنِيَ عَلَى إنْسَانٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ.
(وَإِنْ أَلْقَتْ الْيَدَ وَزَالَ الْأَلَمُ ثُمَّ أَلْقَتْ الْجَنِينَ ضَمِنَ الْيَدَ وَحْدَهَا) لِسُقُوطِهَا بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ بِخِلَافِ الْجَنِينِ (ثُمَّ إنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا لِوَقْتٍ لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهِ فَفِي الْيَدِ نِصْفُ غُرَّةٍ) لِأَنَّ الْجَنِينَ لَوْ كَانَ مَضْمُونًا إذَنْ كَانَ فِيهِ غُرَّةٌ وَفِي الْيَدِ نِصْفُ دِيَةِ النَّفْسِ (وَإِنْ أَلْقَتْهُ) بَعْدَ إلْقَاءِ الْيَدِ (حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ عَاشَ وَكَانَ بَيْنَ إلْقَاءِ الْيَدِ وَإِلْقَائِهِ مُدَّةً يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْحَيَاةُ لَمْ تُخْلَقْ فِيهِ) أَيْ الْجَنِينِ (قَبْلَهَا فَإِنْ قُلْنَ أَيْ الْقَوَابِلُ أَنَّهَا يَدٌ مَنْ لَمْ تُخْلَقْ فِيهِ الْحَيَاةُ أَوْ يَدُ مَنْ خُلِقَتْ فِيهِ) الْحَيَاةُ (وَلَمْ يَمْضِ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرِ) وَجَبَ فِي الْيَدِ نِصْفُ الْغُرَّةِ لِأَنَّهَا نِصْفُ مَا يَجِبُ فِي الْجَنِينِ إذَنْ (أَوْ أَشْكَلَ) الْحَالُ (عَلَيْهِنَّ وَجَبَ نِصْفُ غُرَّةٍ) لِأَنَّهُ يَقِينٌ وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ قُلْتُ وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْفُصُولِ إذَا أَلْقَتْ يَدًا أَوْ نَحْوِهَا فِيهَا غُرَّةٌ لِأَنَّ ذَاكَ مَحَلَّهُ إذَا انْفَرَدَتْ وَمَا هُنَا إذَا كَانَتْ مَعَ جَنِينٍ (وَإِذَا شَرِبَتْ الْحَامِلُ دَوَاءً فَأَلْقَتْ بِهِ جَنِينًا فَعَلَيْهَا غُرَّةٌ لَا تَرِثُ مِنْهَا) شَيْئًا (لِأَنَّهَا قَاتِلَةٌ) لِجَنِينِهَا.

(وَإِنْ جُنِيَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا فَفِيهِ مَا نَقَصَهَا) لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا نَقْصُهَا فَكَذَا فِي جَنِينِهَا.

[فَصْل وَتُغَلَّظُ دِيَةُ النَّفْسِ لَا الطَّرَفِ]

ِ خِلَافًا لِلْمُغْنِي وَالشَّرْحِ (فِي قَتْلِ الْخَطَأِ فَقَطْ) لَا عَمْدَ وَقَالَ الْقَاضِي قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَوْ عَمْدًا (فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ) أَحَدُهَا (حَرَمُ مَكَّةَ) دُونَ الْمَدِينَةِ.
(وَ) الثَّانِي (إحْرَامٌ وَ)

الثَّالِثُ (أَشْهُرٌ حُرُمٌ فَقَطْ) دُونَ الرَّحِمِ وَلَوْ مُحَرَّمًا خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ (فَيُزَادُ لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (ثُلُثُ الدِّيَةِ) لِمَا رُوِيَ " أَنَّ امْرَأَةً وُطِئَتْ فِي طَوَافٍ فَقَضَى عُثْمَانُ فِيهَا بِسِتَّةِ آلَافٍ وَأَلْفَيْنِ " تَغْلِيظًا لِلْحَرَمِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَفِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ فَقَالَ دِيَتُهُ اثْنَا عُشْرَ أَلْفًا وَلِلشَّهْرِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلِلْبَلَدِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ " (فَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْحُرُمَاتُ الثَّلَاثُ وَجَبَ دِيَتَانِ) لِأَنَّ الْقَتْلَ يَجِب بِهِ دِيَةٌ وَقَدْ تَكَرَّرَ التَّغْلِيظُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَوَجَبَ بِهِ دِيَةٌ أُخْرَى.
(وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا) أَيْ الدِّيَةِ (لَا تُغَلَّظُ لِذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ) وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الدِّيَةُ وَاحِدَةً فِي كُلِّ مَكَان وَعَلَى كُلِّ حَالٍ.
(وَ) هُوَ ظَاهِرُ (الْإِخْبَارِ) مِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ مِثْقَالٍ» وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَجْمَعُ الْفُقَهَاءَ فَكَانَ مِمَّا أَحْيَا مِنْ تِلْكَ السُّنَنِ أَنَّهُ لَا تَغْلِيظَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَيْسَ بِثَابِتٍ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا وَلَوْ صَحَّ فَفِعْلُ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ أَوْلَى فَيُقَدَّمُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَهُوَ أَصَحُّ فِي الرِّوَايَةِ مَعَ مُوَافَقَةِ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَالْقِيَاسِ (وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَنَصَّ فِي الشَّرْحِ وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ التَّغْلِيظَ.

(وَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَهُ حَيْثُ حُقِنَ دَمُهُ) بِأَنْ كَانَ لَهُ أَمَانٌ (عَمْدًا أُضْعِفَتْ الدِّيَةُ عَلَى قَاتِلَهُ لِإِزَالَتِهِ الْقَوَدَ) لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ وَالْقَوَدُ شُرِعَ زَجْرًا عَنْ تَعَاطِي الْقَتْلِ حَكَمَ بِهِ عُثْمَانُ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْكَافِرَ (ذِمِّيٌّ أَوْ قَتَلَ الذِّمِّيُّ مُسْلِمًا لَمْ تُضَعَّفْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ) لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْقَوَدِ.

(وَإِنْ جَنَى رَقِيقٌ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَا قَوَدَ فِيهِ) كَالْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ (أَوْ) عَمْدًا (فِيهِ قَوَدٌ وَاخْتِيرَ الْمَالُ أَوْ أَتْلَفَ) الْقِنُّ (مَالًا) وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ أَوْ الْإِتْلَافُ (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ تَعَلَّقَ ذَلِكَ) الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ أَوْ الْإِتْلَافِ (بِرَقَبَتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعَلُّقَهَا بِذِمَّتِهِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إلْغَائِهَا أَوْ تَأْخِيرِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ وَلَا بِذِمَّةِ السَّيِّدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ فَتَعَيَّنَ تَعَلُّقَهَا بِرَقَبَةِ السَّيِّدِ كَالْقِصَاصِ (فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ) أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفِهِ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ (أَوْ يُسَلِّمهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكُهُ أَوْ يَبِيعُهُ وَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ) لِوَلِيِّ

الْجِنَايَةِ وَمَالِكِ الْمُتْلَفِ لِأَنَّهُ إنْ أَدَّى قِيمَتَهُ فَقَدْ أَدَّى عِوَضَ الْمَحِلّ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْجِنَايَةُ وَإِنْ بَاعَهُ أَوْ سَلَّمَهُ لِوَلِيِّهَا فَقَدْ دَفَعَ الْمَحِلَّ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْجِنَايَةُ (فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ) أَيْ أَرْشُهَا (أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى السَّيِّدِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ) لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ رَقَبَةِ الْجَانِي فَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ سِوَى قِيمَتِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) السَّيِّدُ (أَمَرَهُ بِالْجِنَايَةِ أَوْ أَذِنَ لَهُ) أَيْ الْعَبْدِ (فِيهَا فَيَلْزَمُهُ) أَيْ السَّيِّدُ (الْأَرْشُ كُلُّهُ) كَمَا لَوْ اسْتَدَانَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.

(فَلَوْ أَمَرَهُ) السَّيِّدُ (أَنْ يَقْطَعَ يَدَ حُرٍّ) وَفَعَلَ (فَعَلَى السَّيِّدِ دِيَةُ يَدِ الْحُرِّ وَإِنْ كَانَتْ) دِيَةُ الْيَدِ (أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ) لِأَمْرِهِ لَهُ بِالْقَطْعِ (وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ) السَّيِّدُ (أَنْ يَجْرَحهُ) أَيْ الْحُرَّ وَجَرَحَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَرْشُ الْجُرْحِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ (وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدَ) الَّذِي تَعَلَّقَ الْأَرْش بِرَقَبَتِهِ (أَجْنَبِيٌّ تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِقِيمَتِهِ جَزَمَ بِهِ) الْقَاضِي (فِي الْمُحَرَّرِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ) لِأَنَّ قِيمَتَهُ بَدَلهُ فَتَحَوَّلَ التَّعَلُّقُ إلَيْهَا كَقِيمَةِ الرَّهْنِ لَوْ أَتْلَفَ (وَالْمُطَالَبَةُ لِلسَّيِّدِ) أَيْ مُطَالَبَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى السَّيِّدِ (وَالسَّيِّدُ يُطَالِبُ الْجَانِي) عَلَى الْعَبْدِ (بِالْقِيمَةِ) فَإِنْ شَاءَ وَفَّى مِنْهَا وَإِنْ شَاءَ وَفَّى مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي لِأَنَّهَا بَدَلُهُ.
(وَإِنْ سَلَّمَ) الْقِنُّ (الْجَانِي سَيِّدَهُ فَأَبَى وَلِيُّ الْجِنَايَةِ قَبُولَهُ وَقَالَ بِعْهُ أَنْتَ وَادْفَعْ ثَمَنَهُ إلَيَّ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ بَيْعُهُ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِأَكْثَرَ مِنْ الرَّقَبَةِ وَقَدْ سَلَّمَهَا (وَيَبِيعُهُ الْحَاكِمُ) وَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ (وَإِنْ فَضَلَ عَنْ ثَمَنِهِ) أَيْ الْقِنِّ (شَيْءٌ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَهُوَ) أَيْ الْفَاضِلُ (لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ هُوَ الْوَاجِبُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ (وَلِلسَّيِّدِ التَّصَرُّفُ فِيهِ) أَيْ الْقِنِّ الْجَانِي (بِعِتْقٍ وَغَيْرِهِ) كَوَقْفٍ وَهِبَةٍ وَبَيْعٍ لَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِلْكَهُ كَتَصَرُّفِ الْوَارِثِ فِي التَّرِكَةِ مَعَ دَيْنٍ (وَيَنْفُذُ عِتْقُهُ) أَوْ عِتْقُ السَّيِّدِ الْقِنَّ الْجَانِي (عَلِمَ بِالْجِنَايَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) بِهَا لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فَنَفَذَ كَغَيْرِ الْجَانِي (وَيَضْمَنُ) السَّيِّدُ (إذَا أَعْتَقَهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ ضَمَانِهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ قَبْلَ عِتْقِهِ) وَهُوَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ بِأَمْرِ السَّيِّدِ أَوْ إذْنُهُ لِأَنَّهُ إنْ دَفَعَ الْأَرْشَ فَهُوَ الَّذِي وَجَبَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَإِنْ أَدَّى قِيمَةَ الْقِنِّ فَقَدْ أَدَّى بَدَلَ الْمَحَلِّ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْجِنَايَةُ وَهُوَ قِيمَةُ الْجَانِي.
(وَإِنْ بَاعَهُ) السَّيِّدُ (أَوْ وَهَبَهُ صَحَّ) الْبَيْعُ أَوْ الْهِبَةُ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فَنَفَذَ كَغَيْرِهِ (وَلَمْ يَزُلْ تَعَلُّقُ الْجِنَايَةِ عَنْ رَقَبَتِهِ) إنْ كَانَ الْبَائِعُ مُعْسِرًا لِسَبْقِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَمَّا إنْ كَانَ مُوسِرًا فَيُطَالِبُ الْبَائِعَ أَوْ الْوَاهِبَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ وَلَا خِيَار لِلْمُشْتَرِي (فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي) لِلْجَانِي (عَالِمًا بِحَالِهِ) أَيْ بِأَنَّهُ جَنَى جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ (فَلَا خِيَارَ لَهُ) لِدُخُولِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ (وَيَنْتَقِلُ الْخِيَارُ فِي فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ كَالسَّيِّدِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ مَالِكُهُ إذَنْ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمُشْتَرِي بِحَالِهِ (فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَرَدِّهِ) عَلَى بَائِعِهِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ مَعَ إعْسَارِ بَائِعِهِ عَيْبٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ جَنَى الرَّقِيقَ عَمْدًا فَعَفَا الْوَلِيُّ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى رَقَبَتِهِ) أَيْ الْجَانِي (لَمْ يَمْلِكهُ بِغَيْرِ رِضَا سَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْجِنَايَةِ فَلِئَلَّا يَمْلِكْهُ بِالْعَفْوِ أَوْلَى وَلِأَنَّهُ إذَا عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ انْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى الْمَالِ فَصَارَ كَالْجِنَايَةِ (وَإِنْ جَنَى) الْقِنُّ (عَلَى اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ خَطَأٌ) أَوْ عَمْدًا لَا يُوجِبُ قَوَدًا أَوْ عَمْدًا يُوجِبهُ وَعَفْوًا إلَى الْمَالِ وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَ مَالًا لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (اشْتَرَكُوا فِيهِ بِالْحِصَصِ) سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ أَوْ أَوْقَاتٍ لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ فَتَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً (فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمْ) عَمَّا وَجَبَ لَهُ (أَوْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَعَفَا بَعْضُ وَرَثَتِهِ تَعَلَّقَ حَقُّ الْبَاقِينَ بِكُلِّ الْعَبْدِ) الْجَانِي لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ مَوْجُودٌ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ ذَلِكَ لِمُزَاحَمَةِ الْآخَرِ وَقَدْ زَالَ الْمُزَاحِمُ (وَشِرَاءُ وَلِيِّ الْقَوَدِ الْجَانِي عَفْوٌ عَنْهُ) فَظَاهِرُهُ لَوْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِهِ لَا يَكُونُ عَفْوًا قُلْتُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ بِاخْتِيَارِهِ كَالْبَيْعِ بِخِلَافِ الْإِرْثِ.

(وَإِنْ جَرَحَ الْعَبْدُ حُرًّا فَعَفَا) الْحُرُّ (عَنْهُ) أَيْ الْعَبْدِ (ثُمَّ مَاتَ) الْحُرُّ مِنْ الْجِرَاحَةِ وَلَا مَالَ لَهُ وَفُرِضَ أَنَّ (قِيمَةَ الْعَبْدِ عُشْرُ دِيَةِ الْحُرِّ وَاخْتَارَ السَّيِّدُ فِدَاءَهُ بِقِيمَتِهِ صَحَّ الْعَفْو فِي ثُلُثٍ مَا مَاتَ) الْعَافِي (عَنْهُ وَالثُّلُثَانِ لِلْوَرَثَةِ) حَيْثُ لَمْ يُجِيزُوا عَفْوَهُ فِي الْكُلِّ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بِأَمْرِ السَّيِّدِ أَوْ إذْنِهِ فَرَدَّ نِصْفَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى قِيمَةِ الْجَانِي وَيَفْدِيهِ سَيِّدُهُ بِنِسْبَةِ الْقِيمَةِ مِنْ الْمَبْلَغِ.

(وَلَوْ أَنَّ عَشَرَةَ أَعْبُدٍ قَتَلُوا عَبْدًا عَمْدًا فَعَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ) كَقَتْلِ الْأَحْرَارِ لِحُرٍّ (فَإِنْ اخْتَارَ السَّيِّدُ قَتْلَهُمْ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ عَفَا) سَيِّدُ الْمَقْتُولِ (إلَى مَالٍ تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ عَبْدِهِ بِرِقَابِهِمْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْعَبِيدِ الْعَشَرَةِ الْقَاتِلِينَ (عُشْرُهَا يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِهَا أَوْ يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ) بِقَدْرِ الْعُشْرِ كَمَا تُوَزَّعُ دِيَةُ الْحُرِّ عَلَى قَاتِلِيهِ (فَإِنْ اخْتَارَ) سَيِّدُ الْمَقْتُولِ (قَتْلَ بَعْضِهِمْ وَالْعَفْوَ عَنْ بَعْضٍ فَلَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ.

(وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدَيْنِ لِرَجُلَيْنِ) وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ (قَتَلَ) السَّيِّدُ الْجَانِي (بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا) لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ فَيُرَاعَى (فَإِنْ عَفَا عَنْهُ) سَيِّدُ (الْأَوَّلِ قُتِلَ بِالثَّانِي) لِزَوَالِ الْمُزَاحِمِ (وَإِنْ قَتَلَهُمَا) أَيْ قَتَلَ الْعَبْدُ عَبْدَيْنِ (دَفْعَةً وَاحِدَةً أُقْرِعَ بَيْنَ السَّيِّدَيْنِ) إذَا لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى قَتْلِهِ بِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَاتِلِ الْحُرَّيْنِ (فَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ اقْتَصَّ) مِنْ الْجَانِي (وَسَقَطَ حَقُّ الْآخَرِ) لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ (وَإِنْ عَفَا) مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (عَنْ الْقِصَاص أَوْ عَفَا سَيِّدُ) الْعَبْدِ (الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ) فِيمَا إذَا كَانَ قَتَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ

(إلَى مَالٍ تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ) الْجَانِي كَسَائِرِ جِنَايَاتِهِ (وَلِ) سَيِّدِ الْقَتِيلِ (الثَّانِي أَنْ يَقْتَصَّ فَإِنْ قَتَلَهُ) السَّيِّدُ (الْآخَرُ سَقَطَ حَقُّ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِيمَةِ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ (وَإِنْ عَفَا) السَّيِّدُ (الثَّانِي تَعَافَتْ قِيمَةُ الْقَتِيلِ الثَّانِي بِرَقَبَتِهِ أَيْضًا وَيُبَاعُ) الْجَانِي (فِيهِمَا وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَةِ) لِتُسَاوِيهِمَا فِي سَبَبِ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ (وَلَمْ يُقَدَّمْ) سَيِّدُ (الْأَوَّلِ بِالْقِيمَةِ) أَيْ قِيمَةِ الْجَانِي لِمُسَاوَاةِ الثَّانِي لَهُ لَا يُقَالُ حَقُّ الْأَوَّلِ أَسْبَقُ فَيُقَدَّمُ لِأَنَّهُ لَا يُرَاعَى بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَتْلَفَ أَمْوَالًا لِجَمَاعَةٍ عَلَى التَّرْتِيبِ وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا لِاثْنَيْنِ كَانَ لَهُمَا الْقِصَاصُ وَالْعَفْو فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ.

[بَاب دِيَةُ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا]

جَمْعُ مَنْفَعَةٍ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ نَفَعَنِي كَذَا نَفْعًا ضِدًّا لِضُرٍّ (مَنْ أَتْلَفَ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ) كَالْأَنْفِ وَالذَّكَرِ (فَفِيهِ دِيَةُ نَفْسِهِ) أَيْ نَفْسُ الْمُتْلَفِ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ.
(وَ) مَنْ أَتْلَفَ (مَا فِيهِ) أَيْ الْإِنْسَانِ (مِنْهُ شَيْئَانِ) كَالْعَيْنَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ (فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا) أَيْ نِصْفُ دِيَةِ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ.
(وَ) مَنْ أَتْلَفَ (مَا فِيهِ) أَيْ الْإِنْسَانِ (ثَلَاثَةُ أَشْيَاء) كَالْأَنْفِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْمَنْخَرَيْنِ وَالْحَاجِزِ بَيْنَهُمَا (فَفِيهَا الدِّيَةُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ثُلُثُهَا وَ) مَنْ أَتْلَفَ (مَا فِيهِ) فِي الْإِنْسَانِ (مِنْهُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاء) كَالْأَجْفَانِ (فَفِيهِ الدِّيَةُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا رُبْعُهَا) أَيْ الدِّيَةِ قِيَاسًا عَلَى مَا سَبَقَ وَمَا فِيهِ مِنْهُ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ كَالْمَذَاقِ الْخَمْسِ فَفِيهَا الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهَا خُمْسُهَا (وَمَا فِيهِ مِنْهُ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ) كَأَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ (فَفِيهَا الدِّيَةُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عُشْرُهَا) وَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ (فَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ) إذَا أَذْهَبَهُمَا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الدِّيَاتِ (وَلَوْ مَعَ حَوَلٍ) بِالْعَيْنَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا (وَعَمَشٍ) بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا (وَمَرَضٍ) كَذَلِكَ (وَبَيَاضٍ لَا يُنْقِصُ الْبَصَرَ) . وَسَوَاءٌ كَانَا (مِنْ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ) لِعُمُومِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (وَفِي إحْدَاهُمَا) أَيْ الْعَيْنَيْنِ (نِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةُ (لَكِنْ إنْ كَانَ بِهِمَا) أَيْ الْعَيْنَيْنِ (أَوْ بِإِحْدَاهُمَا بَيَاضٌ يُنْقِصُ الْبَصَرَ نَقَصَ مِنْهَا) أَيْ الدِّيَةِ (بِقَدْرِهِ) أَيْ بِقَدْرِ نَقْصِ الْبَصَرِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا (وَفِي ذَهَابِ الْبَصَرِ الدِّيَةُ) إجْمَاعًا (وَفِي ذَهَابِ بَصَرِ إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا) لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِي جَمِيعِ الشَّيْءِ وَجَبَ فِي بَعْضِهِ بِقَدْرِهِ كَإِتْلَافِ الْمَالِ (فَإِنْ ذَهَبَ) الْبَصَرُ (بِالْجِنَايَةِ عَلَى رَأْسِهِ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ (أَوْ) ذَهَبَ الْبَصَرُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى (عَيْنِهِ) وَجَبَتْ الدِّيَةُ (أَوْ) ذَهَبَ الْبَصَرُ (بِمُدَاوَاةِ الْجِنَايَةِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ) لِذَهَابِهِ بِجِنَايَتِهِ أَوْ أَثَرِهَا (فَإِنْ ذَهَبَ) الْبَصَرُ (ثُمَّ عَادَ لَمْ تَجِبْ) الدِّيَةُ لِتَبَيُّنِ أَنْ لَا ذَهَابَ (وَإِنْ كَانَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (قَدْ أَخَذَهَا) أَيْ الدِّيَةُ (رَدَّهَا) لِتَبَيُّنِ أَنَّ أَخْذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ.
(وَإِنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ) أَيْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (أَوْ) ذَهَبَ (سَمْعُهُ فَقَالَ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ) بِالطِّبِّ (لَا يُرْجَى عَوْدُهُ) أَيْ بَصَرُهُ أَوْ سَمْعُهُ (وَجَبَتْ) الدِّيَةُ لِذَلِكَ (وَإِنْ قَالَا) أَيْ الْعَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ (يُرْجَى عَوْدُهُ إلَى مُدَّةٍ عَيَّنَاهَا انْتَظَرَ) الذَّاهِبُ (إلَيْهَا) أَيْ إلَى مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ (وَلَمْ يُعْطِ) الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ (الدِّيَةَ حَتَّى تَنْقَضِي الْمُدَّةُ) الَّتِي عَيَّنَاهَا (فَإِنْ بَلَغَهَا) بِأَنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ (وَلَمْ يَعُدْ) مَا ذَهَبَ وَجَبَتْ الدِّيَةُ لِلْيَأْسِ (أَوْ مَاتَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (قَبْلَ مُضِيّهَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ) لَمَّا ذَهَبَ لِلْيَأْسِ مِنْ عَوْدِهِ.
(وَإِنْ قَلَعَ أَجْنَبِيٌّ) أَيْ غَيْرُ الْجَانِي عَلَى الْبَصَرِ أَوَّلًا (عَيْنَيْهِ) الَّتِي أَذْهَبَ الْأَوَّلُ بَصَرهَا (فِي الْمُدَّةِ) الَّتِي عَيَّنَهَا الْعَدْلَانِ لِعَوْدَةِ بَصَرِهَا (اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْأَوَّلِ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ) لِلْيَأْسِ مِنْ عَوْدِ بَصَرِهَا.
(وَ) وَجَبَ (عَلَى الثَّانِي حُكُومَةٌ) لِقَلْعِ الْعَيْنِ الَّتِي لَا بَصَرَ لَهَا (وَإِنْ قَالَ الْأَوَّلُ: عَادَ ضَوْءُهَا) فَسَقَطَ عَنِّي دِيَةُ بَصَرِهَا (وَأَنْكَرَ الثَّانِي) عَوْدَهُ (فَقَوْلُ الْمُنْكِر مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَوْدِ (وَإِنْ صَدَّقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْأَوَّلَ) عَلَى عَوْدِ بَصَرِهَا (سَقَطَ حَقُّهُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْأَوَّلِ، لِاعْتِرَافِهِ بِبَرَاءَتِهِ (وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (عَلَى الثَّانِي) بِلَا بَيِّنَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْحُكُومَةِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا زَادَ.
(وَإِنْ قَالَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ يُرْجَى عَوْدُهُ) أَيْ مَا ذَهَبَ مِنْ بَصَرٍ أَوْ سَمْعٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (لَكِنْ لَا نَعْرِف لَهُ مُدَّةً، وَجَبَتْ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ) لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ (وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي ذَهَابِهِ) أَيْ الْبَصَرِ (رُجِعَ إلَى) قَوْلِ (عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ) بِذَلِكَ لِإِمْكَانِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِهِ (فَإِنْ لَمْ يُوجَدُ أَهْلُ خِبْرَةٍ أَوْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ) أَيْ الذَّاهِبِ مَعَ وُجُودِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ (اُعْتُبِرَ) أَيْ اُمْتُحِنَ (بِأَنْ يُوقَفَ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ وَيُقَرَّبَ الشَّيْءُ مِنْ عَيْنِهِ فِي أَوْقَاتِ غَفْلَتِهِ فَإِنْ طَرَفَ) وَحَرَّكَهَا (وَخَافَ مِنْ الَّذِي تَخَوَّفَ بِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ إبْصَارِهِ لِأَنَّ طَبْعَ الْآدَمِيِّ الْحَذَرُ عَلَى عَيْنَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَطْرِفْ وَلَمْ يَخَفْ (حُكِمَ لَهُ) بِيَمِينِهِ لِعِلْمِنَا بِأَنَّهُ لَا يُبْصِرُ بِهَا.
(وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي السَّمْعِ وَالشَّمِّ وَالسِّنِّ) إذَا رُجِيَ عَوْدُهَا فِي مُدَّةٍ تَقُولُهَا

أَهْلُ الْخِبْرَةِ لَمْ تُؤْخَذْ دِيَتُهَا قَبْلَ مُضِيّهَا ثُمَّ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْبَصَرِ.

(وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَنَقَصَ ضَوْءُ عَيْنَيْهِ أَوْ اسْوَدَّ بَيَاضُهُمَا أَوْ احْمَرَّ) بَيَاضُهُمَا (وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْبَصَرُ فَحُكُومَةٌ) لَا مُقَدَّرَ لَهُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي نَقْصِ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، فَقَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَيَحْلِفُ وَلَهُ حُكُومَةٌ (وَإِنْ ادَّعَى) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (نَقْصَ ضَوْءِ إحْدَاهُمَا عُصِبَتْ) الْعَيْنُ (الْعَلِيلَةُ وَأُطْلِقَتْ) الْعَيْنُ (الصَّحِيحَةُ) بِلَا عَصْبٍ (وَنُصِبَ لَهُ شَخْصٌ وَيُعْطَى الشَّخْصُ شَيْئًا كَبَيْضَةٍ مَثَلًا وَيَتَبَاعَدُ عَنْهُ فِي جِهَةٍ) وَفِي نُسَخٍ فِي وَجْهِهِ (شَيْئًا فَشَيْئًا فَكُلَّمَا قَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ فَوَصَفَ لَوْنَهُ عُلِمَ صِدْقُهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ فَإِنْ انْتَهَتْ رُؤْيَتُهُ عُلِّمَ مَوْضِعُ الِانْتِهَاءِ بِخَيْطٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ تُشَدُّ الصَّحِيحَةُ وَتُطْلَقُ الْعَلِيلَةُ وَيُنْصَبُ لَهُ الشَّخْصُ، ثُمَّ يَذْهَبُ فِي الْجِهَةِ) الَّتِي ذَهَبَ فِيهَا أَوَّلًا (حَتَّى تَنْتَهِيَ رُؤْيَتُهُ فَيُعْلَمُ مَوْضِعُهَا) كَمَا فَعَلَ أَوَّلًا (ثُمَّ يُرَدُّ الشَّخْصُ إلَى انْتِهَاءِ جِهَةٍ أُخْرَى فَيُصْنَعُ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَيُعْلَمُ مِنْهُ الْمَسَافَتَانِ، ثُمَّ يُذَرَّعَانِ وَيُقَابِلُ بَيْنَهُمَا) . فَإِنْ كَانَتَا سَوَاءً فَقَدْ صَدَقَ وَيَنْظُرُ، كَمْ بَيْن مَسَافَةِ الْعَلِيلَةِ وَالصَّحِيحَةِ؟ وَيُحْكَمُ لَهُ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى الْجَانِي رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ (وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَسَافَتَانِ فَقَدْ كَذَبَ فَيُرَدَّدُ) بِأَنْ يُفْعَلَ بِهِ مَا سَبَقَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى (حَتَّى تَسْتَوِيَ الْمَسَافَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ) فَيُعْطَى بِقَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الدِّيَةِ لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ جَنَى عَلَى عَيْنَيْهِ فَنَدَرَتَا) أَيْ كَبِرَتَا وَفِي نُسَخٍ فَفَسَدَتَا (أَوْ احْوَلَّتَا أَوْ اعْمَشَّتَا وَنَحْوِهِ فَحُكُومَةٌ كَمَا لَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَاعْوَجَّتْ) لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهِ شَرْعًا، وَالْحُكُومَةُ: أَرْشُ مَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ.

(وَالْجِنَايَةُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ) فِيمَا تُوجِبُ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ (لَكِنْ الْمُكَلَّفُ خَصْمٌ لِنَفْسِهِ وَالْخَصْمُ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَلِيُّهُمَا) لِقِيَامِهِ مَقَامِهِمَا كَالْأَمْوَالِ (فَإِذَا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا لَمْ يَحْلِفَا) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمَا (وَلَمْ يَحْلِفْ الْوَلِيُّ) عَنْهُمَا، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ فِيهَا (فَإِذَا تَكَلَّفَا حَلَفَا) قُلْتُ: وَظَاهِرُهُ لَا يَحْتَاجُ لِإِعَادَةِ الدَّعْوَى لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُوَالَاةِ.

(وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ قَلْعَ عَيْنِ الْأَعْوَرِ يَتَضَمَّنُ إذْهَابَ الْبَصَرِ كُلِّهِ فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ كَمَا لَوْ أَذْهَبَهُ مِنْ الْعَيْنَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِعَيْنِ الْأَعْوَرِ مَا يَحْصُلُ بِالْعَيْنَيْنِ فَإِنَّهُ يَرَى الْأَشْيَاءَ الْبَعِيدَةَ وَيُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ اللَّطِيفَةَ وَيَعْمَلُ أَعْمَالَ الْبَصِيرِ وَلِأَنَّ النَّقْصَ الْحَاصِلَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَنْقِيصِ أَحْكَامِهِ (فَإِنْ قَلَعَهَا) أَيْ عَيْنَ الْأَعْوَرِ (صَحِيحٌ فَلَهُ) أَيْ الْأَعْوَرِ (الْقَوَدُ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ الْمُكَافَأَةُ وَالْعَمْدُ الْمَحْضُ (مَعَ أَخْذِ نِصْفِ الدِّيَةِ)

لِأَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ بِقَلْعِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ جَمِيعُ بَصَرِهِ وَلَمْ يُمْكِنْ إذْهَابُ بَصَرِ الْقَالِعِ بِقَلْعِ عَيْنِهِ الْأُخْرَى لِمَا فِيهِ مِنْ أَخْذِ عَيْنَيْنِ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ فَأَخَذْنَا عَيْنَهُ الْوَاحِدَةَ بِنَظِيرَتِهَا وَأَخَذْنَا نِصْفَ الدِّيَةِ لِنِصْفِ الْبَصَرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاؤُهُ.

(وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ لَا تُمَاثِلُ عَيْنِهِ) فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفَ دِيَةٍ (أَوْ قَلَعَ) الْأَعْوَرُ (الْمُمَاثِلَةَ خَطَأً فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفَ الدِّيَةِ) كَمَا لَوْ قَلَعَهَا ذُو عَيْنَيْنِ (وَإِنْ قَلَعَ لِعَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ عَمْدًا فَلَا قِصَاصَ) لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ بَصَرِ الْأَعْوَرِ وَهُوَ إنَّمَا ذَهَبَ بَعْضُ بَصَرِ الصَّحِيحِ فَيَكُونُ الْمُسْتَوْفَى أَكْثَر مِنْ جِنَايَتِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْأَعْوَرِ إذَنْ (دِيَةٌ كَامِلَةٌ) فِي قَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ بَدَلًا عَنْ الْقِصَاصِ الَّذِي أُسْقِطَ عَنْهُ رِفْقًا بِهِ وَلَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ لَذَهَبَ مَا لَوْ ذَهَبَ بِالْجِنَايَةِ لَوَجَبَتْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةً هُنَا لِأَنَّهَا بَدَلُ الْوَاجِبِ.

(وَإِنْ قَلَعَ) الْأَعْوَرُ (عَيْنَيْ صَحِيحٍ عَمْدًا خُيِّرَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (بَيْن قَلْعِ عَيْنِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَهَا) لِأَنَّهُ أَخَذَ جَمِيعَ بَصَرِهِ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ فَوَجَبَ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ (وَبَيْنَ) أَخْذِ (الدِّيَةِ) لِعَيْنَيْهِ.

(وَفِي يَدِ أَقْطَعَ أَوْ رِجْلِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ) وَلَوْ عَمْدًا، أَوْ كَانَتْ الْأُولَى ذَهَبَتْ هَدَرًا (كَبَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ) لِأَنَّ الْعُضْوَيْنِ اللَّذَيْنِ يَحْصُلُ بِهِمَا مَنْفَعَةُ الْجِنْسِ لَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَهُمَا (فَلَوْ قَطَعَ) الْأَقْطَعُ (يَدَ صَحِيحٍ) أَوْ رِجْلَهُ (قُطِعَتْ يَدُهُ) أَوْ رِجْلُهُ بِشَرْطِهِ لِأَنَّهُ عُضْوٌ أَمْكَنَ الْقَوَدَ فِي مِثْلِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ الْقِصَاصَ.

(وَفِي الْأَشْفَارِ) جَمَعَ شُفْرٍ (الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ الْأَجْفَانُ وَلَوْ مِنْ أَعْمَى الدِّيَةُ) لِأَنَّ ذَهَابَ الْبَصَرِ عَيْبٌ فِي غَيْرِ الْأَجْفَانِ (وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا) أَيْ الْأَشْفَارِ (رُبْعُهَا) لِأَنَّهَا أَعْضَاءَ فِيهَا جَمَالٌ ظَاهِرٌ وَنَفْعٌ كَامِلٌ فَإِنَّهَا تُكِنُّ الْعَيْنَ وَتَحْفَظُهَا مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَلَوْلَاهُ لَقَبُحَ مَنْظَرُهَا (فَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (الْعَيْنَيْنِ بِأَجْفَانِهَا وَجَبَتْ دِيَتَانِ) دِيَةٌ لِلْعَيْنَيْنِ وَدِيَةٌ لِلْأَجْفَانِ لِأَنَّ كُلًّا مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ.

(وَفِي أَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ وَهِيَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْأَجْفَانِ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ فَوَجَبَ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَأُذُنَيْ الْأَصَمِّ وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ (وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا) أَيْ الْأَهْدَابِ (رُبْعُهَا) أَيْ الدِّيَةِ (فَإِنْ قَطَعَ أَجْفَانٌ بِأَهْدَابِهَا لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ) لِأَنَّ الشَّعْرَ زَالَ تَبَعًا لِزَوَالِ الْأَجْفَانِ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ كَالْأَصَابِعِ مَعَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ (وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّعُورِ الثَّلَاثَةِ الْأُخْرَى الدِّيَةُ وَهِيَ شَعْرُ الرَّأْسِ وَ) شَعْرُ (اللِّحْيَةِ وَ) شَعْرُ (الْحَاجِبَيْنِ كَثِيفَةً كَانَتْ) تِلْكَ الشُّعُورُ (أَوْ خَفِيفَةً جَمِيلَةً أَوْ قَبِيحَةً مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ) أَذْهَبَهَا (بِحَيْثُ لَا تَعُودُ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الشَّعْرِ الدِّيَةُ وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل