صفحات 217-256
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَهَذَا تَوْسِعَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْأَكْلِ هُوَ وَأَضْيَافُهُ وَجِيرَانُهُ وَأَهْلُهُ وَيَأْكُلُ مِنْهَا الْمَارَّةُ وَفِيهَا السَّاقِطَةُ فَلَوْ اسْتَوْفَى الْكُلَّ أَضَرَّ بِهِمْ (وَلَا يَكْمُلُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمَتْرُوكِ النِّصَابُ إنْ أَكَلَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِاسْتِهْلَاكِهِ عَلَى وَجْهٍ مَأْذُونٍ فِيهِ كَمَا لَوْ تَلِفَ بِجَائِحَةٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ كَمُلَ بِهِ) النِّصَابُ (ثُمَّ يَأْخُذُ) السَّاعِي (زَكَاةَ الْبَاقِي سَوَاءٌ بِالْقِسْطِ) فَلَوْ كَانَ تَمْرُهُ كُلُّهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا كَمَّلَ النِّصَابَ بِالرُّبْعِ الَّذِي كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ وَأُخِذَتْ مِنْهُ زَكَاةُ مَا سِوَاهُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَوْسُقٍ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ وَسْقٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْخَارِصُ شَيْئًا) مِنْ الثَّمَرَةِ (فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَكْلُ هُوَ وَعِيَالُهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ) الَّذِي كَانَ يُتْرَكُ لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَيْهِ) بِمَا أَكَلَهُ إذَنْ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ زَكَاتُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَهُ الْخَارِصُ لَهُ (وَيَأْكُلُ هُوَ) أَيْ الْمَالِكُ وَعِيَالُهُ مِنْ حُبُوبِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَفَرِيكٍ وَنَحْوِهِ وَمَا يَحْتَاجُهُ وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَيْهِ (فِي نِصَاب وَلَا زَكَاة كَالثِّمَارِ) وَلَا يُهْدِي (مِنْ الْحُبُوبِ قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهَا شَيْئًا وَأَمَّا الثِّمَارُ فَالثُّلُثُ أَوْ الرُّبْعُ الَّذِي يُتْرَكُ لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ) وَلَا يَأْكُلُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ مُشْتَرَكٍ شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ (كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ) .
وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ بِحِصَّتِهِ وَلَوْ شَقَّ (ذَلِكَ) لِكَثْرَةِ الْأَنْوَاعِ وَاخْتِلَافِهَا (لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي كُلِّ نَوْعٍ بِخِلَافِ السَّائِمَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْقِيصِ كَمَا تَقَدَّمَ) .
(وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ جِنْسٍ عَنْ جِنْسٍ آخَرَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ وَالْإِبِلَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمَ مِنْ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (فَإِنْ أَخْرَجَ الْوَسَطَ عَنْ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ بِقَدْرِ قِيمَتَيْ الْوَاجِبِ مِنْهُمَا) لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ ذَلِكَ فِي السَّائِمَةِ دَفْعًا لِلتَّشْقِيصِ (أَوْ أَخْرَجَ الرَّدِيءَ عَنْ الْجَيِّدِ بِالْقِيمَةِ) بِأَنْ زَادَ فِي الرَّدِيءِ بِحَيْثُ يُسَاوِي قِيمَةَ الْوَاجِبِ مِنْ الْجَيِّدِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) بِخِلَافِ النَّقْدَيْنِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ النَّفْعُ بِعَيْنِهَا فَيَفُوتُ بَعْضُ الْمَقْصُودِ وَمِنْ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْمَجْدِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: جَوَازُهُ فِي الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا وَإِنْ تَطَوَّعَ رَبُّ الْمَالِ بِإِخْرَاجِ الْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ جَازَ وَلَهُ أَجْرُ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ عَنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ.
(وَيَجِبُ الْعُشْرُ) أَوْ نِصْفُهُ أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَلَوْ عَبَّرَ بِالزَّكَاةِ كَالْمُنْتَهِي
لِشَمْلِهَا (عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِير دُونَ الْمَالِكِ) أَيْ إذَا اسْتَأْجَرَ إنْسَانٌ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ أَوْ اسْتَعَارَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا أَوْ غَرَسَهَا مَا أَثْمَرَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَهِيَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ دُونَ مَالِك الْأَرْضِ وَهُوَ مُعِيرُهَا أَوْ مُؤَجِّرُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» الْحَدِيثُ وَكَتَاجِرٍ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا أَوْ اسْتَعَارَهَا لِبَيْعِ عُرُوضِهِ وَفِي إيجَابِهِ عَلَى الْمَالِكِ إجْحَافٌ يُنَافِي الْمُوَاسَاةَ وَهِيَ مِنْ حُقُوقِ الزَّرْعِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إنْ لَمْ تُزْرَعْ وَتَتَقَيَّدُ بِقَدْرِهِ.
(وَالْخَرَاجُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَالِك الْأَرْضِ (دُونَهُمَا) أَيْ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ (وَلَا زَكَاةَ فِي قَدْرِ الْخَرَاجِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُقَابِلُهُ لِأَنَّهُ كَدَيْنِ آدَمِيٍّ وَلِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ كَنَفَقَةِ زَرْعِهِ) كَأُجْرَةِ الْحَرْثِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مُؤْنَةِ الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِمَالِكِ الْأَرْضِ (سِوَى غَلَّةِ الْأَرْضِ وَفِيهَا مَا فِيهِ زَكَاةٌ) كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَبُرٍّ وَشَعِيرٍ.
(وَ) فِيهَا (مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ كَالْخُضَرِ) مِنْ بِطِّيخٍ وَيَقْطِينٍ وَقِثَّاءٍ وَنَحْوِهَا (جَعَلَ الْخَرَاجَ فِي مُقَابَلَتِهِ) أَيْ مَا لَا زَكَاةَ فِي مُقَابَلَتِهِ (أَيْ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ إنْ وَفَّى بِهِ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْفُقَرَاءِ " وَزَكَّى الْبَاقِيَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ إلَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَدَّى الْخَرَاجَ مِنْ غَلَّتِهَا وَزَكَّى مَا بَقِيَ (وَلَا يَنْقُصُ النِّصَابُ بِمُؤْنَةِ الْحَصَادِ، وَ) مُؤْنَةِ (الدِّيَاسِ وَغَيْرِهِمَا) كَالْجُذَاذِ وَالتَّصْفِيَةِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ (لَسَبَقَ الْوُجُوبُ ذَلِكَ) أَيْ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالِاشْتِدَادِ وَبُدُوِّ الصَّلَاحِ وَذَلِكَ سَابِقٌ لِلْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَالْجُذَاذِ وَنَحْوِهِمَا وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ (وَتَلْزَمُ الزَّكَاةُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ مَنْ حُكِمَ أَنَّ الزَّرْعَ لَهُ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى الْمَالِكِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْمُزَارَعَةُ (صَحِيحَةً فَعَلَى مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مِنْهُمَا) أَيْ الْمَالِكِ وَالْعَامِلِ (نِصَابًا) بِنَفْسِهَا أَوْ ضَمَّهَا إلَى زَرْعٍ لَهُ آخَرَ (الْعُشْرُ) أَوْ نِصْفُهُ أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْعَامِلِ فِي حِصَّتِهِ وَلَوْ بَلَغْت نِصَابًا لِأَنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ.
(وَمَتَى حَصَدَ غَاصِبُ الْأَرْضِ زَرْعَهُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ) عَلَيْهِ فَلَا يَتَمَلَّكُهُ رَبُّ الْأَرْضِ (وَزَكَّاهُ) لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ تَمَلَّكَهُ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ زَكَّاهُ) لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ وَقْتَ وُجُوبِهَا وَإِنْ تَمَلَّكَهُ بَعْدَ اشْتِدَادٍ فَقِيلَ: يُزَكِّيهِ الْغَاصِبُ
لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْغَصْبِ وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا: يُزَكِّيهِ رَبُّ الْأَرْضِ لِأَنَّ مِلْكَهُ اسْتَنَدَ إلَى أَوَّلِ زَرْعِهِ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بِمِثْلِ بَذْرِهِ وَعَوَّضَ لَوَاحِقَهُ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ إذَنْ.
(وَكَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (الْحَصَادَ وَالْجُذَاذَ لَيْلًا) لِحَدِيثِ الْحُسَيْنِ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْجُذَاذِ بِاللَّيْلِ وَالْحَصَادِ بِاللَّيْلِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
(وَيَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (فَالْخَرَاجُ فِي رَقَبَتِهَا) مُطْلَقًا وَالْعُشْرُ (فِي غَلَّتِهَا إنْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ) لِأَنَّ سَبَبَ الْخَرَاجِ التَّمْكِينُ مِنْ النَّفْعِ لِوُجُوبِهِ وَإِنْ لَمْ تُزْرَعْ وَسَبَبُ الْعُشْرِ: الزَّرْعُ كَأُجْرَةِ الْمَتْجَرِ مَعَ زَكَاةِ التِّجَارَةِ وَلِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ لِمُسْتَحَقِّينَ فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» ضَعِيفٌ جِدًّا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ الْجِزْيَةُ وَلَوْ كَانَ عُقُوبَةً لَمَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ كَالْجِزْيَةِ (وَهِيَ) أَيْ الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ إحْدَاهَا (مَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَلَمْ تُقْسَمْ) بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
(وَ) الثَّانِيَةُ (مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا مِنَّا وَ) الثَّالِثَةُ (مَا صُولِحُوا) أَيْ أَهْلُهَا (عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهَا لَنَا وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ) الَّذِي يَضْرِبُهُ عَلَيْهَا الْإِمَامُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَيَانِهِ فِي الْأَرَاضِي الْمَغْنُومَةِ.
(وَالْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا) لِأَنَّهَا مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا (وَهِيَ) أَيْ الْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ (الْأَرْضُ الْمَمْلُوكَةُ) وَهِيَ خَمْسَةُ أَضْرُبٍ الْأُولَى (الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا كَالْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ (وَنَحْوِهَا) كَجُوَاثَى مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ.
(وَ) الثَّانِيَةُ (مَا أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ وَاخْتَطُّوهُ كَالْبَصْرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: بُنِيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ بَعْدَ وَقْفِ السَّوَادِ وَلِهَذَا دَخَلَتْ فِي حَدِّهِ دُونَ حُكْمِهِ.
(وَ) الثَّالِثَةُ (مَا صَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهَا كَالْيَمَنِ وَ) الرَّابِعَةُ (مَا أَقْطَعَهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ) مِنْ السَّوَادِ إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: وَالْأَرْضُونَ الَّتِي يَمْلِكُهَا أَرْبَابُهَا لَيْسَ فِيهَا خَرَاجٌ مِثْلُ هَذِهِ الْقَطَائِعِ الَّتِي أَقْطَعَهَا عُثْمَانُ فِي السَّوَادِ لِسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَخَبَّابٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَقْطَعْهُمْ مَنَافِعَهَا وَخَرَاجَهَا وَلِلْإِمَامِ إسْقَاطُ الْخَرَاجِ عَلَى وَجْهِ
الْمَصْلَحَةِ
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقَاضِي هَذَا أَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا الْأَرْضَ بَلْ أَقَطَعُوا الْمَنْفَعَةَ وَأُسْقِطَ الْخَرَاجُ لِلْمَصْلَحَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ
جَمَاعَةٌ هَذَا الْقِسْمَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ انْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ السَّوَادَ وَقْفٌ فَلَا يُمْكِنُ تَمَلُّكُهُ لَكِنْ يَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ مِنْ الْإِمَامِ وَوَقْفُهُ لَهُ فَلِذَلِكَ أَبْقَى الْأَكْثَرُ كَلَامَ الْإِمَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ تَمْلِيكٌ.
(وَ) الْخَامِسَةُ (مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِمَ كَنِصْفِ خَيْبَرَ) بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى جِهَةِ الشَّامِ ذَاتُ نَخِيلٍ وَمَزَارِعَ، وَحُصُونٍ، وَهِيَ بِلَادُ طَيِّئٍ فَتَحَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ، قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ.
(وَلِلْإِمَامِ إسْقَاطُ الْخَرَاجِ عَمَّنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ) يَبْذُلُ لِأَجْلِهَا مِنْ مَالِ الْفَيْءِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَخْذِهِ مِنْهُ، ثُمَّ رَدَّهُ أَوْ مِثْلَهُ إلَيْهِ (وَيَأْتِي) فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.
(وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ مِنْ مُسْلِمٍ) لِأَنَّهَا مَالُ مُسْلِمٍ يَجِبُ الْحَقُّ فِيهِ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ، فَلَمْ يُمْنَعْ الذِّمِّيُّ مِنْ شِرَائِهِ (كَ) الْأَرْضِ (الْخَرَاجِيَّةِ) فَلِلذِّمِّيِّ شِرَاؤُهَا مِنْ مُسْلِمٍ، إذَا حَكَمَ بِهِ مَنْ يَرَاهُ أَوْ كَانَ الشِّرَاءُ مِنْ الْإِمَامِ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا اشْتَرَوْا الْأَرْضَ الْعُشْرِيَّةَ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (كَالسَّائِمَةِ وَغَيْرِهَا) مِنْ سَائِرِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
(فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا) عَلَى الذِّمِّيِّ لَكِنْ إنْ كَانَ تَغْلِبِيًّا فَعَلَيْهِ فِيمَا يُزَكَّى زَكَاتَانِ، يُصْرَفَانِ مَصْرِفَ الْجِزْيَةِ لَا مَصْرِفَ الزَّكَاةِ وَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ إحْدَاهُمَا وَصُرِفَتْ الْأُخْرَى مَصْرِفَ الزَّكَاةِ (لَكِنْ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ بَيْعُ أَرْضِهِ مِنْ ذِمِّيٍّ وَإِجَارَتُهَا نَصًّا) وَكَذَا إعَارَتُهَا مِنْهُ (لِإِفْضَائِهِ إلَى إسْقَاطِ عُشْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا إلَّا لِتَغْلِبِيٍّ فَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ) لِعَدَمِ إفْضَائِهِ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرَانِ يُصْرَفَانِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا شَيْءَ) أَيْ لَا زَكَاةَ عَلَى ذِمِّيٍّ فِيمَا اشْتَرَاهُ مِنْ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إذَا زَرَعَهُ أَوْ غَرَسَهُ.
(وَلَا) زَكَاةَ عَلَيْهِ أَيْضًا (فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ أَوْ اسْتَعَارَهُ مِنْ مُسْلِمٍ إذَا زَرَعَهُ) أَوْ غَرَسَهُ وَأَخْرَجَ مِنْهُ: مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَا فِيمَا إذَا جَعَلَ (الذِّمِّيُّ) دَارِهِ بُسْتَانًا أَوْ مَزْرَعَةً، وَلَا فِيمَا إذَا رَضَخَ الْإِمَامُ لَهُ أَرْضًا مِنْ الْغَنِيمَةِ، أَوْ أَحْيَا (الذِّمِّيُّ) مَوَاتًا (ثُمَّ زَرْعَهُ أَوْ غَرَسَهُ) ، وَيَأْتِي فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ عَلَى ذِمِّيٍّ خَرَاجُ مَا أَحْيَا مِنْ مَوَاتٍ عَنْوَةً ".
[فَصْلٌ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ]
فَصْلٌ: وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَنْتَ تَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً؟ قَالَ نَعَمْ، أَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً: الْعُشْرَ، قَدْ أَخَذَ عُمَرُ مِنْهُمْ الزَّكَاةَ قُلْت ذَلِكَ عَلَى
أَنَّهُمْ يُطَوِّعُونَ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَخَذَ مِنْهُمْ (سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ) كَرُءُوسِ الْجِبَالِ (أَوْ) أَخَذَهُ (مِنْ مِلْكِهِ) أَيْ مِنْ أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، عُشْرِيَّةً كَانَتْ أَوْ خَرَاجِيَّةً (أَوْ) مِنْ أَرْضٍ (مِلْكِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْعَسَلَ (لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، كَالصَّيْدِ) وَالطَّائِرِ يُعَشِّشُ بِمِلْكِهِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ: مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَأْخُذُ فِي زَمَانِهِ مِنْ قِرَبِ الْعَسَلِ مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً مِنْ أَوْسَاطِهَا» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَثْرَمُ وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي سَيَّارَةَ الْمُتَعِيِّ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي نَخْلًا قَالَ: فَأَدِّ الْعُشُورَ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْمِ لِي جَبَلَهَا قَالَ: فَحَمَى لِي جَبَلَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا سُلَيْمَانَ الْأَشْدَقَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا سَيَّارَةَ.
وَلِذَلِكَ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي الْعَسَلِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ، وَلَا إجْمَاعٌ قَالَ الْمَجْدُ الْقِيَاسُ عَدَمُ الْوُجُوبِ لَوْلَا الْأَثَرُ وَفَرْقٌ بَيْنَ الْعَسَلِ وَاللَّبَنِ: بِأَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي أَصْلِ اللَّبَنِ وَهُوَ السَّائِمَةُ بِخِلَافِ الْعَسَلِ وَبِأَنَّ الْعَسَلَ مَأْكُولٌ فِي الْعَادَةِ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الشَّجَرِ، يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، فَأَشْبَهَ التَّمْرَ وَذَلِكَ أَنَّ النَّحْلَ يَقَعُ عَلَى نُوَّارِ الشَّجَرِ فَيَأْكُلُهُ فَهُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ.
(وَنِصَابُهُ) أَيْ الْعَسَلِ (عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ) نَصَّ عَلَيْهِ (كُلُّ فَرَقٍ - بِفَتْحِ الرَّاءِ - سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا عِرَاقِيَّةً) لِمَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ عُمَرَ " أَنَّ نَاسًا سَأَلُوهُ فَقَالُوا: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ لَنَا وَادِيًا بِالْيَمَنِ، فِيهِ خَلَايَا مِنْ نَحْلٍ وَإِنَّا نَجِدُ أُنَاسًا يَسُوقُونَهَا، فَقَالَ عُمَرُ إنْ أَدَّيْتُمْ صَدَقَتَهَا مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَفْرَاقٍ فَرَقًا، حَمَيْنَاهَا لَكُمْ " وَهَذَا تَقْدِيرٌ مِنْ عُمَرَ، يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَالْفَرَقُ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ فَحُمِلَ كَلَامُ عُمَرَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بِبَلَدِهِ أَوْلَى، وَهُوَ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ سِتَّةُ أَقْسَاطٍ وَهِيَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، فَتَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ مُدًّا وَأَمَّا الْفَرْقُ - بِسُكُونِ الرَّاءِ: فَمِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَهُ الْخَلِيلُ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا قَالَ الْمَجْدُ: لَا قَائِلَ بِهِ هُنَا وَذَكَره بَعْضُهُمْ قَوْلًا (فَيَكُونُ نِصَابُ الْعَسَلِ مِائَةً وَسِتِّينَ رِطْلًا) عِرَاقِيَّةً قُلْت: وَمِائَةٌ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ مِصْرِيٍّ وَأَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا وَسُبْعَا رِطْلٍ
دِمَشْقِيٍّ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ حَلَبِيٍّ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ قُدْسِيٍّ وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ بَعْلِيٍّ.
(وَلَا تَتَكَرَّرُ زَكَاةُ مُعَشَّرَاتٍ) فَمَتَى زَكَّاهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
(وَلَوْ بَقِيَتْ) عِنْدَهُ (أَحْوَالًا) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُرْصَدَةٍ لِلنَّمَاءِ فَهِيَ كَعَرْضِ الْقِنْيَةِ بَلْ أَوْلَى لِنَقْصِهَا بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ (مَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ) فَتُقَوَّمُ عِنْدَ كُلِّ حَوْلٍ بِشَرْطِهِ كَسَائِرِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مُرْصَدَةٌ لِلنَّمَاءِ كَالْأَثْمَانِ.
(وَلَا شَيْءَ فِي الْمَنِّ وَالتَّرَنْجِيلِ وَالشَّيْرَخَشْكِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ كَاللَّاذَنِ وَهُوَ طَلٌّ وَنَدًى يَنْزِلُ عَلَى نَبْتٍ فَتَأْكُلُهُ الْمِعْزَى فَتَتَعَلَّقُ) تِلْكَ (الرُّطُوبَةُ بِهَا فَتُؤْخَذُ) لِعَدَمِ النَّصِّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ الْعُشْرُ كَالْعَسَلِ.
(وَتَضْمِينُ أَمْوَالِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ) بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ (بَاطِلٌ وَعِلَلُهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ) لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى (وَغَيْرِهَا: بِأَنَّ ضَمَانَهَا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ فِي تَمَلُّكِ مَا زَادَ) عَنْ الْقَدْرِ الْمَضْمُونِ بِهِ.
(وَ) يَقْتَضِي غُرْمَ مَا نَقَصَ عَنْهُ (وَهَذَا مُنَافٍ لِمَوْضُوعِ الْعِمَالَةِ وَ) لِ (حُكْمِ الْأَمَانَةِ) سُئِلَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " الْقَبَالَاتُ رِبًا قَالَ هُوَ أَنْ يَتَقَبَّلَ بِالْقَرْيَةِ وَفِيهَا الْعُلُوجُ وَالنَّخْلُ فَسَمَّاهُ رِبًا أَيْ فِي حُكْمِهِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلَانِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " إيَّاكُمْ وَالرِّبَا أَلَا وَهِيَ الْقَبَالَاتُ أَلَا وَهِيَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْقَبِيلُ: الْكَفِيلُ وَالْعَرِيفُ وَقَدْ قَبِلَ بِهِ يَقْبَلُ وَيَقْبَلُ قُبَالَةً وَنَحْنُ فِي قُبَالَتِهِ أَيْ عَرَافَتِهِ.
[فَصْلٌ فِي زَكَاةُ الْمَعْدِنِ]
فَصْلٌ فِي الْمَعْدِنِ أَيْ فِي بَيَانِ حُكْمِهِ مِنْ حَيْثُ الزَّكَاةُ وَهُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ سُمِّيَ بِهِ لِعُدُونِ مَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهِ أَيْ لِإِقَامَتِهِ يُقَالُ عَدَنَ بِالْمَكَانِ يَعْدِنُ عُدُونًا وَالْمَعْدِنُ: الْمَكَانُ الَّذِي عُدِنَ فِيهِ الْجَوْهَرُ وَنَحْوُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْمَعْدِنُ (كُلُّ مُتَوَلِّدٍ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا لَيْسَ نَبَاتًا فَمَنْ اسْتَخْرَجَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) أَيْ أَهْلِ وُجُوبِهَا وَلَوْ صَغِيرًا مِنْ مَعْدِنٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ أَوْ أَرْضٍ (مُبَاحَةٍ) كَمَوَاتٍ (أَوْ) أَرْضٍ (مَمْلُوكَةٍ لِغَيْرِهِ إنْ كَانَ) الْمَعْدِنُ (جَارِيًا) لَهُ مَادَّةٌ لَا تَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ كَالْمَاءِ بِخِلَافِ الْجَامِدِ كَمَا يَأْتِي.
(وَلَوْ)
كَانَ الْمَعْدِنُ مُسْتَخْرَجًا (مِنْ دَارِهِ نِصَابٌ) مَفْعُولٌ: اسْتَخْرَجَ، مُضَافٌ إلَى (ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ) اسْتَخْرَجَ (مَا تَبْلُغُ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا) أَيْ نِصَابُ، الذَّهَبِ، أَوْ نِصَابُ الْفِضَّةِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ لِأَنَّهُمَا قِيَمُ الْأَشْيَاءِ (بَعْدَ سَبْكِهِ وَتَصْفِيَتِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَبْلُغُ (مُنْطَبِعًا كَانَ) الْمَعْدِنُ (كَصُفْرٍ وَرَصَاصٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (وَحَدِيدٍ، أَوْ غَيْرَ مُنْطَبِعٍ كَيَاقُوتٍ وَعَقِيقٍ وَبِنَغْشٍ وَزَبَرْجَدٍ وَمُومْيَا) .
قَالَ فِي مِنْهَاجِ الْبَيَانِ: هِيَ مَعْدِنٌ فِي قُوَّةِ الزِّفْتِ (وَنُورَة وَيَشْمٍ وَزَاجِّ وَفَيْرُوزَجَ) حَجَرٌ أَخْضَرُ مَشُوبٌ بِزُرْقَةٍ يُوجَدُ بِخُرَاسَانَ وَزَعَمَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ يَصْفُو بِصَفَاءِ الْجَوِّ، وَيَتَكَدَّرُ بِتَكَدُّرِهِ (وَبَلُّورٍ وَسَبَج وَكُحْلٍ وَمَغْرَةٍ وَكِبْرِيتٍ وَزِفْتٍ وَزِئْبَقٍ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَالْبَاءِ وَبِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا: فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَزُجَاجٍ) بِتَثْلِيثِ الزَّايِ بِخِلَافِ: زُجَاجٍ جَمْعٌ زَجٌّ الرُّمْحِ، فَإِنَّهُ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ (وَمِلْحٍ وَقَارٍ وسندروس وَنِفْطٍ) بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْفَاءِ.
(وَغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ (مِمَّا يُسَمَّى مَعْدِنًا) قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَعْدِنِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، حَيْثُ كَانَ فِي مِلْكِهِ، أَوْ فِي الْبَرَارِيِّ وَقَالَ الْقَاضِي: عَمَّا رُوِيَ مَرْفُوعًا " أَلَا لَا زَكَاةَ فِي حَجَرِ " إنْ صَحَّ: مَحْمُولٌ عَلَى الْأَحْجَارِ الَّتِي لَا يُرْغَبُ فِيهَا عَادَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرُّخَامَ وَالْبِرَامَ وَنَحْوِهِمَا كَحَجَرِ الْمُسِنِّ: مَعْدِنٌ.
وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا (فَفِيهِ الزَّكَاةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] وَلِمَا رَوَى رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةَ قَالَ: فَتِلْكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إلَّا الزَّكَاةَ إلَى الْيَوْمِ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَبْلِيَّةُ بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْحِجَازِ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَحْرُمُ عَلَى أَغْنِيَاءِ ذَوِي الْقُرْبَى فَفِيهِ الزَّكَاةُ لَا الْخُمُسُ، كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ (فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ مَالٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ حَوْلٌ كَالزَّرْعِ (رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَتِهَا) إنْ لَمْ تَكُنْ أَثْمَانًا (أَوْ رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ عَيْنِهَا إنْ كَانَتْ أَثْمَانًا) لِمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ وَمَا يَجِدُهُ فِي مِلْكِهِ، أَوْ مَوَاتٍ مِنْ مَعْدِنٍ (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) مِنْ غَيْرِهِ (فَإِنْ اسْتَبَقَ اثْنَانِ إلَى مَعْدِنٍ فِي مَوَاتٍ، فَالسَّابِقُ أَوْلَى بِهِ مَا دَامَ يَعْمَلُ) لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ الْعَمَلُ (جَازَ لِغَيْرِهِ الْعَمَلُ فِيهِ) لِأَنَّهُ مُبَاحٌ
لَمْ يَمْلِكْهُ الْأَوَّلُ (وَمَا يَجِدُهُ) مِنْ الْمَعَادِنِ (فِي) مَكَان (مَمْلُوكٍ يُعْرَفُ مَالِكُهُ، فَهُوَ لِمَالِكِ الْمَكَانِ، إنْ كَانَ) الْمَعْدِنُ (جَامِدًا) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَيُمْلَكُ بِمِلْكِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يُزَكِّيهِ مَالُك الْأَرْضِ إذَا وُجِدَ: لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَوْجُودَ لَعَلَّهُ مِمَّا يُخْلَقُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَا يَتَحَقَّقُ سَبْقُ الْمِلْكِ فِيهِ (وَأَمَّا) الْمَعْدِنُ (الْجَاوِي فَمُبَاحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ) سَوَاءٌ كَانَ بِمَوَاتٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ بَلْ كَالْمَاءِ.
(وَلَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ اسْتِخْرَاجِ مَعْدِنٍ، وَلَوْ بِدَارِنَا) كَإِحْيَائِهِ الْمَوَاتَ (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يُخْرِجُهُ) الذِّمِّيُّ مِنْ مَعْدِنٍ (كَالْمُكَاتَبِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) وَكَذَا مَدِينٌ فِيمَا يُقَابِلُ الدَّيْنَ (وَيَأْتِي ذِكْرُ الْمَعَادِنِ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ) وَتَفْصِيلِهَا.
(وَوَقْتُ وُجُوبِهَا) أَيْ زَكَاةِ الْمَعْدِنِ (بِظُهُورِهِ) لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ حَقِّهِ حَوْلٌ، كَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ (وَ) وَقْتُ (اسْتِقْرَارِهَا بِإِحْرَازِهِ) كَالثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ، فَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ إنْ تَلِفَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، لَا بَعْدَهُ وَمَا بَاعَهُ تُرَابًا زَكَّاهُ وَيَصِحُّ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدِنِ كَتُرَابِ صَاغَةٍ وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمَعَادِنِ بِشَرْطِهِ (سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ فِي دَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ، لَمْ يَتْرُكْ الْعَمَلَ بَيْنَهَا تَرْكَ إهْمَالٍ) لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَأَدَّى إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيهِ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ اسْتِخْرَاجُ نِصَابِ دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ (وَحَدُّهُ) أَيْ حَدُّ تَرْكِ الْإِهْمَالِ (ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) حَكَاهُ فِي الْمُبْدِعِ عَنْ ابْنِ الْمُنَجَّا (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) فِي التَّرْكِ.
(فَإِنْ كَانَ) ثُمَّ عُذْرٌ (فَبِزَوَالِهِ) أَيْ زَوَالِ الْعُذْرِ، أَيْ يَعْتَبِرُ مُضِيُّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى (فَلَا أَثَرَ لِتَرْكِهِ) الْعَمَلَ (لِإِصْلَاحِ آلَةٍ وَمَرَضٍ وَسَفَرٍ يَسِيرٍ، وَاسْتِرَاحَةٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، أَوْ اشْتِغَالِهِ بِتُرَابٍ خَرَجَ بَيْنَ النِّيلَيْنِ) أَيْ الْإِصَابَتَيْنِ (أَوْ هَرَبَ عَبْدُهُ أَوْ أَجِيرُهُ وَنَحْوُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إعْرَاضًا وَلَا يُعْتَبَرُ كُلُّ عِرْقٍ بِنَفْسِهِ (فَيُضَمُّ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَلَوْ مِنْ مَعَادِنَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) كَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ.
(وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى آخَرَ غَيْرَ نَقْدِ) كَالْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا.
(وَلَوْ كَانَتْ) الْمَعَادِنُ (مُتَقَارِبَةً كَقَارٍ وَنَفْطٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ، وَلَوْ مِنْ مَعْدِنٍ وَاحِدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا ضَمَّ مَعَ الْإِهْمَالِ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ، بِلَا عُذْرٍ، فَإِنْ أَخْرَجَ دُونَ نِصَابٍ، ثُمَّ تَرَكَ الْعَمَلَ مُهْمِلًا لَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ دُونَ نِصَابٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِمَا قُلْت: إنْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةً.
(وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا) أَيْ زَكَاةِ الْمَعْدِنِ مِنْهُ (إذَا كَانَتْ) الْمَعَادِنُ (أَثْمَانًا إلَّا بَعْدَ سَبْكٍ وَتَصْفِيَةٍ) لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إخْرَاجُ الْوَاجِبِ،
فَلَمْ يَجُزْ كَالْحُبُوبِ (فَإِنَّ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ عَقِبَهُمَا) أَيْ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُ الْوُجُوبِ هُوَ وَقْتُ الِاسْتِخْرَاجِ (فَإِنْ أَخْرَجَ) زَكَاةِ الْمَعْدِنِ مِنْ عَيْنه (قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَرُدَّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ) الْمَأْخُوذُ (بَاقِيًا، أَوْ قِيمَتَهُ إنْ تَلِفَ) لِفَسَادِ الْقَبْضِ (فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْقِيمَةِ أَوْ الْقَدْرِ) أَيْ قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ تُرَابًا أَوْ قَدْرَهُ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ غَارِمٌ (فَإِنْ صَفَّاهُ أَخَذَهُ، فَكَانَ قَدْرُ الْوَاجِبِ أَجْزَأَ وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَى الْمُخْرِجِ النَّقْصُ وَإِنْ زَادَ) عَلَى الْوَاجِبِ (رَدَّ) الْقَابِضُ (الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَسْمَحَ بِهِ) وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَابِضُ السَّاعِيَ: وَاضِحٌ وَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ: الْفَقِيرَ، فَلَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ.
(وَلَا يَرْجِعُ) الْقَابِضُ (بِتَصْفِيَتِهِ) أَيْ بِمُؤْنَتِهَا عَلَى رَبِّ الْمَعْدِنِ.
لِأَنَّهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَمُؤْنَةُ تَصْفِيَتِهِ وَ) مُؤْنَةُ سَبْكِهِ (عَلَى مُسْتَخْرِجِهِ) كَمُؤْنَةِ حَصَادٍ وَجُذَاذٍ (كَمُؤْنَةِ اسْتِخْرَاجِهِ) فَإِنَّهَا عَلَى مُسْتَخْرِجِهِ، كَمُؤْنَةِ الْحَرْثِ (فَلَا يَحْتَسِبُ) الْمُسْتَخْرَجَ (بِذَلِكَ) أَيْ لَا يُسْقِطُهُ مِنْ الْمَعْدِنِ، وَيُزَكِّي مَا عَدَاهُ (كَالْحُبُوبِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ عَلَى الصَّحِيحِ (كَمَا يَحْتَسِبُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الزَّرْعِ) قُلْت: هَذَا وَاضِحٌ فِي مُؤْنَةِ الِاسْتِخْرَاجِ، لَا فِي مُؤْنَةِ سَبْكٍ وَتَصْفِيَةٍ لِأَنَّهُمَا بَعْدَ الْوُجُوبِ كَمُؤْنَةِ حَصَادٍ وَدِيَاسٍ (وَلَا تَتَكَرَّرُ زَكَاتُهُ) أَيْ الْمَعْدِنُ كَالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ (إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التِّجَارَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْدًا) فَإِنْ كَانَ نَقْدًا، أَوْ غَيْرَهُ وَقَصَدَ بِهِ التِّجَارَةَ عِنْدَ الِاسْتِخْرَاجِ زَكَّاهُ أَيْضًا كُلَّمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ بِشَرْطِهِ (وَإِنْ اسْتَخْرَجَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ) لِفَقْدِ شَرْطَ الزَّكَاةِ.
(وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ مِنْ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ) هُوَ نَبَاتٌ حَجَرِيٌّ مُتَوَسِّطٌ فِي خَلْقِهِ بَيْنَ النَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ وَمِنْ خَوَاصِّهِ: أَنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ يَشْرَحُ الصَّدْرَ وَيُفْرِحُ الْقَلْبَ.
(وَالْعَنْبَرِ وَغَيْرِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ شَيْءٌ، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ " وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ رَوَاهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ وَلَمْ تَأْتِ فِيهِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَهُوَ كَالْمُبَاحَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْبَرِّ.
(وَ) لَا زَكَاةَ فِيمَا يُخْرَجُ مِنْ الْبَحْرِ مِنْ (الْحَيَوَانِ) بِأَنْوَاعِهِ (كَصَيْدِ بَرٍّ وَإِنْ كَانَ الْمَعْدِنُ بِدَارِ حَرْبٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَّا بِقَوْمٍ لَهُمْ مَنَعَةٌ فَغَنِيمَةٌ يُخَمَّسُ بَعْدَ) إخْرَاجِ رُبْعِ الْعُشْرِ مِنْ عَيْنِهِ إنْ كَانَ نَقْدًا، أَوْ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ غَيْرَهُ، لِأَنَّ قُوَّتَهُمْ أَوْ صِلَتَهُمْ إلَيْهِ فَكَانَ غَنِيمَةً كَالْمَأْخُوذِ بِالْحَرْبِ وَلَا زَكَاةَ فِي مِسْكٍ وَزَبَادٍ.
[فَصْلٌ يَجِبُ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ]
فَصْلٌ وَيَجِبُ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ قَالَ " فِي أَرْضِ الْحَرْبِ الْخُمُسُ وَفِي أَرْضِ الْعَرَبِ الزَّكَاةُ " (فِي الْحَالِ) فَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ حَوْلٌ كَالْمَعْدِنِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَكَاةٍ، بَلْ فَيْءٌ (أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ مَالٍ، وَلَوْ غَيْرَ نَقْدٍ) كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ لِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ كَالْغَنِيمَةِ (قَلَّ) ذَلِكَ الْمَوْجُودُ (أَوْ كَثُرَ) بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ وَالزَّرْعِ، لِكَوْنِهِمَا يَحْتَاجَانِ إلَى كُلْفَةٍ فَاعْتُبِرَ لَهُمَا النِّصَابُ تَخْفِيفًا (وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْخُمُسِ مِنْ غَيْرِهِ) كَزَكَاةِ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا (وَيُصْرَفُ خُمُسُ الرِّكَازِ مَصْرِفَ الْفَيْءِ الْمُطْلَقِ لِلْمَصَالِحِ كُلِّهَا) لِفِعْلِ عُمَرَ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ، كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ.
(وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ رَدُّ خُمُسِ الرِّكَازِ، أَوْ) رَدُّ بَعْضِهِ: لِوَاجِدِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ لَهُ (تَرْكُهُ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْخَرَاجِ) إذَا رَدَّهُ أَوْ تَرَكَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ (وَكَمَا) أَنَّ (لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (رَدُّ خُمُسِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ) عَلَى الْغَانِمِينَ (لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (أَيْضًا رَدَّ الزَّكَوَاتِ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ، إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا لِأَنَّهُ أُخِذَ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ كَإِرْثِهَا وَقَبْضِهَا عَنْ دَيْنٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ، فَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ تَرَكَ الْإِمَامُ الزَّكَاةَ (لَهُ) أَيْ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ لَمْ يَبْرَأْ مَنْ تُرِكَتْ لَهُ مِنْهَا لِعَدَمِ الْإِيتَاءِ.
(وَيَجُوزُ لِوَاجِدِهِ) أَيْ الرِّكَازِ (تَفْرِقَتُهُ بِنَفْسِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ لِأَنَّهُ أَدَّى الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ أَنْ يَمْسِكَ الْوَاجِبَ فِيهِمَا لِنَفْسِهِ (وَبَاقِيهِ) أَيْ الرِّكَازِ (لَهُ) أَيْ لِوَاجِدِهِ لِفِعْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ " دَفَعَا بَاقِي الرِّكَازِ لِوَاجِدِهِ " وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فَكَانَ لِوَاجِدِهِ بَعْدَ الْخُمُسِ، كَالْغَنِيمَةِ.
(وَلَوْ) كَانَ وَاجِدُهُ (ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا بِدَارِنَا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) كَغَيْرِهِمْ (وَيُخْرِجُ عَنْهُمَا الْوَلِيُّ) الْخُمُسَ كَزَكَاةِ مَالِهِمَا، وَنَفَقَةٌ تَجِبُ عَلَيْهِمَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِدُهُ أَجِيرًا فِيهِ) أَيْ فِي طَلَبِهِ (لِطَالِبِهِ) أَيْ الرِّكَازِ (فَ) الْبَاقِي إذَنْ (لِمُسْتَأْجِرِهِ) لِأَنَّ الْوَاجِدَ نَائِبٌ عَنْهُ (وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ هَدْمِ شَيْءٍ) مِنْ حَائِطٍ وَغَيْرِهِ (فَوَجَدَهُ) أَيْ الرِّكَازَ (فَهُوَ لَهُ) أَيْ لِوَاجِدِهِ (لَا لِمُسْتَأْجِرِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِ الْوَاجِدِ قُلْت: فَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِطَلَبِ رِكَازٍ
فَوَجَدَ غَيْرَهُ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَجِيرًا لِطَلَبِ مَا وَجَدَهُ.
(وَإِنْ وَجَدَهُ عَبْدُ فَهُوَ مِنْ كَسْبِهِ) فَيَكُونُ (لِسَيِّدِهِ) كَسَائِرِ كَسْبِهِ (وَإِنْ وَجَدَهُ وَاجِدٌ فِي مَوَاتٍ أَوْ شَارِعٍ، أَوْ أَرْضٍ لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا أَوْ) وَجَدَهُ (عَلَى وَجْهِ هَذِهِ الْأَرْضِ) الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا (أَوْ) وَجَدَهُ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ (أَوْ) فِي (خَرِبَةٍ، أَوْ فِي مِلْكِهِ الَّذِي أَحْيَاهُ) أَيْ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ.
(وَإِنْ عَلِمَ) وَاجِدُ الرِّكَازِ (مَالِكَهَا) أَيْ الْأَرْضِ الَّتِي وُجِدَ بِهَا الرِّكَازُ (أَوْ كَانَتْ) الْأَرْضُ (مُنْتَقِلَةً إلَيْهِ) أَيْ إلَى وَاجِدِ الرِّكَازِ (فَهُوَ لَهُ) أَيْ لِوَاجِدِهِ (أَيْضًا إنْ لَمْ يَدَعْهُ الْمَالِكُ) لِلْأَرْضِ مِلْكًا (لِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ) لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا (فَلَوْ ادَّعَاهُ) أَيْ الرِّكَازَ مَالِكُ الْأَرْضِ الَّتِي وُجِدَ بِهَا (بِلَا بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ لَهُ بِهِ.
(وَلَا وَصْفَ) يَصِفُهُ بِهِ (فَ) الرِّكَازُ (لَهُ) أَيْ لِمَالِكِ الْأَرْضِ (مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ يَدَ مَالِكِ الْأَرْضِ عَلَى الرِّكَازِ، فَرَجَحَ بِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَاهُ مَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ الْأَرْضُ لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ عَلَيْهَا.
(وَإِنْ اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ) أَيْ وَرَثَةُ مَالِكِ الْأَرْضِ (فَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ) أَيْ الرِّكَازَ (لِمُوَرِّثِهِمْ، وَأَنْكَرَ الْبَعْضُ) الْآخَرُ أَنَّهُ لِمُوَرِّثِهِمْ (فَحَكَمَ مَنْ أَنْكَرَ فِي نَصِيبِهِ حُكْمَ الْمَالِكِ الَّذِي لَمْ يُعْتَرَفْ بِهِ) أَيْ لَمْ يَدَعْ الرِّكَازَ فَيَكُونُ نَصِيبُهُ لِوَاجِدِهِ (وَحُكْمُ الْمُدَّعِينَ حُكْمُ الْمَالِكِ الْمُعْتَرَفِ) فَيَحْلِفُونَ وَيَأْخُذُونَ نَصِيبَهُمْ.
وَكَذَا وَرَثَةُ مَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ وَمَتَى دَفَعَ إلَى مُدَّعِيهِ، بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ وَاجِدُهُ خُمُسَهُ بِاخْتِيَارِهِ غُرِّمَ بَدَلَ خُمُسِهِ لِمُدَّعِيهِ لِتَفْوِيتِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ وَجَدَ فِيهَا) أَيْ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ (لُقَطَةً، فَوَاجِدُهَا: أَحَقُّ) بِهَا (مِنْ صَاحِبِ الْمِلْكِ) أَيْ الْأَرْضِ، فَيَمْلِكُهَا وَاجِدُهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَرَبُّ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِرِكَازٍ، وَلُقَطَةٍ مِنْ وَاجِدٍ مُتَعَدٍّ بِدُخُولِهِ.
(وَكَذَا حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ، يَجِدُ فِي الدَّارِ رِكَازًا، أَوْ لُقَطَةً) فَيَكُونَانِ أَحَقَّ بِهِمَا (فَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ (أَنَّهُ وَجَدَهُ أَوَّلًا، أَوْ) أَنَّهُ (مِلْكُهُ، أَوْ) أَنَّهُ (دَفَنَهُ فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ مُكْتَرٍ، لِزِيَادَةِ الْيَدِ) وَكَذَا مُعِيرٌ وَمُسْتَعِيرٌ اخْتَلَفَا (إلَّا أَنْ يَصِفَهُ) أَيْ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ مِنْ رِكَازٍ أَوْ لُقَطَةٍ (أَحَدِهِمَا، فَيَكُونُ لَهُ) تَرْجِيحًا لَهُ بِالْوَصْفِ (مَعَ يَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ صَاحِبِهِ.
فَإِنْ وَصَفَاهَا تَسَاقَطَا وَرَجَحَ مُكْتَرٍ لِزِيَادَةِ الْيَدِ (وَالرِّكَازُ) مُشْتَقٌّ مِنْ رَكَزَ يَرْكِزُ كَغَرِزَ يَغْرِز، إذَا أَخْفَى وَمِنْهُ رَكَّزْت الرُّمْحَ إذَا أَخْفَيْت أَصْلَهُ وَمِنْهُ الرِّكْزُ: وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ فَهُوَ لُغَةً: الْمَالُ الْمَدْفُونُ فِي الْأَرْضِ وَاصْطِلَاحًا (مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ) بِكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ مَدْفُونِهِمْ (أَوْ دِفْنِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ كُفَّارٍ) وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا جَاهِلِيَّةً (فِي الْجُمْلَةِ) فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا، إذَا كَانَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ خَرِبَةٍ (فِي دَارِ إسْلَامٍ أَوْ دَارِ عَهْدٍ، أَوْ دَارِ حَرْبٍ وَقَدَرَ عَلَيْهِ) بِدَارِ الْحَرْبِ (وَحْدَهُ أَوْ بِجَمَاعَةٍ، لَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ لَهُمْ مَنَعَةٌ فَغَنِيمَةٌ) لِأَنَّ قُوَّتَهُمْ أَوْصَلَتْ إلَيْهِ فَكَانَ غَنِيمَةً، كَالْمَأْخُوذِ بِالْحَرْبِ (عَلَيْهِ) أَيْ الرِّكَازِ (أَوْ عَلَى بَعْضِهِ: عَلَامَةُ كُفْرٍ) كَأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ، وَصُوَرِهِمْ وَصُلُبِهِمْ وَصُوَرِ أَصْنَامِهِمْ (فَقَطْ) وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ " مَا " فِي قَوْلِهِ: مَا وُجِدَ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ، إنْ كَانَتْ نَكِرَةً أَوْ حَالٌ إنْ كَانَتْ مَوْصُولَةً (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ الدَّفْنِ (أَوْ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ) كَاسْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، فَهُوَ لُقَطَةٌ (أَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ، كَالْأَوَانِي وَالْحُلِيِّ، وَالسَّبَائِكِ فَهُوَ لُقَطَةٌ لَا) يُمْلَكُ إلَّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُ مِلْكِهِ عَنْهُ وَتَغْلِيبًا لِحُكْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ.
[بَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ]
ِ وَهُمَا الْأَثْمَانُ فَلَا تَدْخُلُ فِيهَا الْفُلُوسُ، وَلَوْ رَائِجَةً (وَحُكْمُ التَّحَلِّي) بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (تَجِبُ زَكَاتُهُمَا) بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34]- الْآيَةُ وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهِمَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ، أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيُعْتَبَرُ) لَهُمَا (النِّصَابُ) إجْمَاعًا (فَنِصَابُ الذَّهَبِ: عِشْرُونَ مِثْقَالًا) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ - مِثْقَالًا مِنْ الذَّهَبِ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ مِثْقَالًا نِصْفَ مِثْقَالٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ (زِنَةُ الْمِثْقَالِ دِرْهَمُ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ.
(وَلَمْ تَتَغَيَّرْ) الْمَثَاقِيلُ (فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَارِيخِهِ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ (وَهُوَ) أَيْ الْمِثْقَالُ (ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةَ شَعِيرٍ مُتَوَسِّطَةٍ وَقِيلَ: اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ حَبَّةً وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ مِنْ الشَّعِيرِ الْمُطْلَقِ) .
أَيْ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ بِالْمُتَوَسِّطِ (وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ (وَزِنَةُ الْعِشْرِينَ مِثْقَالًا بِالدَّرَاهِمِ) الْإِسْلَامِيَّةِ (ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَبِدِينَارِ الْوَقْتِ الْآنَ الَّذِي زِنَتُهُ دِرْهَمٍ وَثَمَنُ دِرْهَمٍ) عَلَى التَّحْدِيدِ (خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَسُبْعَا دِينَارٍ وَتِسْعَةٍ) وَهُوَ دِينَارُ زَمَنِنَا هَذَا إلَّا أَنَّ الْمِائَةَ دِينَارٍ مِنْ دَارِ الضَّرْبِ: مِائَةٌ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَيَزِيدُ الدِّينَارُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ نِصْفُ جُزْءٍ مِنْ مِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ وَلَا يَكَادُ ذَلِكَ يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ (وَنِصَابُ الْفِضَّةِ: مِائَتَا دِرْهَمٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» وَالْأُوقِيَّةُ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا (وَ) هِيَ (بِالْمَثَاقِيلِ: مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِثْقَالًا) .
(وَفِيهِمَا) أَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (رُبْعُ الْعُشْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَرَوَى أَنَسٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (مَضْرُوبَيْنِ) كَانَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ (أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَيْنِ) لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ، وَعُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» (وَالِاعْتِبَارُ بِالدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ الَّذِي زِنَتُهُ سِتَّةِ دَوَانِقَ، وَالْعَشَرَةُ دَرَاهِمَ: سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ فَالدِّرْهَمُ نِصْفُ مِثْقَالٍ وَخَمْسَةٌ) أَيْ خُمْسُ مِثْقَالٍ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَصْحَابُنَا: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: أَنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوَانِقَ.
(وَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ صِنْفَيْنِ سَوْدَاءُ، وَهِيَ الْبَغْلِيَّةُ، نِسْبَةً إلَى مَلِكٍ، يُقَالُ لَهُ رَأْسُ الْبَغْلِ الدِّرْهَمُ مِنْهَا: ثَمَانِيَةُ دَوَانِقَ وَالطَّبَرِيَّةُ: نِسْبَةً إلَى طَبَرِيَّةِ الشَّامِ) .
بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ (الدِّرْهَمُ) مِنْهَا (أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ فَجَمَعَتْهُمَا بَنُو أُمَيَّةَ وَجَعَلُوهُمَا) أَيْ الْبَغْلِيَّةُ وَالطَّبَرِيَّةُ (دِرْهَمَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ كُلُّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِقَ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْأُوقِيَّةُ وَالدَّرَاهِمُ مَجْهُولَةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ مُوجِبُ الزَّكَاةِ فِي أَعْدَادٍ مِنْهَا وَتَقَعُ بِهَا الْمُبَايَعَاتُ وَالْأَنْكِحَةُ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ - مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ
تَكُنْ مَعْلُومَةً إلَى زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَإِنَّهُ جَمَعَهَا بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ، وَجَعَلَ وَزْنَ الدِّرْهَمِ سِتَّةَ دَوَانِقَ - قَوْلٌ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا مَعْنَى مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى صِفَةٍ لَا تَخْتَلِفُ فَرَأَوْا صَرْفَهَا إلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَنَقْشِهِ فَجَمَعُوا أَكْبَرَهَا وَأَصْغَرَهَا وَضَرَبُوهُ عَلَى وَزْنِهِمْ (فَيُرَدُّ ذَلِكَ كُلُّهُ إلَى الْمِثْقَالِ وَالدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ) وَكَذَلِكَ الدَّرَاهِمُ الْخُرَاسَانِيَّةُ وَهِيَ دَانِقٌ أَوْ نَحْوُهُ وَالْيَمَنِيَّةُ وَهِيَ دَانِقَانِ وَنِصْفٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
(وَلَا زَكَاةَ فِي مَغْشُوشِهَا، حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ مَا فِيهِ مِنْ الْخَالِصِ) ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً (نِصَابًا) نَقَلَ حَنْبَلٌ فِي دَرَاهِمَ مَغْشُوشَةٍ، فَلَوْ خَلَصَتْ نَقَصَتْ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ: لَا زَكَاةَ فِيهَا لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمِائَتَيْنِ هُمَا فَرْضٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا تَمَّتْ فَفِيهَا الزَّكَاةُ (فَإِنْ شَكَّ: هَلْ فِيهِ) أَيْ الْمَغْشُوشِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (نِصَابٌ خَالِصٌ؟ خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِ وَإِخْرَاجِ قَدْرِ زَكَاةِ نَقْدِهِ، إنْ بَلَغَ) نَقْدُهُ (نِصَابًا وَبَيْنَ اسْتِظْهَارِهِ) أَيْ احْتِيَاطِهِ.
(وَإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ بِيَقِينٍ) وَمَتَى ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ عَلِمَ الْغِشَّ أَوْ أَنَّهُ اسْتَظْهَرَ، وَأَخْرَجَ الْفَرْضَ قُبِلَ مِنْهُ بِلَا يَمِينٍ.
(وَإِنْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) فِي الْمَغْشُوشِ لِتَيَقُّنِ بُلُوغِ خَالِصِهِ نِصَابًا (وَشَكَّ فِي زِيَادَةِ) الْمَغْشُوشِ عَلَى نِصَابٍ (اسْتَظْهَرَ) أَيْ احْتَاطَ، لِيَبْرَأَ بِيَقِينٍ.
(فَأَلْفُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مُخْتَلِطَةٌ سِتُّمِائَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا) وَأَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ الْآخَرِ (وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّهِمَا؟) السِّتُّمِائَةِ (وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ زَكَّى سِتَّمِائَةٍ ذَهَبًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ فِضَّةً) لِأَنَّهُ يَبْرَأُ بِذَلِكَ بِيَقِينٍ.
(وَإِنْ أَرَادَ) رَبُّ الْمَالِ (أَنْ يُزَكِّيَ الْمَغْشُوشَةَ مِنْهَا وَعَلِمَ قَدْرَ الْغِشِّ فِي كُلِّ دِينَارٍ) أَوْ دِرْهَمٍ (جَازَ) إخْرَاجُ زَكَاتِهَا مِنْهَا لِلْعِلْمِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مَا فِي كُلِّ دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ مِنْ الْغِشِّ (لَمْ يُجْزِئْهُ) إخْرَاجُ زَكَاتِهَا مِنْهَا لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إذَنْ إلَى الْعِلْمِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ (إلَّا أَنْ يَسْتَظْهِرَ فَيُخْرِجُ) مِنْهَا (قَدْرَ الزَّكَاةِ بِيَقِينٍ) فَيُجْزِئُهُ، لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ) عَنْهَا (مَالًا غَشَّ فِيهِ فَهُوَ أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (وَيُعْرَفُ قَدْرُ غِشِّهِ حَقِيقَةً بِأَنْ يَدَعَ مَاءً فِي إنَاءٍ) أَسْفَلَهُ كَأَعْلَاهُ (ثُمَّ يَدَعَ فِيهِ ذَهَبًا خَالِصًا زِنَةَ الْمَغْشُوشِ، وَيَعْلَمَ عُلُوَّ الْمَاءِ) الَّذِي فِي الْإِنَاءِ.
(ثُمَّ يَرْفَعَهُ) أَيْ الذَّهَبَ، أَيْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْمَاءِ (وَيَضَعَ بَدَلَهُ) فِي الْمَاءِ (فِضَّةً خَالِصَةً زِنَةَ الْمَغْشُوشِ، وَيَعْلَمَ عُلُوَّ الْمَاءِ، وَهُوَ) أَيْ الْعُلُوُّ عِنْدَ وَضْعِ الْفِضَّةِ (أَعْلَى مِنْ) الْعُلُوِّ (الْأَوَّلِ) عِنْدَ وَضْعِ الذَّهَبِ (لِأَنَّ الْفِضَّةَ أَضْخَمُ مِنْ الذَّهَبِ، ثُمَّ يَرْفَعَهَا) أَيْ الْفِضَّةَ (وَيَدَع الْمَغْشُوشَ) فِي الْمَاءِ (وَيَعْلَمَ عُلُوَّ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحَ) مِنْ الْمِسَاحَةِ، أَيْ
يَقِيسُ (مَا بَيْنَ الْعَلَامَةِ الْوُسْطَى) وَهِيَ عَلَامَةُ الْمَغْشُوشِ.
(وَ) بَيْنَ الْعَلَامَةِ (الْعُلْيَا) عَلَامَةُ الْفِضَّةِ (وَ) يَمْسَحَ (مَا بَيْنَ الْعَلَامَةِ الْوُسْطَى وَ) الْعَلَامَةِ (السُّفْلَى) وَهِيَ عَلَامَةُ الذَّهَبِ (فَإِنْ كَانَ الْمَمْسُوحَانِ سَوَاءً، فَنِصْفُ الْمَغْشُوشِ ذَهَبٌ وَنِصْفُهُ فِضَّةٌ وَإِنْ زَادَ) ذَلِكَ (أَوْ نَقَصَ، فَبِحِسَابِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مَا بَيْنَ الْعُلْيَا إلَى الْوُسْطَى ثُلُثَيْ مَا بَيْنَ الْعَلَامَتَيْنِ) لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ (وَمَا بَيْنَ السُّفْلَى إلَى الْوُسْطَى ثُلُثُهُ كَانَتْ الْفِضَّةُ ثُلُثَيْنِ وَالذَّهَبُ الثُّلُثَ وَبِالْعَكْسِ) .
بِأَنْ يَكُونَ مَا بَيْنَ الْعُلْيَا إلَى الْوُسْطَى ثُلُثُ مَا بَيْنَ الْعَلَامَتَيْنِ وَمَا بَيْنَ السُّفْلَى إلَى الْوُسْطَى: ثُلُثَاهُ (الذَّهَبُ الثُّلُثَانِ) وَالْفِضَّةُ الثُّلُثُ إذْ الِارْتِفَاعُ لِلْفِضَّةِ لِضَخَامَتِهَا، وَالِانْخِفَاضُ لِلذَّهَبِ لِثِقَلِهِ.
(وَالْأَوْلَى: أَنْ يَكُونَ الْإِنَاءُ ضَيِّقًا) لِأَنَّ عُلُوَّ الْمَاءِ فِيهِ يَظْهَرُ وَيَتَّضِحُ (وَيَتَعَيَّنُ) فِي الْإِنَاءِ (أَنْ يَكُونَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ فِي السَّعَةِ وَالضِّيقِ سَوَاءً كَقَصَبَةٍ) فَارِسِيَّةٍ (وَنَحْوِهَا) لِيَتَأَتَّى ذَلِكَ الْعَمَلُ (وَلَا زَكَاةَ فِي غَشِّهَا) أَيْ الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْغِشُّ (فِضَّةً، فَيُضَمُّ إلَى مَا مَعَهُ مِنْ النَّقْدِ فِضَّةً كَانَ أَوْ ذَهَبًا) لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ يُضَمُّ إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ (وَيُكْرَهُ ضَرْبُ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ وَاِتِّخَاذُهُ نَصَّ عَلَيْهِ) قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي: لَيْسَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَضْرِبُوا إلَّا جِيدًا.
(وَتَجُوز الْمُعَامَلَةُ بِهِ) أَيْ بِالنَّقْدِ الْمَغْشُوشِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ، إذَا أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ) أَيْ بِكَوْنِهَا مَغْشُوشَةً (وَإِنْ جَهِلَ قَدْرَ الْغِشِّ) وَكَذَا لَوْ كَانَ غِشًّا مَعْلُومًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الرِّبَا وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَعَامَلُونَ بِدَرَاهِمِ الْعَجَمِ، وَكَانُوا إذَا زَافَتْ عَلَيْهِمْ أَتَوْا بِهَا إلَى السُّوقِ فَقَالُوا مَنْ يَبِيعُنَا بِهَذِهِ؟ " وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ، وَلَا عَلِيٌّ وَلَا مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ، أَيْ فِي ضَرْبِ الْمَغْشُوشِ: ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ قُلْت: فَكَذَا فِي الْمُعَامَلَةِ خُصُوصًا حَيْثُ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَا.
(قَالَ الشَّيْخُ: الْكِيمْيَاءُ غِشٌّ وَهِيَ تَشْبِيهُ الْمَصْنُوعِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِالْمَخْلُوقِ) ذَهَبًا أَوْ فِضَّةٍ (بَاطِلَةٌ فِي الْعَقْلِ) لِاسْتِحَالَةِ قَلْبِ الْأَعْيَانِ (مُحَرَّمَةٌ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ) لِحَدِيثِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» .
(وَلَوْ ثَبَتَتْ عَلَى الرُّوبَاضِ) أَيْ مَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ غِشُّ النَّقْدِ (وَيَقْتَرِنُ بِهَا كَثِيرًا السِّيمِيَاءُ الَّتِي هِيَ مِنْ السِّحْرِ، وَمَنْ طَلَبِ زِيَادَةَ الْمَالِ بِمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ) تَعَالَى
(عُوقِبَ بِنَقِيضِهِ، كَالْمُرَابِي) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276] .
(وَهِيَ) أَيْ الْكِيمْيَاءُ (أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْهُ) لِتَعَدِّي ضَرَرِهَا (وَلَوْ كَانَتْ حَقًّا مُبَاحًا لَوَجَبَ فِيهَا خُمُسٌ) كَالرِّكَازِ (أَوْ زَكَاةٍ) كَالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَالْمَعْدِنِ.
(وَلَمْ يُوجِبْ عَالِمٌ فِيهَا شَيْئًا) فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِهَا.
(وَالْقَوْلُ بِأَنَّ قَارُونَ عَمَلَهَا بَاطِلٌ وَلَمْ يَذْكُرْهَا، أَوْ يَعْمَلْهَا إلَّا فَيْلَسُوفٌ، أَوْ اتِّحَادِيٌّ أَوْ مَلِكٌ ظَالِمٌ وَقَالَ) .
الشَّيْخُ (يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَضْرِبَ لَهُمْ) أَيْ الرَّعَايَا (فُلُوسًا تَكُونُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُمْ) تَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ، وَتَيْسِيرًا لِمَعَاشِهِمْ (وَلَا يَتَّجِرُ ذُو السُّلْطَانِ فِي الْفُلُوسِ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ نُحَاسًا فَيَضْرِبَهُ فَيَتَّجِرَ فِيهِ) لِأَنَّهُ تَضْيِيقٌ.
(وَلَا بِأَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ الْفُلُوسَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَيَضْرَبُ لَهُمْ غَيْرَهَا) لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِالنَّاسِ، وَخُسْرَانٌ عَلَيْهِمْ (بَلْ يَضْرِبُ) النُّحَاسَ فُلُوسًا (بِقِيمَتِهِ مِنْ غَيْرِ رِبْحٍ فِيهِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَيُعْطِي أُجْرَةَ الصُّنَّاعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّ التِّجَارَةَ فِيهَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ ظُلْمِ النَّاسِ وَأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ فَإِنَّهُ إذَا حَرَّمَ الْمُعَامَلَةَ بِهَا صَارَتْ عَرَضًا، وَ) إذَا ضَرَبَ لَهُمْ فُلُوسًا أُخْرَى أَفْسَدَ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ بِنَقْصِ أَسْعَارِهَا فَظَلَمَهُمْ فِيمَا يَضْرِبُهُ بِإِغْلَاءِ سِعْرِهَا قُلْت: وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي زَمَنِنَا مَرَّاتٍ، وَفَسَدَتْ بِهِ أَمْوَالُ كَثِيرِينَ، وَزَادَ عَلَيْهِمْ الضَّرَرُ.
(وَفِي السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَرَوَاهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إلَّا مِنْ بَأْسٍ» ) .
نَحْوُ أَنْ يُخْتَلَفَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا هَلْ هُوَ جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ؟ (فَإِذَا كَانَتْ) الْفُلُوسُ (مُسْتَوِيَةَ الْأَسْعَارِ بِسِعْرِ النُّحَاسِ وَلَمْ يَشْتَرِ وَلِيُّ الْأَمْرِ النُّحَاسَ وَالْفُلُوس الْكَاسِدَةَ لِيَضْرِبَهُمَا فُلُوسًا، وَيَتَّجِرَ فِي ذَلِكَ حَصَلَ الْمَقْصُود مِنْ الثَّمَنِيَّةِ وَكَذَلِكَ الدَّرَاهِمُ انْتَهَى) وَلَا مَزِيدَ عَلَى حُسْنِهِ وَلَا يُضْرَبُ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُكْرَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ وَقَالَ أَحْمَدُ (فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) لَا يَصْلُحُ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ إلَّا فِي دَارِ الضَّرْبِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ لِأَنَّ النَّاسَ إنْ رُخِّصَ لَهُمْ رَكِبُوا الْعَظَائِمَ قَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فَقَدْ مُنِعَ مِنْ الضَّرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ (وَيُخْرِجُ عَنْ جَيِّدٍ صَحِيحًا وَرَدِيئًا مِنْ جِنْسِهِ) أَيْ فَيُخْرِجُ عَنْ جَيِّدٍ صَحِيحٍ: جِيدًا صَحِيحًا لِأَنَّ إخْرَاجَ غَيْرِ ذَلِكَ خَبِيثٌ فَلَمْ يَجُزْ، وَكَالْمَاشِيَةِ.
وَيُخْرِجُ عَنْ الرَّدِيءِ رَدِيئًا، لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ (وَ) إنْ كَانَ الْمَالُ أَنْوَاعًا أَخْرَجَ (مِنْ كُلِّ
نَوْعٍ بِحِصَّتِهِ) كَالْحَبِّ وَالتَّمْرِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْأَعْلَى، كَانَ أَفْضَلَ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الْأَعْلَى مُكَسَّرًا، أَوْ مُبَهْرَجًا، وَهُوَ الرَّدِيءُ، زَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ وَأَجْزَأَ) هـ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ قَدْرًا وَقِيمَةً، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَ مِنْ عَيْنِهِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الْأَعْلَى بِقَدْرِ الْقِيمَةِ) أَيْ قِيمَةِ الْوَاجِبِ فِي الرَّدِيءِ (دُونَ الْوَزْنِ) كَمَا لَوْ أَخْرَجَ ثُلُثَ دِينَارٍ عَنْ نِصْفِ رَدِيءٍ بِقِيمَتِهِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ.
(وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (قَلِيلِ الْقِيمَةِ عَنْ كَثِيرِهَا مَعَ الْوَزْنِ) لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالنَّوْعِ وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْهُ (وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (مَغْشُوشٍ عَنْ جَيِّدٍ) مَعَ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا (و) إخْرَاجُ (مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ) مَعَ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا (و) إخْرَاجُ (سُودٍ عَنْ بِيضٍ مَعَ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ قَدْرًا وَقِيمَةً وَكَمَا لَوْ أَدَّى مِنْ عَيْنِهِ وَالرِّبَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ.
(وَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ رَدِيءٍ عَنْ جَيِّدٍ فِي عَقْدٍ وَغَيْرِهِ) كَقِيمَةِ مُتْلِفِهِ، وَأَرْشِ جِنَايَةٍ لِانْصِرَافِ الْإِطْلَاقِ إلَى الْجَهْدِ (وَيَثْبُتُ الْفَسْخُ) فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ إذَا بَانَ عِوَضُهُ الْمُعَيَّنُ مَعِيبًا، كَالْمَبِيعِ.
(وَيُضَمُّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَيَخْرُجُ عَنْهُ) لِأَنَّ مَقَاصِدَهُمَا وَزَكَاتَهُمَا مُتَّفِقَةٌ، فَهُمَا كَنَوْعَيْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَاضِرٍ وَدَيْنٍ.
(وَيَكُونُ الضَّمُّ بِالْأَجْزَاءِ) كَالنِّصْفِ وَالرُّبْعِ، وَ (لَا) يَكُونُ الضَّمُّ (بِالْقِيمَةِ) لِأَنَّ الضَّمَّ بِالْأَجْزَاءِ مُتَيَقَّنٌ بِخِلَافِ الْقِيمَةِ، فَإِنَّهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ (فَعَشَرَةُ مَثَاقِيلَ ذَهَبًا نِصْفُ نِصَابٍ، وَمِائَةُ دِرْهَمٍ) فِضَّةً (نِصْفُ) نِصَابٍ (فَإِذَا ضُمَّا) أَيْ النِّصْفَانِ (كَمُلَ النِّصَابُ) فَتَجِبُ الزَّكَاةُ بِخِلَافِ عَشَرَةِ مَثَاقِيلَ وَتِسْعِينَ دِرْهَمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ فَلَا ضَمَّ (وَإِنْ بَلَغَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا، ضُمَّ إلَيْهِ مَا نَقَصَ عَنْ الْآخَرِ) .
وَإِنْ اخْتَارَ الْمَالِكُ الدَّفْعَ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، وَأَرَادَ الْفَقِيرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ لَمْ يَلْزَمْ الْمَالِكُ إجَابَتُهُ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُكَلِّفْ سِوَاهُ (وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْفُلُوسِ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهَا عُرُوضٌ.
(وَتُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ) الَّتِي لِلتِّجَارَةِ (إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا) قَالَ الْمُوَفَّقُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا كَمَنْ لَهُ عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ وَمَتَاعٌ، قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ أُخْرَى، أَوْ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَمَتَاعٌ، قِيمَتُهُ مِثْلُهَا لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي قِيمَةِ الْعُرُوضِ وَهِيَ تُقَوَّمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَكَانَا مَعَ الْقِيمَةِ جِنْسًا وَاحِدًا (وَ) تُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ أَيْضًا (إلَيْهِمَا) فَلَوْ كَانَ لَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَعُرُوضٌ ضَمَّ الْجَمِيعَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ لِأَنَّ الْعَرْضَ مَضْمُومٌ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَجَبَ ضَمُّهُمَا إلَيْهِ.
(وَيُضَمُّ جَيِّدُ
كُلِّ جِنْسٍ وَمَضْرُوبِهِ إلَى رَدِيئِهِ وَتِبْرِهِ) كَالْمَوَاشِي وَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَلِأَنَّهُ إذَا ضَمَّ أَحَدَ الْجِنْسَيْنِ هُنَا إلَى الْآخَرِ، فَضَمُّ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ أَوْلَى.
[فَصْلٌ وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ]
ٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مُعَدٍّ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ أَوْ إعَارَةٍ، وَلَوْ لَمْ يُعَرْ أَوْ يُلْبَسْ حَيْثُ أُعِدَّ لِذَلِكَ (أَوْ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَرَجُلٍ يَتَّخِذُ حُلِيَّ النِّسَاءِ لِإِعَارَتِهِنَّ وَامْرَأَةٍ تَتَّخِذُ حُلِيَّ الرِّجَالِ لِإِعَارَتِهِمْ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ وَلِأَنَّهُ مُرْصَدٌ لِلِاسْتِعْمَالِ الْمُبَاحِ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْعَوَامِلِ وَثِيَابِ الْقِنْيَةِ وَمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِامْرَأَةٍ فِي يَدِهَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا قَالَ: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» فَجَوَابُهُ: أَنَّهَا الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا يُعْلَمُ هَذَا الِاسْمُ فِي الْكَلَامِ الْمَعْقُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ إلَّا عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ ذَاتِ السِّكَّةِ السَّائِرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى تَقْدِيرِ الشُّمُولِ: يَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَا ذَكَرْنَا.
وَ (لَا) تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَمَّنْ اتَّخَذَ حُلِيًّا (فَارًّا مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةُ، بَلْ تَلْزَمُهُ (وَإِنْ كَانَ) الْحُلِيُّ (لِيَتِيمٍ لَا يَلْبَسُهُ) الْيَتِيمُ (فَلِوَلِيِّهِ إعَارَتُهُ فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ أَعَارَهُ (فَلَا زَكَاةَ) فِيهِ (وَإِلَّا فَفِيهِ الزَّكَاةُ نَصًّا) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
(فَأَمَّا الْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ) كَطَوْقِ الرَّجُلِ وَسِوَارِهِ وَخَاتَمِهِ الذَّهَبِ، وَحِلْيَةِ مَرَاكِبِ الْحَيَوَانِ، وَلِبَاسِ الْخَيْلِ، كَاللُّجُمِ وَالسُّرُوجِ، وَقَلَائِدِ الْكِلَابِ وَحِلْيَةِ الرِّكَابِ وَالْمِرْآةِ وَالْمُشْطِ وَالْمُكْحُلَةِ وَالْمِيلِ وَالْمِسْرَحَةِ، وَالْمِرْوَحَةِ وَالْمِشْرَبَةِ وَالْمُدْهُنَةِ وَالْمِسْعَطِ وَالْمِجْمَرَةِ وَالْمِلْعَقَةِ وَالْقِنْدِيلِ، وَالْآنِيَةِ، وَحِلْيَةِ كُتُبِ الْعِلْمِ
بِخِلَافِ الْمُصْحَفِ فَيُكْرَهُ تَحْلِيَتُهُ (وَ) حِلْيَةِ (الدَّوَاةِ وَالْمِقْلَمَةِ وَمَا أُعِدَّ لِكِرَاءٍ، كَحُلِيِّ الْمَوَاشِطِ نَصًّا حَلَّ لَهُ) أَيْ الْمُتَّخَذَةَ لِكِرَاءٍ (لَبِسَهُ أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ (أَوْ أُعِدَّ لِلتِّجَارَةِ، كَحُلِيِّ الصَّيَارِفِ، أَوْ) أُعِدَّ لِ (قِنْيَةٍ أَوْ ادِّخَارٍ أَوْ نَفَقَةٍ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ شَيْئًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ) إنْ بَلَغَ نِصَابًا لِأَنَّهَا إنَّمَا سَقَطَتْ فِي الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ لِصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ.
(وَلَا زَكَاةَ فِي الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ، أَوْ كَانَ فِي حُلِيٍّ) كَسَائِرِ الْعُرُوضِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحُلِيُّ (لِتِجَارَةٍ، فَيُقَوَّمُ جَمِيعُهُ) أَيْ مَا فِيهِ مِنْ جَوْهَرٍ وَلُؤْلُؤٍ وَغَيْرِهِمَا (تَبَعًا لِنَقْدٍ) أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْدٍ.
(وَالْفُلُوسُ: كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ فِيهَا زَكَاةُ الْقِيمَةِ) كَبَاقِي الْعُرُوضِ وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ زَكَاتِهَا مِنْهَا.
(قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنْ كَانَتْ) الْفُلُوسُ (لِلنَّفَقَةِ فَلَا) زَكَاةَ فِيهَا كَعُرُوضِ الْقِنْيَةِ (وَالِاعْتِبَارِ فِي نِصَابِ الْكُلِّ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُبَاحٍ تَجِبُ فِيهِ وَمُحَرَّمٍ (بِوَزْنِهِ) لِعُمُومٍ " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ " (إلَّا) الْحُلِيَّ (الْمُبَاحَ الْمُعَدَّ لِلتِّجَارَةِ وَلَوْ نَقْدًا فَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَتِهِ نَصًّا) كَسَائِرِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ (فَيُقَوَّمُ النَّقْدُ) الْمُعَدُّ لِلتِّجَارَةِ (بِنَقْدٍ آخَرَ، إنْ كَانَ أَحَظَّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ نَقَصَ عَنْ نِصَابٍ لِأَنَّهُ عَرَضٌ) أَيْ مَالُ تِجَارَةٍ.
(وَإِنْ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ وَأَمْكَنَ لُبْسُهُ، كَانْشِقَاقِهِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرْكَ لُبْسِهِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لُبْسُهُ فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ فِي إصْلَاحِهِ إلَى سَبْكٍ وَتَجْدِيدِ صِنَاعَةٍ وَنَوَى إصْلَاحَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) كَالصَّحِيحِ.
هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ إصْلَاحٍ وَلَا غَيْرِهَا وَذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا فَقَالَ: مَا لَمْ يَنْوِ كَسْرَهُ فَيُزَكِّيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يُزَكِّيهِ وَلَوْ نَوَى إصْلَاحَهُ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَلَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ إصْلَاحٍ وَلَا غَيْرِهَا قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ قَالَ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: فَإِنْ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ كَسْرًا لَا يَمْنَعُ اللُّبْسَ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرْكَ لُبْسِهِ وَإِنْ كَانَ كَسْرًا يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ فَفِيهِ الزَّكَاةُ لِأَنَّهُ صَارَ كَالنَّقْرَةِ (وَإِنْ نَوَى كَسْرَهُ) أَيْ الْحُلِيِّ (أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ) كَالنُّقْرَةِ.
(وَإِنْ احْتَاجَ إلَى تَجْدِيدِ صَنْعَةٍ زَكَّاهُ) إلَى أَنْ يُجَدِّدَ صَنْعَتَهُ، كَالسَّبِيكَةِ الَّتِي يُرِيدُ جَعْلَهَا حُلِيًّا (وَالِاعْتِبَارُ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ: بِوَزْنِهِ) .
وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِوَاسِطَةِ صَنْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، يَجِبُ إتْلَافُهَا شَرْعًا، فَلَمْ تُعْتَبَرْ (وَإِنْ كَانَ) الْحُلِيُّ (لِلتِّجَارَةِ) فَالِاعْتِبَارُ فِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ (أَوْ كَانَ) الْحُلِيُّ (مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ، وَجَبَتْ زَكَاتُهُ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالٍ، أَوْ لِعَدَمِ إعَارَةٍ وَنَحْوِهِ) كَنِيَّتِهِ بِهِ الْقِنْيَةَ
(فَالِاعْتِبَارُ فِي الْإِخْرَاجِ) مِنْهُ (بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهِ وَزْنًا لَفَاتَتْ الصَّنْعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ شَرْعًا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ (فَإِنْ أَخْرَجَ مُشَاعًا) أَجْزَأَ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ (أَوْ) أَخْرَجَ (مِثْلَهُ وَزْنًا مِمَّا يُقَابِلُ جُودَتَهُ زِيَادَةُ الصَّنْعَةِ جَازَ) لِأَنَّهُ أَخْرَجَ قَدْرَ الْوَاجِبِ وَزْنًا وَقِيمَةً.
(وَإِنْ أَرَادَ كَسْرَهُ) لِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ (لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ كَسْرَهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ) فَفِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ.
(وَيُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِنْ الْفِضَّةِ خَاتَمٌ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْره وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، قِدَمُهُ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِقَصْدِ الزِّينَةِ جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ (وَلُبْسُهُ) أَيْ الْخَاتَمِ (فِي خِنْصَرِ يَسَارٍ أَفْضَلُ) مِنْ لُبْسِهِ فِي خِنْصَرِ الْيَمِينِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَالْفَضْلِ وَإِنَّهُ أَقَرُّ وَأَثْبَتُ وَضُعِّفَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَغَيْرِهِ: التَّخَتُّمُ فِي الْيُمْنَى قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ: الْمَحْفُوظُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ، وَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ فِي الْخِنْصَرِ، لِكَوْنِهِ طَرَفًا، فَهُوَ أَبْعَدُ عَنْ الِامْتِهَانِ، فِيمَا تَتَنَاوَلُهُ الْيَدُ.
وَلِأَنَّهُ لَا يَشْغَلُ الْيَدَ عَمَّا تَتَنَاوَلُهُ (وَ) الْأَفْضَلُ: أَنْ (يَجْعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَ كَفِّهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ يَجْعَلُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرِ كَفّه قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا بَأْسَ بِجَعْلِهِ مِثْقَالًا فَأَكْثَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَحْدِيدٌ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ) وَإِلَّا حَرُمَ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، خَرَجَ الْمُعْتَادُ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِ الصَّحَابَة.
(وَ) لَهُ (جَعْلُ فَصَّهُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) لِأَنَّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ " كَانَ فَصُّهُ مِنْهُ " وَلِمُسْلِمِ «كَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا» (وَلَوْ) كَانَ فَصُّهُ (مِنْ ذَهَبٍ، إنْ كَانَ يَسِيرًا) فَيُبَاحُ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِإِبَاحَةِ يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْمَجْدِ، وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْعِلْمِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ رَجَبٍ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: التَّحْرِيمَ، وَقَطَعَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي بَابِ الْآنِيَةِ.
(وَيُكْرَهُ لُبْسُهُ فِي سَبَّابَةٍ وَوُسْطَى) لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ ذَلِكَ (وَظَاهِرُهُ: لَا يُكْرَهُ) لُبْسُهُ (فِي الْإِبْهَامِ وَالْبِنْصِرِ) وَإِنْ كَانَ الْخِنْصَرُ أَفْضَلَ، اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْبِنْصِرُ: بِكَسْرِ الْبَاءِ وَالصَّادِ، قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ) أَيْ الْخَاتَمِ ذِكْرُ اللَّهِ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ
نَصًّا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ لَا يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فِيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَهُ لِذَلِكَ قَالَ وَلَمْ أَجِدْ لِلْكَرَاهَةِ دَلِيلًا سِوَى هَذَا، هِيَ تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَيَحْرُمُ أَنْ يُنْقَشَ عَلَيْهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ.
(وَيَحْرُمُ لُبْسُهُ) أَيْ الْخَاتَمِ (وَهِيَ) أَيْ الصُّورَةُ (عَلَيْهِ) كَالثَّوْبِ الْمُصَوَّرِ.
(وَيُبَاحُ التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ) قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: لَا يُسْتَحَبُّ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَقَدْ سَأَلَهُ: مَا السُّنَّةُ يَعْنِي فِي التَّخَتُّمِ قَالَ: لَمْ تَكُنْ خَوَاتِيمُ الْقَوْمِ إلَّا مِنْ الْفِضَّةِ قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ وَقَدْ ذَكَرَهَا كُلَّهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ، وَأَعَلَّهَا وَاسْتَحَبَّهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْآدَابِ، وَتَبِعَهُمْ فِي الْمُنْتَهَى، وَحَدِيثُ «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا الْخَبَرُ فِي إسْنَادِهِ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ الَّذِي قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ وَبَاقِيهِ جَيِّدٌ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ مِنْ الْمَوْضُوعِ.
(وَيُكْرَهُ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ خَاتَمٌ حَدِيدٍ وَصُفْرٍ، وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَنَقَلَ مُهَنَّا: أَكْرَهُ خَاتَمَ الْحَدِيدِ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ (وَكَذَا دُمْلُجٌ) مِنْ حَدِيدٍ أَوْ صُفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخَاتَمِ وَجَوَّزَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
(وَيُبَاحُ لَهُ أَيْ الذَّكَرِ مِنْ الْفِضَّةِ: قَبِيعَةُ سَيْفٍ) لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِضَّةً» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالْقَبِيعَةُ: مَا يُجْعَلُ عَلَى طَرَفِ الْقُبْضَةِ وَلِأَنَّهُ حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ أَشْبَهَتْ الْخَاتَمَ (وَ) يُبَاحُ لَهُ حِلْيَةُ مِنْطَقَةٍ وَهِيَ مَا شَدَدْت بِهِ وَسَطَك قَالَهُ الْخَلِيلُ وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ حِيَاصَةً، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّخَذُوا الْمَنَاطِقَ مُحَلَّاةً بِالْفِضَّةِ وَهِيَ كَالْخَاتَمِ، قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَكِتَابَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْحِيَاصَةِ وَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ مَكْرُوهَةٌ.
(وَ) يُبَاحُ لَهُ مِنْ الْفِضَّةِ حِلْيَةُ (جَوْشَنٍ وَبَيْضَةٍ وَهِيَ الْخُوذَةُ، وَحِلْيَةُ خُفٍّ وَحِلْيَة رَانٍ، وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الْخُفِّ، وَحَمَائِلُ) وَاحِدَتُهَا حَمَّالَةٌ، قَالَهُ الْخَلِيلُ.
(وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَالْمِغْفَرِ وَالنَّعْلِ، وَرَأْسِ الرُّمْحِ وَشَعِيرَةِ السِّكِّينِ والتركاش، وَالْكَلَالِيبِ بِسَيْرٍ وَنَحْو ذَلِكَ) لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْمِنْطَقَةَ مَعْنَى فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهَا حُكْمًا وَعَلَّلَ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ يَسِيرُ فِضَّةٍ فِي لِبَاسِهِ وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ تَابِعٌ، والتركاش وَالْكَلَالِيبُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَغِشَاءُ الْقَوْسِ وَالنُّشَّابُ والغوفل، وَحِلْيَةُ الْمِهْمَازِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِرُكُوبِ الْخَيْلِ وَقَالَ: لَا حَدَّ لِلْمُبَاحِ مِنْ ذَلِكَ
ذَلِكَ (وَلَوْ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ عِدَّةَ خَوَاتِيمَ أَوْ) عِدَّةَ (مَنَاطِقَ) وَنَحْوِهَا (فَالْأَظْهَرُ جَوَازُهُ) إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ.
(وَ) الْأَظْهَر (عَدَمُ) وُجُوبِ (زَكَاتِهِ) لِأَنَّهُ حُلِيٌّ أُعِدَّ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ (وَ) الْأَظْهَرُ (جَوَازُ لُبْسِ خَاتَمَيْنِ فَأَكْثَرَ جَمِيعًا) إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ كَحُلِيِّ الْمَرْأَةِ.
(وَتَحْرُمُ حِلْيَةُ مَسْجِدٍ وَمِحْرَابٍ بِنَقْدِ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِأَنَّهُ تَرَفٌ، وَيُفْضِي إلَى كَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.
(وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطِ (قِنْدِيلًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّة لَمْ يَصِحَّ) وَقْفُهُ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ.
(وَيَحْرُمُ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الْآنِيَةِ.
(وَقَالَ الْمُوَفَّقُ) الشَّارِحُ (هُوَ) أَيْ وَقْفُهُ (بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ) بِهِ عَلَى الْمَسْجِدِ (فَيُكَسَّرُ، وَيُصْرَفُ فِي مَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ وَعِمَارَتِهِ) تَصْحِيحًا لِكَلَامِ الْمُكَلَّفِ حَيْثُ أَمْكَنَ (وَيَحْرُمُ تَمْوِيهُ سَقْفٍ وَحَائِطٍ) وَنَحْوِهِ (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لِأَنَّهُ سَرَفٌ، وَيُفْضِي إلَى الْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ (وَتَجِبُ إزَالَتُهُ) كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ.
(وَ) تَجِبُ (زَكَاتُهُ) إنْ بَلَغَ نِصَابًا بِنَفْسِهِ، أَوْ ضَمَّهُ إلَى غَيْرِهِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَإِنْ اسْتَهْلَكَ) النَّقْدَ فِيمَا مَوَّهَ بِهِ (فَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ) بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ (فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ) فَلَا فَائِدَةَ فِي إتْلَافِهِ وَإِزَالَتِهِ وَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز الْخِلَافَةَ أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يُجْتَمَعُ مَنّهُ شَيْءٌ فَتَرَكَهُ (وَلَا يُبَاحُ مِنْ الْفِضَّةِ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْأَصْحَابُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) بَيَانُهُ (فَلَا يَجُوزُ لِذَكَرٍ وَخُنْثَى لُبْسُ مَنْسُوجٍ بِذَهَبِ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ مُمَوَّهٍ بِأَحَدِهِمَا وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ) مُفَصَّلًا.
(وَيُبَاحُ لَهُ) أَيْ الذَّكَرِ (مِنْ الذَّهَبِ: قَبِيعَةُ السَّيْفِ) لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ لَهُ سَيْفٌ فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ كَانَ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ.
(وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِيَةُ مَثَاقِيلَ) وَحَكَاهُ فِي الْمُبْدِعِ عَنْ الْإِمَامِ قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ ذَهَبًا وَفِضَّةً وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَلِكَ.
(وَ) يُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِنْ ذَهَبٍ (مَا دَعَتْ إلَيْهِ الضَّرُورَةُ كَأَنْفٍ) وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ لِأَنَّ «عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكِلَابِ، فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَالْحِكْمَةُ فِي الذَّهَبِ أَنَّهُ لَا يَصْدَأُ بِخِلَافِ الْفِضَّةِ (وَكَرَبْطِ سِنٍّ أَوْ أَسْنَانٍ بِهِ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ وَأَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ وَأَبِي رَافِعٍ ثَابِتٍ اسْتَرْقُوا وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ زَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ شَدُّوا أَسْنَانَهُمْ بِالذَّهَبِ وَهِيَ
ضَرُورَةٌ فَأُبِيحَ كَالْأَنْفِ.
(وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، كَطَوْقٍ وَخَلْخَالٍ وَسِوَارٍ وَدُمْلُجٍ وَقُرْطٍ) فِي أُذُنٍ.
(وَعِقْدٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (وَهُوَ الْقِلَادَةُ، وَتَاجٍ وَخَاتَمٍ وَمَا فِي الْمُخَانِقِ وَالْمَقَالِدِ مِنْ حَرَائِزَ وَتَعَاوِيذَ وَأُكَرٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَلَوْ زَادَ عَلَى أَلْفِ مِثْقَالٍ، حَتَّى دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ مُعَرَّاةٍ) أَيْ ذَاتِ عُرَى جَمْعُ عُرْوَةٍ (أَوْ فِي مُرْسَلَةٍ) أَيْ قِلَادَةٍ طَوِيلَةٍ تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَى التَّجْمِيلِ وَالتَّزَيُّنِ لِزَوْجِهَا وَظَاهِرِهِ: أَنَّ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ كَالنِّعَالِ الْمُذَهَّبَةِ: لَا يُبَاحُ لَهُنَّ، لِانْتِفَاءِ التَّجْمِيلِ فَلَوْ اتَّخَذَتْهُ حَرُمَ وَفِيهِ الزَّكَاةُ.
(وَيُبَاحُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ) كَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ (وَلَوْ فِي حُلِيٍّ وَلَا زَكَاةَ فِيهِ) لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلِاسْتِعْمَالِ، كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ (إلَّا أَنْ يُعَدَّ) الْجَوْهَرُ وَنَحْوُهُ (فِيهِ) أَيْ فِي الْحُلِيِّ (لِلْكِرَاءِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ) فَيَقُومُ مَا فِيهِ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهِ تَبَعًا لِلنَّقْدِ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ.
(وَيَحْرُمُ تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ وَتَشَبُّهُ امْرَأَةٍ بِرَجُلٍ فِي لِبَاسٍ وَغَيْرِهِ) كَكَلَامٍ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِلَعْنِ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِالْكَرَاهَةِ (وَيَجِبُ إنْكَارُهُ) بِالْيَدِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِاللِّسَانِ مَعَ أَمْنِ الْعَاقِبَةِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِقَلْبِهِ كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ (وَتَقَدَّمَ) فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَشَبُّهُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ.
[بَابُ زَكَاةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ]
ِ الْعُرُوض جَمْعُ عَرْضٍ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهُوَ مَا عَدَا الْأَثْمَانِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَبِفَتْحِهَا: كَثْرَةُ الْمَالِ وَالْمَتَاعِ وَسُمِّيَ عَرَضًا لِأَنَّهُ يَعْرِضُ ثُمَّ يَزُولُ وَيَفْنَى وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُعْرَضُ لِيُبَاعَ وَيُشْتَرَى تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَتَسْمِيَةِ الْمَعْلُومِ عِلْمًا وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْعَرَضُ بِفَتْحَتَيْنِ: مَا لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ تَبَعًا لِلْخِرَقِيِّ: بِزَكَاةٍ كَالتِّجَارَةِ وَهِيَ أَشْمَلُ لِدُخُولِ النَّقْدَيْنِ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ عَدَلَ الْمُؤَلِّفُ عَنْهُ لِأَنَّهُ عَبَّرَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ عِنْدَ تَعْدَادِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ: بِالْعُرُوضِ وَلِذَلِكَ قَالَ (وَهِيَ مَا يُعَدُّ لِبَيْعٍ وَشِرَاءٍ، لِأَجْلِ رِبْحٍ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ غَالِبًا) فَلَا يَرِدُ أَنَّ النَّقْدَيْنِ قَدْ يَعُدَّانِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ.
(تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ إذَا بَلَغْت قِيمَتُهَا نِصَابًا) فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ وَادَّعَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ إجْمَاعٌ مُتَقَدِّمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24] وَقَوْلِهِ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] وَمَالُ التِّجَارَةِ أَعَمُّ الْأَمْوَالِ فَكَانَ أَوْلَى بِالدُّخُولِ وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «وَفِي الْبَزِّ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقَيْنِ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُمَا وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ لِحَمَاسٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ " أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَالَ: مَا لِي إلَّا جِبَابٌ وَأُدْمٌ فَقَالَ: قَوِّمْهَا وَأَدِّ زَكَاتَهَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ مَشْهُورٌ لِأَنَّهُ مَالٌ نَامٍ فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالسَّائِمَةِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» الْمُرَادُ بِهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ لَا الْقِيمَةِ عَلَى أَنَّ خَبَرَنَا خَاصٌّ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ وَقَالَ دَاوُد: لَا زَكَاةَ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ (وَيُؤْخَذُ) الْوَاجِبُ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْقِيمَةِ (لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْوُجُوبِ رُبْعُ الْعُشْرِ وَمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ فَبِحِسَابِهِ وَيُعْتَبَرُ الْحَوْلُ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَ (لَا) يُؤْخَذُ مِنْ الْعُرُوضِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلَّ الْوُجُوبِ، فَإِخْرَاجُهَا كَالْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
(وَلَا تَصِيرُ) الْعُرُوضِ (لِلتِّجَارَةِ إلَّا) بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا (أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ) بِخِلَافِ الْإِرْثِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا يَدْخُلُ قَهْرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِهَاتِ التِّجَارَةِ الثَّانِي: الْمُنَبَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ حَالَ التَّمَلُّكِ بِأَنْ يَقْصِدَ التَّكَسُّبَ بِهَا) لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالتِّجَارَةُ عَمَلٌ فَوَجَبَ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِهِ، كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ فِي الْأَصْلِ لِلِاسْتِعْمَالِ، فَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، كَعَكْسِهِ وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ فِي جَمِيعِهِ، فَوَجَبَ كَالنِّصَابِ ثُمَّ أَخَذَ يُفَصِّلُ مِلْكَهُ إيَّاهَا فَقَالَ (إمَّا بِمُعَاوَنَةٍ مَحْضَةٍ) أَيْ خَالِصَةٍ (كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ الْمَالِ بِمَالٍ، وَلِلْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَالْهِبَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلثَّوَابِ) أَيْ الْمَشْرُوطِ فِيهَا عِوَضٌ مَعْلُومٌ (أَوْ اسْتَرَدَّ مَا بَاعَهُ) بِإِقَالَةٍ أَوْ إعْسَارِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَنَحْوِهِ، بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ (أَوْ) بِمُعَاوَضَةٍ (غَيْرِ مَحْضَةٍ، كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ) وَعِوَضِ الْخُلَعِ (أَوْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، كَالْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ) الَّتِي لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا ثَوَابٌ (وَالْغَنِيمَةُ وَالْوَصِيَّةُ، وَالِاحْتِشَاشُ وَالِاحْتِطَابُ وَالِاصْطِيَادُ) . لِعُمُومِ خَبَرِ سَمُرَةَ
قَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نَعُدُّهُ لِلْبَيْعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي إسْنَادِهِ جَعْفَرٌ وَخُبَيْبٌ مَجْهُولَانِ قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: إسْنَادُهُ مُقَارِبٌ (فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ) وَمِثْلِهِ: عَوْدُهَا إلَيْهِ بِطَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ وَفَسَخَ مِنْ قِبَلِهَا، لَا مِنْ قِبَلِهِ، وَمَضَى حَوْلَ التَّعْرِيفِ فِي اللُّقْطَةِ، لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِدَامَةِ (أَوْ مِلْكًا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةِ) التِّجَارَةِ (ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ بِهَا لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) لِفَقْدِ الشَّرْطِ الثَّانِي (إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهَا بِعَرْضِ تِجَارَةٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ) التِّجَارَةِ، بَلْ يَكْفِيهِ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا، بِأَنْ لَا يَنْوِيَهَا لِلْقِنْيَةِ.
(وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ لِلتِّجَارَةِ، فَنَوَاهُ لِلْقُنْيَةِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا: الْإِمْسَاكُ لِلِانْتِفَاعِ دُونَ التِّجَارَةِ (ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) لِأَنَّ الْقِنْيَةَ هِيَ الْأَصْلُ فَيَكْفِي فِي الرَّدِّ إلَيْهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ.
وَلِأَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فِيهَا فَإِذَا نَوَى الْقِنْيَةَ زَالَتْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ فَفَاتَ شَرْطُ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ السَّائِمَةِ إذَا نَوَى عَلْفَهَا فَإِنَّ الشَّرْطَ السَّوْمُ دُونَ نِيَّتِهِ (إلَّا حُلِيَّ اللُّبْسِ، إذَا نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ فَيَصِيرُ لَهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِأَنَّ التِّجَارَةَ الْأَصْلُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحُلِيِّ فَإِذَا نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ فَقَدْ رَدَّهُ إلَى الْأَصْلِ.
(وَتُقَوَّمُ الْعُرُوض) الَّتِي تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهَا (عِنْدَ تَمَامِ) الْحَوْلِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ (بِالْأَحَظِّ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ وُجُوبًا مِنْ عَيْنٍ) أَيْ ذَهَبٍ (أَوْ وَرِقٍ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْوَرِقُ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ، وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَرَقٌ كَوَتِدٍ، وَوَرْقٌ كَفَلْسٍ، وَوَرَقٌ كَقَلَمٍ وَرِقَةٌ كَعِدَةٍ سَوَاءٌ كَانَ) الْأَحَظُّ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْآخِذِ (أَوَّلًا) أَيْ أَوْ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ لِحَظِّ أَهْلِ الزَّكَاةِ فَتُقَوَّمُ بِالْأَحَظِّ لَهُمْ وَسَوَاءٌ بَلَغْت قِيمَتُهَا أَيْ الْعُرُوضِ (بِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ نِصَابًا، (أَوْ) بَلَغْت نِصَابًا (بِأَحَدِهِمَا) دُونَ الْآخَرِ (وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتَرَيْت بِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ، لَا قَدْرًا وَلَا جِنْسًا) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ لِأَنَّ فِي تَقْوِيمِهَا بِمَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ إبْطَالًا لِلتَّقْوِيمِ بِالْأَنْفَعِ.
فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا بِالدَّرَاهِمِ فَقَطْ قُوِّمَتْ بِهَا وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِالذَّهَبِ وَكَذَا عَكْسُهُ (وَلَا عِبْرَةَ بِنَقْصِهِ) أَيْ مَا قُوِّمَتْ بِهِ (بَعْدَ تَقْوِيمِهِ) إذَا كَانَ التَّقْوِيمُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ اسْتَقَرَّتْ كَمَا لَوْ تَلِفَ النِّصَابُ وَأَوْلَى (وَلَا) عِبْرَةَ بِزِيَادَتِهِ أَيْ زِيَادَةِ مَا قُوِّمَتْ بِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلُ، لِتَجَدُّدِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ، بَلْ يُعْتَمَدُ بِهِ فِي الْقَابِلِ (إلَّا الْمُغَنِّيَةَ، فَتُقَوَّمُ سَاذَجَةً) لِأَنَّ صَنْعَةَ مَعْرِفَةِ الْغِنَاءِ لَا قِيمَةَ لَهَا
وَكَذَا الزَّامِرَةُ وَالضَّارِبَةُ عَلَى آلَةِ لَهْوٍ وَكُلُّ ذِي صِنَاعَةٍ مُحَرَّمَةٍ (وَلَا عِبْرَةَ بِقِيمَةِ آنِيَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لِتَحْرِيمِهَا وَكَذَا رِكَابٌ وَسَرْجٌ وَلِجَامٌ وَنَحْوُهُ مُحَلًّى (وَيُقَوَّمُ الْخَصِيُّ) عَبْدًا أَوْ غَيْرَهُ (بِصِفَتِهِ) لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْفِعْلُ وَقَدْ انْقَطَعَ لِاسْتِدَامَتِهِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى) أَوْ بَاعَ (عَرْضًا) لِلتِّجَارَةِ (بِنِصَابٍ مِنْ الْأَثْمَانِ، أَوْ مِنْ الْعُرُوضِ بُنِيَ عَلَى حَوْلِهِ) أَيْ حَوْلِ الْأَوَّلِ وِفَاقًا لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ، وَهِيَ لِلْأَثْمَانِ وَالْأَثْمَانُ يُبْنَى حَوْلَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَلِأَنَّ وَضْعَ التِّجَارَةِ لِلتَّقَلُّبِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِثَمَنٍ وَعَرْضٍ فَلَوْ لَمْ يَبْنِ بَطَلَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّقْدُ نِصَابًا، فَحَوَّلَهُ مِنْ حِينِ كَمُلَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا لَا مِنْ حِينِ اشْتَرَاهُ.
(وَإِنْ اشْتَرَاهُ) أَيْ عَرْضَ التِّجَارَةِ (بِنِصَابٍ مِنْ السَّائِمَةِ أَوْ بَاعَهُ) أَيْ عَرْضَ التِّجَارَةِ (بِنِصَابٍ مِنْهَا) أَيْ السَّائِمَةِ (لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ) لِاخْتِلَافِهِمَا فِي النِّصَابِ وَالْوَاجِبُ (وَإِنْ اشْتَرَى نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ لِقِنْيَةٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ لِأَنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِلزَّكَاةِ، قُدِّمَ عَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ لِقُوَّتِهِ، فَبِزَوَالِ الْمُعَارِضِ ثَبَتَ حُكْمُ السَّوْمِ لِظُهُورِهِ (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةِ، فَحَالَ الْحَوْلُ) عَلَيْهِ (وَالسَّوْمُ وَنِيَّةُ التِّجَارَةِ مَوْجُودَانِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ، دُونَ) زَكَاةِ سَوْمٍ) لِأَنَّ وَضْعَ التِّجَارَةِ عَلَى التَّقْلِيبِ فَهِيَ تُزِيلُ سَبَبَ زَكَاةِ السَّوْمِ وَهُوَ الِاقْتِنَاءُ لِطَلَبِ النَّمَاءِ مَعَهُ وَاقْتَصَرَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْأَحَظِّ.
(وَلَوْ سَبَقَ حَوْلُ سَوْمٍ وَقْتَ وُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، مِثْلُ أَنْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً قِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ صَارَتْ قِيمَتُهَا فِي نِصْفِ الْحَوْلِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ زَكَّاهَا زَكَاةَ تِجَارَةٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا لِأَنَّهُ أَنْفَعْ لِلْفُقَرَاءِ) مِنْ زَكَاةِ السَّوْمِ (فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِلَا خِلَافٍ، لِوُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، بِلَا مُعَارِضٍ فَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً لِلتِّجَارَةِ، لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابَ نَقْدٍ زَكَّاهَا لِلسَّوْمِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ.
(وَلَوْ مَلَكَ سَائِمَةً لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ، ثُمَّ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ) فِيهَا (اسْتَأْنَفَ) بِهَا (حَوْلًا مِنْ قَطْعِ النِّيَّةِ) لِأَنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِقَطْعِ النِّيَّةِ وَحَوْلُ السَّوْمِ لَا يَنْبَنِي عَلَى حَوْلِ التِّجَارَةِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا لِتِجَارَةٍ يَزْرَعُهَا) وَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا، زَكَّى الْجَمِيعَ زَكَاةَ قِيمَةٍ (أَوْ) اشْتَرَى أَرْضًا لِتِجَارَةٍ، وَ (زَرْعًا بِبَذْرِ تِجَارَةٍ) زَكَّى لِلْجَمِيعِ زَكَاةَ قِيمَةٍ، إنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا (أَوْ اشْتَرَى شَجَرًا لِتِجَارَةٍ، تَجِبُ فِي ثَمَرِهِ الزَّكَاةُ) كَالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ (فَأَثْمَرَ وَاتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا، بِأَنْ يَكُونَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرَةِ، وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ: عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ) أَيْ حَوْلِ التِّجَارَةِ وَفِي تَسْمِيَةِ بُدُوِّ
الصَّلَاحِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ حَوْلًا: تَسَمُّحٌ.
(وَكَانَتْ قِيمَةُ الْأَصْلِ) أَيْ الشَّجَرِ تَبْلُغُ نِصَابَ التِّجَارَةِ زَكَّى الْجَمِيعَ زَكَاةَ قِيمَةٍ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ فَوَجَبَ زَكَاتُهَا كَالسَّائِمَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّمَرَ وَالزَّرْعَ جُزْءُ الْخَارِجِ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُقَوَّمَ مَعَ الْأَصْلِ، كَالسِّخَالِ، وَالرِّبْحِ الْمُتَجَدِّدِ، إذَا كَانَتْ الْأُصُولُ لِلتِّجَارَةِ.
(وَ) كَذَا (لَوْ سَبَقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ) بِأَنْ كَانَ بُدُوُّ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ قَبْلَ تَمَامِ حَوْلِ التِّجَارَةِ فَيُزَكِّي زَكَاةَ قِيمَةٍ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَاجْتَمَعَ فِي مَالٍ وَاحِدٍ زَكَاتَانِ وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْمَالِكِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (مَا لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهَا) أَيْ الْأَرْضِ بِزَرْعِهَا أَوْ الشَّجَرِ (دُونَ نِصَابٍ كَمَا تَقَدَّمَ) فِي السَّائِمَةِ (فَإِنْ كَانَتْ) قِيمَتُهَا (دُونَ نِصَابٍ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ) لِوُجُودِ سَبَبِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ وَهُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ.
(وَلَوْ زَرَعَ بَذْرًا لِقِنْيَةٍ فِي أَرْضِ التِّجَارَةِ فَوَاجِبُ الزَّرْعِ: الْعُشْرُ) لِأَنَّهُ لِلْقِنْيَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ (وَوَاجِبُ الْأَرْضِ: زَكَاةُ الْقِيمَةِ) لِأَنَّهَا مَالُ تِجَارَةٍ وَمُقْتَضَى الْمُنْتَهَى: أَنَّ الْكُلَّ يُزَكَّى زَكَاةَ قِيمَةٍ لِأَنَّ الزَّرْعَ تَابِعٌ لِلْأَرْضِ (وَإِنْ زَرَعَ بَذْرَ التِّجَارَةِ فِي أَرْضِ الْقِنْيَةِ زَكَّى الزَّرْعَ زَكَاةَ قِيمَةٍ) لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ.
(وَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ، كَالسَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ، وَنَحْوِهِمَا) كَالْمِشْمِشِ وَالزَّيْتُونِ وَالْكُمَّثْرَى (أَوْ كَانَ الزَّرْعُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، كَالْخَضْرَاوَاتِ) مِنْ بِطِّيخٍ وَقِثَّاءٍ وَخِيَارٍ (أَوْ كَانَ لِعَقَارِ التِّجَارَةِ وَعَبِيدِهَا) وَدَوَابِّهَا (أُجْرَةٌ ضَمَّ قِيمَةَ الثَّمَرَةِ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَالْأُجْرَةِ إلَى قِيمَةِ الْأَصْلِ فِي الْحَوْلِ كَالرِّبْحِ) لِأَنَّهُ نَمَاءٌ.
(وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ شِرَاءِ عَقَارٍ فَارًّا مِنْ الزَّكَاةِ زَكَّى قِيمَتَهُ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْفَائِقِ قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَهُوَ الصَّوَابُ مُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ مَقْصُودِهِ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّكَاةِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، أَوْ صَرِيحُهُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَلَا زَكَاةَ فِيمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ مِنْ عَقَارٍ وَحَيَوَانٍ وَغَيْرِهِمَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِ تِجَارَةٍ (وَلَوْ اشْتَرَى شِقْصًا لِلتِّجَارَةِ بِأَلْفٍ فَصَارَ عِنْدَ الْحَوْلِ بِأَلْفَيْنِ زَكَّاهُمَا) أَيْ الْأَلْفَيْنِ لِأَنَّهُمَا قِيمَتُهُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ.
(وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِأَلْفٍ) لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ بِهِ وَكَذَا لَوْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي لِعَيْبٍ فِيهِ، رَدَّهُ بِأَلْفٍ (وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ، فَصَارَ عِنْدَ حَوْلِهِ بِأَلْفٍ زَكَّى أَلْفًا) لِأَنَّهُ قِيمَتُهُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ.
(وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِأَلْفَيْنِ) لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَكَذَا لَوْ رَدَّهُ لِعَيْبِهِ رَدَّهُ بِأَلْفَيْنِ (وَإِنْ اشْتَرَى صَبَّاغٌ مَا يُصْبَغُ بِهِ، وَيَبْقَى) أَثَرُهُ (كَزَعْفَرَانٍ وَنِيلٍ وَعُصْفُرٍ وَنَحْوِهِ) كَلَكٍّ وَبُقَّمٍ وَفُوَّةٍ (فَهُوَ عَرْضُ تِجَارَةٍ، يُقَوَّمُ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ، لِاعْتِيَاضِهِ) أَيْ الصَّبَّاغِ (عَنْ صَبْغٍ قَائِمٍ بِالثَّوْبِ فَفِيهِ مَعْنَى التِّجَارَةِ وَمِثْلُهُ مَا يَشْتَرِيهِ دَبَّاغٌ لِيَدْبُغَ، كَعَفْصٍ وَقَرَظٍ وَمَا يُدْهَنُ بِهِ، كَسَمْنِ وَمِلْحٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّاءِ وَجَزَمَ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ بِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ كَمَا يَشْتَرِيهِ قَصَّارٌ مِنْ حَطَبٍ وَقِلْيٍ وَنُورَةٍ وَصَابُونٍ وَأُشْنَانٍ وَنَحْوِهِ) كَنَطْرُونٍ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَاضُ عَنْ شَيْءٍ يُقَوَّمُ بِالثَّوْبِ وَإِنَّمَا يُعْتَاضُ عَنْ عَمَلِهِ.
(وَلَا زَكَاةَ فِي آلَاتِ الصُّنَّاعِ، وَأَمْتِعَةِ التِّجَارَةِ وَقَوَارِيرِ الْعَطَّارِ وَالسَّمَّانِ وَنَحْوِهِمْ) كَالزَّيَّاتِ وَالْعَسَّالِ (إلَّا أَنْ يُرِيدَ بَيْعَهَا) أَيْ الْقَوَارِيرَ (بِمَا فِيهَا) فَيُزَكِّي الْكُلَّ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ.
(وَكَذَا آلَاتُ الدَّوَابِّ إنْ كَانَتْ لِحِفْظِهَا) فَلَا زَكَاةَ فِيهَا لِأَنَّهَا لِلْقِنْيَةِ (وَإِنْ كَانَ يَبِيعُهَا مَعَهَا فَهِيَ مَالُ تِجَارَةٍ) يُزَكِّيهَا (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَا مَلَكَهُ) لِلتِّجَارَةِ (عَيْنَ مَالٍ، بَلْ مَنْفَعَةُ عَيْنٍ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) فِي قِيمَتِهَا، إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا بِنَفْسِهَا أَوْ بِضَمِّهَا إلَى غَيْرِهَا، كَالْأَعْيَانِ لِأَنَّهَا مَالُ تِجَارَةٍ.
(وَلَوْ قُتِلَ عَبْدُ تِجَارَةٍ خَطَأً أَوْ عَمْدًا، فَصَالَحَ سَيِّدُهُ عَلَى مَالٍ صَارَ) الْمَالُ (لِلتِّجَارَةِ) بِاسْتِصْحَابِ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، كَمَا لَوْ اعْتَاضَ عَنْهُ (وَلَوْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لِلتِّجَارَةِ فَتَخَمَّرَ) الْعَصِيرُ (ثُمَّ تَخَلَّلَ عَادَ حُكْمُ التِّجَارَةِ) بِاسْتِصْحَابِ الْيَدِ، كَالرَّهْنِ.
(وَلَوْ اشْتَرَى عَرْضَ تِجَارَةٍ بِعَرْضِ قِنْيَةٍ فَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ) أَوْ غَيْرِهِ (انْقَطَعَ الْحَوْلُ) لِقَطْعِهِ نِيَّةَ التِّجَارَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ هُوَ لِعَيْبِ الثَّمَرِ وَنَحْوِهِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ، وَتَقَدَّمَ (وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ) أَيْ الْآذِنِ (فَأَخْرَجَاهَا مَعًا، أَوْ جَهِلَ السَّبْقَ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ حُكْمًا وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ) وَالْعَزْلُ حُكْمًا، الْعِلْمُ فِيهِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ، فَبَاعَهُ الْمُوَكَّلُ، أَوْ أَعْتَقَهُ، وَحِينَئِذٍ يَقَعُ الدَّفْعُ إلَى الْفَقِيرِ تَطَوُّعًا وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِهِ، فَيَتَحَقَّقُ التَّفْوِيتُ بِفِعْلِ الْمُخْرَجِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ لِمَا إذَا أَخْرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا زَكَاةَ نَفْسِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا إذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالْإِخْرَاجِ، وَجَهِلَ، أَوْ نَسِيَ، فَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ إخْرَاجَ الْمُخْرِجِ عَنْ نَفْسِهِ وَقَعَ الْمَوْقِعَ بِخِلَافِ الْمُخْرِجِ عَنْ غَيْرِهِ.
وَأَيْضًا: الْأَصْلُ فِي الْقَابِضِ لِمَالِ غَيْرِهِ: الضَّمَانُ (وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ) وَعَلِمَ وَلَمْ يَنْسَ (ضَمِنَ الثَّانِي) أَيْ الَّذِي أَخْرَجَ ثَانِيًا (نَصِيبَ) الْمُخْرِجِ (الْأَوَّلِ، عَلِمَ) الثَّانِي إخْرَاجَ الْأَوَّلِ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) بِهِ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ وَالْعَزْلِ، كَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ
وَ (لَا) يَضْمَنْ (إنْ أَدَّى دَيْنًا بَعْدَ أَدَاءِ مُوَكَّلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ) بِأَدَاءِ مُوَكَّلِهِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ.
(وَ) لِأَنَّهُ هُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّفْوِيتُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ (يَرْجِعُ الْمُوَكَّلُ عَلَى الْقَابِضِ بِمَا قَبَضَ مِنْ الْوَكِيلِ) وَنَظِيرُ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ لَوْ كَانَ الْقَابِضُ مِنْهُمَا السَّاعِي وَالزَّكَاةُ بِيَدِهِ، فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ يَأْخُذُهَا مِنْهُ، مَا دَامَتْ بِيَدِهِ، وَلَا يَضْمَنُ وَكِيلُهُ لَهُ شَيْئًا لِعَدَمِ التَّفْوِيتِ (وَلَوْ أَذِنَ غَيْرُ شَرِيكَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَذِنَ (لِلْآخَرِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَ) هُمَا (كَالشَّرِيكَيْنِ فِيمَا سَبَقَ) مِنْ التَّفْصِيلِ لِلتَّسَاوِي فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلضَّمَانِ أَوْ عَدَمَهُ.
(وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ أَوْ لَا) أَيْ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ مُوَكِّلِهِ بِخِلَافِ حَجِّ النَّائِبِ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهَا مَالِيَّةٌ، كَقَضَاءِ دَيْنِ غَيْرِهِ قَبْلَ دَيْنِهِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ) أَنْ يَبْدَأَ بِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ أَوَّلًا مُسَارَعَةً لِلْخَيْرِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَخْلُ بِالْفَوْرِيَّةِ، مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ وَإِلَّا فَيَأْتِي أَنَّ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ وَاجِبٌ فَوْرًا (وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُوَكَّلِ أَنَّهُ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ قَبْلَ دَفْعِ وَكِيلِهِ إلَى السَّاعِي) لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ فِي أَدَاءِ مَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ.
(وَ) يُقْبَلُ (قَوْلُ مَنْ دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى السَّاعِي (ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ أَخْرَجَهَا) قَبْلَ الدَّفْعِ إلَى السَّاعِي (وَتُؤْخَذُ مِنْ السَّاعِي) فِي الصُّورَتَيْنِ (إنْ كَانَتْ بِيَدِهِ) لِتَبَيُّنِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ (فَإِنْ تَلِفَتْ) بِيَدِ السَّاعِي (أَوْ كَانَ) السَّاعِي (دَفَعَهَا إلَى الْفَقِيرِ أَوْ كَانَا) أَيْ الْوَكِيلُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَرَبُّ الْمَالِ فِي الثَّانِيَةِ (دَفَعَا إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْفَقِيرِ (فَلَا) رُجُوعَ لِأَنَّهَا انْقَلَبَتْ تَطَوُّعًا كَمَنْ دَفَعَ زَكَاةً يَعْتَقِدُهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ (وَمَنْ لَزِمَهُ نَذْرُ وَزَكَاةٌ قَدَّمَ الزَّكَاةَ) لِوُجُوبِهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ (فَإِنْ قَدَّمَ النَّذْرَ لَمْ يَصِرْ زَكَاةً) لِحَدِيثِ " وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " وَإِنَّمَا خُولِفَ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ (وَلَهُ) أَيْ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ (الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ) كَالصَّدَقَةِ قَبْلَ قَضَاءِ دَيْنِهِ، إنْ لَمْ يَضُرَّ بِغَرِيمِهِ.
[بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ]
ِ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ قَوْلِك: أَفْطَرَ الصَّائِمُ إفْطَارًا وَأُضِيفَتْ إلَى الْفِطْرِ لِأَنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِهَا فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ وَقِيلَ لَهَا فِطْرَةٌ: لِأَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ
قَالَ تَعَالَى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] وَهَذَا يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ عَنْ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ وَهِيَ بِضَمِّ الْفَاءِ: كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ وَقَدْ زَعْمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِمَّا يَلْحَنُ فِيهِ الْعَامَّةُ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ لِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ لَهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَهِيَ صَدَقَةٌ تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «فَرَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ: صَاعًا مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «فَرَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ: طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّهْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَدَعْوَى أَنَّ " فَرَضَ " بِمَعْنَى قَدَّرَ: مَرْدُودٌ بِأَنَّ كَلَامَ الرَّاوِي لَا يُحْمَلُ إلَّا عَلَى الْمَوْضُوعِ بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِهَا فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَذَهَبَ الْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] إنَّهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ رُدَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " إنَّهَا تُطَهِّرُ مِنْ الشِّرْكِ " وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وَلَمْ يَكُنْ بِهَا زَكَاةٌ وَلَا عِيدٌ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَرْضَهَا كَانَ مَعَ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ ذَلِكَ.
(وَمَصْرِفُهَا) أَيْ: زَكَاةِ الْفِطْرِ (كَزَكَاةِ) الْمَالِ لِعُمُومِ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] .
(وَهِيَ وَاجِبَةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَتُسَمَّى فَرْضًا) كَقَوْلِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَأَيْضًا فَالْفَرْضُ: إنْ كَانَ بِمَعْنَى الْوَاجِبِ، فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمُتَأَكِّدِ فَهِيَ مُتَأَكِّدَةٌ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمُسْلِمِينَ (حُرٌّ، وَلَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ خِلَافًا لِعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَاللَّيْثِ فِي قَوْلِهِمْ " لَا تَلْزَمُ أَهْلَ الْبَوَادِي ". (وَمُكَاتَبٌ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ فِي كَسْبِهِ، فَكَذَا فِطْرَتُهُ (ذَكَرٍ وَأُنْثَى كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ) لِمَا سَبَقَ مِنْ الْخَبَرِ (وَلَوْ يَتِيمًا) فَتَجِبُ فِي مَالِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، كَزَكَاةِ الْمَالِ (وَيُخْرَجُ عَنْهُ) أَيْ الْيَتِيمِ (مِنْ مَالِ وَلِيِّهِ) كَمَا
يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
(وَ) تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى (سَيِّدٍ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ (لِلتِّجَارَةِ) فَلَا يَضُرُّ اجْتِمَاعُ زَكَاتَيْنِ فِيهِ لِأَنَّهُمَا بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفِينَ فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى بَدَنِ الْمُسْلِمِ طُهْرَةً لَهُ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ مِنْ قِيمَتِهِ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى، مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ إيجَابُ زَكَاتَيْنِ فِي حَوْلٍ وَاحِدٍ وَمَتَى كَانَ عَبِيدُ التِّجَارَةِ بِيَدِ الْمُضَارِبِ فَفِطْرَتُهُمْ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُمْ مِنْهَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَ (لَا) تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ (الْكَافِرِ) لَوْ هَلَّ شَوَّالٌ وَفِي مِلْكِهِ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، لِفَقْدِ شَرْطِ وُجُوبِهَا وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ فِي هَذِهِ: الْأَظْهَرُ وُجُوبُهَا عَلَى الْكَافِرِ.
(وَتَجِبُ فِي مَالِ صَغِيرٍ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ) لِغِنَاهُ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ وَيُخْرِجُهَا أَبُوهُ مِنْهُ.
(وَ) تَجِبُ (فِي الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، وَ) الْعَبْدُ (الْمُوصَى بِهِ عَلَى مَالِكِهِ وَقْتَ الْوُجُوبِ) أَيْ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ رَمَضَانَ (وَكَذَا) الْعَبْدُ (الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى مَنْ حَكَمَ لَهُ بِالْمِلْكِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ شَيْءٌ غَيْرُ الْعَبْدِ) الْمَرْهُونِ (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْفِطْرَةِ) كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ (إذَا فَضَلَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْمُسْلِمِ الَّذِي تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ (عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ صَاعٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَهَمُّ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ لِوُجُوبِهَا مِلْكَ نِصَابٍ وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ.
" تَتِمَّةٌ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ مَنْ عَجَزَ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَقْتَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَيْسَرَ فَأَدَّاهَا فَقَدْ أَحْسَنَ (وَيَعْتَبِرُ كَوْنَ ذَلِكَ) أَيْ الصَّاعَ بَعْدَ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَدَابَّةٍ وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ) كَسِدْرَةٍ: مَا يُمْتَهَنُ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْخِدْمَةِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَدَارٍ يَحْتَاجُ إلَى أَجْرِهَا لِنَفَقَتِهِ) وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ (وَسَائِمَةٍ يَحْتَاجُ إلَى نَمَائِهَا) مِنْ دَرٍّ وَنَسْلٍ وَنَحْوِهِمَا (وَبِضَاعَةٍ يَحْتَاجُ إلَى رِبْحِهَا وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ فَهُوَ كَنَفَقَتِهِ يَوْمَ الْعِيدِ.
(وَكَذَا كُتُبُ) عِلْمٍ (يَحْتَاجُهَا لِلنَّظَرِ وَالْحِفْظِ وَحُلِيِّ الْمَرْأَةِ لِلُبْسِهَا، أَوْ لِكِرَاءٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَهَمُّ مِنْ الْفِطْرَةِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا،
لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكُتُبِ وَحُلِيِّ الْمَرْأَةِ.
ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَلَمْ أَجِدْ هَذَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ قَالَ: وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْوُجُوبِ، وَاقْتِصَارِهِمْ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْمَانِعِ أَيْ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَعَبْدٍ، وَدَابَّةٍ وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ: أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَذَكَرَ احْتِمَالًا أَنَّ الْكُتُبَ تُمْنَعُ بِخِلَافِ الْحُلِيِّ لِلْحَاجَةِ إلَى الْعِلْمِ وَتَحْصِيلِهِ قَالَ: وَلِهَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ، أَيْ الْمُوَفَّقُ: أَنَّ الْكُتُبَ تُمْنَعُ فِي الْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحُلِيَّ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُنْتَهَى وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: هَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ أَخْذُ الزَّكَاةِ؟ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ احْتِمَالَانِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ الصَّوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ.
(وَتَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ وَفِطْرَةُ قَرِيبِهِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ) كَوَلَدِهِ التَّابِعُ لَهُ فِي الْكِتَابَةِ.
(وَ) فِطْرَةُ (رَقِيقِهِ) كَفِطْرَةِ نَفْسِهِ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ مَنْ ذَكَرَ فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ، كَالْحُرِّ، لَا عَلَى سَيِّدِهِ (وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ) مَعَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ (إلَّا بَعْضَ صَاعٍ، لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ فَهِيَ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ بَدَلٌ بِخِلَافِ هَذِهِ فَيُخْرِجُ مَا وَجَدَهُ (عَنْ نَفْسِهِ) لِحَدِيثِ " ابْدَأْ بِنَفْسِك " وَيُكَمِّلُهُ مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ، وَعَجَزَ عَنْ جَمِيعِهَا (فَإِنْ فَضَلَ) عِنْدَهُ (صَاعٌ وَبَعْضُ صَاعٍ، أَخْرَجَ الصَّاعَ عَنْ نَفْسِهِ) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
(وَ) أَخْرَجَ بَعْضَ الصَّاعِ عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ زَوْجَةٍ وَنَحْوِهَا (وَيُكَمِّلُهُ الْمَخْرَجُ عَنْهُ) إنْ قَدَرَ لِأَنَّ الْأَصِيلَ وَالْمَخْرَجُ مُتَحَمِّلٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ.
(وَيَلْزَمُ الْمُسْلِمَ فِطْرَةُ مَنْ يَمُونُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الزَّوْجَاتِ وَالْإِمَاءِ وَالْأَقَارِبِ وَالْمَوَالِي) ، فَلَا تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يَمُونُهُ مِنْ الْكُفَّارِ، لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلْمُخْرِجِ عَنْهُ وَلَا يُطَهِّرُهُ إلَّا الْإِسْلَامُ وَكَذَا عَبْدُ عَبْدِهِ (حَتَّى زَوْجَةُ عَبْدِهِ الْحُرَّةُ) كَنَفَقَتِهَا.
(وَ) حَتَّى (مَالِكُ نَفْعِ قِنٍّ فَقَطْ) لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ وَهُوَ الْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِهِ فَتَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَيْهِ، كَنَفَقَتِهِ، لَا عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ.
(وَ) حَتَّى (خَادِمُ زَوْجَتِهِ إنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ) لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَكَذَا مَرِيضٌ لَا يَحْتَاجُ نَفَقَةً لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، مِمَّنْ تَمُونُونَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي
نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَلَا تَلْزَمُ) الْفِطْرَةُ (الزَّوْجَ لِبَائِنٍ حَامِلٍ) ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ لَا لَهَا مِنْ أَجَلِ الْحَمْلِ وَالْحَمْلُ لَا تُلْزَمُ فِطْرَتُهُ (وَلَا) تَلْزَمُ الْفِطْرَةُ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا أَوْ ظِئْرًا بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ كَضَيْفٍ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هَهُنَا أُجْرَةٌ تَعْتَمِدُ الشَّرْطَ فِي الْعَقْدِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ دَرَاهِمَ وَلِهَذَا تَخْتَصُّ بِزَمَنٍ مُقَدَّرٍ، كَسَائِرِ الْأُجَرِ.
(وَلَا) تَجِبُ فِطْرَةُ مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَعَبْدِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَعَبْدِ (الْفَيْءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَاللَّقِيطِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِنْفَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ إيصَالُ الْمَالِ فِي حَقِّهِ (وَلَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ لِأَمَةٍ لَيْلًا فَقَطْ بَلْ هِيَ عَلَى سَيِّدِهَا) أَيْ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً، وَتَسَلَّمَهَا لَيْلًا فَقَطْ، فَفِطْرَتُهَا عَلَى السَّيِّدِ دُونَ الزَّوْجِ لِأَنَّهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ.
(وَتَرْتِيبُهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ (كَالنَّفَقَةِ) لِتَبَعِيَّتِهَا لَهَا (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَمُونُ جَمَاعَةً (مَا يُؤَدِّي عَنْ جَمِيعِهِمْ بَدَأَ لُزُومًا بِنَفْسِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا تَنْبَنِي عَلَى النَّفَقَةِ، وَنَفَقَةُ نَفْسِهِ مُقَدَّمَةٌ فَكَذَا فِطْرَتُهُ (ثُمَّ بِامْرَأَتِهِ وَلَوْ أَمَةً) تَسَلَّمَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْأَقَارِبِ وَقُمْت عَلَى غَيْرِهَا لِآكَدِيَّتِهَا، وَلِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ (ثُمَّ بِرَقِيقِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ مَعَ الْإِعْسَارِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الزَّوْجَةِ، لِئَلَّا تَسْقُطُ بِالْكُلِّيَّةِ (ثُمَّ بِأُمِّهِ) لِتَقْدِيمِهَا عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ، لِحَدِيثِ مَنْ أَبَرُّ؟ " (ثُمَّ بِأَبِيهِ) لِحَدِيثِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك» (ثُمَّ بِوَلَدِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ (ثُمَّ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ: الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ) لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، فَقُدِّمَ كَالْمِيرَاثِ (وَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ) كَوَلَدَيْنِ أَوْ أَوْلَادٌ، أَوْ إخْوَةٌ وَلَمْ يَفْضُلْ غَيْرُ صَاعٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ) لِتَسَاوِيهِمْ وَعَدَمِ الْمُرَجَّحِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقُرْعَةُ.
(وَلَا تَجِبُ) الْفِطْرَةُ (عَنْ جَنِينٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّهَا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ لَتَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِأَجِنَّةِ السَّوَائِمِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا (بَلْ تُسْتَحَبُّ) الْفِطْرَةُ عَنْ الْجَنِينِ، لِفِعْلِ عُثْمَانَ، وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ " كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرَةِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى عَنْ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي.
(وَمَنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ مُسْلِمٍ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُك " وَهَذَا
يَعُمُّ مَنْ يَمُونُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ تَبَرُّعًا فَإِنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَتِهِ بَعْضَ رَمَضَانَ وَلَوْ آخِرَهُ، لَمْ تَلْزَمْهُ لِظَاهِرِ النَّصِّ وَ (لَا إنْ مَانَهُ جَمَاعَةٌ) فَلَا يَلْزَمُهُمْ فِطْرَتُهُ لِعَدَمِ أَمَانَةِ أَحَدِهِمْ لَهُ جَمِيعَ الشَّهْرِ.
(وَإِذَا كَانَ رَفِيقَ وَاحِدٍ بَيْنَ شُرَكَاءَ) فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ وَاحِدٌ بِحَسَبِ مِلْكِهِمْ فِيهِ، كَنَفَقَتِهِ (أَوْ بَعْضُهُ حُرٌّ) وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ فَعَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ صَاعٌ، بِحَسَبِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ (أَوْ) كَانَ (قَرِيبٌ، أَوْ) عَتِيقٌ (تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ اثْنَيْنِ) كَوَلَدَيْهِ أَوْ أَخَوَيْهِ، أَوْ مُعْتِقَيْهِ، أَوْ ابْنَيْ مُعْتِقَيْهِ، فَأَكْثَرُ فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِمْ كَنَفَقَتِهِ لَكِنْ لَوْ كَانَ أَبٌ وَأُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ انْفَرَدَ بِهَا الْأَبُ كَالنَّفَقَةِ (أَوْ أَلْحَقَتْ الْقَافَةُ وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرُ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي اللَّقِيطِ (فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى الْوَاحِدِ صَاعًا فَأَجْزَأَ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَكَالنَّفَقَةِ وَمَاءِ طَهَارَتِهِ.
(وَلَا تَدْخُلُ الْفِطْرَةُ فِي الْمُهَايَأَةِ فِيمَنْ بَعْضُهُ حُرِّ) لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ، كَالصَّلَاةِ وَالْمُهَايَأَةُ مُعَاوَضَةُ كَسْبٍ بِكَسْبٍ، (فَإِنْ كَانَ يَوْمَ الْعِيدِ نَوْبَةُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ نِصْفُهُ مَثَلًا اعْتَبَرَ أَنْ يَفْضُلَ عَنْ قُوتِهِ نِصْفُ صَاعٍ) فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْ سَيِّدُهُ سِوَى نِصْفِ الصَّاعِ كَمَا لَوْ عَجَزَ مُكَاتَبٌ عَنْهَا.
(وَإِنْ كَانَتْ نَوْبَةُ السَّيِّدِ) يَوْمَ الْعِيدِ (لَزِمَ الْعَبْدَ أَيْضًا نِصْفُ صَاعٍ) وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ (وَمَنْ عَجَزَ مِنْهُمْ) أَيْ الشُّرَكَاءِ فِي قِنٍّ أَوْ مِنْ وَارِثٍ لِقَرِيبٍ أَوْ عَتِيقٍ، أَوْ مَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ وَلَدٌ (عَمَّا) وَجَبَ (عَلَيْهِ) مِنْ الْفِطْرَةِ الْمُشْتَرَكَةِ (لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ سِوَى قِسْطِهِ، كَشَرِيكٍ ذِمِّيٍّ) فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ قِسْطُ الذِّمِّيِّ.
(وَإِنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا فَ) هِيَ (عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً وَعَلَى سَيِّدِهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً) لِأَنَّ الزَّوْجَ كَالْمَعْدُومِ (وَلَا تَرْجِعُ) الزَّوْجَةُ (الْحُرَّةُ، وَ) لَا (السَّيِّدُ بِهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ (عَلَى الزَّوْجِ إذَا أَيْسَرَ) لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلُ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّحَمُّلِ وَالْمُوَاسَاةِ.
(وَمَنْ لَهُ عَبْدٌ آبِقٌ أَوْ ضَالٌّ، أَوْ مَغْصُوبٌ، أَوْ مَحْبُوسٌ كَأَسِيرٍ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ) لِلْعُمُومِ، وَلِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِدَلِيلِ رُجُوعِ مَنْ رَدَّ الْآبِقَ بِنَفَقَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْجُوَ رَجْعَتَهُ أَوْ يَيْأَسَ مِنْهَا وَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يَعْلَمُ مَكَانَ الْآبِقِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إلَّا أَنْ يَشُكَّ) السَّيِّدُ (فِي حَيَاتِهِ) أَيْ الْآبِقِ وَنَحْوِهِ (فَتَسْقُطُ) فِطْرَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَقَاءَهُ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ وَكَالنَّفَقَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ (فَإِنْ عَلِمَ سَيِّدُهُ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجَ لِمَا مَضَى) لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ وُجُودُ سَبَبِ الْوُجُوبِ فِي الْمَاضِي، فَوَجَبَ
الْإِخْرَاجُ، كَمَالٍ غَائِبٍ بَانَتْ سَلَامَتُهُ.
(وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ زَوْجَةٍ نَاشِزٍ وَقْتَ الْوُجُوبِ) أَيْ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ (وَلَوْ) كَانَتْ (حَامِلًا) لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ وَلَا تَلْزَمُ فِطْرَتَهُ (وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجُ) أَيْضًا فِطْرَةَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا، كَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ أَيْ تَبْذُلُ التَّسْلِيمَ هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا.
(وَالصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا) أَيْ بِنْتٌ دُونَ تِسْعٍ، لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَرِيضَةٍ وَنَحْوِهَا، لَا تَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ) لِأَنَّ عَدَمَ احْتِيَاجِهَا لِلنَّفَقَةِ لَا لِخَلَلٍ فِي الْمُقْتَضَى لَهَا بِخِلَافِ مَا قَبْلُ.
(وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ) كَالزَّوْجَةِ (فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ إذْنِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (أَجْزَأَ) إخْرَاجُهُ (كَمَا لَوْ أَخْرَجَ بِإِذْنِهِ) لِأَنَّهُ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (لِأَنَّ الْغَيْرَ مُحْتَمَلٌ) لِكَوْنِهَا طُهْرَةً (لَا أَصِيلَ) وَإِنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِهَا (وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْ مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ غَيْرِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ) كَالزَّوْجِ الْقَادِرِ إذَا لَمْ يُخْرِجْ فِطْرَةَ زَوْجَتِهِ (لَمْ يَلْزَمْ الْغَيْرَ) الَّذِي هُوَ الزَّوْجَةُ فِي الْمِثَالِ (شَيْءٌ) لِعَدَمِ خِطَابِهَا بِهَا.
(وَلَهُ) أَيْ الْغَيْرِ الَّذِي وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ (مُطَالَبَتُهُ بِالْإِخْرَاجِ) كَنَفَقَتِهِ قُلْت وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ وَلَدًا، فَيُطَالِبُ وَالِدَهُ بِهَا، كَالنَّفَقَةِ.
(وَلَوْ أَخْرَجَ الْعَبْدُ) فِطْرَتَهُ (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يُجْزِئُهُ) لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَالِ سَيِّدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ) مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ (عَمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ) كَأَجْنَبِيٍّ (بِإِذْنِهِ، أَجْزَأَ) إخْرَاجُهُ عَنْهُ (وَإِلَّا فَلَا) قَالَ الْآجُرِّيُّ: هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ) لِتَأَكُّدِهَا، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ، وَشُمُولِهَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا فَجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ بِالْمِلْكِ، وَالدَّيْنُ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَالْفِطْرَةُ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُطَالَبًا بِهِ مَنَعَ وُجُوبِهَا، لِوُجُوبِ أَدَائِهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، أَشْبَهَ مَنْ لَا فَضْلَ عِنْدَهُ.
(وَتَجِبُ) زَكَاةُ الْفِطْرِ (بِغُرُوبِ شَمْسِ لَيْلَةِ عِيدِ) (الْفِطْرِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَرَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَأَضَافَ الصَّدَقَةَ إلَى الْفِطْرِ فَكَانَتْ وَاجِبَةً بِهِ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ، وَأَوَّلُ فِطْرٍ يَقَعُ مِنْ جَمِيعِ رَمَضَانَ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ (فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الْغُرُوبِ (أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَهُ أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ) بَعْدَهُ (أَوْ مَلَكَ عَبْدًا)
بَعْدَهُ (أَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ الْوُجُوبِ ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَهُ، فَلَا فِطْرَةَ) عَلَيْهِ، لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ (وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ) بِأَنْ أَسْلَمَ أَوْ تَزَوَّجَ أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ مَلَكَ عَبْدًا (أَوْ أَيْسَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَجَبَتْ) الْفِطْرَةُ، لِوُجُودِ السَّبَبِ.
فَالِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْغُرُوبِ) هُوَ أَوْ زَوْجَتُهُ أَوْ رَقِيقُهُ أَوْ قَرِيبُهُ وَنَحْوُهُ (أَوْ أَعْسَرَ، أَوْ أَبَانَ الزَّوْجَةَ، أَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ (لَمْ تَجِبْ) الْفِطْرَةُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا تَسْقُطُ) الْفِطْرَةُ (بَعْدَ وُجُوبِهَا بِمَوْتٍ وَلَا غَيْرِهِ) كَإِبَانَةِ زَوْجَةٍ، أَوْ عِتْقِ عَبْدٍ، أَوْ بَيْعِهِ لِاسْتِقْرَارِهَا وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا فِي عِتْقِ عَبْدٍ.
(وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (فَقَطْ) فَلَا تُجْزِئُ قَبْلَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ لِفَوَاتِ الْإِغْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ هَذَا الْيَوْمَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَرٍ وَفِيهِ كَلَامٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ (وَآخِرُ وَقْتِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ يَوْمَ الْفِطْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ هَذَا الْيَوْمَ» (فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ) أَيْ عَنْ يُومِ الْعِيدِ (أَثِمَ) لِتَأْخِيرِهِ الْوَاجِبَ عَنْ وَقْتِهِ، وَلِمُخَالَفَتِهِ الْأَمْرَ (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَمْ تَسْقُطْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، كَالصَّلَاةِ (وَالْأَفْضَلُ: إخْرَاجُهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ (يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ قَدْرِهَا) فِي مَوْضِعٍ لَا يُصَلَّى فِيهِ الْعِيدُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ " فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ جَمْعٌ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُخْرِجَهَا إذَا خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى.
(وَيَجُوزُ) إخْرَاجُهَا (فِي سَائِرِهِ) أَيْ بَاقِي يَوْمِ الْعِيدِ لِحُصُولِ الْإِغْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِمُخَالَفَتِهِ الْأَمْرَ بِالْإِخْرَاجِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِطْرَةُ غَيْرِهِ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ قَرِيبٍ أَخْرَجَهَا مَكَانَ نَفْسِهِ) مَعَ فِطْرَتِهِ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لَهُ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ (وَيَأْتِي) فِي الْبَابِ بَعْدَهُ.
[فَصْلٌ الْوَاجِبُ فِي زَكَاة الْفِطْر]
فَصْلٌ وَالْوَاجِبُ فِيهَا أَيْ الْفِطْرَةِ صَاعٌ عِرَاقِيٌّ لِأَنَّهُ الَّذِي أَخْرَجَ بِهِ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِبَارَةُ الْمُبْدِعِ
صَاعٌ بِصَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْقَامَةِ، وَحِكْمَتُهُ: كِفَايَةُ الصَّاعِ لِلْفَقِيرِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ انْتَهَى وَهُوَ قَدْ حَانَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبُرِّ، أَوْ مِثْلِ مَكِيلِهِ مِنْ التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إجْمَاعًا.
(وَلَوْ) كَانَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ (مَنْزُوعِي الْعَجَمِ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (أَوْ الشَّعِيرِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ إجْمَاعًا (وَكَذَا الْأَقِطُ) وَيَأْتِي بَيَانُهُ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) الْأَقِطُ (قُوتُهُ وَ) لَوْ (لَمْ يَعْدَمْ الْأَرْبَعَةَ) أَيْ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَالْبُرَّ وَالشَّعِيرَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إذْ كَانَ فِينَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(أَوْ) صَاعًا (مِنْ مُجْمَعٍ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالْأَقِطِ، فَإِذَا جَمَعَ مِنْهَا صَاعًا وَأَخْرَجَهُ أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ خَالِصًا مِنْ أَحَدِهَا.
(وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَخْرَجُ قُوتًا لَهُ) أَيْ لِلْمُخْرِجِ كَالتَّمْرِ بِمِصْرَ فَإِنَّهُ لَيْسَ قُوتًا بِهَا غَالِبًا، وَيُجْزِئُ إخْرَاجُهُ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَلَا عِبْرَةَ بِوَزْنِ تَمْرٍ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يُخْرِجُهُ سِوَى الْبُرِّ) الْمُخْرَجُ مِنْ غَيْرِ الْبُرِّ (صَاعًا بِالْبُرِّ) بِأَنْ اتَّخَذَ مَا يَسَعُ صَاعًا مِنْ جَيِّدِ الْبُرِّ، وَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ صَاعًا (أَجْزَأَ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ) الْمُخْرَجُ (الْوَزْنَ) أَيْ وَزْنَ الصَّاعِ، لِخِفَّتِهِ كَالشَّعِيرِ (وَيُحْتَاطُ فِي الثَّقِيلِ فَيَزِيدُ عَلَى الْوَزْنِ) أَيْ وَزْنِ الصَّاعِ (شَيْئًا يُعْلَمُ أَنَّهُ) أَيْ الثَّقِيلَ (قَدْ بَلَغَ صَاعًا) كَيْلًا (لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ) فَيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ.
(وَلَا يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ " فَفِيهِ مَقَالٌ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ (وَيُجْزِئُ صَاعُ دَقِيقٍ وَسَوِيقٍ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْحَبِّ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِزِيَادَةٍ انْفَرَدَ بِهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ لِابْنِ عُيَيْنَةَ: أَنَّ أَحَدًا لَا يَذْكُرُهُ فِيهِ قَالَ: بَلْ هُوَ فِيهِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ الْمَجْدُ: بَلْ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ لِأَنَّهُ كَفَى مُؤْنَتَهُ، كَتَمْرٍ نُزِعَ نَوَاهُ (وَسَوِيقِ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ: يُحَمَّصُ) وَعِبَارَةُ الْمُبْدِعِ: يُقْلَى (ثُمَّ يُطْحَنُ وَصَاعُ الدَّقِيقِ) يُعْتَبَر بِ (وَزْنِ حَبِّهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِتَفَرُّقِ الْأَجْزَاءِ بِالطَّحْنِ.
وَكَذَا السُّوَيْقُ (وَيُجْزِئُ دَقِيقٌ بِلَا نَخْلٍ) كَقَمْحٍ بِلَا تَنْقِيَةٍ (وَالْأَقِطُ لَبَنٌ جَامِدٌ يُجَفَّفُ بِالْمَصْلِ) أَيْ بِسَبَبِ الْمَصْلِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ (يُعْمَلُ مِنْ
اللَّبَنِ الْمَخِيضِ) وَقِيلَ مِنْ لَبَنِ الْإِبِلِ خَاصَّةً.
(وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَحْصِيلِهَا) كَالدِّبْسِ وَالْمَصْلِ، وَالْجُبْنِ لِلْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَلَا) إخْرَاجُ (الْقِيمَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ (فَإِنَّ عَدَمَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ أَخْرَجَ مَا يُقَوَّمُ مَقَامَهُ) مِنْ حَبٍّ وَتَمْرٍ يَقْتَاتُ إذَا كَانَ مَكِيلًا، (كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَالْمَاشِ وَنَحْوِهِ) كَالْأُرْزِ وَالتِّينِ وَالتُّوتُ الْيَابِسُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشْبَهَ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَكَانَ أَوْلَى.
(وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ حَبٍّ مَعِيبٍ، كَمُسَوِّسٍ وَمَبْلُولٍ وَقَدِيمٍ، تَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَنَحْوِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] وَلِأَنَّ السُّوسَ يَأْكُلُ جَوْفَهُ وَالْبَلَلَ يَنْفُخُهُ (فَالْمُخْرِجُ لِصَاعٍ مِنْهُ لَيْسَ هُوَ الْوَاجِبُ شَرْعًا) وَلَا خُبْزٍ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْكَيْلِ وَالِادِّخَارِ وَفِيهِ شَبَهٌ بِإِخْرَاجِ الْقِيمَةِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُجْزِئُ (فَإِنْ خَالَطَ الْمُخْرَجُ) الْجَيِّدَ (مَا لَا يُجْزِئُ وَكَثُرَ لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَلَّ الَّذِي لَا يُجْزِئُ زَادَ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ الْمُصَفَّى صَاعًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ عَيْبًا لِقِلَّةِ مَشَقَّةِ تَنْقِيَتِهِ (وَأَحَبَّ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (تَنْقِيَةَ الطَّعَامِ) وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ لِيَكُونَ أَكْمَلَ.
(وَأَفْضَلُ مُخْرَجٍ: تَمْرٌ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ لَهُ أَبُو مِجْلَزٍ " إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ، وَالْبُرُّ أَفْضَلُ فَقَالَ: إنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْلُكَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قُوتٌ وَحَلَاوَةٌ وَأَقْرَبُ تَنَاوُلًا، وَأَقَلُّ كُلْفَةً (ثُمَّ زَبِيبٌ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّمْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ بُرٌّ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ فِي الِاقْتِيَاتِ، وَأَبْلَغُ فِي دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ (ثُمَّ أَنْفَعُ) لِلْفَقِيرِ (ثُمَّ شَعِيرٌ ثُمَّ دَقِيقُ بُرٍّ، ثُمَّ دَقِيقُ شَعِيرٍ ثُمَّ سُوَيْقُهُمَا) أَيْ سُوَيْقُ الْبُرِّ ثُمَّ الشَّعِيرُ (ثُمَّ أَقِطٌ) .
(وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَمَاعَةَ) مِنْ الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ (مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ) مِنْ فِطْرَةٍ أَوْ زَكَاةِ مَالٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِذَا أَعْطَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةً، جَازَ لِأَنَّهُ دَفَعَ الصَّدَقَةَ إلَى مُسْتَحَقِّهَا (لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ لَا يُنْقِصَهُ) أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخِذِينَ (عَنْ مُدِّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) لِيَحْصُلَ إغْنَاؤُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) يَجُوزُ (أَنْ يُعْطِيَ الْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَجَازَ صَرْفُهَا لِوَاحِدٍ، كَالزَّكَاةِ.
(وَلِفَقِيرٍ إخْرَاجُ فِطْرَةٍ، وَزَكَاةٍ عَنْ نَفْسِهِ إلَى مَنْ أُخِذَتَا مِنْهُ) لِأَنَّهُ رَدَّ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ (مَا لَمْ
يَكُنْ حِيلَةً) كَأَنْ يَشْرِطُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ أَنْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ.
(وَكَذَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، إذَا حُصِّلَتَا) أَيْ الْفِطْرَةُ وَزَكَاةُ الْمَالِ (عِنْدَهُ، فَقَسَمَهُمَا رَدَّهُمَا) أَيْ جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّهُمَا (إلَى مَنْ أُخِذَتَا مِنْهُ وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ) وَتَوْضِيحُهُ (وَكَانَ عَطَاءٌ يُعْطِي عَنْ أَبَوَيْهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ تَبَرُّعٌ اسْتَحْسَنَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) رَحِمِهِمَا اللَّهُ تَعَالَى.
[بَابُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ حُكْمِ النَّقْلِ وَالتَّعْجِيلِ وَنَحْوِهِ]
ِ (لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ) أَيْ تَأْخِيرُ إخْرَاجِ زَكَاةِ الْمَالِ (عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا، مَعَ إمْكَانِهِ فَيَجِبُ إخْرَاجُهَا عَلَى الْفَوْرِ، كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ، وَكَفَّارَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وَالْمُرَادُ: الزَّكَاةُ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْفَوْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُؤَخِّرَ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ، وَلَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَكَانَ إمَّا إلَى غَايَةٍ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلْوُجُوبِ، وَإِمَّا إلَى غَيْرِهَا، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ رُبَّمَا يُفْضِي إلَى سُقُوطِهَا إمَّا بِمَوْتِهِ، أَوْ تَلَفِ الْمَالِ، فَيَتَضَرَّرُ الْفَقِيرُ بِذَلِكَ، فَيَخْتَلُّ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِهَا: وَلِأَنَّهَا لِلْفَوْرِ بِطَلَبِ السَّاعِي، فَكَذَا بِطَلَبِ اللَّهِ تَعَالَى كَعَيْنٍ مَغْصُوبَةٍ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ، لَقُلْنَا بِهِ هُنَا.
وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَكَرَّرُ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا إلَى دُخُولِ وَقْتِ مِثْلِهَا، كَالصَّلَاةِ (وَيَأْتِي) حُكْمُ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْكَفَّارَةِ فِي الْأَيْمَانِ (إلَّا أَنْ يَخَافَ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ (ضَرَرًا) فَيَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهَا نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (كَرُجُوعِ سَاعٍ) عَلَيْهِ إذَا أَخْرَجَهَا هُوَ بِنَفْسِهِ، مَعَ غَيْبَةِ السَّاعِي (أَوْ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَنَحْوِهِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ، وَإِذَا جَازَ تَأْخِيرُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ، فَهِيَ أَوْلَى (أَوْ كَانَ) الْمَالِكُ (فَقِيرًا مُحْتَاجًا إلَى زَكَاتِهِ تَخْتَلُّ كِفَايَتُهُ وَمَعِيشَتُهُ بِإِخْرَاجِهَا) نَصَّ عَلَيْهِ (وَتُؤْخَذُ مِنْهُ) الزَّكَاةُ (عِنْدَ يَسَارِهِ) لِمَا مَضَى، لِزَوَالِ الْعَارِضِ (أَوْ أَخَّرَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (لِيُعْطِيَهَا لِمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ) مِنْ غَيْرِهِ (أَوْ) لِيُعْطِيَهَا لِقَرِيبٍ أَوْ جَارٍ نَقَلَهُ يَعْقُوبُ فِيمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ، وَقَيَّدَهُ جَمَاعَةٌ
بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ لِلْحَاجَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ تَرْكُ وَاجِبٍ لِمَنْدُوبٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: الْمَنْعُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدُ الْكُلُّ بِمَا إذَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَرَرُ الْحَاضِرِ (أَوْ) أَيْ وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ (لِتَعَذُّرِ إخْرَاجِهَا مِنْ النِّصَابِ لِغَيْبَةِ) الْمَالِ (وَنَحْوِهَا) كَالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ إذَنْ (وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَالِ الْمُزَكَّى فَلَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْمَالِ مِنْهُ وَجَوَازُ الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِهِ رُخْصَةٌ فَلَا يَنْقَلِبُ تَضْيِيقًا.
(وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، أَوْ) أَيْ وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا (لِغَيْبَةِ الْمُسْتَحِقِّ، أَوْ) غَيْبَةِ (الْإِمَامِ عِنْدَ خَوْفِ رُجُوعِهِ) عَلَيْهِ بِهَا لِلضَّرَرِ (وَكَذَا لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي التَّأْخِيرُ) أَيْ تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ (عِنْدَ رَبِّهَا، لِعُذْرِ قَحْطٍ وَنَحْوِهِ) كَمَجَاعَةٍ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِفِعْلِ عُمَرَ.
(فَإِنْ جَحَدَ) الْمُسْلِمُ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ (وُجُوبَهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (جَهْلًا بِهِ - وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ - كَقَرِيبِ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَوْ نُشُوئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ) بِحَيْثُ (يَخْفَى عَلَيْهِ) وُجُوبُ الزَّكَاةِ (عُرِّفَ ذَلِكَ) أَيْ وُجُوبَهَا، لِيَرْجِعَ عَنْ الْخَطَأِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ (وَنُهِيَ عَنْ الْمُعَاوَدَةِ) لِجَحْدِ وُجُوبِهَا لِزَوَالِ عُذْرِهِ (فَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى جَحْدِ الْوُجُوبِ بَعْدَ أَنْ عُرِّفَ (أَوْ كَانَ عَالِمًا بِوُجُوبِهَا كَفَرَ) إجْمَاعًا لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلَوْ أَخْرَجَهَا وَهَذَا إذَا جَحَدَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَمَّا إنْ جَحْدَهُ فِي مَالٍ خَاصٍّ وَنَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا كَمَالِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَزَكَاةِ الْعَسَلِ وَمَا عَدَا الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ وَالتَّمْرَ وَالزَّبِيبَ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَمْ يُنَبِّهْ لِذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا يَأْتِي (وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ مِنْهُ إنْ كَانَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ كُفْرِهِ، لِكَوْنِهَا لَا تَسْقُطُ بِهِ، كَالدَّيْنِ.
(وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا) كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ (فَإِنْ لَمْ يَتُبْ) بِأَنْ يُقِرَّ بِوُجُوبِهَا مَعَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ (قُتِلَ كُفْرًا وُجُوبًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ» وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ " لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ مَنَعَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (بُخْلًا بِهَا أَوْ تَهَاوُنًا أُخِذَتْ مِنْهُ) قَهْرًا، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَكَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ طَلَبَهُ بِهِ فَهُوَ كَالْخَرَاجِ بِخِلَافِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْحَجِّ، وَالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ، حَتَّى يُؤَدِّيَ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ مِنْ الْمُمْتَنِعِ (وَعَزَّرَهُ إمَامٌ عَدْلٌ فِيهَا) أَيْ فِي الزَّكَاةِ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا.
وَظَاهِرُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي غَيْرِهَا