صفحات 528-567
وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ الْآخَرِ فِي الْمُطَالَبَةِ وَالْقَبْضِ.
(وَمَا يَتْلَفُ) مِنْ الْأَعْيَانِ أَوْ الْأُجْرَةِ (بِتَعَدِّي أَحَدِهِمَا أَوْ تَفْرِيطِهِ أَوْ تَحْتَ يَدِهِ، عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ) كَمَنْعٍ أَوْ جُحُودٍ (فَهُوَ) أَيْ التَّالِفُ (عَلَيْهِ وَحْدَهُ) لِانْفِرَادِهِ بِمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ (وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمَا فِي يَدِهِ) مِنْ الْأَعْيَانِ (قُبِلَ) إقْرَارُهُ (عَلَيْهِ وَعَلَى شَرِيكِهِ) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِمَا فِيهَا، بِخِلَافِ إقْرَارِهِ بِمَا فِي يَدِ شَرِيكِهِ، أَوْ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ (وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِ شَرِيكِهِ وَلَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الضَّرْبِ.
الثَّانِي ذَكَره بِقَوْلِهِ (وَيَصِحُّ) الِاشْتِرَاكُ (فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الِاحْتِشَاشِ، وَالِاصْطِيَادِ، وَالتَّلَصُّصِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ وَاحْتِجَاجِهِ وَ (كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمُبَاحَاتِ.
(وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (أَوْ تَرَكَ الْعَمَلَ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا) عَلَى مَا شَرَطَاهُ،؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا وَبِضَمَانِهِمَا لَهُ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ فَتَكُونُ لَهُمَا وَيَكُونُ الْعَامِلُ مِنْهُمَا عَوْنًا لِصَاحِبِهِ فِي حِصَّتِهِ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَهُ، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَقْصُرَ لَهُ ثَوْبًا فَاسْتَعَانَ بِآخَرَ (فَإِنْ طَالَبَهُ) أَيْ الْمَرِيضَ (الصَّحِيحُ بِأَنْ يَعْمَلَ) مَعَهُ (أَوْ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ مِنْ يَعْمَلُ) مَعَهُ (لَزِمَهُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فَإِذَا تَعَذَّرَ عَمَلُ أَحَدِهِمَا بِنَفْسِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ، تَوْفِيَةً لِمَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ (فَإِنْ امْتَنَعَ) الْمَرِيضُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ (فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ) أَيْ فَسْخُ الشَّرِكَةِ، بَلْ لَهُ فَسْخُهَا وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ كَمَا سَبَقَ.
(فَإِنْ اشْتَرَكَا لِيَحْمِلَا عَلَى دَابَّتَيْهِمَا مَا يَتَقَبَّلَانِ حَمْلَهُ فِي الذِّمَّةِ وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا صَحَّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَقَبُّلَهُمَا الْحَمْلَ أَثْبَتَ الضَّمَانَ فِي ذِمَّتِهِمَا.
(وَلَهُمَا أَنْ يَحْمِلَاهُ عَلَى أَيِّ ظَهْرٍ كَانَ) وَالشَّرِكَةُ تَنْعَقِدُ عَلَى الضَّمَانِ كَشَرِكَةِ الْوُجُوهِ (وَإِنَّ اشْتَرَكَا فِي أُجْرَةِ عَيْنِ الدَّابَّتَيْنِ) لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) اشْتَرَكَا (فِي أُجْرَةِ أَنْفُسِهِمَا إجَارَةً خَاصَّةً لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِي اسْتَحَقَّ مَنْفَعَةَ الْبَهِيمَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا، أَوْ مَنْفَعَةَ الْمُؤَجِّرِ نَفْسِهِ وَلِهَذَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُؤَجَّرِ مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ إنْسَانٍ فَلَمْ يَتَأَتَّ ضَمَانٌ فَلَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَيْهِ.
(وَلِكُلِّ) وَاحِدٍ (مِنْهُمَا أُجْرَةُ دَابَّتِهِ، وَ) أُجْرَةُ (نَفْسِهِ) لِعَدَمِ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ (فَإِنْ أَعَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي التَّحْمِيلِ كَانَ لَهُ) عَلَيْهِ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ طَامِعًا فِي عِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
(وَإِنْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ لِأَحَدِهِمَا آلَةُ قَصَّارَةٍ وَلِلْآخَرِ بَيْتٌ فَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا) أَيْ أَنْ يَقْصُرَا مَا يَتَقَبَّلَانِ عَمَلَهُ مِنْ الثِّيَابِ
(بِآلَةِ هَذَا فِي بَيْتِ هَذَا وَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا صَحَّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ وَقَعَتْ عَلَى عَمَلِهِمَا وَالْعَمَلُ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ فِي الشَّرِكَةِ وَالْآلَةُ وَالْبَيْتُ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِمَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْعَمَلِ الْمُشْتَرَكِ فَصَارَا كَالدَّابَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَحْمِلَانِ عَلَيْهِمَا مَا يَتَقَبَّلَانِ حَمْلَهُ فِي ذِمَّتِهِمَا (فَإِنْ فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ) لِنَحْوِ جَهَالَةِ رِبْحٍ (قُسِّمَ الْحَاصِلُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ أَجْرِ عَمَلِهِمَا، وَ) عَلَى قَدْرِ (أُجْرَةِ الدَّارِ وَالدَّابَّةِ) ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ قَدْ أُخِذَ فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ الْمَنَافِعِ، فَلَزِمَ تَوْزِيعُهُ عَلَيْهِ بِالْمُحَاصَّةِ كَمَا لَوْ أَجَّرُوهَا بِأَجْرٍ وَاحِدٍ.
(وَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (آلَةٌ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ شَيْءٌ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا بَيْتٌ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ شَيْءٌ فَاتَّفَقَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ (عَلَى أَنْ يَعْمَلَا بِآلَةٍ أَوْ) عَلَى أَنْ يَعْمَلَا (فِي الْبَيْتِ وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا) أَنْصَافًا، أَوْ مُتَفَاضِلَةً (جَازَ) لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا آلَةٌ وَالْآخَرِ بَيْتٌ.
(وَإِنْ دَفَعَ) إنْسَانٌ (دَابَّةً إلَى آخَرَ لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا وَمَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ) مِنْ تَسَاوٍ أَوْ تَفَاضُلٍ (صَحَّ وَهُوَ يُشْبِهُ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا) فِي آخِرِ الْمُضَارَبَةِ.
(وَلَوْ اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ لِوَاحِدٍ دَابَّةٌ وَلِآخَرِ رَاوِيَةٌ وَلِثَالِثٍ يَعْمَلُ) بِالرَّاوِيَةِ عَلَى الدَّابَّةِ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ بَيْنَهُمْ (أَوْ اشْتَرَكَ أَرْبَعَةٌ لِوَاحِدٍ دَابَّةٌ وَلِآخَرَ رَحًى وَالثَّالِثِ دُكَّانٌ وَرَابِعٌ يَعْمَلُ) الطَّحْنَ بِالدَّابَّةِ وَالرَّحَى فِي الدُّكَّانِ، وَمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَبَيْنَهُمْ (فَفَاسِدَتَانِ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ قَبِيلِ الشَّرِكَةِ وَلَا الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِهِمَا الْعُرُوض وَلَا إجَارَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَفَسَدَتَا.
(وَلِلْعَامِلِ الْأُجْرَةُ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَأْجَرُ لِحَمْلِ الْمَاءِ وَالطَّحْنِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْعَامِلِ (لِرُفْقَتِهِ أُجْرَةُ آلَتِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهَا بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُمْ فَكَانَ لَهُمْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ الْفَاسِدَةِ (وَقِيَاسُ نَصّهِ) أَيْ الْإِمَامِ فِي الدَّابَّةِ يَدْفَعُهَا إلَى آخَرَ يَعْمَلُ عَلَيْهَا وَمَا رَزَقَهُ اللَّهُ بَيْنَهُمَا (صِحَّتُهَا) أَيْ مَسْأَلَةِ اشْتَرَاكِ الْأَرْبَعَةِ (وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) كَالشَّارِحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ.
(قَالَ الْمُنَقَّحُ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ) وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ مِنْ الْأَرْبَعَة مَا ذُكِرَ) مِنْ الدَّابَّةِ وَالرَّحَى وَالدُّكَّانِ وَالْعَامِلِ (صَحَّ) الْعَقْدُ.
(وَ) تَكُونُ (الْأُجْرَةُ) بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ (بِقَدْرِ الْقِيمَةِ) أَيْ تُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ أَجْرِ مِثْلِ الْأَعْيَانِ الْمُؤَجَّرَةِ (كَتَوْزِيعِ الْمَهْرِ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ) الرَّجُلُ (أَرْبَعًا) مِنْ النِّسَاءِ (بِمَهْرٍ وَاحِدٍ) كَمَا يَأْتِي فِي الصَّدَاقِ (وَإِنْ تَقَبَّلَ الْأَرْبَعَةُ) أَيْ صَاحِبُ الدَّابَّةِ، وَصَاحِبُ الرَّحَى، وَصَاحِبُ الدُّكَّانِ وَالْعَامِلُ
(الطَّحْنَ فِي ذِمَمِهِمْ) بِأَنْ قَالَ لَهُمْ إنْسَانٌ اسْتَأْجَرْتُكُمْ لِطَحْنِ هَذَا الْقَمْحِ بِمِائَةٍ فَقَبِلُوا (صَحَّ) الْعَقْدُ.
(وَ) تَكُونُ (الْأُجْرَةُ) بَيْنَهُمْ (أَرْبَاعًا) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُؤَجَّرٌ لِطَحْنِ رُبْعِهِ بِرُبْعِ الْأُجْرَةِ.
(وَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الْأَرْبَعَةِ (عَلَى رُفْقَتِهِ) الثَّلَاثَةِ (لِ) أَجْلِ (تَفَاوُتِ قَدْرِ الْعَمَلِ) مِنْهُمْ (بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أَجْرِ الْمِثْلِ) عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِالرُّبْعِ فَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةُ مِثْلِ الدَّابَّةِ أَرْبَعِينَ وَالرَّحَى ثَلَاثِينَ وَالدُّكَّانِ عِشْرِينَ وَعَمَلِ الْعَامِلِ عَشَرَةً فَإِنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ يَرْجِعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أُجْرَتِهَا وَهِيَ ثَلَاثُونَ مَعَ رُبْعِ أُجْرَتِهَا الَّذِي لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ وَهُوَ عَشَرَةٌ، فَيَكْمُلُ لَهُ أَرْبَعُونَ.
وَيَرْجِعُ رَبُّ الرَّحَى عَلَى الثَّلَاثَةِ بِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَنِصْفٍ مَعَ مَا لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَهُوَ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ فَيَكْمُلُ لَهُ ثَلَاثُونَ وَيَرْجِعُ رَبُّ الدُّكَّانِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ مَعَ مَا لَا يَرْجِعُ بِهِ وَهُوَ خَمْسَةٌ فَيَكْمُلُ لَهُ عِشْرُونَ وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ بِسَبْعَةٍ وَنِصْفٍ مَعَ مَا لَا يَرْجِعُ بِهِ وَهُوَ دِرْهَمَانِ وَنَصْفٌ فَيَكْمُلُ لَهُ عَشَرَةٌ وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَهِيَ الْقَدْرُ الَّذِي اُسْتُؤْجِرُوا بِهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ بِالرُّبْعِ الرَّابِعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمْ قَدْ لَزِمَهُ رُبْعُ الطَّحِينِ بِمُقْتَضَى الْإِجَارَةِ فَلَا يَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ عَلَى أَحَدٍ وَلَوْ تَوَلَّى أَحَدُهُمَا الْإِجَارَةَ لِنَفْسِهِ كَانَتْ الْأُجْرَةُ كُلُّهَا لَهُ وَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدِ مِنْ رُفْقَتِهِ أُجْرَةُ مَا كَانَ مِنْ جِهَتِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) إنْسَانٌ لِآخَرَ (أَجِّرْ عَبْدِي أَوْ) أَجِّرْ (دَابَّتِي وَأُجْرَتُهُ بَيْنَنَا) فَفَعَلَ (فَالْأُجْرَةُ كُلُّهَا لِرَبِّهِ) أَيْ الْعَبْدِ أَوْ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ نَفْعِهِ (وَلِلْآخَرِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
(وَتَصِحُّ شَرِكَةُ شُهُودٍ قَالَهُ الشَّيْخُ) وَقَالَ أَيْضًا إنْ اشْتَرَكُوا عَلَى أَنَّ مَا حَصَّلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ، بِحَيْثُ إذَا كَتَبَ أَحَدُهُمْ وَشَهِدَ شَارَكَهُ الْآخَرُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فَهِيَ شَرِكَةُ الْأَبَدَانِ، تَجُوزُ حَيْثُ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ وَأَمَّا حَيْثُ لَا تَجُوزُ فَفِيهِ وَجْهَانِ، كَشَرِكَةِ الدَّلَّالِينَ انْتَهَى قُلْتُ فَمُقْتَضَى هَذَا لَا تَصِحُّ كَمَا لَا تَصِحُّ شَرِكَةُ الدَّلَّالِينَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ (وَلِلشَّاهِدِ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ إنْ كَانَ) الْجُعْلُ (عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ وَكَذَا إنْ كَانَ الْجُعْلُ عَلَى شَهَادَتِهِ بِعَيْنِهِ انْتَهَى وَمُوجَبُ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ) فِي شَرِكَةٍ وَجَعَالَةٍ وَإِجَارَةٍ (التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ وَالْأَجْرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِوَاحِدٍ، فَيَسْتَحِقُّ الْفَضْلَ.
(وَلَوْ عَمِلَ وَاحِدٌ) مِنْهُمْ (أَكْثَرَ وَلَمْ يَتَبَرَّعْ) بِالزِّيَادَةِ (طَالَبَ بِالزِّيَادَةِ) لِيَحْصُلَ التَّسَاوِي.
(وَلَا تَصِحُّ شَرِكَةُ دَلَّالِينَ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ الْوَكَالَةِ وَالضَّمَانِ، وَلَا وَكَالَةَ هُنَا فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَوْكِيلُ أَحَدِهِمَا) لِلْآخَرِ (عَلَى بَيْعِ مَالِ الْغَيْرِ وَلَا ضَمَانَ، فَإِنَّهُ لَا دَيْنَ يَصِيرُ بِذَلِكَ فِي ذِمَّةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا تَقَبُّلِ عَمَلٍ فَهِيَ) أَيْ شَرِكَةُ الدَّلَّالِينَ (كَأَجِّرْ دَابَّتَكَ وَالْأُجْرَةُ بَيْنَنَا) فَلَا تَصِحُّ (وَهَذَا فِي الدَّلَالَةِ الَّتِي فِيهَا عَقْدٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ) الْمَذْكُورُ.
(قَالَ الشَّيْخُ فَأُمًّا مُجَرَّدُ النِّدَاءِ وَالْعَرْضِ) أَيْ: عَرْضِ الْمَتَاعِ لِلْبَيْعِ (وَإِحْضَارِ الزُّبُونِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ وَقَالَ وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ الْمَنْعُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ فِي شَرِكَةِ الْأَبَدَانِ، وَالْوُجُوهِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَنَحْوِهِمَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَنَحْوِهَا، أَيْ نَحْوِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ (مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ انْتَهَى) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيقًا وَحَرَجًا وَالِاخْتِلَافُ رَحْمَةٌ.
(وَإِنْ جَمَعَا) أَيْ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ (بَيْنَ شَرِكَةِ عَنَانٍ وَأَبْدَانٍ، وَوُجُوهٍ وَمُضَارَبَةٍ صَحَّ) ؛ لِأَنَّ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَصِحُّ مُفْرَدَةً فَصَحَّتْ مُجْتَمِعَةً قَالَ ابْنُ مُنَجَّا: وَكَمَا لَوْ ضُمَّ مَاءٌ طَهُورٌ إلَى مِثْلِهِ.
[فَصْلٌ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ]
فَصْلٌ (الْخَامِسُ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ) .
وَالْمُفَاوَضَةُ: لُغَةً الِاشْتِرَاكُ فِي كُلّ شَيْءٍ، كَالتَّفَاوُضِ (وَهِيَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُدْخِلَا فِيهَا الْأَكْسَابَ النَّادِرَةَ كَوِجْدَانِ لُقَطَةٍ أَوْ) وِجْدَانِ (رِكَازٍ أَوْ مَا يَحْصُلُ لَهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (مِنْ مِيرَاثٍ أَوْ مَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ف) هَذِهِ شَرِكَةٌ (فَاسِدَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِمِثْلِهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ فِيهِ شَيْءٌ لَا قُدْرَةَ لِلشَّرِيكِ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ وَلِأَنَّهُ تَضَمَّنَ مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ مِنْ كَفَالَةٍ وَغَيْرِهَا.
(وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (رِبْحُ مَالِهِ وَ) لَهُ (أُجْرَةُ عَمَلِهِ وَ) كَذَا (مَا يَسْتَفِيدُهُ لَهُ) وَحْدَهُ (وَيَخْتَصُّ بِضَمَانِ مَا غَضَبَهُ أَوْ جَنَاهُ، أَوْ ضَمِنَهُ عَنْ الْغَيْرِ) لِفَسَادِ الشَّرِكَةِ وَلِكُلِّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.
الْقِسْمُ (الثَّانِي) مِنْ قِسْمَيْ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ (تَفْوِيضُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ شِرَاءً وَبَيْعًا وَمُضَارَبَةً، وَتَوْكِيلًا، وَابْتِيَاعًا فِي الذِّمَّةِ، وَمُسَافَرَةً بِالْمَالِ وَارْتِهَانًا، وَضَمَانًا) أَيْ تَقَبُّلَ (مَا يَرَى مِنْ الْأَعْمَالِ) كَخِيَاطَةٍ وَحِدَادَةٍ (فَ) هِيَ (صَحِيحَةٌ) وَهِيَ الْجَمْعُ بَيْنَ عَنَانٍ وَمُضَارَبَةٍ، وَوُجُوهٍ وَأَبْدَانٍ وَتَقَدَّمَ وَجْهُ صِحَّتِهَا (وَكَذَا لَوْ اشْتَرَكَا فِي) كُلِّ (مَا يَثْبُتُ لَهُمَا أَوْ) يَثْبُتُ (عَلَيْهِمَا إنْ لَمْ يُدْخِلَا فِيهَا كَسْبًا نَادِرًا) كَمِيرَاثٍ وَوِجْدَانِ
لُقَطَةٍ (أَوْ) يُدْخِلَا فِيهَا (غَرَامَةً) مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ أَوْ مَهْرِ وَطْءٍ وَنَحْوِهَا فَإِنْ أَدْخَلَا ذَلِكَ فَهِيَ الْفَاسِدَةُ وَتَقَدَّمَتْ.
[بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُنَاصَبَةِ وَالْمُزَارَعَةِ]
جَمَعَهَا فِي بَابٍ لِاشْتِرَاكِهَا فِي الْأَحْكَامِ (الْمُسَاقَاةُ) مُفَاعَلَةٌ مِنْ السَّقْيِ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ أَمْرِهَا وَكَانَتْ النَّخْلُ بِالْحِجَازِ تُسْقَى نَضْحًا، أَيْ مِنْ الْآبَارِ، فَيَعْظُمُ أَمْرُهُ وَتَكْثُرُ مَشَقَّتُهُ وَهِيَ (دَفْعُ أَرْضٍ وَشَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ) خَرَجَ بِهِ الصَّفْصَافُ وَالْحَوَرُ، وَالْعَفْصُ، وَنَحْوُهُ، وَالْوَرْدُ وَنَحْوُهُ (لِمَنْ يَغْرِسُهُ) وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ ثَمَرَتِهِ أَوْ مِنْهُ وَهِيَ الْمُنَاصَبَةُ وَتَأْتِي (أَوْ) دَفْعُ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ (مَغْرُوسٌ مَعْلُومٌ) بِالْمُشَاهَدَةِ (لِمَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهِ وَيَقُومُ بِمَصْلَحَتِهِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ ثَمَرَتِهِ) لَا مِنْهُ وَلَا بِآصُعٍ أَوْ دَرَاهِمَ وَيَأْتِي فَعَلِمْتَ: أَنَّ الْمُسَاقَاةَ أَعَمُّ مِنْ الْمُنَاصَبَةِ.
(وَالْمُزَارَعَةُ) مُشْتَقَّةٌ مِنْ الزَّرْعِ وَتُسَمَّى مُخَابَرَةً مِنْ الْخَبَارِ بِفَتْحِ الْخَاءِ، وَهِيَ الْأَرْضُ اللَّيِّنَةُ وَمُؤَاكَرَةً، وَالْعَامِلُ فِيهَا خَبِيرٌ وَمُؤَاكِرٌ (دَفْعُ أَرْضٍ وَحَبٍّ لِمَنْ يَزْرَعُهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ، أَوْ) دَفْعُ حَبٍّ (مَزْرُوعٍ) يُنَمَّى بِالْعَمَلِ (لِمَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْمُتَحَصَّلِ) وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهَا السُّنَّةُ فَمِنْهَا مَا رَوَى ابْن عُمَرَ قَالَ «عَامَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَامَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ ثُمَّ أَهْلُوهُمْ إلَى الْيَوْمِ يُعْطُونَ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ " وَهَذَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَا شَجَرَ لَهُمْ وَيَحْتَاجُونَ إلَى الثَّمَرِ؛ وَأَهْلُ الشَّجَرِ يَحْتَاجُونَ إلَى الْعَمَلِ فَفِي تَجْوِيزِهَا دَفْعٌ لِلْحَاجَتَيْنِ، وَتَحْصِيلٌ لِمَنْفَعَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَجَازَ كَالْمُضَارَبَةِ.
(وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ عَاقِدَيْهِمَا) أَيْ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ (جَائِزَيْ التَّصَرُّفِ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَاعْتُبِرَ لَهَا ذَلِكَ كَالْبَيْعِ (فَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَخْلًا وَلَا كَرْمًا لِمَا تَقَدَّمَ لَا يُقَالُ: ابْنُ عُمَرَ قَدْ
رَجَعَ عَمَّا رَوَى، لِقَوْلِهِ " كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ» ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ حَدِيثِ رَافِعٍ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ يُعَامِلُ أَهْلَ خَيْبَرَ حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ.
فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ قَالَ " كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا تُسَمَّى لِسَيِّدِ الْأَرْض فَرُبَّمَا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الْأَرْضُ وَرُبَّمَا تُصَابُ الْأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ فَنُهِينَا فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ " وَرَوَى تَفْسِيرَهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ غَيْرِ هَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ، وَهُوَ مُضْطَرِبٌ أَيْضًا قَالَ الْإِمَامُ: رَافِعٌ يُرْوَى عَنْهُ فِي هَذَا ضُرُوبٌ كَأَنَّهُ يُرِيدُ: أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ يُوهِنُ حَدِيثَهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ، كَالصَّفْصَافِ، وَالسَّرْوِ، وَالْوَرْدِ وَنَحْوِهَا،؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ إنَّمَا تَكُونُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ وَهَذَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ.
(وَقَالَ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ (تَصِحُّ) الْمُسَاقَاةُ (عَلَى مَالَهُ وَرَقٌ يُقْصَدُ، كَتُوتٍ، أَوْ لَهُ زَهْرٌ يُقْصَدُ كَوَرْدٍ وَنَحْوِهِ) كَيَاسَمِينٍ، إجْرَاءً لِلْوَرَقِ وَالزَّهْرِ مَجْرَى الثَّمَرَةِ (وَعَلَى قِيَاسِهِ) أَيْ قِيَاسِ مَالَهُ وَرَقٌ أَوْ زَهْرٌ يُقْصَدُ (شَجَرٌ لَهُ خَشَبٌ كَحَوَرٍ وَصَفْصَافٍ) لَكِنْ صَرَّحَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فِي الصَّنَوْبَرِ وَالْحَوَرِ وَالصَّفْصَافِ وَنَحْوِهَا بِلَا خِلَافٍ، مَعَ أَنَّ خَشَبَهُ مَقْصُودٌ أَيْضًا فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَى كَلَامِهِمَا مَا صَرَّحَا بِنَفْيِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْقَصْدُ مِنْهُ إلْزَامُهُمَا الْحُجَّةَ، أَيْ هَذَا لَازِمٌ لَكُمْ مَعَ أَنَّكُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ وَقَوْلُهُ (بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ ثَمَرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ (أَوْ) مِنْ.
(وَرَقِهِ وَنَحْوِهِ) كَزَهْرِهِ عَلَى قَوْلِ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ (بِجُعْلٍ) أَيْ يُسَمَّى ذَلِكَ الْجُزْءُ (لِلْعَامِلِ) أَوْ لِرَبِّ الشَّجَرِ، فَيَكُونُ مَا عَدَاهُ لِلْعَامِلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُضَارَبَةِ.
(وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى مَا يَتَكَرَّرُ حَمَلُهُ مِنْ أُصُولِ الْبُقُولِ وَالْخَضْرَاوَاتِ كَالْقُطْنِ) الَّذِي يُؤْخَذُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى (وَ) ك (الْمَقَاثِي) مِنْ نَحْوِ بِطِّيخٍ وَقِثَّاءٍ.
(وَ) ك (الْبَاذِنْجَانِ وَنَحْوِهِ) لَمْ تَصِحَّ،؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَجَرٍ وَتَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ (أَوْ) سَاقَاهُ (عَلَى شَجَرٍ لَا ثَمَرَ لَهُ، كَالْحَوَرِ وَالصَّفْصَافِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَوَّلِ) كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَتَصِحُّ) الْمُسَاقَاةُ (بِلَفْظِ مُسَاقَاةٍ) مُسَاقَاةٍ لِأَنَّهُ لَفْظُهَا الْمَوْضُوعُ لَهَا (وَ) بِلَفْظِ (مُعَامَلَةٍ وَمُفَالَجَةٍ، وَاعْمَلْ بُسْتَانِي هَذَا حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ وَبِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهَا) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى، فَإِذَا دَلَّ عَلَيْهِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ صَحَّ كَالْبَيْعِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْوَكَالَةِ (صِفَةُ الْقَبُولِ) وَأَنَّهُ يَصِحُّ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ فَشُرُوعُهُ فِي الْعَمَلِ قَبُولٌ (وَتَصِحُّ هِيَ) أَيْ الْمُسَاقَاةُ بِلَفْظِ إجَارَةٍ (وَ) تَصِحُّ (مُزَارَعَةٌ بِلَفْظِ إجَارَةٍ) فَلَوْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَعْمَلَ لِي فِي هَذَا الْحَائِطِ بِنِصْفِ ثَمَرَتِهِ أَوْ زَرْعِهِ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى وَقَدْ وَجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ.
(وَتَصِحُّ إجَارَةُ أَرْضٍ) مَعْلُومَةٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً (بِنَقْدٍ) مَعْلُومٍ (وَ) بِ (عُرُوضٍ) مَعْلُومَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَ) تَصِحُّ إجَارَتُهَا أَيْضًا (بِجُزْءِ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ) كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ (مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا) سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا، كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، أَوْ غَيْرِهِ كَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَهُوَ إجَارَةٌ حَقِيقَةً كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا بِنَقْدٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنْ تَبِعَهُ: هِيَ مُزَارَعَةٌ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ مَجَازًا (فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا) أَيْ الْمُسْتَأْجِرُ (فِي إجَارَةٍ أَوْ مُزَارَعَةٍ) أَيْ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّهَا إجَارَةٌ أَوْ مُزَارَعَةٌ كَمَا عَبَّرَ بِهِ شَارِحُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرُهُ (نَظَرَ إلَى مُعَدَّلِ الْمَغْلِ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ إلَى الْمَغْلِ الْمُعَدَّلِ أَيْ الْمُوَازِنِ لِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا لَوْ زُرِعَتْ (فَيَجِبُ الْقِسْطُ الْمُسَمَّى فِيهِ) أَيْ فِي الْعَقْدِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ.
(وَتَصِحُّ إجَارَتُهَا) أَيْ الْأَرْضِ (بِطَعَامٍ مَعْلُومٍ مِنْ جِنْسِ الْخَارِجِ مِنْهَا) كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا لِيَزْرَعَهَا بُرًّا بِقَفِيزٍ بُرٍّ فَإِنْ قَالَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا فَسَدَتْ صَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ.
(وَ) تَصِحُّ إجَارَتُهَا أَيْضًا بِطَعَامٍ مَعْلُومٍ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) أَيْ الْخَارِجِ مِنْهَا بِأَنْ أَجَّرَهَا بِشَعِيرٍ لِمَنْ يَزْرَعُهَا بُرًّا (وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَى) شَجَرٍ لَهُ (ثَمَرَةٌ مَوْجُودَةٌ لَمْ تَكْمُلْ) تُنَمَّى بِالْعَمَلِ.
(وَ) تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ (عَلَى زَرْعٍ نَابِتٍ يُنَمَّى بِالْعَمَلِ) ؛ لِأَنَّهَا إذَا جَازَتْ فِي الْمَعْدُومِ مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ فِيهِ فَفِي الْمَوْجُودِ مَعَ قِلَّةِ الْغَرَرِ أَوْلَى (فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا نُرِيدُ بِهِ الثَّمَرَةَ) أَوْ الزَّرْعَ (كَالْجُذَاذِ وَنَحْوِهِ) كَالْحَصَادِ (لَمْ يَصِحَّ) عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ وَلَا الْمُزَارَعَةِ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ.
(وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدْيِ نَخْلٍ) أَيْ صِغَارِهِ (أَوْ) سَاقَاهُ عَلَى (صِغَارِ شَجَرٍ إلَى مُدَّةٍ يُحْمَلُ فِيهَا غَالِبًا بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ صَحَّ) الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ عَمَلَ الْعَامِلِ يَكْثُرُ وَنَصِيبُهُ يَقِلُّ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا كَمَا لَوْ جُعِلَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ.
(وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ) مُشَاعٍ (مَعْلُومٍ مِنْ الثَّمَرَةِ أَوْ مِنْ الشَّجَرِ، أَوْ مِنْهُمَا وَهِيَ الْمُغَارَسَةُ وَالْمُنَاصَبَةُ صَحَّ) الْعَقْدُ نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ خَيْبَرَ؛ وَلِأَنَّ الْعَمَلَ وَعِوَضَهُ مَعْلُومَانِ فَصَحَّتْ كَالْمُسَاقَاةِ عَلَى شَجَرٍ مَوْجُودٍ (إنْ كَانَ الْغَرْسُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ) يَعْنِي الْأَرْضَ كَالْمُزَارَعَةِ
(قَالَ الشَّيْخُ وَلَوْ كَانَ) الْمُغَارِسُ (نَاظِرَ وَقْفٍ وَ) قَالَ (إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ بَعْدَهُ بَيْعُ نَصِيبِ الْوَقْفِ) مِنْ الشَّجَرِ (بِلَا حَاجَةٍ انْتَهَى) وَمُرَادُهُ بِالْحَاجَةِ: مَا يَجُوزُ مَعَهُ بَيْعُ الْوَقْفِ وَيَأْتِي مُفَصَّلًا (فَإِنْ كَانَ الْغِرَاسُ مِنْ الْعَامِلِ فَصَاحِبُ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ قَلْعِهِ وَيَضْمَنُ لَهُ نَقْصَهُ، وَبَيْنَ تَرْكِهِ فِي أَرْضِهِ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ) أَيْ الْعَامِلِ (قِيمَتَهُ) أَيْ الْغِرَاسِ (كَالْمُشْتَرِي إذَا غَرَسَ فِي الْأَرْضِ) الَّتِي اشْتَرَاهَا (ثُمَّ أَخَذَهُ) أَيْ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ (الشَّفِيعُ) بِالشُّفْعَةِ كَمَا يَأْتِي.
(وَإِنْ اخْتَارَ الْعَامِلُ قَلْعَ شَجَرِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ بَذْلَ لَهُ) صَاحِبِ الْأَرْضِ (الْقِيمَةُ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فَلَمْ يَمْنَعْ تَحْوِيلَهُ (وَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَالْعَامِلُ (عَلَى إبْقَائِهِ) أَيْ الْغِرَاسِ فِي الْأَرْضِ (وَدَفْعِ أُجْرَةِ الْأَرْضِ جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (وَقِيلَ: يَصِحُّ كَوْنُ الْغِرَاسِ مِنْ مُسَاقٍ وَمُنَاصِبٍ قَالَ الْمُنَقَّحُ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) .
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُزَارَعَةِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْ الْمُوَفَّقُ، وَالشَّارِحُ وَابْنُ رَزِينٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ وَنَظَمَهَا قُلْتُ وَهُوَ أَقْوَى دَلِيلًا انْتَهَى.
(وَلَوْ دَفْعَ أَرْضَهُ) لِمَنْ يَغْرِسُهَا عَلَى (أَنَّ الْأَرْضَ وَالْغِرَاسَ بَيْنَهُمَا فَسَدَ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الْأَصْلِ (كَمَا لَوْ دَفْعَ إلَيْهِ الشَّجَرَ الْمَغْرُوسَ) مُسَاقَاةً (لِيَكُونَ فِي الْأَصْلِ وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، أَوْ شَرَطَا فِي الْمُزَارَعَةِ كَوْنَ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ بَيْنَهُمَا) فَلَا يَصِحَّانِ لِمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا الْمُضَارَبَةُ.
(وَلَوْ عَمِلَا فِي شَجَرٍ لَهُمَا وَهُوَ) أَيْ الشَّجَرُ (بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَشَرَطَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ (التَّفَاضُلَ فِي الثَّمَرَةِ) بِأَنْ قَالَا: عَلَى أَنَّ لَك الثُّلُثَ وَلِيَ الثُّلُثَيْنِ (صَحَّ) ؛ لِأَنَّ مَنْ شُرِطَ لَهُ الثُّلُثَانِ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى عَلَى الْعَمَلِ وَأَعْلَمُ بِهِ مِمَّنْ شُرِطَ لَهُ الثُّلُثُ (وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ: تَقْدِيرُ نَصِيبِ الْعَامِلِ بِجُزْءٍ) مُشَاعِ (مِنْ الثَّمَرَةِ، كَالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ) وَالْخُمْسِ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» (فَلَوْ جَعَلَ) رَبُّ شَجَرٍ (لِلْعَامِلِ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ) جَازَ (أَوْ) جَعْلَ رَبُّ الشَّجَرِ (الْجُزْءَ) مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ (لِنَفْسِهِ وَالْبَاقِي لِلْعَامِلِ جَازَ) مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (مَا لَمْ يَكُنْ) شَرَطَهُمَا لِرَبِّ الشَّجَرِ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ وَالْبَاقِي لِلْعَامِلِ (حِيلَةً) عَلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، فَلَا يَصِحُّ (وَيَأْتِي قَرِيبًا) مُوَضَّحًا.
(وَلَوْ جَعَلَ) رَبُّ الشَّجَرِ (لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ (آصُعًا مَعْلُومَةً) كَعَشَرَةٍ لَمْ تَصِحَّ،؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَخْرُجُ إلَّا ذَلِكَ فَيَخْتَصُّ بِهِ الْعَامِلُ (أَوْ) جَعَلَ لَهُ (دَرَاهِمَ) وَلَوْ
مَعْلُومَةً لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَخْرُجُ مِنْ النَّمَاءِ مَا يُسَاوِي تِلْكَ الدَّرَاهِمَ (أَوْ جَعَلَهَا) أَيْ الْآصُعَ الْمَعْلُومَةَ أَوْ الدَّرَاهِمَ (مَعَ الْجُزْءِ) الْمُشَاعِ (الْمَعْلُومِ) بِأَنْ سَاقَاهُ عَلَى الثُّلُثِ وَخَمْسَةِ آصُعٍ أَوْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ (فَسَدَتْ) الْمُسَاقَاةُ لِخُرُوجِهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا (وَكَذَلِكَ) تَفْسُدُ (إنْ شَرَطَ) رَبُّ الشَّجَرِ (لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ (ثَمَرَ شَجَرٍ بِعَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَحْمِلُ غَيْرَهُ أَوْ لَا يَحْمِلُ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ وَالْغَرَرُ.
(فَإِنْ جَعَلَ) رَبُّ الشَّجَرِ (لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ (ثَمَرَةَ سَنَةٍ غَيْرَ السَّنَةِ الَّتِي سَاقَاهُ عَلَيْهَا) أَيْ الثَّمَرَةِ (فِيهَا) أَيْ السَّنَةِ، بِأَنْ سَاقَاهُ عَلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرَةِ سَنَةِ خَمْسٍ لَمْ تَصِحَّ (أَوْ) جَعَلَ لَهُ (ثَمَرَةَ شَجَرٍ غَيْرِ الشَّجَرِ الَّذِي سَاقَاهُ عَلَيْهِ) بِأَنْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِي هَذَا الْبُسْتَانِ الشَّرْقِيِّ بِرُبْعِ ثَمَرِ الْغَرْبِيِّ لَمْ تَصِحَّ (أَوْ) شَرَطَ عَلَيْهِ (عَمَلًا فِي غَيْرِ الشَّجَرِ الَّذِي سَاقَاهُ عَلَيْهِ) بِأَنْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ بِنِصْفِ ثَمَرِهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ فِي بُسْتَانٍ آخَرَ (أَوْ) شَرَطَ عَلَيْهِ (عَمَلًا فِي غَيْرِ السَّنَةِ) بِأَنْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِي هَذَا الْبُسْتَانِ سَنَةً بِنِصْفِ ثَمَرِهِ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ فِيهِ السَّنَة الْآتِيَةَ (فَسَدَ الْعَقْدُ) ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يُخَالِفُ مَوْضُوعَ الْمُسَاقَاةِ إذْ مَوْضُوعُهَا أَنَّهُ الْعَمَلُ فِي شَجَرٍ مُعِينِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْ ثَمَرَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِيهِ الْعَمَلَ (سَوَاءٌ جَعَلَ ذَلِكَ) الثَّمَرَ (كُلَّهُ حَقَّهُ) أَيْ الْعَامِلِ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ (أَوْ) جَعَلَهُ (بَعْضَهُ) بِأَنْ سُمِّيَ لَهُ النِّصْفَ أَوْ نَحْوَهُ (أَوْ) شَرَطَ (جَمِيعَ الْعَمَلِ) عَلَى الْعَامِلِ (أَوْ بَعْضَهُ) بِأَنْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ نِصْفَ السَّنَةِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
(وَإِذَا كَانَ فِي الْبُسْتَانِ شَجَرٌ مِنْ أَجْنَاسٍ، كَتِينٍ وَزَيْتُونٍ وَكَرْمٍ فَشَرَطَ) رَبُّ الْبُسْتَانِ (لِلْعَامِلِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ) مِنْ الشَّجَرِ (قَدْرًا) مَعْلُومًا (كَنِصْفِ ثَمَرِ التِّينِ وَثُلُثِ) ثَمَرِ (الزَّيْتُونِ وَرُبْعِ) ثَمَرِ (الْكَرْمِ) صَحَّ (أَوْ كَانَ فِيهِ) أَيْ الْبُسْتَانِ (أَنْوَاعٌ مِنْ جِنْسٍ فَشَرَطَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ قَدْرًا) مَعْلُومًا كَنِصْفِ الْبَرْنِيِّ، وَثُلُثِ الصَّيْحَانِيِّ، وَرُبْعِ الْإِبْرَاهِيمِيِّ.
(وَهُمَا) أَيْ رَبُّ الْبُسْتَانِ وَالْعَامِلُ (يَعْرِفَانِ قَدْرَ كُلِّ نَوْعٍ صَحَّ) الْعَقْدُ عَلَى مَا شَرَطَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ ثَلَاثَةِ بَسَاتِينَ، سَاقَاهُ عَلَى كُلِّ بُسْتَانٍ بِقَدْرٍ مُخَالِفٍ لِلْقَدْرِ الْمَشْرُوطِ مِنْ الْآخَرِ وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ وَاحِدٍ نِصْفُهُ هَذَا بِالثُّلُثِ وَنِصْفُهُ هَذَا بِالرُّبْعِ، وَهُمَا مُتَمَيِّزَانِ صَحَّ؛ لِأَنَّهُمَا كَبُسْتَانَيْنِ (وَإِنْ كَانَ الْبُسْتَانُ لِاثْنَيْنِ فَسَاقَيَا عَامِلًا وَاحِدًا، عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا وَثُلُثَ نَصِيبِ الْآخَرِ وَالْعَامِلُ عَالِمٌ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) مِنْ الْبُسْتَانِ (صَحَّ) الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ بُسْتَانَيْنِ سَاقَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى وَاحِدٍ بِجُزْءٍ مُخَالِفٍ لِلْآخَرِ.
(وَكَذَا إنْ جَهِلَ) الْعَامِلُ (مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) مِنْ الْبُسْتَانِ (إذَا شَرَطَا قَدْرًا وَاحِدًا) كَأَنْ يَقُولَا اعْمَلْ فِي هَذَا الْبُسْتَانِ بِالثُّلُثِ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ نَصِيبِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَالِغًا مَا بَلَغَ (كَمَا لَوْ قَالَا: بِعْنَاكَ دَارَنَا هَذِهِ بِأَلْفٍ وَلَمْ يَعْلَمْ) الْمُشْتَرِي (نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى الدَّارَ كُلَّهَا مِنْهُمَا وَهُمَا يَقْتَسِمَانِ الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا.
(وَلَوْ سَاقَى وَاحِدٌ) عَلَى بُسْتَانٍ لَهُ (اثْنَيْنِ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا فِي النَّصِيبِ) بِأَنْ جَعَلَ لِأَحَدِهِمَا السُّدُسَ وَلِلثَّانِي الثُّلُثَ صَحَّ (أَوْ سَاقَاهُ) أَيْ سَاقَى وَاحِدًا (عَلَى بُسْتَانِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى أَنَّ لَهُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى النِّصْفَ، وَفِي) السَّنَةِ (الثَّانِيَةِ الثُّلُثَ، وَفِي) السَّنَةِ (الثَّالِثَةِ الرُّبْعَ صَحَّ) ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الَّذِي لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَعْلُومٌ فَصَحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَ لَهُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ قَدْرًا.
(وَلَا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ إلَّا عَلَى شَجَرٍ مَعْلُومٍ) لِلْمَالِكِ وَالْعَامِلِ (بِالرُّؤْيَةِ أَوْ الصِّفَةِ الَّتِي لَا يَخْتَلِفُ) الشَّجَرُ (مَعَهَا كَالْبَيْعِ) هَكَذَا فِي الْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا وَالْمُرَادُ كَمَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالْوَصْفِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ خَاصٌّ بِمَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (فَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، أَوْ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْحَائِطَيْنِ لَمْ تَصِحَّ) الْمُسَاقَاةُ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ فَلَمْ تَجُزْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْبَيْعِ.
(وَتَصِحُّ) الْمُسَاقَاةُ (عَلَى الْبَعْلِ) الَّذِي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ (كَالسَّقْيِ) الَّذِي يَحْتَاجُ لِسَقْيٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي ذَلِكَ، كَدُعَائِهَا إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي غَيْرِهِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُزَارَعَةِ.
[فَصْلٌ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ عَقْدَانِ جَائِزَانِ]
فَصْلٌ (وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ عَقْدَانِ جَائِزَانِ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ.
لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ فَقَالَ رَسُولٌ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا» وَلَوْ كَانَ لَازِمًا لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ تَوْقِيتِ مُدَّةٍ، وَلَا أَنْ يَجْعَلَ الْخِيَرَةَ إلَيْهِ فِي مُدَّةِ إقْرَارِهِمْ؛ وَلِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى جُزْءٍ مِنْ نَمَاءِ الْمَالِ فَكَانَتْ جَائِزَةً كَالْمُضَارَبَةِ (يَبْطُلَانِ بِمَا تَبْطُلُ بِهِ الْوَكَالَةُ) مِنْ مَوْتٍ وَجُنُونٍ، وَحَجْرٍ لِسَفَهٍ، وَعَزْلٍ (وَلَا يَفْتَقِرَانِ إلَى الْقَبُولِ لَفْظًا) بَلْ يَكْفِي الشُّرُوعُ فِي الْعَمَلِ قَبُولًا كَالْوَكِيلِ.
(وَلَا) يَفْتَقِرَانِ (إلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ يَحْصُلُ الْكَمَالُ فِيهَا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَضْرِبْ لِأَهْلِ خَيْبَرَ مُدَّةً وَلَا خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ (وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا) أَيْ الْمُسَاقَاةِ
أَوْ الْمُزَارَعَةِ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهُ شَأْنُ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ (فَإِنْ فُسِخَتْ) الْمُسَاقَاةُ (بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فَهِيَ) أَيْ الثَّمَرَةُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمَالِكِ وَالْعَامِلِ (عَلَى مَا شَرَطَاهُ) عِنْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ عَلَى مِلْكِهِمَا وَكَالْمُضَارَبَةِ.
(وَيَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ) مِنْ الثَّمَرَةِ (بِالظُّهُورِ) كَالْمَالِكِ، وَكَالْمُضَارِبِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْعَامِلَ (تَمَامُ الْعَمَلِ فِي الْمُسَاقَاةِ كَمَا يَلْزَمُ الْمُضَارِبَ بَيْعُ الْعُرُوضِ، إذَا فُسِخَتْ الْمُضَارَبَةُ) قَالَ الْمُنَقِّحُ (فَيُؤْخَذُ مِنْهُ دَوَامُ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ فِي الْمُنَاصَبَةِ وَلَوْ فُسِخَتْ) الْمُنَاصَبَةُ (إلَى أَنْ تَبِيدَ) الشَّجَرُ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا الْمُنَاصَبَةُ وَالْوَاقِعُ كَذَلِكَ.
(فَإِنْ مَاتَ) الْعَامِلُ، فِي الْمُسَاقَاةِ أَوْ الْمُنَاصَبَةِ (قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْمِلْكِ وَالْعَمَلِ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمَوْرُوثِ وَعَلَيْهِ فَكَانَ لِوَارِثِهِ فَإِنْ أَبَى الْوَارِثُ أَنْ يَأْخُذَ وَيَعْمَلَ لَمْ يُجْبَرْ وَيَسْتَأْجِرُ الْحَاكِمُ مِنْ التَّرِكَةِ مَنْ يَعْمَلُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَكَهُ أَوْ تَعَذَّرَ الِاسْتِئْجَارُ مِنْهَا بِيعَ مِنْ نَصِيبَ الْعَامِلِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَكْمِيلِ الْعَمَلِ، وَاسْتُؤْجِرَ مَنْ يَعْمَلُهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي.
(وَإِنْ بَاعَهُ) أَيْ نَصِيبَ الْعَامِلِ هُوَ أَوْ وَارِثِهِ (لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) بِالْعَمَلِ (جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ مَنْ حَيْثُ الْعَمَلُ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ عَلَيْهِ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ ثَمَرًا لَمْ يَصِحَّ إلَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَوْ لِمَالِكِ الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ نَصِيبَ الْمَنَاصِبِ مِنْ الشَّجَرِ صَحَّ مُطْلَقًا (وَصَحَّ شَرْطُهُ) أَيْ الْعَمَلِ مَنْ الْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي (كَالْمُكَاتَبِ إذَا بِيعَ عَلَى كِتَابِهِ وَلِلْمُشْتَرِي الْمِلْكُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْبَائِعِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمُشْتَرِي بِمَا لَزِمَ الْبَائِعَ مَنْ الْعَمَلِ (فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ) كَامِلًا.
(وَبَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَأَخْذِ الْأَرْشِ، كَمَنْ اشْتَرَى مُكَاتَبًا لَمْ يَعْلَم أَنَّهُ مُكَاتَبٌ) .
(وَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ أَوْ هَرَبَ قَبْلَ ظُهُورِهَا) أَيْ الثَّمَرَةِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فَصَارَ كَعَامِلِ الْمُضَارَبَةِ إذَا فَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، وَعَامِلِ الْجَعَالَةِ إذَا فَسَخَ قَبْلَ تَمَامِ عَمَلِهِ.
(وَإِنْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ) الْمُسَاقَاةَ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، وَبَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِلِ فِي الْعَمَلِ (فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ) مِثْلِ (عَمَلِهِ) بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الْمَالِ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الْعَمَلِ وَلَمْ يَحْصُلْ لِعَمَلِهِ رِبْحٌ وَالثَّمَرُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ عَيْنِ الشَّجَرِ وَقَدْ عَمِلَ عَلَى الشَّجَرِ عَمَلًا مُؤَثِّرًا فِي الثَّمَرِ فَكَانَ لِعَمَلِهِ تَأْثِيرٌ فِي حُصُولِ الثَّمَرِ، وَظُهُورِهِ بَعْد الْفَسْخِ ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَوَاعِدِ.
(وَيَصِحُّ تَوْقِيتُهَا) أَيْ الْمُسَاقَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَقْدِيرِ مُدَّتِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ تَوْقِيتُهَا،؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ كَالْوَكَالَةِ.
(وَإِنْ سَاقَاهُ إلَى مُدَّةٍ تَكْمُلُ فِيهَا الثَّمَرَةُ غَالِبًا فَلَمْ تَحْمِلْ) الثَّمَرَةُ (تِلْكَ السَّنَةَ، فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ) ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى
ذَلِكَ وَكَالْمُضَارَبَةِ.
(وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ وَهِيَ) أَيْ الْمُسَاقَاةُ (عَلَى عَيْنِهِ) أَيْ ذَاتِهِ (أَوْ جُنَّ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ انْفَسَخَتْ) الْمُسَاقَاةُ (كَ) مَا لَوْ مَاتَ (رَبُّ الْمَالِ) أَوْ جُنَّ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ (وَكَمَا لَوْ فَسَخَ) الْمُسَاقَاةَ (أَحَدُهُمَا) ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَلَوْ حَذَفَ قَوْلَهُ " وَهِيَ عَلَى عَيْنِهِ كَالْمُقْنِعِ وَالْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهَا، لَأَصَابَ.
(وَإِنْ ظَهَرَ الشَّجَرُ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ الْعَمَلِ أَخَذَهُ) أَيْ الشَّجَرَ (رَبُّهُ، وَ) أَخَذَ (ثَمَرَتَهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ (وَلَا حَقَّ لِلْعَامِلِ فِي ثَمَرَتِهِ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) عَلَى رَبِّ الشَّجَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْعَمَلِ (وَلَهُ) أَيْ الْعَامِلِ (عَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَاسْتَعْمَلَهُ كَمَا لَوْ غَصَبَ نُقْرَةً وَاسْتَأْجَرَ مَنْ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ.
(وَإِنْ شَمَّسَ) الْعَامِلُ (الثَّمَرَةَ فَلَمْ تَنْقُصْ) (قِيمَتُهَا بِذَلِكَ أَخَذَهَا رَبُّهَا) أَيْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ (وَإِنْ نَقَصَتْ) الثَّمَرَةُ بِذَلِكَ (فَلَهُ) أَخْذُهَا.
(وَأَرْشُ نَقْصِهَا وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) أَيْ الْغَاصِبِ وَالْعَامِلِ وَ (يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ يَدٍ لِلْعَامِلِ (وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ) الثَّمَرَةُ (بَعْدَ أَنْ اقْتَسَمَاهَا وَأَكَلَاهَا) أَيْ الْغَاصِبُ وَالْعَامِلُ (فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ فَلَهُ تَضْمِينُهُ الْكُلَّ، وَلَهُ تَضْمِينُهُ قَدْرَ نَصِيبِهِ) .
؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ سَبَبُ يَدِ الْعَامِلِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُ الْجَمِيعِ (وَ) لَهُ (تَضْمِينُ الْعَامِلِ قَدْرَ نَصِيبِهِ) لِتَلِفِهِ تَحْتَ يَدِهِ (فَإِنْ ضَمَّنَ) الْمَالِكُ (الْغَاصِبَ الْكُلَّ رَجَعَ عَلَى الْعَامِلِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ) ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ وُجِدَ فِي يَدِهِ فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
(وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ عَلَى الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَإِنْ ضَمَّنَ الْعَامِلَ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُضَمِّنَهُ إلَّا نَصِيبَهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ مَا قَبَضَ الثَّمَرَةَ كُلَّهَا، بَلْ كَانَ مُرَاعِيًا لَهَا وَحَافِظًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْكُلَّ؛ لِأَنَّ يَدَهُ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنْ ضَمَّنَهُ الْكُلَّ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِبَدَلِ نَصِيبِهِ مِنْهَا وَأَجْرِ مِثْلِهِ وَإِنْ ضَمِنَ كُلَّ مَا صَارَ إلَيْهِ رَجَعَ الْعَامِلُ عَلَى الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لَا غَيْرُ.
وَإِنْ تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ فِي شَجَرِهَا أَوْ بَعْدَ الْجُذَاذِ قَبْلَ قِسْمَةٍ فَمَنْ جَعَلَ الْعَامِلَ قَابِضًا لَهَا بِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى حَائِطِهَا قَالَ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا وَمَنْ قَالَ لَا يَكُونُ قَابِضًا إلَّا بِأَخْذِ نَصِيبِهِ مِنْهَا قَالَ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ وَيَكُونُ عَلَى الْغَاصِبِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي، وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى.
[فَصْلٌ يَلْزَمُ الْعَامِلَ مَا فِيهِ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ]
(فَصْلٌ وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ) فِي مُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ (مَا فِيهِ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ وَرِيَادَتُهُمَا مِنْ السَّقْيِ) .
بِمَاءٍ حَاصِلٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَفْرِ بِئْرٍ وَلَا إلَى إدَارَةِ دُولَابٍ وَقَوْلُهُ (وَالِاسْتِقَاءِ) أَيْ إخْرَاجِ الْمَاءِ مِنْ بِئْرٍ أَوْ نَحْوِهَا بِإِدَارَةِ الدُّولَابِ لِذَلِكَ، لَا حَفْرِ الْبِئْرِ أَوْ تَحْصِيلِ الْمَاءِ بِنَحْوِ شِرَاءٍ فَإِنَّهُ عَلَى الْمَالِكِ كَمَا يَأْتِي.
(وَالْحَرْثِ وَآلَتِهِ وَبَقَرِهِ وَالزِّبَالِ) بِكَسْرِ الزَّايِ: تَخْفِيفِ الْكَرْمِ مِنْ الْأَغْصَانِ وَكَأَنَّهُ مُوَلَّدٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَقَطْعُ مَا يَحْتَاجُ إلَى قَطْعِهِ) مِنْ نَحْوِ جَرِيدِ النَّخْلِ (وَتَسْوِيَةِ الثَّمَرَةِ وَإِصْلَاحِ الْحُفَرِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَاءُ عَلَى أُصُولِ النَّخْلِ وَإِدَارَةِ الدُّولَابِ، وَالتَّلْقِيحِ وَالتَّشْمِيسِ، وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ وَ) إصْلَاحِ.
(مَوْضِعِ التَّشْمِيسِ، وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ) بِالشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ (مِنْ شَوْكٍ وَغَيْرِهِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ الْيَابِسِ، وَآلَةُ ذَلِكَ كَالْفَأْسِ وَنَحْوِهِ) كَالْمِنْجَلِ (وَتَفْرِيقِ الزِّبْلِ) وَالسِّبَاخِ.
(وَنَقْلِ الثَّمَرِ وَنَحْوِهِ إلَى جَرِينٍ وَتَجْفِيفِهِ وَحِفْظِهِ) أَيْ الثَّمَرِ (فِي الشَّجَرَةِ وَفِي الْجَرِينِ إلَى قَسْمِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِيهِ صَلَاحُ الزَّرْعِ وَزِيَادَتُهُمَا فَهُوَ لَازِمٌ لِلْعَامِلِ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ (وَكَذَا الْجُذَاذُ إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ) وَصَحَّ شَرْطُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ فَصَحَّ كَتَأْجِيلِ الثَّمَنِ، وَشَرْطِ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي الْبَيْعِ.
(وَأَلَّا) يَشْتَرِطَهُ الْعَامِلُ (فَ) هُوَ (عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ حِصَّتَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَكَامُلِ الثَّمَرَةِ وَانْقِضَاءِ الْمُعَامَلَةِ فَكَانَ عَلَيْهِمَا، كَنَقْلِ الثَّمَرَةِ إلَى الْمَنْزِلِ وَهَكَذَا عَلَّلُوهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ نَقْلَ الثَّمَرَةِ إلَى الْجَرِينِ وَالتَّشْمِيسَ وَالْحِفْظَ وَنَحْوَهُ، تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَى الْعَامِلِ مَعَ أَنَّهُ بَعْدَ الْجُذَاذِ.
(فَإِنْ شَرَطَ الْعَامِلُ أَنَّ أَجْرَ الْأُجَرَاءِ الَّذِينَ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ) يُؤْخَذُ مِنْ ثَمَنِ (الثَّمَرَةِ، وَقَدَّرَ) الْعَامِلُ (الْأُجْرَةَ أَوْ لَمْ يُقَدِّرْهَا لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ (كَمَا لَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ أَجْرَ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ عَلَيْهِ) فَلَا يَصِحُّ شَرْطُ أَخْذِ عِوَضِهِ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى رَبِّ الْمَالِ مَا فِيهِ حِفْظُ الْأَصْلِ مِنْ شَدِّ الْحِيطَانِ وَمِثْلِهِ) أَيْ مِثْلِ مَا يَحْفَظُ الْأَصْلَ كَتَحْصِيلِ (السِّبَاخِ قَالَهُ الشَّيْخُ وَإِجْرَاءِ الْأَنْهَارِ، وَحَفَرِ الْبِئْر وَالدُّولَابِ وَمَا يُدِيرُهُ) أَيْ الدُّولَابَ (مِنْ آلَةٍ وَدَابَّةٍ وَشِرَاءِ الْمَاءِ، وَ) شِرَاءِ (مَا يُلَقِّحُ بِهِ وَتَحْصِيلِ الزِّبْلِ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ وَالْأَوْلَى أَنَّ الْبَقَرَ الَّتِي تُدِيرُ الدُّولَابَ عَلَى الْعَامِلِ، كَبَقَرِ الْحَرْثِ) .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ أَبِي مُوسَى (فَإِنْ شَرَطَ) فِي مُسَاقَاةٍ أَوْ مُزَارَعَةٍ (عَلَى أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمَالِكِ أَوْ الْعَامِلِ (مَا يَلْزَمُ الْآخَرَ وَبَعْضَهُ
فَسَدَ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَأَفْسَدَهُ، كَالْمُضَارَبَةِ إذَا شُرِطَ الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
(وَحُكْمُ الْعَامِلِ) فِي مُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ (حُكْمُ الْمُضَارِبِ فِيمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَ) فِي (مَا يُرَدُّ) قَوْلُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ ائْتَمَنَهُ بِدَفْعِ مَالِهِ (فَإِنْ اتَّهَمَ) رَبُّ الْمَالِ الْعَامِلَ بِخِيَانَةٍ (حَلَفَ) الْعَامِلُ، لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْمُدَّعِي (وَإِنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ) قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولِهِ (ضُمَّ إلَيْهِ مَنْ يُشَارِكُهُ كَالْوَصِيِّ إذَا ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ) تَحْصِيلًا لِلْغَرَضَيْنِ.
(فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ) أَيْ الْمَالِ مِنْ الْعَامِلِ (اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ وَيَقُومُ مَقَامَهُ وَيُزِيلُ يَدَهُ) لِخِيَانَتِهِ (فَإِنْ عَجَزَ) الْعَامِلُ (عَنْ الْعَمَلِ لِضَعْفِهِ مَعَ أَمَانَتِهِ ضُمَّ إلَيْهِ قَوِيٌّ) أَمِينٌ (وَلَا تُنْزَعُ يَدُهُ) ؛ لِأَنَّ الْعَمَل مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَلَا ضَرَرَ فِي بَقَاءِ يَدِهِ (فَإِنْ عَجَزَ) الْعَامِلُ (بِالْكُلِّيَّةِ أَقَامَ) الْعَامِلُ (مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُ، وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ) ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَوْفِيَةَ الْعَمَلِ، وَهَذَا مِنْ تَوْفِيَتِهِ.
(وَإِذَا ظَهَرَتْ الثَّمَرَةُ ثُمَّ تَلِفَتْ إلَّا وَاحِدَةً فَهِيَ بَيْنَهُمَا) عَلَى مَا شَرَطَا كَالْكُلِّ (وَيَلْزَمُ مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مِنْهُمَا نِصَابًا زَكَاةٌ) ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالظُّهُورِ، كَرَبِّ الْمَالِ.
(وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَرْضٍ خَرَاجِيَّةً فَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى رَقَبَةِ الْأَرْضِ سَوَاءٌ أَثْمَرَتْ الشَّجَرُ أَوْ لَمْ تُثْمِرْ، زَرَعَ الْأَرْض أَوْ لَمْ يَزْرَعْهَا.
(وَإِذَا سَاقَى) رَبُّ الْمَالِ (رَجُلًا أَوْ زَارَعَهُ فَعَامَلَ الْعَامِلُ غَيْرَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ الشَّجَرِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ لَمْ يَجُزْ) كَالْمُضَارِبِ لَا يُضَارِبُ بِالْمَالِ (فَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَلَهُ أَنْ يُزَارِعَ فِيهَا) ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهُ فَمَلَكَ الْمُزَارَعَةَ فِيهِ كَالْمَالِكِ.
(وَالْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمُزَارِعِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَرَاجِ (وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِمَنْ فِي يَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ أَنْ يُزَارِعَ فِيهَا وَالْخَرَاجُ عَلَيْهِ دُونَ الْمُزَارِعُ) كَمَا مَرَّ فِي الْمُسَاقَاةِ.
(وَلِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُزَارِعَ فِي الْوَقْفِ وَيُسَاقِيَ عَلَى شَجَرِهِ) كَالْمَالِكِ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً.
(وَيُتَّبَعُ فِي الْكُلَفِ السُّلْطَانِيَّةِ) أَيْ الَّتِي يَطْلُبُهَا السُّلْطَانُ (الْعُرْفُ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ) فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ فَمَا عُرِفَ أَخْذُهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ كَانَ عَلَيْهِ وَمَا عُرِفَ أَخْذُهُ مِنْ الْعَامِلِ كَانَ عَلَيْهِ (وَمَا طُلِبَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ كُلَفٍ سُلْطَانِيَّةٍ وَنَحْوِهَا فَعَلَى قَدْرِ الْأَمْوَالِ فَإِنْ وُضِعَ عَلَى الزَّرْعِ فَعَلَى رَبِّهِ أَوْ) وُضِعَ (عَلَى الْعَقَارِ فَعَلَى رَبِّهِ، مَا لَمْ يَشْرِطْ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ، وَإِنْ وُضِعَ مُطْلَقًا فَالْعَادَةُ) قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ: وَلِمَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمَالِ أَنْ يَصْرِفَ فِيمَا يَخُصُّهُ مِنْ الْكُلَفِ، كَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ قَالَ وَمَنْ لَمْ يَخْلُصْ مَالُ غَيْرِهِ مِنْ التَّلَفِ إلَّا بِمَا أَدَّى عَنْهُ رَجَعَ بِهِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
(وَيُعْتَبَرُ) فِي مُزَارَعَةٍ (مَعْرِفَةُ
جِنْسِ الْبَذْرِ وَلَوْ تَعَدَّدَ) الْبَذْرُ.
(وَ) مَعْرِفَةُ (قَدْرِهِ) أَيْ الْبَذْرِ كَالشَّجَرِ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَلِأَنَّهَا مُعَاقَدَةٌ عَلَى عَمَلٍ فَلَمْ تَجُزْ عَلَى غَيْرِ مَعْلُومِ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ كَالْإِجَارَةِ (فِي الْمُغْنِي: أَوْ تَقْدِيرِ الْمَكَانِ) وَتَعْيِينِهِ أَوْ بِمِسَاحَتِهِ.
(وَإِنْ شَرَطَ) رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ (إنْ سَقَى سَيْحًا أَوْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَالرُّبْعُ، وَ) إنْ سَقَى (بِكُلْفَةٍ، أَوْ) زَرَعَ (حِنْطَةً النِّصْفُ) لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ (أَوْ) قَالَ رَبُّ الْمَالِ (لَكَ نِصْفُ هَذَا النَّوْعِ، وَرُبْعُ الْآخَرِ وَيَجْهَلُ الْعَامِلُ قَدْرَهُمَا) أَيْ النَّوْعَيْنِ لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ (أَوْ) قَالَ (لَكَ الْخُمُسَانِ إنْ لَزِمَتْكَ خَسَارَةٌ وَإِلَّا الرُّبْعُ) لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ (أَوْ قَالَ) رَبُّ الْمَالِ (مَا زَرَعْتَ مِنْ شَعِيرٍ فَلِي رُبْعُهُ، وَمَا زَرَعْتَ مِنْ حِنْطَةٍ فَلِي نِصْفُهُ) وَلَمْ يُبَيِّنْ الْبَذْرَ، لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ (أَوْ) قَالَ (سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذَا الْبُسْتَانِ بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ أُسَاقِيَكَ عَلَى الْآخَرِ بِالرُّبْعِ لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ كَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
(وَإِنْ قَالَ مَا زَرَعْتَ مِنْ شَيْءٍ فَلِي نِصْفُهُ صَحَّ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ.
(وَإِنْ سَاقَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شَرِيكَهُ وَجَعَلَ لَهُ مِنْ الثَّمَرِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِثْلُ، أَنْ يَكُونُ الْأَصْلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَجَعَلَ لَهُ ثُلُثَيْ الثَّمَرَةِ صَحَّ وَكَانَ السُّدُسُ حِصَّتَهُ مِنْ الْمُسَاقَاةِ) كَمَا لَوْ سَاقَى أَجْنَبِيًّا بِذَلِكَ.
(وَإِنْ جَعَلَ الثَّمَرَةَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ جَعَلَ لِلْعَامِلِ الثُّلُثَ فَسَدَتْ) الْمُسَاقَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لِلْعَامِلِ شَيْءٌ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ (وَيَكُونُ الثَّمَرُ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ) نِصْفَيْنِ وَشَرْطُ الثُّلُثِ لِلْعَامِلِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَامِلِ يَأْخُذُ مِنْ نَصِيبِ الْعَامِلِ جُزْءًا وَيَسْتَعْمِلُهُ بِلَا عِوَضٍ فَلَا يَصِحُّ (وَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ شَيْئًا) فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ (؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ) بِهِ وَإِنْ شَرَطَ لِلْعَامِلِ كُلَّ الثَّمَرَةِ فَسَدَتْ أَيْضًا وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
[فَصْلٌ فِي الْمُزَارَعَةِ]
ِ وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا أَوَّلَ الْبَابِ (تَجُوزُ) الْمُزَارَعَةُ (بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ لِلْعَامِلِ مِنْ الزَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ) لِقِصَّةِ خَيْبَرَ (فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ شَجَرٌ فَزَارَعَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ) الَّذِي بِهَا (صَحَّ) سَوَاءٌ قَلَّ بَيَاضُ الْأَرْضِ أَوْ كَثُرَ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ «دَفَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ عَلَى هَذَا» وَ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ يَجُوزُ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ.
(وَإِنْ أَجَّرَهُ الْأَرْضَ وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ) الَّذِي بِهَا (صَحَّ، كَجَمْعٍ
بَيْنَ إجَارَةٍ وَبَيْعٍ) مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً (وَإِنْ كَانَ حِيلَةً عَلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ وُجُودِهَا، أَوْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، بِأَنْ أَجَّرَهُ الْأَرْضَ بِأَكْثَرِ مِنْ أُجْرَتِهَا وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ بِجُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ وَنَحْوِهِ حَرُمَ) ذَلِكَ.
(وَلَمْ يَصِحَّ) كُلٌّ مِنْ الْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ قَالَ الْمُنَقِّحُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُ عَقْدِ الْحِيلَةِ مُطْلَقًا وَمُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُنْتَهَى: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْإِجَارَةِ وَيَبْطُلُ فِي الْمُسَاقَاةِ.
(وَسَوَاءٌ جَمَعَا بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ) أَيْ الْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ (أَوْ عَقْدًا وَاحِدًا بَعْدَ الْآخَرِ فَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ الْعِوَضِ الْمُسْتَحَقِّ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْ الشَّجَرِ، سَوَاءٌ قِيلَ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ أَوْ فَسَادِهِ، وَسَوَاءٌ قَطَعَهُ الْمَالِكُ أَوْ غَيْرُهُ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قُلْتُ: مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجْرَةِ الْأَرْضِ شَيْءٌ إذَا قُلْنَا بِصِحَّتِهَا؛؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا وَلَمْ يَفُتْ مِنْهَا شَيْءٌ وَأَمَّا إذَا فَسَدَتْ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْأَرْضِ وَيَرُدُّ الثَّمَرَةَ وَمَا أَخَذَهُ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ، وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَتَصِحُّ إجَارَةُ الْأَرْضِ وَشَجَرٌ فِيهَا لِحَمْلِهَا) أَيْ حَمْلِ الشَّجَرِ وَهُوَ ثَمَرُهَا وَوَرَقُهَا وَنَحْوُهُ وَحَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ إجْمَاعًا وَجَوَّزَهُ ابْنُ عَقِيلٍ تَبَعًا لِلْأَرْضِ وَلَوْ كَانَ الشَّجَرُ أَكْثَرَ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ (وَتَصِحُّ إجَارَتُهَا) أَيْ الشَّجَرَةِ (لِنَشْرِ الثِّيَابِ عَلَيْهَا وَنَحْوِهِ) كَاسْتِظْلَالٍ بِهَا؛؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ.
(وَيُشْتَرَطُ) لِلْمُزَارَعَةِ (كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَلَوْ أَنَّهُ الْعَامِلُ، وَيُقَرُّ الْعَمَلُ مِنْ الْآخَرِ) ؛؛ لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي نَمَائِهِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ أَحَدِهِمَا كَالْمُضَارَبَةِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْمُزَارَعَةُ (إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ، أَوْ) كَانَ الْبَذْرُ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ (أَوْ) كَانَ الْبَذْرُ (مِنْ أَحَدِهِمَا، وَالْأَرْضُ لَهُمَا) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) الْبَذْرُ مِنْ وَاحِدٍ (وَالْأَرْضُ وَالْعَمَلُ مِنْ الْآخَرِ، أَوْ) الْأَرْضُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلُ مِنْ آخَرَ، وَ (الْبَذْرُ مِنْ ثَالِثٍ، أَوْ) الْأَرْضُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلُ مِنْ آخَرَ وَالْبَذْرُ مِنْ ثَالِثٍ، وَ (الْبَقَرُ مِنْ رَابِعٍ) فَلَا تَصِحُّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ؛؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ لَيْسَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ.
(وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ وَالشَّارِحُ وَابْنُ رَزِينٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ يُوسُفُ الْجَوْزِيُّ وَالشَّيْخُ وَابْنُ الْقَيِّمِ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ) قَالَهُ فِي الْمُغْنِي قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ أَقْوَى دَلِيلًا (وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ) ؛؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَةِ قَضِيَّةُ خَيْبَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْبَذْرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
(وَإِنْ قَالَ) رَبُّ أَرْضٍ لِعَامِلٍ (آجَرْتُك نِصْفَ أَرْضِي بِنِصْفِ الْبَذْرِ
وَنِصْفِ مَنْفَعَتِكَ وَمَنْفَعَةِ بَقَرِك وَآلَتِكَ، وَأَخْرَجَ الْمُزَارِعُ الْبَذْرَ كُلَّهُ، لَمْ يَصِحَّ لِجَهَالَةِ الْمَنْفَعَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهَا) أَيْ الْمَنْفَعَةَ (أُجْرَةً لِأَرْضٍ أُخْرَى، أَوْ) أُجْرَةً لِ (دَارٍ لَمْ يَجُزْ) لِجَهَالَةِ الْمَنْفَعَةِ.
(وَ) إذَا فَسَدَتْ وَكَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ فَ (الزَّرْعُ كُلُّهُ لِلْمُزَارِعِ) ؛؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ؛؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ تَقَلَّبَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ (وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْأَرْضِ) ؛؛ لِأَنَّ رَبَّهَا دَخَلَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَا سُمِّيَ لَهُ فَإِذَا فَاتَ رَجَعَ إلَى بَدَلِهِ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْضَ بِبَذْلِ أَرْضِهِ مَجَّانًا.
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا فَالزَّرْعُ لَهُمَا بِحَسَبِهِ (فَإِنْ أَمْكَنَ عِلْمُ الْمَنْفَعَةِ) أَيْ مَنْفَعَةِ الْعَامِلِ وَبَقَرِهِ وَآلَتِهِ (وَضَبْطُهَا بِمَا لَا تَخْتَلِفُ مَعَهُ مَعْرِفَةُ الْبَذْرِ) وَأُجْرَةُ نِصْفِ الْأَرْضِ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَالْمَنْفَعَةِ (جَازَ) لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ (وَكَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ؛؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ كَذَلِكَ.
(وَإِنْ شَرَطَ) الْمُزَارِعُ (أَنْ يَأْخُذَ رَبُّ الْأَرْضِ مِثْلَ بَذْرِهِ وَ) أَنْ يَقْتَسِمَا الْبَاقِيَ (فَفَاسِدٌ) كَأَنَّهُ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ قُفْزَانًا مَعْلُومَةً وَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ تَفْسُدُ بِهِ الْمُزَارَعَةُ؛؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرُ فَيَخْتَصَّ بِهِ الْمَالِكُ وَرُبَّمَا لَا تُخْرِجُهُ، وَمَوْضُوعُهَا عَلَى الِاشْتِرَاكِ.
(وَإِنْ شَرَطَ) فِي الْمُزَارَعَةِ أَوْ الْمُسَاقَاةِ (لِأَحَدِهِمَا) أَيْ رَبِّ الْبَذْرِ وَالشَّجَرِ أَوْ الْعَامِلِ (قُفْزَانًا مَعْلُومَةً) لَمْ تَصِحَّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(أَوْ) شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا (دَرَاهِمُ مَعْلُومَةً) لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا ذَلِكَ فَيُؤَدِّيَ إلَى الضَّرَرِ (أَوْ) شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا (زَرْعَ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ) فَسَدَتْ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالْمُبْدِعِ: بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ.
(أَوْ) يُشْتَرَطُ لِأَحَدِهِمَا (مَا عَلَى الْجَدَاوِلِ إمَّا مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ نَصِيبِهِ فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَمَتَى فَسَدَ الْعَقْدُ) أَيْ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ (فَالزَّرْعُ) لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْعَامِلِ (وَالثَّمَرُ لِصَاحِبِهِ) أَيْ الْبَذْرِ أَوْ الشَّجَرِ (وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ) لِلْعَامِلِ؛؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
(وَحُكْمُ الْمُزَارَعَةِ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ فِيمَا ذَكَرْنَا) فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ.
(وَالْحَصَادُ وَالدِّيَاسُ وَالتَّصْفِيَةُ) أَيْ تَصْفِيَةُ الْحَبِّ مِنْ التِّبْنِ (وَاللِّقَاطُ عَلَى الْعَامِلِ) ؛؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَلِقِصَّةِ خَيْبَرَ.
(وَيُكْرَهُ الْحَصَادُ وَالْجِذَاذُ لَيْلًا) ؛؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَصَابَهُ أَذًى مِنْ نَحْوِ حَيَّةٍ.
(وَإِنْ دَفَعَ رَجُلٌ بَذْرَهُ إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لِيَزْرَعَهُ فِي أَرْضِهِ، وَيَكُونَ مَا يَخْرُجُ بَيْنَهُمَا فَفَاسِدٌ) لِكَوْنِ الْبَذْرِ لَيْسَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ.
(وَيَكُونُ الزَّرْعُ لِمَالِكِ الْبَذْرِ) ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ تَقَلَّبَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ (وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ) وَأُجْرَةُ (الْعَمَلِ) فِي الزَّرْعِ؛؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ نَفْعَهُ وَنَفْعَ أَرْضِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ فَرَجَعَ بِبَدَلِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) رَبُّ أَرْضٍ: (أَنَا أَزْرَعُ الْأَرْضَ بِبَذْرِي وَعَوَامِلِي وَتَسْقِيهَا بِمَائِكَ وَالزَّرْعُ بَيْنَنَا، لَمْ يَصِحَّ) ؛؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُزَارَعَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا الْأَرْضُ وَمِنْ الْآخَرِ الْعَمَلُ، وَصَاحِبُ الْمَاءِ لَيْسَ مِنْهُ أَرْضٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا بَذْرٌ وَ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُسْتَأْجَرُ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ بِهِ؟ .
(وَإِنْ زَارَعَ شَرِيكَهُ فِي نَصِيبِهِ صَحَّ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ أَكْثَرُ مِنْ نَصِيبِهِ) بِأَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: اعْمَلْ عَلَيْهِ وَلَكَ الثُّلُثَانِ فَيَصِحَّ وَيَكُونَ السُّدُسُ الزَّائِدُ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ (وَتَقَدَّمَ) وَنَحْوُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ (قَرِيبًا) .
(وَمَا سَقَطَ مِنْ حَبٍّ وَقْتَ حَصَادٍ فَنَبَتَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ مَالِكًا كَانَ) رَبُّ الْأَرْضِ (أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَبِّ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهُ بِحُكْمِ الْعُرْفِ وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ؛؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَرْكُ ذَلِكَ لِمَنْ يَأْخُذُهُ.
(وَكَذَا نَصَّ) الْإِمَامُ (فِيمَنْ بَاعَ قَصِيلًا، فَحَصَدَهُ فَبَقِيَ يَسِيرًا فَصَارَ سُنْبُلًا فَ) هُوَ (لِرَبِّ الْأَرْضِ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُبَاحُ الْتِقَاطُ مَا خَلَّفَهُ الْحَصَّادُونَ مِنْ سُنْبُلٍ وَحَبٍّ وَغَيْرِهِمَا) بِلَا خِلَافٍ؛ لِجَرَيَانِ ذَلِكَ مَجْرَى نَبْذِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّرْكِ لَهُ (وَيَحْرُمُ مَنْعُهُ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛) ؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ مِنْ مُبَاحٍ.
(وَإِذَا غُصِبَ زَرْعُ إنْسَانٍ وَحَصَدَهُ) الْغَاصِبُ (أُبِيحَ لِلْفُقَرَاءِ الْتِقَاطُ السُّنْبُلِ الْمُتَسَاقِطِ، كَمَا لَوْ حَصَدَهَا الْمَالِكُ وَكَمَا يُبَاحُ رَعْيُ الْكَلَإِ مِنْ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ) وَاسْتَشْكَلَ بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ.
(وَإِنْ خَرَجَ الْأَكَّارُ) أَيْ الزَّارِعُ (بِاخْتِيَارِهِ وَتَرَكَ الْعَمَلَ قُبَيْلَ الزَّرْعِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ ظُهُورِهِ) أَيْ الزَّرْع (وَأَرَادَ) الْأَكَّارُ (أَنْ يَبِيعَ عَمَلَ يَدَيْهِ فِي الْأَرْضِ) مِنْ حَرْثٍ وَنَحْوِهِ (وَمَا عَمِلَ) أَيْ أَنْفَقَ (فِي الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ) ذَلِكَ، خِلَافًا لِلْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ.
(وَلَا شَيْءَ لَهُ) كَالْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ (وَإِنْ أَخْرَجَهُ مَالِكُ ذَلِكَ فَلَهُ أُجْرَةُ) مِثْلِ (عَمَلِهِ وَمَا أَنْفَقَ فِي الْأَرْضِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَوَجَبَ لَهُ بَدَلُهُ وَهُوَ قِيمَتُهُ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا فُسِخَتْ الْمُزَارَعَةُ بَعْدَ ظُهُورِ الزَّرْعِ لِلْعَامِلِ نَصِيبُهُ، وَعَلَيْهِ تَمَامُ الْعَمَلِ كَالْمُسَاقَاةِ.
(وَلَا يَجُوزُ) لِرَبِّ الْأَرْضِ (أَنْ يَشْرِطَ عَلَى الْفَلَّاحِ شَيْئًا مَأْكُولًا وَلَا غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ مَأْكُولٍ (مِنْ دَجَاجٍ وَلَا غَيْرِهَا الَّتِي يُسَمُّونَهَا خِدْمَةً) وَيُسَمَّى الْآنَ ضِيَافَةً (وَلَا أَخْذُهُ) أَيْ الدَّجَاجِ وَنَحْوِهِ (بِشَرْطٍ وَلَا غَيْرِهِ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُكَافَأَتَهُ أَوْ الِاحْتِسَابَ بِهِ مِنْ أُجْرَةِ الْأَرْضِ أَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمَا بِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَرْضَهُ، عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَرْضِ.
(وَلَوْ أَجَّرَ) إنْسَانٌ (أَرْضَهُ سَنَةً لِمَنْ يَزْرَعُهَا فَزَرَعَهَا) الْمُسْتَأْجِرُ زَرْعًا يَنْبُتُ فِي سَنَةٍ
(فَلَمْ يَنْبُتْ الزَّرْعُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، ثُمَّ نَبَتَ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى فَهُوَ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِرَبِّ الْأَرْضِ مُدَّةَ احْتِبَاسِهَا) فَيَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى لِلسَّنَةِ الْأُولَى، وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلثَّانِيَةِ.
(وَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ مُطَالَبَتُهُ) أَيْ الْمُسْتَأْجِرِ (بِقَلْعِهِ) أَيْ الزَّرْعِ (قَبْلَ إدْرَاكِهِ) ؛؛ لِأَنَّهُ وَضَعَهُ بِحَقٍّ، وَتَأَخُّرُهُ لَيْسَ بِتَقْصِيرِهِ.
[بَابُ الْإِجَارَةِ]
مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْأَجْرِ وَهُوَ الْعِوَضُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الثَّوَابُ أَجْرًا؛؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَوِّضُ الْعَبْدَ بِهِ عَلَى طَاعَتِهِ أَوْ صَبْرٍ عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ مِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَمِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي خَبَرِ الْهِجْرَةِ قَالَتْ: «وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا» ، وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا إذْ كُلُّ إنْسَانٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى عَقَارٍ يَسْكُنُهُ، وَلَا عَلَى حَيَوَانٍ يَرْكَبُهُ، وَلَا عَلَى صَنْعَةٍ يَعْمَلُهَا وَأَرْبَابُ ذَلِكَ لَا يَبْذُلُونَهُ مَجَّانًا، فَجُوِّزَتْ طَلَبًا لِلرِّفْقِ (وَهِيَ) لُغَةً الْمُجَازَاةُ وَشَرْعًا (عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ مَعْلُومَةٍ تُؤْخَذُ شَيْئًا فَشَيْئًا) وَهِيَ ضَرْبَانِ.
أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ (مُدَّةً مَعْلُومَةً مِنْ عَيْنٍ مَعْلُومَةٍ) مُعَيَّنَةٍ كَ أَجَّرْتُكَ هَذَا الْبَعِيرَ (أَوْ) مِنْ عَيْنٍ (مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ) كَ أَجَّرْتُكَ بَعِيرًا صِفَتُهُ كَذَا وَيَسْتَقْصِي صِفَتَهُ وَأَشَارَ إلَى الضَّرْبِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ (أَوْ عَمَلٍ مَعْلُومٍ) وَقَوْلُهُ (بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ) رَاجِعٌ لِلضَّرْبَيْنِ فَعَلِمْتَ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَنْفَعَةُ لَا الْعَيْنُ، خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ هِيَ الَّتِي تُسْتَوْفَى وَالْأَجْرُ فِي مُقَابَلَتِهَا وَلِهَذَا تُضْمَنُ دُونَ الْعَيْنِ وَإِنَّمَا أُضِيفَ الْعَقْدُ إلَى الْعَيْنِ؛؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ وَمُنْشَؤُهَا، كَمَا يُضَافُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ إلَى الْبُسْتَانِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الثَّمَرَةُ، وَالِانْتِفَاعُ تَابِعٌ ضَرُورَةً أَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تُوجَدُ إلَّا عَقِبَهُ (وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ مُدَّةً مَعْلُومَةً) صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا تَقَدَّمَتْ فِي الصُّلْحِ، وَالْأُخْرَى (مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَلَمْ يُقْسَمْ) بَيْنَ الْغَانِمِينَ (فِيمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَإِنَّهُ وَقَفَ
أَرْضَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَقَرَّهَا فِي أَيْدِي أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِي ضَرَبَهُ أُجْرَةً لَهَا كُلَّ عَامٍ وَلَمْ يُقَدِّرْ مُدَّتَهَا لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا.
[أَرْكَانُ الْإِجَارَةِ]
وَأَرْكَانُ الْإِجَارَةِ خَمْسَةٌ: الْمُتَعَاقِدَانِ وَالْعِوَضَانِ وَالصِّيغَةُ (وَهِيَ) أَيْ الْإِجَارَةُ (وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْعَرَايَا وَالشُّفْعَةُ وَالْكِتَابَةُ وَنَحْوُهَا) كَالسَّلَمِ (مِنْ الرُّخَصِ الْمُبَاحَةِ الْمُسْتَقِرِّ حُكْمُهَا عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ:؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُخَصِّصْ الْعِلَّةَ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُ مُخَالَفَةُ قِيَاسٍ صَحِيحٍ وَمَنْ خَصَّصَهَا، فَإِنَّمَا يَكُونُ الشَّيْءُ خِلَافَ الْقِيَاسِ إذَا كَانَ الْمُقْتَضَى لِلْحُكْمِ مَوْجُودًا فِيهِ، وَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْإِجَارَةُ (إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) ؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ.
(وَتَنْعَقِدُ) الْإِجَارَةُ (بِلَفْظِ: آجَرْتُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا) كَالْكِرَاءِ، سَوَاءٌ (أَضَافَهُ إلَى الْعَيْنِ نَحْوَ: آجَرْتُكَهَا أَوْ أَكْرَيْتُكَهَا، أَوْ) أَضَافَهُ (إلَى النَّفْعِ نَحْوُ) قَوْلِهِ (آجَرْتُكَ) نَفْعَ هَذَا الدَّارِ (أَوْ أَكْرَيْتُكَ) نَفْعَ هَذِهِ الدَّارِ (أَوْ مَلَّكْتُكَ نَفْعَهَا وَ) تَنْعَقِدُ أَيْضًا (بِلَفْظِ بَيْعٍ أَضَافَهُ إلَى النَّفْعِ نَحْوُ) قَوْلِ: (بِعْتُكَ نَفْعَهَا أَوْ) بِعْتُكَ (سُكْنَى الدَّارِ وَنَحْوِهِ، أَوْ أَطْلَقَ) ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ فَانْعَقَدَتْ بِلَفْظِهِ كَالصَّرْفِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إنْ عَرَفَا الْمَقْصُودَ انْعَقَدَتْ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي عَرَفَ بِهَا الْمُتَعَاقِدَانِ مَقْصُودَهُمَا وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَحُدَّ حَدًّا لِأَلْفَاظِ الْعُقُودِ، بَلْ ذَكَرَهَا مُطْلَقَةً وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَالنَّظْمِ.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَبِلَفْظِ: بَيْعٍ إنْ لَمْ يُضَفْ إلَى الْعَيْنِ وَمَعْنَاهُ فِي التَّلْخِيصِ قَالَ: مُضَافًا إلَى النَّفْعِ، كَ بِعْتُكَ نَفْعَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، نَحْوَ بِعْتُكَ شَهْرًا.
(وَلَا تَصِحُّ) الْإِجَارَةُ (إلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةِ) .
؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهَا كَالْمَبِيعِ وَمَعْرِفَتُهَا (إمَّا بِالْعُرْفِ) وَهُوَ مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ (كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا) السُّكْنَى مُتَعَارَفَةٌ بَيْنَ النَّاسِ وَالتَّفَاوُتُ فِيهَا يَسِيرٌ فَلَمْ تَحْتَجْ إلَى ضَبْطِهِ.
(وَ) كَ (خِدْمَةِ الْآدَمِيِّ سَنَةً) ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ أَيْضًا مَعْلُومَةٌ بِالْعُرْفِ فَلَمْ تَحْتَجْ إلَى ضَبْطٍ كَالسُّكْنَى (فَيَخْدُمُهُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَقْتَضِيه الْعُرْفُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَالرِّعَايَةِ: إنْ اسْتَأْجَرَهُ شَهْرًا يَخْدُمُ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ اسْتَحَقَّهُ لَيْلًا انْتَهَى وَالْمُرَادُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ اللَّيْلِ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: يَخْدُمُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِهَا، وَبِاللَّيْلِ مَا يَكُونُ مِنْ خِدْمَةِ أَوْسَاطِ النَّاسِ (فَإِذَا كَانَ لَهُمَا عُرْفٌ أَغْنَى عَنْ تَعْيِينِ النَّفْعِ وَ) عَنْ تَعْيِينِ (صِفَتِهِ وَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ) أَيْ
إلَى الْعُرْفِ لِتَبَادُرِهِ إلَى الذِّهْنِ، (فَإِذَا كَانَ عُرْفُ الدَّارِ لِلسُّكْنَى) وَاكْتَرَاهَا فَلَهُ السُّكْنَى وَ (لَهُ وَضْعُ مَتَاعِهِ فِيهَا، وَيَتْرُكُ فِيهَا مِنْ الطَّعَامِ مَا جَرَتْ عَادَةُ السَّاكِنِ بِهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَسْتَحِقُّ مَاءَ الْبِئْرِ تَبَعًا لِلدَّارِ فِي الْأَصَحِّ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُسْتَأْجِرِ (أَنْ يَأْذَنَ لِأَصْحَابِهِ وَأَضْيَافِهِ فِي الدُّخُولِ) بِهَا (وَالْمَبِيتِ فِيهَا) ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ.
وَقِيلَ لِأَحْمَدَ يَجِيءُ زُوَّارٌ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ صَاحِبَ الْبَيْتِ بِهِمْ؟ قَالَ: رُبَّمَا كَثُرُوا أَرَى أَنْ يُخْبِرَ وَقَالَ إذَا كَانَ يَجِيئُهُ الْفَرْدُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلسَّاكِنِ (أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا حِدَادَةً وَلَا قِصَارَةً) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْعُرْفَ وَأَيْضًا يَضُرُّ بِجُدْرَانِهَا (وَلَا) يَجْعَلُهَا (مَخْزَنًا لِلطَّعَامِ) ؛؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا وَالْعُرْفُ لَا يَقْتَضِيهِ.
(وَلَا أَنْ يُسْكِنَهَا دَابَّةً) لِمَا تَقَدَّمَ قُلْتُ: إنْ لَمْ تَكُنْ قَرِينَةً كَالدَّارِ الْوَاسِعَةِ الَّتِي فِيهَا إسْطَبْلٌ مُعَدٌّ لِلدَّوَابِّ، عَمَلًا بِالْعُرْفِ (وَلَا يَدَعُ) الْمُسْتَأْجِرُ (فِيهَا رَمَادًا وَلَا تُرَابًا وَلَا زِبَالَةً وَنَحْوَهَا) مِمَّا يَضُرُّ بِهَا لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (وَلَهُ) أَيْ الْمُسْتَأْجِرِ (إسْكَانُ ضَيْفٍ وَزَائِرٍ) ؛؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ السُّكْنَى فَلَهُ اسْتِيفَاؤُهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
(وَأَمَّا بِالْوَصْفِ، كَحَمْلِ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَزْنُهَا كَذَا إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ) فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَزْنِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يَحْمِلُ إلَيْهِ؛؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ إنَّمَا تُعْرَفُ بِذَلِكَ وَكَذَا كُلُّ مَحْمُولٍ.
(وَلَوْ كَانَ الْمَحْمُولُ كِتَابًا فَوَجَدَ) الْأَجِيرُ (الْمَحْمُولَ إلَيْهِ غَائِبًا) وَلَا وَكِيلَ لَهُ (فَلَهُ) أَيْ الْأَجِيرِ (الْأُجْرَةُ) الْمُسَمَّاةُ (لِذَهَابِهِ وَ) لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ (رَدِّهِ) ؛؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ سِوَى رَدِّهِ إلَّا تَضْيِيعَهُ.
وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَرْضَى تَضْيِيعَهُ فَيَتَعَيَّنَ رَدُّهُ.
(وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ وَجَدَ الْأَجِيرُ الْمَحْمُولَ إلَيْهِ (مَيِّتًا فَفِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ التَّرْغِيبِ: لَهُ الْمُسَمَّى فَقَطْ وَيَرُدُّهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْمَيِّتِ، بِخِلَافِ الْغَيْبَةِ، فَكَانَ الْبَاعِثُ مُفَرِّطًا بِعَدَمِ الِاحْتِيَاطِ.
(قَالَ أَحْمَدُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ) الْأَجْنَبِيُّ (الْأَمَةَ وَالْحُرَّةَ لِلْخِدْمَةِ) ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ وَلَكِنْ يَصْرِفُ الْمُسْتَأْجِرُ وَجْهَهُ عَنْ النَّظَرِ لِلْحُرَّةِ (لَيْسَتْ الْأَمَةُ مِثْلَ الْحُرَّةِ) فَلَا يُبَاحُ لِلْمُسْتَأْجِرِ النَّظَرُ لِشَيْءٍ مِنْ الْحُرَّةِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ، فَيَنْظُرُ مِنْهَا إلَى الْأَعْضَاءِ السِّتَّةِ، أَوْ إلَى مَا عَدَا عَوْرَةِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي النِّكَاحِ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَهُمَا كَالْأَجْنَبِيِّ.
(وَلَا يَخْلُو) الْمُسْتَأْجِرُ (مَعَهَا) أَيْ الْحُرَّةِ (فِي بَيْتٍ) بَلْ وَلَا مَعَ الْأَمَةِ، كَمَا يَأْتِي فِي النِّكَاحِ (وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا مُتَجَرِّدَةً، وَلَا إلَى شَعْرِهَا) الْمُتَّصِلِ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ مِنْ الْحُرَّةِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ.
(وَ) تَصِحُّ الْإِجَارَةُ (لِبِنَاءِ) دَارٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ (وَيُقَدَّرُ) الْبِنَاءُ (بِالزَّمَانِ) (
كَيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ (وَإِنْ قُدِّرَ بِالْعَمَلِ) بِأَنْ اسْتَأْجَرَ لِبِنَاءِ حَائِطٍ (فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَوْضِعِهِ) أَيْ الْبِنَاءِ؛ (؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِقُرْبِ الْمَاءِ وَسُهُولَةِ التُّرَابِ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ طُولِ الْحَائِطِ وَعَرْضِهِ وَسَمْكِهِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْمِيمِ أَيْ ثَخَانَتِهِ، وَهُوَ فِي الْحَائِطِ بِمَنْزِلَةِ الْعُمْقِ فِي غَيْرِ الْمُنْتَصِبِ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
(وَآلَتِهِ) أَيْ الْبِنَاءِ (مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ وَآجُرٍّ، وَشِيدٍ) أَيْ جِيرٍ (وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَالْجِصِّ؛؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْمَنْفَعَةِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ وَالْغَرَضُ يَخْتَلِفُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ.
(وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَفْرِ بِئْرٍ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ طُولًا وَعَشَرَةُ أَذْرُعٍ عَرْضًا وَعَشَرَةُ أَذْرُعٍ عُمْقًا فَحَفَرَ) الْأَجِيرُ (خَمْسَةً طُولًا فِي خَمْسَةٍ عَرْضًا فِي خَمْسَةٍ عُمْقًا) وَأَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ لَهُ (فَاضْرِبْ عَشَرَةً فِي عَشَرَةٍ تَبْلُغْ مِائَةً ثُمَّ اضْرِبْ الْمِائَةَ فِي عَشَرَةٍ تَبْلُغْ أَلْفًا) فَهِيَ الَّتِي اُسْتُؤْجِرَ لِحَفْرِهَا.
(وَاضْرِبْ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ اضْرِبْهَا فِي خَمْسَةٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَذَلِكَ) الَّذِي حَفَرَهُ وَإِذَا نَسَبْتَ ذَلِكَ إلَى الْأَلْفِ وَجَدْتَهُ (ثُمُنَ الْأَلْفِ فَلَهُ ثُمُنُ الْأَجْرِ هـ) .
؛ لِأَنَّهُ وَفَّى بِثُمُنِ الْعَمَلِ (إنْ وَجَبَ لَهُ شَيْءٌ) مِنْ الْأُجْرَةِ، بِأَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ لِنَحْوِ صَخْرَةٍ مَنَعَتْهُ مِنْ الْحَفْرِ هَذَا قَوْلُ صَاحِبِ الرِّعَايَةِ وَيَأْتِي فِي الْبَابِ مَا يُقَابِلُهُ وَالْآتِي هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَبْنِيَ لَهُ بِنَاءً مَعْلُومًا) كَحَائِطٍ مَوْصُوفَةٍ بِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) لِيَبْنِيَ لَهُ (فِي زَمَنٍ مَعْلُومٍ) كَيَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ (فَبَنَاهُ) الْأَجِيرُ (ثُمَّ سَقَطَ الْبِنَاءُ فَقَدْ وَفَّى) الْأَجِيرُ (مَا عَلَيْهِ وَاسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ) كَامِلَةً؛؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا تَفْرِيطِهِ هَذَا (إنْ لَمْ يَكُنْ سُقُوطُهُ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ فَأَمَّا إنْ) كَانَ سُقُوطُهُ مِنْ جِهَتِهِ بِأَنْ (فَرَّطَ أَوْ بَنَاهُ مَحْلُولًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَسَقَطَ فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ وَغَرَامَةُ مَا تَلِفَ مِنْهُ) لِتَفْرِيطِهِ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِبِنَاءِ أَذْرُعٍ مَعْلُومَةٍ فَبَنَى بَعْضَهَا، ثُمَّ سَقَطَ) عَلَى أَيْ وَجْهٍ كَانَ (فَعَلَيْهِ إعَادَةُ مَا سَقَطَ وَ) عَلَيْهِ (تَمَامُ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْإِجَارَةُ مِنْ الْأَذْرُعِ) مُطْلَقَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّ بِالْعَمَلِ، وَعَلَيْهِ غُرْمُ مَا تَلِفَ إنْ فَرَّطَ.
(وَيَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ لِتَطْيِينِ الْأَرْضِ وَالسُّطُوحِ وَالْحِيطَانِ وَ) الِاسْتِئْجَارُ (لِتَجْصِيصِهَا) وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ وَيُقَدَّرُ بِالزَّمَنِ (وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى) ذَلِكَ إذَا قُدِّرَ بِ (عَمَلٍ مُعَيَّنٍ) بِأَنْ يَقُولَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَطْيِينِ هَذَا الْحَائِطِ، أَوْ تَجْصِيصِهَا (؛ لِأَنَّ الطِّينَ) أَوْ الْجِصَّ (يَخْتَلِفُ فِي الرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ وَ) كَذَلِكَ (الْأَرْضُ مِنْهَا الْعَالِي وَالنَّازِلُ، وَكَذَلِكَ الْحِيطَانُ وَالسُّطُوحُ) مِنْهَا الْعَالِي وَالنَّازِلُ (فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ) الِاسْتِئْجَارُ لِذَلِكَ (إلَّا عَلَى مُدَّةٍ) مَعْلُومَةٍ، كَيَوْمٍ (
أَوْ شَهْرٍ.
(وَ) تَصِحُّ (إجَارَةُ أَرْضٍ مُعَيَّنَةٍ) بِرُؤْيَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ (لِزَرْعِ كَذَا) مِنْ بُرٍّ أَوْ قُطْنٍ وَنَحْوِهِمَا (أَوْ غَرْسٍ) مَعْلُومٍ كَمِشْمِشٍ (أَوْ بِنَاءٍ مَعْلُومٍ) كَدَارٍ وَصَفَهَا بِلَا خِلَافٍ (أَوْ) إجَارَتُهَا (لِزَرْعِ مَا شَاءَ أَوْ لِغَرْسِ مَا شَاءَ أَوْ لِبِنَاءِ مَا شَاءَ كَ آجَرْتُكَ لِتَزْرَعَ مَا شِئْتَ أَوْ) أَجَرَهَا (لِغَرْسٍ وَيَسْكُتُ) أَوْ لِبِنَاءٍ أَوْ زَرْعٍ وَيَسْكُتُ (أَوْ آجَرَهُ الْأَرْضَ وَأَطْلَقَ) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ زَرْعًا وَلَا غَرْسًا وَلَا بِنَاءً (وَهِيَ تَصْلُحُ لِلزَّرْعِ وَغَيْرِهِ) فَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، لِلْعِلْمِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ أَطْلَقَ، أَوْ قَالَ: انْتَفِعْ بِهَا مَا شِئْتَ فَلَهُ زَرْعٌ وَغَرْسٌ وَبِنَاءٌ (وَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ) فِي الْبَابِ.
(وَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارِ لَضَرْبِ اللَّبِنِ عَلَى مُدَّةٍ) كَيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ (أَوْ) عَلَى (عَمَلٍ) مَعْلُومٍ (فَإِنْ قَدَّرَهُ بِالْعَمَلِ احْتَاجَ إلَى تَعْيِينِ عَدَدِهِ، وَ) إلَى (ذِكْرِ قَالَبِهِ وَمَوْضِعِ الضَّرْبِ) ؛؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاعْتِبَارِ التَّرْكِيبِ وَالْمَاءِ (فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَالَبٌ مَعْرُوفٌ لَا يَخْتَلِفُ، جَازَ) كَمَا لَوْ كَانَ الْمِكْيَالُ مَعْرُوفًا.
(وَإِنْ قَدَّرَهُ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالسَّمْكِ جَازَ) ؛ لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ (وَلَا يُكْتَفَى بِمُشَاهَدَةِ قَالَبِ الضَّرْبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا) ؛؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا وَقَدْ يَتْلَفُ كَالسَّلَمِ، (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الْأَجِيرَ (إقَامَةُ اللَّبِنِ لِيَجِفَّ) ؛؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اُسْتُؤْجِرَ لِلضَّرْبِ لَا لِلْإِقَامَةِ (مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ أَوْ عُرْفٌ) فَيُرْجَعَ إلَيْهِ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: لَا يَلْزَمُهُ مَعَ عُرْفٍ (وَمِثْلُهُ) أَيْ إقَامَةُ اللَّبِنِ (إخْرَاجُ الْآجُرِّ مِنْ التَّنُّورِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ لِشَيِّهِ) ، فَلَا يَلْزَمُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ أَوْ عُرْفٌ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَفْرِ قَبْرٍ لَزِمَهُ رَدُّ تُرَابِهِ) أَيْ الْقَبْرِ (عَلَى الْمَيِّتِ؛؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ، وَلَا) يَلْزَمُهُ (تَطْيِينُهُ) ؛ (؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ) وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَ لِلرُّكُوبِ ذَكَرَ) الْمُسْتَأْجِرُ (الْمَرْكُوبَ فَرَسًا أَوْ بَعِيرًا وَنَحْوَهُ) كَحِمَارٍ (كَمَبِيعٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْئِيًّا (وَ) ذَكَرَ (مَا يُرْكَبُ بِهِ مِنْ سَرْجٍ وَغَيْرِهِ) ؛؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْمَرْكُوبِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ.
(وَ) ذَكَرَ (كَيْفِيَّةَ سَيْرِهِ مِنْ هِمْلَاجٍ وَغَيْرِهِ) ؛؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ وَالْهِمْلَاجُ بِكَسْرِ الْهَاءِ مِنْ الْهَمْلَجَةِ مِشْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ (وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ ذُكُورِيَّتِهِ) أَيْ الْمَرْكُوبِ (وَأُنُوثِيَّتِهِ وَنَوْعِهِ) فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَرَسِ أَنْ يَقُولَ: حَجَرٌ أَوْ حِصَانٌ، وَلَا عَرَبِيٌّ أَوْ بِرْذَوْنُ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ ذَلِكَ يَسِيرٌ (وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ رَاكِبٍ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ كَمَبِيعٍ) ؛ لِاخْتِلَافِهِ بِالطُّولِ وَالسِّمَنِ وَضِدِّهِمَا.
(وَيُشْتَرَطُ) أَيْضًا (مَعْرِفَةُ تَوَابِعِهِ) أَيْ الرَّاكِبِ (الْعُرْفِيَّةِ، كَزَادٍ وَأَثَاثٍ مِنْ الْأَغْطِيَةِ ( وَالْأَوْطِيَةِ وَالْمَعَالِيقِ، كَالْقِدْرِ وَالْقِرْبَةِ وَنَحْوِهِمَا، إمَّا بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ وَزْنٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ.
(وَلَهُ) أَيْ الرَّاكِبِ (حَمْلُ مَا نَقَصَ مِنْ مَعْلُومِهِ) أَيْ مِنْ الَّذِي قَدَّرَهُ لِلْمُؤْجِرِ (وَلَوْ بِأَكْلٍ مُعْتَادٍ، وَيَأْتِي فِي الْبَابِ) مُوَضَّحًا (وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَ لِلْحَمْلِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ مَا تَقَدَّمَ) مِنْ ذِكْرِ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ وَآلَتِهِ (إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ الْمَحْمُولُ بِكَثْرَةِ الْحَرَكَةِ، أَوْ يَفُوتُ غَرَضُ الْمُسْتَأْجِرِ) بِاخْتِلَافِ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَضَرَّرَ الْمَحْمُولُ أَوْ فَاتَ غَرَضُ الْمُسْتَأْجِرِ بِاخْتِلَافِهِ (اُشْتُرِطَ كَحَامِلِ زُجَاجٍ وَخَزَفٍ) أَيْ فَخَّارٍ.
(وَفَاكِهَةٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ؛؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَضًا (وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْمَتَاعِ الْمَحْمُولِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ وَذِكْرُ جِنْسِهِ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَ) مَعْرِفَةُ (قَدْرِهِ بِالْكَيْلِ أَوْ بِالْوَزْنِ، فَلَا يَكْفِي ذِكْرُ وَزْنِهِ فَقَطْ) لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ (وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ أَرْضٍ) إذَا اُسْتُؤْجِرَ (لِحَرْثٍ) بِرُؤْيَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ فَيَخْتَلِفَ الْعَمَلُ بِاخْتِلَافِهَا.
[فَصْلٌ مَعْرِفَةُ الْأُجْرَةِ]
(فَصْلٌ) الشَّرْطُ (الثَّانِي) لِلْإِجَارَةِ (مَعْرِفَةُ الْأُجْرَةِ) ؛.
؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَالثَّمَنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ فِي الذِّمَّةِ وَأَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً (فَمَا فِي الذِّمَّةِ) حُكْمُهُ (كَثَمَنٍ) فَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الذِّمَّةِ، صَحَّ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً (وَ) الْأُجْرَةُ (الْمُعَيَّنَةُ كَمَبِيعٍ) مُعَيَّنٍ.
(وَلَوْ جَعَلَ الْأُجْرَةَ صُبْرَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ) صُبْرَةً (غَيْرَهَا) صَحَّتْ الْإِجَارَةُ (كَبَيْعٍ) بِخِلَافِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ هُنَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَعْيَانِ؛؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ، وَالسَّلَمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْدُومٍ، فَافْتَرَقَا.
(وَتَجُوزُ إجَارَةُ الْأَرْضِ بِجِنْسِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) بِأَنْ أَجَّرَهَا لِمَنْ يَزْرَعُهَا بُرًّا بِقَفِيزٍ بُرٍّ إنْ لَمْ يَقُلْ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) مُفَصَّلًا.
(وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ أَجِيرٍ وَظِئْرٍ) أَيْ مُرْضِعَةٍ وَلَوْ أُمًّا (بِطَعَامِهِمَا وَكِسْوَتِهِمَا) وَإِنْ لَمْ يَصِفْ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ (أَوْ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَطَعَامِهِمَا وَكُسْوَتِهِمَا) ، أَمَّا الْمُرْضِعَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] فَأَوْجَبَ لَهُنَّ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ عَلَى
الرَّضَاعِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَغَيْرِهَا، بَلْ فِي الْآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى طَلَاقِهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ تَجِبُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا بِالزَّوْجِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ تُرْضِعْ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] وَالْوَارِثُ لَيْسَ بِزَوْجٍ وَأَمَّا الْأَجِيرُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: أَنَّهُمْ اسْتَأْجَرُوا الْأُجَرَاءَ بِطَعَامِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ نَكِيرٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ.
(وَكَمَا لَوْ شَرَطَا) أَيْ الْمُرْضِعَةُ وَالْأَجِيرُ (كِسْوَةً وَنَفَقَةً مَعْلُومَتَيْنِ مَوْصُوفَتَيْنِ، كَصِفَتِهِمَا فِي السَّلَمِ) بِأَنْ يُوصَفَا بِمَا لَا يَخْتَلِفَانِ مَعَهُ غَالِبًا (وَهُمَا) أَيْ الْمُرْضِعَةُ وَالْأَجِيرُ (عِنْدَ التَّنَازُعِ) فِي صِفَةِ الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ أَوْ قَدْرِهِمَا (كَزَوْجَةٍ) ، قَالَ فِي الشَّرْحِ:؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ عُرْفًا وَهِيَ كِسْوَةُ الزَّوْجَاتِ، وَالْإِطْعَامُ عُرْفًا وَهُوَ الْإِطْعَامُ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَفِي الْمَلْبُوسِ إلَى أَقَلِّ مَلْبُوسٍ مِثْلِهِ؛؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُجْزِئُ فِيهِ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، كَالْوَصِيَّةِ.
(وَيُسَنُّ إعْطَاءُ ظِئْرٍ حُرَّةٍ عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً إنْ كَانَ الْمُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُذْهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ؟ قَالَ: الْغُرَّةُ، الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ الشَّيْخُ لَعَلَّ هَذَا فِي الْمُتَبَرِّعَةِ بِالرَّضَاعَةِ انْتَهَى.
(وَإِنْ كَانَتْ الظِّئْرُ أَمَةً اُسْتُحِبَّ) لِمُسْتَرْضِعٍ مُوسِرٍ (إعْتَاقُهَا) ؛؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ أَخَصَّ الرِّقَابِ بِهَا لَهَا، وَتَحْصُلُ بِهِ الْمُجَازَاةُ الَّتِي جَعَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُجَازَاةً لِلْوَالِدِ مِنْ النَّسَبِ.
(وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَتْ) الْمَرْأَةُ (لِلرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ لَزِمَتْهَا) أَيْ الرَّضَاعُ وَالْحَضَانَةُ؛؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
(وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَتْ لِلرَّضَاعِ وَأُطْلِقَ) الرَّضَاعُ (لَزِمَهَا الْحَضَانَةُ تَبَعًا) عَمَلًا بِالْعُرْفِ (وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَتْ لِلْحَضَّانَةِ وَأُطْلِقَ) الْعَقْدُ (لَمْ يَلْزَمْهَا الرَّضَاعُ) ؛؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْحَضَانَةِ.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ أُطْلِقَتْ أَوْ خُصِّصَ رَضَاعٌ لَمْ يَشْمَلْ الْآخَرَ، (وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الرَّضَاعِ: الْحَضَانَةُ وَاللَّبَنُ) ؛؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَقْصُودٌ، وَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَوْ كَانَ عَلَى الْخِدْمَةِ وَحْدَهَا لَمَا لَزِمَهَا سَقْيُ لَبَنِهَا وَأَمَّا كَوْنُهُ عَيْنًا فَلَا يَمْنَعُ لِلضَّرُورَةِ لِحِفْظِ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
(وَلَوْ وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْحَضَانَةِ وَالرَّضَاعِ، وَانْقَطَعَ اللَّبَنُ بَطَلَا) أَيْ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ فِيهِمَا؛ لِتَعَذُّرِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا.
(وَيَجِبُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ أَنْ تَأْكُلَ وَتَشْرَبَ مَا يُدِرُّ لَبَنَهَا وَيَصْلُحُ بِهِ وَلِلْمُكْتَرِي مُطَالَبَتُهَا بِذَلِكَ) ؛؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ التَّمْكِينِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَفِي تَرْكِهِ إضْرَارٌ (
بِالصَّبِيِّ (فَإِنْ لَمْ تُرْضِعْهُ لَكِنْ سَقَتْهُ لَبَنَ الْغَنَمِ) أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ أَطْعَمَتْهُ أَوْ دَفَعَتْهُ إلَى خَادِمِهَا) أَوْ غَيْرِهَا (فَأَرْضَعَتْهُ فَلَا أُجْرَةَ لَهَا) ؛؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُوَفِّ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (وَإِنْ) اخْتَلَفَا فَ (قَالَتْ: أَرْضَعْتُهُ فَأَنْكَرَ الْمُسْتَرْضِعُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) بِيَمِينِهَا؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ.
(وَيُشْتَرَطُ) لِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ لِلرَّضَاعِ (رُؤْيَةُ الْمُرْتَضِعِ) وَلَا يَكْفِي وَصْفُهُ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ كِبَرِهِ وَصِغَرِهِ، وَنَهْمَتِهِ وَقَنَاعَتِهِ.
(وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (مَعْرِفَةُ مُدَّةِ الرَّضَاعِ) ؛؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الرَّضَاعِ إلَّا بِهَا فَإِنَّ السَّقْيَ وَالْعَمَلَ فِيهَا يَخْتَلِفُ.
(وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا مَعْرِفَةُ (مَكَانِهِ) أَيْ الرَّضَاعِ (هَلْ هُوَ عِنْدَ الْمُرْضِعَةِ أَوْ عِنْدَ وَلِيِّهِ؟) ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِف، فَيَشُقُّ عَلَيْهَا فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَيَسْهُلُ فِي بَيْتِهَا.
(وَلَا بَأْسَ أَنْ تُرْضِعَ الْمُسْلِمَةُ طِفْلًا لِلْكِتَابِيِّ بِأُجْرَةٍ لَا طِفْلًا لِمَجُوسِيٍّ) وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: رَخَّصَ أَحْمَدُ فِي مُسْلِمَةٍ تُرْضِعُ طِفْلًا لِنَصَارَى بِأُجْرَةٍ لَا لِمَجُوسِيٍّ وَسَوَّى أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ بَيْنَهُمَا؛ لِاسْتِوَاءِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ دَابَّةٍ بِعَلَفِهَا أَوْ بِأَجْرٍ مُسَمًّى وَعَلَفِهَا) ؛؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَلَا عُرْفَ لَهُ يُرْجَعُ إلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) أَيْ الْعَلَفَ (مَوْصُوفًا) كَشَعِيرٍ وَنَحْوِهِ وَقَدَّرَهُ، بِمَعْلُومٍ فَيَجُوزُ (وَعَنْهُ يَصِحُّ) مُطْلَقًا (اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَجَمْعٌ) كَاسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ بِطَعَامِهِ.
(وَإِنْ شَرَطَ لِلْأَجِيرِ) لِخِدْمَةٍ أَوْ رَضَاعٍ (طَعَامَ غَيْرِهِ وَكِسْوَتُهُ) أَيْ الْغَيْرِ (مَوْصُوفًا) مَا ذُكِرَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ (جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ (كَ) مَا لَوْ شَرَطَ لَهُ طَعَامَ (نَفْسِهِ) وَكِسْوَةَ نَفْسِهِ.
(وَيَكُونُ ذَلِكَ لِلْأَجِيرِ إنْ شَاءَ أَطْعَمَهُ) لَهُ (وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ) ؛؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِهِ، (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) مَا شَرَطَهُ لِلْأَجِيرِ مِنْ طَعَامِ غَيْرِهِ وَكِسْوَتِهِ (مَوْصُوفًا لَمْ يَصِحَّ) ؛؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَجْهُولٌ (وَإِنَّمَا جَازَ) ذَلِكَ إذَا شَرَطَ (لِلْأَجِيرِ) نَفْسِهِ (لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ) وَجَرْيِ الْعَادَةِ بِهِ، فَلَا يَلْزَمُ احْتِمَالُهَا مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْمُسْتَأْجِرِ (إطْعَامُهُ) أَيْ الْأَجِيرِ (إلَّا مَا يُوَافِقُهُ مِنْ الْأَغْذِيَةِ) ؛؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا وَلَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ الْوَاجِبِ لَهُ مِنْهُ (وَإِنْ اسْتَغْنَى الْأَجِيرُ عَنْ طَعَامِ الْمُسْتَأْجِرِ) بِطَعَامِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ عَجَزَ عَنْ الْأَكْلِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُ، وَكَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا) ؛؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْغِنَى عَنْهُ كَالدَّرَاهِمِ (وَإِنْ احْتَاجَ) الْأَجِيرُ (إلَى دَوَاءٍ لِمَرَضٍ لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْتَأْجِرَ) ؛؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّفَقَةِ كَالزَّوْجَةِ (لَكِنْ يَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُسْتَأْجِرَ (بِقَدْرِ طَعَامِ الصَّحِيحِ) يَدْفَعُهُ لَهُ، فَيَصْرِفُهُ فِيمَا أَحَبَّ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ قَبَضَ الْأَجِيرُ طَعَامَهُ فَأَحَبَّ) الْأَجِيرُ (أَنْ يَسْتَفْضِلَ بَعْضَهُ لِنَفْسِهِ، وَكَانَ الْمُسْتَأْجِرُ دَفَعَ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ لَهُ (
لِيَأْكُلَ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ وَيَفْضُلُ الْبَاقِي) مُنِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ إيَّاهُ وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ أَكْلَ قَدْرِ حَاجَتِهِ (أَوْ كَانَ فِي تَرْكِهِ لِأَكْلِهِ كُلِّهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، بِأَنْ يَضْعُفَ الْأَجِيرُ عَنْ الْعَمَلِ، أَوْ يَقِلَّ لَبَنُ الظِّئْرِ، مُنِعَ مِنْهُ) ؛؛ لِأَنَّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ضَرَرًا بِتَفْوِيتِ بَعْضِ مَا لَهُ مِنْ مَنْفَعَتِهِ، فَمُنِعَ مِنْهُ كَالْجَمَّالِ إذَا امْتَنَعَ عَنْ عَلْفِ الْجِمَالِ.
(وَإِنْ دَفَعَ) الْمُسْتَأْجِرُ إلَيْهِ (قَدْرَ الْوَاجِبِ فَقَطْ) مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (أَوْ) دَفَعَ إلَيْهِ (أَكْثَرَ مِنْهُ) أَيْ الْوَاجِبِ (وَمَلَّكَهُ إيَّاهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي تَفْضِيلِهِ لِبَعْضِهِ ضَرَرٌ بِالْمُسْتَأْجِرِ، جَازَ) لِلْأَجِيرِ أَنْ يَسْتَفْضِلَ بَعْضَهُ لِنَفْسِهِ؛؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ؛ أَشْبَهَ الدَّرَاهِمَ.
(فَإِنْ قَدَّمَ) الْمُسْتَأْجِرُ (إلَيْهِ) أَيْ الْأَجِيرِ (طَعَامًا فَنُهِبَ أَوْ تَلِفَ قَبْلَ أَكْلِهِ وَكَانَ الطَّعَامُ عَلَى مَائِدَةٍ لَا يَخُصُّهُ) الْمُسْتَأْجِرُ (فِيهَا بِطَعَامِهِ فَ) الطَّعَامُ (مِنْ ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ) ؛؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَيْهِ (وَإِنْ خَصَّهُ) الْمُسْتَأْجِرُ (بِذَلِكَ) الطَّعَامِ (وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ) ثُمَّ نُهِبَ أَوْ تَلِفَ (فَمِنْ مَالِ الْأَجِيرِ) ؛؛ لِأَنَّهُ تَسْلِيمُ عِوَضٍ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ.
(وَالدَّايَةُ الَّتِي تَقْبَلُ) الْوَلَدَ فِي (الْوِلَادَةِ يَجُوزُ لَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَ) يَجُوزُ لَهَا (أَنْ تَأْخُذَ) عَلَى ذَلِكَ (بِلَا شَرْطٍ) ؛؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ.
(وَلَا بَأْسَ أَنْ) يَسْتَأْجِرَ مَنْ (يَحْصُدُ الزَّرْعَ) بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ.
(وَ) أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ (يَصْرُمُ) أَيْ يَجُذُّ ثَمَرَ (النَّخْلِ بِسُدُسِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ) أَوْ بِرُبْعِهِ وَنَحْوِهِ، (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمُقَاطَعَةِ، يَعْنِي مَعَ جَوَازِهَا) أَيْ الْمُقَاطَعَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ نَفْضُ الزَّيْتُونِ وَنَحْوِهِ بِبَعْضِ مَا يَسْقُطُ مِنْهُ) أَيْ بِآصُعٍ مَعْلُومَةٍ مِنْهُ لِلْجَهَالَةِ؛؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي الْبَاقِيَ بَعْدَهَا (وَلَهُ) أَيْ الْأَجِيرِ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ) ؛؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ (وَيَجُوزُ نَفْضُ كُلِّهِ) أَيْ الزَّيْتُونِ وَنَحْوِهِ (وَلَقْطِهِ بِبَعْضِهِ مُشَاعًا) كَالثُّلُثِ وَالسُّدُس، كَمَا سَبَقَ فِي الزَّرْعِ وَالنَّخْلِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْمُضَارَبَةِ.
(وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ) وَلِلْمَرْأَةِ (أَنْ يُؤَجِّرَ أَمَتَهُ) وَلَوْ أُمَّ وَلَدٍ (لِلْإِرْضَاعِ) ؛؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَمَنَافِعُهَا لَهُ (وَلَيْسَ لَهَا إجَارَةُ نَفْسِهَا) لِرَضَاعٍ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مَنَافِعَهَا إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا، (فَإِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ لَمْ يَجُزْ) لِسَيِّدِهَا (إجَارَتُهَا) لِذَلِكَ أَيْ (لِلْإِرْضَاعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا) أَيْ الْأَمَةِ (فَضْلٌ عَنْ رَبِّهِ) أَيْ وَلَدِهَا؛ (؛ لِأَنَّ الْحَقَّ) فِي اللَّبَنِ (لِلْوَلَدِ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إلَّا الْفَاضِلُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْوَلَدِ مِنْ اللَّبَنِ، (فَإِنْ كَانَتْ) الْأَمَةُ (مُتَزَوِّجَةً بِغَيْرِ عَبْدِهِ لَمْ يَجُزْ) لِلسَّيِّدِ (إجَارَتُهَا لِذَلِكَ) أَيْ لِلرَّضَاعِ (إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ) ؛؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتًا لِحَقِّهِ.
(وَإِنْ أَجَّرَهَا) السَّيِّدُ لِلرَّضَاعِ (ثُمَّ زَوَّجَهَا،
صَحَّ النِّكَاحُ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ) بِالنِّكَاحِ كَالْبَيْعِ (وَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَقْتَ فَرَاغِهَا مِنْ الرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ) ؛ لِسَبْقِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، (وَتَأْتِي إجَارَةُ الْحُرَّةِ) نَفْسَهَا (فِي) بَابِ (عِشْرَةِ النِّسَاءِ) مُفَصَّلَةً (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا) أَيْ الَّتِي أَجَّرَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ ادَّعَتْ (أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ) لِتُسْقِطَ حَقَّ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ الْإِجَارَةِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (أَوْ مُؤَجَّرَةٌ) أَيْ إذَا تَزَوَّجَتْ ثُمَّ ادَّعَتْ أَنَّهَا كَانَتْ مُؤَجَّرَةً (قَبْلَ نِكَاحٍ) لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا (بِلَا بَيِّنَةٍ؛) ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّ الزَّوْجِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ.
[فَصْلٌ إنْ دَفَعَ إنْسَانٌ ثَوْبَهُ إلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ]
(وَإِنْ دَفَعَ) إنْسَانٌ (ثَوْبَهُ إلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ وَنَحْوِهِمَا) كَصَبَّاغٍ (لِيَعْمَلَهُ) أَيْ لِيَقْصُرَهُ أَوْ يَخِيطَهُ أَوْ يَصْبُغَهُ وَنَحْوِهِ (وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ) أَيْ لِلْقَصَّارِ وَنَحْوِهِ عَادَةٌ (بِأَخْذِ أُجْرَةٍ وَلَمْ يَعْقِدَا) أَيْ الْقَصَّارُ وَالْخَيَّاطُ عَقْدَ إجَارَةٍ صَحَّ، وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ حَيْثُ كَانَا مُنْتَصِبَيْنِ لِذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحِقَّا أَجْرًا إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ عَقْدٍ أَوْ تَعْرِيضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عُرْفٌ يَقُومُ مَقَامَ الْعَقْدِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ عَمِلَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ.
(أَوْ اسْتَعْمَلَ) إنْسَانٌ (حَمَّالًا وَنَحْوَهُ، أَوْ) اسْتَعْمَلَ (شَاهِدًا إنْ جَازَ لَهُ) أَيْ الشَّاهِدِ (أَخْذُ أُجْرَةٍ) بِأَنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ، أَوْ تَأَذَّى بِهِ فَلَهُ أَخْذُ أُجْرَةِ مَرْكُوبٍ، كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ (صَحَّ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ) ؛؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ الْجَارِيَ بِذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْفَارِضِيُّ: فَإِنْ قِيلَ يَحْرُمُ الْأَخْذُ عَلَى الشَّهَادَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي يَحْرُمُ إنَّمَا هُوَ فِي نَحْوِ مَا إذَا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ وَأَبَى أَنْ يُؤَدِّيَهَا إلَّا بِجُعْلٍ، أَوْ سُئِلَ فِي أَنْ يَشْهَدَ، فَأَبَى أَنْ يَشْهَدَ إلَّا بِجُعْلٍ، أَمَّا لَوْ دَعَا زَيْدًا مَثَلًا فَذَهَبَ مَعَهُ وَشَهِدَ وَتَكَلَّفَ زَيْدٌ لِدَابَّةٍ مَثَلًا، أَوْ مَضَى زَمَنٌ لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ لَا سِيَّمَا مَعَ بُعْدِ الْمَكَانِ، فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ شَيْخِي وَلَدِ الْعَمِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبُهُوتِيِّ عَلَى حَاشِيَةِ الْفُرُوعِ (كَتَعْرِيضِهِ) أَيْ الدَّافِعِ (بِهَا) أَيْ بِالْأُجْرَةِ (أَيْ نَحْوِ: خُذْهُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ مُتَعَيِّشٌ، أَوْ) خُذْهُ (وَأَنَا أُرْضِيكَ وَنَحْوَهُ) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى إعْطَاءِ الْأُجْرَةِ.
(وَكَذَا دُخُولُ حَمَّامٍ وَرُكُوبُ سَفِينَةِ مَلَّاحٍ وَحَلْقُ رَأْسِهِ وَتَغْسِيلُهُ، وَغَسْلُ ثَوْبِهِ وَبَيْعُهُ لَهُ) شَيْئًا (وَشُرْبُهُ مِنْهُ مَاءً) أَوْ قَهْوَةً وَنَحْوَهَا مِنْ الْمُبَاحَاتِ، وَمَا يَأْخُذُهُ الْبَائِعُ عَنْ الْمَاءِ أَوْ الْقَهْوَةِ وَنَحْوِهَا، وَأُجْرَةُ الْآنِيَةِ وَالسَّاقِي وَالْمَكَانِ، قِيَاسًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ بَعْدَهَا.
(وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: مَا يَأْخُذُهُ الْحَمَّامِيُّ أُجْرَةُ الْمَكَانِ وَالسَّطْلِ
وَالْمِئْزَرِ وَيَدْخُلُ الْمَاءُ تَبَعًا) ؛؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الشُّرْبِ؛ فَإِنَّ الْمَاءَ مَبِيعٌ، وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فَوْقَ الْمُعْتَادِ؛؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَاسْتِعْمَالِهِ مِنْ الْمَوْقُوفِ فَوْقَ الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ، أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: يَجِبُ صَرْفُ الْوَقْفُ لِلْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ.
(وَيَجُوزُ إجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى دَارٍ) أُخْرَى (وَ) بِ (خِدْمَةِ عَبْدٍ وَ) بِ (تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ) لِقِصَّةِ شُعَيْبٍ؛ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ النِّكَاحَ عِوَضَ الْأُجْرَةِ، وَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ جَازَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ، فَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ عَيْنًا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَنْفَعَةً سَوَاءٌ كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا كَالْأَوَّلِ، أَوْ مُخْتَلِفًا كَالثَّانِي قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: فَإِذَا دَفَعْتَ عَبْدَكَ إلَى خَيَّاطٍ أَوْ قَصَّارٍ أَوْ نَحْوِهِمَا لِيُعَلِّمَهُ ذَلِكَ الْعَمَلَ بِعَمَلِ الْغُلَامِ سَنَةً جَازَ ذَلِكَ فِي مَذْهَبُ مَالِكٍ وَعِنْدَنَا.
(وَتَصِحُّ إجَارَةُ حُلِيٍّ بِأُجْرَةٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَكَذَا) بِأُجْرَةٍ (مِنْ جِنْسِهِ؛) ؛ لِأَنَّهُ عَيْنٌ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً مَعَ بَقَائِهَا، فَجَازَتْ إجَارَتُهُ كَالْأَرَاضِيِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) أَيْ يُكْرَهُ إجَارَةُ الْحُلِيِّ بِنَقْدٍ مِنْ جِنْسِهِ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَكُّ بِالِاسْتِعْمَالِ فَيَذْهَبُ مِنْهُ جُزْءٌ وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لِيَحْصُلَ الْأَجْرُ فِي مُقَابَلَتِهَا وَمُقَابَلَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا فَيُفْضِي إلَى بَيْعِ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وَشَيْءٍ آخَرَ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِفَاعِ، لَا فِي مُقَابَلَةِ الذَّاهِبِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ إجَارَةُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
(وَإِنْ قَالَ) صَاحِبُ الثَّوْبِ لِخَيَّاطٍ: (إنْ خِطْتَ هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ) فَلَكَ دِرْهَمٌ (أَوْ) إنْ خِطْتَهُ (رُومِيًّا فَلَكَ دِرْهَمٌ وَ) إنْ خِطْتَهُ (غَدًا أَوْ فَارِسِيًّا فَ) لَكَ (نِصْفُهُ) أَيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يَصِحَّ، (أَوْ) قَالَ رَبُّ أَرْضٍ: (إنْ زَرَعْتَهَا بُرًّا) فَبِخَمْسَةٍ (أَوْ) قَالَ رَبُّ حَانُوتٍ: (إنْ فَتَحْتَ خَيَّاطًا فَبِخَمْسَةٍ، وَ) إنْ زَرَعْتَ (ذُرَةً أَوْ) فَتَحْتَ (حَدَّادًا فَبِعَشَرَةٍ وَنَحْوَهُ) مِمَّا لَمْ يَقَعْ فِيهِ جَزْمٌ (لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ؛؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَاحِدٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعِوَضُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَنَحْوِهِمَا، فَلَمْ يَصِحَّ، كَبِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، أَوْ إحْدَى عَشَرَ نَسِيئَةً مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.
(وَإِنْ أَكْرَاهُ دَابَّةً وَقَالَ: إنْ رَدَدْتَهَا الْيَوْمَ فَبِخَمْسَةٍ وَغَدًا فَبِعَشَرَةٍ، أَوْ أَكْرَاهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِعَشَرَةِ) دَرَاهِمَ (وَمَا زَادَ فَلِكُلِّ يَوْمٍ كَذَا، صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى التَّنَازُعِ؛؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ لِكُلِّ زَمَنٍ عِوَضًا مَعْلُومًا فَصَحَّ (وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكْتَرِيَ مُدَّةً مَجْهُولَةً كَ) اكْتِرَائِهِ فَرَسًا (مُدَّةَ غَزَاتِهِ أَوْ غَيْرَهَا؛) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى تَنْقَضِي وَقَدْ تَطُولُ وَتَقْصُرُ، فَيُؤَدِّي إلَى التَّنَازُعِ (وَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا جَازَ) وَصَحَّ الْعَقْدُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَكْرَاهُ) (
الدَّارَ وَنَحْوَهَا (كُلُّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ) اكْتَرَاهُ لِلسَّقْيِ (كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، صَحَّ) الْعَقْدُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «جُعْتُ مَرَّةً جُوعًا شَدِيدًا، فَخَرَجْتُ أَطْلُبُ الْعَمَلَ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَدْ جَمَعَتْ بَذْرًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُرِيدُ بَلَّهُ، فَقَاطَعْتُهَا كُلَّ ذُنُوبٍ بِتَمْرَةٍ، فَمَدَدْتُ سِتَّةَ عَشَرَ ذَنُوبًا، فَعَدَّتْ لِي سِتَّ عَشْرَةَ تَمْرَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ فَأَكَلَ مَعِي مِنْهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمِثْلُهُ مَا تَقَدَّمَ إذَا بَاعَهُ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، فَعَلَى هَذَا تَلْزَمُ الْإِجَارَةُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَمَا بَعْدَهُ يَكُونُ مُرَاعًى وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ.
(وَكُلَّمَا دَخَلَ شَهْرٌ لَزِمَهُمَا حُكْمُ الْإِجَارَةِ إنْ لَمْ يَفْسَخَا) الْإِجَارَةَ أَوَّلَهُ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ بِمَنْزِلَةِ إيقَاعِ الْعَقْدِ عَلَى عَيْنِهِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ شُرُوعَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعَقْدِ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَقْدِيرِ أَجْرِهِ، وَالرِّضَا بِبَذْلِهِ بِهِ جَرَى ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ، وَصَارَ كَالْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ إذَا جَرَى مِنْ الْمُسَاوَمَةِ مَا دَلَّ عَلَى الرِّضَا بِهَا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي.
(وَلِكُلِّ) وَاحِدٍ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ (الْفَسْخُ عَقِبَ تَقَضِّي كُلِّ شَهْرٍ عَلَى الْفَوْرِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ) بِأَنْ يَقُولَ: فَسَخْتُ الْإِجَارَةَ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ وَلَيْسَ بِفَسْخٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ لَمْ يَثْبُتْ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَفِي الرِّعَايَةِ: قُلْتُ: أَوْ يَقُولَ إذَا مَضَى هَذَا الشَّهْرُ فَقَدْ فَسَخْتُ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُ فَسْخٍ بِشَرْطٍ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: إذَا تَرَكَ التَّلْبِيسَ بِهِ فَهُوَ كَالْفَسْخِ لَا تَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ؛ لِعَدَمِ الْعَقْدِ.
(وَلَوْ آجَرَهُ) دَارًا أَوْ نَحْوَهَا (شَهْرًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ.
(وَلَوْ قَالَ) الْمُؤَجِّرُ: (آجَرْتُك هَذَا الشَّهْرَ بِكَذَا وَمَا زَادَ فَبِحُسْبَانِهِ، صَحَّ) الْعَقْدُ (فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ) فَقَطْ؛؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ دُونَ مَا بَعْدَهُ.
(وَ) إنْ قَالَ: (آجَرْتُك دَارِي عِشْرِينَ شَهْرًا) مِنْ وَقْتِ كَذَا (كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ) الْعَقْدُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ وَالْأُجْرَةَ مَعْلُومَانِ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ؛؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ وَاحِدَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: آجَرْتُكَ عِشْرِينَ شَهْرًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا.
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ صُبْرَةٍ: (اسْتَأْجَرْتُكَ لِحَمْلِ هَذِهِ الصُّبْرَةِ إلَى مِصْرَ بِعَشَرَةٍ) صَحَّ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ الْمَحْمُولَ وَالْمَحْمُولَ إلَيْهِ (أَوْ) قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ (لِحَمْلِهَا) لِي كَذَا (كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ) صَحَّ؛ لِأَنَّ الْقَفِيزَ مَعْلُومٌ وَأَجْرُهُ مَعْلُومٌ، وَجَهَالَةُ عَدَدِ قُفْزَانِهَا تَزُولُ بِاكْتِيَالِهَا (أَوْ) قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ (لِتَحْمِلَهَا لِي) إلَى كَذَا (كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَمَا زَادَ) عَلَى الْقَفِيزِ (فَبِحِسَابِ ذَلِكَ صَحَّ) الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ: كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ.
(وَكَذَلِكَ ( كُلُّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ حَمْلِ جَمِيعِهَا، كَقَوْلِهِ: لِتَحْمِلَ قَفِيزًا مِنْهَا بِدِرْهَمٍ وَسَائِرُهَا بِحِسَابِ ذَلِكَ، أَوْ قَالَ: وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، يُرِيدُ بَاقِيَهَا كُلَّهُ إذَا فَهِمَا) أَيْ الْعَاقِدَانِ (ذَلِكَ مِنْ اللَّفْظِ؛ لِدَلَالَتِهِ) أَيْ اللَّفْظِ (عِنْدَهُمَا عَلَيْهِ، أَوْ لِقَرِينَةٍ صَرَفَتْ إلَيْهِ) ؛؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) : اسْتَأْجَرْتُكَ (لِتَحْمِلَ مِنْهَا قَفِيزًا بِدِرْهَمٍ وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، يُرِيدُ) الْمُسْتَأْجِرُ (بِذَلِكَ) الْقَوْلِ (مَهْمَا حَمَلْتَهُ مِنْ بَاقِيهَا) فَلَكَ بِكُلِّ قَفِيزٍ دِرْهَمٌ لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ (أَوْ) قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ (لِتَنْقِلَ لِي مِنْهَا قَفِيزًا بِدِرْهَمٍ) لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَكُلَّ لِلْعَدَدِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِتَحْمِلَ مِنْهَا عَدَدًا، فَلَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْقَطَ " مِنْهَا " (أَوْ) قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ (عَلَى أَنْ تَحْمِلَ لِي مِنْهَا قَفِيزًا بِدِرْهَمٍ، وَعَلَى أَنْ تَحْمِلَ الْبَاقِيَ بِحِسَابِ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
(وَإِنْ قَالَ) : اسْتَأْجَرْتُكَ (لِتَحْمِلَ لِي هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ وَتَنْقِلَ لِي صُبْرَةً أُخْرَى فِي الْبَيْتِ بِحِسَابِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ الصُّبْرَةَ الَّتِي فِي الْبَيْتِ بِالْمُشَاهَدَةِ) أَوْ وَصَفَاهَا (صَحَّ) الْعَقْدُ فِيهِمَا لِلْعِلْمِ بِهِمَا، (وَإِنْ جَهِلَهَا أَحَدُهُمَا صَحَّ) الْعَقْدُ (فِي الْأُولَى) لِلْعِلْمِ بِهَا (وَبَطَلَ فِي الثَّانِيَةِ) لِلْجَهْلِ بِهَا.
(وَإِنْ قَالَ) : اسْتَأْجَرْتُكَ (لِتَحْمِلَ لِي هَذِهِ الصُّبْرَةَ وَاَلَّتِي فِي الْبَيْتِ بِعَشَرَةٍ، فَإِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ الَّتِي فِي الْبَيْتِ صَحَّ فِيهِمَا) بِالْعَشَرَةِ، وَإِنْ جَهِلَاهَا أَوْ أَحَدُهُمَا، فَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ: إذَا جَمَعَ بَيْنَ مَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ لَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ، يَصِحُّ فِي الْمَعْلُومِ بِقِسْطِهِ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمَعْلُومَةِ بِقِسْطِهَا مِنْ الْعَشَرَةِ وَيَبْطُلُ فِي الْأُخْرَى.
(وَإِنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحْمِلَ لِي هَذِهِ الصُّبْرَةَ، وَهِيَ عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ بِدِرْهَمٍ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَالزَّائِدُ بِحِسَابِ ذَلِكَ صَحَّ) الْعَقْدُ (فِي الْعَشَرَةِ فَقَطْ) لِلْعِلْمِ بِهَا دُونَ مَا زَادَ، فَإِنَّهُ مَجْهُولٌ، وَأَيْضًا عَقْدُهُ مُعَلَّقٌ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِجَارَةِ.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: أَوْ عَلَى حَمْلِ زُبْرَةٍ إلَى مَحَلِّ كَذَا عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَرْطَالٍ، وَإِنْ زَادَتْ فَلِكُلِّ رِطْلٍ دِرْهَمٌ صَحَّ انْتَهَى وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا هُنَا، أَيْ صَحَّ فِي الزُّبَرِ فَقَطْ.
(وَإِنْ قَالَ) : اسْتَأْجَرْتُكَ (لِتَحْمِلَهَا كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ فَإِنْ قَدِمَ لِي طَعَامٌ فَحَمَلْتُهُ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ صَحَّ أَيْضًا فِي الصُّبْرَةِ فَقَطْ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ دُونَ مَا زَادَ.
[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط الْإِجَارَةِ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً لِغَيْرِ ضَرُورَة]
(أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) . أَيْ بِأَنْ تُبَاحَ مُطْلَقًا بِخِلَافِ مَا يُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ أَوْ لِلْحَاجَةِ كَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْكَلْبِ (مَقْصُودَةً) عَادَةً إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ (فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى الزِّنَا، وَالزَّمْرِ، وَالْغِنَاءِ، وَالنِّيَاحَةِ؛) ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُبَاحَةٍ (وَلَا إجَارَةُ كَاتِبٍ يَكْتُبُ ذَلِكَ) أَيْ الْغِنَاءَ وَالنَّوْحَ وَكَذَا كِتَابَةُ شِعْرٍ مُحَرَّمٍ أَوْ بِدْعَةٍ أَوْ كَلَامٍ مُحَرَّمٍ؛؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ مُحَرَّمٌ.
(وَلَا إجَارَةُ الدَّارِ لِتُجْعَلَ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ أَوْ لِبَيْعِ الْخَمْرِ، أَوْ لِلْقِمَارِ؛) لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وَسَوَاءٌ (شُرِطَ) ذَلِكَ (فِي الْعَقْدِ أَوْ لَا) إذَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ (وَلَوْ اكْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ دَارًا) لِيَسْكُنَهَا (فَأَرَادَ بَيْعَ الْخَمْرِ) فِيهَا (فَلِصَاحِبِ الدَّارِ مَنْعُهُ) مِنْ ذَلِكَ؛؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ.
(وَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ مَا يُجَمِّلُ بِهِ دُكَّانَهُ مِنْ نَقْدٍ وَشَمْعٍ وَنَحْوِهِمَا) كَأَوَانٍ (وَلَا طَعَامٍ لِيَتَجَمَّلَ بِهِ عَلَى مَائِدَتِهِ ثُمَّ يَرُدَّهُ؛؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ) وَمَا لَا يُقْصَدُ لَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ.
(وَلَا) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (ثَوْبٍ لِتَغْطِيَةِ نَعْشِ) الْمَيِّتِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
(وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ مَيْتَةٍ وَنَحْوِهَا لِأَكْلٍ لِغَيْرِ مُضْطَرٍّ) ؛؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ لِمُضْطَرٍّ صَحَّتْ.
(وَ) لَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ (خَمْرٍ) لِمَنْ (يَشْرَبُهَا) ؛؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَعَنَ حَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ مِمَّا تَقَدَّمَ.
(وَيَصِحُّ) الِاسْتِئْجَارُ (لِإِلْقَاءِ) الْمَيْتَةِ (وَ) لِ (إرَاقَةِ الْخَمْرِ) ؛؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَلَا تَنْدَفِعُ بِدُونِ إبَاحَةِ أَشْجَارِهِ لَهُ، (وَلَا يُكْرَهُ أَكْلُ أُجْرَةِ ذَلِكَ) أَيْ الْإِلْقَاءِ وَالْإِرَاقَةِ.
(وَيَصِحُّ) الِاسْتِئْجَارُ (لِكَسْحِ كَنِيفٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَيُكْرَهُ لَهُ أَكْلُ أُجْرَتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّنَاءَةِ (كَ) مَا يُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ (أُجْرَةِ حَجَّامٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ «أَطْعِمْهُ نَاضِحَكَ وَرَقِيقَكَ» قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ مِنْ أُجْرَةِ (
الْإِلْقَاءِ وَالْإِرَاقَةِ مُبَاشَرَةُ النَّجَاسَةِ، إذْ إلْقَاءُ الْمَيْتَةِ وَإِرَاقَةُ الْخَمْرِ لَا مُبَاشَرَةَ فِيهِ لِلنَّجَاسَةِ غَالِبًا بِخِلَافِ كَسْحِ الْكَنِيفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى سَلْخِ بَهِيمَةٍ بِجِلْدِهَا) لَمْ يَصِحَّ؛؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَلْ يَخْرُجُ سَلِيمًا أَوْ لَا؟ وَهَلْ هُوَ ثَخِينٌ أَوْ رَقِيقٌ؟ وَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ، فَكَذَا هُنَا.
(أَوْ) اسْتَأْجَرَهُ (عَلَى إلْقَاءِ مَيْتَةٍ بِجِلْدِهَا لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ مَالٌ فَلِمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ) أَيْ الْأَجِيرِ عَلَى سَلْخِ الْبَهِيمَةِ بِجِلْدِهَا أَوْ إلْقَاءِ الْمَيْتَةِ بِجِلْدِهَا (أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛) ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ مِنْهُ وَيَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ لِإِلْقَاءِ الْمَيْتَةِ بِالشَّعْرِ الَّذِي عَلَى جِلْدِهَا إنْ كَانَ مَحْكُومًا بِطَهَارَتِهِ ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ وَمَنْ أَعْطَى صَيَّادًا أُجْرَةً لِيَصِيدَ لَهُ سَمَكًا لِيَخْتَبِرَ بَخْتَهُ، فَقَدْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَعْمَلَ بِشَبَكَتِهِ، قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
(وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ اسْتِئْجَارِهِ عَلَى سَلْخِ بَهِيمَةٍ بِجِلْدِهَا فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ اسْتِئْجَارُهُ (لِطَحْنِ قَمْحٍ بِنُخَالَتِهِ، وَعَمَلُ السِّمْسِمِ شَيْرَجًا بِالْكُسْبِ) الْخَارِجِ مِنْهُ (وَالْحَلْجُ) أَيْ حَلْجِ الْقُطْنِ (بِالْحَبِّ) الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ فَلَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ بِالْأُجْرَةِ؛؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
(وَتَجُوزُ إجَارَةُ الْمُسْلِمِ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا (لِلذِّمِّيِّ إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ) عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ (فِي الذِّمَّةِ) كَخِيَاطَةٍ وَبِنَاءٍ وَطَحْنٍ، وَحَصْدٍ وَصَبْغٍ، وَقَصْرٍ (وَكَذَا) تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُسْلِمِ لِذِمِّيٍّ لِعَمَلٍ غَيْرِ (خِدْمَةٍ) مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأَنْ يُسْتَأْجَرَ لِيَسْتَقِيَ، أَوْ يَقْصُرَ لَهُ أَيَّامًا مَعْلُومَةً؛؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا يَتَضَمَّنُ إذْلَالَ الْمُسْلِمِ وَلَا اسْتِخْدَامَهُ أَشْبَهَ مُبَايَعَتَهُ، وَأَمَّا إجَارَتُهُ لَهُ لِلْخِدْمَةِ فَلَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ حَبْسَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْكَافِرِ وَإِذْلَالَهُ وَاسْتِخْدَامَهُ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ، أَشْبَهَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ.
(وَلَا) تَجُوزُ (إعَارَةُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ لَهُ) أَيْ لِلذِّمِّيِّ لِلْخِدْمَةِ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْفِرَ لِلذِّمِّيِّ قَبْرًا بِالْأُجْرَةِ) كَبِنَاءِ بَيْتٍ لَهُ بِالْأُجْرَةِ.
(وَيُكْرَهُ) دَفْنُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ (إنْ كَانَ) الْمَدْفُونُ فِيهِ (نَاوُوسًا) ؛؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى مَكْرُوهٍ وَالنَّاوُوسُ: حَجَرٌ يُنْقَرُ وَيُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ.
[فَصْلٌ الْإِجَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ]
(فَصْلٌ وَالْإِجَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا إجَارَةُ عَيْنٍ) وَلَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ تَكُونَ إلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ وَسَيَأْتِيَانِ ثُمَّ الْعَيْنُ تَارَةً تَكُونُ مُعَيَّنَةً، كَاسْتَأْجَرْت مِنْ هَذَا الْعَبْدَ لِيَخْدُمَنِي سَنَةً بِكَذَا (
أَوْ لِيَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا وَتَارَةً تَكُونُ مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ، كَحِمَارٍ صِفَتُهُ كَذَا لِيَرْكَبَهُ سَنَةً إلَى مَوْضِعِ كَذَا بِكَذَا (فَمَا حَرُمَ بَيْعُهُ فَإِجَارَتُهُ مِثْلُهُ) تَحْرُمُ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ (إلَّا الْحُرَّ وَالْحُرَّةَ) فَتَصِحُّ إجَارَتُهُمَا؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا مَضْمُونَةٌ بِالْغَصْبِ فَجَازَتْ إجَارَتُهَا كَمَنَافِعِ الْقِنِّ (وَ) إلَّا (الْوَقْفَ) فَتَصِحُّ إجَارَتُهُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَجَازَتْ إجَارَتُهُ مِمَّنْ لَهُ الْوَلَايَةُ عَلَيْهِ كَالْمُؤَجِّرِ (و) إلَّا (أُمَّ الْوَلَدِ) فَتَصِحُّ إجَارَتُهَا؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مَمْلُوكَةٌ لِسَيِّدِهَا فَجَازَ لَهُ إجَارَتُهَا كَإِعَارَتِهَا.
(وَتَصِحُّ إجَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا) أَيْ الْعَيْنِ كَالْأَرْضِ وَالدُّورِ وَالْبَهَائِمِ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِهَا (وَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا) أَيْ الْمَنْفَعَةِ (مِنْهَا، كَأَرْضٍ سَبِخَةٍ لَا تُنْبِتُ) إذَا أُجِّرَتْ (لِلزَّرْعِ) ؛؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ (أَوْ) أَرْضٍ (لَا مَاءَ لَهَا) بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا (أَوْ) أَرْضٍ (لَهَا مَاءٌ لَا يَدُومُ) لِمُدَّةِ الزَّرْعِ (فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهَا لِلزَّرْعِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا) إجَارَةَ (دِيكٍ لِيُوقِظَهُ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ) وَلَا طَائِرٍ لِيَسْمَعَ صَوْتَهُ؛؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتْ مُتَقَوَّمَةً وَلَا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهَا؛؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحْ وَقَدْ لَا يَصِحْ.
(وَلَا) إجَارَةَ (مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ كَ) إجَارَةِ (الْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ وَنَحْوِهِ) كَالْمَشْمُومِ مِنْ الرَّيَاحِينِ وَمَاءِ الْوَرْدِ.
(وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ دَارٍ يَجْعَلُهَا مَسْجِدًا) يُصَلِّي فِيهِ؛؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الدَّارِ مَعَ بَقَائِهَا.
(أَوْ) اسْتِئْجَارُ (حَائِطٍ لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ إذَا كَانَ الْخَشَبُ مَعْلُومًا) وَالْمُدَّةُ مَعْلُومَةً وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَبْنِيَ عَلَيْهَا بِنَاءً مَعْلُومًا؛ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ، فَتُسْتَوْفَى مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ.
(وَ) يَصِحُّ (اسْتِئْجَارُ فَهْدٍ وَهِرٍّ وَصَقْرٍ وَبَازٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَصْلُحُ (لِلصَّيْدِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا وَكَذَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ حَيَوَانٍ لِلْحِرَاسَةِ وَ (لَا) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (سِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لَهَا) أَيْ لِلصَّيْدِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ فِيهَا.
(وَلَا) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (خِنْزِيرٍ وَلَا كَلْبٍ وَلَوْ كَانَ يَصِيدُ أَوْ يَحْرُسُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
(وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ كِتَابٍ لِلْقِرَاءَةِ) فِيهِ (وَالنَّظَرِ فِيهِ) أَيْ مُرَاجَعَةِ الْمَسَائِلِ (أَوْ فِيهِ) أَيْ الْكِتَابِ (خَطٌّ حَسَنٌ يُجَوِّدُ خَطَّهُ عَلَيْهِ) ؛؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُبَاحٌ مَقْصُودٌ يُسْتَوْفَى مَعَ بَقَاءِ الْكِتَابِ (إلَّا الْمُصْحَفَ، فَلَا تَصِحُّ) إجَارَتُهُ وَإِنْ صَحَّحْنَا بَيْعَهُ تَعْظِيمًا لَهُ (وَيَجُوزُ نَسْخُهُ) أَيْ الْمُصْحَفِ (بِأُجْرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مُبَاحٌ مَقْصُودٌ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي كِتَابِ الْبَيْعِ وَ) فِي غَيْرِهِ مُفَصَّلًا.
(وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ نَقْدٍ) أَيْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ (لِلتَّحَلِّي وَالْوَزْنِ) مُدَّةً مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُبَاحٌ يُسْتَوْفَى مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَكَالْحُلِيِّ (
(وَ) كَذَا (مَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ كَالْأَنْفِ) مِنْ ذَهَبٍ.
(وَرَبْطِ الْأَسْنَانِ بِهِ) مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَتَصِحُّ إجَارَتُهُ لِذَلِكَ، لِمَا مَرَّ (فَإِنْ أَطْلَقَ الْإِجَارَةَ) عَلَى النَّقْدِ بِأَنْ لَمْ يَذْكُرْ وَزْنًا وَلَا تَحَلِّيًا وَنَحْوَهُ (لَمْ تَصِحَّ) الْإِجَارَةُ، وَتَكُونُ قَرْضًا فِي ذِمَّةِ الْقَابِضِ؛؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ، وَالِانْتِفَاعُ الْمُعْتَادُ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ إنَّمَا هُوَ بِأَعْيَانِهَا فَإِذَا أُطْلِقَ الِانْتِفَاعُ حُمِلَ عَلَى الْمُعْتَادِ.
(وَلَوْ أَجَّرَهُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ فُلُوسًا) لِيُعَايِرَ عَلَيْهَا، صَحَّتْ كَالنَّقْدِ لِلْوَزْنِ وَإِنْ أَطْلَقَ (لَمْ تَصِحَّ) الْإِجَارَةُ وَعَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ تَكُونُ قَرْضًا.
(وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الشَّجَرَةِ لِيُجَفِّفَ عَلَيْهَا الثِّيَابَ أَوْ) لِ (بَسْطِهَا) أَيْ الثِّيَابِ (عَلَيْهَا) أَيْ الشَّجَرَةِ (لِيَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا) ؛؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ فَجَازَ اسْتِئْجَارُهَا لَهَا كَالْحِبَالِ وَالْخَشَبِ وَالشَّجَرِ الْمَقْطُوعِ.
(وَ) يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ (مَا يَبْقَى مِنْ الطِّيبِ) كَالْعَنْبَرِ (وَالصَّنْدَلِ وَقِطَعِ الْكَافُورِ وَنَحْوِهِ) كَمِسْكٍ (لِلشَّمِّ) مُدَّةً مُعَيَّنَةً ثُمَّ يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ أَشْبَهَتْ اسْتِئْجَارَ الثَّوْبِ لِلُّبْسِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ مِنْ إخْلَاقٍ.
(وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ وَلَدِهِ) لِخِدْمَتِهِ (وَوَالِدِهِ لِخِدْمَتِهِ) كَأَجْنَبِيٍّ.
(وَيُكْرَهُ) الِاسْتِئْجَارُ لِلْخِدْمَةِ (فِي وَالِدَيْهِ) وَإِنْ عَلَوَا، لِمَا فِيهِ مِنْ إذْلَالِ الْوَالِدَيْنِ بِالْحَبْسِ عَلَى خِدْمَةِ الْوَلَدِ.
(وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ امْرَأَتِهِ لِرَضَاعِ وَلَدِهِ) سَوَاءٌ كَانَ (مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَ) يَصِحُّ أَيْضًا اسْتِئْجَارُهَا عَلَى (حَضَانَتِهِ، بَائِنًا كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (أَوْ فِي حِبَالِهِ) ؛؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ يَصِحُّ أَنْ تَعْقِدَهُ مَعَ غَيْرِ الزَّوْجِ يَصِحُّ أَنْ تَعْقِدَهُ مَعَ الزَّوْجِ كَالْبَيْعِ، وَ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مِنْ الرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ لِلزَّوْجِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَهَا عَلَى حَضَانَةِ وَلَدِهَا وَلَا عَلَى إرْضَاعِهِ وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ عَلَيْهَا الْعِوَضَ مِنْ غَيْرِهِ فَجَازَ لَهَا أَخْذُهُ مِنْهُ كَثُمُنِ مَالِهَا، وَاسْتِحْقَاقُهُ لِمَنْفَعَتِهَا مِنْ جِهَةِ الِاسْتِمْتَاعِ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ مَنْفَعَةٍ سِوَاهَا بِعِوَضٍ آخَرَ.
(وَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ الْعَيْنِ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ أَحَدُهَا: أَنْ يَعْقِدَ عَلَى نَفْعِ الْعَيْنِ) الَّذِي يُسْتَوْفَى (دُونَ أَجْزَائِهَا فَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ الطَّعَامِ لِلْأَكْلِ، كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا) إجَارَةُ (الشَّمْعِ لِيُشْعِلَهُ) وَلَا الصَّابُونِ لِيَغْسِلَ بِهِ (وَلَا) أَنْ يَسْتَأْجِرَ (حَيَوَانًا لِيَأْخُذَ لَبَنَهُ وَلَا) حَيَوَانًا لِ (يُرْضِعَهُ وَلَدَهُ وَنَحْوَهُ) كَقِنِّهِ.
(وَلَا) أَنْ يَسْتَأْجِرَ حَيَوَانًا (لِيَأْخُذَ صُوفَهُ وَشَعْرَهُ وَنَحْوَهُ) كَوَبَرِهِ أَوْ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ مَوْرِدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ النَّفْعُ وَالْمَقْصُودُ هَهُنَا الْعَيْنُ، وَهِيَ لَا تُمْلَكُ وَلَا تُسْتَحَقُّ بِإِجَارَةٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَجُوزُ إجَارَةُ حَيَوَانٍ لِأَخْذِ لَبَنِهِ وَالْمَذْهَبُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي حَيَوَانٍ (إلَّا فِي الظِّئْرِ) أَيْ آدَمِيَّةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] (
وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَهَائِمِ: أَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْهَا عَمَلٌ مِنْ وَضْعِ الثَّدْيِ فِي فَمِ الْمُرْتَضِعِ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ وَلِلضَّرُورَةِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (اسْتِئْجَارُ شَجَرَةٍ لِيَأْخُذَ ثَمَرَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهَا) كَالْحَيَوَانِ لِأَخْذِ لَبَنِهِ.
(وَنَقْعُ الْبِئْرِ) فِي الدَّارِ وَالْأَرْضِ وَنَحْوِهَا (يَدْخُلُ تَبَعًا لِلدَّارِ وَنَحْوِهَا) لَا أَصَالَةً قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ غَارَ مَاءُ دَارٍ مُؤَجَّرَةٍ فَلَا فَسْخَ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي الْإِجَارَةِ.
وَفِي الْفُصُولِ: لَا يُسْتَحَقُّ بِالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْلَكُ بِالْحِيَازَةِ.
(قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْبِئْرِ لِيَسْتَقِيَ مِنْهُ أَيَّامًا مَعْلُومَةً، أَوْ) يَسْتَقِيَ مِنْهَا (دِلَاءً مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الْبِئْرِ وَعُمْقَهَا فِيهِ نَوْعُ انْتِفَاعٍ بِمُرُورِ الدَّلْوِ فِيهِ، فَأَمَّا الْمَاءُ فَيُؤْخَذُ عَلَى الْإِبَاحَةِ انْتَهَى) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْلَكُ بِالْحِيَازَةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهُ بِرْكَتَهُ لِيَصْطَادَ مِنْهَا السَّمَكَ مُدَّةً مَعْلُومَةً انْتَهَى وَهُوَ وَاضِحٌ إذَا لَمْ تُعْمَلْ لِلسَّمَكِ؛؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الْبِرْكَةِ وَعُمْقَهَا فِيهِ نَوْعُ انْتِفَاعٍ بِمُرُورِ آلَةِ الصَّيْدِ وَالسَّمَكُ يُؤْخَذُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَأَمَّا إذَا عُمِلَتْ لِلسَّمَكِ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِحُصُولِهِ فِيهَا كَمَا يَأْتِي فِي الصَّيْدِ فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ لِأَخْذِهِ لَكِنْ إنْ أَجَّرَهَا قَبْلَ حُصُولِ السَّمَكِ بِهَا لِمَنْ يَصْطَادُهُ مِنْهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً صَحَّ فَإِذَا حَصَلَ فِيهَا فَلَهُ صَيْدُهُ (وَيَدْخُلُ أَيْضًا تَبَعًا حِبْرُ نَاسِخٍ) وَأَقْلَامُهُ فِي اسْتِئْجَارٍ عَلَى نَسْخٍ (وَخُيُوطُ خَيَّاطٍ) فِي اسْتِئْجَارٍ عَلَى خِيَاطَةٍ (وَكُحْلُ كَحَّالٍ) فِي اسْتِئْجَارٍ عَلَى كُحْلٍ (وَمَرْهَمُ طَبِيبٍ) فِي اسْتِئْجَارِهِ لِمُدَاوَاةٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً (وَصِبْغُ صَبَّاغٍ) فِي إجَارَةٍ لِصَبْغٍ (وَنَحْوِهِ) كَقَلْيِ قَصَّارٍ وَقَرَظِ دَبَّاغٍ، وَلِصَاقِ لَصَّاقٍ، وَمَاءِ عَجَّانٍ.
(وَسُئِلَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ عَنْ إجَارَةِ بَيْتِ الرَّحَى الَّذِي يُدِيرُهُ الْمَاءُ؟ فَقَالَ: الْإِجَارَةُ عَلَى الْبَيْتِ وَالْأَحْجَارِ وَالْحَدِيدِ وَالْخَشَبِ، فَأَمَّا الْمَاءُ فَإِنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَيَنْضَبُ) أَيْ يَغُورُ (وَيَذْهَبُ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ إجَارَةٌ) لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ) «لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْعَسْبُ إعْطَاءُ الْكِرَاءِ عَلَى الضِّرَابِ عَلَى أَحَدِ التَّفَاسِيرِ وَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَاءُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ الْعِوَضَ عَنْهُ كَالْمَيْتَةِ (فَإِنْ احْتَاجَ) إنْسَانٌ (إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدْ مِنْ يَطْرُقُ لَهُ) دَابَّتَهُ مَجَّانًا (جَازَ لَهُ) أَيْ لِرَبِّ الدَّابَّةِ (أَنْ يَبْذُلَ الْكِرَاءَ) ؛؛ لِأَنَّهُ بَذْلٌ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا، فَجَازَ (كَشِرَاءِ الْأَسِيرِ وَرِشْوَةِ الظَّالِمِ لِيَدْفَعَ ظُلْمَهُ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُطْرِقِ) وَهُوَ رَبُّ الْفَحْلِ (أَخْذُهُ) أَيْ الْعِوَضِ لِلنَّهْيِ السَّابِقِ، (وَإِنْ أَطْرَقَ إنْسَانٌ فَحْلَهُ بِغَيْرِ إجَارَةٍ وَلَا شَرْطٍ فَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ أَوْ أُكْرِمَ بِكَرَامَةٍ لِذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ) ؛؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَعْرُوفًا فَجَازَتْ مُجَازَاتُهُ (
عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى شَيْئًا كَالْحَمَّامِ، فَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّهُ مُقْتَضَى النَّظَرِ وَحَمَلَهُ فِي الْمُغْنِي عَلَى الْوَرَعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَلَوْ أَنَزَاهُ عَلَى فَرَسِهِ فَنَقَصَ ضَمِنَ النَّقْصَ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْعَيْنِ) الْمُؤَجَّرَةِ (بِرُؤْيَةٍ) إنْ كَانَتْ تَنْضَبِطُ بِالصِّفَاتِ، كَالدَّارِ وَالْحَمَّامِ (أَوْ صِفَةٍ يَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ) أَيْ الْمُؤَجَّرِ (كَمَبِيعٍ) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ وَإِنْ جَرَتْ الْإِجَارَةُ فِي الْمَوْصُوفَةِ فِي الذِّمَّةِ بِلَفْظِ سَلَمٍ اُعْتُبِرَ قَبْضُ أُجْرَةٍ بِمَجْلِسِ عَقْدٍ وَتَأْجِيلُ نَفْعٍ، فَيَجْرِي السَّلَمُ فِي الْمَنَافِعِ كَالْأَعْيَانِ، (فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ) الْمَعْرِفَةُ (بِهَا) أَيْ الصِّفَةِ بِأَنْ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ (أَوْ كَانَتْ) الصِّفَةُ (لَا تَأْتِي فِيهَا) أَيْ الْمُؤَجَّرَةِ (كَالدَّارِ وَالْعَقَارِ) مِنْ بَسَاتِينَ وَنَخِيلٍ وَأَرْضٍ وَعَطْفُهُ عَلَى الدَّارِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ (فَتُشْتَرَطُ مُشَاهَدَتُهُ وَتَحْدِيدُهُ، وَمُشَاهَدَةُ قَدْرِ الْحَمَّامِ، وَمَعْرِفَةُ مَائِهِ، وَ) مَعْرِفَةُ (مَصْرِفِهِ) أَيْ الْمَاءِ (وَمُشَاهَدَةُ الْإِيوَانِ، وَمَطْرَحِ الرَّمَادِ، وَمَوْضِعِ الزِّبْلِ) وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ كَرِهَ كِرَاءَ الْحَمَّامِ؛؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ مَنْ تَنْكَشِفُ عَوْرَتُهُ فِيهِ، حَمَلَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا حَيْثُ حَدَّدَهُ، وَذَكَرَ جَمِيعَ آلَتِهِ شُهُورًا مُسَمَّاةً.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ) ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ لِمَنَافِعَ أَشْبَهَتْ بَيْعَ الْأَعْيَانِ (فَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ) الْعَبْدِ (الْآبِقِ، وَ) لَا الْجَمَلِ (الشَّارِدِ) وَقِيَاسُ الْبَيْعِ وَلَوْ مِنْ قَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِهِمَا.
(وَ) لَا إجَارَةُ (الْمَغْصُوبِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ) أَيْ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ كَبَيْعِهِ وَكَذَا الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ.
(وَلَا) تَصِحُّ (إجَارَةُ مُشَاعٍ مُفْرَدٍ لِغَيْرِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُؤَجِّرَ (لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) إلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَلَا وَلَايَةَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْمَغْصُوبِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْعَيْنُ (لِوَاحِدٍ فَأَجَّرَ) رَبُّ الْعَيْنِ (نِصْفَهُ) أَيْ نِصْفَ الْمُؤَجَّرِ (صَحَّ؛؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ) إذْ الْعَيْنُ كُلُّهَا لَهُ، فَيُسَلِّمُهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ، ثُمَّ إنْ أَجَّرَ النِّصْفَ الْآخَرَ لِلْأَوَّلِ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَوَجْهَانِ (إلَّا أَنَّهُ يُؤْجِرَ الشَّرِيكَانِ) الْمُشْتَرَكَ (مَعًا) لِوَاحِدٍ، فَيَصِحُّ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (أَوْ) يُؤَجِّرَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَوْ لِغَيْرِهِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ شَرِيكِهِ.
(قَالَهُ فِي الْفَائِقِ وَهُوَ مُقْتَضَى تَعْلِيلِهِمْ) بِكَوْنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ فَقَدْ قَدَرَ عَلَى التَّسْلِيمِ وَقَدْ يُمْنَعُ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِذْنِ فِي الْإِجَارَةِ الْإِذْنُ فِي التَّسْلِيمِ وَأَيْضًا الْإِذْنُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، فَإِذَا أَذِنَ ثُمَّ رَجَعَ صَحَّ رُجُوعُهُ، فَلَا يَتَأَتَّى التَّسْلِيمُ وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ أَنَّ الْعَيْنَ لَوْ كَانَتْ (
لِجَمْعٍ فَأَجَّرَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَاقِينَ لَمْ تَصِحَّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَا تَصِحُّ إلَّا لِشَرِيكِهِ بِالْبَاقِي أَوْ مَعَهُ لِثَالِثٍ.
(وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةُ (عَيْنٍ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَهِيَ) أَيْ الْعَيْنُ (لِوَاحِدٍ؛) ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ إجَارَةَ الْمُشَاعِ.
(وَعَنْهُ) أَيْ الْإِمَامِ بَلَى تَصِحُّ إجَارَةُ الْمُشَاعِ لِغَيْرِ الشَّرِيكِ (اخْتَارَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ أَبُو حَفْصٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَلْوَانِيُّ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَابْنُ عَبْدِ الْهَادِي قَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، انْتَهَى وَعَلَيْهِ، فَتَصِحُّ إجَارَةُ الْعَيْنِ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ وَهِيَ لِوَاحِدٍ.
وَإِنْ أَجَّرَ اثْنَانِ دَارَهُمَا مِنْ وَاحِدٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا بِعَشَرَةٍ وَالْآخَرَ بِعِشْرِينَ صَحَّ.
وَإِنْ أَجَّرَ اثْنَانِ دَارَهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ أَقَالَهُ أَحَدٌ صَحَّ، وَبَقِيَ الْعَقْدُ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ نَقُولَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ فِي الْكُلِّ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ اشْتِمَالُهَا عَلَى الْمَنْفَعَةِ) الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا (فَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ لِلْحَمْلِ) أَوْ الرُّكُوبِ (وَلَا) إجَارَةُ (أَخْرَسَ عَلَى تَعْلِيمِ مَنْطُوقٍ، وَلَا) إجَارَةُ (أَعْمَى لِلْحِفْظِ) أَيْ لِيَحْفَظَ شَيْئًا يَحْتَاجُ إلَى رُؤْيَةٍ؛؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ.
(وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةُ (كَافِرٍ لِعَمَلٍ فِي الْحَرَمِ) ؛؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ الشَّرْعِيَّ كَالْحِسِّيِّ، (وَلَا) إجَارَةُ (لِقَلْعِ سِنٍّ سَلِيمَةٍ أَوْ قَطْعِ يَدٍ سَلِيمَةٍ) وَكَذَا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ.
(وَلَا الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ عَلَى كَنْسِ الْمَسْجِدِ فِي حَالَةٍ لَا تَأْمَنُ فِيهَا تَلْوِيثَهُ) قُلْتُ: وَكَذَا مَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى، (وَلَا عَلَى تَعْلِيمِ الْكَافِرِ الْقُرْآنَ) قُلْتُ: وَيَنْبَغِي مِثْلُهُ التَّفْسِيرُ وَالْحَدِيثُ وَكِتَابُ نَحْوٍ يَشْتَمِلُ عَلَى آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ (وَلَا) إجَارَةٌ (عَلَى تَعْلِيمِ السِّحْرِ وَالْفُحْشِ وَالْخِنَاءِ) بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْمَدِّ (أَوْ عَلَى تَعْلِيمِ التَّوْرَاةِ وَالْكُتُبِ الْمَنْسُوخَةِ) قُلْتُ: أَوْ الْعُلُومِ الْمُحَرَّمَةِ؛ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَنْعَ الشَّرْعِيَّ كَالْحِسِّيِّ.
(وَلَا) تَصِحُّ (إجَارَةُ أَرْضٍ لَا تُنْبِتُ لِلزَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا حَمَامٍ لِحَمْلِ كُتُبٍ) لِتَعْذِيبِهِ قَالَهُ فِي الْمُوجَزِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: هُوَ أَوْلَى.
وَالشَّرْطُ (الْخَامِسُ: كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مَمْلُوكَةً لِلْمُؤَجِّرِ أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِيهَا) ؛؛ لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنَافِعِ فَاشْتُرِطَ فِيهَا ذَلِكَ كَالْبَيْعِ فَلَوْ أَجَّرَ مَا لَا يَمْلِكُهُ وَلَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ كَبَيْعِهِ.
(وَتَصِحُّ إجَارَةُ مُسْتَأْجَرِ) الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ (لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) فِي اسْتِيفَاءِ النَّفْعِ (أَوْ) لِمَنْ (دُونَهُ فِي الضَّرَرِ) ؛؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَمَّا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ، جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ) لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤْجِرَهَا (لِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ، (وَلَا) إجَارَتُهَا (لِمَنْ يُخَالِفُ ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ) لِمَا مَرَّ (مَا لَمْ يَكُنْ الْمَأْجُورُ (
حُرًّا كَبِيرًا) كَانَ (أَوْ صَغِيرًا) خِلَافًا لِلتَّنْقِيحِ، حَيْثُ قَيَّدَ بِالْكَبِيرِ (فَإِنَّهُ لَيْسَ لِمُسْتَأْجِرٍ أَنْ يُؤَجِّرَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ يَدُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ يُسَلِّمُ نَفْسَهُ إنْ كَانَ كَبِيرًا، (أَوْ يُسَلِّمُهُ وَلِيُّهُ) إنْ كَانَ صَغِيرًا.
(وَتَصِحُّ) إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ (لِغَيْرِ مُؤَجِّرِهَا وَ) تَصِحُّ (لِمُؤَجِّرِهَا بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ، وَ) بِ (زِيَادَةٍ) عَلَى الْأُجْرَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ بِرَأْسِ الْمَالِ، فَجَازَ بِزِيَادَةٍ (وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْ) الْمُسْتَأْجِرُ (الْمَأْجُورَ) سَوَاءٌ أَجَّرَهُ لِمُؤْجِرِهِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْعَيْنِ لَا يَنْتَقِلُ بِهِ الضَّمَانُ إلَيْهِ فَلَمْ يَقِفْ جَوَازُ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَكِيلِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (مَا لَمْ تَكُنْ) إجَارَتُهُ لِمُؤَجِّرِهِ بِزِيَادَةٍ (حِيلَةً) كَعِينَةٍ بِأَنْ أَجَّرَهَا بِأُجْرَةٍ حَالَّةً نَقْدًا ثُمَّ أَجَّرَهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ مُؤَجَّلًا، فَلَا يَصِحُّ لِمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ الْعِينَةِ.
(وَلَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ) الْأَوَّلِ (مُطَالَبَةُ الْمُؤَجِّرِ الثَّانِي بِالْأُجْرَةِ) ؛؛ لِأَنَّ غَرِيمَ الْغَرِيمِ لَيْسَ بِغَرِيمٍ قُلْتُ: إنْ غَابَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ أَوْ امْتَنَعَ فَلِلْمُؤْجِرِ رَفْعُ الْأَمْرِ لِلْحَاكِمِ فَيَأْخُذُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ الثَّانِي وَيُوَفِّيهِ أُجْرَتَهُ، أَوْ مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ حَفِظَهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَإِنْ بَقِيَ لَهُ شَيْءٌ فَمَتَى وُجِدَ لَهُ مَالٌ وَفَّاهُ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.
(وَإِذَا تَقَبَّلَ) الْأَجِيرُ (عَمَلًا فِي ذِمَّتِهِ بِأُجْرَةٍ كَخِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَهُ غَيْرُهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا) أَيْ أُجْرَتِهِ (وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ بِشَيْءٍ) مِنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَقْبَلَهُ بِمِثْلِ الْأَجْرِ الْأَوَّلِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ بِدُونِهِ كَالْبَيْعِ، وَكَإِجَارَةِ الْعَيْنِ.
(وَلِمُسْتَعِيرٍ إجَارَتُهَا) أَيْ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ (إنْ أَذِنَ لَهُ مُعِيرٌ فِيهَا) أَيْ فِي إجَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهَا لَجَازَ فَكَذَا فِي إجَارَتِهَا وَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَجَازَ بِإِذْنِهِ وَقَوْلُهُ (مُدَّةً يُعَيِّنُهَا) مُتَعَلِّقٌ بِإِجَارَتِهَا؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ إنْ عَيَّنَ لَهُ رَبُّهَا مُدَّةً تَقَيَّدَ بِهَا وَإِلَّا فَكَوَكِيلٍ مُطْلَقٍ يُؤَجِّرُ الْعُرْفَ كَمَا يَأْتِي (وَالْأُجْرَةُ لِرَبِّهَا) دُونَ الْمُسْتَعِيرِ لِانْفِسَاخِ الْعَارِيَّةِ بِوُرُودِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا؛ لِكَوْنِ الْإِجَارَةِ أَقْوَى لِلُزُومِهَا.
(وَلَا يَضْمَنُ مُسْتَأْجِرٌ) مِنْ مُسْتَعِيرٍ وَيَأْتِي فِي الْعَارِيَّةِ.
(وَتَصِحُّ إجَارَةُ وَقْفٍ؛) ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَجَازَ لَهُ إجَارَتُهَا كَالْمُسْتَأْجِرِ (فَإِنْ مَاتَ الْمُؤَجِّرُ انْفَسَخَتْ) الْإِجَارَةُ (إنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ نَاظِرًا بِأَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ لِكَوْنِهِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَلَمْ يَشْرِطْ الْوَاقِفُ نَاظِرًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ يَكُونُ لَهُ النَّظَرُ إذَا لَمْ يَشْرِطْ الْوَاقِفُ نَاظِرًا) وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَوَجْهُ انْفِسَاخِهَا إذَنْ أَنَّ الْبَطْنَ الثَّانِيَ يَسْتَحِقُّ الْعَيْنَ بِجَمِيعِ مَنَافِعِهَا تَلَقِّيًا مِنْ الْوَاقِفِ بِانْقِرَاضِ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ الْمُطْلَقِ فَإِنَّ الْوَارِثَ يَمْلِكُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَوْرُوثِ فَلَا يَمْلِكُ إلَّا (
مَا خَلَّفَهُ وَحَقُّ الْمُوَرِّثِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ مِيرَاثِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ آثَارُهُ بَاقِيَةٌ فِيهِ؛ لِهَذَا تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ (وَإِنْ جَعَلَ لَهُ) أَيْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (الْوَاقِفُ النَّظَرَ) بِأَنْ قَالَ: النَّظَرُ لِزَيْدٍ أَوْ لِلْأَرْشَدِ، فَالْأَرْشَدِ وَنَحْوِهِ (أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى جَعْلِ النَّظَرِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (فَلَهُ النَّظَرُ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَالشَّرْطِ وَلَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ) ؛؛ لِأَنَّ إيجَارَهُ هُنَا بِطَرِيقِ الْوَلَايَةِ وَمَنْ يَلِي بَعْدَهُ إنَّمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيمَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ الْأَوَّلُ (فَيَرْجِعُ مُسْتَأْجِرٌ) عَجَّلَ الْأُجْرَةَ (عَلَى مُؤَجِّرٍ قَابِضٍ) لِلْأُجْرَةِ (فِي تَرِكَتِهِ حَيْثُ قُلْنَا: تَنْفَسِخُ) الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ كَالْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى؛؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ لَهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُهَا فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا تَسْقُط قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (مُقْطَعٌ) أَرْضًا ارْتِفَاقًا إذَا (أَجَّرَ إقْطَاعَهُ انْتَقَلَ) مَا أَجَّرَهُ (إلَى غَيْرِهِ بِإِقْطَاعٍ آخَرَ) فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَيَأْخُذُ الْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ مَا يُقَابِلُ زَمَنَ اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ، وَيَرْجِعُ مُسْتَأْجِرٌ عَلَى قَابِضٍ.
(وَإِنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ) لِلْوَقْفِ (النَّاظِرَ الْعَامَّ) وَهُوَ الْحَاكِمُ (أَوْ مَنْ شَرَطَ لَهُ الْوَاقِفُ النَّظَرَ، وَكَانَ أَجْنَبِيًّا أَوْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ لَمْ تَنْفَسِخْ) الْإِجَارَةُ (بِمَوْتِهِ وَلَا بِعَزْلِهِ) فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ قَبْلَهَا، كَمَا لَوْ أَجَّرَ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَمَاتَ، أَوْ عُزِلَ قَبْلَ دُخُولِ سَنَةِ خَمْسٍ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ أَجَّرَ بِطَرِيقِ الْوَلَايَةِ وَمَنْ يَلِي النَّظَرَ بَعْدَهُ إنَّمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيمَا لَمْ يَتَصَرَّفْ هُوَ فِيهِ وَ (كَمِلْكِهِ الْمُطْلَقِ) إذَا أَجَّرَهُ ثُمَّ مَاتَ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَاَلَّذِي يَتَوَجَّهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَسْلِفُوا الْأُجْرَةَ؛؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا الْمَنْفَعَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ، وَلَا الْإِجَارَةَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ (فَالتَّسَلُّفُ لَهُمْ قَبْضُ مَا لَا يَسْتَحِقُّونَهُ بِخِلَافِ الْمَالِكِ وَعَلَى هَذَا فَلِلْبَطْنِ الثَّانِي أَنْ يُطَالِبَ بِالْأُجْرَةِ الْمُسْتَأْجِرَ الَّذِي سَلَّفَ الْمُسْتَحِقِّينَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّسْلِيفُ، وَلَهُمْ أَنْ يُطَالِبُوا النَّاظِرَ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسَلِّفَ) ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ (وَكَمَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ) عَطْفٌ عَلَى كَمِلْكِهِ الْمُطْلَقِ، أَيْ وَكَمَا لَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ مُسْتَأْجِرٍ.
(وَإِذَا أَجَّرَ الْوَلِيُّ الْيَتِيمَ) مُدَّةً (أَوْ) أَجَّرَ (مَالَهُ) مُدَّةً (أَوْ) أَجَّرَ (السَّيِّدُ الْعَبْدَ مُدَّةً) مَعْلُومَةً (ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَرَشَدَ وَعَتَقَ الْعَبْدُ) قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ (فَإِنْ كَانَ) الْوَلِيُّ (يَعْلَمُ بُلُوغَ الصَّبِيِّ فِيهَا) أَيْ فِي الْمُدَّةِ بِأَنْ أَجَّرَهُ سَنَتَيْنِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً (أَوْ) كَانَ السَّيِّدُ يَعْلَمُ (عِتْقَ الْعَبْدِ) فِيهَا (بِأَنْ كَانَ) عِتْقُهُ (مُعَلَّقًا) عَلَى شَيْءٍ يُوجَدُ فِيهَا (انْفَسَخَتْ) الْإِجَارَةُ (وَقْتَ عِتْقِهِ) أَيْ الْعَبْدِ.
(وَ) وَقْتَ (بُلُوغِهِ) أَيْ الْيَتِيمِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى أَنْ تَصِحَّ عَلَى جَمِيعِ مَنَافِعِهِمَا طُولَ عُمُرِهِمَا وَإِلَى أَنْ يَتَصَرَّفَ كُلٌّ (