كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 177-216
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حَالَ الْحَوْلُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَأَجْزَأَتْهُ مِنْهَا وَبَرِئَ بِقَدْرِهَا مِنْ الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ إنْ نَوَاهُمَا مَعًا.

(الْخَامِسُ) مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (مُضِيِّ الْحَوْلِ) وَفِي نُسَخٍ (شَرْطٌ عَلَى نِصَابٍ تَمَامُ) الْحَوْلِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ حَارِثَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالَ النَّسَائِيُّ: مَتْرُوكٌ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْد بْنِ أَسْلَمَ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَرِفْقًا بِالْمَالِكِ وَلِيَتَكَامَلَ النَّمَاءُ فَيُوَاسِي مِنْهُ (وَيُعْفَى عَنْ) نَقْصٍ (نَحْوَ سَاعَتَيْنِ) وَكَذَا نِصْفِ يَوْمٍ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَالْمُنْتَهَى وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا يُؤَثِّرُ نَقْصُهُ دُونَ الْيَوْمِ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا وَلَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ نَقْصًا (إلَّا فِي الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ) وَمَا فِي حُكْمِهِ كَالْعَسَلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وَذَلِكَ يَنْفِي اعْتِبَارَهُ فِي الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ وَأَمَّا الْعَسَلُ وَالْمَعْدِنُ وَالرِّكَازُ فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهَا تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهَا عِنْدَ وُجُودِهَا، ثُمَّ لَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ لِعَدَمِ إرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ، إلَّا الْمَعْدِنِ مِنْ الْأَثْمَانِ فَتَجِبْ فِيهَا عِنْدَ كُلِّ حَوْلٍ، لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ النَّمَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا قِيَمُ الْأَمْوَالِ (فَإِذَا اسْتَفَادَ مَالًا، وَلَوْ) كَانَ الْمَالُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا يَمْلِكُهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ) لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا نِتَاجَ السَّائِمَةِ) بِكَسْرِ النُّونِ.
(وَ) إلَّا (رِبْحَ التِّجَارَةِ فَإِنَّ حَوْلَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الرِّبْحِ وَالنِّتَاجِ (حَوْلُ أَصْلِهِ) فَيُضَمَّانِ إلَيْهِ (إنْ كَانَ أَصْلُهُ نِصَابًا) لِقَوْلِ عُمَرَ: " اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ وَلَا تَأْخُذُهَا مِنْهُمْ رَوَاهُ مَالِكُ وَلِقَوْلِ عَلِيِّ " عِدَّ عَلَيْهِمْ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ وَلَمْ يُعْرَف لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ السَّائِمَةَ تَخْتَلِفُ فِي وَقْتِ وِلَادَتِهَا فَإِفْرَادُ كُلِّ وَاحِدَةٍ يَشُقُّ، فَجُعِلَتْ تَبَعًا لِأُمَّهَاتِهَا، وَلِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا فِي الْمِلْكِ فَتَتْبَعُهَا فِي الْحَوْلِ، وَرِبْحُ التِّجَارَةِ كَذَلِكَ مَعْنًى، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ حُكْمًا.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْأَصْلُ (نِصَابًا، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ كَمُلَ النِّصَاب) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّبَعِيَّةُ، فَلِذَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَقَبْلَ ذَلِكَ لَا يَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ لِنُقْصَانِهِ عَنْ النِّصَابِ (وَيَضُمُّ الْمُسْتَفَادَ إلَى نِصَابٍ بِيَدِهِ مِنْ جِنْسِهِ) كَمَا لَوْ مَلَكَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ مَلَكَ عَشْرَةَ مَثَاقِيلَ فِي صَفَرٍ، فَتُضَمُّ إلَى الْعِشْرِينَ الْأُولَى (أَوْ فِي حُكْمِهِ) أَيْ: حُكْمِ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ، كَمِائَةِ دِرْهَمٍ

فِضَّةٍ مَلَكهَا بَعْدَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا (وَيُزَكَّى كُلُّ مَالٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ) لِوُجُودِ النِّصَابِ، وَلَوْ بِالضَّمِّ وَمُضِيِّ الْحَوْلِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي الْمُسْتَفَادِ) اكْتِفَاءً بِضَمِّهِ إلَى جِنْسِهِ، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ (وَإِنْ كَانَ) الْمُسْتَفَادُ مِنْ (غَيْرِ جِنْسِ النِّصَابِ وَلَا فِي حُكْمِهِ فَلَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ) فَإِنْ بَلَغَ نِصَابًا زَكَّاهُ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَا، فَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةٍ فِي صَفَرٍ، زَكَّى كُلًّا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَلَكَ عِشْرِينَ بَقَرَةٍ (فَلَا يَضُمُّ) الْمُسْتَفَادَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ (إلَى مَا عِنْدَهُ فِي حَوْلٍ وَلَا نِصَابٍ) لِمُخَالَفَتِهِ لَهُ فِي الْحُكْمِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا (وَلَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ: الْمُسْتَفَادِ (إنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا) لَفَقَدَ شَرْطَ الزَّكَاةِ.

(وَلَا يَبْنِي وَارِثٌ عَلَى حَوْلِ مُوَرِّثٍ) نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ (بَلْ يَسْتَأْنِفُ حَوْلًا) مِنْ حِينِ مِلْكِهِ.

(وَإِنْ مَلَّكَ نِصَابًا صِغَارًا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ» لِأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَلِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتَهُمْ عَلَى مَنْعِهَا " وَهِيَ لَا تَجِبُ فِي الْكِبَارِ (فَلَوْ تَغَذَّتْ) الصِّغَارُ (بِاللَّبَنِ فَقَطْ لَمْ تَجِبْ) الزَّكَاةُ (لِعَدَمِ السَّوْمِ) اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَقِيلَ: تَجِبهُ لِوُجُوبِهَا فِيهَا تَبَعًا لِلْأُمَّهَاتِ.

(وَلَا يَنْقَطِعُ) الْحَوْلُ (بِمَوْتِ الْأُمَّهَاتِ وَالنِّصَابُ تَامٌّ بِالنِّتَاجِ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّة، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ النِّصَابُ تَامًّا انْقَطَعَ لِنَقْصِ النِّصَابِ.

(وَلَا) يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ (بِبَيْعٍ فَاسِدٍ) لِأَنَّهُ لَا يُنْقَلُ الْمِلْكُ إنْ لَمْ يَحْكُم بِهِ مَنْ يَرَاهُ.
(وَمَتَى نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) انْقَطَعَ لِأَنَّ وُجُودَ النِّصَابِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَلَمْ يُوجَد وَظَاهِرُهُ سَوَاءً كَانَ النَّقْصُ فِي وَسَطِ الْحَوْلِ أَوْ طَرَفَيْهِ، وَعَدَمُ الْعَفْوِ عَنْهُ مُطْلَقًا، لَكِنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ فِي الْأَثْمَانِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ بَاعَهُ) أَيْ: النِّصَابَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَلَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ (أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) كَمَنْ بَاعَ أَوْ أَبْدَلَ أَرْبَعِينَ شَاةً بِثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ ارْتَدَّ مَالِكُهُ) أَيْ: النِّصَابِ (انْقَطَعَ الْحَوْلُ) لِفَوَاتِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْوُجُوبِ (إلَّا فِي إبْدَالِ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ وَعَكْسُهُ) كَإِبْدَالِ فِضَّةٍ بِذَهَبٍ (وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ) أُبْدِلَتْ بِأَثْمَانٍ أَوْ عُرُوضِ تِجَارَةٍ.
(وَ) إلَّا فِي (أَمْوَالِ الصَّيَارِفِ) فَلَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ فِي هَذِهِ بِالْإِبْدَالِ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِي ضَمِّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، وَلِذَلِكَ تُجْزِئُ زَكَاةُ الذَّهَبِ مِنْ الْفِضَّةِ وَعَكْسِهِ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ فِي الزَّكَاةِ قِيمَتُهَا لَا عَيْنُهَا كَمَا يَأْتِي وَعَطْفُ أَمْوَالِ الصَّيَارِف عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ

عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْهُ (وَيُخْرِجُ) الزَّكَاةَ (مِمَّا مَعَهُ عِنْد وُجُوبِ الزَّكَاةِ) أَيْ: تَمَامِ الْحَوْلِ ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةٍ، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ يُخْرَجُ مِنْ قِيمَتِهَا كَمَا يَأْتِي.

(وَلَا يَنْقَطِعُ) الْحَوْلُ (فِيمَا أُبْدِلَ بِجِنْسِهِ مِمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ) كَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَأَكْثَرَ مِنْ إبِلٍ (حَتَّى لَوْ أَبْدَلَ نِصَابًا مِنْ السَّائِمَةِ بِنِصَابَيْنِ) كَثَلَاثِينَ بَقَرَةٍ أَبْدَلَهَا بِسِتِّينَ بَقَرَةٍ (زَكَّاهُمَا) إذَا تَمَّ حَوْلُ الْأَوَّلِ، كَنِتَاجٍ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيد: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ غَنَمٌ سَائِمَةٌ فَيَبِيعُهَا بِضِعْفِهَا مِنْ الْغَنَمِ، أَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيهَا كُلَّهَا أَمْ يُعْطِي زَكَاةَ الْأَصْلِ قَالَ: بَلْ يُزَكِّيهَا عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي السَّخْلَةِ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي لِأَنَّ نَمَاءَهَا مَعَهَا قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ قَالَ: يُزَكِّيهَا كُلَّهَا عَلَى حَدِيثِ حَمَاسٍ فَأَمَّا إنْ بَاعَ النِّصَابَ بِدُونِ النِّصَابِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ.
وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَتَانِ فَبَاعَهَا بِمِائَةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ مِائَةٍ (وَلَوْ أَبْدَلَ نِصَابَ سَائِمَةٍ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ بَعْد أَنْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) أَوْ تَمَّ الْحَوْلُ (فَلَهُ الرَّدُّ) لِلْعَيْبِ.
(وَلَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْهُ) لِاسْتِقْرَارِهَا بِمُضِيِّ الْحَوْلِ، كَمَا لَوْ تَلَفَ النِّصَابُ (فَإِنْ أَخْرَجَ) الزَّكَاةَ (مِنْ النِّصَابِ، فَلَهُ رَدُّ مَا بَقِيَ) مِنْهُ لِعَيْبِهِ (وَيَرُدُّ قِيمَةَ الْمُخْرَجِ) لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى رَبِّهِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ (فِي قِيمَتِهِ) حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.
(وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) كَغَنَمٍ بِبَقَرٍ (ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ) كَغَبْنٍ أَوْ تَدْلِيسٍ، أَوْ خِيَارِ شَرْطٍ، أَوْ اخْتِلَافٍ فِي الصِّفَةِ (اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ) مِنْ حِينِ الرَّدِّ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ رَدَّ هُوَ لِذَلِكَ " تَنْبِيهٌ " عَطْفُهُ الْأَبْدَالَ عَلَى الْبَيْعِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرَانِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الْمُبَادَلَةُ، هَلْ هِيَ بَيْعٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّهُ بِجَوَازِ إبْدَالِ الْمُصَحَّفِ لَا بَيْعِهِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ: الْمُعَاطَاةُ بَيْعٌ وَالْمُبَادَلَةُ مُعَاطَاةٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا عَبَّرَ بِالْبَيْعِ وَبَعْضُهُمْ بِالْأَبْدَالِ وَدَلِيلُهُمْ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَمَتَى قَصَدَ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا تَقَدَّمَ كَإِتْلَافٍ (الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ الْحَوْلِ حَرُمَ وَلَمْ تَسْقُط) الزَّكَاةُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: 17]- الْآيَاتِ فَعَاقَبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ، لِفِرَارِهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ إسْقَاطَ حَقِّ غَيْرِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ كَالْمُطَلِّقِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَقَوْله: بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ الْحَوْلِ: هُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
وَفِي الْمُقْنِعِ:

عِنْد قُرْبِ وُجُوبِهَا وَفِي الرِّعَايَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمَيْنِ وَقِيلَ: أَوْ بِشَهْرَيْنِ، لَا أَزْيَد قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْهَا لَا تَسْقُطُ مُطْلَقًا أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ اهـ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى.
(وَيُزَكِّي) الْبَائِعُ وَنَحْوِهِ (مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ لِذَلِكَ الْحَوْلِ) الَّذِي وَقَعَ الْفِرَارُ فِيهِ، دُونَ مَا بَعْده لِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّحَيُّل فِيهِ.
(وَإِنْ قَالَ) مَنْ بَاعَ النِّصَابَ وَنَحْوَهُ (لَمْ أَقْصِدْ الْفِرَارَ) مِنْ الزَّكَاةِ (فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْفِرَارِ، عُمِلَ بِهَا وَرَدَّ قَوْلُهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ (قُبِلَ قَوْلُهُ) فِي قَصْدِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ إلَّا مِنْهُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ.

(وَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ) الَّذِي تُجْزِئُ زَكَاتُهُ مِنْهُ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ السَّائِمَةِ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَأَكْثَرَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَالْمَعْدِنِ مِنْ النَّقْدَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ» وَقَوْلِهِ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَقَوْلِهِ: «هَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَّةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا» وَ " فِي " لِلظَّرْفِيَّةِ وَ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الْمَالِ وَصِفَاتِهِ، حَتَّى وَجَبَ فِي الْجَيِّدِ وَالْوَسَطِ وَالرَّدِيءِ مَا يَلِيقُ بِهِ فَعُلِمَ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنِهِ لَا بِالذِّمَّةِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْمُوَاسَاةِ فِيهَا وَعَكْسُ ذَلِكَ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَ (لَا) يَجِبُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ (مَنْ عَيْنِهِ) أَيْ: عَيْنِ الْمَالِ الْمُزَكَّى فَيَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَهَا بِالْعَيْنِ، كَالْعَبْدِ الْجَانِي إذَا فَدَاهُ سَيِّدُهُ،.

وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي عَيْنِ النِّصَابِ (فَإِذَا مَضَى حَوْلَانِ فَأَكْثَرُ عَلَى نِصَابٍ) فَقَطْ (لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، فَزَكَاةٌ وَاحِدَةٌ) أَيْ: زَكَاةُ عَامٍ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ مَالًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ النِّصَابِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَمْ يَكُنْ، عَلَيْهِ دَيْنٌ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَعَلَّقَتْ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِقَدْرِهَا مِنْ النِّصَابِ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ فِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ زَكَاةٌ، لِنَقْصِهِ عَنْ النِّصَابِ (وَإِنْ كَانَ) الْمُزَكَّى (أَكْثَرُ مِنْ نِصَابٍ) كَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَاةٍ (نَقَصَ مِنْ زَكَاتِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ نَقْصِهِ) أَيْ: الْمَالِ (بِهَا) أَيْ: بِالزَّكَاةِ لِأَنَّ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ صَارَ مُسْتَحَقًّا لِلْفُقَرَاءِ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ فَفِي الْمِثَالِ لَوْ مَضَى خَمْسَةُ أَحْوَالٍ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَقَطْ وَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمِ فِضَّةٍ، وَمَضَى عَلَيْهَا حَوْلَانِ وَجَبَ تِسْعَةُ عَشْرِ دِرْهَمًا وَنِصْفُ دِرْهَم وَرُبُعُهُ، لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ: عَشْرَةٌ، وَالْبَاقِي لِلْحَوْلِ الثَّانِي.
وَنَقَصَ الرُّبْعُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ أَهْلِ الزَّكَاةِ بِالْعُشْرِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ

زَكَاتُهَا فِي الْحَوْلِ الثَّانِي وَهَكَذَا (إلَّا مَا كَانَ زَكَاتُهُ الْغَنَمَ مِنْ الْإِبِلِ) وَهُوَ مَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ (فَ) تَجِبُ زَكَاتُهُ (فِي الذِّمَّةِ) كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، لِأَنَّ الْفَرْضَ يَجِبُ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ الْمُزَكَّى فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِعَيْنِهِ.
(وَتَتَكَرَّرُ) زَكَاتُهُ (بِتَكْرَارِ الْأَحْوَالِ) لِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِالْمَالِ (فَفِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ بَعِيرًا لِثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ) مَضَتْ (لِأَوَّلِ حَوْلٍ بِنْتُ مَخَاضٍ) لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ (ثُمَّ) عَلَيْهِ، (ثَمَانُ شِيَاهٍ لِكُلِّ حَوْلٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ) وَكَذَا لَوْ مَضَى بَعْدَ ذَلِكَ أَحْوَالٌ، وَلَوْ بَلَغَتْ قِيَمُ الشِّيَاهِ الْوَاجِبَةِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَتَمْتَنِعُ فِيمَا يُقَابِلهَا كَمَا تَقَدَّمَ (فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، امْتَنَعَتْ زَكَاةُ الْحَوْلِ الثَّانِي، لِكَوْنِهَا دَيْنًا) فَيَنْقُصُ بِهَا النِّصَابُ، فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ.

(وَلَوْ بَاعَ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ (النِّصَابَ كُلَّهُ، تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِذِمَّتِهِ، وَصَحَّ الْبَيْعُ) كَبِيَعِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ الْجَانِي (وَيَأْتِي قَرِيبًا، وَتَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالنِّصَابِ) حَيْثُ تَعَلَّقَتْ بِهِ (كَتَعَلُّقِ أَرْشِ جِنَايَةٍ) بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَكَتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ (لَا كَتَعَلُّقِ دَيْنٍ بِرَهْنٍ) أَيْ: مَرْهُونٍ.
(وَلَا) كَتَعَلُّقِ دَيْنِ الْغُرَمَاءِ (بِمَالٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، وَلَا) ك (تَعَلُّقِ شَرِكَةٍ) فَلَا يَصِيرُ الْفُقَرَاءُ شُرَكَاءَ رَبِّ النِّصَابِ فِيهِ، وَلَا فِي نَمَائِهِ، إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ (فَلَهُ) أَيْ: الْمَالِكِ (إخْرَاجُهَا) أَيْ: الزَّكَاةُ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ: النِّصَابِ كَمَا أَنَّ لِلسَّيِّدِ فِدَاءَ عَبْدِهِ الْجَانِي بِخِلَافِ تَعَلُّقِ الشَّرِكَةِ (وَالنَّمَاءُ بَعْدَ وُجُوبِهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (لَهُ) أَيْ: لِلْمَالِكِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الْفُقَرَاءُ كَكَسْبِ الْجَانِي.

(وَلَوْ أَتْلَفَهُ) أَيْ: أَتْلَفَ الْمَالِكُ النِّصَابَ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (لَزِمَهُ مَا وَجَبَ فِي التَّالِفِ) وَهُوَ قَدْرُ زَكَاتِهِ (لَا قِيمَتِهِ) أَيْ: النِّصَابِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِي وَلَوْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ دُونَ قِيمَتِهِ بِخِلَافِ الرَّاهِنِ إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ، تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ مَكَانَهُ.

(وَيَتَصَرَّفُ) الْمَالِكُ (فِيهِ) أَيْ: النِّصَابِ (بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ) كَمَا يَتَصَرَّفُ السَّيِّدُ فِي الْجَانِي بِخِلَافِ الرَّاهِنِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، وَالشَّرِيكُ (وَلَا يَرْجِعُ بَائِعٌ بَعْدَ لُزُومِ بَيْعٍ فِي قَدْرِهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ، حَيْثُ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِهِ.
(وَيُخْرِجُهَا) أَيْ: الزَّكَاةَ الْبَائِعُ، كَمَا لَوْ بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِي لَزِمَهُ فِدَاؤُهُ وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى الْبَائِعِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ الْبَيْعِ (فُسِخَ فِي قَدْرِهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ، لِسَبْقِ وُجُوبِهَا وَمَحَلُّ ذَلِكَ (إنْ صَدَّقَهُ مُشْتَرٍ) عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَعَجَزَ عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْبَائِعِ عَلَيْهِ (وَلِمُشْتَرِ الْخِيَارِ) إذَا رَجَعَ الْبَائِعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ بِشَرْطِهِ، لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِ

(فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (بِمُضِيِّ الْحَوْلِ) عَلَى النِّصَابِ فِي مِلْكِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ التَّامِّ الْمِلْكِ (وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إمْكَانُ الْأَدَاءِ) لِمَفْهُومِ (" لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ") فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ بَعْدَ الْحَوْلِ مُطْلَقًا وَلِأَنَّهَا حَقٌّ لِلْفَقِيرِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا إمْكَانُ الْأَدَاءِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ وَلِأَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ لَمْ يَنْعَقِدْ الْحَوْلُ الثَّانِي، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَنْعَقِدُ عَقِبَ الْأَوَّلِ إجْمَاعًا وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إمْكَانُ الْأَدَاءِ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ وَالْعَاجِزِ عَنْ أَدَائِهِ.

(لَكِنْ لَوْ كَانَ النِّصَابُ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ) أَوْ مَغْصُوبًا أَوْ ضَالًّا وَنَحْوَهُ (لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ مِنْهُ) لِمَا تَقَدَّمَ فَإِمْكَانُ الْأَدَاءِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْإِخْرَاج لَا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ.

(وَلَوْ أُتْلِفَ الْمَالُ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ) مِنْ إخْرَاجِهَا (ضَمِنَهَا) لِاسْتِقْرَارِهَا بِمُضِيِّ الْحَوْلِ (وَلَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ) لِأَنَّهَا عَيْنٌ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ تَسْلِيمِهَا إلَى مُسْتَحَقِّيهَا فَضَمِنَهَا بِتَلَفِهَا فِي يَدِهِ كَعَارِيَّةٍ وَغَصْبٍ، وَكَدَيْنِ الْآدَمِيِّ فَلَا يُعْتَبَرُ بَقَاءُ الْمَالِ (إلَّا الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ، إذَا تَلِفَ بِجَائِحَةٍ قَبْلَ حَصَادٍ وَجُذَاذٍ) أَوْ بَعْدِهِمَا قَبْلَ وَضْعٍ فِي جَرِينٍ وَنَحْوِهِ، لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا قَبْلَ ذَلِكَ (وَيَأْتِي) فِي بَابِ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ.
(وَ) إلَّا (مَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْيَدِ، كَالدُّيُونِ) إذَا سَقَطَتْ بِلَا عِوَضٍ، وَلَا إسْقَاطٍ فَتَسْقُطُ زَكَاتُهَا (وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ) آنِفًا.

وَكَذَا لَا يَضْمَنُ زَكَاةَ دَيْنِهِ إذَا مَاتَ الْمَدِينُ مُفْلِسًا (وَدُيُونُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْر غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَدَيْنِ حَجٍّ سَوَاءً) لِعُمُومِ قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» (فَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ دُيُونِ اللَّهِ (زَكَاةٌ أَوْ غَيْرُهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا لَمْ تَسْقُطْ) لِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ (وَأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» (فَيُخْرِجُهَا وَارِثٌ) لِقِيَامِهِ مُقَامَ مُوَرِّثِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْوَارِثُ (صَغِيرًا فَوَلِيُّهُ) يُخْرِجُهَا لِقِيَامِهِ مُقَامُهُ ثُمَّ الْحَاكِمُ وَسَوَاء وَصَّى بِهَا أَوْ لَا، كَالْعَشْرِ (فَإِنْ كَانَ مَعَهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا مِنْ دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى (دَيْنُ آدَمِيٍّ) بِلَا رَهْنٍ.
(وَضَاقَ مَالُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (اقْتَسَمُوا) التَّرِكَةَ (بِالْحِصَصِ) كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ إذَا ضَاقَ عَنْهَا الْمَالُ (إلَّا إذَا كَانَ بِهِ) أَيْ: دَيْنِ الْآدَمِيِّ (رَهْنٌ فَيُقَدِّم) الْآدَمِيُّ بِدَيْنِهِ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ صُرِفَ فِي الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا (وَتُقَدَّمُ أُضْحِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الدَّيْنِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فِيهِ سَوَاءً كَانَ لَهُ وَفَاءٌ أَوْ

لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ ذَبْحُهَا، فَلَمْ تُبَعْ فِي دَيْنِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيَّا وَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي ذَبْحِهَا وَتَفْرِقَتِهَا.
(وَيُقَدَّمُ نَذْرٌ بِمُعَيَّنٍ عَلَى الزَّكَاةِ وَعَلَى الدَّيْنِ) لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِغَيْرِهِ فَيُصْرَفُ فِيمَا عُيِّنَ لَهُ دُونَ الزَّكَاةِ وَالدَّيْنِ (وَكَذَا لَوْ أَفْلَسَ حَيٌّ) نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُعَيَّنٍ، وَعَيَّنَ أُضْحِيَّةً، وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَدَيْنٌ.

[بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ]

(زَكَاة بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) وَهِيَ الْإِبِلُ الْبَخَاتَى وَالْعِرَابُ، وَالْبَقَرُ الْأَهْلِيَّةُ وَالْوَحْشِيُّ، وَالْغَنَمُ كَذَلِكَ سُمِّيَتْ بَهِيمَةٌ: لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمْ قَالَ عِيَاضٌ: النَّعَمُ: الْإِبِلُ خَاصَّةً فَإِذَا قِيلَ: الْأَنْعَامُ دَخَلَ فِيهِ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَبَدَأَ بِهَا اقْتِدَاءً بِكِتَابِ الصِّدِّيقِ الَّذِي كَتَبَهُ لِأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِطُولِهِ مُفَرِّقًا (وَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (إلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا) لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «فِي كُلِّ إبِلٍ سَائِمَةٍ: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَفِي كِتَابِ الصِّدِّيقِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَفِي الْغَنَمِ: فِي سَائِمَتِهَا، إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ: فَفِيهَا شَاةٌ» الْحَدِيث فَذِكْرُ السَّوْمِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِهَا (لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ) زَادَ بَعْضُهُمْ: وَالتَّسْمِينُ دُونَ الْعَوَامِلِ وَيَأْتِي (وَهِيَ) أَيْ: السَّائِمَةُ (الَّتِي تَرْعَى مُبَاحًا كُلَّ الْحَوْلِ، أَوْ أَكْثَرَهُ، طَرَفًا أَوْ وَسَطًا) يُقَالُ: سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا إذَا رَعَتْ، وَأَسْمَتُّهَا: إذَا رَعَيْتُهَا.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: 10] : وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ السَّوْمُ أَكْثَرَ الْحَوْلِ: لِأَنَّ عَلَفَ السَّوَائِمِ: يَقَعُ فِي السَّنَةِ كَثِيرًا عَادَةً: وَوُقُوعُهُ فِي جَمِيعِ فُصُولِهَا مِنْ غَيْرِ عَارِضٍ يَقْطَعُهُ أَحْيَانًا كَمَطَرٍ أَوْ ثَلْجٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ خَوْفٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: نَادِرٌ فَاعْتِبَارُ السَّوْمِ كُلَّ الْعَامِ إجْحَافٌ بِالْفُقَرَاءِ وَالِاكْتِفَاءُ بِهِ فِي الْبَعْضِ إجْحَافٌ بِالْمُلَّاكِ وَفِي اعْتِبَارِ الْأَكْثَرِ: تَعْدِيلٌ بَيْنَهُمَا وَدَفْعٌ لِأَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِأَدْنَاهُمَا: وَقَدْ أُلْحِقَ الْأَكْثَرُ بِالْكُلِّ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ (فَلَوْ اشْتَرَى لَهَا مَا تَرْعَاهُ، أَوْ جَمَعَ لَهَا مَا تَأْكُلُ) مِنْ مُبَاحٍ (أَوْ أَعْتَلَفَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ أَعْلَفَهَا غَاصِبٌ، أَوْ) أَعْلَفَهَا (رَبُّهَا وَلَوْ حَرَامًا فَلَا زَكَاةَ) فِيهَا لِعَدَمِ السَّوْمِ (وَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي الْعَوَامِلِ أَكْثَرَ السَّنَةِ، وَلَوْ لِإِجَارَةِ وَلَوْ كَانَتْ سَائِمَةً نَصًّا كَالْإِبِلِ الَّتِي تُكْرَى) . أَيْ: تُؤَجَّرُ وَكَذَا الْبَقَرُ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلْحَرْثِ أَوْ الطَّحْنِ وَنَحْوِهِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِي الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
(وَلَوْ نَوَى بِالسَّائِمَةِ الْعَمَلَ لَمْ تُؤَثِّرْ نِيَّتُهُ، مَا لَمْ يُوجَدْ الْعَمَلُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِضَعْفِهَا (وَلَوْ سَامَتْ بَعْضَ الْحَوْلِ وَعُلِفَتْ بَعْضَهُ فَالْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ) فَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ السَّوْمَ: وَجَبَتْ وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.

(وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي مُتَوَلِّدٍ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ) تَغْلِيبًا وَاحْتِيَاطًا (وَلَا يُعْتَبَرُ لِلسَّوْمِ وَالْعَلَفِ نِيَّةٌ فَلَوْ سَامَتْ) الْمَاشِيَةُ (بِنَفْسِهَا أَوْ أَسَامَهَا غَاصِبٌ وَجَبَتْ) الزَّكَاةُ (كَغَصْبِهِ حَبًّا وَزَرْعِهِ فِي أَرْضِ رَبِّهِ فَفِيهِ الْعُشْرُ عَلَى مَالِكِهِ كَمَا لَوْ نَبَّتَ بِلَا زَرْعٍ) أَوْ حَمَلَهُ سَيْلٌ إلَى أَرْضِ رَبِّهِ فَصَارَ زَرْعًا وَيَنْقَطِعُ السَّوْمُ شَرْعًا بِقَطْعِهَا عَنْهُ بِقَصْدِ قَطْعِ الطَّرِيقِ بِهَا وَنَحْوِهِ، كَحَوْلِ التِّجَارَةِ بِنِيَّةِ قِنْيَةِ عَبِيدِهَا كَذَلِكَ، أَوْ ثِيَابِهَا الْحَرِيرِ لِلِبْسٍ مُحَرَّمٌ.

[بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ]

[النَّوْع الْأَوَّل الْإِبِلُ]

(وَهِيَ) أَيْ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ (ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ) كَمَا تَقَدَّمَ (أَحَدُهَا: الْإِبِلُ) بَدَأَ بِهَا لِبُدَاءَةِ الشَّارِعِ حِينَ فَرَضَ زَكَاةَ الْأَنْعَامِ، وَلِأَنَّهَا أَهَمُّ لِكَوْنِهَا أَعْظَمَ النِّعَمِ أَجْسَامًا وَقِيمَةً، وَأَكْثَرَ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا: مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ (فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا) فَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (فَتَجِبُ فِيهَا) أَيْ: الْخَمْسِ (شَاةٌ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (بِصِفَةِ الْإِبِلِ) الْمُزَكَّاةِ (جَوْدَةً وَرَدَاءَةً) فَفِي كِرَامٍ سِمَانٍ كَرِيمَةٌ سَمِينَةٌ.
وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ (فَإِنْ كَانَتْ الْإِبِلُ مَعِيبَةً) لَا تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ (فَالشَّاةُ) الْوَاجِبَة فِيهَا (صَحِيحَةٌ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا بِقَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ) كَشَاةِ الْغَنَمِ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ مِرَاضًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَيُقَالُ لَوْ كَانَتْ صِحَاحًا كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً وَكَانَتْ الشَّاةُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا قِيمَتُهَا خَمْس، ثُمَّ قُوِّمَتْ الْإِبِلُ مِرَاضًا بِثَمَانِينَ فَقَدْ نَقُصَتْ خُمُسُ قِيمَتُهَا لَوْ كَانَتْ صِحَاحًا فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ قِيمَتُهَا أَرْبَعٌ، بِحَسَبِ نَقْصِ الْإِبِلِ وَهُوَ الْخُمُسُ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ (فَإِنْ أَخْرَجَ شَاةً مَعِيبَةً) لَا تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ لَمْ تُجْزِئْهُ، كَإِخْرَاجِهَا عَنْ الْغَنَمِ (أَوْ) أَخْرَجَ (بَعِيرًا، لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَمْ يُجْزِئْهُ (كَ) مَا لَوْ أَخْرَجَ (بَقَرَةً، وَكَنِصْفَيْ شَاتَيْنِ) لِأَنَّ فِيهِ تَشْقِيصًا عَلَى الْفُقَرَاءِ يَلْزَمُ مِنْهُ

سُوءُ الشَّرِكَةِ الَّذِي شَرَعَتْ الشُّفْعَةُ لِإِزَالَتِهِ وَسَوَاءً كَانَتْ قِيمَةُ الْبَعِيرِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ لَا، وَكَمَا لَوْ أَخْرَجَ ذَلِكَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً.

(وَفِي الْعُشْرِ) مِنْ الْإِبِلِ (شَاتَانِ) (وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ) بَعِيرًا (ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَفِي الْعِشْرِينَ: أَرْبَعُ شِيَاهٍ) إجْمَاعًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَمَا دُونِهَا: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» (فَإِنْ كَانَتْ الشَّاةُ مِنْ الضَّأْنِ اُعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَأَكْثَرُ وَإِنْ كَانَتْ الشَّاةُ مِنْ الْمَعْزِ، فَ) الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ لَهَا (سَنَةٌ فَأَكْثَرُ) كَالْأُضْحِيَّةِ.
(وَتَكُونُ) الشَّاةُ (أُنْثَى فَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ) كَشَاةِ الْغَنَمِ (وَكَذَلِكَ شَاةُ الْجُبْرَانِ) تَكُونُ أُنْثَى، تَمَّ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ إنْ كَانَتْ مِنْ الضَّأْنِ، أَوْ سَنَةٌ إنْ كَانَتْ مِنْ الْمَعْزِ (وَأَيُّهُمَا أَخْرَجَ) أَيْ: ثَنِيٌّ مِنْ الْمَعْزِ أَوْ جَذَع مِنْ الضَّأْنِ (أَجْزَأَهُ) لِتَنَاوُلِ الشَّاةِ لَهُمَا (وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا) أَيْ: الشَّاةِ مِنْ (جِنْسِ غَنَمِهِ، وَلَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِ الْبَلَدِ) لِإِطْلَاقِ الْأَخْبَارِ.

(فَإِذَا بَلَغَتْ) الْإِبِلُ (خَمْسًا وَعِشْرِينَ: فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ " فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسُ شِيَاهٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْهُ وَحَكَاهُ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ» وَهِيَ الَّتِي (لَهَا سَنَةٌ) وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ (سُمِّيَتْ بِذَلِكَ: لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ غَالِبًا، وَلَيْسَ) حَمْلُ أُمِّهَا (بِشَرْطٍ) فِي إجْزَائِهَا وَلَا تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَعْرِيفًا بِغَالِبِ حَالِهَا.
(وَالْمَاخِضُ: الْحَامِلُ فَإِنْ كَانَتْ) بِنْتُ الْمَخَاضِ (عِنْدَهُ، وَهِيَ أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ فِيمَا بِيَدِهِ (خُيِّرَ بَيْنَ إخْرَاجِهَا وَبَيْنَ شِرَاءِ بِنْتِ مَخَاضٍ بِصِفَةِ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ، فَيُخْرِجَهَا وَلَا يُجْزِئ ابْنُ لَبُونٍ، لِمَفْهُومِ مَا يَأْتِي (فَإِنْ عَدَمَهَا) أَيْ: بِنْتَ الْمَخَاضِ (أَيْ: لَيْسَتْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِيهِ لَكِنْ مَعِيبَةً أَجْزَأهُ ابْنُ لَبُونٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا» . وَلِأَنَّ الْمَعِيبَةَ وُجُودُهَا كَالْعَدَمِ فَجَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْبَدَلِ (أَوْ خُنْثَى وَلَدِ لَبُونٍ) لِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا هُوَ مُجْزِئٌ (وَهُوَ) أَيْ: ابْنُ اللَّبُونِ (الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ) لِمَا سَيَأْتِي فَيُجْزِئُ.
(وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْهَا) عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَيُجْزِئُ أَيْضًا مَكَانَهَا) أَيْ: بِنْتِ الْمَخَاضِ (حِقٌّ) لَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ (أَوْ جَذَعٌ) لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ (أَوْ ثَنِيٌّ) لَهُ خَمْسُ سِنِينَ.
(وَ) ذَلِكَ (أَوْلَى) بِالْإِجْزَاءِ مِنْ ابْنِ اللَّبُونِ (لِزِيَادَةِ السِّنِّ، وَلَا جُبْرَانَ) لَهُ، وَلَا

عَلَيْهِ إذَا أَخْرَجَ ابْنُ اللَّبُونِ فَمَا فَوْقَهُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ فِي ذَلِكَ وَيُجَزِّئ الْحِقُّ أَوْ الْجَذَعُ أَوْ الثَّنِيُّ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَبِنْتِ لَبُونٍ وَلَهَا جُبْرَانٌ.
(وَلَوْ وُجِدَ ابْنُ لَبُونٍ) لِزِيَادَةِ سِنِّهِ (فَإِنْ عُدِمَ ابْنُ لَبُونٍ) فَمَا فَوْقَهُ (لَزِمَهُ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ) . وَلَا يُجْزِئُهُ ابْنُ لَبُونٍ يَشْتَرِيه إذَنْ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَمِ فَلَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، لِتَرَجُّحِهَا بِالْأَصَالَةِ (وَلَا يُجْبَرُ فَقْدُ أُنُوثِيَّةٍ بِزِيَادَةِ سِنِّ الذَّكَرِ الْمُخْرَجِ فِي غَيْرِ بِنْتِ مَخَاضٍ فَلَا يُخْرِجُ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ حِقًّا، إذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ وَلَا عَنْ الْحِقَّةِ جَذَعًا) وَلَا عَنْ الْجَذَعَةِ ثَنِيًّا مَعَ وُجُودِهِمَا أَوْ عَدَمِهِمَا لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى ابْنِ اللَّبُونِ، مَكَانَ بِنْتِ الْمَخَاضِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ سِنِّ ابْنِ اللَّبُونِ عَلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ وَيَرْعَى الشَّجَرَ بِنَفْسِهِ وَيَرِدُ الْمَاءَ وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي الْحِقِّ مَعَ بِنْتِ اللَّبُونِ لِأَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي هَذَا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدِ زِيَادَةِ السِّنِّ فَلَمْ يُقَابِلْ الْأُنُوثِيَّةِ وَلِأَنَّ تَخْصِيصَهُ فِي الْحَدِيثِ بِالذَّكَرِ دُونَ غَيْرِهِ يَدُلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ.

(وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ) بَعِيرًا (بِنْتُ لَبُونٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ: «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى» وَهِيَ الَّتِي (لَهَا سَنَتَانِ، سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّ أَمَّهَا وَضَعَتْ) غَالِبًا (فَهِيَ ذَاتِ لَبَنٍ) وَلَيْسَ شَرْطًا، بَلْ تَعْرِيفًا لَهَا بِغَالِبِ أَحْوَالِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّةٌ) لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ» وَهِيَ الَّتِي (لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ) وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ (سُمِّيَتْ بِذَلِكَ: لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا وَيَطْرُقُهَا الْفَحْلُ وَفِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الصَّدَقَةِ: «فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ» (وَ) هِيَ الَّتِي (لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ) وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ (سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِسْقَاطِ سِنِّهَا) فَتُجْذِعَ عِنْدَهُ وَهِيَ أَعْلَى سِنٍّ يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ.
(وَتُجْزِئُ عَنْهَا ثَنِيَّةٌ لَهَا خَمْسُ سِنِينَ بِلَا جُبْرَانٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ: لِأَنَّهَا أَلْقَتْ ثَنِيَّتَهَا وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ: بِنْتَا لَبُونٍ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ» . (وَفِي إحْدَى وَتِسْعِينَ: حِقَّتَانِ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ (إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ» (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ) عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ (فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ) لِظَاهِرِ خَبَرِ الصِّدِّيقِ «فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» وَبِالْوَاحِدَةِ حَصَلَتْ الزِّيَادَةُ.
وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَإِنَّ فِيهِ «فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ» (ثُمَّ تَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) لِخَبَرِ الصِّدِّيقِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّتَانِ وَبِنْتَ لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ: ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَفِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ: أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ: حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ: ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ (وَلَا أَثَرَ لِزِيَادَةِ بَعْضِ بَعِيرٍ) فِي شَيْءٍ تَقَدَّمَ أَوْ زِيَادَةِ بَعْضِ بَقَرَةٍ أَوْ بَعْضِ شَاةٍ لِمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ جُزْءًا مِنْ بَعِيرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْفَرْضُ، وَكَذَا سَائِرُ الْفُرُوضِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، لَا تَتَغَيَّرُ (أَوْ) زِيَادَةُ بَعْضِ (بَقَرَةٍ أَوْ) بَعْضِ شَاةٍ لِمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي مِنْ الْأَخْبَارِ.

(فَإِذَا بَلَغَتْ) الْإِبِلُ (مِائَتَيْنِ اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ) فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعُ خَمْسِينَاتٍ وَخَمْسُ أَرْبَعِينَاتِ إنْ شَاءَ (أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَإِنْ شَاءَ) أَخْرَجَ (خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ) لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرْضَيْنِ فَيُخَيَّرُ الْمَالِكُ لِلْأَخْبَارِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى نَظِيرِهِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْحِقَاقِ وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الشَّرْحِ وَتَأَوَّلَهُ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّهَا عَلَيْهِ بِصِفَةِ التَّخْيِيرِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ بَنَاتَ لَبُونٍ، أَوْ) يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ (حِقَاقًا فَيُخْرِجُ مِنْهُ وَلَا يُكَلَّفُ إلَى غَيْرِهِ) أَيْ: لَا يُكَلِّفُهُ الْإِمَامُ وَلَا السَّاعِي إلَى تَحْصِيلِ غَيْرِ مَا عِنْدَهُ وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، كَمَا ذَكَرْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ (أَوْ يَكُونُ) النِّصَابُ (مَالَ يَتِيمٍ أَوْ مَجْنُونٍ) أَوْ سَفِيهٍ (فَيَتَعَيَّنُ) عَلَى وَلِيِّهِ (إخْرَاجُ أَدْوَنِ مُجْزِئٍ) مُرَاعَاةً لِحَظِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ مِنْ مَالِهِ.
(وَكَذَا الْحُكْمُ فِي أَرْبَعمِائَةٍ) فَيُخَيَّرُ بَيْنَ إخْرَاجٍ ثَمَانِ حِقَاقٍ أَوْ عَشْرِ بَنَاتِ لَبُونٍ لِأَنَّ فِيهَا ثَمَانُ خَمْسِينَاتٍ وَعَشْرُ أَرْبَعِينَاتِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْهَا) أَيْ: الْأَرْبَعمِائَةِ مِنْ (النَّوْعَيْنِ بِلَا تَشْقِيصٍ كَ) أَنْ أَخْرَجَ عَنْهَا (أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ) أَجْزَأَ.
(وَ) أَخْرَجَ (عَنْ ثَلَاثِمِائَةٍ: كَحِقَّتَيْنِ وَخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ صَحَّ) ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّشْقِيصِ (أَمَّا مَعَ الْكَسْرِ فَلَا، كَحِقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ وَنِصْفٍ عَنْ مِائَتَيْنِ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْقِيصِ الَّذِي لَمْ يَرِد بِهِ الشَّرْعُ فِي زَكَاةِ

السَّائِمَةِ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ وَلِذَلِكَ جَعَلَ لَهَا أَوْقَاصًا، دَفْعًا لِلتَّشْقِيصِ عَنْ الْوَاجِبِ فِيهَا وَعَدَلَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ عَنْ الْجِنْسِ إلَى الْغَنَمِ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِجَوَازِهِ مَعَ إمْكَانِ الْعُدُولِ عَنْهُ إلَى فَرِيضَةٍ كَامِلَةٍ (وَإِنْ وَجَدَ أَحَدَ الْفَرْضَيْنِ كَامِلًا وَ) . الْفَرْضَ (الْآخَرَ نَاقِصًا، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جُبْرَانٍ، مِثْل: أَنْ يَجِدَ فِي الْمِائَتَيْنِ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَثَلَاثَ حِقَاقٍ فَيَتَعَيَّنُ) الْفَرْضُ (الْكَامِلُ وَهُوَ بَنَاتُ اللَّبُونِ) لِأَنَّ الْجُبْرَانَ بَدَلٌ فَلَا يَجُوزُ مَعَ الْمُبْدَلِ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ.
(وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرْضَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى جُبْرَانٍ، مِثْل: أَنْ يَجِدَ أَرْبَعَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَثَلَاثَ حِقَاقٍ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ: أَيُّهُمَا شَاءَ أَخْرَجَ مَعَ الْجُبْرَان) لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ رُجْحَانَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (فَإِنْ بَذَلَ حِقَّةً وَثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ مَعَ الْجُبْرَانِ) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ " (لَمْ يُجْزِئْهُ لِعُدُولِهِ عَنْ الْفَرْضِ مَعَ وُجُودِهِ) وَهُوَ الْحِقَّتَانِ الْبَاقِيَتَانِ مِنْ الثَّلَاثِ (إلَى الْجُبْرَانِ) وَهُوَ إنَّمَا يَعْدِلُ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الْفَرْضِ.
(وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا حِقَّةً وَأَرْبَعَ بَنَاتِ لَبُونٍ أَدَّاهَا) أَيْ: الْحِقَّةَ وَأَرْبَعَ بَنَاتِ اللَّبُونِ (وَأَخَذَ الْجُبْرَان) لِدَفْعِهِ الْحِقَّةِ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُ ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ مَعَ الْجُبْرَانِ) لِعُدُولِهِ عَنْ الْفَرْضِ مَعَ وُجُودِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ كَانَ الْفَرْضَانِ) أَيْ: الْحِقَاقُ وَبَنَاتُ اللَّبُونِ فِي الْمِائَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا (مَعْدُومَيْنِ أَوْ مَعِيبَيْنِ فَلَهُ الْعُدُولُ عَنْهَا مَعَ الْجُبْرَانِ فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ جَذَعَاتٍ، وَأَخَذَ ثَمَانَ شِيَاهٍ، أَوْ ثَمَانِينَ دِرْهَمًا وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ خَمْسَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَمَعَهَا خَمْسُ شِيَاهٍ أَوْ مِائَةَ دِرْهَمٍ) لِمَا فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ أَبُو بَكْرٍ لِأَنَسٍ «وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيه الْمُصَدِّقُ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ بَنَاتَ الْمَخَاضِ عَنْ الْحِقَاقِ هُنَا) أَيْ: حَيْثُ اتَّفَقَتْ الْفَرِيضَتَانِ (وَيُضَعِّفَ الْجُبْرَانَ) بِأَنْ يُخْرِجَ أَرْبَعَ بَنَاتِ مَخَاضٍ مَعَ سِتَّةِ عَشْرِ شَاةٍ أَوْ مِائَةٍ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ عَنْ بَدَلِ الْبَدَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَلِ أَشْبَه الِانْتِقَالَ عَنْ الْأَصْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ) هُنَا الْجَذَعَاتِ (عَنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ، وَيَأْخُذُ الْجُبْرَانَ مُضَاعَفًا) لِمَا سَبَقَ (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا هُنَا (أَنْ يُخْرِجَ بَنَاتَ لَبُونٍ مَعَ جُبْرَانٍ) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، فَتَكُونُ مَعَهُ بَدَلُ حِقَّةٍ لِأَنَّ بَنَاتَ اللَّبُونِ هُنَا فَرْضٌ، فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ، مَعَ وُجُودِهِ، فَيُخْرِجَ بَنَاتَ اللَّبُونِ الْأَرْبَعَ مَعَ بَنَاتِ مَخَاضٍ أَوْ جَذَعَةٍ، وَيُعْطِي أَوْ يَأْخُذَ جُبْرَانًا.
(وَلَا) أَنْ يُخْرِجَ (خَمْسَ حِقَاقٍ وَيَأْخُذَ الْجُبْرَانَ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ

إخْرَاجِ الْفَرْضِ: أَرْبَعُ حِقَاقٍ، فَلَا يَعْدِلُ إلَى الْبَدَلِ.

(وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ شَيْءٌ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ (وَهُوَ) أَيْ: مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ (الْأَوْقَاصُ) جَمْعُ وَقَصٍ - بِفَتْحَتَيْنِ - وَقَدْ يُسَكَّنُ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (فَهُوَ عَفْوٌ) أَيْ: مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَيُسَمَّى أَيْضًا: الْعَفْوُ وَالشَّنَقُ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَفَتْحِ النُّونِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ (لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ بَلْ) تَتَعَلَّقُ (بِالنِّصَابِ فَقَطْ) فَلَوْ كَانَ لَهُ تِسْعُ إبِلٍ مَغْصُوبَةٍ حَوْلًا فَخَلَّصَ مِنْهَا بَعِيرًا لَزِمَهُ خُمْسِ شَاةٍ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدِ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الْأَوْقَاصَ لَا صَدَقَةَ فِيهَا» وَلِأَنَّ الْعَفْوَ مَالٌ نَاقِصٌ عَنْ نِصَابٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَرْضُ مُبْتَدَأٍ فَلَمْ يَتَعَلَّق بِهِ الْوُجُوبُ قَبْلَهُ كَمَا لَوْ نَقَصَ عَنْ النِّصَابِ الْأَوَّلِ، وَعَكْسُهُ زِيَادَةُ نِصَابِ السَّرِقَةِ، لِأَنَّهَا وَإِنْ كَثُرَتْ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا فَرْضُ مُبْتَدَأٍ وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَهُ حَالَةٌ مُنْتَظِرَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْوُجُوبُ فَوَقَفَ عَلَى بُلُوغِهَا.

(وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ) فِي الزَّكَاةِ (فَعَدَمَهَا خُيِّرَ الْمَالِكُ دُونَ السَّاعِي أَوْ الْفَقِيرِ وَنَحْوِهِ) فِي الصُّعُودِ (إلَى مَا يَلِيهَا فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ إلَى مَا يَلِيهِ إنْ عَدَمَهُ كَمَا يَأْتِي) وَ (فِي) النُّزُولِ إلَى مَا يَلِيهَا فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ إلَى مَا يَلِيهِ عَلَى مَا يَأْتِي فَإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ مَثَلًا (فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ سِنًّا أَسْفَلَ مِنْهَا) بِأَنْ يُخْرِجَ بِنْتَ مَخَاضٍ.
(وَمَعَهَا شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمَا، وَإِنْ شَاءَ) الْمَالِكُ (أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ السَّاعِي) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ أَبُو بَكْرٍ لِأَنَسٍ (إلَّا وَلِيَّ يَتِيمٍ وَمَجْنُونٍ) وَسَفِيهٍ (فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إخْرَاجَ أَدْوَنِ مُجْزِئٍ) أَيْ: أَقَلِّ الْوَاجِبِ، فَيَشْتَرِيه إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، طَلَبًا لِحَظِّهِ، وَلَا يُعْطِي أَسْفَلَ مَعَ جُبْرَانٍ وَلَا أَعْلَى وَيَأْخُذهُ (وَيَعْتَبِرُ كَوْنَ مَا عَدَلَ إلَيْهِ) الْمَالِكُ (فِي مِلْكِهِ) لِأَنَّ جَوَازَ الْعُدُولِ إلَى الْجُبْرَانِ تَسْهِيلٌ عَلَى الْمَالِكِ.
(فَإِنْ عَدَمَهُمَا) أَيْ: الْأَسْفَلَ وَالْأَعْلَى، أَوْ كَانَا مَعِيبَيْنِ (حَصَّلَ الْأَصْلَ) أَيْ: الْوَاجِبَ أَصَالَةً لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَحْصِيلٍ، فَالْأَصْلُ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى بَدَلِهِ (فَإِنْ عَدِمَ مَا يَلِيهَا) أَيْ: السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ أَوْ كَانَتْ مَعِيبَةً (انْتَقَلَ إلَى الْأُخْرَى) أَيْ: الَّتِي تَلِيهَا مِنْ أَسْفَلَ أَوْ فَوْقَ.
(وَضَاعَفَ الْجُبْرَانَ) الَّذِي يُعْطِيهِ أَوْ يَأْخُذُهُ (فَإِنْ عَدِمَهُ أَيْضًا انْتَقَلَ إلَى ثَالِثٍ كَذَلِكَ) أَيْ: مِنْ فَوْقٍ أَوْ أَسْفَلَ، وَأَخَذَ أَوْ أَعْطَى ثَلَاثَ جُبْرَانَاتٍ، فَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ وَعَدِمَهَا وَعَدِمَ بِنْتِ اللَّبُونِ، وَعَدِمَ الْحِقَّةَ، وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ، أَخْرَجَهَا، وَأَخَذَ ثَلَاثَ جُبْرَانَات، وَعَكْسُهُ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ، وَعَدِمَهَا، وَعَدِمَ الْحِقَّةَ وَبِنْتَ اللَّبُونِ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ،

أَخْرَجَهَا وَثَلَاثُ جُبْرَانَاتٍ.
وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ (وَحَيْثُ) جَازَ (تَعَدُّدُ الْجُبْرَانِ) كَالْأَمْثِلَةِ السَّابِقَةِ (جَازَ جُبْرَانُ غَنَمٍ، وَجُبْرَانُ دَرَاهِمَ) كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ، لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ جِنْسَيْنِ (وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ جُبْرَانٍ وَاحِدٍ، وَ) جُبْرَانٍ (ثَانٍ، وَ) جُبْرَانٍ (ثَالِثٍ: النِّصْفُ دَرَاهِمُ وَالنِّصْفُ شِيَاهٌ) لِمَا سَبَقَ، وَلِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الشَّاةَ مَقَامَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، (فَإِذَا اخْتَارَ إخْرَاجَهَا وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ، جَازَ) فَلَوْ كَانَ النِّصَابُ (مِنْ الْإِبِلِ) كُلُّهُ مِرَاضًا، (وَعُدِمَتْ الْفَرِيضَةُ فِيهِ فَلَهُ) أَيْ: الْمَالِكِ (دَفْعُ السِّنِّ السُّفْلَى) بِأَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ فَأَخْرَجَ عَنْهَا بِنْتَ مَخَاضٍ (مَعَ الْجُبْرَانِ وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ) السِّنِّ (الْأَعْلَى) كَحِقَّةٍ.
(وَأَخْذُ جُبْرَانٍ، بَلْ) إنْ اخْتَارَ دَفَعَهَا (مَجَّانًا) لِأَنَّ الْجُبْرَانَ جَعَلَهُ الشَّارِعُ وَفْقَ مَا بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَمَا بَيْنَ الْمَرِيضَيْنِ أَقَلَّ مِنْهُ فَإِذَا دَفَعَ السَّاعِي فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ جُبْرَانًا كَانَ ذَلِكَ حَيْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ.
وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِذَا دَفَعَهُ الْمَالِكُ مَعَ السِّنِّ الْأَسْفَلِ فَالْحَيْفُ عَلَيْهِ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ فَأَشْبَهَ إخْرَاجُ الْأَجْوَدِ مِنْ الْمَالِ (فَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجِ) لِلزَّكَاةِ (وَلِيُّ يَتِيمٍ أَوْ مَجْنُونٍ) أَوْ سَفِيهٍ (لَمْ يَجُزْ لَهُ أَيْضًا) أَيْ: كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ الْأَعْلَى لِمَا تَقَدَّمَ: لَا يَجُوزُ لَهُ (النُّزُولُ) أَيْ: أَنْ يَدْفَعَ سِنًّا أَنْزَلَ، مَعَ دَفْعِ جُبْرَانٍ (لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ: الْوَلِيُّ، (أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ) أَيْ: الزَّائِدِ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ (مَالِهِمَا) أَيْ: مَالِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَمِثْلِهِمَا السَّفِيهُ (فَيَتَعَيَّنُ) عَلَى الْوَلِيِّ (شِرَاءُ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ) لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ (وَلَا مَدْخَلَ لِلْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ) لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِيهَا فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ غَيْرِهَا فِي مَعْنَاهَا، لِكَثْرَةِ قِيمَتِهَا وَلِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُهَا بِاخْتِلَافِ سِنِّهَا وَمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْبَقَرِ يُخَالِفُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْإِبِلِ فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ فَلَوْ جُبِرَ الْوَاجِدُ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَتِهِ فَأَخْرَجَ الرَّدِيءَ عَنْ الْجَيِّدِ، وَزَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ النَّفْعُ بِعَيْنِهَا فَيَفُوتُ بَعْضُ الْمَقْصُودِ وَمِنْ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ وَقَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ فِي الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا (فَمَنْ عَدِمَ فَرِيضَةَ الْبَقَرِ، أَوْ) فَرِيضَةَ (الْغَنَمِ وَوَجَدَ دُونَهَا حَرُمَ إخْرَاجُهَا) وَلَزِمَهُ تَحْصِيلُ الْفَرِيضَةِ وَإِخْرَاجُهَا.
(وَإِنْ وَجَدَ أَعْلَى مِنْهَا فَدَفَعَهَا بِلَا جُبْرَانٍ) كَمُسِنَّةٍ عَنْ تَبِيعٍ (قُبِلَتْ مِنْهُ) وَلَوْ مَعَ وُجُودِ التَّبِيعِ لِأَنَّهُ إخْرَاجُ الْوَاجِبِ وَزِيَادَة تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ (وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: يَدْفَعْ الْأَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ (كُلِّفَ شِرَاءَهَا) أَيْ: الْفَرِيضَةَ (مِنْ غَيْرِ مَالِهِ) لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ.

[فَصَلِّ النَّوْعُ الثَّانِي الْبَقَرُ]

(فَصَلِّ النَّوْعُ الثَّانِي: الْبَقَرُ) وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ وَالْبَقَرَةُ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَدَخَلَتْ الْهَاءُ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جِنْسِ الْبَقَرَاتِ الْجَمِيع وَالْبَاقِرُ جَمَاعَةُ الْبَقَرِ مَعَ رُعَاتِهَا وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَقَرْتُ الشَّيْءَ إذَا شَقَقْتُهُ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ بِالْحِرَاثَةِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا: الْإِجْمَاعُ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا كُلَّمَا - قَعَدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ) فَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا (فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، لِكُلِّ مِنْهُمَا سَنَةٌ) سُمِّيَا بِذَلِكَ: لِأَنَّهُمَا يَتْبَعَانِ أُمَّهُمَا.
وَالتَّبِيعُ الَّذِي اسْتَوَى قَرْنَاهُ (قَدْ حَاذَى قَرْنُهُ أُذُنَهُ غَالِبًا) وَهُوَ جَذَعُ الْبَقَرِ (وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ مُسِنٍّ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ التَّبِيعِ وَظَاهِرِهِ: وَلَوْ كَانَ التَّبِيعُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ مِنْهُ (وَفِي أَرْبَعِينَ) بَقَرَةً (مُسِنَّةً وَهِيَ ثَنِيَّةُ الْبَقَرِ أَلْقَتْ سِنًّا غَالِبًا) وَهِيَ الَّتِي (لَهَا سَنَتَانِ وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ أُنْثَى أَعْلَى مِنْهَا) أَيْ: الْمُسِنَّةِ (بَدَلهَا) كَالثَّنِيَّةِ عَنْ الْجَذَعَةِ فِي الْإِبِلِ وَ (لَا) يُجْزِئُ (إخْرَاجُ مُسِنٍّ عَنْهَا) أَيْ: عَنْ الْمُسِنَّةِ، كَإِخْرَاجِ حِقٍّ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ.
(وَفِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّةٌ) لِحَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ ثَابِتٌ.
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُصَدِّقُ أَهْلَ الْيَمَنِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ: تَبِيعًا وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ آخُذَ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ وَمَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ وَمَا بَيْنَ الثَّمَانِينَ وَالتِّسْعِينَ فَأَبَيْتُ ذَلِكَ، وَقُلْت لَهُمْ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَدِمْتُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً وَمِنْ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ، وَمِنْ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، وَمِنْ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنْ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ، وَمِنْ الْمِائَةِ مُسِنَّةً وَتَبِيعَيْنِ، وَمِنْ الْعَشَرَةِ وَمِائَةٍ مُسِنَّتَيْنِ وَتَبِيعًا، وَمِنْ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَتْبَاعٍ قَالَ: وَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا آخُذَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ شَيْئًا، إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَوْقَاصَ لَا فَرِيضَةَ فِيهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

(فَإِذَا بَلَغَتْ) الْبَقَرُ (مِائَةً وَعِشْرِينَ اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ ثَلَاثِ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَتْبِعَةٍ) لِلْخَبَرِ.
(وَلَا يُجْزِئْ الذَّكَرُ فِي الزَّكَاةِ) إذَا كَانَتْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا لِأَنَّ الْأُنْثَى أَفْضَلُ لِمَا فِيهَا مِنْ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَقَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْإِبِلِ وَفِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ (غَيْرَ التَّبِيعِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ) لِلنَّصِّ السَّابِقِ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ لَحْمًا، فَيُعَادِلُ الْأُنُوثَةَ (وَ) غَيْرُ (ابْنِ لَبُونٍ، أَوْ ذَكَرٍ أَعْلَى مِنْهُ) كَحِقٍّ، فَمَا فَوْقَهُ (مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ، إذَا عَدِمَهَا وَتَقَدَّمَ) فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ مُوَضَّحَا لَكِنَّ ابْنَ اللَّبُونِ فَمَا فَوْقَهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ لِكَوْنِهِ لَا يُجْزِئُ مَعَ وُجُودِ بِنْتِ الْمَخَاضِ بِخِلَافِ التَّبِيعِ فَيُجْزِئ فِي الثَّلَاثِينَ وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالسِّتِّينَ.

أَمَّا الْأَرْبَعُونَ وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالثَّمَانِينَ فَلَا يُجْزِئُ فِي فَرْضِهَا إلَّا الْإِنَاثُ لِنَصِّ الشَّارِعِ عَلَيْهَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا فَيُجَزِّئ فِيهِ ذَكَرٌ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا) مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً فَلَا يُكَلِّفهَا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ (وَيُؤْخَذُ مِنْ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ فِي غَنَمٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ " وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا " الْخَبَرَ وَيُتَصَوَّرُ أَخْذُهَا فِيمَا إذَا بَدَّلَ الْكِبَارَ بِالصِّغَارِ، أَوْ نَتَجَتْ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ، بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ حَوْلَهَا حَوْلُ أَصْلِهَا (دُونَ إبِلٍ وَبَقَرٍ، فَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ فُصْلَانٍ) جَمْعُ فَصِيلٍ وَلَدُ النَّاقَةِ (عَجَاجِيلُ) جَمْعُ عِجْلٍ وَلَدُ الْبَقَرَةِ (فَيَقُوم النِّصَابُ) إذَا كَانَ كُلُّهُ فُصْلَانًا أَوْ عَجَاجِيلَ أَنْ لَوْ كَانَ (مِنْ الْكِبَارِ، وَيَقُومُ فَرْضُهُ) الْوَاجِبُ فِيهِ (ثُمَّ تَقُومُ الصِّغَارُ، وَيُؤْخَذُ عَنْهَا) أَيْ: الصِّغَارِ، أَيْ: عَنْ فَرِيضَتِهَا (كَبِيرَةٌ بِالْقِسْطِ، وَالتَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ، مَكَانُ زِيَادَةِ السِّنِّ) فَيَنْدَفِعُ بِذَلِكَ مَحْذُورُ الْإِجْحَافِ بِالْمَالِكِ، مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَرْضِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ الْفُصْلَانُ وَالْعَجَاجِيلُ بِخِلَافِ الْغَنَمِ: لِكَوْنِ الشَّارِعِ فَرَّقَ بَيْنَ فَرْضِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ: بِزِيَادَةِ السِّنِّ وَكَذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَ فَرْضِ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ.
(وَلَوْ كَانَتْ دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ صِغَارًا، وَجَبَ فِي كُلِّ خَمْسٍ) مِنْهَا (شَاةٌ كَالْكِبَارِ) فَتَكُونُ جَذَعَا

مِنْ الضَّأْنِ، أَوْ ثَنِيًّا مِنْ الْمَعْزِ.

(وَتُؤْخَذُ مِنْ الْمِرَاضِ) مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ (مَرِيضَةٍ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَلَيْسَ مِنْهَا أَنْ يُكَلَّفَ غَيْرُ الَّذِي فِي مَالِهِ وَلَا اعْتِبَارَ بِقِلَّةِ الْعَيْبِ وَكَثْرَتِهِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَأْتِي عَلَى ذَلِكَ، لِكَوْنِ الْمُخْرَجِ وَسَطًا فِي الْقِيمَةِ (فَإِنْ اجْتَمَعَ صِغَارٌ وَكِبَارٌ وَصِحَاحٌ وَمَعِيبَاتٌ، وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ لَمْ يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) لِلنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ الصَّغِيرَةِ وَالْعَيْبَةِ وَالْكَرِيمَةِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ» وَلِتَحْصُلَ الْمُوَاسَاةُ فَإِذَا كَانَ قِيمَةُ الْمَالِ الْمُخْرَجِ إذَا كَانَ الْمُزَكَّى كُلُّهُ كِبَارًا صِحَاحًا: عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ بِالْعَكْسِ: عَشْرَة، وَجَبَتْ كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ، قِيمَتهَا خَمْسَةُ عَشْر، مَعَ تَسَاوِي الْعَدَدَيْنِ، فَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ أَعْلَى وَالثُّلُثَانِ أَدْنَى، فَكَبِيرَةٌ، قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ عَشْر وَثُلُث، وَبِالْعَكْسِ: قِيمَتُهَا سِتَّةَ عَشْرَ وَثُلُثَانِ (إلَّا إذَا لَزِمَهُ شَاتَانِ فِي مَالِ كُلِّ مَعِيبٍ إلَّا وَاحِدَةً) ، كَمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاةً الْجَمِيعُ مَعِيبٌ إلَّا وَاحِدَةً، أَوْ كَانَتْ الْمِائَةُ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ سِخَالًا (إلَّا وَاحِدَةً كَبِيرَةً فَيُخْرِجَ فِي الْأُولَى الصَّحِيحَةَ وَمَعِيبَةً مَعَهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ الشَّاةَ) الْكَبِيرَةَ (وَسَخْلَةً مَعَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَلَيْسَ مِنْهَا تَكْلِيفُهُ مَا لَيْسَ فِي مَالِهِ.

(فَإِنْ كَانَتْ) السَّائِمَةُ (نَوْعَيْنِ، كَالْبَخَاتَى) الْوَاحِد: بُخْتِيّ وَالْأُنْثَى بُخْتِيَّةُ قَالَ عِيَاضٌ: هِيَ إبِلٌ غِلَاظٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ (وَالْعِرَابُ) هِيَ جَرَّدَ مَلْسٍ حِسَانُ الْأَلْوَانِ كَرِيمَةٌ.
(وَ) ك (الْبَقَرُ وَالْجَوَامِيس) وَاحِدُهَا جَامُوس قَالَ مَوْهُوبٌ: هُوَ أَعْجَمِيٌّ، تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ.
(وَ) ك (ضَأْنٍ وَالْمَعْزِ، وَ) كَ (الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ أُخِذَتْ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) الْمُزَكَّيَيْنِ فَإِذَا كَانَ النَّوْعَانِ سَوَاء، وَقِيمَةُ الْمُخْرَجِ مِنْ أَحَدِهِمَا اثْنَا عَشْرَ، وَقِيمَةُ الْمُخْرَجِ مِنْ الْآخَرِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ أَهْلِيَّةٌ وَوَحْشِيَّةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ أَنْوَاعَ الْجِنْسِ تُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: الْمَالِ الْمُزَكَّى (كِرَامٌ) قَالَ عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَاتَّقِ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» أَنَّهَا جَمْعُ كَرِيمَةٍ، وَهِيَ الْجَامِعَةُ لِلْكَمَالِ الْمُمْكِنِ، فِي حَقِّهَا مِنْ غَزَارَةِ لَبَنٍ، أَوْ جَمَالِ صُورَةٍ، أَوْ كَثْرَةِ لَحْمٍ أَوْ صُوفٍ وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي يَخْتَصُّهَا مَالِكُهَا لِنَفْسِهِ وَيُؤْثِرُهَا (وَلِئَامُ) وَاحِدُهَا؛ لَئِيمَةٌ، وَهِيَ ضِدُّ الْكَرِيمَةِ (وَسِمَانٌ وَمَهَازِيلُ، وَجَبَ الْوَسَطُ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، طَلَبًا لِلتَّعْدِيلِ.

(وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ النِّصَابِ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ مَا لَيْسَ فِي مَالِهِ مِنْهُ) كَمَا لَوْ كَانَ مَالُهُ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، لَا جَامُوسَ فِيهَا، فَاشْتَرَى تَبِيعًا مِنْ الْجَامُوسِ وَأَخْرَجَهُ عَنْهَا (جَازَ، إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الْمُخْرَجِ عَنْ النَّوْعِ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ وَلَمْ تَفُتْ وَلَا شَيْءَ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الْمُخْرَجِ عَنْ الْوَاجِبِ.

[فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّالِثُ الْغَنَمُ]

(فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْغَنَمُ وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ) وَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا إجْمَاعًا (فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ) إجْمَاعًا (إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا شَاتَانِ) إجْمَاعًا (إلَى مِائَتَيْنِ فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ) وِفَاقًا (إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ، فَيَجِبُ فِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: «فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ: فِي سَائِمَتِهَا، إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ شَاةٌ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا شَاتَانِ، إلَى مِائَتَيْنِ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ وَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا إنْ شَاءَ رَبُّهَا» مُخْتَصَرٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَلَى هَذَا لَا تَتَغَيَّرُ بَعْدَ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَة، حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةٍ.
فَيَجِبُ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ فَالْوَقَصُ مَا بَيْنَ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ (يُؤْخَذُ مِنْ مَعْزٍ: ثَنِيٌّ، وَمِنْ ضَأْنٍ: جَذَعٌ هُنَا) فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ (وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ فِيهِ شَاةٌ) كَزَكَاةِ مَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ وَكَذَا لَوْ نَذَرَ شَاةً وَأَطْلَقَ (عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ) لِمَا رَوَى سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ قَالَ،: «أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نَأْخُذَ الْجَذَعَةَ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيَّةَ مِنْ الْمَعْزِ» وَلِأَنَّهُمَا يُجْزِيَانِ فِي الْأُضْحِيَّةِ فَكَذَا هُنَا.
(وَلَا يُؤْخَذُ تَيْسٌ) وَلَوْ أَجْزَأَ الذَّكَرُ، لِنَقْصِهِ وَفَسَادِ لَحْمِهِ (إلَّا فَحْلُ ضِرَابٍ) فَيُؤْخَذُ (لِخَيْرِهِ بِرِضَا رَبِّهِ، حَيْثُ يُؤْخَذُ ذَكَرٌ) بِأَنْ كَانَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا (وَيُجْزِئُ) أَخْذُهُ إذَنْ.

(وَلَا) تُؤْخَذُ (هَرِمَةٌ) أَيْ: كَبِيرَةٌ طَاعِنَةٌ فِي السِّنِّ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ (بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ) وَهِيَ الْمَعِيبَةُ، بِذَهَابِ عُضْوٍ أَوْ غَيْرَ

عَيْبًا يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] . وَفِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ «وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ إلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَرْوِيه بِفَتْحِ الدَّالِ مِنْ الْمُصَدَّقِ يَعْنِي الْمَالِكَ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إلَى التَّيْسِ وَخَالَفَهُ عَامَّةُ الرُّوَاةِ فَقَالُوا بِكَسْرِهَا يَعْنِي السَّاعِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ (إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ كَذَلِكَ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَلَيْسَ مِنْهَا تَكْلِيفُهُ مَا لَيْسَ فِي مَالِهِ (وَلَا) تُؤْخَذُ (الرُّبَّى، وَهِيَ الَّتِي لَهَا وَلَدٌ تُرَبِّيهِ) قَالَهُ أَحْمَدُ وَقِيلَ: الَّتِي تُرَبَّى فِي الْبَيْتِ لِأَجْلِ اللَّبَنِ.
(وَلَا) تُؤْخَذُ (حَامِلٌ) لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لَا تُؤْخَذُ الرُّبَّى وَلَا الْمَاخِضُ وَلَا الْأَكُولَةُ " (وَلَا طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ غَالِبًا وَلَا خِيَارُ الْمَالِ) أَيْ: نَفِيسِهِ لِشَرَفِهِ، وَلِحَقِّ الْمَالِكِ (وَلَا الْأَكُولَةُ، وَالسَّمِينَةُ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْأَلُكُمْ خَيْرَهُ وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: إذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قَسَّمَ الشَّاءَ أَثْلَاثًا ثُلُثُ خِيَارٍ، وَثُلُثُ وَسَطٍ وَثُلُثُ شِرَارٍ وَأَخَذَ مِنْ الْوَسَطِ.
(وَلَا سِنَّ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ أَعْلَى مِنْهُ إلَّا بِرِضَا رَبِّهِ، كَبِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ) وَحِقَّةٍ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ.

(وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ سَوَاءٌ كَانَ حَاجَةً، أَوْ مَصْلَحَةً، أَوْ فِي الْفِطْرَةِ أَوْ لَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذِ: «خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ، وَالْإِبِلَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمَ مِنْ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِهِ قَالَ أَبُو دَاوُد قِيلَ لِأَحْمَدَ: أَعْطِي دَرَاهِمَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ لَا يُجْزِئَ، خِلَافُ سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَإِنْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنْ الْفَرْضِ مِنْ جِنْسِهِ أَجْزَأَ) لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتَانِي رَسُولُكَ، لِيَأْخُذَ مِنِّي صَدَقَةَ مَالِي فَزَعَمَ أَنَّ مَا عَلَيَّ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ نَاقَةً فَتِيَّةً سَمِينَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ذَاكَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْك فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ فِيهِ، وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ فَقَالَ: هَا هِيَ ذِهِ فَأَمَرَ بِقَبْضِهَا وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ جِنْسِهِ فَأَجْزَأَ، كَمَا

لَوْ زَادَ فِي الْعَدَدِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ (فَيُجْزِئُ مُسِنٌّ عَنْ تَبِيعٍ) ، وَتُجْزِئُ (أَعْلَى مِنْ الْمُسِنَّةِ عَنْهَا، وَ) تُجْزِئُ (بِنْتُ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ وَ) تُجْزِئُ (حِقَّةٌ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ، وَ) تُجْزِئُ (جَذَعَةٌ عَنْ حِقَّةٍ وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ) فِي الْبَابِ (وَتُجْزِئُ ثَنِيَّةٌ وَأَعْلَى مِنْهَا عَنْ جَذَعَةٍ) فَمَا دُونَهَا وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَتَقَدَّمَ (وَلَا جُبْرَانَ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ.

[فَصْلٌ الْخُلْطَةُ]

(فَصْلٌ " الْخُلْطَةُ ") بِضَمِّ الْخَاءِ: الشَّرِكَةُ (فِي الْمَوَاشِي) دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ (لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الزَّكَاةِ: إيجَابًا وَإِسْقَاطًا) وَتَغْلِيظًا وَتَخْفِيفًا (فَتَصِيرُ الْأَمْوَالُ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ (فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ) فَيُضَمُّ أَحَدُ الْمَالَيْنِ إلَى الْآخَرِ فِيهِ، كَمَا يَأْتِي (دُونَ الْحَوْلِ) فَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِيهِ، بَلْ يُزَكَّى كُلُّ مَالٍ عِنْدَ حَوْلِهِ.
وَيَأْتِي بَيَانُهُ (فَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَانِ) لِأَنَّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ: الْوَاحِدَ، وَلَا خُلْطَةَ مَعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ نَفْسَيْنِ (مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُكَاتَبًا أَوْ ذِمِّيًّا، فَلَا أَثَرَ لَهَا لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ فَلَمْ يَكْمُلْ بِهِ النِّصَابُ (فِي نِصَابٍ) فَلَوْ كَانَ الْمَجْمُوعُ دُونَ نِصَابٍ لَمْ تُؤَثِّرْ سَوَاءً كَانَ لَهُ مَالُ غَيْرِهِ أَوْ لَا وَعُلِمَ مِنْهُ: التَّأْثِيرُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ، بِطَرِيقٍ أَوْلَى مِنْ الْمَاشِيَةِ فَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِهَا وَيَأْتِي (حَوْلًا) كَامِلًا بِحَيْثُ (لَمْ يَثْبُت لَهُمَا) وَلَا لِأَحَدِهِمَا (حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ) لِأَنَّ الْخُلْطَةَ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ إيجَابُ الزَّكَاةِ، فَاعْتُبِرَتْ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ كَالنِّصَابِ (فَحُكْمُهُمَا) أَيْ: النَّفْسَيْنِ فَأَكْثَرَ (فِي الزَّكَاةِ حُكْمُ) الشَّخْصِ (الْوَاحِدِ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ جَمْعِ

الْمُتَفَرِّقِ وَعَكْسِهِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (سَوَاءً كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ بِأَنْ يَمْلِكَا مَالًا) أَيْ: نِصَابًا مِنْ الْمَاشِيَةِ (مُشَاعًا بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَالْوَصِيَّةِ وَالْجَعَالَةِ وَالصَّدَاقِ وَالْمُخَالَعَةِ (أَوْ خُلْطَةِ أَوِصَافً، بِأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا) بِصِفَةٍ أَوْ صِفَاتٍ.
(فَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِرَعْيِ غَنَمِهِ بِشَاةٍ مِنْهَا، فَحَالَ الْحَوْلُ وَلَمْ يُفْرِدْهَا) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْأَجِيرُ (فَهُمَا خَلِيطَانِ) فَعَلَى الْأَجِيرِ مِنْ الزَّكَاةِ بِنِسْبَةِ شَاتِهِ.
(وَلَوْ كَانَتْ لِأَرْبَعِينَ) نَفْسًا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا أَوْ مُخْتَلِفِينَ (مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَخُلْطَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (أَرْبَعُونَ شَاةً مُخْتَلِطَةٌ، لَزِمَتْهُمْ شَاةٌ) بِالسَّوِيَّةِ (وَمَعَ انْفِرَادِهِمْ لَا يَلْزَمْهُمْ شَيْءٌ) لِنَقْصِ النِّصَابِ.

(وَلَوْ كَانَ لِثَلَاثَةِ أَنْفُسِ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ) شَاةً (لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (أَرْبَعُونَ شَاةً لَزِمَتْهُمْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ) عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا، كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ (وَمَعَ انْفِرَادِهِمْ) عَلَيْهِمْ (ثَلَاثُ شِيَاهٍ) عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ.
(وَيُوَزَّعُ الْوَاجِبُ) عَلَى الْخَلِيطَيْنِ فَأَكْثَرَ (عَلَى قَدْرِ الْمَالِ) الْمُخْتَلَطِ (مَعَ الْوَقَصِ فَسِتَّةُ أَبْعِرَةٍ مُخْتَلِطَةٍ مَعَ تِسْعَةٍ) فِي الْجَمِيعِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ (يَلْزَمُ رَبُّ السِّتَّةِ شَاةٌ وَخُمُسُ شَاةٍ وَيَلْزَمُ رَبُّ التِّسْعَةِ شَاةٌ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ شَاةٍ) لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» .

(وَيُشْتَرَطُ فِي تَأْثِيرِ خُلْطَةِ أَوْصَافٍ: اشْتِرَاكُهُمَا فِي مُرَاحٍ بِضَمِّ الْمِيمِ - وَهُوَ الْمَبِيتُ وَالْمَأْوَى أَيْضًا وَمَسْرَحٍ، وَهُوَ مَكَانُ اجْتِمَاعِهِمَا، لِتَذْهَبَ إلَى الْمَرْعَى، وَمَشْرَبٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ (وَهُوَ مَكَانُ الشُّرْبِ فَقَطْ) أَيْ: دُونَ زَمَانِهِ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي اعْتِبَارِ الْمَشْرَبِ الْمُقْنِعَ وَأَبَا الْخَطَّابِ، وَصَاحِبَ التَّلْخِيصِ، وَالْوَجِيزِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ: لَا اتِّحَادَ مَشْرَبٍ وَرَاعٍ (وَمَحْلَبٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمِيمِ.
(وَهُوَ مَوْضِعُ الْحَلْبِ) وَالْمِحْلَبُ، بِكَسْرِ الْمِيمِ: الْإِنَاءُ وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ خَلْطِ اللَّبَنِ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْفَقٍ، بَلْ مَشَقَّةٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى قِسْمِ اللَّبَنِ وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الرِّبَا (وَفَحْلٌ) مُعَدٍّ لِلضِّرَابِ.
(وَ) اشْتِرَاكُهُ (هُوَ عَدَمُ اخْتِصَاصِهِ فِي طَرْقِهِ بِأَحَدِ الْمَالَيْنِ إنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ) فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا وَلَا مُشْتَرِكًا (فَإِنْ اخْتَلَفَ) النَّوْعُ (كَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالْجَامُوسِ وَالْبَقَرِ لَمْ يَضُرَّ اخْتِلَافُ الْفَحْلِ لِلضَّرُورَةِ) لِاخْتِلَافِ النَّوْعَيْنِ.
(وَمَرْعَى، وَهُوَ مَوْضِعُ الرَّعْيِ وَوَقْتِهِ) فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ (وَرَاعٍ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَفِي الْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ وَالْمُسْتَوْعِبِ (عَلَى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ، وَالْحَدِيثُ) أَيْ: حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

يَقُولُ «الْخَلِيطَانِ: مَا اجْتَمَعَا عَلَى الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَعَلَ بَدَلَ الرَّاعِي " الْمَرْعَى " وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ الْعَمَلُ بِالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ وَقَدَّمَ عَدَمَ اعْتِبَارِ الرَّاعِي وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُنْتَهَى (وَيَظْهَرُ أَنَّ اتِّحَادَهُ) أَيْ: الرَّاعِي (كَمَا فِي الْفَحْلِ) يُعْتَبَرُ مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ دُونَ اخْتِلَافِهِ (وَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ خُلْطَةٍ كَالْأَوْصَافِ وَالْأَعْيَانِ) الْكَافُ زَائِدَةٌ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَلْخُلْطَةِ نِيَّةٌ وَهُوَ فِي خُلْطَةِ الْأَعْيَانِ إجْمَاعٌ وَكَذَا فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصَحِّ وَاحْتَجَّ الْمُؤَلِّفُ - أَيْ: الْمُوَفَّقُ - بِنِيَّةِ الصَّوْمِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ: فِي خَلْطٍ وَقَعَ اتِّفَاقًا، أَوْ فَعَلَهُ رَاعٍ وَتَأَخُّرُ النِّيَّةِ عَنْ الْمِلْكِ (وَلَا) يُعْتَبَرُ أَيْضًا (خَلْطُ اللَّبَنِ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، كَالْكَافِرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمَدِينِ) دَيْنًا يَسْتَغْرِقُ مَا بِيَدِهِ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ.

(وَلَا) أَثَرَ لِخُلْطَةٍ (فِيمَا دُونَ نِصَابٍ، وَلَا لِخُلْطَةِ الْغَاصِبِ) مَالَهُ (بِمَغْصُوبٍ) لِإِلْغَاءِ تَصَرُّفِهِ فِي الْمَغْصُوبِ (فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِلْخُلْطَةِ: بَطَلَ حُكْمُهَا لِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَصَارَ وُجُودُهَا كَالْعَدَمِ فَيُزَكِّي كُلُّ وَاحِدٍ مَالَهُ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَإِلَّا فَلَا.

(أَوْ ثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، كَأَنْ اخْتَلَطَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ فِي نِصَابَيْنِ بَعْدَ انْفِرَادِهِمَا، زَكَّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيهِ) فَلَوْ مَلَكَ كُلٌّ مِنْ رَجُلَيْنِ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ اخْتَلَطَا وَتَمَّ الْحَوْلُ فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا شَاةٌ، تَغْلِيبًا لِلِانْفِرَادِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَ) يُزَكِّيَانِ (فِيمَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ (زَكَاةَ الْخُلْطَةِ) لِعَدَمِ الِانْفِرَادِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَوْلِ (وَإِنْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ نِصَابٌ) أَرْبَعُونَ شَاةً مَثَلًا (وَلِآخَرَ دُونَهُ) كَعِشْرِينَ (ثُمَّ اخْتَلَطَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْأَوَّلِ) مُنْذُ مِلْكِ النِّصَابِ (فَعَلَيْهِ شَاةُ) زَكَاةِ مَالِهِ (وَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي) مِنْ الْخُلْطَةِ (فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْخُلْطَةِ) وَهِيَ ثُلُثُ شَاةٍ فِي الْمِثَالِ، إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ أَخْرَجَ الشَّاةَ مِنْ الْمَالِ فَيَلْزَمُ الثَّانِي عِشْرُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ (أَوْ يَمْلِكُ نَفْسَانِ كُلُّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَخَلَطَاهَا فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ مُضِيِّ زَمَنٍ) قَبْل الْخَلْطِ (إنْ أَمْكَنَ) ذَلِكَ.

(ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ) شَخْصًا (أَجْنَبِيًّا) غَيْرَ شَرِيكِهِ فَشَرِيكُ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَثْبُتْ لَهُ (أَوْ يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ مُنْفَرِدٌ، فَيَشْتَرِي الْآخَرُ نِصَابًا وَيَخْلِطُهُ بِهِ فِي الْحَالِ، كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِي)

فِي الْمِثَالَيْنِ (مَلَكَ أَرْبَعِينَ مُخْتَلِطَةً لَمْ يَثْبُت لَهَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ) فِي وَقْتٍ مِنْ الْحَوْلِ (فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْأَوَّلُ، لَزِمَهُ زَكَاةُ انْفِرَادِ شَاةٍ، وَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي، وَهُوَ الْمُشْتَرِي، لَزِمَهُ زَكَاةُ خُلْطَةٍ) لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا (نِصْفِ شَاةٍ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهَا) أَيْ: الشَّاةَ (مِنْ غَيْرِ الْمَالِ) الْمَخْلُوطِ.
(وَإِنْ) : كَانَ الْأَوَّلُ (أَخْرَجَهَا) أَيْ: الشَّاةَ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَالِ (لَزِمَ الثَّانِي أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ) لِأَنَّ حَوْلَهُ قَدْ تَمَّ عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ شَاةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ شَاةً فَلَزِمَهُ مِنْ الشَّاةِ أَرْبَعُونَ جُزْءًا (ثُمَّ يُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْد ذَلِكَ الْحَوْلِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ) لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ بِشَرْطِهَا (كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا، فَعَلَيْهِ) مِنْ الزَّكَاةِ (بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْهَا) وَلَا يَنْتَظِرُ الْأَوَّلُ حَوْلَ الثَّانِي، لِأَنَّ الزَّكَاةَ بَعْدَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي تَقْدِيمُ زَكَاتُهُ إلَى رَأْسِ حَوْلِ شَرِيكِهِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَلَوْ كَانَ لِلْأَوَّلِ أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِلثَّانِي ثَمَانُونَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثُ شَاةٍ وَعَلَى الثَّانِي: ثُلُثَاهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا.
(وَأَبَيْنَ) أَيْ: أَوْضَحَ (مِنْ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ) السَّابِقِينَ (لَوْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ) ثَمَانِينَ شَاةً (شَهْرًا) أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمْ مُشَاعًا) كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا (فَيَثْبُت لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي) .

(وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِصَابُ خُلْطَةٍ ثَمَانُونَ شَاةً، فَبَاعَ كُلٌّ مِنْهُمَا غَنَمَهُ غَنَمَ صَاحِبِهِ، وَاسْتَدَامَا الْخُلْطَةَ، لَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُهُمَا) لِأَنَّ إبْدَالَ الْمَالِ بِجِنْسِهِ لَا يَقْطَعْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَمْ يَزُلْ خَلْطُهُمَا) لِعَدَمِ انْقِطَاعِ الْحَوْلِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ فِيمَا اشْتَرَى، بِبِنَائِهِ عَلَى حَوْلِ الْمَبِيعِ، فَيَجِبُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ فِي الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَهِيَ صِفَةُ الْخُلْطَةِ (وَكَذَا لَوْ تَبَايَعَا الْبَعْضُ) مِنْ ذَلِكَ (بِالْبَعْضِ) لِمَا سَبَقَ (قَلَّ) الْمَبِيعُ (أَوْ كَثُرَ) أَوْ تَبَايَعَا الْكُلُّ بِالْبَعْضِ، لِعَدَمِ الْفَرْقِ.

(وَلَوْ مَلَكَ رَجُلٌ نِصَابًا شَهْرًا) مَثَلًا (ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ) مَثَلًا (مُشَاعًا، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ) أَيْ: عَيْنِهِ (وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا انْقَطَعَ الْحَوْلُ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ) لِأَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ فِي النِّصْفِ الْمَبِيعِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ أَصْلًا، فَلَزِمَ انْقِطَاعُ الْحَوْلِ فِي الثَّانِي (إنْ أَفْرَدَ بَعْضَهُ وَبَاعَهُ ثُمَّ اخْتَلَطَا، انْقَطَعَ الْحَوْلُ، قَلَّ زَمَنُ الِانْفِرَادِ أَوْ كَثُرَ) حَتَّى وَلَوْ قِيلَ: لَا يَنْقَطِعُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

(وَلَوْ مَلَكَ) حُرٌّ مُسْلِمٌ (نِصَابَيْنِ شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا مُشَاعًا) بِأَنْ بَاعَ نِصْفَ الثَّمَانِينَ (ثَبَتَ لِلْبَائِعِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْبَائِعِ (عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةٌ: مُنْفَرِدٌ) لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ لَهُ وَعَلَى الْمُشْتَرِي إذَا

تَمَّ حَوْلَهُ: زَكَاةُ خَلِيطٍ.
(وَلَوْ كَانَ الْمَالُ سِتِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة، وَالْمَبِيعُ ثُلُثُهَا: زَكَّى الْبَائِعُ) إذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةَ انْفِرَادٍ (بِشَاةٍ) وَزَكَّى الْمُشْتَرِي إذَا تَمَّ حَوْلُهُ بِثُلُثِ شَاةٍ، إنْ أَخْرَجَ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي الْمِثَالِ: نِصْفَهَا، انْقَطَعَ حَوْلُ الْبَائِعِ وَاسْتَأْنَفَا حَوْلًا.

(وَإِذَا مَلِك نِصَابًا شَهْرًا ثُمَّ مَلَكَ) نِصَابًا (آخَرَ لَا يَتَغَيَّر بِهِ الْفَرْضُ مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ) شَاةً (فِي صَفَرٍ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ) وَهِيَ شَاةٌ لِانْفِرَادِهَا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ.
(وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي) لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِلْكٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يَزِدْ فَرْضُهُ عَلَى شَاةٍ كَمَا لَوْ اتَّفَقَتْ أَحْوَالُهُ وَلِلْعُمُومِ فِي الْأَوْقَاصِ (وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مِائَةَ شَاةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إذَا تَمَّ حَوْلَهُ) كَمَا لَوْ اتَّفَقَتْ أَحْوَالُهُ لِأَنَّهُمَا إمَّا أَنْ يُجْعَلَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ لِمَالِك، أَوْ كَمَالَيْنِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: يَجِبُ شَاةٌ أُخْرَى بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلهَا.
(وَقَدْرُهَا) أَيْ: زَكَاةِ الثَّانِي (بِأَنْ تَنْظُرَ إلَى زَكَاةِ الْجَمِيعِ) وَهُوَ فِي الْمِثَالِ: مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَزَكَاتُهُ: شَاتَانِ (فَتَسْقُطُ مِنْهَا مَا وَجَبَ فِي الْأَوَّلِ) وَهُوَ شَاةٌ (وَيَجِبُ الْبَاقِي فِي الثَّانِي، وَهُوَ شَاةٌ) فَيُخْرِجُهَا.
(وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ وَلَا يَبْلُغُ نِصَابًا مِثْل أَنْ يَمْلِكَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَشْرًا) مِنْ الْبَقَرِ (فِي صَفَرٍ فَعَلَيْهِ) فِي الثَّلَاثِينَ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا تَبِيعٌ، أَوْ تَبِيعَةٌ.

وَ (فِي الْعَشْرِ إذَا تَمَّ حَوْلَهَا - زَكَاةُ خُلْطَةٍ: رُبُعُ مُسِنَّةٍ) لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْمُسِنَّةِ قَدْ كَمُلَتْ وَقَدْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الثَّلَاثِينَ فَوَجَبَ فِي الْعَشْرِ بِقِسْطِهَا مِنْ الْمُسِنَّةِ، وَهُوَ رُبُعُهَا.

(وَإِنْ مَلَكَ مَالًا يَبْلُغُ نِصَابًا، وَلَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ، كَخَمْسٍ) مِنْ الْبَقَرِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ مِنْهَا (فَلَا شَيْءَ فِيهَا) أَيْ: الْخَمْسِ لِأَنَّهَا وَقَصٌ (وَكَمَا لَوْ مَلَكَهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً) وَمِثْلُهُ لَوْ مَلَكَ عِشْرِينَ شَاةً بَعْدَ أَرْبَعِينَ (مِنْهَا أَوْ مَلَكَ عَشْرًا مِنْ الْبَقَرِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ مِنْهَا، فَلَا شَيْءَ فِيهَا) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِذَا كَانَ بَعْضُ مَالِ الرَّجُلِ) أَوْ الْخُنْثَى أَوْ الْمَرْأَةِ (مُخْتَلِطًا، وَ) كَانَ (بَعْضُهُ الْآخَرُ مُنْفَرِدًا أَوْ مُخْتَلِطًا مَعَ مَالٍ لِرَجُلٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَالُهُ كُلُّهُ كَالْمُخْتَلِطِ، إنْ كَانَ مَالُ الْخُلْطَةِ نِصَابًا، وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالُ الْخُلْطَةِ نِصَابًا (لَمْ يَثْبُتُ حُكْمُهَا) لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيمَا دُونَ نِصَابٍ.

(وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً) بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ، أَوْ مَحَالَّ مُتَقَارِبَةٍ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ بِعِشْرِينَ لِآخِرِ فَعَلَى) الشُّرَكَاءِ (الْجَمِيعِ شَاةٌ، نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ) لِأَنَّ لَهُ نِصْفَ الْمَالِ (وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُدُسُ شَاةٍ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَهُ عِشْرُونَ وَهِيَ سُدُسُ جَمِيعِ الْمَالِ (ضَمًّا لِمَالِ كُلِّ خَلِيطٍ إلَى مَالِ الْكُلِّ فَيَصِيرُ) جَمِيعُ الْمَالِ (كَمَالٍ وَاحِدٍ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ عَشْرٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ السِّتِّينَ (مُخْتَلِطَةً بِعَشْرٍ لِآخَرَ، فَعَلَيْهِ) أَيْ رَبِّ السِّتِّينَ (شَاةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فِي نِصَابٍ) فَلَمْ تُؤَثِّر الْخُلْطَةُ، لِفَوَاتِ شَرْطِهَا.

(وَإِذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِي بَلَدَيْنِ فَأَكْثَرَ لَا تُقْصَرُ بَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَهِيَ كَالْمُجْتَمِعَةِ) يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَيُزَكِّيهَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ قَصْرٍ، فَلِكُلِّ مَالٍ حُكْمُ نَفْسِهِ) فَإِنْ كَانَ نِصَابًا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا لِجَعْلِ التَّفْرِقَةِ فِي الْبَلَدَيْنِ كَالتَّفْرِقَةِ فِي الْمِلْكَيْنِ فَلِهَذَا قَالَ: (كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ) احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ» الْخَبَرَ وَعِنْدَنَا أَنَّ مَنْ جَمَعَ أَوْ فَرَّقَ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَالٍ يَنْبَغِي تَفْرِقَتُهُ بِبَلَدِهِ فَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِهِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ غَيْرِ أَحْمَدَ.
(وَلَا تُؤَثِّرُ تَفْرِقَةُ الْبُلْدَانِ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (وَلَا الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاشِيَةِ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَقِلُّ بِجَمْعِهَا تَارَةً وَتَكْثُرُ أُخْرَى وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ تَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ فَلَا أَثَرَ لِجَمْعِهَا وَلِأَنَّ خُلْطَةَ الْمَاشِيَةِ تُؤَثِّرُ نَفْعًا تَارَةً، وَضَرَرًا أُخْرَى وَغَيْرُ الْمَاشِيَةِ لَوْ أَثَّرَتْ فِيهِ الْخُلْطَةُ لَأَثَّرَتْ ضَرَرًا مَحْضًا بِرَبِّ الْمَالِ، لِعَدَمِ الْوَقَصِ فِيهَا.

(وَ) يَجُوزُ (لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ) لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ (مَعَ الْحَاجَةِ) بِأَنْ تَكُونَ الْفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً، لَا يُمْكِنُ أَخْذُهَا إلَّا مِنْ أَحَدِ الْمَالَيْنِ، أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا صِغَارًا وَالْآخَرُ كِبَارًا (وَعَدَمَهَا) أَيْ عَدَمَ الْحَاجَةَ بِأَنْ يَجِدَ فَرْضَ كُلٍّ مِنْ الْمَالَيْنِ فِيهِ نَصَّ أَحْمَدُ لِذَلِكَ.
(وَلَوْ بَعْدَ قِسْمَةٍ فِي خُلْطَةِ أَعْيَانٍ، وَقَدْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) قَبْلَ الْقِسْمَةِ (مَعَ بَقَاءِ النَّصِيبَيْنِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ» أَيْ إذَا أَخَذَ السَّاعِي الزَّكَاةَ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا وَلِأَنَّ الْمَالَيْنِ قَدْ صَارَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَكَذَا فِي إخْرَاجِهَا وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، لَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ (وَيُرْجِعَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ عَلَى خَلِيطِهِ) لِلْخَبَرِ (بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ يَوْمَ أُخِذَتْ)

لِزَوَالِ مِلْكِهِ إذَنْ.
وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ (فَإِذَا) كَانَ الْمَالُ أَثْلَاثًا، وَ (أَخَذَ) السَّاعِي (الْفَرْضَ مِنْ مَالِ رَبِّ الثُّلُثِ رَجَعَ) رَبُّ الثُّلُثِ (بِقِيمَةِ ثُلُثَيْ الْمُخْرَجِ عَلَى شَرِيكِهِ) صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ.
(وَإِنْ أَخَذَهُ) أَيْ أَخَذَ السَّاعِي الْفَرْضَ (مِنْ الْآخَرِ) رَبِّ الثُّلُثَيْنِ (رَجَعَ) عَلَى شَرِيكِهِ (بِقِيمَةِ ثُلُثِهِ) أَيْ الْمُخْرَجِ لِأَنَّ لَهُ ثُلُثَ الْمَالِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي) قَدْرِ (قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ) (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ غَارِمٌ (مَعَ يَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ شَرِيكِهِ (إذَا اُحْتُمِلَ صِدْقُهُ) فِيمَا ذَكَرَهُ قِيمَةً، وَإِلَّا رُدَّ، لِتَكْذِيبِ الْحِسِّ لَهُ (وَ) مَحَلِّهِ: إذَا (عُدِمَتْ الْبَيِّنَةُ) لِأَنَّهَا تَرْفَعُ النِّزَاعَ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا تَقُولُهُ.

(وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنْ الْفَرْضِ بِلَا تَأْوِيلٍ، كَأَخْذِهِ عَنْ أَرْبَعِينَ) شَاةً، لِاثْنَيْنِ (مُخْتَلِطَةٍ: شَاتَيْنِ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا، أَوْ عَنْ ثَلَاثِينَ بَعِيرًا: جَذَعَةً، رَجَعَ) الْمَأْخُوذُ مِنْهُ (عَلَى خَلِيطِهِ فِي الْأُولَى) أَيْ مَسْأَلَةِ الْأَرْبَعِينَ شَاةً (بِقِيمَةِ نِصْفِ شَاةٍ وَ) رَجَعَ (فِي الثَّانِيَة) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ ثَلَاثِينَ بَعِيرًا (بِقِيمَةِ نِصْفِ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَمْ يَرْجِعْ) عَلَى خَلِيطِهِ (بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا ظُلْمٍ، فَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ) وَخَلِيطُهُ لَمْ يَظْلِمْهُ وَلَمْ يَتَسَبَّبْ فِي ظُلْمِهِ.

(وَإِذَا أَخَذَهُ) أَيْ أَخَذَ السَّاعِي الزَّائِدَ (بِتَأْوِيلٍ، كَأَخْذِهِ صَحِيحَةً عَنْ مِرَاضٍ، أَوْ) أَخْذِهِ (كَبِيرَةً عَنْ صِغَارٍ، أَوْ) أَخْذِهِ (قِيمَةَ الْوَاجِبِ رَجَعَ) الْمَأْخُوذُ مِنْهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى خَلِيطِهِ بِحِصَّتِهِ مِمَّا أَخَذَ، لِأَنَّ السَّاعِيَ نَائِبُ الْإِمَامِ فِعْلُهُ كَفِعْلِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَنْقُصُ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، كَمَا فِي الْحَاكِمِ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ: وَجَبَ دَفْعُهُ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاجِبِ وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ سَائِغٌ نَافِذٌ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِمُسَوِّغَاتِهِ.

(وَيُجْزِئُ) أَخْذُ السَّاعِي الْقِيمَةَ (وَلَوْ اعْتَقَدَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ السَّاعِي نَائِبُ الْإِمَامِ، وَفِعْلُهُ كَحُكْمِهِ، فَيُرْفَعُ الْخِلَافُ (وَمَنْ بَذَلَ الْوَاجِبَ) عَلَيْهِ، خَلِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (لَزِمَ) السَّاعِي (قَبُولُهُ) مِنْهُ (وَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ) لِأَدَائِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ.

(وَيُجْزِئ إخْرَاجُ بَعْضِ الْخُلَطَاءِ) الزَّكَاةَ (بِدُونِ إذْنِ بَقِيَّتِهِمْ، مَعَ حُضُورِهِمْ وَغَيْبَتِهِمْ) لِأَنَّ عَقْدَ الْخُلْطَةِ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْإِذْنِ لِخَلِيطِهِ فِي الْإِخْرَاجِ عَنْهُ (وَالِاحْتِيَاطُ) أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُ أَحَدِهِمْ (بِإِذْنِهِمْ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ: لَا يُجْزِئُ إلَّا بِهِ كَابْنِ حَمْدَانَ.
(وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهُمْ) أَيْ الْخُلَطَاءِ (فَوْقَ الْوَاجِبِ لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ) عَلَى خُلَطَائِهِ، لِعَدَمِ الْإِذْنِ لَفْظًا وَحُكْمًا.

تَتِمَّةٌ " إذَا أَخَذَ السَّاعِي فَرْضًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، هَلْ هُوَ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا؟ عَمَلَ كُلٌّ فِي التَّرَاجُعِ بِمَذْهَبِهِ لِأَنَّهُ لَا نَقْصَ فِيهِ، لِفِعْلِ السَّاعِي، فَعِشْرُونَ شَاةً خُلْطَةٌ بِسِتِّينَ فِيهَا رُبْعُ شَاةٍ، فَإِذَا أَخَذَ الشَّاةَ مِنْ السِّتِّينَ رَجَعَ رَبُّهَا بِرُبْعِ الشَّاةِ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْعِشْرِينَ رَجَعَ رَبُّهَا بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهَا، لَا بِقِيمَتِهَا كُلِّهَا، وَلَا تَسْقُطُ زِيَادَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بِأَخْذِ السَّاعِي مُجْمَعًا عَلَيْهِ، كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ خُلْطَةٍ بَيْنَهُمَا تَلَفَ سِتُّونَ عَقِبَ الْحَوْلِ، فَأَخَذَ نِصْفَ شَاةٍ بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالنِّصَابِ وَالْعَفْوِ، وَجَعَلَهُ لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرًا، لَزِمَهُمَا إخْرَاجُ نِصْفِ شَاةٍ ذَكَرَهُمَا فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ.

[بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ]

ِ مِنْ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ وَمَا هُوَ فِي حُكْمِ ذَلِكَ كَعَسَلِ النَّحْلِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] وَالزَّكَاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " حَقَّهُ: الزَّكَاةُ مَرَّة الْعُشْر وَمَرَّة نِصْفُ الْعُشْرِ " وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ وَيَأْتِي بَعْضُهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.

(تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَدْخُلُهُ التَّوْسِيقُ لَيْسَ مُرَادًا مِنْ عُمُومِ الْآيَة وَالْخَبَر، وَإِلَّا لَكَانَ ذِكْرُ الْأَوْسُقِ لَغْوًا وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُدَّخَرِ لَا تَكْمُلُ فِيهِ النِّعْمَةُ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِهِ مَآلًا (مِنْ قُوتٍ) كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ وَالدَّخَنِ (وَغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْقُوتِ، مِمَّا يَأْتِي بَيَانُهُ.

(فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي كُلِّ الْحُبُوبِ: كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ) بِالضَّمِّ قَالَهُ فِي الْقَامُوس (وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ لَوْنُهُ لَوْنُ الْحِنْطَةِ وَطَبْعُهُ كَالشَّعِيرِ فِي الْبُرُودَة) قَالَ فِي الْفُرُوعِ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ الْحُبُوبِ بِهِ، أَيْ بِالشَّعِيرِ فِي صُورَتِهِ (وَالذُّرَة وَالْقُطْنِيَّات) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (كُلُّهَا كَالْبَاقِلَّاءِ وَالْحِمَّصِ وَاللُّوبِيَا) يُمَدُّ وَيُقْصَرُ.
(وَالْعَدَس وَالْمَاشّ وَالتُّرْمُس) بِوَزْنِ بُنْدُق قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (حَبٌّ عَرِيضٌ أَصْغَرُ مِنْ الْبَاقِلَّاءِ وَالدَّخَنُ وَالْأُرْزُ وَالْهُرْطُمَانُ) حَبٌّ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَهُوَ الْجُلُبَّانَةُ وَالْكِرْسِنَّةُ وَالْحُلْبَةُ وَالْخَشْخَاشُ وَالسِّمْسِمُ) سُمِّيَ ذَلِكَ قُطْنِيَّة مِنْ قَطَنَ يَقْطُنُ فِي الْبَيْتِ.
لِأَنَّهَا تَمْكُثُ فِيهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ قَاطِنٌ بِمَكَانِ كَذَا (وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ شَيْرَجِهِ) أَيْ السِّمْسِم، كَإِخْرَاجِ قِيمَتِهِ (وَكَبِزْرِ الْبُقُولِ كُلِّهَا، كَالْهِنْدَبَا وَالْكَرَفْسِ وَالْبَصَلِ وَبِزْرِ قَطُونَا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الطَّاءِ، يُمَدُّ وَيُقْصَرُ.
(وَنَحْوِهَا وَبِزْرُ الرَّيَاحِين جَمِيعًا وَأَبَازِيرُ الْقِدْرِ، كَالْكُزْبَرَةِ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَقَدْ تُفْتَحُ وَأَظُنُّهُ مُعَرَّبًا قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَالْكَمُّون وَالْكَرَوْيا وَالشُّونِيز) يُقَال لَهُ: الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَكَذَلِكَ حَبُّ الرَّازِيَانجِ، وَهُوَ الشَّمَرُ وَالْأَنِيسُونَ وَالشَّهْدَانِجُ) بِفَتْحِ النُّونِ (وَهُوَ حَبُّ الْقُنَّب، وَالْخَرْدَلُ وَبِزْرُ الْكَتَّانِ) بِفَتْحِ الْكَافِ.
(وَ) بِزِرِّ (الْقُطْنِ وَالْيَقْطِين) وَهُوَ الْقَرْعُ (وَالْقِرْطِم) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالطَّاءِ، وَضَمِّهِمَا لُغَةً: حَبُّ الْعُصْفُرِ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَ) حَبُّ (الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَالْبِطِّيخِ) بِأَنْوَاعِهِ.
(وَ) حَبُّ (الرَّشَادِ وَالْفُجْلِ وَبِزْرُ الْبَقْلَةِ الْحَمْقَاء وَنَحْوِهِ) كَبِزْرِ الْبَاذِنْجَانِ وَالْخَسِّ وَالْجَزَرِ وَنَحْوِهِمَا.

(وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ) نَقَلَ صَالِحُ: مَا كَانَ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ وَيَقَعُ فِيهِ الْقَفِيزُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا كَانَ مِثْلَ الْخِيَارِ وَالْقِثَّاءِ وَالْبَصَلِ وَالرَّيَاحِين وَالرُّمَّان فَلَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ إلَّا أَنْ يُبَاعَ، وَيَحُولُ عَلَى ثَمَنِهِ حَوْلٌ (كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَاللَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ وَالسُّمَّاقِ) .

وَ (لَا) تَجِبُ الزَّكَاةُ (فِي عُنَّابٍ وَزَيْتُونٍ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِإِدْخَارِهِ، وَهُوَ شَرْطٌ ذُكِرَ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَقِنَّبٍ وَزَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ وَنِيلٍ وَفُوَّةٍ وَغُبَيْرَاءَ) وَبَقَّمٍ (وَحِنَّاءٍ وَنَأْرَنْجِيلٍ) بِالْهَمْزِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ وَهُوَ جَوْزُ الْهِنْدِ، الْوَاحِدَةُ نَأْرَنْجِيلَةٌ وَشَجَرَتُهُ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، لَكِنَّهَا تَمِيلُ بِصَاحِبِهَا حَتَّى تُدْنِيه مِنْ الْأَرْضِ لِينًا قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَجَوْز) نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ مَعْدُودٌ.
(وَسَائِر الْفَوَاكِهِ، كَالتِّينِ وَالْمِشْمِشِ) بِكَسْرِ الْمِيمَيْنِ (وَالتُّوت الْأَظْهَر: وُجُوبُهَا فِي الْعِنَّابِ وَالتِّينِ وَالْمِشْمِش وَالتُّوت) هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ فِي الْأَحْكَامِ

السُّلْطَانِيَّة وَالْمُسْتَوْعِب وَالْكَافِي: بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعِنَّابِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي التِّينِ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ كَالتَّمْرِ.

(وَلَا تَجِبُ فِي التُّفَّاحِ وَالْإِجَّاصِ وَالْخَوْخِ) وَيُسَمِّي الْفِرْسِكَ (وَالْكُمَّثْرَى) بِضَمِّ الْمِيم مُثْقَلَة فِي الْأَكْثَرِ الْوَاحِد كُمُّثْرَاة ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَالسَّفَرْجَلُ وَالرُّمَّانُ وَالنَّبْقُ وَالزُّعْرُورُ) يُشْبِه النَّبْق (وَالْمَوْز) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَكِيلَةً وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَامِلَ عُمَرَ كَتَبَ إلَيْهِ فِي كُرُوم فِيهَا مِنْ الْفِرْسِكِ وَالرُّمَّانِ مَا هُوَ أَكْثَرُ غَلَّةً مِنْ الْكُرُومِ أَضْعَافًا فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ " لَيْسَ فِيهَا عُشْرٌ، هِيَ مَنْ الْعِضَاه رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
(وَلَا فِي قَصَبِ السُّكَّرِ وَالْخُضَرِ، كَبِطِّيخٍ وَقِثَّاءٍ وَخِيَارٍ وَبَاذَنْجَان) بِفَتْحِ الذَّالِ (وَلِفْتٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ (وَهُوَ السَّلْجَمُ) بِوَزْنِ جَعْفَر (وَسَلْق وَكُرُنْب وَقَرْنَبِيط وَبَصَل وَثُوم وَكُرَّاث وَجَزَر وَفُجْل وَنَحْوِهِ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» وَعَنْ عَائِشَةَ مَعْنَاهُ رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ.
(وَلَا فِي الْبُقُولِ كَالْهِنْدَبَا) قَالَ ابْنُ السِّكِّيت: تُفْتَحُ الدَّالُ فَتُقْصَرُ وَتُكْسَرُ فَتُمَدُّ (وَالْكَرَفْس) قَالَ فِي الْبَارِعِ وَالتَّهْذِيبِ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ.
وَفِي الصِّحَاحِ: بِوَزْنِ جَعْفَر (وَالنَّعْنَاع وَالرَّشَاد وَبَقْلَة الْحَمْقَاءِ وَالْقَرَظ وَالْكُزْبَرَة وَالْجِرْجِير وَنَحْوِهِ، وَلَا فِي الْمِسْكِ وَالزَّهْرِ، كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسِجِ وَالنَّرْجِسِ وَاللِّينُوفَرَ وَالْخِيرِيِّ، وَهُوَ الْمَنْثُور وَنَحْوِهِ) كَالزِّنْبَقِ (وَلَا فِي طَلْعِ الْفُحَّالِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ ثَانِيهِ - وَهُوَ ذَكَرُ النَّخْلِ وَلَا فِي السَّعَفِ، وَهُوَ أَغْصَانُ النَّخْلِ) أَيْ جِرِيدُ النَّخْلِ الَّذِي لَمْ يُجَرَّدْ عَنْهُ خُوصُهُ، فَإِنْ جُرِّدَ خُوصُهُ عَنْهُ فَجَرِيدٌ (وَلَا فِي الْخُوصِ وَهُوَ وَرَقُهُ) أَيْ وَرَقُ السَّعَفِ (وَلَا فِي قُشُورِ الْحَبِّ وَالتِّينِ وَالْحَطَبِ وَالْخَشَبِ وَأَغْصَانِ الْخِلَاف وَوَرَق التُّوت وَالْكَلَأ وَالْقَصَب الْفَارِسِيّ وَلَبَن الْمَاشِيَةِ وَصُوفِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ (وَكَذَا الْحَرِيرُ وَدُودُ الْقَزِّ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ.

(وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي صَعْتَرٍ وَأُشْنَانٍ وَحَبِّ ذَلِكَ وَكُلِّ وَرَقٍ مَقْصُودٍ، كَوَرَقِ سِدْرٍ وَخِطْمِيٍّ وَآسِي وَهُوَ الْمَرْسِينُ) لِأَنَّهُ نَبَاتٌ مَكِيلٌ مُدَّخَرٌ.

[فَصْل مَا يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ]

(فَصْل وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ (شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْلُغَ نِصَابًا قَدْرُهُ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَ) بَعْد (الْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ) وَالْوَرَق (خَمْسَة أَوْسُقٍ) (فَلَا تَجِبُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِم فَتَقْدِيرُهُ بِالْكَيْلِ يَدُلُّ عَلَى إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِهِ وَاعْتُبِرَ كَوْنُ النِّصَابِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ لِأَنَّهُ حَالُ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ، وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ وَالْوَرَقِ لِأَنَّ التَّوْسِيقَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ التَّجْفِيفِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ عِنْده.

فَلَوْ كَانَ عَشْرَةَ أَوْسُقٍ عِنَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَبِيبًا، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْحَوْلُ هُنَا، لِتَكَامُلِ النَّمَاءِ عِنْدَ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(وَالْوَسْقُ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا (سِتُّونَ صَاعًا) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا» وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ نَحْوه رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُث) رِطْل (بِالْعِرَاقِيِّ؛ فَيَكُونُ النِّصَابُ فِي الْكُلِّ) مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْأَوْرَاقِ (أَلْفًا وَسِتّمِائَة رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ، وَهُوَ) أَيْ النِّصَابُ (أَلْف وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاع رَطْلٍ مِصْرِيٍّ، وَمَا وَافَقَهُ) كَالْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ.
(وَ) النِّصَابُ (ثَلَاثُمِائَةٍ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ دِمَشْقِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) فِي الزِّنَةِ.
(وَ) النِّصَابُ (مِائَتَانِ وَخَمْسَةُ وَثَمَانُونَ رِطْلًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ حَلَبِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) الزِّنَة كَالْحِمْصِيِّ (وَمِائَتَانِ وَسَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ رِطْلًا وَسُبْعُ رِطْلٍ قُدْسِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) كَالنَّابُلُسِيِّ (وَمِائَتَانِ وَثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ بَعْلِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) فِي وَزْنِهِ.

" فَائِدَة " الْإِرْدَبُ كَيْلٌ مَعْرُوفٌ بِمِصْرَ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ مَنَا وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ: وَالْجَمْعُ الْأَرَادِب، قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ أَوَّلًا، وَالْآنَ الْإِرْدَبُّ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رُبْعًا، وَالرُّبُعُ أَرْبَعَةُ أَقْدَاحٍ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَالصَّاعُ قَدَحَانِ اهـ فَالْإِرْدَبُ ثَمَان وَأَرْبَعُونَ صَاعًا، فَيَكُونُ النِّصَابُ سِتَّةَ أَرَادِب وَرُبْعٍ تَقْرِيبًا وَقَالَ الشَّمْسُ الْعَلْقَمِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الصَّاعُ قَدَحَانِ إلَّا سُبْعَيْ مُدٍّ، بِالْقَدَحِ الْمِصْرِيِّ (وَالْوَسْقُ وَالصَّاعُ وَالْمُدُّ: مَكَايِيل نُقِلَتْ إلَى الْوَزْنِ) أَيْ قُدِّرَتْ بِالْوَزْنِ (لِتُحْفَظَ) فَلَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا (وَتُنْقَلُ) مِنْ الْحِجَازِ إلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَتْ، صَنْجًا.

(وَالْمَكِيلُ يَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ فَمِنْهُ ثَقِيلٌ) كَتَمْرٍ وَأُرْزٍ وَمِنْهُ (مُتَوَسِّطٌ كَبُرٍّ وَعَدَسٍ وَ) مِنْهُ

(خَفِيفٌ، كَشَعِيرٍ وَذُرَةٍ) وَأَكْثَرُ التَّمْرِ أَخَفُّ مِنْ الْحِنْطَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُكَالُ شَرْعًا لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْر مَكْبُوسٍ (فَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْمَكِيلَاتِ (بِالْمُتَوَسِّطِ نَصًّا) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَنَصَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلْث بِالْحِنْطَةِ، أَيْ بِالرَّزِينِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَهُوَ الَّذِي يُسَاوِي الْعَدَسَ فِي وَزْنِهِ.
(وَمِثْل مَكِيلِهِ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُتَوَسِّطِ وَهُوَ الثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ " (وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ) الْمَكِيلُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَوَسِّطِ (الْوَزْنَ) الْمَذْكُورَ لِخِفَّتِهِ (نَصًّا) فَالْمُعْتَبَر: بُلُوغُهُ نِصَابًا بِالْكَيْلِ، دُونَ الْوَزْنِ (فَمَنْ اتَّخَذَ وِعَاءً يَسَعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلْثًا عِرَاقِيَّةً مِنْ جَيِّدِ الْبُرِّ) أَيْ رَزِينِهِ (ثُمَّ كَالَ بِهِ مَا شَاءَ) مِنْ ثَقِيلٍ وَخَفِيفٍ (عَرَفَ) بِهِ (مَا بَلَغَ حَدَّ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِهِ) الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا.

(فَإِنْ شَكَّ فِي بُلُوغِ قَدْرِ النِّصَابِ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُقَدِّرُهُ) أَيْ الْمَكِيلُ (بِهِ، احْتَاطَ وَأَخْرَج) الزَّكَاةَ لِيُخْرِجَ مِنْ عُهْدَتِهَا (وَلَا يَجِبُ) عَلَيْهِ الْإِخْرَاج إذَنْ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ.

(وَنِصَاب عَلْس) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا (وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَ) نِصَابُ (أُرْزٍ يُدَّخَرَانِ) أَيْ الْعَلْسُ وَالْأُرْزُ (فِي قِشْرَيْهِمَا عَادَةً لِحِفْظِهِمَا) لِأَنَّهُمَا إذَا خَرَجَا مِنْ قِشْرِهِمَا لَا يَبْقَيَانِ بَقَاءَهُمَا فِي الْقِشْرِ (عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، إذَا كَانَ) الْعَلْسُ أَوْ الْأُرْزُ (بِبَلَدٍ قَدْ خَبِرَهُ) أَيْ امْتَحَنَهُ وَجَرَّبَهُ (أَهْلُهُ وَعَرَفُوا أَنَّهُ يَخْرُج مِنْهُ مُصَفَّى النِّصْف) عَمَلًا بِالْعَادَةِ (لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ فِي الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ فَيَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ) بِذَلِكَ.
(وَيُؤْخَذُ بِقَدْرِهِ) لِلْحَاجَةِ (وَإِنْ صُفِّيَا، فَنِصَابُ كُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ) كَسَائِرِ الْحُبُوبِ (فَإِنْ شَكَّ فِي بُلُوغِهِمَا نِصَابًا) وَهُمَا فِي قِشْرِهِمَا، لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الْعَادَةِ (خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَحْتَاطَ وَيُخْرِجُ عُشْرَهُ قَبْل قَشْرِهِ، وَبَيْنَ قِشْرِهِ وَاعْتِبَارِهِ بِنَفْسِهِ كَمَغْشُوشِ أَثْمَانٍ) حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ غَيْرِهِ) أَيْ الْعَلْس (مِنْ الْحِنْطَةِ فِي قِشْرِهِ، وَلَا إخْرَاجُهُ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِهِ وَلَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَلَا يُعْلَمُ قَدْرُ مَا تَخْرُجُ مِنْهُ.

(وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ) إذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ، وَلَوْ اخْتَلَفَ النَّوْعُ (وَ) يُضَمُّ (زَرْعُهُ) أَيْ زَرْعُ الْعَامِ الْوَاحِدِ (بَعْضُهَا) أَيْ الثَّمَرَةِ (إلَى بَعْضٍ) فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَبَعْضُ الزَّرْعِ إلَى بَعْضٍ (فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) إذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ (وَلَوْ اخْتَلَفَ وَقْتُ إطْلَاعِهِ، وَ) وَقْتُ (إدْرَاكِهِ بِالْفُصُولِ) كَمَا لَوْ اتَّحَدَ لِأَنَّهُ عَامٌ وَاحِدٌ (وَسَوَاء تَعَدَّدَ الْبَلَدُ أَوْ لَا) نَصَّ عَلَيْهِ فَيَأْخُذَ عَامِلُ الْبَلَدِ حِصَّتَهُ مِنْ الْوَاجِبِ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ (فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ تَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حَمْلَيْنِ ضَمَّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ) لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ، فَضَمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ (كَزَرْعِ الْعَامِ الْوَاحِدِ) وَكَالذُّرَةِ الَّتِي تَنْبُتُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّ الْحِمْلَ الثَّانِي يُضَمُّ إلَى الْحِمْلِ الْمُنْفَرِدِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ أَوَّلٌ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لِأَنَّ وُجُودَ الْحَمْلِ الْأَوَّلِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا، بِدَلِيلِ حِمْلِ الذُّرَةِ وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ انْفِصَالِ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ.
وَفِي الْمُبْدِعِ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَامِ هُنَا: اثْنَيْ عَشْرَ شَهْرًا، بَلْ وَقْتَ اسْتِغْلَالِ الْمُغَلِّ مِنْ الْعَامِ عُرْفًا وَأَكْثَرُهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ بِقَدْرِ فَصْلَيْنِ.

(وَلَا تُضَمُّ ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ وَلَا زَرْعُهُ) أَيْ زَرْعُ عَامٍ (إلَى) ثَمَرَةِ عَامٍ (آخَر) لِانْفِصَالِ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ (وَتُضَمُّ أَنْوَاعُ الْجِنْسِ) مِنْ حُبُوبٍ أَوْ ثِمَارٍ مِنْ عَامٍ وَاحِدٍ (بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) كَأَنْوَاعِ الْمَاشِيَةِ وَالنَّقْدَيْنِ (فَالسُّلْتُ نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ، فَيُضَمُّ إلَيْهِ وَالْعَلَسُ نَوْعٌ مِنْ الْحِنْطَةِ: فَيُضَمُّ إلَيْهَا) وَكَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ جِنْسٍ (وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى آخَرَ) كَبُرٍّ إلَى شَعِيرٍ، أَوْ دُخْنٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ عَدَسٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا فَلَمْ يُضَمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ (كَأَجْنَاسِ الثِّمَارِ، وَ) أَجْنَاسِ (الْمَاشِيَةِ) وَيَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى ضَمِّ الْعَلَسِ إلَى الْحِنْطَةِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا وَإِذَا انْقَطَعَ الْقِيَاسُ لَمْ يَجُزْ إيجَابُ الزَّكَاةِ بِالتَّحَكُّمِ (وَلَا) تُضَمُّ (الْأَثْمَانُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْحُبُوبِ أَوْ الثِّمَارِ أَوْ الْمَاشِيَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا إلَى عُرُوضِ التِّجَارَةِ) فَتُضَمُّ الْأَثْمَانُ إلَى قِيمَتِهَا (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) .

الشَّرْطُ (الثَّانِي) لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ (أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكًا لَهُ) أَيْ لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ.

(وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ) فِيهِ وَهُوَ وَقْتُ اشْتِدَادِ الْحَبِّ وَبُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهُ.

(فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِيمَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ مِمَّا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّ كَمَنْ سَقَطَ لَهُ حَبٌّ فِي أَرْضِهِ أَوْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ) فَنَبَتَ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَفِعْلُ الزَّرْعِ لَيْسَ شَرْطًا.

(وَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِيمَا يَكْتَسِبهُ اللَّقَّاطُ، أَوْ يُوهَبُ لَهُ) بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، أَوْ يَشْتَرِيه وَنَحْوه بَعْدَ ذَلِكَ (أَوْ يَأْخُذُهُ) الْحَصَّادُ وَنَحْوه (أُجْرَةً لِحَصَادِهِ وَدِيَاسِهِ وَنَحْوِهِ) كَأُجْرَةِ تَصْفِيَةٍ أَوْ نِطَارَتِهِ.
(وَلَا فِيمَا يَمْلِكُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرَةٍ بَعْد بُدُوِّ صَلَاحِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِهِمَا) كَصَدَاقٍ وَعِوَضِ خَلْعٍ وَإِجَارَةٍ وَعِوَضِ صُلْحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ الْعَسَلِ، لِلْأَثَرِ.

(وَلَا) زَكَاةَ (فِيمَا يَجْتَنِيه مِنْ مُبَاحٍ كَبُطْمٍ وَزَعْبَلٍ) بِوَزْنِ جَعْفَر (وَهُوَ شَعِيرُ الْجَبَلِ، وَبِزْرُ قَطْونَا وَكُزْبَرَة وَعَفْص وَأُشْنَان وَسُمَاق وَنَحْوه) كَبِزْرِ النَّمَّامِ وَالْحَبَّة الْحَمْقَاء (سَوَاء أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ نَبَتَ فِي أَرْضِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَك إلَّا بِأَخْذِهِ) فَلَمْ يَكُنْ وَقْتُ الْوُجُوبِ فِي مِلْكِهِ.

[فَصْلٌ يَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ]

فَصْلٌ وَيَجِبُ الْعُشْرُ وَهُوَ (وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ) إجْمَاعًا (فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ) أَيْ كُلْفَةٍ (كَالْغَيْثِ، وَهُوَ الْمَطَرُ، وَ) ك (السُّيُوحِ) جَمْعُ سَيْحٍ وَهُوَ الْمَاءُ الْجَارِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (كَالْأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي) الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ مِنْ الْأَنْهَارِ بِلَا آلَةٍ (وَمَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، وَهُوَ الْبَعْلُ وَلَا يُؤَثِّر) مُؤْنَةُ (حَفْرِ الْأَنْهَارِ) وَحَفْرِ (السَّوَاقِي) فِي نَقْصِ الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ إحْيَاءِ الْأَرْضِ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ.
(وَ) لَا تُؤَثِّرُ أَيْضًا مُؤْنَةُ (تَنْقِيَتِهَا) أَيْ الْأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي (وَ) لَا مُؤْنَةُ (سَقْيٍ) أَيْ مَنْ يَسْقِي بِمَاءِ الْأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي (فِي نَقْصِ الزَّكَاةِ، لِقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ وَكَذَا مَنْ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي السَّوَاقِي لِأَنَّهُ كَحَرْثِ الْأَرْضِ) وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى فِي السَّقْيِ بِكُلْفَةٍ.

(وَإِنْ اشْتَرَى مَاءَ بِرْكَةٍ أَوْ حَفِيرَةٍ وَسَقَى بِهِ سَيْحًا فَ) الْوَاجِبُ (الْعُشْرُ وَكَذَا إنْ جَمَعَهُ وَسَقَى بِهِ) سَيْحًا فَيَجِبُ الْعُشْرُ، لِنُدْرَةِ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ وَهِيَ فِي مِلْكِ الْمَاءِ لَهُ لَا فِي السَّقْيِ بِهِ.

فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي مِنْ النَّهْرِ فِي سَاقِيَةٍ إلَى الْأَرْضِ، وَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان قَرِيبٍ مِنْ وَجْهِهَا، إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ: إلَى آلَةٍ مِنْ غَرْبٍ أَوْ دُولَابٍ فَهُوَ مِنْ الْكُلْفَةِ الْمُسْقِطَةِ لِنِصْفِ الْعُشْرِ.

(وَيَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ، كَالدَّوَالِي جَمْعُ دَالِيَةٍ، وَهِيَ الدُّولَابُ تُدِيرُهُ الْبَقَرُ) وَيُسَمُّونَهَا بِمِصْرَ سَاقِيَةً (وَالنَّاعُورَةُ يُدِيرُهَا الْمَاءُ وَالسَّانِيَةُ) بِالنُّونِ.
(وَ) هِيَ (النَّوَاضِحُ وَاحِدُهَا: نَاضِحٌ وَنَاضِحَةٌ، وَهُمَا الْبَعِيرُ يُسْتَقَى عَلَيْهِ وَمَا يَحْتَاجُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ) أَيْ رَفْعِهِ إلَيْهَا (إلَى آلَةٍ مِنْ غَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ) فَكُلُّ ذَلِكَ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عُثْرِيًّا: الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ سُمِّيَ عُثْرِيًّا: لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِي مَجْرَى الْمَاءِ عَاثُورًا فَإِذَا صَدَمَهُ الْمَاءُ تَرَادَّ، فَدَخَلَ تِلْكَ الْمَجَارِي فَتَسْقِيه وَلِأَنَّ لِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرًا فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ فَفِي تَخْفِيفِهَا أَوْلَى.
(وَقَالَ الشَّيْخُ وَمَا يُدِيرُهُ الْمَاءُ مِنْ النَّوَاعِيرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُصْنَعُ مِنْ الْعَامِ إلَى الْعَامِ، أَوْ) يُصْنَعُ (فِي أَثْنَاءِ الْعَامِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى دُولَابٍ تُدِيرُهُ الدَّوَابُّ: يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ خَفِيفَةٌ فَهِيَ كَحَرْثِ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ) فَلَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ الزَّكَاةِ.

تَتِمَّةٌ " إذَا سُقِيَتْ أَرْضُ الْعُشْرِ بِمَاءِ الْخَرَاجِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا خَرَاجٌ، أَوْ عَكْسُهُ، لَمْ يَسْقُطْ خَرَاجُهَا وَلَا يُمْنَعُ مِنْ سَقْيِ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِمَاءِ الْأُخْرَى نَصَّ عَلَى ذَلِكَ (فَإِنْ سَقَى بِكُلْفَةٍ وَبِغَيْرِ كُلْفَةٍ سَوَاء) بِأَنْ سَقَى نِصْفَ السَّنَةِ بِهَذَا وَنِصْفَهَا بِهَذَا (وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ وُجِدَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ لَأَوْجَبَ مُقْتَضَاهُ فَإِذَا وُجِدَ فِي نِصْفِهِ أَوْجَبَ نِصْفه (فَإِنْ سَقَى بِأَحَدِهِمَا أَكْثَر) مِنْ الْآخَرِ (اعْتَبَرَ أَكْثَرَهُمَا) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ قَدْرِ مَا يَسْقِي بِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَشُقُّ فَاعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ كَالصَّوْمِ (فَإِنْ جَهِلَ الْمِقْدَارَ) أَيْ مِقْدَارَ السَّقْيِ، فَلَمْ يَعْلَمْ: هَلْ سَقَى سَيْحًا أَكْثَر أَوْ بِكُلْفَةٍ أَكْثَر؟ أَوْ جَهِلَ أَكْثَرَهُمَا نَفْعًا وَنُمُوًّا؟ (وَجَبَ الْعُشْرُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُهُ كَامِلًا، وَلِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِيَقِينِ (وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَكْثَرِ) مِنْ السَّقْيِ بِكُلْفَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا (نَفْعًا وَنُمُوًّا) نَصًّا وَ (لَا) اعْتِبَارَ (بِالْعَدَدِ وَالْمُدَّةِ) أَيْ عَدَدِ السَّقْيَاتِ وَمُدَّةِ السَّقْيِ.

(وَمَنْ لَهُ حَائِطَانِ) أَيْ بُسْتَانَانِ (أَوْ) لَهُ (أَرْضَانِ، ضُمَّا) أَيْ الْحَائِطَانِ أَوْ الْأَرْضُ، أَيْ ضُمَّتْ ثِمَارُهُمَا وَزُرُوعُهُمَا بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَالْعَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ (فِي) تَكْمِيلِ (النِّصَابِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُ نَفْسِهِ فِي سَقْيِهِ بِمُؤْنَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا) فَيُخْرِجُ مِمَّا يُشْرَبُ بِمُؤْنَةٍ نِصْفَ عُشْرِهِ، وَمِمَّا يُشْرَبُ بِغَيْرِهَا: عُشْرَهُ (وَيُصَدَّقُ الْمَالِكُ فِيمَا سَقَى بِهِ بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُسْتَحْلَفُونَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَدِّ.

(وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، فَ) بُدُوّ الصَّلَاحِ (فِي فُسْتُقٍ وَبُنْدُقٍ وَنَحْوِهِ) كَلَوْزٍ (انْعِقَادُ لُبِّهِ، وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنْ الثِّمَارِ كَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ (كَبَيْعٍ) أَيْ ظُهُورُ نُضْجِهِ وَطِيبُ أَكْلِهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ.
(وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) لِأَنَّهُ يُقْصَدُ لِلْأَكْلِ وَالِاقْتِيَاتِ كَالْيَابِسِ، وَلِأَنَّهُ وَقْتُ خَرْصِ الثَّمَرَةِ لِحِفْظِ الزَّكَاةِ وَمَعْرِفَةِ قَدْرِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ لَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ وَلَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ قَبْلَ الْخَرْصِ وَبَعْدَهُ، فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ، دُونَ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ (فَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ الثَّمَرَةَ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، كَأَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ تَخْفِيفٍ) أَصْلُهَا (أَوْ تَحْسِين بَقِيَّتهَا؛ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) أَيْ الْمَقْطُوعِ قَبْلَ بُدُوّ صَلَاحِهِ، كَمَا لَوْ أَكَلَ السَّائِمَةَ أَوْ بَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ الْقَطْعَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ (فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ، أَثِمَ وَلَزِمَتْهُ) الزَّكَاةُ لِتَفْوِيتِهِ الْوَاجِبَ بَعْد انْعِقَادِ سَبَبِهِ، أَشْبَهَ الْقَاتِل وَالْمُطَلِّق ثَلَاثًا فِي

مَرَضِ مَوْتِهِ.
(وَلَوْ بَاعَهُ) بَعْد بُدُوِّ صَلَاحِهِ (أَوْ وَهَبَهُ خَرَصَ أَمْ لَا فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ) أَيْ الْبَائِعِ أَوْ الْوَاهِبِ، كَمَا لَوْ بَاعَ السَّائِمَةَ بَعْدَ الْحَوْلِ.
(وَلَا) تَجِبُ زَكَاتُهُ (عَلَى الْمُشْتَرِي وَ) لَا (الْمَوْهُوبِ لَهُ) لِعَدَمِ مِلْكِهِ وَقْتَ الْوُجُوبِ.

(وَلَوْ مَاتَ) مَالِكُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ بَعْدَ الِاشْتِدَادِ وَبُدُوِّ الصَّلَاحِ (وَلَهُ وَرَثَةٌ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا، لَمْ يُؤَثِّر ذَلِكَ) فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ كَمَوْتِ رَبِّ الْمَاشِيَةِ بَعْد الْحَوْلِ.
(وَلَوْ وَرِثَهُ) أَيْ الْحَبَّ الْمُشْتَدَّ أَوْ الثَّمَرَ، بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ (مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَمْنَعْ دَيْنُهُ الزَّكَاةَ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُوَرِّثِ قَبْلَ مَوْتِهِ فَتُؤْخَذُ تَرِكَتُهُ، لَا عَلَى الْوَارِثِ الْمَدِينِ.
(وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ مَوْتِ الْمَالِكِ عَمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ نِصَابًا، أَوْ عَنْ مَدِينٍ (قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ، وَ) قَبْلَ (اشْتِدَادِ الْحَبِّ انْعَكَسَتْ الْأَحْكَامُ) فَتَكُونُ الزَّكَاةُ فِي مَسْأَلَتَيْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ، إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ وَتَسْقُطُ فِي مَسْأَلَتَيْ الْمَوْتِ.

(وَلَوْ بَاعَهُ) أَيْ الْحَبَّ الْمُشْتَدَّ أَوْ الثَّمَرَ بَعْد بُدُوِّ صَلَاحِهِ (وَشَرَطَ) الْبَائِعُ (الزَّكَاةَ عَلَى الْمُشْتَرِي صَحَّ) الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ، لِلْعِلْمِ بِالزَّكَاةِ فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى قَدْرَهَا، وَوَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِهِ (فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا الْمُشْتَرِي وَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ أُلْزِمَ بِهَا الْبَائِعُ) لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ.
(وَيُفَارِقُ إذَا اسْتَثْنَى) زَكَاةَ (نِصَابِ مَاشِيَةٍ) فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، بَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ (لِلْجَهَالَةِ) بِالْمُسْتَثْنَى وَاسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُولِ مِنْ الْمَعْلُومِ يُصَيِّرُهُ مَجْهُولًا (أَوْ اشْتَرَى مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ) مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ (بِأَصْلِهِ) الَّذِي هُوَ أَرْضُهُ، أَوْ شَجَرُهُ فَإِنَّهُ (لَا يَجُوزُ شَرْطُ الْمُشْتَرِي زَكَاتَهُ عَلَى الْبَائِعِ) لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْغَرَضِ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ.

(وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إلَّا بِجَعْلِهَا) أَيْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ (فِي جَرِينٍ وَبَيْدَرٍ وَمِسْطَاحٍ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الْجَرِينُ يَكُونُ بِمِصْرَ وَالْعِرَاق وَالْبَيْدَرُ بِالشَّرْقِ وَالشَّامِ وَالْمِرْبَدُ يَكُونُ بِالْحِجَازِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الثَّمَرَةُ لِيَتَكَامَلَ جَفَافُهَا وَالْجُوجَانُ: يَكُونُ بِالْبَصْرَةِ، وَهُوَ مَوْضِعُ تَشْمِيسِهَا وَتَيْبِيسِهَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا وَيُسَمَّى بِلُغَةِ آخَرِينَ الْمِسْطَاحِ وَبِلُغَةِ آخَرِينَ: الطِّبَابَةُ اهـ فَدَلَّ أَنَّ مُسَمَّى الْجَمِيعِ وَاحِدٌ (فَإِنْ تَلِفَتْ) الْحُبُوبُ أَوْ الثِّمَارُ الَّتِي تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْوَضْعِ بِالْجَرِينِ وَنَحْوِهِ (بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ، خُرِصَتْ) الثَّمَرَةُ (أَوْ لَمْ تُخْرَصْ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَا لَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فَذَهَبَتْ بِعَطَشٍ أَصَابَهَا وَنَحْوِهِ رُجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِثَمَنِهَا وَالْخَرْصُ لَا يُوجِبُ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ السَّاعِي لِيَتَمَكَّنَ الْمَالِكُ

مِنْ التَّصَرُّفِ فَوَجَبَ سُقُوطُ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُودِهِ، كَعَدَمِهِ.

(وَإِنْ تَلِفَ الْبَعْضُ) مِنْ الزَّرْعِ أَوْ الثَّمَرِ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ (زَكَّى) الْمَالِكُ (الْبَاقِي إنْ كَانَ نِصَابًا) لِوُجُودِ الشَّرْطِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَاقِي نِصَابًا (فَلَا) زَكَاةَ فِيهِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: فِي الْأَصَحِّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» وَهَذَا يَعُمُّ حَالَةَ الْوُجُوبِ وَلُزُوم الْأَدَاءِ اهـ وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمَذْهَبِ: إنْ كَانَ التَّلَفُ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ بَعْده وَجَبَ فِي الْبَاقِي بِقَدْرِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَصَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ.

(وَإِنْ تَلِفَتْ) الزُّرُوعُ أَوْ الثِّمَارُ (بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ) أَيْ الْوَضْعِ فِي الْجَرِين وَنَحْوِهِ (لَمْ تَسْقُطْ) زَكَاتُهَا، كَتَلَفِ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَهَا أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَلَوْ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ أَوْ مُفَرِّطٌ.

(وَإِنْ ادَّعَى) رَبُّ الزُّرُوعِ أَوْ الثِّمَارِ (تَلَفَهَا) بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ (قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ، كَالصَّلَاةِ (وَلَوْ اُتُّهِمَ) فِي دَعْوَاهُ - التَّلَف - (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ) أَيْ التَّلَفَ (بِجَائِحَةٍ ظَاهِرَةٍ تَظْهَرُ عَادَةً) كَحَرِيقٍ وَجَرَادٍ (فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِوُجُودِ ذَلِكَ الظَّاهِرِ (ثُمَّ يُصَدَّقُ) الْمَالِكُ (فِي قَدْرِ التَّالِفِ) مِنْ الْمَالِ الْمُزَكَّى بِلَا يَمِينٍ.

(وَيَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَبِّ مُصَفًّى) مِنْ قِشْرِهِ وَتِبْنِهِ (وَالثَّمَر يَابِسًا) لِحَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ زَبِيبًا، كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ وَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤْخَذُ زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا» وَلَا يُسَمَّى زَبِيبًا وَتَمْرًا حَقِيقَةً إلَّا الْيَابِسُ وَقِيسَ عَلَيْهِمَا الْبَاقِي وَلِأَنَّ ذَلِكَ حَالَةُ كَمَالِهِ، وَنِهَايَةُ صِفَاتِ ادِّخَارِهِ وَوَقْتُ لُزُومِ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ (فَلَوْ خَالَفَ وَأَخْرَجَ سُنْبُلًا وَرُطَبًا وَعِنَبًا لَمْ يُجْزِئْهُ) إخْرَاجُهُ.
(وَوَقَعَ نَفْلًا) إنْ كَانَ الْإِخْرَاجُ لِلْفُقَرَاءِ (فَلَوْ كَانَ الْآخِذُ) لِذَلِكَ (السَّاعِي، فَإِنْ جَفَّفَهُ) أَيْ الرُّطَبَ وَالْعِنَبَ (وَصَفَّاهُ) أَيْ السُّنْبُلَ (وَجَاءَ قَدْرُ الْوَاجِبِ) فِي الزَّكَاةِ (أَجْزَأَ) الْمَالِكُ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ (رَدَّ) لِلسَّاعِي (الْفَضْلَ) لِمَالِكِهِ لِبَقَائِهِ فِي مِلْكِهِ (إنْ زَادَ) مَا كَانَ دَفَعَهُ (وَأَخَذَ) السَّاعِي مِنْ الْمَالِكِ (النَّقْصَ) أَيْ مَا بَقِيَ مِنْ الْوَاجِبِ (إنْ نَقَصَ) الْمُخْرَجُ عَنْهُ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمُخْرَجُ (بِحَالِهِ) بِيَدِ السَّاعِي لَمْ يُجَفِّفْهُ وَلَمْ يُصَفِّهِ (رَدَّهُ) لِمَالِكِهِ، لِفَسَادِ الْقَبْضِ وَيُطَالِبهُ بِالْوَاجِبِ (وَإِنْ تَلِفَ) بِيَدِ السَّاعِي (رَدَّ بَدَلَهُ) لِمَالِكِهِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى السَّاعِي.
(وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى قَطْعِ ثَمَرٍ وَزَبِيبٍ، مِثْلَ بَعْدِ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَقَبْلَ كَمَالِهِ) أَيْ الثَّمَرِ وَقَوْله (لِضَعْفِ أَصْلٍ وَنَحْوه، كَخَوْفِ عَطَشٍ أَوْ تَحْسِينِ بَقِيَّتِهِ) عِلَةً لَاحْتِيجَ (جَازَ) قَطْعُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ (وَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ يَابِسًا) إنْ بَلَغَ نِصَابًا يَابِسًا (كَمَا لَوْ قُطِعَ لِغَرَضِ الْبَيْعِ بَعْد خَرْصِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُخْرَصُ الْعِنَبُ فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا» وَلِأَنَّهُ حَالَ الْكَمَالِ فَاعْتُبِرَ.
(وَيَحْرُمُ قَطْعُهُ مَعَ حُضُورِ سَاعٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إنْ كَانَ (إلَّا بِإِذْنِهِ) لِحَقِّ أَهْلِ الزَّكَاةِ فِيهَا وَكَوْنُ السَّاعِي كَالْوَكِيلِ عَنْهُمْ قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، لَا كَتَعَلُّقِ شَرِكَةٍ فَلَا يَتِمُّ التَّعْلِيلُ.

(وَإِنْ كَانَ) الثَّمَرُ (رُطَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ أَوْ) كَانَ (عِنَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ وَجَبَ قَطْعُهُ) رُطَبًا وَعِنَبًا، لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا (وَفِيهِ الزَّكَاةُ إنْ بَلَغَ نِصَابًا يَابِسًا) بِالْخَرْصِ فَيُخْرِجُ زَكَاتُهُ (مِنْ غَيْرِهِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا مُقَدَّرًا بِغَيْرِهِ) مِمَّا يَصِيرُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا (ا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِقَطْعِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ وَلَا زَبِيبٌ (فَمُسْتَحِيلٌ) عَادَةً (أَنْ يُخْرِجَ مِنْ عَيْنِهِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا إذْ لَمْ يَجِئْ مِنْهُ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ) بِحَسَبِ الْعَادَةِ (أَوْ يُخْرِجَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا قَطَعَهُ لِلْحَاجَةِ إلَى قَطْعِهِ أَوْ لِوُجُوبِهِ (رُطَبًا وَعِنَبًا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَا مُوَاسَاةَ بِإِلْزَامِهِ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ وَعَلَى مَا اخْتَارَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ (وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ الْوَاجِبَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّطَبِ أَوْ الْعِنَبِ (مُشَاعًا) بِأَنْ يُسَلِّمَهُ الْعُشْرَ مَثَلًا، شَائِعًا (أَوْ مَقْسُومًا بَعْدَ الْجُذَاذِ، أَوْ قَبْلَهُ بِالْخَرْصِ فَيُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ مُقَاسَمَةِ رَبِّ الْمَالِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ الْجُذَاذِ فَيَأْخُذُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ شَجَرَاتٍ مُفْرَدَةٍ، وَبَيْنَ مُقَاسَمَتِهِ بَعْدَ جَذِّهَا بِالْكَيْلِ) . فِي الرُّطَبِ وَالْوَزْنِ فِي الْعِنَبِ (وَلَهُ) السَّاعِي (بَيْعُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (مِنْهُ) أَيْ رَبِّ الْمَالِ (أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) وَيُقَسِّمُ ثَمَنَهَا لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَبْذُلُ فِيهَا عِوَضَ مِثْلِهَا أَشْبَه الْأَجْنَبِيّ لَا يُقَالُ: الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ وَلَا زَبِيبٌ، لَا يُدَّخَرُ فَهُوَ كَالْخَضْرَاوَاتِ، لَا زَكَاةَ فِيهِ لِأَنَّا نَقُولُ: بَلْ يُدَّخَرُ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يُدَّخَرْ هُنَا لِأَنَّ أَخْذَهُ رُطَبًا أَنْفَعُ فَلَمْ تَسْقُطْ زَكَاتُهُ بِذَلِكَ (وَالْمَذْهَبُ) الْمَنْصُوصُ (أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ إلَّا يَابِسًا) لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَالْمَذْهَبِ لَا يُخْرِجُ إلَّا يَابِسًا.

(فَإِنْ أَتْلَفَ النِّصَابَ رَبُّهُ بَقِيَتْ الزَّكَاةُ فِي ذِمَّتِهِ، تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا)

لِعَدَمِ سُقُوطِهَا بِإِتْلَافِهِ (وَظَاهِره) أَيْ ظَاهِرُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ إلَّا يَابِسًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ إذَا تَلِفَ.
(وَلَوْ لَمْ يُتْلِفهُ) أَيْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِ أَوْ يُفَرِّط فِيهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِقْرَارُ فِيهِ عَلَى الْوَضْعِ بِالْمِسْطَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى وَضْعُهُ فِيهِ لِكَوْنِهِ لَا بِتَمْرٍ وَلَا بِزَبِيبٍ فَيَكُونُ اسْتِقْرَارُهَا بِمُجَرَّدِ انْتِهَاءِ نُضْجِهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمَا) أَيْ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ (بَقِيَا فِي ذِمَّتِهِ فَيُخْرِجُهُ) أَيْ مَا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ (إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ) كَبَاقِي الْوَاجِبَاتِ الَّتِي لَا بَدَلَ لَهَا (وَالْمَذْهَبُ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَزَكَاتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ قَالَ «حُمِلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ شِرَاءَهَا وَسِيلَةٌ إلَى اسْتِرْجَاعِ شَيْءٍ مِنْهَا لِأَنَّهُ يَسْتَحْيِي أَنْ يُمَاكِسَهُ فِي ثَمَنِهَا وَرُبَّمَا سَامَحَهُ طَمَعًا مِنْهُ بِمِثْلِهَا أَوْ خَوْفًا مِنْهُ إذَا لَمْ يَبِعْهَا أَنْ لَا يَعُودَ يُعْطِيه فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَكُلُّ هَذِهِ مَفَاسِدُ فَوَجَبَ حَسْمُ الْمَادَّةِ (وَسَوَاء اشْتَرَاهَا مِمَّنْ أَخَذَهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَنَقَلَهُ أَبُو دَاوُد فِي فَرَسِ حَمِيلٍ وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ: يَقْتَضِي الْفَرْقَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ النَّهْيَ يَخْتَصُّ بِعَيْنِ الزَّكَاةِ وَنَقَلَ حَنْبَلُ وَمَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ نِتَاجِهِ فَلَا.

(وَإِنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ) زَكَاتُهُ أَوْ صَدَقَتُهُ (بِإِرْثٍ) طَابَتْ لَهُ بِلَا كَرَاهَةٍ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ» رَوَاهُ جَمَاعَةٌ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيَّ (أَوْ) عَادَتْ إلَيْهِ ب (هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ أَخَذَهَا مِنْ دَيْنِهِ) طَابَتْ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْإِرْثِ (أَوْ رَدَّهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (لَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ قَبْضِهِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ) أَيْ الْمَالِكِ (مِنْ أَهْلِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا (لِمَا يَأْتِي) فِي الْبَابِ لِأَنَّهَا عَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ.

[فَصْلٌ يُسَنُّ أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَاعِيًا خَارِصًا]

فَصْلٌ وَيُسَنُّ أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَاعِيًا خَارِصًا لَحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إلَى يَهُودَ لِيَخْرُصَ عَلَيْهِمْ النَّخْلَ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد «لِكَيْ يُحْصِيَ الزَّكَاةَ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُفَرَّقَ» . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّ عَنْهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَصَ عَلَى امْرَأَةٍ بِوَادِي الْقُرَى حَدِيقَةً لَهَا» وَحَدِيثُهَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَقَوْلُ الْمَانِعِ أَنَّهُ خَطَرٌ وَغَرَرٌ: يُرَدُّ بِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِغَالِبِ الظَّنِّ وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي تَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ وَالْمُجْتَهِدَاتِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَسَائِرِ الظَّوَاهِرِ الْمَعْمُولِ بِهَا وَإِنْ احْتَمَلَتْ الْخَطَأَ (إذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى الْخَرْصِ.

(وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ) الْخَارِصُ (مُسْلِمًا أَمِينًا خَبِيرًا غَيْرَ مُتَّهَمٍ) لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ لَا يُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِهِ وَالْمُتَّهَمُ: هُوَ مَنْ كَانَ مِنْ أَحَدِ عَمُودَيْ نَسَبِ الْمَالِكِ.
(وَلَوْ) كَانَ (عَبْدًا) كَالْفَتْوَى وَرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ وَاعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ خَبِيرًا لِئَلَّا تَفُوتَ الْحِكْمَةُ الَّتِي شُرِّعَ لَهَا الْخَرْصُ (وَيَكْفِي خَارِصٌ وَاحِدٌ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَلِأَنَّهُ يُنَفِّذُ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ كَقَائِفٍ وَحَاكِمٍ.

(وَأُجْرَتُهُ) أَيْ الْخَارِصِ (عَلَى رَبِّ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ) وَفِي الْمُبْدِعِ: أُجْرَتُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ انْتَهَى قُلْت لَوْ قِيلَ مِنْ سَهْمِ الْعُمَّالِ لَكَانَ مُتَّجَهًا.

(فَيَخْرُصُ ثَمَرَهُمَا) أَيْ النَّخْلَ وَالْكَرْمَ (عَلَى أَرْبَابِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا تُخْرَصُ الْحُبُوبُ) بِلَا خِلَافٍ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (وَلَا ثَمَرُ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ كَالْبُنْدُقِ وَاللَّوْزِ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ بِخَرْصِهِمَا مَعَ أَنَّ ثَمَرَهُمَا مُجْتَمِعٌ فِي الْعُذُوقِ وَالْعَنَاقِيدِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ الْخَرْصُ عَلَيْهِ غَالِبًا وَالْحَاجَةُ إلَى أَكْلِهِمَا رُطَبَةً أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهِمَا فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الْمُنَجَّا: أَنَّ نَخْلَ الْبَصْرَةِ لَا يُخْرَصُ وَإِنَّهُ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَعُلِّلَ بِالْمَشَقَّةِ وَبِغَيْرِهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.

(وَالْخَرْصُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ مَصْدَرٌ وَمَعْنَاهُ هُنَا (حَزْرُ مِقْدَارِ الثَّمَرَةِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَزْنًا بَعْدَ أَنْ يَطُوفَ) الْخَارِصُ (بِهِ) أَيْ بِالنَّخْلِ أَوْ الْكَرْمِ (ثُمَّ يُقَدِّرُهُ تَمْرًا) أَوْ زَبِيبًا (ثُمَّ يُعَرِّفُ) الْخَارِصُ (الْمَالِكَ قَدْرَ الزَّكَاةِ) فِيهِ (وَيُخَيِّرُهُ بَيْنَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا شَاءَ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَيَضْمَنُ قَدْرَهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (وَبَيْنَ حِفْظِهَا) أَيْ الثِّمَارِ

(إلَى وَقْتِ الْجَفَافِ) لِيُؤَدِّيَ مَا وَجَبَ فِيهَا (فَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ) الْمَالِكُ زَكَاتَهَا (وَتَصَرَّفَ) فِيهَا (صَحَّ تَصَرُّفُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ.
(وَكُرِهَ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ أَيْ تَصَرُّفُهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ زَكَاتِهَا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ (وَإِنْ حَفِظَهَا) أَيْ حَفِظَ الْمَالِكُ الثِّمَارُ (إلَى وَقْتِ الْجَفَافِ زَكَّى الْمَوْجُودَ فَقَطْ وَافَقَ قَوْلَ الْخَارِصِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ اخْتَارَ حِفْظَهَا ضَمَانًا بِأَنْ يَتَصَرَّفَ أَوْ أَمَانَةً) مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ كَالْوَدِيعَةِ وَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ عَدَمِ تَبَيُّنِ الْخَطَأِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْإِصَابَةُ.
(وَإِنْ أَتْلَفَهَا) أَيْ الثَّمَرَةَ (الْمَالِكُ أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ ضَمِنَ زَكَاتَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا) أَوْ زَبِيبًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْخَطَأِ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيُّ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ وَالْفَرْقُ: أَنَّ رَبَّ الْمَالِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَجْفِيفُ هَذَا الرُّطَبِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ انْتَهَى وَقَوْلُهُ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ فَيُضْمَنُ بِمِثْلِهِ.

(وَإِنْ تَرَكَ السَّاعِي شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبِ أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَسْقُطُ بِتَرْكِ الْخَارِصِ لَهُ (فَإِنْ لَمْ يَبْعَثْ) الْإِمَامُ (سَاعِيًا فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْ الْخَرْصِ مَا يَفْعَلُهُ السَّاعِي إنْ أَرَادَ) الْمَالِكُ (التَّصَرُّفَ) فِي الثَّمَرَةِ (لِيَعْرِفَ قَدْرَ الْوَاجِبِ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ) فِيهَا.

(ثُمَّ إنْ كَانَ) الْمَخْرُوصُ (أَنْوَاعًا لَزِمَ) السَّاعِي (خَرْصُ كُلِّ نَوْعٍ وَحْدَهُ لِاخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ وَقْتَ الْجَفَافِ) فَمِنْهَا: مَا يَزِيدُ رُطَبُهُ عَلَى تَمْرِهِ وَمِنْهَا: مَا يَزِيدُ تَمْرُهُ عَلَى رُطَبِهِ وَتَخْتَلِفُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمَا فِي اللَّحْمِ وَالْمَاوِيَّةِ كَثْرَةً وَقِلَّةً (وَإنْ كَانَ) الْمَخْرُوصُ (نَوْعًا وَاحِدًا فَلَهُ خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَهَا وَلَهُ خَرْصُ الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ النَّوْعَ الْوَاحِدَ لَا يَخْتَلِفُ غَالِبًا وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِخَرْصِ كُلِّ شَجَرَةٍ عَلَى حِدَةٍ.

(وَإِنْ ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ غَلَطَ الْخَارِصِ غَلَطًا مُحْتَمَلًا) كَالسُّدُسِ (قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَمَا لَوْ قَالَ: لَمْ يُحَصَّلْ فِي يَدِي غَيْرُ كَذَا) فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ بَعْضُهُ بِآفَةٍ لَا يَعْلَمُهَا.
(وَإِنْ فَحُشَ) مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْغَلَطِ كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ (لَمْ يُقْبَلْ) لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ (وَكَذَا إنْ ادَّعَى) رَبُّ الْمَالِ (كَذِبَهُ) أَيْ الْخَارِصِ (عَمْدًا) فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.

(وَيَجِبُ) عَلَى الْخَارِصِ (أَنْ يَتْرُكَ فِي الْخَرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ فَيَجْتَهِدُ السَّاعِي) فِي أَيِّهِمَا يَتْرُكُ (بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ) لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبْعَ»

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل