صفحات 288-327
[بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَمَوَاضِعُ الصَّلَاةِ]
(بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَمَوَاضِعُ الصَّلَاةِ) أَيْ: بَيَانُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا، وَمَا تَصِحُّ فِيهِ الصَّلَاةُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَمَا يَصِحُّ فِيهِ النَّفَلُ دُونَ الْفَرْضِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا تَصِحُّ فِيهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا (وَهُوَ) أَيْ: اجْتِنَابُ النَّجَاسَةِ.
(الشَّرْطُ السَّابِعُ) لِلصَّلَاةِ لِتَقَدُّمِ سِتَّةٍ قَبْلَهُ (طَهَارَةُ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَ) طَهَارَةُ (ثِيَابِهِ وَ) طَهَارَةُ (مَوْضِعِ صَلَاتِهِ وَهُوَ مَحَلُّ بَدَنِهِ وَ) مَحَلُّ (ثِيَابِهِ: مِنْ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا) وَعَدَمِ حَمْلِهَا (شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حِينَ مَرَّ بِالْقَبْرَيْنِ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْثِرُ مِنْ الْبَوْلِ» بِالْمُثَلَّثَةِ قَبْلَ الرَّاءِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ النُّونِ مَعَ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ " لَا يَسْتَنْزِهُ " وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] قَالَ
ابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ زَيْدٍ: أُمِرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ مِنْ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَتَطَهَّرُونَ وَلَا يُطَهِّرُونَ ثِيَابَهُمْ وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِيهَا وَهُوَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، لَكِنْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْهِجْرَةِ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَجَاءَ بِسَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ وَدَمِهَا وَفَرْثِهَا، فَطَرَحَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ حَتَّى أَزَالَتْهُ فَاطِمَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَتَى بِدَمِهَا، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَلَعَلَّ الْخَمْسَ لَمْ تَكُنْ فُرِضَتْ وَالْأَمَرُّ بِتَجَنُّبِ النَّجَاسَةِ مَدَنِيٌّ مُتَأَخِّرٌ بِدَلِيلِ خَبَرِ النَّعْلَيْنِ، وَصَاحِبِ الْقَبْرَيْنِ، وَالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، وَحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الَّذِي آتِي فِيهِ أَهْلِي قَالَ نَعَمْ: إلَّا أَنْ تَرَى فِيهِ شَيْئًا فَتَغْسِلَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادَهُ ثِقَاتٌ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ.
فَثَبَتَ بِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاجْتِنَابِهَا وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَكَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ عَنْهَا كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ بِمَحَلِّهِ، وَيَسِيرِ الدَّمِ وَنَحْوِهِ، وَنَجَاسَةٍ بِعَيْنٍ " لَيْسَ اجْتِنَابُهَا شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ النَّجَاسَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَحَيْثُ عُلِمَ أَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ مَا ذَكَرَهُ، وَعَدَمُ حَمْلِهَا شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، حَيْثُ لَمْ يَعْفُ عَنْهَا (فَمَتَى) كَانَ بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا أَوْ (لَاقَاهَا بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ) زَادَ فِي الْمُحَرِّرِ أَوْ حَمَلَ مَا يُلَاقِيهَا (أَوْ حَمَلَهَا عَالِمًا) كَانَ (أَوْ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا زَادَ فِي التَّلْخِيصِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي سُتْرَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ ذَاتِهِ: إذَا وَقَعَتْ حَالَ سُجُودِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ حَمَلَ) فِي صَلَاتِهِ (قَارُورَةً) مِنْ زُجَاجٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِيهَا نَجَاسَةٌ أَوْ) حَمَلَ (آجُرَّةً) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَاحِدَةُ الْآجُرِّ وَهُوَ الطُّوبُ الْأَحْمَرُ (بَاطِنُهَا) نَجِسٌ أَوْ حَمَلَ (بَيْضَةً مَذِرَةً أَوْ) بَيْضَةً (فِيهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ أَوْ) حَمَلَ (عُنْقُودَ عِنَبٍ حَبَّاتُهُ مُسْتَحِيلَةٌ خَمْرًا، قَادِرًا عَلَى اجْتِنَابِهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ الَّتِي لَاقَاهَا، أَوْ عَلَى عَدَمِ حَمْلِ مَا حَمَلَهُ مِنْ ذَلِكَ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ حَامِلُ النَّجَاسَةِ فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، أَوْ حَمَلَهَا فِي كُمِّهِ (وَلَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ (إنْ مَسَّ ثَوْبُهُ) أَوْ بَدَنُهُ (ثَوْبًا)
نَجِسًا (أَوْ) مَسَّ ثَوْبُهُ أَوْ بَدَنُهُ (حَائِطًا نَجِسًا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِصَلَاتِهِ.
وَلَا مَحْمُولَ فِيهَا فَإِنْ اسْتَنَدَ إلَيْهَا حَالَ قِيَامِهِ أَوْ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ بَطِلَتْ صَلَاتُهُ (أَوْ قَابَلَهَا) أَيْ: النَّجَاسَةَ (رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا) مِنْ غَيْرِ مُلَاقَاةٍ (أَوْ كَانَتْ) النَّجَاسَةُ (بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُلَاقَاةٍ) فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ النَّجَاسَةَ أَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَتْ عَنْ مُحَاذَاتِهِ (أَوْ حَمَلَ حَيَوَانًا طَاهِرًا، أَوْ) حَمَلَ (آدَمِيًّا مُسْتَجْمِرًا) فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ مَا فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ وَالْآدَمِيِّ مِنْ نَجَاسَةٍ فِي مَعْدِنِهَا فَهِيَ كَالنَّجَاسَةِ بِجَوْفِ الْمُصَلِّي، وَأَثَرُ الِاسْتِجْمَارِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِمَحَلِّهِ (أَوْ سَقَطَتْ) النَّجَاسَةُ (عَلَيْهِ، فَأَزَالَهَا) سَرِيعًا (أَوْ زَالَتْ) النَّجَاسَةُ (سَرِيعًا، بِحَيْثُ لَمْ يَطُلْ الزَّمَنُ) فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ.
لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا قَالَ إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ مِنْ النَّجَاسَةِ مَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرٍ مِنْهَا كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ.
(وَإِنْ طَيَّنَ أَرْضًا مُتَنَجِّسَةً) وَصَلَّى عَلَيْهَا (أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً) شَيْئًا طَاهِرًا صَفِيقًا (أَوْ) بَسَطَ (عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ، أَوْ) بَسَطَ (عَلَى حَرِيرٍ) كُلِّهِ أَوْ غَالِبِهِ مَنْ (يَحْرُمُ جُلُوسُهُ عَلَيْهِ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ خُنْثَى (شَيْئًا طَاهِرًا صَفِيقًا، بِحَيْثُ لَا يَنْفُذُ) النَّجَسُ الرَّطْبُ (إلَى ظَاهِرِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ) صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
أَوْ صَلِّي (عَلَى بِسَاطٍ بَاطِنُهُ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ طَاهِرٌ، أَوْ فِي عُلُوِّهِ أَوْ سُفْلِهِ غَصْبٌ أَوْ عَلَى سَرِيرٍ تَحْتَهُ نَجَسٌ، أَوْ غَسَلَ وَجْهَ آجُرٍّ نَجِسٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ: صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا مُبَاشِرٍ لَهَا قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَأَمَّا الْآجُرُّ الْمَعْجُونُ بِالنَّجَاسَةِ، فَهُوَ نَجِسٌ لِأَنَّ النَّارَ لَا تُطَهِّرُ لَكِنْ إذَا غُسِلَ طَهُرَ ظَاهِرُهُ لِأَنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةَ، وَبَقِيَ الْأَثَرُ فَطَهُرَ بِالْغَسْلِ كَالْأَرْضِ النَّجِسَةِ وَيَبْقَى الْبَاطِنُ نَجِسًا لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِاعْتِمَادِهِ عَلَى النَّجَاسَةِ، أَوْ الْغَصْبِ «وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ إلَى خَيْبَرَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ غَلَطٌ مِنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ وَالْمَعْرُوفُ
خِلَافُهُ عَلَى الْبَعِيرِ وَالرَّاحِلَةِ، لَكِنَّهُ مِنْ فِعْلِ أَنَسٍ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَفِيهِ: فِيمَا إذَا بَسَطَ عَلَى حَرِيرٍ طَاهِرًا صَفِيقًا، فَيَتَوَجَّهُ إنْ صَحَّ جَازَ جُلُوسُهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَإِنْ صَلَّى عَلَى مَكَان طَاهِرٍ مِنْ بِسَاطٍ) أَوْ حَصِيرٍ وَنَحْوِهِ (طَرَفُهُ نَجَسٌ) صَحَّتْ (أَوْ) صَلَّى (وَتَحْتَ قَدَمَيْهِ حَبْلٌ) أَوْ نَحْوُهُ (فِي طَرَفِهِ نَجَاسَةٌ وَلَوْ تَحَرَّكَ) الْحَبْلُ، أَوْ نَحْوُهُ (بِحَرَكَتِهِ: صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ وَلَا مُصَلٍّ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اتَّصَلَ مُصَلَّاهُ بِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ، مُتَّصِلَةٍ بِأَرْضٍ نَجِسَةٍ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحَبْلُ أَوْ نَحْوُهُ (مُتَعَلِّقًا بِهِ) أَيْ: الْمُصَلِّي، وَهُوَ مَشْدُودٌ بِنَجَسٍ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى (أَوْ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ) كَانَ (فِي وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَسٍ، أَوْ) فِي (سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ) تَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى (فِيهَا نَجَاسَةٌ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَوْ كَانَ مَحْمَلُ الرَّبْطِ طَاهِرًا.
(أَوْ) كَانَ فِي يَدِهِ، أَوْ وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي (حَيَوَانٍ نَجِسٍ، كَكَلْبٍ وَبَغْلٍ وَحِمَارٍ) وَكُلِّ مَا (يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِلنَّجَاسَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَامِلَهَا (أَوْ أَمْسَكَ) الْمُصَلِّي (حَبْلًا أَوْ غَيْرَهُ مُلْقًى عَلَى نَجَاسَةٍ فَلَا تَصِحُّ) صَلَاتُهُ عَلَى مَا فِي الْإِنْصَافِ، لِحَمْلِهِ مَا يُلَاقِيهَا.
وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُوَفَّقِ: الصِّحَّةُ فِيمَا إذَا كَانَ طَرَفُهُ مُلْقًى عَلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ، بِلَا شَدٍّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَتْبِعٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا لَوْ سَقَطَ طَرَفُ ثَوْبِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَشْدُودُ فِيهِ الْحَبْلَ وَنَحْوَهُ (لَا يَنْجَرُّ مَعَهُ) إذَا مَشَى (كَالسَّفِينَةِ الْكَبِيرَةِ، وَالْحَيَوَانِ الْكَبِيرِ، الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى جَرِّهِ إذَا اسْتَعْصَى عَلَيْهِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّدُّ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِتْبَاعِ ذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْسَكَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ عَلَى بَعْضِهَا نَجَاسَةٌ لَمْ تُلَاقِ يَدَهُ قُلْتُ وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْمُصَلِّي صَغِيرٌ بِهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا وَكَانَ لَهُ قُوَّةٌ بِحَيْثُ إذَا مَشَى انْجَرَّ مَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إنْ لَمْ يُزِلْهُ سَرِيعًا وَإِلَّا فَلَا (وَمَتَى وُجِدَ عَلَيْهِ) .
وَفِي نُسْخَةٍ (عَلَيْهَا) أَيْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ (نَجَاسَةٌ) بَعْدَ الصَّلَاةِ وَ (جَهِلَ كَوْنَهَا) أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ (فِي الصَّلَاةِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، أَيْ: لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ كَوْنِهَا فِي الصَّلَاةِ، لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهَا بَعْدَهَا فَلَا تُبْطِلُهَا بِالشَّكِّ.
(وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنَّهَا) أَيْ: النَّجَاسَةَ (كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنَّهُ جَهِلَ) فِي الصَّلَاةِ (عَيْنَهَا) بِأَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ نَجِسٌ حَالَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ عَلِمَهُ (أَوْ) عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنْ جَهِلَ (حُكْمَهَا) بِأَنْ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ وَعَلِمَهَا وَجَهِلَ أَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ (أَوْ)
عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ جَهِلَ (أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَقْتَ إصَابَتِهَا إيَّاهُ (أَوْ) عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنَّهُ كَانَ (مُلَاقِيهَا) وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ أَعَادَ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْجَهْلِ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَأُجِيبَ، بِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ آكَدُ لِكَوْنِهِ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ.
(أَوْ) أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ وَهُوَ يُصَلِّي، وَ (عَجَزَ عَنْ إزَالَتِهَا) سَرِيعًا (أَوْ نَسِيَهَا أَعَادَ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ مَا سَبَقَ (وَعَنْهُ لَا يُعِيدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ) اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي خَلْعِ النَّعْلَيْنِ، وَلَوْ بَطَلَتْ لَاسْتَأْنَفَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
" تَنْبِيهٌ " مَا حَكَاهُ مِنْ الْخِلَافِ حَتَّى فِيمَا إذَا جَهِلَ حُكْمَهَا تَبِعَ فِيهِ الرِّعَايَةَ وَفِي الْإِنْصَافِ فِي هَذِهِ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَطَعُوا بِهِ فَائِدَةٌ إذَا عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَأَمْكَنَ إزَالَتُهَا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ كَثِيرٍ وَلَا زَمَنٍ طَوِيلٍ فَالْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ أَزَالَهَا، وَبَنَى، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ تَبْطُلُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إزَالَتُهَا إلَّا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ أَوْ زَمَنٍ طَوِيلٍ بَطَلَتْ.
(وَإِنْ خَاطَ جُرْحَهُ، أَوْ جَبَرَ سَاقَهُ وَنَحْوَهُ) كَذِرَاعِهِ (بِنَجَسٍ مِنْ عَظْمٍ أَوْ خَيْطٍ، فَجَبَرَ وَصَحَّ) الْجُرْحُ أَوْ الْعَظْمُ (لَمْ تَلْزَمْهُ إزَالَتُهُ) أَيْ: الْخَيْطَ أَوْ الْعَظْمَ النَّجِسَ (إنْ خَافَ الضَّرَرَ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ (كَمَا لَوْ خَافَ التَّلَفَ) أَيْ: تَلَفَ عُضْوِهِ، أَوْ نَفْسِهِ لِأَنَّ حِرَاسَةَ النَّفْسِ وَأَطْرَافِهَا مِنْ الضَّرَرِ وَاجِبٌ وَهُوَ أَهَمُّ مِنْ رِعَايَةِ شَرْطِ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ سُتْرَةٍ وَلَا مَاءٍ لِلْوُضُوءِ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ فَإِذَا جَازَ تَرْكُ شَرْطٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ فَتَرْكُ شَرْطٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِأَجْلِ بَدَنِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
(ثُمَّ إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ لَمْ يَتَيَمَّمْ لَهُ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ غَسْلِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ (تَيَمَّمَ) لَهُ لِعَدَمِ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ قُلْتُ وَيُشْبِهُ ذَلِكَ الْوَشْمُ إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ غَسَلَهُ بِالْمَاءِ وَإِلَّا تَيَمَّمَ لَهُ (وَإِنْ لَمْ يَخَفْ) ضَرَرًا بِإِزَالَتِهِ
(لَزِمَتْهُ) إزَالَتَهُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ لَمْ تَصِحَّ.
(فَلَوْ مَاتَ مَنْ تَلْزَمُهُ إزَالَتُهُ) لِعَدَمِ خَوْفِهِ ضَرَرًا (أُزِيلَ) وُجُوبًا وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ مَا لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ لِلْمُثْلَةِ (إلَّا مَعَ مُثْلَةٍ) فَلَا يَلْزَمُ إزَالَتُهُ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْمَيِّتَ مَا يُؤْذِي الْحَيَّ.
(وَإِنْ شَرِبَ) إنْسَانٌ (خَمْرًا وَلَمْ يَسْكَرْ غَسَلَ فَمَهُ) لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْهُ (وَصَلَّى وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَيْءُ) وَكَذَا سَائِرُ النَّجَاسَاتِ إذَا حَصَلَتْ فِي الْجَوْفِ لِحُصُولِهَا فِي مَعْدِنِهَا الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ مِنْ أَصْلِهِ.
(وَيُبَاحُ دُخُولُ الْبِيَعِ) جَمْعُ بَيْعَةٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ (وَ) دُخُولُ (الْكَنَائِسِ الَّتِي لَا صُوَرَ فِيهَا وَ) تُبَاحُ (الصَّلَاةُ فِيهَا إذَا كَانَتْ نَظِيفَةً) . رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى لِخَبَرِ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (فِيمَا فِيهِ صُوَرٌ) بِيعَةً كَانَتْ أَوْ كَنِيسَةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» . وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَلَهُ دُخُولُ بِيعَةٍ وَكَنِيسَةٍ وَالصَّلَاةُ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ تُكْرَهُ، وَعَنْهُ مَعَ صُوَرٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يَحْرُمُ دُخُولُهُ مَعَهَا وَوَجْهُ الْجَوَازِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَفِيهَا صُوَرٌ ثُمَّ قَدْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ سَقَطَتْ سِنٌّ) مِنْ آدَمِيٍّ (أَوْ) سَقَطَ (عُضْوٌ مِنْهُ فَأَعَادَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ وَفِي نُسْخَةٍ فَأَعَادَهَا (أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ لَمْ يُعِدْهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِهَا لِطَهَارَتِهِ (أَوْ جَعَلَ مَوْضِعَهُ) أَيْ: مَوْضِعَ سِنِّهِ (سِنَّ شَاةٍ وَنَحْوِهَا مُذَكَّاةٍ وَصَلَّى بِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ ثَبَتَتْ أَوْ لَمْ تَثْبُتْ لِطَهَارَتِهِ) أَمَّا سِنُّهُ وَعُضْوُهُ فَلِأَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ كَمَيْتَتِهِ وَمَيْتَةِ الْآدَمِيِّ طَاهِرَةً وَأَمَّا سِنُّ الْمُذَكَّاةِ فَوَاضِحٌ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
ِ (وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي مَقْبَرَةٍ قَدِيمَةٍ أَوْ حَدِيثَةٍ، تَقَلَّبَ تُرَابُهَا أَوْ لَا) لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا «لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
(وَهِيَ مَدْفِنُ الْمَوْتَى) بُنِيَ لَفْظُهَا مِنْ لَفْظِ الْقَبْرِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَثُرَ بِمَكَانٍ جَازَ أَنْ يُبْنَى لَهُ اسْمٌ مِنْ اسْمِهِ كَقَوْلِهِمْ: مَسْبَعَةٌ لِمَكَانٍ كَثُرَ فِيهِ السِّبَاعُ وَمَضْبَعَةٌ لِمَكَانٍ كَثُرَ فِيهِ الضِّبَاعُ وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَعَ تَثْلِيثِ الْبَاءِ، لَكِنَّ الْفَتْحَ الْقِيَاسُ وَالضَّمَّ الْمَشْهُورُ وَالْكَسْرَ قَلِيلٌ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ وَفَتْحُ الْبَاءِ.
(وَلَا يَضُرُّ قَبْرٌ وَلَا قَبْرَانِ) أَيْ: لَا يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا اسْمُ الْمَقْبَرَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْبَرَةُ ثَلَاثَةُ قُبُورٍ فَصَاعِدًا، نَقَلَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ: هَذَا الْفَرْقُ قَالَ وَقَالَ أَصْحَابُنَا: وَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي اسْمِ الْمَقْبَرَةِ مِمَّا حَوْلَ الْقُبُورِ لَا يُصَلَّى فِيهِ.
(وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْقَبْرِ (وَيَأْتِي) فِي الْبَابِ (وَلَا) يَضُرُّ أَيْ: لَا تُمْنَعُ الصَّلَاةُ فِي (مَا أُعِدَّ لِلدَّفْنِ فِيهِ، وَلَمْ يُدْفَنْ فِيهِ، وَلَا مَا دُفِنَ بِدَارِهِ) وَإِنْ كَثُرَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْبَرَةٍ (وَالْخَشْخَاشَةُ) : بَيْتٌ فِي الْأَرْضِ لَهُ سَقْفٌ يُقْبَرُ فِيهِ جَمَاعَةٌ لُغَةٌ عَامِّيَّةٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (فِيهَا جَمَاعَةٌ) مِنْ الْمَوْتَى (قَبْرٌ وَاحِدٌ) اعْتِبَارًا بِهَا، لَا بِمَنْ فِيهَا (وَتَصِحَّ صَلَاةُ جِنَازَةٍ فِيهَا) أَيْ: الْمَقْبَرَةِ.
(وَلَوْ قَبْلَ الدَّفْنِ، بِلَا كَرَاهَةٍ) أَيْ: لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ (وَالْمَسْجِدُ فِي الْمَقْبَرَةِ إنْ حَدَثَ بَعْدَهَا: كَهِيَ) أَيْ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، غَيْرَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَقْبَرَةِ (وَإِنْ حَدَثَتْ) الْمَقْبَرَةُ (بَعْدَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (حَوْلَهُ، أَوْ) حَدَثَتْ (فِي قِبْلَتِهِ، فَكَصَلَاةٍ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى الْمَقْبَرَةِ، فَتُكْرَهُ بِلَا حَائِلٍ (وَلَوْ وُضِعَ الْقَبْرُ) أَيْ: دُفِنَ فِيهَا، بِحَيْثُ سُمِّيَتْ مَقْبَرَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَالْمَسْجِدُ مَعًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ، وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الصَّلَاةُ، قَالَهُ) ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي الْهَدْيِ) النَّبَوِيِّ، تَقْدِيمًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ.
(وَلَا) تَصِحُّ (فِي حَمَّامٍ: دَاخِلَهُ وَخَارِجَهُ وَأَتُّونِهِ) أَيْ مَوْقِدِ النَّارِ (وَكُلِّ مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ الْبَابُ وَيَدْخُلُ فِي بَيْعٍ) لِشُمُولِ الِاسْمِ لِذَلِكَ كُلِّهِ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ أَسَانِيدُهُ صَحِيحَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ خَبَرٌ صَحِيحٌ.
(وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (فِي حَشٍّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا (وَهُوَ مَا أُعِدَّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ) وَلَوْ مَعَ طَهَارَتِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ لُغَةً الْبُسْتَانُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبَسَاتِينِ، وَهِيَ الْحُشُوشُ فَسُمِّيَتْ الْأَخْلِيَةُ فِي الْحَضَرِ حُشُوشًا (فَيُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ دَاخِلَ بَابِهِ وَمَوْضِعُ الْكَنِيفِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ) لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْكَلَامِ فِيهِ كَانَ مَنْعُ الصَّلَاةِ فِيهِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
(وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي (أَعْطَانِ إبِلٍ وَهِيَ مَا تُقِيمُ فِيهِ، وَتَأْوِي إلَيْهِ) وَاحِدُهَا عَطَنٌ، بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَهِيَ
الْمَعَاطِنُ: جَمْعُ مَعْطِنٌ بِكَسْرِهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ (وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ بِمَوَاضِعِ نُزُولِهَا) أَيْ: الْإِبِلِ (فِي سَيْرِهَا، وَ) لَا فِي (الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَنَاخُ) الْإِبِلُ (فِيهَا لِعَلْفِهَا أَوْ وُرُودِهَا) الْمَاءَ لِأَنَّ اسْمَ الْأَعْطَانِ لَا يَتَنَاوَلُهَا، فَلَا تَدْخُلُ فِي النَّهْيِ.
(وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ أَيْضًا (فِي مَجْزَرَةٍ، وَهُوَ مَا أُعِدَّ لِلذَّبْحِ فِيهِ) (وَلَا فِي مَزْبَلَةٍ، وَهِيَ مَرْمَى الزُّبَالَةِ، وَلَوْ طَاهِرَةً، وَلَا فِي قَارِعَةِ طَرِيقٍ وَهُوَ مَا كَثُرَ سُلُوكُهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ سَالِكٌ أَوْ لَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ: ظَهْرُ بَيْتِ اللَّهِ وَالْمَقْبَرَةُ وَالْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وَمَعْطِنُ الْإِبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
(وَلَا بَأْسَ بِطَرِيقِ الْأَبْيَاتِ الْقَلِيلَةِ، وَبِمَا عَلَا عَنْ جَادَّةِ الطَّرِيقِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، نَصًّا) فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ بِلَا كَرَاهَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَجَّةٍ (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (فِي أَسْطِحَتِهَا) أَيْ: أَسْطِحَةِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي قُلْنَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا (كُلِّهَا) لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْجُنُبَ يُمْنَعُ مِنْ اللُّبْثِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا يَحْنَثُ بِدُخُولِ سَطْحِهَا.
(وَ) لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي (سَابَاطٍ عَلَى طَرِيقٍ) لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا عَلَى سَطْحِ نَهْرٍ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ كَالطَّرِيقِ.
(قَالَ الْقَاضِي: تَجْرِي فِيهِ سَفِينَةٌ) كَالطَّرِيقِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَالْمُخْتَارُ) فِي الصَّلَاةِ عَلَى سَطْحِ النَّهْرِ (الصِّحَّةُ كَالسَّفِينَةِ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ) مُقْتَضَى الْمُنْتَهَى: لَا تَصِحُّ وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّفِينَةِ: بِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ.
(وَلَوْ حَدَثَ طَرِيقٌ أَوْ غَيْرُهُ مَنْ مَوَاضِعِ النَّهْيِ) كَعَطَنِ إبِلٍ وَحَشٍّ (تَحْتَ مَسْجِدٍ بَعْدَ بِنَائِهِ صَحَّتْ) الصَّلَاةُ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ (وَالْمَنْعُ) مِنْ الصَّلَاةِ (فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ تَعَبُّدٌ) لَيْسَ مُعَلَّلًا بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ وَلَا غَيْرِهِ لِنَهْيِ الشَّارِعِ عَنْهَا وَلَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ (وَلَا تَصِحُّ) صَلَاةٌ (فِي بُقْعَةِ غَصْبٍ مِنْ أَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ بِأَنْ يَغْصِبَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَرْضِ وَالْحَيَوَانِ (وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ) الْغَاصِبُ (أَوْ غَيْرُهُ) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أُتِيَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَلَمْ تَصِحَّ كَصَلَاةِ
الْحَائِضِ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيُلْحَقُ بِهِ.
مَا إذَا أَخْرَجَ سَابَاطًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ لَهُ (أَوْ) مِنْ (سَفِينَةٍ) غَصَبَهَا أَوْ غَصَبَ لَوْحًا فَجَعَلَهُ سَفِينَةً لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهَا (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ غَصْبِهِ لِرَقَبَةِ الْأَرْضِ) بِأَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا قَهْرًا ظُلْمًا (أَوْ دَعْوَاهُ مِلْكِيَّتَهَا) أَيْ: مِلْكِيَّةَ رَقَبَتِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ (وَبَيْنَ غَصْبِ مَنَافِعِهَا، بِأَنْ يَدَّعِيَ إجَارَتَهَا ظَالِمًا، أَوْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا مُدَّةً) ظُلْمًا (أَوْ يُخْرِجَ سَابَاطًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ) إخْرَاجُهُ، كَأَنْ يُخْرِجَهُ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِلَا إذْنِ أَهْلِهِ، أَوْ فِي نَافِذٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
(وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ) كَانَ الْمَغْصُوبُ (جُزْءًا مُشَاعًا فِيهَا) أَيْ: فِي الْبُقْعَةِ، فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الْغَصْبُ جُزْءًا مُعَيَّنًا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ وَحْدَهُ، فَإِنْ صَلَّى فِيهِ، لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ صَلَّى فِي غَيْرِهِ صَحَّتْ (أَوْ) أَيْ: لَا تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِي الْبُقْعَةِ الْغَصْبِ، وَلَوْ (بَسَطَ عَلَيْهَا مُبَاحًا، أَوْ بَسَطَ غَصْبًا عَلَى مُبَاحٍ) جُزِمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَسَطَ طَاهِرًا صَفِيقًا عَلَى حَرِيرٍ وَالْفَرْقُ: أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لِلْحَرِيرِ إذْنَ بِخِلَافِ الْبُقْعَةِ، فَإِنَّهُ حَالٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ مُبَاحٌ (سِوَى جُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَجِنَازَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَكْثُرُ لَهُ الْجَمَاعَاتُ) كَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ (فَيَصِحُّ فِيهَا) أَيْ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَالْمَقْبَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهَا (كُلِّهَا ضَرُورَةً) أَيْ: لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ.
وَاَلَّذِي فِي الْمُنْتَهَى وَالْإِنْصَافِ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْمُوَفَّقِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحِ وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبِ الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ صِحَّةُ ذَلِكَ فِي الْغَصْبِ وَفِي الطَّرِيقِ إذَا اُضْطُرُّوا إلَيْهِ وَأَمَّا الْحَمَّامُ وَالْحَشُّ وَنَحْوُهُ فَيَبْعُدُ إلْحَاقُهُ بِذَلِكَ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: قَالَ أَحْمَدُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي مَوْضِعِ الْغَصْبِ، يَعْنِي إذَا كَانَ الْجَامِعُ أَوْ بَعْضُهُ مَغْصُوبًا، صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ تَخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ، فَإِذَا صَلَّاهَا الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ، فَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ وَكَذَلِكَ مَنْ امْتَنَعَ فَاتَتْهُ وَلِذَلِكَ صَحَّتْ خَلْفَ الْخَوَارِجِ وَالْمُبْتَدِعَةِ، وَصَحَّتْ فِي الطَّرِيقِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْأَعْيَادُ وَالْجِنَازَةُ.
(وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى رَاحِلَةٍ فِي طَرِيقٍ) عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ لِصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْبَعِيرِ.
(وَ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى (نَهْرٍ جَمَدَ مَاؤُهُ) جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَ فِي الْإِنْصَافِ: أَنَّهُ كَالطَّرِيقِ (وَإِنْ غَيَّرَ هَيْئَةَ مَسْجِدٍ فَكَغَصْبِهِ) فِي صَلَاتِهِ فِيهِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ لَوْ صَلَّى غَيْرُهُ فِيهِ صَحَّتْ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ (وَإِنْ مَنَعَ الْمَسْجِدَ غَيْرَهُ وَصَلَّى هُوَ فِيهِ، أَوْ زَحَمَهُ، أَوْ صَلَّى مَكَانَهُ حَرُمَتْ) أَيْ: حَرُمَ عَلَيْهِ مَنْعُهُ الْغَيْرُ، لِأَنَّهُ ظُلْمٌ (وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مُبَاحٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِ مَنْعُ
الْغَيْرِ، أَوْ مُزَاحَمَتُهُ لِإِقَامَتِهِ، فَعَادَ النَّهْيُ إلَى خَارِجٍ وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ،.
فِيمَنْ أَقَامَ غَيْرَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ هَيْئَتَهُ، لَكِنْ مَنَعَ النَّاسَ الصَّلَاةَ فِيهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، مَعَ الْكَرَاهَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَزَادَ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يَضْمَنُهُ بِذَلِكَ (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ مِنْ أَرْضٍ) لِكُفْرِ أَهْلِهَا، وَعَجْزِهِ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ، أَوْ كَوْنِهِمْ أَهْلَ بِدْعَةٍ ضَالَّةٍ كَذَلِكَ (لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا صَلَّى بِهَا) لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ إقَامَتِهِ بِهَا لَا يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ.
(وَيَصِحُّ الْوُضُوءُ وَالْأَذَانُ وَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمُ وَالْعُقُودُ) كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا وَالْفُسُوخُ كَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ (فِي مَكَانِ غَصْبٍ) لِأَنَّ الْبُقْعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ (وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي بُقْعَةٍ أَبْنِيَتُهَا غَصْبٌ وَلَوْ اسْتَنَدَ) إلَى الْأَبْنِيَةِ لِإِبَاحَةِ الْبُقْعَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْمُبْدِعِ: وَتُكْرَهُ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا يُبْنَى بِحَرِيمِ الْأَنْهَارِ مِنْ مَسَاجِدَ وَبُيُوتٍ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْبِنَاءُ بِهَا وَأَمَّا الْبُقْعَةُ فَعَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ.
(وَ) تَصِحُّ (صَلَاةُ مَنْ طُولِبَ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ أَوْ) رَدِّ (غَصْبٍ قَبْلَ دَفْعِهَا إلَى رَبِّهَا) وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ.
(وَ) تَصِحُّ (صَلَاةُ مَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى مَكَان، فَخَالَفَهُ وَأَقَامَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ تَقَوَّى عَلَى أَدَاءِ عِبَادَةٍ) مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ وَنَحْوِهِ (بِأَكْلِ مُحَرَّمٍ صَحَّتْ) عِبَادَتُهُ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى الْعِبَادَةِ وَلَا إلَى شُرُوطِهَا، فَهُوَ إلَى خَارِجٍ عَنْهَا وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي فَسَادَهَا لَكِنْ لَوْ حَجَّ بِغَصْبٍ عَالِمًا ذَاكِرًا، لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَلَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ وَلَوْ) كَانَتْ (مَزْرُوعَةً بِلَا ضَرَرٍ) وَلَا غَصْبٍ (أَوْ) صَلَّى (عَلَى مُصَلَّاةٍ بِلَا غَصْبٍ وَلَا ضَرَرٍ جَازَ) وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) .
وَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ: لَوْ صَلَّى عَلَى مُصَلًّى مَفْرُوشٍ لِغَيْرِهِ لَمْ تَصِحَّ وَجَوَابُهُ (وَإِنْ صَلَّى فِي غَصْبٍ) مِنْ بُقْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (جَاهِلًا) كَوْنَهُ غَصْبًا (أَوْ نَاسِيًا كَوْنَهُ غَصْبًا) صَحَّتْ لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ (أَوْ حُبِسَ بِهِ) أَيْ: الْمَكَانِ الْغَصْبِ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَيُصَلِّي فِيهَا) أَيْ: الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ (كُلِّهَا لِعُذْرٍ) كَأَنْ حُبِسَ بِحَمَّامٍ أَوْ حَشٍّ وَنَحْوِهِ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي
فِيهَا مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ، وَلَوْ فَاتَ الْوَقْتُ (وَلَا يُعِيدُ) مَنْ صَلَّى فِيهَا لِعُذْرٍ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ فِي الْوَقْتِ وَخَرَجَ مِنْهَا، كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ (وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى الْمَقْبَرَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا لِمَا رَوَى أَبُو يَزِيدَ الْغَنَوِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا إلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ الْقَاضِي: وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَوَاضِعَ النَّهْيِ، إلَّا الْكَعْبَةَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ تَعَبُّدٌ، وَشَرْطُ الْقِيَاسِ فَهْمُ الْمَعْنَى (مَا لَمْ يَكُنْ حَائِلٌ وَلَوْ كَمُؤَخِّرَةِ رَحْلٍ، وَلَيْسَ كَسُتْرَةِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَكْفِي حَائِطُ الْمَسْجِدِ) جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَالنَّاظِمُ وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ لِكَرَاهَةِ السَّلَفِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فِي قِبْلَتِهِ حُشٌّ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا يَكْفِي حَائِطُ الْمَسْجِدِ وَتَأَوَّلَ ابْنُ عَقِيلٍ النَّصَّ عَلَى سِرَايَةِ النَّجَاسَةِ تَحْتَ مَقَامِ الْمُصَلِّي وَاسْتَحْسَنَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ (وَلَا) يَكْفِي (الْخَطُّ وَنَحْوُهُ) وَلَا مَا دُونَ مُؤَخِّرَةِ رَحْلٍ (بَلْ) الْحَائِلُ هُنَا (كَسُتْرَةِ الْمُتَخَلِّي) فَيُعْتَبَرُ بِمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ (وَإِنْ غُيِّرَتْ أَمَاكِنُ النَّهْيِ، غَيْرُ الْغَصْبِ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا، كَجَعْلِ الْحَمَّامِ دَارًا، أَوْ مَسْجِدًا، أَوْ نَبْشِ الْمَوْتَى مَنْ الْمَقْبَرَةِ، وَتَحْوِيلِ عِظَامِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ) .
كَجَعْلِ الْمَزْبَلَةِ أَوْ الْمَجْزَرَةِ دَارًا (صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهَا) لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَوَاضِعَ النَّهْيِ.
(وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (فِي أَرْضِ السِّبَاخِ) نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(وَ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي (الْأَرْضِ الْمَسْخُوطِ عَلَيْهَا، كَأَرْضِ الْخَسْفِ، وَكُلِّ بُقْعَةٍ نَزَلَ بِهَا عَذَابٌ، كَأَرْضِ بَابِلَ وَأَرْضِ الْحِجْرِ وَمَسْجِدِ الضِّرَارِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ مَرَّ بِالْحِجْرِ «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ» .
(وَفِي الْمَدْبَغَةِ وَالرَّحَى وَ) تَصِحَّ الصَّلَاةُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الرَّحَى (مَعَ الْكَرَاهَةِ فِيهِنَّ) أَيْ: فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ.
(وَ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (عَلَى الثَّلْجِ بِحَائِلٍ أَوْ لَا، إذَا وُجِدَ حَجْمُهُ) لِاسْتِقْرَارِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ (وَكَذَا حَشِيشٌ وَقُطْنٌ مُنْتَفِشٌ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إذَا وُجِدَ حَجْمُهُ (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَجْمَهُ لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ، لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْجَبْهَةِ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُ مَا يُحَاذِي الصَّدْرَ مُسْتَقِرًّا فَلَوْ حَاذَاهُ رَوْزَنَةٌ وَنَحْوُهَا) كَطَاقٍ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّ الصَّدْرَ لَيْسَ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ (بِخِلَافِ مَا تَحْتَ الْأَعْضَاءِ) أَيْ: الَّتِي يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهَا فَلَا تَصِحُّ إنْ حَاذَتْ رَوْزَنَةً
وَنَحْوَهَا (أَوْ صَلَّى فِي الْهَوَاءِ، أَوْ فِي أُرْجُوحَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِرِّ الْقَدَمَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا) إلَى الصَّلَاةِ كَذَلِكَ (كَالْمَصْلُوبِ) وَالْمَرْبُوطِ لِلْعُذْرِ.
(وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (فِي مَقْصُورَةٍ تَحْمِي) لِلسُّلْطَانِ وَحْدَهُ (نَصًّا) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا كَرِهَ الْمَقْصُورَةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَصُّ بِالظَّلَمَةِ وَأَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَكَرِهَ الِاجْتِمَاعَ بِهِمْ قَالَ وَقِيلَ: كَرِهَهَا لِقُصُورِهَا عَلَى أَتْبَاعِ السُّلْطَانِ وَمَنْعِ غَيْرِهِمْ وَتَصِيرُ كَالْمَوْضِعِ الْغَصْبِ.
(وَيُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ) بِأَنْ حُبِسَ فِيهِ (وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ وُجُوبًا، إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ يَابِسَةً) تَقْدِيمًا لِرُكْنِ السُّجُودِ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَمُجْمَعٌ عَلَى فَرِيضَتِهِ وَعَلَى عَدَمِ سُقُوطِهِ بِخِلَافِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً (أَوْمَأَ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ وَجَلَسَ عَلَى قَدَمَيْهِ) لِضَرُورَةِ الْجُلُوسِ (وَلَا يَضَعُ عَلَى الْأَرْضِ غَيْرَهُمَا) أَيْ: غَيْرَ الْقَدَمَيْنِ، لِلِاكْتِفَاءِ بِهِمَا عَمَّا سِوَاهُمَا.
(وَكَذَا مَنْ هُوَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ) يُومِئُ كَمَصْلُوبٍ وَمَرْبُوطٍ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ) الْمُشَرَّفَةِ (وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] وَالشَّطْرُ: الْجِهَةُ وَمَنْ صَلَّى فِيهَا أَوْ عَلَى سَطْحِهَا غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا، وَلِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَدْبِرًا مِنْ الْكَعْبَةِ مَا لَوْ اسْتَقْبَلَهُ مِنْهَا وَهُوَ خَارِجُهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى ظَهْرِهَا وَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيمَا سَبَقَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى.
وَالْجِدَارُ لَا أَثْرَ لَهُ، إذْ الْمَقْصُودُ الْبُقْعَةُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُصَلِّي لِلْبُقْعَةِ حَيْثُ لَا جِدَارَ (إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ - وَفِي نُسَخٍ مُنْتَهَاهُ - أَيْ: الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَوْ ظَهْرِهِ (بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ مِنْهَا، أَوْ صَلَّى خَارِجَهَا) أَيْ: الْكَعْبَةِ (وَسَجَدَ فِيهَا) فَيَصِحُّ فَرْضُهُ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْكَعْبَةِ غَيْرُ مُسْتَدْبِرٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا فَصَحَّتْ كَمَا لَوْ صَلَّى إلَى أَحَدِ أَرْكَانِهَا (وَيَصِحُّ نَذْرُ الصَّلَاةِ فِيهَا) أَيْ: الْكَعْبَةِ (وَعَلَيْهَا) كَالنَّافِلَةِ وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ جَازَ كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا، اُعْتُبِرَ فِيهَا شُرُوطُ الْفَرِيضَةِ، لِأَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ يُحْذَى بِهِ حَذْوَ الْفَرَائِضِ اهـ.
وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: وَتَصِحُّ نَافِلَةٌ وَمَنْذُورَةٌ
فِيهَا وَعَلَيْهَا (وَ) تَصِحَّ (نَافِلَةٌ) فِيهَا وَعَلَيْهَا (بَلْ يُسَنُّ التَّنَفُّلُ فِيهَا وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَتَنَفَّلَ (وِجَاهَهُ إذَا دَخَلَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «دَخَلَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْتَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، عَنْ يَسَارِكَ إذَا دَخَلْتَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَأَمَّا مَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أُسَامَةَ أَيْضًا وَالْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ فَجَوَابُهُ: أَنَّ الدُّخُولَ كَانَ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأُولَى وَصَلَّى فِي الثَّانِيَةِ كَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (وَلَوْ صَلَّى لِغَيْرِ وِجَاهِهِ إذَا دَخَلَ جَازَ) كَمَا لَوْ صَلَّى وِجَاهَهُ لِأَنَّ كُلَّ جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِهَا قِبْلَةٌ.
(إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا شَاخِصٌ، يَتَّصِلُ بِهَا كَالْبِنَاءِ وَالْبَابِ وَلَوْ مَفْتُوحًا، أَوْ عَتَبَتُهُ الْمُرْتَفِعَةُ فَلَا اعْتِبَارَ بِالْآجُرِّ الْمُعَبَّى مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ، وَلَا الْخَشَبِ غَيْرِ الْمَسْمُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاخِصًا) مُتَّصِلًا (وَسُجُودُهُ عَلَى مُنْتَهَاهَا لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْكَعْبَةِ.
(وَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ (إذَا سَجَدَ، وَلَكِنْ مَا ثَمَّ شَاخِصٌ لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ (أَيْضًا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ) قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ (وَعَنْهُ تَصِحُّ) صَلَاتُهُ اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفَائِقُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ مَعْنَى مَا قُطِعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.
(وَالْحِجْرُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْكَعْبَةِ لِخَبَرِ عَائِشَةَ (وَقَدْرُهُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْحِجْرُ جَمِيعُهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ فِي حُدُودِ الْبَيْتِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ فَمَنْ اسْتَقْبَلَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَلْبَتَّةَ اهـ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الطَّوَافِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ عَنْهُ جَمِيعِهِ احْتِيَاطًا وَيَأْتِي (فَيَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْحِجْرِ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ أَشْبَهَ سَائِرَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتَوَجِّهُ إلَيْهِ مَكِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا.
(وَيُسَنُّ التَّنَفُّلُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْحِجْرِ لِخَبَرِ، عَائِشَةَ (وَأَمَّا الْفَرْضُ فِيهِ) أَيْ: الْحِجْرِ (فَكَّ) الْفَرْضِ (دَاخِلَهَا) لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهُ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ مِنْهُ أَوْ وَقَفَ خَارِجَهُ وَسَجَدَ فِيهِ.
(وَلَوْ نُقِضَ) أَوْ سَقَطَ (بِنَاءُ الْكَعْبَةِ وَجَبَ اسْتِقْبَالُ مَوْضِعِهَا وَهَوَائِهَا، دُونَ أَنْقَاضِهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْبُقْعَةُ لَا الْأَنْقَاضُ.
(وَلَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَةِ بُنْيَانِهَا) كَأَبِي قُبَيْسٍ (صَحَّتْ) الصَّلَاةُ (إلَى هَوَائِهَا) وَكَذَا لَوْ حَفَرَ حَفِيرَةً فِي الْأَرْضِ بِحَيْثُ يَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتَةِ بُنْيَانِهَا صَحَّتْ إلَى هَوَائِهَا لِمَا تَقْدَمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْبُقْعَةُ لَا الْجِدَارَ (وَيَأْتِي حُكْمُ صَلَاةِ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَفِي السَّفِينَةِ أَوَّلَ) بَابِ (صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ) بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى صَلَاةِ الْمَرِيضِ.
[بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَبَيَانِ أَدِلَّتِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
(بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ) وَبَيَانِ أَدِلَّتِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْقِبْلَةُ الْوُجْهَةُ، وَهِيَ الْفِعْلَةُ مِنْ الْمُقَابَلَةِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا لَهُ قِبْلَةٌ وَلَا دِبْرَةٌ إذَا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أَمْرِهِ وَأَصْلُ الْقِبْلَةِ فِي اللُّغَةِ، الْحَالَةُ، الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْهَا، كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُ عَلَيْهَا، إلَّا أَنَّهَا صَارَتْ كَالْعَلَمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا الْمُصَلِّي وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا، أَوْ لِأَنَّ الْمُصَلِّي يُقَابِلُهَا وَهِيَ تُقَابِلُهُ، وَالْأَدِلَّةُ جَمْعُ دَلِيلٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْخُطْبَةِ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ» .
جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ الصَّغِيرِ، وَالسَّامِرِيِّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَهِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي أَقَامَهَا بِمَكَّةَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ، بِنَاءً عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ «بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ - الْحَدِيثُ» وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ، فِي تَفْسِيرِهِ: اخْتَلَفُوا فِي صَلَاتِهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلَى الْكَعْبَةِ فَلَمَّا صَارَ إلَى الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ كَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ كَانَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَطْ بِمَكَّةَ وَبِالْمَدِينَةِ أَوَّلًا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّلَاحِ (وَ) «صَلَّى أَيْضًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا بِالْمَدِينَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ الْبَرَاءِ وَقَيْلَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَجُمِعَ بَيْنَهَا بِأَنَّ مَنْ عَدَّهَا سِتَّةَ عَشَرَ لَمْ يَعْتَبِرْ الْكُسُورَ.
وَمَنْ عَدَّهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ اعْتَدَّ بِالشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ وَلَمْ يَنْظُرْ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْكُسُورِ وَمَنْ عَدَّهَا سَبْعَةَ عَشَرَ حَسَبَ كُسُورَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ، وَأَلْغَى بَقِيَّتَهُمَا.
(ثُمَّ أُمِرَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144] الْآيَةُ
(وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّامِنُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ) لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ سَبْعَةٌ (فَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِدُونِهِ) أَيْ الِاسْتِقْبَالِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] قَالَ عَلِيٌّ ": شَطْرُهُ قِبَلُهُ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(إلَّا لِمَعْذُورٍ) عَاجِزٍ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (كَالْتِحَامِ حَرْبٍ) حَالَ الطَّعْنِ وَالْكَرِّ وَالْفَرِّ (وَهَرَبَ مِنْ سَيْلٍ أَوْ) مِنْ (نَارٍ أَوْ) مَنْ (سَبْعٍ وَنَحْوِهِ وَلَوْ) كَانَ الْعُذْرُ (نَادِرًا، كَمَرِيضٍ عَجَزَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ (وَ) (عَجَزَ عَمَّنْ يُدِيرُهُ إلَيْهَا) أَيْ الْقِبْلَةِ (وَكَمَرْبُوطٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ كَمَصْلُوبٍ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ (فَتَصِحُّ) صَلَاتُهُمْ (إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مِنْهُمْ بِلَا إعَادَةٍ) لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَجَزُوا عَنْهُ فَسَقَطَ، كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَكَالْقِيَامِ (وَ) إلَّا (لِمُتَنَفِّلٍ رَاكِبٍ وَمَاشٍ فِي سَفَرٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ وَلَوْ) كَانَ السَّفَرُ (قَصِيرًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] . قَالَ ابْنُ عُمَرَ نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً وَلِمَا رَوَى هُوَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِلْبُخَارِيِّ إلَّا الْفَرَائِضَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ، لِئَلَّا يُؤَدِّي إلَى تَقْلِيلِهِ أَوْ قَطْعِهِ فَاسْتَوَيَا فِيهِ وَأُلْحِقَ الْمَاشِي بِالرَّاكِبِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ أُبِيحَتْ لِلرَّاكِبِ، لِئَلَّا يَنْقَطِعُ عَنْ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَاشِي وَ.
(لَا) يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ (إذَا تَنَفَّلَ فِي الْحَضَرِ كَالرَّاكِبِ السَّائِرِ فِي مِصْرِهِ) أَوْ قَرْيَتِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسَافِرًا.
(وَلَا) يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْمُسَافِرُ جِهَةً مُعِينَةً كَ (رَاكِبِ تَعَاسِيفٍ، وَهُوَ رُكُوبُ الْفَلَاةِ وَقَطْعِهَا عَلَى غَيْرِ صَوْبٍ) وَمِنْهُ الْهَائِمُ وَالتَّائِهُ، وَالسَّائِحُ، وَالسَّفَرُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ، وَجَمْعُهُ أَسْفَارٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ (فَلَوْ عَدَلَتْ بِهِ) أَيْ الْمُسَافِرُ الَّذِي يَتَطَوَّعُ عَلَى رَاحِلَتِهِ (دَابَّتُهُ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ) إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ (لِعَجْزِهِ عَنْهَا أَوْ لِجِمَاحِهَا وَنَحْوِهِ) كَحِرْنِهَا، وَطَالَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَإِنْ قَصُرَ لَمْ تَبْطُلْ (أَوْ عَدَلَ هُوَ) أَيْ الْمُسَافِرُ (إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ غَفْلَةً أَوْ نَوْمًا أَوْ جَهْلًا، أَوْ سَهْوًا، أَوْ لِظَنِّهِ أَنَّهَا جِهَةُ سَيْرِهِ، وَطَالَ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ فَيُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَجَهْلُهُ.
(وَإِنْ قَصُرَ) عُدُولُهُ لِعُذْرٍ (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَسِيرُ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ كَانَ عُذْرَهُ السَّهْوُ) لَا الْغَفْلَةَ وَالنَّوْمَ وَنَحْوَهُ، فَيُعَايَى بِهَا (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ فِي ذَلِكَ) الْعُدُولِ (بِأَنْ عَدَلَتْ) بِهِ (دَابَّتُهُ وَأَمْكَنَهُ رَدُّهَا) وَلَمْ يَرُدَّهَا بَطَلَتْ، طَالَ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ، إنْ لَمْ يَكُنْ عُدُولُهُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ (أَوْ عَدَلَ) بِنَفْسِهِ (إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مَعَ عِلْمِهِ) بِأَنَّهَا غَيْرُ جِهَةِ سَيْرِهِ، وَغَيْرُ جِهَةِ الْقِبْلَةِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، طَالَ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ لِأَنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا.
(وَإِنْ انْحَرَفَ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ فَصَارَ قَفَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ عَمْدًا، بَطَلْتُ) لِاسْتِدْبَارِهِ الْقِبْلَةِ وَكَذَا لَوْ اسْتَدَارَ بِجُمْلَتِهِ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ لِتَرْكِهِ قِبْلَتِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ انْحِرَافُهُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا هُوَ الْأَصْلُ.
(وَإِنْ وَقَفَتْ دَابَّتُهُ تَعَبًا، أَوْ) وَقَفَ (مُنْتَظِرًا رُفْقَةً أَوْ لَمْ يَسِرْ لِسَيْرِهِمْ) اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
(أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ) وَيُتِمُّهَا لِانْقِطَاعِ السِّيَرِ، كَالْخَائِفِ يَأْمَنُ.
(وَلَوْ رَكِبَ الْمُسَافِرُ النَّازِلُ) أَيْ غَيْرُ السَّائِرِ (وَهُوَ فِي) صَلَاةٍ (نَافِلَةٍ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، سَوَاءً كَانَ يَتَنَفَّلُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا لِأَنَّ حَالَتَهُ إقَامَةٌ فَيَكُونُ رُكُوبُهُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ الْمُقِيمِ.
وَ (لَا) تَبْطُلُ صَلَاةُ (الْمَاشِي) بِرُكُوبِهِ فِيهَا (فَيُتِمُّهَا) لِأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ حَالَةٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّةِ التَّنَفُّلِ فِيهَا، وَهِيَ الْمَشْيُ، إلَى حَالَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَى صِحَّةِ التَّنَفُّلِ فِيهَا، وَهِيَ الرُّكُوبُ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَالَةُ سَيْرٍ (وَإِنْ نَزَلَ) الْمُسَافِرُ (الرَّاكِبُ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ النَّافِلَةِ (نَزَلَ مُسْتَقْبِلًا وَأَتَمَّهَا نَصًّا) لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى حَالِ إقَامَةٍ كَالْخَائِفِ إذَا أَمِنَ (وَيَلْزَمُ الرَّاكِبَ) إذَا تَنَفَّلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ (افْتِتَاحُهَا) أَيْ النَّافِلَةِ (إلَى الْقِبْلَةِ بِالدَّابَّةِ) بِأَنْ يُدِيرَهَا إلَى الْقِبْلَةِ إنْ أَمْكَنَهُ بِلَا مَشَقَّةٍ (أَوْ بِنَفْسِهِ) بِأَنْ يَدُورُ إلَى الْقِبْلَةِ وَيَدَعُ رَاحِلَتَهُ سَائِرَةً مَعَ الرَّكْبِ (إنْ أَمْكَنَهُ) ذَلِكَ (بِلَا مَشَقَّةٍ) .
لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وِجْهَةُ رِكَابِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (وَكَذَا إنْ أَمْكَنَهُ رُكُوعٌ وَسُجُودٌ وَاسْتِقْبَالٌ) فِي جَمِيعِ النَّافِلَةِ (عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ (كَمَنْ هُوَ فِي سَفِينَةٍ أَوْ مِحَفَّةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَنَحْوِهَا) كَعِمَارِيَّةٍ وَهَوْدَجٍ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، بِلَا مَشَقَّةٍ (وَكَانَتْ رَاحِلَتُهُ وَاقِفَةً) لَزِمَهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ إنْ أَمْكَنَهُ، بِلَا مَشَقَّةٍ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ افْتِتَاحُ النَّافِلَةِ إلَى الْقِبْلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ كَمَنْ عَلَى بَعِيرٍ مَقْطُورٍ،
وَيَعْسُرُ عَلَيْهِ الِاسْتِدَارَةُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَكُونُ مَرْكُوبُهُ حَرُونًا تَصْعُبُ عَلَيْهِ إدَارَتُهُ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الرُّكُوعُ وَلَا السُّجُودُ (افْتَتَحَهَا) أَيْ النَّافِلَةَ (إلَى غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْقِبْلَةِ يَعْنِي إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ (وَأَوْمَأَ) بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ) طَلَبًا لِلسُّهُولَةِ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يُؤَدِّيهِ إلَى عَدَمِ التَّطَوُّعِ (وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ وُجُوبًا إنْ قَدِرَ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَتُعْتَبَرُ فِيهِ) أَيْ فِي نَفْلِ الْمُسَافِرِ، أَيْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ (طَهَارَةُ مَحَلِّهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (نَحْوَ سَرْجٍ وَإِكَافٍ) كَغَيْرِهِ، لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمَرْكُوبُ نَجِسَ الْعَيْنِ، أَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ الرُّكُوبِ مِنْهُ نَجَاسَةٌ وَفَوْقَهُ حَائِلٌ طَاهِرٌ، مِنْ بَرْذَعَةٍ وَنَحْوِهَا، صَحَّتْ الصَّلَاةُ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُوَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَنْ فَرَشَ طَاهِرًا عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ هَهُنَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ يَشُقُّ فَتَفُوتُ الرُّخْصَةُ وَذَلِكَ أَنَّ أَبْدَانَ الدَّوَابِّ لَا تَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ النَّجَاسَةِ، لِتَقَلُّبِهَا وَتَمَرُّغِهَا عَلَى الزِّبْلِ وَالنَّجَاسَاتِ، وَالْبَغْلَ وَالْحِمَارَ مِنْهَا نَجِسَانِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَى رُكُوبِهِمَا وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارِهِ التَّطَوُّعَ» وَذَلِكَ دَلِيلُ الْجَوَازِ (وَإِنْ وَطِئَتْ دَابَّتُهُ نَجَاسَةً فَلَا بَأْسَ) أَيْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ بَلَى إنْ أَمْكَنَ رَدُّهُ عَنْهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا.
(وَإِنْ وَطْئَهَا) أَيْ النَّجَاسَةَ (الْمَاشِي عَمْدًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ.
(وَإِنْ نَذَرَ) الْمُسَافِرُ السَّائِرُ (الصَّلَاةَ عَلَى الدَّابَّةِ جَازَ) أَيْ انْعَقَدَ نَذْرُهُ، وَمِثْلُهُ نَذْرُهَا فِي الْكَعْبَةِ وَتَقَدَّمَ.
(وَالْوِتْرُ وَغَيْرُهُ مِنْ النَّوَافِلِ) الرَّوَاتِبِ وَغَيْرِهَا وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ (عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ (سَوَاءٌ) لِعَدَمِ الْفَارِقِ وَقَدْ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ عَلَى دَابَّتِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيَدُورُ فِي السَّفِينَةِ وَالْمِحَفَّةِ وَنَحْوِهِمَا) كَالْعِمَارِيَّةِ (إلَى الْقِبْلَةِ فِي كُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ) لِوُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ فِيهِ لِمَا تَقْدَمَ وَ (لَا) يَلْزَمُهُ أَنْ يَدُورَ فِي (نَفْلٍ) لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْمَلَّاحِ) فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدُورَ فِي الْفَرْضِ أَيْضًا (لِحَاجَتِهِ) لِتَسْيِيرِ السَّفِينَةِ.
(وَيَلْزَمُ الْمَاشِي أَيْضًا الِافْتِتَاحَ) أَيْ افْتِتَاحَ النَّافِلَةِ (إلَى الْقِبْلَةِ وَ) يَلْزَمُهُ (رُكُوعٌ وَسُجُودٌ) إلَى الْقِبْلَةِ بِالْأَرْضِ، لِتَيَسُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ (وَيَفْعَلُ الْبَاقِي) مِنْ الصَّلَاةِ (إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ) وَصَحَّحَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: يُومِئ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ كَالرَّاكِبِ.
(وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ لِمَنْ قَرُبَ مِنْهَا كَمَنْ بِمَكَّةَ إصَابَةُ الْعَيْنِ) أَيْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ (بِبَدَنِهِ كُلِّهِ، بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْهُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْكَعْبَةِ نُصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّوَجُّهِ إلَى عَيْنِهَا قَطْعًا، فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ فَلَوْ خَرَجَ بِبَعْضِ بَدَنِهِ عَنْ مُسَامَتَتِهَا لَمْ تَصِحَّ (وَلَا يَضُرُّ عُلُوُّهُ) عَلَى الْكَعْبَةِ كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ (وَلَا نُزُولُ) هـ عَنْهَا كَمَا لَوْ صَلَّى فِي حَفِيرَةٍ تَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتَتِهَا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْبُقْعَةِ لَا بِالْجُدْرَانِ كَمَا تَقَدَّمَ (إنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ إصَابَتُهَا) أَيْ إصَابَةُ الْعَيْنِ بِبَدَنِهِ، كَالْمُصَلِّي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ عَلَى سَطْحِهِ، أَوْ خَارِجِهِ، وَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِنَظَرِهِ أَوْ عِلْمِهِ، أَوْ خَبَرِ عَالِمٍ بِذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ أَوْ أَقَامَ بِهَا كَثِيرًا تَمَكَّنَ مِنْ الْأَمْرِ الْيَقِينِ فِي ذَلِكَ وَلَوْ مَعَ حَائِلٍ حَادِثٍ كَالْأَبْنِيَةِ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَتْ) إصَابَةُ الْعَيْنِ (بِحَائِلٍ أَصْلِيٍّ مِنْ جَبَلٍ وَنَحْوِهِ) كَالْمُصَلِّي خَلْفَ أَبِي قُبَيْسٍ (اجْتَهَدَ إلَى عَيْنِهَا) أَيْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِتَعَذُّرِ الْيَقِينِ عَلَيْهِ (وَمَعَ حَائِلٍ غَيْرِ أَصْلِيٍّ كَالْمَنَازِلِ) تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ (لَا بُدَّ مِنْ الْيَقِينِ) أَيْ مِنْ تَيَقُّنِهِ مُحَاذَاةَ الْكَعْبَةِ بِبَدَنِهِ (بِنَظَرٍ) هـ إلَى الْكَعْبَةِ أَوْ (خَبَرِ) ثِقَةٍ.
(وَنَحْوِهِ) وَالْأَعْمَى الْمَكِّيُّ وَالْغَرِيبُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ بِدَارٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ مَكَّةَ فَفَرْضُهُ الْخَبَرُ عَنْ يَقِينٍ أَوْ عَنْ مُشَاهَدَةٍ مِثْل أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ وَعَلَى الْحَائِلِ مَنْ يُخْبِرُهُ، أَوْ أَخْبَرَهُ أَهْلُ الدَّارِ، أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ الِاجْتِهَادُ كَالْحَاكِمِ إذَا وَجَدَ النَّصَّ.
(وَ) الْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ (إصَابَةُ الْجِهَةِ بِالِاجْتِهَادِ وَيُعْفَى عَنْ الِانْحِرَافِ قَلِيلًا) يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً (لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْكَعْبَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْبَعِيدُ عَنْهَا (مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُعَايَنَةِ) لِلْكَعْبَةِ.
(وَلَا عَلَى مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الِاثْنَيْنِ الْمُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً، وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ لَا يُقَالُ: مَعَ الْبُعْدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذَى لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ التَّقَوُّسِ لَا مَعَ عَدَمِهِ (سِوَى الْمُشَاهِدِ لِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَرِيبِ مِنْهُ فَفَرْضُهُ إصَابَةُ الْعَيْنِ) لِأَنَّ قِبْلَتَهُ مُتَيَقَّنَةٌ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَإِ.
وَقَدْ رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» قَالَ النَّاظِمُ: وَكَذَا مَسْجِدُ الْكُوفَةِ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَالَ فِي الشَّرْحِ: فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ نَظَرٌ لِأَنَّ صَلَاةَ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحِيحَةٌ مَعَ خُرُوجِ بَعْضِهِمْ عَنْ اسْتِقْبَالِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِكَوْنِ الصَّفِّ أَطْوَلُ مِنْهَا وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ: صَحِيحٌ لَكِنْ إنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ وَقَدْ فَعَلَهُ، وَهَذَا الْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ اهـ.
وَأَجَابَ ابْنُ قُنْدُسٍ بِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْجِهَةِ إنَّمَا يَجِبُ
عِنْدَ تَعَذُّرِ إصَابَةِ الْعَيْنِ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَمَكِّنٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ، بَلْ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الشِّفَاءِ أَنَّهُ رُفِعَتْ لَهُ الْكَعْبَةُ حِينَ بَنَى مَسْجِدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْتُ لَكِنَّ النَّظَرَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّارِحُ بَاقٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُ الْأَصْحَابِ مِنْ إلْحَاقِهِمْ إيَّاهُ بِمَنْ بِمَكَّةَ أَنَّهُ يَضُرُّ انْحِرَافُهُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً عَنْ مِحْرَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِمَّنْ بَعُدَ فَلَا يَضُرُّ انْحِرَافُهُ.
(وَالْبَعِيدُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي وَمِنْ مَكَّةَ يَجْتَهِدُ (إلَى الْجِهَةِ) لِتَعَذُّرِ إصَابَةِ الْعَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ، فَتَقُومُ الْجِهَةُ مَقَامَهَا لِلضَّرُورَةِ (فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ) أَيْ مَعْرِفَةَ مَا هُوَ مَأْمُورٌ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ جِهَةٍ (بِخَبَرِ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (عَنْ يَقِينٍ) مِثْلُ أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ أَوْ تَغْرُبُ مِنْ جِهَةِ عَيْنِهَا، فَيُعْلَمُ أَنَّ الْجِهَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُقَابَلَتِهَا مَثَلًا، أَوْ يُخْبِرُهُ أَنَّ النَّجْمَ الَّذِي تُجَاهُهُ الْجَدْيُ فَيُعْلَمُ مَحَلُّ الْقِبْلَةِ مِنْهُ وَنَحْوِهِ، لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا يَجْتَهِدُ كَالْحَاكِمِ يَقْبَلُ النَّصَّ مِنْ الثِّقَةِ وَلَا يَجْتَهِدُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ كَافِرٍ، وَلَا غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَلَا فَاسِقٍ لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ يَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَى قِبْلَتِهِ فِي بَيْتِهِ ذَكَرَهُ فِي الْإِشَارَاتِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ هُوَ عَمِلَهَا فَهُوَ كَإِخْبَارِهِ اهـ فَلَوْ شَكَّ فِي حَالِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الْأَصَحُّ وَإِنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ فَلَا وَإِنَّهُ إذَا أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ.
(أَوْ) أَمْكَنَهُ مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ (بِالِاسْتِدْلَالِ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ) جَمْعُ مِحْرَابٍ وَهُوَ صَدْرُ الْمَجْلِسِ وَمِنْهُ مِحْرَابُ الْمَسْجِدِ وَهُوَ الْغُرْفَةُ وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: لَا يَكُونُ مِحْرَابًا إلَّا أَنْ يُرْتَقَى إلَيْهِ بِدَرَجٍ (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) إذَا عَلَّمَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، عُدُولًا كَانُوا أَوْ فُسَّاقًا، لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهَا مَعَ تَكْرَارِ الْأَعْصَارِ إجْمَاعٌ عَلَيْهَا وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَا يَنْحَرِفُ لِأَنَّ دَوَامَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ كَالْقَطْعِ.
(وَإِنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ) بِبَلَدٍ خَرَابٍ (لَا يَعْلَمُهَا لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا) لِأَنَّهَا لَا دَلَالَةَ فِيهَا، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا آثَارُ الْإِسْلَامِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْبَانِي مُشْرِكًا، عَمِلَهَا لِيَغُرَّ بِهَا الْمُسْلِمِينَ قَالَ فِي الشَّرْحِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ هَذَا الِاحْتِمَالِ وَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنْ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ فَيَسْتَقْبِلهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَهَا لِلْكُفَّارِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ فَمَحَارِيبُهُمْ أَوْلَى.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: إذَا عُلِمَتْ قِبْلَتُهُمْ كَالنَّصَارَى إذَا رَأَى مَحَارِيبَهُمْ فِي كَنَائِسِهِمْ، عُلِمَ أَنَّهَا مُتَقَبِّلَةٌ لِلْمَشْرِقِ
[فَصْلٌ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ]
فَصْلٌ (فَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ فَفَرْضُهُ التَّوَجُّهِ إلَى مَحَارِيبِهُمْ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) لَهُمْ مَحَارِيبُ (لَزِمَهُ السُّؤَالُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْقِبْلَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: ظَاهِرُهُ يَقْصِدُ الْمَنْزِلَ فِي اللَّيْلِ، فَيَسْتَخْبِرُ (إنْ كَانَ جَاهِلًا بِأَدَاتِهَا) أَيْ الْقِبْلَةَ (فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ فَفَرْضُهُ الرُّجُوعُ إلَى خَبَرِهِ) وَلَا يَجْتَهِدُ كَالْحَاكِمِ يَجِدُ النَّصَّ.
(وَإِنْ كَانَ) يُخْبِرُهُ (عَنْ ظَنٍّ فَفَرْضُهُ تَقْلِيدُهُ إنْ كَانَ) الْمُخْبِرُ (مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا، وَهُوَ الْعَالِمُ بِأَدَاتِهَا) وَضَاقَ الْوَقْتُ وَإِلَّا لَزِمَهُ التَّعْلِيمُ وَالْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ (وَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ) الْقِبْلَةُ (فِي السَّفَرِ وَكَانَ عَالِمًا بِأَدَاتِهَا، فَفَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ فِي مَعْرِفَتِهَا) لِأَنَّ مَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَجَبَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ عِنْدَ خَفَائِهِ، كَالْحُكْمِ فِي الْحَادِثَةِ (فَإِذَا اجْتَهَدَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ جِهَةٌ) أَنَّهَا الْقِبْلَةُ (صَلَّى إلَيْهَا) لِتَعَيُّنِهَا قِبْلَةً لَهُ، إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ، لِتَعَذُّرِهِ (فَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ الْجِهَةَ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَى ظَنِّهِ (وَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا أَعَادَ) مَا صَلَّاهُ إلَى غَيْرِهَا.
(وَإِنْ أَصَابَ) لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرَضَهُ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْقِبْلَةَ الْمُتَيَقَّنَةَ (وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ لِغَيْمٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ كَانَ مَطْمُورًا (أَوْ) كَانَ (بِهِ مَانِعٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ، كَرَمَدٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ تَعَادَلَتْ عِنْدَهُ الْأَمَارَاتُ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ بِلَا إعَادَةٍ) كَعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ (وَكُلُّ مَنْ صَلَّى مِنْ هَؤُلَاءِ) الْمَذْكُورِينَ (قَبْلَ فِعْلِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِخْبَارِ) إنْ وَجَدَ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ (أَوْ اجْتِهَادٍ) إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ (أَوْ تَقْلِيدٍ) إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاجْتِهَادِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْأَدِلَّةِ أَوْ عَجْزِهِ عَنْهُ لِرَمَدٍ أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ تَحَرٍّ) فِيمَا إذَا لَمْ يَجِدْ الْأَعْمَى أَوْ الْجَاهِلُ مَنْ يُقَلِّدُهُ (فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَإِنْ أَصَابَ) الْقِبْلَةَ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ وَ) أَدِلَّةَ (الْوَقْتِ) مَنْ لَا يَعْرِفُهَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَتَوَجَّهُ وُجُوبُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ فَقَالَ: وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ تَعَلُّمُ ذَلِكَ وَمَنَعَهُ قَوْمٌ، لِأَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ مِمَّا يَنْدُرُ الْتِبَاسُهُ.
وَالْمُكَلَّفُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ مَا يَعُمَّ لَا مَا يَنْدُرُ (وَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهَا) أَيْ الْقِبْلَةِ (بِأَشْيَاءَ مِنْهَا النُّجُومُ) وَهِيَ أَصَحُّهَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] وَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ [الأنعام: 97] .
وَقَالَ عُمَرُ: تَعَلَّمُوا مِنْ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْوَقْتَ وَالطَّرِيقَ (وَأَثْبَتُهَا) وَأَقْوَاهَا (الْقُطْبُ) بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ (الشَّمَالِيُّ)
لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ وَيُمْكِنُ كُلُّ أَحَدٍ مَعْرِفَتُهُ (ثُمَّ الْجَدْيُ) نَجْمٌ نَيِّرٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ (وَالْفَرْقَدَانِ وَالْقُطْبُ نَجْمٌ خَفِيٌّ) شَمَالِيٌّ يَرَاهُ حَدِيدُ الْبَصَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَمَرُ طَالِعًا فَإِذَا قَوِيَ نُورُ الْقَمَرِ خَفِيَ (وَحَوْلُهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ، كَفَرَاشَةِ الرَّحَى، أَوْ كَالسَّمَكَةِ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا أَحَدُ الْفَرْقَدَيْنِ) .
وَفِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْفَرْقَدَانِ (وَفِي الطَّرَفِ الْآخَرِ الْجَدْيُ) قَالُوا: وَبَيْنَ ذَلِكَ أَنْجُمٌ صِغَارٌ مَنْقُوشَةٌ كَنُقُوشِ الْفَرَاشَةِ، ثَلَاثَةٌ مِنْ فَوْقِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ تَحْتِ، تَدُورُ هَذِهِ الْفَرَاشَةِ حَوَلَ الْقُطْبِ دَوَرَانَ فَرَاشَةِ الرَّحَى حَوَلَ سَفُّودِهَا، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَوْرَةً، نِصْفُهَا بِاللَّيْلِ وَنِصْفُهَا بِالنَّهَارِ فِي الزَّمَنِ الْمُعْتَدِلِ، فَيَكُونُ الْفَرْقَدَانِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي مَكَانِ الْجَدْيِ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِهَا فِي أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَسَاعَاتِهِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَزْمِنَةِ لِمَنْ عَرَفَهَا، وَفَهِمَ كَيْفِيَّةَ دَوَرَانِهَا (وَالْقُطْبُ فِي وَسَطِ الْفَرَاشَةِ لَا يَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهِ دَائِمًا) قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: إلَّا قَلِيلًا قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَقِيلَ: إنَّهُ يَتَغَيَّرُ يَسِيرًا لَا يُؤَثِّرُ (يَنْظُرُهُ) أَيْ الْقُطْبَ (حَدِيدُ الْبَصَرِ فِي غَيْرِ لَيَالِي الْقَمَرِ) فَإِذَا قَوِيَ نُورُ الْقَمَرِ خَفِيَ (لَكِنْ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالْجَدْيِ وَالْفَرْقَدَيْنِ: فَإِنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهِ تَدُورُ بَنَاتُ نَعْشٍ الْكُبْرَى) قَالَ فِي شَرْحِهِ: بَنَاتُ نَعْشٍ أَرْبَعَةُ كَوَاكِبَ، وَثَلَاثَةٌ تَتْبَعُهَا الْأَرْبَعَةُ نَعْشٌ.
وَالثَّلَاثَةُ بَنَاتٌ (وَغَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ بَنَاتِ نَعْشٍ الْكُبْرَى (إذَا جَعَلَهُ) أَيْ جَعَلَ الْإِنْسَانُ الْقُطْبَ (وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا وَسَطَ السَّمَاءِ فِي كُلِّ بَلَدٍ ثُمَّ إنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا انْحِرَافَ لَهُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ لِلْقُطْبِ مِثْلُ آمِدُ، وَمَا كَانَ عَلَى خَطِّهَا فَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ مُنْحَرِفًا عَنْهَا) أَيْ عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ لِلْقُطْبِ (إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ انْحَرَفَ الْمُصَلِّي إلَى الْمَشْرِقِ بِقَدْرِ انْحِرَافِ بَلَدِهِ كَبِلَادِ الشَّامِ وَمَا هُوَ مَغْرِبٌ عَنْهَا فَإِنَّ انْحِرَافَ دِمَشْقَ إلَى الْمَغْرِبِ نَحْوَ نِصْفِ سُدُسِ الْفَلَكِ، يَعْرِفُ ذَلِكَ الْفَلَكِيَّةُ وَكُلَّمَا قَرُبَ إلَى الْمَغْرِبِ كَانَ انْحِرَافُ الْمُصَلِّي إلَى الْمَشْرِقِ بِقَدَرِهِ وَعَكَسَ ذَلِكَ بِعَكْسِهِ، فَإِذَا كَانَ الْبَلَدُ مُنْحَرِفًا عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ لِلْقُطْبِ إلَى الْمَشْرِقِ انْحَرَفَ الْمُصَلِّي إلَى الْمَغْرِبِ بِقَدَرِ انْحِرَافِهِ) .
أَيْ بَلَدِهِ (وَكُلَّمَا كَثُرَ انْحِرَافًا إلَى الْمَشْرِقِ كَثُرَ انْحِرَافُ الْمُصَلِّي إلَى الْمَغْرِبِ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ جَعَلَ الْقُطْبُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فِي الشَّامِ وَمَا حَاذَاهَا وَانْحَرَفَ قَلِيلًا إلَى الْمَشْرِقِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: إذَا جَعَلَ الشَّامِيُّ الْقُطْبَ بَيْنَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى وَنَقْرَةِ الْقَفَا فَقَدْ اسْتَقْبَلَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الشَّمَالِيِّ وَالْمِيزَابِ اهـ فَمَطْلَعَ سُهَيْلٍ) وَهُوَ نَجْمٌ كَبِيرٌ يُضِيءُ، يَطْلُعُ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ، ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى
يَصِيرَ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَجَاوَزهَا، فَيَسِيرُ حَتَّى يَغْرُبَ بِقُرْبِ مَهَبِّ الدَّبُّورِ (لِأَهْلِ الشَّامِ قِبْلَةً وَيَجْعَلُ الْقُطْبَ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى بِالْمَشْرِقِ) : وَقَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا: الْعِرَاقِيُّ إذَا جَعَلَ الْقُطْبَ بَيْنَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَنَقْرَةِ الْقَفَا، فَقَدْ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَهُ اهـ.
(وَيَجْعَلُهُ) أَيْ الْقُطْبُ (عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ بِإِقْلِيمِ مِصْرَ) وَمَنْ اسْتَدْبَرَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيَ فِي حَالِ عُلُوِّ أَحَدِهِمَا وَهُبُوطِ الْآخَرِ فَهُوَ كَاسْتِدْبَارِ الْقُطْبِ، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ أَحَدَهُمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ، فَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ لِلْجِهَةِ، لَكِنَّهُ إنْ اسْتَدْبَرَ الشَّرْقِيَّ مِنْهَا انْحَرَفَ إلَى الْمَشْرِقِ قَلِيلًا، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْغَرْبِيَّ انْحَرَفَ قَلِيلًا إلَى الْمَغْرِبِ لِيَتَوَسَّطَ الْجِهَةَ، وَيَكُونُ انْحِرَافُهُ الْمَذْكُورُ لِاسْتِدْبَارِ الْجَدْيِ أَقَلَّ مِنْ انْحِرَافِهِ لِاسْتِدْبَارِ الْفَرْقَدَيْنِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْقُطْبِ مِنْهُمَا، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ بَنَاتِ نَعْشٍ كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْجِهَةَ أَيْضًا، لَكِنَّهُ عَنْ وَسَطِهَا أَبْعَدُ فَيَجْعَلُ انْحِرَافُهُ إلَيْهِ أَكْثَرَ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا: الْمَجَرَّةُ، فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فِي نَاحِيَةِ السَّمَاءِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ مِنْ الْإِنْسَانِ، إذَا كَانَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَشْرِقِ ثُمَّ تَصِيرُ مِنْ آخِرِهِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا أَيْضًا عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، وَأَمَّا فِي الصَّيْفِ فَإِنَّهَا تَتَوَسَّطُ السَّمَاءَ (وَمِنْهَا) أَيْ الْأَدِلَّةِ (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمَنَازِلُهُمَا وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا) أَيْ بِمَنَازِلِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (أَوْ مَا يُقَارِبُهَا كُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ عَلَى يَسْرَةِ الْمُصَلِّي فِي الْبِلَادِ الشَّمَالِيَّةِ، وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ عَنْ يَمْنَتِهِ) وَالْمَنَازِلُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَامِيَّةٌ، تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ، أَوْ مَائِلَةٌ عَنْهُ إلَى الشِّمَالِ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ يَمَانِيَّةٌ تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ مَائِلَةً إلَى الْيَمِينِ وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ إذَا طَلَعَ أَحَدُهُمَا غَابَ رَقِيبُهُ (وَالْقَمَرُ يَبْدُو هِلَالًا أَوَّلَ الشَّهْرِ) إلَى ثَلَاثَةِ (عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَفِي اللَّيْلَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ الشَّهْرِ يَكُونُ عَلَى الْقِبْلَةِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَفِي اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ عَلَى سَمْتِ الْقِبْلَةِ وَقْتَ الْعِشَاءِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ.
وَفِي لَيْلَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ عَلَى سَمْتِهَا وَقْتَ طُلُوعِ الْفَجْرِ تَقْرِيبًا فِيمَنْ بِالشَّامِ وَمِنْهَا) أَيْ الْأَدِلَّةِ (الرِّيَاحُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَسِرٌ إلَّا فِي الصَّحَارِي وَأَمَّا بَيْنَ الْجِبَالِ وَالْبُنْيَانِ، فَإِنَّهَا تَدُورُ، فَتَخْتَلِفُ وَتَبْطُلُ دَلَالَتُهَا) وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الِاسْتِدْلَال بِهَا ضَعِيفٌ اهـ وَأُمَّهَاتُهَا أَرْبَعٌ: الْجَنُوبُ وَمِنْهَا قِبْلَةُ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ مَطْلِعِ سُهَيْلٍ إلَى مَطْلِعِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ وَبِالْعِرَاقِ إلَى بَطْنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى مَارَّةً إلَى يَمْنَتِهِ وَالشِّمَالُ مُقَابِلَتُهَا وَمَهَبُّهَا مِنْ الْقُطْبِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ وَالصَّبَا: وَتُسَمَّى الْقَبُولُ وَمَهَبُّهَا مِنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي بِالشَّامِ لِأَنَّهُ مَطْلِعُ الشَّمْسِ صَيْفًا إلَى مَطْلِعِ الْعَيُّوقِ وَبِالْعِرَاقِ إلَى خَلْفِ أُذُنِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى مَارَّةً إلَى يَمْنَتِهِ وَالدَّبُّورِ مُقَابِلَتِهَا، لِأَنَّهَا تَهُبُّ بِالشَّامِ بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَغْرِبِ وَبِالْعِرَاقِ مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنِ، وَبَيْنَ
كُلِّ رِيحَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَاتِ: رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءُ لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الرِّيَاحِ صِفَاتٌ وَخَوَاصٌّ تُمَيِّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ عِنْدَ ذَوِي الْخِبْرَةِ بِهِ.
(وَمِنْهَا) أَيْ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (الْجِبَالُ الْكِبَارُ، فَكُلُّهَا مُمْتَدَّةٌ عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ، وَهَذِهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ) تُدْرَكُ بِالْحِسِّ (لَكِنْ تَضْعُفُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُصَلِّي يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ هَلْ يَجْعَلُ الْجَبَلَ الْمُمْتَدَّ خَلَفَهُ أَوْ قُدَّامَهُ؟ فَتَحْصُلُ الدَّلَالَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَالِاشْتِبَاهُ عَلَى جِهَتَيْنِ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ وَجْهَ الْجَبَلِ) فَإِنْ عَرَفَهُ اسْتَقْبَلَهُ.
(فَإِنَّ وُجُوهَ الْجِبَالِ إلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ) أَيْ وَجْهُ الْجَبَلِ (مَا فِيهِ مِصْعَدُهُ قَالَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَمِنْهَا) أَيْ الْأَدِلَّةِ (الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ، غَيْرُ الْمَحْدُودَةِ) أَيْ الْمَحْفُورَةُ (كَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنَّهْرَوَانِ) وَهُوَ جَيْحُونَ (وَغَيْرِهَا) كَالنِّيلِ (فَإِنَّهَا تَجْرِي عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ، إلَّا نَهْرًا بِخُرَاسَانَ وَهُوَ الْمَقْلُوبُ وَ) إلَّا (نَهْرًا بِالشَّامِ وَهُوَ الْعَاصِي، يَجْرِيَانِ عَنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَمْنَتِهِ) .
قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَهَذَا لَا يَنْضَبِطُ لِأَنَّ الْأُرْدُنَّ بِالشَّامِ يَجْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ يَصُبُّ فِيهِ (قُلْتُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْأَنْهَارِ فَرْعٌ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْجِبَالِ فَإِنَّهَا تَجْرِي فِي الْخِلَالِ الَّتِي بَيْنَ الْجِبَالِ مُمْتَدَّةً مَعَ امْتِدَادِهَا) وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْجُمْلَةِ.
[فَصْلٌ وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ]
فَصْلٌ (وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ) يَعْنِي أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ خُنْثَيَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَلَوْ قَالَ مُجْتَهِدَيْنِ: لَعُلِمَ الْكُلُّ (فَأَكْثَرَ) مِنْ مُجْتَهِدَيْنِ (فِي جِهَتَيْنِ فَأَكْثَرَ) بِأَنْ ظَهَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا جِهَةً غَيْرَ الْجِهَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ لِلْآخَرِ (لَمْ يَتْبَعْ وَاحِدٌ) مِنْهُمَا (صَاحِبَهُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ خَطَأَ الْآخَرِ فَأَشْبَهَا الْعَالِمَيْنِ الْمُجْتَهِدَيْنِ فِي الْحَادِثَةِ إذَا اخْتَلَفَا وَالْقَاصِدَيْنِ رُكُوبُ الْبَحْرِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ أَحَدِهِمَا الْهَلَاكُ وَعَلَى ظَنِّ الْآخَرِ السَّلَامَةُ فَيَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِغَالِبِ ظَنِّهِ (وَلَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ) أَيْ أَحَدَهُمَا (بِهِ) أَيْ بِالْآخَرِ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الصَّلَاةِ خَطَأَ أَحَدِهِمَا فِي الْقِبْلَةِ فَتَبْطُلُ جَمَاعَتُهُمَا.
(فَإِنْ كَانَ) اخْتِلَافُ اجْتِهَادِهِمَا (فِي وِجْهَةٍ وَاحِدَةٍ، بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا يَمِينًا، وَ) قَالَ (الْآخَرُ شِمَالًا صَحَّ أَنْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، لِاتِّفَاقِ اجْتِهَادِهِمَا) فِي الْجِهَةِ، وَالْوَاجِبُ الِاجْتِهَادُ إلَى الْجِهَةِ وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَيْهَا.
(وَمَنْ بَانَ) أَيْ ظَهَرَ (لَهُ الْخَطَأُ) فِي اجْتِهَادِهِ
وَهُوَ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ (انْحَرَفَ) إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا لِأَنَّهَا تَرَجَّحَتْ فِي ظَنِّهِ فَتَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ (وَأَتَمَّ) صَلَاتَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَنْقُضُ الِاجْتِهَادَ (وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ مِنْهُمَا) أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ اللَّذَيْنِ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، ثُمَّ بَانَ لِأَحَدِهِمَا الْخَطَأُ (الْمُفَارَقَةَ) لِإِمَامِهِ (لِلْعُذْرِ) الْمَانِعِ مِنْ اقْتِدَائِهِ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَتْبَعُهُ مَنْ قَلَّدَهُ) أَيْ: يَلْزَمُ مَنْ قَلَّدَ الْمُجْتَهِدَ الَّذِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَنْ يَتْبَعَهُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي بَانَتْ لَهُ لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
(فَإِنْ اجْتَهَدَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَجْتَهِدْ الْآخَرُ لَمْ يَتْبَعْهُ) حَيْثُ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاجْتِهَادِ، بَلْ يَجْتَهِدُ.
(وَيَتْبَعُ) وُجُوبًا (جَاهِلٌ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ) وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فِي الْأَحْكَامِ: أَوْثَقَ الْمُجْتَهِدَيْنِ.
(وَ) يَتْبَعُ (أَعْمَى وُجُوبًا أَوْثَقَهُمَا) أَيْ الْمُجْتَهِدَيْنِ (فِي نَفْسِهِ عِلْمًا بِدَلَائِلِ الْقِبْلَةِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ الْأَقْرَبَ إصَابَةٌ فِي نَظَرِهِ، وَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مُتَابَعَتِهِ وَقَدْ كُلِّفَ الْإِنْسَانُ فِي ذَلِكَ بِاتِّبَاعِ غَالِبِ ظَنِّهِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: بِخِلَافِ تَكْلِيفِ الْعَامِّيِّ تَقْلِيدُ الْأَعْلَمِ فِي الْأَحْكَامِ، فَأَنَّ فِيهِ حَرَجًا وَتَضْيِيقًا، ثُمَّ مَا زَالَ عَوَامُّ كُلِّ عَصْرٍ يُقَلِّدُ أَحَدُهُمْ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ فِي مَسْأَلَةٍ، وَلِلْآخَرِ فِي أُخْرَى وَالثَّالِثِ فِي ثَالِثَةٍ وَهَكَذَا وَهَكَذَا كَذَلِكَ إلَى مَا لَا يُحْصَى وَلَمْ يَنْقُلْ إنْكَارَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَا أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِتَحَرِّي الْأَعْلَمِ وَالْأَفْضَلِ فِي نَظَرِهِمْ.
(فَإِنْ تَسَاوَيَا) أَيْ: الْمُجْتَهِدَانِ (عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ الْجَاهِلِ بِأَدِلَّتِهَا أَوْ الْأَعْمَى خُيِّرَ فَيُقَلِّدُ أَيَّهُمَا شَاءَ، (لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَفْضَلِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ) حَتَّى يَتَرَجَّحَ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَمْكَنَ الْأَعْمَى الِاجْتِهَادَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدِلَّةِ) كَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ غَيْرِ الْمَحْدُودَةِ وَالْجِبَالِ وَمَهَبَّاتِ الرِّيَاحِ (لَزِمَهُ) الِاجْتِهَادُ (وَلَمْ يُقَلِّدْ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ.
(وَإِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ فَأَخْطَأَ، أَوْ) صَلَّى (الْأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ) بِأَنْ لَمْ يَسْتَخْبِرْ مَنْ يُخْبِرُهُ، وَلَمْ يَلْمِسْ الْمِحْرَابَ وَنَحْوَهُ، مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَ بِهِ الْقِبْلَةَ (أَعَادَا) وَلَوْ أَصَابَا أَوْ اجْتَهَدَ الْبَصِيرُ، لِأَنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ بِمَحِلِّ اجْتِهَادٍ، لِقُدْرَةِ مَنْ فِيهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ وَنَحْوِهَا وَلِوُجُودِ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِمَا لِتَفْرِيطِهِمَا بِعَدَمِ الِاسْتِخْبَارِ، أَوْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْأَعْمَى) مَنْ يُقَلِّدُهُ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ (الْجَاهِلُ) مَنْ يُقَلِّدُهُ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ (الْبَصِيرُ الْمَحْبُوسُ وَلَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَنْ يُقَلِّدُهُ صَلَّى بِالتَّحَرِّي) إلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ جِهَةُ الْقِبْلَةِ (وَلَمْ يُعِدْ) أَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَسَقَطَتْ عَنْهُ الْإِعَادَةُ كَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ.
(وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ (أَوْ التَّقْلِيدِ) إنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلَ اجْتِهَادٍ
(ثُمَّ عَلِمَ خَطَأَ الْقِبْلَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ، لَمْ يُعِدْ) لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ، مَعَ عَدَمِ تَفْرِيطِهِ، فَسَقَطَ عَنْهُ وَلِأَنَّ خَفَاءَ الْقِبْلَةِ فِي الْأَسْفَارِ يَقَعُ كَثِيرًا لِوُجُودِ الْغُيُومِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَانِعِ فَإِيجَابُ الْإِعَادَةِ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ حَرَجٌ وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا.
(وَلَوْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادٍ) بَعْدَ أَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ جِهَةَ الْقِبْلَةِ وَأَحْرَمَ (ثُمَّ شَكَّ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى ذَلِكَ الشَّكِّ لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِي غَلَبَةَ الظَّنِّ الَّتِي دَخَلَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ (وَيَبْنِي) عَلَى صَلَاتِهِ.
(وَكَذَا إنْ زَادَ ظَنُّهُ) الْخَطَأُ (وَلَمْ يَبِنْ لَهُ الْخَطَأُ وَلَا ظَهَرَ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى) فَلَا يَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَيَبْنِي.
(وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خَطَأُ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا) بِأَنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ (وَلَمْ يَظُنَّ جِهَةً غَيْرَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى الْقِبْلَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا، فَبَطَلَتْ لِتَعَذُّرِ إتْمَامِهَا.
(وَلَوْ أُخْبِرَ) مَنْ يُصَلِّي بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ (وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِالْخَطَأِ) فِي الْقِبْلَةِ (يَقِينًا) وَكَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً (لَزِمَهُ قَبُولُهُ) بِأَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَيَتْرُكَ الِاجْتِهَادَ أَوْ التَّقْلِيدَ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ اجْتِهَادِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِخْبَارُ عَنْ يَقِينٍ (لَمْ يَجُزْ) لِلْمُجْتَهِدِ قَبُولُ خَبَرِهِ وَلَا الْعَمَلُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا خَالَفَهُ.
(وَإِنْ أَرَادَ) مُجْتَهِدٌ (صَلَاةً أُخْرَى) غَيْرَ الَّتِي صَلَّاهَا بِالِاجْتِهَادِ (اجْتَهَدَ لَهَا وُجُوبًا) فَيَجِبُ الِاجْتِهَادُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ فَتَسْتَدْعِي طَلَبًا جَدِيدًا، كَطَلَبِ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ، وَكَالْحَادِثَةِ فِي الْأَصَحِّ فِيهَا لِمُفْتٍ وَمُسْتَفْتٍ قُلْتُ فَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْمُرَادَ صَلَاةً مِنْ الْفَرَائِضِ بِخِلَافِ النَّوَافِلِ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّحَرِّي لِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ لَوْ أَرَادَ التَّنَفُّلَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا كَانَ مُقَلِّدًا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجَدِّدَ التَّقْلِيدَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، كَمَا هُوَ مَفْهُومٌ مُجْتَهِدٌ (فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمَلَ بِ) الِاجْتِهَادِ.
(الثَّانِي) لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ فِي ظَنِّهِ، فَصَارَ الْعَمَلُ بِهِ وَاجِبًا، فَيَسْتَدِيرُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا ثَانِيًا (وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى) بِ الِاجْتِهَادِ.
(الْأَوَّلِ) لِئَلَّا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ، وَالْعَمَلُ بِالثَّانِي لَيْسَ نَقْضًا لِلْأَوَّلِ بَلْ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ فَلَمْ تَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَى جِهَةٍ غَيْرِهَا وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ لَمَّا قَضَى فِي الْمُشْرِكَةِ فِي الْعَامِ الثَّانِي بِخِلَافِ مَا قَضَى بِهِ فِي الْأَوَّلِ ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ: فَيَعْمَلُ بِالِاجْتِهَادِ.
الثَّانِي (وَلَوْ) كَانَ (فِي صَلَاةٍ وَبَنَى) عَلَى مَا عَمِلَهُ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ (نَصًّا) فَلَوْ فَرَضَ أَنَّهُ صَلَّى بِكُلِّ اجْتِهَادٍ رَكْعَةً مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ إلَى جِهَةٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ إلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَمْكَنَ الْمُقَلِّدُ) أَيْ: الْجَاهِلُ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (تَعَلُّمُ الْأَدِلَّةِ وَالِاجْتِهَادِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ) عِنْدَ
خَفَاءِ الْقِبْلَةِ عَلَيْهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: قَوْلًا وَاحِدًا، لِقِصَرِ زَمَنِهِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّقْلِيدُ كَالْمُجْتَهِدِ (فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ تَعَلُّمِ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (فَعَلَيْهِ التَّقْلِيدُ) لِأَنَّ الْقِبْلَةَ يَجُوزُ تَرْكُهَا لِلضَّرُورَةِ، وَفِي شِدَّةِ الْخَوْفِ وَلَا يُعِيدُ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ.
[بَابُ النِّيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(بَابُ النِّيَّةِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (وَهِيَ الشَّرْطُ التَّاسِعُ) وَبِهَا تَمَّتْ شُرُوطُ الصَّلَاةِ (وَهِيَ) لُغَةً: الْقَصْدُ، يُقَالُ: نَوَاك اللَّهُ بِخَيْرٍ أَيْ: قَصَدَك بِهِ وَ (شَرْعًا: عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى فِعْلِ الْعِبَادَةِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ تَصَنُّعٍ لِمَخْلُوقٍ، أَوْ اكْتِسَابِ مَحْمَدَةٍ عِنْدَ النَّاسِ، أَوْ مَحَبَّةِ مَدْحٍ مِنْهُمْ أَوْ نَحْوِهِ، وَهَذَا هُوَ الْإِخْلَاصُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ تَصْفِيَةُ الْفِعْلِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَقَالَ آخَرُ: هُوَ التَّوَقِّي عَنْ مُلَاحَظَةِ الْأَشْخَاصِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَالَ آخَرُ: هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفِعْلِ لِدَاعِيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهَا مِنْ الدَّوَاعِي تَأْثِيرٌ فِي الدُّعَاءِ إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ.
وَفِي الْخَبَرِ «الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ مِنْ عِبَادِي» وَدَرَجَاتُ الْإِخْلَاصِ ثَلَاثَةٌ: عُلْيَا، وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَقِيَامًا بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ.
وَوُسْطَى وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَدُنْيَا: وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ لِلْإِكْرَامِ فِي الدُّنْيَا وَالسَّلَامَةِ مِنْ آفَاتِهَا، وَمَا عَدَا الثَّلَاثَ مِنْ الرِّيَاءِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُهُ، وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: الْعِبَادَةُ مَا وَجَبَتْ لِكَوْنِهَا مُفْضِيَةً إلَى ثَوَابِ الْجَنَّةِ، أَوْ إلَى الْبُعْدِ مِنْ عِقَابِ النَّارِ، بَلْ لِأَجْلِ أَنَّكَ عَبْدٌ وَهُوَ رَبٌّ هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الشَّمْسِ الْعَلْقَمِيِّ فِي حَاشِيَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (بِحَالٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] وَالْإِخْلَاصُ: عَمَلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ مَحْضُ النِّيَّةِ.
وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ، فَاشْتُرِطَتْ لَهَا النِّيَّةُ بِالصَّوْمِ وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: هِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ شَرْطٌ وَفِيهَا رُكْنٌ وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ فِي بَقِيَّةِ
الشُّرُوطِ كَذَلِكَ وَلَا قَائِلَ بِهِ.
وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ وُجُوبًا وَاللِّسَانُ اسْتِحْبَابًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَزَمَنُهَا مَعَ أَوَّلِ وَاجِبٍ أَوْ قَبْلِهِ بِيَسِيرٍ، وَكَيْفِيَّتُهَا الِاعْتِقَادُ فِي الْقَلْبِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ النِّيَّةُ تَتْبَعُ الْعِلْمَ فَمَنْ عَلِمَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ قَصَدَهُ ضَرُورَةً وَيَحْرُمُ خُرُوجُهُ لِشَكِّهِ فِي النِّيَّةِ، لِعِلْمِهِ أَنَّهُ مَا دَخَلَ إلَّا بِالنِّيَّةِ (وَلَا يَضُرُّ مَعَهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (قَصْدُ تَعْلِيمِ الصَّلَاةِ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَغَيْرِهِ (أَوْ) قَصْدُ (خَلَاصٍ مِنْ خَصْمٍ أَوْ إدْمَانِ سَهَرٍ) .
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا وَجَدْتُ ابْنَ الصَّيْرَفِيِّ نَقَلَهُ (وَالْمُرَادُ: لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ بَعْدَ إثْبَاتِهِ بِالنِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ لَا أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ، وَلِهَذَا ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِيمَا يُنْقِصُ الْأَجْرَ وَمِثْلُهُ قَصْدُهُ مَعَ نِيَّةِ الصَّوْمِ هَضْمُ الطَّعَامِ، أَوْ قَصْدُهُ مَعَ نِيَّةِ الْحَجِّ رُؤْيَةُ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ) أَيْ: الْبَعِيدَةِ (وَنَحْوُ ذَلِكَ) كَقَصْدِ تِجَارَةٍ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَصَدَ مَا يَلْزَمُ ضَرُورَةً (كَنِيَّةِ التَّبَرُّدِ أَوْ النَّظَافَةِ مَعَ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ وَتَقَدَّمَ) هَذَا (فِي الْوُضُوءِ) وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا عَدَدُ الرَّكَعَاتِ، بِأَنْ يَقُولَ: نَوَيْتُ أُصَلِّي الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ الظُّهْرَ أَرْبَعًا لَكِنْ، إنْ نَوَى مَثَلًا الظُّهْرَ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا لَمْ تَصِحَّ لِتَلَاعُبِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَنْوِيَ مَعَ الصَّلَاةِ الِاسْتِقْبَالَ، كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ (وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً مِنْ فَرْضٍ، كَظُهْرٍ) أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ عَصْرٍ أَوْ مَغْرِبٍ أَوْ عِشَاءٍ أَوْ صُبْحٍ وَكَذَا مَنْذُورَةٍ (وَنَفْلٍ مُؤَقَّتٍ كَوِتْرٍ) وَتَرَاوِيحَ (وَرَاتِبَةٍ) وَضُحًى، وَاسْتِخَارَةٍ وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ.
فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ فِي هَذَا كُلِّهِ لِتَتَمَيَّزَ تِلْكَ الصَّلَاةُ عَنْ غَيْرِهَا وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَصَلَّى أَرْبَعًا يَنْوِي بِهَا مِمَّا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجْزِيه إجْمَاعًا فَلَوْلَا اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ لَأَجْزَأَهُ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ كَانَ لَمْ تَكُنْ الصَّلَاةُ مُعَيَّنَةً كَالنَّفْلِ الْمُطْلَقِ، كَصَلَاةِ اللَّيْلِ (أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ) لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِي التَّعْيِينَ فِيهَا (وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةٌ فِي) صَلَاةٍ (فَائِتَةٍ) فَلَوْ قَالَ مَنْ عَلَيْهِ الظُّهْرُ قَضَاءً: أُصَلِّي الظُّهْرَ فَقَطْ كَفَاهُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْآخَرِ يُقَالُ: قَضَيْتُ الدَّيْنَ، وَأَدَّيْتُهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200] أَيْ: أَدَّيْتُمُوهَا وَلِأَنَّ أَصْلَ إيجَابِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ تَعْيِينُ يَوْمِهَا، بَلْ يَكْفِيهِ كَوْنُهَا السَّابِقَةَ، أَوْ الْحَاضِرَةَ.
(وَلَا) تُشْتَرَطُ نِيَّةُ (فَرْضِيَّةٍ فِي فَرْضٍ) فَلَا
يُعْتَبَرُ أَنْ يَقُولَ: أُصَلِّي الظُّهْرَ فَرْضًا أَوْ مُعَادَةً، فِيمَا إذَا كَانَتْ مُعَادَةً كَمَا فِي مُخْتَصِرِ الْمُقْنِعِ، كَالَّتِي قَبْلَهَا (وَلَا) تُشْتَرَطُ نِيَّةُ (أَدَاءً فِي حَاضِرَةٍ) لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا يَنْوِيهَا أَدَاءً فَبَانَ وَقْتُهَا قَدْ خَرَجَ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةً وَتَقَعُ قَضَاءً، وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَاهَا قَضَاءً فَبَانَ فِعْلُهَا فِي وَقْتِهَا وَقَعَتْ أَدَاءً.
قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَيَصِحُّ قَضَاءٌ بِنِيَّةِ أَدَاءٍ) إذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ.
(وَ) يَصِحُّ (عَكْسُهُ) أَيْ: الْأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ (إذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ) كَمَا تَقَدَّمَ، وَ (لَا) يَصِحُّ ذَلِكَ (مَعَ الْعِلْمِ) وَقَصْدِ مَعْنَاهُ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ (وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ) مَثَلًا (حَاضِرَةٌ وَفَائِتَةٌ، فَصَلَّاهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ شَرْطًا) أَوْ رُكْنًا (فِي إحْدَاهُمَا لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ، أَهِي الْفَائِتَةُ أَوْ الْحَاضِرَةُ (صَلَّى ظُهْرًا وَاحِدَةً يَنْوِي بِهَا مَا عَلَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْأَدَاءِ فِي الْحَاضِرَةِ، وَالْقَضَاءِ فِي الْفَائِتَةِ.
(وَلَوْ كَانَ الظُّهْرَانِ فَائِتَتَيْنِ فَنَوَى ظُهْرًا مِنْهُمَا) وَلَمْ يُعَيِّنْهَا (لَمْ تُجْزِهِ) الظُّهْرُ الَّتِي صَلَّاهَا (عَنْ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُعَيِّنَ السَّابِقَةَ، لِأَجْلِ) اعْتِبَارِ (التَّرْتِيبِ) بَيْنَ الْفَوَائِتِ (بِخِلَافِ الْمَنْذُورَتَيْنِ) فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ السَّابِقَةِ مِنْ اللَّاحِقَةِ، لِأَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنُهُمَا (وَلَوْ ظَنَّ) مُكَلَّفٌ (أَنَّ عَلَيْهِ ظُهْرًا فَائِتَةً فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ ظُهْرِ الْيَوْمِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَمْ تُجِزْهُ) الظُّهْرُ الَّتِي صَلَّاهَا (عَنْ) الظُّهْرِ (الْحَاضِرَةِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَضَاءَ عَصْرٍ.
وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (وَكَذَا لَوْ نَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ فِي وَقْتِهَا وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ) لَمْ تُجِزْهُ عَنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُشْتَرَطُ إضَافَةُ الْفِعْلِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا) بِأَنْ يَقُولَ: أُصَلِّي لِلَّهِ أَوْ أَصُومُ لِلَّهِ وَنَحْوَهُ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ) ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ (وَيَأْتِي بِالنِّيَّةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) إمَّا مُقَارِنَةً لَهَا أَوْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهَا بِيَسِيرٍ وَمُقَارَنَتُهَا لِلتَّكْبِيرِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرِ عَقِبَ النِّيَّةِ.
وَهَذَا مُمْكِنٌ لَا صُعُوبَةَ فِيهِ، بَلْ عَامَّةُ النَّاسِ إنَّمَا يُصَلُّونَ هَكَذَا.
وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْمُقَارَنَةِ: بِانْبِسَاطِ أَجْزَاءِ النِّيَّةِ عَلَى أَجْزَاءِ التَّكْبِيرِ، بِحَيْثُ يَكُونُ أَوَّلُهَا مَعَ أَوَّلِهِ وَآخِرُهَا مَعَ آخِرِهِ فَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عُزُوبَ النِّيَّةِ عَنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ، وَخُلُوَّ أَوَّلِ الصَّلَاةِ عَنْ النِّيَّةِ الْوَاجِبَةِ وَتَفْسِيرَهَا بِحُضُورِ جَمِيعِ النِّيَّةِ مَعَ حُضُورِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ التَّكْبِيرِ، فَهَذَا قَدْ نُوزِعَ فِي إمْكَانِهِ فَضْلًا عَنْ وُجُوبِهِ وَلَوْ قِيلَ بِإِمْكَانِهِ فَهُوَ مُتَعَسِّرٌ، فَيَسْقُطُ بِالْحَرَجِ وَأَيْضًا فَمَا يُبْطِلُ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الْمُكَبِّرَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَدَبَّرَ التَّكْبِيرَ وَيَتَصَوَّرَهُ فَيَكُونُ قَلْبُهُ مَشْغُولًا بِمَعْنَى التَّكْبِيرِ لَا بِمَا يَشْغَلُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ اسْتِحْضَارِ الْمَنْوِيِّ.
ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ
(وَالْأَفْضَلُ مُقَارَنَتُهَا) أَيْ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، كَالْآجُرِّيِّ وَغَيْرِهِ (فَإِنْ تَقَدَّمَتْ) النِّيَّةُ (عَلَيْهِ) أَيْ: التَّكْبِيرِ (بِزَمَنٍ يَسِيرٍ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فِي أَدَاءً وَرَاتِبَةٍ وَلَمْ يَفْسَخْهَا) أَيْ: النِّيَّةَ وَكَانَ ذَلِكَ (مَعَ بَقَاءِ إسْلَامِهِ) بِأَنْ لَمْ يَرْتَدَّ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّ تَقَدُّمَ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ بِالزَّمَنِ الْيَسِير لَا يُخْرِجُ الصَّلَاةَ عَنْ كَوْنِهَا مَنْوِيَّةً.
وَلَا يُخْرِجُ الْفَاعِلَ عَنْ كَوْنِهِ نَاوِيًا مُخْلِصًا كَالصَّوْمِ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فَجَازَ تَقَدُّمُهَا كَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ؛ وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْمُقَارَنَةِ حَرَجًا وَمَشَقَّةً فَوَجَبَ سُقُوطُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وَلِأَنَّ أَوَّلَ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْزَائِهَا فَكَفَى اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ فِيهِ كَسَائِرِهَا وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ النِّيَّةَ لَوْ تَقَدَّمْت قَبْلَ وَقْتِ الْأَدَاءِ أَوْ الرَّاتِبَةِ وَلَوْ بِيَسِيرٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، لِلْخِلَافِ فِي كَوْنِهَا رُكْنًا لِلصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَتَقَدَّمُ كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ وَأَوَّلُ مَنْ اشْتَرَطَ لِتَقَدُّمِ النِّيَّةِ كَوْنَهُ فِي وَقْتِ الْمَنْوِيَّةِ: الْخِرَقِيُّ وَتَبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَوَلَدُهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الشَّرْطَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فَإِمَّا لِإِهْمَالِهِمْ أَوْ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى الْغَالِبِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِمْ، أَيْ: غَيْرِ مَنْ تَقَدَّمَ: الْجَوَازُ، لَكِنْ لَمْ أَرَ الْجَوَازَ صَرِيحًا وَعُلِمَ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ إذَا فَسَخَهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِأَنَّهُ صَارَ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِأَنَّ الرِّدَّةَ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ مُبْطِلَةٌ لَهَا، كَمَا لَوْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ مَعَ التَّقَدُّمِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ بِشَرْطِهِ (حَتَّى وَلَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (وَقَبْلَ التَّكْبِيرِ) لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُنَافِي الْعَزْمَ الْمُتَقَدِّمَ وَلَا يُنَاقِضُ النِّيَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، فَتَسْتَمِرُّ إلَى أَنْ يُوجَدَ مُنَاقِضٌ (وَكَذَا لَوْ أَتَى بِهَا) أَيْ: النِّيَّةَ (قَاعِدًا) فِي الْفَرْضِ (ثُمَّ قَامَ) فَكَبَّرَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِحْضَارُ النِّيَّةِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ، لَا أَنْ لَا تَتَقَدَّمَ.
وَكَذَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ وَصَلَّى أَوْ وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ، ثُمَّ سَتَرَهَا وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ وَهُوَ حَامِلُ نَجَاسَةٍ ثُمَّ أَلْقَاهَا وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ (وَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا) أَيْ النِّيَّةِ (إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ) بِأَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا دُونَ اسْتِصْحَابِ ذِكْرِهَا فَلَوْ ذَهَلَ عَنْهَا أَوْ عَزَبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ، لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَقِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ حِصَاصٌ فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: اُذْكُرْ كَذَا، اُذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَضِلَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى» وَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ (فَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ: النِّيَّةَ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِهَا وَقَدْ قَطَعَهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا (أَوْ عَزَمَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى قَطْعِ النِّيَّةِ بَطَلَتْ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جَازِمٌ، وَمَعَ الْعَزْمِ عَلَى قَطْعِهَا لَا جَزْمَ فَلَا نِيَّةَ (أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ) أَيْ: فِي قَطْعِهَا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّيَّةِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا، وَمَعَ التَّرَدُّدِ تَبْطُلُ الِاسْتِدَامَةُ (أَوْ شَكَّ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (هَلْ نَوَى فَعَمِلَ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا) مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ، كَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَرَفْعٍ مِنْهُمَا وَقِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحٍ وَنَحْوِهَا (ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ نَوَى) بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِخُلُوِّ مَا عَمِلَهُ عَنْ نِيَّةٍ جَازِمَةٍ (أَوْ شَكَّ فِي تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) بَطَلَتْ، بِمَعْنَى وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا (أَوْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ) أَيْ شَكَّ فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ (ثُمَّ ذَكَرَ فِيهَا) أَيْ: بَعْدَ أَنْ عَمِلَ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا فِعْلِيًّا أَوْ قَوْلِيًّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِخُلُوِّ مَا عَمِلَهُ عَنْ نِيَّةٍ جَازِمَةٍ (أَوْ نَوَى أَنَّهُ سَيَقْطَعُهَا) أَيْ: النِّيَّةَ (أَوْ عَلَّقَهُ) أَيْ: قَطْعَ النِّيَّةِ (عَلَى شَرْطٍ) كَأَنْ نَوَى إنْ جَاءَ زَيْدٌ قَطَعَهَا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلْجَزْمِ بِهَا (وَإِنْ شَكَّ هَلْ نَوَى) الصَّلَاةَ (فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَتَمَّهَا نَفْلًا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَم نِيَّةِ الْفَرْضِ (إلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ قَبْل أَنْ يُحْدِثَ عَمَلًا) مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ (فَيُتِمُّهَا فَرْضًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِهَا عَنْ النِّيَّةِ الْجَازِمَةِ (وَإِنْ ذَكَرَهُ) أَيْ: ذَكَرَ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ (بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ عَمَلًا بَطَلَ فَرْضُهُ) لِخُلُوِّ مَا عَمِلَهُ عَنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ الْجَازِمَةِ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ) صَلَاةٍ (رُبَاعِيَّةٍ ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَظُنُّهَا جُمُعَةً أَوْ فَجْرًا أَوْ التَّرَاوِيحَ ثُمَّ ذَكَرَ) وَلَوْ قَرِيبًا (بَطَلَ فَرْضُهُ) وَظَاهِرُهُ: تَصِحُّ نَفْلًا (وَلَمْ يَبْنِ) عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ (نَصًّا) لِقَطْعِ نِيَّةِ الرُّبَاعِيَّةِ بِسَلَامِهِ ظَانًّا مَا ذَكَرَ (كَمَا لَوْ كَانَ) سَلَّمَ مِنْهَا (عَالِمًا) لِقَطْعِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ (وَإِنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَبَانَ عَدَمُهُ، كَمَنْ أَحْرَمَ بِفَائِتَةٍ فَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ، أَوْ) أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَ (بَانَ قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِهِ انْقَلَبَتْ نَفْلًا) لِأَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِ تَشْمَلُ نِيَّةَ النَّفْلِ فَإِذَا بَطَلَتْ نِيَّةُ الْفَرْضِ بَقِيَتْ نِيَةُ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ.
(وَإِنْ كَانَ عَالِمًا) أَنَّ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ (فِيهِمَا) لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ (وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ) أَيْ: الْفَرْضِ (فِي وَقْتِهِ الْمُتَّسِعِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ مِثْلِ أَنْ يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ جَازَ) لِأَنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ تَضَمَّنَتْهَا نِيَّةُ الْفَرْضِ.
فَإِذَا قَطَعَ نِيَّةَ الْفَرْضِ بَقِيَتْ نِيَّةُ النَّفْلِ (بَلْ هُوَ) أَيْ: قَلْبُ الْفَرْضِ مِنْ الْمُنْفَرِدِ نَفْلًا لِيُصَلِّيَهُ
فِي جَمَاعَةٍ (أَفْضَلُ) مِنْ إتْمَامِهِ مُنْفَرِدًا، لِأَنَّهُ إكْمَالٌ فِي الْمَعْنَى، كَنَقْضِ الْمَسْجِدِ لِلْإِصْلَاحِ (وَيُكْرَهُ) قَلْبُ الْفَرْضِ نَفْلًا (لِغَيْرِ الْفَرْضِ) الصَّحِيحِ، لِكَوْنِهِ أَبْطَلَ عَمَلَهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ فَرْضٍ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ: أَعْجَبُ إلَيَّ يَقْطَعُهُ وَيَدْخُلُ مَعَهُمْ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَطْعُ النَّفْلِ أَوْلَى (وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ) أَحْرَمَ بِهِ كَالظُّهْرِ (إلَى فَرْضٍ) آخَرَ كَالْعَصْرِ (بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) لِفَرْضِ (الثَّانِي بَطَلَ فَرْضُهُ الْأَوَّلُ) الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ لِقَطْعِهِ نِيَّتَهُ (وَصَحَّ) مَا صَلَّاهُ (نَفْلًا إنْ اسْتَمَرَّ) عَلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ بِنِيَّةِ انْتِقَالِهِ عَنْ الْفَرْضِ الَّذِي نَوَى أَوَّلًا، دُونَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ فَتَصِيرُ نَفْلًا (وَكَذَا حُكْمُ مَا يُبْطِلُ الْفَرْضَ فَقَطْ، إذَا وُجِدَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْفَرْضِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ نَفْلًا (كَتَرْكِ الْقِيَامِ) بِلَا عُذْرٍ يُسْقِطُهُ، فَإِنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ.
(وَ) كَ (الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ وَالِائْتِمَامُ بِمُتَنَفِّلٍ، وَائْتِمَامِ مُفْتَرِضٍ بِصَبِيٍّ، إنْ اعْتَقَدَ جَوَازَهُ) أَيْ: جَوَازَ مَا يُبْطِلُ الْفَرْضَ (وَنَحْوَهُ) أَيْ: نَحْوَ اعْتِقَادِ جَوَازِهِ، كَمَا لَوْ اعْتَقَدَ الْمُتَنَفِّلُ مُفْتَرِضًا، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ نَفْلًا.
لِأَنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُ النَّفَلَ فَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ جَوَازَهُ وَنَحْوَهُ، بَلْ فَعَلَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِعَدَمِ جَوَازِهِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، لِتَلَاعُبِهِ كَمَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ عَالِمًا (وَلَمْ يَنْعَقِدْ) الْفَرْضُ (الثَّانِي) الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ لِأَنَّهَا فَتَّاحَةٌ، وَلَمْ تُوجَدْ (وَإِنْ اقْتَرَنَ) بِنِيَّةِ الْفَرْضِ (الثَّانِي تَكْبِيرَةُ إحْرَامٍ لَهُ بَطَلَ) الْفَرْضُ (الْأَوَّلُ) لِقَطْعِهِ نِيَّتَهُ (وَصَحَّ) الْفَرْضُ (الثَّانِي) كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ غَيْرُهُ.
(وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ: أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا) بِأَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ: الْإِمَامَةَ وَيَنْوِيَ الْمَأْمُومُ الِائْتِمَامَ (فَرْضًا وَنَفْلًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (فَيَنْوِي الْإِمَامُ: أَنَّهُ مُقْتَدًى بِهِ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ: أَنَّهُ مُقْتَدٍ) كَالْجُمُعَةِ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ وَسُقُوطِ السَّهْوِ عَنْ الْمَأْمُومِ وَفَسَادِ صَلَاتِهِ بِفَسَادِ صَلَاةِ إمَامِهِ وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ الْإِمَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ بِالنِّيَّةِ فَكَانَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ انْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ.
(فَلَوْ نَوَى أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ) بِأَنْ نَوَى الْإِمَامُ دُونَ الْمَأْمُومِ أَوْ بِالْعَكْسِ (أَوْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ إمَامُ الْآخَرِ أَوْ) أَنَّهُ (مَأْمُومُهُ) لَمْ يَصِحَّ لَهُمَا لِأَنَّهُ أَمَّ مَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ، أَوْ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ إمَامًا (أَوْ نَوَى إمَامَةَ مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ كَأُمِّيٍّ) نَوَى أَنْ يَؤُمَّ قَارِئًا (أَوْ) (كَامْرَأَةٍ) نَوَتْ أَنْ (تَؤُمَّ رَجُلًا وَنَحْوِهِ) كَعَاجِزٍ عَنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ، نَوَى أَنْ يَؤُمَّ قَادِرًا عَلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِمَامَةِ وَالِائْتِمَامِ فَاسِدَانِ (أَوْ نَوَى الِائْتِمَامَ بِأَحَدِ الْإِمَامَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ) لَمْ
تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ تَعْيِينِهِ (أَوْ) نَوَى الِائْتِمَامَ (بِهِمَا) أَيْ بِالْإِمَامَيْنِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا (أَوْ) نَوَى الِائْتِمَامَ (بِالْمَأْمُومِ، أَوْ) بِ (الْمُنْفَرِدِ) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِغَيْرِ إمَامٍ (أَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ، أَنَّهُ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ (لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ) أَيْ: نِيَّةِ الْإِمَامَةِ أَوْ الِائْتِمَامِ (أَوْ أَحْرَمَ بِحَاضِرٍ، فَانْصَرَفَ) الْحَاضِرُ (قَبْلَ إحْرَامِهِ) مَعَهُ، وَلَمْ يَعُدْ، وَلَمْ يَدْخُلْ غَيْرُهُ مَعَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعِهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ (أَوْ عَيَّنَ إمَامًا) بِأَنْ نَوَى أَنَّهُ يُصَلِّي خَلْفَ زَيْدٍ فَأَخْطَأَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ (أَوْ) عَيَّنَّ (مَأْمُومًا وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُمَا) أَيْ: الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (وَهُوَ) أَيْ: الْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِ تَعْيِينِهِمَا.
(الْأَصَحُّ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ (فَأَخْطَأَ) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: عَيَّنَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا: أَنَّهُ لَوْ وَصَفَهُ فِي غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهُ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعُلِمَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ: وَقُلْنَا لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُمَا: أَنَّا إذَا قُلْنَا يَجِبُ تَعْيِينُهُمَا فَعَيَّنَهُمَا وَأَخْطَأَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ " تَتِمَّةٌ " وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: عَيَّنَ إمَامًا إلَخْ أَنَّهُ لَوْ ظَنَّهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي التَّعْيِينِ، لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ وَالْخَطَأُ مَعْفُوٌّ لَهُ عَنْهُ (أَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ وَهُوَ لَا يَرْجُو مَجِيءَ أَحَدٍ) يَأْتَمُّ بِهِ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ، وَلَوْ حَضَرَ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَجِيئِهِ.
(وَإِنْ نَوَى الْإِمَامَةَ ظَانًّا حُضُورَ مَأْمُومٍ) بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ حُضُورُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ (صَحَّ) ذَلِكَ، كَمَا لَوْ عَلِمَهُ وَ (لَا) تَصِحُّ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ (مَعَ الشَّكِّ) فِي حُضُورِ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ، كَمَا لَوْ عَلِمَ عَدَمَ مَجِيئِهِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (فَإِنْ) نَوَى الْإِمَامَةَ ظَانًّا حُضُورَ مَأْمُومٍ (فَلَمْ يَحْضُرْ، لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ، وَكَذَا لَوْ حَضَرَ وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ، لَا إنْ دَخَلَ ثُمَّ انْصَرَفَ قَبْلَ إتْمَامِهِ صَلَاتَهُ فَإِنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ لَا تَبْطُلُ وَيُتِمُّهَا مُنْفَرِدًا (وَإِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (أَوْ) أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى (الْإِمَامَةَ لَمْ يَصِحَّ فَرْضًا كَانَتْ) الصَّلَاةُ (أَوْ نَفْلًا) كَالتَّرَاوِيحِ وَالْوَتْرِ، لِمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ قَالَ الْمَجْدُ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا (وَالْمَنْصُوصُ صِحَّةُ الْإِمَامَةِ) مِمَّنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا (فِي النَّفْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ) عِنْدَ الْمُوَفَّقِ وَمَنْ تَابَعَهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ، فَقُمْت عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ
أَنَسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قُلْت: وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَوَى الْإِمَامَةَ ابْتِدَاءً لِظَنِّهِ حُضُورَهُمْ (وَإِنْ أَحْرَمَ مَأْمُومًا ثُمَّ نَوَى الِانْفِرَادَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ، كَتَطْوِيلِ إمَامٍ وَ) (كَمَرَضٍ، وَ) كَ (غَلَبَةِ نُعَاسٍ أَوْ) غَلَبَةِ (شَيْءٍ يُفْسِدُ صَلَاتَهُ) كَمُدَافَعَةِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ (أَوْ خَوْفٍ عَلَى أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ) خَوْفِ (فَوْتِ رُفْقَةٍ أَوْ خَرَجَ مِنْ الصَّفِّ مَغْلُوبًا) لِشِدَّةِ زِحَامٍ.
(وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ وَنَحْوِهِ) أَيْ: نَحْوِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَعْذَارِ (صَحَّ) انْفِرَادُهُ فَيُتِمُّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا لِحَدِيثِ جَابِرٍ «قَالَ: صَلَّى مُعَاذٌ بِقَوْمِهِ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَتَأَخَّرَ رَجُلٌ فَصَلَّى وَحْدَهُ فَقِيلَ لَهُ: نَافَقْتَ: قَالَ مَا نَافَقْتُ، وَلَكِنْ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُخْبِرُهُ فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ مَرَّتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ نَوَى الْإِمَامُ الِانْفِرَادَ لِعُذْرٍ وَمَحَلُّ إبَاحَةِ الْمُفَارَقَةِ لِعُذْرٍ (إنْ اسْتَفَادَ) مَنْ فَارَقَ لِتَدَارُكِ شَيْءٍ يَخْشَى فَوْتَهُ، أَوْ غَلَبَةِ نُعَاسٍ، أَوْ خَوْفِ ضَرَرٍ، وَنَحْوِهِ (بِمُفَارَقَتِهِ) إمَامَهُ (تَعْجِيلَ لُحُوقِهِ قَبْلَ فَرَاغِ إمَامِهِ) مِنْ صَلَاتِهِ، لِيَحْصُلَ مَقْصُودُهُ مِنْ الْمُفَارَقَةِ (فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يُعَجِّلُ وَلَا يَتَمَيَّزُ انْفِرَادُهُ عَنْهُ بِنَوْعِ تَعْجِيلٍ لَمْ يَجُزْ) لَهُ الِانْفِرَادُ، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ وَأَمَّا مَنْ عُذْرُهُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّفِّ فَلَهُ الْمُفَارَقَةُ مُطْلَقًا.
لِأَنَّ عُذْرَهُ خَوْفُ الْفَسَادِ بِالْفِدْيَةِ وَذَلِكَ يُتَدَارَكُ بِالسُّرْعَةِ (فَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ وَهُوَ) أَيْ: الْمَأْمُومُ (فِي الصَّلَاةِ، فَلَهُ الدُّخُولُ مَعَ الْإِمَامِ) فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَيُتِمُّهُ مَعَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ الدُّخُولُ مَعَهُ (فَإِنْ فَارَقَهُ) أَيْ: فَارَقَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ لِعُذْرٍ مِمَّا تَقَدَّمَ (فِي قِيَامٍ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ (الْفَاتِحَةَ قَرَأَ) الْمَأْمُومُ لِنَفْسِهِ، لِصَيْرُورَتِهِ مُنْفَرِدًا قَبْلَ سُقُوطِ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ عَنْهُ بِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ (وَ) إنْ فَارَقَهُ الْمَأْمُومُ (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَ (لَهُ الرُّكُوعُ فِي الْحَالِ) لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لِلْمَأْمُومِ.
(وَ) إنْ فَارَقَهُ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ: الْقِرَاءَةِ (يُكَمِّلُ مَا بَقِيَ) مِنْ الْفَاتِحَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةِ سِرٍّ) كَظُهْرٍ وَعَصْرٍ، أَوْ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ مَثَلًا وَفَارَقَ الْإِمَامَ لِعُذْرٍ بَعْدَ قِيَامِهِ.
(وَظَنَّ أَنَّ إمَامَهُ قَرَأَ لَمْ يَقْرَأْ) أَيْ: لَمْ تَلْزَمْهُ الْقِرَاءَةُ، إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ قُلْتُ وَالِاحْتِيَاطُ الْقِرَاءَةُ (وَإِنْ فَارَقَهُ) لِعُذْرٍ (فِي ثَانِيَةِ الْجُمُعَةِ) وَقَدْ أَدْرَكَ الْأُولَى مَعَهُ (أَتَمَّ جُمُعَةً) لِأَنَّ الْجُمُعَةَ تُدْرَكُ بِرَكْعَةٍ وَقَدْ أَدْرَكَهَا مَعَ الْإِمَامِ (فَإِنْ فَارَقَهُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) مِنْ الْجُمُعَةِ (فَكَمَزْحُومٍ فِيهَا حَتَّى تَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ)
فَيُتِمُّهَا نَفْلًا، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ.
(وَإِنْ كَانَ) انْفِرَادُ الْمَأْمُومِ عَنْ الْإِمَامِ (لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَصِحَّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا تَخْتَلِفُوا عَلَى أَئِمَّتِكُمْ " وَلِأَنَّهُ تَرَكَ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ وَانْتَقَلَ مِنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى بِغَيْرِ عُذْرٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَلَهَا إلَى النَّفْلِ، أَوْ تَرَكَ الْمُتَابَعَةَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الِانْفِرَادِ (وَإِنْ أَحْرَمَ إمَامٌ ثُمَّ صَارَ مُنْفَرِدًا لِعُذْرٍ، مِثْلِ أَنْ سَبَقَ الْمَأْمُومَ الْحَدَثُ، أَوْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَنَوَى الِانْفِرَادَ) قُلْت: أَوْ لَمْ يَنْوِهِ (صَحَّ) وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ أَتَمَّهَا إمَامُهُ مُنْفَرِدًا قَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهَا لَا ضِمْنَهَا وَلَا مُتَعَلِّقَةً بِهَا بِدَلِيلِ سَهْوِهِ وَعِلْمِهِ بِحَدَثِهِ وَعَنْهُ تَبْطُلُ وَذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
(وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ) لِارْتِبَاطِهَا بِهَا (لَا عَكْسُهُ) أَيْ: لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ إمَامٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَأْمُومٍ لِمَا تَقَدَّمَ (سَوَاءٌ كَانَ) بُطْلَانُ صَلَاةِ الْإِمَامِ (لِعُذْرٍ، كَأَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ) وَالْمَرَضُ، أَوْ حُصِرَ عَنْ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، (أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ كَأَنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمُبْطِلَاتِ) لِلصَّلَاةِ لِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ مَرْفُوعًا «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّد.
(فَلَا اسْتِخْلَافَ لِلْمَأْمُومِ) إذَا سَبَقَ إمَامَهُ الْحَدَثُ، وَالِاسْتِخْلَافُ أَيْضًا لِلْإِمَامِ (وَلَا يَبْنِي) الْمَأْمُومُ (عَلَى صَلَاةِ إمَامِهِ) حِينَئِذٍ، بَلْ يَسْتَأْنِفُهَا لِبُطْلَانِهَا (وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ) إذَا كَانَ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِعُذْرٍ، بِأَنْ يَسْبِقَهُ الْحَدَثُ (وَيُتِمُّونَهَا) إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ بُطْلَانِهَا (جَمَاعَةً بِغَيْرِهِ) يَسْتَخْلِفُونَهُ، أَيْ: الْإِمَامَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا بِجَمَاعَتَيْنِ (أَوْ) يُتِمُّونَهَا (فُرَادَى، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ) أَيْ اخْتَارَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ لِعُذْرٍ: جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ (فَعَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ الْبُطْلَانِ.
(لَوْ نَوَى) أَيْ: أَحَدُ الْمَأْمُومِينَ (الْإِمَامَةَ لِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ لَهُ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ صَحَّ) ذَلِكَ مِنْهُ لِلْعُذْرِ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا طُعِنَ أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِفِعْلِ عَلِيٍّ رَوَاهُ سَعِيدٌ.
(وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ) لِزَوَالِ شَرْطِهَا، وَهُوَ الطَّهَارَةُ (كَتَعَمُّدِهِ لِذَلِكَ) الْحَدَثِ (وَلَهُ) أَيْ: لِلْإِمَامِ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُتِمُّ الصَّلَاةَ بِمَأْمُومٍ وَلَوْ) كَانَ الَّذِي يَسْتَخْلِفُهُ (مَسْبُوقًا) لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ (أَوْ) كَانَ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ (مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ الصَّلَاةَ) بِأَنْ اسْتَخْلَفَ
مَنْ كَانَ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا (وَيَسْتَخْلِفُ الْمَسْبُوقَ) الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ (مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِي بِمَا) بَقِيَ (عَلَيْهِ) مِنْ صَلَاتِهِ وَتَكُونُ هَذِهِ الصَّلَاةُ بِثَلَاثَةِ أَئِمَّةٍ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ الْمَسْبُوقُ) .
مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ (وَسَلَّمُوا مُنْفَرِدِينَ، أَوْ انْتَظَرُوا) الْمَسْبُوقَ (حَتَّى) يَأْتِي بِمَا عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ (يُسَلِّمُ بِهِمْ جَازَ) لَهُمْ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ: يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُهُ حَتَّى يُسَلِّمَ بِهِمْ (وَيَبْنِي الْخَلِيفَةُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (فِي الصَّلَاةِ عَلَى فِعْلٍ) أَيْ: تَرْتِيبِ الْإِمَامِ.
(الْأَوَّلِ) الْمُسْتَخْلِفِ لَهُ، مِنْ حَيْثُ بَلَغَ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ (حَتَّى فِي الْقِرَاءَةِ يَأْخُذُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ) لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُ (وَالْخَلِيفَةُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَعَهُ أَيْ: الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ يَبْتَدِئُ الْفَاتِحَةَ) وَلَا يَبْنِي عَلَى قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَأْمُومًا بِحَالٍ، (لَكِنْ يُسِرُّ مَا كَانَ قَرَأَهُ الْإِمَامُ مِنْهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (ثُمَّ يَجْهَرُ بِمَا بَقِيَ) مِنْ الْقِرَاءَةِ لِيَحْصُلَ الْبِنَاءُ عَلَى فِعْلِ مُسْتَخْلِفِهِ، وَلَوْ صُورَةً (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْخَلِيفَةُ) الْمَسْبُوقُ أَوْ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ (كَمْ صَلَّى) الْإِمَامُ.
(الْأَوَّلُ بَنَى) الْخَلِيفَةُ (عَلَى الْيَقِينِ) كَالْمُصَلِّي يَشُكُّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ (فَإِنْ سَبَّحَ بِهِ الْمَأْمُومُ رَجَعَ إلَيْهِ) لِيَبْنِيَ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَوَّلِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ الْإِمَامُ) الَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ (وَصَلَّوْا) أَيْ: الْمَأْمُومُونَ (وِحْدَانًا) بِكَسْرِ الْوَاو أَيْ: فُرَادَى (صَحَّ) مَا صَلَّوْهُ (وَكَذَا إنْ اسْتَخْلَفُوا) لِأَنْفُسِهِمْ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ فَيَصِحُّ كَمَا لَوْ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ.
(وَمَنْ اُسْتُخْلِفَ فِيمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ) إنْ كَانَ مَسْبُوقًا دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ أَثْنَاءَ تِلْكَ الرَّكْعَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرَكْ رُكُوعَهَا مَعَ الْإِمَامِ (اعْتَدَّ بِهِ الْمَأْمُومُ) لِأَنَّهُ أَدْرَكَ رُكُوعَهَا مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ وَلُغِيَتْ الرَّكْعَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْبُوقِ الْمُسْتَخْلَفِ قَالَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
(وَقَالَ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ حَامِدٍ بْنِ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ (إنْ اسْتَخْلَفَهُ، يَعْنِي مَنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرُّكُوعِ، أَوْ) اسْتَخْلَفَهُ (فِيمَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الرُّكُوعِ (قَرَأَ) الْخَلِيفَةُ (لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهَا عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَانْتَظَرَهُ الْمَأْمُومُ) حَتَّى يَقْرَأَ (ثُمَّ رَكَعَ وَلَحِقَ الْمَأْمُومَ) لِيَحْصُلَ الِاعْتِدَادُ بِالرَّكْعَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (وَهُوَ) أَيْ: مَا قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ (مُرَادُ غَيْرِهِ) مِنْ الْأَصْحَابِ (وَلَا بُدَّ مِنْهُ) يَعْنِي إذَا أَرَادَ الِاعْتِدَادَ بِالرَّكْعَةِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ: أَنْ لَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ كَلَامَ غَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى كَلَامِهِ وَهُمَا كَمَا فِي الْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ قَوْلَانِ مُتَقَابِلَانِ وَلَيْسَ اعْتِدَادُهُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ضَرُورِيًّا إذًا لَا مَحْذُورَ فِي بِنَائِهِ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِمَامِ، ثُمَّ يَأْتِي بِمَا سَبَقَ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ.
(وَإِنْ اسْتَخْلَفَ كُلُّ طَائِفَةٍ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ (رَجُلًا) مِنْهُمْ فَصَلَّى بِهِمْ صَحَّ (وَاسْتَخْلَفَ بَعْضُهُمْ وَصَلَّى الْبَاقُونَ فُرَادَى صَحَّ) ذَلِكَ كَمَا لَوْ اسْتَخْلَفَ كُلُّهُمْ، أَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفُوا كُلُّهُمْ.
وَإِنْ اسْتَخْلَفَ امْرَأَةً وَفِيهِمْ رَجُلٌ أَوْ أُمِّيًّا، وَفِيهِمْ قَارِئٌ، صَحَّتْ صَلَاةُ الْمُسْتَخْلَفِ بِالنِّسَاءِ وَالْأُمِّيِّينَ فَقَطْ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (هَذَا) الَّذِي ذُكِرَ مِنْ أَحْكَامِ الِاسْتِخْلَافِ (كُلُّهُ عَلَى الرِّوَايَةِ) الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُفَرَّعًا عَلَى ضَعِيفٍ، عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ فَرَّعُوا هَذِهِ الْمَسَائِلَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ قَالُوا: وَكَذَا الِاسْتِخْلَافُ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ، مِمَّا يَأْتِي فَاحْتَاجَ إلَى بَيَانِ هَذِهِ، لِيُعْلَمَ مِنْهَا أَحْكَامُ الِاسْتِخْلَافِ لِلْمَرَضِ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَمَحَلُّهُ) أَيْ: مَحَلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاسْتِخْلَافِ لِسَبْقِ الْحَدَثِ: (فِيمَا إذَا كَانَ ابْتِدَاءُ الْإِمَامِ صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ) ابْتِدَاءُ صَلَاتِهِ.
(فَاسِدًا كَأَنْ ذَكَرَ) الْإِمَامُ (الْحَدَثَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَلَا) اسْتِخْلَافَ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لَمْ تَنْعَقِدْ ابْتِدَاءً (وَلَهُ) أَيْ: لِلْإِمَامِ (الِاسْتِخْلَافُ لِحُدُوثِ مَرَضٍ أَوْ حُدُوثِ خَوْفٍ أَوْ) لِأَجْلِ (حَصْرِهِ عَنْ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِهِ) كَالتَّكْبِيرِ، أَوْ التَّسْمِيعِ، أَوْ التَّشَهُّدِ أَوْ السَّلَامِ، لِوُجُودِ الْعُذْرِ الْحَاصِلِ لِلْإِمَامِ، مَعَ بَقَاءِ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِخِلَافِ مَا إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ ثُمَّ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ تَبَعًا لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ سَبَقَ الْإِمَامُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ) .
ثُمَّ سَلَّمَ الْإِمَامُ (فَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا) صَحَّ (أَوْ ائْتَمَّ مُقِيمٌ بِمِثْلِهِ) فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمَا (إذَا سَلَّمَ إمَامٌ مُسَافِرٌ صَحَّ) ذَلِكَ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ جَمَاعَةٍ إلَى جَمَاعَةٍ أُخْرَى لِعُذْرٍ فَجَازَ كَالِاسْتِخْلَافِ وَاسْتَدَلَّ فِي الشَّرْحِ بِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَأَخَّرَ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى.
قُلْت: لَيْسَ غَرَضُ الشَّارِحِ أَنَّ قَضِيَّةَ أَبِي بَكْرٍ هِيَ هَذِهِ الْمَذْكُورَةُ بَلْ تُشْبِهُهَا مِنْ حَيْثُ الِانْتِقَالُ مِنْ جَمَاعَةٍ إلَى جَمَاعَةٍ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مُؤْتَمِّينَ بِأَبِي بَكْرٍ فَصَارُوا مُؤْتَمِّينَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَصَلَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ الْجَامِعُ، وَهُوَ الْمُشَابَهَةُ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ جَمَاعَةٍ إلَى أُخْرَى وَمَحَلُّ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمَسْبُوقِ بِمِثْلِهِ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ: (فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ) (فَلَا) يَصِحُّ ذَلِكَ (فِيهَا) أَيْ: فِي الْجُمُعَةِ (لِأَنَّهَا إذَا أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ مَرَّةً لَمْ تُقَمْ فِيهِ) مَرَّةً (ثَانِيَةً) قَالَهُ الْقَاضِي: وَفِيهِ نَظَرٌ.
إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إقَامَةٌ ثَانِيَةٌ وَإِنَّمَا هُوَ تَكْمِيلٌ لَهَا بِجَمَاعَةٍ وَغَايَتُهُ: أَنَّهَا فُعِلَتْ بِجَمَاعَتَيْنِ وَهَذَا لَا يَضُرُّ، كَمَا لَوْ صُلِّيَتْ الرَّكْعَةُ الْأُولَى مِنْهَا بِسِتِّينَ، ثُمَّ فَارَقَهُ عِشْرُونَ، وَصُلِّيَتْ الثَّانِيَةُ بِأَرْبَعِينَ وَقِيلَ: لَعَلَّهُ لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ لَهَا، فَيَلْزَمُ لَوْ ائْتَمَّ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ بِآخَرَ تَصِحُّ.
(وَ) إنْ أَمَّ مَنْ لَمْ يَنْوِهِ أَوَّلًا، وَلَوْ بِاسْتِخْلَافٍ (بِلَا عُذْرِ السَّبْقِ) وَالْقَصْر الْمَذْكُورَيْنِ (لَا يَصِحُّ) لِأَنَّ مُقْتَضَى
الدَّلِيلِ مَنْعُهُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ جَوَازُهُ فِي مَحَلِّ الْعُذْرِ لِقَضِيَّةِ عُمَرَ فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ (وَإِنْ أَحْرَمَ إمَامٌ لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ) أَيْ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ أَوْ غَيْرَهُ.
(أَوْ) لِ (إذْنِهِ) أَيْ: إذْنِ إمَامِ الْحَيِّ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ مَكَانَهُ (ثُمَّ حَضَرَ) إمَامُ الْحَيِّ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (فَأَحْرَمَ بِهِمْ) أَيْ بِالْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ أَحْرَمُوا وَرَاءَ نَائِبِهِ (وَبَنَى) إمَامُ الْحَيِّ (عَلَى) تَرْتِيبِ (صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، وَصَارَ الْإِمَامُ) الَّذِي أَحْرَمَ أَوَّلًا (مَأْمُومًا جَازَ) ذَلِكَ (وَصَحَّ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فَحَانَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ (وَالْأَوْلَى) لِلْإِمَامِ (تَرْكُهُ) ذَلِكَ وَيَدَعُ الْخَلِيفَةَ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
[بَابُ آدَابِ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ]
(بَابُ) (آدَابِ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ) أَيْ: التَّوَجُّهِ إلَيْهَا وَالْخُرُوجِ لَهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ (يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ إلَيْهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (مُتَطَهِّرًا بِخَوْفٍ وَخُشُوعٍ) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَقُولَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ صَلَاةٍ: بِسْمِ اللَّهِ، آمَنْتُ بِاَللَّهِ اعْتَصَمْتُ بِاَللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ (أَوْ أُضَلَّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ الضَّلَالِ وَهُوَ ضِدُّ الْهِدَايَةِ (أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ) مِنْ الزَّلَلِ (أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ) مِنْ الظُّلْمِ، وَهُوَ الْجَوْرُ (أَوْ أَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ) مِنْ الْجَهْلِ وَهُوَ إدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، وَالْفِعْلُ الْأَوَّلُ فِي الْكُلِّ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ وَالثَّانِي لِلْمَفْعُولِ (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَمْشِيَ إلَيْهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ: هُوَ بِمَعْنَى السَّكِينَةِ وَذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَأَنَّ السَّكِينَةَ التَّأَنِّي فِي الْحَرَكَاتِ، وَاجْتِنَابُ الْعَبَثِ، وَالْوَقَارُ فِي الْهَيْئَةِ كَغَضِّ الطَّرْفِ، وَخَفْضِ الصَّوْتِ، وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: حَدِيثُ الصَّحِيحِ «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» .
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُقَارِبَ خُطَاهُ) لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ فَإِنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ يُكْتَبُ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي، وَأَنَا مَعَهُ، فَقَارَبَ فِي الْخُطَى، ثُمَّ قَالَ: تَدْرِي لِمَ فَعَلْتُ هَذَا؟ لِتَكْثُرَ خُطَايَ فِي طَلَبِ الصَّلَاةِ» (وَيُكْرَهُ أَنْ يُشَبِّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ مِنْ حِينِ) .
وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ حَيْثُ (يَخْرُجُ) مِنْ بَيْتِهِ قَاصِدًا الْمَسْجِدَ لِخَبَرِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَتَقَدَّمَ (وَهُوَ) أَيْ: التَّشْبِيكُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ (فِي الْمَسْجِدِ أَشَدُّ كَرَاهَةً) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُشْبِكَنَّ فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إذَا كَانَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ فَإِنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ «لَمَّا انْتَقَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الصَّلَاةِ الَّتِي سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» .
(وَ) تَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ (فِي الصَّلَاةِ أَشَدُّ وَأَشُدُّ) كَرَاهَةً لِقَوْلِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ " إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَفَرَّجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَصَابِعِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مُشَبِّكٌ " تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ " (يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ) ذِكْرُهُ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك، وَحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا» قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْبَطَرُ الْأَشَرُ وَهُوَ شِدَّةُ الْمَرَحِ،.
وَالْمَرَحُ شِدَّةُ الْفَرَحِ وَالنَّشَاطِ «وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً» ) الرِّيَاءُ: إظْهَارُ الْعَمَلِ لِلنَّاسِ، لِيَرَوْهُ وَيَظُنُّوا بِهِ خَيْرًا وَالسُّمْعَةُ: إظْهَارُ الْعَمَلِ لِيَسْمَعَهُ النَّاسُ «خَرَجْت اتِّقَاءَ سَخَطِكَ» ) أَيْ غَضَبِكَ «وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِك أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذنِي مِنْ النَّارِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَنْ يَقُولَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْك، وَأَقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْك، وَأَفْضَلِ مَنْ سَأَلَك وَرَغِبَ إلَيْك، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا) أَيْ: عَظِيمًا كَمَا يُفِيدهُ التَّنْكِيرُ.
(وَفِي قَبْرِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي) أَيْ: نُطْقِي (نُورًا) اسْتِعَارَةً لِلْعِلْمِ وَالْهُدَى (وَفِي سَمْعِي نُورًا) لِيَتَحَلَّى بِأَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ، وَيَتَجَلَّى لَهُ بِصُنُوفِ الْحَقَائِقِ (وَفِي بَصَرِي نُورًا) لِيَنْكَشِفَ بِهِ الْحَقُّ.
(وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا) لِأَكُونَ مَحْفُوفًا بِالنُّورِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَإِيذَانًا بِتَجَاوُزِ النُّورِ عَنْ قَلْبِهِ
وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ إلَى سَائِرِ جِهَاتِهِ، لِيَهْتَدِيَ كُلُّ أَتْبَاعِهِ.
(وَفِي عَصَبِي نُورًا، وَفِي لَحْمِي نُورًا، وَفِي دَمِي نُورًا، وَفِي شَعْرِي نُورًا، وَفِي بَشَرِي) أَيْ: جِلْدِي (نُورًا، وَفِي نَفْسِي) أَيْ: ذَاتِي (نُورًا) أَيْ اجْعَلْ لِي نُورًا شَامِلًا لِلْأَنْوَارِ السَّابِقَةِ وَغَيْرِهَا (وَأَعْظِمْ لِي نُورًا) أَيْ: أَجْذِلْ مِنْ عَطَائِك نُورًا عَظِيمًا لَا يَكْتَنِهُ كُنْهُهُ (وَاجْعَلْ لِي نُورًا، اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا، وَزِدْنِي نُورًا) .
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ فَوْقِي نُورًا وَمِنْ تَحْتِي نُورًا وَأَعْطِنِي نُورًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَإِنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ لَمْ يَسْعَ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: سَعَى فِي مَشْيِهِ، هَرْوَلَ وَعَدَا فِي مَشْيِهِ عَدْوًا، مِنْ بَابِ قَالَ قَارَبَ الْهَرْوَلَةَ وَهُوَ دُونَ الْجَرْيِ وَذَلِكَ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ طَمِعَ فِي إدْرَاكِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَهُوَ أَنْ يُدْرِكَ الصَّلَاةَ) أَيْ: مَوْقِفَهُ لِلصَّلَاةِ (قَبْلَ) أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ (تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَيَكُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ إذَا كَبَّرَ لِلِافْتِتَاحِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْرِعَ شَيْئًا، مَا لَمْ تَكُنْ عَجَلَةٌ تُقْبَحُ) نَصَّ عَلَيْهِ.
وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ (وَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ أَوْ الْجُمُعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ) لَهُ (الْإِسْرَاعُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْجَبِرُ إذَا فَاتَ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ.
وَتَأْتِي فَضِيلَةُ إدْرَاكِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فِي) بَابِ (صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى) فِي الدُّخُولِ، لِمَا تَقَدَّمَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِسْمِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «أَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ: مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ «وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ» .
«الْحَمْدُ لِلَّهِ» رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ «اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَيْسَ فِيهِ " وَسَلِّمْ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي» رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ «وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
«وَإِذَا خَرَجَ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ وَيَقُولُ أَيْضًا: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ» لِمَا رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ تَدَاعَتْ جُنُودُ إبْلِيسِ وَاجْتَلَبَتْ إلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ النَّحْلُ عَلَى يَعْسُوبِهَا فَإِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ فَإِنَّهَا لَمْ تَضُرَّهُ» .
وَالْيَعْسُوبُ: ذَكَرُ النَّحْلِ وَقِيلَ: أَمِيرُهَا.
(فَإِذَا
دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، إنْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ وَيَأْتِي) ذَلِكَ (آخِرَ الْجُمُعَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْمَجَالِسِ) لِلْخَبَرِ (وَلَا يُفَرْقِعْ أَصَابِعَهُ) لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ (وَيَشْتَغِلُ بِالطَّاعَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ أَوْ يَسْكُتُ) إنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِذَلِكَ وَالِاشْتِغَالُ بِذَلِكَ أَفْضَلُ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَخُوضَ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا) فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ كَمَا فِي الْخَبَرِ (فَمَا دَامَ كَذَلِكَ) أَيْ: مُشْتَغِلًا بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ أَوْ سَاكِتًا مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ (فَهُوَ فِي صَلَاةٍ وَالْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا لَمْ يُؤْذِ أَوْ يُحْدِثْ) لِلْخَبَرِ.
[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]
وَبَيَانُ مَا يُكْرَهُ فِيهَا وَأَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُسَنُّ أَنْ يَقُومَ إمَامٌ) عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ (فَمَأْمُومٌ غَيْرُ مُقِيمٍ إلَى الصَّلَاةِ) يَقُومُ (عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ " رَوَاهُ ابْنُ أَبِي أَوْفَى وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ فَاسْتُحِبَّتْ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ.
وَإِنَّمَا اُسْتُثْنِيَ الْمُقِيمُ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْإِقَامَةِ كُلِّهَا قَائِمًا كَالْأَذَانِ وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ قِيَامِ الْمَأْمُومِ عِنْد قَوْلِهِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ (إنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَوْ لَمْ يَرَهُ الْمَأْمُومُ) قَالَهُ الْمُوَفَّقُ.
وَفِي الشَّرْحِ: إنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ قَامُوا قَبْلَ رُؤْيَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَفِي الْإِنْصَافِ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقُومُ حَتَّى يَرَى الْإِمَامَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ اهـ لِقَوْلِ أَبِي قَتَادَةَ: «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ إلَيْهَا هُوَ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا، لِيَشْمَلَ جُلُوسَ الْعَاجِزِ عَنْهُ وَلَا يُحْرِمُ الْإِمَامُ حَتَّى تَفْرَغَ الْإِقَامَةُ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ جُلِّ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ (وَإِنْ كَانَ) الْإِمَامُ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (وَلَمْ يَعْلَمْ قُرْبَهُ لَمْ يَقِمْ حَتَّى يَرَاهُ) لِلْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (وَلَيْسَ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالتَّكْبِيرِ دُعَاءٌ مَسْنُونٌ نَصًّا)