كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 288-327
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[بَابُ السَّلَمِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الدَّيْنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

(بَابُ السَّلَمِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الدَّيْنِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: السَّلَمُ وَالسَّلَفُ وَاحِدٌ فِي قَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ، إلَّا أَنَّ السَّلَفَ يَكُونُ قَرْضًا لَكِنَّ السَّلَمَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالسَّلَفَ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَسُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ، وَسَلَفًا لِتَقْدِيمِهِ (وَهُوَ) أَيْ السَّلَمُ (عَقْدٌ عَلَى)

شَيْءٍ يَصِحُّ بَيْعُهُ (مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ) وَهِيَ وَصْفٌ يَصِيرُ بِهِ الْمُكَلَّفُ أَهْلًا لِلْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامُ (مُؤَجَّلٌ) أَيْ الْمَوْصُوفُ (بِثَمَنٍ) مُتَعَلِّقٌ بِعَقْدٍ (مَقْبُوضٍ) أَيْ الثَّمَنِ (فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ قَبْضَ الثَّمَنِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهِ لَا إنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَقِيقَتِهِ فَالْأَوْلَى: أَنَّهُ بَيْعٌ مَوْصُوفٌ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَجَلٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَلِيلُهُ مِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] وَمِنْ السُّنَّةِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ.

(وَيُشْتَرَطُ لَهُ) أَيْ السَّلَمِ (مَا يُشْتَرَطُ لِلْبَيْعِ) لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ (إلَّا أَنَّهُ) أَيْ السَّلَمَ لَا (يَجُوزُ) إلَّا (فِي الْمَعْدُومِ) لِمَا يَأْتِي بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمَوْجُودِ وَفِي الْمَعْدُومِ بِالصِّفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْمُرَادُ بِالْمَعْدُومِ هُنَا: الْمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ جِنْسُهُ مَوْجُودًا.

(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (بِلَفْظِ بَيْعٍ) كَابْتَعْتُ مِنْكَ قَمْحًا صِفَتُهُ كَذَا وَكَيْلُهُ كَذَا إلَى كَذَا لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ.
(وَ) يَصِحُّ أَيْضًا بِلَفْظِ (سَلَمٍ وَسَلَفٍ) لِأَنَّهُ مَا حَقِيقَةٌ فِيهِ (وَ) يَصِحُّ أَيْضًا (بِكُلِّ مَا يَصِحُّ بِهِ الْبَيْعُ) كَتَمَلَّكْتُ، وَاتَّهَبْتُ وَنَحْوِهِ (وَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (إلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ) تَأْتِي مُفَصَّلَةً.

(أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ) السَّلَمُ (فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ) لِأَنَّ مَا لَا تَنْضَبِطُ صِفَاتُهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا فَيُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالْمَطْلُوبُ عَدَمُهَا، بِأَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ (مِنْ الْمَكِيلِ مِنْ حُبُوبٍ وَغَيْرِهَا) كَأَدْهَانٍ وَأَلْبَانٍ (وَالْمَوْزُونُ مِنْ الْأَخْبَازِ وَاللُّحُومِ النِّيئَةِ، وَلَوْ مَعَ عَظْمِهِ) لِأَنَّهُ كَنَوَى فِي التَّمْرِ (إنْ عُيِّنَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ، كَلَحْمِ فَخِذٍ وَجَنْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) فَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِيهِ بِعَظْمِهِ، لِاخْتِلَافِهِ.
(وَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُ) إذَا أَسْلَمَ فِي لَحْمِ (بَقَرٍ) أَوْ جَوَامِيسَ (أَوْ غَنَمٍ) الْأَوْلَى إسْقَاطُهُمَا، كَمَا يَأْتِي فِي نَظَائِرِهِ (أَوْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ جَذَعٍ أَوْ أُنْثَى) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (خَصِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ رَضِيعٍ أَوْ فَطِيمٍ، مَعْلُوفَةٍ، أَوْ رَاعِيَةٍ أَوْ سَمِينٍ أَوْ هَزِيلٍ) لِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَاعْتُبِرَ بَيَانُهَا.

(وَيَلْزَمُ) الْمُسْلِمَ إذَا أَسْلَمَ فِي اللَّحْمِ وَأَطْلَقَ (قَبُولُ اللَّحْمِ بِعِظَامِهِ) لِأَنَّ اتِّصَالَهُ بِهَا اتِّصَالُ خِلْقَةٍ (كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ) .

(فَإِنْ كَانَ السَّلَمُ فِي لَحْمِ طَيْرٍ لَمْ يَحْتَجْ) فِي الْوَصْفِ (إلَى

ذِكْرِ الْأُنُوثِيَّةِ وَالذُّكُورِيَّةِ إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ) اللَّحْمُ (بِذَلِكَ) أَيْ بِالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ (كَلَحْمِ الدَّجَاجِ) فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ.
(وَلَا) يَحْتَاجُ أَيْضًا فِي السَّلَمِ فِي الطَّيْرِ (إلَى ذِكْرِ مَوْضِعِ الْقَطْعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يُؤْخَذُ مِنْهُ بَعْضُهُ) كَخَمْسَةِ أَرْطَالٍ مِنْ لَحْمِ نَعَامٍ فَيُبَيِّنُ مَوْضِعَ الْقَطْعِ لِاخْتِلَافِ الْعَظْمِ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُسْلِمَ (إذَا أَسْلَمَ فِي لَحْمِ طَيْرٍ قَبُولُ الرَّأْسِ وَالسَّاقَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا لَحْمَ بِهَا.

(وَيَذْكُرُ فِي السَّمَكِ) إذَا أَسْلَمَ فِيهِ (النَّوْعَ) فَيَقُولَ (بَرْدِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ وَ) يَذْكُرَ (وَالْكُبْرَ وَالصُّغْرَ وَالسِّمَنَ وَالْهُزَالَ وَالطَّرِيَّ وَالْمِلْحَ وَلَا) يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ أَنْ (يَقْبَلَ الرَّأْسِ وَالذَّنَبِ وَلَهُ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ مَا بَيْنَ الرَّأْسِ وَالذَّنَبِ بِعِظَامِهِ.

(وَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي اللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ وَلَا) اللَّحْمِ (الْمَشْوِيِّ) لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ.

(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي الشُّحُومِ) كَاللُّحُومِ قِيلَ لِأَحْمَدَ إنَّهُ يَخْتَلِفُ؟ فَقَالَ: كُلُّ سَلَفٍ يَخْتَلِفُ.

(وَ) يَصِحُّ السَّلَمُ فِي (الْمَذْرُوعِ مِنْ الثِّيَابِ) وَالْخُيُوطِ.

(وَأَمَّا الْمَعْدُودُ الْمُخْتَلِفُ فَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي الْحَيَوَانِ مِنْهُ) خَاصَّةً، لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَأَتَّى ضَبْطُهُ (وَلَوْ) كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ (آدَمِيًّا) وَيَأْتِي وَصْفُهُ.

وَ (لَا) يَصِحُّ السَّلَمُ (فِي الْحَوَامِلِ مِنْ الْحَيَوَانِ) بِأَنْ أَسْلَمَ فِي أَمَةٍ حَامِلٍ أَوْ فَرَسٍ حَامِلٍ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ الْحَمْلَ مَجْهُولٌ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ (وَلَا) يَصِحُّ السَّلَمُ (فِي شَاةٍ لَبُونٍ) أَيْ ذَاتِ لَبَنٍ لِأَنَّهُ كَالْحَمْلِ (وَلَا فِي أَمَةٍ وَوَلَدِهَا أَوْ أُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا) وَنَحْوِهَا مِنْ أَقَارِبِهَا (لِنُدْرَةِ جَمْعِهِمَا فِي الصِّفَةِ) .

(وَلَا) يَصِحُّ السَّلَمُ (فِي فَوَاكِهَ مَعْدُودَةٍ) كَالرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالْخَوْخِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ (فَأَمَّا) الْفَوَاكِهُ (الْمَكِيلَةُ كَالرُّطَبِ وَنَحْوِهِ وَ) الْفَوَاكِهُ (الْمَوْزُونَةُ كَالْعِنَبِ وَنَحْوِهِ فَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِيهِ) أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ.

(وَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي بُقُولٍ) لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِالْحَزْمِ.
(وَ) لَا فِي (جُلُودٍ) لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ وَلَا يُمْكِنُ ذَرْعُهَا لِاخْتِلَافِ الْأَطْرَافِ.
(وَ) لَا فِي (رُءُوسٍ وَأَكَارِعَ) لِأَنَّ أَكْثَرَ ذَلِكَ الْعِظَامُ وَالْمَشَافِرُ وَاللَّحْمُ فِيهَا قَلِيلٌ وَلَيْسَتْ مَوْزُونَةً.
(وَ) لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي (بَيْضٍ) لِاخْتِلَافِهِ كُبْرًا وَصِغَرًا (وَ) لَا فِي (رُمَّانٍ وَنَحْوِهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْمَعْدُودَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ (وَلَا) يَصِحُّ السَّلَمُ (فِي أَوَانِي مُخْتَلِفَةٍ رُءُوسٍ وَأَوْسَاطٍ كَقَمَاقِمَ) جَمْعِ قُمْقُمٍ بِضَمِّ الْقَافَيْنِ.
(وَ) كَ (أَصْطَالٍ ضَيِّقَةِ رُءُوسٍ) لِاخْتِلَافِهَا (وَقِيلَ: يَصِحُّ) السَّلَمُ فِيهَا (حَيْثُ يُمْكِنُ ضَبْطُهَا) صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ: فَيَضْبِطُ نَحْو رُمَّانٍ بِوَزْنٍ، وَإِنَاءٍ بِارْتِفَاعِ حَائِطٍ وَدُورٍ أَسْفَلُهُ وَأَعْلَاهُ.

(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِيمَا يُجْمَعُ أَخْلَاطًا) وَاحِدُهَا خِلْطٌ بِكَسْرِ الْخَاءِ (مَقْصُودَةٌ

مُتَمَيِّزَةٌ، كَثِيَابٍ مَنْسُوجَةٍ مِنْ نَوْعَيْنِ) كَإِبْرَيْسَمٍ وَقُطْنٍ لِأَنَّ ضَبْطَهَا مُمْكِنٌ (وَنُشَّابٍ وَنَبْلٍ مُرَيَّشَيْنِ وَخِفَافٍ وَرِمَاحٍ مُتَوَّزَةٍ وَنَحْوِهَا) لِإِمْكَانِ ضَبْطِهَا بِالصِّفَةِ وَ (لَا) يَصِحُّ السَّلَمُ (فِيمَا يَجْمَعُ أَخْلَاطًا) غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ (كَقِسِيٍّ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى خَشَبٍ وَقَرْنٍ وَعَصَبٍ وَتَوْزٍ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَسُكُونِ الْوَاوِ (وَنَحْوِهَا) كَطِلَاءٍ إذْ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُ مَا فِي الْقَوْسِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ.

(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي شَهْدٍ وَهُوَ الْعَسَلُ فِي شَمْعِهَا وَزْنًا) لِأَنَّهُ اتِّصَالُ خِلْقَةٍ كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ وَالْعَظْمِ فِي اللَّحْمِ.

(وَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ كَالْجَوَاهِرِ كُلِّهَا مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ وَعَقِيقٍ وَشَبَهِهِ) كَلُؤْلُؤٍ وَمِرْجَانٍ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا بِالْكُبْرِ وَالصُّغْرِ وَحُسْنِ التَّدْوِيرِ وَزِيَادَةِ ضَوْئِهَا وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِبَيْضِ الْعُصْفُورِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَلَا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ.

(وَلَا) يَصِحُّ السَّلَمُ (فِي عَيْنٍ مِنْ عَقَارٍ وَشَجَرٍ نَابِتٍ وغَيْرِهِمَا) لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ يُمْكِنُ بَيْعُهُ فِي الْحَالِ فَلَا حَاجَةَ إلَى السَّلَمِ فِيهِ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا تَلِفَ قَبْلَ أَوَانِ تَسْلِيمِهِ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَ مِكْيَالًا بِعَيْنِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ.

(وَ) لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي مَخْلُوطٍ بِ (مَا لَا يَنْفَعهُ خَلْطٌ كَلَبَنٍ مَشُوبٍ) بِمَاءٍ وَحِنْطَةٍ مَخْلُوطَةٍ بِزَوَانٍ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ (أَوْ لَا يَتَمَيَّزُ كَمَغْشُوشٍ مِنْ أَثْمَانٍ) فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا لِأَنَّ غِشَّهَا يَمْنَعُ الْعِلْمَ بِالْقَدْرِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا (وَ) ك (مَعَاجِينَ وَحَلْوَى وَنَدْوٍ غَالِيَةٍ) فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا لِعَدَمِ ضَبْطِهَا بِصِفَةٍ.

(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِيمَا يُتْرَكُ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِمَصْلَحَةٍ كَالْجُبْنِ يُوضَعُ فِيهِ الْإِنْفَحَةُ، وَالْخُبْزُ يُوضَعُ فِيهِ الْمِلْحُ، وَخَلُّ التَّمْرِ يُوضَعُ فِيهِ الْمَاءُ، وَالسَّكَنْجَبِينُ يُوضَعُ فِيهِ الْخَلُّ وَنَحْوُهَا) كَدُهْنِ وَرْدٍ وَبَنَفْسَجٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِمَصْلَحَةٍ فَلَمْ يُؤَثِّرْ.

(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي أَثْمَانٍ) خَالِصَةٍ (وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ الْأَثْمَانِ (لِأَنَّهُ) يَحْرُمُ النَّسَاءُ بَيْنَ النَّقْدَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ وَ (كُلُّ مَالَيْنِ حَرُمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ) لِفَوَاتِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسْلِمَ بُرًّا فِي شَعِيرٍ وَلَا خُبْزًا فِي جُبْنٍ.

(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي فُلُوسٍ) وَلَوْ نَافِقَةً (عَدَدِيَّةً أَوْ وَزْنِيَّةً وَلَوْ كَانَ رَأْسُ مَالِهَا أَثْمَانًا لِأَنَّهَا) أَيْ الْفُلُوسَ (عَرَضٌ) لَا ثَمَنٌ (وَهَذَا الصَّوَابُ) لَكِنْ تَقَدَّمَ لَكَ فِي الرِّبَا أَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالْأَثْمَانِ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يَصِحُّ إنْ كَانَ رَأْسُ مَالِهَا ثَمَنًا لِفَوَاتِ التَّقَابُضِ (لَكِنْ إنْ كَانَتْ) الْفُلُوسُ (وَزْنِيَّةً) أَيْ يُتَعَامَلُ بِهَا وَزْنًا (فَأَسْلَمَ فِيهَا مَوْزُونًا كَصُوفٍ وَنَحْوِهِ) كَخَزٍّ وَكَتَّانٍ (لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ (لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي عِلَّةِ رِبَا النَّسِيئَةِ)

وَهِيَ الْوَزْنُ.

(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي عَرْضٍ بِعَرْضٍ) إنْ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا رِبَا النَّسِيئَةِ (فَلَوْ جَاءَهُ) أَيْ جَاءَ الْمُسْلِمُ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ (بِعَيْنِ مَا أَخَذَ مِنْهُ عِنْدَ مَحَلِّهِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ حُلُولِهِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْمُسْلِمَ (قَبُولُهُ إنْ اتَّحِدَا صِفَةً) لِأَنَّهُ آتَاهُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ كَمَا لَوْ أَتَاهُ بِغَيْرِهِ وَالْمُثَمَّنُ إنَّمَا هُوَ فِي الذِّمَّةِ وَهَذَا عِوَضٌ عَنْهُ.
(وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ مِثَالِ مَا لَوْ جَاءَ بِعَيْنِ مَا أُخِذَ مِنْهُ (لَوْ أَسْلَمَ جَارِيَةً صَغِيرَةً فِي) جَارِيَةٍ (كَبِيرَةٍ) وَوَصَفَهَا (فَجَاءَ الْمَحَلَّ وَهِيَ) أَيْ الْجَارِيَةُ الْمَأْخُوذَةُ (عَلَى صِفَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ) وَهُوَ الْجَارِيَةُ الْكَبِيرَةُ الْمَوْصُوفَةُ (فَأَحْضَرَهَا) الْمُسْلَمَ إلَيْهِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْمُسْلَمَ (قَبُولُهَا) لِمَا تَقَدَّمَ إنْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةً (فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً لِيَنْتَفِعَ بِالْعَيْنِ) الَّتِي جُعِلَتْ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ (أَوْ لِيَطَأ الْجَارِيَةَ) الَّتِي أَخَذَهَا رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ (ثُمَّ يَرُدّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَجُزْ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَحْرِيمِ الْحِيَلِ.

وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي السُّكَّرِ وَالْفَانِيدِ وَالدِّبْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ لِأَنَّ عَمَلَ النَّارِ فِيهِ مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ مُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالنَّشَّافَةِ وَالرُّطُوبَةِ فَصَحَّ السَّلَمُ فِيهِ كَالْمُجَفَّفِ بِالشَّمْسِ.

[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط السَّلَم أَنْ يَصِفَهُ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ]

فَصْلٌ الشَّرْطُ (الثَّانِي) لِلسَّلَمِ (أَنْ يَصِفَهُ) أَيْ الْمُسْلَمَ فِيهِ (بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ) اخْتِلَافًا (ظَاهِرًا) لِأَنَّ السَّلَمَ عِوَضٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ كَالثَّمَنِ، وَطَرِيقُهُ الرُّؤْيَةُ أَوْ الصِّفَةُ وَالْأَوَّل مُمْتَنِعُ فَتَعَيَّنَ الْوَصْفُ (فَ) عَلَى هَذَا (يَذْكُرُ جِنْسهُ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ (فَيَقُولُ مَثَلًا تَمْرٌ) . (وَ) يَذْكُرُ (نَوْعَهُ فَيَقُول) مَثَلًا (بَرْنِيُّ أَوْ مَعْقِلِيٌّ وَنَحْوُهُ وَ) يَذْكُرُ (قَدْرَ حَبِّهِ فَيَقُولُ: صِغَارًا أَوْ كِبَارًا وَ) يَذْكُرُ (لَوْنَهُ إنْ اخْتَلَفَ) اللَّوْنُ (كالطيرزد) نَوْعٌ مِنْ التَّمْرِ يَكُونُ مِنْهُ أَسْوَدُ وَأَحْمَرُ.
(وَ) يَذْكُرُ (بَلَدَهُ فَيَقُولُ) مَثَلًا (كُوفِيٌّ أَوْ بَصْرِيٌّ و) يَذْكُرُ (حَدَاثَتَهُ وَقِدَمَهُ فَإِنْ أَطْلَقَ الْعَتِيقَ) وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِعَامٍ أَوْ أَكْثَرَ (أَجْزَأ أَيُّ عَتِيقٍ كَانَ) لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ (مَا لَمْ يَكُنْ مُسَوِّسًا وَلَا حَشَفًا) وَهُوَ رَدِيءُ التَّمْرِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
(وَلَا مُتَغَيِّرًا) فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْلَمَ قَبُولُهُ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ مِنْ الْعَيْبِ (وَإِنْ شَرَطَ الْمُسْلِمُ عَتِيقَ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ فَهُوَ عَلَى مَا شَرَطَ) لِوُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ (فَيَقُولُ: حَدِيثٌ أَوْ قَدِيمٌ) بَيَانٌ لِذَكَرِ حَدَاثَتِهِ وَقِدَمِهِ.
(وَ) يَذْكُرُ (جَوْدَتَهُ وَرَدَاءَتَهُ فَيَقُولُ: جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ وَالرُّطَبُ كَالتَّمْرِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ إلَّا الْحَدِيثَ وَالْعَتِيقَ) لِأَنَّهُ يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمُسْلِمِ فِي الرُّطَبِ (مِنْ الرُّطَبِ مَا أَرْطَبَ كُلُّهُ) لِانْصِرَافِ الِاسْمِ إلَيْهِ (وَلَا يَأْخُذُ) مَنْ أَسْلَمَ فِي رُطَبٍ (مُشَدَّخًا) كَمُعَظَّمٍ بُسْرٌ يُغْمَرُ حَتَّى يَنْشَدِخَ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (وَلَا) يَأْخُذُ (مَا قَارَبَ أَنْ يَتْمُرَ) لِعَدَمِ تَنَاوَلْ الِاسْمِ لَهُ.

(وَهَكَذَا) أَيْ كَالرُّطَبِ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ (مَا يُشْبِهُ مِنْ الْعِنَبِ وَالْفَوَاكِهِ) الَّتِي يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا (وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَجْنَاسِ) الَّتِي يُسْلَمُ فِيهَا (يَذْكُرُ فِيهَا مَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ) اخْتِلَافًا ظَاهِرًا (فَالْجِنْسُ وَالْجُودَةُ وَالرَّدَاءَةُ وَالْقَدْرُ شَرْطٌ فِي كُلِّ مُسْلَمٍ فِيهِ) مِنْ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا.
(وَيُمَيِّزُ مُخْتَلِفَ نَوْعٍ وَ) يَذْكُرُ (سِنَّ حَيَوَانٍ) فَيَقُولُ مَثَلًا: بِنْتُ مَخَاضٍ أَوْ لَبُونٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَ) يَذْكُرُ (ذُكُورِيَّتَهُ وَسِمَنَهُ وَرَاعِيًا وَبَالِغًا وَضِدَّهَا) وَهُوَ الْأُنُوثِيَّةُ وَالْهُزَالُ وَالْعَلَفُ وَالصُّغْرُ (وَيَذْكُرُ اللَّوْنَ إذَا كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ مُخْتَلِفًا) لَوْنُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّمْرِ.

(وَيَرْجِعُ فِي سِنِّ الرَّقِيقِ إلَيْهِ) أَيْ الرَّقِيقِ (إنْ كَانَ بَالِغًا) لِأَنَّهُ أَدْرَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ سَيِّدِهِ) فِي قَدْرِ سِنِّهِ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّغِيرِ غَيْرَ مُعْتَدٍ بِهِ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) سَيِّدُهُ سِنَّهُ (رَجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ عَلَى) حَسَبِ (مَا يَغْلِبُ عَلَى ظُنُونِهِمْ تَقْرِيبًا) لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ.

(وَيَصِفُ الْبُرَّ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ: النَّوْعُ، فَيَقُولُ سَلَمُونِي وَالْبَلَد، فَيَقُولُ حُورَانِيٍّ أَوْ بِقَاعِيِّ) إنْ كَانَ بِالشَّامِ أَوْ بُحَيْرِيّ إنْ كَانَ بِمِصْرَ مَثَلًا (وَصِغَارُ الْحَبِّ أَوْ كِبَارُهُ، وَحَدِيثٌ أَوْ عَتِيقٌ وَإِنْ كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ يَخْتَلِفُ لَوْنُهُ ذَكَرَهُ) كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَلَا يُسْلِمُ فِيهِ) أَيْ الْبُرِّ (إلَّا مُصَفًّى) مِنْ تِبْنِهِ وَعُقَدِهِ (وَكَذَلِكَ الشَّعِيرِ وَالْقِطْنِيَّاتِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ) فَيَصِفهَا بِأَوْصَافِ الْبُرِّ (وَيَصِفُ الْعَسَلَ بِالْبَلَدِ) كَمِصْرِيٍّ (وَرَبِيعِيٍّ أَوْ صَيْفِيٍّ، أَبْيَضَ أَوْ أَشْقَرَ أَوْ أَسْوَدَ، جَيِّدٍ أَوْ رَدِيءٍ وَلَهُ مُصَفًّى) مِنْ الشَّمْعِ.

(وَيَذْكُرُ) إذَا أَسْلَمَ فِي صَيْدٍ (آلَةَ صَيْدٍ: أُحْبُولَةً أَوْ كَلْبًا أَوْ فَهْدًا أَوْ غَيْرَهَا) كَبَازٍ وَشَرَكٍ (لِأَنَّ الْأُحْبُولَةَ يُوجَدُ الصَّيْدُ فِيهَا سَلِيمًا وَنَكْهَةُ الْكَلْبِ أَطْيَبُ مِنْ) نَكْهَةِ (الْفَهْدِ) بَلْ أَطْيَبُ الْحَيَوَانَاتِ نَكْهَةً لِكَوْنِهِ مَفْتُوحَ الْفَمِ أَكْثَرَ الْأَوْقَاتِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يُشْتَرَطُ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ.

(وَيَذْكُرُ فِي الرَّقِيقِ قَدْرًا) فَيَقُولُ (خُمَاسِيٌّ أَوْ سُدَاسِيٌّ يَعْنِي خَمْسَةَ أَشْبَارٍ أَوْ سِتَّةَ أَسْوَدُ أَوْ أَبْيَضُ، أَعْجَمِيٌّ أَوْ فَصِيحٌ، وَكَحْلَاءُ أَوْ دَعْجَاءُ) وَالْكَحَلُ مُحَرَّكًا سَوَادُ الْعَيْنِ مَعَ سِعَتِهَا وَالدَّعَجُ أَنْ يَعْلُوَ الْأَجْفَانَ سَوَادٌ خِلْقَةً مَوْضِعَ الْكَحْلِ ذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ (وَتَكَلْثُمُ وَجْهٍ) أَيْ

اسْتِدَارَةٌ (وَبِكَارَةٌ وَثُيُوبَةٌ وَنَحْوُهَا وَ) يَذْكُرُ (كَوْنَ الْجَارِيَةِ) الْمُسْلَمَ فِيهَا (خَمِيصَةً ثَقِيلَةِ الْأَرْدَافِ سَمِينَةً وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُقْصَدُ وَلَا يُطَوِّلُ) فِي الْأَوْصَافِ.
(وَلَا يَنْتَهِي فِي عِزَّةِ الْوُجُودِ فَإِنْ اسْتَقْصَى الصِّفَاتِ حَتَّى انْتَهَى إلَى حَالٍ يَنْدُرُ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ بَطَلَ) السَّلَمُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ عِنْدَ الْمَحَلِّ وَاسْتِقْصَاءُ الصِّفَاتِ يَمْنَعُ مِنْهُ.
(وَلَا يَحْتَاجُ فِي) وَصْفِ (الْجَارِيَةِ) الْمُسْلَمِ فِيهَا (إلَى ذِكْرِ الْجُعُودَةِ وَالسُّبُوطَةِ) لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا (كَمَا لَا تُرَاعَى صِفَاتُ الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ) لِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَخْتَلِفُ مَعَهَا اخْتِلَافًا ظَاهِرًا (فَإِنْ ذَكَرَ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ (شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) وَعَقَدَ عَلَيْهِ (لَزِمَهُ) الْوَفَاءُ بِهِ.

(وَتُضْبَطُ الْإِبِلُ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ: النِّتَاجُ، فَيَقُولُ مِنْ نِتَاجِ بَنِي فُلَانٍ وَالسِّنُّ) فَيَقُولُ (بِنْتُ مَخَاضٍ) أَوْ (بِنْتُ لَبُونٍ وَنَحْوُهُ) كَحِقَّةٍ أَوْ جَذَعَةٍ (وَاللَّوْنُ) فَيَقُولُ (بَيْضَاءُ أَوْ حَمْرَاءُ أَوْ زَرْقَاءُ وَ) يَقُولُ (ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، وَأَوْصَافُ الْخَيْلِ كَأَوْصَافِ الْإِبِلِ) الْأَرْبَعَةِ.
(وَأَمَّا الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ فَيَنْسُبُهَا إلَى بَلَدِهَا لِأَنَّهَا لَا تُنْسَبُ إلَى نِتَاجٍ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ إنْ عُرِفَ لَهَا نِتَاجٌ تُنْسَبُ إلَيْهِ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهَا نِتَاجٌ (فَهِيَ كَالْحُمُرِ) تُنْسَبُ إلَى بَلَدِهَا (وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّوْعِ فِي هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ فَيَقُولُ فِي الْإِبِلِ بُخْتِيَّةٌ أَوْ عَرَابِيَّةٌ وَفِي الْخَيْلِ عَرَبِيَّةٌ أَوْ هَجِينٌ أَوْ بِرْذَوْنٌ) وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ (وَ) يَقُولُ (فِي الْغَنَمِ ضَأْنٌ أَوْ مَعْزٌ إلَّا الْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فَلَا أَنْوَاعَ فِيهَا وَيَضْبِطُ الثَّمَنَ بِالنَّوْعِ مِنْ ضَأْنٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَمَعْزٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ جَامُوسٍ.
(وَاللَّوْنَ) فَيَقُولُ (أَبْيَضُ أَوْ أَصْفَرُ وَ) يَقُولُ (جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ قَالَ الْقَاضِي وَيَذْكُرُ الْمَرْعَى، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ حَدِيثٍ أَوْ عَتِيقٍ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي الْحَدِيثَ) .

(وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي عَتِيقِهِ لِأَنَّهُ عَيْبٌ وَلَا يَنْتَهِي إلَى حَدٍّ يُضْبَطُ بِهِ) .

(وَيَصِفُ الزُّبْدَ بِأَوْصَافِ السَّمْنِ) السَّابِقَةِ (وَيَزِيدُ: زُبْدَ يَوْمِهِ أَوْ أَمْسِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مُتَغَيِّرٍ مِنْ السَّمْنِ وَالزُّبْدِ وَلَا) سَمْنٍ أَوْ زُبْدٍ (رَقِيقٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ رِقَّتُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْهُمَا (لِلْحَرِّ وَيَصِفُ اللَّبَنَ بِالْمَرْعِي وَالنَّوْعِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اللَّوْنِ) لِعَدَمِ اخْتِلَافِهِ.
(وَلَا) إلَى قَوْلِهِ (حَلْبُ يَوْمِهِ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ) فَإِنْ ذَكَر كَانَ مُؤَكِّدًا (وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ) لَبَنٍ (مُتَغَيِّرٍ) لِنَحْوِ حُمُوضَةٍ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ (وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْمَخِيضِ نَصَّا) لِأَنَّ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ يَسِيرٌ، لِمَصْلَحَتِهِ وَجَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فَهُوَ كَالْمِلْحِ فِي الْجُبْنِ قُلْتُ وَالظَّاهِرُ وَصْفُهُ بِوَصْفَيْ اللَّبَنِ (وَيَصِفُ الْجُبْنَ بِالنَّوْعِ) كَبَقَرِيٍّ.
(وَ) (بِالْمَرْعَى وَبِرَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ، جَيِّدٍ أَوْ رَدِيءٍ وَيَصِفُ اللِّبَأَ وَيُسْلِمُ فِيهِ وَزْنًا) لِأَنَّهُ يَجْمُدُ عَقِبَ حَلْبِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْكَيْلُ (بِصِفَاتِ اللَّبَنِ) مِنْ الْمَرْعَى وَالنَّوْعِ (وَيَزِيدُ) اللِّبَأَ وَ (اللَّوْنَ وَيَذْكُرُ) فِي وَصْفِهِ (الطَّبْخَ وَعَدَمَهُ) .

(وَيَصِفُ غَزْلَ الْقُطْنِ وَ) غَزْلَ (الْكَتَّانِ بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ وَالْغِلَظِ وَالرِّقَّةِ وَالنُّعُومَةِ وَالْخُشُونَةِ وَيَصِفُ الْقُطْنَ بِذَلِكَ) أَيْ بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ.
(وَيَجْعَلُ مَكَانَ الْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ طَوِيلَ الشَّعْرَةِ أَوْ قَصِيرَهَا وَإِنْ شَرَطَ فِيهِ مَنْزُوعَ الْحَبِّ جَازَ) وَلَهُ شَرْطُهُ (وإنْ أَطْلَقَ كَانَ لَهُ) الْقُطْنُ (بِحَبِّهِ كَالتَّمْرِ بِنَوَاهُ وَيَصِفُ الْإِبْرَيْسَمَ بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ وَالْغِلَظِ وَالرِّقَّةِ وَيَصِفُ الصُّوفَ بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ وَطُولِ الشَّعْرَةِ أَوْ قِصَرِهَا وَالزَّمَانِ) كَقَوْلِهِ (خَرِيفِيٌّ أَوْ رَبِيعِيٌّ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) . وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: احْتِمَالُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يَسِيرٌ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (تَسْلِيمُهُ) أَيْ الصُّوفِ (نَقِيًّا مِنْ الشَّوْكِ وَالْبَعْرِ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ (وَكَذَلِكَ الشَّعْرِ وَالْوَبَرِ) فَيُوصَفَانِ بِأَوْصَافِ الصُّوفِ وَيُسْلَمَانِ نَقِيَّيْنِ مِنْ الشَّوْكِ وَالْبَعْرِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ.

(وَيَضْبِطْ الرَّصَاصَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (وَالنُّحَاسَ) بِضَمِّ النُّونِ (وَالْحَدِيدَ بِالنَّوْعِ) فَيَقُولُ فِي الرَّصَاصِ: قَلْعِيٌ أَوْ أَسْرُبُ.
(وَ) يَذْكُرُ (النُّعُومَةَ وَالْخُشُونَةَ وَاللَّوْنَ إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ) لَوْنُهُ (وَيَزِيدُ فِي الْحَدِيدِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَإِنَّ الذَّكَرَ أَحَدُّ وَأَمْضَى) مِنْ الْأُنْثَى (وَتُضْبَطُ الْأَوَانَيْ غَيْرَ مُخْتَلِفَةِ الرُّءُوسِ وَالْأَوْسَاطِ) لِأَنَّ السَّلَمَ لَا يَصِحُّ فِي مُخْتَلِفِهَا (بِقَدْرِهَا) أَيْ كُبْرِهَا وَصُغْرِهَا (وَطُولِهَا وَسُمْكِهَا وَدُورِهَا كَالْأَسْطَالِ الْقَائِمَةِ الْحِيطَانِ) .

(وَيَضْبِطُ الْقِصَاعَ وَالْأَقْدَاحَ مِنْ الْخَشَبِ بِذِكْرِ نَوْعِ خَشَبِهَا) فَيَقُولُ (مِنْ جَوْزٍ أَوْ تُوتٍ) أَوْ نَحْوِهِ (وَقَدْرِهَا فِي الصُّغْرِ وَالْكُبْرِ وَالْعُمْقِ وَالضِّيقِ وَالثَّخَانَةِ وَالرِّقَّةِ) .

(وَإِنْ أَسْلَمَ فِي سَيْفٍ ضَبَطَ) السَّيْفَ (بِنَوْعِ حَدِيدِهِ وَ) ضَبَطَ (طُولَهُ وَعَرْضَهُ وَدِقَّتِهِ وَغِلَظَهُ وَبَلَدَهُ، وَقَدِيمُ الطَّبْعِ أَوْ مُحْدَثُهُ مَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ وَيَصِفُ قَبِيعَتَهُ وَجَفْنَهُ) أَيْ قَرَابَهُ.

(وَيَضْبِطُ خَشَبَ الْبِنَاءِ بِذِكْرِ نَوْعِهِ وَرُطُوبَتِهِ وَيُبْسِهِ وَطُولِهِ وَدُورِهِ) إنْ كَانَ مُدَوَّرًا (أَوْ سُمْكِهِ وَعَرْضِهِ) إنْ لَمْ يَكُنْ مُدَوَّرًا.
(وَيَلْزَمهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِنْ طَرَفِهِ إلَى طَرَفِهِ بِذَلِكَ، وَالْعَرْضُ أَوْ الدُّورُ) الْمَوْصُوفُ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ أَغْلَظَ مِمَّا وُصِفَ لَهُ) وَالْآخَرُ كَمَا وُصِفَ (فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا) وَيَلْزَمهُ قَبُولُهُ.
(وَإِنْ كَانَ) أَحَدُ طَرَفَيْهِ (أَدَقَّ) مِمَّا وُصِفَ لَهُ (لَمْ يَلْزَمهُ قَبُولُهُ) لِأَنَّهُ دُونَ مَا أَسْلَمَ فِيهِ (وَإِنْ ذَكَرَ الْوَزْنَ أَوْ) ذَكَرَ (سَمْحًا، أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ جَازَ) السَّلَمُ وَصَحَّ (وَلَهُ سَمْحٌ) أَيْ (حَالٌ مِنْ الْعَقْدِ) لِأَنَّهُ مُقْتَضَى

الْإِطْلَاقِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْخَشَبُ الْمُسْلَمُ فِيهِ (لِلْقُسِيّ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ، وَزَادَ سَهْلِيًّا أَوْ جَبَلِيًّا، أَوْ خُوطًا، أَوْ فَلَقَةً فَإِنَّ الْجَبَلِيَّ أَقْوَى مِنْ السَّهْلِيِّ، وَالْخُوطَ أَقْوَى مِنْ الْفَلَقَةِ، وَيَذْكُرُ فِيمَا) أَيْ فِي خَشَبٍ (لِلْوَقُودِ الْغِلَظَ) أَوْ الدِّقَّةَ (وَالْيُبْسَ وَالرُّطُوبَةَ وَالْوَزْنَ وَيَذْكُرُ فِيمَا) أَيْ فِي خَشَبٍ (لِلنُّصُبِ النَّوْعَ وَالْغِلَظَ وَسَائِرَ مَا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ وَيَذْكُرُ فِي النُّشَّابِ وَالنَّبْلِ نَوْعَ خَشَبِهِ وَطُولَهُ) أَيْ النُّشَّابِ أَوْ النَّبْلِ (وَقِصَرِهِ وَدَفَّتِهِ وَغِلَظِهِ وَلَوْنِهِ وَنَصْلِهِ وَرِيشِهِ) .

(وَيَضْبِطُ حِجَارَةَ الْأَرْحِيَةِ بِالدُّورِ وَالثَّخَانَةِ وَالْبَلَدِ وَالنَّوْعِ إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ، وَإِنْ كَانَ) الْحَجَرُ (لِلْبِنَاءِ ذَكَرَ اللَّوْنَ وَالْقَدْرَ، وَالنَّوْعَ وَالْوَزْنَ وَيَذْكُرُ فِي حِجَارَةِ الْآنِيَةِ: النَّوْعَ وَاللَّوْنَ وَالْقَدْرَ وَاللِّينَ وَالْوَزْنَ وَيَصِفُ الْبِلَّوْرَ بِأَوْصَافِهِ) هَكَذَا فِي الْمُغْنِي، مَعَ أَنَّهُ قَالَ قَبْلَهُ: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْبِلَّوْرِ (وَيَصِفُ الْآجُرَّ، وَاللَّبِنَ بِمَوْضِعِ التُّرْبَةِ، وَاللَّوْنَ وَالدُّورَ وَالثَّخَانَةَ وَيَذْكُرُ فِي الْجَصِّ وَالنُّورَةِ: اللَّوْنَ وَالْوَزْنَ) هَكَذَا فِي الْمُغْنِي.
وَفِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا وَتَقَدَّمَ فِي الرِّبَا أَنَّهُمَا مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ هُنَاكَ وَعَلَيْهِ فَيُبَدَّلُ الْوَزْنُ بِالْكَيْلِ.

(وَلَا يُقْبَلُ) الْمُسْلَمُ مِنْ الْجَصِّ وَالنُّورَةِ (مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ، فَجَفَّ) لِذَهَابِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ (وَلَا) يُقْبَلُ أَيْضًا مِنْهُمَا (مَا قَدِمَ قِدَمًا يُؤَثِّرُ فِيهِ) .

(وَيَضْبِطُ الْعَنْبَرَ بِاللَّوْنِ وَالْبَلَدِ وَإِنْ شَرَطَ قِطْعَةً أَوْ قِطْعَتَيْنِ جَازَ) وَلَهُ شَرْطُهُ (وَإِلَّا فَلَهُ إعْطَاؤُهُ صِغَارًا) بِاللَّوْنِ.

(وَيَصِفُ الْعُودَ الْهِنْدِيَّ بِبَلَدِهِ، وَمَا يُعْرَفُ بِهِ وَيَضْبِطُ اللُّبَانَ وَالْمُصْتَكَى وَصَمْغَ الشَّجَرِ) بِالْوَزْنِ وَالْبَلَدِ وَمَا يَخْتَلِفُ بِهِ (وَ) يَضْبِطُ (سَائِرَ مَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ) .

(وَيَقُولُ فِي الْخُبْزِ: خُبْزُ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ دُخْنٍ) أَوْ ذُرَةٍ (أَوْ أُرْزٍ) وَنَحْوِهِ (وَ) يَذْكُرُ (النَّشَافَةَ وَالرُّطُوبَةَ وَاللَّوْنَ، فَيَقُولُ: حُوَّارِيٌّ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، أَيْ خَالِصٌ مِنْ النُّخَالَةِ (أَوْ خَشْكَارَ وَالْجَوْدَةَ وَالرَّدَاءَةَ) .

(وَيَذْكُرُ فِي طَيْرٍ لَوْنًا وَنَوْعًا وَكُبْرًا وَصِغَرًا وَجَوْدَةً وَرَدَاءَةً) وَصَيْدَ أُحْبُولَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَمَا لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ) .

(فَإِنْ شَرَطَ الْأَجْوَدَ) لَمْ يَصِحَّ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ إلَّا نَادِرًا إذْ مَا مِنْ جَيِّدٍ إلَّا وَيُحْتَمَلُ وُجُودَ أَجْوَدَ مِنْهُ (أَوْ) شَرَطَ (الْأَرْدَأَ لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ.

(وَإِنْ جَاءَهُ) أَيْ جَاءَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْمُسْلِمَ (بِدُونِ مَا وَصَفَ) لَهُ فَلَهُ أَخْذُهُ (أَوْ) جَاءَهُ ب (نَوْعٍ آخَرَ) مِنْ جِنْسِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَلَوْ بِأَجْوَدَ مِنْهُ (فَلَهُ أَخْذُهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَقَدْ رَضِيَ بِدُونِهِ وَمَعَ اتِّحَادِهِمَا فِي الْجِنْسِ هُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ (وَلَا يَلْزَمهُ) أَيْ لَا يَلْزَمُ الْمُسْلَمَ

أَخْذُ دُونَ مَا وَصَفَ، وَلَا أَخْذُ نَوْعٍ آخَرَ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّهِ.

(وَإِنْ جَاءَهُ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ (بِجِنْسٍ آخَرَ) بِأَنْ أَسْلَمَ فِي بُرٍّ فَجَاءَهُ بِأُرْزٍ، أَوْ شَعِيرٍ (لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.

(وَ) إنْ جَاءَهُ ب (أَجْوَدَ) مِمَّا وَصَفَ لَهُ (مُنْهُ مِنْ نَوْعِهِ) أَيْ نَوْعِ مَا أَسْلَمَ فِيهِ (لَزِمَهُ قَبُولُهُ) لِأَنَّهُ جَاءَهُ بِمَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ وَزِيَادَةً تَنْفَعُهُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَضَرَّرَ انْتَهَى فَإِنْ كَانَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ (فَإِنْ قَالَ خُذْهُ) أَيْ الْأَجْوَدَ (وَزِدْنِي دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الْجَوْدَةَ صِفَةٌ فَلَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ (وَإِنْ جَاءَهُ بِزِيَادَةٍ فِي الْقَدْرِ، فَقَالَ ذَلِكَ) أَيْ خُذْهُ وَزِدْنِي دِرْهَمًا (صَحَّ) ذَلِكَ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَا يَصِحُّ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ.

(وَإِنْ) قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ وَ (وَجَدَ) بِهِ (عَيْبًا فَلَهُ إمْسَاكُهُ مَعَ أَرْشِهِ أَوْ رَدُّهُ) كَسَائِرِ الْمَعِيبَاتِ.

(وَيَضْبِطُ الثِّيَابَ) إذَا أَسْلَمَ فِيهَا (فَيَقُولُ: كَتَّانٌ أَوْ قُطْنٌ) أَوْ إبْرَيْسِمَ (وَالْبَلَدُ وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالصَّفَاقَةُ وَالرِّقَّةُ وَالْغِلَظَةُ وَالنُّعُومَةُ وَالْخُشُونَةُ وَلَا يَذْكُرُ الْوَزْنَ فَإِنْ ذَكَرَهُ لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ لِنُدْرَةِ جَمْعِ الْأَوْصَافِ مَعَ الْوَزْنِ.
(وَإِنْ ذَكَرَ) فِي الْوَصْفِ (الْخَامَ وَالْمَقْصُورَ فَلَهُ شَرْطُهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ جَازَ) لِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا (وَلَهُ خَامٌ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَإِنْ ذَكَرَ) فِي وَصْفِ الثَّوْبِ (مَغْسُولًا أَوْ لَبِيسًا لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ لِأَنَّ اللِّبْسَ مُخْتَلِفٌ وَلَا يَنْضَبِطُ (وَإِنْ أَسْلَمَ فِي مَصْبُوغٍ مِمَّا يُصْبَغُ غَزْلُهُ صَحَّ) السَّلَمُ لِأَنَّهُ مَضْبُوطٌ (وَإِنْ كَانَ) الْمَصْبُوغُ (مِمَّا يُصْبَغُ بَعْدَ نَسْجِهِ لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ فِيهِ لِأَنَّ الصَّبْغَ لَا يَنْضَبِطُ وَلِأَنَّ صَبْغَ الثَّوْبِ يَمْنَعُ الْوُقُوفَ عَلَى نُعُومَتِهِ وَخُشُونَتِهِ.

(وَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ مُخْتَلِفِ الْغَزْلِ) أَيْ مِنْ نَوْعَيْنِ فَأَكْثَرَ (كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ، أَوْ قُطْنٍ وَإِبْرَيْسَمٍ، وَكَانَتْ الْغُزُولُ) مِنْ كُلِّ نَوْعٍ (مَضْبُوطَةً بِأَنْ يَقُولَ: السُّدَى إبْرَيْسِمَ وَاللُّحْمَةُ كَتَّانٌ، أَوْ نَحْوُهُ) كَقُطْنٍ (صَحَّ) السَّلَمُ لِلْعِلْمِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ.

(وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْكَاغَدِ وَيَضْبِطُهُ بِذِكْرِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ وَاسْتِوَاءِ الصَّنْعَةِ) .

[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط السَّلَم أَنْ يَذْكُرَ قَدْرَهُ]

فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّالِثُ لِلسَّلَمِ أَنْ يَذْكُرَ قَدْرَهُ أَيْ الْمُسْلَمَ فِيهِ (بِالْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ

النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ (وَ) أَنْ يَذْكُرَ قَدْرَهُ ب (الذَّرْعِ فِي الْمَذْرُوعِ وَالْعَدِّ فِي الْمَعْدُودِ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ) لِأَنَّهُ عِوَضٌ غَائِبٌ فَيَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَاشْتَرَطَ مَعْرِفَةَ قَدْرِهِ كَالثَّمَنِ.

(فَإِنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيلٍ وَزْنًا أَوْ) أَسْلَمَ (فِي مَوْزُونٍ كَيْلًا لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ لِأَنَّهُ قَدَّرَهُ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فَلَمْ يُجْزِئْ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي الْمَذْرُوعِ وَزْنًا وَبِالْعَكْسِ.
(وَعَنْهُ يَصِحُّ) نَقَلَهَا الْمَرْوَزِيُّ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ وَإِمْكَانُ تَسْلِيمِهِ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ، فَبِأَيِّ قَدْرٍ قَدَّرَهُ جَازَ (اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ.

(وَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي الْمَذْرُوعِ إلَّا بِالذَّرْعِ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمِكْيَالُ وَنَحْوُهُ) كَالصَّنْجَةِ وَالذِّرَاعِ (مَعْلُومًا عِنْدَ الْعَامَّةِ) لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَجْهُولًا تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ بِهِ عِنْدَ التَّلَفِ وَذَلِكَ مُخِلٌّ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي اُشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ الْقَدْرِ لِأَجْلِهَا (فَإِنْ شَرَط مِكْيَالًا) بِعَيْنِهِ (أَوْ مِيزَانًا) بِعَيْنِهِ (أَوْ ذِرَاعًا بِعَيْنِهِ أَوْ صَنْجَةً بِعَيْنِهَا غَيْرَ مَعْلُومَاتٍ أَوْ أَسْلَمَ فِي مِثْلِ هَذَا الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ لِأَنَّهُ قَدْ يَهْلِكُ فَتَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَهُوَ غَرَرٌ (لَكِنْ لَوْ عَيَّنَ مِكْيَالَ رَجُلٍ أَوْ مِيزَانَهُ أَوْ صَنْجَتَهُ أَوْ ذِرَاعَهُ صَحَّ) السَّلَمُ (وَلَمْ يَتَعَيَّنْ) فَلَهُ أَنْ يُسْلِمَ بِأَيْ مِكْيَالٍ أَوْ مِيزَانٍ أَوْ صَنْجَةٍ أَوْ ذِرَاعٍ لِعَدَمِ الْخُصُوصِيَّةِ.

وَمَا لَا يُمْكِنُ وَزْنُهُ بِمِيزَانٍ كَالْأَحْجَارِ الْكِبَارِ يُحَطُّ فِي سَفِينَةٍ وَيُنْظَرُ إلَى أَيْ مَوْضِعٍ تَغُوصُ ثُمَّ يُرْفَعُ وَيَحُطُّ مَكَانَهُ رَمْلٌ أَوْ أَحْجَارٌ صِغَارٌ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ بَلَغَهُ ثُمَّ يُوزَنُ فَمَا بَلَغَ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ (وَيُسْلِمُ فِي مَعْدُودٍ مُخْتَلِفٍ يَتَقَارَبُ غَيْرِ حَيَوَانٍ) كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ (عَدَدًا) لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يَسِيرٌ وَلِهَذَا لَا تَكَادُ الْقِيمَةُ تَخْتَلِفُ بَيْنَ الْبَيْضَتَيْنِ وَالْجَوْزَتَيْنِ بِخِلَافِ الْبِطِّيخِ فَإِنَّهُ يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا.
(وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ يُسْلِمُ فِي الْمَعْدُودِ الَّذِي لَا يَتَقَارَبُ، كَالْبِطِّيخِ وَالْفَوَاكِهِ الْمَعْدُودَةِ مِنْ الرُّمَّانِ وَنَحْوِهِ (وَزْنًا) لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا وَيَتَبَايَنُ جِدًّا فَلَا يَنْضَبِطُ إلَّا بِالْوَزْنِ وَمَا ذَكَرَ مِنْ السَّلَمِ فِي الْمَعْدُودِ غَيْرِ الْحَيَوَانِ: مَحَلُّهُ (إنْ صَحَّ السَّلَمُ فِيهِ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا) فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.

[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط السَّلَم أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَجَلًا مَعْلُومًا]

فَصْلٌ الشَّرْطُ (الرَّابِعُ) لِلسَّلَمِ (أَنْ يَشْتَرِطَ) (الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَجَلًا مَعْلُومًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» فَأَمَرَ بِالْأَجَلِ كَمَا أَمَرَ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ (لَهُ) أَيْ الْأَجَلِ (وَقَعَ فِي الثَّمَنِ عَادَةً كَالشَّهْرِ) لِأَنَّ الْأَجَلَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ لِيَتَحَقَّقَ الرِّفْقُ الَّذِي شُرِعَ مِنْ أَجْلِهِ السَّلَمُ فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ الَّتِي لَا وَقْعَ لَهَا فِي الثَّمَنِ (وَفِي الْكَافِي: أَوْ نِصْفِهِ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ النِّصْفِ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَمَا قَارَبَ الشَّهْرَ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بِمِثْلٍ بِالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ فَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ أَقَلُّهُ شَهْرٌ.

(فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ) أَيْ قَدْرِ الْأَجَلِ بِأَنْ قَالَ الْمُسْلِمُ: إلَى شَهْرٍ مَثَلًا فَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بَلْ شَهْرَيْنِ فَقَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (مُضِيِّهِ) أَيْ الْأَجَلِ (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (مَكَانِ التَّسْلِيمِ فَقَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْأَجَلِ وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةِ نَقْلِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُسْلِمُ وَكَذَا إنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْ صِفَتِهِ، كَمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَدَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَقَوْلُ الْمُسْلِمِ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْقَبْضِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَ) إنْ اخْتَلَفَا (فِي قَبْضِ الثَّمَنِ) الَّذِي وَقَعَ عَقْدُ الثَّمَنِ عَلَيْهِ (فَقَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْقَبْضِ (فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَبْضِ السَّلَمِ.
(وَقَالَ أَحَدُهُمَا كَانَ) الْقَبْضُ (فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَقَالَ الْآخَرُ) بَلْ كَانَ الْقَبْضُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ وَذَاكَ يَدَّعِي الْفَسَادَ وَالظَّاهِرُ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ.

(فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بِمَا ادَّعَيَاهُ) أَيْ أَقَامَ مُدَّعِي الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ بَيِّنَةً بِهِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً بِضِدِّ ذَلِكَ (قُدِّمَتْ أَيْضًا بَيِّنَتُهُ) أَيْ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهَا مُثْبَتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ وَلِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ.

(وَإِنْ أَسْلَمَ حَالًا) لَمْ يَصِحَّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

(أَوْ) أَسْلَمَ (مُطْلَقًا) أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ أَجَلًا (لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا أَنْ يَقَعَ) الْعَقْدُ (بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَيَصِحُّ حَالًا وَيَكُونُ بَيْعًا بِالصِّفَةِ وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَيْعِ

قَالَ الْقَاضِي وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ: إنْ كَانَ الْمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَصِحَّ إنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِهِ، أَوْ قَبْضِ ثَمَنِهِ.

(وَإِنْ أَسْلَمَ إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَهُوَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا وَقْعُ لَهُ فِي الثَّمَنِ (إلَّا أَنْ يُسْلِمَ فِي شَيْءٍ) كَخَزٍّ وَلَحْمٍ وَدَقِيقٍ وَنَحْوِهَا، يَأْخُذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ جُزْءًا مَعْلُومًا، فَيَصِحُّ السَّلَمُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ (فَإِنْ قَبَضَ الْبَعْضَ) مِمَّا أَسْلَمَ فِيهِ لِيَأْخُذَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا مَعْلُومًا.
(وَتَعَذَّرَ قَبْضُ الْبَاقِي رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَجْعَلُ الْبَاقِيَ فَضْلًا عَلَى الْمَقْبُوضِ) لِأَنَّهُ مَبِيعٌ وَاحِدٌ مُتَمَاثِلُ الْأَجْزَاءِ فَقَسَّطَ الثَّمَنَ عَلَى أَجْزَائِهِ بِالسَّوِيَّةِ كَمَا لَوْ اتَّحَدَ أَجَلُهُ.

(وَإِنْ أَسْلَمَ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ إلَى أَجَلَيْنِ) كَبُرٍّ بَعْضُهُ إلَى رَجَبٍ وَبَعْضُهُ إلَى شَعْبَانَ جَازَ بِشَرْطِهِ الْآتِي لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ إلَى أَجَلٍ جَازَ إلَى أَجَلَيْنِ وَآجَالٍ كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ (أَوْ) أَسْلَمَ (فِي جِنْسَيْنِ) كَبُرٍّ وَشَعِيرٍ (إلَى أَجَلٍ) وَاحِدٍ (صَحَّ) السَّلَمُ كَالْبَيْعِ (إنْ بَيَّنَ قِسْطَ كُلِّ أَجَلٍ) وَثَمَنَهُ فِي الْأُولَى.
(وَ) بَيَّنَ (ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ) فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْأَجَلَ الْأَبْعَدَ لَهُ زِيَادَةٌ وَقْعَ عَلَى الْأَقْرَبِ فَمَا يُقَابِلهُ أَقَلَّ مِمَّا يُقَابِلُ الْآخَرَ فَاعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ قِسْطِهِ وَثَمَنِهِ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ لِلثَّمَنِ الْآخَرِ وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يُبَيِّنْ قِسْطَ كُلِّ أَجَلٍ وَثَمَنِهِ فَيَصِحُّ السَّلَمُ لِمَا تَقَدَّمَ.

وَإِنْ أَسْلَمَ جِنْسَيْنِ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ كَبُرٍّ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ حَتَّى يُبَيِّنَ حِصَّةَ كُلِّ جِنْسٍ (مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ) كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي جِنْسَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.

(وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ مَعْلُومٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ (فَإِنْ أَسْلَمَ) مُطْلَقًا أَوْ إلَى حَصَادٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ بَاعَ أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ مُطْلَقًا أَوْ إلَى حَصَادٍ أَوْ جُذَاذٍ وَنَحْوِهَا) مِنْ كُلِّ مَا يَخْتَلِفُ، كَنُزُولِ الْمَطَرِ وَهُبُوبِ الرِّيحِ وَقُدُومِ الْحَاجِّ (لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ فِي السَّلَمِ) لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْأَجَلُ الْمَعْلُومُ لِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.

(وَلَا) يَصِحُّ (الشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ وَالْخِيَارِ) لِلْجَهَالَةِ (وَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا) أَيْ فِيمَا إذَا بَاعَ مُطْلَقًا أَوْ إلَى الْحَصَادِ وَنَحْوِهِ وَيَكُونُ الثَّمَنُ حَالًا وَفِيمَا إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ مُطْلَقًا أَوْ إلَى الْحَصَادِ وَنَحْوِهِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ) مُفَصَّلًا.
(وَإِنْ قَالَ) أَسْلَمْتُ فِي كَذَا (إلَى شَهْرِ كَذَا) أَيْ رَمَضَانَ وَنَحْوِهِ، (أَوْ) قَالَ (مَحِلُّهُ شَهْرُ كَذَا أَوْ) قَالَ مَحَلُّهُ (فِيهِ) أَيْ فِي شَهْرِ كَذَا (صَحَّ) لِأَنَّهُ أَجَلٌ مَعْلُومٌ (وَحَلَّ بِأَوَّلِهِ) كَمَا لَوْ عَلَّقَ عَلَيْهِ طَلَاقًا أَوْ

عِتْقًا.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُسْلِمُ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ (تُؤَدِّيهِ) أَيْ: السَّلَمَ (فِيهِ) أَيْ: فِي شَهْرِ كَذَا (لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ كُلَّهُ ظَرْفًا فَاحْتَمَلَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ فَلَمْ يَكُنْ أَجَلًا مَعْلُومًا.
(وَ) إنْ قَالَ: أَسْلَمْتُ فِي كَذَا (إلَى أَوَّلِهِ) أَيْ: إلَى أَوَّلِ شَهْرِ كَذَا (أَوْ) إلَى (آخِرِهِ يَحِلُّ) فِي الْأُولَى (بِأَوَّلِ جُزْءٍ) مِنْ الشَّهْرِ (وَ) فِي الثَّانِيَةِ (آخِرِهِ) أَيْ: آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ (فَإِنْ قَالَ:) أَسْلَمْتُ فِي كَذَا (إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، كَانَ إلَى انْقِضَائِهَا) فَإِنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً، فَابْتِدَاؤُهَا حِينَ تَلَفَّظَ بِهَا وَإِنْ قَالَ: إلَى شَهْرٍ انْصَرَفَ إلَى الْهِلَالِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَثْنَائِهِ، فَإِنَّهُ يَكْمُلُ بِالْعَدَدِ (وَيَنْصَرِفُ) إطْلَاقُ الشَّهْرِ (إلَى الْأَشْهُرِ الْهِلَالِيَّةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 36] . (وَ) يَصِحُّ السَّلَمُ (إلَى شَهْرٍ رُومِيٍّ كَشُبَاطَ وَنَحْوِهِ) مِثْلِ كَانُونَ الْأَوَّلِ، أَوْ الثَّانِي (أَوْ) إلَى (عِيدٍ لَهُمْ) أَيْ: لِلرُّومِ (لَمْ يَخْتَلِفْ كَالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَعْرِفهُ الْمُسْلِمُونَ يَصِحُّ إنْ عَرَفَاهُ) أَيْ: الْمُتَعَاقِدَانِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَشْبَهَ عِيدَ الْمُسْلِمِينَ (وَإِلَّا) بِأَنْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ الْعِيدُ الْمَشْرُوطُ (فَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (كَالسَّعَانِينِ، وَعِيدِ الْفَطِيرِ) وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا يَجْهَلُهُ الْمُسْلِمُونَ غَالِبًا وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهِ.
وَالسَّعَانِينُ بِسِينٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَتَيْنِ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ عِيدُ النَّصَارَى قَبْلَ عِيدِهِمْ الْكَبِيرِ بِأُسْبُوعٍ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَقُولهُ الْعَوَامُّ وَمِثْلُهُمْ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَذَلِكَ خَطَأٌ.
(وَ) إنْ شَرَطَهُ (إلَى الْعِيدِ، أَوْ) إلَى (رَبِيعٍ أَوْ) إلَى (جُمَادَى، أَوْ) إلَى (النَّفْرِ) مِنْ مِنًى وَنَحْوِهَا (مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ شَيْئَانِ) كَالنَّحْرِ (لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ حَتَّى يُعَيِّنَ أَحَدَهُمَا لِلْجَهَالَةِ.
(وَ) إنْ شَرَطَهُ (إلَى عِيدِ الْفِطْرِ، أَوْ) إلَى عِيدِ (النَّحْرِ، أَوْ) إلَى (يَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ عَاشُورَاءَ أَوْ نَحْوِهَا) كَالنَّفْرِ الْأَوَّلِ، أَوْ الثَّانِي، وَهُمَا ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَثَالِثُهَا، فَالنَّفْرُ الْأَوَّلُ لِمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، وَالنَّفْرُ الثَّانِي لِمَنْ تَأَخَّرَ (صَحَّ) السَّلَمُ لِأَنَّهُ أَجَلٌ مَعْلُومٌ (وَمِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ السَّلَمِ (الْإِجَارَةُ) فِيمَا ذُكِرَ مِمَّا يَصِحُّ أَوْ يَبْطُلُ.

(وَإِنْ جَاءَهُ) أَيْ: جَاءَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْمُسْلِمَ (بِالْمُسْلَمِ فِيهِ فِي مَحَلِّهِ) أَيْ: وَقْتِ حُلُولِ أَجَلِهِ (لَزِمَهُ) أَيْ: الْمُسْلَمَ (قَبْضُهُ، كَالْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ وَلَوْ تَضَرَّرَ بِقَبْضِهِ) لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ.

(وَإِنْ أَحْضَرَهُ بَعْدَ مَحَلِّ الْوُجُوبِ، فَكَمَا لَوْ أَحْضَرَ الْمَبِيعَ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا) مِنْ الْمَجْلِسِ فَيَلْزَمهُ قَبْضُهُ وَلَوْ تَضَرَّرَ.

(وَإِنْ أَحْضَرَهُ) أَيْ: الْمُسْلَمَ فِيهِ (قَبْلَ مَحَلِّهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: فِي قَبْضِهِ (ضَرَرٌ) لِكَوْنِهِ أَيْ: الْمُسْلَمِ فِيهِ (مِمَّا يَتَغَيَّرُ كَالْفَاكِهَةِ الَّتِي يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا)

مِنْ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَنَحْوِهِمَا (أَوْ كَانَ) الْمُسْلَمُ فِيهِ (قَدِيمُهُ دُونَ حَدِيثِهِ كَالْحُبُوبِ أَوْ كَانَ) الْمُسْلَمُ فِيهِ (حَيَوَانًا، أَوْ مَا يَحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إلَى مُؤْنَةٍ كَالْقُطْنِ وَنَحْوِهِ أَوْ كَانَ الْوَقْتُ مَخُوفًا فَيَخْشَى) الْمُسْلَمُ عَلَى مَا يَقْبِضُهُ (لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْلَمَ قَبُولُهُ) أَيْ: قَبُولُ السَّلَمِ قَبْلَ مَحَلِّهِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ فِيهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَبْضِهِ) أَيْ: الْمُسْلَمِ فِيهِ (ضَرَرٌ وَلَا يَتَغَيَّرُ) أَيْ: يَخْتَلِفُ قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ (كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالزَّيْتِ وَالْعَسَلِ وَنَحْوِهَا لَزِمَهُ قَبْضُهُ) لِأَنَّ الْغَرَضَ حَاصِلٌ، مَعَ زِيَادَةِ تَعْجِيلِ الْمَنْفَعَةِ فَجَرَى مَجْرَى زِيَادَةِ الصِّفَةِ.

(وَحَيْثُ قُلْنَا: يَلْزَمهُ الْقَبْضُ) لِكَوْنِهِ بَعْدَ مَحَلِّهِ، أَوْ عِنْدَهُ، أَوْ قَبْلَهُ وَلَا ضَرَرَ وَأَتَاهُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ (وَامْتَنَعَ) الْمُسْلَمُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ قَبْضِهِ (قِيلَ) أَيْ: قَالَ (لَهُ) الْحَاكِمُ (إمَّا أَنْ تَقْبِضَ حَقَّكَ وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ مِنْهُ فَإِنْ أَبَى) الْأَمْرَيْنِ (رَفَعَ) الْمُسْلِمُ إلَيْهِ (الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ فَقَبَضَهُ) أَيْ: الْمُسْلَمَ فِيهِ (لَهُ وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَقْبُوضِ مِنْهُ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ بِوِلَايَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْرِئَ قُلْتُ: وَقِيَاسُهُ لَوْ غَابَ الْمُسْلِمُ (وَكَذَا) أَيْ: وَكَدَيْنِ السَّلَمِ (كُلُّ دَيْنٍ لَمْ يَحِلَّ إذَا أَتَى) صَاحِبُهُ (بِهِ) يَلْزَمُهُ قَبْضُهُ حَيْثُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ وَإِنْ أَتَى بِهِ عِنْدَ مَحَلِّهِ أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ مُطْلَقًا (وَيَأْتِي إذَا عَجَّلَ الْكِتَابَةَ قَبْلَ مَحَلِّهَا) أَيْ: حُلُولِهَا فِي بَابِ الْكِتَابَةِ.

(لَكِنْ لَوْ أَرَادَ) إنْسَانٌ (قَضَاءَ دَيْنٍ عَنْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ رَبُّ الدَّيْنِ، أَوْ أَعْسَرَ زَوْجٌ بِنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ فَبَذَلَهَا أَجْنَبِيٌّ) وَكَذَا لَوْ لَمْ يُعْسِرْ وَبَذَلَهَا أَجْنَبِيٌّ (فَلَمْ تَقْبَلْ) الزَّوْجَةُ (لَمْ يُجْبَرَا) أَيْ: رَبُّ الدَّيْنِ وَالزَّوْجَةُ عَلَى الْقَبُولِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ: لِمَا فِيهِ مِنْ تَحَمُّلِ مِنَّةِ الدَّافِعِ وَتَمْلِكُ الزَّوْجَةُ حِينَئِذٍ الْفَسْخَ بِالْإِعْسَارِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: فَبَذَلَهَا أَجْنَبِيٌّ أَنَّهُ لَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ وَبَذَلَهَا قَرِيبُهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، كَوَالِدِهِ وَوَلَدِهِ، وَأَخِيهِ وَجَبَ عَلَيْهَا الْقَبُولُ وَأُجْبِرَتْ عَلَيْهِ وَلَا فَسْخَ لَهَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ) مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ بَذَلَ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ (وَكِيلًا) عَنْ الْمَدِينِ أَوْ الزَّوْجِ فَيُجْبَرَانِ عَلَى الْقَبُولِ مِنْهُ لِقِيَامِهِ مَقَامَ مُوَكِّلِهِ (كَتَمْلِيكِهِ) أَيْ: تَمْلِيكِ الْأَجْنَبِيِّ (لِلزَّوْجِ أَوْ الْمَدْيُونِ) مَا يُنْفِقُهُ أَوْ يَفِي بِهِ دَيْنُهُ، إذَا قَبَضَاهُ وَوَفَّيَا بِهِ مَا عَلَيْهِمَا أُجْبِرَتْ الزَّوْجَةُ وَرَبُّ الدَّيْنِ عَلَى الْقَبُولِ مِنْهُ لِعَدَمِ الْمِنَّةِ عَلَيْهِمَا إذَنْ.

(وَلَيْسَ) يَلْزَمُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ (لِلْمُسْلِمِ إلَّا أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ) الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا فَإِذَا آتَاهُ بِهِ لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ أَعْلَى مِنْهُ لِأَنَّهُ آتَاهُ بِمَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ.

(وَ) يَجِبُ (عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَنْ يُسْلِمَ الْحُبُوبَ) الْمُسْلَمَ فِيهَا (نَقِيَّةً) أَيْ: خَالِصَةً (مِنْ التِّبْنِ وَ) مِنْ (الْعُقَدِ وَ) مِنْ (غَيْرِ جِنْسِهَا) كَتُرَابٍ

وَزَوَانٍ فِي الْبُرِّ (فَإِنْ كَانَ فِيهَا تُرَابٌ وَنَحْوُهُ) كَزَوَانٍ (يَأْخُذُ وَضْعًا مِنْ الْمِكْيَالِ لَمْ يَجُزْ) لَهُ تَسْلِيمُهَا كَذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ الْمُسْلَمُ عَلَى قَبُولِهَا كَذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ) التُّرَابُ أَوْ نَحْوُهُ (يَسِيرًا لَا يُؤَثِّرُ لَزِمَهُ) أَيْ: الْمُسْلَمَ (أَخْذُهُ) لِأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُسْلَمَ (أَخْذُ التَّمْرِ) الْمُسْلَمِ فِيهِ (وَنَحْوِهِ) كَالزَّبِيبِ وَسَائِرِ الْفَوَاكِهِ الْيَابِسَةِ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا السَّلَمُ (إلَّا جَافًّا) جَفَافُهُ الْمُعْتَادُ (وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَنَاهَى جَفَافُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ.

(وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُسْلَمَ (أَنْ يَقْبَلَ مَعِيبًا) لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ (فَإِنْ قَبَضَهُ) أَيْ: الْمُسْلَمَ فِيهِ (فَوَجَدَهُ مَعِيبًا فَلَهُ) إمْسَاكُهُ مَعَ الْأَرْشِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَهُ رَدُّهُ وَ (الْمُطَالَبَةُ بِالْبَدَلِ) سَلِيمًا (كَالْمَبِيعِ) غَيْرِ الْمُعَيَّنِ.

[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط السَّلَم أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَ الْوُجُودِ فِي مَحَلِّهِ]

(فَصْلٌ) الشَّرْطُ (الْخَامِسُ) لِلسَّلَمِ (أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَ الْوُجُودِ فِي مَحَلِّهِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ: وَقْتِ حُلُولِهِ غَالِبًا لِوُجُوبِ تَسْلِيمِهِ إذَنْ (سَوَاءٌ كَانَ) الْمُسْلَمُ فِيهِ (مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ أَوْ مَعْدُومًا) كَالسَّلَمِ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ زَمَنَ الشِّتَاءِ إلَى الصَّيْفِ.

(فَإِنْ كَانَ) الْمُسْلَمُ فِيهِ (لَا يُوجَدُ فِيهِ) أَيْ: فِي وَقْتِ حُلُولِهِ (أَوْ لَا يُوجَدُ) فِيهِ (إلَّا نَادِرًا كَالسَّلَمِ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ إلَى غَيْرِ وَقْتِهِ لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ غَالِبًا عِنْدَ وُجُوبِهِ أَشْبَهَ بَيْعَ الْآبِقِ وَأَوْلَى.

(وَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ) أَسْلَمَ فِي (ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ بَدَا صَلَاحُهُ أَوْ لَا أَوْ) أَسْلَمَ (فِي زَرْعِهِ) أَيْ: زَرْعِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ (اسْتَحْصَدَ) أَيْ: طَلَبَ الْحَصَادَ بِأَنْ اشْتَدَّ حَبُّهُ (أَوْ لَا أَوْ) أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةٍ أَوْ زَرْعِ (قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ) أَسْلَمَ (فِي نِتَاجِ فَحْلِ فُلَانٍ أَوْ غَنَمِهِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ وَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ أَسْلَفَ إلَيْهِ يَهُودِيٌّ فِي تَمْرِ حَائِطٍ بَنِي فُلَانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا فِي حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَلَا وَلَكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْمَنْعُ مِنْهُ كَالْإِجْمَاعِ لِاحْتِمَالِ الْجَائِحَةِ.

(وَإِنْ أَسْلَمَ إلَى مَحِلٍّ) أَيْ: وَقْتٍ (يُوجَدُ فِيهِ عَامًا، فَانْقَطَعَ وَتَعَذَّرَ حُصُولُهُ، أَوْ) حُصُولُ (بَعْضِهِ إمَّا لِغَيْبَةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ) وَقْتَ وُجُوبِهِ (أَوْ) (لِعَجْزِهِ عَنْ التَّسْلِيمِ حَتَّى عَدَمَ الْمُسْلَمُ فِيهِ أَوْ لَمْ تُحْمَلْ الثِّمَارُ تِلْكَ السَّنَةِ وَمَا أَشْبَهَهُ خُيِّرَ) الْمُسْلَمُ (بَيْنَ صَبْرٍ) إلَى أَنْ يُوجَدَ الْمُسْلَمُ فِيهِ فَيَأْخُذهُ.
(وَ) بَيْنَ (فَسْخٍ فِي الْكُلِّ) الْمُتَعَذِّرِ (أَوْ الْبَعْضِ الْمُتَعَذِّرِ وَيَرْجِعُ بِرَأْسِ مَالِ) مَا فَسَخَ فِيهِ، كُلًّا كَانَ أَوْ بَعْضًا إنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مَوْجُودًا (أَوْ عِوَضُهُ إنْ كَانَ مَعْدُومًا) لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ، وَعِوَضُهُ مِثْلُ مِثْلِيٍّ وَقِيمَةُ مُتَقَوِّمٍ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ بَقَاءُ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَزِمَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ تَحْصِيلُهُ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَلَوْ شَقَّ كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ.

(وَإِنْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ إلَى ذِمِّيٍّ فِي خَمْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا رَجَعَ الْمُسْلِمُ) أَيْ: صَاحِبُ السَّلَمِ (فَأَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ) الَّذِي دَفَعَهُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ عِوَضَهُ إنْ عُدِمَ لِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ الْأَوَّلُ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَإِنْ أَسْلَمَ الْآخَرُ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْإِيفَاءُ.

[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط السَّلَم أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ مَالِهِ]

فَصْلٌ الشَّرْطُ (السَّادِسُ) لِلسَّلَمِ (أَنْ يَقْبِضَ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَوْ وَكِيلُهُ (رَأْسَ مَالِهِ) أَيْ: السَّلَمِ (فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ) قَبْلَ التَّفَرُّقِ اسْتَنْبَطَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ» أَيْ: فَلِيُعْطِ: قَالَ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ اسْمُ السَّلَفِ فِيهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ مَا أَسْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ مَنْ أَسْلَفَهُ انْتَهَى وَحَذَرًا أَنْ يَصِيرَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ (أَوْ مَا فِي مَعْنَى الْقَبْضِ كَمَا لَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ) أَيْ: الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (أَمَانَةٌ أَوْ عَيْنٌ مَغْصُوبَةٌ) وَنَحْوُهَا فَجَعَلَهَا رَبُّهَا رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ فَيَصِحُّ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ.

وَ (لَا) يَصِحُّ عَقْدُ السَّلَمِ (بِمَا فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ: الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيَجْعَلهُ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ النَّهْيِ وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ قَبَضَ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ (الْبَعْضَ) مِنْ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ (ثُمَّ افْتَرَقَا) قَبْلَ قَبْضِ الْبَاقِي صَحَّ فِيمَا قَبَضَ بِقِسْطِهِ وَ (بَطَلَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ) لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي الصَّرْفِ) لَكِنْ لَوْ تَعَاقَدَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كُرِّ طَعَامٍ مَثَلًا وَشَرَطَ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مِنْهَا خَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ وَلَوْ قُلْنَا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ فَضْلًا عَلَى الْمُؤَجَّلِ (فَيَقْتَضِي كَوْنَهُ) أَيْ: رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ (مَعْلُومَ الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ) كَالْمُسْلَمِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَأَخَّرُ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَا يُؤْمَنُ انْفِسَاخُهُ، فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ رَأْسِ مَالِهِ لِيَرُدَّ بَدَلَهُ كَالْقَرْضِ (ف) عَلَى هَذَا (لَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (بِصُبْرَةٍ) مُشَاهَدَةٍ لَا يَعْلَمَا قَدْرَهَا.
(وَلَا) يَصِحُّ السَّلَمُ (بِمَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِصِفَةٍ كَجَوْهَرٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ فَعَلَا) أَيْ: عَقَدَاهُ بِذَلِكَ (فَبَاطِلٌ) لِفَوَاتِ شَرْطِهِ (وَيُرْجَعُ) أَيْ: يُرَدُّ الْمَقْبُوضُ إذَنْ (إنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بَاقِيًا (فَقِيمَتُهُ) إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا، أَوْ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، كَصُبْرَةٍ مِنْ نَحْوِ حُبُوبٍ.

(فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهَا) أَيْ: فِي قِيمَةِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ الْبَاطِلِ أَوْ فِي قَدْرِ الصُّبْرَةِ الْمَجْعُولَةِ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ (فَقَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عِلْمُ قَدْرِ الْقِيمَةِ أَوْ الصُّبْرَةِ، بِأَنْ قَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ: لَا أَعْلَمُ قَدْرَ ذَلِكَ (فَقِيمَةُ مُسْلَمٍ فِيهِ مُؤَجَّلًا) إلَى الْأَجَلِ الَّذِي عَيَّنَّاهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَشْيَاءِ أَنْ تُبَاعَ بِقِيمَتِهَا.

(وَلَوْ قَبَضَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ الْمُعَيَّنِ ثُمَّ افْتَرَقَا فَوَجَدَهُ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ (مَعِيبًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) كَالنُّحَاسِ فِي الْفِضَّةِ وَالْمَسِّ فِي الذَّهَبِ (أَوْ ظَهَرَ) رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ الْمُعَيَّنِ (مُسْتَحَقًّا بِغَصْبٍ أَوْ غَيْرِهِ بَطَلَ الْعَقْدُ) كَمَا لَوْ ظَهَرَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ كَذَلِكَ.
(وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ) أَيْ: جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ كَالسَّوَادِ فِي الْفِضَّةِ وَالْوُضُوحِ فِي الذَّهَبِ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (إمْسَاكُهُ وَأَخْذُ أَرْشِ عَيْبِهِ، أَوْ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ) هَكَذَا فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ مَتَى رَدَّهُ بَطَلَ الْعَقْدُ، كَمَا فِي الْمُغْنِي لِوُقُوعِهِ عَلَى عَيْنِهِ بِخِلَافِ مَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ ذَكَرْتُ كَلَامَ الْمُسْتَوْعِبِ فِي الْحَاشِيَةِ.

(وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ وَقَعَ عَلَى مَالٍ فِي الذِّمَّةِ) وَقَبَضَهُ ثُمَّ ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ مِنْ جِنْسِهِ (فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ بَطَلَ الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْإِنْصَافِ.

(وَإِنْ تَفَرَّقَا) عَنْ الْمَجْلِسِ بَعْدَ قَبْضِهِ (ثُمَّ عَلِمَ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ (عَيْبَهُ فَرَدَّهُ لَمْ يَبْطُلْ) السَّلَمُ (إنْ قَبَضَ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ (الْبَدَلَ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ) إقَامَةً لِمَجْلِسِ الرَّدِّ مَقَامَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
(وَإِنْ تَفَرَّقَا عَنْ مَجْلِسِ الرَّدِّ قَبْلَ قَبْضِ الْبَدَلِ بَطَلَ) السَّلَمُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ غَيْرُ جِنْسِهِ وَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَخْذِ بَدَلِهِ بَطَلَ الْعَقْدُ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي الصَّرْفِ (وَإِنْ وَجَدَ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ (بَعْضَ الثَّمَنِ رَدِيئًا فَرَدَّهُ فَفِي الْمَرْدُودِ مَا ذَكَرنَا مِنْ التَّفْصِيلِ) الْمَذْكُورِ.

[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط السَّلَم أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ]

فَصْلٌ الشَّرْطُ (السَّابِعُ) لِلسَّلَمِ (أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ أَسْلَمَ فِي عَيْنٍ) كَدَارٍ وَشَجَرٍ نَابِتَةٍ (لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ (لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَلَفَ) أَيْ: الْمُعَيَّنُ (قَبْلَ أَوَانِ تَسْلِيمِهِ) وَلِأَنَّ الْمُعَيَّنَ يُمْكِنُ بَيْعُهُ فِي الْحَالِ فَلَا حَاجَةَ إلَى السَّلَمِ فِيهِ.
وَتَقَدَّمَ.

(وَلَا يُشْتَرَطُ) لِلسَّلَمِ (ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْهُ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ بُيُوعَ الْأَعْيَانِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءِ فِيهِ كَبَرِّيَّةٍ وَبَحْرٍ وَدَارٍ وَحَرْبٍ) فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ فَاشْتُرِطَ تَعْيِينُهُ بِالْقَوْلِ كَالْكَيْلِ.
(وَيَجِبُ) إيفَاءُ (مَكَانَ الْعَقْدِ) إنْ عَقَدَا فِي مَحَلٍّ يَصْلُحُ لِلْإِقَامَةِ (مَعَ الْمُشَاحَةِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُسْلَمِ (أَخْذُهُ) أَيْ: الْمُسْلَمِ فِيهِ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَكَانِ الْعَقْدِ (إنْ رَضِيَا) لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا وَ (لَا) يَجُوزُ أَخْذُهُ (مَعَ أُجْرَةِ حَمْلِهِ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى مَكَانِ الْعَقْدِ قَالَ الْقَاضِي: (كَأَخْذِ بَدَلِ السَّلَمِ وَيَصِحُّ شَرْطُهُ) أَيْ: الْإِيفَاءِ (فِيهِ) أَيْ: فِي مَكَانِ الْعَقْدِ (وَيَكُونُ) ذَلِكَ الشَّرْطُ (تَأْكِيدًا) لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ (وَ) يَصِحُّ شَرْطُ الْإِيفَاءِ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَكَانِ الْعَقْدِ كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ.

(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ) قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْمَكِيلِ (وَلَوْ) كَانَ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ (لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.

(وَلَا) تَصِحُّ (هِبَتُهُ) أَيْ: هِبَةُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ كَالْبَيْعِ (وَلَا هِبَةُ دَيْنِ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ السَّلَمِ (لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ) لِأَنَّ الْهِبَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ مُعَيَّنٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي الْهِبَةِ) مُفَصَّلًا.

(وَلَا) يَصِحُّ (أَخْذُ غَيْرِهِ) أَيْ: الْمُسْلَمِ فِيهِ (مَكَانَهُ) «لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» وَلِأَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهُ بَيْعٌ فَلَمْ يَجُزْ كَبَيْعِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا أَوْ مَعْدُومًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مِثْلَهُ فِي الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ.

(وَلَا) تَصِحُّ (الْحَوَالَةُ بِهِ) أَيْ: بِثَمَنِ السَّلَمِ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَلَمْ تَجُزْ كَالْبَيْعِ (وَلَا) الْحَوَالَةُ (عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، وَالسَّلَمُ عُرْضَةٌ لِلْفَسْخِ (وَلَا) تَصِحُّ الْحَوَالَةِ (بِرَأْسِ مَالِ سَلَمٍ بَعْدَ فَسْخِهِ وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي) بَابِ (الْحَوَالَةِ) مُوَضَّحًا (وَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ الْبَرَاءَةُ مِنْ الدَّيْنِ وَ) مِنْ (الْمَجْهُولِ) وَيَأْتِي (فِي) بَابِ (الشَّرِكَةِ الْقَبْضُ مِنْ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ) مُفَصَّلًا.

(وَيَصِحُّ بَيْعُ دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ مِنْ ثَمَنِ) مَبِيعٍ (وَقَرْضٍ وَمَهْرٍ بَعْدَ دُخُولِهِ وَأُجْرَةٍ اسْتَوْفَى نَفْعَهَا) إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ (أَوْ فَرَغَتْ مُدَّتُهَا) إنْ

كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ كَإِجَارَةِ دَارٍ شَهْرًا (وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ وَنَحْوِهِ) كَجُعْلٍ بَعْدَ عَمَلٍ (لِمَنْ هُوَ) أَيْ: الدَّيْنُ (فِي ذِمَّتِهِ) لِخَبَرِ «ابْنِ عُمَرَ كُنَّا نَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّنَانِيرِ وَنَأْخُذُ عَنْهَا الدَّرَاهِمَ، وَبِالدَّرَاهِمِ وَنَأْخُذُ عَنْهَا الدَّنَانِيرَ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ فَقَالَ: لَا بَأْسَ إنْ أَخَذْتَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنكُمَا شَيْءٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ مَا فِي الذِّمَّةِ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ وَغَيْرُهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ.

(وَ) يَجُوزُ (رَهْنُهُ) أَيْ: رَهْنُ الدَّيْنِ الْمُسْتَقِرِّ (عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ (بِحَقٍّ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ هَذَا أَحَدُ رِوَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي الِانْتِصَارِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الْأَوْلَى الْجَوَازُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ حَيْثُ قَالُوا: يَجُوزُ رَهْنُ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ انْتَهَى قُلْتُ بَلْ يَكَادُ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِهِ، حَيْثُ قَالُوا: الرَّهْنُ تَوْثِقَةُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ بَلْ صَرَّحَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ (إلَّا رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ بَعْدَ فَسْخِ) السَّلَمِ (وَقَبْلَ قَبْضِ) رَأْسِ مَالِهِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَوْ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَلَا رَهْنُهُ عِنْدَهُ لِمَا تَقَدَّمَ (لَكِنْ إنْ كَانَ) الدَّيْنُ (مِنْ ثَمَنِ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بَاعَهُ بِالنَّسِيئَةِ) أَوْ بِثَمَنٍ لَمْ يُقْبَضْ (فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضَهُ مَا يُشَارِكُ الْبَيْعَ فِي عِلَّةِ رِبَا فَضْلٍ أَوْ نَسِيئَةٍ) فَلَا يُعْتَاضُ عَنْ ثَمَنِ مَكِيلٍ مَكِيلًا، وَلَا عَنْ ثَمَنِ مَوْزُونٍ مَوْزُونًا (حَسْمًا لِمَادَّةِ رِبَا النَّسِيئَةِ وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (آخِرَ كِتَابِ الْبَيْعِ) مُبَيَّنًا.

(وَيُشْتَرَطُ) لِصِحَّةِ بَيْعِ الدَّيْنِ الثَّابِتِ فِي الذِّمَّةِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ (أَنْ يَقْبِضَ عِوَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ إنْ بَاعَهُ بِمَا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً) كَأَنْ بَاعَ الذَّهَبَ بِفِضَّةٍ أَوْ عَكْسُهُ (أَوْ) بَاعَهُ ب (مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ) فَيُعْتَبَرُ قَبْضُهُ قَبْلَ التَّفْرِيقِ لِئَلَّا يَصِيرَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِلَّا) بِأَنَّ بَاعَهُ بِمُعَيَّنٍ يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ ذَهَبًا وَبَاعَهُ بِبُرٍّ مُعَيَّنٍ (فَلَا) يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ.

(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) أَيْ: الدَّيْنِ (لِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ أَشْبَهَ بَيْعَ الْآبِقِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ دَيْنِ الْكِتَابَةِ) وَلَوْ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ (وَلَا) بَيْعُ (غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ) كَصَدَاقٍ قَبْلَ دُخُولٍ وَجُعْلٍ قَبْلَ عَمَلٍ وَأُجْرَةٍ قَبْلَ فَرَاغِ مُدَّةٍ.

(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ الْغَرِيمِ) الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ (بِمِثْلِهِ) بِأَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا فَبَاعَهُ لَهُ بِدِينَارٍ (؛ لِأَنَّهُ نَفْسُ حَقِّهِ) الْوَاجِبِ لَهُ فَلَا أَثَرَ لِلتَّعْوِيضِ.

(وَلَوْ قَالَ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ لِلْمُسْلِمِ (فِي دَيْنِ السَّلَمِ: صَالِحْنِي مِنْهُ أَيْ: مِنْ أَجْلِهِ عَلَى مِثْلِ الثَّمَنِ) الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (صَحَّ) ذَلِكَ.
(وَكَانَ إقَالَةً) بِلَفْظِ الصُّلْحِ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِكُلِّ مَا أَدَّى مَعْنَاهَا (وَتَصِحُّ الْإِقَالَةُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ)

حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهَا فَسْخٌ لِلْعَقْدِ وَلَيْسَتْ بَيْعًا.
(وَ) تَصِحُّ الْإِقَالَةُ أَيْضًا (فِي بَعْضِهِ) أَيْ: بَعْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا، وَكُلُّ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ جَازَ فِي الْجَمِيعِ جَازَ فِي الْبَعْضِ كَالْإِبْرَاءِ وَالْإِنْظَارِ (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ: فِي التَّقَايُلِ (قَبْضُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ) فِي مَجْلِسِ الْإِقَالَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بَيْعًا (وَلَا) قَبْضَ (عِوَضِهِ) أَيْ: عِوَضِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ (إنْ تَعَذَّرَ) رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ بِأَنْ عُدِمَ (فِي مَجْلِسِ الْإِقَالَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِ " قَبْضُ " أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي مَجْلِسِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بَيْعًا كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَمَتَى انْفَسَخَ عَقْدُهُ) أَيْ: عَقْدُ السَّلَمِ (بِإِقَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) كَعَيْبٍ فِي الثَّمَنِ (لَزِمَهُ) أَيْ: الْمُسْلَمَ إلَيْهِ (رَدُّ الثَّمَنِ الْمَوْجُودِ) ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ السَّلَمِ عَادَ إلَيْهِ بِالْفَسْخِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مَوْجُودًا رُدَّ (مِثْلُهُ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا (ثُمَّ قِيمَتُهُ) إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا لِأَنَّ مَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ رَجَعَ بِعِوَضِهِ.

(وَإِنْ أَخَذَ بَدَلَهُ) أَيْ: بَدَلَ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ الْفَسْخِ (ثَمَنًا وَهُوَ ثَمَنٌ فَصُرِفَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَابُضُ) قَبْلَ التَّفَرُّقِ (وَإِنْ كَانَ) رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ (عَرَضًا فَأَخَذَ) الْمُسْلَمَ (عَنْهُ عَرَضًا أَوْ ثَمَنًا) بَعْدَ الْفَسْخِ (فَبَيْعَ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ) لَكِنْ إنْ عَوَّضَهُ مَكِيلًا عَنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونًا عَنْ مَوْزُونٍ اُعْتُبِرَ الْقَبْضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ كَالصَّرْفِ.

(وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ سَلَمٌ وَعَلَيْهِ سَلَمٌ مِنْ جِنْسِهِ فَقَالَ) الرَّجُلُ (لِغَرِيمِهِ: اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِكَ، فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ إذْ هُوَ حَوَالَةٌ بِسَلَمٍ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِهِ (وَلَا) يَصِحُّ أَيْضًا قَبْضُهُ (لِلْآمِرِ لِأَنَّهُ) أَيْ: الْآمِرَ (لَمْ يَجْعَلْهُ) أَيْ: الْقَابِضَ (وَكِيلًا) عَنْهُ فِي الْقَبْضِ.
(وَالْمَقْبُوضُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الدَّافِعِ) لِعَدَمِ الْقَبْضِ الصَّحِيحِ (وَإِنْ قَالَ) الرَّجُلُ (اقْبِضْهُ) أَيْ: السَّلَمَ ((لِي ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ) وَفَعَلَ (صَحَّ) الْقَبْضُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَابَهُ فِي قَبْضِهِ لَهُ إذَا قَبَضَهُ لِمُوَكِّلِهِ جَازَ أَنْ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَأَذِنَهُ فِي قَبْضِهَا عَنْ دَيْنِهِ (فَيَصِحُّ قَبْضُ وَكِيلٍ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ نَصًّا، إلَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالِهِ) أَيْ: دَيْنِهِ فَلَا يَصِحُّ قَبْضُهُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لَمْ يَأْذَنْ فِيهَا.
(وَ) يَصِحُّ (عَكْسُهُ) أَيْ: عَكْسُ قَبْضِ الْوَكِيلِ مِنْ نَفْسِهِ (وَهُوَ) أَيْ: عَكْسُ قَبْضِ الْوَكِيلِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ اسْتِنَابَةُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِلْمُسْتَحِقِّ) فِي أَخْذِ حَقِّهِ بِأَنْ يُوَكِّلَ الْمَدِينُ رَبَّ الدَّيْنِ فِي قَبْضِهِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (آخِرَ) بَابِ (خِيَارِ الْبَيْعِ) .

(وَلَوْ قَالَ الْأَوَّلُ) وَهُوَ مَنْ لَهُ سَلَمٌ وَعَلَيْهِ سَلَمٌ (لِلثَّانِي) الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ السَّلَمُ (أَحْضِرْ اكْتِيَالِي مِنْهُ) أَيْ: مِمَّنْ لِي عَلَيْهِ السَّلَمُ (لِأَقْبِضَهُ لَكَ فَفَعَلَهُ) أَيْ: حَضَرَ اكْتِيَالَهُ مِنْهُ وَسَلَّمَهُ لَهُ بِغَيْرِ كَيْلٍ (لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِلثَّانِي) لِعَدَمِ كَيْلِهِ (وَيَكُونُ) الْأَوَّلُ (قَابِضًا لِنَفْسِهِ) لِاكْتِيَالِهِ إيَّاهُ (وَإِنْ قَالَ) الْأَوَّلُ: لِلثَّانِي (أَنَا أَقْبِضُهُ لِنَفْسِي وَخُذْهُ بِالْكَيْلِ الَّذِي تُشَاهِدُهُ صَحَّ) ذَلِكَ.
(وَكَانَ) ذَلِكَ (قَبْضًا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَبْضًا لِلْغَرِيمِ الْمَقُولِ لَهُ ذَلِكَ) لِعَدَمِ كَيْلِهِ إيَّاهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ جِزَافًا وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ إنَّهُ يَجُوزُ قَبْضُ الْمَبِيعِ جِزَافًا إنْ عَلِمَاهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عَلَى رِوَايَةٍ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتَ رِوَايَتَيْنِ؛ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: مَا هُنَا خَاصٌّ بِالسَّلَمِ لِأَنَّهُ أَضْيَقُ، وَالْأَوَّلُ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ فَإِنَّهُ جَعَلَ مَا هُنَا فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي ذَلِكَ أَيْ: قَبْضِ الْمَكِيلِ جِزَافًا وَلَا بُدَّ مِنْ كَيْلٍ ثَانٍ فَيُحْمَلُ مَا تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِ الْمَكِيلِ (وَمَعْنَى الْقَوْلِ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَبْضٍ) لِلْغَرِيمِ (أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ بِدُونِ كَيْلٍ ثَانٍ فِيهِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الدَّافِعِ) مِنْهُ.

(وَإِنْ اكْتَالَهُ) الْأَوَّلُ (ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْمِكْيَالِ وَسَلَّمَهُ إلَى غَرِيمِهِ فَقَبَضَهُ صَحَّ الْقَبْضُ لَهُمَا) مَعًا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ اكْتَالَهُ حَقِيقَةً وَالثَّانِيَ حَصَلَ لَهُ اسْتِمْرَارُ الْكَيْلِ، وَاسْتِدَامَتُهُ كَابْتِدَائِهِ مَعَ إنَّهُ لَا تَحْصُلُ زِيَادَةُ عِلْمٍ بِابْتِدَائِهِ فَلَا مَعْنَى لَهُ.

(وَإِنْ دَفَعَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو دَرَاهِمَ) وَعَلَى زَيْدٍ طَعَامٌ لِعَمْرٍو (فَقَالَ) زَيْدٌ لِعَمْرٍو (اشْتَرِ لَكَ بِهَا مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي عَلَيَّ فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ) الشِّرَاءُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لِأَنَّهُ فُضُولِيٌّ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ بِمَالِ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) زَيْدٌ لِعَمْرٍو (اشْتَرِ لِي بِهَا) أَيْ: بِالدَّرَاهِمِ (طَعَامًا ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ صَحَّ الشِّرَاءُ) لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُ فِيهِ (وَلَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ لِنَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لِنَفْسِهِ فَرْعٌ عَنْ قَبْضِ مُوَكِّلِهِ وَلَمْ يُوجَدْ.
(وَإِنْ قَالَ) زَيْدٌ لِعَمْرٍو اشْتَرِ لِي بِدَرَاهِمَ مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي عَلَيَّ وَ (اقْبِضْهُ لِي ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ) بِأَنْ اشْتَرَى بِهَا طَعَامًا لَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ لَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ (صَحَّ) ذَلِكَ كُلُّهُ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ ثُمَّ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ؛ وَذَلِكَ صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ كِيسًا وَقَالَ: اسْتَوْفِ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّكَ فَفَعَلَ صَحَّ) كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ مِنْ اسْتِنَابَةِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِلْمُسْتَحِقِّ وَالزَّائِدُ أَمَانَةٌ.

(وَلَوْ أَذِنَ لِغَرِيمِهِ فِي الصَّدَقَةِ عَنْهُ بِدَيْنِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ أَوْ فِي صَرْفِهِ أَوْ) فِي (الْمُضَارَبَةِ بِهِ) وَنَحْوِهِ (أَوْ قَالَ اعْزِلْهُ وَضَارِبْ بِهِ) فَفَعَلَ (لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ (وَلَمْ يَبْرَأ) الْغَرِيمُ مِنْ الدَّيْنِ بِذَلِكَ لِأَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ (وَلَوْ قَالَ) رَبُّ الدَّيْنِ: (لَهُ) لِغَرِيمِهِ (تَصَدَّقْ عَنِّي بِكَذَا) وَلَمْ يَقُلْ مِنْ دَيْنِي (أَوْ) قَالَ: (أَعْطِ فُلَانًا كَذَا وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ دَيْنِي صَحَّ) ذَلِكَ.
(وَكَانَ اقْتِرَاضًا) لَا تَصَرُّفًا فِي الدَّيْنِ قَبْلَ قَبْضِهِ (كَمَا لَوْ قَالَهُ لِغَيْرِ غَرِيمِهِ) فَإِنَّهُ يَكُونُ اقْتِرَاضًا (وَيَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ) الَّذِي لِلْقَائِلِ عَلَى

الْغَرِيمِ (بِمِقْدَارِهِ) أَيْ: مِقْدَارِ مَا قَالَ لَهُ: تَصَدَّقْ بِهِ أَوْ أَعْطِهِ فُلَانًا عَنِّي (لِلْمُقَاصَّةِ) الْآتِيَةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي كَذَا بِكَذَا وَلَمْ يَقُلْ مِنْ دَيْنِي.

(وَمَنْ ثَبَتَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ مِثْلُ مَا لَهُ عَلَيْهِ) مِنْ الدَّيْنِ (قَدْرًا وَصِفَةً حَالًا أَوْ مُؤَجَّلًا أَجَلًا وَاحِدًا، لَا حَالًا وَمُؤَجَّلًا تَسَاقَطَا) إنْ اتَّفَقَ الدَّيْنَانِ قَدْرًا (أَوْ بِقَدْرِ الْأَقَلِّ) إنْ كَانَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ (وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَدَفْعِهِ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِشَبَهِهِ بِالْعَبَثِ (إلَّا إذَا كَانَا) أَيْ: الدَّيْنَانِ (أَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا دَيْنَ سَلَمٍ) فَلَا مُقَاصَّةَ (وَلَوْ تَرَاضَيَا) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي دَيْنِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَكَذَا لَوْ تَعَلَّقَ بِأَحَدِ الدَّيْنَيْنِ حَقٌّ كَمَا لَوْ بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ لِتَوْفِيَةِ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ مِثْلُ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ فَلَا مُقَاصَّةَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ وَكَمَا لَوْ بِيعَ بَعْضُ مَالِ الْمُفْلِسِ عَلَى بَعْضِ غُرَمَائِهِ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ مِنْ جِنْسِ مَا لَهُ عَلَى الْمُفْلِسِ فَلَا مُقَاصَّةَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ بَاقِي الْغُرَمَاءِ بِذَلِكَ.

(وَمَنْ عَلَيْهَا دَيْنٌ مِنْ جِنْسِ وَاجِبِ نَفَقَتِهَا لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ) عَلَيْهَا مِنْ نَفَقَتِهَا (مَعَ عُسْرَتِهَا) ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ بِمَا فَضَلَ عَنْ النَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي النَّفَقَاتِ) مُوَضَّحًا.

(وَمَتَى نَوَى مَدْيُونٌ بِأَدَاءِ دَيْنِهِ) إلَى غَرِيمِهِ (وَفَاءَ دَيْنِهِ بَرِئَ) مِنْهُ (وَإِلَّا) يَنْوِ قَضَاءَهُ (فَمُتَبَرِّعٌ) هَكَذَا ذَكَرُوهُ هُنَا وَفِي كُتُبِ الْأُصُولِ: مِنْ الْوَاجِبِ مَا لَا يُفْتَقَرُ إلَى نِيَّةٍ كَأَدَاءِ الدَّيْنِ وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهِمَا وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا نَوَى التَّبَرُّعَ لَا عَلَى مَا إذَا غَفَلَ، جَمْعًا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ.

(وَإِنْ وَفَّاهُ أَيْ: الدَّيْنَ حَاكِمٌ قَهْرًا) عَلَى مَدِينٍ؛ لِامْتِنَاعِهِ (كَفَتْ نِيَّتُهُ) أَيْ: الْحَاكِمِ (إنْ قَضَاهُ مِنْ) مَالِ (مَدْيُونٍ) وَكَذَا إنْ وَفَّاهُ عَنْ غَائِبٍ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَكَذَا لَوْ قَضَاهُ غَيْرُ حَاكِمٍ عَنْ مَدْيُونٍ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ (وَيَجِبُ أَدَاءُ دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ ") لِحَدِيثِ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» .

(وَلَا يَجِبُ) أَدَاءُ دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ (بِدُونِهَا) أَيْ: بِدُونِ الْمُطَالَبَةِ (عَلَى الْفَوْرِ) بَلْ يَجِبُ مُوَسَّعًا.
(قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: إذَا لَمْ يَكُنْ) الْمَدِينُ (عَيَّنَ لَهُ) أَيْ: لِرَبِّ الدَّيْنِ (وَقْتَ الْوَفَاءِ) فَيَقُومُ تَعْيِينُهُ مَقَامَ الْمُطَالَبَةِ عِنْدَهُ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (أَوَّلَ الْحَجْرِ) بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا.

(وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ صَاحِبُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَدِينِ (إعْلَامُهُ) أَيْ: رَبِّ الدَّيْنِ بِدَيْنِهِ لِئَلَّا يَكُونَ خَائِنًا لَهُ.

(وَلَا يَقْبِضُ) رَبُّ السَّلَمِ (الْمُسْلَمَ فِيهِ إلَّا بِمَا قُدِّرَ بِهِ مِنْ كَيْلٍ وَغَيْرِهِ) كَوَزْنٍ وَذَرْعٍ وَعَدٍّ (فَإِنْ قَبَضَهُ) أَيْ: الْمُسْلَمَ فِيهِ (جِزَافًا) اعْتَبَرَهُ بِمَا قُدِّرَ بِهِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ» (وَمِثْلُهُ)

أَيْ: مِثْلُ قَبْضِهِ جِزَافًا فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ (لَوْ قَبَضَ الْمَكِيلَ وَزْنًا أَوْ) قَبَضَ (الْمَوْزُونَ كَيْلًا) فَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ قَبْضَ مَا يُكَالُ بِالْكَيْلِ وَمَا يُوزَنُ بِالْوَزْنِ.

(أَوْ اكْتَالَ) مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ (لَهُ) أَيْ: لِلْمُسْتَحِقِّ (مَا عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ) بَعْدَ حُضُورِهِ (خُذْ هَذَا قَدْرَ حَقِّكَ فَقَبَضَهُ بِذَلِكَ) الْكَيْلِ السَّابِقِ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا؛ لِعَدَمِ مُشَاهَدَتِهِ كَيْلَهُ، (وَاعْتَبَرَهُ) قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ (بِمَا قُدِّرَ) أَيْ: كِيلَ (بِهِ أَوَّلًا) وَكَذَا حُكْمُ مَوْزُونٍ وَمَذْرُوعٍ وَمُعَدٍّ.

(وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ) إذَا قَبَضَهُ بِغَيْرِ مِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ (قَبْلَ اعْتِبَارِهِ) لِفَسَادِ الْقَبْضِ (ثُمَّ يَأْخُذُ) الْمُسْتَحِقُّ (قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَقْبُوضِ جِزَافًا وَنَحْوِهِ (فَإِنْ زَادَ فَالزَّائِدُ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ) لَا مَضْمُونَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ (يَجِبُ رَدُّهُ) لِرَبِّهِ (وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا طَالَبَ بِالنَّقْصِ) وَأَخَذَهُ (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْقَابِضِ (فِي قَدْرِهِ) أَيْ: النَّقْصِ (مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِقَبْضِ الزَّائِدِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.

(وَيُسْلِمُ) الْمُسْلَمُ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى رَبِّ السَّلَمِ (مِلْءَ الْمِكْيَالِ وَمَا يَحْمِلهُ) لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ (وَلَا يَكُونُ) الْمِكْيَالُ (مَمْسُوحًا مَا لَمْ تَكُنْ عَادَةً) فَيُعْمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ فِي الشَّرْعُ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ (وَلَا يَدُقُّ) الْمِكْيَالَ (وَلَا يَهُزُّهُ) فَتُكْرَهُ زَلْزَلَةُ الْكَيْلِ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَأْخُذَ فَوْقَ حَقِّهِ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ.

(وَإِنْ قَبَضَهُ) أَيْ: الْمُسْلَمَ فِيهِ (كَيْلًا) إنْ كَانَ مَكِيلًا (أَوْ وَزْنًا) إنْ كَانَ مَوْزُونًا (ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا وَنَحْوَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغَلَطِ (وَكَذَا حُكْمُ مَا قَبَضَهُ مِنْ مَبِيعٍ أَوْ دَيْنٍ آخَرَ) غَيْرِ السَّلَمِ إنْ قَبَضَهُ جِزَافًا قُبِلَ قَوْلُهُ: فِي قَدْرِهِ وَإِنْ قَبَضَهُ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ الْغَلَطَ وَتَقَدَّمَ.

وَمَنْ قَبَضَ دَيْنَهُ ثُمَّ بَانَ لَا دَيْنَ لَهُ ضَمِنَ مَا قَبَضَهُ وَلَوْ أَقَرَّ بِأَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ لَمْ يُبَادِرْ إلَى إيجَابِ ضَمَانِهِ حَتَّى يُفَسِّرَ أَنَّهُ عُدْوَانٌ.

(وَلَا يَصِحُّ أَخْذُ رَهْنٍ وَلَا كَفِيلٍ، وَهُوَ الضَّمِينُ بِمُسْلَمٍ فِيهِ) رُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ إذْ وَضَعَ الرَّهْنَ لِلِاسْتِيفَاءِ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْغَرِيمِ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، وَلَا مِنْ ذِمَّةِ الضَّامِنِ، حَذَرًا مِنْ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي " لَا يَصْرِفَهُ " رَاجِعٌ إلَى الْمُسْلَمِ فِيهِ وَلَكِنْ، يَشْتَرِي ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ وَيُسْلِمهُ وَيَشْتَرِيه الضَّامِنُ وَيُسَلِّمهُ، لِئَلَّا يَصْرِفهُ إلَى غَيْرِهِ وَلِهَذَا اخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَجَمْعٌ: الصِّحَّةَ (وَلَا) يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ أَيْضًا (بِثَمَنِهِ) أَيْ: رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ فَسْخِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ مَا سَبَقَ.

[بَابُ الْقَرْضِ]

(بَابٌ الْقَرْضُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا (وَهُوَ) فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ، مَصْدَرُ قَرَضَ الشَّيْءَ يَقْرِضُهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ قَطَعَهُ وَمِنْهُ الْمِقْرَاضُ، وَالْقَرْضُ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الِاقْتِرَاضِ وَشَرْعًا (دَفْعُ مَالٍ إرْفَاقًا لِمَنْ يُنْتَفَعُ بِهِ وَيُرَدُّ بَدَلُهُ) وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسِهَا لِمَصْلَحَةٍ لَاحَظَهَا الشَّارِعُ، رِفْقًا بِالْمَحَاوِيجِ وَالْأَصْلُ فِيهِ: الْإِجْمَاعُ: لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَ) هُوَ (نَوْعٌ مِنْ السَّلَفِ لِارْتِفَاقِهِ) أَيْ: انْتِفَاعِ الْمُقْتَرِضِ (بِهِ) أَيْ: بِمَا اقْتَرَضَهُ (وَيَصِحُّ) الْقَرْضُ (بِلَفْظِ: قَرْضٍ وَ) لَفْظِ (سَلَفٍ) لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِمَا (وَبِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُمَا) أَيْ: مَعْنَى الْقَرْضِ وَالسَّلَفِ (كَقَوْلِهِ: مَلَّكْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تَرُدَّ لِي بَدَلَهُ) أَوْ خُذْ هَذَا انْتَفِعْ بِهِ وَرُدَّ لِي بَدَلَهُ وَنَحْوَهُ (أَوْ تُوجَدُ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَتِهِ) أَيْ: الْقَرْضِ كَأَنْ سَأَلَهُ قَرْضًا (فَإِنْ قَالَ: مَلَّكْتُكَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَدَلَ وَلَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ) تَدُلُّ عَلَيْهِ (فَهُوَ هِبَةٌ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْهِبَةِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) فَقَالَ الْمُعْطِي: هُوَ قَرْضٌ وَقَالَ الْآخِذُ: هُوَ هِبَةٌ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخِذِ) إنَّهُ هِبَةٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ.

(وَهُوَ) أَيْ: الْقَرْضُ (عَقْدٌ لَازِمٌ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ) بِالْقَبْضِ لِكَوْنِهِ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ بِعِوَضٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ (جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُقْتَرِضِ) فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِيهِ.
(وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ) أَيْ: الْقَرْضِ (خِيَارٌ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا وَلَا فِي مَعْنَاهُ (وَهُوَ مِنْ الْمَرَافِقِ) جَمْعُ مَرْفَقٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ كَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ مَا ارْتَفَقْتَ بِهِ وَانْتَفَعْتَ (الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَشَفَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ " لَأَنْ أُقْرِضَ دِينَارَيْنِ ثُمَّ يُرَدَّانِ، ثُمَّ أُقْرِضُهُمَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِمَا " وَ (لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ) وَمِنْهُ: مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشْرَ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُقْتَرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

وَالْقَرْضُ (مُبَاحٌ لَلْمُقْتَرِضِ) وَلَيْسَ مَكْرُوهًا لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ (وَلَا إثْمَ عَلَى مَنْ سُئِلَ فَلَمْ يُقْرِضْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بَلْ مَنْدُوبٌ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَيْسَ هُوَ) أَيْ: سُؤَالُ الْقَرْضِ (مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْمُومَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذهُ بِعِوَضِهِ فَأَشْبَهَ الشِّرَاءَ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ.

(وَيَنْبَغِي) لِلْمُقْتَرِضِ (أَنْ يُعْلِمَ الْمُقْرِضَ بِحَالِهِ وَلَا يَغُرَّهُ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا يَسْتَقْرِضُ إلَّا مَا يَقْدِرُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ، إلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ مِثْلُهُ) عَادَةً لِئَلَّا يَضُرَّ بِالْمُقْرِضِ.
(وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ الشِّرَاءَ بِدَيْنٍ وَلَا وَفَاءَ) لِلدَّيْنِ (عِنْدَهُ، إلَّا الْيَسِيرُ) لِعَدَمِ تَعَذُّرِهِ عَادَةً.
(وَكَذَا الْفَقِيرُ يَتَزَوَّجُ) الْمَرْأَةَ (الْمُوسِرَةَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهَا بِحَالِهِ) أَيْ: فَقْرِهِ (لِئَلَّا يَغُرَّهَا) .

(وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ) أَيْ: الْقَرْضِ (بِمِقْدَارٍ مَعْرُوفٍ) مِنْ مِكْيَالٍ أَوْ صَنْجَةٍ أَوْ ذِرَاعٍ كَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ (فَلَوْ اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ الْوَزْنِ لَمْ يَصِحَّ) الْقَرْضُ لِلْجَهَالَةِ بِمِقْدَارِهَا فَيَتَعَذَّرُ رَدُّ مِثْلِهَا.
(وَإِنْ كَانَتْ) الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ (عَدَدِيَّةً يُتَعَامَلُ بِهَا عَدَدًا) لَا وَزْنًا (جَازَ قَرْضُهَا عَدَدًا وَيُرَدُّ) بَدَلُهَا (عَدَدًا) عَمَلًا بِالْعُرْفِ (وَلَوْ اقْتَرَضَ مَكِيلًا) جِزَافًا (أَوْ مَوْزُونًا جِزَافًا وَقَدَّرَهُ) أَيْ: الْمَكِيلَ (بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ) قَدَّرَ الْمَوْزُونَ ب (صَنْجَةٍ بِعَيْنِهَا، غَيْرِ مَعْرُوفِينَ عِنْدَ الْعَامَّةِ لَمْ يَصِحَّ) الْقَرْضُ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَ ذَلِكَ فَيَتَعَذَّرُ رَدُّ الْمِثْلِ (كَالسَّلَمِ) وَإِنْ كَانَ لَهُمَا عُرْفٌ صَحَّ الْقَرْضُ لَا التَّعْيِينُ.

(وَيُشْتَرَطُ وَصْفُهُ) أَيْ: مَعْرِفَةُ وَصْفِهِ لِيُرَدَّ بَدَلَهُ.

(وَ) يُشْتَرَطُ (أَنْ يَكُونَ الْمُقْرِضُ مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ فَلَمْ يَصِحَّ إلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ كَالصَّدَقَةِ (وَمِنْ شَأْنِهِ) أَيْ: الْقَرْضِ (أَنْ يُصَادِفَ ذِمَّةً) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الدَّيْنُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي الذِّمَمِ وَمَتَى أُطْلِقَتْ الْأَعْوَاضُ تَعَلَّقَتْ بِهَا.

وَلَوْ عُيِّنَتْ الدُّيُونُ مِنْ أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ لَمْ يَصِحَّ (فَلَا يَصِحُّ قَرْضُ جِهَةٍ كَمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ (وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي بَابِ الْوَقْفِ: وَلِلنَّاظِرِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ لِمَصْلَحَةٍ، كَشِرَائِهِ لَهُ) أَيْ: لِلْوَقْفِ (نَسِيئَةً أَوْ بِنَقْدٍ لَمْ يُعَيِّنْهُ) . وَفِي بَابِ اللَّقِيطِ: يَجُوزُ الِاقْتِرَاضُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِنَفَقَةِ اللَّقِيطِ وَكَذَا قَالَ فِي الْمُوجِزِ: يَصِحُّ قَرْضُ حَيَوَانٍ وَثَوْبٍ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ نَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الدَّيْنَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ، وَبِهَذِهِ الْجِهَاتِ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي فَلَا يَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ الْوَفَاءُ مِنْ مَالِهِ، بَلْ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ

وَمَا يَحْدُثُ لِبَيْتِ الْمَالِ، أَوْ يُقَالُ: لَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ رَأْسًا وَمَا هُنَا بِمَعْنَى الْغَالِبِ فَلَا تُرَدُّ الْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ لِنُدْرَتِهَا.

(وَيَصِحُّ) الْقَرْضُ (فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا) مِنْ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَذْرُوعٍ وَمَعْدُودٍ وَغَيْرِهِ (إلَّا الرَّقِيقَ فَقَطْ) فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَا هُوَ مِنْ الْمَرَافِقِ وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَقْتَرِضَ جَارِيَةً يَطَؤُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا.

(وَلَا يَصِحُّ قَرْضُ الْمَنَافِعِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ (وَجَوَّزَهُ الشَّيْخُ مِثْلَ أَنْ يَحْصُدَ مَعَهُ) إنْسَانٌ (يَوْمًا، وَيَحْصُدَ الْآخَرُ مَعَهُ يَوْمًا) بَدَلَهُ (أَوْ يُسْكِنَهُ دَارًا لِيُسْكِنَهُ الْآخَرُ) دَارًا (بَدَلَهَا) كَالْعَارِيَّةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ.

(وَيَتِمُّ) عَقْدُ الْقَرْضِ (بِقَبُولٍ) كَسَائِرِ الْعُقُودِ (وَيَمْلِكُ) الْقَرْضَ بِقَبْضِهِ (وَيَلْزَمُ بِقَبْضِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقِفُ التَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى الْقَبْضِ فَوَقْفُ الْمِلْكِ عَلَيْهِ كَالْهِبَةِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ كَمَا يَأْتِي (مَكِيلًا) كَانَ الْقَرْضُ (أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا أَوْ مَذْرُوعًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ) .

(وَلَهُ) أَيْ: لِلْمُقْتَرِضِ (الشِّرَاءُ بِهِ) أَيْ: بِالْقَرْضِ (مِنْ مُقْرِضِهِ) نَقَلَهُ مُهَنًّا لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فَكَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ (وَلَا يَمْلِكُ الْمُقْرِضُ اسْتِرْجَاعَهُ) أَيْ: الْقَرْضِ لِلُزُومِهِ مِنْ جِهَتِهِ بِالْقَبْضِ (مَا لَمْ يُفْلِسْ الْقَابِضُ، وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ) لِلْفَلَسِ قَبْلَ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ بَدَلِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهِ، كَمَا يَأْتِي فِي الْحَجْرِ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُقْرِضِ (طَلَبُ بَدَلِهِ) أَيْ: الْقَرْضِ (فِي الْحَالِ) مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ حَالًا فَكَانَ لَهُ طَلَبُهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْحَالَةِ؛ وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ فَكَانَ حَالًا كَالْإِتْلَافِ.

(وَلَا يَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ رَدُّ عَيْنِهِ) أَيْ: عَيْنِ مَا اقْتَرَضَهُ لِأَنَّهُ مَلَكُهُ مِلْكًا تَامًّا بِالْقَبْضِ (فَإِنْ رَدَّهَا) أَيْ: عَيْنَ مَا اقْتَرَضَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُقْرِضِ (لَزِمَهُ قَبُولُهُ) أَيْ: الْمَرْدُودِ (إنْ كَانَ مِثْلِيًّا) لِأَنَّهُ رَدَّهُ عَلَى صِفَةِ حَقِّهِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ كَالسَّلَمِ (وَهُوَ) أَيْ: الْمِثْلِيّ (الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ) الَّذِي لَا صِنَاعَةَ فِيهِ مُبَاحَةً يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ وَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.

(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقَرْضُ مِثْلِيًّا وَرَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ بِعَيْنِهِ (فَلَا) يَلْزَمُ الْمُقْرِضَ قَبُولُهُ لِأَنَّ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بِالْقَرْضِ قِيمَتُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا، وَإِذَا كَانَ الْقَرْضُ مِثْلِيًّا وَرَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ بِعَيْنِهِ لَزِمَ الْمُقْرِضَ أَخْذُهُ.

(وَلَوْ تَغَيَّرَ سِعْرُهُ) وَلَوْ بِنَقْصٍ (مَا لَمْ يَتَعَيَّبْ) كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ أَوْ عَفِنَتْ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَرًا لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ (أَوْ) يَكُنْ الْقَرْضُ (فُلُوسًا، أَوْ) يَكُنْ دَرَاهِمَ (مَكْسُورَةً فَيُحَرِّمُهَا) أَيْ: يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الْمُعَامَلَةِ بِهَا (السُّلْطَانُ) أَوْ نَائِبُهُ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ الْمُعَامَلَةِ بِهَا أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ كَالْعَيْبِ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا (فَلَهُ) أَيْ:

لِلْمُقْتَرَضِ (الْقِيمَةُ) عَنْ الْفُلُوسِ وَالْمُكَسَّرَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ (وَقْتَ قَرْضٍ) سَوَاءٌ كَانَتْ بَاقِيَةً أَوْ اسْتَهْلَكَهَا، وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَالْمَغْشُوشَةُ إذَا حَرَّمَهَا السُّلْطَانُ كَذَلِكَ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْفُلُوسَ إنْ لَمْ يُحَرِّمْهَا وَجَبَ رَدُّ مِثْلِهَا، غَلَتْ أَوْ رَخُصَتْ، أَوْ كَسَدَتْ وَتَكُونُ قِيمَةُ ذَلِكَ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ إنْ جَرَى فِيهِ رِبَا فَضْلٍ كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ مَكْسُورَةً فَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ أَعْطَى قِيمَتَهَا ذَهَبًا) حَذَرًا مِنْ رِبَا الْفَضْلِ (وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ) .

فَلَوْ أَقْرَضَهُ دَنَانِيرَ مَكْسُورَةً فَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ أَعْطَى قِيمَتَهَا فِضَّةً (وَكَذَا) فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (لَوْ كَانَتْ) الْفُلُوسُ أَوْ الْمُكَسَّرَةُ الَّتِي حَرَّمَهَا السُّلْطَانُ (ثَمَنًا مُعَيَّنًا) فِي عَقْدِ بَيْعٍ (لَمْ يَقْبِضْهُ) الْبَائِعُ (فِي) وَقْتِ عَقْدٍ عَلَى (مَبِيعٍ) حَتَّى حَرَّمَهَا السُّلْطَانُ (أَوْ رَدَّ) الْمُشْتَرِي (مَبِيعًا) لِعَيْبٍ، أَوْ خِيَارِ مَجْلِسٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ تَدْلِيسٍ أَوْ غَبْنٍ.
(وَرَامَ أَخْذَ ثَمَنِهِ) وَكَانَ فُلُوسًا أَوْ مُكَسَّرَةً، فَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ فَلَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ عُقِدَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ إنْ جَرَى بَيْنَهُمَا رِبَا فَضْلٍ، وَكَذَا سَائِرُ الدُّيُونِ، كَعِوَضِ خُلْعٍ وَعِتْقٍ وَمُتْلَفٍ مِنْ غَصْبٍ وَنَحْوِهِ وَأُجْرَةٍ وَنَحْوِهَا، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْمُقْرِضُ بِبَلَدِ الْمُطَالَبَةِ تَحْرُمُ الْمُعَامَلَةُ بِهِ فِي سِيرَةِ السُّلْطَانِ فَالْوَاجِبُ عَلَى أَصْلِنَا: الْقِيمَةُ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَسَادِ؛ لِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ، إذْ الضَّابِطُ أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ كَانَ ثَمَنًا فَصَارَ غَيْرَ ثَمَنٍ.

(وَيَجِبُ) عَلَى الْمُقْتَرِضِ (رَدُّ مِثْلٍ فِي) قَرْضِ (مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ) يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ لَا صِنَاعَةَ فِيهِ مُبَاحَةً قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا لِأَنَّهُ يُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ بِمِثْلِهِ فَكَذَا هُنَا، مَعَ أَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ شَبَهًا بِالْقَرْضِ مِنْ الْقِيمَةِ (سَوَاءٌ زَادَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ: الْمِثْلِ (عَنْ وَقْتِ الْقَرْضِ أَوْ نَقَصَتْ) قِيمَتُهُ عَنْ ذَلِكَ (فَإِنْ أَعْوَزَ الْمِثْلُ) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ عَوِزَ الشَّيْءُ عَوَزًا مِنْ بَابِ عَزَّ، فَلَمْ يُوجَدْ، وَأَعْوَزَنِي الْمَطْلُوبُ مِثْلُ أَعْجَزَنِي لَفْظًا وَمَعْنًى (لَزِمَ) الْمُقْتَرِضَ (قِيمَتُهُ) أَيْ: الْمِثْلِ (يَوْمَ إعْوَازِهِ) ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ.

(وَ) يَجِبُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ رَدُّ (قِيمَةِ مَا سِوَى ذَلِكَ) أَيْ: الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فَضُمِنَ بِقِيمَتِهِ كَالْغَصْبِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي الْمُتَقَوِّمِ أَنْ يَجُوزَ رَدُّ الْمِثْلِ بِتَرَاضِيهِمَا انْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا.

وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ مَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (مِنْ جَوَاهِرَ وَغَيْرِهَا) مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ (يَوْمَ قَبْضِهِ) ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ قِيمَتُهَا فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الرَّاغِبِ وَكَثْرَتِهِ فَتَنْقُصُ فَيَنْضَرُّ الْمُقْتَرِضُ، وَتَزِيدُ زِيَادَةً كَثِيرَةً فَيَنْضَرُّ الْمُقْرِضُ، وَقِيمَةُ مَا سِوَى ذَلِكَ يَوْمَ الْقَرْضِ، كَمَا فِي التَّنْقِيحِ

وَالْإِنْصَافِ وَقَالَ: جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْكَافِي وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ.

(وَلَوْ اقْتَرَضَ خُبْزًا) عَدَدًا (أَوْ) اقْتَرَضَ (خَمِيرًا عَدَدًا أَوْ رَدَّ) خُبْزًا أَوْ خَمِيرًا عَدَدًا (بِلَا قَصْدِ زِيَادَةٍ وَلَا) قَصْدِ (جَوْدَةٍ وَلَا شَرْطِهِمَا جَازَ) ذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْجِيرَانُ يَسْتَقْرِضُونَ الْخُبْزَ وَالْخَمِيرَ، وَيَرُدُّونَ زِيَادَةً وَنُقْصَانًا فَقَالَ -: لَا بَأْسَ، إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ مَرَافِقَ النَّاسِ لَا يُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ» ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي بِإِسْنَادِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَإِنْ قَصَدَ الزِّيَادَةَ وَالْجَوْدَةَ أَوْ شَرَطَهُمَا حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ نَفْعًا.

(وَلَوْ اقْتَرَضَ تَفَارِيقَ لَزِمَهُ) أَيْ: الْمُقْتَرِضَ (أَنْ يَرُدَّهَا جُمْلَةً) بِطَلَبِ رَبِّهَا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ حَالٌ.

(وَيَصِحُّ قَرْضُ الْمَاءِ كَيْلًا) كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَكِيلَاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَائِعٍ مَكِيلٌ كَمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا) يَجُوزُ (قَرْضُهُ) أَيْ: الْمَاءِ (لِسَقْيِ الْأَرْضِ إذَا قُدِّرَ) الْمَاءُ (بِأُنْبُوبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْ فَخَّارٍ، أَوْ رَصَاصٍ وَنَحْوِهِ عَلَى هَيْئَتِهَا.
(وَسُئِلَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ عَنْ عَيْنِ) مَاءٍ (بَيْنَ قَوْمٍ لَهُمْ نَوْبَاتٌ فِي أَيَّامٍ يَقْتَرِضُ) أَحَدُهُمْ (الْمَاءَ مِنْ نَوْبَةِ صَاحِبِ) يَوْمِ (الْخَمِيسِ لِيَسْقِيَ بِهِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ نَوْبَتَهُ فِي يَوْمَ السَّبْتِ؟ فَقَالَ) الْإِمَامُ: (إذَا كَانَ) الْمَاءُ (مَحْدُودًا يُعْرَفُ كَمْ يَخْرُجُ؟ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ رَدِّ الْمِثْلِ.
(وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَحْدُودًا يُعْرَفُ كَمْ يَخْرُجُ مِنْهُ) (أَكْرَهُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ مِثْلِهِ؛ لَعَلَّهُ لَا يَحْرُمُ لِأَنَّ الْمَاءَ الْبَعِيدَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، بَلْ رَبُّهَا أَحَقُّ بِهِ كَمَا سَبَقَ.

(وَيَثْبُتُ الْعِوَضُ) عَنْ الْقَرْضِ (فِي الذِّمَّةِ) أَيْ: ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ (حَالًا وَإِنْ أَجَّلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مُنِعَ فِيهِ مِنْ التَّفَاضُلِ فَمُنِعَ الْأَجَلُ فِيهِ كَالصَّرْفِ، إذْ الْحَالُ لَا يَتَأَجَّلُ بِالتَّأْجِيلِ وَهُوَ عِدَةُ تَبَرُّعٍ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ قَالَ أَحْمَدُ: الْقَرْضُ حَالٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ (وَيَحْرُمُ الْإِلْزَامُ بِتَأْجِيلِهِ) (أَيْ: الْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ إلْزَامٌ بِمَا لَا يَلْزَمُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: يَحْرُمُ تَأْجِيلُهُ وَكَذَا كُلُّ دَيْنٍ حَالٍ) (أَوْ) كَانَ مُؤَجَّلًا (حَلَّ أَجَلُهُ) لَا يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ يَحْرُمُ الْإِلْزَامُ بِهِ.
(وَلَا يَلْزَمُ) الْمُقْرِضَ (الْوَفَاءُ بِهِ) أَيْ: بِالتَّأْجِيلِ (؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ) أَيْ: الْمُقْرِضِ (أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ) نَصًّا (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ صِحَّةَ تَأْجِيلِهِ وَلُزُومَهُ إلَى أَجَلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ) الدَّيْنُ (فَرْضًا أَوْ غَيْرَهُ) كَثَمَنِ مَبِيعٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ وَنَحْوِهِ لِعَزْمِ حَدِيثِ «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .

" (وَيَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ، وَ) شَرْطُ (الضَّمِينِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَقْرَضَ مِنْ يَهُودِيٍّ شَعِيرًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَا جَازَ فِعْلُهُ جَازَ شَرْطُهُ؛ وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّوَثُّقِ بِالْحَقِّ

وَلَيْسَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ وَالضَّمَانُ كَالرَّهْنِ.

فَلَوْ عَيَّنَهَا وَجَاءَ بِغَيْرِهِمَا لَمْ يَلْزَمْ الْمُقْرِضَ قَبُولُهُ وَإِنْ كَانَ مَا أَتَى بِهِ خَيْرًا مِنْ الْمَشْرُوطِ وَحِينَئِذٍ يُخَيَّرُ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ إمْضَائِهِ بِلَا رَهْنٍ وَلَا كَفِيلٍ.

(فَإِنْ شَرَطَ) الْمُقْتَرِضُ (الْوَفَاءَ أَنْقَصَ مِمَّا اقْتَرَضَ) لَمْ يَجُزْ، لِإِفْضَائِهِ إلَى فَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ (أَوْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ يُؤَجِّرَهُ أَوْ يُقْرِضَهُ لَمْ يَجُزْ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (كَشَرْطِ) الْمُقْرِضِ (زِيَادَةً وَهَدِيَّةً وَشَرَطَ مَا يَجُرُّ نَفْعًا نَحْوَ أَنْ يُسْكِنَهُ الْمُقْتَرِضُ دَارِهِ مَجَّانًا، أَوْ رَخِيصًا أَوْ يَقْضِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ) فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ عَقْدُ إرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ فَإِذَا شُرِطَ فِيهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ.

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْقَدْرِ أَوْ الصِّفَةِ مِثْل أَنْ يُقْرِضَهُ مُكَسَّرَةً فَيُعْطِيَهُ صِحَاحًا وَنَحْوَهُ (أَوْ) شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ بَدَلَ الْقَرْضِ (فِي بَلَدٍ آخَرَ) لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا فِي الْجُمْلَةِ.
وَفِي الْمُغْنِي، (يَبِيعهُ شَيْئًا يُرَخِّصهُ عَلَيْهِ) لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهِ نَفْعًا (أَوْ) شَرَطَ الْمُقْرِضُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا، أَوْ أَنْ (يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ أَوْ) أَنْ (يُسَاقِيَهُ عَلَى نَخْلٍ أَوْ يُزَارِعَهُ عَلَى ضَيْعَةٍ، أَوْ) أَنْ (يُسْكِنَهُ الْمُقْرِضُ عَقَارًا بِزِيَادَةٍ عَلَى أُجْرَتِهِ، أَوْ) أَنْ (يَبِيعَهُ شَيْئًا بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ) أَنْ (يَسْتَعْمِلَهُ فِي صَنْعَةٍ وَيُعْطِيَهُ أَنْقَصَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَنَحْوُهُ) كُلُّ مَا فِيهِ جَرُّ مَنْفَعَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ: فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ (بِغَيْرِ شَرْطٍ بَعْدَ الْوَفَاءِ) وَلَا مُوَاطَأَةٍ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ عِوَضًا فِي الْقَرْضِ، وَلَا وَسِيلَةَ إلَيْهِ وَلَا إلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَرْضٌ (أَوْ قَضَى) الْمُقْتَرِضُ (أَكْثَرَ) مِمَّا اقْتَرَضَهُ جَازَ.
قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَيُعْفَى فِيهِمَا عَنْ الرُّجْحَانِ فِي الْقَضَاءِ إذَا كَانَ يَسِيرًا انْتَهَى وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً فِي الْقَضَاءِ بِأَنْ يُقْرِضَهُ دِرْهَمًا فَيُعْطِيَهُ أَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ رِبًا، وَصَرَّحَ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي: بِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ جَائِزَةٌ لِلْخَبَرِ وَهُوَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ لِلْوَزَّانِ: أَرْجِحْ» «وَيَقُولُ: خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» فَيُوَافِقُ كَلَامَ صَاحِبِ الْفُصُولِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ (أَوْ) قَضَى (خَيْرًا مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا اقْتَرَضَهُ (فِي الصِّفَةِ) بِأَنْ قَضَى صِحَاحًا عَنْ مُكَسَّرَةٍ، أَوْ جَيِّدًا عَنْ رَدِيءٍ، أَوْ أَجْوَدَ سِكَّةً مِمَّا اقْتَرَضَهُ جَازَ، لِأَنَّ مَبْنَى الْقَرْضِ عَلَى الْعَفْوِ لِأَجْلِ الرِّفْقِ (أَوْ) قَضَى (دُونَهُ) أَيْ: دُونَ مَا اقْتَرَضَهُ (بِتَرَاضِيهِمَا) أَيْ: الْمُقْتَرِضِ وَالْمُقْرِضِ (بِغَيْرِ مُوَاطَأَةٍ) عَلَى ذَلِكَ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا.
(أَوْ أَهْدَى) الْمُقْتَرِضُ (لَهُ) أَيْ: لِلْمُقْرِضِ (هَدِيَّةً) بَعْدَ الْوَفَاءِ جَازَ بِلَا شَرْطٍ وَلَا مُوَاطَأَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ تِلْكَ الزِّيَادَةَ عِوَضًا فِي

الْقَرْضِ، وَلَا وَسِيلَةَ إلَيْهِ وَلَا إلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَرْضٌ (أَوْ عَلِمَ) الْمُقْرِضُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمُقْتَرِضِ (الزِّيَادَةَ لِشُهْرَةِ سَخَائِهِ وَكَرَمِهِ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْوَفَاءِ " فَهَلْ يَسُوغُ لَأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ إقْرَاضَهُ مَكْرُوهٌ ".

(وَلَوْ أَرَادَ إرْسَالَ نَفَقَةٍ إلَى عِيَالِهِ فَأَقْرَضَهَا) أَيْ: النَّفَقَةَ (رَجُلًا لِيُوَفِّيَهَا لَهُمْ فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ (إذَا لَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهَا شَيْئًا) زَائِدًا عَنْهَا.

(وَإِنْ فَعَلَ) الْمُقْتَرِضُ شَيْئًا (مِمَّا فِيهِ نَفْعٌ) لِلْمُقْرِضِ مِنْ هَدِيَّةٍ وَنَحْوِهَا (قَبْلَ الْوَفَاءِ لَمْ يَجُزْ) كَمَا تَقَدَّمَ (مَا لَمْ يَنْوِ) الْمُقْرِضُ (احْتِسَابَهُ مِنْ دَيْنِهِ، أَوْ مُكَافَأَتَهُ عَلَيْهِ) أَيْ: مَا فَعَلَهُ مِمَّا فِيهِ نَفْعٌ فَيَجُوزُ نَصَّ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْمُقْرِضِ وَالْمُقْتَرِضِ (بِهِ) أَيْ: بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْإِهْدَاءِ وَنَحْوِهِ (قَبْلَ الْقَرْضِ) فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً بِهِ جَازَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «إذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأَهْدَى إلَيْهِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ فِيهِ كَلَامٌ.

(وَكَذَا) أَيْ: كَالْمُقْتَرَضِ فِيمَا ذَكَرَ (الْغَرِيمُ) أَيْ: كُلُّ مَدِينٍ غَيْرَهُ (فَلَوْ اسْتَضَافَ) أَيْ: (اسْتَضَافَ) الْمُقْتَرِضُ الْمُقْرِضَ (حَسَبَ لَهُ) أَيْ: الْمُقْرِضُ (مَا أَكَلَ) عِنْدَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ، لِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ كَافَأَهُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بَيْنَهُمَا بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ (وَهُوَ) أَيْ: الْمُقْرِضُ " (فِي الدَّعَوَاتِ) إذَا فَعَلَ الْمُقْتَرِضُ وَلِيمَةً أَوْ عَقِيقَةً وَنَحْوَهُمَا (كَغَيْرِهِ) مِمَّنْ لَا دَيْنَ لَهُ.

(وَلَوْ أَقْرَضَ) إنْسَانٌ (فَلَّاحَةَ فِي شِرَاءِ بَقَرٍ يَعْمَلُ عَلَيْهَا فِي أَرْضِهِ) بِالْحَرْثِ وَنَحْوِهِ (أَوْ) أَقْرَضَهُ فِي شِرَاءِ (بَذْرٍ يَبْذُرهُ فِيهَا) أَيْ: أَرْضِهِ (فَإِنْ شَرَطَ) الْمُقْرِضُ (ذَلِكَ فِي الْقَرْضِ لَمْ يَجُزْ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ (بِلَا شَرْطٍ أَوْ قَالَ) الْمُقْتَرِضُ (أَقْرِضْنِي أَلْفًا وَادْفَعْ إلَيَّ أَرْضَكَ أَزْرَعْهَا بِالثُّلُثِ حَرُمَ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهِ نَفْعًا نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى (وَجَوَّزَهُ الْمُوَفَّقُ وَجَمْعٌ) لِعَدَمِ الشَّرْطِ وَالْمُوَاطَأَةِ عَلَيْهِ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

(وَلَوْ أَقْرَضَ) إنْسَانٌ (مَنْ لَهُ عَلَيْهِ بُرٌّ) شَيْئًا (يَشْتَرِيهِ) أَيْ: الْبُرَّ (بِهِ ثُمَّ يُوَفِّيهِ إيَّاهُ جَازَ) الْعَقْدُ بِلَا كَرَاهَةٍ وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ وَقَالَهُ سُفْيَانُ قَالَ: أَمَرَّتَيْنِ؟ .

(وَإِنْ قَالَ:) الْمُقْرِضُ لِلْمُقْتَرَضِ (إنْ مِتُّ - بِضَمِّ التَّاءِ - فَأَنْتَ فِي حِلٍّ فَوَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ) كَسَائِرِ الْوَصَايَا.
(وَ) إنْ قَالَ لَهُ: إنْ مِتَّ (بِفَتْحِهَا) أَيْ: التَّاءِ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ (لَا يَصِحُّ،؛ لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ) وَشَرْطُ الْإِبْرَاءِ أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا، كَالْهِبَةِ.

(وَلَوْ جَعَلَ) إنْسَانٌ

(لَهُ) أَيْ: لِآخَر (جُعْلًا عَلَى اقْتِرَاضِهِ لَهُ بِجَاهِهِ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَبْذُلهُ مِنْ جَاهِهِ فَقَطْ (لَا أَنْ جَعَلَ لَهُ جُعْلًا عَلَى ضَمَانِهِ لَهُ) فَلَا يَجُوزُ نَصَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ فَيَلْزَمُهُ الدَّيْنُ وَإِنْ أَدَّاهُ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَصَارَ كَالْقَرْضِ فَإِذَا أَخَذَ عِوَضًا صَارَ الْقَرْضُ جَارًّا لِلْمَنْفَعَةِ فَلَمْ يَجُزْ، وَمَنَعَهُ الْأَزَجِيُّ فِي الْأَوَّلِ أَيْضًا.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ بِجَاهِهِ لِإِخْوَانِهِ) قَالَ الْقَاضِي: إذَا كَانَ مَنْ يَقْتَرِضُ لَهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْوَفَاءِ، لِكَوْنِهِ تَغْرِيرًا بِمَالِ الْمُقْرِضِ وَإِضْرَارًا بِهِ، أَمَّا إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْوَفَاءِ فَلَا يُكْرَهُ، لِكَوْنِهِ إعَانَةً لَهُ، وَتَفْرِيجًا لِكُرْبَتِهِ.

(وَلَوْ أَقْرَضَ غَرِيمَهُ الْمُعْسِرَ أَلْفًا لِيُوَفِّيَهُ مِنْهُ) أَيْ: الْأَلْفِ (وَمِنْ دَيْنِهِ الْأَوَّلِ كُلَّ وَقْتٍ شَيْئًا) جَازَ، وَالْكُلُّ حَالٌ (أَوْ قَالَ) الْمُقْرِضُ (أَعْطِنِي بِدَيْنِي رَهْنًا، وَأَنَا أُعْطِيكَ مَا تَعْمَلُ فِيهِ وَتَقْضِينِي دَيْنِي كُلَّهُ) أَيْ: الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ.
(وَيَكُونُ الرَّهْنُ عَنْ الدَّيْنَيْنِ، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا) بِعَيْنِهِ (جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اشْتِرَاطُ زِيَادَةٍ عَمَّا يَسْتَحِقّهُ عَلَيْهِ (وَالْكُلُّ) أَيْ: جَمِيعُ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي (حَالٌ) لَا يَتَأَجَّلُ بِقَوْلِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ أَقْرَضَهُ) أَثْمَانًا أَوْ غَيْرَهَا (أَوْ غَصَبَهُ أَثْمَانًا أَوْ غَيْرَهَا فَطَالَبَهُ الْمُقْرِضُ أَوْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِبَدَلِهَا) أَيْ: بِبَدَلِ الْأَثْمَانِ أَوْ غَيْرِهَا (بِبَلَدٍ آخَرَ) غَيْرِ بَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ الْغَصْبِ (لَزِمَهُ) أَيْ: الْمُقْتَرِضَ أَوْ الْغَاصِبَ دَفْعُ الْمِثْلِ الَّذِي لَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ قَضَاءَ الْحَقِّ بِلَا ضَرَرٍ (إلَّا مَا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ وَقِيمَتُهُ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ وَالْغَصْبِ أَنْقَصُ) مِنْ قِيمَتِهِ فِي بَلَدِ الطَّلَبِ (فَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُقْتَرِضَ أَوْ الْغَاصِبَ (إذَنْ قِيمَتُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي بَلَدِ الْقَرْضِ وَالْغَصْبِ (فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُقْرِضِ وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ (إذَنْ مُطَالَبَتُهُ بِالْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُ إلَى بَلَدِ الطَّلَبِ، فَيَصِيرُ كَالْمُتَعَذِّرِ وَإِذَا تَعَذَّرَ الْمِثْلُ تَعَيَّنَتْ الْقِيمَةُ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ بِبَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ الْغَصْبِ؛؛ لِأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهِ (وَلَا) مُطَالَبَةَ لِرَبِّهِ (بِقِيمَتِهِ فِي بَلَدِ الْمُطَالَبَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ: الْقَرْضِ أَوْ الْغَصْبِ (فِي الْبَلَدَيْنِ) أَيْ: بَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ الْغَصْبِ وَبَلَدِ الْمُطَالَبَةِ (سَوَاءً أَوْ) كَانَتْ قِيمَتُهُ (فِي بَلَدِ الْقَرْضِ) أَوْ الْغَصْبِ (أَكْثَرَ) مِنْ قِيمَتِهِ فِي بَلَدِ الْمُطَالَبَةِ (لَزِمَهُ أَدَاءُ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ بِلَا ضَرَرٍ عَلَيْهِ فِي أَدَائِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْقَرْضُ أَوْ الْغَصْبُ (مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ فَطَالَبَهُ) أَيْ: طَالَبَ رَبُّهُ الْمُقْتَرِضَ أَوْ الْغَاصِبَ (بِقِيمَتِهِ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ) أَوْ الْغَصْبِ (لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ وَاجِبٌ بِلَا ضَرَرٍ عَلَيْهِ فِيهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ طَالَبَهُ بَقِيَ فِي بَلَدِ الْمُطَالَبَةِ، وَكَانَتْ أَكْثَرَ لَمْ تَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُ إلَيْهَا.
(وَلَوْ بَذَلَ الْمُقْتَرِضُ)

لِلْمُقْرِضِ (أَوْ) بَذَلَ (الْغَاصِبُ) لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ (مَا فِي ذِمَّتِهِ) مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ (وَلَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهِ) أَيْ: لِلْمَبْذُولِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (لَزِمَ) لِلْمُقْرِضِ وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ (قَبُولُهُ مَعَ أَمْنِ الْبَلَدِ وَالطَّرِيقِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ إذَنْ فَإِنْ كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ أَوْ كَانَ الْبَلَدُ أَوْ الطَّرِيقُ مَخُوفًا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَلَوْ تَضَرَّرَ الْمُقْتَرِضُ أَوْ الْغَاصِبُ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ.
(فَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ بَاقِيًا) وَبَذَلَ الْغَاصِبُ بَدَلَهُ لِرَبِّهِ (لَمْ يُجْبَرْ رَبُّهُ عَلَى قَبُولِهِ) أَيْ: الْبَدَلِ (بِحَالٍ) لَا مَعَ مُؤْنَةٍ لِلْحَمْلِ، وَلَا مَعَ عَدَمِهَا، وَلَا مَعَ أَمْنٍ لِلْبَلَدِ وَالطَّرِيقِ، وَلَا مَعَ الْخَوْفِ لِأَنَّ دَفْعَ الْبَدَلِ مُعَاوَضَةٌ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمُمْتَنِعُ.

وَإِذَا اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى مِنْهُ بِهَا شَيْئًا فَخَرَجَتْ زُيُوفًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَلَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِبَدَلِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا دَرَاهِمُهُ فَعَيْبُهَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بَدَلُ مَا أَقْرَضَهُ إيَّاهُ بِصِفَتِهِ زُيُوفًا قَالَهُ أَحْمَدُ: وَحَمَلَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُغْنِي عَلَى مَا إذَا بَاعَهُ بِهَا وَهُوَ يَعْلَمُ عَيْبَهَا.

أَمَّا إذَا بَاعَهُ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ قَبَضَ هَذِهِ بَدَلًا عَنْهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهُ دَرَاهِمُ خَالِيَةٌ مِنْ الْعَيْبِ وَيَرُدُّ هَذِهِ عَلَيْهِ وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهَا عَلَى الْبَائِعِ وَفَاءً عَنْ الْقَرْضِ وَبَقِيَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.

وَلَوْ أَقْرَضَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْقَرْضُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُقْتَرِضِ شَيْءٌ.

[بَابُ الرَّهْنِ]

ُ (وَهُوَ) فِي اللُّغَةِ الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ يُقَالُ: مَاءٌ رَاهِنٌ، أَيْ: رَاكِدٌ وَنَعْمَةٌ رَاهِنَةٌ أَيْ: دَائِمَةٌ وَقِيلَ: هُوَ الْحَبْسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] أَيْ: مَحْبُوسَةٌ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ ثَابِتٌ فِي مَكَان لَا يُزَايِلُهُ وَشَرْعًا (تَوْثِقَةُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ) أَيْ: جَعْلُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ (يُمْكِنُ أَخْذُهُ) أَيْ: الدَّيْنِ (أَوْ) أَخْذُ (بَعْضِهِ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْعَيْنِ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ (أَوْ) يُمْكِنُ أَخْذُهُ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ (ثَمَنِهَا) أَيْ: ثَمَنِ الْعَيْنِ، إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ (إنْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهَا)

أَيْ: مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ.
وَفِي الزَّرْكَشِيّ: تَوْثِقَةُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى قَوْلٍ - يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ إنْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُقَدَّمَ لَا يَصِحُّ رَهْنُ الدَّيْنِ، وَلَوْ لِمَنْ هُوَ عِنْدَهُ، خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي السَّلَمِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَالرَّهْنُ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ كَالضَّمَانِ.

(وَيَجُوزُ فِي الْحَضَرِ كَالسَّفَرِ) خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذِكْرُ السَّفَرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، لِكَوْنِ الْكَاتِبِ يُعْدَمُ فِي السَّفَرِ غَالِبًا وَهُوَ لَا يَشْتَرِطُ عَدَمَ الْكَاتِبِ مَعَ ذِكْرِهِ فِيهَا.
(وَهُوَ لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ) أَيْ: بَعْدَ قَبْضِهِ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَلَزِمَ مِنْ جِهَتِهِ، كَالضَّمَانِ فِي حَقِّ الضَّامِنِ (جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ) لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ لَهُ وَحْدَهُ فَكَانَ لَهُ فَسْخُهُ كَالْمَضْمُونِ لَهُ وَ (يَجُوزُ عَقْدُهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (مَعَ الْحَقِّ) بِأَنْ يَقُولَ: بِعْتُك هَذَا بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ تَرْهَنُنِي بِهَا عَبْدَك فُلَانًا فَيَقُولُ الْآخَرُ: اشْتَرَيْت مِنْك وَرَهَنْتُك عَبْدِي لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى جَوَازِهِ إذَنْ.
(وَ) يَجُوزُ عَقْدُهُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْحَقِّ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى أَخْذِ الْوَثِيقَةِ بِهِ كَالضَّمَانِ، وَ (لَا) يَجُوزُ عَقْدُهُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ ثُبُوتِهِ كَالشَّهَادَةِ؛ وَلِأَنَّ الرَّهْنَ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، فَلَا يَسْبِقُهُ كَالثَّمَنِ لَا يَتَقَدَّمُ الْبَيْعَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الضَّمَانِ أَنَّ الضَّمَانَ الْتِزَامُ مَالٍ تَبَرُّعًا بِالْقَوْلِ فَجَازَ فِي غَيْرِ حَقٍّ ثَابِتٍ كَالنَّذْرِ.

(وَالْمَرْهُونُ: كُلُّ عَيْنٍ مَعْلُومَةٍ جُعِلَتْ وَثِيقَةً بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهَا) إنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ (أَوْ مِنْ ثَمَنِهَا) إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ وَكَثِيرًا مَا يُطْلَقُ الرَّهْنُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَرْهُونُ، مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ.
(وَالْمُرَادُ كُلُّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ، لِيُتَوَصَّلَ إلَى اسْتِيفَائِهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ الرَّهْنِ وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَصِحُّ بَيْعُهَا فَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّهَا تُمْلَكُ إلَى حُلُولِ الْحَقِّ.

وَلَوْ رَهَنَهُ أُجْرَةَ دَارِهِ شَهْرًا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ (حَتَّى الْمُؤَجَّرِ) يَجُوزُ لِمَالِكِهِ رَهْنُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ فَهُوَ كَالْمُعَارِ (وَ) حَتَّى (الْمُكَاتَبِ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ.
(وَيُمَكَّنُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: الْمُكَاتَبُ (مِنْ الْكَسْبِ كَمَا كَانَ) قَبْلَ أَنْ يُرْهَنَ.

وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ (وَمَا أَدَّاهُ) مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ (رُهِنَ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ كَنَمَائِهِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ أَدَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ وَرُقَّ (كَانَ هُوَ وَكَسْبُهُ رَهْنًا)

بِالدَّيْنِ (وَإِنْ عَتَقَ) الْمُكَاتَبُ (كَانَ مَا أَدَّاهُ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ رَهْنًا) كَمَنْ مَاتَ بَعْدَ كَسْبِهِ.

(فَأَمَّا) الرَّقِيقُ (الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ) بِأَنْ قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: إذَا جَاءَ وَقْتُ كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ (فَإِنْ كَانَتْ) الصِّفَةُ (تُوجَدُ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ لَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ) لِعَدَمِ إمْكَانِ بَيْعِهِ عِنْدَ حُلُولِهِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُوجَدْ قَبْلَ حُلُولِهِ (صَحَّ) رَهْنُهُ لِإِمْكَانِ بَيْعِهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الصِّفَةُ (تَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ) أَيْ: الْوُجُوبَ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ وَبَعْدَهُ (ك) أَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِ (قُدُومِ زَيْدٍ صَحَّ) رَهْنُهُ (أَيْضًا) كَالْمُدَبَّرِ وَالْمَرِيضِ.

(وَتَصِحُّ زِيَادَةُ رَهْنٍ) بِأَنْ اسْتَدَانَ مِنْهُ مِائَةً وَرَهَنَهُ عَلَيْهَا عَبْدًا، ثُمَّ زَادَهُ عَلَيْهَا ثَوْبًا فَيَصِحّ؛ لِأَنَّهُ تَوْثِقَةٌ.
(وَيَكُونُ حُكْمُهَا) أَيْ: الزِّيَادَةِ (حُكْمَ الْأَصْلِ) الْمَرْهُونِ أَوَّلًا، و (لَا) تَصِحُّ (زِيَادَةُ دَيْنِهِ) أَيْ: دَيْنِ الرَّهْنِ بِأَنْ اسْتَدَانَ مِنْهُ مِائَةً وَرَهَنَهُ عَلَيْهَا عَيْنًا، ثُمَّ اسْتَدَانَ مِنْهُ مِائَةً أُخْرَى وَجَعَلَ الرَّهْنَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ رَهْنُ مَرْهُونٍ (كَالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ) بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ، فَإِنَّهَا لَا تَلْحَقُ بِالْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِ الرَّهْنِ صَحَّ وَكَانَ رَهْنًا عَلَى الْمِائَتَيْنِ.

(وَيَصِحُّ الرَّهْنُ مِمَّنْ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَتَبَرُّعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ إذْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَلَوْ كَانَ) الرَّهْنُ (مِنْ غَيْر مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ) الْمَرْهُونُ عَلَيْهِ (فَيَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ الْإِنْسَانُ مَالَ نَفْسِهِ عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ) أَيْ: الْمَدِينِ (كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَهُ) بِغَيْرِ رِضَاهُ.
(وَأَوْلَى) أَيْ: صِحَّةُ الرَّهْنِ عَنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ أَوْلَى مِنْ صِحَّةِ ضَمَانِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ (وَهُوَ) أَيْ: الرَّهْنُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (نَظِيرُ إعَارَتِهِ) أَيْ: الْمَدِينِ شَيْئًا (لِلرَّهْنِ وَصَرَّحَ بِهِ) أَيْ: بِجَوَازِ رَهْنِ الْإِنْسَانِ مَالَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ (الشَّيْخُ) إذَا عَلِمْت أَنَّ الرَّهْنَ يَصِحُّ مِمَّنْ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَتَبَرُّعُهُ.

(فَلَا يَصِحُّ) الرَّهْنُ (مِنْ سَفِيهٍ وَمُفْلِسٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمَا.
(وَ) لَا مِنْ (مُكَاتَبٍ وَعَبْدٍ وَلَوْ مَأْذُونًا لَهُمْ فِي تِجَارَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُمْ (وَنَحْوُهُمْ) كَالْمُمَيِّزِ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَحْوِهِ رَهْنُ مَالِهِ لِمَصْلَحَةٍ وَيَكُونُ بِيَدِ عَدْلٍ.

(وَلَا يَصِحُّ) الرَّهْنُ (مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ) كَالْبَيْعِ (وَلَا) يَصِحُّ الرَّهْنُ (بِدُونِ إيجَابٍ وَقَبُولٍ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا) مِنْ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ (وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ) أَيْ: الرَّهْنِ (وَ) مَعْرِفَةِ (قَدْرِهِ وَصِفَتِهِ وَجِنْسِهِ) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ عَلَى مَالٍ فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ كَبَاقِي الْعُقُودِ.
(وَ) لَا بُدَّ مِنْ (مِلْكِهِ) أَيْ: الرَّاهِنِ لِلرَّهْنِ (وَلَوْ) كَانَ يَمْلِكُ (مَنَافِعَهُ) دُونَ عَيْنِهِ (بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ) إنْسَانٌ (شَيْئًا) لِيَرْهَنَهُ (أَوْ) كَانَ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِهِ بِأَنْ (يَسْتَعِيرَهُ لِيَرْهَنَهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ فِيهِمَا) فَيَصِحُّ الرَّهْنُ إذَنْ (وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ) الْمَدِينُ (لَهُمَا) أَيْ: لِلْمُؤَجِّرِ وَالْمُعِيرِ (قَدْرَ الدَّيْنِ) الَّذِي يَرْهَنُهُمَا بِهِ.

(لَكِنْ يَنْبَغِي) لِلْمَدِينِ (أَنْ يَذْكُرَ) لِلْمُؤَجِّرِ، وَالْمُعِيرِ (الْمُرْتَهَنَ وَالْقَدْرَ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ وَجِنْسَهُ) أَيْ: جِنْسَ الْقَدْرِ الَّذِي يَرْهَنُهُ.
(وَ) أَنْ يَذْكُرَ لَهُمَا (مُدَّةَ الرَّهْنِ) لِئَلَّا يَغُرَّهُمَا (وَمَتَى شَرَطَ) الرَّاهِنُ (شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْمُرْتَهَنُ وَقَدْرُ الدَّيْنِ وَجِنْسُهُ وَمُدَّةُ الرَّهْنِ (فَخَالَفَ وَرَهَنَهُ بِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ.

(فَإِنْ أَذِنَ) الْمُؤَجِّرُ وَالْمُعِيرُ (لَهُ) أَيْ: لِلرَّاهِنِ (فِي رَهْنِهِ) أَيْ: رَهْنِ مَا اسْتَأْجَرَهُ أَوْ اسْتَعَارَهُ لِذَلِكَ (بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ) كَمِائَةٍ مَثَلًا (فَنَقَصَ عَنْهُ) بِأَنْ رَهَنَهُ بِثَمَانِينَ مَثَلًا (صَحَّ) الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ (وَ) إنْ رَهَنَهُ (بِأَكْثَرَ) كَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ مَثَلًا (صَحَّ) الرَّهْنُ (فِي الْقَدْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ) وَهُوَ الْمِائَةُ (فَقَطْ) وَبَطَلَ فِي الزِّيَادَةِ، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَهُ بِدَنَانِيرَ فَرَهَنَهُ بِدَرَاهِمَ، أَوْ بِمُؤَجَّلٍ فَرَهَنَهُ بِحَالٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَأْذُونًا فِيهِ بِحَالٍ.

(وَلِمُعِيرٍ) لِلرَّهْنِ (أَنْ يُكَلِّفَ رَاهِنَهُ فَكَّهُ فِي مَحَلِّ الْحَقِّ) أَيْ: أَجَلِهِ (وَقَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ.

(وَلَهُ) أَيْ: لِلْمُعِيرِ لِلرَّهْنِ (الرُّجُوعُ) فِي الْإِذْنِ فِي الرَّهْنِ (قَبْلَ إقْبَاضِهِ الْمُرْتَهَنَ) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالْقَبْضِ وَكَذَا الْمُؤَجِّرُ لَهُ الرُّجُوعُ إذَا أَذِنَ لِلْمُسْتَأْجَرِ فِي رَهْنه قَبْلَ إقْبَاضِهِ (لَا الْمُؤَجِّرُ) عَيْنًا لِمَنْ يَرْهَنُهَا أَوْ يَنْتَفِعُ بِهَا ثُمَّ أَذِنَهُ أَنْ يَرْهَنَهَا أَوْ أَقْبَضَهَا فَلَا رُجُوعَ لَهُ (قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ) لِلُزُومِهَا (وَيُبَاعُ) الرَّهْنُ الْمُسْتَأْجَرُ أَوْ الْمُسْتَعَارُ (إنْ لَمْ يَقْضِ الرَّاهِنُ الدَّيْنَ) فَيَبِيعُهُ الْحَاكِمُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ رَبُّهُ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى عَقْدِ الرَّهْنِ.

(فَإِنْ بِيعَ) الرَّهْنُ (رَجَعَ) الْمُؤَجِّرُ أَوْ الْمُعِيرُ عَلَى الرَّاهِنِ (بِمِثْلِهِ فِي الْمِثْلِيِّ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مِثْلِيًّا رَجَعَ بِهِ (بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ: مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَا بِيعَ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ بِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ ضَمِنَ الرَّاهِنُ النَّقْصَ، وَإِنْ بِيعَ بِأَكْثَرَ كَانَ ثَمَنُهُ كُلُّهُ، وَيُؤَيِّدُهُ: أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الرَّهْنِ رَجَعَ الثَّمَنُ كُلُّهُ إلَى صَاحِبِهِ فَإِذَا قَضَى بِهِ الرَّاهِنُ دَيْنَهُ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ ضَمَانِ النَّقْصِ أَنْ لَا تَكُونَ الزِّيَادَةُ لِلْمَالِكِ، كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ، وَالْمَنْصُوصُ: يَرْجِعُ رَبُّهُ بِقِيمَتِهِ لَا بِمَا بِيعَ بِهِ، سَوَاءٌ زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ أَوْ نَقَصَ صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَقَالَ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ.

(فَلَوْ تَلِفَ) الرَّهْنُ الْمُؤَجَّرُ، أَوْ الْمُسْتَعَارُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ (ضَمَّنَ) الرَّاهِنُ (الْمُسْتَعِيرَ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ مُطْلَقًا

كَمَا يَأْتِي دُونَ الْمُؤَجِّرِ فَلَا يَضْمَنُهُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ.

(وَإِنْ فَكَّ الْمُعِيرُ أَوْ الْمُؤَجِّرُ الرَّهْنَ، وَأَدَّى) الدَّيْنَ (الَّذِي عَلَيْهِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ رَجَعَ) الْمُعِيرُ أَوْ الْمُؤَجِّرُ (بِهِ) أَيْ: بِمَا أَدَّاهُ عَنْهُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الرَّاهِنِ (وَإِنْ قَضَاهُ) أَيْ: الدَّيْنَ الْمُؤَجِّرُ أَوْ الْمُعِيرُ (مُتَبَرِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) ؛ لِتَبَرُّعِهِ بِهِ وَكَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ تَبَرُّعًا وَلَا رُجُوعًا.

(وَإِنْ قَضَاهُ) أَيْ: قَضَى الْمُعِيرُ أَوْ الْمُؤَجِّرُ الدَّيْنَ عَنْ الرَّاهِنِ (بِغَيْرِ إذْنِهِ نَاوِيًا الرُّجُوعَ) عَلَيْهِ (رَجَعَ) ؛ لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِدَيْنٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ رُجُوعًا لَمْ يَرْجِعْ.

(فَإِنْ) اسْتَأْجَرَ أَوْ اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ وَرَهَنَهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ.
(قَالَ) الرَّاهِنُ: لِرَبِّهِ (أَذِنْت لِي فِي رَهْنِهِ بِعَشَرَةٍ فَقَالَ) رَبُّهُ (بَلْ) أَذِنْت لَك فِي رَهْنِهِ (بِخَمْسَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْإِذْنِ فِي الزِّيَادَةِ وَيَكُونُ رَهْنًا بِالْخَمْسَةِ فَقَطْ.

(وَلَوْ رَهَنَهُ) أَيْ: رَهَنَ مَدِينٌ رَبَّ دَيْنٍ (دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا لَمْ يَنْفَسِخْ عَقْدُ الرَّهْنِ) ؛ لِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ (وَلِلْمُرْتَهِنِ الْخِيَارُ، إنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي الْبَيْعِ) فَإِنْ شَاءَ أَمْضَى الْبَيْعَ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، لِفَوَاتِ شَرْطِهِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْبَيْعِ فَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ، وَكَذَا قَرْضٌ.

(وَيَصِحُّ) الرَّهْنُ (بِكُلِّ دَيْنٍ وَاجِبٍ) كَقَرْضٍ، وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ (أَوْ) دَيْنٍ (مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ) كَثَمَنٍ فِي مُدَّةِ خِيَارٍ (حَتَّى) يَصِحَّ أَخْذُ الرَّهْنِ (عَلَى عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ: كَالْغُصُوبِ وَالْعَوَارِيِّ، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ وَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الْوَثِيقَةُ بِالْحَقِّ وَهَذَا حَاصِلٌ فَإِنَّ الرَّهْنَ بِهَذِهِ الْأَعْيَانِ يَحْمِلُ الرَّاهِنَ عَلَى أَدَائِهَا وَإِنْ تَعَذَّرَ أَدَاؤُهَا اسْتَوْفَى بِهِ لَهَا مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ فَأَشْبَهْت مَا فِي الذِّمَّةِ (قَالَ فِي الْفَائِقِ: قُلْت: وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ الرَّهْنُ عَلَى عَوَارِي الْكُتُبِ الْمَوْقُوفَةِ وَنَحْوِهَا) كَالْأَسْلِحَةِ وَالدُّرُوعِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْغُزَاةِ (انْتَهَى) يَعْنِي إنْ قُلْنَا: هِيَ مَضْمُونَةٌ صَحَّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَيَأْتِي فِي الْعَارِيَّةِ أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فَلَا يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ لِلْوَقْفِ، فَيَصِحُّ الضَّمَانُ أَيْضًا لِجِهَةِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ مَا صَحَّ رَهْنُهُ صَحَّ ضَمَانُهُ.

(وَيَصِحُّ) أَخْذُ الرَّهْنِ (عَلَى نَفْعِ إجَارَةٍ فِي الذِّمَّةِ ك) مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِ (خِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبِنَاءِ دَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَحَمْلِ مَعْلُومٍ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ الْأَجِيرُ بِيعَ الرَّهْنُ وَاسْتُؤْجِرَ مِنْهُ مَنْ يَعْمَلُهُ.

(لَا) يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ (عَلَى دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَةٍ قَبْلَ الْحُلُولِ) لِعَدَمِ وُجُوبِهَا إذَنْ (وَ) أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْحُلُولِ (يَصِحُّ) لِوُجُوبِهَا إذَنْ.

(وَلَا) يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ (عَلَى دَيْنِ كِتَابَةٍ) لِعَدَمِ وُجُوبِهِ (وَ) لَا عَلَى (جُعْلٍ فِي جِعَالَةٍ) قَبْلَ الْعَمَلِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ (وَ) لَا

عَلَى (عِوَضٍ فِي مُسَابَقَةٍ قَبْلَ الْعَمَلِ) لِعَدَمِ وُجُوبِهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَئُولُ لِلْوُجُوبِ.

(وَأَخْذُ) الرَّهْنِ بِالْجُعْلِ فِي الْجِعَالَةِ وَبِالْعِوَضِ فِي الْمُسَابَقَةِ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْعَمَلِ (وَيَصِحُّ فِيهِمَا ") لِاسْتِقْرَارِ الْجُعْلِ وَالْعِوَضِ إذَنْ.

(وَلَا) يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ (عَلَى عُهْدَةِ مَبِيعٍ) ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا وَثَّقَ عَلَى عُهْدَةِ الْمَبِيعِ فَكَأَنَّهُ مَا قَبَضَ الثَّمَنَ، وَلَا ارْتَفَقَ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ فَيَعُمُّ ضَرَرُهُ بِمَنْعِ الْبَائِعِ التَّصَرُّفَ فِيهِ.

(وَ) لَا يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِ (عِوَضٍ غَيْرِ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، كَثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، وَأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي إجَارَةٍ وَمَعْقُودٍ عَلَيْهِ فِيهَا) أَيْ: الْإِجَارَةِ (إذَا كَانَ مَنَافِعَ) عَيْنٍ (مُعَيَّنَةٍ، كَدَارٍ) مُعَيَّنَةٍ وَعَبْدٍ مُعَيَّنٍ (وَدَابَّةٍ) مُعَيَّنَةٍ (لِحَمْلِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ إلَى مَكَان مَعْلُومٍ) ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَلَا يَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي أَعْيَانِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَيَنْفَسِخُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا بِتَلَفِهَا.

(وَيَصِحُّ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ) كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ (بِدَيْنٍ حَالٍ أَوْ مُؤَجَّلٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ (إذَا كَانَ) الدَّيْنُ (مُؤَجَّلًا وَكَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ كَالْعِنَبِ فَعَلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ حِفْظِهِ وَتَبْقِيَتِهِ أَشْبَهَ نَفَقَةَ الْحَيَوَانِ.
(وَإِنْ كَانَ) الرَّهْنُ (مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ) كَالْبِطِّيخِ وَالطَّبِيخِ (وَشَرْطُ) فِي الرَّهْنِ (بَيْعِهِ وَجَعْلِ ثَمَنِهِ رَهْنًا) مَكَانَهُ (فِعْلُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَطْلَقَ بِيعَ) أَيْ: بَاعَهُ الْحَاكِمُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ رَبُّهُ (أَيْضًا) وَجَعَلَ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ كَمَا يَأْتِي؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلُ الْعَيْنِ، وَبَدَلُ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ قَدْ حَلَّ، وَإِلَّا قُضِيَ مِنْ ثَمَنِهِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِيمَنْ رَهَنَ وَغَابَ وَخَافَ الْمُرْتَهِنُ فَسَادَهُ أَوْ ذَهَابَهُ فَلْيَأْتِ السُّلْطَانَ حَتَّى يَبِيعَهُ: كَمَا أَرْسَلَ ابْنُ سِيرِينَ إلَى إيَاسٍ يَأْذَنُ لَهُ فِي بَيْعِهِ فَإِذَا بَاعَهُ حَفِظَهُ حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهُ فَيَدْفَعَهُ إلَيْهِ بِأَسْرِهِ حَتَّى يَكُونَ صَاحِبُهُ يَقْبِضُهُ.

(وَإِنْ شَرَطَ) فِي رَهْنِ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ (أَنْ لَا يُبَاعَ لَمْ يَصِحَّ) الشَّرْطُ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ (كَمَا لَوْ شَرَطَ) فِي الرَّهْنِ (عَدَمَ النَّفَقَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ) الْمَرْهُونِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى هَلَاكِهِ فَيَفُوتُ الْغَرَضُ مِنْ التَّوْثِيقِ (وَحَيْثُ يُبَاعُ) الرَّهْنُ.

(فَإِنْ كَانَ) الرَّهْنُ (جُعِلَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ) فِي الْعَقْدِ (أَوْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ بَعْدَ الْعَقْدِ) بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُ رَبِّهِ (أَوْ اتَّفَقَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (عَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ) يَبِيعُهُ بَاعَهُ (أَوْ) اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ (غَيْرَهُ يَبِيعُهُ بَاعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُ مَالِكِهِ وَمَأْذُونٌ لَهُ مِنْ قِبَلِ الْمُرْتَهِنِ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (بَاعَهُ الْحَاكِمُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ وَالْغَائِبِ (وَجَعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا) مَكَانَهُ

(إلَى الْحُلُولِ) لِقِيَامِ الْبَدَلِ مَقَامَ الْمُبْدَلِ (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ رَهَنَهُ ثِيَابًا فَخَافَ) الْمُرْتَهِنُ (تَلَفَهَا أَوْ) رَهَنَهُ (حَيَوَانًا فَخَافَ) الْمُرْتَهِنُ (مَوْتَهُ) فَيُبَاعُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ أَبِي طَالِبٍ.

(وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ مِنْ الشَّرِيكِ وَمِنْ أَجْنَبِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي مَحَلِّ الْحَقِّ أَشْبَهَ الْمُفْرِزَ (ثُمَّ إنْ كَانَ) الْمَرْهُونُ بَعْضَهُ (مَا لَا يُنْقَلُ) كَالْعَقَارِ (خَلَّى) الرَّاهِنُ (بَيْنَهُ) أَيْ: الرَّهْنِ.
(وَبَيْنَهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الشَّرِيكُ) وَلَمْ يَأْذَنْ، إذْ لَيْسَ فِي التَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَعَدٍّ عَلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَرْهُونُ بَعْضَهُ (مِمَّا يُنْقَلُ) كَالثِّيَابِ وَالْبَهَائِمِ (فَرَضِيَ الشَّرِيكُ وَالْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَتَجَاوَزُهُمَا.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ (جَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِ أَمِينٍ أَمَانَةً) أَوْ بِأُجْرَةٍ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُرْتَهَنِ وَاجِبٌ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا؛ لِكَوْنِهِ مُشَاعًا فَتَعَيَّنَ مَا ذُكِرَ؛ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى الْقَبْضِ الْوَاجِبِ (وَلَهُ) أَيْ: لِلْحَاكِمِ (أَنْ يُؤَجِّرَهُ) عَلَيْهِمَا لِوُجُودِ الْمَصْلَحَةِ لَهُمَا بِذَلِكَ.
(وَيَصِحُّ أَنْ يَرْهَنَ) إنْسَانٌ (بَعْضَ نَصِيبِهِ مِنْ الْمُشَاعِ كَأَنْ يَرْهَنَ نِصْفَ نَصِيبِهِ أَوْ) يَرْهَنَ (نَصِيبَهُ مِنْ مُعَيَّنٍ) فِي مُشَاعٍ (مِثْلَ) أَنْ يَكُونَ لَهُ (نِصْفُ دَارٍ فَيَرْهَنُ نَصِيبَهُ مِنْ بَيْتٍ مِنْهَا) أَيْ: الدَّارِ (بِعَيْنِهِ لِشَرِيكِهِ أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ شَرِيكِهِ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ كَانَ) النَّصِيبُ (مِمَّا) أَيْ: مِنْ عَقَارٍ (تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ) بِلَا ضَرَرٍ وَلَا رَدِّ عِوَضٍ.
(فَإِنْ اقْتَسَمَا) أَيْ: الرَّاهِنُ وَشَرِيكُهُ الْعَقَارَ الْمُشْتَرَكَ (فَوَقَعَ) الْمُعَيَّنُ (الْمَرْهُونُ) بَعْضَهُ وَهُوَ الْبَيْتُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ (لِغَيْرِ الرَّاهِنِ لَمْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ) ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ بِمَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ فَيُمْنَعُ مِنْ الْقِسْمَةِ الْمُضِرَّةِ، كَمَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ (قَطَعَ بِهِ) أَيْ: بِعَدَمِ صِحَّةِ الْقِسْمَةِ (الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ) وَمَعْنَاهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.

(وَيَصِحُّ رَهْنُ الْقِنِّ الْمُرْتَدِّ وَ) الْقِنِّ (الْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ) وَلَوْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ (وَ) الْقِنِّ (الْجَانِي عَمْدًا كَانَتْ الْجِنَايَةُ أَوْ خَطَأً، عَلَى النَّفْسِ أَوْ دُونَهَا) كَالْأَطْرَافِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ فِي مَحَلِّ الْحَقِّ (فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا بِالْحَالِ) مِنْ الرِّدَّةِ وَالْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْجِنَايَةِ (فَلَا خِيَارَ لَهُ) لِدُخُولِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْمُرْتَهِنُ (عَالِمًا) بِالْحَالِ (ثُمَّ عَلِمَ) بِهِ (بَعْدَ إسْلَامِ الْمُرْتَدِّ وَفِدَاءِ الْجَانِي فَكَذَلِكَ) أَيْ: لَا خِيَارَ لَهُ؛ (لِأَنَّ الْعَيْبَ زَالَ) بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ.
(وَإِنْ عَلِمَ) الْمُرْتَهِنُ بِالْحَالِ (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: لَا قَبْلَ إسْلَامِ الْمُرْتَدِّ أَوْ فِدَاءِ الْجَانِي (فَلَهُ رَدُّهُ) أَيْ: الرَّهْنِ (وَفَسْخُ الْبَيْعِ إنْ كَانَ) الرَّهْنُ (مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ) أَيْ: عَقْدِ الْبَيْعِ، إذْ الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ فَلَمْ يُوفِ لَهُ بِشَرْطِهِ.
(وَإِنْ اخْتَارَ) الْمُرْتَهِنُ

(إمْسَاكَهُ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (فَلَا أَرْشَ لَهُ) لِذَلِكَ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَوْ تَلِفَ بِجُمْلَتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَمْلِكْ بَدَلَهُ فَبَعْضُهُ أَوْلَى (وَكَذَلِكَ لَا أَرْشَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُرْتَهِنِ (لَوْ لَمْ يَعْلَمْ) الْحَالَ (حَتَّى قُتِلَ الْعَبْدُ بِالرِّدَّةِ) أَوْ الْمُحَارَبَةِ (أَوْ الْقِصَاصِ أَوْ أُخِذَ بِالْجِنَايَةِ) أَيْ: بِيعَ فِيهَا أَوْ سُلِّمَ لِوَلِيِّهَا، وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ فِدَاءِ الْجَانِي لَمْ يُجْبَرْ وَيُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ؛ لِتَقَدُّمِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى الرَّهْنِ أَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى بَعْدَ الرَّهْنِ.

(وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُدَبَّرِ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ (وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا عَلِمَ) الْمُرْتَهِنُ (وُجُودَ التَّدْبِيرِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) بِهِ (كَالْحُكْمِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي) عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ (فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْوَفَاءِ فَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ) لِخُرُوجِهِ كُلِّهِ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الدَّيْنِ (بَطَلَ الرَّهْنُ) كَمَا لَوْ مَاتَ.
(وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهُ) أَيْ: بَعْضِ الْمُدَبَّرِ؛ لِعَدَمِ خُرُوجِهِ كُلِّهِ مِنْ الثُّلُثِ (بَقِيَ الرَّهْنُ فِيمَا بَقِيَ) مِنْهُ قِنَّا كَمَا لَوْ تَلِفَ الْبَعْضُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ مَالٌ يَفْضُلُ عَنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ بِيعَ الْمُدَبَّرُ) كُلُّهُ (فِي الدَّيْنِ وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ) كَالْوَصِيَّةِ (وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَا يَسْتَغْرِقُهُ) أَيْ: الْمُدَبَّرَ كُلَّهُ (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَعَتَقَ ثُلُثُ الْبَاقِي) مِنْهُ بِالتَّدْبِيرِ (وَبَاقِيه لِلْوَرَثَةِ) إرْثًا.

(وَيَحْرُمُ رَهْنُ مَالِ يَتِيمٍ لِفَاسِقٍ) ؛ لِأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِضَيَاعِهِ، فَإِنْ شَرَطَ جَعْلَهُ بِيَدِ عَدْلٍ جَازَ.

(وَيَصِحُّ رَهْنُ مَبِيعٍ بَعْدَ قَبْضِهِ) مُطْلَقًا؛ لِجَوَازِ بَيْعِهِ إذَنْ (وَكَذَا) يَصِحُّ رَهْنُ الْبَيْعِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ قَبْضِهِ (فِي غَيْرِ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ وَمَزْرُوعٍ) وَمَبِيعٍ بِصِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ، وَرَهْنُ الْمَبِيعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ صَحِيحٌ، (وَلَوْ) كَانَ رَهْنُهُ (عَلَى ثَمَنِهِ) ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ صَارَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَالْمَبِيعَ صَارَ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي (فَجَازَ رَهْنُهُ بِالثَّمَنِ كَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ) وَتَقَدَّمَ (فِي الْمَبِيعِ) حُكْمُ الْمَكِيلِ وَنَحْوِهِ كَالْمَعْدُودِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَذْرُوعِ وَالْمَبِيعِ بِصِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ.

(وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَالْمُصْحَفِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْوَقْفِ وَالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ وَالْكَلْبِ) وَلَوْ مُعَلَّمًا.
(وَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَالْمَجْهُولِ الَّذِي لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ وَالْمُصْحَفُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ وَلَوْ قُلْنَا: يَصِحُّ بَيْعُهُ نَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ: لَا أُرَخِّصُ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ.

(فَلَوْ قَالَ) الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ (رَهَنْتُك أَحَدَ هَذَيْنِ) الْعَبْدَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ، (أَوْ) قَالَ: رَهَنْتُك (عَبْدِي) فُلَانًا (الْآبِقَ) لَمْ يَصِحَّ؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى تَسْلِيمِهِ (أَوْ) قَالَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُك (هَذَا الْجِرَابَ) بِكَسْرِ الْجِيمِ بِمَا فِيهِ، (أَوْ) هَذَا (الْبَيْتَ) بِمَا فِيهِ (أَوْ هَذِهِ الْخَرِيطَةَ بِمَا فِيهَا لَمْ يَصِحَّ) الرَّهْنُ لِلْجَهَالَةِ.
(وَإِنْ) قَالَ: رَهَنْتُك هَذَا الْجِرَابَ أَوْ الْبَيْتَ أَوْ الْخَرِيطَةَ وَ (لَمْ يَقُلْ بِمَا فِيهَا صَحَّ) الرَّهْنُ (لِلْعِلْمِ بِهَا) بِالْجِرَابِ وَالْبَيْتِ وَالْخَرِيطَةِ.

(وَلَا) يَصِحُّ رَهْنُ (مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَنَحْوِهِمَا) كَأَرْضِ مِصْرَ (مِمَّا فُتِحَ عَنْوَة) وَلَمْ يُقْسَمْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَفَهُ، وَأَقَرَّهُ بِأَيْدِي أَرْبَابِهِ بِالْخَرَاجِ.
(وَكَذَا حُكْمُ بِنَائِهَا) أَيْ: بِنَاءِ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ إذَا كَانَ بِنَاؤُهَا (مِنْهَا) قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي.
وَفِي الْمُبْدِعِ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ أَنَّ بَيْعَ الْمَسَاكِنِ مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ آلَتُهَا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَيَصِحُّ رَهْنُهَا (فَإِنْ كَانَ) بِنَاءُ هَذِهِ الْأَرْضِ (مِنْ غَيْرِ أَجْزَائِهَا) صَحَّ رَهْنُهُ (أَوْ رَهْنُ الشَّجَرِ الْمُجَدَّدِ فِيهَا) بَعْدَ الْوَقْفِ (صَحَّ) (رَهْنُهُ، كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ) .

(وَلَا) يَصِحُّ (رَهْنُ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ (فَإِنْ رَهَنَ عَيْنًا يَظُنُّهَا لِغَيْرِهِ نَحْوَ أَنْ يَرْهَنَ عَبْدَ أَبِيهِ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ) أَيْ: أَبَاهُ (قَدْ مَاتَ وَصَارَ الْعَبْدُ مِلْكَهُ بِالْمِيرَاثِ) أَوْ كَانَ أَذِنَ لَهُ (صَحَّ) الرَّهْنُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ، إذْ الْعِبْرَةُ فِي الْمُعَامَلَاتِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

(وَلَا) يَصِحُّ (رَهْنُ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إلَّا أَنْ يَرْهَنَهُ الْمُشْتَرِي وَ) الْحَالُ أَنَّ (الْخِيَارَ لَهُ وَحْدَهُ فَيَصِحُّ) الرَّهْنُ (وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ) ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ دَلِيلُ رِضَائِهِ بِالْبَيْعِ وَإِمْضَائِهِ، وَيَصِحُّ: أَيْضًا رَهْنُهُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَوْ عِنْدَهُ، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، وَيَصِحُّ رَهْنُ الْبَائِعِ لَهُ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ فِي الْخِيَارِ.

(وَلَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي) مَثَلًا (فَرَهَنَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ الَّتِي لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا) لِعَدَمِ أَخْذِهِ ثَمَنَهَا (قَبْلَ الرُّجُوعِ) لَمْ يَصِحَّ (أَوْ رَهَنَ الْأَبُ الْعَيْنَ الَّتِي وَهَبَهَا لِوَلَدِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ) فِيهَا (لَمْ يَصِحَّ) الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا؛ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ عَنْهُ لِغَيْرِهِ (لَكِنْ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ " وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ ".

(يَصِحُّ رَهْنُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ وَ) يَصِحُّ رَهْنُ (الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ) بِلَا شَرْطِ الْقَلْعِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ إنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ الْعَاهَةِ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ، وَهَذَا مَفْقُودٌ هُنَا، وَبِتَقْدِيرِ تَلَفِهِمَا لَا يَفُوتُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّةِ الرَّاهِنِ فَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ بِيعَا، وَإِنْ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ تَأْخِيرَ بِيَعِهِمَا فَلَهُ ذَلِكَ.

(وَ) يَصِحُّ رَهْنُ (الْأَمَةِ دُونَ وَلَدِهَا) أَوْ أَخِيهَا وَنَحْوِهِ (وَعَكْسُهُ) أَيْ: يَصِحُّ رَهْنُ وَلَدِهَا وَنَحْوِهِ دُونَهَا وَكَذَا رَهْنُ الْأَبِ دُونَ وَلَدِهِ، أَوْ وَلَدِهِ دُونَهُ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ؛ لِأَجْلِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ.
(وَ) ذَلِكَ مَفْقُودٌ هُنَا، فَإِنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ بَيْعَ الرَّهْنِ (يُبَاعَانِ) أَيْ: الْأَمَةُ وَوَلَدُهَا أَوْ الْأَخَوَانِ وَنَحْوُهُمَا (وَيُوَفَّى الدَّيْنُ مِنْ) ثَمَنِ (الْمَرْهُونِ مِنْهَا، وَالْبَاقِي) مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ مِنْهَا (لِلرَّاهِنِ) وَإِنْ لَمْ يَفِ ثَمَنُهُ بِالدَّيْنِ فَمَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل