كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 515-554
أهل الأثرالأرشيف العلمي

يَتَسَاوَيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَوْ احْتَمَلَ التَّسَاوِيَ لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ، لِأَنَّ الشَّرْطَ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ وَلَا يُكْتَفَى بِاحْتِمَالِ وُجُودِهِ، بَلْ الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فِي انْتِفَاءِ الْحُكْمِ، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ الْوَاحِدَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَمُوتَ بِهِ دُونَ الْمِائَةِ.

وَكَذَا لَوْ أَوْضَحَهُ أَحَدُهُمَا وَشَجَّهُ الْآخَرُ آمَّةً أَوْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا جَائِفَةً وَالْآخَرُ غَيْرَ جَائِفَةٍ (فَإِنْ قَطَعَ وَاحِدٌ يَدَهُ وَقَطَعَ آخَرُ رِجْلَهُ وَأَوْضَحَهُ ثَالِثٌ فَلِلْوَلِيِّ قَتْلُ جَمِيعِهِمْ) لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْقَتْلِ.
(وَ) لَهُ (الْعَفْوُ عَنْهُمْ إلَى الدِّيَةِ) فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَهَا وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (فَيَأْخُذُ مِنْهُ ثُلُثَ الدِّيَةِ وَيَقْتُلُ الْآخَرَيْنِ وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ اثْنَيْنِ) مِنْهُمَا (فَيَأْخُذُ مِنْهُمَا ثُلُثَيْهَا) أَيْ الدِّيَةِ (وَيَقْتُلُ الثَّالِثَ) كَمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ (وَإِنْ بَرِئَتْ جِرَاحَةُ أَحَدِهِمْ وَمَاتَ) الْمَجْرُوحُ (مِنْ الْجُرْحَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الَّذِي بَرِئَ جُرْحُهُ مِثْلَ جُرْحِهِ) كَمَا لَوْ لَمْ يُشْرِكْهُ أَحَدٌ (وَيَقْتُلُ الْآخَرَيْنِ) لِانْفِرَادِهِمَا بِالْقَتْلِ (أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُمَا دِيَةً كَامِلَةً) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ يَقْتُلُ أَحَدَهُمَا وَيَأْخُذُ مِنْ الْآخَرِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الَّذِي بَرِئَ جُرْحُهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ دِيَةَ جُرْحِهِ) ثُمَّ يَفْعَلُ مَعَ الْآخَرَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ ادَّعَى الْمُوضِحُ أَنَّ جُرْحَهُ بَرِئَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَكَذَّبَهُ شَرِيكَاهُ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ ثَبَتَ حُكْمُ الْبَرْءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْوَلِيِّ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (فَلَا يَمْلِكُ قَتْلَهُ وَلَا مُطَالَبَتَهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ) لِاعْتِرَافِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ (وَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ مُوضِحَةً أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَرْشَهَا) خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ (وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) أَيْ الْمُوضِحِ وَلَا الْوَلِيِّ الْمُصَدِّقِ، لَهُ (فِي حَقِّ شَرِيكَيْهِ) لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ (فَإِنْ اخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ فَلَهُ قَتْلُهُمَا) كَمَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ (وَإِنْ اخْتَارَ) الْوَلِيُّ (الدِّيَةَ لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْهَا) كَمَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْبُرْءَ (وَإِنْ كَذَّبَهُ الْوَلِيُّ) فِي دَعْوَاهُ أَنَّ جُرْحَهُ بَرِئَ حَلَفَ الْوَلِيُّ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ أَوْ مُطَالَبَتُهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ شَرِيكَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهَا) أَيْ الدِّيَةِ.
(وَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَرِيكَاهُ بِبُرْئِهَا لَزِمَهُمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً) لِأَنَّ ذَلِكَ مُوجَبُ شَهَادَتِهِمَا فَيُؤَاخَذَانِ بِهِ (لِلْوَلِيِّ أَخْذُهَا) أَيْ الدِّيَةِ (مِنْهُمَا إنْ صَدَّقَهُمَا وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا أَوْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْهَا) لِاعْتِرَافِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِمَا سِوَى ذَلِكَ وَأَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ (وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا) لِشَرِيكِهِمَا فِي الْجِنَايَةِ، لِأَنَّهَا لَا تَدْفَعُ عَنْهُمَا ضَرَرًا وَلَا تَجْلِبُ نَفْعًا (وَإِنْ كَانَا قَدْ تَابَا وَعَدَلَا) وَإِلَّا فَشَهَادَةُ الْفَاسِقِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ (فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ) عَنْ الْمَشْهُودِ لَهُ فِي النَّفْسِ لِعَدَمِ سِرَايَةِ جُرْحِهِ (وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ

مِنْ مُوضِحَةٍ) قُلْتُ وَيَتَعَيَّنُ أَرْشُهَا دُونَ الْقِصَاصِ مَعَ تَكْذِيبِ الْوَلِيِّ لِاعْتِرَافِهِ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا.

(وَإِنْ قَطَعَ وَاحِدٌ يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ وَ) قَطَعَ (آخَرُ مِنْ الْمِرْفَقِ وَمَاتَ فَهُمَا قَاتِلَانِ) أَيْ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ (مَا لَمْ يَبْرَأْ الْأَوَّلُ) لِأَنَّهُمَا قَاطِعَانِ فَإِذَا مَاتَ بَعْدَهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ كَمَا لَوْ كَانَا فِي يَدَيْنِ (فَإِنْ بَرِئَ) الْأَوَّلُ قَبْلَ قَطْعِ الثَّانِي (فَ) الْقَاتِلُ (الثَّانِي) لِأَنَّ جِنَايَةَ الْأَوَّلِ (قَدْ انْقَطَعَتْ سِرَايَتُهَا بِالِانْدِمَالِ) فَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ فِي الثَّانِي بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ (فَإِنْ انْدَمَلَ الْقَطْعَانِ أُقِيدَ الْأَوَّلُ بِأَنْ يُقْطَعَ مِنْ الْكُوعِ) كَمَا قَطَعَ (وَالثَّانِي إنْ كَانَتْ كَفُّهُ مَقْطُوعَةً أُقِيدَ أَيْضًا فَتُقْطَعُ يَدُهُ مِنْ الْمِرْفَقِ) كَمَا فَعَلَ (وَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الثَّانِي (كَفٌّ) فَلَا قِصَاصَ لِتَعَذُّرِهِ (فَ) تَجِبُ (حُكُومَةٌ) قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ ثُلُثُ دِيَةِ يَدٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى فِي دِيَةِ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا.

(وَإِنْ قَتَلَهُ جَمَاعَةٌ) اثْنَانِ فَأَكْثَرُ (بِأَفْعَالٍ لَا يَصْلُحُ وَاحِدٌ مِنْهَا لِقَتْلِهِ نَحْوُ أَنْ يَضْرِبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ سَوْطًا فِي حَالَةٍ أَوْ مُتَوَالِيًا فَلَا قَوَدَ فِيهِ عَنْ تَوَاطُؤٍ، وَجْهَانِ) وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ (الصَّوَابُ) وُجُوبُ (الْقَوَدِ) وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ (وَإِنْ فَعَلَ وَاحِدٌ فِعْلًا لَا تَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ كَقَطْعِ حُشْوَتِهِ أَوْ مَرِيئِهِ أَوْ وَدَجَيْهِ ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ) لِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَبْقَى مَعَ جِنَايَتِهِ، وَالْحُشْوَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا الْأَمْعَاءُ، وَالْمَرِيءُ بِالْمَدِّ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي الْحَلْقِ وَالْوَدَجَانِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا عِرْقَانِ فِي الْعُنُقِ (وَيُعَزَّرُ الثَّانِي كَمَا يُعَزَّرُ جَانٍ عَلَى مَيِّتٍ) فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُهُ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا، فَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَمَيِّتٍ (وَإِنْ شَقَّ الْأَوَّلُ بَطْنَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ) لِأَنَّهُ الْمُفَوِّتُ لِلنَّفْسِ جَزْمًا، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَوْ الدِّيَةُ إنْ عَفَا عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِجُرْحِ الْأَوَّلِ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ (وَعَلَى الْأَوَّلِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ بِالْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ وَلَوْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يُفْضِي إلَى الْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ عَالَمِ الْحَيَاةِ وَتَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ كَخَرْقِ الْأَمْعَاءِ، أَوْ) خَرْقِ (أُمِّ الدِّمَاغِ وَضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ فَالْقَاتِلُ الثَّانِي) لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا جُرِحَ وَسُقِيَ لَبَنًا فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ عَلِمَ أَنَّهُ مَيِّتٌ وَعَهِدَ لِلنَّاسِ وَجَعَلَ الْخِلَافَةَ فِي أَهْلِ الشُّورَى فَقَبِلَ الصَّحَابَةُ عَهْدَهُ وَعَمِلُوا بِهِ.

(وَإِنْ رَمَاهُ) الْأَوَّلُ مِنْ شَاهِقٍ يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ لِقُرْبِهِ (أَوْ لَا) يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ لِعُلُوِّهِ (وَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفٍ فَقَدَّهُ) فَالْقِصَاصُ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاتَهُ قَبْلَ الْمَصِيرِ إلَى حَالٍ يَيْأَسُ فِيهَا مِنْ حَيَاتِهِ (أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ قَاتِلٍ فَقَطَعَ عُنُقَهُ آخَرُ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ صَخْرَةً فَأَطَارَ آخَرُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ

قَبْلَ وُقُوعِهَا عَلَيْهِ فَالْقِصَاصُ عَلَى الثَّانِي) لِأَنَّهُ الْقَاتِلُ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي لُجَّةٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصَ مِنْهَا، فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ فَالْقَوَدُ عَلَيَّ الرَّامِي) لِأَنَّهُ أَلْقَاهُ فِي مُهْلِكَةٍ هَلَكَ بِهَا مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ يُمْكِنُ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ بِالْغَرَقِ أَوْ هَلَكَ بِوُقُوعِهِ عَلَى صَخْرَةٍ وَنَحْوِهَا (وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ أَوْ الْتَقَمَهُ حُوتٌ أَوْ تِمْسَاحٌ فَإِنْ عَلِمَ الرَّامِي بِالْحُوتِ وَنَحْوِهِ) كَالتِّمْسَاحِ (فَالْقَوَدُ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَقْتُلُ غَالِبًا وَلَا فَرْقَ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيْنَ أَنْ يَلْتَقِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ الْمَاءَ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْغَرَقِ أَوْ بَعْدَهُ بِأَنْ الْتَقَمَهُ بَعْدَ حُصُولِهِ فِيهِ قَبْلَ غَرَقِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحُوتِ وَنَحْوِهِ مَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ (فَالدِّيَةُ) لِأَنَّهُ هَلَكَ بِفِعْلِهِ وَلَا قَوَدَ لِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا.

(وَإِنْ أَكْرَهَ) مُكَلَّفٌ (مُكَلَّفًا عَلَى قَتْلِ مُعَيَّنٍ فَقَتَلَةُ فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّ الْمُكْرِهَ تَسَبَّبَ إلَى قَتْلِهِ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ وَالْمُكْرَهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا لِاسْتِبْقَاءِ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ فِي الْمَجَاعَةِ لِأَكْلِهِ فَعَلَى هَذَا إنْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ فَهِيَ عَلَيْهِمَا كَالشَّرِيكَيْنِ لَا يُقَالُ الْمُكْرَهُ مُلْجَأٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِامْتِنَاعِ وَلِهَذَا يَأْثَمُ بِالْقَتْلِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَمَّا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْقَتْلِ (وَإِنْ كَانَ) الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيَّ قَتْلِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَقَوْلِهِ اُقْتُلْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا أَوْ اُقْتُلْ أَحَدَ هَذَيْنِ فَلَيْسَ إكْرَاهًا فَإِنْ قَتَلَ أَحَدَهُمَا قُتِلَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ (وَإِنْ أَكْرَهَ سَعْدٌ زَيْدًا عَلَى أَنْ يُكْرِهَ عَمْرًا عَلَى قَتْلِ بَكْرٍ فَقَتَلَهُ قُتِلَ الثَّلَاثَةُ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى) وَمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى الْمُبَاشِرُ لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلَ ظُلْمًا وَالْآخَرَانِ لِتَسَبُّبِهِمَا إلَى الْقَتْلِ لِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا.

(وَإِنْ دَفَعَ لِغَيْرِ مُكَلَّفٍ آلَةَ قَتْلٍ كَسَيْفٍ وَنَحْوِهِ) كَلَتِّ وَسِكِّينٍ (وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقَتْلٍ فَقَتَلَ لَمْ يَلْزَمْ الدَّافِعَ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِآمِرٍ وَلَا مُبَاشِرٍ.

(وَإِنْ أَمَرَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ) بِالْقَتْلِ فَقَتَلَ (أَوْ) أَمَرَ (عَبْدَهُ) بِالْقَتْلِ فَقَتَلَ (أَوْ) أَمَرَ (كَبِيرًا عَاقِلًا يَجْهَلَانِ) أَيْ الْعَبْدُ وَالْكَبِيرُ الْعَاقِلُ (تَحْرِيمَ الْقَتْلِ كَمَنْ نَشَأَ فِي غَيْرِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ

عَلَى الْآمِرِ) لِأَنَّ الْقَاتِلَ هُنَا كَالْآلَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ (وَيُؤَدَّبُ الْمَأْمُورُ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ) مِنْ حَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ (وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ وَنَحْوُهُ) كَالْكَبِيرِ الْعَاقِلِ الَّذِي يَجْهَلُ تَحْرِيمَهُ (قَدْ أَقَامَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ أَهْلِهِ وَادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ إذَنْ تَحْرِيمُ الْقَتْلِ وَلَا يُعْذَرُ فِيهِ إذَا كَانَ عَالِمًا (وَالْقِصَاصُ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ لِمُبَاشِرَتِهِ الْقَتْلَ بِلَا عُذْرٍ (وَيُؤَدَّبُ السَّيِّدُ) الْآمِرُ لَهُ بِهِ (وَإِنْ أَمَرَهُ) أَيْ الْعَبْدَ سَيِّدُهُ (بِزِنَا أَوْ سَرِقَةٍ فَفَعَلَ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى الْآمِرِ) بَلْ عَلَى الْمُبَاشِرِ جَهِلَ الْمَأْمُورُ التَّحْرِيمَ أَوْ لَا لَكِنْ إذَا جَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ (وَإِنْ أَمَرَهُ) بِالْقَتْلِ (مُكَلَّفًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ فَ) الْقِصَاصُ (عَلَى الْقَاتِلِ) كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا (وَيُؤَدَّبُ الْآمِرُ) لِأَمْرِهِ بِالْمَعْصِيَةِ.

(وَلَوْ قَالَ مُكَلَّفٌ غَيْرُ قِنٍّ لِغَيْرِهِ: اُقْتُلْنِي أَوْ اجْرَحْنِي) فَفَعَلَ فَهَدَرٌ (أَوْ قَالَ) مُكَلَّفٌ (لِغَيْرِهِ) اُقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ فَفَعَلَ (فَدَمُهُ) هَدَرٌ (وَجُرْحُهُ هَدَرٌ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِيهِ وَقَدْ أَذِنَهُ فِي إتْلَافِهِ كَمَا لَوْ أَذِنَهُ فِي إتْلَافِ مَالِهِ.

(وَلَوْ قَالَهُ) أَيْ اُقْتُلْنِي أَوْ اجْرَحْنِي أَوْ اُقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ قِنٌّ فَفَعَلَ (ضَمِنَهُ الْقَاتِلُ لِسَيِّدِهِ بِمَالٍ) أَيْ بِقِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ لِأَنَّ إذْنَ الْقِنِّ فِي إتْلَافِ نَفْسِهِ لَا يَسْرِي عَلَى سَيِّدِهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْقِصَاصِ وَلَوْ كَافَأَهُ الْقَاتِلُ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لِلْقِنِّ وَقَدْ سَقَطَ بِإِذْنِهِ فِي قَتْلِهِ.

(وَإِنْ قَالَ لَهُ الْقَادِرُ عَلَيْهِ: اُقْتُلْ نَفْسَكَ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ أَوْ) قَالَ لَهُ (اقْطَعْ يَدَكَ وَإِلَّا قَطَعْتُهَا فَإِكْرَاهٌ) فَيُقْتَلُ الْمُكْرِهُ أَوْ يُقْطَعُ إذَا قَتَلَ الْمُكْرَهُ نَفْسَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ (وَمَنْ أَمَرَ قِنَّ غَيْرِهِ بِقَتْلِ قِنِّ نَفْسِهِ) فَفَعَلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ (أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ) أَيْ أَكْرَهَ قِنَّ غَيْرِهِ عَلَى قَتْلِ قِنِّ نَفْسِهِ فَفَعَلَ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) عَلَى الْقَاتِلِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ إنْسَانٌ لِلْآخَرِ فِي إتْلَافِ مَالِ الْآذِنِ فَأَتْلَفَهُ بِإِذْنِهِ (وَإِنْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ حَقِّ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي فِعْلِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» وَلِأَنَّ غَيْرَ السُّلْطَانِ لَوْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ كَانَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُبَاشِرِ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ (وَيُعَزَّرُ الْآمِرُ) بِالْقَتْلِ ظُلْمًا لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً.
(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمَأْمُورُ أَنَّ الْقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ (فَ) الْقِصَاصُ (عَلَى الْآمِرِ) لِأَنَّ الْمَأْمُورَ مَعْذُورٌ لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِالْحَقِّ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ هَذَا بِنَاءٌ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ السُّلْطَانِ فِي الْقَتْلِ الْمَجْهُولِ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَا يُطَاعُ حَتَّى يَعْلَمَ جَوَازَ قَتْلِهِ، وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الطَّاعَةُ لَهُ مَعْصِيَةً لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالظُّلْمِ وَهُنَا الْجَهْلُ بِعَدَمِ الْحِلِّ كَالْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ (وَإِنْ كَانَ الْآمِرُ) بِالْقَتْلِ (غَيْرَ السُّلْطَانِ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ بِكُلِّ حَالٍ) حَيْثُ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ بِخِلَافِ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْإِسْلَامِ كَمَا سَبَقَ (وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ عَلَى قَتْلِ أَحَدٍ أَوْ) أَكْرَهَهُ عَلَى (جَلْدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ) وَفَعَلَ فَمَاتَ الْمَجْلُودُ (فَالْقِصَاصُ) أَوْ الدِّيَةُ (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى السُّلْطَانِ وَالْمُبَاشِرِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(لَكِنْ إنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَعْتَقِدُ جَوَازَ الْقَتْلِ دُونَ الْمَأْمُورِ كَمُسْلِمٍ قَتَلَ ذِمِّيًّا أَوْ حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا فَقَتَلَهُ

فَقَالَ الْقَاضِي الضَّمَانُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَأْمُورِ، لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ (دُونَ الْإِمَامِ، قَالَ الْمُوَفَّقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ عَامِّيًّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَالْمُقَلِّدِ فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ تَقْلِيدُ الْإِمَامِ فِيمَا يَرَاهُ (وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ) أَيْ الْقَتْلِ وَالْقَاتِلُ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ (فَالضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ) كَمَا لَوْ أَمَرَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ بِهِ.

(وَإِنْ أَمْسَكَ إنْسَانًا لِآخَرَ لِيَقْتُلَهُ لَا لِلَّعِبِ وَالضَّرْبِ فَقَتَلَهُ، مِثْلُ إنْ أَمْسَكَهُ لَهُ حَتَّى ذَبَحَهُ، قُتِلَ الْقَاتِلُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ (وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُمْسِكِ (وَلَا دِيَةَ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ «إذَا أَمْسَكَ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الْآخَرُ قُتِلَ الْقَاتِلُ وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ نَحْوَهُ مِنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلِأَنَّهُ حَبَسَهُ إلَى الْمَوْتِ فَحُبِسَ إلَى أَنْ يَمُوتَ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُطْعَمُ وَيُسْقَى.
وَفِي الْمُبْدِع يُحْبَسُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حَتَّى يَمُوتَ (وَإِنْ كَانَ الْمُمْسِكُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَاتِلَ يَقْتُلُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ مَوْتَهُ لَيْسَ بِفِعْلِهِ وَلَا بِأَثَرِ فِعْلِهِ بِخِلَافِ الْجَارِحِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ قَصْدُ الْقَتْلِ، لِأَنَّ السِّرَايَةَ أَثَرُ جُرْحِهِ الْمَقْصُودِ لَهُ.

(وَكَذَا لَوْ فَتَحَ فَمَهُ وَسَقَاهُ الْآخَرُ سُمًّا) فَيُقْتَلُ السَّاقِي وَيُحْبَسُ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ.

(أَوْ تَبَعَ) مُكَلَّفٌ (رَجُلًا لِيَقْتُلَهُ فَهَرَبَ) الرَّجُلُ (فَأَدْرَكَهُ آخَرُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ فَحَبَسَهُ) فَأَدْرَكَهُ فَقَتَلَهُ قُتِلَ الْقَاتِلُ وَأُقِيدَ مِنْ الْقَاطِعِ وَحُبِسَ حَتَّى يَمُوتَ (أَوْ أَمْسَكَهُ آخَرُ لِيَقْطَعَ طَرَفَهُ) فَيُقْطَعُ الْقَاطِعُ وَيُحْبَسُ الْمُمْسِكُ حَتَّى يُقْطَعَ طَرَفُهُ (فَلَوْ قَتَلَ الْوَلِيُّ الْمُمْسِكَ فَقَالَ الْقَاضِي يَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ الْوَلِيِّ (الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي قَتْلِهِ (وَخَالَفَهُ الْمَجْدُ) لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةٌ فِي قَتْلِهِ وَهِيَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فَقَدْ اخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ أَنَّ لَهُ قَتْلَهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَادَّعَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى إجْمَاعًا لِأَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا.

(وَإِنْ كَتَّفَهُ وَطَرَحَهُ فِي أَرْضٍ مَسْبَعَةٍ أَوْ) فِي أَرْضٍ (ذَاتِ حَيَّاتٍ فَقَتَلَهُ لَزِمَهُ الْقَوَدُ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا (وَإِنْ كَانَتْ) الْأَرْضُ (غَيْرَ مَسْبَعَةٍ) وَلَا ذَاتَ حَيَّاتٍ (لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي الْبَابِ) .

[فَصْلٌ وَإِنْ اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ اثْنَانِ]

(فَصْلٌ وَإِنْ اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ اثْنَانِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَوْ انْفَرَدَ كَأَبٍ وَأَجْنَبِيٍّ) اشْتَرَكَا (فِي قَتْلِ وَلَدٍ وَكَحُرٍّ وَعَبْدٍ) شَارَكَهُ (فِي قَتْلِ عَبْدٍ وَكَمُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ) شَارَكَ (فِي قَتْلِ ذِمِّيٍّ وَكَوَلِيٍّ مُقْتَصٍّ وَأَجْنَبِيٍّ.
(وَ) كَ (خَاطِئٍ وَعَامِدٍ وَ) كَ (مُكَلَّفٍ وَغَيْرِ مُكَلَّفٍ وَشَرِيكِ سَبُعٍ وَشَرِيكِ نَفْسِهِ بِأَنْ يَجْرَحَهُ سَبُعٌ أَوْ إنْسَانٌ ثُمَّ يَجْرَحُ هُوَ نَفْسَهُ مُتَعَمِّدًا وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ وَعَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى الذِّمِّيِّ) لِأَنَّ قَتْلَهُمْ عَمْدًا مَحْضُ عُدْوَانٍ وَلِأَنَّهُمْ شَارَكُوا فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فَيُقْتَلُ بِهِ (كَمُكْرِهٍ أَبًا عَلَى قَتْلِ وَلَدِهِ وَسَقَطَ) الْقِصَاصُ عَنْ غَيْرِهِمْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ عَمْدًا فَلَمْ يَجِبْ بِهِ قَوَدٌ لِشِبْهِ الْعَمْدِ، وَكَمَا لَوْ قَتَلَهُ وَاحِدٌ بِجُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً (وَيَجِبُ عَلَى شَرِيكِ الْقِنِّ) فِي قَتْلِ قِنٍّ (نِصْفُ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ) لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي إتْلَافِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ قِسْطُهُ (وَعَلَى شَرِيكِ الْأَبِ وَشَرِيكِ الذِّمِّيِّ وَشَرِيكِ الْخَاطِئِ وَلَوْ أَنَّهُ نَفْسُهُ) أَيْ نَفْسُ الْعَامِدِ (بِأَنْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ أَحَدُهُمَا خَطَأ وَالْآخَرُ عَمْدًا وَشَرِيكُ غَيْرِهِ الْمُكَلَّفُ وَشَرِيكُ السَّبُعِ فِي غَيْرِ قَتْلِ أَنْفُسِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ) كَالشَّرِيكِ فِي إتْلَافِ مَالٍ (فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ عَمْدٌ) فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.

(وَلَوْ جَرَحَهُ إنْسَانٌ عَمْدًا فَدَاوَى) الْمَجْرُوحُ (جُرْحَهُ بِسُمٍّ قَاتِلٍ أَوْ خَاطَهُ فِي اللَّحْمِ الْحَيِّ وَفَعَلَ ذَلِكَ وَلِيُّهُ أَوْ) فَعَلَهُ (الْإِمَامُ فَمَاتَ) الْمَجْرُوحُ (فَلَا قَوَدَ عَلَى الْجَارِحِ) لِأَنَّ الْمُدَاوِيَ قَصَدَ مُدَاوَاةَ النَّفْسِ فَكَانَ فِعْلُهُ عَمْدَ خَطَأٍ كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْجَارِحِ (نِصْفُ الدِّيَةِ) كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ (لَكِنْ إنْ كَانَ الْجُرْحُ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ اسْتَوْفَى) بِشَرْطِهِ (وَإِلَّا أَخَذَ الْأَرْشَ) وَإِنْ كَانَ السُّمُّ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَفَعَلَ الرَّجُلُ فِي نَفْسِهِ شِبْهَ عَمْدٍ وَشَرِيكُهُ كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ وَإِنْ خَاطَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُمَا قَاتِلَانِ عَلَيْهِمَا الْقَوَدُ.

[بَابُ شُرُوطِ الْقِصَاصِ]

(بَابُ شُرُوطِ الْقِصَاصِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْجَانِي مُكَلَّفًا) لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ

لَيْسَ مَحِلًّا لَهَا (فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَكُلُّ زَائِلِ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ كَالنَّائِمِ وَالْمَغْمِيِّ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِمَا) كَالسَّكْرَانِ كَرْهًا (فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مِنْ شُرُوطِهِ وَهُوَ مَعْدُومٌ، وَلِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُمْ صَحِيحٌ (فَإِنْ قَالَ) الْجَانِي (قَتَلْتُهُ وَأَنَا صَبِيٌّ وَأَمْكَنَ) ذَلِكَ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَإِنْ قَالَ) الْقَاتِلُ (قَتَلْتُهُ وَأَنَا مَجْنُونٌ فَإِنْ عُرِفَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ حَالُ جُنُونٍ (فَقَوْلُ الْوَلِيِّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْجُنُونِ.
(وَكَذَلِكَ إنْ عُرِفَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ ثُمَّ عُرِفَ زَوَالُهُ قَبْلَ الْقَتْلِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى الْحَالِ الَّتِي عُرِفَ عَلَيْهَا (فَإِنْ ثَبَتَ زَوَالُ عَقْلِهِ فَقَالَ كُنْتُ مَجْنُونًا وَقَالَ الْوَلِيُّ بَلْ) كُنْتَ (سَكْرَان فَقَوْلُ الْقَاتِلِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السُّكْرِ وَالْأَصْلُ أَيْضًا الْعِصْمَةُ (فَأَمَّا إنْ قَتَلَهُ وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ) الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَ الْجِنَايَةِ عَاقِلًا (سَوَاءٌ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ) أَيْ مِمَّنْ جَنَى عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ (فِي حَالِ جُنُونِهِ هُوَ لَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَدُّ زِنَا أَوْ غَيْرُهُ) كَشُرْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ (بِإِقْرَارِهِ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ حَالَ جُنُونِهِ) لِأَنَّ رُجُوعَهُ عَنْ ذَلِكَ يَمْنَعُ إقَامَتَهُ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ قُلْت وَمِثْلُهُ حَدُّ الْقَذْفِ.
(وَالسَّكْرَانُ وَشِبْهُهُ) كَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ لَا يُعْذَرُ فِيهِ كَمَنْ يَشْرَبُ الْأَدْوِيَةَ الْمُخَبِّئَةَ (إذَا قَتَلَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْقَذْفِ وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ فَالْقِصَاصُ الْمُتَمَحِّضُ حَقَّ آدَمِيٍّ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَصِيرَ عِصْيَانُهُ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْعُقُوبَةِ عَنْهُ.

الشَّرْطُ (الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا) لِأَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا شُرِعَ حِفْظًا لِلدِّمَاءِ الْمَعْصُومَةِ وَزَجْرًا عَنْ إتْلَافِ الْبِنْيَةِ الْمَطْلُوبِ بَقَاؤُهَا وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي غَيْرِ الْمَعْصُومِ (فَلَا يَجِبُ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ بِقَتْلِ حَرْبِيٍّ) لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ (وَلَا مُرْتَدٍّ قَبْلَ تَوْبَةٍ) لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ (لَا) إنْ قُتِلَ الْمُرْتَدُّ (بَعْدَهَا) أَيْ التَّوْبَةِ (إنْ قُبِلَتْ) تَوْبَتُهُ (ظَاهِرًا) فَيُقْتَلُ قَاتِلُهُ إذَنْ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ (وَلَا) يَجِبُ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ بِقَتْلِ (زَانٍ مُحْصَنٍ وَلَوْ قَبْلَ تَوْبَتِهِ) أَيْ الزَّانِي (عِنْدَ حَاكِمٍ) لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ مُتَحَتِّمٌ قَتْلُهُ فَلَمْ يَضْمَنْ كَالْحَرْبِيِّ.
(وَلَا) يَجِبُ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ بِقَتْلِ مُحَارَبٍ أَيْ قَاطَعِ طَرِيقٍ (تَحَتَّمَ قَتْلُهُ) بِأَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ (فِي نَفْسٍ) أَيْ لَا قِصَاصَ عَلَى جَانٍ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي نَفْسٍ (وَلَا) قِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ (بِقَطْعِ طَرَفٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ لِأَنَّ مَنْ يُؤْخَذُ بِغَيْرِهِ فِي النَّفْسِ لَا يُؤْخَذُ بِهِ فِيمَا دُونَهَا وَذَلِكَ مُتَنَاوِلٌ لِلزَّانِي الْمُحْصَنِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ فَدَلَّ أَنَّ طَرَفَ مُحْصَنٍ كَمُرْتَدٍّ (بَلْ وَلَا يَجُوزُ) مَعْطُوفٌ عَلَى فَلَا يَجِبُ أَيْ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَا يَجُوزُ (وَالْمُرَادُ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ قَبْلَ التَّوْبَةِ) وَأَمَّا قَتْلُ الْمُحَارِبِ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا شُبْهَةَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ بِالتَّوْبَةِ إلَى غَيْرِ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ كَالْقَاتِلِ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ لِسُقُوطِ التَّحَتُّمِ بِالتَّوْبَةِ.
(وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ) لِلْحَرْبِيِّ أَوْ الْمُرْتَدِّ أَوْ الزَّانِي الْمُحْصَنِ أَوْ الْمُحَارَبِ الْمُتَحَتِّمِ قَتْلُهُ (ذِمِّيًّا) فَالذِّمِّيُّ فِيهِ كَالْمُسْلِمِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ مِنْهُمَا صَادَفَ مَحِلَّهُ (وَيُعَزَّرُ فَاعِلُ ذَلِكَ) لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْأَمَامِ (وَالْقَاتِلُ مَعْصُومُ الدَّمِ لِغَيْرِ مُسْتَحَقٍّ دَمُهُ) لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ فِيهِ يُبَاحُ بِهِ دَمُهُ لِغَيْرِ وَلِيِّ مَقْتُولٍ.

(وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ) يَدَ مُرْتَدٍّ (أَوْ) قَطَعَ (ذِمِّيٌّ يَدَ مُرْتَدٍّ فَأَسْلَمَ) الْمُرْتَدُّ ثُمَّ مَاتَ (أَوْ) قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَ (حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ) فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ.

(أَوْ رَمَى) مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ (حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ) الْمَرْمِيُّ (قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهِ السَّهْمُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَى مَعْصُومٍ، وَلِأَنَّهُ رَمَى مَنْ هُوَ مَأْمُورٌ بِرَمْيِهِ فَلَمْ يَضْمَنْ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي التَّضْمِينِ بِابْتِدَاءِ حَالِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ.

(وَإِنْ قَطَعَ) مُكَلَّفٌ (طَرَفًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ الْمَقْطُوعُ وَمَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ فَلَا قَوَدَ عَلَى الْقَاطِعِ) فِي النَّفْسِ لِأَنَّهَا نَفْسُ مُرْتَدٍّ غَيْرِ مَعْصُومٍ وَلَا مَضْمُونٍ بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَ ذِمِّيٍّ فَصَارَ حَرْبِيًّا ثُمَّ مَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْقَاطِعِ (الْأَقَلُّ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ أَوْ الْمَقْطُوعِ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَرْتَدَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ فَمَعَ الرِّدَّةِ أَوْلَى (يَسْتَوْفِيهِ الْأَمَامُ) لِأَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ فَيْءٌ (وَإِنْ عَادَ) الْمَقْطُوعُ (إلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ مَاتَ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ) وَلَوْ بَعْدَ زَمَنٍ تَسْرِي فِيهِ الْجِنَايَةُ، لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حَالَ الْجِنَايَةِ وَالْمَوْتِ كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ.
(وَإِنْ جَرَحَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ جَرَحَهُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَأَسْلَمَ (ثُمَّ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ وَمَاتَ مِنْهُمَا فَلَا قِصَاصَ فِيهِ) لِأَنَّ أَحَدَ الْجُرْحَيْنِ غَيْرُ مَضْمُونٍ أَشْبَهَ شَرِيكَ الْمُخْطِئِ (وَيَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ لِذَلِكَ) لِأَنَّ الْجُرْحَ فِي الْحَالَيْنِ كَجُرْحِ اثْنَيْنِ فِي الْحَالَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ (وَسَوَاءٌ تَسَاوَى جُرْحَانِ أَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا مِثْلُ إنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَ) قَطَعَ (رِجْلَيْهِ وَهُوَ مُرْتَدٌّ أَوْ بِالْعَكْسِ) أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَرِجْلَيْهِ وَهُوَ مُرْتَدٌّ أَوْ بِالْعَكْسِ (وَلَوْ قَطَعَ طَرَفًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذِمِّيٍّ ثُمَّ صَارَ) الذِّمِّيُّ (حَرْبِيًّا) بِأَنْ انْتَقَضَ عَهْدُهُ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ حَرْبٍ مُقِيمًا (ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ) لِأَنَّهُ قَتْلٌ لِغَيْرِ مَعْصُومٍ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ فِي الْمُسْلِمِ إذَا ارْتَدَّ لَا قِصَاصَ وَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ أَوْ الْمَقْطُوعِ،.

وَإِنْ قَطَعَ يَدَ

نَصْرَانِيٍّ أَوْ يَهُودِيّ فَتَمَجَّسَ، وَقُلْنَا لَا يُقَرُّ فَهُوَ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ، وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مَجُوسِيٍّ فَتَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ ثُمَّ مَاتَ وَقُلْنَا يُقَرُّ وَجَبَتْ دِيَةُ كِتَابِيٍّ وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ عَبْدًا ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ حَرْبٍ فَأُسِرَ وَاسْتُرِقَّ لَمْ يُقْتَلْ بِالْعَبْدِ لِأَنَّهُ حُرٌّ حِينَ الْقِصَاصِ.

الشَّرْطُ (الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِي) لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُكَافِئْ الْجَانِيَ كَانَ أَخْذُهُ بِهِ أَخْذَ الْأَكْثَرِ مِنْ الْحَقِّ (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُهُ مُكَافِئًا لِلْجَانِي (أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ أَوْ الرِّقِّ) يَعْنِي أَنْ لَا يَفْضُلَ الْقَاتِلُ الْمَقْتُولَ بِإِسْلَامٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ مُلْكٍ (فَيُقْتَلُ الْمُسْلِمُ الْحُرُّ بِمِثْلِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي لَفْظٍ «وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (وَ) يُقْتَلُ (الذِّمِّيُّ الْحُرُّ بِنَفْسِهِ) اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَتْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178] وَلَا أَثَرَ لَتَفَاوُتِ الْفَضَائِلِ كَالْعِلْمِ وَالشَّرَفِ (وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْمُسْلِمُ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ لِحُصُولِ الْمُكَافَأَةِ بَيْنَهُمَا وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) كَالنَّفْسِ (فَلَهُ) أَيْ الْعَبْدِ (اسْتِيفَاؤُهُ) أَيْ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (وَلَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقِّهِ) (دُونَ السَّيِّدِ سَوَاءٌ كَانَا) أَيْ الْعَبْدَانِ الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (مُكَاتَبَيْنِ أَوْ مُدَبَّرَيْنِ أَوْ أُمَّيْ وَلَدٍ أَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ أَوْ لَا) بِأَنْ كَانَا قِنَّيْنِ (وَسَوَاءٌ تَسَاوَتْ الْقِيمَةُ أَوْ لَا أَوْ كَانَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ لِوَاحِدٍ أَوْ لَا) لِتَسَاوِيهِمْ فِي الرِّقِّ وَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.

(وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ) وَلَوْ لِمُسْلِمٍ (عَبْدًا مُسْلِمًا لِذِمِّيٍّ، قُتِلَ بِهِ) لِأَنَّهُ يُكَافِئُهُ وَإِنْ فَضَلَ سَيِّدُهُ (وَلَا يُقْتَلُ مُكَاتَبٌ بِعَبْدِهِ الْأَجْنَبِيِّ) لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ فَضَلَهُ بِالْمِلْكِ (وَيُقْتَلُ) الْمُكَاتَبُ (بِعَبْدِهِ ذِي الرَّحِمِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ فِي الْأَشْهَرِ وَالْأَصَحِّ لَا كَمَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى لِأَنَّهُ فَضَلَهُ بِالْمِلْكِ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ.

(وَلَوْ قَتَلَ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ) كَنِصْفٍ (مِثْلَهُ) بِأَنْ قَتَلَ مُنَصَّفًا (أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ حُرِّيَّةً) بِأَنْ قَتَلَ مُنَصَّفًا مَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ (قُتِلَ بِهِ) لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَمْ يَفْضُلْهُ وَ (لَا) يُقْتَلُ مُبَعَّضٌ (بِأَقَلَّ مِنْهُ حُرِّيَّةً) بِأَنْ قَتَلَ مَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ مُنَصَّفًا مَثَلًا، لِأَنَّ الْقَاتِلَ فَضَلَ بِمَا فِيهِ زَائِدًا مِنْ الْحُرِّيَّةِ (وَإِذَا قَتَلَ الْكَافِرُ الْحُرُّ عَبْدًا مُسْلِمًا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ قِصَاصًا) لِأَنَّهُ فَضَلَهُ بِالْحُرِّيَّةِ (وَتُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ) لِسَيِّدِهِ (وَيُقْتَلُ) الْكَافِرُ (لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ) بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ (وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى وَلَا يُعْطَى أَوْلِيَاؤُهُ شَيْئًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، وَلِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ يُحَدُّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِقَذْفِ الْآخِرِ فَقُتِلَ بِهِ كَالرَّجُلِ بِالرَّجُلِ.

(وَتُقْتَلُ الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ) لِأَنَّهَا دُونَهُ (وَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (بِالْخُنْثَى وَيُقْتَلُ) الْخُنْثَى (بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِعُمُومِ ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] .

(وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ حُرًّا وَعَبْدًا بِمِثْلِهِ) أَيْ (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يُقْتَلُ (ذِمِّيٌّ بِمُسْتَأْمَنٍ وَعَكْسُهُ) فَيُقْتَلُ الْمُسْتَأْمَنُ بِالذِّمِّيِّ (وَلَوْ مَعَ اخْتِلَافِ أَدْيَانِهِمْ) فَيُقْتَلُ النَّصْرَانِيُّ بِالْيَهُودِيِّ (وَيُقْتَلُ النَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ بِالْمَجُوسِيِّ) لِأَنَّ الْكُفْرَ يَجْمَعُهُمْ (وَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ يَهُودِيًّا بِجَارِيَةٍ، وَلِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ فَمَنْ فَوْقَهُ أَوْلَى: (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْكَافِرُ (قَتَلَهُ) أَيْ الْمُسْلِمَ (وَهُوَ حَرْبِيٌّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَلَا يُقْتَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْتُلْ قَاتِلَ حَمْزَةَ (وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ) لِلْمُسْلِمِ (ذِمِّيًّا قُتِلَ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ) قَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَالتَّنْقِيحِ وَغَيْرِهِمَا (وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ) إنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْمَقْتُولُ حُرًّا (أَوْ قِيمَةُ عَبْدٍ إنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْمَقْتُولُ عَبْدًا) كَمَا لَوْ مَاتَ (وَيُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ) وَبِالْمُسْتَأْمَنِ وَلَوْ تَابَ وَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ (وَيُقَدَّمُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ) لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ وَيَأْتِي فِي الرِّدَّةِ يُقْتَلُ لَهُمَا وَلَا دِيَةَ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ لِنَقْضِ الْعَهْدِ وَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْ مَالِهِ (فَإِنْ عَفَا عَنْهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (وَلِيُّ الْقِصَاصِ إلَى الدِّيَةِ فَلَهُ دِيَةُ الْمَقْتُولِ) مِنْ مَالِ الْمُرْتَدِّ كَغَيْرِهِ.

(وَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ) وَعَفَا عَنْهُ وَلِيُّ الْقِصَاصِ (فَ) الدِّيَةُ (فِي ذِمَّتِهِ) كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ (وَإِنْ قُتِلَ الْمُرْتَدُّ بِالرِّدَّةِ أَوْ مَاتَ تَعَلَّقَتْ) الدِّيَةُ (بِمَالِهِ) كَسَائِرِ الدُّيُونِ.

(وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ وَلَوْ عَبْدًا بِكَافِرٍ ذِمِّيٍّ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِالْكُفْرِ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَالْمُسْتَأْمَنِ.

(وَلَوْ ارْتَدَّ) الْمُسْلِمُ بَعْدَ جِنَايَتِهِ عَلَى الْكَافِرِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ (وَلَا) يُقْتَلُ حُرٌّ وَلَوْ ذِمِّيًّا بِعَبْدٍ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ وَلِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ مَعَ التَّسَاوِي فِي السَّلَامَةِ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ (إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ) أَيِّ الْكَافِرُ بِالْعَبْدِ أَوْ (وَهُوَ) أَيْ الْقَاتِلُ كَافِرٌ (عَبْدٌ أَوْ يَجْرَحَهُ وَهُوَ مِثْلُهُ) كَافِرٌ أَوْ عَبْدٌ (أَوْ يَكُونُ الْجَارِحُ مُرْتَدًّا ثُمَّ يُسْلِمُ الْقَاتِلُ أَوْ الْجَارِحُ أَوْ يَعْتِقُ الْعَبْدُ بَلْ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ نَصًّا) لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي التَّكَافُؤِ بِحَالِ الْوُجُوبِ كَالْحَدِّ،.

فَإِذَا قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا أَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ وَجَبَ الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُمَا مُتَكَافِئَانِ حَالَ الْجِنَايَةِ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ وَجَبَ فَلَا يَسْقُطُ بِمَا طَرَأَ كَمَا لَوْ جُنَّ.

(وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا أَوْ) جَرَحَ حُرٌّ عَبْدًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ أَوْ عَتَقَ وَمَاتَ فَلَا قَوَدَ لِأَنَّ الْمُكَافَأَةَ مَعْدُومَةٌ حَالَ الْجِنَايَةِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي (دِيَةُ جُرْحِ الْمُسْلِمِ) لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْأَرْشِ بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ وَرِجْلَيْهِ فَسَرَى إلَى نَفْسِهِ فَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ اعْتِبَارًا بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ وَلَوْ اُعْتُبِرَ حَالُ الْجِنَايَةِ وَجَبَ دِيَتَانِ (فَيَأْخُذُ سَيِّدُ الْعَبْدِ دِيَتَهُ إلَّا أَنْ تُجَاوِزَ الدِّيَةُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ فَالزِّيَادَةُ لِوَرَثَةِ الْعَبْدِ) لِأَنَّهُ مَاتَ حُرًّا فَيُورَثُ عَنْهُ مَا تَجَدَّدَ بِالْحُرِّيَّةِ فَأَمَّا أَرْشُ الْجِنَايَةِ فَقَدْ اسْتَحَقَّهُ السَّيِّدُ حِينَ كَانَ رَقِيقًا فَلَمْ يَسْقُطْ بِعِتْقِهِ (وَلَا يُقْتَلُ السَّيِّدُ) وَلَوْ مُكَاتِبًا (بِعَبْدِهِ) لِأَنَّهُ فَضَلَهُ بِالْمِلْكِ (وَيُقْتَلُ بِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (عَبْدُهُ) لِأَنَّهُ دُونَهُ (وَ) يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِحُرٍّ غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ سَيِّدِهِ لِمَا سَبَقَ (وَلَا يُقْطَعُ طَرَفُ الْحُرِّ بِطَرَفِ الْعَبْدِ) كَمَا لَا يُقَادُ بِهِ فِي النَّفْسِ.

(وَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَبْدًا فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ فَلَا قَوَدَ لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الرَّامِي (لِلْوَرَثَةِ) دُونَ سَيِّدِهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ إذَا مَاتَ مِنْ الرَّمْيَةِ) لِأَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ لِنَفْسِ حُرٍّ مُسْلِمٍ.

[فَصْلٌ وَلَوْ قُطِعَ أَنْفُ عَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَانْدَمَلَ الْجُرْحُ ثُمَّ أُعْتِقَ]

(فَصْلٌ وَلَوْ قُطِعَ أَنْفُ عَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَانْدَمَلَ الْجُرْحُ ثُمَّ أُعْتِقَ) الْعَبْدُ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ لِلسَّيِّدِ (أَوْ) قُطِعَ أَنْفُهُ ثُمَّ (أُعْتِقَ ثُمَّ انْدَمَلَ) وَجَبَتْ قِيمَتُهُ بِكَمَالِهَا

لِلسَّيِّدِ (أَوْ) قُطِعَ أَنْفُهُ وَأُعْتِقَ وَ (مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ الْجُرْحِ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ بِكَمَالِهَا لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّهُ حِينَ الْجِنَايَةِ كَانَ رَقِيقًا لَهُ وَالْجِنَايَةُ يُرَاعَى فِيهَا حَالُ وُجُودِهَا.

(وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (يَدَهُ) أَيْ الْعَبْدِ (فَأُعْتِقَ) أَيْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ (ثُمَّ عَادَ) الْجَانِي (فَقَطَعَ رِجْلَهُ وَانْدَمَلَ الْجُرْحَانِ وَجَبَ فِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ حِينَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا كَانَ رَقِيقًا.
(وَ) وَجَبَ (الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ لِأَنَّهُ مُكَافِئٌ لَهُ وَقْتَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا (أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ إنْ عَفَا) الْعَتِيقُ عَنْ الْقِصَاصِ وَيَكُونُ) لَهُ لَا لِسَيِّدِهِ لِأَنَّهُ حُرٌّ (وَإِنْ انْدَمَلَ قَطْعُ الْيَدِ وَسَرَى قَطْعُ الرِّجْلِ إلَى نَفْسِهِ فَفِي الْيَدِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لِسَيِّدِهِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْجِنَايَةِ وَعَلَى الْقَاطِعِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ لِلْمُكَافَأَةِ حَالَ الْجِنَايَةِ الَّتِي سَرَتْ (أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِوَرَثَتِهِ) أَيْ الْعَتِيقِ نَسَبًا أَوْ وَلَاءً مَعَ الْعَفْوِ مِنْهُمْ عَنْ الْقِصَاصِ.
(وَإِنْ انْدَمَلَ قَطْعُ الرِّجْلِ وَسَرَى قَطْعُ الْيَدِ فَفِي الرِّجْلِ الْقِصَاصُ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا قِصَاصَ فِي الْيَدِ وَلَا فِي سَرَايَتِهَا) لِأَنَّهُ وَقْتَ قَطْعِهَا كَانَ رَقِيقًا فَلَا مُكَافَأَةَ، وَعَلَى الْجَانِي لِسَيِّدِهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْقَطْعِ أَوْ دِيَةُ حُرٍّ قُلْتُ وَمَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ بَعْدَ أَرْشِ الْقَطْعِ لِلْوَرَثَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ سَرَى الْجُرْحَانِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ إلَّا فِي الرِّجْلِ) لِوُجُودِ الْمُكَافَأَةِ بِخِلَافِ الْيَدِ وَالنَّفْسِ (فَإِنْ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِقَطْعِ الرِّجْلِ (وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ نِصْفِ الدِّيَةِ فَإِنْ كَانَ قَاطِعُ الرِّجْلِ غَيْرَ قَاطِعِ الْيَدِ وَانْدَمَلَا فَعَلَى قَاطِعِ الْيَدِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ قِنُّهُ وَقْتَ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ (وَعَلَى قَاطِعِ الرِّجْلِ الْقِصَاصُ) فِيهَا (أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِوَرَثَةِ الْعَتِيقِ لِأَنَّهُ حُرٌّ حِينَ قَطَعَ رِجْلَهُ.
(وَإِنْ سَرَى الْجُرْحَانِ إلَى نَفْسِهِ فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ) لِأَنَّ جِنَايَتَهُ حَالَ الرِّقِّ فَلَا مُكَافَأَةَ (وَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ) اعْتِبَارًا بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ كَمَا مَرَّ (وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ) لِمُكَافَأَتِهِ لَهُ حَالَ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ حَيْثُ تَعَمَّدَ، لِأَنَّهُ شَارَكَهُ فِي الْقَتْل عَمْدًا عُدْوَانًا كَشَرِيكِ الْأَبِ.

(وَإِنْ قَلَعَ مُكَلَّفٌ عَيْنَ عَبْدٍ ثُمَّ عَتَقَ) الْعَبْدُ (ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ ثُمَّ) قَطَعَ (آخَرُ رِجْلَهُ فَلَا قَوَدَ عَلَى الْأَوَّلِ انْدَمَلَ جُرْحُهُ أَوْ سَرَى) لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُكَافِئًا حِينَ الْجِنَايَةِ (وَعَلَى الْآخَرِينَ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفَيْنِ) إنْ انْدَمَلَا لِلْمُكَافَأَةِ (وَإِنْ سَرَتْ الْجِرَاحَاتُ كُلُّهَا فَعَلَيْهِمَا) أَيْ قَاطِعِ الْيَدِ وَقَاطِعِ الرِّجْلِ (الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ) لِلْمُكَافَأَةِ لِأَنَّ جِنَايَتَهُمَا عَلَى حُرٍّ (وَإِنْ عَفَا) وَلِيُّ الْعَتِيقِ (عَنْ الْقِصَاصِ فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ أَثْلَاثًا) لِمَوْتِهِ بِسِرَايَةِ جِرَاحَاتِهِمْ (وَيَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ) لِقَلْعِ عَيْنِهِ (أَوْ ثُلُثَ الدِّيَةِ) وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ (وَإِنْ كَانَ الْجَانِيَانِ) أَوْ الْأَجْنِيَاءُ (فِي حَالِ الرِّقِّ وَالثَّالِثُ فِي حَالِ الْحُرِّيَّةِ فَمَاتَ) الْعَتِيقُ (فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ) أَثْلَاثًا (وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَتَيْنِ أَوْ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ) وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ عَتَقَ فَقَطَعَ آخَرُ رِجْلَهُ ثُمَّ عَادَ الْأَوَّلُ فَقَتَلَهُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِلْوَرَثَةِ) لِأَنَّهُ قَتَلَ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ (وَ) عَلَيْهِ (نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ) لِقَطْعِ يَدِهِ وَعَلَى الْآخَرِ الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ (أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِلْوَرَثَةِ (وَإِنْ كَانَ قَتَلَهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ فَعَلَى الْجَانِي الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ) لِمُكَافَأَتِهِ لَهُ حِينَ قَتَلَهُ (دُونَ الْيَدِ) لِأَنَّهُ قَطَعَهَا فِي رِقِّهِ (فَإِنْ اخْتَارَ الْوَرَثَةُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ سَقَطَ حَقُّ السَّيِّدِ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ النَّفْسَ وَأَرْشَ الطَّرَفِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ فَإِنَّ الطَّرَفَ دَاخِلٌ فِي النَّفْسِ فِي الْأَرْشِ (وَإِنْ اخْتَارُوا الْعَفْوَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ دُونَ أَرْشِ الطَّرَفِ) لِانْدِرَاجِهِ فِي دِيَةِ النَّفْسِ (وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ أَرْشُ الطَّرَفِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ) كَمَا تَقَدَّمَ وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ لِأَنَّهُ مُكَافِئٌ لَهُ حَالَ الْجِنَايَةِ (وَ) عَلَيْهِ (مَعَ الْعَفْوِ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِقَطْعِ الرِّجْلِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْقَاطِعُ (الثَّانِي هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ) لِمُكَافَأَتِهِ لَهُ حِينَ الْقَتْلِ (وَمَعَ الْعَفْوِ نِصْفُ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ) يَعْنِي إنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي الرِّجْلِ أَمَّا قَبْلَهُ فَدِيَةٌ كَامِلَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ السَّوَابِقِ وَاللَّوَاحِقِ (وَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ وَلَا قِصَاصَ) عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَافِئْهُ حِينَ الْجِنَايَةِ (وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ثَالِثًا فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْقَطْعَانِ) لِأَنَّ قَتْلَ الثَّالِثِ لَهُ قَطْعُ سِرَايَتِهِمَا (وَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّهُ جَنَى عَلَيْهِ حِينَ كَانَ رَقِيقًا (وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ، وَعَلَى الثَّالِثِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَوْ الدِّيَةُ مَعَ الْعَفْوِ) لِأَنَّهُ كَانَ حُرًّا حِينَ جِنَايَتِهِمَا (وَإِذَا قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ ثُمَّ انْدَمَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ حِينَ الْجِنَايَةِ كَانَ مِلْكَهُ.
(وَإِنْ مَاتَ) الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ (وَيَضْمَنُهُ بِمَا زَادَ عَلَى أَرْشِ الْقَطْعِ مِنْ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ) لِأَنَّهُ مَاتَ حُرًّا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ وَجَبَ) ذَلِكَ (لِبَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ السَّيِّدَ قَاتِلٌ فَلَا يَرِثُ (وَلَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ) أَوْ يَظُنُّهُ (ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ فَعَلَيْهِ) أَيْ الْقَاتِلِ (الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا مُحْصَنًا بِغَيْرِ حَقٍّ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ (وَمِثْلُهُ مَنْ قَتَلَ مَنْ يَظُنُّهُ قَاتِلَ أَبِيهِ) فَلَمْ يَكُنْ (أَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ) مُرْتَدًّا (أَوْ) مَنْ (يَظُنُّهُ مُرْتَدًّا فَلَمْ يَكُنْ) كَذَلِكَ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ لِمَا سَبَقَ.

الشَّرْطُ (الرَّابِعُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَقْتُولُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْقَاتِلِ فَلَا يُقْتَلُ وَالِدٌ أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا، وَإِنْ عَلَا بِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ مِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ أَوْ الْبَنَاتِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا:

«لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ يَسْتَغْنِي بِشُهْرَتِهِ وَقَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ عَنْ الْإِسْنَادِ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْنَادُ فِي مِثْلِهِ مَعَ شُهْرَتِهِ تَكَلُّفًا وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فَمُقْتَضَى هَذِهِ الْإِضَافَةِ تَمْكِينُهُ إيَّاهُ، فَإِذَا لَمْ تَثْبُتُ حَقِيقَةُ الْمِلْكِيَّةِ ثَبَتَتْ فِي إسْقَاطِ الْقِصَاصِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا فِي إيجَادِهِ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا فِي إعْدَامِهِ (وَتُؤْخَذُ مِنْ حُرٍّ الدِّيَةُ) أَيْ دِيَةُ الْمَقْتُولِ، كَمَا تَجِبُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لِعُمُومِ أَدِلَّتِهَا (وَلَا تَأْثِيرَ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَ) لِاخْتِلَافِ (الْحُرِّيَّةِ) فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ كَافِرًا أَوْ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا وَالْآخَرُ حُرًّا فَلَا قِصَاصَ (كَاتِّفَاقِهِمَا فَلَوْ قَتَلَ الْكَافِرُ وَلَدَهُ الْمُسْلِمَ، أَوْ) قَتَلَ (الْعَبْدُ وَلَدَهُ الْحُرَّ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِشَرَفِ الْأُبُوَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ زِنَا قُتِلَ الْوَالِدُ بِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدِهِ حَقِيقَةً.

(وَلَوْ تَدَاعَى نَفْسَانِ نَسَبَ صَغِيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ ثُمَّ قَتَلَاهُ قَبْلَ إلْحَاقِهِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ ابْنَهُمَا (وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُمَّ قَتَلَاهُ، لَمْ يُقْتَلُ أَبُوهُ) لِمَا سَبَقَ (وَقُتِلَ الْآخَرُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَبٍ (وَإِنْ رَجَعَا عَنْ الدَّعْوَى لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا عَنْ إقْرَارِهِمَا كَمَا لَوْ ادَّعَاهُ وَاحِدٌ فَأُلْحِقَ بِهِ ثُمَّ جَحَدَهُ) فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ جُحُودُهُ، لِأَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ لِلْوَلَدِ فَرُجُوعِهِ عَنْهُ رُجُوعٌ إقْرَارٍ بِحَقٍّ لِآدَمِيٍّ (وَإِنَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا) عَنْ دَعْوَاهُ (صَحَّ رُجُوعُهُ وَثَبَتَ نَسَبُهُ) مِنْ الْآخَرِ (لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ وَرُجُوعُهُ) لَا يُسْقِطُ نَسَبَهُ (وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ الَّذِي لَمْ يَرْجِعْ) أَنَّهُ أَبٌ (وَيَجِبُ) الْقِصَاصُ عَلَى الرَّاجِعِ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ (وَإِنْ عَفَا عَنْهُ) مَنْ وَرِثَ الْمَقْتُولَ (فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَرِيكِ الْأَبِ.

(وَلَوْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا) بِأَنْ كَانَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ وَطْئِهِمَا (فَقَتَلَاهُ قَبْلَ إلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ (وَإِنْ نَفَيَا نَسَبَهُ لَمْ يَنْتِفْ) لِأَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ لِلْوَلَدِ (إلَّا بِاللِّعَانِ) بِشُرُوطِهِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ وَأَنْ يَتَقَدَّمَهُ قَذْفٌ وَإِنْ نَفَاهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَنْتَفِ لِقَوْلِهِ، لِأَنَّهُ لَحِقَهُ بِالْفِرَاشِ فَلَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللِّعَانِ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا رَجَعَ هُنَاكَ لَحَقَ الْآخَرَ وَأَيْضًا ثُبُوتُهُ هُنَاكَ بِالِاعْتِرَافِ فَيَسْقُطُ بِالْجَحْدِ وَهَهُنَا بِالِاشْتِرَاكِ فَلَا يَنْتَفِي بِالْجَحْدِ.

(وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ) الْمُكَلَّفُ ذَكَرًا كَانَ

أَوْ أُنْثَى (بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَبَوَيْنِ الْمُتَكَافِئَيْنِ وَإِنْ عَلَوَا) لِلْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ وَمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْأَبِ مُمْتَنِعٌ لِتَأَكُّدِ حُرْمَتِهِ، وَلِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ بِالْأَجْنَبِيِّ فَبِأَبِيهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ يُحَدُّ بِقَذْفِهِ فَيُقْتَلُ بِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ (وَمَتَى وَرِثَ وَلَدُهُ) أَيْ الْقَاتِلُ (الْقِصَاصَ أَوْ) وَرِثَ (شَيْئًا مِنْهُ) أَيْ الْقِصَاصِ وَإِنْ قَلَّ سَقَطَ الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ لَوَجَبَ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فَلِئَلَّا يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى (أَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ سَقَطَ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ لَوَجَبَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ.

(فَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ وَلَهُ وَلَدٌ) فَلَا قَوَدَ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لِوَلَدِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ لِلْوَلَدِ بِالْجَنَابَةِ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ، لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَثَبَتَ لَهُ حُرْمَتُهُ وَلَا يُمْكِنُ وُجُوبُهُ وَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ سَقَطَ كُلُّهُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ كَمَا لَوْ عَفَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ (أَوْ قَتَلَ رَجُلٌ أَخَا زَوْجَتِهِ فَوَرِثَتْهُ ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثَهَا) زَوْجُهَا الْقَاتِلُ (أَوْ) وَرِثَهَا (وَلَدُهُ) لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ وَرِثَ هُوَ أَوْ وَلَدُهُ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ (أَوْ قَتَلَتْ) الْمَرْأَةُ (أَخَا زَوْجِهَا فَصَارَ الْقِصَاصُ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ لِابْنِهَا) بِمَوْتِ زَوْجِهَا الْوَارِثِ لِأَخِيهِ (أَوْ قَتَلَ رَجُلٌ أَخَاهُ فَوَرِثَهُ ابْنُ الْقَاتِلِ أَوْ) وَرِثَهُ (أَحَدٌ يَرِثُ ابْنُهُ مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ) لِإِرْثِ وَلَدِهِ جُزْءًا مِنْ دَمِهِ (وَإِذَا قَتَلَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْمُكَاتَبِ الْمُكَاتَبَ) لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (أَوْ) قَتَلَ أَحَدُهُمَا (عَبْدًا لَهُ) أَيْ لِلْمُكَاتَبِ (لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ لِلْمُكَاتَبِ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ قِصَاصٌ عَلَى أَبَوَيْهِ كَمَا لَوْ قَتَلَاهُ، وَأَوْلَى.

(وَإِنْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَحَدَ أَبَوَيْهِ) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ (ثُمَّ قَتَلَهُ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ فَضَلَهُ بِالْمِلْكِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَدَّمَهُ فِيمَا سَبَقَ وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

(وَلَوْ قَتَلَ) مُكَلَّفٌ (أَبَاهُ أَوْ أَخَاهُ فَوَرِثَهُ أَخَوَاهُ ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا أَيْ الْأَخَوَيْنِ صَاحِبَهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ وَرِثَ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ) لِأَنَّ أَخَوَيْهِ يَسْتَحِقَّانِ دَمَ أَبِيهِمَا أَوْ أَخِيهِمَا، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَرِثَ الْقَاتِلُ الْأَوَّلُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمَقْتُولُ، لِأَنَّهُ أَخُوهُ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِقُّ نِصْفَ دَمِهِ لِأَنَّ دَمَ الْأَبِ أَوْ الْأَخِ بَيْنَ أَخَوَيْنِ نِصْفَيْنِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ، وَإِنْ قَتَلَ الثَّانِي الْأَوَّلَ ثُمَّ الثَّالِثُ الرَّابِعَ قُتِلَ الثَّالِثُ دُونَ الثَّانِي لِإِرْثِهِ نِصْفَ دَمِهِ عَنْ الرَّابِعِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ الْأَوَّلِ لِلثَّالِثِ.

(وَإِنْ قَتَلَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ أَبَاهُ وَ) قَتَلَ (الْآخَرُ أُمَّهُ وَهِيَ زَوْجَةُ الْأَبِ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ الْأَوَّلِ) وَهُوَ

قَاتِلُ الْأَبِ (لِذَلِكَ) أَيِّ لِإِرْثِهِ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ ثَمَنُ دَمِ الْأَبِ (وَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ الثَّانِي) فَلِأَخِيهِ قَتْلُهُ وَيَرِثُهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ قَاتَلَ الْأَبِ (لِأَنَّ الْقَتِيلَ الثَّانِي) وَهُوَ الْأُمُّ (وَرِثَ جُزْءًا مِنْ دَمِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ الثَّمَنُ (فَلَمَّا قُتِلَ وَرِثَهُ) قَاتِلُ الْأَبِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ (فَصَارَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ) وَهُوَ الثَّمَنُ (فَسَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَاتِلُ الْأَبِ، لِإِرْثِهِ ثَمَنَ أُمِّهِ وَعَلَيْهِ سَبْعَةُ أَثْمَانِ دِيَتِهِ لِأَخِيهِ) قَاتِلِ أُمِّهِ لِإِرْثِهِ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ (وَلَهُ) أَيْ قَاتِلِ الْأَبِ (أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَخِيهِ) قَاتِلِ أُمِّهِ (وَيَرِثَهُ) لِأَنَّ الْقَتْلَ بِحَقٍّ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ (وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ بَائِنًا) أَوْ قَتَلَاهُمَا مَعًا مُطْلَقًا (فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ لِأَخِيهِ) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَرِثُ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ شَيْئًا لِعَدَمِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ لِمَوْتِهِمَا مَعًا.
(فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا أَخَاهُ سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ يَرِثُ أَخَاهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْتُولُ ابْنًا أَوْ ابْنَ ابْنٍ فَإِنْ كَانَ) لَهُ ابْنٌ أَوْ ابْنُ ابْنٍ فَالْأَخُ مَحْجُوبٌ بِهِ (فَلَهُ) أَيْ الِابْنِ أَوْ ابْنِ الِابْنِ (قَتْلُ عَمِّهِ وَيَرِثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الْقَتْلَ بِحَقٍّ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ (فَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ احْتَمَلَ أَنْ يُبْدَأَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ) وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ (أَوْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَهُوَ قَوْلُ) الْقَاضِي (وَأَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ أَوْ بِمُبَادَرَةٍ أَوْ قُرْعَةٍ وَرِثَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ) لِأَنَّ قَتْلَهُ بِحَقٍّ (وَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ) لِإِرْثِهِ دَمَ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْأَخُ الْقَاتِلُ لِأَخِيهِ (مَحْجُوبًا عَنْ مِيرَاثِهِ كُلِّهِ) بِابْنٍ أَوْ ابْنِ ابْنٍ (فَلِوَارِثِ الْقَتْلِ) وَهُوَ وَارِثُ الْمَالِ قَتْلُ الْآخَرِ لِإِرْثِهِ دَمَهُ وَعَدَمِ الْمَانِعِ، وَلَهُ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ أَوْ مَجَّانًا (وَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا أَيْ الْأَخَوَيْنِ عَنْ الْآخَرِ ثُمَّ قَتَلَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ الْعَافِيَ وَرِثَهُ أَيْضًا) إنْ لَمْ يَكُنْ حَاجِبٌ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِحَقٍّ (وَسَقَطَ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ) إذْ لَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ (وَإِنْ تَعَافَيَا جَمِيعًا بِأَنْ عَفَا كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ عَلَى الدِّيَةِ تَقَاصَّا بِمَا اسْتَوَيَا فِيهِ) فَيَسْقُطُ مِنْ دِيَةِ الْأَبِ بِقَدْرِ دِيَةِ الْأُمِّ (وَوَجَبَ لِقَاتِلِ الْأُمِّ الْفَضْلُ عَنْ قَاتِلِ الْأَبِ لِأَنَّ عَقْلَهَا) أَيْ دِيَتَهَا (نِصْفُ عَقْلِ الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) ابْنٌ أَوْ ابْنُ ابْنٍ (يَحْجُبُ عَمَّهُ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ) بِأَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ (فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَرِثَهُ ابْنُهُ) أَوْ ابْنُ ابْنِهِ (وَلِلِابْنِ) أَوْ ابْنِ الِابْنِ (أَنْ يَقْتُلَ) عَمَّهَ لِإِرْثِهِ دَمَهُ (وَيَرِثُهُ) أَيْ الْمَقْتُولَ مِنْهُمَا ابْنُهُ أَوْ ابْنُ ابْنِهِ (وَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِابْنَيْنِ مَالَ أَبِيهِ وَمَالَ جَدِّهِ الَّذِي قَتَلَهُ عَمُّهُ دُونَ) الْقَتِيلِ الَّذِي قَتَلَهُ أَبُوهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ (وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتٌ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَرِثُ نِصْفَ مِيرَاثِ أَخِيهِ وَنِصْفَ قِصَاصِ نَفْسِهِ فَوَرِثَ مَالَ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ أَخُوهُ) ، أَوْ مَالَ أُمِّهَا الَّذِي قَتَلَهَا أَخُوهُ، (وَ) وَرِثَ (نِصْفَ مَالِ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ، وَوَرِثَتْ الْبِنْتُ الَّذِي قُتِلَ أَبُوهَا نِصْفَ مَالِ أَبِيهَا وَنِصْفَ مَالِ جَدِّهَا الَّذِي قَتَلَهُ عَمُّهَا وَلَهَا عَلَى عَمِّهَا نِصْفُ دِيَةِ قَتِيلِهِ) .

(وَإِذَا كَانَ أَرْبَعُ إخْوَةٍ قَتَلَ الْأَوَّلُ الثَّانِي وَ) قَتَلَ (الثَّالِثُ الرَّابِعَ فَالْقِصَاصُ عَلَى الثَّالِثِ) دُونِ الْأَوَّلِ لِإِرْثِهِ نِصْفَ دَمِهِ عَنْ الرَّابِعِ (وَوَجَبَ لَهُ) أَيْ الثَّالِثِ (نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى الْأَوَّلِ) لِقَتْلِهِ أَخَاهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ، (وَلِلْأَوَّلِ قَتْلُهُ) أَيْ الثَّالِثِ بِأَخِيهِ الرَّابِعِ (فَإِنْ قَتَلَهُ وَرِثَهُ) لِأَنَّهُ قَاتِلٌ بِحَقٍّ (وَوَرِثَ مَا يَرِثُهُ مِنْ أَخِيهِ الثَّانِي) لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ تَرِكَتِهِ (فَإِنْ عَفَا) الْأَوَّلُ عَنْهُ أَيْ الثَّالِثِ (إلَى الدِّيَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ) أَيْ الثَّالِثِ (بِكَمَالِهَا يُقَاصُّهُ) الثَّالِثُ (بِنِصْفِهَا) الَّذِي وَرِثَهُ مِنْ الثَّانِي وَيُعْطِيهِ نِصْفَهَا (وَإِنْ كَانَ لَهُمَا) أَيْ لِلْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ (وَرَثَةٌ) تَحْجُبُ الْآخَرَ أَوَّلًا (فَتَفْصِيلُهُمَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا) فِيمَا إذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا أَبَاهُ وَالْآخَرُ أُمَّهُ.

الشَّرْطُ (الْخَامِسُ بِأَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَمْدًا) مَحْضًا بِخِلَافِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فَلَا قِصَاصَ فِيهِمَا إجْمَاعًا حَكَاهُ فِي الشَّرْحِ (وَإِنْ قُتِلَ مَنْ لَا يُعْرَفُ) بِإِسْلَامٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ (وَادَّعَى كُفْرَهُ أَوْ رِقَّهُ) وَجَبَ الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ، وَلِهَذَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ، وَالرِّقُّ طَارِئٌ أَوْ.

(ضَرَبَ مَلْفُوفًا فَقَدَّهُ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ) أَيْ الْمَلْفُوفِ (حَائِطًا وَادَّعَى، أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا وَأَنْكَرَ وَلِيّهُ) وَجَبَ الْقِصَاصُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَيَاةُ (أَوْ قَطَعَ طَرَفَ الْبَنَانِ وَادَّعَى شَلَلَهُ أَوْ قَلَعَ عَيْنًا وَادَّعَى عَمَاهَا) وَأَنْكَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَجَبَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، (أَوْ قَطَعَ سَاعِدًا وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفٌّ، أَوْ) قَطَعَ (سَاقًا وَادَّعَى أَنَّهَا) أَيْ السَّاقُ (لَمْ يَكُنْ لَهَا قَدَمٌ) وَجَبَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ.

(أَوْ قَتَلَ) مُكَلَّفٌ (رَجُلًا فِي دَارِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ دَخَلَ لِقَتْلِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ أَوْ يُكَابِرُهُ عَلَى أَهْلِهِ فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ (وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ) وَجَبَ الْقِصَاصُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ سَوَاءٌ وُجِدَ فِي دَارِ الْقَاتِلِ أَوْ غَيْرِهَا، مَعَهُ سِلَاحٌ أَوْ لَا لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ " سُئِلَ عَمَّنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا آخَرَ فَقَتَلَهُ فَقَالَ: إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةٍ فَلِيُعْطَ بِرُمَّتِهِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَدَمُهُ فِي مَعْرُوفٍ بِالْفَسَادِ (أَوْ تَجَارَحَ اثْنَانِ وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ جَرَحَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) وَأَنْكَرَ الْآخَرُ (وَجَبَ الْقِصَاصُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (وَمَتَى صُدِّقَ الْمُنْكِرُ) فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ

مِنْ الصُّوَرِ (فَلَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ) لِقَوْلِ عُمَرَ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَرُوِيَ عَنْ الزُّبَيْرِ نَحْوُهُ، وَلِأَنَّ الْخَصْمَ اعْتَرَفَ بِمَا يُبِيحُ قَتْلَهُ فَسَقَطَ حَقُّهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ قِصَاصًا.

(وَإِنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّ الْمَقْتُولَ زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ لَمْ تَقْبَلْ دَعْوَاهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ (وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ بِإِحْصَانِهِ قُبِلَ) بِخِلَافِ الزِّنَا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَمَا يَأْتِي.

(وَإِنْ اخْتَصَمَ قَوْمٌ بِدَارٍ فَجَرَحَ) بَعْضُهُمْ بَعْضًا (وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَجُهِلَ الْحَالُ) بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ وَلَا الْجَارِحُ (فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمَجْرُوحِينَ دِيَةُ الْقَتْلَى يَسْقُطُ مِنْهَا أَرْشُ الْجِرَاحِ) قَضَى بِهِ عَلِيٌّ رَوَاهُ أَحْمَدُ (فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ الْمُخْتَصِمِينَ مَنْ لَيْسَ بِهِ جُرْحٌ شَارَكَ الْمَجْرُوحِينَ فِي دِيَةِ الْقَتْلِ، هَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ أَطْلَقَهُمَا ابْنُ حَمْدَانَ، قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ فِي التَّصْحِيحِ الْكَبِيرِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ.
(وَيَأْتِي فِي الْقِسَامَةِ: إذَا قَالَ إنْسَانٌ: مَا قَتَلَ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَلْ أَنَا قَتَلْتُهُ، وَلَهُ قَتَلَ مَنْ وَجَدَهُ يَفْجُرُ بِأَهْلِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: لَا فَرُقَ بَيْنَ كَوْنِهِ) أَيْ الْفَاجِرِ (مُحْصِنًا أَوْ غَيْرِهِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ (وَصَرَّحَ بِهِ الشَّيْحُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدٍّ وَإِنَّمَا هُوَ عُقُوبَةٌ عَلَى فِعْلِهِ وَإِلَّا اُعْتُبِرَتْ شُرُوطُ الْحَدِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ قَتْلُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا كَانَ الزَّانِي مُحْصَنًا، وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلَانِ فِي اعْتِبَارِ إحْصَانِهِ (وَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ يُقَدْ بِهِ قَاتِلُهُ) عُدْوَانًا (وَإِنْ كَانَ مُجْدَعَ الْأَطْرَافِ) أَيْ مَقْطُوعَهَا (مَعْدُومَ الْحَوَاسِّ) مِنْ سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَشْمٍ وَذَوْقٍ وَلَمْسٍ (وَالْقَاتِلُ صَحِيحٌ سَوِيُّ الْخَلْقِ وَبِالْعَكْسِ) بِأَنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُجْدَعَ الْأَطْرَافِ مَعْدُومَ الْحَوَاسِّ وَالْمَقْتُولُ صَحِيحٌ سَوِيُّ الْخَلْقِ.
(وَكَذَلِكَ إنْ تَفَاوَتَا فِي الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْحِذْقِ وَالْبَلَادَةِ إجْمَاعًا حَكَاهُ فِي الشَّرْحِ لِعُمُومِ الْآيَاتِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» (وَيَجْرِي فِي الْقِصَاصِ بَيْنَ الْوُلَاةِ) جَمْعُ وَالٍ، وَيَتَنَاوَلُ الْإِمَامَ وَالْقَاضِيَ وَالْأَمِيرَ (وَالْعُمَّالَ) عَلَى الصَّدَقَاتِ أَوْ الْخَرَاجِ أَوْ غَيْرِهِمَا (وَبَيْنَ رَعِيَّتِهِمْ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ (وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ كَوْنُ الْقَتْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) فَيُقْتَلُ مُكَافِئُهُ بِشُرُوطِهِ، وَإِنْ كَانَ بِدَارِ حَرْبٍ سَوَاءٌ كَانَ هَاجَرَ أَوْ لَمْ يُهَاجِرْ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ.
(وَقَتْلُ الْغِيلَةِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الْقَتْلُ عَلَى غُرَّةٍ وَغَيْرُهُ أَيْ غَيْرُ قَتْلِ الْغِيلَةِ سَوَاءٌ فِي (الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (وَذَلِكَ) أَيْ الْقِصَاصُ وَالْعَفْوُ فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ وَغَيْرِهِ (لِلْوَلِيِّ) الْوَارِثِ لِلْمَقْتُولِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (دُونَ السُّلْطَانِ) فَلَيْسَ لَهُ قِصَاصٌ

وَلَا عَفْوٌ مَعَ وُجُودِ وَارِثٍ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ لَهُ الْقِصَاصُ» وَالْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ لَا مَجَّانًا.

[بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ]

(بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَهُوَ) أَيْ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ (فِعْلُ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ) إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ (أَوْ) فِعْلُ (وَلِيِّهِ) أَيْ وَارِثِهِ إنْ كَانَتْ عَلَى النَّفْسِ (بِجَانٍ عَامِدٍ مِثْلَ مَا فَعَلَ) الْجَانِي (أَوْ شِبْهِهِ) أَيْ شِبْهِ فِعْلِ الْجَانِي (وَلَهُ) أَيْ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ (ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقُّهُ مُكَلَّفًا) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ أَهْلًا لِلِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ تَكْلِيفِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَلَا تَصَرُّفُهُ (فَإِنْ كَانَ) مُسْتَحَقَّ الْقِصَاصِ (صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يَجُزْ) لِآخَرَ (اسْتِيفَاؤُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ وَ) حَتَّى (يَعْقِلَ الْمَجْنُونُ) لِأَنَّ فِيهِ حَظًّا لِلْقَاتِلِ بِتَأْخِيرِ قَتْلِهِ وَحَظًّا لِلْمُسْتَحِقِّ بِإِيصَالِهِ إلَى حَقِّهِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ إتْلَافَ نَفْسِهِ وَمَنْفَعَتِهِ فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ النَّفْسِ لِعَارِضٍ بَقِيَ إتْلَافُ الْمَنْفَعَةِ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ وَقَدْ حَبَسَ مُعَاوِيَةُ هُدْبَةَ بْنَ خَشْرَمٍ فِي قَوَدٍ حَتَّى بَلَغَ ابْنُ الْقَتِيلِ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ وَكَانَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ.
(وَلَيْسَ لِأَبِيهِمَا) أَيْ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (اسْتِيفَاؤُهُ) لَهُمَا (كَوَصِيٍّ وَحَاكِمٍ) لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّشَفِّي وَتَرْكُ الْغَيْظِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِاسْتِيفَاءِ الْأَبِ أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الدِّيَةِ فَإِنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِاسْتِيفَائِهِ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهَا إذَا تَعَيَّنَتْ وَالْقِصَاصَ لَا يَتَعَيَّنُ (فَإِنْ كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إلَى نَفَقَةٍ فَلِوَلِيِّ الْمَجْنُونِ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ دُونَ وَلِيِّ الصَّغِيرِ نَصَّا) لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ فِي حَالَةٍ مُعْتَادَةٍ يُنْتَظَرُ فِيهَا إفَاقَتُهُ وَرُجُوعُ عَقْلِهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَتَقَدَّمَ فِي اللَّقِيطِ مَا فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ مَاتَا) أَيْ: الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ (قَبْلَ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ قَامَ وَارِثُهُمَا مَقَامَهُمَا فِيهِ) أَيْ: فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمَا فَانْتَقَلَ بِمَوْتِهِمَا إلَى وَارِثِهِمَا كَسَائِرِ حُقُوقِهِمَا، (وَإِنْ قَتَلَا قَاتِلَ أَبِيهِمَا أَوْ قَطَعَا قَاطِعَهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ (قَهْرًا) سَقَطَ حَقُّهُمَا لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَيْنَ حَقِّهِ فَسَقَطَ الْحَقُّ

أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُمَا وَدِيعَةٌ عِنْدَ شَخْصٍ فَأَتْلَفَاهَا (أَوْ اقْتَصَّا مِمَّنْ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَتَهُ بِالْعَبْدِ سَقَطَ حَقُّهُمَا) وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ دَيْنِهِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَلَمْ يَكُنْ إلَّا سُقُوطُهُ.

الشَّرْطُ (الثَّانِي اتِّفَاقُ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ) أَيْ: الْقِصَاصِ (عَلَى اسْتِيفَائِهِ) لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ لَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ (وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ اسْتِيفَاؤُهُ دُونَ بَعْضٍ) لِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ الدَّيْنَ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ اسْتَوْفَى أَحَدُهُمْ الْقِصَاصَ بِدُونِ إذْنِ الْبَاقِي (فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا يَسْتَحِقُّ بَعْضَهَا فَلَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ بِهَا، لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تُؤْخَذُ بِبَعْضِ نَفْسٍ، وَلِأَنَّهُ مُشَارِكٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَوَدٌ كَالشَّرِيكِ فِي الْجَارِيَةِ إذَا وَطِئَهَا وَيُفَارِقُ مَا إذَا قَتَلَ الْجَمَاعَةُ وَاحِدًا فَإِنَّا لَمْ نُوجِبْ الْقِصَاصَ بِقَتْلِ بَعْضِ النَّفْسِ (وَلِشُرَكَائِهِ فِي تَرِكَةِ الْجَانَّيْ حَقُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ) لِأَنَّ حَقَّهُمْ مِنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ (وَتَرْجِعُ وَرَثَةُ الْجَانِي عَلَى الْمُقْتَصِّ بِمَا فَوْقَ حَقِّهِ) مِنْ الدِّيَةِ.
(فَلَوْ كَانَ الْجَانِي أَقَلَّ دِيَةً مِنْ قَاتِلِهِ مِثْلُ امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا لَهُ ابْنَانِ قَتَلَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ) الِابْنِ (الْآخَرِ فَلِلْآخَرِ نِصْفُ دِيَةِ أَبِيهِ فِي تَرِكَةِ الْمَرْأَةِ) الَّتِي قَتَلَتْهُ كَمَا لَوْ مَاتَتْ (وَتَرْجِعُ وَرَثَتُهَا بِنِصْفِ دِيَتِهَا عَلَى قَاتِلِهَا) لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ سِوَى نِصْفِ دَمِهَا وَقَدْ اسْتَوْفَاهُ (وَهُوَ) أَيْ: نِصْفُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ (رُبْعُ دِيَةِ الرَّجُلِ) لِأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ كَمَا يَأْتِي (وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ) أَيْ: الْوَرَثَةُ عَنْ الْقِصَاصِ (وَكَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ عَفَوْهُ) بِأَنْ كَانَ مُكَلَّفًا (وَلَوْ) كَانَ الْعَفْوُ (إلَى الدِّيَةِ سَقَطَ الْقِصَاصُ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ لِأَنَّ الْقِصَاصُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ لَا يَتَبَعَّضُ مَبْنَاهُ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ فَإِذَا أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ سَرَى إلَى الْبَاقِي كَالْعِتْقِ (وَإِنْ كَانَ الْعَافِي) عَلَى الْقِصَاصِ (زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً) لِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: " إنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَتَلَ قَتِيلًا فَجَاءَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَتْ امْرَأَةُ الْمَقْتُولِ وَهِيَ أُخْتُ الْقَاتِلِ: عَفَوْتُ عَنْ حَقِّي فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَتَقَ الْقَتِيلُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لِأَنَّ مَنْ وَرِثَ الْمَالَ وَرِثَ الْقَوَدَ كَمَا يَأْتِي.

(وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمْ) أَيْ الْوَرَثَةِ (وَلَوْ مَعَ فِسْقِهِ بِعَفْوِ بَعْضِهِمْ) فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّ الْجَمِيعِ مِنْ الْقِصَاصِ لِكَوْنِ شَهَادَتِهِ إقْرَارًا بِأَنَّ نَصِيبَهُ مِنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ (وَلِلْبَاقِي) الَّذِينَ لَمْ يَعْفُوا (حَقُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى الْجَانِي) سَوَاءٌ عَفَا مُطْلَقًا أَوْ إلَى الدِّيَةِ لِأَنَّ حَقَّهُ مِنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَثَبَتَ لَهُ الْبَدَلُ كَمَا لَوْ وَرِثَ بَعْضَ دَمِهِ أَوْ مَاتَ (فَإِنْ قَتَلَهُ الْبَاقُونَ عَالِمِينَ بِالْعَفْوِ وَ) عَالِمِينَ

(بِسُقُوطِ الْقِصَاصِ فَعَلَيْهِمْ الْقَوَدُ حَكَمَ بِالْعَفْوِ حَاكِمٌ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ عَمْدًا عُدْوَانًا أَشْبَهَ مَا قَتَلُوهُ ابْتِدَاء (وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِالْعَفْوِ) وَبِسُقُوطِ الْقِصَاصِ (فَلَا قَوَدَ) عَلَيْهِمْ (وَلَوْ كَانَ قَدْ حُكِمَ بِالْعَفْوِ) لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ دَرَأَتْ الْقَوَدَ كَالْوَكِيلِ إذَا قَتَلَهُ بَعْدَ الْعَفْوِ وَقَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ (وَعَلَيْهِمْ) أَيْ الْقَاتِلِينَ (دِيَتُهُ) لِأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ تَعَذَّرَ وَالدِّيَةَ بَدَلُهُ، (وَسَوَاءٌ كَانَ الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ أَوْ) كَانَ بَعْضُهُمْ حَاضِرًا وَ (بَعْضُهُمْ غَائِبًا) لِاسْتِوَائِهِمْ مَعْنًى، (فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ هُوَ الْعَافِي فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) ، وَلَوْ ادَّعَى نِسْيَانَهُ أَوْ جَوَازَهُ، (وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ) أَيْ: الْوَرَثَةِ (غَائِبًا انْتَظَرَ قُدُومَهُ وُجُوبًا) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ عَبْدًا مُشْتَرَكًا.

(وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَقْدَمَ) الْغَائِبُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (وَكُلُّ مَنْ وَرِثَ الْمَالَ وَرِثَ الْقِصَاصَ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْ الْمَالِ حَتَّى الزَّوْجَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ فَيَسْتَحِقُّهُ الْوَارِثُ مِنْ جِهَةِ مُوَرِّثِهِ، أَشْبَهَ الْمَالَ، وَالْأَحْسَنُ رَفْعُ الزَّوْجَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ عَطْفًا عَلَى " كُلُّ "، وَعَلَى عِبَارَةِ الْمُصَنَّفِ تَبَعًا لِلْمُقْنِعِ تَكُونُ حَتَّى حَرْفَ جَرٍّ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ أَيْ كُلُّ مَنْ وَرِثَ الْمَالَ وَرِثَ الْقِصَاصَ يَنْتَهِي ذَلِكَ إلَى الزَّوْجَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ (وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَوَلِيُّهُ الْإِمَامُ) لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ (إنْ شَاءَ اقْتَصَّ) لِأَنَّ بِنَا حَاجَةً إلَى عِصْمَةِ الدِّمَاءِ فَلَوْ لَمْ يَقْتُلْ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لَقُتِلَ (وَإِنْ شَاءَ عَفَا إلَى دِيَةٍ كَامِلَةٍ) فَأَكْثَرَ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ (وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ مَجَّانًا) وَلَا عَلَى أَقَلَّ مِنْ دِيَةٍ لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.

(وَإِذَا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ فَعَفَا عَنْهُمْ) وَرَثَتُهُ (إلَى الدِّيَةِ فَعَلَيْهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ عَفَا عَنْ بَعْضِهِمْ فَعَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ قِسْطُهُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدِّيَةِ بَدَلَ الْمَحَلِّ وَهُوَ وَاحِدٌ فَتَكُونُ دِيَتُهُ وَاحِدَةً سَوَاءٌ أَتْلَفَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَهُوَ عُقُوبَةٌ عَلَى الْفِعْلِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ.

الشَّرْطُ (الثَّالِثُ أَنْ يُؤْمَنَ فِي الِاسْتِيفَاءِ التَّعَدِّي إلَى غَيْرِ الْجَانِي) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] وَإِذَا أَفْضَى إلَى التَّعَدِّي فَفِيهِ إسْرَافٌ.

(فَلَوْ وَجَبَ الْقَوَدُ أَوْ الرَّجْمُ عَلَى حَامِلٍ أَوْ عَلَى حَائِلٍ وَ) حَمَلَتْ بَعْدَ وُجُوبِهِ (لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ الْوَلَدَ وَتَسْقِيَهُ اللَّبَأَ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ قَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ عَمْدًا فَلَا تُقْتَلُ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا وَحَتَّى تَكْفُلَ وَلَدَهَا، وَإِنْ زَنَتْ لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، وَحَتَّى تَكْفُلَ وَلَدهَا» وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى وَلَدِهَا، وَقَتْلُهُ حَرَامٌ، وَالْوَلَدُ يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ اللِّبَأِ ضَرَرًا كَثِيرًا، وَقَالَ فِي الْكَافِي: لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ (ثُمَّ إنْ وَجَدَ مَنْ يُرْضِعُهُ مُرْضِعَةً رَاتِبَةً قُتِلَتْ) ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ قَتْلِهَا إنَّمَا كَانَ لِلْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ.
(وَإِنْ وَجَدَ مُرْضِعَاتٍ غَيْرَ رَوَاتِبَ، أَوْ) وَجَدَ (لَبَنَ شَاةٍ وَنَحْوِهَا لِيَسْقِيَ مِنْهُ رَاتِبًا جَازَ قَتْلُهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ إذَنْ التَّلَفُ (وَيُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّ الْقَتْلِ تَأْخِيرُهُ) حِينَئِذٍ (إلَى الْفِطَامِ) دَفْعًا لِضَرَرِ الْوَلَدِ بِذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْوَلَدِ (مَنْ يُرْضِعُهُ تُرِكَتْ حَتَّى تُرْضِعَهُ حَوْلَيْنِ ثُمَّ تَقْطَعُهُ) لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى لِأَنَّ الْقَتْلَ إذَا أُخِّرَ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ الْحَمْلِ فَلَأَنْ يُؤَخَّرَ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ الْوَلَدِ أَوْلَى (وَلَا تُجْلَدُ) الْحَامِلُ (فِي الْحَدِّ) حَتَّى تَضَعَ (وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فِي الطَّرَفِ حَتَّى تَضَعَ) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ التَّعَدِّي إلَى تَلَفِ الْوَلَدِ أَشْبَهَ الِاقْتِصَاصَ فِي النَّفْسِ بَلْ يُقَادُ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.
(قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) حَتَّى تَضَعَ (وَتَسْقِيَهُ اللِّبَأَ) قَالَ فِي الْمُبْدِع وَهُوَ ظَاهِرٌ (فَإِذَا أَوَضَعَتْ الْوَلَدَ وَانْقَطَعَ النِّفَاسُ وَكَانَتْ قَوِيَّةً يَوْمَ تَلَفِهَا وَلَا يُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ الضَّرَرُ مِنْ تَأَثُّرِ اللَّبَنِ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ مِنْ قَطْعِ الطَّرَفِ وَالْجِلْدِ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَإِنْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا أَوْ ضَعِيفَةً يُخَافُ تَلَفُهَا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَتَقْوَى) دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا بِالْوَضْعِ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ قَبْلَ سَقْيِ اللَّبَنِ (وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحُدُودِ) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.
(وَإِنْ ادَّعَتْ مِنْ وُجِدَ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ الْحَمْلَ قُبِلَ مِنْهَا إنْ أَمْكَنَ) لِأَنَّ لِلْحَمْلِ أَمَارَاتٌ خَفِيَّةٌ تَعْلَمُهَا مِنْ نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا لَوَجَبَ أَنْ يُحْتَاطَ لَهُ كَالْحَيْضِ (وَتُحْبَسُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا) احْتِيَاطًا لِمَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ (وَلَا تُحْبَسُ لِحَدٍّ) يَعْنِي لَوْ ادَّعَتْ مِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ أَنَّهَا حَامِلٌ قُبِلَ مِنْهَا إنْ أَمْكَنَ وَلَمْ تُحْبَسْ.

(وَإِنْ اُقْتُصَّ مِنْ حَامِلٍ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَضَعْهُ) وَلَمْ تَتَيَقَّنْهُ حَمْلًا (لَكِنْ مَاتَتْ عَلَى مَا بِهَا مِنْ انْتِفَاخِ الْبَطْنِ وَأَمَارَةِ الْحَمْلِ فَلَا ضَمَانَ فِي حَقِّ الْجَنِينِ لِأَنَّهُ لَا يُتَحَقَّقُ أَنَّ الِانْتِفَاخَ حَمْلٌ) فَلَا تُوجَبُ بِالشَّكِّ (وَإِنْ أَلْقَتْهُ) أَيْ الْجَنِينَ (حَيًّا فَعَاشَ فَلَا كَلَامَ) أَيْ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَكِنْ يُؤَدِّبُ (وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا وَبَقِيَ) الْوَلَدُ (خَاضِعًا ذَلِيلًا زَمَانًا يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ إذَا كَانَ وَضْعُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلَهُ) وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا فِي وَقْتٍ لَا يَعِيشُ) فِيهِ (مِثْلُهُ) وَهُوَ مَا دُونَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ (فَفِيهِ غُرَّةٌ) عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ كَمَا يَأْتِي فِي الْجَنِينِ (وَالضَّمَانُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْ أُمِّهِ) لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ وَالْحَاكِمُ الَّذِي مَكَّنَهُ مُتَسَبِّبٌ وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ دُونَ الْوَلِيِّ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ وَحْدَهُ، كَالسَّيِّدِ إذَا أَمَرَ عَبْدَهُ الْأَعْجَمِيَّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَيَكُونُ وُجُوبُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ الْغُرَّةِ (مَعَ الْكَفَّارَةِ) عَلَى الْمُقْتَصِّ لِأَنَّهُ قَاتِلُ نَفْسٍ.

[فَصْلٌ وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ]

(فَصْلٌ وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ وَلَوْ فِي النَّفْسِ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ وُجُوبًا) لِأَنَّهُ يُفْتَقَرُ إلَى اجْتِهَادِهِ وَلَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْحَيْفُ مَعَ قَصْدِ التَّشَفِّي (فَلَوْ خَالَفَ) الْوَلِيُّ (وَفَعَلَ) أَيْ اقْتَصَّ بِغَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ (وَقَعَ الْمُوقَعُ) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ (وَلَهُ) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (تَعْزِيرُهُ) لِافْتِيَاتِهِ عَلَى السُّلْطَانِ.
وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ لَا يُعَزِّرُهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ كَالْمَالِ (وَيُسْتَحَبُّ إحْضَارُ شَاهِدَيْنِ) عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ لِئَلَّا يُنْكِرَهُ الْمُقْتَصُّ (وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْآلَةُ) الَّتِي يُسْتَوْفَى بِهَا الْقِصَاصُ (مَاضِيَةً) لِحَدِيثِ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (وَعَلَى الْإِمَامِ تَفَقُّدُهَا) أَيْ آلَةِ الِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّ مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِيفَاءُ بِهِ (فَإِنْ كَانَتْ) الْآلَةُ (كَالَّةً أَوْ مَسْمُومَةً مَنَعَهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ بِهَا) لِخَبَرِ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادٍ وَلِئَلَّا يُعَذَّبَ الْمَقْتُولُ وَلِأَنَّ الْمَسْمُومَةَ تُفْسِدُ الْبَدَن وَرُبَّمَا مَنَعَتْ غَسَلَهُ (فَإِنْ عَجَّلَ الْوَلِيُّ) وَاسْتَوْفَى (بِهَا) أَيْ بِالْآلَةِ الْكَالَّةِ أَوْ الْمَسْمُومَةِ (عُزِّرَ) لِفِعْلِهِ مَا لَا يَجُوزُ.

(وَ) يَنْظُرُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي الْوَلِيِّ (إنْ كَانَ الْوَلِيُّ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ بِالْقُوَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ مَكَّنَهُ مِنْهُ الْإِمَامُ وَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّوْكِيلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «آتَاهُ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ فَقَالَ إنَّ هَذَا قَتَلَ أَخِي فَاعْتَرَفَ بِقَتْلِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْوَلِيُّ الِاسْتِيفَاءَ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (أَمَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ) لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ اسْتِيفَائِهِ فَيُوَكِّلُ فِيهِ مَنْ يُحْسِنُهُ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ.

(فَإِنْ ادَّعَى) الْوَلِيُّ (الْمَعْرِفَةَ فَأَمْكَنَهُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (فَضَرَبَ بِعُنُقِهِ فَأَبَانَهُ فَقَدْ اُسْتُوْفِيَ) الْقِصَاصُ (وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَ الْعُنُقِ وَأَقَرَّ بِتَعَمُّدِ ذَلِكَ عُزِّرَ) لِفِعْلِهِ مَا لَا يَجُوزُ (فَإِنْ قَالَ) الْوَلِيُّ (أَخْطَأْتُ وَكَانَتْ الضَّرْبَةُ قَرِيبًا مِنْ الْعُنُقِ كَالرَّأْسِ وَالْمَنْكِبِ قَبْلَ قَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ

مُمْكِنٌ (وَإِنْ كَانَ) الضَّرْبُ (بَعِيدًا) عَنْ الْعُنُقِ (كَالْوَسَطِ وَالرِّجْلَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ) لِقَوْلِ الْوَلِيِّ إنَّهُ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (ثُمَّ إنْ أَرَادَ) الْوَلِيُّ الْعَوْدَ لِلِاسْتِيفَاءِ (لَمْ يُمْكِنْ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ) فَيُوَكَّل مَنْ يُحْسِنْهُ.

(وَإِنْ احْتَاجَ الْوَكِيلُ إلَى أُجْرَةٍ فَمِنْ مَالِ الْجَانِي كَالْحَدِّ) لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ لِإِيفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ فَكَانَتْ لَازِمَةً لَهُ كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ رَجُلٌ يَسْتَوْفِي الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فَعَلَى الْجَانِي لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْجَانِي التَّمْكِينُ لَا الْفِعْلُ (وَ) لِهَذَا (إنْ بَاشَرَ الْوَلِيُّ الِاسْتِيفَاءَ فَلَا أُجْرَة لَهُ) عَلَى الْجَانِي لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ.

(وَيَجُوزُ اقْتِصَاصُ جَانٍ مِنْ نَفْسِهِ بِرِضَا الْوَلِيِّ) وَيَكُونُ نَائِبًا عَنْهُ كَالْأَجْنَبِيِّ (وَلَوْ أَقَامَ) الْمَحْدُودُ (حَدَّ زِنًا) عَلَى نَفْسِهِ (أَوْ) حَدَّ قَذْفٍ عَلَى نَفْسِهِ (أَوْ قَطَعَ سَرِقَةً عَلَى نَفْسِهِ بِإِذْنٍ سَقَطَ قَطْعُ السَّرِقَةِ فَقَطْ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ قَطْعُ الْعُضْوِ الْوَاجِبِ قَطْعُهُ بِخِلَافِ حَدِّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ لِعَدَمِ حُصُولِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ بِجَلْدِهِ نَفْسِهِ وَلَهُ خَتْنُ نَفْسِهِ إنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَهُ نَصًّا لِأَنَّهُ يَسِيرٌ.

(وَإِنْ كَانَ) الْحَقُّ فِي (الِاسْتِيفَاءِ لِجَمَاعَةٍ) بِأَنْ كَانَ الْوَارِثُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهُ جَمِيعُهُمْ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْجَانِي وَتَعَدُّدِ أَفْعَالِهِمْ (وَأُمِرُوا بِتَوْكِيلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ) لِيَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ لَهُمْ (فَإِنْ تَشَاحُّوا وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ قُدِّمَ أَحَدُهُمْ بِقُرْعَةٍ) لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمْ كَمَا لَوْ تَشَاحُّوا فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِمْ (لَكِنْ لَا يَجُوزُ) لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (الِاسْتِيفَاءُ حَتَّى يُوَكِّلَهُ الْبَاقُونَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ (فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى التَّوْكِيلِ مُنِعَ الِاسْتِيفَاءُ حَتَّى يُوَكِّلُوا) وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إذَا تَشَاحُّوا أَمَرَ الْإِمَامُ مَنْ شَاءَ بِاسْتِيفَائِهِ.

[فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إلَّا بِالسَّيْفِ]

(فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ بِهِ) أَيْ السَّيْفِ (أَوْ بِمُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ) أَيْ ذَاتِهِ (كَسِحْرٍ وَتَجْرِيعِ خَمْرٍ وَلِوَاطٍ أَوْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ وَتَغْرِيقٍ أَوْ تَحْرِيقٍ أَوْ هَدْمِ) حَائِطٍ عَلَيْهِ (أَوْ حَبْسٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ مَفْصِلٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ أَوْضَحَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَ بِعُنُقِهِ قَبْلَ الْبُرْءِ أَوْ أَجَافَهُ) بِأَنْ جَرَحَهُ جُرْحًا وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ فَمَاتَ (أَوْ أَمَّهُ) أَيْ جَنَى عَلَيْهِ آمَّةً وَهِيَ مَا تَصِلُ إلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ

فَمَاتَ (أَوْ قَطَعَ يَدًا نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ أَوْ شَلَّاءَ أَوْ زَائِدَةً فَمَاتَ) (أَوْ) جَنَى (جِنَايَةً غَيْرَ ذَلِكَ) عَلَيْهِ (فَمَاتَ) لِعُمُومِ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ وَقَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِجَيِّدٍ (وَيَدْخُلُ قَوَدُ الْعُضْوِ فِي قَوَدِ النَّفْسِ) لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَدٌّ بَدَلَ النَّفْسِ فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ كَالْيَدِ.

(وَلَا يُفْعَلُ بِهِ) أَيْ بِالْمُقْتَصِّ مِنْهُ (كَمَا فَعَلَ إذَا كَانَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ السَّيْفِ) لِلنَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ وَلِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةُ تَعْذِيبٍ (فَإِنْ فَعَلَ) الْوَلِيُّ بِهِ كَمَا فَعَلَ (فَقَدْ أَسَاءَ) بِالْمُخَالَفَةِ (وَلَمْ يَضْمَنْ) شَيْئًا كَمَا لَوْ اُسْتُوْفِيَ بِآلَةٍ كَالَّةٍ (فَإِنْ ضَرَبَهُ) الْوَلِيُّ (بِالسَّيْفِ فَلَمْ يَمُتْ كَرَّرَ عَلَيْهِ) الضَّرْبَ (حَتَّى يَمُوتَ) لِيَحْصُلَ الِاسْتِيفَاءُ.

(وَلَا يَجُوزُ) اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ (بِسِكِّينٍ) لِأَنَّ السَّيْفَ أَوْحَى (وَلَا) يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ (فِي طَرَفٍ إلَّا بِهَا) أَيْ بِسِكِّينٍ لِئَلَّا تُحِيفَ، وَذَكَرَ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الرَّجْمَ بِحَجَرٍ لَا يَجُوزُ بِسَيْفٍ (وَيَأْتِي فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) أَيْ أَنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِسِكِّينٍ، وَبَيَانُ كَيْفِيَّةِ اسْتِيفَائِهِ.

(وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ أَيْضًا عَلَى مَا أَتَى بِهِ) الْجَانِي (وَلَا قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ أَطْرَافِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ قَطَعَ الْوَلِيُّ شَيْئًا مِنْ أَطْرَافِهِ (فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ وَهِيَ هُنَا مُتَحَقِّقَةٌ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِإِتْلَافِ الطَّرَفِ ضِمْنًا لِاسْتِحْقَاقِ إتْلَافِ الْجُمْلَةِ (وَيَجِبُ فِيهِ) أَيْ الزَّائِدِ (دِيَتُهُ) أَيْ دِيَةُ ذَلِكَ الزَّائِدِ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِالتَّعَدِّي سَوَاءٌ عَفَا عَنْهُ الْوَلِيُّ (أَوْ قَتَلَهُ) لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ إتْلَافِ الطَّرَفِ مَوْجُودٌ فِي حَالَتَيْ الْعَفْوِ وَالْقَتْلِ (وَإِنْ زَادَ) الْمُقْتَصُّ (فِي الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الطَّرَفِ مِثْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ قَطْعَ أُصْبُعٍ فَيَقْطَعَ اثْنَيْنِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَاطِعِ ابْتِدَاءً إنْ كَانَ) الْقَطْعُ (عَمْدًا مِنْ مَفْصِلٍ) وَجَبَ الْقِصَاصُ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ (أَوْ) زَادَ الْمُقْتَصُّ عَمْدًا فِي (شَجَّةٍ يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقِصَاصُ) وَهِيَ الْمُوضِحَةُ (فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الزِّيَادَةِ) لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ.
(وَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ (خَطَأً أَوْ) كَانَ (جُرْحًا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ مِثْلَ مَنْ يَسْتَحِقُّ مُوضِحَةً فَاسْتَوْفَى هَاشِمَةً فَعَلَيْهِ أَرْشُ الزِّيَادَةِ) كَالْجَانِي ابْتِدَاءً (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ) الْحَاصِلُ زِيَادَةً (بِسَبَبٍ مِنْ الْجَانِي) الْمُقْتَصِّ مِنْهُ (كَاضْطِرَابِهِ حَالَ الِاسْتِيفَاءِ) مِنْهُ (فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ) لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيِّ الْمُقْتَصُّ وَالْمُقْتَصُّ مِنْهُ (عَلَى فِعْلِهِ) أَيْ قَطْعِ الزَّائِدِ وَنَحْوِهِ (عَمْدًا أَوْ خَطَأً) فَقَوْلُ الْمُقْتَصِّ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ (أَوْ قَالَ الْمُقْتَصُّ حَصَلَ هَذَا بِاضْطِرَابِك أَوْ) بِفِعْلٍ (مِنْ جِهَتِكَ) وَقَالَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ بَلْ بِجِنَايَتِكَ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ.

(وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (يَدَهُ فَقَطَعَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ رِجْلَ الْجَانِي لَزِمَهُ) أَيْ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ (دِيَةُ رِجْلِهِ) لِأَنَّ الْجَانِيَ لَمْ يَقْطَعْهَا (وَإِنْ سَرَى الِاسْتِيفَاءُ الَّذِي حَصَلَتْ بِهِ الزِّيَادَةُ إلَى نَفْسِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ أَوْ) سَرَى (إلَى بَعْضِ أَعْضَائِهِ مِثْلَ أَنْ قَطَعَ أُصْبُعَهُ فَسَرَى إلَى جَمِيعِ يَدِهِ أَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ أَوْ) بِآلَةٍ (مَسْمُومَةٍ) فَسَرَى (أَوْ) اقْتَصَّ مِنْهُ (فِي حَالِ حَرٍّ مُفْرِطٍ أَوْ) فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ فَسَرَى فَعَلَى الْمُقْتَصِّ (نِصْفُ الدِّيَةِ) وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ يَلْزَمُهُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلٍ جَائِزٍ وَمُحَرَّمٍ.
(قَالَ الْقَاضِي كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ جُرْحًا فِي رِدَّتِهِ وَجُرْحًا بَعْدَ إسْلَامِهِ فَمَاتَ مِنْهُمَا) أَيْ مَنْ الْجُرْحَيْنِ.

(وَإِنْ قَطَعَ الْجَانِي بَعْضَ أَعْضَائِهِ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ بَرِئَتْ الْجِرَاحُ مِثْلَ أَنْ قَطَعَ) الْجَانِي (يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَبَرِئَتْ جِرَاحَتُهُ ثُمَّ قَتَلَهُ) الْجَانِي (فَقَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعِ) بِالْبُرْءِ (وَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ) وَهُوَ وَارِثُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْخِيَارُ) بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ فَإِنْ (شَاءَ عَفَا وَأَخَذَ ثَلَاثَ دِيَاتٍ) : دِيَةً لِلْيَدَيْنِ وَدِيَةً لِلرِّجْلَيْنِ وَدِيَةً لِلنَّفْسِ (وَإِنْ شَاءَ) الْوَلِيُّ (قَتَلَهُ وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ) : دِيَةً لِلْيَدَيْنِ وَدِيَةً لِلرِّجْلَيْنِ (وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَأَخَذَ دِيَةَ نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ) الْوَلِيُّ (قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ) الْوَلِيُّ (قَطَعَ طَرَفًا وَاحِدًا) مِنْ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ (وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي) وَهُوَ دِيَتَانِ وَنِصْفٌ لِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا فَهِيَ كَالْمُتَّحِدَةِ.

(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي انْدِمَالِ الْجُرْحِ قَبْلَ الْقَتْلِ وَكَانَتْ الْمُدَّةُ بَيْنَهُمَا يَسِيرَةً لَا يُحْتَمَلُ انْدِمَالُهُ فِي مِثْلِهَا) عَادَةً (فَقَوْلُ الْجَانِي) فِي عَدَمِهِ (بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مُضِيِّهَا) أَيْ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَنْدَمِلُ فِيهَا الْجُرْحُ (فَقَوْلُهُ) أَيْ الْجَانِي (أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْدِمَالِ وَعَدَمُ الْمُضِيِّ (وَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ) الَّتِي مَضَتْ بَيْنَ الْجَرْحِ وَالْقَتْلِ (مَا يُحْتَمَلُ الْبُرْءُ فِيهَا فَقَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ سُقُوطِ حُكْمِ الْجِنَايَةِ (فَإِنْ كَانَ لِلْجَانَّيْ بَيِّنَةٌ بِبَقَاءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ضِمْنًا حَتَّى قَتَلَهُ حُكِمَ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ) لِعَدَمِ مَا يُعَارِضُهَا (وَإِنْ كَانَتْ) الْبَيِّنَةُ (لِلْوَلِيِّ بِبُرْئِهِ حُكِمَ لَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ (أَيْضًا) بِبَيِّنَتِهِ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ لَهَا (فَإِنْ تَعَارَضَتَا) أَيْ الْبَيِّنَتَانِ (قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَلِيِّ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْبُرْءِ) وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي (وَإِنْ ظَنَّ وَلِيُّ دَمٍ أَنَّهُ اقْتَصَّ فِي النَّفْسِ فَلَمْ يَكُنْ، وَدَاوَاهُ)

أَيْ الْجَانِي (أَهْلُهُ حَتَّى بَرِئَ فَإِنْ شَاءَ الْوَلِيُّ دَفَعَ إلَيْهِ دِيَةَ فِعْلِهِ) الَّذِي فَعَلَهُ بِهِ، وَقَتَلَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ الْوَلِيُّ ذَلِكَ (تَرَكَهُ) وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا قَضَاءُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.

[فَصْلٌ وَإِنْ قَتَلَ وَاحِدٌ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ]

(فَصْلٌ وَإِنْ قَتَلَ وَاحِدٌ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ أَوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً) فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاؤُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ قُتِلَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبِيدًا خَطَأً فَرَضُوا بِأَخْذِهِ، وَلِأَنَّهُمْ رَضُوا بِبَعْضِ حَقِّهِمْ كَمَا لَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الْيَدِ الصَّحِيحَةِ بِالشَّلَّاءِ (وَلَا شَيْءَ لَهُمْ سِوَاهُ) أَيْ سِوَى الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِقَتْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ سِوَاهُ، وَإِنْ طَلَبِ أَحَدُهُمْ الْقِصَاصَ وَالْبَاقُونَ الدِّيَةَ فَلَهُمْ ذَلِكَ (وَإِنْ تَشَاحُّوا فِيمَنْ يَقْتُلُهُ مِنْهُمْ عَلَى الْكَمَالِ أُقِيدَ لِلْأَوَّلِ إنْ كَانَ قَتَلَهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ) لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، وَلِأَنَّ الْمَحِلّ صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِالْقَتْلِ (وَلِلْبَاقِينَ) بَعْدَ الْأَوَّلِ (دِيَةُ قَتَلَاهُمْ) لِأَنَّ الْقَتْلَ إذَا فَاتَ تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ (كَمَا لَوْ بَادَرَ غَيْرُ وَلِيِّ الْأَوَّلِ وَاقْتَصَّ) بِجِنَايَتِهِ فَلِلْبَاقِينَ الدِّيَةُ (فَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْأَوَّلِ غَائِبًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا اُنْتُظِرَ) قُدُومُهُ أَوْ بُلُوغُهُ أَوْ عَقْلُهُ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ (وَإِنْ قَتَلَهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ) فَيَقْتُلُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَةُ.
(وَإِنْ بَادَرَ غَيْرُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَقَتَلَهُ) فَقَدْ (اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَسَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ إلَى الدِّيَةِ) لِفَوَاتِ الْقَتْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ (وَإِنْ قَتَلَهُمْ مُتَفَرِّقًا) وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ (وَأَشْكَلَ الْأَوَّلُ وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (الْأَوَّلِيَّةَ وَلَا بَيِّنَةَ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ (فَأَقَرَّ الْقَاتِلُ لِأَحَدِهِمْ قُدِّمَ) الْمُقَرُّ لَهُ بِالْأَوَّلِيَّةِ (بِإِقْرَارِهِ) أَيْ الْقَاتِلِ عَلَى نَفْسِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ الْقَاتِلُ بِالْأَوَّلِيَّةِ لِأَحَدِهِمْ (أُقْرِعَ) كَمَا لَوْ قَتَلَهُمْ مَعًا.
(فَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الْأَوَّلِ عَنْ الْقَوَدِ قُدِّمَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ بَعْدَهُ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا قُدِّمَ عَلَيْهِ بِسَبْقِهِ، وَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُ لِرِضَاهُ بِالدِّيَةِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَوَّلِيَّةٌ بَعْدَهُ) أَيْ الْعَافِي (أَوْ جُهِلَتْ) الْأَوَّلِيَّةُ بَعْدَهُ (فَبِقُرْعَةٍ) لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا (وَإِنْ عَفَا أَوْلِيَاءُ الْجَمِيعِ إلَى الدِّيَاتِ فَلَهُمْ ذَلِكَ) لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِبَعْضِ حَقِّهِمْ، وَلَا تَتَدَاخَلُ حُقُوقُهُمْ، لِأَنَّهَا حُقُوقٌ مَقْصُودَةٌ لِآدَمِيٍّ فَلَا تَتَدَاخَلُ كَالدُّيُونِ.

(وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ الْقَوَدَ وَ) أَرَادَ (الْآخَرُ الدِّيَةَ قُتِلَ لِمَنْ اخْتَارَ الْقَوَدَ وَأُعْطِيَ الْبَاقُونَ دِيَةَ قَتَلَاهُمْ مِنْ مَالِ الْقَاتِلِ) لِأَنَّهُ عَمْدٌ مَحْضٌ، فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.

(وَإِنْ قَتَلَ) رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (وَقَطَعَ طَرَفًا مِنْ آخَرَ قُطِعَ طَرَفُهُ أَوَّلًا) لِأَنَّهُ لَوْ بُدِئَ بِالْقَتْلِ لَفَاتَ الْقَطْعُ وَفِيهِ تَفْوِيتٌ لِحَقِّ الْمَقْطُوعِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْقَطْعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ حَقَّيْ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ (ثُمَّ قُتِلَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ بَعْدَ الِانْدِمَالِ) لِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لَهُ (تَقَدَّمَ الْقَتْلُ) عَلَى الْقَطْعِ (أَوْ تَأَخَّرَ) عَنْهُ لِأَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ عَلَى شَخْصَيْنِ فَلَمْ يَتَدَاخَلَا كَقَطْعِ يَدِ رَجُلَيْنِ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ أَحَدِهِمَا.

(وَإِنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَقَتَلَ آخَرَ ثُمَّ سَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِ الْمَقْطُوعِ فَمَاتَ، فَهُوَ قَاتِلٌ لَهُمَا) لِأَنَّ سِرَايَةَ الْعَمْدِ مَضْمُونَةٌ (فَإِنْ تَشَاحَّا فِي الِاسْتِيفَاءِ قُتِلَ بِاَلَّذِي قَتَلَهُ) لِسَبْقِهِ وَتَأَخُّرِ السِّرَايَةِ (وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِلْمَقْتُولِ بِالسِّرَايَةِ وَلَمْ يُقْطَعْ طَرَفُهُ) لِأَنَّهُ قَطْعٌ صَارَ قَتْلًا.

(وَإِنْ قَطَعَ يَدَ وَاحِدٍ وَأُصْبُعَ آخَرَ مِنْ يَدٍ نَظِيرَتُهَا قُدِّمَ رَبُّ الْيَدِ إنْ كَانَ أَوَّلًا لِسَبْقِهِ) وَلِلْآخَرِ دِيَةُ أُصْبُعِهِ (لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ) فِيهِ (وَمَعَ أَوَّلِيَّتِهِ) بِأَنْ كَانَ قَطَعَ الْأُصْبُعَ أَوَّلًا (تُقْطَعُ أُصْبُعُهُ ثُمَّ يَقْتَصُّ رَبُّ الْيَدِ بِلَا أَرْشٍ) لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ فِي عَفْوٍ وَاحِدٍ بَيْنَ قِصَاصٍ وَدِيَةِ النَّفْسِ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّفْسِ، فَإِنَّهَا لَا تَنْقُصُ بِقَطْعِ الطَّرَفِ فَقَطْعُهُ لَا يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ، بِدَلِيلِ أَخْذِ صَحِيحِ الْأَطْرَافِ بِمَقْطُوعِهَا وَقَطْعُ الْأُصْبُعِ مِنْ الْيَدِ لَا يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ فِي الْيَدِ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الْكَامِلَةَ بِالنَّاقِصَةِ وَاخْتِلَافِ دِيَتِهَا.

(وَإِنْ قَطَعَ أَيْدِي جَمَاعَةٍ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ دَفْعَةً أَوْ مُتَفَرِّقًا (فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَتْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ) لِأَنَّ الْقَطْعَ كَالْقَتْلِ فَإِنْ رَضُوا بِقَطْعِ يَدِهِ قُطِعَتْ لَهُمْ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ سِوَاهُ، وَإِنْ تَشَاحُّوا بُدِئَ بِالْأَوَّلِ وَلِمَنْ بَقِيَ الدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ مَعًا أَوْ جُهِلَ الْأَوَّلُ أُقْرِعَ، وَإِنْ رَضِيَ الْأَوَّلُ بِالدِّيَةِ أُعْطِيهَا وَقُطِعَ لِلْبَاقِينَ (وَإِنْ بَادَرَ بَعْضُهُمْ فَاقْتَصَّ بِجِنَايَتِهِ فِي النَّفْسِ أَوْ الطَّرَفِ فَلِمَنْ بَقِيَ الدِّيَةُ عَلَى الْجَانِي) فِي مَالِهِ وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّهُ عَمْدٌ مَحْضٌ (وَيَأْتِي إذَا قَتَلَ) خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ (أَوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ آخِرَ كِتَابِ الْحُدُودِ) مُفَصَّلًا.

[بَابُ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ]

(بَابُ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ) أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 178]

وَالْقِصَاصُ كَانَ حَتْمًا عَلَى الْيَهُودِ وَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ الْعَفْوُ وَالدِّيَةُ، وَكَانَتْ الدِّيَةُ حَتْمًا عَلَى النَّصَارَى وَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ فَخُيِّرَتْ الْأُمَّةُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ وَالْعَفْوِ تَخْفِيفًا وَرَحْمَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُرْفَعُ إلَيْهِ أَمْرٌ فِيهِ الْقِصَاصُ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لَهُ فَجَازَ تَرْكُهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالْعَفْوُ: الْمَحْوُ وَالتَّجَاوُزُ.
(الْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] أَوْجَبَ الِاتِّبَاعَ بِمُجَرَّدِ الْعَفْوِ، وَلَوْ أَوْجَبَ الْعَمْدَ بِالْقِصَاصِ عَيْنًا لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ عِنْدَ الْعَفْوِ الْمُطْلَقِ (فَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَهُمَا) فَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ (وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الْجَانِي) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] الْآيَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أَنْ يُودَى وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ عَفَا مَجَّانًا فَهُوَ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِهِ (ثُمَّ لَا عُقُوبَةَ عَلَى جَانٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَيْهِ حَقٌّ وَاحِدٌ وَقَدْ سَقَطَ) كَعَفْوٍ عَنْ دِيَةِ قَاتِلٍ خَطَأً قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَدْلُ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: هُوَ الْغَايَةُ وَهُوَ الْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالثَّانِي: مَا يَكُونُ الْإِحْسَانُ أَفْضَلَ مِنْهُ وَهُوَ عَدْلُ الْإِنْسَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ فِي الدَّمِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ فَإِنَّ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ عَدْلٌ وَالْعَفْوُ إحْسَانٌ وَالْإِحْسَانُ هُنَا أَفْضَلُ، لَكِنَّ هَذَا الْإِحْسَانَ لَا يَكُونُ إحْسَانًا إلَّا بَعْدَ الْعَدْلِ وَهُوَ أَنْ لَا يَحْصُلَ بِالْعَفْوِ ضَرَرٌ فَإِذَا حَصَلَ مِنْهُ ضَرَرٌ كَانَ ظُلْمًا مِنْ الْعَافِي لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لِغَيْرِهِ فَلَا يُشْرَعُ، وَمَحِلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِمَجْنُونٍ أَوْ صَغِيرٍ فَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ إلَى غَيْرِ مَالٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ حَقِّهِ.

(وَإِنْ اخْتَارَ)

الْوَلِيُّ (الْقَوَدَ أَوْ عَفَا عَنْ الدِّيَةِ فَقَطْ فَلَهُ أَخْذُهَا) أَيْ الدِّيَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لَهُ وَلِلْجَانِي، وَتَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْقِصَاصِ وَلَيْسَتْ الَّتِي وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ (وَلَوْ سَخَطَ الْجَانِي) لِأَنَّ الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَيْهَا لِأَنَّهَا أَقَلُّ مِنْ حَقِّهِ (وَلَهُ) أَيْ لِمَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ (الصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا) أَيْ الدِّيَةِ (وَتَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ) مُوَضَّحًا (وَمَتَى اخْتَارَ) الْوَلِيُّ (الدِّيَةَ تَعَيَّنَتْ وَسَقَطَ الْقَوَدُ) قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَخَذَ الدِّيَةَ فَقَدْ عَفَا عَنْ الدَّمِ (وَلَا يَمْلِكُ طَلَبَهُ) أَيْ الْقَوَدِ (بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ اخْتِيَارِ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ إذَا أَسْقَطَ لَا يَعُودُ (فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ اخْتِيَارِ الدِّيَةِ (قُتِلَ بِهِ) لِأَنَّهُ عَمْدُ عُدْوَانٍ.

(وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا) بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ فَلَهُ الدِّيَةُ لِانْصِرَافِ الْعَفْوِ إلَى الْقَوَدِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِقَامِ، وَالِانْتِقَامُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَتْلِ (أَوْ) عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ بِأَنْ عَفَا عَلَى خَمْرٍ وَنَحْوِهِ فَلَهُ الدِّيَةُ (أَوْ) عَفَا (عَلَى الْقَوَدِ مُطْلَقًا) بِأَنْ قَالَ عَفَوْتُ عَنْ الْقَوَدِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ (وَلَوْ) كَانَ الْعَفْوُ (عَنْ يَدِهِ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ رِجْلِهِ وَنَحْوِهِمَا (فَلَهُ الدِّيَةُ) لِانْصِرَافِ الْعَفْوِ إلَى الْقَوَدِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَالَ مُسْتَحِقُّ الْقَوَدِ (لِمَنْ) لَهُ (عَلَيْهِ قَوَدٌ عَفَوْت عَنْ جِنَايَتِكَ أَوْ) عَفَوْتُ، (عَنْكَ بَرِئَ مِنْ الدِّيَةِ كَالْقَوَدِ نَصًّا)) لِأَنَّ عَفْوَهُ عَنْ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُهُمَا.

(وَإِذَا جَنَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ فَاشْتَرَاهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ سَقَطَ الْقِصَاصُ) لِأَنَّ شِرَاءَهُ بِالْأَرْشِ اخْتِيَارٌ لِلْمَالِ وَلَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْرِفَا قَدْرَ الْأَرْشِ فَالثَّمَنُ مَجْهُولٌ وَشَرْطُ الْبَيْعِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ (وَإِنْ عَرَفَا عَدَدَ الْإِبِلِ) أَوْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ (أَوْ أَسْنَانِهَا فَصِفَتُهَا مَجْهُولَةٌ) وَذَلِكَ يُنَافِي صِحَّةَ الْبَيْعِ (فَإِنْ قُدِّرَ الْأَرْشُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَبَاعَهُ بِهِ صَحَّ) الْبَيْعُ لِلْعِلْمِ بِالثَّمَنِ (وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ قَبْلَهُ عَفْوُ وَلِيِّ الْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ وَيَصِحُّ عَفْوُ الْمُفْلِسِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ عَنْ الْقِصَاصِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ.

(وَإِنْ أَرَادَ الْمُفْلِسُ الْقِصَاصَ لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ إجْبَارُهُ عَلَى تَرْكِهِ) لِيَأْخُذَ الدِّيَةَ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ لَهُ (وَإِنْ أَحَبَّ) الْمُفْلِسُ (الْعَفْوَ عَنْهُ إلَى مَالٍ فَلَهُ ذَلِكَ) كَغَيْرِ الْمُفْلِسِ وَ (لَا) يَعْفُو (مَجَّانًا) لِأَنَّ الْمَالَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ إذَا قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا صَحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ مَجَّانًا لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ إلَّا الْقَوَدُ وَقَدْ أَسْقَطَهُ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ.
وَفِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ يَصِحُّ عَفْوُهُ مَجَّانًا لِأَنَّ الدِّيَةَ لَمْ تَتَعَيَّنْ، وَقَالَهُ فِي الْمُغْنِي (وَكَذَا) أَيْ كَالْمُفْلِسِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ أَوْ مَجَّانًا (السَّفِيهُ وَوَارِثُ الْمُفْلِسِ وَالْمُكَاتَبُ وَكَذَا الْمَرِيضُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْعَفْوِ مِنْ هَؤُلَاءِ مَجَّانًا، لِأَنَّ الدِّيَةَ لَمْ تَتَعَيَّنْ كَمَا

تَقَدَّمَ فِي الْمُفْلِسِ.

(إنْ مَاتَ الْقَاتِلُ، أَوْ قُتِلَ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقَوَدُ مِنْ غَيْرِ إسْقَاطٍ (كَتَعَذُّرِهِ فِي طَرَفِهِ) أَيْ تَعَذُّرِ الْقَوَدِ فِي طَرَفِ الْجَانِي لِقَطْعٍ أَوْ شَلَلٍ.
(وَ) كَ (قَتْلِ غَيْرِ الْمُكَافِئ وَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ) الْجَانِي (تَرِكَةً سَقَطَ الْحَقُّ) يَعْنِي لَمْ تُطَالِبْ بِهِ عَاقِلَتُهُ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ الْمَحْضَ (وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (أُصْبُعًا عَمْدًا فَعَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَنْهُ ثُمَّ سَرَتْ) الْجِنَايَةُ (إلَى الْكَفِّ أَوْ إلَى النَّفْسِ وَالْعَفْوُ عَلَى مَالٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ فَلَهُ تَمَامُ دِيَةِ مَا سَرَتْ إلَيْهِ) الْجِنَايَةُ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إنَّمَا عَفَا عَنْ دِيَةِ الْأُصْبُعِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ تَمَامُ الدِّيَةِ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهُ، وَلَا قِصَاصَ لِتَعَذُّرِهِ فِي النَّفْسِ دُونَ مَا عَفَا عَنْهُ فَسَقَطَ فِي النَّفْسِ كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ.

(وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ لَا قِصَاصَ فِيهِ كَالْجَائِفَةِ فَعَفَا) الْمَجْرُوحُ (عَنْ الْقِصَاصِ ثُمَّ سَرَى إلَى النَّفْسِ فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْ قَوَدِ مَا لَا قَوَدَ فِيهِ) فَلَمْ يُؤَثِّرْ عَفْوُهُ (وَلَهُ) أَيْ وَلِيِّ الْمَجْرُوحِ (بَعْدَ السِّرَايَةَ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ وَلَهُ) حِينَئِذٍ (كَمَالُ الدِّيَةِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عَفْوٌ.

(وَإِنْ عَفَا) الْمَجْرُوحُ (عَنْ دِيَةِ الْجُرْحِ صَحَّ) عَفْوُهُ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَقَدْ وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ وَقَدْ أَسْقَطَهُ (وَلَهُ) أَيْ لِوَرَثَتِهِ (بَعْدَ السِّرَايَةِ دِيَةُ النَّفْسِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ إلَّا أَرْشَ الْجُرْحِ اهـ لِأَنَّ الْجُرْحَ مُوجِبٌ وَإِنَّمَا سَقَطَ الْوُجُوبُ بِالْعَفْوِ فَيَخْتَصُّ الْقَوَدُ بِمَحِلِّ الْعَفْوِ.

(وَإِنْ عَفَا) وَلِيُّ الْقَوَدِ (مُطْلَقًا) بِأَنْ قَالَ عَفَوْت فَقَطْ فَلَهُ الدِّيَةُ (أَوْ عَفَا عَنْ الْقَوَدِ مُطْلَقًا) بِأَنْ قَالَ عَفَوْت عَنْ الْقَوَدِ (فَلَهُ الدِّيَةُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ شَيْئَيْنِ فَإِذَا سَقَطَ الْقَوَدُ تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ (وَإِنْ قَالَ الْجَانِي) لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ (عَفَوْت مُطْلَقًا) أَيْ عَنْ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ (أَوْ) قَالَ الْجَانِي (عَفَوْت عَنْهَا) أَيْ الْجِنَايَةِ (وَعَنْ سِرَايَتِهَا قَالَ) وَلِيُّ الْجِنَايَةِ (بَلْ عَفَوْت إلَى مَالٍ أَوْ عَفَوْت عَنْهَا) أَيْ الْجِنَايَةِ (دُونَ سِرَايَتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيّه) مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ (وَإِنْ قَتَلَ الْجَانِي الْعَافِيَ فِيمَا إذَا عَفَا عَلَى مَالٍ قَبْلَ الْبُرْءِ فَالْقَوَدُ) أَيْ لِوَلِيِّ الْعَافِي الْقَوَدُ لِأَنَّ قَتْلَهُ انْفَرَدَ عَنْ قَطْعِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْقَاطِعُ غَيْرَهُ (أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً) لِأَنَّ الْقَتْلَ مُنْفَرِدٌ عَنْ الْقَطْعِ فَلَمْ يَدْخُلْ حُكْمُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ مُوجِبٌ لَهُ فَأَوْجَبَ الدِّيَةَ كَامِلَةً كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عَفْوٌ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْعَفْوُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الشَّرْحِ قَالَ وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرَ كَانَ الْعَافِي عَنْ الْجُرْحِ أَخَذَ دِيَةَ طَرَفِهِ أَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا.

(وَإِنْ وَكَّلَ) مُسْتَحِقُّ الْقَوَدِ (فِي قِصَاصٍ ثُمَّ عَفَا) الْمُوَكَّلُ (وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ حَتَّى اقْتَصَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا) أَمَّا الْمُوَكَّلُ فَلِأَنَّ الْعَفْوَ إحْسَانٌ فَلَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمَانِ

وَأَمَّا الْوَكِيلُ فَلِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْهُ كَمَا لَوْ عَفَا بَعْدَ مَا رَمَاهُ (وَإِنْ عَلِمَ الْوَكِيلُ) بِعَفْوِ الْمُوَكِّلِ (فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا كَمَا لَوْ قَتَلَهُ ابْتِلَاءً.

(وَإِنْ عَفَا) الْمَجْرُوحُ (عَنْ قَاتِلِهِ بَعْدَ الْجُرْحِ صَحَّ سَوَاءٌ كَانَ) الْعَفْوُ (بِلَفْظِ الْعَفْوِ أَوْ الْوَصِيَّةِ أَوْ الْإِبْرَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ فَصَحَّ بِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ (فَإِنْ قَالَ) وَلِيُّ الْجِنَايَةِ: (عَفَوْتُ عَنْ الْجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا صَحَّ) الْعَفْوُ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ (وَلَمْ يَضْمَنْ) الْجَانِي (السِّرَايَةَ) لِلْعَفْوِ عَنْهَا (فَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (عَمْدًا لَمْ يَضْمَنْ) الْجَانِي (شَيْئًا) وَلَمْ يُعْتَبَرْ خُرُوجُ ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْقَوَدُ عَيْنًا أَوْ أَحَدُ شَيْئَيْنِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ إسْقَاطُ أَحَدِهِمَا (وَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (خَطَأً اُعْتُبِرَ خُرُوجُهُمَا) أَيْ الْجِنَايَةِ وَسِرَايَتِهَا (مِنْ الثُّلُثِ) كَالْوَصِيَّةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ سَقَطَ عَنْهُ أَيْ الْجَانِي (مِنْ دِيَتِهَا) أَيْ السِّرَايَةِ (مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ) كَوَصِيَّةٍ.
(وَإِنْ أَبْرَأَهُ) أَيْ أَبْرَأَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْجَانِيَ (مِنْ الدِّيَةِ أَوْ وَصَّى لَهُ بِهَا فَهُوَ وَصِيَّةٌ لِقَاتِلٍ وَتَصِحُّ) لِتَأَخُّرِهَا عَنْ الْجِنَايَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَصَّى لَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ (وَتَقَدَّمَ فِي الْمُوصَى لَهُ) مُفَصَّلًا (وَتُعْتَبَرُ) الْبَرَاءَةُ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ الْوَصِيَّةُ بِهَا لِلْقَاتِلِ (مِنْ الثُّلُثِ) كَسَائِرِ الْعَطَايَا فِي الْمَرَضِ وَالْوَصَايَا (وَإِنْ أَبْرَأَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ وَارِثُهُ (الْقَاتِلَ مِنْ الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَوْ) أَبْرَأَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ وَارِثُهُ (الْعَبْدَ مِنْ الْجِنَايَةِ الْمُتَعَلِّقِ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ لَمْ يَصِحَّ) الْإِبْرَاءُ لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ حَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ الدِّيَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْجِنَايَةُ الْمُتَعَلِّقُ أَرْشُهَا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ بَلْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمِلْكِ السَّيِّدِ (وَإِنْ أَبْرَأَ الْعَاقِلَةَ أَوْ) أَبْرَأَ (السَّيِّدَ صَحَّ) لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُمَا مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِمَا كَالدَّيْنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمَا.

(وَإِنْ وَجَبَ لِعَبْدٍ قِصَاصٌ) فِي الطَّرَفِ، (أَوْ تَعْزِيرُ قَذْفٍ فَلَهُ) أَيْ الْعَبْدِ (طَلَبُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ) لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ التَّشَفِّي (وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ (إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ) فَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَلَهُ طَلَبُهُ وَإِسْقَاطُهُ كَالْوَارِثِ.

(وَمَنْ صَحَّ عَفْوُهُ مَجَّانًا فَإِنْ أَوْجَبَ الْجُرْحُ مَالًا عَيْنًا) كَالْجَائِفَةِ وَجِنَايَةِ الْخَطَإِ (فَكَوَصِيَّةٍ) يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ الْمَالُ عَيْنًا كَالْعَمْدِ الْمَحْضِ (فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ) لِأَنَّ الْمَالَ لَمْ يَتَعَيَّنْ.

(وَيَصِحُّ قَوْلُ مَجْرُوحٍ) لِجَانٍ (أَبْرَأْتُكَ وَحَلَلْتُكَ مِنْ دَمِي أَوْ قَتْلِي أَوْ وَهَبْتُكَ ذَلِكَ أَوْ نَحْوُهُ) كَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ دَمِي، أَوْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْك (مُعَلِّقًا) ذَلِكَ (بِمَوْتِهِ) بِأَنْ يَقُولَ إنْ مِتُّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ دَمِي، أَوْ وَهَبْتُك دَمِي إنْ مِتُّ وَنَحْوَهُ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا (فَلَوْ بَرِئَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ

مِنْ الْجِنَايَةِ (بَقِيَ حَقُّهُ) فَيُطَالِبُ بِهِ لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ (بِخِلَافِ عَفَوْتُ عَنْهُ وَنَحْوِهِ) كَأَبْرَأْتُك مِنْ دَمِي فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مُطْلَقًا بَرِئَ أَوْ عُوفِيَ لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مُنَجَّزٌ اهـ.

[بَابُ مَا يُوجِب قِصَاصًا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْأَطْرَافِ]

(بَابُ مَا يُوجِب قِصَاصًا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْأَطْرَافِ، وَالْجِرَاحِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ عَمَّتِهِ «لَمَّا كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا وَعَرَضُوا الْأَرْشَ، فَأَبَوْا فَقَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إذَا أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ كَالنَّفْسِ فِي الْحَاجَةِ إلَى حِفْظِهِ بِالْقِصَاصِ فَكَانَ كَالنَّفْسِ فِي وُجُوبِهِ (كُلُّ مَنْ أُقِيدَ بِغَيْرِهِ فِي النَّفْسِ أُقِيدَ بِهِ فِيمَا دُونَهَا مِنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ) ؛ لِأَنَّ مَنْ أُقِيدَ بِهِ فِي النَّفْسِ إنَّمَا أُقِيدَ بِهِ لِحُصُولِ الْمُسَاوَاةِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلْقَوَدِ فَوَجَبَ أَنْ يُقَادَ بِهِ فِيمَا دُونَهَا، فَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَ مُسْلِمٍ قُطِعَتْ يَدُهُ؛ لِأَنَّهُ يُقَادُ بِهِ فِي النَّفْسِ.
(وَمَنْ لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْسِ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي الطَّرَفِ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ) وَكَ (الْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ وَ) كَ (الْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ) فَلَا تُقْطَعُ يَدُ الْأَبِ بِيَدِ ابْنِهِ وَلَا يَدُ الْحُرِّ بِيَدِ الْعَبْدِ، وَلَا يَدُ الْمُسْلِمِ بِيَدِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَادُ بِهِ فِي النَّفْسِ (وَلَا يَجِبُ) الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (إلَّا بِمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ فِي النَّفْسِ وَهُوَ الْعَمْدُ الْمَحْضُ فَلَا قَوَدَ فِي شَبَهِ الْعَمْدِ) خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى (وَلَا) قَوَدَ فِي (خَطَأٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إجْمَاعًا وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِهِمَا (وَهُوَ) أَيْ مَا دُونَ النَّفْسِ (نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا الْأَطْرَافُ) لِمَا ذَكَرْنَا (فَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ) بِالْعَيْنِ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى وَالْيُسْرَى بِالْيُسْرَى (وَ) يُؤْخَذُ (الْأَنْفُ) بِالْأَنْفِ.
(وَ) يُؤْخَذُ (الْحَاجِزُ وَهُوَ وَتَرُ الْأَنْفِ) بِمِثْلِهِ (وَ) تُؤْخَذُ (الْأُذُنُ) بِالْأُذُنِ (وَ) يُؤْخَذُ (السِّنُّ) بِالسِّنِّ (وَالْجَفْنُ) بِالْجَفْنِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَحَكَى ابْنُ سِيدَهْ كَسْرَهَا (وَالشَّفَةُ) بِمِثْلِهَا (وَالْيَدُ وَالرِّجْلُ وَاللِّسَانُ وَالْأُصْبُعُ وَالْكَتِفُ وَالْمِرْفَقُ وَالذَّكَرُ وَالْخُصْيَةُ وَالْأَلْيَةُ وَشُفْرُ الْمَرْأَةِ بِمِثْلِهِ) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَوْجُودَةٌ وَالْقِصَاصُ مُمْكِنٌ فَوَجَبَ

إلْحَاقًا لِغَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْمَنْصُوصِ وَالشُّفْرُ بِضَمِّ الشِّينِ أَحَدُ شُفْرَيْ الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا شُفْرُ الْعَيْنِ فَهُوَ مَنْبَتُ الْهُدْبِ، وَقَدْ حُكِيَ فِيهِ الْفَتْحُ.

[فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ]

(فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ) أَحَدُهَا إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ؛ لِأَنَّ الْحَيْفَ جَوْرٌ وَظُلْمٌ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ الْقِصَاصُ إلَّا بِهِ لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ (وَأَمَّا الْأَمْنُ مِنْ الْحَيْفِ فَشَرْطٌ لِجَوَازِ الِاسْتِيفَاءِ) مَعَ أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاجِبٌ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْعُدْوَانُ عَلَى مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا مَعَ الْمُسَاوَاةِ فِي الِاسْمِ وَالصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ لَكِنَّ الِاسْتِيفَاءَ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِخَوْفِ الْعُدْوَانِ عَلَى الْجَانِي، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ إذَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ شَرْطٌ لِلِاسْتِيفَاءِ دُونَ الْوُجُوبِ انْبَنَى عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ مَاذَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: الْقِصَاصُ عَيْنًا لَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ شَيْءٌ، إلَّا أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذَا عَفَا يَكُونُ قَدْ عَفَا عَمَّنْ يَحْصُلْ لَهُ ثَوَابُهُ، وَإِنْ قُلْنَا مُوجِبُ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ انْتَقَلَ الْوُجُوبُ إلَى الدِّيَةِ كَغَيْرِهِ، وَإِمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ (بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مِفْصَلٍ) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُسْتَوْفَى أَكْثَرُ مِنْ الْحَقِّ (أَوْ) يَكُونُ الْقَطْعُ (لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي) الْقَطْعُ (إلَيْهِ كَمَارِنِ الْأَنْفِ وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ دُونَ الْقَصَبَةِ) لِأَنَّ لِذَلِكَ حَدًّا يُنْتَهَى إلَيْهِ أَشْبَهَ الْيَدَ (فَإِنْ قَطَعَ الْقَصَبَةَ) أَيْ قَصَبَةَ الْأَنْفِ (أَوْ قَطَعَ مِنْ نِصْفِ كُلٍّ مِنْ السَّاعِدِ أَوْ الْكَفِّ أَوْ السَّاقِ أَوْ الْعَضُدِ أَوْ الْوَرِك أَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ ثُمَّ تَآكَلَتْ إلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ فَلَا قِصَاصَ، وَلَهُ الدِّيَةُ) لِخَبَرِ «أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى سَاعِدِهِ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا مِنْ غَيْرِ مِفْصَلٍ فَاسْتَدْعَى عَلَيْهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ لَهُ بِالدِّيَةِ فَقَالَ إنِّي أُرِيدُ الْقِصَاصَ قَالَ خُذْ الدِّيَةَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ لَيْسَ مِنْ مِفْصَلٍ فَلَا يُؤْمَنُ فِيهِ مِنْ الْحَيْفِ (وَلَا أَرْشَ لِلْبَاقِي) أَيْ لَا يَجِبُ سِوَى دِيَةِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ لِئَلَّا يُجْمَعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ بَيْنَ دِيَةٍ وَحُكُومَةٍ.

(وَلَا قَوَدَ فِي اللَّطْمَةِ وَنَحْوِهَا) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ.

(وَيُؤْخَذُ الْأَنْفُ الْكَبِيرُ بِالْأَنْفِ الصَّغِيرِ) لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي الِاسْمِ

(وَ) يُؤْخَذُ (الْأَنْفُ الْأَقْنَى بِالْأَفْطَسِ وَالْأَشَمُّ بِالْأَخْشَمِ الَّذِي لَا شَمَّ لَهُ) لِأَنَّ عَدِمَ الشَّمِّ لِعِلَّةٍ فِي الدِّمَاغِ، وَنَفْسُ الْأَنْفِ صَحِيحٌ فَوَجَبَ أَخْذُ الْأَشَمِّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
(وَ) يُؤْخَذُ الْأَنْفُ (الصَّحِيحُ بِ) الْأَنْفِ (الْأَجْذَمِ) لِأَنَّهُ مِثْلُهُ (مَا لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ) أَيْ الْأَجْذَمِ (شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ) السَّاقِطُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ فَيُؤْخَذُ مِنْ الصَّحِيحِ مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ أَيْ الْأَجْذَمِ (أَوْ يَأْخُذُ أَرْشَ ذَلِكَ فَلَا يُشْتَرَطُ) لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ (التَّسَاوِي فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ فِي الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ وَنَحْوِهِمَا فَتُقْلَعُ عَيْنُ الشَّابِّ بِعَيْنِ الشَّيْخِ الْمَرِيضَةِ وَ) تُقْلَعُ (عَيْنُ الْكَبِيرِ بِعَيْنِ الصَّغِيرِ وَ) تُقْلَعُ الْعَيْنُ الصَّحِيحَةُ بِعَيْنِ الْأَعْمَشِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ (لَكِنْ إنْ كَانَ) الْجَانِي قَلَعَ عَيْنَهُ (بِإِصْبَعِهِ لَا يَجُوزُ) لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (أَنْ يَقْتَصَّ بِإِصْبَعِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ) .

(وَلَا تُؤْخَذُ) الْعَيْنُ (الصَّحِيحَةُ بِالْقَائِمَةِ) وَهِيَ صَحِيحَةٌ فِي مَوْضِعِهَا وَإِنَّمَا ذَهَبَ نُورُهَا وَإِبْصَارُهَا لِانْتِفَاءِ اسْتِوَائِهِمَا فِي الصِّحَّةِ (وَتُؤْخَذُ) الْعَيْنُ (الْقَائِمَةُ بِالصَّحِيحَةِ) لِأَنَّهَا دُونَ حَقِّهِ (وَلَا أَرْشَ لَهَا مَعَهَا) لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ (كَمَا يَأْتِي) .

(وَتُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بِمِثْلِهَا) أَيْ بِأُذُنِ سَمِيعٍ لِلْمُمَاثَلَةِ (وَ) تُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ (بِأُذُنِ الْأَصَمِّ) لِأَنَّ الْعُضْوَ صَحِيحٌ وَمَقْصُودُهُ الْجَمَالُ وَذَهَابُ السَّمْعِ لِعِلَّةٍ فِي الرَّأْسِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ وَلَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْأُذُنِ (تُؤْخَذُ أُذُنُ الْأَصَمِّ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ أُذُنِ السَّمِيعِ وَالْأَصَمِّ (وَتُؤْخَذُ) الْأُذُنُ (الصَّحِيحَةُ بِ) الْأُذُنِ (الْمَثْقُوبَةِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْأُذُنِ وَإِنَّمَا يُفْعَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْقُرْطِ وَالتَّزَيُّنِ بِهِ (فَإِنْ كَانَ الثُّقْبُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ أَوْ كَانَتْ) الْأُذُنُ (مَخْرُومَةً أُخِذَتْ بِالصَّحِيحَةِ) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِدُونِ حَقِّهِ (وَلَمْ تُؤْخَذْ) الْأُذُنُ (الصَّحِيحَةُ بِهَا) أَيْ بِالْمَثْقُوبَةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الثُّقْبِ أَوْ بِالْمَخْرُومَةِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ فَتَفُوتُ الْمُسَاوَاةُ (وَيُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ أَخْذِ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ النَّقْصِ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا سِوَى الْعَيْبِ وَيَتْرُكَهُ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي، وَيَجِبُ لَهُ فِي قَدْرِ النَّقْصِ حُكُومَةٌ) .

(وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (بَعْضَ أُذُنِهِ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي بِقَدْرِ مَا قَطَعَ مِنْ أُذُنِهِ وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ) كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ وَ (لَا) يُؤْخَذُ (بِالْمِسَاحَةِ) لِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلَى أَخْذِ جَمِيعِ أُذُنِ الْجَانِي لِصِغَرِهِ بِبَعْضِ أُذُنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِكِبَرِهِ وَكَذَا أَنْفٌ وَلِسَانٌ وَشَفَةٌ.

(وَمَنْ قُطِعَ طَرَفُهُ مِنْ أُذُنٍ أَوْ غَيْرِهَا فَرَدَّهُ فَالْتَحَمَ) بِحَرَارَةِ الدَّمِ (وَثَبَتَ فَلَا قِصَاصَ) فِي ذَلِكَ الْقَطْعِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُبَنْ عَلَى الدَّوَامِ فَلَا يَسْتَحِقُّ إبَانَةَ أُذُنِ الْجَانِي دَوَامًا (وَلَا دِيَةَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ بِالْكُلِّيَّةِ (وَلَا أَرْشَ نَقْصِهِ خَاصَّةً نَصًّا) قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى، وَذَلِكَ حُكُومَةٌ لِأَنَّهَا أَرْشُ كُلِّ

نُقْصَانٍ حَصَلَ بِالْجِنَايَةِ (وَإِنْ سَقَطَ مَا كَانَ) رَدَّهُ وَالْتَحَمَ (بَعْدَ ذَلِكَ) بِغَيْرِ جِنَايَةٍ (قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا فَلَهُ الْقِصَاصُ وَيَرُدُّ مَا أَخَذَهُ) مِنْ الْأَرْشِ لِأَنَّ ذَلِكَ الِالْتِحَامَ كَعَدَمِهِ (وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الطَّرَفِ فَالْتَصَقَ فَلَهُ أَرْشُ الْجُرْحِ وَلَا قِصَاصَ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأُذُنِ.

(وَمَنْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ وَنَحْوُهَا) كَمَارِنِهِ (قِصَاصًا فَأَلْصَقَهَا فَالْتَصَقَتْ فَطَلَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إبَانَتَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُقَادُ ثَانِيًا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ فِي دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا أُقِيدَ ثَانِيَةً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ هُنَاكَ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى قَالَ فِي شَرْحِهِ: لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إبَانَتُهُ ثَانِيًا نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَبَانَ عُضْوًا مِنْ غَيْرِهِ دَوَامًا فَوَجَبَتْ إبَانَتُهُ مِنْهُ دَوَامًا لِتَحَقُّقِ الْمُقَاصَّةِ.

(فَإِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَمْ يَقْطَعْ جَمِيعَ الطَّرَفِ وَإِنَّمَا قَطَعَ بَعْضَهُ فَالْتَصَقَ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَطْعُ جَمِيعِهِ) لِيَسْتَوْفِيَ تَمَامَ حَقِّهِ (وَالْحُكْمُ فِي السِّنِّ) إذَا قَلَعَهَا ثُمَّ أُعِيدَتْ (كَالْحُكْمِ فِي الْأُذُنِ) عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيلِ.

(وَتُؤْخَذُ السِّنُّ رَبَطَهَا بِذَهَبٍ أَوْ لَا بِالسِّنِّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: 45] (الثَّنِيَّةُ بِالثَّنِيَّةِ وَالنَّابُ بِالنَّابِ وَالضَّاحِكُ بِالضَّاحِكِ وَالضِّرْسُ بِالضِّرْسِ، الْأَعْلَى بِالْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ بِالْأَسْفَلِ) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَوْجُودَةٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (مِمَّنْ قَدْ أَثْغَرَ أَيْ سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ ثُمَّ نَبَتَتْ) قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: يُقَالُ: ثُغِرَ الصَّبِيُّ بِضَمِّ الثَّاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ يُثْغَرُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ فَهُوَ مَثْغُورٌ إذَا سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ فَإِذَا نَبَتَتْ قِيلَ اتَّغَرَ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ مُشَدَّدَةً عَلَى مِثَالِ اتَّزَرَ قُلِبَتْ الثَّاءُ تَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ (وَإِنْ كَسَرَ) الْجَانِي (بَعْضَهَا) أَيْ السِّنِّ (يُرَدُّ مِنْ سِنِّ الْجَانِي مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلَمَا كَسَرَهُ (إذَا أُمِنَ قَلْعُهَا وَسَوَادُهَا) لِإِمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ فَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ ذَلِكَ سَقَطَ الْقِصَاصُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْمَجْنِيُّ عَلَى سِنِّهِ (اثَّغَرَ لَمْ يُقْتَصَّ) لَهُ مِنْ الْجَانِي فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ يُرْجَى عَوْدُهُ وَ (لَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ لِمَا رُجِيَ عَوْدُهُ مِنْ عَيْنٍ) كَسِنٍّ (أَوْ مَنْفَعَةٍ) كَعَدْوٍ (فِي مُدَّةٍ تَقُولُهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ فَلَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ وَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ فَوَجَبَ تَأْخِيرُهُ (فَإِنْ عَادَ مِثْلُهَا) أَيْ السِّنِّ وَنَحْوِهَا وَالْمَنْفَعَةُ كَالْعَدْوِ (فِي مَوْضِعهَا عَلَى صِفَتِهَا) أَيْ الذَّاهِبَةِ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْمُتْلَفَ عَادَ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ كَمَا لَوْ قَطَعَ شَعْرَهُ وَعَادَ (وَإِنْ عَادَتْ) السِّنُّ (مَائِلَةً أَوْ مُتَغَيِّرَةً عَنْ صِفَتِهَا فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ) لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ.

(وَإِنْ عَادَتْ) السِّنُّ (قَصِيرَةً ضَمِنَ مَا نَقَصَ) مِنْهَا (بِالْحِسَابِ فَفِي ثُلُثِهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا) كَمَا لَوْ كَسَرَ ثُلُثَهَا جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ عَادَ نَاقِصًا فِي قَدْرٍ أَوْ صِفَةٍ فَحُكُومَةٌ، كَمَا قَالَ فِي شَرْحِهِ كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ فَانْكَسَرَ بَعْضُهُ أَوْ اسْوَدَّ (وَإِنْ عَادَتْ) السِّنُّ (وَالدَّمُ يَسِيلُ فَفِيهَا حُكُومَةٌ) لِمَا نَقَصَتْهُ بِسَبَبِ اسْتِدَامَةِ سَيَلَانِ الدَّمِ لِحُصُولِهِ بِجِنَايَتِهِ (وَإِنْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ عَوْدُهَا) أَيْ السِّنِّ الذَّاهِبَةِ وَنَحْوِهَا (فِيهِ فَلَمْ تَعُدْ وَأَيِسَ مِنْ عَوْدِهَا بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ خُيِّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ) كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ الْعَمْدِ الْمَحْضِ (فَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ) فِي الْمُدَّةِ الَّتِي قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّهُ يَعُودُ فِيهَا (قَبْلَ الْإِيَاسِ مِنْ عَوْدِهَا فَلَا قِصَاصَ) لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَهُ أَقَلُّهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقَوَدِ (وَتَجِبُ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْعَوْدُ بَعْدَ مَوْتِهِ (وَإِنْ) قَلَعَ الْجَانِي (لَهُ سِنًّا زَائِدًا قَلَعَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (لَهُ) سِنًّا (مِثْلَهَا إنْ كَانَ) لَهُ سِنٌّ مِثْلُهَا لِلْمُسَاوَاةِ (أَوْ حُكُومَةً) إنْ اخْتَارَ عَدَمَ الْقِصَاصِ إذَنْ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْجَانِي سِنٌّ (زَائِدٌ فَحُكُومَةٌ) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ.

(وَإِنْ) قَلَعَ الْجَانِي (سِنًّا فَاقْتُصَّ مِنْهُ ثُمَّ عَادَتْ سِنُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَلَعَهَا الْجَانِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ لِأَنَّ سِنَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَمَّا عَادَتْ وَجَبَ لِلْجَانِي عَلَيْهِ دِيَةُ سِنِّهِ فَلَمَّا قَلَعَهَا وَجَبَ عَلَى الْجَانِي دِيَتُهَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةٌ فَيَتَقَاصَّانِ.

(وَيُؤْخَذُ كُلٌّ مِنْ جَفْنِ الْبَصِيرِ وَالضَّرِيرِ بِالْآخَرِ) أَيْ يُؤْخَذُ جَفْنُ الْبَصِيرِ بِجَفْنِ الضَّرِيرِ وَجَفْنُ الضَّرِيرِ بِجَفْنِ الْبَصِيرِ لِلْمُسَاوَاةِ وَعَدَمُ الْمُسَاوَاةِ وَعَدَمُ الْبَصَرِ نَقْصٌ فِي غَيْرِهِ وَيُؤْخَذُ جَفْنُ الْبَصِيرِ بِجَفْنِ الْبَصِيرِ وَجَفْنُ الضَّرِيرِ (بِمِثْلِهِ) لِلْمُمَاثَلَةِ.

(وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (الْأَصَابِعَ الْخَمْسَ مِنْ مَفَاصِلِهَا فَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْقَوَدُ) لِأَنَّ الْقَطْعَ مِنْ مِفْصَلٍ فَأَمْنُ الْحَيْفِ مَوْجُودٌ (وَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ الْأَصَابِعَ مِنْ الْكُوعِ فَلَهُ الْقَوَدُ مِنْهُ أَيْ الْكُوعِ لِلْمُمَاثَلَةِ (فَإِنْ أَرَادَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (قَطْعَ الْأَصَابِعِ فَقَطْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ لِلْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مَحَلًّا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ وَهُوَ مِفْصَلُ الْكُوعِ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْ غَيْرِهِ لِاعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْمَحَلِّ حَيْثُ لَا مَانِعَ (فَإِنْ قَطَعَ الْجَانِي مِنْ الْمِرْفَقِ فَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْقِصَاصُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْمِرْفَقِ لِإِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ (فَإِنْ أَرَادَ الْقَوَدَ مِنْ الْكُوعِ مُنِعَ) لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي مِنْ الْكَتِفِ أَوْ خَلَعَ عَظْمَ الْمَنْكِبِ وَيُقَالُ لَهُ مُشْطُ الْكَتِفِ فَلَهُ الْقَوَدُ إذَا لَمْ يَخَفْ جَائِفَةً) بِلَا نِزَاعٍ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي (فَإِنْ خِيفَ) إنَّ اُقْتُصَّ مِنْ مَنْكِبٍ جَائِفَةٌ وَهِيَ الْجُرْحُ الَّذِي يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ يَفْسُدُ بِدُخُولِ الْهَوَاءِ فِيهِ (فَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ

عَلَيْهِ (أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ مِرْفَقِهِ) لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا أَمْكَنَ مِنْ حَقِّهِ (وَمَتَى خَالَفَ وَاقْتَصَّ مَعَ خَشْيَةِ الْحَيْفِ) مِنْ مَنْكِبٍ أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ) اقْتَصَّ (مِنْ مَأْمُومَةٍ أَوْ) جَائِفَةٍ أَوْ (مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ وَنَحْوِهِ) كَالسَّاعِدِ وَالسَّاقِ (أَجْزَأَ) أَيْ وَقَعَ الْمَوْقِعُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ كَمَا فُعِلَ بِهِ (وَالرِّجْلُ كَالْيَدِ فِيمَا تَقَدَّمَ) مِنْ التَّفْصِيلِ.

(وَيُؤْخَذُ الذَّكَرُ بِالذَّكَرِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ ذَكَرُ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذَّكَرُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالصَّحِيحُ وَالْمَرِيضُ) لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ الْأَطْرَافِ لَا يَخْتَلِفُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي كَذَلِكَ الذَّكَرُ (وَالْمَخْتُونُ وَالْأَقْلَفُ) لِلْمُسَاوَاةِ فِي الِاسْمِ وَالْقُلْفَةُ فِي زِيَادَةٍ تُسْتَحَقُّ إزَالَتُهَا (وَيُؤْخَذُ ذَكَرُ الْخَصِيِّ) بِذَكَرِ الْخَصِيِّ (وَ) ذَكَرُ (الْعِنِّينِ بِمِثْلِهِ) لِحُصُولِ الْمُسَاوَاةِ، لَا ذَكَرُ فَحْلٍ بِذَكَرِ خَصِيٍّ أَوْ عِنِّينٍ، لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمَا (وَتُؤْخَذُ الْأُنْثَيَانِ بِالْأُنْثَيَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] (فَإِنْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا) أَيْ الْأُنْثَيَيْنِ (فَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ) بِالطِّبِّ (إنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُهَا مَعَ سَلَامَةِ الْأُخْرَى جَازَ الْقَوَدُ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَإِلَّا فَلَا) يَجُوزُ الْقَوَدُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْفِ (وَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ) .

(وَإِنْ قَطَعَ الْجَانِي ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ أَوْ) قَطَعَ (أُنْثَيَيْهِ أَوْ) قَطَعَ (شُفْرَيْهِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ) لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْطُوعَ فَرْجٌ أَصْلِيٌّ (وَيَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ) أَيْ الْخُنْثَى فَتَتَّضِحَ ذُكُورَتُهُ أَوْ أُنُوثِيَّتُهُ (وَإِنْ اخْتَارَ) الْخُنْثَى (الدِّيَةَ وَكَانَ يُرْجَى انْكِشَافُ حَالِهِ) بِأَنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ (أُعْطِيَ الْيَقِينَ) لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا نُوجِبُهُ بِالشَّكِّ (وَهُوَ) أَيْ الْيَقِينُ (الْحُكُومَةُ فِي الْمَقْطُوعِ) مِنْ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ الشُّفْرَيْنِ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْجَانِي (قَدْ قَطَعَ جَمِيعَهَا) أَيْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالشُّفْرَيْنِ (فَلَهُ) أَيْ الْخُنْثَى (دِيَةُ امْرَأَةٍ فِي الشُّفْرَيْنِ وَحُكُومَةٌ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ) لِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى (وَإِنْ يُئِسَ مِنْ انْكِشَافِ حَالِهِ) بِأَنْ بَلَغَ وَلَمْ يَتَّضِحْ (أُعْطِيَ نِصْفَ دِيَةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَنِصْفَ دِيَةِ الشُّفْرَيْنِ وَحُكُومَةً فِي نِصْفِ ذَلِكَ كُلِّهِ) كَمَا فِي دِيَتِهِ لَوْ قَتَلَ وَمِيرَاثِهِ.

(وَإِنْ أَوْضَحَ) الْجَانِي (إنْسَانًا فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ أَوْ) ذَهَبَ (سَمْعُهُ أَوْ شَمُّهُ فَإِنَّهُ يُوضِحُهُ) كَمَا فَعَلَ بِهِ لِأَنَّهُ جُرْحٌ يُمْكِنُ الْقَوَدُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ لِأَنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ (فَإِنْ ذَهَبَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَوْفَى) حَقَّهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ (اسْتَعْمَلَ مَا يُذْهِبُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى حَدَقَتِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ) لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَيَطْرَحُ فِي الْعَيْنِ كَافُورًا

أَوْ يُقَرِّبُ مِنْهُ مِرْآةً أَوْ يَحْمِي لَهُ حَدِيدَةً أَوْ مِرْآةً ثُمَّ يُقْطِرُ عَلَيْهَا مَاءً ثُمَّ يُقْطِرُ مِنْهُ فِي الْعَيْنِ لِيُذْهِبَ بَصَرَهَا (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) اسْتِعْمَالُ مَا يُذْهِبُ ضَوْءَ الْبَصَرِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ الشَّمِّ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى الْعُضْوِ (سَقَطَ الْقَوَدُ إلَى الدِّيَةِ) لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ.
(وَإِنْ أَذْهَبَ ذَلِكَ) أَيْ ضَوْءَ الْبَصَرِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ الشَّمِّ (بِشَجَّةٍ لَا قَوَدَ فِيهَا مِثْلُ أَنْ تَكُونَ دُونَ الْمُوضِحَةِ أَوْ لَطَمَهُ فَأَذْهَبَ ذَلِكَ) أَيْ بَصَرَهُ أَوْ سَمْعَهُ أَوْ شَمَّهُ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ (لَكِنْ يُعَالِجُ بِمَا يُذْهِبُ ذَلِكَ) أَيْ الْبَصَرَ وَالسَّمْعَ وَالشَّمَّ (فَإِنْ لَمْ يُذْهِبْ سَقَطَ الْقَوَدُ إلَى الدِّيَةِ) لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ وَقَالَ الْقَاضِي لَهُ أَنْ يَلْطِمَهُ مِثْلَ لَطْمَتِهِ فَإِنْ ذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ وَإِلَّا أَذْهَبَهُ بِمَا ذُكِرَ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: وَلَا يَصِحُّ هَذَا، لِأَنَّ اللَّطْمَةَ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا مُنْفَرِدَةً، فَكَذَا إذَا سَرَتْ إلَى الْعَيْنِ كَالشَّجَّةِ دُونَ الْمُوضِحَةِ انْتَهَى وَكَلَامُهُ فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى يُوهِمُ الْقِصَاصَ فِيهِمَا، وَصَرَّحَ بِهِ شَارِحُ الْمُنْتَهَى.

(وَإِنْ لَطَمَ الْجَانِي عَيْنَهُ فَذَهَبَ بَصَرُهَا أَوْ ابْيَضَّتْ وَشَخَصَتْ عُولِجَتْ عَيْنُ الْجَانِي حَتَّى تَصِيرَ كَذَلِكَ بِدَوَاءٍ أَوْ بِمِرْآةٍ وَمَحْمِيَّةٍ وَنَحْوِهَا تُقَرَّبُ إلَى عَيْنِهِ حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهَا بَعْدَ تَغْطِيَةِ عَيْنِهِ الْأُخْرَى بِقُطْنٍ وَنَحْوِهِ) لِئَلَّا يَذْهَبَ ضَوْءُهَا (وَإِنْ وَضَعَ فِيهَا) أَيْ عَيْنِ الْجَانِي (كَافُورًا فَذَهَبَ ضَوْءُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى الْحَدَقَةِ جَازَ) لِحُصُولِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى الْحَدَقَةِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَهَابُ بَعْضِ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَذْهَبَ بَصَرُهَا دُونَ أَنْ تَبْيَضَّ وَتَشْخَصُ فَعَلَيْهِ لَمْ يُمْكِنْ الْقِصَاصُ مِنْهُ) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ فِيهِ.

[فَصْل الثَّانِي الْمُمَاثَلَةُ فِي الِاسْمِ وَالْمَوْضِعِ]

(فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّانِي الْمُمَاثَلَةُ فِي الِاسْمِ وَالْمَوْضِعِ) قِيَاسًا عَلَى النَّفْسِ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ وَلِأَنَّهَا جَوَارِحُ مُخْتَلِفَةُ الْمَنَافِعِ وَالْأَمَاكِنِ فَلَمْ يُؤْخَذْ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ كَالْعَيْنِ بِالْأَنْفِ (فَتُؤْخَذُ الْيَمِينُ بِالْيَمِينِ وَ) تُؤْخَذُ الْيَسَارُ بِالْيَسَارِ مِنْ كُلِّ مَا انْقَسَمَ إلَى يَمِينٍ وَيَسَارٍ مِنْ يَدٍ وَرِجْلٍ وَأُذُنٍ وَمَنْخِرٍ وَثَدْيٍ وَأَلْيَةٍ وَخُصْيَةٍ وَ (شُفْرٍ) وَتُؤْخَذُ الْعُلْيَا بِالْعُلْيَا وَالسُّفْلَى بِالسُّفْلَى مِنْ شَفَةٍ وَجَفْنٍ وَأُنْمُلَةٍ فَلَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ وَلَا يَسَارٌ بِيَمِينٍ وَلَا (سُفْلَى بِعُلْيَا وَلَا عُلْيَا بِسُفْلَى) لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْمَوْضِعِ (وَتُؤْخَذُ الْإِصْبَعِ) بِمِثْلِهَا

(وَ) تُؤْخَذُ (السِّنُّ) بِمِثْلِهَا (وَ) تُؤْخَذُ (الْأُنْمُلَةُ بِمِثْلِهَا فِي الِاسْمِ وَالْمَوْضِعِ) دُونَ مَا خَالَفَهَا فِي ذَلِكَ (وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رِجْلٍ عُلْيَا وَقَطَعَ) أَيْضًا الْأُنْمُلَةَ (الْوُسْطَى مِنْ تِلْكَ وَالْأُصْبُعَ مِنْ رِجْلِ آخَرَ لَيْسَ لَهُ عُلْيَا فَصَاحِبُ) الْأُنْمُلَةِ (الْوُسْطَى مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ عَقْلِ أُنْمُلَتِهِ الْآنَ وَلَا قِصَاصَ لَهُ بَعْدَ) ذَلِكَ وَلَوْ ذَهَبَتْ الْأُنْمُلَةُ الْعُلْيَا لِأَنَّ أَخْذَ عَقْلِهَا عَفْوٌ عَنْ الْقِصَاصِ (وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى تَذْهَبَ عُلْيَا قَاطِعٍ بِقَوَدٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَقْتَصُّ مِنْ الْوُسْطَى) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِي الْحَالِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْفِ وَأَخْذِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاجِبِ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَأْخِيرِ حَقِّهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ فَوَجَبَتْ الْخِيرَةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ (وَلَا أَرْشَ لَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ الْوُسْطَى (الْآنَ) إذَا اخْتَارَ الصَّبْرَ حَتَّى تَذْهَبَ عُلْيَا قَاطَعٍ (لِ) أَجْلِ (الْحَيْلُولَةِ) : بِخِلَافِ غَصْبِ مَالٍ لِسَدِّ مَالٍ مَسَدَّ مَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ قَطَعَ مَنْ قَطَعَ أُنْمُلَةً مِنْ رِجْلٍ وَالْوُسْطَى مِنْ آخَرَ مِنْ أُصْبُعِ نَظِيرَتِهَا مِنْ ثَالِثٍ) الْأُنْمُلَةَ السُّفْلَى فَلِأَوَّلٍ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الْعُلْيَا ثُمَّ لِلثَّانِي أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الْوُسْطَى ثُمَّ لِلثَّالِثِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ السُّفْلَى سَوَاءٌ جَاءُوا مَعًا أَوْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ لِأَنَّ كُلًّا يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُ الْوُسْطَى أَوْ) صَاحِبُ السُّفْلَى بِطَلَبِ الْقِصَاصِ قَبْلَ صَاحِبِ الْعُلْيَا لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ لَمْ تَجُزْ إجَابَتُهُ إلَى مَا طَلَبَهُ مِنْ الْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْفِ (وَيُخَيَّرَانِ) أَيْ صَاحِبُ السُّفْلَى وَالْوُسْطَى (بَيْنَ أَنْ يَرْضَيَا بِالْعَقْلِ) أَيْ دِيَةِ الْأُنْمُلَتَيْنِ (أَوْ الصَّبْرِ حَتَّى يَقْتَصَّ الْأَوَّلُ) وَلَا أَرْشُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ عَفَا) أَيْ صَاحِبُ الْعُلْيَا (فَلَا قِصَاصَ لَهُمَا) أَيْ لِصَاحِبِ الْوُسْطَى وَالسُّفْلَى فِي الْحَالِ وَيُخَيَّرَانِ كَمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ اقْتَصَّ) صَاحِبُ الْعُلْيَا (فَلِلثَّانِي) وَهُوَ صَاحِبُ الْوُسْطَى (الِاقْتِصَاصُ) لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ بِغَيْرِ حَيْفٍ وَحُكْمُ الثَّالِثِ صَاحِبِ السُّفْلَى (مَعَ الثَّانِي صَاحِبِ الْوُسْطَى حُكْمُ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ) صَاحِبِ الْعُلْيَا فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْ الْوُسْطَى جَازَ لِلثَّالِثِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ السُّفْلَى وَإِلَّا فَلَا مَا لَمْ تَذْهَبْ الْوُسْطَى قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّالِثُ عَقْلَ السُّفْلَى (فَإِنْ قَطَعَ صَاحِبُ الْوُسْطَى الْوُسْطَى وَالْعُلْيَا) فَعَلَيْهِ دِيَةُ الْعُلْيَا لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَنْ حَقِّهِ وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي قَطْعِ الْوُسْطَى فَدُرِئَ لَهَا الْقِصَاصُ (تُدْفَعُ) دِيَةُ الْعُلْيَا (إلَى صَاحِبِ الْعُلْيَا) أَيْ إلَى الْجَانِي لِيَدْفَعَهَا لِصَاحِبِ الْعُلْيَا أَوْ يَدْفَعُ لَهُ مِنْ مَالِهِ نَظِيرَهَا هَذَا مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ،.

(وَإِنْ قَطَعَ) صَاحِبُ الْوُسْطَى الْأُصْبُعَ كُلَّهَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْأُنْمُلَةِ الثَّالِثَةِ السُّفْلَى لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي قَطْعِهَا (وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْعُلْيَا لِلْأَوَّلِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ، (وَأَرْشُ السُّفْلَى عَلَى الْجَانِي لِصَاحِبِهَا) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ (وَإِنْ عَفَا الْجَانِي عَنْ قِصَاصِهَا)

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل