صفحات 155-194
(قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ، ومِثْلُهُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ (لَكِنْ إذْ كَانَ) مَا دَفَعَهُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ (فَلَهَا رَدُّهُ وَمُطَالَبَتُهُ بِصَدَاقِهَا) الْوَاجِبِ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمُعَارَضَةِ بِلَا بَيِّنَةٍ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمَهْرِ) قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ (فَقَوْلُهَا) بِيَمِينِهَا لِحَدِيثِ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
(وَإِذَا كُرِّرَ الْعَقْدُ عَلَى صَدَاقَيْنِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) بِأَنْ عُقِدَ سِرًّا عَلَى صَدَاقٍ وَعَلَانِيَةً عَلَى صَدَاقٍ آخَرِ (أُخِذَ بِالزَّائِدِ) سَوَاءٌ كَانَ صَدَاقُ السِّرِّ أَوْ الْعَلَانِيَةِ لِلُحُوقِ الزِّيَادَةِ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى مَا يَأْتِي.
(وَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ (هُوَ عَقْدٌ) وَاحِدٌ (أَسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ) فَلَا يَلْزَمُنِي إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ (وَقَالَتْ) الزَّوْجَةُ (بَلْ عَقْدَانِ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) بِيَمِينِهَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّانِيَ عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالْأَوَّلِ (وَلَهَا الْمَهْرُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَنِصْفُهُ) أَيْ الْمَهْرِ (فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ إنْ ادَّعَى سُقُوطَ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ لُزُومِهِ لَهُ.
(وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ) أَيْ إنْكَارِ جَرَيَانِ عَقْدَيْنِ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ (سُئِلَتْ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ نَكَحَهَا نِكَاحًا ثَانِيًا حَلَفَتْ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَحَقَّتْ) مَا ادَّعَتْهُ، وَإِنْ أَقَرَّتْ بِمَا يُسْقِطُ نِصْفَ الْمَهْرِ أَوْ جَمِيعَهُ لَزِمَهَا مَا أَقَرَّتْ بِهِ.
(وَلَوْ اتَّفَقَا قَبْلَ الْعَقْدِ عَلَى مَهْرٍ وَعَقَدَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ أُخِذَ بِمَا عُقِدَ بِهِ) لِأَنَّهَا تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ، فَوَجَبَتْ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا اتِّفَاقٌ عَلَى خِلَافِهَا وَ (كَعَقْدِهِ) أَيْ النِّكَاحِ (هَزْلًا وَتَلْجِئَةً) بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَفِيَ بِمَا وَعَدَتْ بِهِ وَشَرَطَتْهُ) مِنْ أَنَّهَا لَا تَأْخُذُ إلَّا مَهْرَ السِّرِّ، لِكَيْ لَا يَحْصُلَ مِنْهَا غُرُورٌ وَلِحَدِيثِ «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (وَلَوْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ) بِأَنْ اتَّفَقَا عَلَى ثَمَنٍ وَعَقَدَاهُ بِأَكْثَرَ تَجَمُّلًا (فَالثَّمَنُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ دُونَ مَا عَقَدَاهُ بِهِ) لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ هَزْلًا وَتَلْجِئَةً بِخِلَافِ النِّكَاحِ.
(وَالزِّيَادَةُ عَلَى الصَّدَاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ تُلْحَقُ بِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: 24] وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْعَقْدِ زَمَنٌ لِفَرْضِ الْمَهْرِ، فَكَانَ حَالَةً لِلزِّيَادَةِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ وَبِهَذَا فَارَقَ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ وَمَعْنَى لُحُوقِ الزِّيَادَةِ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ فَيَكُونُ (حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَصْلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِيمَا يُقَرِّرُهُ) كُلَّهُ (وَيُنَصِّفُهُ) وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ (وَ) لَكِنْ إنَّمَا (تَمْلِكُ الزِّيَادَةَ مِنْ حِينِهَا) لَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَى سَبَبِهِ وَلَا وُجُودِهِ فِي حَالِ عَدَمِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بَعْد سَبَبِهِ مِنْ حِينِهِ (وَزِيَادَةُ مَهْرِ أَمَةٍ بَعْدَ عِتْقِهَا لَهَا نَصًّا) نَقَلَهُ مُهَنًّا لِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ فِي الْمُفَوِّضَةِ]
ِ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا فَالْكَسْرُ عَلَى نِسْبَةِ التَّفْوِيضِ إلَى الْمَرْأَةِ عَلَى أَنَّهَا فَاعِلَةٌ، وَالْفَتْحُ عَلَى نِسْبَتِهِ إلَى وَلِيِّهَا (وَهُوَ) أَيْ التَّفْوِيضُ لُغَةً: الْإِهْمَالُ كَأَنَّ الْمَهْرَ أُهْمِلَ حَيْثُ لَمْ يُسَمَّ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سُرَاةَ لَهُمْ ... وَلَا سُرَاةَ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
(وَاصْطِلَاحًا عَلَى ضَرْبَيْنِ تَفْوِيضُ الْبُضْعِ) وَهُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ (وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْمُجْبَرَةَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، أَوْ تَأْذَنُ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ، سَوَاءٌ سَكَتَ عَنْ الصَّدَاقِ أَوْ شَرَطَ نَفْيَهُ) فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] .
وَلِقَضَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانُ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ النِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالِاسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ بِغَيْرِ مَهْرٍ، أَوْ يَزِيدَ لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَالِ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ.
(وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي تَفْوِيضُ الْمَهْرِ، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ عَلَى مَا (شَاءَ) الزَّوْجُ أَوْ الْوَلِيُّ (أَوْ) عَلَى مَا (شَاءَ أَجْنَبِيٌّ) أَيْ غَيْرُ الزَّوْجَيْنِ (أَوْ يَقُولُ) الْوَلِيُّ زَوَّجْتُكَهَا (عَلَى مَا شِئْنَا أَوْ) عَلَى (حُكْمِنَا وَنَحْوِهِ) كَعَلَى حُكْمِكَ أَوْ حُكْمِ زَيْدٍ (فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ) فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ.
(وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ) لِأَنَّهَا لَمْ تَأْذَنْ فِي تَزْوِيجِهَا إلَّا عَلَى صَدَاقٍ لَكِنَّهُ مَجْهُولٌ فَقَطْ لِجَهَالَتِهِ وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ (بِالْعَقْدِ) فِي الضَّرْبَيْنِ، لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ فَكَانَ وَاجِبًا كَالْمُسَمَّى، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ لَمَا اسْتَقَرَّ بِالْمَوْتِ.
(فَلَوْ فَوَّضَ مَهْرَ أَمَتِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا ثُمَّ فَرَضَ لَهَا الْمَهْرَ كَانَ) الْمَهْرُ (لِمُعْتِقِهَا أَوْ بَائِعَهَا، لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ) وَهِيَ (فِي مِلْكِهِ) قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ الْبَيْعِ.
(وَلَوْ فَوَّضَتْ الْمَرْأَةُ) بُضْعَ (نَفْسَهَا) بِأَنْ أَذِنَتْ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِلَا مَهْرٍ (ثُمَّ طَالَبَتْ بِفَرْضِ مَهْرِهَا بَعْدَ تَغْيِيرِ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ) بَعْدَ (دُخُولِهِ بِهَا لَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ حَالَةَ الْعَقْدِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ.
(وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ هُنَا وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَسَدَتْ فِيهِ التَّسْمِيَةُ) قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ فَإِنْ امْتَنَعَ أُجْبِرَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَخْلُو مِنْ الْمَهْرِ، فَكَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِبَيَانِ قَدْرِهِ (فَإِنْ تَرَاضَيَا) أَيْ الزَّوْجَانِ الْمُكَلَّفَانِ الرَّشِيدَانِ (عَلَى فَرْضِهِ) أَيْ الْمَهْرِ (جَازَ) مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ (وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُسَمَّى) فِي الْعَقْدِ (قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ مَهْرَ الْمِثْلِ، أَوْ لَا) أَيْ أَوْ جَاهِلِينَ بِهِ الْمِثْلَ لِأَنَّهُ إنْ فَرَضَ لَهَا كَثِيرًا بَذَلَ لَهَا مِنْ مَالِهِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُ.
وَإِنْ فَرَضَ لَهَا يَسِيرًا فَقَدْ رَضِيَتْ بِدُونِ مَا يَجِبُ لَهَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ (فَرَضَهُ) أَيْ مَهْرَ الْمِثْلِ (حَاكِمٌ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ مَيْلٌ عَلَى الزَّوْجِ وَالنَّقْصَ عَنْهُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَلَا يَحِلُّ الْمَيْلُ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْرَضُ بَدَلَ الْبُضْعِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ كَسِلْعَةٍ أُتْلِفَتْ يُقَوِّمُهَا بِمَا يَقُولُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ (وَصَارَ) مَا قَدَّرَهُ الْحَاكِمُ مِنْ الْمَهْرِ أَوْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ (كَالْمُسَمَّى) فِي الْعَقْدِ (يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ مَعَهُ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] (فَإِذَا فَرَضَهُ) الْحَاكِمُ (لَزِمَهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (فَرْضُهُ كَحُكْمِهِ) أَيْ كَمَا قَالَ حَكَمْتُ بِهِ سَوَاءٌ رَضِيَا بِفَرْضِهِ أَوْ لَا إذْ فَرْضُهُ لَهُ حُكِمَ بِهِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ) وَهُوَ هُنَا فَرْضُ الْحَاكِمِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ فَرْضِهِ سَبَبٌ لِمُطَالَبَتِهَا قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ (كَتَقْدِيرِهِ) أَيْ الْحَاكِمِ (أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَالنَّفَقَةَ وَنَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ تَقْرِيرِ مَا ذُكِرَ كَتَقْدِيرِ كِسْوَةٍ أَوْ مَسْكَنِ مِثْلٍ أَوْ جُعْلٍ (حُكْمٌ) قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: أَيْ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ وَلَيْسَ بِحُكْمٍ صَرِيحٍ (فَلَا يُغَيِّرُهُ حَاكِمٌ آخَرُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ السَّبَبُ) كَيَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، فَإِنَّ الْحَاكِم يُغَيِّرُهُ وَيَفْرِضُهُ ثَانِيًا بِاعْتِبَارِ الْحَالِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْحُكْمِ السَّابِقِ.
(وَإِنْ فَرَضَ لَهَا) أَيْ لِلْمُفَوِّضَةِ وَنَحْوِهَا (غَيْرُ الزَّوْجِ وَالْحَاكِمِ مَهْرَ مِثْلِهَا فَرَضِيَتْهُ لَمْ يَصِحَّ فَرْضُهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ وَلَا حَاكِمٍ (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (قَبْلَ الْإِصَابَةِ وَقَبْلَ الْفَرْضِ) مِنْهُمَا أَوْ مِنْ الْحَاكِمِ (وَرِثَهُ صَاحِبُهُ) لِأَنَّ تَرْكَ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ لَمْ يَقْدَحْ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ (وَكَانَ لَهَا) أَيْ الْمُفَوِّضَةِ (مَهْرُ نِسَائِهَا) أَيْ مِثْلُ مَهْرِ مَنْ تُسَاوِيهَا مِنْهُنَّ، لِحَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ السَّابِقِ.
(فَإِنْ فَارَقَهَا) أَيْ فَارَقَ الْمُفَوِّضَةَ زَوْجُهَا (قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِمَّا يُنَصِّفُ الصَّدَاقَ (لَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا الْمُتْعَةُ) لِعُمُومِ
قَوْله تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] لِأَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ مِنْ الْإِحْسَانِ.
(وَهِيَ) أَيْ الْمُتْعَةُ (مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ (فَأَعْلَاهَا) أَيْ الْمُتْعَةِ (خَادِمٌ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَأَدْنَاهَا إذَا كَانَ فَقِيرًا كِسْوَةٌ تُجْزِئُهَا فِي صَلَاتِهَا) وَهِيَ دِرْعٌ وَخِمَارٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَعْلَى الْمُتْعَةِ خَادِمٌ ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ النَّفَقَةُ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الْكِسْوَةُ " وَقُيِّدَتْ بِمَا يَجْزِيهَا فِي صَلَاتِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ الْكِسْوَةِ.
(فَإِنْ دَخَلَ) الزَّوْجُ (بِهَا) أَيْ بِالْمُفَوِّضَةِ (قَبْلَ الْفَرْضِ اسْتَقَرَّ) بِهِ (مَهْرُ الْمِثْلِ) لِأَنَّ الدُّخُولَ يُوجِبُ اسْتِقْرَارَ الْمُسَمَّى، فَكَذَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلِاسْتِقْرَارِ (فَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيْ الْمُفَوِّضَةَ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا (لَمْ تَجِبْ الْمُتْعَةُ) بَلْ مَهْرُ الْمِثْلِ لِمَا تَقَدَّمَ وَكَالدُّخُولِ سَائِرُ مَا يُقَرِّرُ الصَّدَاقُ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ أَوْ نِصْفُهُ لَمْ تَجِبْ لَهَا الْمُتْعَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ سُمِّيَ لَهَا صَدَاقٌ أَوْ لَا، وَلِأَنَّهَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، فَلَمْ تَجِبْ لَهَا الْمُتْعَةُ لِأَنَّهَا كَالْبَدَلِ مَعَ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَالْمُتْعَةُ تَجِبُ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ حُرٍّ وَعَبْدٍ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ لِكُلِّ زَوْجَةٍ مُفَوِّضَةٍ) بُضْعَ أَوْ مَهْرَ (حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ، طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ لَهَا مَهْرٌ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآيَةِ.
وَلِأَنَّ مَا يَجِبُ مِنْ الْفَرْضِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَإِنْ وَهَبَ الزَّوْجُ لِلْمُفَوِّضَةِ شَيْئًا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ فَرْضِ الصَّدَاقِ فَلَهَا الْمُتْعَةُ نَصًّا لِأَنَّ الْمُتْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالطَّلَاقِ فَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهَا قَبْلَهُ وَلِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَلَا تَنْقَضِي الْهِبَةُ كَالْمُسَمَّى (وَتُسْتَحَبُّ) الْمُتْعَةُ (لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْمُفَوِّضَةِ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] الْآيَةَ وَلَمْ تَجِبْ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَسَّمَ الْمُطَلَّقَاتِ قِسْمَيْنِ، وَأَوْجَبَ الْمُتْعَةَ لِغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ وَنِصْفَ الْمُسَمَّى لِلْمَفْرُوضِ لَهُنَّ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ كُلِّ قِسْمٍ بِحُكْمِهِ.
وَلَا مُتْعَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا؛ لِأَنَّ النَّصّ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُطَلَّقَاتِ (وَمُتْعَةُ الْأَمَةِ لِسَيِّدِهَا كَمَهْرِهَا) لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ نِصْفِهِ كَمَا مَرَّ (وَتَسْقُطُ الْمُتْعَةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَسْقُطُ فِيهِ كُلُّ الْمَهْرِ) كَرِدَّتِهَا وَرَضَاعِهَا مَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا وَنَحْوُهُ لِأَنَّهَا
أُقِيمَتْ مُقَامَ الْمُسَمَّى فَسَقَطَتْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَسْقُطُ فِيهِ (وَتَجِبُ) الْمُتْعَةُ لِلْمُفَوِّضَةِ (فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَتَنَصَّفُ فِيهِ الْمُسَمَّى) كَرِدَّتِهِ عَلَى الطَّلَاقِ (وَيَجُوزُ الدُّخُولُ بِالْمَرْأَةِ قَبْلَ إعْطَائِهَا شَيْئًا مُفَوِّضَةً كَانَتْ أَوْ مُسَمًّى لَهَا) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي الَّذِي زَوَّجَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَخَلَ بِهَا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ " لَا يَدْخُلُ بِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا لِلْخَبَرِ " وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ (وَيُسْتَحَبُّ إعْطَاؤُهَا شَيْئًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا فَاسِدًا) كَالْخَمْرِ وَالْمَجْهُولِ (وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ (وَجَبَ عَلَيْهِ) لَهَا (نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ اخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُمْ الْمُصَنِّف فِي الْحَاشِيَةِ (وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ) كَصَاحِبِ الرِّعَايَتَيْنِ وَالنَّظْمِ تَجِبُ (الْمُتْعَةُ) دُونَ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَهُوَ مَفْهُومٌ مَا قَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ الْفَاسِدَةَ كَعَدَمِهَا فَأَشْبَهَتْ الْمُفَوِّضَةَ.
[فَصْلٌ مَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ جَمِيعِ أَقَارِبِهَا]
(فَصْلٌ وَمَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ جَمِيعِ أَقَارِبِهَا مِنْ جِهَةِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا كَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَبِنْتِ أَخِيهَا وَبِنْتِ عَمِّهَا وَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا وَغَيْرِهِنَّ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا» وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ لَهُ أَثَرٌ فِي الْجُمْلَةِ (وَتُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَالِ وَالْجَمَالِ وَالْعَقْلِ وَالْأَدَبِ، وَالسِّنِّ وَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْبَلَدِ وَصَرَاحَةِ نَسَبِهَا وَكُلِّ مَا يَخْتَلِفُ لِأَجْلِهِ الصَّدَاقُ) لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ بَدَلُ مُتْلَفٍ فَاعْتُبِرَتْ الصِّفَاتُ الْمَقْصُودَةُ (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ) فِي نِسَائِهَا (إلَّا دُونَهَا زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى) مِنْهُنَّ لِمَزِيَّةِ الْقُرْبِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ فَضِيلَتِهَا تَقْتَضِي زِيَادَةً فِي الْمَهْرِ.
(وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ) فِي نِسَائِهَا (إلَّا فَوْقَهَا نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا) كَأَرْشِ الْعَيْبِ بِقَدْرِ نَقْصِ الْمَبِيعِ وَلِأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي تَنْقِيصِ الْمَهْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّب بِحَسَبِهِ.
(وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمْ التَّخْفِيفَ) فِي الْمَهْرِ (عَلَى عَشِيرَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا أَثَرٌ فِي الْمِقْدَارِ فَكَذَا فِي التَّخْفِيفِ وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمْ تَسْمِيَةَ مَهْرٍ كَثِيرٍ لَا يَسْتَوْفُونَهُ قَطُّ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
قَالَهُ
الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يُقَالُ مَهْرُ الْمِثْلِ بَدَلُ مُتْلَفٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَعْيَانُ الزَّوْجَيْنِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمُتْلَفَاتِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْمَالِيَّةُ خَاصَّةً فَكَذَلِكَ لَمْ تَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ (وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمْ التَّأْجِيلَ فُرِضَ مُؤَجَّلًا) لِأَنَّهُ مَهْرُ نِسَائِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَادَتَهُمْ التَّأْجِيلُ فُرِضَ (حَالًّا) لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ اُعْتُبِرَ شَبَهُهَا بِنِسَاءِ بَلَدِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُ أَثَرٌ فِي الْجُمْلَةِ (فَإِنْ عَدِمْنَ) أَيْ بَلَدَهَا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ مَنْ يُشْبِهُهَا (فَبِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا مِنْ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهَا) لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْأَقَارِبُ اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا مِنْ غَيْرِهِنَّ كَمَا اُعْتُبِرَ قَرَابَتُهَا الْبَعِيدَةُ إذَا لَمْ يُوجَدْ قَرِيبٌ (فَإِنْ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُنَّ) فِي الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ (أَوْ) اخْتَلَفَتْ (مُهُورُهُنَّ) قِلَّةً وَكَثْرَةً (أُخِذَ بِالْوَسَطِ) مِنْهَا لِأَنَّهُ الْعَدْلُ (الْحَالِّ) مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ فَإِنْ تَعَدَّدَ فَمِنْ غَالِبِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ فَأَشْبَهَ قِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ.
[فَصْلٌ إذَا افْتَرَقَا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ فِيهِ]
(فَصْلٌ وَإِذَا افْتَرَقَا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ) قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَاخْتِلَافِ دِينٍ وَرَضَاعٍ (فَلَا مَهْرَ فِيهِ) لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ (وَإِنْ دَخَلَ) بِهَا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ (أَوْ خَلَا بِهَا) فِيهِ (اسْتَقَرَّ الْمُسَمَّى) لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ «وَلَهَا الَّذِي أَعْطَاهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدِ الْخَلَّالِ بِإِسْنَادِهِمَا وَالْخَلْوَةُ كَالْوَطْءِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مَعَ فَسَادِهِ يَنْعَقِدُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلُزُومِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ لَزِمَ الْمُسَمَّى فِيهِ كَالصَّحِيحِ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَ) الْمَبِيعُ (فَإِنَّهُ يَضْمَنُ) ضَمَانَ الْمُتْلَفِ (لَا بِقِيمَتِهِ) أَوْ مِثْلِهِ (لَا) ضَمَانُ عَقْدٍ (بِثَمَنِهِ) ذُكِرَ مَعْنَاهُ فِي الْإِنْصَافِ.
قُلْتُ قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ مِنْ أَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَالطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَأَكْثَرُهَا مُنْتَفٍ بِخِلَافِ النِّكَاحِ (وَلَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مَنْ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ قَبْلَ طَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ، فَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ فَسَخَهُ) أَيْ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ (حَاكِمٌ) لِأَنَّهُ
نِكَاحٌ يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ فَاحْتِيجَ فِي التَّفْرِيقِ إلَى إيقَاعِ فُرْقَةٍ كَالصَّحِيحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَلِأَنَّ تَزْوِيجَهَا مِنْ غَيْرِ فُرْقَةٍ يُفْضِي إلَى تَسْلِيطِ زَوْجَيْنِ عَلَيْهَا، كُلُّ وَاحِدٍ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نِكَاحِهِ وَفَسَادَ نِكَاحِ الْآخَرِ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحَ الْبَاطِلَ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَعَلَى هَذَا مَتَى تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ الثَّانِي وَلَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهَا الثَّالِثَ حَتَّى يُطَلِّقَ الْأَوَّلَانِ أَوْ يُفْسَخُ نِكَاحُهُمَا.
(وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ) كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ وَلَا مَمْلُوكَةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَتَهُ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ عَمِلْنَاهُ كَبَدَلِ مُتْلَفٍ.
(وَ) يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ أَيْضًا (لِمُكْرَهَةٍ عَلَى زِنًا) وَطْئِهَا (فِي قُبُلٍ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ مَحَارِمِهِ) كَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ كَبَدَلِ مُتْلَفٍ (أَوْ) كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ بِزِنًا (مَيِّتَةً) فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَيُورَثُ عَنْهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ وَطِئَ مَيِّتَةً لَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ وَهُوَ مُتَّجَهٌ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا مَهْرَ.
(وَلَوْ) كَانَ الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا مَعَ إكْرَاهٍ (مِنْ مَجْنُونٍ) لِأَنَّهُ إتْلَافٌ وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ فِي الزِّنَا وَيَأْتِي (وَيَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ الشُّبْهَةِ، مِثْلَ أَنْ تَشْتَبِهَ) الْمَوْطُوءَةُ (بِزَوْجَتِهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ) لَهُ (الْحَالُ وَيَعْرِفُ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ تَشْتَبِهُ الْمَوْطُوءَةُ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ بِزَوْجَتِهِ) فَاطِمَةَ (ثُمَّ تَشْتَبِهُ بِزَوْجَتِهِ الْأُخْرَى أَوْ بِأَمَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) .
وَتَقَدَّمَ فِي الْكِتَابَةِ يَتَعَدَّدُ بِوَطْئِهِ مُكَاتَبَتِهِ إنْ اسْتَوْفَتْ مَهْرَ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَا وَقَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ (وَيَتَعَدَّدُ) أَيْضًا الْمَهْرُ (بِ) تَعَدُّدِ (وَطْءِ الزِّنَا إذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً) كُلِّ مَرَّةٍ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ فَيَتَعَدَّد بِتَعَدُّدِ سَبَبِهِ (أَوْ) أَيْ وَكَذَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ وَطْءِ الزِّنَا إذَا كَانَتْ أَمَةً وَلَوْ كَانَتْ (مُطَاوِعَةً بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا) لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمَهْرِ لِلسَّيِّدِ فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا وَ (لَا) يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ (بِتَعَدُّدِ وَطْءِ) فِي (شُبْهَةٍ) وَاحِدَةٍ (مِثْلَ أَنْ أَشْتَبَهَتْ) الْمَوْطُوءَةُ (عَلَيْهِ بِزَوْجَتِهِ وَدَامَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ حَتَّى وَطِئَ مِرَارًا) فَعَلَيْهِ مَهْرٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافٍ وَاحِدٍ.
(وَلَا)
يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ أَيْضًا (بِتَعَدُّدِهِ) أَيْ الْوَطْءِ (فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ) لِدُخُولِهَا عَلَى أَنْ تَسْتَحِقَّ مَهْرًا وَاحِدًا (وَلَا مَهْرَ بِوَطْئِهَا) أَيْ الْمُشْتَبِهَةِ وَالْمَزْنِيِّ بِهَا (فِي دُبُرٍ وَلَا فِي اللِّوَاطِ بِالذَّكَرِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى أَحَدٍ، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِبَدَلِهِ وَلَا هُوَ إتْلَافٌ لِشَيْءٍ فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ وَالْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ (وَلَا) مَهْرَ لِلْمَزْنِيِّ بِهَا (الْمُطَاوِعَةِ عَلَى الزِّنَا) لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِلْبُضْعِ بِرِضَا مَالِكِهِ (كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لَهُ فِي قُطْعِ يَدِهَا فَقَطَعَهَا إلَّا الْأَمَةَ) الْمَزْنِيَّ بِهَا فَلَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا بِطَوَاعِيَتِهَا لِأَنَّهُ لِسَيِّدِهَا، وَالْمُبَعَّضَةُ يَسْقُطُ مِنْهُ مَا يُقَابِلُ حُرِّيَّتهَا وَالْبَاقِي لِسَيِّدِهَا.
(وَإِذَا وَطِئَ فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ بِالْإِجْمَاعِ كَنِكَاحِ زَوْجَةِ الْغَيْرِ أَوْ) نِكَاحِ (الْمُعْتَدَّةِ) قُلْتُ: مِنْ غَيْرِ زِنًا وَإِلَّا فَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (وَهُوَ عَالِمٌ بِالْحَالِ) أَيْ بِأَنَّهَا زَوْجَةُ الْغَيْرِ أَوْ مُعْتَدَّتُهُ.
(وَ) عَالِمٌ بِ (تَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَالِمَةٌ) بِالْحَالِ (فَلَا مَهْرَ) لَهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً (لِأَنَّهُ زِنًا يُوجِبُ الْحَدَّ وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَهِلَتْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ) جَهِلَتْ (كَوْنِهَا فِي عِدَّةٍ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ) بِمَا نَالَ مِنْ فَرْجِهَا (كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَلَا يَجِبُ أَرْشُ بَكَارَةٍ مَعَ وُجُوبِ الْمَهْرِ) لِلْحُرَّةِ (الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا) لِأَنَّهُ وَطْءٌ ضُمِنَ بِالْمَهْرِ فَلَا يَجِبُ مَعَهُ أَرْشٌ كَسَائِرِ الْوَطْءِ وَلِأَنَّ الْأَرْشَ يَدْخُلُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ فَلَا يَجِبُ مَرَّةً أُخْرَى وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَمَةِ وَتَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ (وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ) وَالْخَلْوَةِ (طَلْقَةً وَظَنَّ أَنَّهَا لَا تَبِينُ بِهَا فَوَطِئَهَا لَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ) بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ.
(وَ) لَزِمَهُ أَيْضًا (نِصْفُ الْمُسَمَّى) بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ دَفَعَ أَجْنَبِيَّةً فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا]
(فَصْلٌ وَإِنْ دَفَعَ أَجْنَبِيَّةً) أَيْ غَيْرَ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ (فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا) بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ بَكَارَتَهَا (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِإِصْبَعِهِ أَوْ غَيْرِهَا فَعَلَيْهِ أَرْشُ بَكَارَتِهَا) لَا مَهْرَ مِثْلِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا وَهُوَ إتْلَافُ جُزْءٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِ عِوَضِهِ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى أَرْشِهِ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ (وَهُوَ) أَيْ
أَرْش الْبَكَارَةِ (مَا بَيْنَ مَهْرِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَكَلَامُهُمَا أَوَّلًا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ حُكُومَةٌ، قَالَا لِأَنَّهُ إتْلَافُ جُزْءٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِ دَيْنِهِ فَرُجِعَ فِيهَا إلَى الْحُكُومَةِ كَسَائِرِ مَا لَمْ يُقَدَّرْ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي الْجِنَايَاتِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ هُنَاكَ.
(وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ أَذْهَبَ الْعُذْرَةَ بِغَيْرِ وَطْءٍ (الزَّوْجُ ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إلَّا نِصْفُ الْمُسَمَّى) مَهْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] وَهَذِهِ مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْخَلْوَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا سِوَى نِصْفِ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا يَسْتَحِقُّ إتْلَافَهُ بِالْعَقْدِ فَلَا يَضْمَنهُ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ عُذْرَةَ أَمَتِهِ.
(وَلِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا الْحَالَّ كُلَّهُ أَوْ الْحَالَّ مِنْهُ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا تُتْلَفُ بِالِاسْتِيفَاءِ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْمَهْرُ عَلَيْهَا لَمْ يُمْكِنْهَا اسْتِرْجَاعُ عِوَضِهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسَمَّى لَهَا وَالْمُفَوِّضَةِ (وَلَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ (الْمُطَالَبَةَ بِهِ) أَيْ بِحَالِ مَهْرِهَا.
(وَلَوْ لَمْ تَصْلُحْ لِلِاسْتِمْتَاعِ) لِصِغَرٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَلِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ (فَإِنْ وَطِئَهَا) الزَّوْجُ (مُكْرَهَةً) قَبْلَ دَفْعِ الْحَالِّ مِنْ صَدَاقِهَا (لَمْ يَسْقُطْ بِهِ حَقُّهَا مِنْ الِامْتِنَاعِ) فَلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ الْحَالَّ مِنْهُ لِمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ وَطْأَهَا مُكْرَهَةً كَعَدَمِهِ.
(وَحَيْثُ قُلْنَا لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا فَلَهَا السَّفَرُ بِغَيْرِ إذْنِهِ) لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ بِحَقٍّ لَمْ يَثْبُتْ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا حَقُّ الْحَبْسِ، فَصَارَتْ كَمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا وَبَقَاءُ دِرْهَمٍ مِنْهُ كَبَقَاءِ جَمِيعِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَلَهَا) زَمَنَ مَنْعِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ حَالِّ صَدَاقِهَا (النَّفَقَةُ إنْ صَلُحَتْ لِلِاسْتِمْتَاعِ) وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا بِالصَّدَاقِ، لِأَنَّ الْحَبْسَ مِنْ قِبَلِهِ عَلَّلَ بِهِ أَحْمَدُ قَالَ الْمُوَفَّقُ وَلَدُ صَاحِبِ الْمُغْنِي: إنَّمَا لَهَا النَّفَقَةُ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ لِأَنَّهُ لَوْ بَذَلَ لَهَا الصَّدَاقَ وَهِيَ غَائِبَةٌ لَمْ يُمْكِنْهُ تَسْلِيمُهَا وَبِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (فَإِنْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (مَحْبُوسَةً، أَوْ كَانَ لَهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ وَجَبَ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ) كَمَهْرِ الصَّغِيرَةِ وَلِوُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ.
(وَإِنْ كَانَ) الصَّدَاقُ مُؤَجَّلًا (لَمْ تَمْلِكْ مَنْعَ نَفْسِهَا) حَتَّى تَقْبِضَهُ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الطَّلَب بِهِ (وَلَوْ حَلَّ قَبْلَ الدُّخُولِ) فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا، فَاسْتَقَرَّ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ.
(وَإِنْ قَبَضَتْهُ) أَيْ الصَّدَاقَ (وَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ بَانَ) الصَّدَاقُ (مَعِيبًا كَانَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا) حَتَّى تَقْبِضَ بَدَلَهُ أَوْ أَرْشَهُ لِأَنَّهَا إنَّمَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهَا قَبَضَتْ صَدَاقَهَا فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ.
(وَلَوْ أَبَى كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ) عَلَيْهِ (أُجْبِرَ زَوْجٌ) عَلَى تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ (ثُمَّ) تُجْبَرُ (زَوْجَةٌ) عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِأَنَّ فِي إجْبَارِهَا عَلَى تَسْلِيم نَفْسِهَا أَوَّلًا خَطَرُ إتْلَافِ الْبُضْعِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ بَذْلِ الصَّدَاقِ وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِي الْبُضْعِ (وَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (بِهِ) أَيْ بِتَسْلِيمِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ (أُجْبِرَ الْآخَرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ فِي التَّأْخِيرِ.
(وَإِنْ بَادَرَ هُوَ فَسَلَّمَ الصَّدَاقَ فَلَهُ طَلَبُ التَّمْكِينِ) مِنْهَا (فَإِنْ أَبَتْ) التَّمْكِينَ (بِلَا عُذْرٍ فَلَهُ اسْتِرْجَاعُهُ) أَيْ الصَّدَاقِ لِعَدَمِ تَسْلِيمِهَا الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ.
(وَإِنْ تَبَرَّعَتْ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا، ثُمَّ أَرَادَتْ الِامْتِنَاعَ بَعْدَ دُخُولٍ أَوْ خَلْوَةٍ لَمْ تَمْلِكْهُ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ اسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ بِرِضَا الْمُسَلِّمِ (فَإِنْ امْتَنَعَتْ) بَعْدَ أَنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّهَا نَاشِزٌ.
(وَإِنْ أُعْسِرَ) زَوْجٌ (بِالْمَهْرِ الْحَالِّ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، فَالْحُرَّةُ مُكَلَّفَةُ الْفَسْخِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الْوُصُولُ إلَى الْعِوَضِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي (فَلَوْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ مَعَ عُسْرَتِهِ) امْتَنَعَ الْفَسْخُ (أَوْ تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةٌ بِعُسْرَتِهِ امْتَنَعَ الْفَسْخُ) لِرِضَاهَا بِهِ.
(وَلَهَا) أَيْ لِلَّتِي رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَ الْعُسْرَةِ، أَوْ تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةٌ بِهَا (مَنْعُ نَفْسِهَا) حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا الْحَالَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَلَيْهَا حَقُّ الْحَبْسِ (وَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ وَالْخِيرَةِ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ) إذَا أُعْسِرَ زَوْجُهَا، لِأَنَّ الْحَقَّ لِسَيِّدِهَا لِأَنَّهُ مَالِكُ نَفْعِهَا وَالصَّدَاقُ عِوَضُ مَنْفَعَتِهَا فَهُوَ مِلْكُهُ دُونَهَا وَ (لَا) خِيرَةَ (لِوَلِيِّ) زَوْجَةٍ (صَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا فِي الصَّدَاقِ دُونَ وَلِيِّهَا وَقَدْ تَرْضَى بِتَأْخِيرِهِ (وَلَا يَصِحُّ الْفَسْخُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، كَالْفَسْخِ لِلَّعْنَةِ وَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ زَوْجَانِ كُلٌّ يَعْتَقِد حِلِّهَا لَهُ وَتَحْرِيمَهَا عَلَى الْآخَرِ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمُعْتَقَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
[بَابُ الْوَلِيمَةِ وَآدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
َ (وَهِيَ) أَيْ الْوَلِيمَةُ (اسْمٌ لِطَعَامِ الْعُرْسِ خَاصَّةً) لَا تَقَعُ عَلَى غَيْرِهِ حَكَاهُ ابْنُ عَبْد الْبَرِّ عَنْ ثَعْلَبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: يَقَعُ عَلَى كُلِّ
طَعَامٍ لِسُرُورٍ حَادِثٍ إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي طَعَامِ الْعُرْسِ أَكْثَرُ وَقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَقْوَى، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَهُمْ أَعْرَفُ بِمَوْضُوعَاتِ اللُّغَةِ وَأَعْلَمُ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلِيمَةُ الشَّيْءِ كَمَالُهُ وَجَمْعُهُ وَسُمِّيَتْ دَعْوَةُ الْعُرْسِ وَلِيمَةٌ لِاجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ يُقَالُ: أَوْلَمَ إذَا صَنَعَ وَلِيمَةً (قَالَ الشَّيْخُ: وَتُسْتَحَبُّ بِالدُّخُولِ انْتَهَى) .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: بِالْعَقْدِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَقَدَّمَهُ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَقْتَ الِاسْتِحْبَابِ مُوَسَّعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ إلَى انْتِهَاءِ أَيَّامِ الْعُرْسِ لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا وَهَذَا، وَكَمَالُ السُّرُورِ بَعْدَ الدُّخُولِ.
(وَجَرَتْ الْعَادَةُ) بِجَعْلِ الْوَلِيمَةِ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ (بِيَسِيرٍ وَ) الْأَطْعِمَةُ الَّتِي يُدْعَى النَّاسُ إلَيْهَا إحْدَى عَشْرَةَ: الْوَلِيمَةُ وَتَقَدَّمَتْ وَالثَّانِي (شُنْدَخِيَّةٌ) وَيُقَالُ: شُنْدُخٌ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَة وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (لِطَعَامِ إمْلَاكٍ عَلَى زَوْجَةٍ) مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ مُشَنْدَخٌ، أَيْ يَتَقَدَّمُ غَيْرَهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ الدُّخُولَ.
(وَ) الثَّالِثُ (عَذِيرَةٌ وَإِعْذَارُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (لِ) طَعَامِ خِتَانٍ وَيُقَالُ الْعُذْرَةُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ.
(وَ) الرَّابِعُ (خُرْسَةٌ وَخُرْسُ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِسِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَيُقَالُ بِالصَّادِ (لِطَعَامِ وِلَادَةٍ) أَيْ لِخَلَاصِهَا وَسَلَامَتِهَا مِنْ السَّلَقِ.
(وَ) الْخَامِسُ (عَقِيقَةُ الذَّبْح لِلْمَوْلُودِ) وَتَقَدَّمَتْ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
(وَ) السَّادِسُ (وَكِيرَةٌ لِبِنَاءٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ الْمَسْكَنُ الْمُتَجَدِّدُ انْتَهَى مِنْ الْوَكْرِ وَهُوَ الْمَأْوَى وَالْمُسْتَقَرُّ (وَ) السَّابِعُ (نَقِيعَةٌ) مِنْ النَّقْعِ وَهُوَ الْغُبَارُ أَوْ النَّحْرُ أَوْ الْقَتْلُ (تُصْنَعُ لِلْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ) ظَاهِرِهِ طَوِيلًا كَانَ أَوْ قَصِيرًا.
(وَ) الثَّامِنُ (التُّحْفَةُ: طَعَامُ الْقَادِمِ يَصْنَعُهُ هُوَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تُحْفَةِ الْوَدُودِ) فِي أَحْكَامِ الْمَوْلُودِ (هُوَ) أَيْ الْقَادِمُ (الزَّائِرُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ سَفَرٍ (وَ) التَّاسِعُ (حِذَاقٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ قَافٌ (لِطَعَامٍ عِنْدَ حِذَاقِ صَبِيٍّ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: يَوْمُ حِذَاقِ الصَّبِيِّ يَوْمُ خَتْمِهِ الْقُرْآنَ.
(وَ) الْعَاشِرُ: (وَضِيمَةٌ وَهِيَ طَعَامُ الْمَأْتَمِ وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ (شِنْدَاخٌ الْمَأْكُولُ مِنْ خَتْمَةِ الْقَارِئِ وَالْعَتِيرَةُ) مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَسْمَاءِ الطَّعَامِ، بَلْ هِيَ الذَّبِيحَةُ (تُذْبَحُ أَوَّلَ يَوْمٍ فِي رَجَبٍ) وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيّ (وَالْإِخَاءِ وَالتَّسَرِّي ذَكَرَهُمَا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ) .
وَفِي الْمُنْتَهَى: وَلَمْ يَخُصَّهَا، أَيْ الدَّعْوَةَ لِإِخَاءٍ وَلْتُسِرْ بِاسْمٍ.
وَالْفَرَعَةُ وَالْفَرَعُ: ذَبْحُ أَوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ (وَالْقِرَى اسْمٌ لِطَعَامِ
الضِّيفَانِ) وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الدَّعَوَاتِ (وَالْمَأْدُبَةُ) بِضَمِّ الدَّالِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا (اسْمٌ لِكُلِّ دَعْوَةٍ بِسَبَبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالْآدِبُ) بِوَزْنِ فَاعِلٍ صَاحِبُ الْمَأْدُبَةِ فَإِنْ عَمَّمَ الدَّاعِي فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إلَى الطَّعَامِ، أَوْ يَقُولُ الرَّسُولُ أَيْ رَسُولُ الْآدِبِ (قَدْ أُذِنَ لِي أَنْ أَدْعُوَ مَنْ لَقِيتُ أَوْ مَنْ شِئْتُ، وَقَدْ شِئْتُ أَنْ تَحْضُرُوا فَهِيَ الْجَفَلَى) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْفَاءِ وَاللَّامِ.
(وَإِنْ خَصَّ قَوْمًا لِلدَّعْوَةِ دُون قَوْمٍ فَهِيَ النَّقَرَى) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْقَافِ وَالرَّاءِ قَالَ الشَّاعِرُ:
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ... لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرُ
أَيْ لَا نَدْعُو قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ (وَجَمِيعُهَا) أَيْ الدَّعَوَاتِ (جَائِزَةٌ) أَيْ مُبَاحَةٌ، لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ غَيْرَ مَأْتَمٍ فَيُكْرَهُ.
وَرَوَى الْحَسَنُ قَالَ «دُعِيَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ إلَى خِتَانٍ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ وَقَالَ كُنَّا لَا نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نَدْعُو إلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَلَيْسَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدَّعَوَاتِ (شَيْءٌ وَاجِبٌ) وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ (وَوَلِيمَةُ الْعُرْسِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَا وَفَعَلَهَا.
(وَلَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ كَمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ (وَيُسَنُّ أَنْ لَا تَنْقُصَ) الْوَلِيمَةُ عَنْ (شَاةٍ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَالْأَوْلَى الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الشَّاةِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَلَوْ بِشَاةٍ " (وَإِنْ نَكَحَ) رَجُلٌ (أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فِي عَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ أَجْزَأَتْهُ وَلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا نَوَاهَا عَنْ الْكُلِّ) لِتَدَاخُلِ أَسْبَابِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَقِيقَةِ وَكَمَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةِ وَالسُّنَّةِ.
(الْإِجَابَةُ إلَيْهَا) أَيْ الْوَلِيمَةِ (وَاجِبَةٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ» أَيْ الَّذِي يُدْعَى لَهُ الْأَغْنِيَاءُ وَتُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ «يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إذَا دُعِيتُمْ إلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إذَا عَيَّنَهُ دَاعٍ مُسْلِمٍ يَحْرُمُ هَجْرُهُ وَمَكْسَبُهُ طَيِّبٌ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ) وَيَأْتِي مُحْتَرَزُ هَذِهِ الْقُيُودِ (وَهِيَ) أَيْ الْإِجَابَةُ (حَقُّ الدَّاعِي تَسْقُطُ بِعَفْوِهِ) عَنْ الدَّعْوَةِ كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ (وَقَدَّمَ
فِي التَّرْغِيبِ لَا يَلْزَمُ الْقَاضِي حُضُورَ وَلِيمَةِ عُرْسٍ) لَعَلَّهُ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
(وَمَنَعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ إجَابَةِ ظَالِمٍ وَفَاسِقٍ وَمُبْتَدِعٍ وَمُتَفَاخِرٍ بِهَا أَوْ فِيهَا مُبْتَدِعٌ يَتَكَلَّمُ بِبِدْعَتِهِ إلَّا لِرَادٍّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ فِيهَا مُضْحِكٌ بِفُحْشٍ أَوْ كَذِبٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُضْحِكًا بِفُحْشٍ وَلَا كَذِبٍ (أُبِيحَ) أَنْ يُجِيبَ (إذَا كَانَ) يُضْحِكُ (قَلِيلًا، وَإِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ مَرِيضًا أَوْ مُمَرِّضًا) لِغَيْرِهِ (أَوْ مَشْغُولًا بِحِفْظِ مَالٍ) لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ كَانَ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ) فِي (مَطَرٍ يَبُلُّ الثِّيَابَ أَوْ وَحْلٍ) لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ يُبِيح تَرْكَ الْجَمَاعَةِ فَأَبَاحَ تَرْكَ الْإِجَابَةِ (أَوْ كَانَ أَجِيرًا) خَاصًّا (وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ تَجِبْ) عَلَيْهِ (الْإِجَابَةُ) لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ.
أَشْبَهَ الْعَبْدَ غَيْرَ الْمَأْذُونِ (وَالْعَبْدُ كَالْحُرِّ) فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ) وَإِلَّا لَمْ يُجِبْ لِأَنَّ حَقَّ سَيِّدِهِ آكَدُ (وَالْمُكَاتَبُ إنْ أَضَرَّ) حُضُورُهُ (بِكَسْبِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ إلَّا أَنْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ.
وَفِي التَّرْغِيبِ) وَالْبُلْغَةِ (إنْ عَلِمَ حُضُورُ الْأَرْذَالِ وَمَنْ مُجَالَسَتُهُمْ تَزِرِي بِمِثْلِهِ لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ: وَقَدْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْوُجُوبَ وَاشْتِرَاطَ الْحَدِّ قَالَ: وَعَدَمُ الْمُنْكَرِ فَأَمَّا هَذَا الشَّرْطُ فَلَا أَصْلَ لَهُ، كَمَا أَنَّ مُخَالَطَةَ هَؤُلَاءِ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ لَا تُسْقِطُ الْجَمَاعَةَ وَفِي الْجِنَازَةِ لَا تُسْقِطُ الْحُضُورَ فَكَذَلِكَ هُنَا وَهَذِهِ شُبْهَةُ الْحَجَّاجِ ابْنِ أَرْطَاةَ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ التَّكَبُّرِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
نَعَمْ إنْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ فَقَدْ اشْتَمَلَتْ الدَّعْوَةُ عَلَى مُحَرَّمٍ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَكْرُوهٍ (وَتُكْرَهُ إجَابَةُ مَنْ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ كَأَكْلِهِ مِنْهُ وَمُعَامَلَتِهِ وَقَبُولِ هَدِيَّتِهِ وَهِبَتِهِ وَنَحْوِهِ) كَصَدَقَتِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ الْأَزَجِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخِطْبَةِ انْتَهَى وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» .
(وَقِيلَ يَحْرُمُ) مُطْلَقًا (كَمَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ حَرَامًا) قَطَعَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُنْتَخَبِ.
(وَقَالَ الْأَزَجِيُّ) فِي نِهَايَتِهِ (وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبُ) وَقَدَّمَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ.
(وَسُئِلَ) أَيْ سَأَلَ الْمَرُّوذِيُّ (أَحْمَدَ عَنْ الَّذِي يُعَامِلُ بِالرِّبَا أَيُؤْكَلُ عِنْدَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ لَا وَفِي) آدَابِ (الرِّعَايَةِ) الْكُبْرَى (وَلَا يَأْكُلُ مُخْتَلِطًا بِحَرَامٍ بِلَا ضَرُورَةٍ) وَقِيلَ إنْ زَادَ الْحَرَامُ عَلَى الثُّلُثِ حَرُمَ الْأَكْلُ وَإِلَّا فَلَا، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ إنْ كَانَ الْحَرَامُ أَكْثَرَ حَرُمَ الْأَكْلُ وَإِلَّا
فَلَا إقَامَةَ لِلْأَكْثَرِ مُقَامِ الْكُلِّ قَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ.
(وَ) عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ (تَقْوَى الْكَرَاهَةُ وَتَضْعُفُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْحَرَامِ وَقِلَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ فِي الْمَالِ حَرَامًا فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ) فَتَجِبُ الْإِجَابَةُ وَلَا تَحْرِيمَ بِالِاحْتِمَالِ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ (وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ) أَيْ الْأَكْلِ (أَوْلَى) حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ الْحِلُّ (لِلشَّكِّ وَيَنْبَغِي صَرْفُ الشُّبُهَاتِ فِي الْأَبْعَدِ عَنْ الْمَنْفَعَةِ فَالْأَقْرَبُ مَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِنِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَنَحْوِهِ) .
فَيُجْرَى فِيهِ الْحَلَالُ (ثُمَّ مَا وَلِيَ الظَّاهِرُ مِنْ اللِّبَاسِ فَإِنْ دَعَاهُ الْجَفَلَى) كُرِهَتْ الْإِجَابَةُ (أَوْ) دَعَاهُ (فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ) كُرِهَتْ الْإِجَابَةُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ وَالثَّانِي مَعْرُوفٌ وَالثَّالِثُ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا (أَوْ) دَعَاهُ (ذِمِّيٌّ كُرِهَتْ الْإِجَابَةُ) لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إذْلَالُهُ وَذَلِكَ يُنَافِي إجَابَتَهُ (وَتُسْتَحَبُّ) الْإِجَابَةُ (فِي الْيَوْمِ الثَّانِي) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ (وَإِنْ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ فَكَرَجُلٍ) فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (إلَّا مَعَ خَلْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ) فَتَحْرُمُ الْإِجَابَةُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مُحَرَّمٍ.
(وَسَائِرُ الدَّعَوَاتِ مُبَاحَةٌ نَصًّا) وَتَقَدَّمَ (غَيْرُ عَقِيقَةٍ فَتُسَنُّ) وَتَقَدَّمَتْ فِي الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيّ (وَ) غَيْرُ (مَأْتَمٍ فَتُكْرَه) وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ، وَالْمَأْتَمِ بِالْمُثَنَّاةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَأْتَمُ فِي الْأَصْلِ مُجْتَمَعُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْغَمِّ وَالْفَرَحِ، ثُمَّ خُصَّ بِهِ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ فِي الْمَوْتِ وَقِيلَ هُوَ لِلشَّوَابِّ مِنْهُنَّ لَا غَيْرُ (وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ الْإِسْرَاعُ إلَى الْإِجَابَةِ) إلَى الْوَلَائِمِ غَيْرُ الشَّرْعِيَّةِ (وَالتَّسَامُحِ) أَيْ التَّسَاهُلِ (فِيهِ لِأَنَّ فِيهِ بِذْلَةً وَدَنَاءَةً وَشَرّ هًا لَا سِيَّمَا الْحَاكِمَ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ ذَرِيعَةً لِلتَّهَاوُنِ بِهِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ.
(وَإِنْ حَضَرَ) الْمَدْعُوُّ إلَى وَلِيمَةٍ أَوْ نَحْوِهَا (وَهُوَ صَائِمٌ صَوْمًا وَاجِبًا لَمْ يُفْطِرْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] وَلِأَنَّ الْفِطْرَ مُحَرَّمٌ وَالْأَكْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي رِوَايَةٍ " فَلْيَصِلْ " أَيْ يَدَعُ (وَدَعَا) لِلْخَبَرِ (وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ صَائِمٌ) كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ لِتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ تَرْكِ فِي الْأَكْلِ (ثُمَّ انْصَرَفَ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا اُسْتُحِبَّ الْأَكْلُ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إكْرَامِ الدَّاعِي وَجَبْرُ قَلْبِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ دَعَا وَانْصَرَفَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» قَالَ فِي الشَّرْحِ
حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَدْعُوُّ (صَائِمًا تَطَوُّعًا وَفِي تَرْكِهِ الْأَكْلَ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعِي اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ) لِأَنَّ فِي أَكْلِهِ إدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي دَعْوَةٍ مَعَهُ جَمَاعَةٌ فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ نَاحِيَةً فَقَالَ: إنِّي صَائِمٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ كُلْ يَوْمًا ثُمَّ صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ إنْ شِئْتَ» (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ الْأَكْلَ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعِي (كَانَ تَمَامُ الصَّوْمِ أَوْلَى مِنْ الْفِطْرِ) هَذَا مَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْوَجِيزِ وَهُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ.
وَقَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الدَّعْوَةِ الْإِلْحَاحُ فِي الطَّعَامِ) أَيْ الْأَكْلِ (لِلْمَدْعُوِّ إذَا امْتَنَعَ) مِنْ الْفِطْرِ فِي التَّطَوُّعِ أَوْ الْأَكْلِ إنْ كَانَ مُفْطِرًا (فَإِنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزٌ وَإِذَا أَلْزَمَهُ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْمَسْأَلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَلَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ) إنْ كَانَ صَائِمًا لِيُفْطِرَ (وَلَا) يَحْلِفُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا (لِيَأْكُلَ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمَدْعُوِّ إذَا رَأَى أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى امْتِنَاعِهِ) مِنْ الْأَكْلِ أَوْ الْفِطْرِ فِي النَّفْلِ (مَفَاسِدُ أَنْ يَمْتَنِعَ فَإِنَّ فِطْرَهُ جَائِزٌ انْتَهَى) .
(وَيَحْرُمُ أَخْذُ طَعَامٍ) مِنْ الْوَلِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا (بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ (فَإِنْ عَلِمَ) الْآخِذُ (بِقَرِينَةِ رِضَاهُ) أَيْ رَبُّ الطَّعَامِ (فَفِي التَّرْغِيبِ يُكْرَهُ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّه يُبَاحُ وَأَنَّهُ يُكْرَهُ مَعَ ظَنِّهِ رِضَاهُ (فَمَعَ الظَّنِّ) رِضَاهُ (أَوْلَى) لِأَنَّ الظَّنَّ دُونَ الْعِلْمِ وَيَأْتِي حُكْمُ الْآكِلِ بِلَا إذْنٍ.
(وَإِنْ دَعَاهُ اثْنَانِ إلَى وَلِيمَتَيْنِ أَجَابَ أَسْبَقَهُمَا بِالْقَوْلِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبْ الَّذِي سَبَقَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ اسْتَوَيَا أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا) لِأَنَّ كَثْرَةَ الدِّينِ لَهَا أَثَرٌ فِي التَّقْدِيمِ كَالْإِمَامَةِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا أَجَابَ (أَقْرَبَهُمَا رَحِمًا) لِمَا فِي تَقْدِيمِهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فَأَقْرَبُهُمَا (جِوَارًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا فَإِنَّ أَقَرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا» (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا (يُقْرَعُ) بَيْنَهُمَا (وَلَا يُجِيبُ الثَّانِي حَيْثُ) سَبَقَ الْأَوَّلُ (إلَّا أَنْ يَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِإِجَابَتِهِمَا فَإِنْ اتَّسَعَ) الْوَقْتُ (لَهُمَا وَجَبَا) أَيْ وَجَبَتْ إجَابَتُهُمَا لِلْأَخْبَارِ.
[فَصْل عَلِمَ الْمَدْعُوّ أَنَّ فِي الدَّعْوَة مُنْكَرًا]
فَصْلٌ وَإِنْ عَلِمَ الْمَدْعُوّ أَنَّ فِي الدَّعْوَة مُنْكَرًا (كَالزَّمْرِ وَالْخَمْر وَالْعُودِ وَالطَّبْلِ وَنَحْوِهِ) كَالْجِنْكِ وَالرَّبَابِ (أَوْ) عَلِمَ أَنَّ فِيهَا (آنِيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ فُرُشًا مُحَرَّمَةً وَأَمْكَنَهُ إزَالَةُ الْمُنْكَرِ لَزِمَهُ الْحُضُورُ وَالْإِنْكَارُ) لِأَنَّهُ يُؤَدِّي بِذَلِكَ فَرْضَيْنِ: إجَابَةُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ.
(وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى إزَالَةِ الْمُنْكَرِ (لَمْ يَحْضُرْ) وَحَرُمَتْ الْإِجَابَةُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) بِالْمُنْكَرِ (حَتَّى حَضَرَ وَشَاهَدَهُ أَزَالَهُ وَجَلَسَ) بَعْدَ ذَلِكَ إجَابَةً لِمَنْ دَعَاهُ (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى إزَالَتِهِ (انْصَرَفَ) لِمَا تَقَدَّمَ وَرَفَعَ «نَافِعٌ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَسَمِعَ زَمَّارَةَ رَاعٍ فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ثُمَّ عَدَلَ عَنْ الطَّرِيقِ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَتَسْمَعُ؟ حَتَّى قُلْتُ: لَا فَأَخْرَجَ إصْبَعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنَعَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْخَلَّالُ.
وَخَرَجَ أَحْمَدُ مِنْ وَلِيمَةٍ فِيهَا آنِيَةُ فِضَّةٍ فَقَالَ الدَّاعِي: نُحَوِّلُهَا فَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَيُفَارِقُ مَنْ لَهُ جَارٌ مُقِيمٌ عَلَى الْمُنْكَرِ وَالزَّمْرِ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُ الْمُقَامُ فَإِنَّ تِلْكَ حَالُ حَاجَةٍ لِمَا فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ مِنْ الضَّرَرِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَإِنْ عَلِمَ) الْمَدْعُوُّ (بِهِ) أَيْ بِالْمُنْكَرِ وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ فَلَهُ الْجُلُوسُ وَالْأَكْلُ نَصًّا (لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ رُؤْيَةُ الْمُنْكَرِ أَوْ سَمَاعُهُ) وَلَمْ يُوجَدْ (وَلَهُ الِانْصِرَافُ) فَيُخَيَّرُ لِإِسْقَاطِ الدَّاعِي حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِإِيجَادِ الْمُنْكَرِ.
(وَإِنْ شَاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فِيهَا صُوَرُ وَأَمْكَنَهُ حَطُّهَا أَوْ) أَمْكَنَهُ قَطْعُ رُءُوسِهَا؛ (فَعَلَ) لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ (وَجَلَسَ) إجَابَةً لِلدَّاعِي.
(وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ كُرِهَ الْجُلُوسُ إلَّا أَنْ تُزَال) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالْمَذْهَبُ لَا يَحْرُمُ انْتَهَى لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَرَأَى فِيهَا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَسْتَقْسِمَانِ بِالْأَزْلَامِ فَقَالَ: قَاتَلَهُمْ اللَّهُ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ دُخُولَ
الْكَنَائِس وَالْبِيَعِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَهِيَ لَا تَخْلُو مِنْهَا وَكَوْنُ الْمَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِهِ كَمَا لَوْ كَانَ فِيهِ كَلْبٌ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا صُحْبَةُ رُفْقَةٍ فِيهَا جَرَسُ مَعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَصْحَبُهُمْ وَيُبَاحُ تَرْكُ الْإِجَابَةِ إذَنْ عُقُوبَةً لِلْفَاعِلِ وَزَجْرًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ.
(وَإنْ عَلِمَ بِهَا) أَيْ بِالصُّوَرِ الْمُعَلَّقَة قَبْلَ الدُّخُولِ كُرِهَ الدُّخُولُ، (وَإِنَّ كَانَتْ) السُّتُورُ الْمُصَوَّرَةُ (مَبْسُوطَةً أَوْ عَلَى وِسَادَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهَا) لِأَنَّ فِيهِ إهَانَةً لَهَا وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ تَعْلِيقِهَا إنَّمَا كَانَ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ التَّعْظِيمِ وَالْإِغْرَاءِ وَالتَّشْبِيهِ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي تُعْبَدُ.
وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْبَسْطِ وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّكِئًا عَلَى نُمْرُقَةٍ فِيهَا تَصَاوِيرُ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلِأَنَّ فِيهِ إهَانَةً كَالْبَسْطِ (وَيَحْرُمُ تَعْلِيقُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ وَتَصْوِيرِهِ) وَتَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ (فَإِنْ قَطَعَ إنْسَانُ رَأْسَ الصُّورَةِ) فَلَا كَرَاهَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " الصُّورَةُ الرَّأْسُ فَإِذَا قُطِعَ فَلَيْسَ بِصُورَةٍ " (أَوْ قُطِعَ مِنْهَا) أَيْ الصُّورَةُ (مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَ ذَهَابِهِ فَهُوَ كَقَطْعِ الرَّأْسِ كَصَدْرِهَا أَوْ بَطْنِهَا أَوْ صَوَّرَهَا بِلَا رَأْسٍ أَوْ بِلَا صَدْرِ أَوْ بِلَا بَطْنٍ، أَوْ جَعَلَ لَهَا رَأْسًا مُنْفَصِلًا عَنْ بَدَنِهَا، أَوْ) صَوَّرَ (رَأْسًا بِلَا بَدَنٍ) فَلَا كَرَاهَةَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْي.
(وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ يَبْقَى الْحَيَوَانُ بَعْدَهُ كَالْعَيْنِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ) حُرِّمَ تَعْلِيقُ مَا هِيَ فِيهِ وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ وَتَصْوِيرُهُ، لِدُخُولِهِ تَحْتَ النَّهْي (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَيُكْرَهُ سَتْرُ حِيطَانٍ بِسُتُورٍ لَا صُوَرَ فِيهَا، أَوْ) بِسُتُورٍ (فِيهَا صُوَرُ غَيْرِ حَيَوَانٍ إنْ كَانَتْ غَيْرَ حَرِيرٍ نَصًّا) لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ، وَذَلِكَ لَا يَبْلُغُ بِهِ التَّحْرِيمَ وَهُوَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ إلَى الدَّعْوَةِ قَالَ أَحْمَدُ " قَدْ خَرَجَ أَبُو أَيُّوبَ حِينَ دَعَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَرَأَى الْبَيْتَ قَدْ سُتِرَ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَابْنُ عُمَرَ أَقَرّ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ دُعِيَ حُذَيْفَةُ فَخَرَجَ وَإِنَّمَا رَأَى شَيْئًا مِنْ زِيّ الْأَعَاجِمِ (وَ) مَحِلُ الْكَرَاهَةِ (إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ) فَإِنْ كَانَتْ فَلَا بَأْسَ لِلْحَاجَةِ (كَالسِّتْرِ عَلَى الْبَابِ لِلْحَاجَةِ) إلَيْهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِي جَوَازِ خُرُوجِهِ لِأَجَلِهِ وَجْهَانِ (وَيُحَرَّم سَتْرُ) الْحِيطَانِ (بِحَرِيرٍ) وَتَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ.
(وَ) يَحْرُمُ (الْجُلُوس مَعَهُ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمُنْكَرِ، (وَلَا) يَحْرُمُ الْجُلُوسُ (مَعَ) السَّتْرِ (بِغَيْرِهِ) أَيْ الْحَرِيرِ وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ بِغَيْرِ إذْنٍ صَرِيحٍ أَوْ قَرِينَةٍ وَلَوْ مِنْ بَيْتِ قَرِيبِهِ أَوْ صَدِيقِهِ وَلَمْ يُحْرِزُهُ عَنْهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَج مُغِيرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُخْتَصِرًا، وَلِأَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ فَلَا يُبَاحُ أَكْلُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (كَأَخْذِ الدَّرَاهِمِ) .
وَقَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يُبَاحُ الْأَكْلُ مِنْ بَيْتِ الْقَرِيبِ وَالصَّدِيقِ مِنْ مَالٍ غَيْرِ مُحْرَزٍ عَنْهُ إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ رِضَا صَاحِبِهِ بِذَلِكَ، نَظَرًا إلَى الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ هَذَا هُوَ الْمُتَوَجَّهُ وَمَا يُذْكَرُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ مِنْ الِاسْتِئْذَانِ مَحْمُولٌ عَلَى الشَّكِّ فِي رِضَا صَاحِبِهِ أَوْ عَلَى الْوَرَعِ، وَتَابَعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ يَجُوزُ وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا وَهُوَ أَظْهَرُ (وَالدُّعَاءُ فِي الْوَلِيمَةِ أَوْ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ إذْنُ فِيهِ) أَيْ الْأَكْلِ (إذَا أَكْمَلَ وَضْعَهُ وَلَمْ يُلْحَظْ انْتِظَارُ مَنْ يَأْتِي) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَذَلِكَ إذْنٌ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إذَا دُعِيتَ فَقَدْ أُذِنَ لَكَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ.
وَ (لَا) يَكُونُ الدُّعَاءُ إلَى الْوَلِيمَةِ إذْنًا (فِي الدُّخُولِ إلَّا بِقَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَيْهِ (فَلَا يُشْتَرَطُ) مَعَ الدُّعَاءِ إلَى الْوَلِيمَةِ أَوْ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ (إذْنٌ ثَانٍ لِلْأَكْلِ، كَالْخَيَّاطِ إذَا دُعِيَ لِلتَّفْصِيلِ وَالطَّبِيبِ لِلْفَصْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصَّنَائِعِ فَيَكُونُ) الْعُرْفُ (إذْنًا فِي التَّصَرُّفِ) قَالَ فِي الْغُنْيَةِ: لَا يَحْتَاجُ بَعْدَ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ إذْنًا إذَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ بِالْأَكْلِ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ الْعُرْف إذْنًا (وَلَا يَمْلِكُ) مَنْ قُدِّمَ إلَيْهِ طَعَامُ (الطَّعَامَ الَّذِي قُدِّمَ إلَيْهِ بَلْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ شَيْئًا وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ الْأَكْلَ وَهَذَا لَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَلَا يَجُوزُ لِلضِّيفَانِ قَسْمُهُ وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَهَبَهُ فَأَضَافَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْل آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا]
فَصْلٌ فِي آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا (يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ) مُتَقَدِّمًا بِهِ رَبّهُ.
(وَ) غَسْلُهَا (بَعْدَهُ) مُتَأَخِّرًا بِهِ رَبّهُ (وَلَوْ كَانَ) الْأَكْلُ (عَلَى وُضُوءٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْثُرَ خَيْرُ بَيْتِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ إذَا حَضَر غِذَاؤُهُ وَإِذَا رُفِعَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَتَوَضَّأَ الْجُنُبَ قَبْلَ الْأَكْلِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَتَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ، وَالشُّرْبِ مِثْلُهُ (وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاء الَّذِي أَكَلَ فِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَيُكْرَهُ) غَسْلُ يَدَيْهِ (بِطَعَامٍ وَهُوَ الْقُوتُ وَلَوْ بِدَقِيقِ حِمَّصٍ وَعَدَسٍ وَبَاقِلَاءَ وَنَحْوِهِ قَالَ الشَّيْخُ الْمِلْحُ لَيْسَ، بِقُوتٍ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ بِهِ الْقُوتُ) فَعَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ الْغَسْلُ بِهِ (وَلَا بَأْسَ) بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ (بِنُخَالَةٍ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُوتًا (وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى اسْتِعْمَالِ الْقُوتِ مِثْلَ الدَّبْغِ بِدَقِيقِ الشَّعِيرِ وَالتَّطَبُّبِ لِلْجَرَبِ بِاللَّبَنِ وَالدَّقِيقِ وَنَحْوَ ذَلِكَ رَخَّصَ فِيهِ) لِلْحَاجَةِ وَتَقَدَّمَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَطْعُومٍ فِي إزَالَتِهَا.
(وَغَسْلُ الْفَمِ بَعْدَ الطَّعَامِ مُسْتَحَبُّ وَيُسَنُّ أَنْ يَتَمَضْمَض مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ) قَالَ فِي الْآدَابِ وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُسْتَحَبَّ الْمَضْمَضَةُ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ دَسَمٌ لِتَعْلِيلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَيُسَنُّ أَنْ يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ قَبْلَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ أَوْ يَلْعَقَهَا غَيْرُهُ) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعً وَلَا يَمْسَحُ يَدَيْهِ حَتَّى يَلْعَقَهَا» رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ.
(وَيَعْرُضُ رَبُّ الطَّعَامِ الْمَاءَ لِغَسْلِهِمَا وَيُقَدِّمُهُ بِقُرْبِ طَعَامِهِ) تَذْكِيرًا بِالسُّنَّةِ (وَلَا يَعْرِضُ الطَّعَامَ) بَلْ يُقَدِّمُهُ لَهُمْ لِئَلَّا يَسْتَحْيُوا فَلَا يَطْلُبُونَهُ.
(وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «إذَا أَكَلَ أَحَدكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» وَالشُّرْبُ مِثْلُهُ (وَيَجْهَرُ بِهَا) أَيْ التَّسْمِيَةُ نَدْبًا لِيُنَبِّهَ غَيْرَهُ عَلَيْهَا (فَيَقُولُ) الْآكِلُ أَوْ الشَّارِبُ (بِسْمِ اللَّهِ قَالَ الشَّيْخُ وَلَوْ زَادَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَكَانَ حَسَنًا) فَإِنَّهُ أَكْمَلُ بِخِلَافِ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَأْكُلَ بِيَمِينِهِ وَمِمَّا يَلِيهِ وَيُكْرَه تَرْكُهُمَا) أَيْ تَرْكُ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وَمِمَّا يَلِيهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ «كُنْتُ يَتِيمًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهِ وَكُلْ بِيَمِينِكِ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يُكْرَهُ (الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، بِشِمَالِهِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعَا «إذَا أَكَلَ أَحَدكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ جَعَلَ بِيَمِينِهِ خُبْزًا وَبِشِمَالِهِ شَيْئًا) كَجُبْنٍ أَوْ خِيَارٍ (يَأْتَدِمَ بِهِ وَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا) الَّذِي جَعَلَهُ بِشِمَالِهِ (كُرِهَ لِأَنَّهُ أَكَلَ بِشِمَالِهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرَهِ فَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ بِشِمَالِهِ أَكَلَ وَشَرِبَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ) .
لِلْخَبَرِ (وَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِهِ) أَيْ الْأَكْلَ أَوْ الشُّرْبَ.
(قَالَ إذَا ذَكَرَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْأَكْلِ (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْآكِلُونَ (جَمَاعَةً سَمَّوْا كُلُّهُمْ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَيُسَمَّى الْمُمَيَّزَ) لِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ (وَيُسَمَّى عَمَّنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا تَمْيِيزَ) لِتَعَذُّرِهَا مِنْهُ وَيَنْبَغِي
أَنْ يُشِيرَ بِهَا أَخْرَسُ وَنَحْوِهِ كَالْوُضُوءِ (وَيَحْمَدُ اللَّهَ) الْآكِلُ وَالشَّارِبُ (جَهْرًا إذَا فَرَغَ) مِنْ أَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيَقُولُ) إذَا فَرَغَ مِنْ أَكْلِهِ (مَا وَرَدَ وَمِنْهُ) مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» وَمِنْهُ أَيْضًا مَا رَوَى مُعَاذُ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ) وَمِنْهُ «أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ» ) لِلْخَبَرِ.
(وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ الْأَكْلِ أَنْ لَا يُطِيلَ الْجُلُوسَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بَلْ يَسْتَأْذِنُ رَبَّ الْمَنْزِلِ وَيَنْصَرِفُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: 53] (1) (وَيُسَمِّي الشَّارِبُ عِنْدَ كُلِّ ابْتِدَاءٍ وَيَحْمَدُ عِنْدَ كُلِّ قَطْعٍ) وَقَدْ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي أَكْلِ كُلِّ لُقْمَةٍ فَعَلَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ أَكْلٌ وَحَمْدٌ خَيْرٌ مِنْ أَكْلٍ وَصَمْتٍ.
(وَيُكْرَه الْأَكْل مِنْ ذُرْوَةِ الطَّعَامِ) أَيْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ (وَمِنْ وَسَطِهِ بَلْ) يَأْكُلُ (مِنْ أَسْفَلِهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ وَلَكِنْ لِيَأْكُلْ مِنْ أَسْفَلِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَدَعُوا ذُرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ (وَكَذَلِكَ الْكَيْلُ) لِلْعِلَّةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَيُكْرَه نَفْخٌ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) لِيَبْرُدَ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ النَّفْخُ فِي الطَّعَام وَالشَّرَابِ وَالْكِتَابِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ لَا يُكْرَه النَّفْخُ وَالطَّعَامُ حَارٌّ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةً إلَى الْأَكْلِ حِينَئِذٍ.
(وَ) يُكْرَه (التَّنَفُّسُ فِي إنَاءَيْهِمَا) لِأَنَّهُ رُبَّمَا عَادَ إلَيْهِ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ (وَأَكْلُهُ حَارًّا) لِأَنَّهُ لَا بَرَكَةَ فِيهِ كَمَا فِي الْخَبَرِ (إنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ) إلَى أَكْلِهِ حَارًّا فَيُبَاحُ.
(وَ) يُكْرَه أَيْضًا أَكْلُهُ (مِمَّا يَلِي غَيْرَهُ إنْ كَانَ الطَّعَامُ نَوْعًا وَاحِدًا فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا) أَيْ نَوْعَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلَا بَأْس (أَوْ) كَانَ الطَّعَامُ (فَاكِهَةً) فَلَا بَأْسَ لِحَدِيثِ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ «أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَدَكِ فَأَقْبَلْنَا نَأْكُلُ فَخَبَطَتْ يَدِي فِي نَوَاحِيهَا فَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ الرُّطَبِ فَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّبَقِ.
وَقَالَ يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(قَالَ الْآمِدِيُّ أَوْ كَانَ يَأْكُل وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ) بِأَكْلِهِ مِمَّا لَايِلِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْذِي بِذَلِكَ قُلْتُ وَكَذَا لَوْ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ مَنْ لَا يُسْتَقْذَرُ مِنْهُ، بَلْ يُسْتَشْفَى بِهِ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ تَتَبُّعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلدُّبَّاءِ مِنْ حَوَالِي الصَّحْفَةِ فِي حَدِيثٍ أَنَسٍ.
(وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْقَوْمُ حِين وَضْعِ الطَّعَامِ فَيَفْجَأُهُمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: 53] الْآيَة (وَكَذَا) الضَّيْفُ الَّذِي يَتْبَع الضَّيْفَ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْعَى وَهُوَ الطُّفَيْلِيُّ.
وَفِي الشَّرْحِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ فَجَأَهُمْ بِلَا تَعَمُّدٍ أَكَلَ نَصًّا) وَأَطْلَقَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ الْكَرَاهَةُ إلَّا مَنْ عَادَتُهُ السَّمَاحَةُ (وَكَرِهَ) أَحْمَدُ (الْخُبْزَ الْكِبَارَ وَقَالَ لَيْسَ فِيهِ بَرَكَةٌ) وَذَكَرَ مَعْمَرُ أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ قَدَّمَ لَهُمْ طَعَامًا فَكَسَّرَ الْخُبْزَ قَالَ أَحْمَدُ لِئَلَّا يَعْرِفُوا كَمْ يَأْكُلُونَ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَبْذِلَهُ) أَيْ الْخُبْزَ لِقَوْلِهِ أَكْرِمُوا الْخُبْزَ (فَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ وَلَا السِّكِّينَ بِهِ) أَيْ بِالْخَبْزِ.
(وَلَا يَضَعَهُ تَحْتِ الْقَصْعَةِ وَلَا تَحْتَ الْمَمْلَحَةِ) أَيْ آنِيَةِ الْمِلْحِ لِأَنَّهُ اسْتِبْذَالٌ لَهُ (بَلْ يُوضَعُ الْمِلْحُ وَحْدَهُ عَلَى الْخُبْزِ) لِأَنَّهُ لَا اسْتِبْذَالَ فِيهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ وَيُجِيدَ الْمَضْغَ وَيُطِيلَ الْبَلْعَ) لِأَنَّهُ أَجْوَدُ هَضْمًا.
(قَالَ الشَّيْخُ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ الْإِطَالَةِ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْأَصْحَابِ تَصْغِيرَ الْكَسْرِ) يَعْنِي اللُّقَمَ (وَيَنْوِي) نَدْبًا (بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ) لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
(وَيَبْدَأُ الْأَكْبَرُ وَالْأَعْلَمُ وَصَاحِبُ الْبَيْت) بِالْأَكْلِ لِحَدِيثِ «كَبِّرْ كَبِّرْ» (وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِمَا السَّبْقُ إلَى الْأَكْلِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّنَاءَةِ وَالشَّرَهِ.
(وَإِذَا أَكَلَ مَعَهُ ضَرِيرٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) مِنْ الطَّعَامِ لِيَتَنَاوَلَ مَا يَشْتَهِيهِ (وَيُسَنُّ مَسْحُ الصَّحْفَةِ) الَّتِي يَأْكُلُ فِيهَا لِلْخَبَرِ (وَأَكْل مَا تَنَاثَرَ مِنْهُ) أَوْ يَسْقُطُ مِنْهُ مِنْ اللُّقَمِ بَعْدَ إزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ أَذَى لِلْخَبَرِ.
(وَالْأَكْلُ عِنْدَ حُضُورِ رَبِّ الطَّعَامِ وَإِذْنِهِ وَالْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَيُكْرَهُ بِمَا دُونَهَا) لِأَنَّهُ كِبْرٌ (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (بِمَا فَوْقَهَا) لِأَنَّهُ شَرَهٌ (مَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ) قَالَ مُهَنَّا سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْأَكْلِ بِالْأَصَابِعِ كُلِّهَا فَذَهَبَ إلَى ثَلَاثِ أَصَابِعَ فَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
«أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بِكَفِّهِ كُلِّهَا» فَلَمْ يُصَحِّحْهُ وَلَمْ يَرَ إلَّا ثَلَاثَ أَصَابِعَ.
(وَلَا بَأْسَ بِالْأَكْلِ بِالْمِلْعَقَةِ) وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً لِأَنَّهَا تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ قُلْتُ رُبَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ أَكْرَهُ كُلَّ مُحْدَثٍ كَرَاهَتُهَا.
[فَصْل الْقِرَانُ فِي التَّمْرِ]
فَصْلٌ وَيُكْرَهُ الْقِرَانُ فِي التَّمْرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَنَاوُلِهِ أَفْرَادًا لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرَه.
(وَ) يُكْرَه لَهُ (فِعْلُ مَا يُسْتَقْذَرُ مِنْ بُصَاقٍ وَمُخَاطٍ وَغَيْرِهِ وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَنْفُضَ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِقْذَارِ.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يُقَدِّمَ إلَيْهَا) أَيْ الْقَصْعَةِ (رَأْسَهُ عِنْدَ وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي فِيهِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا سَقَطَ مِنْ فَمِهِ شَيْءٌ فِيهَا فَقَذَّرَهَا.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَغْمِسَ اللُّقْمَةَ الدَّسِمَةَ فِي الْخَلِّ أَوْ) يَغْمِسَ (الْخَلَّ فِي الدَّسَمِ فَقَدْ يَكْرَهُهُ غَيْرُهُ) قُلْتُ فَإِنْ أَحَبَّهُ الْكُلُّ فَلَا بَأْسَ كَمَا لَوْ كَانَ وَحْدَهُ.
(وَلَا بَأْسَ بِوَضْعِ الْخَلِّ وَالْبُقُولِ عَلَى الْمَائِدَةِ غَيْرِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ) فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ نِيئًا كَمَا يَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ (وَيَكُونُ) عِنْدَ الْمَائِدَةِ (مَا يَدْفَعُ بِهِ الْغُصَّةَ) خَشْيَةَ أَنْ تُوجَدَ.
(وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ عِنْدَ السُّعَالِ وَالْعُطَاسِ عَنْ الطَّعَامِ أَوْ يُبْعِدَهُ عَنْهُ أَوْ يَجْعَلَ عَلَى فِيهِ شَيْئًا لِئَلَّا يَخْرُج مِنْهُ بُصَاقٌ فَيَقَعُ فِي الطَّعَامِ) فَيُقْذِرُهُ.
(وَإِنْ خَرَجَ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ) مِنْ عَظْمٍ أَوْ ثِقَلٍ أَوْ نُخَامَةٍ (لِيَرْمِيَ بِهِ صَرَفَ وَجْهِهِ عَنْ الطَّعَامِ) لِئَلَّا يَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ فِيهِ (وَأَخَذَهُ بِيَسَارِهِ) فَرَمَى بِهِ لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ (يُكْرَه رَدُّهُ) أَيْ مَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ (إلَى الْقَصْعَةِ وَأَنْ يَغْسِلَ بَقِيَّةَ اللُّقْمَةِ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا فِي الْمَرَقَةِ وَكَذَا هَنْدَسَةُ اللُّقْمَةِ وَهُوَ أَنْ يَقْضِمَ بِأَسْنَانِهِ) لَا بِيَدِهِ (بَعْضَ أَطْرَافِهَا ثُمَّ يَضَعُهَا فِي الْأُدْمِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَقْذَرٌ وَتَعَافُهُ النَّفْسُ.
(وَ) يُكْرَهُ لِمَنْ يَأْكُلُ مَعَ غَيْرِهِ (أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يُسْتَقْذَرُ أَوْ بِمَا يُضْحِكُهُمْ أَوْ يُخْزِيهِمْ) قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ.
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُنْبَطِحًا.
وَفِي الْغُنْيَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ عَلَى الطَّرِيقِ وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (أَنْ يَعِيبَ الطَّعَامَ وَأَنْ يَحْتَقِرَهُ بَلْ إنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ)
لِمَا وَرَدَ " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ بَلْ إنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ " (وَلَا بَأْسَ بِمَدْحِهِ) أَيْ الطَّعَامَ لَكِنْ يُكْرَهُ لِرَبِّ الطَّعَامِ مَدْحُهُ وَتَقْوِيمُهُ كَمَا يَأْتِي.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْآكِلِ (أَنْ يَجْلِسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى أَوْ يَتَرَبَّعَ) وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الِاتِّكَاءِ (قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَا يَشْرَبُ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ) أَيْ عَدَمُ الشُّرْبِ فِي أَثْنَائِهِ (أَجْوَدُ فِي الطِّبِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ عَادَةٌ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَفِي أَثْنَاءِ طَعَامٍ بِلَا عَادَةٍ انْتَهَى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَّا إذَا صَدَقَ عَطَشُهُ فَيُنْفَى مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ يُقَالُ إنَّهُ دِبَاغُ الْمَعِدَة.
(وَلَا يَعُبُّ الْمَاءَ عَبًّا) لِلْخَبَرِ (وَأَنْ يَأْخُذَ إنَاءَ الْمَاءِ بِيَمِينِهِ) مَعَ الْقُدْرَةِ (وَيُسَمِّي) وَتَقَدَّمَ (وَيَنْظُر فِيهِ) خَشْيَة أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا يَكْرَهُ أَوْ يُؤْذِيهِ (ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْهُ مَصًّا مُقَطِّعًا ثَلَاثًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مُصُّوا الْمَاءَ مَصًّا فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنْ الْعَبِّ» وَالْكُبَادُ بِضَمِّ الْكَافِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قِيلَ وَجَعُ الْكَبِدِ وَيُعَبُّ اللَّبَنُ لِأَنَّهُ طَعَامٌ، (وَيَتَنَفَّسُ) كُلّ مَرَّةٍ (خَارِجَ الْإِنَاءِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّسَ فِيهِ) وَتَقَدَّمَ.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَشْرَب مِنْ فَمِ السِّقَاءِ) لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ دَاخِلِ الْقِرْبَةِ مَا يُنَغِّصُ الشُّرْبَ أَوْ يُؤْذِي الشَّارِبَ (وَ) مِنْ (ثُلْمَةِ الْإِنَاءِ أَوْ مُحَاذِيًا لِلْعُرْوَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِرَأْسِ الْإِنَاءِ) وَكَذَا اخْتِنَاثُ الْأَسْقِيَةِ وَهُوَ قَلْبُهَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: خَنَثَ الْإِنَاءُ وَأَخْنَثْتُهُ إذَا ثَنَّيْتُهُ إلَى خَارِجٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، فَإِنْ كَسَرْتَهُ إلَى دَاخِلٍ فَقَدْ قَبَعْتَهُ بِالْقَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.
(وَلَا يُكْرَهُ الشُّرْبُ قَائِمًا و) شُرْبُهُ (قَاعِدًا أَكْمَلُ وَأَمَّا مَاءُ آبَارِ ثَمُودَ فَلَا يُبَاح شُرْبُهُ وَلَا الطَّبْخ بِهِ وَلَا اسْتِعْمَالُهُ فَإِنْ طَبَخَ مِنْهُ أَوْ عَجَنَ أَكْفَأَ الْقُدُورَ وَعَلَفَ الْعَجِينَ النَّوَاضِحَ) جَمْعُ نَاضِحَةٍ أَوْ نَاضِحٍ وَهُوَ الْبَعِيرُ يُسْتَقَى عَلَيْهِ قُلْتُ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ الْبَهَائِمِ.
(وَيُبَاحُ مِنْهَا بِئْرُ النَّاقَةِ فِي) كِتَابِ (الطَّهَارَةِ وَدِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ مَسْخُوطٌ عَلَيْهَا فَيُكْرَهُ شُرْبُ مَائِهَا وَاسْتِعْمَالُهُ) وَكَذَا بِئْرُ بَرَهُوتَ وَذَرْوَانَ بِئْرٌ بِمَقْبَرَةٍ وَتَقَدَّمَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ قَائِمًا) وَيَتَوَجَّهُ كَشُرْبٍ قَالَهُ شَيْخُنَا.
(وَإِذَا شَرِبَ) لَبَنًا أَوْ غَيْرَهُ (سِنَّ أَنْ يُنَاوِلَهُ الْأَيْمَنُ) وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَفْضُولًا وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ فِي مُنَاوَلَتِهِ الْأَكْبَر فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ نَاوَلَهُ لَهُ لِلْخَبَرِ (وَكَذَا فِي غَسْلِ يَدِهِ) يَكُونُ لِلْأَيْمَنِ فَالْأَيْمَنِ (وَرَشٌّ لِمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ وَكَذَا التَّجْمِيرُ بِالْعُودِ وَنَحْوِهِ (وَيَبْدَأُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الشُّرْبِ وَغَسْلِ الْأَيْدِي وَرَشِّ مَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ (بِأَفْضَلِهِمْ ثُمَّ بِمَنْ عَلَى الْيَمِينِ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشُّرْبِ وَقِيسَ الْبَاقِي (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغُضَّ طَرْفَهُ عَنْ جَلِيسِهِ)
لِئَلَّا يُخْجِلَهُ.
(وَ) أَنْ (يُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ الْمُحْتَاجَ) لِمَدْحِهِ تَعَالَى فَاعِلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] .
(1) (وَيُخَلِّلُ أَسْنَانَهُ إنْ عَلِقَ بِهَا شَيْءٌ) مِنْ الطَّعَامِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «تَرْكُ الْخِلَالِ يُوهِنُ الْأَسْنَانَ» ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مَرْفُوعًا وَرُوِيَ: «تَخَلَّلُوا مِنْ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَى الْمَلَكِ الَّذِي عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَجِدَ مِنْ أَحَدِكُمْ رِيحَ الطَّعَامِ» قَالَ الْأَطِبَّاءُ: وَهُوَ نَافِعٌ أَيْضًا لِلَّثَةِ وَمِنْ تَغَيُّرِ النَّكْهَةِ وَ (لَا) يُخَلِّلُ أَسْنَانَهُ (فِي أَثْنَاءِ الطَّعَامِ) بَلْ إذَا فَرَغَ وَ (لَا) يَتَخَلَّلُ (بِعُودٍ يَضُرُّهُ) كَرُمَّانٍ وَآسٍ وَلَا بِمَا يَجْهَلُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَا مَا يَجْرَحُهُ (وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ السِّوَاكِ وَيُلْقِي مَا أَخْرَجَهُ الْخِلَالُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْتَلِعَهُ) قَالَ النَّاظِمُ لِلْخَبَرِ (وَإِنْ لَعِقَهُ بِلِسَانِهِ لَمْ يُكْرَهْ ابْتِلَاعُهُ) كَسَائِرِ مَا بِفِيهِ.
(وَلَا يَأْكُلُ مِمَّا شُرِبَ عَلَيْهِ الْخَمْرُ) لِأَنَّ شِرَاءَهُ لِذَلِكَ فَاسِدٌ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ مَعْصِيَةٍ (وَلَا) يَأْكُلُ (مُخْتَلِطًا بِحَرَامٍ وَلَا يَلْقُمُ جَلِيسَهُ) إلَّا بِإِذْنِ رَبّ الطَّعَامِ.
(وَلَا يَفْسَحُ لِغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ رَبُّ الطَّعَامِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ تَقْدِيمُ بَعْضِ الضَّيْفَانِ مَا لَدَيْهِ وَنَقْلِهِ إلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ) فَلَا يَفْعَلُهُ بِلَا إذْنِ رَبِّ الطَّعَامِ.
(قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ كَإِطْعَامِ سَائِلٍ وَسِنَّوْرٍ وَنَحْوِهِ وَتَلْقِيمٍ) غَيْرِهِ (وَتَقْدِيمِ) بَعْضِ الضَّيْفَانِ إلَى بَعْضٍ (يَحْتَمِلُ كَلَامُهُمْ وَجْهَيْنِ وَجَوَازُهُ أَظْهَرُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الدُّبَّاء) قَالَ أَنَسٌ «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَجِيءَ بِمَرَقَةٍ فِيهِ دُبَّاءُ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ الدُّبَّاءِ وَيُعْجِبُهُ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أُلْقِيهِ وَلَا أَطْعَمُهُ» قَالَ أَنَسٌ فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَقُلْ " وَلَا أَطْعَمُهُ " وَفِي لَفْظٍ قَالَ أَنَسٌ «فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتْبَعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الصَّحْفَةِ فَلَمْ أَزَل أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ فَجَعَلْت أَجْمَعُ الدُّبَّاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ» .
(وَلَا يَخْلِطُ طَعَامًا بِطَعَامٍ) لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَقْذِرُهُ غَيْرُهُ (وَلَا يُكْرَه قَطْعُ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ لَا يَصِحُّ) قَالَهُ أَحْمَدُ (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُبَادِرَ إلَى تَقْطِيعِ اللَّحْمِ الَّذِي يُقَدَّمُ لَلضَّيْفَانِ حَتَّى يَأْذَنُوا لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا بَأْسَ بِالنِّهْدِ) بِكَسْرِ النُّون وَيُقَالُ الْمُنَاهَدَةُ بِأَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ مِنْ رُفْقَتِهِ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ وَيَدْفَعُونَهُ إلَى مَنْ يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ وَيَأْكُلُونَ جَمِيعًا (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي) بَابِ (مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالْجَيْشَ وَإِنْ تَصَدَّقَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَالَ أَحْمَدُ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ مَا لَمْ يَزَلْ النَّاسَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ) قَالَ فِي
الْمُنْتَهَى: فَلَوْ أَكَلَ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ أَوْ تَصَدَّقَ فَلَا بَأْسَ قَالَهُ فِي الْآدَابِ (وَعَلَى هَذَا يَتَوَجَّهُ صَدَقَةُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِمَا يُسَامَحُ بِهِ عَادَةً وَعُرْفًا وَكَذَا الْمُضَارِبُ وَالضَّيْف وَنَحْوِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَكِنَّ الْأَدَبَ وَالْأَوْلَى الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ عَلَى صَاحِبِهِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى طَعَامِهِ بِبَعْضِ التَّصَرُّفِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ صَرِيحٍ.
(وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ الْبَطْنُ أَثْلَاثًا ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» .
(وَيَجُوز أَكْلُهُ أَكْثَرَ) مِنْ ثُلُثِهِ (بِحَيْثُ لَا يُؤْذِيه وَ) أَكْلُهُ كَثِيرًا (مَعَ خَوْفِ أَذًى وَتُخَمَةٍ يَحْرُمُ) نَقَله فِي الْفُرُوعِ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْهُ يُكْرَهُ.
وَفِي الْمُنْتَهَى وَكُرِهَ أَكْلُهُ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُؤْذِيهِ (وَيُكْرَهُ إدْمَانُ أَكْلِ اللَّحْمِ) وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ.
(وَ) يُكْرَهُ (تَقْلِيلُ الطَّعَامِ بِحَيْثُ يَضُرّهُ وَلَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ تَرْكُ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 172] .
(وَلَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ طَعَامَيْنِ) مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ لِحَدِيثٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ» (وَمِنْ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ فِي الْآدَابِ وَفِيهِ ضَعْفٌ (وَمَنْ أَذْهَب طَيِّبَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعَ بِهَا نَقَصَتْ دَرَجَاتُهُ فِي الْآخِرَةِ) لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
(وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يُؤْجَرُ فِي تَرْكِ الشَّهَوَاتِ وَمُرَادُهُ مَا لَمْ يُخَالِفْ الشَّرْعَ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَمُبْتَدِعٌ (وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا بِالْأَدَبِ وَالْمُرُوءَةِ) بِوَزْنِ سُهُولَةِ (وَيَأْكُلُ مَعَ الْفُقَرَاءِ بِالْإِيثَارِ وَ) يَأْكُلُ مَعَ الْإِخْوَانِ (بِالِانْبِسَاطِ وَ) يَأْكُلُ (مَعَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّعَلُّمِ وَلَا يَتَصَنَّعُ بِالِانْقِبَاضِ) لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْحَاضِرِينَ مَعَهُ وَيَتَكَلَّفُ الِانْبِسَاطَ (وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الطَّعَامُ) لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ.
(وَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَلَوْ طِفْلًا وَالْمَمْلُوكِ وَأَنْ تَكْثُرَ الْأَيْدِي عَلَى الطَّعَامِ وَلَوْ مِنْ أَهْلِهِ وَوَلَدهِ) لِتَكْثِيرِ الْبَرَكَةِ وَلَعَلَّهُ يُصَادِفُ صَالِحًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَيُغْفَرَ لَهُ بِسَبَبِهِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يُجْلِسَ غُلَامَهُ مَعَهُ عَلَى الطَّعَامِ وَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ أَطْعَمَهُ مِنْهُ) وَيَأْتِي فِي نَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ.
(وَ) يُسَنُّ (لِمَنْ أَكَلَ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَنْ لَا يَرْفَع يَدَهُ قَبْلَهُمْ حَتَّى يَكْتَفُوا) لِئَلَّا يُخْجِلَهُمْ قَالَ فِي الْآدَابِ بِلَا قَرِينَةٍ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِر إلَّا
وَأَنْ يُعْلَمَ مِنْهُمْ الْإِنْصَاتُ إلَيْهِ (وَيُكْرَهُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ مَدْحٌ طَعَامِهِ وَتَقْوِيمِهِ لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ) .
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَاسِطَ الْإِخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ]
فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَاسِطَ الْإِخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ (وَالْحِكَايَاتُ الَّتِي تَلِيقُ بِالْحَالِ إذَا كَانُوا مُنْقَبِضِينَ) لِيَحْصُلَ لَهُمْ الِانْبِسَاطُ وَيَطُولَ جُلُوسُهُمْ (وَيُقَدِّمُ) رَبُّ الطَّعَامِ (مَا حُضِرَ عِنْدَهُ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ) لِمَعْدُومٍ لِلْخَبَرِ الْآتِي (وَلَا يَحْتَقِرُهُ) لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّه وَإِنْ قَلَّ.
(وَإِذَا كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَالضُّيُوفُ كَثِيرَةٌ فَالْأَوْلَى تَرْكُ الدَّعْوَةِ) وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ قَلِيلًا جِدًّا لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُوقِعُهُمْ فِي الْخَوْضِ فِيهِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ وَاجِدًا لِلزِّيَادَةِ وَتَرَكَهَا، أَمَّا الَّذِي لَا يَجِدُ إلَّا مَا قَدَّمَهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ التَّرْكُ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَخُصَّ بِدَعْوَتِهِ الْأَتْقِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ) لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ (1) وَلِأَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِخِلَافِ ضِدَّهُمْ فَإِنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَيَكُونُ مُعِينًا لَهُمْ عَلَيْهَا.
(وَإِذَا طَبَخَ مَرَقَةً فَلْيُكْثِرْ مِنْ مَائِهَا وَيَتَعَاهَدْ مِنْهُ بَعْضَ جِيرَانِهِ) لِلْخَبَرِ (وَإِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَ) أُقِيمَتْ (الصَّلَاةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ آخِرُ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاة وَلَا خَيْرَ فِي مَنْ لَا يُضَيِّفُ) كَمَا فِي الْخَبَرِ.
(وَمِنْ آدَابِ إحْضَارِ الطَّعَامِ تَعْجِيله) لِلْقَادِمِ (لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَ) يُسْتَحَبُّ (تَقْدِيمُ الْفَاكِهَةِ قَبْلَ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ أَصْلَحُ فِي بَابِ الطِّبِّ) لِأَنَّهَا أَسْرَعُ هَضْمًا فَتَنْحَدِرُ عَلَى مَا تَحْتِهَا فَتُفْسِدُهُ.
(وَيُكْرَهُ أَكْلُ مَا لَمْ يَطِبْ أَكْلُهُ) أَيْ يَنْضُجُ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْفَاكِهَةِ لِأَنَّهُ يَضُرُّ.
(وَلَا يَسْتَأْذِنَهُمْ) أَيْ لَا يَسْتَأْذِنُ رَبُّ الطَّعَامِ الضُّيُوفَ (فِي التَّقْدِيمِ) أَيْ تَقْدِيمُ الطَّعَامِ إلَيْهِمْ.
(وَمِنْ التَّكَلُّفِ أَنْ يُقَدِّمَ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ) وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَا وَأَتْقِيَاءُ أُمَّتِي بُرَآءُ مِنْ التَّكَلُّفِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَتَكَلَّفُوا لِلضَّيْفِ فَتُبْغِضُوهُ فَإِنَّ مَنْ أَبْغَضَ الضَّيْفَ فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ وَمَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ فَقَدْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ» .
(قَالَ الشَّيْخُ إذَا دُعِيَ إلَى أَكْلٍ دَخَلَ بَيْتَهُ فَأَكَلَ مَا يَكْسِرُ نَهْمَتَهُ قَبْلَ ذَهَابِهِ انْتَهَى) .
(وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ النَّوَى
وَالتَّمْرِ فِي طَبَقٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ نُفُورًا عَنْ أَكْلِ الْبَاقِي وَكَذَا أَكْلُ الرُّمَّانِ وَكُلُّ مَالَهُ قِشْرٌ كَالْقَصَبِ (وَلَا يَجْمَعُهُ فِي كَفِّهِ بَلْ يَضَعُهُ مِنْ فِيهِ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ وَكَذَا كُلّ مَا فِيهِ عَجَمٌ وَثُفْلٌ) قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ يَأْكُلُ التَّمْرَ وَيَأْخُذُ النَّوَى عَلَى ظَهْرِ إصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَالْعَجَمُ بِالتَّحْرِيكِ النَّوَى وَكُلُّ مَا كَانَ فِي جَوْفٍ مَأْكُولٍ كَالزَّبِيبِ الْوَاحِدَةُ عُجْمَةٌ مِثْلُ قَصَبٌ وَقَصَبَةٌ قَالَ يَعْقُوبُ وَالْعَامَّةُ تَقُولُ عَجْمٌ بِالتَّسْكِينِ وَالثُّفْلُ بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ مَا ثَفَلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَالَهُ فِي الْآدَابِ.
(وَلَا يَخْلِطُ قِشْرُ الْبِطِّيخ الَّذِي أَكَلَهُ بِمَا لَمْ يُؤْكَلْ وَلَا يَرْمِي بِهِ لِأَنَّ فِي جَمْعِهِ لِيُطْرَحَ كُلْفَةً وَرُبَّمَا صَدَمَ) حَالَ رَمْيِهِ (رَأْسُ الْجَلِيسِ أَوْ قُطِّرَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي حَالَةِ الرَّمْيِ) عَلَى جَلِيسِهِ فَآذَاهُ (وَلِرَبِّ الطَّعَامِ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الضَّيْفَانِ بِشَيْءٍ طَيِّبٍ إذَا لَمْ يَتَأَذَّ غَيْرُهُ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ كَيْفَ شَاءَ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُفْضِلَ شَيْئًا) مِنْ الطَّعَامِ (لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِفَضْلَتِهِ أَوْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٍ) إلَى إبْقَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ (وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ وَأَهْلِ الطَّعَامِ الْأَكْلُ بَعْدَ فَرَاغِ الضَّيْفَانِ لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ فِي الصَّحِيحِ) «وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَذَهَبَ بِالضَّيْفِ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا عِنْدَنَا إلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ فَقَالَ: نَوِّمِي صِبْيَانَكِ وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَقَدِّمِي مَا عِنْدَكِ لِلضَّيْفِ وَنُوهِمُهُ أَنَّنَا نَأْكُلُ فَفَعَلَا ذَلِكَ» وَنَزَلَ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] (2) . (وَالْأَوْلَى النَّظَرُ فِي قَرَائِنِ الْحَالِ) وَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى إبْقَاءِ شَيْءٍ أَبْقَاهُ وَإِلَّا مَسَحَ الْإِنَاءَ لِأَنَّهَا تَسْتَغْفِرُ لِلَاعِقِهَا.
(وَلَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُ الْخُبْزِ وَلَا الْجَمَادَاتِ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ) كَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَتَقَدَّمَ فِيهِ كَلَامٌ فِي الْحَجِّ.
(وَيُكْرَه أَنْ يَأْكُلَ مَا انْتَفَخَ مِنْ الْخُبْزِ وَوَجْهَهُ وَيَتْرُكَ الْبَاقِي) مِنْهُ لِأَنَّهُ كِبْرٌ.
(وَلَا يَقْتَرِحُ طَعَامًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ خُيِّرَ) الزَّائِرُ (بَيْنَ طَعَامَيْنِ اخْتَارَ الْأَيْسَرَ) مِنْهُمَا لِئَلَّا يَحْمِلَ رَبَّ الطَّعَامِ عَلَى التَّكَلُّفِ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُضَيِّفَهُ يُسَرُّ بِاقْتِرَاحِهِ وَلَا يُقَصِّرُ) فَلَا بَأْسَ بِالِاقْتِرَاحِ لِأَنَّهُ مِنْ إدْخَالِ السُّرُورِ.
(وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ) الْمَدْعُوَّ (بِالْإِجَابَةِ إلَى الدَّعْوَةِ نَفْسَ الْأَكْلِ) لِأَنَّهُ سِمَةُ الْبَهَائِمِ (بَلْ يَنْوِي بِهِ الِاقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ وَإِكْرَام أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ وَيَنْوِي صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ مُسِيءٍ بِهِ الظَّنَّ وَالتَّكَبُّرَ) لِيُثَابَ عَلَيْهِ.
(وَيُكْرَه أَكْلُ الثُّومِ وَالْبَصَلِ
وَنَحْوِهِمَا) مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ نِيئًا وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ مَاءَ الْأَيْدِي فِي طَسْتٍ وَاحِدٍ فَلَا يَرْفَعَهُ إلَّا أَنْ يَمْتَلِئَ) لِئَلَّا يَكُونَ مُتَشَبِّهًا بِالْأَعَاجِمِ فِي زِيّهِمْ (1) . (وَلَا يَضَعُ الصَّابُونَ فِي مَاءِ الطَّسْتِ بَعْدَ غَسْلِ يَدِهِ) لِأَنَّهُ يُذِيبَهُ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُكْرَه غَسْلُ الْيَدِ بِالطِّيبِ) فَلَا يُكْرَه بِالصَّابُونِ الْمُطَيَّبِ.
(وَمَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَلْيَقُلْ) اسْتِحْبَابًا (اللَّهُمَّ بَارِكَ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ) لِلْخَبَرِ (وَإِذَا شَرِبَ لَبَنًا) قَالَ نَدْبًا (اللَّهُمَّ بَارِكَ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ) لِلْخَبَرِ.
(وَإِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ) أَيْ الْبَعُوضُ (وَنَحْوِهِ) كَالزَّنَابِيرِ وَالنَّحْلِ قَالَ الْجَاحِظُ: اسْمُ الذُّبَابِ يَقَعُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى الزَّنَابِيرِ وَالنَّحْلِ وَالْبَعُوضِ وَغَيْرِهَا (فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ سُنَّ غَمْسُهُ كُلُّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ أَوْ قَالَ فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلُّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحَهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً وَإِنَّهُ يُتَّقَى بِالدَّاءِ» وَظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابِ غَمْسُهَا مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَتْ حَيَّةٌ وَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى مَوْتِهَا بِالْغَمْسِ.
(وَيَغْسِل يَدَيْهِ وَفَمَهُ مِنْ ثُومٍ وَبَصَلٍ وَزُهُومَةٍ وَرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ) تَنْظِيفًا لِذَلِكَ (وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ النَّوْمِ) خَشْيَةَ اللَّمَمِ (وَفِي الثَّرِيدِ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الطَّعَامِ) لِحَدِيثِ «فَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ كَفَضْلِ عَائِشَةَ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ» .
(وَهُوَ) أَيْ الثَّرِيدُ (أَنْ يَثْرِدَ الْخُبْزَ أَيْ يَفُتَّهُ ثُمَّ يَبِلَّهُ بِمَرَقِ لَحْمٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا ثَرَدَ غَطَّاهُ شَيْئًا حَتَّى يَذْهَبَ فَوْرُهُ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ) .
(وَيُكْرَه) لِمَنْ يَأْكُلُ مَعَ جَمَاعَةٍ (رَفْعُ يَدِهِ قَبْلَهُمْ بِلَا قَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَى شَبَعِ الْجَمِيعِ وَتَقَدَّمَ (و) يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ (أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ عَنْ الطَّعَامِ قَبْلَ فَرَاغِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ لَذَّتِهِ وَلَا يَقُومُ عَنْ الطَّعَامِ حَتَّى يُرْفَعَ) الطَّعَامُ.
(وَإِنْ أَكَلَ تَمْرًا عَتِيقًا وَنَحْوَهُ) مِمَّا يُسَوِّسُ (فَتَّشَهُ وَأَخْرَجَ سُوسَهُ) لِاسْتِقْذَارِهِ قُلْتُ وَكَذَا نَبْقٌ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُدَوَّدُ.
(وَإِطْعَامُ الْخُبْزِ الْبَهِيمَة تَرْكُهُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ يُؤْذِيهَا (إلَّا لِحَاجَةٍ أَوْ كَانَ يَسِيرًا) .
(وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ ضَيْفِهِ إلَى بَابِ الدَّارِ) تَتْمِيمًا لِإِكْرَامِهِ (وَيَحْسُنُ أَنْ يَأْخُذَ بِرِكَابِهِ) أَيْ رِكَابُ ضَيْفِهِ إذَا رَكِبَ (وَرُوِيَ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (مَرْفُوعًا «مَنْ أَخَذَ بِرِكَابِ مَنْ لَا يَرْجُوهُ وَلَا يَخَافُهُ غُفِرَ لَهُ» ) قَالَ فِي الْآدَابِ.
(قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَيَنْبَغِي) أَيْ لِلضَّيْفِ بَلْ لِكُلِّ أَحَدٍ (أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي مَجْلِسِهِ وَ) يَنْبَغِي (إذَا حَضَرَ أَنْ لَا يَتَصَدَّرَ وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ
مَكَانًا لَمْ يَتَعَدَّهُ) أَيْ لَمْ يُجَاوِزْهُ إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ مِنْهُ.
(وَالنِّثَارُ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ وَالْتِقَاطُهُ مَكْرُوهَانِ لِأَنَّهُ شَبِهَ النُّهْبَةِ) وَقَدْ - «نَهَى عَنْ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ.
(وَالْتِقَاطه دَنَاءَة وَإِسْقَاطُ مُرُوءَةٍ) وَاَللَّهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سِفْسَافَهَا، وَلِأَنَّ فِيهِ تَزَاحُمًا وَقِتَالًا وَقَدْ يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِهِ مَا هُوَ أَحَبُّ إلَى صَاحِبِهِ (وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ) أَيْ النِّثَارِ (شَيْئًا مَلَكَهُ وَمَنْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ) سَوَاءٌ قَصَدَ تَمَلُّكَهُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ، لِأَنَّ مَالِكَهُ قَصَدَ تَمْلِيكَهُ لِمَنْ حَازَهُ وَقَدْ حَازَهُ مَنْ أَخَذَهُ أَوْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ فَيَمْلِكَهُ كَمَا لَوْ وَثَبَتْ سَمَكَةٌ مِنْ الْبَحْرِ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ صَيْدٌ دَارِهِ أَوْ خَيْمَتَهُ فَأُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ.
(وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذَهُ مِنْهُ) أَيْ أَخْذِ النِّثَارِ مِمَّنْ أَخَذَهُ أَوْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ (فَإِنْ قُسِّمَ) الْأَخْذُ لِلنِّثَارِ مَا أَخَذَهُ أَوْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ (عَلَى الْحَاضِرِينَ لَمْ يُكْرَهْ) لَهُ وَلَا لَهُمْ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَقَدْ أَبَاحَهُ لَهُمْ (وَكَذَلِكَ) فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ (إنْ وَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهمْ وَأَذِنَ لَهُمْ فِي أَخْذِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ) فِيهِ (تَنَاهُبٌ) فَيُبَاحُ لِعَدَمِ مُوجِبِ الْكَرَاهَةِ.
(يُسَنُّ إعْلَانُ) أَيْ إظْهَارُ (النِّكَاحِ وَالضَّرْبِ عَلَيْهِ بِدُفٍّ لَا حِلَقَ فِيهِ وَلَا صُنُوجَ لِلنِّسَاءِ) لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ وَالصَّوْتِ فِي الْأَمْلَاكِ فَقِيلَ لَهُ مَا الصَّوْتُ قَالَ يَتَكَلَّمُ وَيَتَحَدَّثُ وَيَظْهَرُ.
(وَيُكْرَهُ) الضَّرْبُ بِالدُّفِّ (لِلرِّجَالِ) مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ ضَرْبُ الدُّفِّ مَخْصُوصٌ بِالنِّسَاءِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ نُصُوصِهِ وَكَلَامِ الْأَصْحَابِ التَّسْوِيَةُ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَلَا بَأْسَ بِالْغَزَلِ فِي الْعُرْسِ) .
لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ «أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ لَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ لَمَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ وَلَوْلَا الْحِنْطَةُ السَّوْدَاءُ مَا سُرَّتْ عَذَارِيكُمْ» لَا عَلَى مَا يَصْنَعُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ (وَضَرْبُ الدُّفِّ فِي الْخِتَانِ وَقُدُومِ الْغَائِبِ وَنَحْوِهِمَا) كَالْوِلَادَةِ (كَالْعُرْسِ) لِمَا فِيهِ مِنْ السُّرُورِ.
(وَيَحْرُمُ كُلُّ مَلْهَاةٍ سِوَى الدُّفِّ كَمِزْمَارٍ وَطُنْبُورٍ وَرَبَابٍ وَجِنْكٍ وَنَايِ وَمَعْرِفَةٍ وَجِفَانَةٍ وَعُودٍ وَزَمَّارَةِ الرَّاعِي وَنَحْوِهَا سَوَاءٌ اُسْتُعْمِلَتْ لِحُزْنٍ أَوْ سُرُورٍ) .
وَفِي الْقَضِيبِ وَجْهَانِ وَفِي الْمُغْنِي لَا يُكْرَهُ إلَّا مَعَ تَصْفِيقٍ أَوْ غِنَاءِ أَوْ رَقْصٍ وَنَحْوِهِ وَكَرِهَ أَحْمَدُ التَّغْبِيرَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ونَهَى عَنْ اسْتِمَاعِهِ وَقَالَ بِدْعَةٌ وَمُحْدَثٌ
وَنَقَلَ أَبُو وَالنَّسَائِيَّ لَا يُعْجِبُنِي وَنَقَلَ يُوسُفُ وَلَا تَسْتَمِعْهُ قِيلَ هُوَ بِدْعَةٌ قَالَ حَسْبُكَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَالْمُغَبَّرَةُ قَوْمٌ يُغَبِّرُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ يُهَلِّلُونَ وَيُرَدِّدُونَ الصَّوْتَ بِالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُرَغِّبُونَ النَّاسَ فِي الْمُغَابَرَةِ إلَى الْبَاقِيَةِ انْتَهَى.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ مَنَعَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْبِدْعَةِ عَلَيْهِ وَمِنْ تَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ شِعْرٌ مُلْحَنٌ كَالْحِدَاءِ وَالْحَدْوِ لِلْإِبِلِ وَنَحْوِهِ وَنَقَلَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَلَانِسِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ عَنْ الصُّوفِيَّةِ لَا أَعْلَمُ أَقْوَامًا أَفْضَلُ مِنْهُمْ قِيلَ إنَّهُمْ يَسْتَمِعُونَ وَيَتَوَاجَدُونَ قَالَ دَعُوهُمْ يَفْرَحُونَ مَعَ اللَّهِ سَاعَةً قِيلَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُغْشَى عَلَيْهِ؟ فَقَالَ ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47] وَلَعَلَّ مُرَادَهُ سَمَاعُ الْقُرْآنِ وَعُذْرهُمْ لِقُوَّةِ الْوَارِدِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
[بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَالْقَسَمِ وَالنُّشُوزِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(وَهِيَ) أَيْ الْعِشْرَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْأَصْلِ الِاجْتِمَاعُ يُقَالُ لِكُلِّ جَمَاعَةِ عِشْرَةٌ وَمَعْشَرُ الْمُرَادُ هُنَا (مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْأُلْفَةِ والِانْضِمَامِ) أَيْ الِاجْتِمَاعِ (وَيَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (مُعَاشَرَةَ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ الصُّحْبَةِ الْجَمِيلَةِ وَكَفِّ الْأَذَى وَأَنْ لَا يَمْطِلَهُ بِحَقِّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ وَلَا يُظْهِرَ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِهِ بَلْ بِبِشْرٍ وَطَلَاقَةٍ وَلَا يَتْبَعَهُ مِنَّةً وَلَا أَذًى) لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] وَقَوْلِهِ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] قَالَ أَبُو زَيْدٍ تَتَّقُونَ اللَّه فِيهِنَّ كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ
لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] (وَحَقُّهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَلَيْهَا أَعْظَمُ مِنْ حَقِّهَا عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحَقِّ» رَوَاهُ أَبُو وَالنَّسَائِيَّ.
وَقَالَ «إذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيُسَنُّ) لِكُلِّ مِنْهُمَا (تَحْسِينُ الْخُلُقِ لِصَاحِبِهِ وَالرِّفْقِ بِهِ وَاحْتِمَالِ آذَاهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: 36] قِيلَ هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عَلَيْكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ لَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ «خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مُعَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ بِالتَّلَطُّفِ) لِئَلَّا تَقَعَ النُّفْرَةُ بَيْنَهُمَا (مَعَ إقَامَةِ هَيْبَتِهِ) لِئَلَّا تَسْقُطَ حُرْمَتُهُ عِنْدَهَا (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهَا قَدْرَ مَالِهِ وَلَا يُفْشِ إلَيْهَا سِرًّا يَخَافُ إذَاعَتَهُ) لِأَنَّهَا تُفْشِيهِ.
(وَلَا يُكْثِرُ مِنْ الْهِبَةِ لَهَا) فَإِنَّهُ مَتَى عَوَّدَهَا شَيْئًا لَمْ تَصْبِرْ عَنْهُ (وَلِيَكُنْ غَيُورًا مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ لِئَلَّا تُرْمَى بِالشَّرِّ مِنْ أَجْلِهِ) وَيَنْبَغِي إمْسَاكُهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رُبَّمَا رُزِقَ مِنْهَا وَلَدًا فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.
(وَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ) لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ تَسْلِيمَ الْعِوَضِ كَمَا تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ الْعِوَض كَالْإِجَارَةِ (مَا لَمْ تَشْتَرِطْ بَيْتَهَا إذَا طَلَبَهَا) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَا يَجِبُ بِدُونِ طَلَبِهِ (وَكَانَتْ حُرَّةٌ يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا) كَمَا يَجِبُ لِلْمَرْأَةِ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ إذَا طَلَبَتْهُ فَإِنْ شَرَطَتْ دَارَهَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ طَلَبَهَا إلَى بَيْتِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
وَفِي الْمُبْدِعِ فَإِنْ شَرَطَتْهُ لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا فِي دَارِهَا انْتَهَى قُلْتُ
تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُسَنُّ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فَعَلَيْهِ لَهُ طَلَبُهَا وَلَهَا الْفَسْخُ بِمُخَالَفَتِهِ وَاعْتِبَارُ الْحُرِّيَّةِ لِمَا يَأْتِي فِي الْأَمَةِ وَاعْتُبِرَ إمْكَانُ الِاسْتِمْتَاعِ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ إنَّمَا وَجَبَ ضَرُورَةُ اسْتِيفَاءِ الِاسْتِمْتَاعِ الْوَاجِبِ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا (وَنَصَّهُ) أَيْ نَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الَّتِي يُمْكِنَ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا هِيَ (بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ) قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ فِي الصَّغِيرَةِ يَطْلُبُهَا زَوْجُهَا فَإِنْ أَتَى عَلَيْهَا تِسْعُ سِنِينَ دُفِعَتْ إلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْبِسُوهَا بَعْدَ التِّسْعِ وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنَى بِعَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ " لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي لَيْسَ هَذَا عِنْدِي عَلَى طَرِيقَةِ التَّحْدِيدِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ابْنَةَ تِسْعٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِمْتَاع بِهَا فَيَلْزَمُ تَسْلِيمُ بِنْتِ التِّسْعِ.
(وَلَوْ كَانَتْ نِضْوَةَ الْخِلْقَةِ) أَيْ مَهْزُولَةَ الْجِسْمِ وَهُوَ جَسِيمٌ (لَكِنْ إنْ خَافَتْ عَلَى نَفْسَهَا الْإِفْضَاءَ مِنْ عِظَمِهِ فَلَهَا مَنْعُهُ مِنْ جِمَاعِهَا) لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ) لِأَنَّ مَنْعَهَا نَفْسَهَا مِنْهُ لِعُذْرٍ (وَلَا يَثْبُتُ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (خِيَارُ الْفَسْخِ) بِكَوْنِهَا نِضْوَةَ الْخِلْقَةِ.
(وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا كَمَا يَسْتَمْتِعُ مِنْ الْحَائِضِ) أَيْ بِمَا دُون الْفَرْجِ (وَإِنْ أَنْكَرَ أَنَّ وَطْأَهُ يُؤْذِيهَا لَزِمَتْهَا الْبَيِّنَةُ) لِعُمُومِ حَدِيثِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (وَيُقْبَلُ قَوْلُ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ فِي ضِيقِ فَرْجِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (وَعَبَالَةِ ذَكَرِهِ وَنَحْوِهِ) أَيْ كَقُرُوحٍ بِفَرْجِهَا كَسَائِرِ عُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ.
(وَ) يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الثِّقَةِ (أَنْ تَنْظُرَهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (وَقْت اجْتِمَاعِهِمَا لِلْحَاجَةِ) أَيْ لِتَشْهَدَ بِمَا تُشَاهِدُ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الزَّوْجُ (تَسْلِيمُهُمَا) أَيْ تَسْلِيمُ زَوْجَتِهِ (إنْ بَذَلَتْهُ) فَتَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ لِتَسْلِيمِهَا أَيْ لَا لِوُجُودِ التَّمْكِينِ حَيْثُ كَانَتْ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا (وَلَا يَلْزَمُ) زَوْجَةً وَلَا وَلِيَّهَا ابْتِدَاءً أَيْ فِي ابْتِدَاءِ الدُّخُولِ تَسْلِيمِ الزَّوْجَةِ (مَعَ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ) بِهَا (بِالْكُلِّيَّةِ وَيُرْجَى زَوَالُهُ كَإِحْرَامٍ وَمَرْضٍ وَسَفَرٍ وَحَيْضٍ وَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ (لَا أَطَأُ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ يُرْجَى زَوَالُهُ وَيَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاع بِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَبَ أَنْ يَتَسَلَّمَهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
(وَمَتَى امْتَنَعَتْ قَبْلَ الْمَرَضِ) مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا (ثُمَّ حَدَثَ) الْمَرَضُ (فَلَا نَفَقَةَ) لَهَا وَلَوْ سَلَّمْت نَفْسَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ تَسَلُّمُهَا إذْن (وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ) بِالزَّوْجَةِ (غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ لَزِمَ تَسْلِيمُهَا إذَا طَلَبَهَا) الزَّوْجُ (وَلَزِمَ) الزَّوْجُ (تَسَلُّمَهَا إذَا بَذَلَتْهُ) هِيَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ فَيَنْتَظِرُ زَوَالَهُ.
(وَإِنْ) طَلَبَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وَ (سَأَلَتْ الْإِنْظَارَ أُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِصْلَاحِ أَمْرِهَا فِيهَا كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَاجَتِهَا فَإِذَا مُنِعَ مِنْهُ كَانَ تَعْسِيرًا فَوَجَبَ إمْهَالُهَا طَلَبًا لِلْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ وَالْمَرْجِعِ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ بَيْنَ النَّاسِ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ وَ (لَا) تُمْهَلُ (لِعَمَلِ جَهَازٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسَرَهَا وَفِي الْغُنْيَةِ إنْ اُسْتُمْهِلَتْ هِيَ أَوْ أَهْلُهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ إجَابَتَهُمْ مَا يَعْلَمُ بِهِ مِنْ شِرَاءِ جِهَازِ وَتَزَيُّنٍ.
(وَكَذَا لَوْ سَأَلَ هُوَ) أَيْ الزَّوْجُ (الْإِنْظَارَ) فَيُنْظَرُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَوَلِيُّ مَنْ بِهِ صِغَرٌ أَوْ جُنُونٌ) مِنْ زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ (مِثْلُهُ) إذَا طَلَبَ الْمُهْلَةَ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيل لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (أَمَةً لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا إلَّا لَيْلًا مَعَ الْإِطْلَاقِ نَصًّا وَلِلسَّيِّدِ اسْتِخْدَامُهَا نَهَارًا) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةُ عَقْدٍ عَلَى إحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا فَلَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَمَا لَوْ أَجَرَهَا لِخِدْمَةِ النَّهَارِ (فَلَوْ شَرَطَ) الزَّوْجُ (التَّسْلِيمَ نَهَارًا أَوْ بَذَلَهُ سَيِّدُهَا وَجَبَ تَسْلِيمُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا) لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ التَّسْلِيمِ مَعَ الْبَذْلِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ فِي الْأَمَةِ فِي زَمَانِ النَّهَارِ لِحَقِّ السَّيِّد فَإِذَا بَذَلَهُ فَقَدْ تَرَكَ حَقَّهُ فَعَادَ إلَى الْأَصْلِ فِي الزَّوْجِيَّةِ وَلِأَنَّ عَقْدَ الزَّوْجِيَّةِ اقْتَضَى لُزُومَ نَفَقَتِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ فَإِذَا امْتَنَعَ الْمَانِعُ بِبَذْلِ السَّيِّد تَسْلِيمَهَا وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ قَبُولُهُ.
(وَلِلزَّوْجِ حَتَّى الْعَبْدِ السَّفَرُ بِلَا إذْنِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ مَعَ سَيِّدِهِ وَبِدُونِهِ لِأَنَّهَا لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَيْهِ فِي تَرْكِ السَّفَرِ بِخِلَافِ سَفَرِهَا بِلَا إذْنِهِ.
(وَ) لِلزَّوْجِ أَيْضًا وَلَوْ عَبْدًا السَّفَرُ (بِهَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ بِنِسَائِهِمْ (إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ مَخُوفًا) بِأَنْ كَانَ الطَّرِيقُ أَوْ الْبَلَدُ الَّذِي يُرِيدُهُ مَخُوفًا فَلَيْسَ لَهُ السَّفَرُ بِهَا بِلَا إذْنِهَا لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (أَوْ شَرَطَتْ بَلَدَهَا) فَلَهَا شَرْطُهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفَرُّوجَ» (أَوْ تَكُونَ) الزَّوْجَةُ (أَمَةً فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ السَّفَرُ بِهَا بِلَا إذْنِ السَّيِّدِ (وَلَا لِسَيِّدِهَا) أَيْ الْأَمَةِ وَالزَّوْجَةِ.
(وَلَوْ صَحِبَهُ الزَّوْجُ السَّفَرَ بِهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّهِ عَلَيْهِ (وَلَوْ بَوَّأَهَا أَيْ بَذَلَ لَهَا) أَيْ لِلْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ (السَّيِّدُ مَسْكَنًا لِيَأْتِيَهَا فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الزَّوْجُ إتْيَانهَا فِيهِ لِأَنَّ السُّكْنَى لِلزَّوْجِ لَا لَهَا (وَلِلسَّيِّدِ بَيْعُهَا) أَيْ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَذِنَ لِعَائِشَةَ فِي شِرَاءِ بَرِيرَةَ» وَهِيَ
ذَاتُ زَوْجٍ وَكَالْمُؤَجَّرَةِ (وَلَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (السَّفَرُ بِعَبْدِهِ الْمُزَوِّجِ وَاسْتِخْدَامُهُ نَهَارًا) وَمَنْعُهُ مِنْ التَّكَسُّب لِتَعَلُّقِ الْمُهْرِ وَالنَّفَقَةِ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ (وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ) لِمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ زَوَّجَهُ أَمَتَهُ (بِعْتُكَهَا فَقَالَ: زَوَّجْتَنِيهَا فَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مَا إذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا بِغَيْرِهِ) مُفَصَّلًا.
(وَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ بِزَوْجَتِهِ كُلَّ وَقْتٍ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ إذَا كَانَ) الِاسْتِمْتَاعُ (فِي الْقُبُلِ وَلَوْ) كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ فِي الْقُبُلِ (مِنْ جِهَةِ عَجِيزَتِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] وَالتَّحْرِيمُ مُخْتَصٌّ بِالدُّبُرِ دُونَ سِوَاهُ (مَا لَمْ يُشْغِلْهَا عَنْ الْفَرَائِضِ أَوْ يَضُرُّهَا) فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا إذَنْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ وَحَيْثُ لَمْ يَشْغَلْهَا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَضُرُّهَا فَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ (وَلَوْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ أَوْ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ) كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
(وَلَهُ الِاسْتِمْنَاءُ بِيَدِهَا وَيَأْتِي فِي التَّعْزِيرِ فَإِنْ زَادَ) الزَّوْجُ (عَلَيْهَا فِي الْجِمَاعِ صُولِحَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ) قَالَهُ أَبُو حَفْصٍ وَالْقَاضِي.
(قَالَ الْقَاضِي لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَرَجَعَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَإِنْ تَنَازَعَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْرِضَهُ الْحَاكِمُ كَالنَّفَقَةِ وَكَوَطْئِهِ إذَا زَادَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ خِلَافُ ذَلِكَ وَأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ مَا لَمْ يُشْغِلْهَا عَنْ الْفَرَائِضِ أَوْ يَضُرُّهَا (وَجَعَلَ) عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِرَجُلٍ (أَرْبَعًا بِاللَّيْلِ وَأَرْبَعًا بِالنَّهَارِ وَصَالَحَ أَنَسٌ رَجُلًا اسْتَعْدَى عَلَى امْرَأَتِهِ عَلَى سِتَّةٍ وَلَا يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي وَلَا يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ وَكَذَا السَّفَرُ وَالتَّفْصِيلُ وَالْخِيَاطَةُ وَالْغَزْلُ وَالصِّفَاتُ كُلُّهَا) لَا تُكْرَهُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي وَلَا يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ حَيْثُ لَا تُؤَدِّي إلَى إخْرَاجِ فَرْضٍ عَنْ وَقْتِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ لَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ (تَطَوُّعٌ بِصَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَهُوَ مُشَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهِ بِشَطْرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَيَحْرُم وَطْؤُهَا فِي الْحَيْضِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] وَكَذَا نِفَاسِ.
(وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (وَحُكْمُ) وَطْءِ (الْمُسْتَحَاضَةِ فِي بَابِ الْحَيْضِ) فَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ خَوْفِ عَنَتْ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا (وَيَحْرُمُ) الْوَطْءُ (فِي الدُّبُرِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ
فِي أَدْبَارِهِنَّ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] .
فَرَوَى جَابِرٌ قَالَ " كَانَ الْيَهُودُ يَقُولُونَ إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلُ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا وَمِنْ خَلْفِهَا غَيْر أَنْ لَا يَأْتِيَهَا إلَّا فِي الْمَأْتَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَيَّتُهَا مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْفَرْجِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ وَطْئِهَا فِي الدُّبُرِ (عُزِّرَ) إنْ عَلِمَ تَحْرِيمَهُ لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةً.
(وَإِنْ تَطَاوَعَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ فُرِّقَ بَيْنِهِمَا (أَوْ أَكْرَهَهَا) أَيْ أَكْرَهَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ عَلَى الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ (وَنُهِيَ) عَنْهُ (فَلَمْ يَنْتَهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ الشَّيْخُ كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبَيْنَ مَنْ يَفْجُرُ بِهِ) مِنْ رَقِيقِهِ انْتَهَى.
(وَلَهُ التَّلَذُّذُ بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ) فِي الدُّبُرِ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي السِّرِّ الْمَصُونِ: كَرِهَ الْعُلَمَاءُ الْوَطْءَ بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَا (وَلَيْسَ لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (اسْتِدْخَالُ ذَكَرِهِ وَهُوَ نَائِمٌ) فِي فَرْجِهَا (بِلَا إذْنِهِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَلَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (لَمْسُهُ وَتَقْبِيلُهُ بِشَهْوَةٍ) وَلَوْ نَائِمًا.
(وَقَالَ الْقَاضِي يَجُوزُ تَقْبِيلُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الْجِمَاعِ وَيُكْرَهُ بَعْدَهُ) لِتَعَذُّرِهِ إذَنْ (وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ النَّظَرُ إلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ يُضْعِفُ الْبَصَرَ وَكَذَا الْجُلُوسُ مُسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ وَكَذَا النَّظَرُ لِلْقَاذُورَاتِ.
(وَيَحْرُم الْعَزْلُ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْزَلَ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ لَهَا فِي الْوَلَدِ حَقًّا وَعَلَيْهَا فِي الْعَزْلِ ضَرَرٌ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهَا وَمَعْنَى الْعَزْلِ أَنْ يَنْزِعَ إذَا قَرُبَ الْإِنْزَالُ فَيُنْزِلُ خَارِجًا عَنْ الْفَرْجِ (وَ) يَحْرُمُ الْعَزْلُ (عَنْ الْأَمَة إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدهَا) لِأَنَّ الْحَقّ فِي الْوَلَد لَهُ.
(وَ) لَهُ أَنْ (يَعْزِل عَنْ سَرِيَّته بِلَا إذْنهَا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعَا «إنَّا نَأْتِي النِّسَاءَ وَنُحِبُّ إتْيَانَهُنَّ فَمَا تَرَى فِي الْعَزْلِ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ فَمَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ كَائِنٌ وَلَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَيَعْزِلُ وُجُوبًا عَنْ الْكُلِّ) أَيْ عَنْ زَوْجَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ وَعَنْ سُرِّيَّةٍ (بِدَارِ الْحَرْبِ) لِئَلَّا يُسْتَعْبَدَ الْوَلَدُ (بِلَا إذْنٍ) أَيْ لَا يَحْتَاج بِدَارِ الْحَرْبِ إلَى اسْتِئْذَانٍ فِي الْعَزْلِ وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ مَا فِيهِ (وَإِذَا عَنَّ لَهُ قَبْلَ الْإِنْزَالِ أَنْ يَنْزِعَ لَا عَلَى قَصْدِ الْإِنْزَالِ خَارِجَ الْفَرْجِ لَمْ يَحْرُمْ فِي الْكُلِّ) مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْوَطْءِ كَمَا لَوْ تَرَكَ ابْتِدَاءً.
(وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (إجْبَارُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (وَلَوْ) كَانَتْ (ذِمِّيَّةً وَمَمْلُوكَةً عَلَى غُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الَّذِي هُوَ حَقُّ لَهُ فَمَلِكَ إجْبَارَهَا عَلَى إزَالَةِ مَا يَمْنَعُ حَقَّهُ.
(وَ) لَهُ إجْبَارُ الزَّوْجَةِ (الْمُسْلِمَةِ الْبَالِغَةِ عَلَى غُسْلِ جَنَابَةِ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا وَلَا تَتَمَكَّنُ مِنْهَا إلَّا بِالْغُسْلِ وَ (لَا) يُجْبِرُ الزَّوْجَةَ (الذِّمِّيَّةَ) عَلَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ (كَالْمُسْلِمَةِ الَّتِي دُونَ بُلُوغٍ) لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ لِإِبَاحَتِهِ بِدُونِهِ وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ لَهُ إجْبَارُ الذِّمِّيَّةِ الْمُكَلَّفَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْمُنْتَهَى (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (إجْبَارُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (عَلَى غَسْلٍ نَجَاسَةٍ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا (وَ) لَهُ أَيْضًا إجْبَارُهَا عَلَى (اجْتِنَابِ مُحَرَّمٍ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا.
(وَ) لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى (أَخْذِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ تَعَافُهُ النَّفْسُ وَإِزَالَةِ وَسَخٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ (فَإِنْ احْتَاجَتْ) فِي فِعْلِ مَا ذَكَرَ (إلَى شِرَاءِ الْمَاءِ فَثَمَنُهُ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ لِحَقِّهِ (وَتُمْنَعُ) الزَّوْجَةُ (مِنْ أَكْلِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَبَصَلٍ أَوْ ثُومٍ وَكَرَّاتٍ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ قُلْتُ وَكَذَا تَنَاوُلُ النَّتِنِ إذَا تَأَذَّى بِهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ.
(وَتُمْنَعُ) أَيْضًا (مِنْ تَنَاوُلِ مَا يُمْرِضُهَا) لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا زَمَنَ الْمَرَضِ (وَلَا تَجِبُ النِّيَّةُ) فِي غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ لِلْعُذْرِ (وَلَا) تَجِبُ أَيْضًا (التَّسْمِيَةُ فِي غُسْل ذِمِّيَّةٍ) كَالنِّيَّةِ هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْإِنْصَافِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ اعْتِبَارًا لِلتَّسْمِيَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَاكَ وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا تَتَعَبَّدُ) الذِّمِّيَّةُ (بِهِ) أَيْ بِغُسْلِهَا لِلْحَيْضِ أَوْ النِّفَاس (لَوْ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ) فَلَا تُصَلِّي بِهِ وَلَا تَطُوفُ وَلَا تَقْرَأُ قُرْآنًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ قَالَ الْقَاضِي إنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ فَيَجِبُ عَوْدُهُ إذَا أَسْلَمَتْ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَلِّيَ بِهِ انْتَهَى وَأَيْضًا فَالْغُسْلُ يَجِبُ بِالْإِسْلَامِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ وَتَقَدَّمَ (وَتُمْنَعُ) أَيْ لِلزَّوْجِ مَنْعُ الزَّوْجَةِ (الذِّمِّيَّةُ مِنْ دُخُولِ كَنِيسَةِ وَبَيْعَةِ) فَلَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ.
(وَ) لَهُ مَنْعُهَا مِنْ (تَنَاوُلِ مُحَرَّمٍ وَ) مِنْ (شُرْبٍ مَا يُسْكِرُهَا) لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا وَ (لَا) تُمْنَعُ مِمَّا (دُونَهُ) أَيْ دُون مَا يُسْكِرُهَا (نَصًّا)
لِاعْتِقَادِهَا حِلُّهُ فِي دِينِهَا (وَكَذَا مُسْلِمَةٌ تَعْتَقِدُ إبَاحَةَ يَسِيرِ النَّبِيذِ) فَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ (وَلَهُ إجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِ أَفْوَاهِهِمَا وَمَنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ الْقُبْلَةِ (وَلَا تُكْرَهُ الذِّمِّيَّةُ عَلَى الْوَطْءِ فِي صَوْمِهَا نَصًّا وَلَا) عَلَى (إفْسَادِ صَلَاتِهَا) بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا.
(وَ) لَا عَلَى إفْسَادِ (سَبْتِهَا وَلَا يَشْتَرِي لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ الذِّمِّيَّةِ زُنَّارًا (وَلَا) يَشْتَرِي (لِأَمَتِهِ الذِّمِّيَّةِ زُنَّارًا) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى إظْهَارِ شِعَارِهِمْ (بَلْ تَخْرُجُ هِيَ تَشْتَرِي لِنَفْسِهَا نَصًّا) .
[فَصْل عَلَى الزَّوْج أَنْ يَبِيت فِي الْمَضْجَعِ لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ]
فَصْل وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيت فِي الْمَضْجَعِ لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ (عِنْدَ الْحُرَّةِ) ، لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنِ سَوَّارٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ أَفْضَلُ مِنْ زَوْجِي وَاَللَّهِ أَنَّهُ لِيَبِيتَ لَيْلَهُ قَائِمًا وَيَظَلُّ نَهَارَهُ صَائِمًا فَاسْتَغْفَرَ لَهَا وَأَثْنَى عَلَيْهَا وَاسْتَحْيَتْ الْمَرْأَةُ وَقَامَتْ رَاجِعَةً فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَّا أَعْدَيْتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: إنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُوهُ: إذَا كَانَ هَذَا حَالُهُ فِي الْعِبَادَةِ مَتَى يَتَفَرَّغُ لَهَا فَبَعَثَ عُمَرُ إلَى زَوْجِهَا وَقَالَ لِكَعْبِ اقْضِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّكَ فَهِمْتَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْهُ قَالَ فَإِنِّي أَرَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ عَلَيْهَا ثَلَاثٌ نِسْوَةٍ وَهِيَ رَابِعَتُهُنَّ فَاقْضِ لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّام وَلَيَالِيهنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَقَالَ عُمَرُ وَاَللَّهِ مَا رَأْيُكَ الْأَوَّلُ بِأَعْجَب إلَيَّ مِنْ الْآخَرِ اذْهَبْ فَأَنْتَ قَاضٍ عَلَى الْبَصْرَةِ وَفِي لَفْظٍ قَالَ نِعْمَ الْقَاضِي أَنْتَ رَوَاهُ سَعِيدُ.
وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اُشْتُهِرَتْ وَلَمْ تُنْكَرْ فَكَانَتْ كَالْإِجْمَاعِ يُؤَيِّدهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «إنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَهَا عَلَيْهِ حَقٌّ لَمَلِكَ الزَّوْجُ تَخْصِيصُ إحْدَى زَوْجَاتِهِ بِهِ كَالزِّيَادَةِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ.
(وَ) عَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةً (مِنْ كُلِّ سَبْعِ عِنْدَ) الزَّوْجَةِ (الْأَمَةِ) لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَ مَعَهَا ثَلَاثَ حَرَائِرَ لَهُنَّ سِتٌّ وَلَهَا السَّابِعَةُ وَمَحَلُّ وُجُوبِ مَا ذُكِرَ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ (إنْ طَلَبْنَا ذَلِكَ مِنْهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا فَلَا يَجِبُ بِدُونِ الطَّلَبِ.
(وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (الِانْفِرَادُ فِي الْبَقِيَّةِ بِنَفْسِهِ أَوْ مَعَ سَرِيَّتِهِ) ، فَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةً وَأَمَةً قَسَّمَ لَهُنَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ مِنْ ثَمَانٍ وَلَهُ الِانْفِرَادُ فِي خَمْسٍ، وَإِنْ كَانَ
تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَةٌ فَلَهُنَّ خَمْسٌ، وَلَهُ ثَلَاثٌ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ فَلَهُنَّ سِتٌّ وَلَهُ لَيْلَتَانِ قَالَ فِي الْمُبْدِع وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَلَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سِتّ.
(قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَبِيتُ وَحْدَهُ) قَالَ فِي الْمُبْدِع قَالَ أَحْمَدُ مَا أُحِبّ أَنْ يَبِيتَ وَحْدَهُ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ وَقَالَهُ فِي سَفَرِهِ وَحْدَهُ، وَعَنْهُ لَا يُعْجِبُنِي وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ لَعَنَ رَاكِبَ الْفَلَاةِ وَحْدَهُ وَالْبَائِتَ وَحْدَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِيهِ طَيِّبُ بْنُ مُحَمَّدٍ قِيلَ لَا يَكَادُ يُعْرَفُ وَلَهُ مَنَاكِيرُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَات.
(وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (أَنْ يَطَأَهَا) أَيْ الزَّوْجَةَ (فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُرَّةً) إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَصِرْ بِالْيَمِينِ عَلَى تَرْكِهِ وَاجِبًا كَسَائِرِ مَا لَا يَجِبُ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الزَّوْجَيْنِ، وَدَفْعٍ الضَّرَرِ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُفْضٍ إلَى دَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَة مِنْ الْمَرْأَةِ كَإِفْضَائِهِ إلَى دَفْعِهِ عَنْ الرَّجُلِ، فَيَكُونُ الْوَطْءُ حَقًّا لَهُمْ جَمِيعًا وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ حَقّ لَمَا وَجَبَ اسْتِئْذَانُهَا فِي الْعَزْلِ كَالْأَمَةِ، وَاشْتُرِطَ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ ثُلُثَ سَنَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى ذَلِكَ فَكَذَا فِي حَقّ غَيْرِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عُذْرٌ فَإِنْ كَانَ كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ عُذْرِهِ (فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ أَيْ الْوَطْءَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ) أَبَى (الْبَيْتُوتَةَ فِي الْيَوْمِ) أَيْ الزَّمَنِ (الْمُقَرَّرِ) وَهُوَ لَيْلَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ لِلْحُرَّةِ، وَلَيْلَةٌ مِنْ سَبْعٍ لِلْأَمَةِ (حَتَّى مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بِلَا عُذْرٍ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِطَلَبِهِمَا) كَالْمَوْلَى وَكَمَا لَوْ مَنَعَ النَّفَقَةَ وَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهَا مِنْ قَبْلِهِ (وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ نَصَّ عَلَيْهِ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ (فِي رَجُلٍ) تَزَوُّج امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا (يَقُولُ غَدًا أَدْخُلُ بِهَا غَدًا أَدْخُلُ بِهَا إلَى شَهْرٍ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الدُّخُولِ قَالَ: اذْهَبْ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إنْ دَخَلَ بِهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) ، فَجَعَلَهُ أَحْمَدُ كَالْمَوْلَى.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ لَمْ يَرْوِ مَسْأَلَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ غَيْرُهُ وَفِيهَا نَظَرٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، لِأَنَّهُ لَوْ ضُرِبَتْ لَهُ الْمُدَّةُ لِذَلِكَ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ وَلَا خِلَاف فِي اعْتِبَارِهِ، (وَكَذَا لَوْ ظَاهَرَ وَلَمْ يُكَفِّرْ) فَلَهَا الْفَسْخ بَعْد الْأَرْبَعَة أَشْهُرٍ فَإِنْ لَمْ يَطَأْ لِعُذْرٍ فَلَا فَسْخَ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ إذَنْ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ إنْ تَعَذَّرَ الْوَطْءُ) لِعَجْزِ الزَّوْجِ (فَهُوَ كَالنَّفَقَةِ) إذَا تَعَذَّرَتْ فَتُفْسَخُ.
(وَ) الْفَسْخُ لِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ (أَوْلَى) مِنْ الْفَسْخِ لِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ (لِلْفَسْخِ بِتَعَذُّرِهِ) أَيْ الْوَطْءِ (إجْمَاعًا فِي الْإِيلَاءِ) وَقَالَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِع وَالْفَرْقُ أَنَّهَا لَا تَبْقَى بِدُونِ النَّفَقَةِ بِخِلَافِ الْوَطْءِ.
(وَلَوْ سَافَرَ) الزَّوْج (عَنْهَا لِعُذْرٍ وَحَاجَةٍ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ) لِلْعُذْرِ (بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُفْسَخ نِكَاحُ الْمَفْقُودِ إذَا تَرَكَ لِامْرَأَتِهِ نَفَقَتَهَا) ، أَوْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْهُ أَوْ مَنْ يَفْرِضُهَا عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمُسَافِرِ (عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ الرُّجُوعِ وَغَابَ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قُدُومَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) لِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ بَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِيَ تَقُولُ:
تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ ... وَطَالَ عَلَيَّ أَنْ لَا خَلِيلَ أُلَاعِبهُ
فَوَاَللَّهِ لَوْلَا خَشْيَةُ اللَّهِ وَالْحَيَا ... لَحُرّك مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ
فَسَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ: لَهُ فُلَانَة زَوْجُهَا غَائِبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا امْرَأَةً تَكُونُ مَعَهَا وَبَعَثَ إلَى زَوْجِهَا فَأَقْفَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ: بُنَيَّةُ كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ مِثْلُك يَسْأَلُ مِثْلِي عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أُرِيدُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا سَأَلْتُكِ فَقَالَتْ خَمْسَةُ أَشْهُرٍ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَوَقَّتَّ لِلنَّاسِ فِي مَغَازِيهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَسِيرُونَ شَهْرًا وَيُقِيمُونَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَيَرْجِعُونَ فِي شَهْرٍ وَمَحَلُّ لُزُومِ قُدُومِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ) فِي سَفَرِهِ كَطَلَبِ عِلْمٍ (أَوْ كَانَ فِي غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ وَاجِبَيْنِ أَوْ) فِي (طَلَبِ رِزْقٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ نَصًّا) فَلَا يَلْزَمُهُ الْقُدُومُ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْعُذْر يُعْذَرُ مِنْ أَجْلِ عُذْرِهِ (فَيَكْتُبُ إلَيْهِ الْحَاكِم) لِيُقْدِمَ.
(فَإِنْ أَبَى أَنْ يُقْدِمَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَعْدَ مُرَاسَلَةِ الْحَاكِمِ إلَيْهِ فَسَخَ) الْحَاكِمُ (نِكَاحَهُ نَصًّا) لِأَنَّهُ تَرَكَ حَقًّا عَلَيْهِ يَتَضَرَّرُ بِهِ أَشْبَهَ الْمَوْلَى وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُرَاسَلَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُقْنِعِ وَلَا الْفُرُوعِ وَلَا الْإِنْصَافِ وَتَبِعَهُمْ فِي الْمُنْتَهَى وَحَكَاهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ قَالَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ وَذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ بِقِيلَ.
(وَإِنْ غَابَ) زَوْجٌ (غَيْبَةً ظَاهِرُهَا السَّلَامَةُ) كَتَاجِرٍ وَأَسِيرٍ عِنْدَ مَنْ لَيْسَتْ عَادَتُهُ الْقَتْلُ (وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ) أَيْ حَيَاتُهُ وَلَا مَوْتُهُ (وَتَضَرَّرَتْ زَوْجَتُهُ بِتَرْكِ النِّكَاحِ) مَعَ وُجُودِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا (لَمْ يُفْسَخْ نِكَاحُهَا) لِتَضَرُّرِهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْر.
(يُسَنُّ) لِمَنْ أَرَادَ وَطْئًا (أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْوَطْءِ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 223] قَالَ عَطَاءٌ هُوَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيّ قَالَ «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَتَقُولُهُ الْمَرْأَةُ أَيْضًا) وَرَوَى ابْنُ شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا قَالَ «إذَا أَنْزَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ فِيمَا رَزَقْتَنِي نَصِيبًا» قَالَ فِي الْإِنْصَافِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ عِنْد إنْزَالِهِ وَلَمْ أَرَهُ لِلْأَصْحَابِ وَهُوَ حَسَنٌ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يُلَاعِبَهَا قَبْلَ الْجِمَاعِ لِتَنْهَضَ شَهْوَتُهَا) فَتَنَالَ مِنْ لَذَّةِ الْجِمَاعِ مِثْلَ مَا يَنَالُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا تُوَاقِعْهَا إلَّا وَقَدْ أَتَاهَا مِنْ الشَّهْوَةِ مِثْلُ مَا أَتَاكَ لِكَيْ لَا تَسْبِقَهَا بِالْفَرَاغِ» . (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَ) أَنْ يُغَطِّيَهَا (عِنْدَ الْخَلَاءِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ غَطَّى رَأْسَهُ، وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ» . (وَأَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) عِنْدَ الْجِمَاعِ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ وَعَطَاءَ كَرِهَا ذَلِكَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَّخِذَ خِرْقَةً تُنَاوِلُهَا لِلزَّوْجِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جِمَاعِهَا) لِيَمْسَحَ بِهَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ، عَنْ عَائِشَةَ.
(قَالَ أَبُو حَفْصٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَظْهَرَ الْخِرْقَةَ بَيْنَ يَدَيْ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلٍ دَارِهَا.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ: يُكْرَهُ أَنْ يَمْسَح ذَكَرَهُ بِالْخِرْقَةِ الَّتِي تَمْسَحُ بِهَا فَرْجَهَا.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَاب أَحْكَامِ النِّسَاءِ: لَا يُكْرَهُ نَخْرُهَا لِلْجِمَاعِ وَلَا نَخْرُهُ وَقَالَ) الْإِمَامُ (مَالِكُ) بْنُ أَنَسٍ (لَا بَأْسَ بِالنَّخْرِ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَأَرَادَ سَفَهًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ يُعَابُ عَلَى فَاعِلِهِ وَتُكْرَه كَثْرَةُ الْكَلَامِ حَالَ الْوَطْءِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ عِنْدَ مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ فَإِنَّ مِنْهُ يَكُونُ الْخَرَسُ وَالْفَأْفَأَةُ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، وَلِأَنَّهُ يُكْرَه الْكَلَامُ حَالَ الْبَوْلِ وَحَالُ الْجِمَاعِ فِي مَعْنَاهُ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْوَاطِئِ (أَنْ لَا يَنْزِعَ إذَا فَرَغَ) أَيْ أَنْزَلَ (قَبْلَهَا حَتَّى تَفْرَغَ فَلَوْ خَالَفَ) وَنَزَعَ قَبْلَهَا (كُرِهَ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا «إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَلِيَقْصِدْهَا، ثُمَّ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ فَلَا يُعَجِّلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهَا وَمَنْعًا لَهَا مِنْ قَضَاء شَهْوَتهَا.
(وَيُكْرَهُ) الْوَطْءُ (وَهُمَا مُتَجَرِّدَانِ) لِمَا رَوَى عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ وَلَا يَتَجَرَّدْ تَجَرُّدَ الْعَيْرَيْنِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْعَيْرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ حِمَارِ الْوَحْشِ شَبَهَهُمَا بِهِ تَنْفِيرًا عَنْ تِلْكَ الْحَالَةِ.
(وَ) يُكْرَه (تَحَدُّثُهُمَا بِهِ) أَيْ بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا (وَلَوْ لِضَرَّتِهَا، وَحَرَّمَهُ فِي الْغُنْيَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ السِّرّ وَإِفْشَاءُ السِّرِّ حَرَامٌ) وَرَوَى الْحَسَنُ قَالَ «جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَأَقْبَلَ عَلَى الرِّجَالِ فَقَالَ: لَعَلَّ أَحَدَكُمْ يُحَدِّثُ بِمَا يَصْنَعُ بِأَهْلِهِ إذَا خَلَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ لَعَلَّ إحْدَاكُنَّ تُحَدِّثُ النِّسَاءَ بِمَا يَصْنَعُ بِهَا زَوْجُهَا قَالَ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ وَإِنَّا لَنَفْعَلُ، فَقَالَ لَا تَفْعَلُوا إنَّمَا مَثَلُ ذَلِكُمْ كَمَثَلِ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً فَجَامَعَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ» وَرَوَى أَبُو وَالنَّسَائِيَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ.
(وَيُكْرَهُ وَطْؤُهُ) لِزَوْجَتِهِ أَوْ سَرِيَّتِهِ (بِحَيْثُ يَرَاهُ غَيْرُ طِفْلٍ لَا يَعْقِل أَوْ) بِحَيْثُ (يَسْمَعُ حِسَّهُمَا) غَيْرُ طِفْلٍ لَا يَعْقِلُ (وَلَوْ رَضِيَا) أَيْ الزَّوْجَانِ قَالَ أَحْمَدُ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْوَجْسَ وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ وَهُوَ بِالْجِيمِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، يُقَال تَوَجَّسَ إذَا تَسَمَّعَ الصَّوْتَ الْخَفِيَّ (إنْ كَانَا مَسْتُورَيْ الْعَوْرَةِ وَإِلَّا) يَكُونَا مَسْتُورَيْ الْعَوْرَة (حَرُمَ مَعَ رُؤْيَتِهَا) أَيْ الْعَوْرَةِ لِحَدِيثِ «احْفَظْ عَوْرَتَكَ» وَتَقَدَّمَ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَبِّلَهَا) أَيْ زَوْجَتَهُ أَوْ سَرِيَّتَهُ (أَوْ يُبَاشِرَهَا عِنْد النَّاسِ) لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ (وَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ) وَطْءِ (نِسَائِهِ وَإِمَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَلِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ بِدَلِيلِ إتْمَامِ الْجِمَاعِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَزَادَ فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعُودِ (وَالْغُسْلِ) لِمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ (أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «طَافَ عَلَى نِسَائِهِ جَمِيعًا فَاغْتَسَلَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُسْلًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَعَلْتَهُ غُسْلًا وَاحِدًا قَالَ هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ.
(وَلَيْسَ) وَاجِبًا (عَلَيْهَا خِدْمَةُ زَوْجِهَا فِي عَجْنٍ وَخَبْزٍ وَنَحْوِهِ) كَكَنْسِ الدَّارِ وَمَلْءِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَطَحْنٍ (نَصًّا) لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ فَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ مِنْ مَنَافِعهَا (لَكِنْ الْأَوْلَى لَهَا فِعْلُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِقِيَامِهَا؛ بِهِ) لِأَنَّهُ الْعَادَةُ وَلَا يَصِلُ الْحَالُ إلَّا بِهِ وَلَا تَنْتَظِمُ الْمَعِيشَةُ بِدُونِهِ (وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ الْمَعْرُوفُ مِنْ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ) وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ.
وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ شَيْبَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَاجَانِيُّ وَاحْتَجَّا بِقَضِيَّةِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ «فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ، وَعَلِيٍّ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْبَيْتِ مِنْ عَمَلٍ» رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ.
(وَأَمَّا خِدْمَةُ نَفْسِهَا فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْعَجْنِ وَالْخَبْزِ وَالطَّبْخِ وَنَحْوِهِ (ف) هِيَ (عَلَيْهَا) بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تُلْزَمُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلَهَا لَا يَخْدِمُ نَفْسَهَا) فَعَلَيْهِ خَادِمٌ لَهَا (وَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ وَلَا يَصِحُّ إجَارَتُهَا) .
أَيْ الزَّوْجَةِ (لِرَضَاعٍ وَخِدْمَةٍ إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ الزَّوْجِ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُفَوِّتُ بِهِ حَقَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ بِعَقْدٍ سَابِقٍ فَلَمْ يَصِحَّ كَإِجَارَةِ الْمُؤَجَّرِ، فَأَمَّا مَعَ إذْنِ الزَّوْجِ فَإِنَّ الْإِجَارَةِ تَصِحَّ وَيَلْزَم الْعَقْدُ لِأَنَّ الْحَقُّ لَهُمَا لَا يَخْرُج عَنْهُمَا (وَلَوْ) أَجَرَتْ نَفْسَهَا (لِعَمَلٍ فِي ذِمَّتِهَا) صَحَّ الْعَقْدُ لِأَنَّ ذِمَّتَهَا قَابِلَةٌ لِذَلِكَ (فَإِنْ عَمِلَتْ) أَيْ الْعَمَلَ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَتْ لَهُ (بِنَفْسِهَا) عَمَلُهُ (مِنْ إقَامَتِهِ مُقَامِهَا اسْتَحَقَّتْ الْأُجْرَةَ) لِأَنَّهَا وَفَّتْ بِالْعَمَلِ (فَإِنْ أَجَرَتْ) نَفْسَهَا أَوْ أَجَرَهَا وَلِيُّهَا لِصِغَرِهَا مَثَلًا (ثُمَّ تَزَوَّجَتْ صَحَّ الْعَقْدُ) أَيْ عَقَدُ الْإِجَارَةِ.
(وَلَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ وَلَا يَمْنَعُهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ) لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِهِ (أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُسْتَأْجَرَةً أَوْ دَارًا مُسْتَعَارَةً) بِمَا يَطُولُ نَقْلُهُ مِنْهَا.
(فَإِذَا نَامَ الصَّبِيُّ) الَّذِي اُسْتُؤْجِرَتْ لِرَضَاعِهِ (أَوْ اشْتَغَلَ فَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا) لِزَوَالِ الْمُعَارِض لِحَقِّهِ (وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ) مَنْعَهُ (أَيْ الزَّوْجُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا) (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ الْمُؤَجَّرَةِ لِرَضَاعٍ.
(وَلَوْ أَضَرَّ اللَّبَنَ) ، لِأَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ التَّزْوِيجِ فَلَا يَسْقُطُ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ الْوَلِيُّ وَلَا يَمْلِك فَسْخَ النِّكَاحِ مَعَ جَهْلِهِ بِكَوْنِهَا مُؤَجَّرَةً (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (مَنْعُهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَ) لَهُ مَنْعُهَا أَيْضًا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا لِأَنَّ اشْتِغَالَهَا بِذَلِكَ يُفَوِّت عَلَيْهِ إكْمَالُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا.
وَ (لَا) يَمْنَعُهَا مِنْ رَضَاع (وَلَدِهَا مِنْهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا فَلَا يَمْنَعُهَا كَسَائِرِ حُقُوقِهَا وَمَحَلُّ مَنْعِهِ لَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَمِنْ رَضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا (إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ) الرَّضِيعُ (إلَيْهَا وَيُخْشَى عَلَيْهِ) كَأَنْ لَا تُوجَدُ مُرْضِعَةً سِوَاهَا أَوْ لَا يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِهَا أَوْ تَكُونَ قَدْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ (نَصًّا وَيَأْتِي فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ) مُوَضَّحًا.
(وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ) فَأَكْثَرَ (فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ أَيْ بَيْتٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا لِأَنَّ) عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ضَرَرًا لِمَا بَيْنَهُنَّ مِنْ الْغَيْرَة وَاجْتِمَاعِهِنَّ يُثِيرُ الْخُصُومَةَ، لِأَنَّ (كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَسْمَعُ حِسَّهُ إذَا أَتَى الْأُخْرَى أَوْ تَرَى ذَلِكَ فَإِنْ رَضِيَتَا ذَلِكَ أَوْ) رَضِيَتَا (بِنَوْمِهِ بَيْنَهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ جَازَ) لِأَنَّ الْحَقّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا فَلَهُمَا الْمُسَامَحَةُ بِتَرْكِهِ.
(وَإِنْ أَسْكَنَهُمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي بَيْتٍ) مِنْهَا (جَازَ إذَا كَانَ) بَيْتُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (مَسْكَنَ مِثْلِهَا) لِأَنَّهُ لَا جَمْعَ فِي ذَلِكَ (وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالسَّرِيَّةِ) فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ (إلَّا بِرِضَا الزَّوْجَة) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَجُوزُ نَوْمُهُ) أَيْ الرَّجُلِ (مَعَ امْرَأَتِهِ بِلَا جِمَاعٍ بِحَضْرَةِ مَحْرَمٍ لَهَا) «كَنَوْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَيْمُونَةَ فِي طُولِ الْوِسَادَةِ» وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا بَاتَ عِنْدَهُ فِي عَرْضِهَا.
(وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (مَنْعُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَى مَا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ سَوَاءٌ أَرَادَتْ زِيَارَةَ وَالِدَيْهَا أَوْ عِيَادَتِهِمَا أَوْ حُضُورِ جِنَازَةِ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) قَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ مَرِيضَةٌ طَاعَةُ زَوْجِهَا: أَوْجَبُ عَلَيْهَا مِنْ أُمِّهَا إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهَا (وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (الْخُرُوجُ بِلَا إذْنِهِ) أَيْ الزَّوْجِ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْج وَاجِبٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ (فَإِنْ فَعَلَتْ) الزَّوْجَةُ أَيْ خَرَجَتْ بِلَا إذْنِهِ (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا إذَنْ) أَيْ مَا دَامَتْ خَارِجَةً بِغَيْرِ إذْنِهِ لِعَدَمِ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ (هَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ تَحْرِيمِ الْخُرُوجِ بِلَا إذْنِهِ وَسُقُوطِ نَفَقَتِهَا بِهِ (إذَا قَامَ) الزَّوْجُ (بِحَوَائِجِهَا) الَّتِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِحَوَائِجِهَا (فَلَا بُدَّ لَهَا) مِنْ الْخُرُوجِ لِلضَّرُورَةِ فَلَا تَسْقُط نَفَقَتُهَا بِهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ فِيمَنْ حَبَسَتْهُ امْرَأَةٌ بِحَقِّهَا: إنْ خَافَ خُرُوجَهَا بِلَا إذْنِهِ أَسْكَنَهَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا الْخُرُوجَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْفَظُهَا غَيْرُ نَفْسِهِ حُبِسَتْ مَعَهُ) لِيَحْفَظَهَا (يَعْنِي إذَا كَانَ الْحَبْسُ مَسْكَنَ مِثْلِهَا) وَلَمْ يُفْضِ إلَى اخْتِلَاطِهَا بِالرِّجَالِ (كَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا) بِالْحَبْسِ (أَوْ خِيفَ حُدُوثُ شَرٍّ) بِسَبَبِ حَبْسِهَا مَعَهُ (أُسْكِنَتْ فِي رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ) دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ (وَمَتَى كَانَ خُرُوجُهَا مَظِنَّةَ الْفَاحِشَةِ صَارَ حَقًّا لِلَّهِ يَجِبْ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ رِعَايَتُهُ فَإِنْ مَرَض بَعْضُ مَحَارِمِهَا) كَأَبَوَيْهَا وَإِخْوَتِهَا (أَوْ مَاتَ) بَعْضُ مَحَارِمهَا (لَا غَيْرَهُ) أَيْ الْمَحْرَمِ (مِنْ أَقَارِبهَا) كَأَوْلَادِ عَمِّهَا وَعَمَّتِهَا وَأَوْلَادِ خَالِهَا وَخَالَتِهَا.
(اُسْتُحِبَّ لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى تَمْرِيضِهِ أَوْ عِيَادَتِهَا أَوْ شُهُودِ جِنَازَتِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِم وَفِي مَنْعِهَا مِنْ ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ وَرُبَّمَا حَمَلَهَا عَدَمُ إذْنِهِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَ (لَا) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوج (لِزِيَارَةِ أَبَوَيْهَا) مَعَ عَدَم الْمَرَضِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلِئَلَّا تَعْتَادُهُ (وَلَا يَمْلِكُ) الزَّوْجُ (مَنْعَهَا مِنْ كَلَامِهِمَا، وَلَا) يَمْلِكُ (مَنْعَهَا مِنْ زِيَارَتِهِمَا) ، لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (إلَّا مَعَ ظَنِّ حُصُولِ ضَرَرٍ يُعْرَفُ بِقَرَائِنِ الْحَالِ) بِسَبَبِ زِيَارَتِهِمَا