كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 524-563
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ وَالْمُعَلِّقُ إنَّمَا أَرَادَ عِتْقَ وَاحِدٍ فَمُيِّزَ بِالْقُرْعَةِ (أَوْ عَلَّقَ) جَائِزُ التَّصَرُّفِ (الْعِتْقَ عَلَى أَوَّلِ مَمْلُوكٍ يَمْلِكُهُ فَمَلَكَهُمَا) أَيْ مَلَكَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مَعًا (أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ) فَأَكْثَرَ (خَرَجَا مَعًا) عَتَقَ أَحَدُهُمَا بِقُرْعَةٍ لِأَنَّ صِفَة الْأَوَّلِيَّة شَامِلَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ وَالْمُعَلِّقُ إنَّمَا أَرَادَ عِتْقَ وَاحِدٍ فَمُيِّزَ بِالْقُرْعَةِ (أَوْ) قَالَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ وَ (أَشْكَلَ الْأَوَّلُ) مِنْهُمَا (عَتَقَ وَاحِدٌ بِقُرْعَةٍ) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ وَلَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ فَوَجَبَ إخْرَاجُهُ بِالْقُرْعَةِ.
(وَأَوَّلُ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ) فَهُوَ (حُرٌّ وَلَمْ يَمْلِكْ إلَّا وَاحِدًا عَتَقَ) قَالَ الزَّجَّاجُ أَوَّلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَانٍ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأُولَى﴾ [الدخان: 35] وَهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مَوْتَةٌ بَعْدَهَا (وَكَذَا) إنْ قَالَ (آخِرُ مَمْلُوكٍ) أَمْلِكُهُ حُرٌّ وَلَمْ يَمْلِكْ إلَّا وَاحِدًا عَتَقَ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَانٍ، وَلَا مِنْ شَرْطِ الْآخِرِ أَنْ يَأْتِيَ قَبْلَهُ أَوَّلٌ وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ.

(وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ آخِرُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ حَيًّا ثُمَّ) وَلَدَتْ (مَيِّتًا لَمْ يُعْتَقْ الْأَوَّلُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْعِتْقِ فِيهِ (وَعَكْسُهُ) بِأَنْ وَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا (يُعْتَقُ الْحَيُّ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِيهِ.

(وَإِنْ قَالَ: أَوَّلُ) مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيهِ حُرٌّ (أَوْ) قَالَ (آخِرُ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيهِ) فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ بِلَا عِوَضٍ (وَنَحْوِهَا) كَصُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ وَنَحْوِهِ (لَمْ يُعْتَقْ) لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ شِرَاءً بِخِلَافِ مَا مَلَكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ بِعِوَضٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ مَالٍ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ.

(وَإِنْ قَالَ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ) فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا لَمْ يُعْتَقُ الْحَيُّ (أَوْ) قَالَ (إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا لَمْ يُعْتَقْ الْحَيُّ) لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ إنَّمَا وُجِدَ فِي الْمَيِّتِ وَلَيْسَ بِمَحَلِّ الْعِتْقِ فَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ بِهِ (وَعَكْسُهُ) بِأَنْ وَلَدَتْ حَيًّا ثُمَّ مَيِّتًا (يُعْتَقُ) الْحَيُّ لِوُجُودِ الصِّفَةِ فِيهِ.

(وَأَوَّلُ أَمَةٍ) لِي (أَوْ) أَوَّلُ (امْرَأَةٍ) لِي (تَطْلُعُ) أَوْ تَخْرُجُ أَوْ تَجْلِسُ وَنَحْوُهُ فَالْأَمَةُ (حُرَّةٌ أَوْ) الْمَرْأَةُ (طَالِقٌ فَطَلَعَ الْكُلُّ) مِنْ إمَائِهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ مَعًا (عَتَقَ) مِنْ الْإِمَاءِ وَاحِدَةٌ بِقُرْعَةٍ (وَطُلِّقَ) مِنْ الزَّوْجَاتِ (وَاحِدَةٌ بِقُرْعَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَيَتْبَعُ حَمْلُ مُعْتَقَةٍ بِصِفَةِ) أُمِّهِ (إنْ كَانَ) الْحَمْلُ (مَوْجُودًا حَالَ عِتْقِهَا) بِأَنْ كَانَتْ حَامِلًا بِهِ حِينَ وُجُودِ الصِّفَةِ لِأَنَّ الْعِتْقَ وُجِدَ فِيهَا وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ فَتَبِعَهَا فِي الْعِتْقِ كَالْمُنْجَزِ عِتْقُهَا (أَوْ) كَانَ الْحَمْلُ مَوْلُودًا (حَالَ تَعْلِيقِ عِتْقِهَا) لِأَنَّهُ كَانَ حِينَ

التَّعْلِيقِ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا فَسَرَى التَّعْلِيقُ إلَيْهِ فَلَوْ وَضَعَتْهُ إذَنْ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ ثُمَّ وُجِدَتْ عَتَقَتْ هِيَ وَوَلَدُهَا لِأَنَّهُ تَابِعٌ فِي الصِّفَةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَتَقَتْ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ وَ (لَا) يَتْبَعُهَا حَمْلُهَا فِي الْعِتْقِ (إنْ حَمَلَتْهُ وَوَضَعَتْهُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَوُجُودِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ حَالَ التَّعْلِيقِ وَلَا حَالَ وُجُودِ الصِّفَةِ (كَمَا) لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مَوْلُودًا (قَبْلَ التَّعْلِيقِ) لِعِتْقِهَا.

(وَإِنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ) أَوْ أَمَتِهِ (بِصِفَةٍ فَوُجِدَتْ) الصِّفَةُ (فِي صِحَّةِ السَّيِّدِ) أَوْ مَرَضٍ غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (عَتَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ (وَإِنْ وُجِدَتْ) الصِّفَةُ (فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) الْمَخُوفِ قُلْت: وَكَذَا مَا أُلْحِقَ بِالْمَرَضِ الْمَخُوفِ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ (عَتَقَ مِنْ الثُّلُثِ) كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي بَابِ الْهِبَةِ) فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ مُفَصَّلًا.

(وَإِنْ قَالَ) لِقِنِّهِ (أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك أَلْفٌ، أَوْ) أَنْتَ حُرٌّ (عَلَى أَلْفٍ عَتَقَ فِي الْأُولَى) وَهِيَ أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك أَلْفٌ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَجَعَلَ عَلَيْهِ عِوَضًا لَمْ يَقْبَلْهُ فَعَتَقَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
(وَفِي) الصُّورَة (الثَّانِيَةِ) وَهِيَ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ (إنْ قَبِلَ عَتَقَ) وَعَلَيْهِ أَلْفٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْبَلْ (فَلَا) يُعْتَقُ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ عَلَى عِوَضٍ فَلَمْ يُعْتَقْ بِدُونِ قَبُولِهِ وَلِأَنَّ (عَلَى) " تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ وَالْعِوَضِ قَالَ تَعَالَى ﴿َقَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66] . (وَمِثْلُهَا) أَيْ الثَّانِيَةِ (إنْ قَالَ) أَنْتَ حُرٌّ (عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي أَلْفًا أَوْ) أَنْتَ حُرٌّ (بِأَلْفٍ) فَيُعْتَقُ إنْ قَبِلَ، وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ رَجْعِيًّا إنْ لَمْ تَقْبَلْ وَالْفَرْقُ أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ فِي النِّكَاحِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ عَلَى الصَّحِيحِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ مَالٌ مَحْضٌ (أَوْ) قَالَ (بِعْتُك نَفْسَك بِأَلْفٍ) فَلَا يُعْتَقُ حَتَّى يَقْبَلَ (أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجِينِي) فَلَا تُعْتَقُ حَتَّى تَقْبَلَ (وَتَأْتِي تَتِمَّتُهَا) فِي بَابِ (أَرْكَانِ النِّكَاحِ) مُفَصَّلَةً.

(وَ) إنْ قَالَ لِقِنِّهِ (أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي سَنَةً عَتَقَ) فِي الْحَالِ (بِلَا قَبُولٍ) مِنْ الْقِنِّ (وَلَزِمَتْهُ الْخِدْمَةُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْعِتْقِ وَاسْتِثْنَاءِ الْخِدْمَةِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ (فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ) الْمُعَيَّنَةِ لِلْخِدْمَةِ (رَجَعَ الْوَرَثَةُ عَلَى الْعَبْدِ بِقِيمَةِ مَا بَقِيَ مِنْ الْخِدْمَةِ) لِأَنَّ الْعِتْقَ عَقْدٌ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ فَإِذَا تَعَذَّرَ فِيهِ اسْتِيفَاءُ الْعِوَضِ رُجِعَ إلَى قِيمَتِهِ كَالنِّكَاحِ وَالْمُصَالَحِ بِهِ عَنْ دَمِ عَمْدٍ.
(وَلَوْ بَاعَهُ) أَيْ بَاعَ السَّيِّدُ قِنَّهُ (نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي يَدِهِ) أَيْ الْقِنِّ (صَحَّ) ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ (وَعَتَقَ) قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: مَأْخَذُهُمَا هَلْ هُوَ مُعَاوَضَةٌ أَوْ تَعْلِيقٌ؟ (وَلَهُ)

أَيْ السَّيِّدِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قِنِّهِ الَّذِي بَاعَهُ نَفْسَهُ وَقُلْنَا عَتَقَ بِذَلِكَ (الْوَلَاءُ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» .

(وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ) إذَا بَاعَ عَبْدَهُ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهُ (بَيْعُ هَذِهِ الْخِدْمَةِ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ غَيْرِهِ) نَقَلَ حَرْبٌ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِهَا مِنْ الْعَبْدِ أَوْ مِمَّنْ شَاءَ (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْعِ الْإِجَارَةُ) إذْ حَقِيقَةُ الْبَيْعِ السَّابِقَةُ لَا تَتَأَتَّى فِي الْخِدْمَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ.

(وَإِنْ قَالَ) سَيِّدٌ (لِقِنِّهِ إنْ أَعْطَيْتَنِي أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَهُوَ) أَيْ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ (تَعْلِيقٌ مَحْضٌ) لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ (لَا يَبْطُلُ) ذَلِكَ التَّعْلِيقُ (مَا دَامَ) الْقِنُّ (مَلَكَهُ وَلَا يُعْتَقُ) الْقِنُّ (بِالْإِبْرَاءِ مِنْهَا بَلْ) يُعْتَقُ (بِدَفْعِهَا) كُلِّهَا وَتَقَدَّمَ.

وَإِنْ قَالَ لِقِنِّهِ: جَعَلْتُ عِتْقَك إلَيْك أَوْ خَيَّرْتُك وَنَوَى تَفْوِيضَهُ إلَيْهِ فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ فِي الْمَجْلِسِ عَتَقَ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ كَطَلَاقٍ.

[فَصْلٌ قَالَ السَّيِّدُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ]

(فَصْلٌ وَإِنْ قَالَ) السَّيِّدُ (كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ أَوْ) قَالَ كُلُّ (مَمَالِيكِي) حُرٌّ (أَوْ) قَالَ: كُلُّ (رَقِيقِي حُرٌّ عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ وَمُكَاتَبُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَعَبِيدُ عَبْدِهِ التَّاجِرِ وَأَشْقَاصُهُ وَلَوْ لَمْ يَنْوِهَا) لِأَنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ فِيهِمْ فَيُعْتَقُونَ كَمَا لَوْ عَيَّنَهُمْ حَتَّى وَلَوْ كَانَ عَلَى عَبْدِهِ التَّاجِرِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ عَبِيدَهُ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّ الْعَبْدَ خَاصٌّ بِالذَّكَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَ الذُّكُورُ فَقَطْ إذَا قَالَ: كُلُّ عَبْدٍ لِي حُرٌّ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْإِنَاثَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: بِالتَّغْلِيبِ.
(وَلَوْ قَالَ) السَّيِّدُ (عَبْدِي أَوْ أَمَتِي حُرٌّ، أَوْ) قَالَ زَوْجَتِي طَالِقٌ (وَلَمْ يَنْوِ مُعَيَّنًا) مِنْ عَبِيدِهِ وَلَا إمَائِهِ وَزَوْجَاتِهِ (عَتَقَ كُلٌّ) مِنْ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ.
(وَطُلِّقَ كُلُّ نِسَائِهِ لِأَنَّهُ) أَيْ لَفْظُ عَبْدِي أَوْ أَمَتِي أَوْ زَوْجَتِي (مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ) الْعَبِيدَ أَوْ الْإِمَاءَ أَوْ الزَّوْجَاتِ قَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ نِسْوَةٌ فَقَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ: أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقَعُ عَلَيْهِنَّ الطَّلَاقُ: وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ: إحْدَى الزَّوْجَاتِ طَالِقٌ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18] وَقَالَ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187]

وَهَذَا شَامِلٌ لِكُلِّ نِعْمَةٍ وَكُلِّ لَيْلَةٍ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَهِيَ تَعُمُّ كُلَّ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ.

(وَإِنْ قَالَ أَحَدُ عَبِيدِي) حُرٌّ (أَوْ قَالَ أَحَدُ عَبْدِي) حُرٌّ (أَوْ) قَالَ (بَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضُ عَبِيدِي (حُرٌّ وَلَمْ يَنْوِهِ أَوْ عَيَّنَهُ) بِلَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ (ثُمَّ أُنْسِيه أُعْتِقَ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ) لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الْعِتْقِ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَمُيِّزَ بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ جَمِيعَهُمْ فِي مَرَضِهِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ (وَكَذَا لَوْ أَدَّى أَحَدُ مُكَاتَبِيهِ وَجَهِلَ) الْمُؤَدِّي سَوَاءٌ (مَاتَ بَعْضُهُمْ) أَوْ السَّيِّدُ أَوْ لَا.

(وَإِنْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ) إحْدَاكُمَا حُرَّةٌ (وَلَمْ يَنْوِ) وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا عَتَقَتْ إحْدَاهُمَا بِقُرْعَةٍ لِمَا سَبَقَ وَ (حُرِّمَ) عَلَيْهِ (وَطْؤُهَا بِدُونِ قُرْعَةٍ) لِأَنَّ إحْدَاهُمَا عَتَقَتْ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ فَوَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمَا إلَى الْقُرْعَةِ (فَإِنْ وَطِئَ) السَّيِّدُ.
(وَاحِدَةً) مِنْهُمَا مُعَيَّنَةً (ثُمَّ أُنْسِيهَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُهَا بِالْقُرْعَةِ لَا بِتَعْيِينِهِ لَهَا (فَإِنْ مَاتَ) السَّيِّدُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ (أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ) لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ فَمَنْ خَرَجَ بِالْقُرْعَةِ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ حِينِ الْعِتْقِ وَكَسْبُهُ لَهُ.

(وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ) اللَّذَيْنِ قَالَ سَيِّدُهُمَا أَحَدُكُمَا حُرٌّ (أُقْرِعَ بَيْنَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (وَبَيْنَ الْحَيِّ) كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ.

(فَإِنْ عَلِمَ نَاسٍ) أَيْ لَوْ أَعْتَقَ مُعَيَّنًا مِنْ عَبِيدِهِ أَوْ إمَائِهِ ثُمَّ نَسِيَهُ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ عَلِمَ (بَعْدَهَا) أَيْ الْقُرْعَةِ (أَنَّ الْمُعْتَقَ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (عَتَقَ وَبَطَلَ عِتْقُ الْأَوَّلِ) لِتَبَيُّنِ خَطَأِ الْقُرْعَةِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ الْقُرْعَةُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ فَيُعْتَقَانِ) لِأَنَّ فِي إبْطَالِ عِتْقِ الْمُخْرَجِ نَقْضًا لِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِالْقُرْعَةِ وَيَأْتِي فِي الْقَضَاءِ أَنَّ قُرْعَةَ الْحَاكِمِ نَفْسَهَا حُكْمٌ فَلَا يَحْتَاجُ الْحَاكِمُ مَعَ الْقُرْعَةِ إلَى الْحُكْمِ بِهَا كَتَزْوِيجِ الْيَتِيمَةِ وَنَحْوِهِ.

(وَ) إذَا أَعْتَقَ مُعَيَّنًا ثُمَّ نَسِيَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ (قَبْلَ الْقُرْعَةِ) فَإِنَّهُ (يُقْبَلُ تَعْيِينُهُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ (فَيُعْتَقُ مِنْ عَيْنِهِ) لِلْعِتْقِ.

(وَإِنْ قَالَ) السَّيِّدُ (أَعْتَقْت هَذَا لَا بَلْ هَذَا عَتَقَا) جَمِيعًا لِأَنَّ إضْرَابَهُ عَنْ الْأَوَّلِ لَا يُبْطِلُهُ (وَكَذَا الْحُكْمُ فِي إقْرَارِ الْوَارِثِ) إذَا قَالَ: مُوَرِّثِي أَعْتَقَ هَذَا، لَا بَلْ هَذَا: عَتَقَ الِاثْنَانِ.

وَإِنْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ مَثَلًا فَأَحَدُهُمَا حُرٌّ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَاعَهُ السَّيِّدُ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ فِي الشَّهْرِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ عَلَى قُدُومِهِ فِيهِ عَتَقَ الْبَاقِي فِي مِلْكِهِ لِمُصَادَفَةِ وُجُودِ الشَّرْطِ لِمَنْ هُوَ مَحَلٌّ لِوُقُوعِ الْعِتْقِ كَقَوْلِهِ لِقِنِّهِ وَأَجْنَبِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ إحْدَاهُمَا حُرٌّ فَيُعْتَقُ قِنُّهُ وَحْدَهُ وَكَذَا الطَّلَاقُ وَيَأْتِي.

[فَصْلٌ أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ الْمَخُوفِ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ]

(فَصْلٌ وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ الْمَخُوفِ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ) أَوْ مِنْ أَمَتِهِ (أَوْ دَبَّرَهُ) أَيْ دَبَّرَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إذَا مِتّ فَنِصْفُ عَبْدِي) فُلَانٌ أَوْ نِصْفُ أَمَتِي فُلَانَةُ (حُرٌّ أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ) أَيْ بِعِتْقِ جُزْءٍ مِنْ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ ثُمَّ مَاتَ (وَثُلُثُهُ) حِينَ الْمَوْتِ (يَحْتَمِلُ) قِيمَةَ (جَمِيعِهِ عَتَقَ) الْقِنُّ (كُلُّهُ) لِأَنَّ عِتْقَ الْمَيِّتِ جُزْؤُهُ أَوْ تَدْبِيرَهُ جُزْؤُهُ أَوْ عِتْقَ الْوَرَثَةِ بِالْوَصِيَّةِ يَسْرِي إلَى بَاقِيه مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُعْتِقِ لِثُلُثِ مَالِهِ مِلْكٌ تَامٌّ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِالتَّبَرُّعِ وَغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ عِتْقَ الصَّحِيحِ.

(فَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ) الَّذِي نَجَزَ سَيِّدُهُ الْمَرِيضُ عِتْقَ جُزْءٍ مِنْهُ (قَبْلَ) مَوْتِ (سَيِّدِهِ) ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ (عَتَقَ) مِنْهُ (بِقَدْرِ ثُلُثِهِ) أَيْ ثُلُثِ مَالِ السَّيِّدِ عِنْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ قِنًّا.

(وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ) أَحَدُ شَرِيكَيْنِ فِي رَقِيقٍ (شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) الْمَخُوفِ (أَوْ دَبَّرَهُ) أَيْ دَبَّرَ شِرْكًا لَهُ فِي رَقِيقٍ وَلَوْ فِي الصِّحَّةِ.
(وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ بَاقِيه) فَإِنَّهُ يُعْتَقُ كُلُّهُ لِمَا تَقَدَّمَ كَالصَّحِيحِ الْمُوسِرِ (وَيُعْطَى الشَّرِيكُ قِيمَةَ حِصَّتِهِ) يَوْمَ عِتْقِهِ مِنْ التَّرِكَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُمْ حِصَصَهُمْ» .

(وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ (سِتَّةَ أَعْبُدٍ) أَوْ سِتَّ إمَاءٍ أَوْ سِتَّةً مِنْهُمَا (قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُهُمْ) فِي الظَّاهِرِ (ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مُعْتَقِهِمْ (دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُمْ) أَيْ يَسْتَغْرِقُ السِّتَّةَ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ وَمَا مَعَهُمْ مِنْ مَالِهِ (بِيعُوا فِي دَيْنِهِ) لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ عِتْقِهِمْ بِظُهُورِ الدَّيْنِ وَيَكُونُ عِتْقُهُمْ وَصِيَّةً وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» وَإِنْ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ بَعْضَهُمْ بِيعَ مِنْهُمْ بِقَدْرِهِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ الْوَارِثُ بِقَضَائِهِ فِيهِمَا (فَإِنْ) لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ (أَعْتَقْنَا ثُلُثَهُمْ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ (ثُمَّ) إنْ (ظَهَرَ لَهُ) أَيْ لِلْمُعْتِقِ (مَالٌ يَخْرُجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقَ مَنْ أُرِقَّ مِنْهُمْ) لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِهِ نَافِذٌ وَقَدْ بَانَ أَنَّهُمْ ثُلُثُ مَالِهِ، وَخَفَاءُ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمَالِ عَلَيْنَا لَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْمُعْتِقِ مَوْجُودًا مِنْ حِينِهِ.
(وَكَانَ حُكْمُهُمْ) أَيْ السِّتَّةِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِهِ وَتَبَيَّنَّا خُرُوجَهُمْ مِنْ الثُّلُثِ (حُكْمَ الْأَحْرَارِ مِنْ حِينِ أَعْتَقَهُمْ) لِنُفُوذِ عِتْقِهِمْ إذَنْ (وَكَسْبُهُمْ لَهُمْ مُنْذُ عَتَقُوا وَإِنْ كَانُوا قَدْ تُصُرِّفَ فِيهِمْ) مِنْ الْوَرَثَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ (بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ) أَوْ إجَارَةٍ وَنَحْوِهَا

(أَوْ رَهْنٍ أَوْ تَزْوِيجٍ بِغَيْرِ إذْنٍ) مِنْهُمْ إنْ كَانُوا أَهْلًا لَهُ (كَانَ) التَّصَرُّفُ (بَاطِلًا) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي حُرٍّ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْعُتَقَاءُ (قَدْ تَصَرَّفُوا) بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهَا (فَحُكْمُ تَصَرُّفِهِمْ حُكْمُ تَصَرُّفِ) سَائِرِ (الْأَحْرَارِ) لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ) أَيْ لِمُعْتِقِ السِّتَّةِ الْمُتَسَاوِينَ فِي الْقِيمَةِ (مَالٌ غَيْرُهُمْ) وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ (جَزَّأْنَاهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ كُلُّ اثْنَيْنِ جُزْءٌ ثُمَّ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ وَرَقَّ الْبَاقُونَ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ، فَجَزَّأَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَسَائِرُ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.
وَلِأَنَّ الْعِتْقَ حَقٌّ فِي تَفْرِيقِهِ ضَرَرٌ فَوَجَبَ جَمْعُهُ بِالْقُرْعَةِ كَقِسْمَةِ الْإِجْبَارِ إذَا طَلَبَهَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ وَالْوَصِيَّةُ لَا ضَرَرَ فِي تَفْرِيقِهَا بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا وَإِنْ سَلَّمْنَا مُخَالَفَتَهُ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ سَوَاءٌ وَافَقَ نَصُّهُ الْقِيَاسَ أَوْ لَا هَذَا إنْ تَسَاوَوْا فِي الْقِيمَةِ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ كَسِتَّةٍ قِيمَةُ اثْنَيْنِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ مِائَتَانِ وَاثْنَيْنِ مِائَةُ مِائَةٍ جَعَلْت الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ قِيمَتُهُمَا أَرْبَعُمِائَةٍ جُزْءًا وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّذَيْنِ قِيمَتهمَا مِائَةٌ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ جُزْءًا وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ هَذَا إنْ أَعْتَقَهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ خِلَافًا لِلْمُبْدِعِ هُنَا.

(فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْعَبِيدُ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ الْمَخُوفِ دُفْعَةً وَاحِدَةً (ثَمَانِيَةً) وَقِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ وَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْ ثُلُثِهِ وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ عِتْقَهُمْ (فَإِنْ شَاءَ أَقَرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ وَخَمْسَةِ) أَسْهُمِ (رِقٍّ وَسَهْمٍ لِمَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ) لِأَنَّ الْغَرَضَ خُرُوجُ الثُّلُثِ بِالْقُرْعَةِ فَكَيْفَ اتَّفَقَ حَصَلَ ذَلِكَ الْغَرَضُ (وَإِنْ شَاءَ جَزَّأَهُمْ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَثَلَاثَةٍ رِقٍّ ثُمَّ أَعَادَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ السِّتَّةِ لِإِخْرَاجِ مَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ) لِيَظْهَرَ الْمُعْتَقُ مِنْ غَيْرِهِ.
(وَكَيْفَ أَقَرَعَ جَازَ) بِأَنْ يَجْعَلَ ثَلَاثَةً جُزْءًا وَثَلَاثَةً جُزْءًا وَاثْنَيْنِ جُزْءًا فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الِاثْنَيْنِ عَتَقَا وَيُكَمَّلُ الثُّلُثَ بِالْقُرْعَةِ مِنْ الْبَاقِينَ وَإِنْ خَرَجَتْ لِثَلَاثَةٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمِ رِقٍّ لِمَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ وَإِنْ كَانَ جَمِيعَ مَالِهِ وَأَعْتَقَهُمَا أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمِ رِقٍّ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

(وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ (عَبْدَيْنِ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَتَانِ وَ) قِيمَةُ (الْآخَرِ ثَلَاثُمِائَةٍ جَمَعْت قِيمَتَهُمَا وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ فَجَعَلْتهَا الثُّلُثَ) إنْ لَمْ

تُجِزْ الْوَرَثَةُ عِتْقَهُمَا لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ كَسْرٌ فَتَعْسُرَ النِّسْبَةُ إلَيْهِ (ثُمَّ أَقْرَعْت بَيْنَهُمَا) لِيَتَمَيَّزَ الْمُعْتَقُ مِنْ غَيْرِهِ (فَإِنْ وَقَعَتْ) الْقُرْعَةُ (عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَتَانِ ضَرَبْتهَا فِي ثَلَاثَةٍ) كَمَا يُعْمَلُ فِي مَجْمُوعِ الْقِيمَةِ (تَبْلُغُ سِتَّمِائَةٍ ثُمَّ تَنْسُبهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ حَاصِلِ الضَّرْبِ وَهُوَ السِّتُّمِائَةِ (الْخَمْسمِائَةِ) لِأَنَّهَا الثُّلُثُ تَقْدِيرًا.
(وَيَكُونُ الْعِتْقُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ) لِأَنَّ الْخَمْسمِائَةِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ السِّتِّمِائَةِ (وَإِنْ وَقَعَتْ) الْقُرْعَةُ (عَلَى) الْعَبْدِ (الْآخَرِ) الَّذِي قِيمَتُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ عَتَقَ مِنْهُ (خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ) لِأَنَّك تَضْرِبُ قِيمَتَهُ وَهِيَ الثَّلَاثُمِائَةِ فِي ثَلَاثَةٍ يَحْصُلُ تِسْعُمِائَةٍ تَنْسُبُ إلَيْهَا الْخَمْسمِائَةِ تَكُنْ خَمْسَةَ أَتْسَاعِهَا (وَكُلُّ شَيْءٍ) مِنْ الْمَسَائِلِ (يَأْتِي مِنْ هَذَا الْبَابِ فَسَبِيلُهُ) أَيْ طَرِيقُهُ (أَنْ يُضْرَبَ فِي ثَلَاثَةٍ) مَخْرَجَ الثُّلُثِ (لِيَخْرُجَ) صَحِيحًا (بِلَا كَسْرٍ) .

(وَإِنْ أَعْتَقَ) مَرِيضٌ (وَاحِدًا) مُبْهَمًا (مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ) أَيْ أَحَدُ الْعَبِيدِ الثَّلَاثَةِ (فِي حَيَاتِهِ) أَيْ السَّيِّدِ الْمَرِيضِ (أَقْرَعَ بَيْنَهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْمَيِّتِ (وَبَيْنَ الْحَيَّيْنِ) لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ إنَّمَا تَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أُعْتِقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مُعَيَّنًا (فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمَيِّتِ رَقَّ الْآخَرَانِ) كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا.
(وَإِنْ وَقَعَتْ) الْقُرْعَةُ (عَلَى أَحَدِ الْحَيَّيْنِ عَتَقَ) مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ) وَقْتَ الْمَوْتِ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ مُعْتَبَرٌ مِنْ الثُّلُثِ وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمَيِّتِ خُرُوجَهُ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّ قِيمَةَ الْمَيِّتِ إنْ كَانَتْ وَفْقَ الثُّلُثِ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ فَالزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ هَلَكَ عَلَى مَالِكِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَلَا يُعْتَقُ مِنْ الْآخَرَيْنِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ إلَّا وَاحِدًا قُلْت: إنْ كَسَبَ شَيْئًا بَعْدَ الْعِتْقِ ثُمَّ مَاتَ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ لِأَجْلِ أَنْ تَرِثَ وَرَثَتُهُ مَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ أَوْ بِكَامِلِهِ إنْ خَرَجَ مِنْ، الثُّلُثِ.

(وَإِنْ عَتَقَ الثَّلَاثَةُ) أَعْبُدٍ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ (فِي مَرَضِ) مَوْتِهِ الْمَخُوفِ (فَمَاتَ أَحَدُهُمْ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ أَقَرَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيَّيْنِ) لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ إنَّمَا تَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، إلَّا أَنَّ الْمَيِّتَ هُنَا لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ وَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ عَتَقَ مِنْ أَحَدِ الْحَيَّيْنِ تَكْمِلَةُ الثُّلُثِ بِالْقُرْعَةِ (وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ) أَيْ بِعِتْقِ ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ (فَمَاتَ أَحَدُهُمْ بَعْدَهُ) أَيْ الْمُوصِي (وَقَبْلَ عِتْقِهِمْ أَوْ دَبَّرَهُمْ) أَيْ الثَّلَاثَةَ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَهُ (أَوْ دَبَّرَ بَعْضَهُمْ وَوَصَّى بِعِتْقِ الْبَاقِينَ) وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ عِتْقَهُمْ (فَمَاتَ أَحَدُهُمْ) فَيُقْرَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيَّيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ قَالَ) عَبْدٌ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ (اشْتَرِنِي مِنْ سَيِّدِي بِهَذَا الْمَالِ وَأَعْتِقْنِي فَفَعَلَ) أَيْ فَاشْتَرَاهُ وَأَعْتَقَهُ (عَتَقَ وَلَزِمَ مُشْتَرِيهِ) الثَّمَنُ (الْمُسَمَّى)

فِي الْعَقْدِ وَمَا أَخَذَهُ مِنْ الْعَبْدِ وَدَفَعَهُ لِلسَّيِّدِ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَبْرَأُ بِهِ عَمَّا لَزِمَهُ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَالْوَلَاءُ لَهُ (إنْ لَمْ يَكُنْ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ) الَّذِي أَعْطَاهُ لَهُ الْعَبْدُ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ (بَطَلَا) أَيْ الشِّرَاءُ وَالْعِتْقُ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ غَيْرِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ وَلَمْ يَنْفُذْ الْعِتْقُ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَمْلُوكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَيَكُونُ السَّيِّدُ قَدْ أَخَذَ مَالَهُ لِأَنَّ مَا بِيَدِ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ.

[بَابُ التَّدْبِيرِ]

(بَابُ التَّدْبِيرِ) يُقَالُ: دَابَرَ الرَّجُلُ يُدَابِرُ مُدَابَرَةً إذَا مَاتَ فَسُمِّيَ الْعِتْقُ بَعْدَ الْمَوْتِ تَدْبِيرًا لِأَنَّ الْمَوْتَ دُبُرُ الْحَيَاةِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ إدْبَارِهِ مِنْ الدُّنْيَا وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي شَيْءٍ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ وَصِيَّةٍ وَوَقْفٍ وَغَيْرِهِمَا، فَهُوَ لَفْظٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْعِتْقُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
(وَهُوَ) أَيْ التَّدْبِيرُ (تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ) أَيْ مَوْتِ الْمُعَلِّقِ (فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ) أَيْ بِالتَّدْبِيرِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ لَا تَصِحُّ بِمُدَبَّرٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ غُلَامٌ غَيْرُهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ وَقَالَ أَنْتَ أَحْوَجُ مِنْهُ " وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ.

(وَيُعْتَبَرُ) لِعِتْقِ الْمُدَبَّرِ خُرُوجُهُ (مِنْ الثُّلُثِ) بَعْدَ الدُّيُونِ وَمُؤَنِ التَّجْهِيزِ يَوْمَ مَوْتِ السَّيِّدِ (سَوَاءٌ دَبَّرَهُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فِي الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ فَنَفَذَ فِي جَمِيعِ الْمَالِ، كَالْهِبَةِ الْمُنْجَزَةِ وَأَمَّا الِاسْتِيلَادُ فَإِنَّهُ أَقْوَى مِنْ التَّدْبِيرِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ (فَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِهَا) أَيْ بِالْمُدَبَّرَةِ (وَبِوَلَدِهَا) التَّابِعِ لَهَا فِي التَّدْبِيرِ بِأَنْ لَمْ يَخْرُجَا مِنْ الثُّلُثِ (أَقَرَعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، كَمُدَبَّرَيْنِ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا (فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهُ عَتَقَ) كُلُّهُ (إنْ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ) بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً وَلَهُ غَيْرُهُ مِائَتَانِ مَثَلًا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ (عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ) أَيْ الثُّلُثِ إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ كَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ (وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ عِتْقِهِ شَيْءٌ كَمُلَ) الثُّلُثُ بِالْعِتْقِ (مِنْ الْآخَرِ) فَيُعْتَقُ مِنْهُ تَمَامُ الثُّلُثِ (كَمَا لَوْ دَبَّرَ عَبْدًا وَأَمَةً)

مَعًا أَوْ أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ.

(وَإِنْ اجْتَمَعَ الْعِتْقُ وَالتَّدْبِيرُ فِي الْمَرَضِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْعِتْقِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ فَأَمَّا التَّدْبِيرُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ كَمَا تَقَدَّمَ (قُدِّمَ الْعِتْقُ) حَيْثُ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا لِسَبْقِهِ (وَمِنْ التَّدْبِيرِ) أَيْ مِثْلُهُ (الْوَصِيَّةُ بِالْعِتْقِ) يَعْنِي إذَا اجْتَمَعَ التَّدْبِيرُ وَالْوَصِيَّةُ بِالْعِتْقِ تَسَاوَيَا لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا عِتْقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ.

(وَيَصِحُّ) التَّدْبِيرُ (مِمَّنْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ) كَرَشِيدٍ وَلَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِفَلْسٍ وَسَفِيهٍ وَمُمَيِّزٍ بِعَقْلِهِ.

(وَصَرِيحُهُ) أَيْ التَّدْبِيرِ (لَفْظُ الْعِتْقِ وَالْحُرِّيَّةِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَلَفْظُ التَّدْبِيرِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا) نَحْوَ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ أَنْتَ مُعْتَقٌ أَوْ عَتِيقٌ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ حَرَّرْتُك بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ دَبَّرْتُك وَنَحْوَهُ (غَيْرَ أَمْرٍ) نَحْوَ حَرِّرْ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ أَعْتِقْ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ دَبِّرْ.
(وَ) غَيْرَ (مُضَارِعٍ) نَحْوَ تُحَرَّرُ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ تُعْتَقُ بَعْد مَوْتِي، أَوْ تُدَبَّرُ (وَ) غَيْرَ (اسْمِ فَاعِلٍ) نَحْوَ أَنْتَ مُحَرِّرٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى، وَأَنْتَ مُعْتِقٌ بِكَسْرِ التَّاءِ، أَوْ أَنْتَ مُدَبِّرٌ بِكَسْرِ الْبَاءِ.

(وَكِنَايَاتُ الْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ تَكُونُ تَدْبِيرًا) أَيْ كِنَايَاتٍ لِلتَّدْبِيرِ (إذَا أَضَافَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ كِنَايَاتِ الْعِتْقِ الْمُنْجَزِ (ذِكْرَ الْمَوْتِ) يَعْنِي إذَا عُلِّقَتْ بِالْمَوْتِ كَقَوْلِهِ: إنْ مِتّ فَأَنْتَ لِلَّهِ أَوْ فَأَنْتَ مَوْلَايَ أَوْ فَأَنْتِ سَائِبَةٌ وَنَحْوِهِ.

(وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ) أَيْ الْعِتْقُ (بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ (نَحْوَ: إنْ مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ) أَوْ فَأَنْتَ عَتِيقٌ وَنَحْوَهُ وَكَذَا أَنْتَ مُدَبَّرٌ.

(وَ) يَصِحُّ التَّدْبِيرُ (مُقَيَّدًا نَحْوَ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا) فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُدَبَّرٌ (أَوْ) إنْ مِتُّ فِي (عَامِي هَذَا) فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُدَبَّرٌ (أَوْ) إنْ مِتُّ (فِي هَذِهِ الْبَلَدِ أَوْ) هَذِهِ (الدَّارِ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُدَبَّرٌ) فَيَكُونُ جَائِزًا عَلَى مَا قَالَ (وَكَذَا أَنْتَ مُدَبَّرٌ الْيَوْمَ) فَيَصِحُّ (وَيَتَقَيَّدُ بِهِ فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي شَرَطَهَا عَتَقَ) الْمُدَبَّرُ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَمُتْ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي شَرَطَهَا (فَلَا) يُعْتَقُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُدَبَّرٍ وَلَا لِعَدَمِ وُجُودِ الشَّرْطِ.

(وَإِنْ قَالَ) السَّيِّدُ لِرَقِيقِهِ (إنْ قَرَأْت الْقُرْآنَ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَقَرَأَهُ) أَيْ الْقُرْآنَ (جَمِيعَهُ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ صَارَ مُدَبَّرًا) لِوُجُودِ شَرْطِهِ (وَلَا) يَصِيرُ مُدَبَّرًا إنْ قَرَأَ (بَعْضَهُ) لِأَنَّهُ عَرَّفَهُ بِأَلْ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَعَادَ إلَى جَمِيعِهِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] (1) الْآيَةَ وَنَحْوَهَا فَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى بَعْضِهِ، بِدَلِيلٍ وَلِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ هُنَا تَقْتَضِي قِرَاءَةَ جَمِيعِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ تَرْغِيبَهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَتَتَعَلَّقُ الْحُرِّيَّةُ بِهِ (إلَّا إذَا قَالَ: إنْ قَرَأْت قُرْآنًا) فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَإِنَّهُ يَصِيرُ

مُدَبَّرًا بِقِرَاءَةِ بَعْضِهِ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ، فَيَعُمُّ أَيَّ بَعْضٍ كَانَ وَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَقْتَضِي اسْتِيعَابَهُ.

(وَإِنْ قَالَ) السَّيِّدُ لِرَقِيقِهِ (مَتَى شِئْت) فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ (أَوْ) قَالَ لَهُ (إنْ شِئْت فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ، أَوْ) قَالَ لَهُ (إذَا قَدِمَ زَيْدٌ) فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ (أَوْ) قَالَ: إذَا (جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ وَنَحْوَهُ فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ فَشَاءَ) الرَّقِيقُ.
(وَلَوْ مُتَرَاخِيًا) فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ صَارَ مُدَبَّرًا (أَوْ قَدِمَ زَيْدٌ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ لَا بَعْدَهَا) أَوْ جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ وَنَحْوُهُ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ لَا بَعْدَهَا (صَارَ مُدَبَّرًا) وَعَتَقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ وَوُجِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يُعْتَقْ، لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّرْطِ يَقْتَضِي وُجُودَهُ فِي الْحَيَاةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَلَّقَ عَلَيْهِ عِتْقًا مُنَجَّزًا.

(وَإِنْ قَالَ) السَّيِّدُ لِرَقِيقِهِ (مَتَى شِئْتَ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَيُّ وَقْتٍ شِئْت بَعْدَ مَوْتِي) فَأَنْتَ حُرٌّ (لَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيقُ وَلَمْ يُعْتَقْ) لِأَنَّ التَّدْبِيرَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ فَلَا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ (وَكَذَا لَوْ قَالَ: إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ لَا) فَلَا يُعْتَقُ (أَوْ قَالَ) إذَا مِتُّ (فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ لَسْتَ بِحُرٍّ) لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ لَا إعْتَاقٌ.

(وَإِنْ أَبْطَلَ التَّدْبِيرَ) لَمْ يَبْطُلْ (أَوْ قَالَ) السَّيِّدُ (رَجَعْتُ فِيهِ) أَيْ التَّدْبِيرِ لَمْ يَبْطُلْ (أَوْ جَحَدَهُ) أَيْ التَّدْبِيرَ لَمْ يَبْطُلْ.

(أَوْ رَهَنَ) السَّيِّدُ (الْمُدَبَّرَ) لَمْ يَبْطُلْ (أَوْ أَوْصَى) السَّيِّدُ (بِهِ) أَيْ بِالْمُدَبَّرِ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ بِالْمَوْتِ وَتَقَدَّمَ وَ (لَمْ يَبْطُلْ) التَّدْبِيرُ (لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ عَلَى صِفَةٍ) وَالتَّعْلِيقُ لَا يُمْلَكُ إبْطَالُهُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ.

(فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَهُوَ) أَيْ الْمُدَبَّرُ (رَهْنٌ عَتَقَ) الْمُدَبَّرُ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (وَأَخَذَ) الْمُرْتَهِنُ (مِنْ تَرِكَتِهِ قِيمَتَهُ) أَيْ الْمُدَبَّرِ (وَتَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ) إلَى حُلُولِ الدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ حَالًّا وَفَّى دَيْنَهُ.

(وَإِنْ غَيَّرَ التَّدْبِيرَ فَكَانَ مُطْلَقًا) بِأَنْ كَانَ قَالَ لَهُ أَنْتَ مُدَبَّرٌ (فَجَعَلَهُ مُقَيَّدًا) بِأَنْ قَالَ لَهُ: إنْ مِتُّ فِي مَرَضِي هَذَا أَوْ بَلَدِي هَذَا وَنَحْوَهُ فَأَنْتَ حُرٌّ (لَمْ يَصِحَّ التَّقْيِيدُ) لِأَنَّهُ رُجُوعٌ مِنْ الْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ فَهُوَ كَالرُّجُوعِ مِنْ التَّدْبِيرِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِمُدَبَّرِهِ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ إنْ أَدَّيْتَ إلَى وَرَثَتِي كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ فَهُوَ رُجُوعٌ عَنْ التَّدْبِيرِ، فَلَا يَصِحُّ (وَإِنْ كَانَ) التَّدْبِيرُ (مُقَيَّدًا فَأَطْلَقَهُ) بِأَنْ قَالَ لَهُ أَوَّلًا: أَنْتَ حُرٌّ إنْ مِتُّ فِي مَرَضِي هَذَا ثُمَّ قَالَ لَهُ أَنْتَ مُدَبَّرٌ (صَحَّ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ) فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ.

(وَإِنْ ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ وَلَحِقَ بِدَارِ حَرْبٍ لَمْ يَبْطُلْ تَدْبِيرُهُ) لِأَنَّ رِدَّتَهُ لَا تُنَافِيه (فَإِنْ سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ) وَعَلِمُوا سَيِّدَهُ (لَمْ يَمْلِكُوهُ وَيُرَدُّ إلَى سَيِّدِهِ إنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ قِسْمَةٍ) كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الْمَأْخُوذَةِ مِنْهُمْ (وَيُسْتَتَابُ) الْمُدَبَّرُ الْمُرْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (فَإِنْ تَابَ) لَمْ يُقْتَلْ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتُبْ وَمَضَتْ الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ (قُتِلَ) لِرِدَّتِهِ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ) أَيْ السَّيِّدُ الْمُدَبَّرَ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْكُفَّارِ (حَتَّى قُسِّمَ) الْمُدَبَّرُ، مَلَكَهُ مَنْ وَقَعَ

فِي قَسْمِهِ (فَإِنْ اخْتَارَ سَيِّدُهُ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي حُسِبَ بِهِ عَلَى آخِذِهِ بِهِ أَخَذَهُ) أَيْ بِالثَّمَنِ وَكَذَا لَوْ أُخِذَ مِنْهُمْ بِشِرَاءٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ) سَيِّدُهُ (أَخَذَهُ) بِثَمَنِهِ (بَطَلَ تَدْبِيرُهُ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ سَيِّدُهُ وَهُوَ فِي مِلْكِ الْآخِذِ لَهُ لَمْ يُعْتَقْ كَمَا لَوْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ فِيهِ عَنْ سَيِّدِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ.
(وَمَتَى عَادَ) الْمُدَبَّرُ (إلَى سَيِّدِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إرْثٍ وَنَحْوِهِ (عَادَ تَدْبِيرُهُ) بِحَيْثُ إنَّهُ مَتَى مَاتَ سَيِّدُهُ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ عَتَقَ بِشَرْطِهِ بِالتَّدْبِيرِ السَّابِقِ لِعَوْدِ الصِّفَةِ، كَمَا فِي الْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ وَالطَّلَاقِ.
(وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ) أَيْ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ الْمُرْتَدِّ وَهُوَ بِدَارِ حَرْبٍ (قَبْلَ سَبْيِهِ عَتَقَ) حَيْثُ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ لِمَوْتِ سَيِّدِهِ وَهُوَ بَاقٍ فِي مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَلْحَقْ بِدَارِ الْحَرْبِ (فَإِنْ سُبِيَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْعِتْقِ (لَمْ يُرَدَّ إلَى وَرَثَةِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُوَرَّثُ (لَكِنْ يُسْتَتَابُ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (فَإِنْ تَابَ وَأَسْلَمَ صَارَ رَقِيقًا يُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ) قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ إذَا أَسْلَمَ، لِأَنَّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ إبْطَالُ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَلَنَا أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ قَتْلَهُ وَإِذْهَابَ نَفْسِهِ وَوَلَائِهِ فَلِئَلَّا يَمْنَعُ مِلْكَهُ أَوْلَى (فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ) وُجُوبًا (وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ) كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ.

(وَإِنْ ارْتَدَّ سَيِّدُهُ) أَيْ الْمُدَبِّرِ (أَوْ دَبَّرَهُ) سَيِّدُهُ (فِي رِدَّتِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (ثُمَّ عَادَ) سَيِّدُهُ (إلَى الْإِسْلَامِ فَالتَّدْبِيرُ بِحَالِهِ) فَإِذَا مَاتَ سَيِّدُهُ عَتَقَ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ.
(وَإِنْ قُتِلَ) السَّيِّدُ لِرِدَّتِهِ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ مَاتَ) السَّيِّدُ (عَلَى رِدَّتِهِ لَمْ يُعْتَقْ) الْمُدَبَّرُ.

(وَلِلسَّيِّدِ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَلَوْ) كَانَ (أَمَةً أَوْ) كَانَ الْبَيْعُ لِبَيْعٍ (فِي غَيْرِ الدَّيْنِ وَ) لَهُ أَيْضًا (هِبَتُهُ وَوَقْفُهُ) وَرَهْنُهُ وَنَحْوُهُ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ: صَحَّتْ أَحَادِيثُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ بِاسْتِقَامَةِ الطُّرُقِ وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ بِصِفَةٍ وَيَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمُعْتِقِ فَلَمْ يُمْنَعْ الْبَيْع كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ، لِأَنَّ عِتْقَهَا ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ سَيِّدِهَا، وَلَيْسَ بِتَبَرُّعٍ وَيَكُونُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَالْوَقْفُ وَالْهِبَةُ وَنَحْوُهَا كَالْبَيْعِ.

(فَإِنْ عَادَ) الْمُدَبَّرُ بَعْدَ بَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ وَنَحْوِهِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى السَّيِّدِ بِإِرْثٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ عَقْدٍ (عَادَ التَّدْبِيرُ) لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ فَإِذَا بَاعَهُ وَنَحْوَهُ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ عَادَتْ الصِّفَةُ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَبَاعَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ إلَيْهِ فَإِذَا بَاعَ السَّيِّدُ الْمُدَبَّرَ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ عَتَقَ.

(وَإِنْ جَنَى) الْمُدَبَّرُ (بِيعَ) أَيْ جَازَ بَيْعُهُ فِي الْجِنَايَةِ وَتَسْلِيمُهُ لِوَلِيِّهَا بِهَا لِأَنَّهُ قِنٌّ (وَإِنْ) اخْتَارَ سَيِّدُهُ فِدَاءَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ (فُدِيَ بَقِيَ تَدْبِيرُهُ) بِحَالِهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ.

(وَإِنْ بِيعَ بَعْضُهُ) أَيْ الْمُدَبَّرِ فِي الْجِنَايَةِ أَوْ غَيْرِهَا (فَبَاقِيهِ مُدَبَّرٌ) بِحَالِهِ يُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ وَيَسْرِي إلَى الْبَاقِي إنْ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ.

(وَلِلسَّيِّدِ وَطْءُ مُدَبَّرَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ) وَطْئُهَا حَالَ تَدْبِيرِهَا سَوَاءٌ كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلَ تَدْبِيرِهَا أَوْ لَا وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ دَبَّرَ أَمَتَيْنِ لَهُ وَكَانَ يَطَؤُهُمَا قَالَ أَحْمَدُ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ ذَلِكَ غَيْرَ الزُّهْرِيِّ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ وَلَمْ تَشْتَرِ نَفْسَهَا مِنْهُ فَحَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] .

(فَإِنْ أَوْلَدَهَا) أَيْ أَوْلَدَ السَّيِّدُ مُدَبَّرَتَهُ (بَطَلَ تَدْبِيرُهَا) وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى مِنْ التَّدْبِيرِ، لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ الْعِتْقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيَبْطُلُ بِهِ الْأَضْعَفُ وَهُوَ التَّدْبِيرُ، كَمِلْكِ الرَّقَبَةِ إذَا طَرَأَ النِّكَاحُ.

(وَلَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (وَطْءُ ابْنَتِهَا) أَيْ الْمُدَبَّرَةِ (إنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَ أُمَّهَا) لِأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهَا تَامٌّ فِيهَا كَأُمِّهَا بِخِلَافِ بِنْتِ الْمُكَاتَبَةِ فَإِنَّهَا تَتْبَعُ أُمَّهَا وَأُمُّهَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا فَإِنْ وَطِئَ أُمَّهَا حُرِّمَتْ الْبِنْتُ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ دَخَلَ بِأُمِّهَا.

(وَمَا وَلَدَتْهُ) مُدَبَّرَةٌ (مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بَعْدَ تَدْبِيرِهَا كَهِيَ) أَيْ الْمُدَبَّرَةِ (يُعْتَقُ بِمَوْتِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (سَوَاءٌ كَانَ) مَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ (مَوْجُودًا حَالَ التَّعْلِيقِ أَوْ) مَوْجُودًا حَالَ (الْعِتْقِ أَوْ) كَانَ (حَادِثًا بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالْعِتْقِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَجَابِرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ بِمَنْزِلَتِهَا " وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ الْأُمَّ اسْتَحَقَّتْ الْحُرِّيَّةَ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا فَتَبِعَهَا وَلَدُهَا كَأُمِّ الْوَلَدِ وَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ بِصِفَةٍ فِي الْحَيَاةِ وَالْوَصِيَّةِ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا.
(وَيَكُونُ) وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ (مُدَبَّرًا بِنَفْسِهِ فَإِنْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ فِي الْأُمِّ لِبَيْعِ) السَّيِّدِ إيَّاهَا (أَوْ غَيْرِهِ) كَمَوْتِهَا (لَمْ يَبْطُلْ) التَّدْبِيرُ (فِي الْوَلَدِ) فَيُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ لِعَدَمِ مُوجِبِ الْبُطْلَانِ فِيهِ.
(وَإِنْ عَتَقَتْ الْأُمُّ) الْمُدَبَّرَةُ (فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ لَمْ يُعْتَقْ وَلَدُهَا) كَغَيْرِ الْمُدَبَّرَةِ لِانْفِصَالِهِ (حَتَّى يَمُوتَ السَّيِّدُ) فَيُعْتَقَ بِالتَّدْبِيرِ.

(فَلَوْ قَالَتْ) الْمُدَبَّرَةُ (وَلَدْتُ بَعْدَ تَدْبِيرِي) فَيَتْبَعُنِي وَلَدِي (وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ) وَقَالَ بَلْ وَلَدَتْ قَبْلَهُ (فَقَوْلُهُ) أَيْ السَّيِّدِ (وَكَذَا) إذَا مَاتَ وَاخْتَلَفَتْ مَعَ.
(وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ) فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ رِقِّ الْوَلَدِ وَانْتِفَاءُ الْحُرِّيَّةِ عَنْهُ.

(وَلَا يُعْتَقُ) بِمَوْتِ سَيِّدِهَا (مَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ التَّدْبِيرِ لِأَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا فِيهِ) أَيْ فِي التَّدْبِيرِ لِانْفِصَالِهِ.

(وَوَلَدُ الْمُدَبَّرِ يَتْبَعُ أُمَّهُ) حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً مُدَبَّرَةً أَوْ غَيْرَهَا وَ (لَا) يَتْبَعُ (أَبَاهُ) لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، لَكِنْ إنْ قُلْنَا لَهُ التَّسَرِّي فَوَلَدُهُ مِنْ أَمَتِهِ كَوَلَدِ الْحُرِّ مِنْ أَمَتِهِ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ.

(وَإِذَا كَاتَبَ الْمُدَبَّرَ) صَحَّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَة لِأَنَّ التَّدْبِيرَ إنْ كَانَ عِتْقًا بِصِفَةٍ لَمْ يَمْنَعْ الْكِتَابَةَ، وَكَذَا إنْ كَانَ وَصِيَّةً

كَمَا لَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ ثُمَّ كَاتَبَهُ.

(أَوْ) كَاتَبَ (أُمَّ وَلَدِهِ) صَحَّ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ وَالْكِتَابَةَ سَبَبَانِ لِلْعِتْقِ فَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كَتَدْبِيرِ الْمُكَاتَبِ (أَوْ دَبَّرَ الْمُكَاتَبَ صَحَّ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِعِتْقِهِ بِصِفَةٍ وَهُوَ يَمْلِكُ إعْتَاقَهُ فَيَمْلِكُ التَّعْلِيقَ.

(فَإِنْ أَدَّى) الْمُدَبَّرُ الَّذِي كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ (عَتَقَ) وَبَطَلَ تَدْبِيرُهُ وَمَا فَضَلَ بِيَدِهِ فَلَهُ (وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ عَتَقَ) بِالتَّدْبِيرِ (إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ) وَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ وَمَا بِيَدِهِ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ (عَتَقَ) مِنْهُ (بِقَدْرِهِ) لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ يُعْتَبَرُ فِي عِتْقِهِ بِالتَّدْبِيرِ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ (وَسَقَطَ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ) مِنْهُ بِالتَّدْبِيرِ لِانْتِفَاءِ مَحَلِّهَا بِالْعِتْقِ وَلِوَرَثَةِ السَّيِّدِ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ (وَهُوَ مُكَاتَبٌ فِيمَا بَقِيَ) لِأَنَّ مَحَلَّهَا لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ فَعَلَى هَذَا لَوْ خَرَجَ نِصْفُهُ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ نِصْفُهُ وَسَقَطَ نِصْفُ الْكِتَابَةِ وَبَقِيَ نِصْفُهُ، وَاَلَّذِي يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ إنَّمَا هُوَ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ وَقْتَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ مُكَاتَبٌ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَاعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ.

(وَإِنْ دَبَّرَ أُمَّ وَلَدِهِ لَمْ يَصِحَّ) التَّدْبِيرُ (إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ) لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ يُعْتَقْ بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ.

(وَإِذَا عَتَقَ) الْمُدَبَّرُ الَّذِي كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ (بِالْكِتَابَةِ كَانَ مَا فِي يَدِهِ لَهُ) أَيْ الْعَتِيقِ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ فَيَكُونُ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا (وَإِنْ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ) أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي (كَانَ مَا فِي يَدِهِ لِلْوَرَثَةِ) لِأَنَّهُ كَانَ لِلسَّيِّدِ قَبْلَ الْعِتْقِ فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُكَاتَبًا وَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ (لَا كَسْبُهُ) فَلَا يَكُونُ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ، بَلْ لِلْعَتِيقِ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ كَسْبَ الْمُدَبَّرِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ لِسَيِّدِهِ) تَعْلِيلٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ لِلْوَرَثَةِ إذَا عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ (وَ) كَسْبُهُ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ حَيَاةِ السَّيِّدِ (لَهُ) أَيْ لِلْمُدَبَّرِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ حُرٌّ.

(وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْعَجْزِ) (وَ) قَبْلَ (أَدَاءِ) الْمُدَبَّرِ الَّذِي كَاتَبَهُ (جَمِيعِ الْكِتَابَةِ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ) إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَمَا فِي يَدِهِ لِلْوَرَثَةِ أَيْضًا) لِمَا تَقَدَّمَ وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا كَاتَبَهَا سَيِّدُهَا وَمَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ مُطْلَقًا وَسَقَطَ مَا عَلَيْهَا فِي مَالِ الْكِتَابَةِ وَمَا بِيَدِهَا لِوَرَثَةِ السَّيِّدِ.

(وَإِذَا دَبَّرَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ) أَوْ أَمَةٍ (لَمْ يَسْرِ التَّدْبِيرُ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَلَوْ) كَانَ (مُوسِرًا) لِأَنَّ التَّدْبِيرَ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ فَلَمْ يَسْرِ كَتَعْلِيقِهِ بِدُخُولِ الدَّارِ وَيُفَارِقُ الِاسْتِيلَادَ، فَإِنَّهُ آكَدُ كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ مَاتَ الْمُدَبِّرُ) بِكَسْرِ الْبَاءِ (عَتَقَ نَصِيبُهُ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ) بِالتَّدْبِيرِ.
(وَإِنْ) أَيْ وَلَوْ (لَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ وَإِنْ كَانَ) ثُلُثُهُ (يَفِي) بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ (سَرَى) الْعِتْقُ (فِي بَقِيَّتِهِ) فَيُعْتَقُ جَمِيعُهُ (وَيُعْطِي لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ حِصَّتِهِ) مِنْ الشَّرِكَةِ (وَتَقَدَّمَ آخِرَ الْبَابِ قَبْلَهُ) .

(إنْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ) الَّذِي لَمْ يُدَبِّرْ

(نَصِيبَهُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ الْمُدَبِّرِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ.
(وَهُوَ) أَيْ الْمُعْتِقُ (مُوسِرٌ) بِقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ (عَتَقَ) نَصِيبُهُ (وَسَرَى) الْعِتْقُ (إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَغُرِّمَ قِيمَتَهُ) أَيْ النَّصِيبِ (لِسَيِّدِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ.

(وَإِنْ دَبَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ) فَمَاتَ وَاحِدٌ (مِنْهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (نَصِيبَهُ) مِنْ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا (فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَبَقِيَ نَصِيبُ الْآخَرِ عَلَى التَّدْبِيرِ إنْ لَمْ يَفِ ثُلُثُ الْمَيِّتِ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ وَإِنْ كَانَ يَفِي) ثُلُثُهُ (بِهَا سَرَى) الْعِتْقُ (إلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ) وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ.
(وَإِنْ قَالَا لِعَبْدِهِمَا إنْ مُتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فَنَصِيبُهُ حُرٌّ) لِأَنَّهُ مِنْ مُقَابَلَةِ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ فَيَنْصَرِفُ إلَى مُقَابَلَةِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ كَرَكِبَ النَّاسُ دَوَابَّهُمْ وَلَبِسُوا ثِيَابَهُمْ وَأَخَذُوا رِمَاحَهُمْ (لِأَنَّهُ لَا يُعْتَقُ إلَّا بِمَوْتِهِمَا جَمِيعًا) كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فَلَا يُعْتَقُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مِنْهُ وَلَا يَبِيعُ وَارِثُهُ حَقَّهُ مِنْهُ لِتَعَلُّقِ الْعِتْقِ بِهِ تَعْلِيقًا لَا يَنْفَكُّ إلَّا أَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَوْتِ الثَّانِي.

(وَإِذَا أَسْلَمَ مُدَبَّرُ كَافِرٍ أَوْ) أَسْلَمَ (قِنُّهُ) (أَوْ) أَسْلَمَ (مُكَاتَبُهُ أُلْزِمَ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ) لِئَلَّا يَبْقَى الْكَافِرُ مَالِكًا لِمُسْلِمٍ مَعَ إمْكَانِ بَيْعِهِ (فَإِنْ أَبَى) أَنْ يُزِيلَ مِلْكَهُ عَنْهُ (بِيعَ) أَيْ بَاعَهُ الْحَاكِمُ (عَلَيْهِ) وَلَا يَبْقَى مِلْكُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] .

(وَإِنْ أَنْكَرَ السَّيِّدُ التَّدْبِيرَ وَلَا بَيِّنَةَ) لِلْمُدَّعِي (حَلَفَ) السَّيِّدُ (عَلَى الْبَتِّ) أَنَّهُ لَمْ يُدَبِّرْهُ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمُنْكِرُ) لِلتَّدْبِيرِ (وَرَثَةَ السَّيِّدِ بَعْدَ مَوْتِهِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ) أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ مُوَرِّثَهُ دَبَّرَهُ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ (وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمْ) قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَ (عَتَقَ نَصِيبُهُ وَلَمْ يَسْرِ) الْعِتْقُ (إلَى بَاقِيه وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ) عَتَقَ نَصِيبُهُ وَلَمْ يَسْرِ إلَى بَاقِيه (لِأَنَّ إعْتَاقَهُ بِفِعْلِ الْمُوَرِّثِ لَا بِفِعْلِ الْمُقِرّ وَلَا) بِفِعْلِ (النَّاكِلِ) عَنْ الْيَمِينِ.
(وَإِنْ شَهِدَ بِهِ) أَيْ بِالتَّدْبِيرِ (رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ) شَهِدَ بِهِ رَجُلٌ وَ (حَلَفَ مَعَهُ الْمُدَبَّرُ حُكِمَ بِهِ) أَيْ بِالتَّدْبِيرِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالتَّدْبِيرِ تَتَضَمَّنُ إتْلَافَ مَالٍ وَالْمَالُ يُقْبَلُ فِيهِ مَا ذُكِرَ (وَكَذَا الْكِتَابَةُ) يُقْبَلُ فِيهَا رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَرَجُلٌ وَيَمِينٌ لِمَا ذُكِرَ.

(وَإِنْ قَتَلَ الْمُدَبَّرُ سَيِّدَهُ) قَتْلًا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ (بَطَلَ تَدْبِيرُهُ) لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أُجِّلَ لَهُ فَعُوقِبَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ كَمَا حُرِمَ الْقَاتِلُ الْمِيرَاثَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلَى الْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ لِأَجْلِ الْعِتْقِ فَمُنِعَ الْعِتْقُ سَدًّا لِذَلِكَ بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّ إبْطَالَ الِاسْتِيلَادِ يُفْضِي فِيهَا إلَى نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ.

وَإِنْ جَرَحَ قِنٌّ سَيِّدَهُ فَدَبَّرَهُ ثُمَّ سَرَى الْجُرْحُ وَمَاتَ السَّيِّدُ لَمْ يَبْطُلْ التَّدْبِيرُ وَتَقَدَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ.

[بَابُ الْكِتَابَةِ]

(بَابُ الْكِتَابَةِ وَهِيَ) اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَكْتُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَقِيقِهِ كِتَابًا بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَقِيلَ مِنْ الْكُتُبِ وَهُوَ الضَّمُّ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَضُمُّ بَعْضَ النُّجُومِ إلَى بَعْضٍ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْخَرَزُ كُتْبًا وَالْكَتِيبَةُ لِانْضِمَامِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ وَشَرْعًا (بَيْعُ سَيِّدٍ رَقِيقَهُ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى (نَفْسَهُ أَوْ) بَيْعُهُ (بَعْضَهُ) كَنِصْفِهِ وَسُدُسِهِ (بِمَالٍ مُؤَجَّلٍ فِي ذِمَّتِهِ مُبَاحٌ مَعْلُومُ يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ مُنَجَّمٌ) أَيْ مُؤَجَّلٌ بِأَجَلَيْنِ فَصَاعِدًا (يُعْلَمُ قِسْطُ كُلِّ نَجْمٍ وَمُدَّتُهُ) أَيْ مُدَّةُ النَّجْمِ مِنْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ وَنَحْوِهِمَا فَلَا تَصِحُّ بِنَحْوِ خَمْرٍ وَلَا بِمَالٍ حَالٍ وَلَا بِمُعَيَّنٍ وَلَا بِمُحَرَّمِ الصِّنَاعَةِ كَآنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَلَا بِمَالٍ مَجْهُولٍ، وَلَا بِمَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ كَجَوْهَرٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِالْوَصْفِ وَلَا بِمُؤَجَّلٍ أَجَلًا وَاحِدًا وَلَوْ طَالَ وَالْمُرَادُ بِالنَّجْمِ هُنَا الْوَقْتُ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ الْحِسَابَ وَإِنَّمَا تَعْرِفُ الْأَوْقَاتَ بِطُلُوعِ النَّجْمِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إذَا سُهَيْلٌ أَوَّلَ اللَّيْلِ طَلَعْ ... فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ وَالْحِقُّ الْجَذَعْ أَوْ بَيْعُ السَّيِّدِ رَقِيقَهُ نَفْسَهُ أَوْ بَعْضَهُ بِهِ (بِمَنْفَعَةٍ مُؤَجَّلَةٍ مُنَجَّمَةٍ) عَلَى أَجَلَيْنِ فَأَكْثَرَ وَاشْتِرَاطُ النَّجْمَيْنِ فَأَكْثَرَ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْكُتُبِ وَهُوَ الضَّمُّ فَوَجَبَ افْتِقَارُهَا إلَى نَجْمَيْنِ لِيُضَمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، وَاشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِمَا لِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الْقِسْطِ وَالْمُدَّةِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ جَهْلُ ذَلِكَ إلَى التَّنَازُعِ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فَلَوْ جَعَلَ أَحَدَ النَّجْمَيْنِ شَهْرًا وَالْآخَرَ سَنَةً، أَوْ جَعَلَ قِسْطَ أَحَدِ النَّجْمَيْنِ عَشَرَةً وَالْآخَرَ خَمْسَةً وَنَحْوَهُ جَازَ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِقَدْرِ الْأَجَلِ وَقِسْطِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْكِتَابَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] وَقِصَّةُ بَرِيرَةَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا.

(وَهِيَ) أَيْ

الْكِتَابَةُ (مَنْدُوبَةٌ لِمَنْ يَعْلَمُ) سَيِّدُهُ (فِيهِ خَيْرًا وَهُوَ الْكَسْبُ وَالْأَمَانَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] قَالَ أَحْمَدُ: الْخَيْرُ صِدْقٌ وَصَلَاحٌ وَوَفَاءٌ بِمَالِ الْكِتَابَةِ وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى إزَالَةِ مِلْكٍ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يُجْبَرْ السَّيِّدُ عَلَيْهِ (كَالْبَيْعِ) .

(وَتُكْرَهُ كِتَابَةُ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ) لِئَلَّا يَصِيرَ كَلًّا عَلَى النَّاسِ وَيَحْتَاجَ إلَى السُّؤَالِ وَتَقَدَّمَ بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.

(وَلَا تَصِحُّ كِتَابَةُ الْمَرْهُونِ) بَعْدَ قَبْضِهِ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَوَقْفُهُ.

(وَالْكِتَابَةُ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَهِيَ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَجُمُوعٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُبْدِعِ (أَنَّهَا) أَيْ الْكِتَابَةَ (فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ مِنْ الثُّلُثِ) لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ عِوَضًا مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ وَهُوَ مَالٌ لَهُ فَصَارَ كَالْعِتْقِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْمُحَابَاةِ فِيهَا.

(وَلَوْ كَاتَبَهُ فِي الصِّحَّةِ وَأَسْقَطَ دَيْنَهُ) فِي مَرَضِهِ الْمَخُوفِ (أَوْ) كَاتَبَهُ فِي الصِّحَّةِ وَ (أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ اُعْتُبِرَ خُرُوجُ الْأَقَلِّ مِنْ رَقَبَتِهِ أَوْ دَيْنِهِ مِنْ الثُّلُثِ) لِأَنَّ الْعِتْقَ إبْرَاءٌ وَالْإِبْرَاءُ عِتْقٌ، فَاعْتُبِرَ أَقَلُّهُمَا وَأُلْغِيَ الْآخَرُ.
(وَلَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (أَوْ أَبْرَأَهُ) الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ وَنَحْوَهُ (مِنْ الدَّيْنِ) أَيْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ (اُعْتُبِرَ) خُرُوجُ (أَيِّهِمَا) أَيْ رَقَبَتِهِ أَوْ دَيْنِهِ (مِنْ ثُلُثِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ حَمَلَ الثُّلُثُ بَعْضَهُ) أَيْ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ (عَتَقَ) مِنْهُ بِقَدْرِ مَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَبَاقِيهِ عَلَى الْكِتَابَةِ) إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ.

(وَلَا تَصِحُّ) الْكِتَابَةُ (إلَّا بِقَوْلٍ) بِأَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُكَاتِبَهُ كَاتَبْتُك عَلَى كَذَا لِأَنَّهَا إمَّا بَيْعٌ أَوْ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى الْأَدَاءِ، وَكِلَاهُمَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْقَوْلُ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلْمُعَاطَاةِ هُنَا (مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) لِأَنَّهَا عِتْقُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ (وَإِنْ كَانَتْ مَعَ قَبُولِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَتَوَقَّفَتْ عَلَى الْقَبُولِ كَالْبَيْعِ.

(وَإِنْ كَاتَبَ) السَّيِّدُ (الْمُمَيِّزُ رَقِيقَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ صَحَّ) الْعَقْدُ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ فَلَمْ تَصِحَّ مِنْ الْمُمَيِّزِ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ كَالْبَيْعِ (وَإِنْ كَاتَبَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمُمَيِّزَ صَحَّ) الْعَقْدُ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ وَبَيْعُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، فَصَحَّتْ كِتَابَتُهُ كَالْمُكَلَّفِ، لِأَنَّ تَعَاطِيَ السَّيِّدِ الْعَقْدَ مَعَهُ إذْنٌ لَهُ فِي قَبُولِهِ.

وَ (لَا) يَصِحُّ أَنْ يُكَاتِبَ رَقِيقًا (مَجْنُونًا أَوْ طِفْلًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ) لِأَنَّ قَبُولَهُمَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ

بِهِ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ كَاتَبَ مَجْنُونًا أَوْ طِفْلًا (لَمْ يُعْتَقَا بِالْأَدَاءِ) لِبُطْلَانِ الْكِتَابَةِ (بَلْ) يُعْتَقَانِ (بِتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِهِ) أَيْ بِالْأَدَاءِ (إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ صَرِيحًا) بِأَنْ قَالَ فِي الْعَقْدِ، وَمَتَى أَدَّيْت ذَلِكَ وَنَحْوَهُ فَأَنْتَ حُرٌّ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ التَّعْلِيقُ صَرِيحًا (فَلَا) عِتْقَ لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِيه.

(وَتَصِحُّ كِتَابَةُ الذِّمِّيِّ عَبْدَهُ) كَالْمُسْلِمِ (فَإِنْ أَسْلَمَا) أَيْ السَّيِّدُ وَعَبْدُهُ (أَوْ) أَسْلَمَ (أَحَدُهُمَا أَوْ) لَمْ يُسْلِمَا وَلَكِنْ (تَرَافَعَا إلَيْنَا أَمْضَيْنَا الْعَقْدَ، إنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48] . (وَإِنْ كَانَتْ) الْكِتَابَةُ (فَاسِدَةً، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ خَمْرًا وَنَحْوَهُ) كَخِنْزِيرٍ (وَقَدْ تَقَابَضَاهُ فِي الْكُفْرِ أَمْضَيْنَاهُ أَيْضًا وَحَصَلَ الْعِتْقُ سَوَاءٌ تَرَافَعَا) إلَيْنَا (قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَهُ) لِلُزُومِهِ بِالتَّقَابُضِ (وَإِنْ تَقَابَضَاهُ فِي الْإِسْلَامِ فَهِيَ كِتَابَةٌ فَاسِدَةٌ وَيَأْتِي حُكْمُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ) تَعَالَى آخِرَ الْبَابِ.
(وَإِنْ تَرَافَعَا قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ (أَبْطَلْنَا الْكِتَابَةَ) كَسَائِرِ عُقُودِهِمْ الْفَاسِدَةِ إذَا تَرَافَعَا إلَيْنَا قَبْلَ التَّقَابُضِ.

(وَتَصِحُّ كِتَابَةُ الْحَرْبِيِّ) لِرَقِيقِهِ (فِي دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ) كَكِتَابَةِ الذِّمِّيِّ وَسَائِرِ عُقُودِهِ (فَإِنْ دَخَلَا مُسْتَأْمَنَيْنِ إلَيْنَا لَمْ يَتَعَرَّضْ الْحَاكِمُ لَهُمَا إلَّا أَنْ يَتَرَافَعَا إلَيْهِ) أَيْ الْحَاكِمُ فَإِنْ تَرَافَعَا إلَيْهِ (فَإِنْ كَانَتْ) الْكِتَابَةُ (صَحِيحَةً أَلْزَمَهُمَا حُكْمَهَا وَإِنْ جَاءَا) دَارَ الْإِسْلَامِ (وَقَدْ قَهَرَ أَحَدٌ صَاحِبَهُ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ قَهْرٍ وَإِبَاحَةٍ فَمَنْ قَهَرَ صَاحِبَهُ وَلَوْ حُرًّا قَهَرَ حُرًّا مَلَكَهُ وَإِنْ دَخَلَا) دَارَ الْإِسْلَامِ (مِنْ غَيْرِ قَهْرٍ ثُمَّ قَهَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ تَبْطُلْ) الْكِتَابَةُ لِأَنَّهُ لَا أَثَرً لِلْقَهْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا دَارُ عِصْمَةٍ.

(وَتَنْفُذُ) الْكِتَابَةُ (بِقَوْلِهِ) أَيْ السَّيِّدِ لِرَقِيقِهِ (كَاتَبْتُك عَلَى كَذَا مَعَ قَبُولِهِ) لِأَنَّهُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لَهَا فَانْعَقَدَتْ بِمُجَرَّدِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَقُلْ) السَّيِّدُ (فَإِذَا أَدَّيْت لِي فَأَنْتَ حُرٌّ) لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُوجِبُ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، فَتَثْبُتُ عِنْدَ تَمَامِهِ كَسَائِرِ أَحْكَامِهِ وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ وُضِعَ لِلْعِتْقِ فَلَمْ تَحْتَجْ إلَى لَفْظِ الْعِتْقِ وَلَا نِيَّةٍ كَالتَّدْبِيرِ وَقَوْلُهُ الْمُخَالِفُ لَفْظُ الْكِتَابَةِ يَحْتَمِل الْمُخَارَجَةَ، لَيْسَ بِمَشْهُورٍ حَتَّى يَحْتَاجَ أَنْ يُمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ بِشَيْءٍ يُمَيِّزُهُ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُحْتَمَلَ يَنْصَرِفُ بِالْقَرَائِنِ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ.

(وَلَا تَصِحُّ) الْكِتَابَةُ (إلَّا بَعُوضٍ مُبَاحٍ) بِخِلَافِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (وَالْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الذِّمَّةِ فَيَحْتَاجُ إلَى ضَبْطِ صِفَاتِهِ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ بِخِلَافِ الْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِالْوَصْفِ (مُنَجَّمٌ نَجْمَيْنِ فَأَكْثَرَ يُعْلَمُ لِكُلِّ أَجَلٍ نَجْمُ)

أَيْ وَقْتُ (قِسْطِهِ وَمُدَّتِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (تَسَاوَتْ) النُّجُومُ (أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ تَتَسَاوَ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.

(فَلَا تَصِحُّ) الْكِتَابَةُ (حَالَّةً) لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْعَجْزِ عَنْ الْأَدَاءِ وَفَسْخِ الْعَقْدِ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْكِتَابَةُ (عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ) كَأَنْ يُكَاتِبَ رَقِيقَهُ عَلَى عَبْدٍ وَيُطْلِقَ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُقَدَّرٌ فِي عَقْدٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ تَصِحُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ كَمَهْرٍ، وَلَهُ الْوَسَطُ.

(وَلَا) يَصِحُّ أَيْضًا (تَوْقِيتُ النَّجْمَيْنِ بِسَاعَتَيْنِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا وَقْعَ لَهُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ (بَلْ يُعْتَبَرُ مَالُهُ وَقَعَ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ صَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافَهُ) قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ الصِّحَّةُ، وَلَكِنَّ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى السَّلَمِ لَكِنَّ السَّلَمَ أَضْيَقُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَلَا يُشْتَرَطُ أَجَلٌ لَهُ وَقَعَ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ فِيهِ قَالَ فِي شَرْحِهِ فِي الْأَصَحِّ فَيَصِحُّ تَوْقِيتُ النَّجْمَيْنِ بِسَاعَتَيْنِ.

(وَتَصِحُّ) الْكِتَابَةُ (عَلَى خِدْمَةٍ مُتَفَرِّدَةٍ مُنَجَّمَةٍ فِي مُدَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ، كَأَنْ يُكَاتِبَهُ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ عَلَى خِدْمَتِهِ فِيهِ) أَيْ الْمُحَرَّمِ (وَفِي رَجَبٍ أَوْ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبِنَاءِ حَائِطٍ عَيَّنَهُمَا وَكَذَا لَوْ قَالَ) السَّيِّدُ لِرَقِيقِهِ كَاتَبْتُك (عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي هَذَا الشَّهْرَ و) عَلَى (خِيَاطَةِ كَذَا عَقِيبَ الشَّهْرِ، أَوْ) كَاتَبْتُك (عَلَى أَنْ تَخْدِمَنِي شَهْرًا مِنْ وَقْتِي هَذَا وَشَهْرًا عَقِيبَ هَذَا الشَّهْرِ) فَيَصِحُّ لِأَنَّهُمَا أَجَلَانِ وَإِنْ وَلِيَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.

(وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ) كَرَجَبٍ وَلِيَ الْعَقْدَ أَوْ لَا (أَوْ) كَاتَبَهُ عَلَى خِدْمَةِ (سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ) كَسَنَةِ خَمْسٍ تَلِي الْعَقْدَ أَوْ لَا (لَمْ يَصِحَّ) عَقْدُ الْكِتَابَةِ (لِأَنَّهُ نَجْمٌ وَاحِدٌ) .

(وَتَصِحُّ) الْكِتَابَةُ (عَلَى خِدْمَةٍ وَمَالٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي غَيْرِ الْكِتَابَةِ فَلْيَكُنْ فِيهَا كَذَلِكَ سَوَاءٌ (تَقَدَّمَتْ لِلْخِدْمَةِ أَوْ تَأَخَّرَتْ) لِأَنَّ تَقَدُّمَهَا وَتَأَخُّرَهَا لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا صَالِحَةً لِلْعِوَضِ، وَأَوَّلُهَا عَقِبَ الْعَقْدِ مَعَ الْإِطْلَاقِ (إنْ كَانَ الْمَالُ مُؤَجَّلًا وَلَوْ إلَى أَثْنَائِهَا) أَيْ أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْخِدْمَةِ، كَأَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى خِدْمَتِهِ شَهْرَ رَجَبٍ وَعَلَى دِينَارٍ وَجَعَلَ مَحِلَّهُ فِي نِصْفِ رَجَبٍ أَوْ فِي انْقِضَائِهِ، فَيَصِحُّ كَمَا لَوْ جَعَلَ مَحِلَّهُ فِيمَا بَعْدَ رَجَبٍ، لِأَنَّ الْخِدْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْعِوَضِ الْحَاصِلِ فِي ابْتِدَاءِ مُدَّتِهَا فَيَكُونُ مَحِلُّهَا غَيْرَ مَحِلِّ الدِّينَارِ (بِخِلَافِ الْخِدْمَةِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَأْجِيلُهَا) لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْحُلُولِ فِي غَيْرِهَا لِأَجْلِ الْعَجْزِ عَنْهُ فِي الْحَالِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْخِدْمَةِ فَجَازَتْ حَالَّةً وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَجَلُ الدِّينَارِ قَبْلَ الْخِدْمَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُتَّصِلَةً بِالْعَقْدِ مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَهُ فِي الْمُحَرَّمِ عَلَى دِينَارٍ وَسَلَخَ صَفَرٌ وَخِدْمَتِهِ شَهْرَ رَجَبٍ.

(وَإِذَا كَاتَبَ) السَّيِّدُ (الْعَبْدَ وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ)

الْمُكَاتَبُ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فَيَكُونُ لَهُ بَعْدَهَا وَكَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ (فَإِنْ كَانَتْ لَهُ) أَيْ الْعَبْدِ قَبْلَ أَنْ يُكَاتِبَ (سُرِّيَّةً إنْ جَوَّزْنَا لِلْعَبْدِ التَّسَرِّي أَوْ) كَانَ لَهُ.
(وَلَدٌ مِنْهَا) أَيْ مِنْ سُرِّيَّتِهِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ (فَهُوَ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ السُّرِّيَّةِ وَالْوَلَدِ (لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَالِهِ فَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُكَاتَبُ.

(وَإِذَا أَدَّى) الْمُكَاتَبُ (مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ فَقَبَضَهُ السَّيِّدُ) مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقَبْضِ أَوْ قَبَضَهُ وَكِيلُهُ (أَوْ) قَبَضَهُ (وَلِيُّهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ السَّيِّدُ أَهْلًا (أَوْ أَبْرَأَهُ) السَّيِّدُ (مِنْهُ) أَيْ مِمَّا كُوتِبَ عَلَيْهِ (عَتَقَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَ (لَا) يُعْتَقُ (قَبْلَ الْأَدَاءِ) لِجَمِيعِ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ (وَالْإِبْرَاءِ) مِنْهُ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَدَلَّلَ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ كِتَابَتِهِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا أَدَّاهَا لَا يَبْقَى عَبْدًا.

(وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ فَأَبْرَأْهُ) السَّيِّدُ (مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ فَأَبْرَأَهُ مِنْ دَنَانِيرَ (لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ) لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَزِيدَ) فِي الْبَرَاءَةِ لَفْظَ (بِقَدْرِ ذَلِكَ مِمَّا لِي عَلَيْك) فَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ اكْتِفَاءً بِالْمَعْنَى.

(وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (مَا يُؤَدِّي) مِنْهُ (فَهُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ السَّابِقِ.

(فَإِنْ) مَاتَ السَّيِّدُ وَوَرِثَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ، أَوْ (أَبْرَأْهُ) أَيْ الْمُكَاتَبَ (بَعْضُ وَرَثَتِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (مِنْ حَقِّهِ مِنْهَا) أَيْ الْكِتَابَةِ بِمَعْنَى دَيْنِهَا (وَكَانَ) الْمُبَرِّئُ (مُوسِرًا) بِقِيمَةِ بَاقِيه (عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ) بِالسِّرَايَةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي رَقِيقٍ (وَمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (بَعْدَ الْأَدَاءِ) لِجَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ (فَ) هُوَ (لَهُ) أَيْ لِلْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ لَهُ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ قَبْلَ الْعِتْقِ.

(فَإِنْ مَاتَ) الْمُكَاتَبُ (أَوْ قُتِلَ وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ) لَهُ (السَّيِّدُ قَبْلَ الْأَدَاءِ انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ وَمَاتَ عَبْدًا وَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ) سَوَاءٌ خَلَفَ وَفَاءً أَمْ لَا لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ السَّابِقِ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَقَدْ تَلِفَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَبَطَلَ، وَتُفَارِقُ الْكِتَابَةُ الْبَيْعَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِتَلَفِهِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ.

(وَإِنْ عَجَّلَ) الْمُكَاتَبُ (مَا عَلَيْهِ) مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ (قَبْلَ مَحِلِّهِ لَزِمَ سَيِّدَهُ أَخْذُهُ وَعَتَقَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ) أَيْ فِي أَخْذِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ (ضَرَرٌ) عَلَى السَّيِّدِ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَلِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَإِذَا قَدَّمَهُ فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فَسَقَطَ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ لَا يُقَالُ إذَا عَلَّقَ عِتْقَ رَقِيقِهِ عَلَى فِعْلٍ فِي وَقْتٍ فَفَعَلَهُ فِي غَيْرِهِ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّ هَذَا صِفَةٌ مُجَرَّدَةٌ لَا يُعْتَقُ

إلَّا بِوُجُودِهَا وَالْكِتَابَةُ مُعَاوَضَةٌ يُعْتَقُ فِيهَا بِأَدَاءِ الْعِوَضِ فَاقْتَرَبَا فَإِنْ كَانَ فِي قَبْضِهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا ضَرَرٌ بِأَنْ دَفَعَهَا بِطَرِيقٍ مَخُوفٍ أَوْ كَانَتْ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى مَخْزَنٍ كَالطَّعَامِ وَالْقُطْنِ وَنَحْوِهِ لَمْ يُلْزَمْ السَّيِّدُ لِأَخْذِهَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْزَمُهُ الْتِزَامُ ضَرَرٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلَا يُعْتَقُ بِبَذْلِهِ مَعَ وُجُودِ الضَّرَرِ.
(فَلَوْ أَبَى) السَّيِّدُ أَخْذَ الْمُعَجَّلِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ (جَعَلَهُ الْإِمَامُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ أَدَّاهُ إلَى السَّيِّدِ وَقْتَ حُلُولِهِ وَحَكَمَ بِعِتْقِ الْمُكَاتَبِ فِي الْحَالِ) أَيْ حَالِ أَخْذِ الْمُعَجَّلِ مِنْهُ، لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ " أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي كُوتِبْت عَلَى كَذَا وَكَذَا وَإِنِّي أَيْسَرْت بِالْمَالِ وَأَتَيْته بِهِ فَزَعَمَ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا إلَّا نُجُومًا فَقَالَ عُمَرُ: يَا سُرَاقَةُ خُذْ هَذَا الْمَالَ فَاجْعَلْهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَأَدِّ إلَيْهِ نُجُومًا فِي كُلِّ عَامٍ، وَقَدْ عَتَقَ هَذَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ سَيِّدُهُ أَخَذَ الْمَالَ " وَعَنْ عُثْمَانَ نَحْوُهُ.

(وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى جِنْسٍ كَدَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ أَوْ عَرْضٍ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ السَّيِّدَ (قَبْضُ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لَهُ فَلَا تَلْزَمُهُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا وَإِنْ تَرَاضَيَا جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا.

(وَإِذَا أَدَّى) الْمُكَاتَبُ (الْعِوَضَ) الَّذِي كُوتِبَ عَلَيْهِ جَمِيعَهُ (وَعَتَقَ فَبَانَ الْعِوَضُ مَعِيبًا فَلَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (أَرْشُهُ) إنْ أَمْسَكَهُ (أَوْ عَوَّضَهُ إنْ رَدَّهُ وَلَمْ يَبْطُلْ عِتْقُهُ) لِأَنَّهُ إتْلَافٌ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَرْتَفِعْ وَكَالْخُلْعِ، وَإِطْلَاقُ عَقْدِ الْكِتَابَةِ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْعِوَضِ فِيهَا وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْمُكَاتَبِ رَقِيقًا فَوَجَبَ أَرْشُ الْعَيْبِ أَوْ عِوَضُ الْمَعِيبِ جَبْرًا لِمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْعَقْدِ.

(وَإِذَا أَحْضَرَ) الْمُكَاتَبُ (مَالَ الْكِتَابَةِ فَقَالَ السَّيِّدُ: هَذَا حَرَامٌ أَوْ غَصْبٌ) فَلَا يَصِحُّ أَنْ أَقْبِضَهُ مِنْك (فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْمُكَاتَبُ أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ) أَنَّهُ حَرَامٌ أَوْ غَصْبٌ (لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ قَبُولُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ) قَبُولُهُ وَسُمِعَتْ بَيِّنَةُ السَّيِّدِ بِذَلِكَ، لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي أَنْ لَا يَقْتَضِيَ دَيْنَهُ مِنْ حَرَامٍ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ بِهِ.
(وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَ) كَذَلِكَ (صَدَاقُهَا وَ) كَذَلِكَ (كُلُّ حَقٍّ) مِنْ قَرْضٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ عِوَضٍ فِي عَقْدٍ) كَثَمَنِ مَبِيعٍ وَأُجْرَةٍ وَنَحْوِهَا إذَا حَضَرَ بِهَا مَنْ هِيَ عَلَيْهِ وَادَّعَى مَنْ هِيَ لَهُ أَنَّهَا حَرَامٌ أَوْ غَصْبٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبُولُهَا وَلَمْ يَلْزَمْهُ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِ الْمَدِينِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ (فَإِنْ أَنْكَرَ) الْمُكَاتَبُ أَنَّهَا غَصْبٌ أَوْ حَرَامٌ (وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ بَيِّنَةٌ فَقَوْلُ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ) أَنَّهُ مَلَكَهُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (ثُمَّ يَجِبُ) عَلَى السَّيِّدِ (أَخْذُهُ وَيُعْتَقُ) الْمُكَاتَبُ بِأَخْذِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مَلَكَهُ.
(فَإِنْ نَكَلَ) الْمُكَاتَبُ (عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ قَبُولُهُ) وَيَحْلِفُ السَّيِّدُ أَنَّهُ حَرَامٌ (وَإِنْ حَلَفَ)

الْمُكَاتَبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ (قِيلَ لِلسَّيِّدِ: إمَّا أَنْ تَقْبِضَهُ وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَهُ لِيُعْتَقَ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَلَكَهُ (فَإِنْ قَبَضَهُ) السَّيِّدُ (وَكَانَ تَمَامَ كِتَابَتِهِ عَتَقَ الْعَبْدُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الظَّاهِرِ (وَلَمْ يُمْنَعْ السَّيِّدُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ) أَيْ فِيمَا قَبَضَهُ.
وَقَالَ هُوَ حَرَامٌ أَوْ غَصْبٌ (إنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِأَحَدٍ) مُعَيَّنٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ إذَنْ (وَعَلَيْهِ إثْمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ) فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ بَاطِنًا فِيهِ إذَا عَلِمَهُ حَرَامًا (وَإِنْ ادَّعَى) السَّيِّدُ (أَنَّهُ) أَيْ الْمُكَاتَبَ (غَصَبَهُ مِنْ فُلَانٍ) أَوْ سَرَقَهُ مِنْهُ وَنَحْوَهُ (لَزِمَهُ) أَيْ السَّيِّدَ (دَفْعُهُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُقِرِّ لَهُ بِهِ إنْ صَدَّقَهُ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ.
(فَإِنْ أَبْرَأَهُ) أَيْ أَبْرَأَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَهُ (مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْضُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ حَقٌّ) حَتَّى يَلْزَمَهُ أَخْذُهُ.
(وَإِنْ لَمْ يُبْرِئْهُ) السَّيِّدُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ (وَلَمْ يَقْبِضْهُ) أَيْ الْمَالَ الَّذِي أَحْضَرَهُ لَهُ وَقَالَ السَّيِّدُ: إنَّهُ حَرَامٌ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ وَحَلَفَ الْمُكَاتَبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ (كَانَ لَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (دَفْعُ ذَلِكَ) الْمَالِ (إلَى الْحَاكِمِ لِيَنُوبَ الْحَاكِمُ فِي قَبْضِهِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ السَّيِّدِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ) بِأَخْذِ الْحَاكِمِ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَخَذَهُ السَّيِّدُ.

(وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ) مَالَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ (وَيَضَعَ عَنْهُ) السَّيِّدُ (بَعْضَ كِتَابَتِهِ) مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى أَلْفٍ فِي نَجْمَيْنِ إلَى سَنَةٍ، ثُمَّ يَقُولَ لَهُ عَجِّلْ خَمْسَمِائَةٍ حَتَّى أَضَعَ عَنْك الْبَاقِي أَيْ أُسْقِطَهُ، أَوْ قَالَ: صَالِحْنِي مِنْهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ دَيْنَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَلَيْسَ بِدِينٍ صَحِيحٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ وَمَا يُؤَدِّيه إلَى سَيِّدِهِ كَسْبُ عَبْدِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْعُ هَذَا الْعَقْدَ وَسِيلَةً إلَى الْعِتْقِ وَوَاجِبٌ فِيهِ التَّأْجِيلُ مُبَالَغَةً فِي تَحْصِيلِ الْعِتْقِ وَتَخْفِيفًا عَنْ الْمُكَاتَبِ فَإِذَا أَمْكَنَهُ التَّعْجِيلُ عَلَى وَجْهٍ يَسْقُطُ بِهِ عَنْهُ بَعْضُ مَا عَلَيْهِ كَانَ أَبْلَغَ فِي حُصُولِ الْعِتْقِ وَأَخَفَّ عَلَى الْعَبْدِ وَبِهَذَا فَارَقَ سَائِرَ الدُّيُونِ وَيُفَارِقُ الْأَجَانِبَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَبْدُهُ، فَهُوَ أَشْبَهُ بِعَبْدِهِ الْقِنِّ.

(وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى زِيَادَةِ الْأَجَلِ وَالدَّيْنِ) مِثْل أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى أَلْفٍ فِي نَجْمَيْنِ إلَى سَنَةٍ يُؤَدِّي نِصْفَهَا فِي نِصْفِ السَّنَةِ وَالْبَاقِي فِي آخِرِهَا ثُمَّ جَعَلَاهَا إلَى سَنَتَيْنِ بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ سِتُّمِائَةٍ، أَوْ يَحِلُّ عَلَيْهِ نَجْمٌ فَيَقُولُ: أَخِّرْنِي إلَى كَذَا وَأَزِيدُك كَذَا (لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ هَذَا يُشْبِهُ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ الْمُحَرَّمِ، وَلِأَنَّ الْمُؤَجَّلَ إلَى وَقْتٍ لَا يَتَأَخَّرُ أَجَلُهُ عَنْ وَقْتِهِ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ أَجَلُهُ بِتَغْيِيرِهِ وَإِذَا لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ وَقْتِهِ لَمْ تَصِحَّ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي مُقَابَلَتِهِ وَلِأَنَّهُ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ بِخِلَافِهِ فِي الْأُولَى.

(وَإِذَا دَفَعَ) الْمُكَاتَبُ أَوْ غَيْرُهُ (إلَى السَّيِّدِ مَالَ الْكِتَابَةِ ظَاهِرًا فَقَالَ لَهُ السَّيِّدُ أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ قَالَ) بَعْدَ الدَّفْعِ إلَيْهِ (هَذَا حُرٌّ ثُمَّ بَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا) لِغَيْرِهِ

بِأَنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَصَبَهُ أَوْ سَرَقَهُ وَنَحْوَهُ (لَمْ يُعْتَقْ) الْمُكَاتَبُ (بِذَلِكَ) لِفَسَادِ الْقَبْضِ وَقَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ وَنَحْوُهُ إنَّمَا قَالَهُ اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ الْقَبْضِ (فَلَوْ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ أَنَّ السَّيِّدَ قَصَدَ بِذَلِكَ عِتْقَهُ) لَا فِي مُقَابَلَةِ الْقَبْضِ (وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ) ذَلِكَ (فَقَوْلُ السَّيِّدِ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ.

[فَصْلٌ يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ نَفْعَ نَفْسِهِ وَكَسْبَهُ]

(فَصْلٌ وَيَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ نَفْعَ نَفْسِهِ وَكَسْبَهُ وَالْإِقْرَارَ وَكُلَّ تَصَرُّفٍ يَصْلُحُ لَهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ) لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَدَاءِ عِوَضِهِ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ إلَّا بِالِاكْتِسَابِ وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ مِنْ أَقْوَى جِهَاتِ الِاكْتِسَابِ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ " أَنَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ ". (وَ) يَمْلِكُ (الْإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ التَّابِعِ لَهُ مِنْ أَمَتِهِ وَ) عَلَى (رَقِيقِهِ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مِمَّا لَا غِنَاءَ عَنْهُ (وَلَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (أَنْ يَقْتَصَّ لِنَفْسِهِ مِمَّنْ جَنَى عَلَيْهِ عَلَى طَرَفِهِ أَوْ جُرْحِهِ) وَقَوْلُهُ (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَقْتَصُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: وَيَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ لِأَنَّهُ لَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ كَانَ لَهُ فَكَذَلِكَ بَدَلُهُ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (شِرَاءُ ذَوِي رَحِمِهِ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَمْلُوكًا بِمَا لَا ضَرَرَ عَلَى السَّيِّدِ فِي شِرَائِهِ أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ (وَ) لَهُ (قَبُولُهُمْ إذَا وُهِبُوا لَهُ أَوْ وُصِّيَ لَهُ بِهِمْ وَلَوْ أَضَرُّوا بِمَالِهِ، وَلَهُ أَنْ يَفْدِيَهُمْ إذَا جَنَوْا) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَحْصِيلًا لِحُرِّيَّتِهِمْ بِتَقْدِيرِ عِتْقِهِ فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا (وَإِذَا مَلَكَهُمْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمْ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ لَوْ كَانَ حُرًّا فَلَا يَمْلِكُهُ مُكَاتَبًا.
(وَكَسْبُهُمْ لَهُ) أَيْ كَسْبُ ذَوِي رَحِمِ الْمُكَاتَبِ الْمَحْرَمِ لَهُ لِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ فَكَانَ لَهُ كَسْبُهُمْ كَالْأَجَانِبِ (وَحُكْمُهُمْ) أَيْ حُكْمُ ذَوِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ (حُكْمُهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (إنْ عَتَقَ) بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ (عَتَقُوا) لِأَنَّهُ كَمُلَ فِيهِمْ مِلْكُهُ وَزَالَ تَعَلُّقُ حَقِّ سَيِّدِهِ بِهِمْ.
(وَإِنْ عَجَزَ رَقُّوا لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّهُمْ مِنْ مَالِهِ فَيَصِيرُونَ لِلسَّيِّدِ عِنْدَ عَجْزِهِ كَعَبِيدِهِ الْأَجَانِبِ (إلَّا إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ فَلَا يُعْتَقُونَ بَلْ) هُمْ (أَرِقَّاءٌ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّ مَنْ عَتَقَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ يَكُونُ مَا بِيَدِهِ لِسَيِّدِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَوَلَدُهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (مِنْ أَمَتِهِ كَذَلِكَ) أَيْ كَذَوِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ إنْ عَتَقَ عَتَقَ مَعَهُ وَإِنْ عَجَزَ رَقَّ.

وَإِنْ أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ كَانَ وَلَدُهُ لِسَيِّدِهِ وَأَمَّا وَلَدُهُ مِنْ غَيْرِ أَمَتِهِ

فَتَابِعٌ لِأُمِّهِ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (تَأْدِيبُ رَقِيقِهِ و) لَهُ (تَعْزِيرُهُمْ وَ) لَهُ (خَتْنُهُمْ) لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ مِلْكِهِ (لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ وِلَايَةٍ وَمَا هُوَ مِنْ أَهْلِهَا.

(وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ وَالْأَخْذُ بِهَا) أَيْ الشُّفْعَةِ (وَلَوْ مِنْ سَيِّدِهِ، وَكَذَا السَّيِّدُ) لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُكَاتَبِهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُكَاتَبَ (مَعَ سَيِّده فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَالْأَجْنَبِيِّ) وَتَقَدَّمَ فِي الشُّفْعَةِ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (الشِّرَاءُ نَسِيئَةً بِلَا رَهْنٍ) لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ بِهِ رَهْنًا لِأَنَّ الرَّهْنَ أَمَانَةٌ وَقَدْ يَتْلَفُ أَوْ يَجْحَدُهُ الْغَرِيمُ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِفَ فِي ذِمَّتِهِ وَأَنْ يَقْتَرِضَ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ.

(وَلَهُ شِرَاءُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ) كَابْنِ سَيِّدِهِ وَأَخِيهِ وَيُعْتَقُ إنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ أَوْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ.

(وَسَفَرُهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (ك) سَفَرُ (مَدِينٍ) فَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ، وَلَا يَتَأَتَّى أَنْ يُوَثَّقَ بِرَهْنٍ يُحْرَزُ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ، لِأَنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ) حُكْمُ سَفَرِ الْغَرِيمِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (أَخْذُ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَفِي الرِّقَابِ " وَإِذَا جَازَ الْأَخْذُ مِنْ الْوَاجِبَةِ فَالْمُسْتَحَبَّةُ أَوْلَى (فَإِنْ شَرَطَ) السَّيِّدُ (عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ وَلَا يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ وَلَا يَسْأَلَ النَّاسَ صَحَّ) الشَّرْطُ وَكَانَ لَازِمًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَلِأَنَّ لِلسَّيِّدِ فِي هَذَا الشَّرْطِ، فَائِدَةٌ فَلَزِمَ كَمَا لَوْ شَرَطَ نَقْدًا مَعْلُومًا (فَلَوْ خَالَفَ) الْمُكَاتَبُ.
(وَفَعَلَ) مَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ (كَانَ لِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ) لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْطَ قَالَ أَحْمَدُ قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ " إنْ رَأَيْته يَسْأَلُ تَنْهَاهُ فَإِنْ قَالَ: لَا أَعُودُ لَمْ يَرُدَّهُ عَنْ كِتَابَتِهِ فِي مَرَّةٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ لَازِمٌ وَأَنَّهُ إنْ خَالَفَ مَرَّةً لَمْ يُعْجِزْهُ، وَإِنْ خَالَفَ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلَهُ تَعْجِيزُهُ " تَنْبِيهٌ " ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا لَا يُبْطِلُ الْكِتَابَةَ جَمْعٌ بَيْنَ شَرْطَيْنِ فَأَكْثَرَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.

(وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ نَوْعِ تِجَارَةٍ) أَوْ أَنْ لَا يَتَّجِرَ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمَوْضُوعِ لِلْعِتْقِ.

(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (أَنْ يُسَافِرَ لِجِهَادٍ) بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لِتَفْوِيتِ حَقِّ سَيِّدِهِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ.

(وَلَا) أَنْ (يَبِيعَ نِسَاءً وَلَوْ بِرَهْنٍ وَضَمِينٍ) بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ (وَلَوْ) كَانَ (بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَفِيهِ غَرَرٌ بِتَسْلِيمِ مَالِهِ لِغَيْرِهِ، وَالرَّهْنُ قَدْ يَتْلَفُ وَالْغَرِيمُ وَالضَّمِينُ قَدْ يُفْلِسَانِ.
(وَإِنْ بَاعَ) شَيْئًا (بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ) وَجَعَلَ قَدْرَ الْقِيمَةِ (حَالًّا وَجَعَلَ الزِّيَادَةَ مُؤَجَّلَةً جَازَ) لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مِنْ غَيْرِ

مَضَرَّةٍ.

(وَلَا يَرْهَنُ) الْمُكَاتَبُ (مَالَهُ وَلَا يُضَارِبُ) أَيْ يَدْفَعُ مَالَهُ إلَى غَيْرِهِ مُضَارَبَةً لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِالْمَالِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ قِرَاضًا لِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ.

(وَلَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَسَرَّى وَلَا يُقْرِضُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِرَهْنٍ كَالْبَيْعِ نَسَاءً وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ لَمْ يَذْكُرُوا قَرْضَهُ بِرَهْنٍ.

(وَلَا يَتَبَرَّعُ وَلَا يَدْفَعُ مَالَهُ سَلَمًا) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ نَسِيئَةً (وَلَا يَهَبُ وَلَوْ بِثَوَابٍ مَجْهُولٍ) إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ وَقَدْ يَعْجِزُ فَيَعُودُ إلَيْهِ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: بِثَوَابٍ مَجْهُولٍ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْلُومًا صَحَّ حَيْثُ لَا مُحَابَاةَ لِأَنَّهَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى تَقْتَضِي الْمَنْعَ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا أَوْ كَانَ فِيهَا مُحَابَاةٌ، وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ.

(وَلَا يُحَابِي) الْمُكَاتَبُ فِي بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ وَنَحْوِهِ (وَلَا يُعِيرُ دَابَّتَهُ) بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: لَهُ إطْعَامُ الطَّعَامِ لِضِيفَانِهِ وَإِعَارَةُ أَوَانِي مَنْزِله مُطْلَقًا.

(وَلَا يُوصِي) الْمُكَاتَبُ (بِمَالِهِ) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ إنْ مَاتَ حُرًّا فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ.

(وَلَا يَحُطُّ الْمُكَاتَبُ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْئًا) مِنْ الثَّمَنِ وَلَا عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ.

(وَلَا يَضْمَنُ) الْمُكَاتَبُ مَالًا (وَلَا يَتَكَفَّلُ) بِبَدَنِ (أَحَدٍ وَلَا يُنْفِقُ عَلَى قَرِيبِهِ غَيْرِ وَلَدِهِ الَّذِي يَتْبَعُهُ) فِي الْكِتَابَةِ وَغَيْرِ ذَوِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ إذَا مَلَكَهُمْ (وَلَا يَتَوَسَّعُ فِي النَّفَقَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى التَّبَرُّعِ.

(وَلَا يَقْتَصُّ إذَا قَتَلَ بَعْضُ رَقِيقِهِ بَعْضًا) لِمَا فِيهِ تَفْوِيتُ حَقِّ السَّيِّدِ بِإِتْلَافِ جُزْءٍ مِنْ رَقِيقِهِ الْجَانِي مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ (وَلَا يُكَاتِبُهُ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَوْعُ إعْتَاق فَلَمْ تَجُزْ مِنْهُ كَالْمُنَجَّزِ.
(وَلَا يُعْتِقُهُ وَلَوْ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ) لِأَنَّهُ نَوْعُ إعْتَاقٍ أَشْبَهَ الْعِتْقَ بِغَيْرِ مَالٍ (وَلَا يُزَوِّجُهُ) لِأَنَّهُ نَوْعُ تَبَرُّعٍ.

(وَلَا يُكَفِّرُ بِمَالٍ) لِأَنَّهُ عَبْدٌ وَفِي حُكْمِ الْمُعْسِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ زَكَاةٌ وَلَا نَفَقَةٌ وَيُبَاحُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ (إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا) فَإِنْ أَذِنَ لَهُ زَالَ الْمَانِعُ.
(وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ لَمْ يَلْزَمُهُ) أَيْ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا لِمَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ تَفْوِيتِ حُرِّيَّتِهِ (وَكَذَا تَبَرُّعُهُ) إذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ لَا يَلْزَمُهُ (وَنَحْوُهُ) كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْمُحَابَاةِ أَوْ الْعِتْقِ فَلَا يَلْزَمُهُ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُهُ لَكِنْ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ حَقُّ السَّيِّدِ وَقَدْ زَالَ بِإِذْنِهِ.

(وَوَلَاءُ مَنْ يُعْتِقُهُ) الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ (أَوْ) وَلَاءُ مَنْ (يُكَاتِبُهُ) إذَا أَدَّى الثَّانِي مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ (لِسَيِّدِهِ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ عَجْزِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ.
(وَ) عَدَمِ (رُجُوعِهِ إلَى الرِّقِّ) لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْوَلَاءِ، وَالْوَلَاءُ لَا يُوقَفُ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُورَثُ بِهِ فَهُوَ كَالنَّسَبِ (إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ هُوَ) أَيْ الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ (قَبْل أَنْ يُؤَدِّيَ) إلَيْهِ (مُكَاتَبُهُ) مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ (فَيَكُونُ وَلَاءُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ) أَيْ فَوَلَاءُ الْأَوَّلِ لِسَيِّدِهِ وَوَلَاءُ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ لِحَدِيثِ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» .

(وَإِذَا كُوتِبَتْ الْأَمَةُ وَهِيَ حَامِلٌ) تَبِعَهَا وَلَدُهَا (أَوْ) حَمَلَتْ وَ (وَلَدَتْ بَعْدَهَا) أَيْ الْكِتَابَةِ (تَبِعَهَا وَلَدُهَا إنْ أُعْتِقَتْ بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءِ عِتْقٍ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ مِنْ قِبَلِ السَّيِّدِ بِالِاخْتِيَارِ، فَسَرَى إلَى الْوَلَدِ كَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ وَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ بِالصِّفَةِ فَإِنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِالْبَيْعِ وَ (لَا) يُعْتَقُ وَلَدُهَا (بِإِعْتَاقِهَا) بِدُونِ أَدَاءً أَوْ إبْرَاءٍ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَاتَبَةً وَيَكُونُ لِسَيِّدِهَا.
(وَ) لَا يُعْتَقُ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ بِ (مَوْتِهَا) قَبْلَ الْأَدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ كَغَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ وَإِنْ قُتِلَ فَقِيمَتُهُ لَهَا كَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ جُزْئِهَا، وَبَدَلِ جُزْئِهَا لَهَا قَالَهُ فِي الْكَافِي.

(وَوَلَدُ بِنْتِهَا) أَيْ بِنْتِ الْمُكَاتَبَةِ (تَابِعَةٌ لِأُمِّهَا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى كَبِنْتِهَا) لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ وَالْأُمُّ تَابِعَةٌ لِأُمِّهَا فَيُعْتَقُ إنْ عَتَقَتْ الْكُبْرَى بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ لَا بِإِعْتَاقٍ وَمَوْتٍ وَ (لَا) يَتْبَعُهَا (وَلَدُ ابْنِهَا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ) دُونَ أَبِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ سُرِّيَّتِهِ فَيَتْبَعُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُكَاتَبِ.

(وَلَا يَتْبَعُهَا) أَيْ الْمُكَاتَبَةُ (مَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ) لِأَنَّهُ لَوْ بَاشَرَهَا بِالْعِتْقِ لَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا فَلَأَنْ لَا يَتْبَعَهَا فِي الْكِتَابَةِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى.

(وَلَوْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ الْوَلَدَ) أَيْ وَلَدَ الْمُكَاتَبَةِ (دُونَهَا) أَيْ دُونَ أُمِّهِ (صَحَّ عِتْقُهُ) لَهُ نَصًّا، لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ كَأُمِّهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ مَعَهَا.

(وَإِذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ زَوْجَتَهُ) انْفَسَخَ النِّكَاحُ (أَوْ اشْتَرَتْ الْمُكَاتَبَةُ زَوْجَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ) لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ مَتَى مَلَكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ أَوْ بَعْضَهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَمِلْكُ الْمُكَاتَبِ صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مِلْكِهِ لِكَسْبِهِ وَمَنَافِعِهِ.

(وَإِنْ اسْتَوْلَدَ) الْمُكَاتِبُ (أَمَتَهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ بَيْعُهَا) لِأَنَّ وَلَدَهَا لَهُ حُرْمَةُ الْحُرِّيَّةِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَيُعْتَقُ مُعْتَقُ أَبِيهِ أَشْبَهَ وَلَدَ الْحُرِّ مِنْ أَمَتِهِ.

(وَإِنْ لَزِمَتْهُ) أَيْ الْمُكَاتَبَ (دُيُونُ مُعَامَلَةٍ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ) لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ كَسْبَهُ صَارَتْ ذِمَّتُهُ قَابِلَةً لِلِاشْتِغَالِ، وَلِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ مِنْ السَّيِّدِ غُرُورٌ بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ لَهُ (يَتْبَعُ بِهَا) أَيْ بِالدُّيُونِ (بَعْدَ الْعِتْقِ) إذَا عَجَزَ عَنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ حَالَ يَسَارِهِ (وَلَا يَمْلِكُ غَرِيمُهُ تَعْجِيزَهُ) لِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِرَقَبَتِهِ.
(وَإِنْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ عَنْ دُيُونِ الْمُعَامَلَةِ (تَعَلَّقَتْ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَنْفِيِّ بِلَا، أَيْ وَلَا يُقَالُ: إنْ عَجَزَ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ لِئَلَّا يُنَاقِضَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَيُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَيُخَالِفُ كَلَامَ الْأَصْحَابِ.

وَنَصَّ الْإِمَامُ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ الْمَدِينُ: وَيَسْتَوْفِي دَيْنَهُ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَفِ

بِهَا سَقَطَ قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ قَضَاءُ دَيْنِهِ هَذَا كَانَ يَسْعَى لِنَفْسِهِ انْتَهَى وَتَقَدَّمَتْ أَيْضًا الْإِشَارَةُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَأْذُونِ.

[فَصْلٌ لَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ أَيْ الْمُكَاتَبِ]

(فَصْلٌ وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ بَلْ يَمْلِكُهُ الْمُكَاتَبُ لِأَنَّ الْمِلْكَ الْوَاحِدَ لَا يَتَوَارَدُ عَلَيْهِ مَالِكَانِ فَأَكْثَرَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّهُ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ لِيَمْلِكَ كَسْبَهُ وَمَنَافِعَهُ وَمَالَهُ وَلَا يَبْقَى ذَلِكَ لِبَائِعِهِ كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ.

(وَيَحْرُمُ الرِّبَا بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ السَّيِّدِ وَمُكَاتَبِهِ لِأَنَّهُ فِي الْمُعَامَلَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ (إلَّا فِي مَالِ الْكِتَابَةِ) فِيمَا إذَا عَجَّلَ الْبَعْضَ وَأَسْقَطَ عَنْهُ الْبَاقِي وَتَقَدَّمَتْ قَرِيبًا (وَتَقَدَّمَ آخِرَ الرِّبَا) وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مَالَ الْكِتَابَةِ (لِتَجْوِيزِهِمْ تَعْجِيلَ) دَيْنِ (الْكِتَابَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَضَعَ بَعْضَهَا فَيَجُوزُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ) خَاصَّةً لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ جَنَى السَّيِّدُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (فَلَهُ الْأَرْشُ) لِأَنَّهُ مَعَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ وَلَا يَجِبُ إلَّا بِأَنَّهُ مَالُ الْجُرْحِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْجِنَايَةِ تَمْثِيلٌ عَتَقَ بِهِ وَتَقَدَّمَ، فَلَا أَرْشَ لَهُ بَلْ مَالُهُ لِسَيِّدِهِ لِأَنَّهُ مُعْتَقٌ بِغَيْرِ أَدَاءً فَإِنْ قُتِلَ فَهَدَرٌ (وَلَا قِصَاصَ) عَلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبَ بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ.

(وَإِنْ حَبَسَهُ) أَيْ حَبَسَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَهُ (فَعَلَى السَّيِّدِ أَرْفَقُ الْأَمْرَيْنِ بِالْمُكَاتَبِ مِنْ إنْظَارِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ) الَّتِي حَبَسَهُ فِيهَا (أَوْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ) فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ سَبَبُهُمَا فَكَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْفَعُهُمَا.

(وَإِنْ جَنَى الْمُكَاتَبُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ) كَانَتْ الْجِنَايَةُ (عَلَى سَيِّدِهِ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ) لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَبْدٌ، وَلِأَنَّهُ مَعَ سَيِّده كَالْحُرِّ فِي الْمُعَامَلَات فَكَذَا فِي الْجِنَايَات (وَاسْتَوَى الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْآخَرِ كَجِنَايَةِ الْقِنِّ الْمُتَعَلِّقَةِ بِرَقَبَتِهِ.

(وَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا) أَيْ الْجِنَايَةِ فِي (كِتَابَتِهِ وَبَعْضُهَا بَعْدَ تَعْجِيزِهِ) فَيُسَوَّى بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (فِدَاءُ نَفْسِهِ) مِمَّا فِي يَدِهِ (مُقَدَّمًا عَلَى الْكِتَابَةِ وَلَوْ حَلَّ نَجْمٌ) لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ وَدَيْنُ الْكِتَابَةِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، وَلِأَنَّهُ إذَا قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى الْعَبْدِ الْقِنِّ وَعَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَغَيْرِهِمَا فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الْمُكَاتَبِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ مِنْ سَيِّدِهِ وَغَيْرِهِ التَّأْخِيرَ إلَى بَعْدِ وَفَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ) فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَقَدْ رَضِيَ

بِتَأْخِيرِهِ.

(فَإِنْ كَانَ فِيهَا) أَيْ فِي جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ (مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فَلِمُسْتَحَقِّهِ اسْتِيفَاؤُهُ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَتَبْطُلُ حُقُوقُ) الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ (الْآخَرِينَ) الْمُعَلَّقَةُ بِرَقَبَتِهِ لِفَوَاتِ الْمَحِلِّ (إنْ كَانَ) الْقِصَاصُ (فِي النَّفْسِ) بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الطَّرَفِ (وَإِنْ عَفَا) مَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ (عَلَى مَالٍ) جَازَ، وَ (صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ) فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ وَيَسْتَوِي وَلِيُّهَا مَعَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خَطَأً (فَإِنْ) بَادَرَ الْمُكَاتَبُ وَ (أَدَّى) لِلسَّيِّدِ دَيْنَ الْكِتَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ سَأَلَ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ وَأَجَابَهُ صَحَّ (وَعَتَقَ) لِصِحَّةِ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ قَضَى حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ فَصَحَّ قَضَاؤُهُ كَمَا لَوْ قَضَى الْمُفْلِسُ بَعْضَ غُرَمَائِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ.
وَحَيْثُ تَقَرَّرَ ذَلِكَ (فَالضَّمَانُ) لِأَرْشِ الْجِنَايَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ الْعِتْقِ فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ (وَإِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ) فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ (أَوْ قَتَلَهُ) سَيِّدُهُ (فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ) أَيْ ضَمَانُ مَا كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ عَلَى سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ بِقَتْلِهِ أَوْ عِتْقِهِ فَوَّتَ عَلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ مَحَلَّ تَعَلُّقِهَا وَهُوَ رَقَبَةُ الْجَانِي، فَلَزِمَهُ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْجَانِي (وَإِنْ عَجَّزَهُ) أَيْ عَجَّزَ الْمُكَاتَبَ الْجَانِي سَيِّدُهُ لِعَجْزِهِ عَنْ وَفَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ (فَعَادَ قِنًّا خُيِّرَ) سَيِّدُهُ (بَيْنَ فِدَائِهِ) بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ قِيمَتِهِ (وَ) بَيْنَ (تَسْلِيمِهِ) لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ وَبَيْنَ بَيْعِهِ فِيهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُكَاتَبًا.
(وَإِذَا كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ لِلسَّيِّدِ) بِأَنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَالِهِ، أَوْ وَرِثَ أَرْشَهَا عَنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (وَعَجَّزَهُ) سَيِّدُهُ لِعَجْزِهِ عَنْ الْوَفَاءِ (سَقَطَ عَنْهُ مَالُ الْكِتَابَةِ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ) لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى قِنِّهِ مَالٌ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ بَدَأَ الْمُكَاتَبُ) الْجَانِي عَلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ (فَدَفَعَ مَالَ الْكِتَابَةِ إلَى سَيِّدِهِ وَكَانَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ سَأَلَ الْحَاكِمَ) أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ (فَحَجَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ دَفْعُهُ إلَى سَيِّدِهِ) لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهِ صَارَ لِلْحَاكِمِ كَمَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلْسٍ (وَيَرْتَجِعُهُ) الْحَاكِمُ (وَيُسَلِّمُهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ) لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَيْنِ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مُسْتَقِرٌّ وَدَيْنُ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقَرٍّ (فَإِنْ وَفَّى) مَا بِيَدِ الْمُكَاتَبِ (بِمَا لَزِمَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبَ (مِنْ أَرْشِهَا) أَيْ الْجِنَايَةِ سَقَطَ الطَّلَبُ بِهِ عَنْهُ (وَإِلَّا بَاعَ الْحَاكِمُ مِنْهُ) بِقَدْرِ (مَا بَقِيَ) عَلَيْهِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ (وَبَاقِيه) أَيْ الْمُكَاتَبِ (بَاقٍ عَلَى كِتَابَتِهِ) لِعَدَمِ مَا يُنَافِيه.
(فَإِنْ أَدَّى) الْمُكَاتَبُ (عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ وَسَرَى الْعِتْقُ إلَى بَاقِيه إنْ كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا) بِقِيمَةِ مَا بِيعَ مِنْهُ فِي الْجِنَايَةِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِشَرِيكِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي السِّرَايَةِ السَّابِقِ فِيمَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُهُ فَقَطْ وَإِنْ

أَيْسَرِ بِالْبَعْضِ عَتَقَ بِقَدْرِ مَا هُوَ مُوسِرٌ بِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ حَجَرَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ الْجَانِي وَبَادَرَ وَأَدَّى إلَى سَيِّدِهِ مَالَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ (صَحَّ دَفْعُهُ إلَى السَّيِّدِ) وَعَتَقَ لِأَنَّهُ يَقْضِي حَقًّا عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى بَعْضَ غُرَمَائِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَاسْتَقَرَّ ضَمَانُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ.
(وَالْوَاجِبُ فِي الْفِدَاءِ) أَيْ فِدَاءِ الْمُكَاتَبِ (أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ إنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ (أَوْ أَرْشُ جِنَايَتِهِ) إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَعَ كَوْنِ الْأَرْشِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَا مَوْضِعَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِهَا.

(وَلَا يُجْبَرُ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْكَسْبِ لِوَفَاءِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ) لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي السَّعْيِ فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ، وَدَيْنُ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ (بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ) فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ لِوَفَائِهَا لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ فِي مُدَّةِ الْكِتَابَةِ بِشَرْطٍ]

(فَصْلٌ وَإِنْ وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ فِي مُدَّةِ الْكِتَابَةِ بِشَرْطِ) أَيْ مَعَ اشْتِرَاطِهِ عَلَيْهَا فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ أَنْ يَطَأهَا (جَازَ) لِبَقَاءِ أَصْلِ الْمِلْكِ كَرَاهِنٍ يَطَأُ بِشَرْطٍ ذَكَرَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَلِأَنَّ بُضْعَهَا مِنْ جُمْلَةِ مَنَافِعِهَا فَإِذَا اسْتَثْنَى نَفْعَهُ صَحَّ، كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى مَنْفَعَةً أُخْرَى وَجَازَ وَطْؤُهُ لَهَا لِأَنَّهَا أَمَتُهُ وَهِيَ فِي جَوَازِ وَطْئِهِ لَهَا كَغَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ لِاسْتِثْنَائِهِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ يَتَوَجَّهُ جَوَازُ وَطْئِهَا بِلَا شَرْطٍ بِأَنَّهَا.
(وَ) حَيْثُ شَرَطَ وَطْأَهَا ف (لَا مَهْرَ) بِوَطْئِهِ إيَّاهَا لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَمْلِكُهُ وَيُبَاحُ لَهُ كَمَا لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ الْقِنُّ.

(وَ) إنْ وَطِئَ مُكَاتَبَته (بِلَا شَرْطٍ يُؤَدَّبْ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ مِنْهُ وَمِنْهَا) لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ سَيِّدَ الْمُكَاتَبَةِ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا (مَهْرُ) مِثْلِهَا (وَلَوْ) كَانَتْ (مُطَاوِعَةً) لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ (ك) مَا لَوْ وَطِئَ (أَمَتَهَا) لِأَنَّهُ عِوَضُ شَيْءٍ مُسْتَحَقٍّ لِلْمُكَاتَبَةِ فَكَانَ لَهَا كَبَقِيَّةِ مَنَافِعِهَا، وَعَدَمُ مَنْعِهَا مِنْ وَطْئِهِ لَيْسَ بِإِذْنٍ مِنْهَا لَهُ فِي الْفِعْلِ وَلِهَذَا لَوْ رَأَى مَالِكُ مَالٍ إنْسَانًا يُتْلِفُهُ فَلَمْ يَمْنَعْهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الضَّمَانُ، وَتَحْصُلُ الْمُقَاصَّةُ إنْ بَقِيَ لَهَا نَجْمٌ وَهُوَ بِذِمَّتِهِ بِشَرْطِهِ.

(وَلَا حَدَّ) بِوَطْئِهِ مُكَاتَبَتَهُ أَوْ أَمَتَهَا لِشُبْهَةِ الْمُلْكِ (فَإِنْ تَكَرَّرَ وَطْؤُهُ) لِمُكَاتَبَتِهِ أَوْ لِأَمَتِهَا (قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ مَهْرَهُ فَمَهْرٌ وَاحِدٌ) لِاتِّحَادِ الشُّبْهَةِ، وَهِيَ كَوْنُ الْمَوْطُوءَةِ مَمْلُوكَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَةَ

مَمْلُوكَتِهِ كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ (وَمَتَى أَدَّى) السَّيِّدُ الْوَاطِئُ لِمُكَاتَبَتِهِ أَوْ لِأَمَتِهَا (مَهْرَ وَطْءٍ) ثُمَّ أَعَادَهُ (لَزِمَهُ مَهْرُ مَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْوَطْءِ الَّذِي أَدَّى مَهْرَهُ لِأَنَّ الْأَدَاءَ قَدْ قَطَعَ حُكْمَ الْوَطْءِ.

(فَإِنْ أَوْلَدَهَا) أَيْ أَوْلَدَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَتَهُ (سَوَاءٌ وَطِئَهَا بِشَرْطٍ أَوْ لَا) صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِأَنَّهَا أَمَةٌ لَهُ مَا بَقِيَ عَلَيْهَا دِرْهَمٌ (أَوْ أَوْلَدَ أَمَتَهُ ثُمَّ كَاتَبَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) أَيْ بَقِيَتْ عَلَى كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ مَعَ كَوْنِهَا مُكَاتَبَتَهُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الِاسْتِيلَادِ وَالْكِتَابَةِ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ فَلَا يَتَنَافَيَانِ وَوَلَدُهَا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بَعْدَ اسْتِيلَادِهَا تَابِعٌ لَهَا (وَوَلَدُهُ) أَيْ السَّيِّدِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ (حُرٌّ) لِأَنَّهُ مِنْ أَمَتِهِ.

(فَإِنْ أَدَّتْ) الْمُكَاتَبَةُ الْمُسْتَوْلَدَةُ (عَتَقَتْ) بِالْأَدَاءِ (وَكَسْبُهَا لَهَا) كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَوْلَدَةً.
(وَإِنْ مَاتَ) سَيِّدُهَا (وَلَمْ تُؤَدِّ) أَيْ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ جَمِيعَ مَا كُوتِبَتْ عَلَيْهِ (أَوْ عَجَزَتْ) عَنْ أَدَاءِ مَا كُوتِبَتْ عَلَيْهِ أَوْ أُعِيدَتْ لِلرِّقِّ (عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ) لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ كُوتِبَتْ (وَسَقَطَ مَا بَقِيَ عَلَيْهَا مِنْ كِتَابَتِهَا) لِفَوَاتِ مَحِلِّ الْكِتَابَةِ بِالْعِتْقِ.

(وَمَا فِي يَدِهَا) أَيْ الْمُكَاتَبَةِ الَّتِي عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ (لِوَرَثَتِهِ) أَيْ وَرَثَةِ السَّيِّدِ.
(وَلَوْ مَاتَ) السَّيِّدُ (قَبْلَ عَجْزِهَا) عَنْ أَدَاءِ مَا كُوتِبَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِغَيْرِ أَدَاءً وَتَقَدَّمَ فِي التَّدْبِيرِ (وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ) وَلَوْ قَبْلَ عَجْزِهِ فَإِنَّ مَا بِيَدِهِ يَكُونُ لِعَبْدِهِ وَتَقَدَّمَ.

(وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إجْبَارَ مُكَاتَبَتِهِ) عَلَى التَّزْوِيجِ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مِلْكٌ لَهَا لَا لَهُ (وَلَا) يَمْلِكُ السَّيِّدُ إجْبَارَ (ابْنَتِهَا) أَيْ ابْنَةِ مُكَاتَبَتِهِ عَلَى التَّزْوِيجِ (وَلَا) يَمْلِكُ أَيْضًا إجْبَارَ (أَمَتِهَا عَلَى التَّزْوِيج) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَالِكًا لِمَنَافِعِهَا كَمَا لَا يُؤَجِّرُهُنَّ (وَلَيْسَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ) أَيْ مِنْ الْمُكَاتَبَةِ وَابْنَتِهَا وَأَمَتِهَا (التَّزْوِيجُ بِلَا إذْنِهِ) لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُنَّ لِأَنَّهَا رُبَّمَا عَجَزَتْ فَيَعُدْنَ إلَى مِلْكِهِ.

(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (وَطْءُ بِنْتِ مُكَاتَبَتِهِ وَلَوْ بِشَرْطٍ) لِأَنَّ حُكْمَ الْكِتَابَةِ ثَبَتَ فِيهَا تَبَعًا وَلَمْ يَكُنْ وَطْؤُهَا مُبَاحًا حَالَ الْعَقْدِ فَاشْتَرَطَهُ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ وَطِئَ بِنْتَ مُكَاتَبَتِهِ (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ وَرُبَّمَا عَجَزَتْ أُمُّهَا فَعَادَتْ لِمِلْكِهِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (وَيَأْثَمُ) بِوَطْئِهِ لِابْنَةِ مُكَاتَبَتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُعَزَّرُ) عَلَيْهِ (وَلَهَا) أَيْ لِبِنْتِ الْمُكَاتَبَةِ (الْمَهْرُ) بِوَطْئِهِ لَهَا (حُكْمُهُ حُكْمُ كَسْبِهَا يَكُونُ لِأُمِّهَا) تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا لِأَنَّهُ بَدَلُ مَنْفَعَةِ بُضْعِهَا كَأُجْرَةِ خِدْمَتِهَا.

(فَإِنْ أَحْبَلَهَا) أَيْ أَحْبَلَ السَّيِّدُ بِنْتَ مُكَاتَبَتِهِ (صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) كَأُمِّهَا لِأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ (وَالْوَلَدُ) لَهُ (حُرٌّ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ) لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ (وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى السَّيِّدِ الَّذِي أَوْلَدَ بِنْتَ مُكَاتَبَتِهِ (قِيمَتُهَا) أَيْ قِيمَةُ بِنْتِ مُكَاتَبَتِهِ لِأَنَّ أُمَّهَا لَا تَمْلِكُهَا وَلَا قِيمَةَ وَلَدِهَا لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي

مِلْكِهِ.

(وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ جَارِيَةٍ لِمُكَاتَبِهِ وَلَا) وَطْءُ (مُكَاتَبَتِهِ) أَيْ مُكَاتَبِهِ لِأَنَّ مِلْكَهُمَا لِلْمُكَاتَبِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فِيهِمَا (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ مُكَاتَبِهِ أَوْ مُكَاتَبَتِهِ (أَثِمَ وَعُزِّرَ وَلَا حَدَّ) لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ مَالِك الْمَالِكِ، فَهُوَ مَالِكٌ بِوَاسِطَةٍ (وَعَلَيْهِ) بِوَطْئِهِ لَهَا (مَهْرُهَا لِسَيِّدِهَا) الَّذِي هُوَ الْمُكَاتَبُ لِأَنَّهُ عِوَضُ مَنْفَعَتِهَا وَهِيَ لَهُ، فَكَذَا عِوَضُهُمَا.

(وَوَلَدُهُ) أَيْ السَّيِّدِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ جَارِيَة مُكَاتَبِهِ أَوْ مُكَاتَبَتِهِ (حُرٌّ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ) لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ (وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِسَيِّدِهَا) لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ إذْ الِاسْتِيلَادُ كَالْإِتْلَافِ (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ) مِنْ أَمَةِ مُكَاتَبِهِ أَوْ مُكَاتَبَتِهِ لِأَنَّ وَلَدَ السَّيِّدِ كَجُزْءٍ مِنْهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَتَهُ لِرَقِيقِهِ وَلِأَنَّهُ انْعَقَدَ حُرًّا.

(وَلَوْ كَاتَبَ اثْنَانِ جَارِيَتَهُمَا ثُمَّ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا أُدِّبَ فَوْقَ أَدَبِ الْوَاطِئِ الْمُكَاتَبَةَ الْخَالِصَةَ) لَهُ لِأَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا مُكَاتَبَةً وَمِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا مُشْتَرَكَةً بِخِلَافِ الْمُكَاتَبَةِ الْخَالِصَةِ (وَعَلَيْهِ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ لَهَا فَإِذَا تَلِفَتْ بِالْوَطْءِ لَزِمَ مُتْلِفَهُمَا بَدَلُهَا وَهُوَ الْمَهْرُ (فَإِنْ وَطِئَاهَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ (فَلَهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ كَانَتْ) الْمُكَاتَبَةُ (بِكْرًا فَعَلَى) الْوَاطِئِ (الْأَوَّلِ مَهْرُ بِكْرٍ وَعَلَى) الْوَاطِئِ (الْآخَرِ مَهْرُ ثَيِّبٍ) بِاعْتِبَارِ الْحَالِ الَّتِي وَطِئَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَيْهَا.
(وَإِنْ أَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا فَوَلَدُهُ حُرٌّ) يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ (وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِحُرٍّ فِي شَيْءٍ يَمْلِكُ بَعْضَهُ وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلسِّرَايَةِ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى مِنْ الْعِتْقِ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنْ الْمَجْنُونِ وَيَنْفُذُ مِنْ جَارِيَةِ ابْنِهِ وَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَرَضِ.
(وَ) تَصِيرُ أَيْضًا (مُكَاتَبَةً لَهُ) بِمَعْنَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى كِتَابَتِهَا فِي نَصِيبِهِ وَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ عَلَى كِتَابَتِهِ (كَمَا لَوْ اشْتَرَى نِصْفَهَا مِنْ شَرِيكِهِ وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُسْتَوْلِدِ (لَهُ نِصْفُ قِيمَتِهَا مُكَاتَبَةً لَهُ) أَيْ لِشَرِيكِهِ (لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ) الْمُسْتَوْلَد (مُوسِرًا) بِنِصْفِ قِيمَتِهَا (أَدَّاهُ وَإِنْ كَانَ مُعَسِّرًا فَ) هُوَ (فِي ذِمَّتِهِ) إلَى أَنْ يُوسِرَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُسْتَوْلِدِ (لَهُ) أَيْ لِشَرِيكِهِ (نِصْفُ قِيمَةِ وَلَدِهَا) فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ سَبِيلِ هَذَا النِّصْفِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِشَرِيكِهِ فَقَدْ أَتْلَفَ رِقَّهُ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهَا فِي التَّصْحِيحِ وَالنَّظْمِ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ وَالْمُنْتَهَى وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَغْرَمُ فِي الْوَلَدِ شَيْئًا لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ وَالْوَلَدُ حُرٌّ، قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفَائِقِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَقَالَ هَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ هَذَا

أَظْهَرُ وَهُوَ الْمُشَابِهُ لِمَا يَأْتِي فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ " تَنْبِيهٌ مُقْتَضَى كَلَامِهِ: أَنَّ نِصْفَ قِيمَةِ الْوَلَدِ لِلشَّرِيكِ.
وَقَالَ فِي الْكَافِي وَيَكُونُ الْوَاجِبُ لِأُمِّهِ إنْ كَانَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ بَدَلُ وَلَدِهَا (وَ) عَلَيْهِ أَيْضًا (نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا) وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لِشَرِيكِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ لَهَا كَمَا فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَكَمَا دَلَّ عَلَيْهِ أَوَّلُ كَلَامِهِ مِنْ، أَنَّ الْمَهْرَ إذَا وَجَبَ كَانَ لَهَا وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْمَهْرِ كَامِلًا قَالَ فِي الْإِنْصَافِ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ كَامِلًا أَوْ نِصْفُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَإِنْ أُلْحِقَ) الْوَلَدُ (بِهِمَا) أَيْ بِالشَّرِيكَيْنِ الْوَاطِئَيْنِ لَهَا (فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِمَا) لِأَنَّ الْوَلَدَ مَنْسُوبٌ إلَيْهِمَا (يُعْتَقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَ) يُعْتَق (بَاقِيهَا بِمَوْتِ الْآخَرِ) لِأَنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُلْت لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوَّلًا مُوسِرًا ثُلُثُهُ بِقِيمَةِ الْبَاقِي، فَهَلْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالسِّرَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُدَبَّرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَوَّلًا لِكَوْنِهِ يُبْطِلُ حَقَّ صَاحِبِهِ مِنْ الْوَلَاءِ الَّذِي انْعَقَدَ بِسَبَبِهِ بِالِاسْتِيلَادِ قَالَ الشَّارِحُ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَوْلَى وَأَصَحُّ.

(وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ارْجِعِي إلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَكِ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا فَأَبَوْا وَقَالُوا: إنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْك فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونُ لَنَا وَلَاؤُكِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِيعَتْ بَرِيرَةُ بِعِلْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ وَلَا وَجْهَ لِمَنْ أَنْكَرَهُ وَلَا أَعْلَمُ خَبَرًا يُعَارِضُهُ وَلَا أَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ مَا دَلَّ عَلَى عَجْزِهَا وَتَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَجَزَتْ وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ قَوْلُهَا " أَعِينِينِي " دَلَّ عَلَى بَقَائِهَا عَلَى الْكِتَابَةِ.

(وَ) تَجُوزُ (هِبَتُهُ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ) كَالْبَيْعِ (وَوَلَدُهُ التَّابِعُ لَهُ) فِي كِتَابَتِهِ كَهُوَ، فَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَالْوَصِيَّةُ مَعَ الْمُكَاتَبِ لَا مُنْفَرِدًا لِأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ كَأَصْلِهِ وَلِذَلِكَ صَحَّ عِتْقُهُ لَهُ بِخِلَافِ ذَوِي رَحِمِ الْمُكَاتَبِ الْمَحْرَمِ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَبِيدًا لِسَيِّدِهِ (وَتَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ) أَنَّهُ تَصِحُّ هِبَةُ الْمُكَاتَبِ (وَ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ (الْمُوصَى إلَيْهِ) يَعْنِي لَهُ: أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمُكَاتَبِ.

(وَمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ) الْمُكَاتَبُ (بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ وَنَحْوِهَا) يَقُومُ مَقَامَ مُكَاتِبِهِ بِكَسْرِ التَّاءِ (يُؤَدِّي إلَيْهِ) الْمُكَاتَبُ (مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، فَإِذَا أَدَّى إلَيْهِ عَتَقَ، وَوَلَاؤُهُ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَمْ تَنْفَسِخْ بِنَقْلِ الْمِلْكِ فِي الْمُكَاتَبِ (وَإِنْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ عَنْ الْأَدَاءِ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ (عَادَ قِنًّا) لِأَنَّ حُكْمَهُ مَعَ بَائِعِهِ وَنَحْوِهِ كَذَلِكَ.

(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مُشْتَرِيه) أَيْ الْمُكَاتِبُ (أَنَّهُ مُكَاتَبٌ فَلَهُ الرَّدُّ أَوْ الْأَرْشُ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَقْصٌ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَنَافِعِهِ وَكَسْبِهِ وَقَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ فِيهِ أَشْبَهَ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ.

(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ) كَدَيْنِ السَّلَمِ فَإِنْ سَلَّمَ الْمُكَاتَبُ إلَى الْمُشْتَرِي نُجُومَهُ فَقِيلَ يُعْتَقُ وَيَبْرَأُ الْمُكَاتَبُ وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا قَبَضَهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي، الْقَبْضِ أَشْبَهَ قَبْضَ الْوَكِيلِ وَقِيلَ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَنِبْهُ فِي الْقَبْضِ وَإِنَّمَا قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَكَانَ الْقَبْضُ فَاسِدًا فَلَمْ يُعْتَقْ بِخِلَافِ وَكِيلِهِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَمَالُ الْكِتَابَةِ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ وَيَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ سَلَّمَ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ لَمْ يَصِحَّ تَسْلِيمُهُ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْن الْمُكَاتَبِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.

(وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ) وَتَقَدَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ (وَ) يَصِحُّ (دَفْعُ زَكَاتِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى مُكَاتَبِهِ وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ (وَإِنْ اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكَاتَبَيْنِ) الْمُكَاتَبَ (الْآخَرَ صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ) لِأَنَّ التَّصَرُّفَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ شِرَاءِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ سَيِّدَهُ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ أَنَا مَوْلَاك وَلِي وَلَاؤُك وَإِنْ عَجَزْت صِرْت لِي رَقِيقًا.
(وَسَوَاءٌ كَانَا) أَيْ الْمُكَاتَبَانِ (لِوَاحِدٍ أَوْ لِاثْنَيْنِ) لِأَنَّ الْعِلَّةَ كَوْنُ الْعَبْدِ لَا يَمْلِكُ سَيِّدَهُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ هُنَا فَإِنْ أَدَّى الْمَبِيعُ مِنْهُمَا عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلسَّيِّدِ عَلَى مُقْتَضَى مَا سَبَقَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِكَوْنِ الْعِتْقِ تَمَّ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَيَحْصُلُ الْإِنْعَامُ عَلَيْهِ بِإِذْنِهِ فِيهِ وَهَهُنَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِهِ فَلَا نِعْمَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ مَا لَمْ يَعْجِزْ سَيِّدُهُ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ (فَإِنْ جَهِلَ الْأَوَّلَ) مِنْ الْبَيْعَيْنِ (بَطَلَ الْبَيْعَانِ وَيُرَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى كِتَابَتِهِ) كَنِكَاحِ الْوَلِيَّيْنِ إذَا أَشْكَلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا وَلَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إلَى فَسْخٍ وَلَا قُرْعَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ يَقِينُ الْبَيْعِ فِي وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى فَسْخٍ.

(وَإِنْ أُسِرَ) الْمُكَاتَبُ (فَاشْتَرَاهُ أَحَدٌ فَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ بِمَا اشْتَرَى بِهِ) كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ سَيِّدُهُ إلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَاجِبٌ أَخْذُهُ فَيَأْخُذُهُ بِثَمَنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُدَبَّرِ.
(وَهُوَ)

أَيْ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ الْأَسْرِ (عَلَى كِتَابَتِهِ) لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ كَالْبَيْعِ (وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (بِمُدَّةِ الْأَسْرِ) فَلَا يَعْجِزُ حَتَّى يَمْضِيَ بَعْدَ الْأَسْرِ مِثْلُهَا لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْكَسْبِ أَشْبَهَ مَا لَوْ حَبَسَهُ سَيِّدُهُ (وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ) سَيِّدُهُ بَلْ تَرَكَهُ لِمُشْتَرِيهِ أَوْ لِمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ قَسْمُهُ (فَهُوَ) أَيْ الْمُكَاتَبُ (لِمُشْتَرِيهِ) أَوْ لِمَنْ وَقَعَ فِي قَسْمِهِ (بِمَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ يُعْتَقُ بِالْأَدَاءِ وَوَلَاؤُهُ لَهُ) كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ سَيِّدِهِ.

(وَمَنْ مَاتَ) عَنْ مُكَاتَبٍ (وَفِي وُرَّاثِهِ زَوْجَةٌ لِمُكَاتَبِهِ) كَمَا لَوْ زَوَّجَ بِنْتَه أَوْ أُخْتَهُ وَنَحْوَهَا بِمُكَاتَبِهِ ثُمَّ مَاتَ (انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) لِأَنَّهَا مَلَكَتْ زَوْجَهَا أَوْ بَعْضَهُ.

(وَكَذَا لَوْ وَرِثَ رَجُلٌ زَوْجَتَهُ الْمُكَاتَبَةَ) أَوْ بَعْضَهَا (أَوْ) وَرِثَ زَوْجَةً لَهُ (غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ الْمُكَاتَبَةِ فَمَتَى مَلَكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ أَوْ بَعْضَهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَيَأْتِي.

[فَصْلٌ الْكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ]

(فَصْلٌ وَالْكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ) لِأَنَّهَا بَيْعٌ وَهُوَ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ (لَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ) مَجْلِسٍ وَلَا شَرْطٌ وَلَا غَيْرُهُمَا، لِأَنَّ الْخِيَارَ شُرِعَ لِدَفْعِ الْغَبْنِ عَنْ الْمَالِ وَالسَّيِّدُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةِ أَنَّ الْحَظَّ لِعَبْدِهِ، فَلَا مَعْنَى لِثُبُوتِ الْخِيَارِ.

وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا أَيْ الْكِتَابَةِ (عَلَى) شَرْطٍ (مُسْتَقْبَلٍ) كَقَوْلِهِ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ كَاتَبْتُك عَلَى كَذَا كَسَائِرِ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ وَخَرَجَ بِهِ الْمَاضِي وَالْحَاضِرُ كَإِنْ كُنْت عَبْدِي وَنَحْوِهِ فَقَدْ كَاتَبْتُك عَلَى كَذَا فَيَصِحُّ.

(وَلَا تَنْفَسِخُ) الْكِتَابَةُ (بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَلَا جُنُونِهِ وَلَا الْحَجْرِ عَلَيْهِ) لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ كَبَقِيَّةِ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ.

(وَيُعْتَقُ) الْمُكَاتَبُ (بِالْأَدَاءِ إلَى سَيِّدِهِ) مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقَبْضِ (وَ) بِالْأَدَاءِ (إلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) مِنْ وَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ مَعَ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ فَهُوَ كَالْأَدَاءِ إلَى مُوَرِّثِهِمْ (وَغَيْرِهِمْ) أَيْ غَيْرِ وَرَثَتِهِ كَوَلِيِّهِ إنْ جُنَّ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ وَوَكِيلِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ السَّيِّدِ أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ نَفْسَهُ.

(وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ) وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ سَلَّمَهُ الْمُكَاتَبُ إلَى الْمُوصَى لَهُ) الْمُعَيَّنِ (أَوْ) إلَى (وَكِيلِهِ) إنْ كَانَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ بَرِئَ وَعَتَقَ (أَوْ) سَلَّمَهُ إلَى (وَلِيِّهِ) أَيْ وَلِيِّ الْمُوصَى لَهُ (إنْ كَانَ) الْمُوصَى لَهُ (مَحْجُورًا عَلَيْهِ بَرِئَ) الْمُكَاتَبُ (وَعَتَقَ) لِأَدَائِهِ مَالَ الْكِتَابَةِ لِمُسْتَحِقِّهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّاهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ (وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ)

لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْعِمُ بِالْعِتْقِ فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ كَمَا لَوْ أَدَّى إلَيْهِ وَلِأَنَّ الْوَرَثَةَ أَوْ الْمُوصَى لَهُ إنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ مَا بَقِيَ لِلسَّيِّدِ وَإِنَّمَا بَقِيَ لَهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْبَيْعِ أَنَّ السَّيِّدَ فِي الْبَيْعِ نَقَلَ حَقَّهُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ مِنْ وَجْهٍ وَالْوَارِثُ يَخْلُفُ الْمَوْرُوثَ وَيَقُومُ مَقَامَهُ وَيَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ مُوَرِّثُهُ وَكَذَا الْمُوصَى لَهُ.
(وَإِنْ أَبْرَأَهُ الْمُوصَى لَهُ) وَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ (مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ) الْمُوصَى لَهُ بِهِ (عَتَقَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَالِهَا وَبَرَاءَتُهُ لَهُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ الْحَقَّ دُونَ الْوَرَثَةِ (فَإِنْ أَعْتَقَهُ) الْمُوصَى لَهُ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ (لَمْ يُعْتَقْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَالِكًا لِرَقَبَتِهِ وَلَا مَأْذُونًا لَهُ فِي عِتْقِهِ وَحَقُّهُ فِيمَا عَلَيْهِ لَا فِي رَقَبَتِهِ.
(وَإِنْ عَجَزَ) عَنْ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ لِلْمُوصَى لَهُ بِهِ (وَرُدَّ فِي الرِّقِّ صَارَ عَبْدًا لِلْوَرَثَةِ) دُونَ الْمُوصَى لَهُ بِمَا عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ فِي تَعْجِيزِهِ لِلْوَرَثَةِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَمَا قَبَضَهُ الْمُوصَى لَهُ) مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ (فَهُوَ لَهُ وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْهُ) لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.

(وَإِنْ وَصَّى) السَّيِّدُ (بِهِ) أَيْ بِمَا عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ (لِمَسَاكِينَ) وَنَحْوِهِمْ (وَوَصَّى إلَى مَنْ يَقْبِضُهُ وَيُفَرِّقُهُ بَيْنَهُمْ صَحَّ) ذَلِكَ حِينَ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (وَمَتَى سَلَّمَ) الْمُكَاتَبُ (الْمَالَ إلَى الْمُوصَى) إلَيْهِ بِقَبْضَةٍ (بَرِئَ) مِنْ عُهْدَتِهِ (وَعَتَقَ) لِأَنَّهُ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ لِمُسْتَحِقِّ قَبْضِهِ أَشْبَهَ الْأَدَاءَ إلَى وَلِيِّ سَيِّدِهِ (وَإِنْ أَبْرَأَهُ) أَيْ أَبْرَأَ الْمُوصَى إلَيْهِ بِقَبْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ لِيُفَرِّقَهُ لِلْمَسَاكِينِ الْمُكَاتَبَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ (لَمْ يَبْرَأْ) الْمُكَاتَبُ (لِأَنَّ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُ وَلَمْ يُعْتَقْ.
(وَإِنْ دَفَعَهُ الْمُكَاتَبُ إلَى الْمَسَاكِينِ لَمْ يَبْرَأْ) مِنْهُ (وَلَمْ يُعْتَقْ لِأَنَّ التَّعْيِينَ إلَى الْمُوصَى إلَيْهِ) بِقَبْضِهِ فَلَا يُفْتَاتُ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ وَصَّى) السَّيِّدُ (بِدَفْعِ الْمَالِ) الَّذِي عَلَى مُكَاتَبِهِ (إلَى غُرَمَائِهِ تَعَيَّنَ الْقَضَاءُ مِنْهُ كَمَا لَوْ وَصَّى بِهِ عَطِيَّةً لَهُمْ) أَيْ لِغُرَمَائِهِ لَا فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ (فَإِنْ كَانَ) السَّيِّدُ (إنَّمَا وَصَّى بِقَضَاءِ دُيُونِهِ مُطْلَقًا) وَلَمْ يُقَيِّدْ بِكَوْنِهَا مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ (كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْوَصِيِّ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ) إنْ كَانَ (وَيَدْفَعُهُ) أَيْ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ (إلَيْهِمْ) أَيْ الْوَرَثَةِ (بِحَضْرَتِهِ) أَيْ الْوَصِيِّ (لِأَنَّ الْمَالَ لِلْوَرَثَةِ وَلَهُمْ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ) فَلَهُمْ وِلَايَةُ قَبْضِهِ (وَلِلْوَصِيِّ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ حَقٌّ لِأَنَّ لَهُ) أَيْ الْوَصِيِّ (مَنْعُهُمْ) أَيْ الْوَرَثَةِ (مِنْ التَّصَرُّفِ) فِي التَّرِكَةِ (قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ) فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ حُضُورُهُ (وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةُ لِلْمُكَاتَبِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ) مُفَصَّلَةً.

(وَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا) أَيْ السَّيِّدِ وَالْمُكَاتَبِ (فَسْخَهَا) أَيْ الْكِتَابَةِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ

اللَّازِمَةِ (إلَّا السَّيِّدَ لَهُ الْفَسْخُ إذَا حَلَّ نَجْمٌ فَلَمْ يُؤَدِّهِ الْمُكَاتَبُ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ قَدْ عَجَزْت) لِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ، فَكَانَ لَهُ الْفَسْخُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ كَمَا لَوْ أَعْسَرَ الْمُشْتَرِي بِبَعْضِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَإِذَا حَلَّ النَّجْمُ وَمَالُهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (حَاضِرٌ عِنْدَهُ طُولِبَ بِهِ وَلَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ قَبْلَ الطَّلَبِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ وَلَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَى السَّيِّدِ الْوُصُولُ لِلْعِوَضِ.

(فَإِنْ طَلَبَ) السَّيِّدُ (مِنْهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ مَا حَلَّ عَلَيْهِ (فَذَكَرَ) الْمُكَاتَبُ (أَنَّهُ) أَيْ مَالَهُ (غَائِبٌ عَنْ الْمَجْلِسِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَد أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى السَّيِّدِ إذَنْ.
(وَأُمْهِلَ) الْمُكَاتَبُ لِذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْوَفَاءِ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ السَّيِّدُ (إنْظَارُهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا (لِبَيْعِ عَرَضٍ) يُوفِيه مِنْ ثَمَنِهِ (أَوْ لِمَالٍ غَائِبٍ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ يَرْجُو قُدُومَهُ وَلِدَيْنٍ حَالٍّ عَلَى مَلِيءٍ أَوْ) قَبْضِ (مُودَعٍ) لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ مَلْحُوظٌ فِيهِ حَظُّ الْمُكَاتَبِ وَالرِّفْقُ بِهِ (وَإِذَا حَلَّ نَجْمٌ) مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ (وَالْمَكَاتِبُ غَائِبٌ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَلَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (الْفَسْخُ) دَفْعًا لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ بِانْتِظَارِهِ.

وَ (لَا) يَمْلِكُ الْفَسْخَ (إنْ غَابَ) الْمُكَاتَبُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ إذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِذْنِهِ لَهُ (لَكِنْ يَرْفَعُ) السَّيِّدُ (الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ) بِبَلَدِهِ (لِيَكْتُبَ كِتَابًا إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُكَاتَبُ لِيَأْمُرَهُ بِالْأَدَاءِ) أَوْ يَثْبُتُ عَجْزُهُ عِنْدَهُ فَيَفْسَخُ السَّيِّدُ أَوْ وَكِيلُهُ حِينَئِذٍ دَفْعًا لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ ضَرَرِ التَّأْخِيرِ (وَإِنْ كَانَ) الْمُكَاتَبُ (قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ) لِمَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ (أَمَرَهُ) الْحَاكِمُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ (بِالْخُرُوجِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ السَّيِّدُ لِيُؤَدِّيَ) مَا حَلَّ عَلَيْهِ (أَوْ وَكَّلَ مَنْ يُؤَدِّي) عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ (فَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْخُرُوجِ أَوْ التَّوْكِيلِ (فِي أَوَّلِ حَالِ الْإِمْكَانِ عِنْدَ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ) بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ عَادَةً (إلَّا مَعَهَا) أَيْ الْقَافِلَةِ (لَمْ يَجُزْ) لِلسَّيِّدِ (الْفَسْخُ) أَيْ فَسْخُ الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ مِنْ الْمُكَاتَبِ.
(وَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْخُرُوجِ وَالتَّوْكِيلِ (مَعَ الْإِمْكَانِ) أَيْ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (وَمَضَى زَمَنُ الْمَسِيرِ) عَادَةً (فَلِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ) إزَاحَةً لِمَا لَحِقَهُ مِنْ ضَرَرِ التَّأْخِيرِ.
(وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَ السَّيِّدُ لِلْوَكِيلِ الْفَسْخَ عِنْدَ امْتِنَاعِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ جَازَ) ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَك أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ (وَلَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (الْفَسْخُ إذَا ثَبَتَتْ وَكَالَتُهُ) عَنْ السَّيِّدِ (بِبَيِّنَةٍ بِحَيْثُ يَأْمَنُ الْمُكَاتَبُ إنْكَارَ السَّيِّدِ) الْوَكَالَةَ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لِلْمُكَاتَبِ إذَنْ فِي التَّأْخِيرِ (فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْبَيِّنَةِ (لَمْ يَلْزَمْ الْمُكَاتَبَ الدَّفْعُ إلَيْهِ)

وَلَوْ صَدَّقَهُ أَنَّهُ وَكِيلٌ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ إنْكَارِ سَيِّدِهِ الْوَكَالَةَ (وَكَانَ) ذَلِكَ (لَهُ عُذْرًا يَمْنَعُ جَوَازَ الْفَسْخِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ سَيِّدُهُ.
(وَحَيْثُ جَازَ) لِلسَّيِّدِ أَوْ وَكِيلِهِ (الْفَسْخُ لَمْ يَحْتَجْ) الْفَسْخُ (إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ) لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَشْبَهَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ قَالَهُ فِي الْكَافِي.

(وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فَسْخُهَا) أَيْ الْكِتَابَةِ بِحَالٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ قَالَ فِي الْمُغْنِي: لِأَنَّهَا سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ وَفِيهَا حَقٌّ مُعَلَّقٌ وَفِي فَسْخِهَا إبْطَالٌ لِذَلِكَ الْحَقِّ (وَلِقَادِرٍ عَلَى الْكَسْبِ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ) بِتَرْكِ التَّكَسُّبِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ مِنْ الْكِتَابَةِ تَخْلِيصُهُ مِنْ الرِّقِّ فَإِذَا لَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يَمْلِكْ) الْمُكَاتَبُ (وَفَاءً) لِمَالِ الْكِتَابَةِ (فَإِنْ مَلَكَهُ) لَمْ يَمْلِكْ تَعْجِيزَ نَفْسِهِ وَ (أُجْبِرَ عَلَى وَفَائِهِ ثُمَّ عَتَقَ) لِأَنَّ سَبَبَ الْحُرِّيَّةِ وَهُوَ الْأَدَاءُ حَاصِلٌ يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، وَالْحُرِّيَّةُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهَا مَعَ حُصُولِ سَبَبِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَمْلِكْ وَفَاءً فَإِنَّ السَّبَبَ غَيْرُ حَاصِلٌ وَعَلَيْهِ فِي السَّعْيِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ.

(وَيَجُوزُ فَسْخُهَا) أَيْ الْكِتَابَةِ (بِاتِّفَاقِهِمَا) أَيْ السَّيِّدِ وَالْمُكَاتَبِ بِأَنْ تَقَابَلَا أَحْكَامهَا قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَجُوزُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى اهـ قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّعْلِيقِ.

(وَيَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمُكَاتَبُ ذِمِّيًّا أَنْ يُؤْتِيَهُ رُبْعَ مَالِ الْكِتَابَةِ) أَمَّا وُجُوبُ الْإِيتَاءِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] (1) وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَأَمَّا كَوْنُهُ رُبْع مَالِ الْكِتَابَةِ فَلِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] قَالَ رُبْعُ الْكِتَابَةِ» وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ: أَنَّهُ وَرَدَ غَيْرَ مُقَدَّرٍ؟ فَجَوَابُهُ أَنَّ السُّنَّةَ بَيَّنَتْهُ وَقَدَّرَتْهُ كَالزَّكَاةِ وَفَارَقَتْ الْكِتَابَةُ فِي ذَلِكَ سَائِرَ الْعُقُودِ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَا رِفْقُ الْمُكَاتَبِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا ف (إنْ شَاءَ) السَّيِّدُ (وَضَعَهُ) أَيْ الرُّبْعَ (عَنْهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابَةِ) أَيْ مِنْ أَوَّلِ أَنْجُمِهَا (أَوْ) وَضَعَهُ عَنْهُ (مِنْ أَثْنَائِهَا، وَإِنْ شَاءَ قَبَضَهُ) أَيْ الرُّبْعَ مِنْهُ (ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الدَّفْعِ إلَيْهِ فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى الْوَضْعِ لِكَوْنِهِ أَنْفَعَ مِنْ الدَّفْعِ لِتَحَقُّقِ النَّفْعِ بِهِ فِي الْكِتَابَةِ (وَالْوَضْعُ عَنْهُ أَفْضَلُ) مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ أَنْفَعُ.

(وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْإِيتَاءِ) لِرُبْعِ مَالِ الْكِتَابَةِ بَعْدَ أَدَائِهِ (فَهُوَ) أَيْ الرُّبْعُ (دَيْنٌ فِي تَرِكَتِهِ) يُحَاصِصُ بِهِ غُرَمَاءَهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.

(فَإِنْ أَعْطَاهُ) أَيْ الرُّبْعَ الْمُكَاتَبَ (السَّيِّدُ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ) مِنْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبَ (قَبُولُهُ) لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الْإِيتَاءِ مِنْ عَيْنِهِ وَالْإِيتَاءِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْإِجْزَاءِ كَالزَّكَاةِ وَغَيْرُ الْمَنْصُوصِ إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ أُلْحِقَ بِهِ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ عَيْنِهِ.

(وَإِنْ أَعْطَاهُ) أَيْ السَّيِّدُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا مِثْل أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ فَيُعْطِيه دَنَانِيرَ أَوْ) يُعْطِيه (عُرُوضًا لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الْمُكَاتَبَ (قَبُولُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْتِهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَا جِنْسِهِ.

(وَإِنْ أَدَّى) الْمُكَاتَبُ (ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمَالِ وَعَجَزَ عَنْ الرُّبْعِ لَمْ يُعْتَقْ وَلِلسَّيِّدِ فَسْخُهَا) أَيْ الْكِتَابَةِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَائِشَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: " الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ " وَرُوِيَ، ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ «كُنَّ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْتَجِبْنَ مِنْ مُكَاتَبٍ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِينَارٌ» وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «إذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا أَوْ مِيرَاثًا بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَيُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى دِيَةَ حُرٍّ وَمَا بَقِيَ دِيَةُ عَبْدٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَمَحْمُولٌ عَلَى مُكَاتَبٍ لِرَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَدَاءِ كِتَابَتِهِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ وَنَحْوَهُ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ (لَكِنْ لَوْ كَانَ لَهُ) أَيْ لِمُكَاتَبٍ (عَلَى السَّيِّدِ) مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ وَنَحْوِهِ (مِثْلُ مَالِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (عَلَيْهِ) مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ (حَصَلَ التَّقَاصُّ وَعَتَقَ) الْمُكَاتَبُ (عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ وَوَجَبَ عَلَى السَّيِّدِ أَدَاءُ الرُّبْعِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَهُ قَبْلُ أَوْ وَضَعَهُ وَعُلِمَ مِمَّا هُنَا: أَنَّ الْمُقَاصَّةَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا اسْتِقْرَارُ الدَّيْنَيْنِ إذْ دَيْنُ الْكِتَابَةِ لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ وَأَيْضًا نَظِيرُهُ فِي النِّكَاحِ وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِخِلَافِهِ.

وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُصَالِحَ سَيِّدَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ لَا مُؤَجَّلًا وَإِذَا أُبْرِئَ مِنْ بَعْضِ كِتَابَتِهِ فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ.

[فَصْلٌ كَاتَبَ عَبِيدَهُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ أَوْ إمَاءَهُ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ]

(فَصْلٌ وَإِنْ كَاتَبَ عَبِيدَهُ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ أَوْ إمَاءَهُ (صَفْقَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ) مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدَ بِأَلْفٍ (صَحَّ) عَقْدُ

الْكِتَابَةِ كَمَا لَوْ بَاعَهُمْ لِوَاحِدٍ وَجُمْلَةُ الْعِوَضِ مَعْلُومَةٌ وَجَهْلُ تَفْصِيلِهِ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ (وَقِسْطُ) الْعِوَضِ (بَيْنَهُمْ بِقَدْرِ قِيمَتِهِمْ يَوْمَ الْعَقْدِ) لِأَنَّهُ زَمَنُ الْمُعَاوَضَةِ وَزَمَنُ زَوَالِ سُلْطَانِ السَّيِّدِ عَنْهُمْ، لَا عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا (وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَاتَبًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ) مِنْ الْعِوَضِ (فَمَنْ أَدَّى مَا قُسِّطَ عَلَيْهِ) مِنْ الْعِوَضِ (عَتَقَ وَحْدَهُ وَمَنْ عَجَزَ) عَمَّا قُسِّطَ عَلَيْهِ (فَلِلسَّيِّدِ فَسْخُ كِتَابَتِهِ فَقَطْ) لِأَنَّ الْحِصَّةَ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ الْمَنْقُودِ وَمَنْ جَنَى مِنْهُمْ فَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبَيْهِ.

(وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى عَبِيدِهِ الَّذِينَ كَاتَبَهُمْ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ (فِي الْعَقْدِ) أَيْ عَقْدِ الْكِتَابَةِ (ضَمَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ الْبَاقِينَ) مَا عَلَيْهِمْ (فَسَدَ الشَّرْطُ) لِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ لَيْسَ لَازِمًا وَلَا يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ (وَصَحَّ الْعَقْدُ) أَيْ فَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ لِقِصَّةِ بَرِيرَةَ.

(وَإِنْ اخْتَلَفُوا بَعْدَ أَنْ أَدَّوْا) جَمِيعَ مَا كُوتِبُوا عَلَيْهِ (أَوْ عَتَقُوا فِي قَدْرِ مَا أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَقَالَ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ: أَدَّيْنَا عَلَى قَدْرِ قِيَمِنَا وَقَالَ آخَرُ أَدَّيْنَا عَلَى السَّوَاءِ فَبَقِيَتْ لَنَا عَلَى الْأَكْثَرِ بَقِيَّةٌ فَقَوْلُ مَنْ يَدَّعِي) مِنْهُمْ (أَدَاءَ قَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَاله أَدَاءُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِ لِاعْتِضَادِهِ بِالظَّاهِرِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِمَّا يُدَّعَى بِهِ عَلَيْهِ.

(فَإِنْ شَرَطَ السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يَرِثَهُ دُونَ وَرَثَتِهِ أَوْ) شَرَطَ السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ (يُزَاحِمُهُمْ) أَيْ وَرَثَةَ الْمُكَاتَبِ (فِي مَوَارِيثِهِمْ ف) شَرْطٌ (فَاسِدٌ) لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ (وَلَا تَفْسُدُ الْكِتَابَةُ) بِهِ لِقِصَّةِ بَرِيرَةَ.

(وَإِنْ شَرَطَ) السَّيِّدُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (خِدْمَةً مَعْلُومَةً) كَشَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ (بَعْدَ الْعِتْقِ جَازَ) الشَّرْطُ وَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ كَمَا لَوْ نَجَزَ عِتْقُهُ وَاشْتُرِطَ عَلَيْهِ الْخِدْمَةُ وَكَبَيْعِهِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ نَفْعًا مَعْلُومًا أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ عِوَضًا مَعْلُومًا وَهَذَا الشَّرْطُ لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ الْعِتْقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَهَذَا لَا يُنَافِيه.

(وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ فِي رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ أَلْفٌ وَشَرَطَ) السَّيِّدُ (أَنْ يُعْتَقَ) الْمُكَاتَبُ (عِنْدَ أَدَاءِ) الْأَلْفِ (الْأَوَّلِ صَحَّ) الْعَقْدُ وَكَانَ عَلَى مَا شَرَطَا (وَيُعْتَقُ عِنْدَ أَدَائِهِ) الْأَلْفَ الْأَوَّلَ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ أَدَاءِ شَيْءٍ صَحَّ فَكَذَلِكَ إذَا جَعَلَ عِتْقَهُ عِنْدَ أَدَاءِ بَعْضِ الْكِتَابَةِ (وَيَبْقَى الْأَلْفُ الْآخَرُ دَيْنًا عَلَيْهِ بَعْدَ عِتْقٍ) كَمَا لَوْ بَاعَهُ نَفْسَهُ بِهِ.

(وَمَنْ كَاتَبَ بَعْضَ عَبْدِهِ) أَوْ بَعْضَ أَمَةٍ بِأَلْفٍ أَوْ نَحْوِهِ (مَلَكَ) الْعَبْدُ (مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِهِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَصَحَّتْ فِي بَعْضِهِ كَالْبَيْعِ وَيَجِبُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى سَيِّدِهِ مِنْ كَسْبِهِ بِحَسَبِ مَا لَهُ فِيهِ مَنْ الرِّقِّ إلَّا أَنْ يَرْضَى سَيِّدُهُ

بِتَأْدِيَةِ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابَةِ فَيَصِحُّ (فَإِنْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ) فِي الْكِتَابَةِ (عَتَقَ كُلُّهُ) مَا كُوتِبَ مِنْهُ بِالْكِتَابَةِ وَبَاقِيه بِالسِّرَايَةِ لِأَنَّ الْعِتْقَ إذَا سَرَى إلَى مِلْكِ غَيْرِ السَّيِّدِ فَلَأَنْ يَسْرِيَ إلَى مِلْكِهِ أَوْلَى.

(وَإِنْ كَاتَبَ) السَّيِّدُ (حِصَّةً لَهُ فِي عَبْدٍ) أَوْ أَمَةٍ (صَحَّ) الْعَقْدُ (سَوَاءٌ كَانَ بَاقِيهِ حُرًّا أَوْ مِلْكًا لِغَيْرِهِ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ أَوَّلًا) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى نَصِيبِهِ فَصَحَّ كَبَيْعِهِ وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ فَصَحَّتْ كِتَابَتُهُ كَالْعَبْدِ الْكَامِلِ وَكَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيهِ حُرًّا أَوْ أَذِنَ فِيهِ الشَّرِيكُ، وَلَا يُمْنَعُ كَسْبُهُ وَلَا يُمْنَعُ أَخْذُهُ الصَّدَقَةَ بِجُزْئِهِ الْمُكَاتَبِ وَلَا يَسْتَحِقُّ الشَّرِيكُ شَيْئًا مِنْهُ كَالْمُبَعَّضِ إذَا وَرِثَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ وَمَتَى هَايَأَهُ مَالِكُ الْبَقِيَّةِ فَكَسَبَ فِي نَوْبَتِهِ شَيْئًا اخْتَصَّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُهَايِئْهُ فَكَسَبَ بِجُمْلَتِهِ شَيْئًا كَانَ لَهُ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدَرِ مَا فِيهِ مِنْ الْجُزْءِ الْمُكَاتَبِ وَلِسَيِّدِهِ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْهُ الْبَاقِي لِأَنَّهُ كَسْبَهُ بِجُزْئِهِ الْمَمْلُوكِ.

(فَإِنْ أَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ) لِلَّذِي كَاتَبَهُ (وَ) أَدَّى (مِثْلَهُ لِسَيِّدِهِ الْآخَرِ) الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْهُ (عَتَقَ كُلُّهُ إنْ كَانَ) الَّذِي (كَاتَبَهُ مُوسِرًا) بِقِيمَةِ بَاقِيه بِالسِّرَايَةِ لَا بِالْكِتَابَةِ (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ (فَإِنْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ) الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْهُ نَصِيبَهُ مِنْهُ (قَبْل أَدَائِهِ) مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ (عَتَقَ كُلُّهُ إنْ كَانَ) الْمُعْتِقُ (مُوسِرًا) بِقِيمَةِ بَاقِيه (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ) شَرِيكِهِ (الْمُكَاتِبِ) بِكَسْرِ التَّاءِ مُكَاتِبًا لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.

(وَإِنْ كَاتَبَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ (عَبْدَهُمَا) أَوْ أَمَتَهُمَا سَوَاءٌ تَسَاوَى مِلْكُهُمَا فِيهِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ تَفَاضَلَا كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثًا (وَلَوْ) كَانَ الْعِوَضُ الَّذِي كَاتَبَاهُ عَلَيْهِ (مُتَفَاضِلًا) بِأَنْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَكَاتَبَاهُ عَلَى ثَلَاثَمِائَةٍ لِوَاحِدٍ مِائَتَانِ وَلِلْآخَرِ مِائَةٌ (صَحَّ) الْعَقْدُ سَوَاءٌ كَاتَبَاهُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ عَقْدَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْقِدُ عَلَى نَصِيبِهِ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْعِوَضِ كَالْبَيْعِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَدِّي إلَيْهِمَا عَلَى التَّسَاوِي وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي التَّنْجِيمِ أَوْ جُعِلَ لِأَحَدِهِمَا فِي النُّجُومِ قَبْلَ النَّجْمِ الْأَخِيرِ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُعَجِّلَ لِمَنْ تَأَخَّرَ نَجْمُهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ وَيُعْطِيَ مَنْ قَلَّ نَجْمُهُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ لَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي الدَّفْعِ إلَى الْآخَرِ قَبْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُنْظِرَهُ مَنْ حَلَّ نَجْمُهُ أَوْ يَرْضَى مَنْ لَهُ الْكَثِيرُ بِأَخْذِ دُونِ حَقِّهِ.
وَإِذَا أَمْكَنَ إفْضَاءُ الْعَقْدِ إلَى مَقْصُودِهِ فَلَا نُبْطِلُهُ بِاحْتِمَالِ عَدَمِ الْإِفْضَاءِ إلَيْهِ وَإِذَا عَجَزَ قُسِّمَ مَا كَسَبَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكَيْنِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا يَنْتَفِعُ إلَّا بِمَا يُقَابِلُ مِلْكَهُ وَعَادَ الْأَمْرُ بَعْدَ زَوَالِ الْكِتَابَةِ إلَى حُكْمِ الرِّقِّ كَمَا لَوْ لَمْ يَزُلْ (وَلَمْ يُؤَدِّ) أَيْ وَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُؤَدِّيَ (إلَيْهِمَا) أَيْ إلَى سَيِّدَيْهِ (إلَّا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا) مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ وَلَا يُقَدِّمُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ فَيَتَسَاوَيَانِ فِي كَسْبِهِ وَحَقِّهِمَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا فِي

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل