صفحات 284-323
مِنْ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ وَرُزِقَ خَمْسَةُ أَوْلَادٍ مَاتَ أَحَدُهُمْ فِي حَيَاةِ وَلِدَاهُ، وَتَرَكَ وَلَدًا ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ عَنْ أَوْلَادِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَوَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ ثَلَاثَةٌ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ، وَبَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ مَعَ وَلَدِ أَخِيهِ اسْتَحَقَّ الْوَلَدُ الْبَاقِي أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ رِيعِ الْوَقْفِ، وَوَلَدُ أَخِيهِ الْخُمْسَ الْبَاقِي أَفْتَى بِهِ الْبَدْرُ مُحَمَّدٌ الشَّهَاوِيُّ الْحَنَفِيُّ، وَتَابَعَهُ النَّاصِرُ الطَّبَلَاوِيُّ الشَّافِعِيُّ وَالشِّهَابُ أَحْمَدُ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ وَلَدُ عَمِّ وَالِدِي.
وَوَجْهُهُ أَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي هَذَا الْوَقْفِ إلَى آخِرِهِ مَقْصُورٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْوَلَدِ لِنَصِيبِ وَالِدِهِ الْمُسْتَحَقِّ لَهُ فِي حَيَاتِهِ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى مَنْ مَاتَ مِنْ إخْوَةِ وَالِدِهِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بَلْ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِخْوَةِ الْأَحْيَاءِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ إلَى آخِرِهِ إذْ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْوَلَدِ مَقَامَ أَبِيهِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْإِخْوَةُ حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا.
وَالْأَصْلُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، وَعَمَلٌ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي مَحَلِّهِ، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِهِمَا.
[فَصْلٌ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَسِّمَ الْوَقْفَ عَلَى أَوْلَادِهِ]
(فَصْلٌ وَالْمُسْتَحَبُّ) لِلْوَاقِفِ (أَنْ يُقَسِّمَ الْوَقْفَ عَلَى أَوْلَادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَى) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْقُرْبَةُ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ وَقَدْ اسْتَوُوا فِي الْقَرَابَةِ (، وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ) ، وَتَبِعَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ، وَغَيْرِهِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَسِّمَهُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ (مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمِيرَاثِ كَالْعَطِيَّةِ وَالذَّكَرُ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ غَالِبًا بِوُجُوبِ حُقُوقٍ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأُنْثَى (فَإِنْ فَضَّلَ) الْوَاقِفُ (بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ خَصَّ بَعْضُهُمْ بِالْوَقْفِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْأَثَرَةِ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ (كُرِهَ) ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّقَاطُعِ بَيْنَهُمْ.
(وَإِنْ كَانَ) التَّفْضِيلُ أَوْ التَّخْصِيصُ (عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ) أَيْ: لِأَجْلِ
أَنَّ الْمُفَضَّلَ أَوْ الْمُخَصَّصَ (لَهُ عِيَالٌ أَوْ بِهِ حَاجَةٌ) كَمَسْكَنَةٍ أَوْ عَمًى، وَنَحْوُهُ (أَوْ خَصَّ) أَوْ فَضَّلَ (الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ أَوْ ذَا الدِّينِ دُونَ الْفُسَّاقِ أَوْ) خَصَّ أَوْ فَضَّلَ (الْمَرِيضَ أَوْ) خَصَّ (أَوْ فَضَّلَ مَنْ لَهُ فَضِيلَةٌ) مَا مِنْ الْفَضَائِلِ (مِنْ أَجْلِ فَضِيلَتِهِ فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لِغَرَضٍ مَقْصُودٍ شَرْعًا.
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ أَوْ بَنِي فُلَانٍ اخْتَصَّ بِهِ الذُّكُورُ) ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَنِينَ وُضِعَ لِذَلِكَ حَقِيقَةً قَالَ تَعَالَى ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: 153] ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46] فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ ذَكَرًا وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ عَلَى بَنَاتِهِ اخْتَصَّ بِهِ الْإِنَاثُ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِنَّ الْخُنْثَى لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً) كَبِيرَةً قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ كَبَنِي هَاشِمٍ، وَتَمِيمٍ وَقُضَاعَةَ (فَيَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] ؛ وَلِأَنَّ اسْمَ الْقَبِيلَةِ يَشْمَلُ ذَكَرَهَا، وَأُنْثَاهَا.
وَرُوِيَ أَنْ جَوَارِيَ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قُلْنَ
نَحْنُ جَوَارِي مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ... يَا حَبَّذَا مُحَمَّدًا مِنْ جَارٍ
(دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إلَى الْقَبِيلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا بَلْ إلَى غَيْرِهَا وَكَمَا لَوْ قَالَ: الْمُنْتَسِبِينَ إلَيَّ، وَيَدْخُلُ أَوْلَادُهُنَّ مِنْهُمْ لِوُجُودِ الِانْتِسَابِ حَقِيقَةً وَلَا يَشْمَلُ مَوَالِيهِمْ (وَالْحَفِيدُ) وَلَدُ الِابْنِ وَالْبِنْتِ (وَالسِّبْطُ وَلَدُ الِابْنِ وَ) وَلَدُ (الْبِنْتِ) قَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ.
(وَلَا يَدْخُلُ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُمْ) وَلَا فِي الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ (؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمَا حَقِيقَةً) فَلَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ وَالْوَقْفُ وَالْوَصِيَّةُ يُعْتَبَرُ فِيهِمَا لَفْظُ الْوَاقِفِ وَلَفْظُ الْمُوصِي بِخِلَافِ لَفْظِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى.
(وَلَوْ قَالَ الْهَاشِمِيُّ) وَقَفْتُ (عَلَى أَوْلَادِي مَثَلًا وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي الْهَاشِمِيِّينَ لَمْ يَدْخُلْ مِنْ أَوْلَادِ بِنْتِهِ مَنْ لَيْسَ هَاشِمِيًّا) لِعَدَمِ وُجُودِ الْوَصْفِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الْوَاقِفُ فِيهِ، وَأَمَّا الْهَاشِمِيُّ فَفِي دُخُولِهِ وَجْهَانِ،
بَنَاهُمَا الْقَاضِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: الْأَوْلَى الدُّخُولُ لِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ.
(الشَّرْطَانِ وَيُجَدَّدُ حَقُّ حَمْلٍ بِوَضْعِهِ) فَلَا اسْتِحْقَاقَ لَهُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَنْ لَا يُسَمَّى وَلَدًا (مِنْ ثَمَرٍ، وَزَرْعٍ كَمُشْتَرٍ) فَيَسْتَحِقُّ مِنْ ثَمَرٍ لَمْ يَتَشَقَّقْ، وَمِنْ أُصُولٍ نَحْوِ بَقْلٍ بِخِلَافِ ثَمَرٍ تَشَقَّقَ، وَزَرْعٍ لَا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَّبِعُ أَصْلَهُ بِخِلَافِ نَحْوِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ التَّشَقُّقِ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ أَصْلَهَا فَيَسْتَحِقُّهَا مُسْتَحِقُّ الْأَصْلِ (، وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَيُشْبِهُ الْحَمْلَ) فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ زَرْعٍ، وَثَمَرٍ (إنْ قَدِمَ) إنْسَانٌ (إلَى ثَغْرٍ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِيهِ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ إلَى بَلَدٍ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِيهِ وَقِيَاسُهُ مَنْ نَزَلَ فِي مَدْرَسَةٍ، وَنَحْوِهِ) وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: يَسْتَحِقُّ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْمُغَلِّ، وَمَنْ جَعَلَهُ كَالْوَلَدِ فَقَدْ أَخْطَأَ وَلِلْوَرَثَةِ مِنْ الْمُغَلِّ بِقَدْرِ مَا بَاشَرَ مُوَرِّثُهُمْ انْتَهَى قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنْ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ هَهُنَا إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ بِصِفَةٍ مَحْضَةٍ، مِثْلِ كَوْنِهِ وَلَدًا أَوْ فَقِيرًا، وَنَحْوَهُ.
أَمَّا إنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ الْوَقْفَ عِوَضًا عَنْ عَمَلٍ وَكَانَ الْمُغَلُّ كَالْأُجْرَةِ فَيُقَسَّطُ عَلَى جَمِيعِ السَّنَةِ، كَالْمُقَاسَمَةِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ الْأُجْرَةِ حَتَّى مَنْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ اسْتَحَقَّ بِقِسْطِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الزَّرْعُ قَدْ وُجِدَ قَالَ: وَبِنَحْوِ ذَلِكَ أَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَفْتَى الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ أَبِي عُمَرَ: بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِسَنَةِ الْمُغَلِّ دُونَ السَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ فِي جَمَاعَةٍ مُقَرَّرِينَ فِي قَرْيَة حَصَلَ لَهُمْ حَاصِلٌ فِي قَرْيَتِهِمْ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهِمْ، فَطَلَبُوا أَنْ يَأْخُذُوا مَا اسْتَحَقُّوهُ عَنْ الْمَاضِي، وَهُوَ مَغَلُّ سَنَةِ خَمْسٍ، وَأَرْبَعِينَ مَثَلًا، فَهَلْ يَصْرِفُهُ إلَيْهِمْ النَّاظِرُ بِحِسَابِ سَنَةِ خَمْسٍ الْهِلَالِيَّةِ، أَوْ بِحِسَابِ سَنَةِ الْمُغَلِّ مَعَ أَنَّهُ قَدْ تَنْزِلُ بَعْدَ هَؤُلَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ جَمَاعَةٌ شَارَكُوا فِي حِسَابِ سَنَةِ الْمُغَلِّ فَإِنْ أَخَذَ أُولَئِكَ عَلَى حِسَابِ السَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ لَمْ يَبْقَ لِلْمُتَقَرِّرِينَ إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ؟ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ إلَّا بِسَنَةِ الْمُغَلِّ دُونَ الْهِلَالِيَّةِ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
(مَثَلًا وَشَجَرُ الْحُورِ الْمَوْقُوفُ إنْ أَدْرَكَ أَوَ إنْ قَطَعَهُ فِي حَيَاةِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ فَهُوَ لَهُ) أَيْ: لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ (وَإِنْ مَاتَ) الْبَطْنُ الْأَوَّلُ.
(وَبَقِيَ) الْحُورُ (فِي الْأَرْضِ مُدَّةً حَتَّى زَادَ) الْحُورُ (كَانَتْ الزِّيَادَةُ حَادِثَةً مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ الَّتِي لِلْبَطْنِ الثَّانِي، وَمِنْ الْأَصْلِ الَّذِي لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ، فَإِمَّا أَنْ تُقْسَمَ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يُعْطَى الْوَرَثَةُ أُجْرَةَ الْأَرْضِ لِلْبَطْنِ الثَّانِي) وَالْأَوَّلُ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي بِيعَ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ.
(وَإِنْ غَرَسَهُ) أَيْ: الْحُورَ (الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَلَمْ يُدْرِكْ) أَوْ إنْ قَطْعَهُ (إلَّا بَعْدَ انْتِقَالِهِ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي فَهُوَ لَهُمْ) أَيْ: لِلْبَطْنِ
الثَّانِي (وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ فِيهِ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أَصْلَهُ فِي الْبَيْعِ فَتَبِعَهُ فِي انْتِقَالِ الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الثَّمَرِ غَيْرِ الْمُشَقَّقِ (قَالَهُ الشَّيْخُ) - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(وَإِنْ وَقَفَ إنْسَانٌ عَلَى عَقِبِهِ) أَوْ عَقِبِ غَيْرِهِ أَوْ نَسْلِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ ذُرِّيَّتِهِ (دَخَلَ فِيهِ) أَيْ: الْوَقْفَ.
(وَلَدُ الْبَنِينَ، وَإِنْ نَزَلُوا) لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُمْ (وَلَا يَدْخُلُ) فِيهِ (وَلَدُ الْبَنَاتِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ (كَمَا تَقَدَّمَ) ، وَعَنْهُ يَدْخُلُونَ قَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَاخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الْبَنَاتِ أَوْلَادُهُ، وَأَوْلَادُهُنَّ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ حَقِيقَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ﴾ [الأنعام: 84]- إلَى قَوْلِهِ ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: 85] ، وَهُوَ وَلَدُ بِنْتِهِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» - الْحَدِيثَ يَعْنِي: الْحَسَنَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْقَوْلُ بِدُخُولِهِمْ أَصَحُّ، وَأَقْوَى دَلِيلًا انْتَهَى، وَأُجِيبَ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ عَلَى الْمَجَازِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40] ، وَعَنْ الْآيَةِ بِأَنَّ إدْخَالَ عِيسَى فِي الذُّرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ، وَأَصْلُ النَّسْلِ مِنْ النُّسَالَةِ، وَهِيَ شَعْرُ الدَّابَّةِ إذَا سَقَطَ عَنْ جَسَدِهَا، وَأَعْقَبَ الرَّجُلُ تَرَكَ عَقِبًا، وَعَقَبَ إذَا خَلَفَ وَالذُّرِّيَّةُ مِنْ ذَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ أَيْ: خَلَقَهُمْ، أُبْدِلَتْ الْهَمْزَةُ يَاءً وَقِيلَ: مِنْ ذَرَى اللَّهُ الْخَلْقَ أَيْ: نَشَرَهُمْ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى قَرَابَتِهِ أَوْ عَلَى قَرَابَةِ فُلَانٍ فَهُوَ) أَيْ: الْوَقْفُ (لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِهِ، وَأَوْلَادِ أَبِيهِ وَ) أَوْلَادِ (جَدِّهِ وَ) أَوْلَادِ (جَدِّ أَبِيهِ أَرْبَعَةَ آبَاءٍ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِسَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى، فَلَمْ يُعْطِ مِنْهُ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ، كَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا وَلَا يُقَالُ: هُمَا كَبَنِي الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ مَنْ سَاوَاهُمْ مِمَّنْ سِوَاهُمْ فِي الْقُرْبِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ (يَسْتَوِي فِيهِ) أَيْ: فِي الْوَقْفِ عَلَى الْقَرَابَةِ (ذَكَرٌ، وَأُنْثَى، وَصَغِيرٌ، وَكَبِيرٌ، وَغَنِيٌّ، وَفَقِيرٌ) لِعُمُومِ الْقَرَابَةِ لَهُمْ.
(وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْوَقْفِ عَلَى الْقَرَابَةِ (مَنْ يُخَالِفُ دِينُهُ دِينَهُ) أَيْ: الْوَاقِفِ فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ مُسْلِمًا لَمْ يَدْخُلْ فِي قَرَابَتِهِ كَافِرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يَدْخُلْ الْمُسْلِمُ فِي قَرَابَتِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ (كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا) .
(وَلَا) يَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ عَلَى قَرَابَتِهِ أُمُّهُ وَلَا قَرَابَتُهُ مِنْ قِبَلِهَا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعْطِ مِنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى قَرَابَتَهُ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ شَيْئًا (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي لَفْظِهِ) أَيْ:
الْوَاقِفِ (مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ ذَلِكَ) أَيْ: الدُّخُولِ (كَقَوْلِهِ: وَيُفَضَّلُ قَرَابَتِي مِنْ جِهَةِ أَبِي عَلَى قَرَابَتِي مِنْ جِهَةِ أُمِّي، أَوْ قَوْلِهِ: إلَّا ابْنَ خَالَتِي فُلَانًا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَى الْقَرِينَةِ (أَوْ) وُجِدَتْ (قَرِينَةٌ تُخْرِجُ بَعْضَهُمْ عُمِلَ بِهَا، وَيَأْتِي فِي الْوَصَايَا حُكْمُ أَقْرَبِ قَرَابَتِهِ أَوْ الْأَقْرَبِ إلَيْهِ) مُفَصَّلًا.
(مُفَصَّلًا وَأَهْلُ بَيْتِهِ) إذَا وَقَفَ عَلَيْهِمْ كَقَرَابَتِهِ (وَقَوْمُهُ) كَقَرَابَتِهِ (وَنُسَبَاؤُهُ) كَقَرَابَتِهِ (وَأَهْلُهُ) كَقَرَابَتِهِ (وَآلُهُ كَقَرَابَتِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِي وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِي» .
وَفِي رِوَايَةٍ «إنَّا آلُ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» فَجَعَلَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى لَهُمْ عِوَضًا عَنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ ذَوُو الْقُرْبَى الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ، احْتَجَّ بِذَلِكَ الْإِمَامُ.
وَرَوَى عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ عِنْدَ الْعَرَبِ آبَاءُ الرَّجُلِ، وَأَوْلَادُهُمْ كَالْأَجْدَادِ وَالْأَعْمَامِ، وَأَوْلَادِهِمْ (وَالْعِتْرَةُ: الْعَشِيرَةُ، وَهِيَ) أَيْ: الْعَشِيرَةُ قَبِيلَتُهُ قَالَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَحْفَلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ " نَحْنُ عِتْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَبَيْضَتُهُ الَّتِي تَفَقَّأَتْ عَنْهُ " وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ (، وَذَوُو رَحِمِهِ قَرَابَتُهُ مِنْ جِهَةِ أَبَوَيْهِ) ، وَأَوْلَادِهِ، وَأَوْلَادِهِمْ، وَإِنْ نَزَلُوا؛ لِأَنَّ الرَّحِمَ يَشْمَلُهُمْ.
(وَلَوْ جَاوَزُوا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ فَيُصْرَفُ) الْوَقْفُ عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ (إلَى كُلِّ مَنْ يَرِثُ بِفَرْضٍ أَوْ عَصَبَةٍ أَوْ بِالرَّحِمِ) لِشُمُولِهِ لَهُمْ (وَالْأَشْرَافُ أَهْلُ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الشَّيْخُ: وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا لَا يُسَمُّونَ شَرِيفًا إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَغَيْرِهِمْ) كَأَهْلِ مِصْرَ (لَا يُسَمُّونَ شَرِيفًا إلَّا مَنْ كَانَ عَلَوِيًّا انْتَهَى) بَلْ لَا يُسَمُّونَ شَرِيفًا إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ.
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى آلِ جَعْفَرٍ، وَآلِ عَلِيٍّ، فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَفْتَيْتُ أَنَا وَطَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَ أَعْيَانِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَأَفْتَى طَائِفَةٌ أَنَّهُ يُقَسَّمُ نِصْفَيْنِ فَيَأْخُذُ آلُ جَعْفَرٍ النِّصْفَ، وَإِنْ كَانُوا وَاحِدًا، وَهُوَ مُقْتَضَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَصْحَابِنَا انْتَهَى.
قُلْت: هُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعَ (وَجَمْعُ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ كَالْمُسْلِمِينَ وَضَمِيرِهِ) ، وَهُوَ الْوَاوُ (يَشْمَلُ النِّسَاءَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] (لَا عَكْسُهُ) ، وَهُوَ جَمْعُ الْمُؤَنَّثِ السَّالِمِ وَضَمِيرُهُ، فَلَا يَشْمَلُ الذَّكَرَ، إذْ لَا يَغْلِبُ غَيْرُ الْأَشْرَفِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ قَالَ هَذَا) وَقْفٌ (لِجَمَاعَةٍ) مِنْ الْأَقْرَبِ إلَيْهِ (أَوْ) هَذَا وَقْفٌ (لِجَمْعٍ مِنْ الْأَقْرَبِ إلَيْهِ فَثَلَاثَةٌ) ، وَيَشْمَلُ أَهْلَ الدَّرَجَةِ، وَإِنْ كَثُرُوا لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ.
(وَيُتَمِّمُ) الْجَمْعَ ثَلَاثَةٌ (مِمَّا
بَعْدَ الدَّرَجَةِ الْأُولَى) إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ثَلَاثَةٌ، فَإِذَا كَانَ لَهُ وَلَدَانِ، وَأَوْلَادُ ابْنٍ تَمَّمَ الْجَمْعَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ يَخْرُجُ بِقُرْعَةٍ (وَالْأَيَامَى) يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى قَالَ تَعَالَى " وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ " (وَالْعُزَّابُ) يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، يُقَالُ: رَجُلٌ عَزَبٌ، وَامْرَأَةٌ عَزَبٌ قَالَ ثَعْلَبٌ:، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَزَبًا لِانْفِرَادِهِ وَكُلُّ شَيْءٍ انْفَرَدَ فَهُوَ عَزَبٌ.
، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " وَكُنْتُ شَابًّا أَعْزَبَ " وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْبِكْرِ، وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْعَزَبُ وَالْأَيِّمُ غَيْرُ الْمُتَزَوِّجِ.
(وَالْبِكْرُ) يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (وَالثَّيِّبُ) يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (وَالْعَانِسُ) يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (وَالْإِخْوَةُ) يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (وَالْعُمُومَةُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالْأَخَوَاتُ لِلْإِنَاثِ) خَاصَّةً.
(فَالْأَيَامَى وَالْعُزَّابُ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنْ رَجُلٍ، وَامْرَأَةٍ، وَالْأَرَامِلُ النِّسَاءُ اللَّاتِي فَارَقَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ بِمَوْتٍ أَوْ حَيَاةٍ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ النَّاسِ قَالَ جَرِيرٌ:
النَّطْرُونِيُّ الْأَرَامِلُ قَدْ قُضِيَتْ حَاجَتُهَا ... فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ الذَّكَرِ
؟ فَأَطْلَقَ الْأَوَّلَ حَيْثُ أَرَادَ بِهِ الْإِنَاثَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَوَصَفَهُ فِي الثَّانِي بِالذَّكَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَهُ لَمْ يُفْهَمْ، وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي: الصَّغِيرَةُ لَا تَسَمَّى أَيِّمًا وَلَا أَرْمَلَةً عُرْفًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ صِفَةٌ لِلْبَالِغِ (، وَبِكْرٌ مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ) مِنْ رَجُلٍ، وَامْرَأَةٍ.
(وَ) يُقَالُ (رَجُلٌ ثَيِّبٌ، وَامْرَأَةٌ ثَيِّبَةٌ إذَا كَانَا قَدْ تَزَوَّجَا وَالثُّيُوبَةُ زَوَالُ الْبَكَارَةِ) بِالْوَطْءِ (وَلَوْ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ) كَسَيِّدٍ، وَوَطْءِ شُبْهَةٍ، وَزِنًا (وَالرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّجَالِ خَاصَّةً لُغَةً) لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَالْجَمْعُ أَرْهُطٌ، وَأَرْهَاطٌ، وَأَرَاهِطُ، وَأَرَاهِيطُ وَقَالَ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ: الرَّهْطُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ وَكَذَا قَالَ: النَّفَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشْرَةٍ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَأَهْلُ الْوَقْفِ الْمُتَنَاوِلُونَ لَهُ وَالْعُلَمَاءُ حَمَلَةُ الشَّرْعِ، وَهُمْ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ أُصُولِهِ، وَفُرُوعِهِ مِنْ غَنِيٍّ، وَفَقِيرٍ لَا ذُو أَدَبٍ، وَنَحْوٍ وَلُغَةٍ، وَتَصْرِيفٍ، وَعِلْمِ كَلَامٍ وَطِبٍّ، وَحِسَابٍ، وَهَنْدَسَةٍ، وَهَيْئَةٍ، وَتَعْبِيرِ رُؤْيَا وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَإِقْرَائِهِ، وَتَجْوِيدِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ فُقَهَاءَ، وَمُتَفَقِّهَةً كَعُلَمَاءَ قُلْت: مَدْلُولُ فُقَهَاءٍ: الْعُلَمَاءُ بِالْفِقْهِ وَالْمُتَفَقِّهَةُ طَلَبَةُ الْفِقْهِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ مَنْ عَرَفَهُ وَلَوْ حَفِظَ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا لَا مَنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ (وَالْقُرَّاءُ الْآنَ) أَيْ: فِي عُرْفِ هَذَا الزَّمَانِ (حُفَّاظُ الْقُرْآنِ وَ) الْقُرَّاءُ (فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ هُمْ الْفُقَهَاءُ، وَأَعْقَلُ
النَّاسِ الزُّهَّادُ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ الْفَانِي لِلْبَاقِي.
(قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَيْسَ مِنْ الزُّهْدِ تَرْكُ مَا يُقِيمُ النَّفْسَ، وَيُصْلِحُ أَمْرَهَا، وَيُعِينُهَا عَلَى طَرِيقِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ زُهْدُ الْجُهَّالِ، وَإِنَّمَا هُوَ) أَيْ: الزُّهْدُ (تَرْكُ فُضُولِ الْعَيْشِ وَ) هُوَ (مَا لَيْسَ بِضَرُورَةٍ فِي بَقَاءِ النَّفْسِ) أَيْ: نَفْسِهِ، وَنَفْسِ عِيَالِهِ (عَلَى هَذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَصْحَابُهُ) ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» (وَالْيَتِيمُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَلَا أَبَ لَهُ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ زِنًا (وَلَوْ جَهِلَ بَقَاءَ أَبِيهِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) .
، (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى أَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ) عَلَى (إخْوَتِهِ إخْوَتِهِ وَنَحْوِهِمْ) كَأَعْمَامِهِ أَوْ جِيرَانِهِ (أَوْ وَصَّى لَهُمْ) بِشَيْءٍ (لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ) أَيْ: دِينَ الْوَاقِفِ أَوْ الْمُوصِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْوَاقِفِ أَوْ الْمُوصِي أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ سَوَاءٌ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا (إلَّا بِقَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِمْ فَيَدْخُلُونَ (كَالصَّرِيحِ) أَيْ: كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِدُخُولِهِمْ، وَمِنْ الْقَرِينَةِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ.
(وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ كُفَّارًا) دَخَلُوا؛ لِأَنَّ عَدَمَ دُخُولِهِمْ يُؤَدِّي إلَى رَفْعِ اللَّفْظِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَفِيهِمْ) أَيْ: أَوْ كَانَ فِيهِمْ (مُسْلِمٌ وَاحِدٌ وَالْبَاقِي كُفَّارٌ وَالْوَاقِفُ مُسْلِمٌ دَخَلُوا) ؛ لِأَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى وَاحِدٍ بَعِيدٌ جِدًّا (وَإِنْ كَانَ) الْوَاقِفُ كَافِرًا وَ (فِيهِمْ كَافِرٌ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْوَاقِفِ الْكَافِرِ لَمْ يَدْخُلْ) الْكَافِرُ الْمُغَايِرُ لِدِينِهِ كَمَا لَا يَرِثُهُ.
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ) كَبَنِيهِ أَوْ بَنِي فُلَانٍ وَلَيْسُوا قَبِيلَتَهُ أَوْ مُوَالِيهِ أَوْ مَوَالِي غَيْرِهِ (وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ) بِالْوَقْفِ.
(وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ) فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَأَمْكَنَ الْوَفَاءُ بِهِ فَوَجَبَ التَّعْمِيمُ بِمُقْتَضَاهُ (كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ) بِمَالٍ (وَإِنْ أَمْكَنَ حَصْرُهُمْ فِي ابْتِدَائِهِ) أَيْ: الْوَقْفِ (ثُمَّ تَعَذَّرَ) بِكَثْرَةِ أَهْلِهِ (كَوَقْفِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَمَّمَ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ) بِالْوَقْفِ.
(وَسَوَّى بَيْنَهُمْ) فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّعْمِيمَ وَالتَّسْوِيَةَ كَانَا وَاجِبَيْنِ فِي الْجَمِيعِ فَإِذَا تَعَذَّرَا فِي بَعْضٍ وَجَبَا فِيمَا لَمْ يَتَعَذَّرَا فِيهِ، كَالْوَاجِبِ الَّذِي تَعَذَّرَ بَعْضُهُ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَصْرُهُمْ ابْتِدَاءً كَالْمَسَاكِينِ وَالْقَبِيلَةِ الْكَبِيرَةِ كَبَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي تَمِيمٍ جَازَ التَّفْضِيلُ) بَيْنَهُمْ.
(وَالِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ) ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ عَدَمُ مُجَاوَزَةِ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالدَّفْعِ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِذَا جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ فَالتَّفْضِيلُ أَوْلَى (وَكَالْوَقْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ أَوْ عَلَى) أَهْلِ (إقْلِيمٍ كَالشَّامِ وَعَلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ كَدِمَشْقَ) فَيَجُوزُ التَّفْضِيلُ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ تَنَاوَلَ الْآخَرَ) فَهُمَا صِنْفَانِ حَيْثُ اجْتَمَعَا فَإِنْ
افْتَرَقَا اجْتَمَعَا.
(وَ) مَتَى كَانَ الْوَقْفُ عَلَى أَصْنَافٍ كَالْفُقَرَاءِ كَالْفُقَرَاءِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَالْغُزَاةِ وَالْغُزَاةِ وَنَحْوِهِمْ ف (مَنْ وُجِدَ فِيهِ صِفَاتٌ) بِأَنْ كَانَ ابْنَ سَبِيلٍ غَازِيًا غَارِمًا (اسْتَحَقَّ بِهَا) أَيْ: بِالصِّفَاتِ كَالزَّكَاةِ.
(وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَصْنَافِ الزَّكَاةِ) أَوْ عَلَى (صِنْفَيْنِ فَأَكْثَرَ) مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ (أَوْ) وَقَفَ عَلَى (الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى صِنْفٍ كَزَكَاةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ عَدَمُ مُجَاوَزَتِهِمْ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالدَّفْعِ إلَى صِنْفٍ مِنْهُمْ بَلْ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ.
(وَلَا يُعْطَى فَقِيرٌ) وَلَا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطَاهُ مِنْ زَكَاةٍ) إنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ كَالرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ، فَيُعْطَى فَقِيرٌ، وَمِسْكِينٌ تَمَامَ كِفَايَتِهِمَا مَعَ عَائِلَتِهِمَا سَنَةً، وَمُكَاتَبٌ، وَغَارِمٌ مَا يَقْضِيَانِ بِهِ دَيْنَهُمَا، وَابْنُ سَبِيلٍ مَا يَحْتَاجُهُ لِعَوْدِهِ لِبَلَدِهِ، وَغَازٍ مَا يَحْتَاجُهُ لِغَزْوِهِ، وَهَكَذَا.
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ) فَقَطْ، وَهُمْ مَنْ أَعْتَقُوهُ اخْتَصَّ الْوَقْفُ بِهِ (أَوْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مُوَلٍّ مِنْ أَسْفَلَ) فَقَطْ، وَهُمْ عُتَقَاؤُهُ (اخْتَصَّ الْوَقْفُ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ وَ) مَوَالٍ مِنْ (أَسْفَلَ تَنَاوَلَ) الْوَقْفُ (جَمِيعَهُمْ فَيَسْتَوُونَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، وَمَتَى انْقَرَضَ مَوَالِيهِ فَلِعَصَبَتِهِمْ.
(وَإِنْ عَدَمَ الْمَوَالِي) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوَالٍ حِينَ قَالَ وَقَفْتُ عَلَى مَوَالِيَّ (كَانَ) الْوَقْفُ (لِمَوَالِي الْعَصَبَةِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُهُمْ مَجَازًا مَعَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ مَوَالٍ ثُمَّ انْقَرَضُوا لَمْ يَرْجِعْ مِنْ الْوَقْفِ شَيْءٌ لِمَوَالِي عَصَبَتِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُمْ، فَلَا يَعُودُ إلَيْهِمْ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ وَلَمْ يُوجَدْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا شَيْءَ لِمَوَالِي عَصَبَتِهِ إلَّا مَعَ عَدَمِ مَوَالِيهِ ابْتِدَاءً (وَالشَّابُّ وَالْفَتَى مِنْ الْبُلُوغِ إلَى الثَّلَاثِينَ وَالْكَهْلُ مِنْ حَدِّ الشَّبَابِ) ، وَهُوَ الثَّلَاثُونَ (إلَى الْخَمْسِينَ وَالشُّيُوخُ مِنْهَا) أَيْ: الْخَمْسِينَ (إلَى السَّبْعِينَ وَالْهَرَمُ مِنْهَا) أَيْ: السَّبْعِينَ (إلَى الْمَوْتِ، وَأَبْوَابُ الْبِرِّ: الْقُرَبُ كُلُّهَا) ؛ لِأَنَّ الْبِرَّ اسْمٌ جَامِعٌ لِأَنْوَاعِ الْخَيْرِ (وَأَفْضَلُهَا الْغَزْوُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ.
(وَيُبْدَأُ بِهِ) أَيْ: بِالْغَزْوِ؛ لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ (وَالْوَصِيَّةُ كَالْوَقْفِ فِي) مَا ذُكِرَ فِي (هَذَا الْفَصْلِ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى لَفْظِ الْمُوصِي أَشْبَهَتْ الْوَقْفَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ دُخُولُ وَارِثِهِ فِي وَصِيَّتِهِ لِقَرَابَتِهِ، خِلَافًا لِلْمُسْتَوْعِبِ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ مِنْ الْوَرَثَةِ بَطَلَ فِي نَصِيبِهِ وَلَوْ وَصَّى بِعِتْقِ أَمَةٍ فَأُنْثَى وَالْعَبْدُ ذَكَرٌ.
وَلَوْ وَصَّى بِأُضْحِيَّةٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى فَضَحَّوْا بِغَيْرِهِ خَيْرًا مِنْهُ جَازَ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِزِيَادَةِ خَيْرٍ فِي الْمَخْرَجِ (، وَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُوصَى لَهُ ذِكْرُ أَلْفَاظٍ لَمْ تُذْكَرْ هُنَا كَلَفْظِ الْجِيرَانِ، وَأَهْلِ السِّكَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ كَالْوَصِيَّةِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: لَكِنَّ الْوَصِيَّةَ أَعَمُّ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى مَا يَأْتِي.
[فَصْلٌ الْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ]
(فَصْلٌ وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ) قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ أَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ (لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ (مَثَلًا وَيَلْزَمُ) الْوَقْفُ (بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ بِدُونِ حُكْمِ حَاكِمٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيث عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ وَكَالْعِتْقِ.
وَقَوْلُهُ " بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ " جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْفِعْلُ مَعَ الدَّالِّ عَلَى الْوَقْفِ يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِهِ أَيْضًا، وَيَحْرُمُ (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا الْمُنَاقَلَةُ بِهِ) أَيْ: إبْدَالُهُ وَلَوْ بِخَيْرٍ مِنْهُ (نَصًّا) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ وَقَدْ صَنَّفَ الشَّيْخُ يُوسُفُ الْمِرْدَاوِيُّ كِتَابًا لَطِيفًا فِي رَدِّ الْمُنَاقَلَةِ، وَأَجَادَ، وَأَفَادَ (إلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ) أَيْ: الْوَقْفِ (الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ بِخَرَابٍ) لَهُ أَوْ لِمَحَلَّتِهِ (أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَرُدُّ) الْوَقْفُ (شَيْئًا) عَلَى أَهْلِهِ (أَوْ يَرُدُّ شَيْئًا لَا يُعَدُّ نَفْعًا) بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (وَتَتَعَذَّرُ عِمَارَتُهُ، وَعَوْدُ نَفْعِهِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي الْوَقْفِ مَا يُعَمَّرُ بِهِ.
(وَلَوْ) كَانَ الْخَارِبُ الَّذِي تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ مَنْفَعَتُهُ وَتَعَذَّرَتْ إعَادَتُهُ (مَسْجِدًا حَتَّى يُضَيِّقَهُ عَلَى أَهْلِهِ) الْمُصَلِّينَ بِهِ.
(وَتَعَذَّرَ تَوْسِيعُهُ) فِي مَحَلِّهِ (أَوْ) كَانَ مَسْجِدًا، وَتَعَذَّرَ الِانْتِفَاعُ بِهِ ل (خَرَابِ مَحَلَّتِهِ) أَيْ: النَّاحِيَةِ الَّتِي بِهَا الْمَسْجِدُ (أَوْ كَانَ مَوْضِعُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (قَذِرًا فَيَصِحُّ بَيْعُهُ) ، وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ، لِلنَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَفِي إبْقَائِهِ إذَنْ إضَاعَةٌ، فَوَجَبَ الْحِفْظُ بِالْبَيْعِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ انْتِفَاعُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِالثَّمَرَةِ لَا بِعَيْنِ الْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَمَنْعُ الْبَيْعِ إذَنْ مُبْطِلٌ لِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي اقْتَضَاهُ الْوَقْفُ فَيَكُونُ خِلَافَ الْأَصْلِ؛ وَلِأَنَّ فِيمَا نَقُولُ بَقَاءً لِلْوَقْفِ بِمَعْنَاهُ حِينَ تَعَذَّرَ الْإِبْقَاءُ بِصُورَتِهِ فَيَكُونُ مُتَعَيِّنًا، وَعُمُومُ " لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا " مَخْصُوصٌ بِحَالَةِ تَأَهُّلِ الْمَوْقُوفِ لِلِانْتِفَاعِ الْمَخْصُوصِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَيَجُوزُ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ الْمَسْجِدُ، وَيُعَمَّرُ بِثَمَنِهِ مَسْجِدٌ آخَرُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى إذَا لَمْ يُحْتَجْ
إلَيْهِ فِي الْقَرْيَةِ الْأُولَى وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ بِعَيْنِهِمْ أَحَقُّ بِجَوَازِ نَقْلِهِ إلَى مَدِينَتِهِمْ مِنْ الْمَسْجِدِ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (شَجَرَةٍ) مَوْقُوفَةٍ (يَبِسَتْ وَ) بَيْعُ (جِذْعٍ) مَوْقُوفٍ (انْكَسَرَ أَوْ بَلِيَ، أَوْ خِيفَ الْكَسْرُ أَوْ الْهَدْمُ) قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: إذَا أَشْرَفَ جِذْعُ الْوَقْفِ عَلَى الِانْكِسَارِ أَوْ دَارُهُ عَلَى الِانْهِدَامِ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ أُخِّرَ لَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ رِعَايَةً لِلْمَالِيَّةِ أَوْ يُنْقَضُ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ قَالَ: وَالْمَدَارِسُ وَالرُّبَطُ وَالْخَانَاتُ الْمُسْبَلَةُ، وَنَحْوُهَا جَائِزٌ بَيْعُهَا عِنْدَ خَرَابِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَجْهًا وَاحِدًا.
(وَ) يَصِحُّ (بَيْعُ مَا فَضَلَ مِنْ نِجَارَةِ خَشَبِهِ خَشَبِهِ وَنُحَاتَتِهِ) أَيْ: الْمَوْقُوفِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ شَرَطَ) الْوَاقِفُ عَدَمَهُ أَيْ: الْبَيْعِ (إذَنْ) أَيْ: فِي الْحَالِ الَّتِي قُلْنَا يُبَاعُ فِيهِ (فَشَرْطٌ فَاسِدٌ) لِحَدِيثِ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ» إلَى آخِرِهِ.
(وَ) حَيْثُ يُبَاعُ الْوَقْفُ فَإِنَّهُ (يُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّ فِي إقَامَةِ الْبَدَلِ مَقَامَهُ تَأْبِيدًا لَهُ، وَتَحْقِيقًا لِلْمَقْصُودِ فَتَعَيَّنَ وُجُوبُهُ (أَوْ بَعْضُ مِثْلِهِ) إنْ لَمْ يُمْكِنْ فِي مِثْلِهِ، وَيُصْرَفُ فِي جِهَتِهِ (وَهِيَ مَصْرِفُهُ) لِامْتِنَاعِ تَغْيِيرِ الْمَصْرِفِ مَعَ إمْكَانِ مُرَاعَاتِهِ.
(فَإِنْ تَعَطَّلَتْ) جِهَةُ الْوَقْفِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ (صُرِفَ فِي جِهَةٍ مِثْلِهَا فَإِذَا وَقَفَ عَلَى الْغُزَاةِ فِي مَكَان فَتَعَطَّلَ فِيهِ الْغَزْوُ صُرِفَ) الْبَدَلُ (إلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْغُزَاةِ فِي مَكَان آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا) تَحْصِيلًا لِغَرَضِ الْوَاقِفِ فِي الْجُمْلَةِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ.
(وَيَجُوزُ) (نَقْلُ آلَةِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَجُوزُ بَيْعُهُ) لِخَرَابِهِ أَوْ خَرَابِ مَحَلَّتِهِ أَوْ قَذَرِ مَحَلِّهِ (وَ) نَقْلُ (أَنْقَاضِهِ إلَى مِثْلِهِ إنْ احْتَاجَهَا) مِثْلُهُ وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " قَدْ حَوَّلَ مَسْجِدَ الْجَامِعِ مِنْ التَّمَّارِينَ أَيْ: بِالْكُوفَةِ " (وَهُوَ) أَيْ: نَقْلُ آلَاتِهِ، وَأَنْقَاضِهِ إلَى مِثْلِهِ (أَوْلَى مِنْ بَيْعِهِ) لِبَقَاءِ الِانْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ فِيهِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ " إلَى مِثْلِهِ أَنَّهُ لَا يُعَمَّرُ بِآلَاتِ الْمَسْجِدِ مَدْرَسَةٌ وَلَا رِبَاطٌ وَلَا بِئْرٌ وَلَا حَوْضٌ وَلَا قَنْطَرَةٌ وَكَذَا آلَاتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ لَا يُعَمَّرُ بِهَا مَا عَدَاهُ؛ لِأَنَّ جَعْلَهَا فِي مِثْلِ الْعَيْنِ مُمْكِنٌ فَتَعَيَّنَ لِمَا تَقَدَّمَ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ.
(وَيَصِيرُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ) بَعْدَ بَيْعِهِ (لِلثَّانِي) الَّذِي اشْتَرَى بَدَلَهُ، وَأَمَّا إذَا نُقِلَتْ آلَتُهُ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ فَالْبُقْعَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى أَنَّهَا مَسْجِدٌ قَالَ حَرْبٌ: قُلْت: لِأَحْمَدَ رَجُلٌ بَنَى مَسْجِدًا فَأَذَّنَ فِيهِ ثُمَّ قَلَعُوا هَذَا الْمَسْجِدَ، وَبَنَوْا مَسْجِدًا آخَرَ فِي مَكَان آخَرَ، وَنَقَلُوا خَشَبَ هَذَا الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ إلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ قَالَ: يَرُمُّوا هَذَا الْمَسْجِدَ الْآخَرَ الْعَتِيقَ قَالَ الْحَارِثِيُّ: فَلَمْ يَمْنَعْ النَّقْلُ مَنْعَ الْبَيْعِ، وَإِخْرَاجَ الْبُقْعَةِ عَنْ كَوْنِهَا مَسْجِدًا.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِهِ) أَيْ: الْوَقْفِ (لِإِصْلَاحِ مَا بَقِيَ)
مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُ الْكُلِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَبَيْعُ الْبَعْضِ مَعَ بَقَاءِ الْبَعْضِ أَوْلَى (إنْ اتَّحَدَ الْوَاقِفُ كَالْجِهَةِ) الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا (إنْ كَانَ) الْمَوْقُوفُ (عَيْنَيْنِ) عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ وَاقِفٍ وَاحِدٍ فَتُبَاعُ إحْدَاهُمَا لِإِصْلَاحِ الْأُخْرَى لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) كَانَ الْمَوْقُوفُ (عَيْنًا) فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا لِإِصْلَاحِ بَاقِيهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) مَحَلُّ ذَلِكَ إنْ (لَمْ تَنْقُصْ الْقِيمَةُ) أَيْ: قِيمَةُ الْعَيْنِ الْمَبِيعِ بَعْضُهَا (بِتَشْقِيصٍ) أَيْ: بِبَيْعِ بَعْضِهَا.
(وَإِلَّا) بِأَنْ نَقَصَتْ بِذَلِكَ (بِيعَ الْكُلُّ) كَبَيْعِ وَصِيٍّ لِدَيْنٍ أَوْ حَاجَةٍ بَلْ هَذَا أَسْهَلُ لِجَوَازِ تَغْيِيرِ صِفَاتِهِ لِمَصْلَحَةٍ، وَبَيْعُهُ عَلَى قَوْلٍ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَإِنْ تَوَقَّفَتْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ عَلَى بَعْضِ آلَاتِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصُّورَةِ مَعَ بَقَاءِ الِانْتِفَاعِ وَلَا يُعَمَّرُ وَقْفٌ مِنْ آخَرَ وَلَوْ عَلَى جِهَتِهِ (وَأَفْتَى عُبَادَةُ) مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا (بِجَوَازِ عِمَارَةِ وَقْفٍ عَلَى آخَرَ أَيْ: مِنْ رِيعِهِ عَلَى جِهَتِهِ) ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي طَبَقَاتِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ قَوِيٌّ بَلْ عُمِلَ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ قُنْدُس فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: إنَّ كَلَامَهُ فِي الْفُرُوعِ أَظْهَرُ أَيْ: لَا يُعَمِّرُ وَقْفًا مِنْ رِيعٍ آخَرَ، وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْجِهَةُ.
(الْجِهَةُ وَيَجُوزُ اخْتِصَارُ آنِيَةٍ) مَوْقُوفَةٍ مُتَعَطِّلَةٍ (إلَى أَصْغَر مِنْهَا وَإِنْفَاقُ الْفَضْلِ عَلَى الْإِصْلَاحِ) مُحَافَظَةً عَلَى بَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ اخْتِصَارُهَا بِيعَتْ وَصُرِفَ ثَمَنُهَا فِي آنِيَةٍ مِثْلِهَا رِعَايَةً لِلنَّفْعِ الَّذِي لِأَجْلِهِ وُقِفَتْ.
(وَيَجُوزُ تَجْدِيدُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ لِمَصْلَحَةٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إبْرَاهِيمَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَ (لَا) يَجُوزُ (قَسْمُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (مَسْجِدَيْنِ بِبَابَيْنِ إلَى دَرْبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ لَهُ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَجَوَّزَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ تَغْيِيرَ صُورَةِ الْوَقْفِ لِلْمَصْلَحَةِ كَجَعْلِ الدُّورِ حَوَانِيتَ وَالْحَاكُورَةِ الْمَشْهُورَةِ (الْمَشْهُورَةِ وَيَجُوزُ نَقْضُ مَنَارَتِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (وَجُعْلُهَا فِي حَائِطِهِ لِتَحْصِينِهِ) مِنْ نَحْوِ كِلَابٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ.
(وَحُكْمُ فَرَسٍ حَبِيسٍ) أَيْ: مَوْقُوفٍ عَلَى الْغَزْوِ (إذَا لَمْ يَصْلُحْ) الْفَرَسُ (لِغَزْوٍ كَوَقْفٍ فَيُبَاعُ، وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ مَا) أَيْ: فَرَسًا (يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ) قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد الَّذِي يَعْجِفُ يَعْنِي: مِنْ الدَّوَابِّ الَّتِي تُحْبَسُ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي بِلَادِ الرُّومِ لَا يَنْفَعُ إلَّا لِلطَّحْنِ أَوْ نَحْوِهِ، يُبَاعُ ثُمَّ يُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي حَبِيسٍ.
تَنْبِيهٌ " عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ، وَغَيْرِهِ: يُبَاعُ أَوْ بِيعَ، وَنَحْوُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَمَا فِي عِبَارَةِ أَحْمَدَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْبَيْعِ حَالَ التَّعَطُّلِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ (وَالتَّلْخِيصِ وَبِمُجَرَّدِ شِرَاءِ الْبَدَلِ) أَيْ: بَدَلِ مَا بِيعَ مِنْ الْوَقْفِ أَوْ أُتْلِفَ أُتْلِفْ وَنَحْوِهِ (يَصِيرُ) الْبَدَلُ (وَقْفًا كَبَدَلِ أُضْحِيَّةٍ وَ) بَدَلِ (رَهْنٍ أُتْلِفَ) قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْمُحَرَّر الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الشِّرَاءُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَلَزِمَ الْعَقْدُ أَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا؛ لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فِي الشِّرَاءِ وَالْوَكِيلُ يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْمُوَكِّلِ فَكَذَا هُنَا يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْجِهَةِ الْمُشْتَرَى لَهَا وَلَا يَكُون ذَلِكَ إلَّا وَقْفًا انْتَهَى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ بِمَالِ الْوَقْفِ لَمْ يَكُنْ مَا اشْتَرَاهُ وَقْفًا، وَيُطَالِبُ بِالثَّمَنِ لِيَشْتَرِيَ بِهِ مَا يَكُونُ وَقْفًا، وَأَنَّهُ لَا يَصِيرُ وَقْفًا إذَا اشْتَرَاهُ لِلْوَقْفِ إلَّا بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ بِأَنْ يَنْقَضِيَ الْخِيَارُ (وَالِاحْتِيَاطُ وَقْفُهُ) لِئَلَّا يَنْقُضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ لَا يَرَى وَقْفِيَّتَهُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ.
(الشِّرَاءُ وَيَبِيعُهُ) أَيْ: الْوَقْفَ (حَاكِمُ) بَلَدِهِ (إنْ كَانَ) الْوَقْفُ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِعَقْدٍ لَازِمٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا فَتُوقَفُ عَلَى الْحَاكِمِ، كَمَا قِيلَ فِي الْفُسُوخِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا (وَإِلَّا) يَكُونُ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ، بِأَنْ كَانَ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ مَنْ يَؤُمُّ أَوْ يُؤَذِّنُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، وَنَحْوِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (ف) يَبِيعُهُ (نَاظِرُهُ الْخَاصُّ) إنْ كَانَ.
(وَالْأَحْوَطُ إذْنُ حَاكِمٍ لَهُ) أَيْ: لِلنَّاظِرِ الْخَاصِّ فِي بَيْعِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْبَيْعَ عَلَى مَنْ سَيَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ بَعْدَ الْمَوْجُودِينَ الْآنَ أَشْبَهَ الْبَيْعَ عَلَى الْغَائِبِ (فَإِنْ عُدِمَ) النَّاظِرُ الْخَاصُّ (ف) يَبِيعُهُ (حَاكِمٌ) لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ.
(وَيَجُوزُ بَيْعُ آلَتِهِ) أَيْ: الْوَقْفِ (وَصَرْفُهَا فِي عِمَارَتِهِ) إنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ (مَثَلًا وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الْمَسْجِد مِنْ حُصُرِهِ حُصُرِهِ وَزَيْتِهِ وَزَيْتِهِ وَمُغَلِّهِ مَثَلًا وَأَنْقَاضِهِ وَأَنْقَاضِهِ وَآلَتِهِ وَآلَتِهِ وَثَمَنِهَا) إذَا بِيعَتْ (جَازَ صَرْفُهُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ مُحْتَاجٍ) إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ فِي نَوْعِ الْمُعَيَّنِ.
(وَ) جَازَتْ (الصَّدَقَةُ بِهَا) أَيْ: بِالْمَذْكُورَاتِ (عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُنْقَطِعِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ يُرْصَدْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَطُّلِ فَيُخَالِفُ الْمَقْصُودَ، وَلَوْ تَوَقَّعَتْ الْحَاجَةُ فِي زَمَنٍ آخَرَ وَلَا رِيعَ يَسُدُّ مَسَدَّهَا لَمْ يُصْرَفْ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصَّرْفُ فِي الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنَّمَا سُومِحَ بِغَيْرِهَا حَيْثُ لَا حَاجَةَ حَذَرًا مِنْ التَّعَطُّلِ، وَخَصَّ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ الْفُقَرَاءَ بِفُقَرَاءِ جِيرَانِهِ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِمَزِيدِ مُلَازَمَتِهِ وَالْعِنَايَةِ بِمَصْلَحَتِهِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ.
(قَالَ الشَّيْخُ) يَجُوزُ صَرْفُ الْفَاضِلِ فِي مِثْلِهِ (وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ، وَ) فِي (بِنَاءِ مَسَاكِنَ لِمُسْتَحِقِّ رِيعِهِ الْقَائِمِ بِمَصْلَحَتِهِ، وَفَضْلُ غَلَّةِ مَوْقُوفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ اسْتِحْقَاقُهُ مُقَدَّرٌ) مِنْ الْوَقْفِ (بِتَعَيُّنِ إرْصَادِهِ ذَكَرَهُ) الْقَاضِي (مُحَمَّدٌ أَبُو الْحُسَيْنِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَارِثِيُّ) قَالَ: وَأَمَّا فَضْلُ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ مُعَيَّنَيْنِ أَوْ طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَتَعَيَّنَ إرْصَادُهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فَضْلِ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى نَفَقَةِ إنْسَانٍ، وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى إذَا كَانَ الصَّرْفُ مُقَدَّرًا أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ التَّقْدِيرِ فَلَا فَضْلَ إذْ الْغَلَّةُ مُسْتَغْرَقَةٌ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ وَاضِحٌ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَقَالَ الشَّيْخُ: إنْ عُلِمَ أَنَّ رِيعَهُ يَفْضُلُ دَائِمًا وَجَبَ صَرْفُهُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فَسَادٌ) لَهُ.
(وَإِعْطَاؤُهُ) أَيْ: الْمُسْتَحِقِّ (فَوْقَ مَا قَدَّرَهُ الْوَاقِفُ جَائِزٌ) ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهُ.
قَالَ وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ النَّاظِرِ صَرْفُ الْفَاضِلِ؛ لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَى مَنْ لَهُ وِلَايَتُهُ قُلْت: وَالظَّاهِرُ لَا ضَمَانَ كَتَفْرِقَةِ هَدْيٍ، وَأُضْحِيَّةٍ.
(وَمَنْ وَقَفَ عَلَى ثَغْرٍ فَاخْتَلَّ) الثَّغْرُ (صُرِفَ) الْمَوْقُوفُ (فِي ثَغْرٍ مِثْلِهِ) أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْوَقْفِ إذَا خَرِبَ، إذْ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ هُنَا الصَّرْفُ إلَى الْمُرَابِطِ، فَإِعْمَالُ شَرْطِ الثَّغْرِ الْمُعَيَّنِ مُعَطِّلٌ لَهُ، فَوَجَبَ الصَّرْفُ إلَى ثَغْرٍ آخَرَ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ (وَعَلَى قِيَاسِهِ مَسْجِدٌ وَرِبَاطٌ، وَنَحْوُهُمَا) ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَارِثِيُّ قَالَ: وَالشَّرْطُ قَدْ يُخَالَفُ لِلْحَاجَةِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْمُتَفَقِّهِ عَلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّ الصَّرْفَ يَتَعَيَّنُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُتَفَقِّهَةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ إلَى الْمُتَفَقِّهَةِ عَلَى مَذْهَبٍ آخَرَ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْوَقْفِ إذَا خَرِبَ.
قَالَ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ حَوْضٍ حَوْضٍ وَتَعَطَّلَ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا صُرِفَ إلَى مِثْلِهِمَا وَلَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِمَالٍ فِي يَوْمٍ مَخْصُوصٍ مِنْ السَّنَةِ، وَتَعَذَّرَ فِيهِ وَجَبَ مَتَى أَمْكَنَ.
(وَنَصَّ) أَحْمَدُ (فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى قَنْطَرَةٍ) فَانْحَرَفَ الْمَاءُ أَوْ انْقَطَعَ (يُرْصَدُ لَعَلَّهُ) أَيْ: الْمَاءَ (يَرْجِعُ) فَيَحْتَاجُونَ إلَى الْقَنْطَرَةِ وَقَدَّمَ الْحَارِثِيُّ: يُصْرَفُ إلَى قَنْطَرَةٍ أُخْرَى لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَحْرُمُ حَفْرُ بِئْرٍ) فِي مَسْجِدٍ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّلَاةِ فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ، وَنَصَّ عَلَى الْمَنْعِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ (وَ) يَحْرُمُ (غَرْسُ شَجَرَةٍ فِي مَسْجِدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ حَفَرَ أَوْ غَرَسَ (قُلِعَتْ) الشَّجَرَةُ.
(وَطُمَّتْ) الْبِئْرُ لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ تُقْلَعْ) الشَّجَرَةُ (فَثَمَرُهَا لِمَسَاكِينِ الْمَسْجِدِ) وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: التَّقْيِيدُ بِأَهْلِ الْمَسْجِدِ فِيهِ بَحْثٌ وَالْأَقْرَبُ حِلُّهُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَسَاكِينِ أَيْضًا (وَيَتَوَجَّهُ جَوَازُ حَفْرِ بِئْرٍ) فِي الْمَسْجِدِ (إنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ ضِيقٌ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ حَفْرَهَا فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ، لَكِنْ يَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ.
(وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ مَغْرُوسَةً قَبْلَ بِنَائِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (مَثَلًا وَوَقْفُهَا مَعَهُ فَإِنْ عَيَّنَ) الْوَاقِفُ (مَصْرِفَهَا عُمِلَ بِهِ) كَسَائِرِ الشُّرُوطِ (وَإِلَّا) يُعَيِّنْ مَصْرِفَهَا
(فَكَوَقْفٍ مُنْقَطِعٍ) تُصْرَفُ ثَمَرَتُهَا لِوَرَثَةِ الْوَاقِفِ نَسَبًا وَقْفًا فَإِنْ انْقَرَضُوا فَلِمَسَاكِينَ.
(وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمَسْجِدِ) وَلَا بَيْعُهُ (مَعَ إمْكَانِ عِمَارَتِهِ بِدُونِ الْعِمَارَةِ الْأُولَى) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَنْعُ، فَيَجُوزُ لِلْحَاجَةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا (هُنَا وَيَجُوزُ رَفْعُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (إذَا أَرَادَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ ذَلِكَ) أَيْ: رَفْعَهُ.
(وَجُعِلَ تَحْتَ سَفَلِهِ سِقَايَةٌ، وَحَوَانِيتُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَمَنَعَ مِنْهُ الْمُوَفَّقُ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَتَأَوَّلَا نَصَّ الرَّفْعِ لِأَجْلِ السِّقَايَةِ عَلَى حَالَةِ إنْشَاءِ الْمَسْجِدِ، وَسَمَّاهُ مَسْجِدًا بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ وَرَدَّهُ الْحَارِثِيُّ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
(قَالَ) ابْنُ عَقِيلٍ (فِي الْفُنُونِ لَا بَأْسَ بِتَغْيِيرِ حِجَارَةِ الْكَعْبَةِ إنْ عَرَضَ لَهَا مَرَمَّةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَصْرٍ احْتَاجَتْ) الْكَعْبَةُ (فِيهِ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى تَغْيِيرِ الْحِجَارَةِ (قَدْ فَعَلَ وَلَمْ يَظْهَرْ نَكِيرٌ وَلَوْ تَعَيَّنَتْ الْآلَةُ لَمْ يَجُزْ) التَّغْيِيرُ (كَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ.
(وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ) مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ (وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ) مَعَ وُجُودِهِ (وَلَا يَنْتَقِلُ النُّسُكُ مَعَهُ) إذَا نُقِلَ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَخْ (إلَخْ وَيُكْرَهُ نَقْلُ حِجَارَتِهَا عِنْدَ عِمَارَتِهَا إلَى غَيْرِهَا) أَيْ: الْكَعْبَةِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ يَحْرُمُ لِقَوْلِهِ (كَمَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُ تُرَابِ الْمَسَاجِدِ لِبِنَاءٍ فِي غَيْرِهَا) أَيْ: الْمَسَاجِدِ (بِطَرِيقِ الْأَوْلَى) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ صَرْفُ الْوَقْفِ لِلْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ (قَالَ) فِي الْفُنُونِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَلَّى أَبْنِيَتُهَا زِيَادَةً عَلَى مَا وُجِدَ مِنْ عُلُوِّهَا) ، وَإِنَّهُ يُكْرَهُ الصَّكُّ فِيهَا، وَفِي أَبْنِيَتِهَا إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
(قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ جَوَازُ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي: إدْخَالَ الْحِجْرِ فِي الْبَيْتِ) وَجَعْلَ بَابَيْنِ لَهُ (لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْلَا الْمُعَارِضُ فِي زَمَنِهِ) ، وَهُوَ أَنَّ قَوْمَهُ حَدِيثُ عَهْدِهِمْ بِجَاهِلِيَّةٍ (لَفَعَلَهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ) السَّابِقِ.
(قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِيهِ) أَيْ: حَدِيثِ عَائِشَةَ (يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّوَابِ لِأَجْلِ قَالَةِ النَّاسِ وَرَأَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ تَرْكُهُ) أَيْ: تَرْكُ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لِئَلَّا يَصِيرَ الْبَيْتُ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ) ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
" خَاتِمَةٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْأَرْزَاقُ الَّتِي يُقَدِّرُهَا الْوَاقِفُونَ ثُمَّ يَتَغَيَّرُ النَّقْدُ فِيمَا بَعْدُ نَحْوُ أَنْ يَشْرِطَ مِائَةَ دِرْهَمٍ نَاصِرِيَّةً ثُمَّ يَحْرُمُ التَّعَامُلُ بِهَا، وَتَصِيرُ الدَّرَاهِمُ ظَاهِرِيَّةً، فَإِنَّهُ يُعْطِي الْمُسْتَحِقَّ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ مَا قِيمَتُهُ قِيمَةُ الْمَشْرُوطِ وَقَدْ أَوْسَعْنَا الْعِبَارَةَ فِي ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ.
[بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ]
(بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ) الْهِبَةُ مَصْدَرُ وَهَبَ الشَّيْءِ يَهَبُهُ هِبَةً، وَوَهْبًا بِإِسْكَانِ الْهَاءِ، وَفَتْحِهَا، وَمَوْهُوبًا وَالِاسْمُ الْمَوْهُوبَةُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ: وَالْمُوهِبُ بِكَسْرِ الْهَاءِ فِيهِمَا وَقَدْ تُطْلَقُ الْهِبَةُ عَلَى الْمَوْهُوبِ كَمَا فِي الْخَبَرِ «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا إلَّا لِوَالِدٍ» .
وَفِي الْمُحْكَمِ: لَا يُقَالُ وَهَبَكَهُ، وَعَنْ السِّيرَافِيِّ: أَنَّ بَعْضَ الْأَعْرَابِ قَالَ: انْطَلِقْ مَعِي أَهَبُكَ نَبْلًا، وَأَصْلُهَا مِنْ هُبُوبِ الرِّيحِ أَيْ: مُرُورِهِ وَالِاتِّهَابُ قَبُولُ الْهِبَةِ وَالِاسْتِيهَابُ سُؤَالُهَا، وَأَوْهَبَهُ لَهُ أَعَدَّهُ لَهُ وَ (الْهِبَةُ تَمْلِيكُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) وَهُوَ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ (مَالًا مَعْلُومًا) مَنْقُولًا أَوْ عَقَارًا (مَجْهُولًا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ) بِأَنْ اخْتَلَطَ مَالُ اثْنَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ فَوَهَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ مَالَهُ (مَوْجُودًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ فِي الْحَيَاةِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَمْلِيكٍ (بِلَا عِوَضٍ) مُتَعَلِّقٌ أَيْضًا بِهِ فَخَرَجَ بِالْمَالِ الِاخْتِصَاصَاتُ، وَتَأْتِي، وَبِالْمَعْلُومِ الْمَجْهُولُ الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ كَبَيْعِهِ، وَبِالْمَوْجُودِ الْمَعْدُومُ كَعَبْدٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَبِالْمَقْدُورِ عَلَى تَسْلِيمِهِ الْحَمْلُ، وَبِغَيْرِ الْوَاجِبِ الدُّيُونُ وَالنَّفَقَاتُ، وَنَحْوُهَا، وَبِفِي الْحَيَاةِ الْوَصِيَّةُ، وَبِلَا عِوَضٍ عُقُودُ الْمُعَاوَضَاتِ وَقَوْلُهُ (بِمَا يُعَدُّ هِبَةً عُرْفًا) مُتَعَلِّقٌ بِتَمْلِيكٍ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مِنْ لَفْظِ هِبَةٍ، وَتَمْلِيكٍ، وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ قَوْلٍ، وَفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهَا كَمَا يَأْتِي وَهُوَ بَيَانٌ لِمَا يُعَدُّ هِبَةً (هِبَةٌ وَتَنْعَقِدُ) الْهِبَةُ (بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ) بِأَيِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِمَا.
(وَبِمُعَاطَاةٍ بِفِعْلٍ يَقْتَرِنُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (فَتَجْهِيزُ ابْنَتِهِ) أَوْ أُخْتِهِ، وَنَحْوِهَا (بِجِهَازٍ إلَى) بَيْتِ (زَوْجِهَا تَمْلِيكٌ) لَهَا.
(وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (أَوَّلَ الْبَيْعِ وَالْعَطِيَّةُ تَمْلِيكُ عَيْنٍ) مَالِيَّةٍ مَوْجُودَةٍ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهَا مَعْلُومَةٍ، وَمَجْهُولَةٍ تَعَذَّرَ عِلْمُهَا (فِي الْحَيَاةِ بِلَا عِوَضٍ) ، وَمُحْتَرَزُ هَذِهِ الْقُيُودِ مَعْلُومٌ مِمَّا سَبَقَ فَالْعَطِيَّةُ عَلَى هَذَا مَصْدَرٌ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ كَذَلِكَ فِيمَا عَلِمْتُ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ قَالَ: بَلْ نَفْسُ الشَّيْءِ الْمُعْطَى وَالْجَمْعُ عَطَايَا، وَأَعْطِيَةٌ وَجَمَعُوا أَعْطِيَةً عَلَى أَعْطِيَاتٍ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَالْإِعْطَاءُ وَالِاسْمُ الْعَطَاءُ، وَيُقَالُ أَيْضًا عَلَى الشَّيْءِ الْمُعْطَى.
(وَهْبَةُ التَّلْجِئَةِ بَاطِلَةٌ بِحَيْثُ تُوهَبُ فِي الظَّاهِرِ، وَتُقْبَضُ مَعَ اتِّفَاقِ الْوَاهِبِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنْهُ إذَا شَاءَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ
الْحِيَلِ الَّتِي تُجْعَلُ طَرِيقًا إلَى مَنْعِ الْوَارِثِ أَوْ الْغَرِيمِ حُقُوقَهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ.
(الْمَقَاصِدُ وَأَنْوَاعُ الْهِبَةِ صَدَقَةٌ، وَهَدِيَّةٌ، وَنِحْلَةٌ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ، وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ) وَكُلُّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ بِلَا عِوَضٍ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي (تَجْرِي فِيهَا أَحْكَامُهَا) أَيْ: أَحْكَامُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تَجْرِي فِي الْبَقِيَّةِ (فَإِنْ قَصَدَ بِإِعْطَائِهِ ثَوَابَ الْآخِرَةِ فَقَطْ فَصَدَقَةٌ، وَإِنْ قَصَدَ) بِإِعْطَائِهِ (إكْرَامًا، وَتَوَدُّدًا، وَمُكَافَأَةً) وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى (فَهَدِيَّةٌ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِإِعْطَائِهِ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ (فَهِبَةٌ، وَعَطِيَّةٌ، وَنِحْلَةٌ وَهِيَ) أَيْ: الْمَذْكُورَاتُ مِنْ صَدَقَةٍ وَهَدِيَّةٍ وَهَدِيَّةٍ وَعَطِيَّةٍ (مُسْتَحَبَّةٌ إذَا قُصِدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْهِبَةِ لِلْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَمَا قُصِدَ بِهِ صِلَةُ الرَّحِمِ) قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَجِنْسُ الْهِبَةِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِشُمُولِهِ مَعْنَى التَّوْسِعَةِ عَلَى الْغَيْرِ، وَنَفْي الشُّحِّ قَالَ: وَالْفَضْلُ فِيهَا يَثْبُتُ بِإِزَاءِ مَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْهِبَةِ لِلصُّلَحَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا خَيْرَ فِيمَا قُصِدَ بِهِ رِيَاءٌ أَوْ سُمْعَةٌ وَ (لَا) تُسْتَحَبُّ إنْ قُصِدَ بِهَا (مُبَاهَاةٌ وَرِيَاءٌ، وَسُمْعَةٌ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (فَتُكْرَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَاءِ يُرَاءِ اللَّهُ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى قَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقٍ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَيْمُونَةَ «أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَوْ أَعْطَيْتِهَا لِأَخْوَالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» .
(قَالَ الشَّيْخُ: وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْهِبَةِ) لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِمَّا لَا يُحْصَرُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْهِبَةِ مَعْنًى تَكُونُ) الْهِبَةُ (بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ مِثْلُ الْإِهْدَاءِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحَبَّةً لَهُ، وَمَثَلُ هَذَا الْإِهْدَاءُ لِقَرِيبٍ يَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ أَوْ) الْإِهْدَاءُ ل (أَخٍ لَهُ فِي اللَّهِ فَهَذَا قَدْ يَكُونُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ) أَيْ: عَلَى غَيْرِهِ (انْتَهَى، وَوِعَاءُ هَدِيَّةٍ كَهِيَ) فِي أَنَّهَا لَا تُرَدُّ (مَعَ عُرْفٍ كَقَوْصَرَةِ التَّمْرِ فَتَتْبَعُهُ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ.
(وَمَنْ أَهْدَى) شَيْئًا (لِيُهْدَى لَهُ أَكْثَرُ) مِنْهُ (فَلَا بَأْسَ) بِهِ لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] أَيْ: لَا تُعْطِ شَيْئًا لِتَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ: هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَشْرَفِ الْأَخْلَاقِ، وَأَجَلِّهَا.
(وَيُعْتَبَرُ) فِي الْهِبَةِ (أَنْ تَكُونَ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَغِيرٍ، وَلَا سَفِيهٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَنَحْوِهِمْ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ.
(وَهِيَ كَبَيْعٍ فِي تَرَاخِي
قَبُولٍ عَنْ إيجَابٍ فَتَصِحُّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهَا، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبُولِ أَوْ تَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهَا بَطَلَ.
(وَ) هِيَ كَبَيْعٍ أَيْضًا فِي (تَقَدُّمِهِ) أَيْ: تَقَدُّم الْقَبُولِ عَلَى الْإِيجَابِ فَتَصِحُّ فِي الْحَالِ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا الْبَيْعُ، وَتَبْطُلُ فِيمَا يَبْطُلُ فِيهِ (أَوْ) هِيَ كَبَيْعٍ أَيْضًا فِي غَيْرِهِمَا) كَانْعِقَادِهَا بِكُلِّ لَفْظٍ أَدَّى مَعْنَاهَا، وَبِالْمُعَاطَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا تَقْتَضِي) الْهِبَةُ (عِوَضًا وَلَوْ مَعَ عُرْفٍ كَأَنْ يُعْطِيَهُ) أَيْ: يُعْطِي الْأَدْنَى أَعْلَى مِنْهُ (لِيُعَاوِضَهُ أَوْ يَقْضِيَ لَهُ حَاجَةً) وَلَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ انْتِفَاءُ الْعِوَضِ وَالْقَرِينَةُ لَا تَسَاوِيهِ فَلَا يَصِحُّ إعْمَالُهَا وَلِهَذَا لَمْ نُلْحِقْهُ بِالشَّرْطِ.
(وَإِنْ شَرَطَ) الْوَاهِبُ (فِيهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (عِوَضًا مَعْلُومًا صَارَتْ) الْهِبَةُ (بَيْعًا فَيَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ مَجْلِسٍ، وَنَحْوِهِ.
(وَ) يَثْبُتُ فِيهَا شُفْعَةٌ) إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ شِقْصًا مَشْفُوعًا (، وَنَحْوَهُمَا) كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَاللُّزُومِ قَبْلَ التَّقَابُضِ وَضَمَانُ الدَّرَكِ، وَوُجُوبُ التَّسَاوِي مَعَ التَّقَابُضِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فِي الرِّبَوِيِّ الْمُتَّحِدِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَ أَوْ مَلَّكْتُكَ هَذَا بِهَذَا.
(وَإِنْ شَرَطَ) فِي الْهِبَةِ (ثَوَابًا مَجْهُولًا لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ) ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَجْهُولٌ فِي مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ تَصِحَّ كَالْبَيْعِ (وَحُكْمُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ بِثَوَابٍ مَجْهُولٍ (حُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ) فَيَضْمَنُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ إنْ قَبَضَهَا، وَتَلِفَتْ بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَقِيمَتُهَا إنْ كَانَتْ مُتَقَوَّمَةً (، وَيَرُدُّهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ) إنْ بَقِيَتْ (بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ) ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِ الْوَاهِبِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطِ عِوَضٍ) بِأَنْ قَالَ الْوَاهِبُ: شَرَطْنَا الْعِوَضَ، وَأَنْكَرَهُ مَوْهُوبٌ لَهُ (فَقَوْلُ مُنْكِرٍ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ (وَإِنْ قَالَ) قَابِضٌ (وَهَبْتَنِي مَا بِيَدَيَّ) وَ.
(قَالَ) مُقْبِضٌ بَلْ (بِعْتُكَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ (مِنْهُمَا عَلَى مَا أَنْكَرَ وَلَا يَصِحُّ) أَيْ: لَا يَثْبُتُ (الْبَيْعُ وَلَا الْهِبَةُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا.
" تَتِمَّةٌ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَتَصِحُّ، وَتُمْلَكُ بِعَقْدٍ فَيَصِحُّ تَصَرُّفٌ قَبْلَ قَبْضٍ انْتَهَى وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: إنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْهُوبِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْقَبْضِ وَكَذَا صَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ كَالْإِيجَابِ فِي غَيْرِهَا وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَعَنْ ابْنِ حَامِدٍ وَجْهُ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْهِبَةِ يَقَعُ مُرَاعًى فَإِنْ وُجِدَ الْقَبْضُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ بِقَوْلِهِ: وَإِلَّا فَهُوَ لِلْوَاهِبِ قُلْت: وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ.
(حَسَنٌ وَيَصِحُّ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا) مِنْ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ عَبْدٍ وَنَحْوِهِمَا (وَيَسْتَثْنِيَ نَفْعَهُ مُدَّةً
مَعْلُومَةً) كَالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ (وَ) يَصِحُّ (أَنْ يَهَبَ أَمَةً وَيَسْتَثْنِي مَا فِي بَطْنِهَا) كَالْعِتْقِ.
(وَتَلْزَمُ) الْهِبَةُ (بِقَبْضِهَا بِإِذْنِ وَاهِبٍ) ، وَ (لَا) تَلْزَمُ (قَبْلَهُمَا) أَيْ: قَبْلَ الْقَبْضِ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْهِبَةُ (فِي غَيْرِ مَكِيلٍ وَنَحْوِهِ) لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَحَلَهَا جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْعَالِيَةِ فَلَمَّا مَرِضَ قَالَ: يَا بُنَيَّةُ كُنْتُ نَحَلْتُكِ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا وَلَوْ كُنْتِ جَذَذْتِيهِ أَوْ قَبَضْتِيهِ كَانَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى " وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وَرُوِيَ أَيْضًا نَحْوُهُ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ تَلْزَمُ فِي الْمُتَمَيِّزِ غَيْرِ الْمَكِيلِ وَنَحْوِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ (إلَّا مَا كَانَ فِي يَدِ مُتَّهَبٍ كَوَدِيعَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَغَصْبٍ وَنَحْوِهِ) كَشَرِكَةٍ (فَيَلْزَمُ) عَقْدُ الْهِبَةِ فِيهِ (بِ) بِمُجَرَّدِ (عَقْدٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى) مُضِيِّ (مُدَّةٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهَا وَلَا إلَى إذْنِ) وَاهِبٍ (فِي الْقَبْضِ) لِأَنَّ قَبْضَهُ مُسْتَدَامٌ، فَأَغْنَى عَنْ الِابْتِدَاءِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِيَدِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ قَبْضُ) الْهِبَةِ (إلَّا بِإِذْنِ وَاهِبٍ) لِأَنَّهُ قَبْضٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ إلَّا بِإِذْنِهِ، كَأَصْلِ الْعَقْدِ وَكَالرَّهْنِ.
(وَالْإِذْنُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اللَّفْظِ بَلْ الْمُنَاوَلَةُ) إذْنٌ (وَالتَّخْلِيَةُ إذْنٌ) لِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَكَذَا الْأَمْرُ بِأَكْلِ الطَّعَامِ الْمَوْهُوبِ (وَلِوَاهِبٍ) أَذِنَ لِمُتَّهَبٍ فِي قَبْضِ هِبَةٍ (الرُّجُوعُ فِي إذْنٍ) قَبْلَ الْقَبْضِ لِبَقَاءِ الْمُلْكِ، وَلَيْسَ الرُّجُوعُ عَنْهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ لِأَنَّ إبْطَالَ الْإِذْنِ إعْدَامٌ لَهُ وَعَدَمُهُ لَا يُوجِبُ رُجُوعًا قَالَهُ الْحَارِثِيُّ (وَ) لِوَاهِبٍ أَيْضًا الرُّجُوعُ فِي (هِبَةٍ قَبْلَ قَبْضٍ) لِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لَمْ يَتِمَّ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمَنْعِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَعِتْقُ الْمَوْهُوبِ وَبَيْعُهُ وَهِبَتُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ رُجُوعٌ لِحُصُولِ الْمُنَافَاةِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ.
(وَيَبْطُلُ إذْنُ الْوَاهِبِ) فِي الْقَبْضِ (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْوَاهِبِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِأَنَّ إذْنَهُ فِيهِ وَكَالَةٌ وَهِيَ تَبْطُلُ بِذَلِكَ.
(وَيَقْبِضُ لِطِفْلٍ) وَهَبَهُ وَلِيُّهُ هِبَةً (أَبُوهُ فَقَطْ مِنْ نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: وَهَبْتُ وَلَدِي كَذَا وَقَبَضْتُهُ لَهُ) فَإِنْ لَمْ يُقَلْ: وَقَبَضْتُهُ لَهُ لَمْ يَكْفِ عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ حَرْبٍ، لِتَغَايُرِ الْقَبْضَيْنِ، فَلَا بُدُّ مِنْ تَمْيِيزٍ لِأَنَّ الْيَدَ الَّتِي لِجِهَةِ الْمُتَّهَبِ هُنَا هِيَ نَفْسُ يَدُ الْوَاهِبِ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدَّعِيهِ فِي ثَانِي الْحَالِ أَوْ يَدَّعِيهِ الْوَرَثَةُ تَرِكَةً فَيَذْهَبُ عَلَى الطِّفْلِ (وَلَا يَحْتَاجُ) أَبٌ وَهَبَ طِفْلَهُ (إلَى قَبُولٍ) لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ (وَلَا يَصِحُّ قَبْضُ الطِّفْلِ) أَيْ: غَيْرِ بَالِغٍ.
(وَلَوْ) كَانَ غَيْرُ الْبَالِغِ (مُمَيِّزًا وَلَا قَبْضُ
مَجْنُونٍ لِأَنْفُسِهِمَا وَلَا قَبُولُهُمَا) الْهِبَةَ لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ (بَلْ) يَقْبَلُ وَيَقْبِضُ لَهُمَا (وَلِيُّهُمَا) لِأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ عَلَيْهِمَا فَالْأَبُ (الْأَمِينُ) أَيْ: الْعَدْلُ وَلَوْ ظَاهِرًا (يَقُومُ مَقَامَهُمَا) فِي ذَلِكَ (ثُمَّ) عِنْدَ عَدَمِهِ (وَصِيٌّ ثُمَّ حَاكِمٌ أَمِينٌ كَذَلِكَ أَوْ مَنْ يُقِيمُونَهُ مَقَامَهُمْ وَعِنْدَ عَدَمِهِمْ) أَيْ: الْأَوْلِيَاءِ (يَقْبِضُ لَهُ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أُمٍّ وَقَرِيبٍ وَغَيْرِهِمَا نَصًّا) قَالَ ابْنُ الْحَكَمِ: سُئِلَ أَحْمَدُ يُعْطِي مِنْ الزَّكَاةِ الصَّبِيُّ؟ قَالَ نَعَمْ يُعْطِي أَبَاهُ أَوْ مَنْ يَقُومُ بِشَأْنِهِ وَرَوَى الْمَرْوَزِيُّ أَيْضًا نَحْوَهُ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ جَلْبُ مَنْفَعَةٍ وَمَحَلُّ حَاجَةٍ (وَتَقَدَّمَ آخَرَ بَابِ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ لَكِنْ يَصِحُّ مِنْهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (قَبْضُ الْمَأْكُولِ الَّذِي يُدْفَعُ مِثْلُهُ لِلصَّغِيرِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ النَّاسُ إذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثِّمَارِ جَاءُوا بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا أَخَذَهُ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْ الْوِلْدَانِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ لَهُمَا) أَيْ: لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (أَحَدُ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ الْأَبِ) بِأَنْ كَانَ الْوَاهِبُ الْوَصِيَّ أَوْ الْحَاكِمَ (لَمْ يَتَوَلَّ طَرَفَيْ الْعَقْدِ) كَالْبَيْعِ (وَوَكَّلَ مَنْ يُقْبَلُ) بِخِلَافِ الْأَبِ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْبَيْعِ (وَيَقْبِضُ هُوَ) أَيْ: الْوَلِيُّ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْأَبَ وَغَيْرَهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ لِأَنَّهُ عَقْدُ جَارٍ صُدُورُهُ مِنْهُ وَمِنْ وَكِيلِهِ فَجَازَ لَهُ تَوَلِّي طَرَفَيْهِ كَالْأَبِ، وَفَارَقَ الْبَيْعُ فِي أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَمُرَابَحَةٍ فَتَحْصُلُ التُّهْمَةُ فِي الْعَقْدِ لِنَفْسِهِ وَالْهِبَةُ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ لَا تُهْمَةَ فِيهَا، فَجَازَ لَهُ تَوَلِّي طَرَفَيْهَا كَالْأَبِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَبِهِ أَقُولُ انْتَهَى وَالسَّفِيهُ فِيمَا تَقَدَّمَ كَالصَّغِيرِ.
(وَإِنْ كَانَ الْأَبُ غَيْرَ مَأْمُونٍ) ، قَبِلَ الْحَاكِمُ الْهِبَةَ لِلصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ (أَوْ) كَانَ الْأَبُ (مَجْنُونًا) قَبِلَ الْحَاكِمُ الْهِبَةَ لِوَلَدِهِ (أَوْ) كَانَ الْأَبُ قَدْ مَاتَ، وَ (لَا وَصِيَّ لَهُ قَبِلَ لَهُ الْحَاكِمُ) لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ إذَنْ.
(وَلَوْ اتَّخَذَ الْأَبُ دَعْوَةَ خِتَانٍ وَحُمِلَتْ هَدَايَا إلَى دَارِهِ فَهِيَ لَهُ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (إلَّا أَنْ يُوجَدَ مَا يَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ بِالْمَخْتُونِ فَيَكُونُ لَهُ، وَهَذَا كَثِيَابِ الصِّبْيَانِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِمْ وَكَذَا لَوْ وُجِدَ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْأُمِّ) بِشَيْءٍ (فَيَكُونُ لَهَا مِثْلُ كَوْنِ الْمُهْدِي مِنْ أَقَارِبِهَا أَوْ مَعَارِفِهَا) حُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ (وَخَادِمُ الْفُقَرَاءِ الَّذِي يَطُوفُ لَهُمْ فِي الْأَسْوَاقِ مَا حَصَلَ لَهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ) لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ إنَّمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ لِلشَّرِكَةِ فِيهِ، وَهُوَ إمَّا كَوَكِيلِهِمْ أَوْ وَكِيلِ الدَّافِعِينَ فَيَنْتَفِي الِاخْتِصَاصُ.
(وَمَا يُدْفَعُ مِنْ صَدَقَةٍ إلَى شَيْخِ زَاوِيَةٍ أَوْ) شَيْخِ (رِبَاطٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ) .
لِأَنَّهُ فِي الْعَادَةِ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ اخْتِصَاصًا بِهِ، فَهُوَ كَوَكِيلِ الْفُقَرَاءِ أَوْ الدَّافِعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ التَّفْضِيلُ فِي الْقَسْمِ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ) لِأَنَّ الصَّدَقَةَ يُرَادُ بِهَا سَدُّ الْخَلَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ
يَصْدُرْ إلَيْهِ مَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَالظَّاهِرُ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ يَسِيرًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِتَفْرِيقِهِ اخْتَصَّ هُوَ بِهِ) لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ صَدَرَ إلَيْهِ وَلَا قَرِينَةَ تُصْرَفُ عَنْهُ (ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ) .
(وَالْهِبَةُ مِنْ الصَّبِيِّ لِغَيْرِهِ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ أَذِنَ فِيهَا الْوَلِيُّ) لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ (وَكَذَا السَّفِيهُ) لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ وَلَوْ أَذِنَ فِيهَا وَلِيُّهُ.
(وَتَجُوزُ) الْهِبَةُ (مِنْ الْعَبْدِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَإِذَا إذْنُهُ انْفَكَّ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (أَنْ يَقْبَلَ الْهِبَةَ وَالْهَدِيَّةَ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ مَنْفَعَةٍ كَالِاحْتِشَاشِ وَالِاصْطِيَادِ وَتَكُونُ لِسَيِّدِهِ إلَّا الْمُكَاتَبُ.
(وَإِنْ مَاتَ وَاهِبٌ قَبْلَ إقْبَاضٍ وَرُجُوعٍ) لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالْمَوْتِ كَالْبَيْعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَ (قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي إذْنٍ) فِي قَبْضٍ (وَ) فِي (رُجُوعٍ) فِي الْهِبَةِ.
(وَتَبْطُلُ) الْهِبَةُ (بِمَوْتِ مُتَّهَبٍ قَبْلَ الْقَبْضِ) لِقِيَامِ قَبْضِهِ مَقَامَ الْقَبُولِ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ مَنْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ قَالَ الْحَارِثِيُّ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَقَدَّمَ أَنَّهُ كَمَوْتِ الْوَاهِبِ.
(وَلَوْ وَهَبَ) إنْسَانٌ (لِغَائِبٍ هِبَةً وَأَنْفَذَهَا) الْوَاهِبُ (مَعَ رَسُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ) مَعَ (وَكِيلِهِ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوْ) مَاتَ (الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ وُصُولِهَا) إلَيْهِ (لَزِمَ حُكْمُهَا وَكَانَتْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِأَنَّ قَبْضَهُمَا) أَيْ: قَبْضَ رَسُولِهِ وَوَكِيلِهِ (كَقَبْضِهِ) فَيَكُونُ الْمَوْتُ بَعْدَ لُزُومِهَا بِالْقَبْضِ فَلَا يُؤَثِّرُ.
(وَإِنْ أَنْفَذَهَا الْوَاهِبُ مَعَ رَسُولِهِ نَفْسِهِ ثُمَّ مَاتَ) الْوَاهِبُ (قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَطَلَتْ) الْهِبَةُ.
(وَكَانَتْ لِلْوَاهِبِ أَوْ وَرَثَتِهِ لِعَدَمِ الْقَبْضِ) لِحَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: «لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ: لَهَا إنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَ مِسْكٍ، وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إلَّا قَدْ مَاتَ، وَلَا أَرَى هَدِيَّتِي إلَّا مَرْدُودَةً عَلَيَّ فَإِنْ رُدَّتْ فَهُوَ لَكَ قَالَتْ فَكَانَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُدَّتْ عَلَيْهِ هَدِيَّتُهُ فَأَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أُوقِيَّةً مِنْ مِسْكٍ، وَأَعْطَى أُمَّ سَلَمَةَ بَقِيَّةَ الْمِسْكِ وَالْحُلَّةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَبُطْلَانُ الْهِبَةِ إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ بَعْدَ بَعْثِ رَسُولِهِ بِالْهَدِيَّةِ لِعَدَمِ الْقَبُولِ كَمَا يَأْتِي بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ (وَلَيْسَ لِلرَّسُولِ حَمْلُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (بَعْدَ مَوْتِ الْوَاهِبِ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ) لَهُ (الْوَارِثُ) لِأَنَّ الْحَقَّ صَارَ إلَيْهِ.
(وَكَذَا حُكْمُ هَدِيَّةٍ) وَصَدَقَةٍ لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنْ الْهِبَةِ (وَإِنْ مَاتَ الْمُتَّهَبُ أَوْ الْوَاهِبُ قَبْلَ الْقَبُولِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ بَطَلَ الْعَقْدُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ، وَكَذَا لَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي فِي النِّكَاحِ.
تَتِمَّةٌ " إذَا تَفَاسَخَا عَقْدَ الْهِبَةِ صَحَّ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَتَكُونُ الْعَيْنُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُتَّهَبِ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ.
[فَصْلٌ أَبْرَأَ غَرِيمٌ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ]
(فَصْلٌ وَإِنْ أَبْرَأَ غَرِيمٌ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ صَحَّ أَوْ تَصَدَّقَ) بِهِ عَلَيْهِ صَحَّ (أَوْ وَهَبَهُ لَهُ) صَحَّ (أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ) صَحَّ (أَوْ أَسْقَطَهُ عَنْهُ) صَحَّ (أَوْ تَرَكَهُ لَهُ) صَحَّ (أَوْ مَلَّكَهُ لَهُ) صَحَّ (أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ) صَحَّ (أَوْ عَفَا عَنْهُ صَحَّ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ) وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْطَيْتُكَهُ وَنَحْوَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ إبْرَاءً وَإِسْقَاطًا وَلَفْظُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَطِيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى مَعْنَى الْإِبْرَاءِ لِأَنَّهُ لَا عَيْنَ مَوْجُودَةٌ يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ هِبَةً حَقِيقِيَّةً لَمْ يَصِحَّ لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ وَانْتِفَاءِ شَرْطِ الْهِبَةِ وَمِنْ هُنَا امْتَنَعَ هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ إجْزَاؤُهُ عَنْ الزَّكَاةِ لِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ انْتَهَى وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ بِالْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ.
(وَلَوْ كَانَ) الدَّيْنُ (الْمُبْرَأُ مِنْهُ مَجْهُولًا لَهُمَا) أَيْ: لِرَبِّ الدَّيْنِ وَالْمَدِينِ (أَوْ) كَانَ مَجْهُولًا (لِأَحَدِهِمَا وَسَوَاءٌ جَهِلَا قَدْرَهُ أَوْ) جَهِلَا (وَصْفَهُ أَوْ) جَهِلَا (هُمَا) أَيْ: الْقَدْرَ وَالْوَصْفَ، وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الْمَجْهُولِ (وَلَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ) لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ فَيَنْفُذُ مَعَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ.
(أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ وَلَوْ (لَمْ يَقْبَلْهُ الْمَدِينُ) لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولٍ كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ (أَوْ رَدَّهُ) أَيْ: يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ وَلَوْ رَدَّهُ الْمَدِينُ لِأَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ بِالرَّدِّ لَلَزِمَ وُجُوبُ الِاسْتِيفَاءِ أَوْ إبْقَاءُ الْحَقِّ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ (أَوْ كَانَ) الْإِبْرَاءُ (قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ) لِأَنَّ تَأْجِيلَهُ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ فِي الذِّمَّةِ.
(وَإِنْ أَبْرَأَهُ وَنَحْوَهُ) بِأَنْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ تَرَكَهُ لَهُ (وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ) كَقَوْلِهِ أَبْرَأْتُكَ مِنْ مِائَةٍ يَعْتَقِدُ عَدَمَهَا (ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ) كَانَ لَهُ (عَلَيْهِ) صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ لِمُصَادِفَتِهَا الْحَقَّ (كَمَا تَصِحُّ) الْبَرَاءَةُ (مِنْ الْمَعْلُومِ) وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَ مِنْ دَيْنِ أَبِيهِ مَعَ ظَنِّ أَنَّهُ حَيٌّ فَبَانَ مَيِّتًا، كَبَيْعِ مَالِ مُوَرِّثِهِ الْمَيِّتِ مَعَ ظَنِّ الْحَيَاةِ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (عُمُومُهُ) أَيْ: عُمُومُ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ (فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ آخِرَ الْقَذْفِ، لَكِنْ لَوْ جَهِلَهُ رَبُّهُ)
أَيْ: الدَّيْنَ.
(وَعَلِمَهُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَكَتَمَهُ) الْمَدِينُ عَنْ رَبِّ الدَّيْنِ (خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ) أَيْ: رَبَّ الدَّيْنِ (لَوْ عَلِمَهُ) أَيْ: الدَّيْنَ (لَمْ يُبْرِئْهُ) أَيْ: رَبُّ الدَّيْنِ مِنْهُ (لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ) لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا لِلْمُبْرِئِ وَقَدْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَإِنْ أَبْرَأهُ) أَيْ: أَبْرَأَ رَبُّ الدَّيْنِ مَدِينًا (مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ صَحَّ) الْإِبْرَاءُ (فِيهِ) أَيْ: الْأَلْفِ.
(وَفِيمَا دُونَهُ) أَيْ: دُونَ الْأَلْفِ.
(وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ وُجُوبِهِ) لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا طَلَاقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا عِتْقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ» وَالْإِبْرَاءُ فِي مَعْنَاهُمَا.
(وَمِنْ صُوَرِ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ) لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ دَيْنَانِ، وَ (أَبْرَأَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا) لَا بِعَيْنِهِ (أَوْ) كَانَ لَهُ دَيْنَانِ عَلَى شَخْصَيْنِ، وَ (أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا) لَا بِعَيْنِهِ (وَيُؤْخَذُ) أَيْ: يُرْجَعُ إلَى الْمُبْرِئِ (بِالْبَيَانِ) قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَالْحَارِثِيُّ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ (وَ) الْمَذْهَبُ (لَا يَصِحُّ) الْإِبْرَاءِ (مَعَ إبْهَامِ الْمَحَلِّ، كَأَبْرَأْتُ أَحَدَ غَرِيمَيَّ) أَوْ مِنْ أَحَدِ دَيْنَيَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ، أَوْ ضَمِنْتُ لَكَ أَحَدَ الدَّيْنَيْنِ.
(وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ مُعَيَّنٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا (وَتَقَدَّمَ آخِرَ السَّلَمِ) .
(وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ مِنْ شَرِيكِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ مَنْقُولًا كَانَ) كَجُزْءٍ مِنْ نَحْوِ فَرَسٍ (أَوْ غَيْرِهِ) كَجُزْءٍ مِنْ عَقَارٍ (يَنْقَسِمُ) كَالثَّوْبِ (أَوْ لَا) كَالْعَبْدِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمَّا جَاءُوا يَطْلُبُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا غَنِمَ مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ» . (وَإِنْ وَهَبَ) أَرْضًا (أَوْ تَصَدَّقَ) بِأَرْضٍ (أَوْ وَقَفَ) أَرْضًا (أَوْ وَصَّى بِأَرْضٍ) يَعْنِي بِجُزْءٍ مِنْهَا (أَوْ بَاعَهَا احْتَاجَ أَنْ يَحُدَّهَا مَالِكُهَا) بِأَنْ يَقُولَ كَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا سَهْمًا لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة صَالِحٍ: وَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ بَيْتٌ مُشَاعٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ فَتَصَدَّقَ أَحَدُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ بِحِصَّتِهِ مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ إذَا كَانَ سَهْمٌ مِنْ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا فَهُوَ جَائِزٌ فَإِنْ قَالَ ثُلُثُهَا أَوْ نَحْوُهُ صَحَّ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَسُئِلَ عَمَّنْ يَهَبُ لِرَجُلٍ رُبُعَ دَارِهِ قَالَ: هُوَ جَائِزٌ وَأَيْضًا قِيلَ لَهُ: وَهَبْتُ مِنْكَ نَصِيبِي مِنْ الدَّارِ قَالَ إنْ كَانَ يَعْلَمُ كَمْ نَصِيبَهُ فَهُوَ جَائِزٌ.
(وَيُعْتَبَرُ لِقَبْضِهِ) أَيْ: الْمُشَاعِ إنْ كَانَ مَنْقُولًا (إذْنُ الشَّرِيكِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ إلَّا بِقَبْضِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِجَوَازِ الْقَبْضِ لَا لِلُزُومِ الْهِبَةِ فَتَلْزَمُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ شَرِيكُهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (وَتَقَدَّمَ آخِرَ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ) مُفَصَّلًا.
(وَيَكُونُ نِصْفُهُ) أَيْ: الْقَابِضِ (مَقْبُوضًا تَمَلُّكًا وَنِصْفُ الشَّرِيكِ) مَقْبُوضًا (أَمَانَةً) هَذَا إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ فِي نِصْفِهِ وَلَوْ عَبَّرَ بِنَصِيبِهِ لَكَانَ أَوْضَحَ فَإِنْ أَبَى
الشَّرِيكُ أَنْ يُسَلِّمَ نَصِيبَهُ قِيلَ لِلْمُتَّهَبِ: وَكِّلْ الشَّرِيكَ فِي قَبْضِهِ لَكَ وَنَقْلِهِ فَإِنْ أَبَى نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا فَيَنْقُلُهُ فَيَحْصُلُ الْقَبْضُ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ أَذِنَ) شَرِيكُهُ (لَهُ فِي التَّصَرُّفِ) أَيْ: الِانْتِفَاعِ (مَجَّانًا فَكَعَارِيَّةٍ) فِي ضَمَانِهِ إذَا تَلِفَ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ (وَإِنْ كَانَ) أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ (بِأُجْرَةٍ فَ) إنَّ شِقْصَهُ يَكُونُ فِي يَدِ الْقَابِضِ أَمَانَةً (كَمَأْجُورٍ) فَلَا ضَمَانَ فِيهِ إنْ تَلِفَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ وَلَوْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً كَأَنْ اسْتَعْمَلَهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مَثَلًا بِقَصْدِ الْمُعَاوَضَةِ لِأَنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ كَصَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَصَرَّفَ) الشَّرِيكُ (بِلَا إذْنِ) شَرِيكِهِ (وَالْإِجَارَةُ) فَكَغَاصِبٍ (أَوْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ فَكَغَاصِبٍ) لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَةٌ.
(وَتَصِحُّ هِبَةُ مُصْحَفٍ) وَإِنْ قِيلَ بِمَنْعِ بَيْعِهِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
(وَ) هِبَةُ (كُلِّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فَقَطْ) لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ فَصَحَّتْ فِيمَا صَحَّ فِيهِ الْبَيْعُ وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَاخْتَارَ جَمْعٌ وَكَلْبٌ) أَيْ: تَصِحُّ هِبَتُهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي (وَنَجَاسَةٌ مُبَاحٌ نَفْعُهُمَا) أَيْ: الْكَلْبِ وَالنَّجَاسَةِ جَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ وَالشَّارِحُ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ بِهِ قَالَ فِي الْقَاعِدَة السَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَاضِي وَصَاحِبِ الْمُغْنِي خِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ نَقْلَ الْيَدِ فِي هَذِهِ الْأَعْيَانِ جَائِزٌ كَالْوَصِيَّةِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
(وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ مَجْهُولٍ لَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ كَالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ) لِلْجَهَالَةِ وَتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ (وَمَتَى أَذِنَ) رَبُّ شَاةٍ (لَهُ) أَيْ: لِإِنْسَانٍ (فِي جَزِّ الصُّوفِ وَحَلْبِ الشَّاةِ كَانَ إبَاحَةً) لِصُوفِهَا وَلَبَنِهَا لَا هِبَةً.
(وَإِنْ وَهَبَ دُهْنَ سِمْسِمِهِ) وَهُوَ الشَّيْرَجَ قَبْلَ عَصْرِهِ (أَوْ زَيْتَ زَيْتُونِهِ أَوْ جِفْتِهِ قَبْلَ عَصْرِهِمَا) أَيْ: الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ (لَمْ يَصِحَّ) كَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَأَوْلَى لِكُلْفَةِ الِاعْتِصَارِ وَلَوْ قَالَ خُذْ مِنْ هَذَا الْكِيسِ مَا شِئْتَ كَانَ لَهُ أَخْذُ مَا بِهِ جَمِيعًا.
(وَلَوْ قَالَ خُذْ مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ مَا شِئْتَ لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَهَا كُلَّهَا) إذْ الْكِيسُ ظَرْفٌ فَإِذَا أَخَذَ الظَّرْفَ حَسُنَ أَنْ يُقَالَ أَخَذَ مِنْ الْكِيسِ مَا فِيهِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ كُلِّهَا قَالَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ فِي النَّوَادِرِ (وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَعْدُومِ كَاَلَّذِي تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ) لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يُقْبَلُ الْعَقْدُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ عِلْمُ الْمَجْهُولِ) كَزَيْتٍ اخْتَلَطَ بِزَيْتٍ أَوْ شَيْرَجٍ (صَحَّتْ هِبَةٌ كَصُلْحٍ) عَنْهُ لِلْحَاجَةِ.
(وَلَا) تَصِحُّ (هِبَةُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) كَآبِقٍ، وَشَارِدٍ، وَطَيْرٍ فِي الْهَوَاءِ، وَسَمَكٍ بِمَاءٍ، وَمَرْهُونٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَأَهَّلُ لِلْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ مِنْ مَاهِيَّةِ الْعَقْدِ فَلَا يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ وَالْمَرْهُونُ
يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُهُ شَرْعًا.
(وَ) لَا يَصِحُّ (تَعْلِيقُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ) كَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ فَقَدْ وَهَبْتُكَ كَذَا قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمِّ سَلَمَةَ فِي الْحُلَّةِ الْمُهْدَاةِ إلَى النَّجَاشِيِّ: «إنْ رَجَعَتْ إلَيْنَا فَهِيَ لَكِ» قَالَ الْمُوَفَّقُ عَلَى مَعْنَى الْعِدَةِ وَخَرَجَ بِالْمُسْتَقْبَلِ الْمَاضِي وَالْحَالِ فَلَا يَمْنَعُ التَّعْلِيقُ عَلَيْهِ الصِّحَّةَ كَأَنْ كَانَتْ مِلْكِي وَنَحْوَهُ فَقَدْ وَهَبْتُكَهَا فَتَصِحُّ (غَيْرِ الْمَوْتِ) فَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعَطِيَّةِ بِهِ وَتَكُونُ وَصِيَّةً، وَكَالْهِبَةِ الْإِبْرَاءُ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ غَيْرِ الْمَوْتِ (نَحْوِ إنْ مِتَّ بِفَتْحِ التَّاءِ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ) فَلَا يَبْرَأُ (فَإِنْ ضَمَّ التَّاءَ صَحَّ) الْإِبْرَاءُ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ.
(وَكَانَ) الْإِبْرَاءُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (وَصِيَّةً) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْوَصِيَّةِ.
(وَلَا) يَصِحُّ أَيْضًا (شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (نَحْوَ) اشْتِرَاطِ الْوَاهِبِ عَلَى الْمُتَّهَبِ (أَنْ لَا يَبِيعَهَا) أَيْ: الْعَيْنَ الْمَوْهُوبَةَ (وَلَا يَهَبَهَا) وَأَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهَا (أَوْ) وَهَبَهُ عَيْنًا، وَ (يَشْرِطُ أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يَهَبَهَا) فَلَا يَصِحُّ الشَّرْطُ إذْ مُقْتَضَى الْمِلْكِ التَّصَرُّفُ الْمُطْلَقُ فَالْحَجْرُ فِيهِ مُنَافٍ لِمُقْتَضَاهُ وَقَوْلُهُ (أَوْ) يَهَبُهُ شَيْئًا بِشَرْطِ (أَنْ يَهَبَ فُلَانًا شَيْئًا) تَبِعَ فِيهِ الْمُبْدِعَ وَغَيْرَهُ قُلْتُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ بُطْلَانُ الْهِبَةِ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَتَصِحُّ هِيَ) أَيْ: الْهِبَةُ الْمَشْرُوطُ فِيهَا مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَوْقِيتُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ هَذَا سَنَةً) أَوْ شَهْرًا فَلَا تَصِحُّ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ عَيْنٍ فَلَا تُوَقَّتَ كَالْبَيْعِ (إلَّا الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى) فَيَصِحَّانِ.
(وَهُمَا نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ يَفْتَقِرَانِ إلَى مَا تَفْتَقِرُ إلَيْهِ سَائِرُ الْهِبَاتِ) مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ وَيَصِحُّ تَوْقِيتُهَا سُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَقْيِيدِهَا بِالْعُمُرِ وَسُمِّيَتْ رُقْبَى لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ: أَعَمَرْتُهُ وَعَمَّرْتُهُ مُشَدَّدًا إذَا جَعَلْتُ لَهُ الدَّارَ مُدَّةَ عُمُرِهِ أَوْ عُمُرِكَ (كَقَوْلِهِ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ) أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ (الْفَرَسَ أَوْ) أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ (الْجَارِيَةَ أَوْ أَرْقَبْتُكَهَا) قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ:
أَرْقَبْتُكَ أَعْطَيْتُكَ وَهِيَ هِبَةٌ تَرْجِعُ إلَى الْمُرْقِبِ إنْ مَاتَ الْمَرْقَبُ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ (أَوْ جَعَلْتُهَا) أَيْ: الدَّارَ أَوْ الْفَرَسَ أَوْ الْجَارِيَةَ (لَكَ عُمُرَكَ أَوْ) جَعَلْتُهَا لَكَ (عُمُرِي أَوْ) جَعَلْتُهَا لَكَ (رُقْبَى أَوْ) جَعَلْتُهَا لَكَ (مَا بَقِيتُ أَوْ أَعْطَيْتُكَهَا عُمُرَكَ وَيَقْبَلُهَا) الْمَوْهُوبُ لَهُ (فَتَصِحُّ) الْهِبَةُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَهِيَ أَمْثِلَةُ الْعُمْرَى (وَتَكُونُ) الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ (لِلْمُعْمَرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ) وَلِلْمُرْقَبِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ (إنْ كَانُوا) كَتَصْرِيحِهِ بِأَنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ: الْمَوْهُوبِ لَهُ.
(وَرَثَةٌ فَلِبَيْتِ الْمَالِ) كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُتَخَلِّفَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ جَابِرٍ «قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» ) وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَعَقِبِهِ» إنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ بِنُفُوذِهَا بِدَلِيلِ السِّيَاقِ وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَةُ النَّهْيِ لَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِيهَا عَلَى فَاعِلِهَا وَمَا كَانَ كَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْهُ لَا يَقْتَضِي فَسَادًا كَالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ.
(وَإِنْ أَضَافَهَا) أَيْ: الْهِبَةَ (إلَى عُمُرِ غَيْرِهِ) بِأَنْ قَالَ وَهَبْتُكَ الدَّارَ وَنَحْوَهَا عُمُرَ زَيْدٍ (لَمْ تَصِحَّ) الْهِبَةُ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ وَلَيْسَتْ مِنْ الْعُمْرَى وَلَا الرُّقْبَى.
(وَنَصُّهُ لَا يَطَأُ) الْمَوْهُوبَ لَهُ (الْجَارِيَةَ الْمُعْمَرَةَ) نَقَلَ يَعْقُوبُ وَابْنُ هَانِئٍ مَنْ يَعْمُرُ الْجَارِيَةَ أَنْ يَطَأَ قَالَ لَا أَرَاهُ (وَحَمَلَ) الْقَاضِي النَّصَّ الْمَذْكُورَ (عَلَى الْوَرَعِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْعُمْرَى وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ فَلَمْ يَرَ الْإِمَامُ لَهُ وَطْأَهَا لَهَذَا وَبَعَّدَ ابْنُ رَجَبٍ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ثُمَّ قَالَ وَالصَّوَابُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ بِالْعُمْرَى، قَاصِرٌ وَلِهَذَا نَقُولُ عَلَى رِوَايَةٍ إذَا شَرَطَ عَوْدَهَا إلَيْهِ بَعْدَهُ صَحَّ فَيَكُونُ تَمْلِيكًا مُؤَقَّتًا.
(وَإِنْ شَرَطَ) وَاهِبٌ (رُجُوعَهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (بِلَفْظِ الْأَقَارِبِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى الْمُعْمِرِ بِكَسْرِ الْمِيمِ) أَيْ: الْوَاهِبِ (عِنْدَ مَوْتِهِ) أَيْ: الْمَوْهُوبِ لَهُ (أَوْ) شَرَطَ الْوَاهِبُ رُجُوعَ الْهِبَةِ إلَيْهِ (إنْ مَاتَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ (قَبْلَهُ أَوْ) شَرَطَ الْوَاهِبُ رُجُوعَهَا (إلَى غَيْرِهِ) إنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَهُ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ وَهَبْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هِيَ لَكَ عُمُرَكَ عَلَى أَنَّكَ إنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَتْ إلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَإِنْ مِتُّ أَوْ مَاتَ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْكَ (فَهِيَ الرُّقْبَى) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ (أَوْ) شَرَطَ الْوَاهِبُ (رُجُوعَهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (مُطْلَقًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى الْوَاهِبِ (أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ قَالَ) الْوَاهِبُ (هِيَ) أَيْ: هَذِهِ الدَّارُ أَوْ الْأَمَةُ وَنَحْوُهَا (لِآخِرِنَا مَوْتًا صَحَّ الْعَقْدُ دُونَ الشَّرْطِ، وَ) مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَيْنَ (تَكُونُ لِلْمُعْمَرِ بِفَتْحِ الْمِيم وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) . فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَلِبَيْتِ الْمَالِ (كَالْأَوَّلِ) أَيْ: كَالْمَذْكُورِ أَوَّلًا مِنْ صُوَرِ الْعُمْرَى (وَلَا تَرْجِعُ) الْعَيْنُ (إلَى الْمُعْمِرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَ) لَا إلَى (الْمُرْقِبِ) بِكَسْرِ الْقَافِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُرْقِبُوا وَلَا تُعْمِرُوا فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالسَّنَدُ صَحِيحٌ بِلَا
إشْكَالٍ وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَرَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ فَهَذِهِ نُصُوصٌ تَدُلُّ عَلَى مِلْكِ الْمُعْمَرِ وَالْمَرْقَبِ مَعَ بُطْلَانِ شَرْطِ الْعَوْدِ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْعَيْنَ لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهُ بِالشَّرْطِ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَصَحَّ وَبَطَلَ الشَّرْطُ كَشَرْطِهِ فِي الْبَيْعِ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَوْ جَعَلَ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا دَارِهِ لِلْآخَرِ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَهُ عَادَتْ إلَيْهِ فَرُقْبَى مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
(وَلَا يَصِحُّ إعْمَارُ الْمَنْفَعَةِ وَلَا إرْقَابُهُمَا فَلَوْ قَالَ) رَبُّ دَارٍ (سُكْنَى هَذِهِ الدَّارِ لَكَ عُمُرَكَ أَوْ) قَالَ (غَلَّةُ هَذَا الْبُسْتَانِ) لَكَ عُمُرَكَ (أَوْ) قَالَ (خِدْمَةُ هَذَا الْعَبْدِ) لَكَ عُمُرَكَ (أَوْ) قَالَ (مَنَحْتُكَ) أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنْ الدَّارِ أَوْ الْبُسْتَانِ أَوْ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ (عُمُرَكَ فَعَارِيَّةٌ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ فِي حَيَاتِهِ) أَيْ: الْمَمْنُوحِ (وَبَعْدَ مَوْتِهِ) لِأَنَّهَا هِبَةُ مَنْفَعَةٍ (وَيَصِحُّ إعْمَارُ مَنْقُولٍ، وَ) يَصِحُّ أَيْضًا (إرْقَابُهُ مِنْ حَيَوَانٍ كَعَبْدٍ وَجَارِيَةٍ وَنَحْوِهِمَا) كَبَعِيرٍ وَشَاةٍ.
(وَ) مِنْ (غَيْرِ حَيَوَانٍ) كَثَوْبٍ وَكِتَابٍ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» .
[فَصْلٌ فِي التَّعْدِيلِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْهِبَةِ]
(فَصْلٌ فِي التَّعْدِيلِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْهِبَةِ) (وَيَجِبُ عَلَى الْأَبِ، وَ) عَلَى (الْأُمِّ وَعَلَى غَيْرِهِمَا) مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ (التَّعْدِيلُ بَيْنَ مَنْ يَرِثُ بِقَرَابَةٍ مِنْ وَلَدٍ وَغَيْرِهِ) كَأَبٍ وَأُمٍّ وَأَخٍ وَابْنِهِ وَعَمٍّ وَابْنِهِ (فِي عَطِيَّتِهِمْ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «قَالَتْ امْرَأَةُ بَشِيرٍ لِبَشِيرٍ أُعْطِ ابْنِي غُلَامًا وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي قَالَ: لَهُ إخْوَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: كُلُّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إلَّا عَلَى حَقٍّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَقَالَ فِيهِ «لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ إنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْكَ مِنْ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ» . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ فَرَجَعَ أَبِي فِي تِلْكَ الصَّدَقَةِ» وَلِلْبُخَارِيِّ مِثْلُهُ لَكِنْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْعَطِيَّةِ فَأَمَرَ بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ وَسَمَّى تَخْصِيصَ أَحَدِهِمْ دُونَ الْبَاقِينَ جَوْرًا وَالْجَوْرُ حَرَامٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِالْعَدْلِ لِلْوُجُوبِ وَقِيسَ عَلَى الْأَوْلَادِ بَاقِي الْأَقَارِبِ بِجَامِعِ الْقَرَابَةِ
وَخَرَجَ مِنْهُ الزَّوْجَاتُ وَالْمَوَالِي فَلَا يَجِبُ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ فِي الْهِبَةِ، وَ (لَا) يَجِبُ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ (فِي شَيْءٍ تَافِهٍ) لِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ بِهِ فَلَا يَحْصُلُ التَّأَثُّرُ، وَالتَّعْدِيلُ الْوَاجِبُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ (بِقَدْرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ) اقْتِدَاءً بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيَاسًا لِحَالَةِ الْحَيَاةِ عَلَى حَالِ الْمَوْتِ قَالَ عَطَاءٌ: " فَمَا كَانُوا يَقْسِمُونَ إلَّا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ".
فَائِدَةٌ.
نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ وَحَنْبَلٍ فِيمَنْ لَهُ أَوْلَادٌ زَوَّجَ بَعْضَ بَنَاتِهِ فَجَهَّزَهَا وَأَعْطَاهَا قَالَ يُعْطِي جَمِيعَ وَلَدِهِ مِثْلَ مَا أَعْطَاهَا وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ لَهُ وَلَدٌ يُزَوِّجُ الْكَبِيرَ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيُعْطِيهِ قَالَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ كُلَّهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ أَوْ يَمْنَحَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَوَى عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَى ذَلِكَ أَيْضًا وَقَدْ اسْتَوْعَبَهَا الْحَارِثِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (إلَّا فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ فَتَجِبُ الْكِفَايَةُ) دُونَ التَّعْدِيلِ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ فِي طَعَامٍ وَغَيْرِهِ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى فِي الْقُبَلِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَخَلَ فِيهِ نَظَرُ وَقْفٍ.
(قَالَ الشَّيْخُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَوْلَادِ الذِّمَّةِ) أَيْ: الذِّمِّيِّينَ (انْتَهَى) وَكَلَامُ غَيْرِهِ لَا يُخَالِفُهُ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ وَارِثِينَ مِنْهُ (وَلَهُ) أَيْ: لِمَنْ ذَكَرَ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَغَيْرِهِمَا (التَّخْصِيصُ) لِبَعْضِ أَقَارِبِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ (بِإِذْنِ الْبَاقِي) مِنْهُمْ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ التَّخْصِيصِ كَوْنُهُ يُوَرِّثُ الْعَدَاوَةَ وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ مَعَ الْإِذْنِ (فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ) بِالْعَطِيَّةِ (أَوْ فَضَّلَهُ) فِي الْإِعْطَاءِ (بِلَا إذْنِ) الْبَاقِي (أَثِمَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ) فِيمَا خَصَّ أَوْ فَضَلَ بِهِ حَيْثُ أَمْكَنَ (أَوْ إعْطَاءُ الْآخَرِ وَلَوْ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ) الْمَخُوفِ (حَتَّى يَسْتَوُوا) بِمَنْ خَصَّهُ أَوْ فَضَّلَهُ.
قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ (كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَحَدَ بَنِيهِ فِي صِحَّتِهِ وَأَدَّى عَنْهُ الصَّدَاقَ ثُمَّ مَرِضَ الْأَبُ) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (فَإِنَّهُ يُعْطِي ابْنَهُ الْآخَرَ كَمَا أَعْطَى الْأَوَّلَ) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ هُنَا لِأَنَّ الزَّوْجَةَ مَلَكَتْ الصَّدَاقَ بِالْعَقْدِ.
(وَلَا يُحْسَبُ) مَا يُعْطِيهِ الْأَبُ لِابْنِهِ الثَّانِي (مِنْ الثُّلُثِ) مَعَ أَنَّهُ عَطِيَّةٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ (لِأَنَّهُ تَدَارُكٌ لِلْوَاجِبِ أَشْبَهَ قَضَاءَ الدَّيْنِ) وَيَجُوزُ لِلْأَبِ تَمَلُّكُ مَا يُعْطِيهِ لِلتَّسْوِيَةِ بِلَا حِيلَةٍ قَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ.
وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا (وَإِنْ مَاتَ) الْمُخَصِّصُ أَوْ الْمُفَضِّلُ (قَبْلَ التَّسْوِيَةِ) بَيْنَ وَرَثَتِهِ (ثَبَتَ) أَيْ: اسْتَقَرَّ الْمِلْكُ (لِلْمُعْطَى) فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لِذِي رَحِمٍ فَلَزِمَتْ بِالْمَوْتِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ (مَا لَمْ تَكُنْ الْعَطِيَّةُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ) الْمَخُوفِ، فَحُكْمُهَا كَالْوَصِيَّةِ وَيَأْتِي
(وَالتَّسْوِيَةُ هُنَا) بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ لِغَيْرِ أُمٍّ وَنَحْوِهِمْ (الْقِسْمَةُ لِلذِّكْرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ بِقَدْرِ إرْثِهِمْ وَهُوَ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا (وَالرُّجُوعُ الْمَذْكُورُ) أَيْ: رُجُوعُ الْمُخَصِّصِ أَوْ الْمُفَضِّلِ بَعْدَ الْقَبْضِ (يَخْتَصُّ بِالْأَبِ دُونَ الْأُمِّ وَغَيْرِهَا) كَالْجَدِّ وَالِابْنِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ.
(وَتَحْرُمُ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّخْصِيصِ وَالتَّفْضِيلِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً وَلَوْ) كَانَ الْأَدَاءُ (بَعْدَ مَوْتِ الْمُخَصِّصِ وَالْمُفَضِّلِ إذَا عَلِمَ) الشَّاهِدُ بِالتَّخْصِيصِ أَوْ التَّفْضِيلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: «لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ» فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي وَهُوَ أَمْرٌ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الِاسْتِحْبَابُ فَكَيْفَ تَحْرُمُ الشَّهَادَةُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَهْدِيدٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40] وَلَوْ لَمْ يَفْهَمْ هَذَا الْمَعْنَى بَشِيرٌ لَبَادَرَ إلَى الِامْتِثَالِ وَلَمْ يَرُدَّ الْعَطِيَّةَ.
(وَكَذَا كُلُّ عَقْدٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَاسِدٌ عِنْدَ الشَّاهِدِ) كَنِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَبَيْعِ غَيْرِ مَلِيءٍ وَلَا مَوْصُوفٍ وَنَحْوِهِ إنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ مَنْ يَرَاهُ حَرُمَ عَلَى الْحَنْبَلِيِّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً قِيَاسًا عَلَى مَا سَبَقَ.
(وَتُكْرَهُ) الشَّهَادَةُ (عَلَى عَقْدِ نِكَاحٍ) مِنْ (مُحْرِمٍ بِنُسُكٍ) حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَالْمُرَادُ إذَا كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا بِأَنْ كَانَ الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ حَلَالًا وَإِلَّا حُرِّمَتْ الشَّهَادَةُ لِأَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ (وَتَقَدَّمَ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا وَلَا فَرْقَ فِي امْتِنَاعِ التَّخْصِيصِ وَالتَّفْضِيلِ بَيْنَ كَوْنِ الْبَعْضِ ذَا حَاجَةٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ عَمَى أَوْ عِيَالٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ فَاسِقًا، أَوْ مُبْتَدِعًا، أَوْ مُبَذِّرًا أَوْ لَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى.
فِي الرَّجُلِ لَهُ الْوَلَدُ الْبَارُّ الصَّالِحُ وَآخَرُ غَيْرُ بَارٍّ لَا يُنِيلُ الْبَارَّ دُونَ الْآخَرِ (وَقِيلَ إنْ أَعْطَاهُ لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ حَاجَةٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ عَمًى أَوْ كَثْرَةِ عَائِلَةٍ أَوْ لِاشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ وَنَحْوِهِ) كَصَلَاحِهِ (أَوْ مَنَعَ بَعْضَ وَلَدِهِ لِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ يَعْصِي اللَّهَ بِمَا يَأْخُذُهُ وَنَحْوِهِ جَازَ التَّخْصِيصُ) وَالتَّفْضِيلُ بِالْأَوْلَى (اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) اسْتِدْلَالًا بِتَخْصِيصِ الصِّدِّيقِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَلَيْسَ إلَّا لِامْتِيَازِهَا بِالْفَضْلِ وَلَنَا عُمُومُ الْأَمْرِ بِالتَّسْوِيَةِ وَفِعْلُ الصِّدِّيقِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَحَلَ مَعَهَا غَيْرَهَا، أَوْ أَنَّهُ نَحَلَهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَنْحَلَ غَيْرَهَا فَأَدْرَكَهُ الْمَرَضُ وَنَحْوُهُ.
(وَلَا يُكْرَهُ) لِلْإِنْسَانِ (قَسْمُ مَالِهِ بَيْنَ وُرَّاثِهِ) عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُولَدَ لَهُ) لِأَنَّهَا قِسْمَةٌ لَيْسَ فِيهَا جَوْرٌ فَجَازَتْ فِي جَمِيعِ مَالِهِ كَبَعْضِهِ (فَإِنْ حَدَثَ لَهُ وَارِثٌ) بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ (سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ) بِمَا تَقَدَّمَ (وُجُوبًا) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ.
(وَإِنْ وُلِدَ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ
قَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ وُرَّاثِهِ فِي حَيَاتِهِ (وَلَدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ اُسْتُحِبَّ لِلْمُعْطِي أَنْ يُسَاوِيَ الْمَوْلُودَ الْحَادِثَ بَعْدَ أَبِيهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الصِّلَةِ وَإِزَالَةِ الشَّحْنَاءِ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقِفَ شَيْئًا عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَقَارِبِهِ (التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْوَقْفِ) بِأَنْ لَا يُفَضِّلَ ذَكَرًا عَلَى أُنْثَى (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي بَابِ الْوَقْفِ) مُوَضَّحًا.
(وَإِنْ وَقَفَ) شَخْصٌ (ثُلُثَهُ) فَأَقَلَّ (فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ (عَلَى بَعْضِ وُرَّاثِهِ) جَازَ (أَوْ وَصَّى بِوَقْفِهِ) أَيْ: الثُّلُثِ (عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى بَعْضِ وُرَّاثِهِ (جَازَ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْمَيْمُونِيُّ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقِفَ فِي مَرَضِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ فَقِيلَ لَهُ أَلَيْسَ تَذْهَبُ أَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ فَقَالَ نَعَمْ وَالْوَقْفُ غَيْرُ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ أَيْ: مِلْكًا طَلْقًا.
وَاحْتَجَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ قَالَ " هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ أَنَّ تَمْغًا صَدَقَةٌ وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ، وَالسَّهْمُ الَّذِي بِخَيْبَرَ، رَقِيقَهُ، وَالْمِائَةُ وَسْقٍ الَّذِي أَطْعَمَنِي مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلِيهِ حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا لَا يُبَاعَ وَلَا يُشْتَرَى، تُنْفِقُهُ حَيْثُ تَرَى مِنْ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَذَوِي الْقُرْبَى، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ إنْ أَكَلَ أَوْ اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا (وَيَجْرِي) الْوَقْفُ عَلَى وَرَثَتِهِ (مَجْرَى الْوَصِيَّةِ) فِي أَنَّهُ يَنْفُذُ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ كَالْوَصِيَّةِ بِهِ لَا فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مَرِيضٍ) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (عَلَى أَجْنَبِيٍّ) بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ (أَوْ) عَلَى (وَارِثٍ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ) أَيْ: ثُلُثِ مَالِهِ كَالْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ، وَالْوَصِيَّةِ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَلَوْ حِيلَةً كَعَلَيَّ نَفْسُهُ ثُمَّ عَلَيْهِ انْتَهَى لِأَنَّ الْحِيَلَ غَيْرُ جَائِزَةٍ إذَا كَانَتْ وَسِيلَةَ الْمُحَرَّمِ.
(وَلَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، وَلَوْ صَدَقَةً وَهَدِيَّةً وَنِحْلَةً، أَوْ نُقُوطًا وَحُمُولَةً فِي عُرْسٍ وَنَحْوِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ قَتَادَةَ: وَلَا أَعْلَمُ الْقَيْءَ إلَّا حَرَامًا وَسَوَاءٌ عَوَّضَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُعَوِّضْ لِأَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَقْتَضِي الثَّوَابَ، وَتَقَدَّمَ (أَوْ) أَيْ: وَلَوْ (تَعَلَّقَ بِالْمَوْهُوبِ رَغْبَةُ الْغَيْرِ بِأَنْ نَاكَحَ) إنْسَانٌ (الْوَلَدَ) الْمَوْهُوبِ لِوُجُودِ ذَلِكَ الَّذِي وَهَبَهُ لَهُ وَالِدُهُ، بِأَنْ زَوَّجَهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا أَوْ تَزَوَّجَهُ إنْ كَانَ أُنْثَى لِذَلِكَ (أَوْ دَايَنَهُ) أَيْ: بَاعَهُ أَوْ أَقْرَضَهُ، أَوْ أَجَرَهُ وَنَحْوُهُ (لِوُجُودِ ذَلِكَ) الَّذِي وَهَبَهُ أَبُوهُ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ رُجُوعَ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ
لِوَلَدِهِ، وَلَوْ أَخَّرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ إلَّا الْأَبُ الْأَقْرَبُ لَكَانَ أَوْضَحَ.
وَقَوْلُهُ (بَعْدَ لُزُومِهَا) أَيْ: الْهِبَةِ بِأَنْوَاعِهَا، بِالْقَبْضِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ وَأَمَّا الرُّجُوعُ قَبْلَ لُزُومِهَا فَجَائِزٌ مُطْلَقًا (كَالْقِيمَةِ) أَيْ: كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي قِيمَةِ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ وَلَوْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ (إلَّا الْأَبَ الْأَقْرَبَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعَانِهِ قَالَ: «لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً وَيَرْجِعَ فِيهَا، إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ بَشِيرٍ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَشِيرٍ: " فَارْدُدْهُ " وَرُوِيَ " فَارْجِعْهُ " رَوَاهُ مَالِكٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَبٍ يَقْصِدُ بِرُجُوعِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ،.
وَلَوْ وَهَبَ كَافِرٌ لِوَلَدِهِ الْكَافِرِ شَيْئًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْوَلَدُ، فَلِأَبِيهِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
(وَلَوْ أَسْقَطَ) الْأَبُ (حَقَّهُ مِنْ الرُّجُوعِ) فَلَهُ الرُّجُوعُ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لَهُ بِالشَّرْعِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِسْقَاطِهِ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الْوَلِيُّ حَقَّهُ مِنْ وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: يَسْقُطُ رُجُوعُهُ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ حَقِّهِ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وِلَايَةِ النِّكَاحِ أَنَّ وِلَايَةَ النِّكَاحِ حَقٌّ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِلْمَرْأَةِ بِدَلِيلِ إثْمِهِ بِالْعَضْلِ بِخِلَافِ الرُّجُوعِ فَإِنَّهُ حَقٌّ لِلْأَبِ.
(وَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ مَوْلُودًا) مَجْهُولَ النَّسَبِ، كُلٌّ يَقُولُ: هُوَ ابْنِي (فَوَهَبَاهُ أَوْ وَهَبَهُ أَحَدُهُمَا شَيْئًا فَلَا رُجُوعَ) لِانْتِفَاءِ ثُبُوتِ الدَّعْوَى (وَإِنْ ثَبَتَ اللِّحَاقُ بِأَحَدِهِمَا، ثَبَتَ) لَهُ (الرُّجُوعُ) لِثُبُوتِ الْأُبُوَّةِ.
(وَيُشْتَرَطُ لِرُجُوعِ الْأَبِ) أَيْ: لِجَوَازِهِ وَصِحَّتِهِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ (شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ) الْهِبَةُ (عَيْنًا بَاقِيَةً فِي مِلْكِ الِابْنِ) إلَى رُجُوعِ أَبِيهِ (فَلَا رُجُوعَ) لِلْأَبِ (فِي دَيْنِهِ عَلَى الْوَلَدِ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ) لَا تَمْلِيكٌ (وَلَا فِي مَنْفَعَةٍ أَبَاحَهَا لَهُ) أَبُوهُ (بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَسُكْنَى دَارٍ وَنَحْوِهَا) لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ، وَاسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِهَا.
(فَإِنْ خَرَجَتْ الْعَيْنُ) الْمَوْهُوبَةُ (عَنْ مِلْكِهِ) أَيْ: الِابْنِ (بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَقْفٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ غَيْرِهِ خُصُوصًا إذَا قُلْنَا يَنْتَقِلُ فِي الْحَالِ لِمَنْ بَعْدَهُ (أَوْ) خَرَجَتْ (بِغَيْرِ ذَلِكَ) بِأَنْ جَعَلَهَا صَدَاقًا لِامْرَأَةِ أَوْ عِوَضًا عَلَى صُلْحٍ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ عَادَتْ) الْعَيْنُ (إلَيْهِ) أَيْ: الِابْنِ (بِسَبَبٍ جَدِيدٍ كَبَيْعٍ) وَلَوْ مَعَ خِيَارٍ (أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ نَحْوِهِ) كَأَنْ أَخَذَهَا عِوَضًا عَنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ، أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ (لَمْ يَمْلِكْ) الْأَبُ (الرُّجُوعَ) فِيهَا لِأَنَّهَا عَادَتْ إلَى الْوَلَدِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ إزَالَتَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْهُوبَةً.
(وَإِنْ عَادَتْ) الْعَيْنُ لِلْوَلَدِ بَعْدَ بَيْعِهَا (بِفَسْخِ الْبَيْعِ بِعَيْبٍ)
فِيهَا، أَوْ فِي الثَّمَنِ (أَوْ) عَادَتْ بِ (إقَالَةٍ، أَوْ) عَادَتْ بِفَسْخٍ (لِفَلَسِ الْمُشْتَرِي) بِالثَّمَنِ (أَوْ بِفَسْخِ خِيَارِ الشَّرْطِ، أَوْ الْمَجْلِسِ) مَلَكَ الْأَبُ الرُّجُوعَ فِيهَا، لِعَوْدِ الْمِلْكِ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ، فَكَأَنَّهُ مَا انْتَقَلَ.
وَبِهِ فَارَقَ الْعَوْدَ بَيْعٌ أَوْ هِبَةٌ أَوْ نَحْوُهُمَا (أَوْ دَبَّرَ) الْوَلَدُ (الْعَبْدَ) الْمَوْهُوبَ لَهُ مِنْ وَالِدِهِ (أَوْ كَاتَبَهُ مَلَكَ) الْأَبُ (الرُّجُوعَ) فِي الْعَبْدِ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَالْكِتَابَةَ لَا يَمْنَعَانِ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَمْنَعَا الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ أَوْ أَجَرَهُ.
(وَهُوَ) أَيْ: الْعَبْدُ الَّذِي كَاتَبَهُ الْوَلَدُ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُوهُ فِيهِ (مُكَاتَبٌ) أَيْ: بَاقٍ عَلَى كِتَابَتِهِ لِلُزُومِهَا، فَإِذَا أَدَّى إلَى الْأَبِ بَاقِي مَالِ الْكِتَابَةِ عَتَقَ، وَإِنْ عَجَزَ رُقَّ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ الِابْنُ وَمَا أَخَذَهُ الِابْنُ مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ قَبْلَ رُجُوعِ الْأَبِ (لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ أَبُوهُ) لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ بَاقِيَةً فِي تَصَرُّفِ الْوَلَدِ، فَإِنْ تَلِفَتْ) الْعَيْنُ (فَلَا رُجُوعَ) لِلْأَبِ (فِي قِيمَتِهَا) وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ اسْتَوْلَدَ) الِابْنُ (الْأَمَةَ) الَّتِي وَهَبَهَا لَهُ أَبُوهُ لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ لِامْتِنَاعِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ (أَوْ كَانَ) الْأَبُ (وَهَبَهَا لَهُ لِلِاسْتِعْفَافِ لَمْ يَمْلِكْ) الْأَبُ (الرُّجُوعَ) فِيهَا، وَإِنْ اسْتَغْنَى أَوْ لَمْ يَسْتَوْلِدْهَا لِأَنَّ إعْفَافَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ رَهَنَ) الِابْنُ (الْعَيْنَ) الَّتِي وَهَبَهَا لَهُ أَبُوهُ وَأَقْبَضَهَا فَكَذَلِكَ (أَوْ أَفْلَسَ) الِابْنُ (وَحُجِرَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ) أَيْ: فَلَا رُجُوعَ لِأَبِيهِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَالْغُرَمَاءِ بِالْعَيْنِ، وَفِي الرُّجُوعِ إبْطَالٌ لِذَلِكَ " تَنْبِيهٌ " مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ مَانِعٍ مِنْ الرُّجُوعِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: إنَّهُ الصَّوَابُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الرَّهْنِ وَنَحْوِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُغْنِي، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُمَا انْتَهَى.
وَمُقْتَضَى مَا قَدَّرَهُ فِي الْمُقْنِعِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْهُ فِي التَّنْقِيحِ فَإِنْ أَفْلَسَ وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، فَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى عَلَى فَلَسٍ لَا حَجْرَ مَعَهُ وَافَقَ مَا ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ وَالشَّارِحُ (فَإِنْ زَالَ الْمَانِعُ) بِأَنْ انْفَكَّ الْحَجْرُ وَالرَّهْنُ (مَلَكَ) الْأَبُ (الرُّجُوعَ) لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ لَمْ يُزَلْ، وَإِنَّمَا طَرَأَ مَعْنًى قَطَعَ التَّصَرُّفَ مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ فَمَنَعَ الرُّجُوعَ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ.
(وَكُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يَمْنَعُ الِابْنَ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ، كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ) وَالرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ (وَالْوَطْءِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْإِحْبَالِ وَالتَّزْوِيجِ) لِلرَّقِيقِ (وَالْإِجَارَةِ وَالْمُزَارَعَةِ عَلَيْهَا وَجَعْلِهَا مُضَارَبَةً فِي عَقْدِ شَرِكَةٍ لَا يَمْنَعُ) الْأَبَ (الرُّجُوعَ) لِبَقَاءِ مِلْكِ الِابْنِ وَسَلْطَنَةُ تَصَرُّفِهِ.
(وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ) عَلَى صِفَةٍ قَبْلَ وُجُودِهَا فَلَا
يَمْنَعُ الرُّجُوعَ (وَإِذَا رَجَعَ) الْأَبُ فِي الْعَيْنِ (وَكَانَ التَّصَرُّفُ لَازِمًا، كَالْإِجَارَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْكِتَابَةِ، فَهُوَ) أَيْ: التَّصَرُّفُ (بَاقٍ بِحَالِهِ) كَاسْتِمْرَارِهِ مَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَلَدِ لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ تَنْفَسِخُ بِهِ الْإِجَارَةُ وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْأَبِ فِعْلًا فِي الْإِجَارَةِ، لِأَنَّ تَمْلِيكَهُ لِوَلَدِهِ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَلَا كَذَلِكَ الشَّفِيعُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِنْ كَانَ) التَّصَرُّفُ (جَائِزًا، كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ) وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُشَارَكَةِ (بَطَلَ) ذَلِكَ التَّصَرُّفُ، لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ حُكْمِهِ مُقَيَّدٌ بِبَقَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَاتَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (وَالتَّدْبِيرُ وَالْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ بِصِفَةٍ، لَا يَبْقَى حُكْمُهُمَا فِي حَقِّ الْأَبِ) لِأَنَّهُمَا لَمْ يَصْدُرَا مِنْهُ.
(وَمَتَى عَادَ) الْمُدَبَّرُ أَوْ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ (إلَى) مِلْكِ (الِابْنِ عَادَ حُكْمُهُمَا) لِعَوْدِ الصِّفَةِ (وَإِنْ وَهَبَهُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ لَمْ يَمْلِكْ) الْوَاهِبُ الْأَوَّلُ (الرُّجُوعَ) لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالًا لِمِلْكِ غَيْرِ ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ) أَيْ: الْوَاهِبُ الثَّانِي فِي هِبَتِهِ لِابْنِهِ فَيَمْلِكُ الْأَوَّلُ الرُّجُوعَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ فَسْخٌ فِي هِبَتِهِ بِرُجُوعِهِ فَعَادَ إلَيْهِ الْمِلْكُ بِسَبَبِهِ الْأَوَّلِ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَزِيدَ) الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ عِنْدَ الْوَلَدِ (زِيَادَةً مُتَّصِلَةً تَزِيدُ قِيمَتُهَا كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ وَالْحَمْلِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ أَوْ) تَعَلُّمِ (كِتَابَةٍ أَوْ قُرْآنٍ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِكَوْنِهَا نَمَاءً مَلَكَهُ وَلَمْ تَنْتَقِلْ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا كَالْمُنْفَصِلَةِ وَإِذَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فِيهَا امْتَنَعَ فِي الْأَصْلِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَضَرَرِ التَّشْقِيصِ وَلِأَنَّهُ اسْتِرْجَاعٌ لِلْمَالِ بِفَسْخِ عَقْدٍ لِغَيْرِ عَيْبٍ فِي عِوَضِهِ فَمَنَعَهُ الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ كَاسْتِرْجَاعِ الصَّدَاقِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ أَوْ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ رُجُوعِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ لِفَلَسِ الْمُشْتَرِي وَقَدْ يُفَارِقُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرَّدَّ مِنْ الْمُشْتَرِي وَقَدْ رَضِيَ بِبَذْلِ الزِّيَادَةِ (وَإِنْ زَادَ) الْمَوْهُوبُ (بِبُرْئِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ صَمَمٍ مُنِعَ الرُّجُوعُ) كَسَائِرِ الزِّيَادَاتِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَ الْأَبُ وَوَلَدُهُ فِي حُدُوثِ زِيَادَةٍ) بِأَنْ قَالَ الْوَلَدُ حَدَثَ فِيهِ زِيَادَةٌ فَمَنَعَتْ الرُّجُوعَ وَأَنْكَرَ الْأَبُ (فَقَوْلُ الْأَبِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ (وَلَا تَمْنَعُ) الزِّيَادَةُ (الْمُنْفَصِلَةُ) الرُّجُوعَ (كَوَلَدِ الْبَهِيمَةِ وَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ وَكَسْبِ الْعَبْدِ) لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْأَصْلِ دُونَ النَّمَاءِ.
(وَالزِّيَادَةِ) الْمُنْفَصِلَةِ (لِلْوَلَدِ) لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ فِي مِلْكِهِ وَلَا تُتَّبَعُ فِي الْفُسُوخِ فَكَذَا هُنَا (فَإِنْ كَانَتْ) الزِّيَادَةُ (وَلَدَ أَمَةٍ) بِأَنْ حَمَلَتْ الْأَمَةُ وَوَلَدَتْ عِنْدَ الْوَلَدِ (امْتَنَعَ الرُّجُوعُ) فِي الْأُمِّ (لِتَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ) بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا (وَإِنْ وَهَبَهُ) أَيْ: وَهَبَ الْأَبُ وَلَدَهُ أَمَةً أَوْ بَهِيمَةً (حَامِلًا فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الِابْنِ فَالْوَلَدُ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ) أَيْ: بِاعْتِبَارِ الْكِبَرِ.
(وَإِنْ وَهَبَهُ) أَمَةً أَوْ بَهِيمَةً (حَائِلًا ثُمَّ رَجَعَ) الْأَبُ (فِيهَا حَامِلًا فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا) بِالْحَمْلِ (فَزِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ) تَمْنَعُ الرُّجُوعَ (وَإِنْ وَهَبَهُ نَخْلًا فَحَمَلَتْ فَقَبْلَ التَّأْبِيرِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ) تَمْنَعُ الرُّجُوعَ (وَبَعْدَهُ) أَيْ: التَّأْبِيرِ، وَالْمُرَادُ التَّشَقُّقُ (مُنْفَصِلَةٌ) لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ نَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ الْمُوَفَّقِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْعَيْنِ) لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ فِي الْبَاقِي مِنْهَا (أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا) لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ (أَوْ أَبِقَ الْعَبْدُ) الْمَوْهُوبُ لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ (أَوْ ارْتَدَّ الْوَلَدُ) الْمَوْهُوبُ لَهُ (لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ) لِبَقَاءِ الْمِلْكِ.
(وَلَا ضَمَانَ عَلَى الِابْنِ فِيمَا تَلِفَ مِنْهَا وَلَوْ) كَانَ التَّلَفُ (بِفِعْلِهِ) لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ (وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ) الْمَوْهُوبُ لِلْوَلَدِ (جِنَايَةً يَتَعَلَّقُ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ فَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ) لِبَقَاءِ مِلْكِ وَلَدِهِ عَلَيْهِ.
(وَيَضْمَنُ) الْأَبُ (أَرْشَ الْجِنَايَةِ) لِتَعَلُّقِهِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَيَفْدِيهِ أَوْ يُسْلِمُهُ أَوْ يَبِيعُهُ فِيهَا.
(فَإِنْ جُنِيَ عَلَى الْعَبْدِ) الْمَوْهُوبِ لِلْوَلَدِ (فَرَجَعَ الْأَبُ فِيهِ فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِلِابْنِ) لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ.
(وَصِفَةُ الرُّجُوعِ) مِنْ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ (أَنْ يَقُولَ قَدْ رَجَعْتُ فِيهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (أَوْ) يَقُولَ (ارْتَجَعْتُهَا أَوْ رَدَدْتُهَا وَنَحْوَهُ) كَعُدْتُ فِيهَا أَوْ أَعَدْتُهَا إلَى مِلْكِي وَنَحْوَ ذَلِكَ (مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الرُّجُوعِ) قَالَ الْحَارِثِيُّ وَالْأَكْمَلُ رَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُهُ لَكَ مِنْ كَذَا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَسَّمَهُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ بِنِيَّةٍ وَلَا بَأْس بِهِ، وَسَوَاءٌ (عَلِمَ الْوَلَدُ) بِرُجُوعِ أَبِيهِ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) بِهِ.
(وَلَا يَحْتَاجُ) الرُّجُوعَ (إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ) لِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ كَفَسْخِ مُعْتَقَةٍ تَحْتَ عَبْدٍ (وَإِنْ تَصَرَّفَ الْأَبُ فِيهِ) أَيْ: فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ (بَعْدَ قَبْضِ الِابْنِ) لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا بِغَيْرِ قَوْلٍ (أَوْ وَطِئَ) الْأَبُ (الْجَارِيَةَ) الَّتِي وَهَبَهَا لِوَلَدِهِ وَأَقْبَضَهَا لَهُ (وَلَوْ نَوَى) الْأَبُ (بِهِ) أَيْ: بِالتَّصَرُّفِ أَوْ الْوَطْءِ (الرُّجُوعَ لَمْ يَكُنْ) ذَلِكَ (رُجُوعًا بِغَيْرِ قَوْلٍ) لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ ثَابِتٌ يَقِينًا فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ صَرِيحُ الْقَوْلِ.
(وَإِنْ سَأَلَ) زَوْجٌ (امْرَأَتَهُ هِبَةَ مَهْرِهَا فَوَهَبَتْهُ) لَهُ ثُمَّ ضَرَّهَا فَلَهَا الرُّجُوعُ (أَوْ قَالَ) زَوْجٌ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تُبْرِئِينِي فَأَبْرَأَتْهُ) مِنْ مَهْرِهَا (ثُمَّ ضَرَّهَا بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَهَا الرُّجُوعُ) فِيمَا وَهَبَتْهُ مِنْ الْمَهْرِ أَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ أَنَّهَا لَمْ تَطِبْ بِهِ نَفْسًا وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ عَنْ طِيبِ نَفْسِهَا بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] وَغَيْرُ الصَّدَاقِ كَالصَّدَاقِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عُمَرَ: إنَّ النِّسَاءَ يُعْطِينَ أَزْوَاجَهُنَّ رَغْبَةً
وَرَهْبَةً فَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْطَتْ زَوْجَهَا شَيْئًا ثُمَّ أَرَادَتْ أَنْ تَعْتَصِرَهُ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: الْمَشْهُورُ عَنْهُ أَيْ: عَنْ الْإِمَامِ أَنْ لَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِيمَا وَهَبَ لِلْآخَرِ إلَّا أَنْ تَهَبَ الْمَرْأَةُ مَهْرَهَا لِسُؤَالٍ مِنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَتَرْجِعُ (إلَّا إنْ تَبَرَّعَتْ بِهِ) أَيْ بِمَهْرِهَا (مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةِ) الزَّوْجِ فَلَا رُجُوعَ لَهَا نَصًّا وَاحْتَجَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْكُوفِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: 4] .
[فَصْلٌ: وَلِأَبٍ حُرًّا أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ]
(فَصْلٌ وَلِأَبٍ فَقَطْ إذَا كَانَ) الْأَبُ (حُرًّا أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ كَالرَّهْنِ وَالْفَلَسِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ رَغْبَةٌ كَالْمُدَايَنَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ وَقُلْنَا: يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ فَفِي التَّمَلُّكِ نَظَرٌ (مَعَ حَاجَةِ الْأَبِ) إلَى تَمَلُّكِ مَالِ وَلَدِهِ.
(وَ) مَعَ (عَدَمِهَا فِي صِغَرِ الْوَلَدِ وَكِبَرِهِ وَسَخَطِهِ وَرِضَاهُ وَبِعِلْمِهِ وَبِغَيْرِهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ أَبِي احْتَاجَ مَالِي فَقَالَ أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» .
وَلِأَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ وَمَا كَانَ مَوْهُوبًا لَهُ كَانَ لَهُ أَخْذُ مَالِهِ كَعَبْدِهِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61] الْآيَةُ ذَكَرَ الْأَقَارِبُ دُونَ الْأَوْلَادِ لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْلِهِ ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61] لِأَنَّ بُيُوتَ أَوْلَادِهِمْ كَبُيُوتِهِمْ وَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَلِي مَالَ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةِ كَمَالِ نَفْسِهِ (دُونَ أُمٍّ وَجَدٍّ وَغَيْرِهِمَا) مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَنْعُ خُولِفَ فِي الْأَبِ لِدَلَالَةِ النَّصِّ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ (بِشُرُوطٍ) سِتَّةٍ مُتَعَلِّقٌ بِ يَتَمَلَّكُ.
(أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ) مَا يَتَمَلَّكُهُ الْأَبُ (فَاضِلًا عَنْ حَاجَةِ الْوَلَدِ لِئَلَّا يَضُرَّهُ) بِتَمَلُّكِهِ وَهُوَ مَنْفِيٌّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْأَبِ (أَنْ يَتَمَلَّكَ سُرِّيَّتَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) سُرِّيَّتُهُ (أُمَّ وَلَدٍ) لِلِابْنِ (لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالزَّوْجَاتِ وَلَا) يَتَمَلَّكُ أَيْضًا (مَا تَعَلَّقَتْ حَاجَتُهُ بِهِ) كَآلَةِ حِرْفَةٍ يَتَكَسَّبُ بِهَا وَرَأْسِ مَالِ تِجَارَةٍ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَيْنِهِ فَلَأَنْ تُقَدَّمَ عَلَى أَبِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى الشَّرْطُ (الثَّانِي أَنْ لَا يُعْطِيَهُ) الْأَبُ (لِوَلَدٍ آخَرَ) فَلَا يَتَمَلَّكُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ زَيْدٍ لِيُعْطِيَهُ لِوَلَدِهِ عَمْرٍو لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ وَلَدِهِ بِالْعَطِيَّةِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَلَأَنْ يُمْنَعُ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِمَا أَخَذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْآخَرِ أَوْلَى.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ) التَّمَلُّكُ (فِي مَرَضِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْأَبِ أَوْ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ بِالْمَرَضِ قَدْ انْعَقَدَ السَّبَبُ الْقَاطِعُ لِلتَّمَلُّكِ الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْأَبُ كَافِرًا وَالِابْنُ مُسْلِمًا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الِابْنُ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ قَالَهُ الشَّيْخُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهَذَا عَيْنُ الصَّوَابِ انْتَهَى لِحَدِيثِ «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» (وَقَالَ) الشَّيْخُ أَيْضًا (الْأَشْبَهُ أَنَّ الْأَبَ الْمُسْلِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْكَافِرِ شَيْئًا) لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ وَالتَّوَارُثِ.
الشَّرْطُ (الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ) مَا يَتَمَلَّكُهُ الْأَبُ (عَيْنًا مَوْجُودَةً) فَلَا يَتَمَلَّكَ دَيْنَ ابْنِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَيَحْصُلُ تَمَلُّكُهُ) أَيْ: الْأَبِ لِمَالِ وَلَدِهِ (بِقَبْضِ) مَا يَتَمَلَّكُهُ (مَعَ قَوْلٍ) تَمَلَّكْتُهُ أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ نِيَّةٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَوْ قَرِينَةٍ لِأَنَّ الْقَبْضَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ غَيْرِهِ فَاعْتُبِرَ الْقَوْلُ أَوْ النِّيَّةُ لِيَتَعَيَّنَ وَجْهُ الْقَبْضِ.
(وَهُوَ) أَيْ: الْقَبْضُ مَعَ مَا ذُكِرَ الشَّرْطُ (السَّادِسُ: وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ: الْأَبِ (فِيهِ) أَيْ: فِي مَالِ وَلَدِهِ (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ الْقَبْضِ مَعَ الْقَوْلِ أَوْ النِّيَّةِ (وَلَوْ عِتْقًا) لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ تَامٌّ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَيَحِلُّ لَهُ وَطْءُ جَوَارِيهِ.
وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ مُشْتَرَكًا لَمْ يَحِلَّ الْوَطْءُ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَإِنَّمَا لِلْأَبِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ كَالْعَيْنِ الَّتِي وَهَبَهَا إيَّاهُ (وَلَا يَمْلِكُ أَبٌ إبْرَاءَ نَفْسِهِ) مِنْ دَيْنِ وَلَدِهِ (وَلَا) يَمْلِكُ الْأَبُ أَيْضًا (إبْرَاءَ غَرِيمِ وَلَدِهِ وَلَا) يَمْلِكُ الْأَبُ (تَمَلُّكَ مَا فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ، وَلَا) تَمَلُّكَ مَا فِي (ذِمَّةِ غَرِيمِ وَلَدِهِ، وَلَا) يَمْلِكُ (قَبْضَهُ) أَيْ: الدَّيْنِ (مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ نَفْسِهِ وَغَرِيمِ وَلَدِهِ (لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ يَمْلِكْهُ) قَبْلَ قَبْضِهِ.
(وَلَوْ أَقَرَّ) الْأَبُ (بِقَبْضِ دَيْنِ وَلَدِهِ) مِنْ غَرِيمِهِ (فَأَنْكَرَ الْوَلَدُ) أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ قَبَضَ (أَوْ أَقَرَّ) بِالْقَبْضِ (رَجَعَ) الْوَلَدُ (عَلَى غَرِيمِهِ) بِدَيْنِهِ لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ بِالدَّفْعِ إلَى أَبِيهِ (وَرَجَعَ الْغَرِيمُ عَلَى الْأَبِ) بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبِبَدَلِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا لِأَنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ لَا بِوِلَايَةٍ وَلَا بِوَكَالَةٍ.
فَقَوْلُ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: وَلَوْ
أَقَرَّ بِقَبْضِ دَيْنِ ابْنِهِ فَأَنْكَرَ رَجَعَ عَلَى غَرِيمِهِ وَهُوَ عَلَى الْأَبِ: لَا يُعَوَّلُ عَلَى مَفْهُومِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ فَلَا يُحْتَجُّ بِمَفْهُومِهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ لَوْ أَخَذَ) الْأَبُ (مِنْ مَالِ وَلَدِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْفَسَخَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ) أَيْ: الشَّيْءِ الْمَأْخُوذِ (بِحَيْثُ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الَّذِي كَانَ مَالِكَهُ، مِثْلُ أَنْ يَأْخُذَ) الْأَبُ (صَدَاقَ ابْنَتِهِ ثُمَّ يُطَلِّقُ الزَّوْجُ) قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ الصَّدَاقَ (أَوْ يَأْخُذُ) الْأَبُ (ثَمَنَ السِّلْعَةِ الَّتِي بَاعَهَا الْوَلَدُ ثُمَّ تُرَدُّ السِّلْعَةُ أَوْ يَأْخُذُ) الْأَبُ (الْمَبِيعَ الَّذِي اشْتَرَاهُ الْوَلَدُ ثُمَّ يُفْلِسُ) الْوَلَدُ (بِالثَّمَنِ) وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ وَيَفْسَخُ الْبَائِع.
(وَنَحْوُ ذَلِكَ) كَمَا لَوْ فَسَخَ الْبَائِعُ لِعَيْبِ الثَّمَنِ بَعْدَ أَخْذِ الْأَبِ الْمَبِيعَ مِنْ وَلَدِهِ (فَالْأَقْوَى فِي جَمِيعِ) هَذِهِ (الصُّوَرِ: أَنَّ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَبِ) لِسَبْقِ حَقِّهِ عَلَى تَمَلُّكِ الْأَبِ (وَيَأْتِي فِي الصَّدَاقِ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا) أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ، وَأَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ مَعَ نِيَّةِ: التَّمَلُّكِ وَأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ أَوْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُهُ رَجَعَ عَلَيْهَا لَا عَلَى أَبِيهَا، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ.
(وَإِنْ وَطِئَ) أَبٌ (جَارِيَةَ وَلَدِهِ) قَبْلَ تَمَلُّكِهَا (فَأَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) أَيْ: لِلْأَبِ لِأَنَّ إحْبَالَهُ لَهَا يُوجِبُ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْوَطْءُ مُصَادِفًا لِلْمِلْكِ، فَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَلَدِ.
(وَوَلَدُهُ) أَيْ: الْأَبِ مِنْ جَارِيَةِ وَلَدِهِ (حُرٌّ) لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ انْتَفَى فِيهِ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ (لَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ) لِوَلَدِهِ الْمُنْتَقِلِ عَنْهُ مِلْكُ الْجَارِيَةِ لِصَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ وَدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ بِالْإِحْبَالِ فَلَمْ تَأْتِ بِالْوَلَدِ إلَّا فِي مِلْكِ الْأَبِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ (مَهْرٌ) لِأَنَّ الْوَطْءَ سَبَبُ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا، وَإِيجَابُ الْقِيمَةِ لِلْوَلَدِ، وَالْوَطْءُ الْمُوجِبُ لِلْقِيمَةِ كَالْإِتْلَافِ فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ الْمَهْرُ.
(وَلَا حَدَّ) لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ (وَيُعَزَّرُ) لِأَنَّهُ وَطِئَ وَطْئًا مُحَرَّمًا أَشْبَهَ وَطْءَ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْأَبَ (قِيمَتُهَا) أَيْ: قِيمَةُ الْأَمَةِ الَّتِي أَوْلَدَهَا لِوَلَدِهِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهَا وَمَحَلُّ انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهَا لِلْأَبِ (إنْ لَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا) لِأَنَّهَا بِالْوَطْءِ تَصِيرُ كَحَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ فَتَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ.
(وَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا إنْ كَانَ الِابْنُ اسْتَوْلَدَهَا فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ) إذْ أُمُّ الْوَلَدِ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا.
(وَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْلِدْهَا لَمْ يَمْلِكْهَا الْأَبُ) بِالْإِحْبَالِ (وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِأَنَّهَا بِالْوَطْءِ صَارَتْ مُلْحَقَةً بِالزَّوْجَةِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِالْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَلَا يَمْلِكُهَا بِالْإِحْبَالِ (وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا) أَيْ: عَلَى الْأَبِ لِأَنَّهَا مِنْ مَوْطُوآتِ ابْنِهِ، وَعَلَى الِابْنِ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةُ أَبِيهِ (وَلَا يُحَدُّ) الْأَبُ
بِوَطْئِهِ لِلْأَمَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ لِشُبْهَةِ " أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ " (وَإِنْ وَطِئَ) الِابْنُ (أَمَةَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ) لَهُ إنْ حَمَلَتْ مِنْهُ (وَوَلَدُهُ قِنٌّ وَيُحَدُّ) إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ لِأَنَّ الِابْنَ لَيْسَ لَهُ التَّمَلُّكُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَبَوَيْهِ فَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْوَطْءِ.
(وَلَيْسَ لِوَلَدٍ وَلَا لِوَرَثَتِهِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنِ قَرْضٍ وَلَا ثَمَنِ مَبِيعٍ وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ وَلَا أَرْشِ جِنَايَةٍ وَلَا) بِأُجْرَةِ (مَا انْتَفَعَ بِهِ مِنْ مَالِهِ) لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِيهِ يَقْتَضِيهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَلِأَنَّ الْمَالَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْحُقُوقِ فَلَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ أَبِيهِ بِهِ كَحُقُوقِ الْأَبْدَانِ (وَلَا) لِلِابْنِ (أَنْ يُحِيلَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْأَبِ (بِدَيْنِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَبَهُ بِهِ فَلَا يَمْلِكُ الْحَوَالَةَ عَلَيْهِ.
(وَلَا) مُطَالَبَةَ لِلْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ (بِغَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا بِنَفَقَةٍ) أَيْ: الْوَلَدِ (الْوَاجِبَةِ) عَلَى الْأَبِ لِفَقْرِ الِابْنِ وَعَجْزِهِ عَنْ التَّكَسُّبِ، فَلَهُ الطَّلَبُ بِهَا (زَادَ فِي الْوَجِيزِ وَحَبْسُهُ عَلَيْهَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (وَلَهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (مُطَالَبَتُهُ) أَيْ: الْأَبِ (بِعَيْنِ مَالٍ لَهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (فِي يَدِهِ) أَيْ: الْأَبِ.
(وَيَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ لِتَمَامِ مِلْكِ الْوَلَدِ عَلَى مَالِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، وَوُجُوبِ زَكَاتِهِ عَلَيْهِ وَحِلِّ الْوَطْءِ وَتَوْرِيثِ وَرَثَتِهِ.
وَحَدِيثُ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» عَلَى مَعْنَى سُلْطَةِ التَّمَلُّكِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إضَافَةُ الْمَالِ لِلْوَلَدِ (وَيَثْبُتُ لَهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ: الْوَالِدِ (الدَّيْنُ) مِنْ بَدَلِ قَرْضٍ وَثَمَنِ مَبِيعٍ وَأُجْرَةٍ وَنَحْوِهَا (وَنَحْوُهُ) كَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ إعْمَالًا لِلسَّبَبِ فَإِنَّ مِلْكَ الْوَلَدِ تَامٌّ.
وَالسَّبَبُ إمَّا إتْلَافٌ لِمَالِ الْغَيْرِ وَإِمَّا قَرْضٌ وَنَحْوُهُ فَعَقْدٌ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] .
(قَالَ فِي الْمُوجَزِ: لَا يَمْلِكُ) الْوَلَدُ (إحْضَارَهُ) أَيْ: الْأَبِ (فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ: فَإِنْ أَحْضَرَهُ فَادَّعَى) الْوَلَدُ عَلَيْهِ (فَأَقَرَّ) الْأَبُ بِالدَّيْنِ (أَوْ قَامَتْ) بِهِ (بَيِّنَةٌ لَمْ يُحْبَسْ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْخَلَّالِ.
(وَإِنْ وَجَدَ) الْوَلَدُ (عَيْنَ مَالِهِ الَّذِي أَقْرَضَهُ) لِأَبِيهِ (أَوْ بَاعَهُ) لَهُ (وَنَحْوَهُ) كَعَيْنِ مَا غَصَبَهُ مِنْهُ (بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (أَخْذُهُ) أَيْ: مَا وَجَدَهُ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ اُنْتُقِدَ ثَمَنُهُ) لِتَعَذُّرِ الْعِوَضِ قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْعِوَضُ رَجَعَ بِعَيْنِ الْمَالِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فَيُطَالَبُ بِالْعِوَضِ (وَلَا يَكُونُ) مَا وَجَدَ مِنْ عَيْنِ مَالِ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ (مِيرَاثًا) لِوَرَثَةِ الْأَبِ
(بَلْ) هُوَ (لَهُ) أَيْ: لِلْوَلَدِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ (دُونَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ) قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: هَذَا إذَا صَارَ إلَى الْأَبِ بِغَيْرِ تَمْلِيكٍ وَلَا عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَأَمَّا إنْ صَارَ إلَيْهِ بِنَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ قَوْلًا وَاحِدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى قُلْتُ: فَكَيْفَ تُصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ مَعَ قَوْلِهِمْ عَيْنُ مَا أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ وَمَا قَدَّمْتُهُ أَوْلَى.
(وَلَا يَسْقُطُ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ) أَيْ: الْأَبِ (بِمَوْتِهِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ) كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
(وَتَسْقُطُ جِنَايَتُهُ) أَيْ: أَرْشُهَا بِمَوْتِ الْأَبِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ الْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِمَا: كَوْنُ الْأَبِ أَخَذَ عَنْ هَذَا عِوَضًا بِخِلَافِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ أَيْضًا دَيْنُ الضَّمَانِ إذَا ضَمِنَ غَرِيمٌ وَلَدَهُ.
(وَلَوْ قَضَى الْأَبُ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ لِوَلَدِهِ فِي مَرَضِهِ أَوْ وَصَّى بِقَضَائِهِ فَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ عَلَيْهِ لَا تُهْمَةَ فِيهِ فَكَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَالدَّيْنِ الْأَجْنَبِيِّ.
(وَلِوَلَدِ الْوَلَدِ مُطَالَبَةُ جَدِّهِ بِمَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ) مِنْ دَيْنٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَغَيْرِهِمَا كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ، إنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِوَرَثَةِ الْوَلَدِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنِهِ (وَكَذَا الْأُمُّ) تُطَالَبُ بِدَيْنِ وَلَدِهَا.
(وَلَا اعْتِرَاضَ لِلْأَبِ عَلَى تَصَرُّفِ الْوَلَدِ فِي مَالِ نَفْسِهِ بِعُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَغَيْرِهَا) لِتَمَامِ مِلْكِ الْوَلَدِ.
(وَالْهَدِيَّةُ تُذْهِبُ الْحِقْدَ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدَايَا تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» وَالْوَحَرُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - الْحِقْدُ وَالْغَيْظُ.
(وَ) الْهَدِيَّةُ (تَجْلِبُ الْمَحَبَّةَ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (وَلَا تُرَدُّ) أَيْ: يُكْرَهُ رَدُّ الْهَدِيَّةِ.
(وَإِنْ قَلَّتْ، كَذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ) بِضَمِّ الْكَافُ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ مُسْتَدَقُّ السَّاقِ مِنْ الرِّجْلِ، وَمِنْ حَدِّ الرُّسْغِ فِي الْيَدِ وَهُوَ مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِمَنْزِلَةِ الْوَظِيفِ مِنْ الْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ، وَوَظِيفُ الْبَعِيرِ: خُفُّهُ، وَهُوَ كَالْحَافِرِ لِلْفَرَسِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ» (خُصُوصًا الطِّيبُ) لِحَدِيثِ " ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ " فَعَدَّ مِنْهَا الطِّيبَ وَقَوْلُهُ: (مَعَ انْتِفَاءِ مَانِعِ الْقَبُولِ) مُتَعَلِّقٌ بِلَا تُرَدُّ.
(وَيُسَنُّ) لِمَنْ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ (أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا (فَلْيَذْكُرْهَا، وَ) ل (يُثْنِ عَلَى صَاحِبِهَا) الَّذِي أَهْدَاهَا.
(وَيَقُولُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيُجْزِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَلِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(وَيُقَدَّمُ فِي الْهَدِيَّةِ الْجَارُ الْقَرِيبُ بَابُهُ عَلَى) الْجَارِ (الْبَعِيدِ) بَابُهُ لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ إلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» .
(وَيَجُوزُ رَدُّهَا) أَيْ: الْهَدِيَّةِ (لِأُمُورٍ مِثْلِ أَنْ يُرِيدَ أَخْذَهَا بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ لِحَدِيثِ «جَابِرٍ فِي جَمَلِهِ) قَالَ لَهُ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا قَالَ قُلْتُ لَا، بَلْ هُوَ لَكَ قَالَ لَا، بَلْ بِعْنِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (أَوْ يَكُونُ الْمُعْطَى لَا يَقْنَعُ بِالثَّوَابِ الْمُعْتَادِ) لِمَا فِي الْقَبُولِ مِنْ الْمَشَقَّةِ حِينَئِذٍ (أَوْ تَكُونُ) الْهَدِيَّةُ (بَعْدَ السُّؤَالِ وَاسْتِشْرَافِ النَّفْسِ لَهَا) لِحَدِيثِ عُمَرَ «إذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُسْتَشْرِفٌ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» وَإِشْرَافُ النَّفْسِ فَسَّرَهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ بِأَنَّهُ تَطَلُّبٌ لِلشَّيْءِ وَارْتِفَاعٌ لَهُ وَتَعَرُّضٌ إلَيْهِ (أَوْ لِقَطْعِ الْمِنَّةِ) إذَا كَانَ عَلَى الْآخِذِ فِيهِ مِنَّةٌ.
(وَقَدْ يَجِبُ الرَّدُّ كَهَدِيَّةِ صَيْدٍ لِمُحْرِمٍ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «رَدَّ عَلَى الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ هَدِيَّةَ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ وَقَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» وَكَذَا إنْ عُلِمَ أَنَّهُ أَهْدَى حَيًّا حَرُمَ الْقَبُولُ نَقَلَهُ فِي الْآدَابِ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.
[فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ]
ِ (عَطِيَّةُ الْمَرِيضِ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ وَلَوْ) كَانَ الْمَرَضُ (مَخُوفًا) كَصَحِيحٍ (أَوْ فِي) مَرَضٍ (غَيْرِ مَخُوفٍ كَرَمَدٍ وَوَجَعِ ضِرْسٍ وَصُدَاعٍ) أَيْ: وَجَعِ رَأْسٍ (وَجَرَبٍ وَحُمَّى يَسِيرَةٍ سَاعَةً أَوْ نَحْوَهَا وَالْإِسْهَالِ الْيَسِيرِ مِنْ غَيْرِ دَمٍ وَنَحْوِهِ) بِأَنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا لَا يُمْكِنهُ مَنْعُهُ وَلَا إمْسَاكُهُ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَخُوفٌ وَلَوْ سَاعَةً، لِأَنَّ مَنْ لَحِقَهُ ذَلِكَ أَسْرَعَ فِي هَلَاكِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي (وَلَوْ مَاتَ) الْمُعْطَى (بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الْمَرَضِ (أَوْ صَارَ) الْمَرَضُ (مَخُوفًا وَمَاتَ بِهِ كَ) عَطِيَّةِ (صَحِيحٍ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصِّحَّةِ، لِكَوْنِهِ لَا يُخَافُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ.
(وَ) عَطِيَّتُهُ (فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ كَالْبَرْسَامِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بُخَارٌ يَرْتَقِي إلَى الرَّأْسِ وَيُؤَثِّرُ
فِي الدِّمَاغِ، فَيَخْتَلُّ عَقْلُ صَاحِبِهِ وَقَالَ عِيَاضٌ: وَرَمٌ فِي الدِّمَاغِ يَتَغَيَّرُ مِنْهُ عَقْلُ الْإِنْسَانِ وَيَهْذِي (وَوَجَعِ الْقَلْبِ، وَ) وَجَعِ (الرِّئَةِ) فَإِنَّهَا لَا تَسْكُنُ حَرَكَتُهَا فَلَا يَنْدَمِلُ جُرْحُهَا (وَذَاتِ الْجَنْبِ) قُرُوحٌ بِبَاطِنِ الْجَنْبِ.
(وَالطَّاعُونِ فِي بَدَنِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الطَّاعُونُ وَبَاءٌ مَعْرُوفٌ وَهُوَ بَثْرٌ وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا يَخْرُجُ مَعَ لَهَبٍ وَيَسْوَدُّ مَا حَوْلَهُ وَيَخْضَرُّ وَيَحْمَرُّ حُمْرَةً بَنَفْسَجِيَّةً وَيَحْصُلُ مَعَهُ خَفَقَانُ الْقَلْبِ.
(أَوْ وَقَعَ) الطَّاعُونُ (بِبَلَدِهِ) لِأَنَّهُ مَخُوفٌ إذَا كَانَ بِهِ (أَوْ هَاجَتْ بِهِ الصَّفْرَاءُ) لِأَنَّهَا تُوَرِّثُهُ يُبُوسَةً (أَوْ الْبَلْغَمُ) لِأَنَّهُ يُوَرِّثُهُ شِدَّةَ بُرُودَةٍ (وَالْقُولَنْجِ) بِأَنْ يَنْعَقِدَ الطَّعَامُ فِي بَعْضِ الْأَمْعَاءِ وَلَا يَنْزِلُ عَنْهُ (وَالْحُمَّى الْمُطْبِقَةِ وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ) لِأَنَّهُ يُصَفِّي الدَّمَ (وَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ وَهُوَ الْإِسْهَالُ الْمُتَوَاتِرُ) الَّذِي لَا يَسْتَمْسِكُ وَكَذَا إسْهَالٌ مَعَهُ دَمٌ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْقُوَّةَ.
(وَالْفَالِجِ) اسْتِرْخَاءٌ لَأَحَدِ شِقَّيْ الْبَدَنِ لِانْصِبَابِ خَلْطٍ بَلْغَمِيٍّ تَفْسُدُ مِنْهُ مَسَالِكُ الرُّوحِ فَلِجَ كَعَنِيَ، فَهُوَ مَفْلُوجٌ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (فِي) حَالِ (ابْتِدَائِهِ وَالسِّلِّ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ دَاءٌ مَعْرُوفٌ (فِي) حَالِ (انْتِهَائِهِ) وَيَأْتِي مُقَابِلُهُ (وَمَا قَالَ مُسْلِمَانِ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ لَا) مَا قَالَ (وَاحِدٌ وَلَوْ لِعَدَمِ) غَيْرِهِ (عِنْدَ إشْكَالِهِ) أَيْ: الْمَرَضِ (إنَّهُ مَخُوفٌ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: لَيْسَ مَعْنَى الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ الْمَوْتُ مِنْهُ، أَوْ يَتَسَاوَى فِي الظَّنِّ جَانِبُ الْبَقَاءِ، وَالْمَوْتِ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا جَعَلُوا ضَرْبَ الْمَخَاضِ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ.
وَلَيْسَ الْهَلَاكُ غَالِبًا وَلَا مُسَاوِيًا لِلسَّلَامَةِ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا صَالِحًا لِلْمَوْتِ فَيُضَافُ إلَيْهِ وَيَجُوزُ حُدُوثُهُ عِنْدَهُ.
وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ: مَا يَكْثُرُ حُصُولُ الْمَوْتِ مِنْهُ (فَعَطَايَاهُ وَلَوْ) كَانَتْ (عِتْقًا وَوَقْفًا وَمُحَابَاةً) بِأَنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ (كَوَصِيَّةٍ فِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْوَقْفِ) لِلثُّلُثِ فَأَقَلَّ.
(وَلَا لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فِيهِمَا) أَيْ: فِيمَا إذَا كَانَتْ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ وَمَا إذَا كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَمَفْهُومُهُ لَيْسَ لَكُمْ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ يُؤَيِّدُ مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَاسْتَدْعَاهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ الْعِتْقُ مَعَ سِرَايَتِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ الظَّاهِرُ مِنْهَا الْمَوْتُ فَكَانَتْ عَطِيَّتُهُ فِيهَا فِي