صفحات 235-274
تُشْتَهَى وَتُطْلَبُ فَهِيَ كَالْخَمْرِ بِخِلَافِ الْبَنْجِ فَالْحُكْمُ عِنْدَهُ مَنُوطٌ بِاشْتِهَاءِ النَّفْسِ وَطَلَبِهَا وَجَزَمَ فِي الْمُنْتَهَى بِأَنَّهَا تُشْتَهَى وَشَرَحَهُ بِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ مِنْ حَيْثُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ.
(وَالْغَضْبَانُ مُكَلَّفٌ فِي حَالِ غَضَبِهِ بِمَا يَصْدُر مِنْهُ مِنْ كُفْرٍ وَقَتْلِ نَفْسٍ وَأَخْذِ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَطَلَاقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ) النَّوَوِيَّةِ مَا يَقَعُ مِنْ الْغَضْبَانِ مِنْ طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ أَوْ يَمِينٍ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ وَفِي نُسْخَةٍ بِذَلِكَ كُلِّهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ (وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ) مِنْهَا حَدِيثُ خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ الْآتِي فِي الظِّهَارِ وَفِيهِ غَضِبَ زَوْجُهَا فَظَاهَرَ مِنْهَا، فَأَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ وَقَالَتْ: إنَّهُ لَمْ يُرِدْ الطَّلَاقَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مَا أَرَاك إلَّا حَرُمْتِ عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا وَفِي آخِرِهَا قَالَ فَحَوَّلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ فَجَعَلَهُ ظِهَارًا وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمَا فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ وَذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّادِسَ عَشْرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ (وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِخِلَافِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ لَكِنْ إنْ غَضِبَ حَتَّى أُغْمِيَ أَوْ أُغْشِيَ عَلَيْهِ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِزَوَالِ عَقْلِهِ فَأَشْبَهَ الْمَجْنُون (وَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِيلَاءِ) .
[فَصْلٌ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ ظُلْمًا بِمَا يُؤْلِمُ]
فَصْلٌ (وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ ظُلْمًا بِمَا يُؤْلِمُ كَالضَّرْبِ وَالْخَنْقِ وَعَصْرِ السَّاقِ وَالْحَبْسِ وَالْغَطِّ فِي الْمَاءِ مَعَ الْوَعِيدِ فَطَلَّقَ) تَبَعًا لِقَوْلِ مُكْرِهِهِ (لَمْ يَقَعْ) طَلَاقُهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عُثْمَانَ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُلْزِمُهُ اللُّصُوصُ فَطَلَّقَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ إسْنَادُهُ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إغْلَاقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفْظُهُ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُمَا فِي إغْلَاقٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: هُوَ الْمَحْفُوظُ.
وَالْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ مُغْلَقٌ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفِهِ، كَمَا يُغْلَقُ الْبَابُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ ظُلْمًا مَا لَوْ أُكْرِهَ بِحَقٍّ كَإِكْرَاهِ
الْحَاكِمِ الْمُولِي عَلَى الطَّلَاقِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ إذَا لَمْ يَفِئْ وَإِكْرَاهُ الْحَاكِم رَجُلَيْنِ زَوَّجَهُمَا وَلِيَّانِ وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَصَحَّ، كَإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ، وَقَوْلُهُ مَعَ الْوَعِيدِ تَبِعَ فِيهِ الشَّارِحَ وَغَيْرَهُ أَيْ إنَّ الضَّرْبَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَكُونُ إكْرَاهًا مَعَ الْوَعِيدِ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْوَعِيدِ فَأَمَّا الْمَاضِي مِنْ الْعُقُوبَةِ فَلَا يَنْدَفِعُ بِفِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ الْفِعْلُ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَعَّدُ بِهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ فِيمَا بَعْدُ، وَظَاهِرُ التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْوَعِيدَ لَيْسَ بِشَرْطٍ مَعَ الْعُقُوبَةِ (وَفِعْلُ ذَلِكَ) أَيْ الضَّرْبِ وَالْخَنْقِ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (بِوَلَدِهِ) أَيْ الْمُطَلِّقِ (إكْرَاهٌ لِوَالِدِهِ) فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ بَاقِي أَقَارِبِهِ.
(وَإِنْ هَدَّدَهُ قَادِرٌ) عَلَى إيقَاعِ مَا يَضُرّهُ هَدَدٌ بِهِ (بِمَا ضَرَرُهُ كَثِيرٌ كَقَتْلٍ وَقَطْعِ طَرَفٍ وَضَرْبٍ شَدِيدٍ وَحَبْسٍ وَقَيْدٍ طَوِيلَيْنِ وَأَخْذِ مَالٍ كَثِيرٍ وَإِخْرَاجٍ مِنْ دِيَارٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ) هَدَّدَهُ (بِتَعْذِيبِ وَلَدِهِ) بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ أَوْ بِقَتْلِهِ أَوْ قَطْعِ طَرَفِهِ وَقَوْلُهُ (بِسُلْطَانٍ أَوْ تَغَلُّبٍ كَلِصٍّ وَنَحْوِهِ) كَقَاطِعِ طَرِيقٍ مُتَعَلِّقٍ بِقَادِرٍ (يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ) أَيْ الْمُطَلِّقِ (وُقُوعُ مَا هَدَّدَهُ بِهِ، وَ) يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ (عَجْزُهُ عَنْ دَفْعِهِ وَ) عَنْ (الْهَرَبِ مِنْهُ، و) عَنْ (الِاخْتِفَاءِ فَهُوَ) أَيْ التَّهْدِيدُ بِشُرُوطِهِ (إكْرَاهٌ) فَلَا يَقَعْ الطَّلَاقُ مَعَهُ بِشَرْطِهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْوَعِيدُ إكْرَاهًا لَكُنَّا مُكْرَهِينَ عَلَى الْعِبَادَاتِ فَلَا ثَوَابَ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: يَجُوزُ أَنَّا مُكْرَهُونَ عَلَيْهَا وَالثَّوَابُ بِفَضْلِهِ لَا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ عِنْدَنَا ثُمَّ الْعِبَادَاتُ تُفْعَلُ لِلرَّغْبَةِ ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ.
(فَإِنْ كَانَ الضَّرْبُ) الَّذِي هُدِّدَ بِهِ (يَسِيرًا فِي حَقِّ مَنْ لَا يُبَالِي بِهِ فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ) لِأَنَّهُ ضَرَرٌ يَسِيرٌ " (و) إنْ كَانَ الضَّرْبُ يَسِيرًا (فِي ذَوِي الْمُرُوآتِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ لِصَاحِبِهِ عَضَالَةً وَشُهْرَةً فَهُوَ كَالضَّرْبِ الْكَثِيرِ، قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ) قَالَ الْقَاضِي الْإِكْرَاهُ يَخْتَلِفُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ (وَلَوْ سُحِرَ لِيُطَلِّقَ كَانَ إكْرَاهًا) قَالَهُ الشَّيْخُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ أَعْظَم الْإِكْرَاهَاتِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ (إذَا بَلَغَ بِهِ السِّحْرَ إلَى أَنْ لَا يَعْلَمَ مَا يَقُولُ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ انْتَهَى) لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ إذَنْ (وَلَا يَكُونُ السَّبُّ وَ) لَا (الشَّتْمُ وَ) لَا (الْإِخْرَاقُ) أَيْ الْإِهَانَةُ (وَأَخْذُ الْمَالِ الْيَسِيرِ إكْرَاهًا) لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَسِيرٌ.
(وَيَنْبَغِي لِمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ وَطَلَّقَ أَنْ يَتَأَوَّلَهُ فَيَنْوِي بِقَلْبِهِ غَيْرَ امْرَأَتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ) كَأَنْ يَنْوِي بِطَلَاقٍ مِنْ عَمَلٍ وَبِثَلَاثٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْقَعَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ إذَا لَمْ يَتَأَوَّلْ (وَيَأْتِي) بَيَانُ صُوَرِ التَّأْوِيلِ (فِي بَابِ التَّأْوِيلِ فِي الْحَلِفِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْمُكْرَهُ (فِي نِيَّتِهِ) أَيْ فِي مَا نَوَاهُ لِأَنَّهَا لَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ وَهُوَ أَدْرَى بِهَا، وَلِقِيَامِ الْقَرِينَةِ (فَإِنْ تَرَكَ التَّأْوِيلَ بِلَا عُذْرٍ)
لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ (أَوْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقٍ مُبْهَمَة) بِأَنْ أُكْرِهَ لِيُطَلِّق وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ (فَطَلَّقَ) وَاحِدَةً (مُعَيَّنَة لَمْ يَقَعْ) طَلَاقُهُ لِأَنَّ الْمُبْهَمَةَ الَّتِي أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِهَا مُتَحَقِّقٌ فِي الْمُعَيَّنَةِ فَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ.
(وَلَوْ قَصَدَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ دُونَ رَفْعِ الْإِكْرَاهِ) وَقَعَ لِأَنَّهُ قَصْدَهُ وَاخْتَارَهُ (أَوْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ فَطَلَّقَ غَيْرَهَا) وَقَعَ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى طَلَاقِهَا (أَوْ) أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ (طَلْقَةً فَطَلَّقَ ثَلَاثًا وَقَعَ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَى الثَّلَاثِ قُلْتُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ فَطَلَّقَ ثَلَاثًا لَمْ تَقَعْ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِيقَاعَ دُونَ دَفْعِ الْإِكْرَاهِ (وَإِنْ طَلَّقَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِهَا وَغَيْرِهَا وَقَعَ طَلَاقُ غَيْرِهَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكْرَهًا عَلَيْهِ (دُونَهَا) أَيْ دُونَ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ عَلَى طَلَاقِهَا فَلَا يَقَعُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْعِتْقِ وَالْيَمِينِ وَنَحْوِهِمَا) كَالظِّهَارِ (كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الطَّلَاقِ) فَلَا يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ حَالٍ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهَا عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَى الطَّلَاقِ.
(وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِي صِحَّتِهِ كَالنِّكَاحِ بِوِلَايَةِ فَاسِقٍ، أَوْ) النِّكَاحِ (بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ أَوْ بِنِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا) الْبَائِنِ (أَوْ نِكَاحِ الشِّغَارِ، أَوْ) نِكَاحِ (الْمُحَلِّلِ أَوْ بِلَا شُهُودٍ أَوْ بِلَا وَلِيٍّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) كَنِكَاحِ الزَّانِيَةِ فِي عِدَّتِهَا أَوْ قَبْلَ تَوْبَتِهَا، وَنِكَاحِ الْمَحْرَمِ وَلَوْ لَمْ يَرَ الْمُطَلِّقُ لِصِحَّتِهِ نَصَّ عَلَى وُقُوعِهِ أَحْمَدُ (كَبَعْدَ حُكْمِ) الْحَاكِمِ (بِصِحَّتِهِ) إذَا كَانَ يَرَاهَا وَالْحَاكِمُ إنَّمَا يَكْشِفُ خَافِيًا أَوْ يُنَفِّذُ وَاقِعًا، لِأَنَّ الطَّلَاقَ إزَالَةُ مِلْكٍ بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ فَجَازَ أَنْ يُنَفَّذَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي نُفُوذِهِ إسْقَاطُ حَقِّ الْغَيْرِ كَالْعِتْقِ يُنَفَّذُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ بِالْأَدَاءِ كَمَا يُنَفَّذُ فِي الصَّحِيحَةِ وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَدْ قَامَ مَقَام الصَّحِيحِ فِي أَحْكَامِهِ كُلِّهَا (وَيَكُونُ) الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ (بَائِنًا) فَلَا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا سُئِلَ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يُحْكَمْ بِصِحَّتِهِ) فَيَكُونُ كَالصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (وَيَجُوزُ) الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ (فِي حَيْضٍ وَلَا يَكُونُ) طَلَاقَ بِدْعَةٍ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ هَذَا النِّكَاحِ غَيْرُ جَائِزَةٍ (وَيَثْبُتُ فِيهِ) أَيْ النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِي صِحَّتِهِ (النَّسَبُ) إنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ (وَالْعِدَّةُ) إنْ دَخَلَ أَوْ خَلَا بِهَا (وَالْمَهْرُ) الْمُسَمَّى إنْ دَخَلَ بِهَا كَالصَّحِيحِ وَيَسْقُطُ أَيْضًا بِهِ الْحَدُّ وَلَا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا سُئِلَ عَلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ الْخُلْعُ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَضِ وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا يَقَعُ) الطَّلَاقُ (فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ إجْمَاعًا) كَنِكَاحِ خَامِسَةٍ وَأُخْتٍ عَلَى أُخْتِهَا.
(وَلَا) يَقَعُ الطَّلَاقُ (فِي نِكَاحٍ فُضُولِيٍّ قَبْلَ إجَازَتِهِ وَإِنْ نَفَّذْنَاهُ بِهَا) أَيْ بِالْإِجَازَةِ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ إنْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ جَازَ طَلَاقُهُ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا (وَيَقَعُ عِتْقٌ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَتَعْلِيلِهِ.
[فَصْلٌ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ تَوْكِيلُهُ فِيهِ]
فَصْلٌ (وَمَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ تَوْكِيلُهُ فِيهِ وَ) صَحَّ (تَوَكُّلُهُ فِيهِ) لِأَنَّ مَنْ صَحَّ تَصَرُّفُهُ فِي شَيْءٍ لِنَفْسِهِ مِمَّا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِيهِ صَحَّ تَوْكِيلُهُ وَتَوَكُّلُهُ فِيهِ وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إزَالَةُ مِلْكٍ فَجَازَ التَّوْكِيلُ وَالتَّوَكُّلُ فِيهِ كَالْعِتْقِ (فَإِنْ وَكَّلَ) الزَّوْجُ الْمَرْأَةَ (فِيهِ) أَيْ الطَّلَاقِ (صَحَّ) تَوْكِيلُهَا وَطَلَاقُهَا لِنَفْسِهَا لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيلُهَا فِي طَلَاقِ غَيْرِهَا فَكَذَا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا (وَلِلْوَكِيلِ أَنْ يُطَلِّقَ مَتَى شَاءَ) ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّوْكِيلِ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ تَوْكِيلًا مُطْلَقًا أَشْبَهَ التَّوْكِيلَ فِي الْبَيْعِ (إلَّا أَنْ يَحُدَّ لَهُ) الْمُوَكِّلُ أَيْ لِلْوَكِيلِ (حَدًّا) كَأَنْ يَقُول طَلِّقْهَا الْيَوْمَ أَوْ نَحْوَهُ فَلَا يَمْلِكُهُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَثْبُت لَهُ الْوَكَالَةُ عَلَى حَسْبِ مَا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْمُوَكِّلِ أَوْ يَفْسَخُ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ (أَوْ يَطَأُ) الْمُوَكِّلُ الَّتِي وَكَّلَ فِي طَلَاقِهَا فَتَنْفَسِخُ الْوَكَالَةُ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى ذَلِكَ.
(وَلَا يُطَلِّقُ) الْوَكِيلُ الْمُطَلِّقُ (أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ (إلَّا أَنْ يَجْعَلَ) الْمُوَكِّلَ إلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ (بِلَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ) لِأَنَّهُ نَوَى بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلهُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهَا (فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي ثَلَاثَةِ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً) وَقَعَتْ لِدُخُولِهَا فِي ضِمْنِ الْمَأْذُونِ فِيهِ (أَوْ وَكَّلَهُ فِي) طَلْقَةٍ (وَاحِدَةٍ فَطَلَّقَ ثَلَاثَةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً نَصًّا) لِأَنَّهَا الْمَأْذُونُ فِيهَا دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي ضِمْنِ الثَّلَاثِ فَتَقَعُ.
(وَإِنْ خَيَّرَهُ) أَيْ خَيَّرَ الْمُوَكِّلَ الْوَكِيلُ بِأَنْ قَالَ لَهُ طَلِّقْ مَا شِئْتَ (مِنْ ثَلَاثٍ مَلَكَ اثْنَتَيْنِ فَأَقَلَّ) لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَكَذَا لَوْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ.
(وَلَا يَمْلِكُ) الْوَكِيلُ (الطَّلَاقَ) أَيْ مَعَ إطْلَاقِ الْوَكَالَةِ (تَعْلِيقًا) لِلطَّلَاقِ عَلَى شَرْطٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا.
(وَإِنْ وَكَّلَ) الزَّوْجُ (اثْنَيْنِ فِيهِ) أَيْ الطَّلَاقَ (فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ فِيهِ) لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّمَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِهِمَا جَمِيعًا (إلَّا بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ) لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالِانْفِرَادِ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُوَكِّلِ فِي ذَلِكَ (وَإِنْ وَكَّلَهُمَا فِي ثَلَاثٍ فَطَلَّقَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدَ الْوَكِيلِينَ (أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ وَقَعَ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُمَا فِيهِ (فَلَوْ طَلَّقَ أَحَدُهُمَا وَاحِدَةً وَالْآخَرُ أَكْثَرَ) كَثَلَاثٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ (فَوَاحِدَةٌ) أَوْ طَلَّقَ أَحَدُهُمَا ثِنْتَيْنِ وَالْآخَرُ ثَلَاثًا وَقَعَ ثِنْتَانِ.
(وَيَحْرُم عَلَى الْوَكِيلِ الطَّلَاقُ وَقْتَ بِدْعَةٍ) كَالْمُوَكِّلِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ طَلَّقَ الْوَكِيل زَمَنَ بِدْعَةٍ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ (كَالْمُوَكِّلِ) إذَا طَلَّقَ زَمَن بِدْعَة.
(وَيُقْبَلُ دَعْوَى الزَّوْجِ) بَعْدَ إيقَاعِ الْوَكِيلِ الطَّلَاقَ (أَنَّهُ) كَانَ (رَجَعَ عَنْ الْوَكَالَةِ قَبْلَ إيقَاعِ الْوَكِيلِ الطَّلَاقَ) عِنْدَ أَصْحَابِنَا قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَعَنْهُ) أَيْ الْإِمَام فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِث (لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَالْأَزَجِيُّ فِي عَزْلِ الْمُوَكَّلِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ (وَكَذَا دَعْوَى عِتْقِهِ وَرَهْنِهِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى) وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ.
(وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَكِ فَلَهَا ذَلِكَ كَالْوَكِيلِ وَيَأْتِي) مُفَصَّلًا (وَإِنْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (اخْتَارِي مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْت لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ) لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ كَمَا مَرَّ فِي الْوَكِيل.
[بَابُ سُنَّةِ الطَّلَاقِ وَبِدْعَتِهِ]
ِ طَلَاقُ السُّنَّةِ مَا أَذِنَ الشَّارِعُ فِيهِ وَالْبِدْعَةُ مَا نَهَى عَنْهُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُطَلِّقَ عَلَى الصِّفَةِ الْأُولَى مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْن عَبْدِ الْبَرِّ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ طَاهِرَاتٍ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَحَدِيثُ «ابْنِ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ» وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (السُّنَّةُ فِيهِ) أَيْ الطَّلَاقِ (أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً) لِقَوْلِ عَلِيٍّ رَوَاهُ النَّجَّادُ (فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ (ثُمَّ يَدَعُهَا فَلَا يُتْبِعُهَا طَلَاقًا آخَرَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: لَا يُطَلِّقُ أَحَدٌ السُّنَّة فَيَنْدَمَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُطَلِّقْ ثَلَاثًا وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الطَّلَاقِ فِرَاقُهَا وَفِرَاقُهَا حَاصِلٌ بِالطَّلَاقِ الْأَوَّلِ (إلَّا فِي طُهْرٍ يَتَعَقَّبُ الرَّجْعَةَ مِنْ طَلَاقٍ) فِي (حَيْضٍ فَبِدْعَةٌ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ (زَادَ فِي التَّرْغِيبِ وَيَلْزَمُهُ وَطْؤُهَا) أَيْ وَطْءُ مَنْ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ ثُمَّ رَاجَعَهَا إذَا طَهُرَتْ وَاغْتَسَلَتْ
(وَإِنْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا فِي حَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ (أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ وَلَوْ) أَنَّهُ طَلَّقَهَا (فِي آخِرِهِ) أَيْ آخِرِ الطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ (وَلَمْ يَسْتَبِنْ) أَيْ يَظْهَرَ وَيَتَّضِحَ (حَمْلُهَا فَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ مُحَرَّمٌ) لِمَفْهُومِ مَا تَقَدَّمَ.
(وَيَقَعُ نَصًّا) طَلَاقُ الْبِدْعَةِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدَ الْبَرِّ لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَال انْتَهَى لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بِالْمُرَاجَعَةِ وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَفِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا قَالَ كَانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وَتَكُونُ مَعْصِيَةً» وَذَكَرَ فِي الشَّرْح هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ كُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ.
وَقَالَ نَافِعٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهِ رَاجَعَهَا كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ فِي مَحَلِّهِ فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْحَامِلِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَيُعْتَبَرُ لِوُقُوعِهِ مُوَافَقَةَ السُّنَّةِ بَلْ هُوَ إزَالَةُ عِصْمَةٍ وَقَطْعُ مِلْكٍ فَإِيقَاعُهُ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ أَوْلَى تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَعُقُوبَةً لَهُ.
(وَتُسَنُّ رَجَعْتُهَا) أَيْ رَجْعَةُ الْمُطَلَّقَةِ زَمَنَ الْبِدْعَةِ (إنْ كَانَ) الطَّلَاقُ (رَجْعِيًّا فَإِذَا رَاجَعَهَا وَجَبَ إمْسَاكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ) فَإِذَا طَهُرَتْ سُنَّ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى فَإِذَا طَلَّقَهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَهُوَ طَلَاقُ سُنَّةٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ.
(وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِقِيَامِهَا أَوْ) عَلَّقَهُ (بِقُدُومِ زَيْدٍ فَقَامَتْ) وَهِيَ حَائِضٌ (أَوْ قَدِمَ) زَيْدٌ (وَهِيَ حَائِضٌ طَلُقَتْ لِلْبِدْعَةِ) لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ (وَلَا إثْمَ) عَلَى الْمُطَلِّقِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ إيقَاعَ الطَّلَاق زَمَنَ الْبِدْعَةِ (وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ السُّنَّةَ فَقَدِمَ) زَيْدٌ (فِي زَمَانِ السُّنَّةِ) أَيْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ (طَلُقَتْ) لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَإِنْ قَدِمَ) زَيْدٌ (فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ لَمْ يَقَعْ) الطَّلَاقُ عِنْدَ قُدُومِهِ لِأَنَّهَا إذَنْ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَلَمْ يُوجَدْ تَمَامَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ (فَإِذَا صَارَتْ إلَى زَمَانِ السُّنَّةِ وَقَعَ) الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ (وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ عِنْد قُدُومِ زَيْدٍ (لَهَا) أَيْ لِزَوْجَتِهِ (قَبْلَ الدُّخُولِ طَلُقَتْ عِنْدَ قُدُومِهِ حَائِضًا كَانَتْ أَوْ طَاهِرًا) لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ لَهَا وَلَا بِدْعَةَ (وَإِنْ) قَالَهُ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ و (قَدِمَ) زَيْدٌ (بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ طَلُقَتْ) حِين قُدُومه لِوُجُودِ الصِّفَةِ لِأَنَّهَا إذَنْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ (وَإِنْ قَدِمَ) زَيْدٌ (زَمَنَ الْبِدْعَةِ) أَيْ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ (لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَجِيءَ زَمَنُ السُّنَّةِ) لِيُوجَدَ الشَّرْطُ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيْ طَلَّقَ رَجُلٌ زَوْجَتَهُ (ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ) حُرِّمَتْ نَصًّا وَوَقَعَتْ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ إنَّ
عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَقَالَ إنَّ عَمَّك عَصَى اللَّهَ وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1]- ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4] وَمَنْ جَمَعَ الثَّلَاثَ لَمْ يَبْقَ لَهُ أَمْرٌ يَحْدُثُ وَلَمْ يَجْعَلْ، اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا وَلَا مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ «أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقْتُلُهُ» .
وَفِي حَدِيثِ «ابْنِ عُمَرَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا قَالَ إذَنْ عَصَيْتَ وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَحْرِيمٌ لِلْبُضْعِ بِالْقَوْلِ فَأَشْبَهَ الظِّهَارَ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الظِّهَارَ يَرْتَفِعُ بِالتَّكْفِيرِ وَهَذَا لَا سَبِيلَ لِلزَّوْجِ إلَى رَفْعِهِ بِحَالٍ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدِهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ بَعْدِهِمْ وَأَمَّا مَا رَوَى طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَقَدْ قَالَ الْأَثْرَمُ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَيِّ شَيْءٍ تَدْفَعُهُ قَالَ أَدْفَعُهُ بِرِوَايَةِ النَّاسِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ خِلَافَهُ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عِدَّةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ خِلَافَهُ أَنَّهَا ثَلَاثٌ وَقِيلَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُطَلِّقُونَ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ عُمَرُ فِيمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا يَكُونُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يَرْوِيَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُفْتِي بِخِلَافِهِ.
(أَوْ) طَلَّقَهَا ثَلَاثًا (بِكَلِمَاتٍ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ أَوْ) طَلَّقَهَا ثَلَاثًا (فِي أَطْهَارٍ قَبْلَ رَجْعَةٍ حَرُمَ) ذَلِكَ (نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ (لَا) إنْ طَلَّقَهَا (اثْنَتَيْنِ) فَلَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُمَا لَا يَمْنَعَانِ مِنْ رَجْعَتِهَا إذَا نَدِمَ فَلَمْ يَسُدَّ الْمَخْرَجَ عَلَى نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ طَلْقَةً جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَحْصُل لَهُ بِهَا فَكَانَ مَكْرُوهًا كَتَضْيِيعِ الْمَالِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَلَا بِدْعَةَ فِيهَا) أَيْ الثَّلَاثُ (بَعْد رَجْعَةٍ أَوْ عَقْدٍ) كَإِنْ طَلَّقَهَا
طَلْقَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا أَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا أُخْرَى ثُمَّ رَاجَعَهَا أَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ.
(وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَلَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ فِي وَقْتٍ وَلَا عَقْدَ) لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَالصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ عِدَّتُهَا بِالْأَشْهُرِ فَلَا تَحْصُل الرِّيبَةُ وَالْحَامِلُ الَّتِي اسْتَبَانَ حَمْلُهَا عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ فَلَا رِيبَةَ لِأَنَّ حَمْلَهَا قَدْ اسْتَبَانَ بِخِلَافِ مَا لَمْ يَسْتَبِنْ حَمْلُهَا وَطَلَّقَهَا ظَنًّا أَنَّهَا حَامِلٌ ثُمَّ ظَهَرَ حَمْلُهَا رُبَّمَا نَدِمَ عَلَى ذَلِكَ (فَلَوْ قَالَ لِإِحْدَاهُنَّ) أَيْ لِصَغِيرَةٍ أَوْ آيِسَةٍ أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا (أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ) طَلُقَتْ فِي الْحَالِ (أَوْ قَالَ) لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ (لِلْبِدْعَةِ) طَلُقَتْ فِي الْحَالِ (أَوْ قَالَ) لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ (لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ أَوْ لَا لِلسُّنَّةِ أَوْ لَا لِلْبِدْعَةِ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ) لِأَنَّ طَلَاقَهَا لَا يَتَّصِفُ بِسُنَّةٍ وَلَا بِدْعَةٍ فَيَلْغُو وَصْفُهُ بِهِ وَيَبْقَى الطَّلَاقُ بِدُونِ الصِّفَة فَيَقَعُ فِي الْحَالِ (وَإِنْ قَالَ) لِإِحْدَاهُنَّ أَنْتِ طَالِقُ (لِلسُّنَّةِ طَلْقَةً وَلِلْبِدْعَةِ طَلْقَةً وَقَعَ طَلْقَتَانِ لِمَا سَبَقَ وَيَدِينُ أَيْ يَقْبَلُ مِنْهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا بَيْنَهُ) وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بَاطِنًا (فِي غَيْرِ آيِسَةٍ إذَا قَالَ أَرَدْتُ إذَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْوَصْفِ) أَيْ السُّنَّةِ أَوْ الْبِدْعَةِ (وَيُقْبَلُ) مِنْهُ (حُكْمًا) لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ بِخِلَافِ الْآيِسَةِ إذْ لَا يُمْكِنُ فِيهَا ذَلِكَ.
(وَإِنْ قَالَهَا) أَيْ لِزَوْجَتِهِ (فِي الطُّهْرِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فَيَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ أَوْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ لَهَا مَا دَامَتْ كَذَلِكَ.
(وَإِنْ قَالَ لِمَنْ لِطَلَاقِهَا سُنَّة وَبِدْعَةٌ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لِلسُّنَّةِ وَطَلْقَةً لِلْبِدْعَةِ طَلُقَتْ طَلْقَةً فِي الْحَالِ) لِأَنَّ حَالَهَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ فَتَقَعُ الطَّلْقَةُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى السُّنَّةِ أَوْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ فَتَقَعُ الطَّلْقَةُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى الْبِدْعَةِ (وَ) طَلُقَتْ (طَلْقَةً) أُخْرَى (فِي ضِدِّ حَالِهَا الرَّاهِنَةِ) أَيْ الثَّابِتَةِ حِينَ قَوْلِهِ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الطَّلْقَةَ الثَّانِيَةَ مُعَلَّقَةٌ عَلَى ضِدِّ الْحَالِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا حَالَ الْقَوْلِ.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا (أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ) وَهِيَ (فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ) لِأَنَّ مَعْنَى لِلسُّنَّةِ فِي وَقْت السُّنَّة وَذَلِكَ وَقْتُهَا (وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا طَلُقَتْ إذَا طَهُرَتْ) أَيْ (انْقَطَعَ حَيْضُهَا وَلَمْ تَغْتَسِلْ) لِأَنَّ الصِّفَةَ قَدْ وُجِدَتْ (وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ طَلُقَتْ إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتَ السُّنَّةِ فِي حَقِّهَا لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا (أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ) وَهِيَ (فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ وَقْتُ الْبِدْعَةِ (وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ) . وَقَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ (طَلُقَتْ إذَا أَصَابَهَا وَحَاضَتْ، لَكِنْ) إنْ أَصَابَهَا (يَنْزِع فِي الْحَالِ بَعْدَ إيلَاجِ الْحَشَفَةِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا)
أَوْ كَانَتْ طَلْقَةً مُكَمِّلَةً لِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ الطَّلَاقِ لِبَيْنُونَتِهَا عَقِبَ ذَلِكَ (فَإِنْ اسْتَدَامَ) أَيْ لَمْ يَنْزِعْ فِي الْحَالِ (حُدَّ عَالِمٌ) بِالْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ (وَعُزِّرَ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْعَالِمِ وَهُوَ الْجَاهِلُ وَالنَّاسِي لِمَا نَالَهُ مِنْ ذَلِكَ.
(وَ) إنْ قَالَ لِمَنْ لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ تَطْلُقُ الْأُولَى فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ وَ) تَطْلُقُ (الثَّانِيَةُ طَاهِرَةً بَعْدَ رَجْعَةٍ أَوْ عَقْدٍ وَكَذَا) تَطْلُقُ (الثَّالِثَةُ) طَاهِرَةً بَعْدَ رَجْعَةٍ أَوْ عَقْدٍ لِأَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ بِدْعَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَنْهُ تَطْلُقُ ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ وَهُوَ الْمَنْصُوص، وَصَحَّحَهُ) جَمْعٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ مِنْ السُّنَّةِ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا نِصْفُهَا لِلسُّنَّةِ وَنِصْفُهَا لِلْبِدْعَةِ، أَوْ قَالَ بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْحَالَيْنِ، فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً فَيَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةُ وَنِصْفُ ثُمَّ يُكَمَّلُ النِّصْفَ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ لَا يَتَبَعَّضُ.
(وَ) تَقَعُ (الثَّالِثَةُ فِي ضِدِّ حَالِهَا الرَّاهِنَةِ) أَيْ الثَّانِيَةِ وَقْتَ تَعْلِيقِهِ (وَكَذَا) لَوْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يَقُلْ نِصْفَيْنِ، وَلَا بَعْضَهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضَهُنَّ لِلْبِدْعَةِ فَيَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَتَانِ وَالْأُخْرَى فِي ضِدِّ حَالِهَا إذَنْ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَانِ لِلسُّنَّةِ وَوَاحِدَةٌ لِلْبِدْعَةِ أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ قَالَ طَلْقَتَانِ لِلْبِدْعَةِ وَوَاحِدَةٌ لِلسُّنَّةِ (فَهُوَ) أَيْ طَلَاقُهُ (عَلَى مَا قَالَ فَإِنْ أَطْلَقَ) فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ (ثُمَّ قَالَ نَوَيْتُ ذَلِكَ) أَيْ طَلْقَتَيْنِ لِلسُّنَّةِ وَوَاحِدَةً لِلْبِدْعَةِ أَوْ عَكْسَهُ (فَإِنْ فَسَّرَ نِيَّتَهُ بِمَا يُوقِعُ فِي الْحَالِ طَلْقَتَيْنِ طَلُقَتْ وَقَبِلَ) ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْأَغْلَظِ، (وَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا يُوقِعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً) فِي الْحَالِ (وَيُؤَخِّرُ اثْنَتَيْنِ دِينَ وَيُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ وَهُوَ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ فَتَطْلُقَ فِي كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً) لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْقُرْءُ الْحَيْضُ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ (وَإِنْ كَانَتْ) حِينَ التَّعْلِيقِ (فِي الْقُرْءِ) أَيْ الْحَيْضِ (وَقَعَ بِهَا وَاحِدَةً فِي الْحَالِ وَيَقَع بِهَا طَلْقَتَانِ فِي قُرْأَيْنِ آخَرَيْنِ فِي أَوَّلِ كُلِّ قُرْءٍ مِنْهُمَا) طَلْقَةً لِوُجُودِ الصِّفَةِ.
(وَ) الزَّوْجَةُ (غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِالطَّلْقَةِ الْأُولَى) فَلَا يَلْحَقُهَا مَا بَعْدَهَا مَا دَامَتْ بَائِنًا (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَقَعَ بِهَا طَلْقَتَانِ فِي قُرْأَيْنِ) إنْ وَقَعَتْ الْأُولَى رَجْعِيَّةً
وَإِلَّا فَإِذَا تَزَوَّجَهَا وَحَاضَتْ (وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً لَمْ تَطْلُقْ) لِعَدَمِ وُجُودِ الشَّرْطِ.
(وَيُبَاحُ خُلْعٌ وَطَلَاقٌ) بِعِوَضٍ (بِسُؤَالِهَا زَمَنَ بِدْعَةٍ) لِأَنَّهَا أَدْخَلَتْ الضَّرَر عَلَى نَفْسِهَا (وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَيْضِ) وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ كَمَا سَبَقَ هُنَاكَ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَع عَلَيْك لِلسُّنَّةِ وَهِيَ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ) أَيْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ (طَلُقَتْ بِوُجُودِ الصِّفَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ انْحَلَّتْ الصِّفَةُ وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بِحَالٍ) لَوْ صَارَتْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْك لِلْبِدْعَةِ إنْ كَانَتْ فِي زَمَن الْبِدْعَةِ وَقَعَ فِي الْحَالِ وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ بِحَالٍ) وَانْحَلَّتْ الصِّفَةُ كَمَا سَبَقَ فِي عَكْسِهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْمَقُولُ لَهَا ذَلِكَ (مِمَّنْ لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ لَمْ يَقَعْ) الطَّلَاقُ (فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أَوْ أَجْمَلَهُ أَوْ أَقْرَبَهُ أَوْ أَعْدَلَهُ أَوْ أَكْمَلَهُ أَوْ أَفْضَلَهُ أَوْ أَتَمَّهُ أَوْ أَسَنَّهُ أَوْ طَلْقَةً سُنِّيَّةً أَوْ) طَلْقَةً (حَلِيلَةً وَنَحْوَهُ) كَطَلْقَةٍ فَاضِلَةٍ أَوْ عَادِلَةٍ أَوْ كَامِلَةٍ فَذَلِكَ كَقَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ) فَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا فَإِذَا صَارَتْ كَذَلِكَ وَيَصِحُّ وَصْفُ الطَّلَاقِ بِالسُّنَّةِ وَالْحُسْنِ وَالْكَمَالِ وَنَحْوِهِ، لِكَوْنِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ مُطَابِقًا لِلشَّرْعِ.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ (أَقْبَحَهُ) أَيْ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ (أَوْ أَسْمَجَهُ أَوْ أَرْدَأَهُ أَوْ أَفْحَشَهُ أَوْ أَنْتَنَهُ وَنَحْوَهُ) كَانَتْ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبِيحَةً أَوْ رَدِيئَةً.
كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (لِلْبِدْعَةِ) فَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ أَوْ حَائِضًا وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا فَإِذَا صَارَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ فِي الْأَفْعَالِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ فَمَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ فَهُوَ حَسَنٌ وَمَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ فَهُوَ قَبِيحٌ وَقَدْ أَذِنَ الشَّرْعُ فِي الطَّلَاقِ فِي زَمَنِ فَسُمِّيَ زَمَانَ السُّنَّةِ، وَنَهَى عَنْهُ فِي زَمَنٍ فَسُمِّيَ زَمَانَ الْبِدْعَةِ وَإِلَّا فَالطَّلَاقُ فِي نَفْسِهِ فِي الزَّمَانَيْنِ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا حَسُنَ أَوْ قَبُحَ بِالْإِضَافَةِ إلَى زَمَانِهِ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ: أَحْسَنَ أَحْوَالِكِ أَوْ أَقْبَحَهَا أَنْ تَكُونِي مُطَلَّقَةً فَيَقَعُ، فِي الْحَالِ) لِأَنَّ هَذَا يُوجَدُ فِي الْحَالِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ الصِّفَةَ فَيَلْغُو وَيَقَعُ فِي الْحَالِ (لَكِنْ لَوْ نَوَى) بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (أَحْسَنَهُ) أَيْ
أَحْسَنَ الطَّلَاقِ (بِزَمَنٍ الْبِدْعَةِ لِشِبْهِهِ بِخُلُقِهَا الْقَبِيحِ أَوْ) نَوَى (بِأَقْبَحِهِ زَمَنَ السُّنَّةِ بِقُبْحِ عَشْرَتِهَا) فَإِنْ نَوَى الْأَغْلَظَ عَلَيْهِ قُبِلَ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ (لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ (إلَّا بِقَرِينَةٍ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْحَالِ السُّنَّةِ، وَهِيَ حَائِضٌ، أَوْ) قَالَ أَنْتِ (طَالِقٌ الْبِدْعَةِ فِي الْحَالِ، وَهِيَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ) تَطْلُقُ فِي الْحَالِ وَتَلْغُو الصِّفَةُ (أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً، أَوْ) طَلْقَةً (فَاحِشَةً جَمِيلَةً أَوْ) طَلْقَةً (تَامَّةً نَاقِصَةً تَطْلُقُ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِوَصْفَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فَلَغِيَا وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ فَوَقَعَ.
وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقُ طَلَاقَ الْحَرَجِ فَقَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ طَلَاقَ الْبِدْعَةِ لِأَنَّ الْحَرَجَ الضِّيقُ وَالْإِثْمُ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ يَقَعُ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ الَّذِي يَمْنَعُهُ الرُّجُوعَ إلَيْهَا.
[بَابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَاتِهِ]
ِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقَ بِغَيْرِ لَفْظٍ فَلَوْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ لَمْ يَقَعْ، خِلَافًا لِابْنِ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَرُدَّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ فَلَمْ يَحْصُلْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَالْعِتْقِ.
وَانْقَسَمَ اللَّفْظُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ فَكَانَ لَهُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ كَالْعِتْقِ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الْإِزَالَةُ (الصَّرِيحُ مَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ أَيْ بِحَسْبِ الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ مِنْ كُلّ شَيْءٍ) وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَظِهَارٍ وَغَيْرِهَا فَلَفْظُ الطَّلَاقِ صَرِيحٌ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ فِي الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَإِنْ قَبِلَ التَّأْوِيلَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهِ فَانْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ (وَالْكِنَايَةُ مَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَيَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الصَّرِيحِ وَصَرِيحُهُ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ) لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ عَلَى الْخُصُوصِ ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّارِعِ وَالِاسْتِعْمَالِ، فَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَلَاقٌ أَوْ الطَّلَاقُ أَوْ طَلَّقْتُكِ أَوْ مُطَلَّقَةً فَهُوَ صَرِيحٌ (لَا غَيْرُ) أَيْ لَيْسَ صَرِيحُهُ غَيْرَ لَفْظِ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ كَالسَّرَاحِ وَالْفِرَاق لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ كَثِيرًا فَلَمْ يَكُونَا صَرِيحَيْنِ، فِيهِ
كَسَائِرِ كِنَايَاتِهِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: 4] وَقَالَ ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الطَّلَاقُ إذْ الْآيَةُ فِي الرَّجْعَةِ وَهِيَ إذَا قَارَبَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا أَنْ يُمْسِكَهَا بِرَجْعَةٍ وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا فَالْمُرَادُ بِالتَّسْرِيحِ فِي الْآيَةِ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْإِرْسَالُ (غَيْرُ أَمْرٍ نَحْوَ طَلِّقِي وَ) غَيْرُهُ (مُضَارِعٌ نَحْوَ أُطَلِّقُكِ وَ) غَيْرُ (مُطَلِّقَةٍ بِكَسْرِ اللَّام) اسْم فَاعِلٍ (فَلَا تَطْلُقُ بِهِ) لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِيقَاعِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ فِي الْبُيُوع بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَلْفَاظَ الْعُقُودِ بِالْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ وَاسْمِ الْفَاعِلِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ وَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِالْمُضَارِعِ وَمَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُحْتَمِلًا فَإِنَّهُ يَكُون كِنَايَةً حَيْثُ تَصِحُّ الْكِنَايَةُ كَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ وَيُعْتَبَرُ دَلَالَاتِ الْأَحْوَالِ وَهَذَا الْبَابُ عَظِيمُ الْمَنْفَعَةِ خُصُوصًا فِي الْخُلْعِ وَبَابِهِ.
(وَإِذَا أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ) غَيْرَ حَاكٍ وَنَحْوَهُ (وَقَعَ؛ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ) لِأَنَّ سَائِرَ الصَّرَائِحِ لَا تَفْتَقِر إلَى نِيَّةٍ فَكَذَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ فَيَقَعُ.
(وَلَوْ كَانَ) الْآتِي بِالصَّرِيحِ (هَازِلًا أَوْ لَاعِبًا) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ وَسَنَدُهُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ (أَوْ) كَانَ (مُخْطِئًا) قِيَاسًا عَلَى الْهَازِلِ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَحْوُهُ (إنْشَاءٌ) كَسَائِرِ صِيَغِ الْفُسُوخِ وَالْعُقُودِ (وَقَالَ الشَّيْخُ هَذِهِ صِيَغُ إنْشَاءٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُثْبِتُ الْحُكْمَ وَبِهَا تَمَّ وَهِيَ أَخْبَارٌ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي فِي النَّفْسِ) وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ يَطَّرِد فِي كُلِّ إنْشَاءٍ وَطَلَبٍ.
(وَإِنْ قَالَ امْرَأَتِي طَالِقٌ أَوْ) قَالَ (عَبْدِي حُرٌّ أَوْ) قَالَ (أَمَتِي حُرَّةٌ وَأَطْلَقَ النِّيَّةَ) فَلَمْ يَنْوِ مُعَيَّنًا وَلَا مُبْهَمًا مِنْ زَوْجَاته وَلَا عَبِيدِهِ وَلَا إمَائِهِ (طَلَّقَ جَمِيعَ نِسَائِهِ وَعَتَقَ عَبِيدُهُ وَإِمَاؤُهُ) لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ.
(وَلَوْ قَالَ) لِامْرَأَتِهِ (كُلَّمَا قُلْتِ لِي شَيْئًا وَلَمْ أَقُلْ لَكِ مِثْلَهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ لَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ بِفَتْحِ التَّاءِ أَوْ كَسْرِهَا فَلَمْ يَقُلْهُ) طَلُقَتْ لِوُجُودِ الصِّفَةِ (أَوْ قَالَهُ طَلُقَتْ) لِأَنَّهُ وَاجَهَهَا بِالطَّلَاقِ (وَلَوْ) قَالَهُ وَعَلَّقَهُ (بِشَرْطٍ) طَلُقَتْ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهَا مِثْلَهُ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ غَيْرُ الْمُنْجَزِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَهُ التَّمَادِي إلَى قُبَيْلِ الْمَوْتِ انْتَهَى وَلَوْ نَوَى فِي وَقْتِ كَذَا وَنَحْوِهِ
تَخَصَّصَ بِهِ لِأَنَّ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ الْعَامِّ بِالنِّيَّةِ كَثِيرًا أَشَارَ إلَيْهِ فِي بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا يُخْرِجُ لَفْظَهُ عَنْ مُمَاثَلَةِ لَفْظِهَا (وَإِنْ قَالَ لَهَا) أَيْ لِمَنْ قَالَ لَهُمَا كُلَّمَا قُلْتِ لِي شَيْئًا وَلَمْ أَقُلْ لَكِ مِثْلَهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَتْ لَهُ أَنْتَ طَالِقٌ (أَنْتَ طَالِقُ بِفَتْحِ التَّاءِ طَلُقَتْ) كَمَا لَوْ وَاجَهَهَا بِذَلِكَ ابْتِدَاءً لِلْإِشَارَةِ وَالتَّعْيِينِ فَسَقَطَ حُكْمُ اللَّفْظِ.
(وَإِنْ) قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَ (ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ طَالِق مِنْ وَثَاقٍ أَوْ) ادَّعَى أَنَّهُ (أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَطْلَقْتُكِ فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ أَوْ) ادَّعَى أَنَّهُ (أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: طَاهِرٌ فَسَبَقَ لِسَانُهُ) فَقَالَ طَالِقٌ (أَوْ) ادَّعَى أَنَّهُ (أَرَادَ بِقَوْلِهِ) أَنْتِ (مُطَلَّقَةٌ مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ لَمْ تَطْلُقْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ) تَعَالَى لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ (وَلَمْ يُقْبَلْ) ذَلِكَ مِنْهُ (فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ عُرْفًا وَإِذْ يَبْعُدُ إرَادَةُ ذَلِكَ (وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ) لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَالَ (أَرَدْتُ إنْ قُمْتِ فَتَرَكْتَ الشَّرْطَ وَلَمْ أُرِدْ طَلَاقًا) أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قُمْتِ وَقَالَ أَرَدْتُ وَقَعَدْتِ فَتَرَكْتُهُ وَلَمْ أُرِدْ طَلَاقًا فَيُدَيَّنُ وَلَا يُقْبَلُ حُكْمًا (فَإِنْ صَرَّحَ فِي اللَّفْظِ بِالْوَثَاقِ فَقَالَ طَلَّقْتُكِ مِنْ وَثَاقِي أَوْ مِنْ وَثَاقٍ لَمْ يَقَعْ) عَلَيْهِ الطَّلَاقُ لِأَنَّ مَا يَتَّصِل بِالْكَلَامِ يَصْرِفهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْط.
(وَلَوْ قِيلَ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (أَطَلُقَتْ امْرَأَتَكَ؟ أَوْ) قِيلَ لَهُ (امْرَأَتُكَ طَالِقٌ؟ فَقَالَ نَعَمْ) وَأَرَادَ الْكَذِبَ طَلُقَتْ لِأَنَّ نَعَمْ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ وَالْجَوَابُ الصَّرِيحُ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: أَلِفُلَانٍ عَلَيْكَ كَذَا؟ فَقَالَ نَعَمْ كَانَ إقْرَارًا (أَوْ) قِيلَ لَهُ (أَلَك امْرَأَةٌ فَقَالَ قَدْ طَلَّقْتهَا وَأَرَادَ الْكَذِبَ طَلُقَتْ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ (وَلَوْ قِيلَ لَهُ أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ فَقَالَ لَا وَأَرَادَ الْكَذِبِ لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ وَمَنْ أَرَادَ الْكَذِبَ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ (وَلَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ لَا امْرَأَةَ لَهُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْكَذِبُ بَلْ نَوَى الطَّلَاقَ (طَلُقَتْ) امْرَأَتُهُ كَسَائِرِ الْكِنَايَات.
(وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَطَلُقَتْ امْرَأَتَكَ؟ فَقَالَ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ) بِذَلِكَ (الْإِيقَاعَ وَقَعَ) كَالْكِنَايَةِ (وَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ أَنِّي عَلَّقْتُ طَلَاقَهَا بِشَرْطِ) وَلَمْ يُوجَدْ قُبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ.
(وَلَوْ قِيلَ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (أَخْلَيْتَهَا) أَيْ أَخْلَيْتَ زَوْجَتَكَ (وَنَحْوَهُ وَقَالَ نَعَمْ فَكِنَايَةٌ) لَا تَطْلُقُ بِذَلِكَ حَتَّى يَنْوِيَ بِهِ الطَّلَاقَ لِأَنَّ السُّؤَالَ مُنْطَوٍ فِي الْجَوَابِ وَهُوَ كِنَايَةٌ (وَكَذَا لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ أَوْ لَيْسَتْ لِي امْرَأَةٌ أَوْ لَا امْرَأَةَ لِي) فَهُوَ كِنَايَةٌ لَا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَلَوْ نَوَى أَنَّهُ لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ تَخْدُمنِي أَوْ لَيْسَ امْرَأَةٌ تُرْضِينِي أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ.
(وَمَنْ أَشْهَدَ بَيِّنَةً عَلَى نَفْسِهِ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ) أَيْ
أَقَرَّ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثَ وَكَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ يَمِينٌ تَوَهَّمَ وُقُوعَهَا عَلَيْهِ (ثُمَّ اسْتَفْتَى) عَنْ يَمِينِهِ (فَأُفْتِي بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) فِيهَا (لَمْ يُؤَاخَذْ بِإِقْرَارِهِ) بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ (لِمَعْرِفَةِ مُسْتَنَدِهِ) فِي إقْرَارِهِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ (وَيُقْبَلُ) قَوْلُهُ بِ (يَمِينِهِ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ ذَلِكَ فِي إقْرَارِهِ) إنْ كَانَ (مِمَّنْ يَجْهَلُ مِثْلَهُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى لَكِنْ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي شَرْحِهِ: أَنَّ الْمُقَدَّمَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ (وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ آخِرَ بَابِ الْخُلْعِ) ،.
(وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَمْ تُطَلِّقْ امْرَأَتَكَ؟ فَقَالَ: بَلَى طَلُقَتْ) لِأَنَّهَا جَوَابُ النَّفْيِ (وَإِنْ قَالَ نَعَمْ طَلُقَتْ امْرَأَةُ غَيْرِ النَّحْوِيِّ) لِأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْجَوَابِ بِخِلَافِ النَّحْوِيِّ فَلَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ لِأَنَّ نَعَمْ لَيْسَتْ جَوَابًا لِلنَّفْيِ وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي الْإِقْرَارِ.
(وَإِنْ لَطَمَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَطْعَمَهَا أَوْ سَقَاهَا أَوْ أَلْبَسَهَا ثَوْبًا أَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ قَبَّلَهَا وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا شَيْئًا (فَقَالَ هَذَا طَلَاقُك طَلُقَتْ فَهُوَ صَرِيحٌ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ ظَاهِرَ هَذَا اللَّفْظِ جَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ طَلَاقًا مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ أَوْقَعْتُ عَلَيْكِ طَلَاقًا هَذَا الْفِعْلُ مِنْ أَجْلِهِ لِأَنَّ الْفِعْلَ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ فِيهِ لِيَصِحَّ لَفْظُهُ بِهِ، فَيَكُونُ صَرِيحًا فِيهِ يَقَع بِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ (فَلَوْ فَسَّرَهُ بِمُحْتَمَلٍ) أَيْ بِمَا يَحْتَمِلُ عَدَمَ الْوُقُوعِ (أَوْ نَوَى أَنَّ هَذَا سَبَبُ طَلَاقِكِ) فِي زَمَانٍ بِقَدْرِ هَذَا الزَّمَانِ (قُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ (حُكْمًا) لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُهُ.
(وَإِنْ طَلَّقَ) زَوْجَتَهُ (أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ لِضَرَّتِهَا: شَرَكْتُك مَعَهَا، أَوْ أَنْتِ مِثْلُهَا، أَوْ أَنْتِ كَهِيَ أَوْ أَنْتِ شَرِيكَتُهَا فَصَرِيحٌ فِي الضَّرَّةِ فِي الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ) لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْحُكْمَ فِيهِمَا وَاحِدًا، إمَّا بِالشَّرِكَةِ فِي اللَّفْظَةِ أَوْ بِالْمُمَاثَلَةِ، وَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا فُهِمَ مِنْهُ فَكَانَ صَرِيحًا كَمَا لَوْ أَعَادَهُ عَلَيْهَا بِلَفْظِهِ (وَيَأْتِي) حُكْمُ (الْإِيلَاءِ) فِي بَابِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) لِامْرَأَتِهِ (أَنْتِ طَالِقُ لَا شَيْءَ) طَلُقَتْ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقُ (طَلْقَةً لَا تَقَعُ عَلَيْكِ أَوْ لَا يَنْقُصُ بِهَا عَدَدُ الطَّلَاقِ طَلُقَتْ) لِأَنَّ ذَلِكَ رَفْعٌ لِجَمِيعِ مَا أَوْقَعَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَاسْتِثْنَاءِ الْجَمِيعِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا فَهُوَ كَذِبٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا أَوْقَعَهُ وَقَعَ.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا (أَنْتِ طَالِقُ أَوْ لَا أَوْ) أَنْتِ (طَالِقُ وَاحِدَةً أَوْ لَا لَمْ يَقَعْ) طَلَاقُهُ لِأَنَّ هَذَا اسْتِفْهَامٌ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَفْظًا لِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ، وَتُخَالِفُ الْمَسْأَلَةَ قَبْلَهَا لِأَنَّهُ إيقَاعٌ لَمْ يُعَارِضْهُ اسْتِفْهَامٌ.
(وَإِنْ كَتَبَ صَرِيحَ طَلَاقِهَا) أَيْ امْرَأَتِهِ (بِمَا يَتَبَيَّنُ) أَيْ يَظْهَرُ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ حُرُوفٌ يُفْهَمُ مِنْهَا الطَّلَاقُ أَشْبَهَتْ النُّطْقَ وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَامَ قَوْلِ الْكَاتِبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مَأْمُورًا
بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، فَبَلَّغَ بِالْقَوْلِ مَرَّةً وَبِالْكِتَابَةِ أُخْرَى، وَلِأَنَّ كِتَاب الْقَاضِي يَقُوم مَقَامَ لَفْظِهِ فِي إثْبَاتِ الدُّيُونِ وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْوِلَايَةِ بِالْخَطِّ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَإِنْ كَتَبَ كِنَايَةً طَلَاقِهَا بِمَا يُبَيِّنُ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَلَى قِيَاسِ مَا قَبْلَهُ (وَإِنْ نَوَى) بِكِتَابِهِ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ (تَجْوِيدَ خَطِّهِ أَوْ غَمَّ أَهْلِهِ أَوْ تَجْرِبَةَ قَلَمِهِ لَمْ يَقَعْ) طَلَاقُهُ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى تَجْوِيدَ خَطِّهِ أَوْ تَجْرِبَةَ قَلَمِهِ (لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى تَجْوِيدَ خَطِّهِ أَوْ تَجْرِبَةَ قَلَمِهِ) وَنَحْوَهُ فَقَدْ نَوَى غَيْرَ الطَّلَاقِ وَلَوْ نَوَى بِاللَّفْظِ غَيْرَ الْإِيقَاعِ لَمْ يَقَعْ فَهُنَا أَوْلَى وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» إنَّمَا يَدُلّ عَلَى مُؤَاخَذَتِهِمْ بِمَا نَوَوْهُ عِنْدَ الْعَمَلِ بِهِ وَهَذَا لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا يُؤَاخَذُ بِهِ (وَيُقْبَلُ) مِنْهُ ذَلِكَ (حُكْمًا) لِأَنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ فِي اللَّفْظِ الصَّرِيحِ عَلَى قَوْلٍ فَهُنَا أَوْلَى.
(وَإِنْ كَتَبَهُ) أَيْ صَرِيحَ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ (بِشَيْءٍ لَا يَتَبَيَّنُ مِثْلَ إنْ كَتَبَهُ بِإِصْبَعِهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ عَلَى شَيْءٍ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ خَطٌّ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي الْهَوَاءِ لَمْ يَقَعْ) طَلَاقُهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْكِتَابَةَ بِمَنْزِلَةِ الْهَمْسِ بِلِسَانِهِ بِمَا لَا يُسْمَعُ (فَلَوْ قَرَأَ مَا كَتَبَهُ وَقَصَدَ الْقِرَاءَة لَمْ يَقَعْ) طَلَاقُهُ، كَلَفْظِ الطَّلَاقِ إذَا قَصَدَ بِهِ الْحِكَايَةَ وَنَحْوَهَا وَيُقْبَل مِنْهُ ذَلِكَ حُكْمًا.
(وَيَقَعُ بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ مِنْ أَخْرَسَ فَقَطْ) لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهَا الطَّلَاقُ أَشْبَهَتْ الْكِتَابَةَ (فَلَوْ لَمْ يَفْهَمْهَا) أَيْ الْإِشَارَةَ (إلَّا الْبَعْضُ فَكِنَايَةٌ) بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (وَتَأْوِيلُهُ) أَيْ الْأَخْرَسُ (مَعَ الصَّرِيحِ) مِنْ الْإِشَارَةِ (كَالنُّطْقِ) أَيْ كَتَأْوِيلِهِ مَعَ النُّطْقِ فِيمَا يُقْبَل أَوْ يُرَدُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
" تَتِمَّةٌ " قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنْ أَشَارَ الْأَخْرَسُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ إشَارَتَهُ لَا تَكْفِي انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ إذَا نَوَاهُ (وَكِتَابَتُهُ) أَيْ الْأَخْرَسِ بِمَا يُبَيِّنُ (طَلَاقَ) كَالنَّاطِقِ وَأَوْلَى (فَأَمَّا الْقَادِرُ عَلَى الْكَلَامِ فَلَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ بِإِشَارَةٍ) وَلَوْ كَانَتْ مَفْهُومَةً لِقُدْرَتِهِ عَلَى النُّطْقِ.
(وَصَرِيحُهُ) أَيْ الطَّلَاقِ (بِلِسَانِ الْعَجَم بِهَشْتَم) بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ، لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي لِسَانِهِمْ مَوْضُوعَةٌ لِلطَّلَاقِ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِيهِ فَأَشْبَهَتْ لَفْظَ الطَّلَاقِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ صَرِيحَةً فِي لِسَانِهِمْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ لِلطَّلَاقِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ بِمَعْنَى خَلَّيْتُكِ فَإِنَّ مَعْنَى طَلَّقْتُكِ: خَلَّيْتُكِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْضُوعًا لَهُ وَمُسْتَعْمَلًا فِيهِ كَانَ صَرِيحًا (فَإِذَا قَالَهُ) أَيْ بِهَشْتَم (مَنْ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ) مِنْ عَرَبِيٍّ أَوْ عَجَمِيٍّ (وَقَعَ نَوَاهُ) مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ (لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مِثْلُ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ) فَإِنْ أَطْلَقَ فَوَاحِدَةٌ (فَإِنْ زَادَ بِسَيَّارِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا) لِأَنَّ مُؤَدَّاةُ ذَلِكَ فِي لُغَتِهِمْ (وَإِنْ قَالَهُ عَرَبِيّ وَلَا يَفْهَمُهُ) لَمْ يَقَع (أَوْ نَطَقَ عَجَمِيّ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ)
بِالْعَرَبِيَّةِ (وَلَا يَفْهَمهُ لَمْ يَقَعْ) طَلَاقُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ الطَّلَاقَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ مَعْنَاهُ (وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ) أَيْ مُوجَبَ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ اخْتِيَارُهُ لِمَا يَعْلَمُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا.
[فَصْل الْكِنَايَاتُ فِي الطَّلَاقِ نَوْعَانِ]
فَصْل (وَالْكِنَايَاتُ فِي الطَّلَاقِ نَوْعَانِ ظَاهِرَةٌ) وَهِيَ الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْبَيْنُونَةِ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَاقِ فِيهَا أَظْهَرُ (وَهِيَ) أَيْ الْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ (سِتَّ عَشْرَةَ) كِنَايَةٍ (أَنْتِ خَلِيَّةٌ) هِيَ فِي الْأَصْلِ النَّاقَةُ تُطْلَقُ مِنْ عِقَالِهَا وَيُخْلَى عَنْهَا وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ خَلِيَّةٌ كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَجَعَلَ أَبُو جَعْفَرٍ مُخَلَّاةً كَخَلِيَّةٍ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَبَرِيئَةٌ) بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ (وَبَائِنٌ) أَيْ مُنْفَصِلَةٌ (وَبَتَّةٌ) أَيْ مَقْطُوعَةٌ (وَبَتْلَةٌ) أَيْ مُنْقَطِعَةٌ وَسُمِّيَتْ مَرْيَمُ الْبَتُولُ لِانْقِطَاعِهَا عَنْ النِّكَاحِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَأَنْتِ حُرَّةٌ) لِأَنَّ الْحُرَّةَ هِيَ الَّتِي لَا رِقَّ عَلَيْهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ النِّكَاحِ رِقٌّ.
وَفِي الْخَبَرِ «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» أَيْ أُسَرَاءُ وَالزَّوْجُ لَيْسَ لَهُ عَلَى الزَّوْجَةِ إلَّا رِقُّ الزَّوْجِيَّةِ فَإِذَا أَخْبَرَ بِزَوَالِ الرِّقِّ فَهُوَ الرِّقُّ الْمَعْهُودُ وَهُوَ رِقُّ الزَّوْجِيَّةِ (وَأَنْتِ الْحَرَجُ) بِفَتْحِ الْحَاء وَالرَّاء يَعْنِي الْحَرَام وَالْإِثْمُ (وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ) هُوَ مُقَدَّمُ السَّنَامِ أَيْ أَنْتِ مُرْسَلَةٌ غَيْرُ مَشْدُودَةٍ وَلَا مُمْسَكَةٌ بِعَقْدِ النِّكَاحِ (وَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْتِ وَحَلَلْتِ لِلْأَزْوَاجِ وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ) السَّبِيلُ الطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّث (وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْكِ وَأُعْتِقُكِ وَغَطِّي شَعْرَكَ وَتَقَنَّعِي وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ) .
(النَّوْعُ الثَّانِي خَفِيَّةٌ) لِأَنَّهَا أَخْفَى فِي الدَّلَالَةِ مِنْ الْأُولَى وَهِيَ الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةَ لِلطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَر (نَحْو اُخْرُجِي وَاذْهَبِي وَذُوقِي وَتَجَرَّعِي وَخَلَّيْتُك وَأَنْتِ مُخَلَّاةٌ) أَيْ مُطَلَّقَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ خَلَّى سَبِيلِي فَهُوَ مُخَلًّى (وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ) أَيْ مُنْفَرِدَةٌ (وَلَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ وَاعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي) مِنْ اسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ وَيَأْتِي (وَاعْتَزِلِي) أَيْ كُونِي وَحْدَكِ فِي جَانِبٍ (وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ وَلَا حَاجَةَ لِي فِيكِ وَمَا بَقِيَ شَيْءُ وَأَعْفَاكِ اللَّهُ وَاَللَّهُ قَدْ أَرَاحَكِ مِنِّي وَاخْتَارِي وَجَرَى الْقَلَمُ وَكَذَا بِلَفْظِ الْفِرَاق وَالسَّرَاحِ) وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الصَّرِيح (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنَّ اللَّهَ قَدْ طَلَّقَكِ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ وَكَذَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ فِي) رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ (إنْ أَبْرَأْتِنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ: أَبْرَأَك اللَّهُ مِمَّا تَدَّعِي النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ فَظَنَّ أَنَّهُ يُبَرَّأُ فَطَلَّقَ قَالَ يَبْرَأُ) مِمَّا تَدَّعِي النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ إنْ كَانَتْ رَشِيدَةً (فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ) أَيْ إنَّ اللَّهَ قَدْ طَلَّقَكِ وَفَرَّقَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأَبْرَأكِ اللَّهُ (الْحُكْمُ فِيهَا سَوَاءٌ وَنَظِيرُ ذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ بَاعَكِ) فِي إيجَابِ الْبَيْعِ (أَوْ قَدْ أَقَالَكِ) فِي الْإِقَالَةِ (وَنَحْوُ ذَلِكَ) كَإِنَّ اللَّه قَدْ آجَرَكِ أَوْ وَهَبَكِ وَالْبَرَاءَةُ فِيمَا تَقَدَّمَ صَحِيحَةٌ وَلَوْ جَهِلَتْ مَا أَبْرَأَتْ مِنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ.
(وَالْكِنَايَةُ وَلَوْ ظَاهِرَةً لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيهِ) لِأَنَّ الْكِنَايَةَ لَمَّا قَصُرَتْ رُتْبَتُهَا عَنْ الصَّرِيحِ وُقِفَ عَمَلُهَا عَلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ تَقْوِيَةً لَهَا وَلِأَنَّهَا لَفْظٌ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَعْنَى الطَّلَاقِ فَلَا يَتَعَيَّنُ لَهُ بِدُونِ النِّيَّةِ (بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِلَّفْظِ) أَيْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلَفْظِ الْكِنَايَةِ فَلَوْ تَلَفَّظَ بِالْكِنَايَةِ غَيْرُنَا وَلِلطَّلَاقِ ثُمَّ نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ كَمَا لَوْ نَوَى الطَّهَارَةَ بِالْغُسْلِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهُ وَقِيلَ يُعْتَبَرُ إنْ تَقَارَنَ أَوَّلُهُ قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَقَطَعَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فَلَوْ قَارَنَتْ الْجُزْءَ الثَّانِي مِنْ الْكِنَايَةِ دُونَ الْأَوَّلِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ لِأَنَّ مَا بَقِيَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ بَعْدَ إتْيَانه بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ فَإِنْ وُجِدَتْ فِي أَوَّلِهِ وَعَزَبَتْ عَنْهُ فِي سَائِرِهِ وَقَعَ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
(أَوْ يَأْتِي) مَعَ الْكِنَايَةِ (بِمَا يَقُومُ مَقَامَ نِيَّةِ) الطَّلَاقِ (كَحَالِ خُصُومَةٍ وَغَضَبٍ وَجَوَابِ سُؤَالِهَا) الطَّلَاقُ (فَيَقَعُ) الطَّلَاقُ مِمَّنْ أَتَى بِكِنَايَةٍ إذَنْ (وَلَوْ بِلَا نِيَّةٍ) لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ كَالنِّيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُغَيِّرُ حُكْمَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ يَا عَفِيفَ ابْنَ الْعَفِيفِ حَالَ تَعْظِيمِهِ كَانَ مَدْحًا وَلَوْ قَالَ حَالَ الشَّتْمِ كَانَ ذَمًّا وَقَذْفًا (فَلَوْ ادَّعَى فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ) أَيْ حَالَ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ وَسُؤَالِهَا الطَّلَاقَ (أَنَّهُ مَا أَرَادَ الطَّلَاقَ أَوْ) ادَّعَى أَنَّهُ (أَرَادَ غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الطَّلَاقِ (دِينَ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ (وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْحَالُ.
(وَيَقَعُ مَعَ النِّيَّةِ بِالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي وَقَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ بِالطَّلَاقِ فَوَقَعَ ثَلَاثًا كَمَا لَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا وَإِفْضَاؤُهُ إلَى الْبَيْنُونَةِ ظَاهِرٌ وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُفَرِّقُوا (وَكَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَكْرَهُ الْفُتْيَا فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ مَعَ مَيْلِهِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ وَعَنْهُ يَقَعُ) بِالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ (مَا نَوَاهُ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ لِمَا رَوَى «رُكَانَةُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ رُكَانَةُ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ إلَّا وَاحِدَةً فَرَدَّهَا إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ.
وَفِي لَفْظٍ قَالَ هُوَ عَلَى مَا أَرَدْتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ سَأَلْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ» وَهُوَ لَا يُطَلِّقُ ثَلَاثًا (فَعَلَيْهَا) أَيْ عَلَى رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَقَعُ مَا نَوَاهُ (إنْ لَمْ يَنْوِ) مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ بِنِيَّةِ الطَّلَاقِ (عَدَدًا فَوَاحِدَةٌ) كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ (وَيُقْبَلُ) مِنْهُ (حُكْمًا) بَيَانُ مَا نَوَاهُ بِالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا بَنَاهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ أَدْرَى بُنَيَّتِهِ وَيَقَعُ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ (وَيَقَعُ ثَلَاثٌ فِي أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ أَوْ) أَنْتِ (طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ أَوْ) أَنْتِ (طَالِقٌ بِلَا رَجْعَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ قَالَ فِي الشَّرْح وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهُ وَصَفَ بِهَا الطَّلَاقَ الصَّرِيحَ.
(وَلَوْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ وَاحِدَةً بَتَّةً وَقَعَ رَجْعِيًّا) لِأَنَّهُ وَصَفَ الْوَاحِدَةَ بِغَيْرِ وَصْفِهَا فَأَلْغَى (وَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ثَلَاثًا أَوْ ثَلَاثًا وَاحِدَةً يَقَعُ ثَلَاثٌ وَيَقَعُ) بِالْكِنَايَةِ (الْخَفِيَّةِ مَا نَوَاهُ) مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْعَدَدِ وَالْخَفِيَّةِ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الظَّاهِرَةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ (إلَّا أَنْتِ وَاحِدَةٌ فَيَقَعُ بِهَا وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا) قَالَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ فَهِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، لِأَنَّ مَعْنَاهَا كَمَا تَقَدَّمَ أَنْتِ مُنْفَرِدَةٌ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي أَنْ يَنْوِي بِهَا أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ.
(فَإِنْ لَمْ يَنْوِ) مَنْ أَتَى بِكِنَايَةٍ خَفِيَّةٍ (عَدَدًا وَقَعَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَكُنْ الْمُطَلَّقَةُ مَدْخُولًا بِهَا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ (بَائِنَةٌ) لِأَنَّهَا إنَّمَا تَقْتَضِي التَّرْك كَمَا يَقْتَضِيه صَرِيحُ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ اقْتِضَاءٍ لِلْبَيْنُونَةِ فَوَقَعَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ كَمَا لَوْ أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ.
(وَمَا لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ نَحْوِ كُلِي وَاشْرَبِي وَاقْعُدِي وَقُومِي وَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَأَنْتِ مَلِيحَةٌ أَوْ قَبِيحَةٌ لَا يَقَع بِهِ طَلَاقٌ وَلَوْ نَوَاهُ) لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ فَلَوْ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ وَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَفَارَقَ ذُوقِي وَتَجَرَّعِي فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَكَارِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: 181] ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: 17] بِخِلَافِ كُلْ وَاشْرَبْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: 26] .
(وَكَذَا) قَوْلُهُ (أَنَا طَالِقٌ أَوْ أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ أَوْ أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ بَرِيءٌ) فَلَا يَقَع بِهِ طَلَاقٌ وَإِنْ نَوَاهُ لِأَنَّهُ مَحِلٌّ لَا يَقَعُ الطَّلَاق بِإِضَافَتِهِ
إلَيْهِ مِنْ غَيْر نِيَّةٍ فَلَمْ يَقَعْ، وَإِنْ نَوَى كَالْأَجْنَبِيِّ وَلِأَنَّ الرَّجُلَ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ وَالْمَرْأَةُ مَمْلُوكَةٌ فَلَمْ تَقَعْ إزَالَةُ الْمِلْكِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمَالِكِ كَالْعِتْقِ وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُطَلَّقٌ بِفَتْحِ اللَّامِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ.
(وَإِنْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ مَا أَحَلَّ اللَّه عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ) زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: أَوْ حَرَّمْتُكِ (فَهُوَ ظِهَارٌ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ) فَلَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ وَلَا يَكُونُ الطَّلَاقُ كِنَايَةً فِي الظِّهَارِ (وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَلَوْ نَوَاهُ) لِأَنَّ الظِّهَارَ تَشْبِيهٌ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَى التَّأْبِيدِ وَالطَّلَاقُ يُفِيدُ تَحْرِيمًا غَيْرَ مُؤَبَّدٍ وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَصِرْ طَلَاقًا لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ الْكِنَايَة بِهِ عَنْهُ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
وَفِي الْمُبْدِعِ (وَإِنْ قَالَ فِرَاشِي عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى امْرَأَتَهُ فَظِهَارٌ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْحَرَامِ: تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا (وَإِنْ نَوَى فِرَاشَهُ) الْحَقِيقِيَّ (فَيَمِينٌ) عَلَيْهِ كَفَّارَتُهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ لِمَا يَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ.
(وَ) إنْ قَالَ (مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ تَطْلُقُ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ (ثَلَاثًا) لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَهُوَ مُقْتَضَى الِاسْتِغْرَاقَ (وَإِنْ عُنِيَ بِهِ طَلَاقًا فَوَاحِدَةً) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ وَلَيْسَ هَذَا صَرِيحًا فِي الظِّهَارِ إنَّمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ فَإِذَا بَيَّنَ لَفْظُهُ إرَادَةَ صَرِيحِ الطَّلَاقِ صُرِفَ إلَيْهِ (وَأَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ) . وَفِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ: وَالْخَمْرِ (يَقَعُ مَا نَوَاهُ مِنْ الطَّلَاقِ) لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فِيهِ (وَالظِّهَارُ) إذَا نَوَاهُ أَنْ يَقْصِدَ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ نِكَاحِهَا لِأَنَّهُ يُشْبِهُهُ (وَالْيَمِينُ) إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ تَرْكَ وَطْئِهَا وَأَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ لَا تَحْرِيمِهَا وَلَا طَلَاقِهَا وَفَائِدَتُهُ تَرَتُّبُ الْحِنْثِ وَالْبِرِّ ثُمَّ تَرَتُّبُ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ قَوْلَهُ كَالْمَيْتَةِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْيَمِينِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَرِيحًا لَمَا انْصَرَفَ إلَى غَيْرِهَا بِالنِّيَّةِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا لَمْ يَلْزَمهُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ بِالْكِنَايَةِ لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِهَتْكِ الْقَسَمِ (فَإِنْ نَوَى) بِذَلِكَ (الطَّلَاقَ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا وَقَعَ وَاحِدَةً) لِأَنَّهَا الْيَقِينُ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) بِذَلِكَ (شَيْئًا فَهُوَ ظِهَارٌ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ.
(وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ الْحَرَامُ أَوْ يَلْزَمُنِي الْحَرَامُ أَوْ الْحَرَامُ يَلْزَمُنِي فَلَغْوٌ لَا شَيْءَ فِيهِ مَعَ الطَّلَاقِ) لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ شَيْءٍ مُبَاحٍ بِعَيْنِهِ (وَمَعَ نِيَّةِ) تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ (أَوْ قَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ ذَلِكَ فَهُوَ (ظِهَارٌ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ وَقَدْ صَرَفَهُ
إلَيْهِ بِالنِّيَّةِ فَتَعَيَّنَ لَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي الظِّهَارِ: وَيَتَوَجَّهُ الْوَجْهَانِ إنْ نَوَى بِهِ طَلَاقًا، وَأَنَّ الْعُرْفَ قَرِينَةٌ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ الصَّوَابُ أَنَّهُ يَكُونُ طَلَاقًا بِالنِّيَّةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ كِنَايَةً مِنْ قَوْلِهِ اُخْرُجِي وَنَحْوِهِ قَالَ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْعُرْفَ قَرِينَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَيَأْتِي فِي بَابِهِ) أَيْ بَابِ الظِّهَارِ.
(وَإِنْ قَالَ: حَلَفْتُ بِالطَّلَاقِ وَكَذَبَ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ حَلَفَ (لَمْ يَصِرْ حَالِفًا كَمَا لَوْ قَالَ حَلَفْتُ بِاَللَّهِ وَكَانَ كَاذِبًا وَيَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ ثُمَّ قَالَ كَذَبَتْ (وَلَا يَلْزَمهُ) الطَّلَاقُ (فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ) تَعَالَى لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ وَالْيَمِينُ إنَّمَا تَكُونُ بِالْحَلِفِ.
وَلَوْ قَالَتْ زَوْجَتُهُ حَلَفْتَ بِالطَّلَاقِ لِلثَّلَاثِ فَقَالَ لَمْ أَحْلِفْ إلَّا بِوَاحِدَةٍ أَوْ قَالَتْ عَلَّقْتَ طَلَاقِي عَلَى قُدُومِ زَيْدٍ فَقَالَ لَمْ أُعَلِّقْهُ إلَّا عَلَى قُدُومِ عَمْرٍو كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ نَفْسِهِ.
[فَصْل قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ]
فَصْل (وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُكِ بِيَدِك فَهُوَ تَوْكِيلٌ مِنْهُ لَهَا فِي الطَّلَاقِ) لِأَنَّهُ إذْن لَهَا فِيهِ (وَلَا يَتَقَيَّدُ) ذَلِكَ (بِالْمَجْلِسِ) بَلْ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي لِقَوْلِ عَلِيٍّ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَمَلُّكٍ فِي الطَّلَاقِ فَمَلَكَهُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ كَمَا لَوْ جَعَلَهُ الْأَجْنَبِيُّ (وَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا) أَفْتَى بِهِ أَحْمَدُ مِرَارًا وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عُثْمَانَ.
وَقَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَفُضَالَةُ وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ " هُوَ ثَلَاثٌ " قَالَ الْبُخَارِيُّ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ أَمْرِهَا لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٌ فَيَتَنَاوَلَ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ (كَقَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَكِ مَا شِئْتِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَرَدْتُ وَاحِدَةً وَلَا يَدِينُ) لِأَنَّهُ خِلَافُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ (وَهُوَ) أَيْ الطَّلَاقُ (فِي يَدِهَا) عَلَى التَّرَاخِي كَمَا سَبَقَ (مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ) فَلَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا بَعْدُ لِأَنَّ ذَلِكَ وَكَالَةٌ فَتَبْطُلُ إذَا فَسَخَهَا بِالْقَوْلِ أَوْ أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى فَسْخِهَا وَالْوَطْءُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسْخِ (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ جَعَلَهُ) أَيْ أَمْرَهَا (فِي يَدِ غَيْرِهَا) أَيْ الزَّوْجَةُ بِأَنْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ زَيْدٍ مَثَلًا فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَكِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ) نَفْسَهَا (أَكْثَر مِنْ وَاحِدَةٍ وَتَقَعُ رَجْعِيَّةً حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ وَلِأَنَّ اخْتَارِي تَفْوِيضَ مُعَيَّنٍ فَيَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَهُوَ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ لِأَنَّهُمَا بِغَيْرِ عِوَضٍ بِخِلَافِ أَمْرِكِ بِيَدِكِ فَإِنَّ أَمْرَ مُضَافٌ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَمْرِهَا (إلَّا أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ وَاحِدَةٍ سَوَاءً جَعَلَهُ بِلَفْظِهِ بِأَنْ يَقُولَ اخْتَارِي مَا شِئْتِ أَوْ اخْتَارِي الطَّلْقَاتِ إنْ شِئْتِ أَوْ جَعَلَهُ بِنِيَّتِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ اخْتَارِي عَدَدًا) اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ فَيُرْجَعُ فِي قَوْلِ مَا يَقَعُ بِهَا إلَى نِيَّتِهِ كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ (فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى) فَيُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ (وَإِنْ نَوَى) الزَّوْجَ (ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ أَقَلَّ مِنْهَا) أَوْ مِنْ ثَلَاثٍ كَاثْنَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةٍ (وَقَعَ مَا طَلَّقَتْهُ) دُون مَا نَوَاهُ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا يَقَع بِهَا الطَّلَاقُ وَإِنَّمَا يَقَعُ بِتَطْلِيقِهَا وَلِذَا لَوْ لَمْ تُطَلِّقْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ.
(فَلَوْ كَرَّرَ لَفْظَ الْخِيَارِ) بِأَنْ ذَكَرَهُ مَرَّتَيْنِ وَأَكْثَرَ (بِأَنْ قَالَ اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي فَإِنْ نَوَى إتْمَامَهَا وَلَيْسَ نِيَّتُهُ ثَلَاثًا وَلَا اثْنَتَيْنِ) فَوَاحِدَةٌ (أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ نَصًّا) لِأَنَّهَا الْيَقِينُ (وَإِنْ أَرَادَ ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ نَصًّا) لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ فَيَقَعُ مَا نَوَاهُ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ خُصُوصًا مَعَ تَكْرَارِهَا ثَلَاثًا (وَلَيْسَ لَهَا) أَيْ لِلْمَقُولِ لَهَا اخْتَارِي (أَنْ تُطَلِّقَ إلَّا مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ) عُرْفًا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِر لِأَنَّهُ خِيَارُ تَمْلِيكٍ فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الْقَبُولِ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعَجَّلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ " فَإِنَّهُ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ عَلَى التَّرَاخِي وَأَمَّا طَلِّقِي نَفْسَكِ وَأَمْرُكِ بِيَدِك فَتَوْكِيلٌ يَعُمُّ الزَّمَانَ مَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا (إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) بِأَنْ يَقُولَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَكِ يَوْمًا أَوْ أُسْبُوعًا أَوْ شَهْرًا وَنَحْوَهُ فَتَمْلِكُهُ إلَى انْقِضَاءِ ذَلِكَ.
(فَإِنْ قَامَا) أَيْ الزَّوْجَانِ مِنْ الْمَجْلِسِ بَعْدَ أَنْ خَيَّرَهَا وَقَبْلَ الطَّلَاقَ بَطَلَ خِيَارُهَا (أَوْ) قَامَ (أَحَدُهُمَا مِنْ الْمَجْلِسِ) بَطَلَ الْخِيَارُ لِأَنَّ الْقِيَامَ يُبْطِلُ الذِّكْرَ فَهُوَ إعْرَاضٌ بِخِلَافِ الْمَقْصُودِ (أَوْ خَرَجَا مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي كَانَا فِيهِ إلَى غَيْرِهِ بَطَلَ خِيَارُهَا) بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَيْ الزَّوْجَيْنِ) (قَائِمًا فَرَكِبَ أَوْ مَشَى بَطَلَ) خِيَارُهَا لِلتَّفَرُّقِ وَ (لَا) يَبْطُلُ خِيَارُهَا (إنْ قَعَدَ) مَنْ كَانَ قَائِمًا مِنْهُمَا (أَوْ كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ أَوْ مُتَّكِئَةً فَقَعَدَتْ) إذْ لَا دَلَالَةَ لِذَلِكَ عَلَى الْإِعْرَاض وَلَوْ طَالَ الْمَجْلِسُ مَا لَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ (وَإِنْ تَشَاغَلَتْ بِالصَّلَاةِ بَطَلَ) خِيَارُهَا لِلتَّشَاغُلِ (وَإِنْ كَانَتْ) حِينَ خِيَارِهَا (فِي صَلَاةٍ فَأَتَمَّتْهَا لَمْ يَبْطُلْ) خِيَارُهَا
لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى إعْرَاضِهَا (وَإِنْ أَضَافَتْ إلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ) بَطَلَ لِلتَّشَاغُلِ (أَوْ كَانَتْ رَاكِبَةً فَسَارَتْ بَطَلَ) خِيَارُهَا لِلتَّفَرُّقِ وَ (لَا) يَبْطُلُ خِيَارُهَا (إنْ أَكَلَتْ يَسِيرًا أَوْ قَالَتْ بِسْمِ اللَّهِ أَوْ سَبَّحَتْ شَيْئًا يَسِيرًا أَوْ قَالَتْ اُدْعُوَا إلَيَّ شُهُودًا أُشْهِدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَا إعْرَاضَ مِنْهَا.
(وَإِنْ جَعَلَهُ) أَيْ الْخِيَارَ (لَهَا عَلَى التَّرَاخِي) بِأَنْ قَالَ اخْتَارِي إذَا شِئْتِ أَوْ مَتَى شِئْتِ أَوْ مَتَى مَا شِئْتِ وَنَحْوَهُ (أَوْ قَالَ لَا تَعَجَّلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ وَنَحْوَهُ فَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ.
(وَإِنْ قَالَ) لَهَا (اخْتَارِي الْيَوْمَ وَغَدًا وَبَعْدَ غَدٍ فَلَهَا ذَلِكَ فَإِنْ رَدَّتْهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بَطَلَ) الْخِيَارُ (كُلُّهُ) فَلَا خِيَارَ لَهَا فِي غَدٍ وَلَا مَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ خِيَارٌ وَاحِدٌ فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا بَطَلَ أَوَّلَهُ بَطَلَ فِيمَا بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ فَإِنَّهَا إذَا رَدَّتْهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لَمْ يَبْطُلْ بَعْدَ غَدٍ لِأَنَّهُمَا خِيَارَانِ مُنْفَصِلٌ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ (وَإِنْ قَالَ اخْتَارِي نَفْسَكِ الْيَوْمَ وَاخْتَارِي نَفْسَكِ غَدًا فَرَدَّتْهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لَمْ يَبْطُلْ) الْخِيَارُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِأَنَّهُمَا خِيَارَانِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْفِعْلِ.
(وَلَوْ خَيَّرَهَا شَهْرًا فَاخْتَارَتْ) نَفْسَهَا (ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) أَوْ لَمْ تَخْتَرْهَا لَكِنْ طَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا (لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ خِيَارٌ) لِأَنَّ الْخِيَارَ الْمَشْرُوطَ فِي عَقْدٍ لَا يَثْبُتُ فِي عَقْدٍ سِوَاهُ كَالْبَيْعِ (وَإِنْ جَعَلَهُ) أَيْ الْخِيَارَ (لَهَا الْيَوْمَ كُلَّهُ أَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فَرَدَّتْهُ أَوْ رَجَعَ فِيهِ أَوْ وَطِئَهَا بَطَلَ خِيَارُهَا) لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَقَدْ رَجَعَ فِيهِ.
(وَلَفْظُهُ الْأَمْرُ) بِأَنْ يَنْوِي بِذَلِكَ تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ إلَيْهَا (وَالْخِيَارُ كِنَايَةٌ فِي حَقِّ الزَّوْجِ وَيَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ) كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ (فَلَفْظَةُ الْأَمْرِ كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ وَ) لَفْظَةُ (الْخِيَارِ) كِنَايَةٌ (خَفِيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ) فِي أَوَّلِ الْكِنَايَاتِ (فَإِنْ نَوَى) الزَّوْجَ (بِهِمَا) أَيْ بِأَمْرِك بِيَدِك وَبِاخْتَارِي نَفْسَكِ (الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ وَقَعَ) الطَّلَاقُ (فِي الْحَالِ وَلَمْ يَحْتَجْ) وُقُوعُهُ (إلَى قَبُولِهَا) كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) إيقَاعَهُ فِي الْحَالِ بَلْ نَوَى تَفْوِيضَهُ إلَيْهَا (فَإِنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الْكِنَايَة نَحْوَ اخْتَرْتُ افْتَقَرَ) وُقُوعُهُ (إلَى نِيَّتِهَا) لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْقَعَهُ هُوَ بِكِنَايَةٍ (وَإِنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ بِأَنْ قَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ) لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَيْهَا.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهَا) الطَّلَاقَ (فَقَوْلُهَا) لِأَنَّهَا أَدْرَى بِنِيَّتِهَا (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي رُجُوعِهِ) بِأَنْ قَالَ رَجَعْتُ قَبْلَ الْإِيقَاعِ وَقَالَتْ بَلْ بَعْدَهُ (فَقَوْلُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ (كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهِ) فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِهَا.
(وَإِنْ قَالَ) لَهَا (اخْتَارِي) نَفْسَكِ (فَقَالَتْ اخْتَرْتُ فَقَطْ أَوْ) قَالَتْ (قَبِلْتُ فَقَطْ وَلَوْ مَعَ النِّيَّةِ) لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ (أَوْ) قَالَتْ (أَخَذْتُ أَمْرِي أَوْ) قَالَتْ (اخْتَرْتُ أَمْرِي أَوْ) قَالَتْ (اخْتَرْتُ زَوْجِي لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَفَكَانَ طَلَاقًا ". وَقَالَتْ «لَمَّا أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَخْيِيرِ نِسَائِهِ وَبَدَأَ بِي فَقَالَ إنِّي لَمُخْبِرُك خَبَرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ثُمَّ قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] حَتَّى بَلَغَ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ا﴾ [الأحزاب: 29] فَقُلْتُ أَفِي هَذِهِ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ قَالَتْ ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ مَا فَعَلْتُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهَا مُخَيَّرَةٌ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى قَطْعِ النِّكَاحِ فَلَمْ يَقَعْ بِهَا طَلَاقٌ كَالْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ فَلَا يَقَعُ بِهَا (حَتَّى تَقُولَ مَعَ النِّيَّةِ) أَيْ نِيَّةِ الطَّلَاقِ (اخْتَرْتُ نَفْسِي أَوْ) اخْتَرْتُ (أَبَوَيَّ أَوْ) اخْتَرْتُ (الْأَزْوَاجَ أَوْ) اخْتَرْتُ (لَا تَدْخُلْ عَلَيَّ وَنَحْوَهُ) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الطَّلَاقِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ) الزَّوْجُ (أَمْرَهَا بِيَدِهَا بِعِوَضٍ) مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ (وَحُكْمُهُ) أَيْ حُكْمُ جَعْلِ أَمْرِهَا بِيَدِهَا بِعِوَضٍ (حُكْمُ مَا) أَيْ حُكْمُ جَعْلِ أَمْرِهَا بِيَدِهَا (لَا عِوَضَ لَهُ فِي أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيمَا جَعَلَ لَهَا و) فِي (أَنَّهُ يَبْطُلُ) جَعْلُهُ لَهَا ذَلِكَ (بِالْوَطْءِ وَالْفَسْخِ) لِأَنَّهُ وَكَالَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِذَا قَالَتْ اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي وَأُعْطِيكَ عَبْدِي هَذَا فَقَبَضَ الْعَبْدَ وَجَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ) نَفْسَهَا لِجَعْلِهِ ذَلِكَ لَهَا (مَا لَمْ يَرْجِعْ أَوْ يَطَأْ) لِأَنَّ التَّوْكِيلَ لَا يَبْطُلُ بِدُخُولِ الْعِوَضِ فِيهِ فَإِنْ رَجَعَ أَوْ وَطِئَهَا بَطَلَ تَخْيِيرُهَا لِرُجُوعِهِ عَنْهُ.
(وَإِنْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (طَلِّقِي نَفْسَكِ فَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي) لِأَنَّهُ فَوَّضَهُ إلَيْهَا فَأَشْبَهَ أَمْرُكِ بِيَدِكِ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُهُ طَلِّقِي نَفْسَكِ (تَوْكِيلٌ) لَهَا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا (يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ) وَفَسْخِهِ وَوَطْئِهَا كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ قَالَتْ اخْتَرْتُ نَفْسِي) أَوْ اخْتَرْتُ أَبَوَيَّ أَوْ الْأَزْوَاجَ (وَنَوَتْ الطَّلَاقَ وَقَعَ) لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ وَقَدْ أَوْقَعَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْقَعَ بِلَفْظِهِ مَا احْتَمَلَهُ (إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْهَا إمَّا بِلَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا فَقَدْ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا احْتَمَلَهُ (وَلَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا) فَقَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي (طَلُقَتْ ثَلَاثًا بِنِيَّتِهَا) كَمَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ طَلَّقْتُكِ وَنَوَى بِهِ ثَلَاثًا (وَتَمْلِكُ بِقَوْلِهِ طَلَاقُكِ بِيَدِكِ أَوْ وَكَّلْتُكِ فِي الطَّلَاقِ مَا تَمْلِكُ بِقَوْلِهِ لَهَا أَمْرُكِ بِيَدِك) فَتَمْلِكُ الثَّلَاثَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْأَوَّلِ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ وَفِي الثَّانِي مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ الصَّالِحَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَيَعُمُّ.
(وَلَا يَقَعْ) الطَّلَاقُ (بِقَوْلِهَا) لِزَوْجِهَا (أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ مِنِّي طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْتُكِ) لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَثْرَمُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ مَلَّكْتُ امْرَأَتِي أَمْرَهَا فَطَلَّقَتْنِي ثَلَاثًا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ الطَّلَاقَ لَكَ وَلَيْسَ لَهَا عَلَيْكَ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَلِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَتَّصِفُ بِأَنَّهُ مُطَلَّقٌ بِفَتْحِ اللَّامِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ.
(قَالَ فِي الرَّوْضَةِ صِفَةُ طَلَاقِهَا طَلَّقْتُ نَفْسِي أَوْ أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ وَإِنْ قَالَتْ أَنَا طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ وَحُكْمُ الْوَكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ حُكْمُهَا) أَيْ الزَّوْجَةُ (فِيمَا تَقَدَّمَ) وَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيِّ غَيْرُ الزَّوْجَةِ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا لِلزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ (فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِيقَاعِهِ) أَيْ الْوَكِيلِ (الصَّرِيحِ) بِأَنْ يَقُولَ هِيَ طَالِقٌ وَنَحْوَهُ (أَوْ بِكِنَايَةٍ بِنِيَّةِ) الطَّلَاقِ لِأَنَّ وَكِيلَ كُلِّ إنْسَانٍ يَقُومُ مَقَامَهُ فَيَقَعُ مِنْهُ بِالْكِنَايَةِ.
(وَلَوْ وَكَّلَ فِيهِ بِصَرِيحٍ) بِأَنْ قَالَ لَهُ طَلِّقْهَا أَوْ وَكَّلْتُكَ أَنْ تُطَلِّقَهَا وَنَحْوَهُ لِأَنَّهُ حَيْثُ أَتَى بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا (وَلَفْظُ أَمْرٍ وَاخْتِيَارٍ وَطَلَاقٍ لِلتَّرَاخِي فِي حَقِّ وَكِيلِ) فَإِذَا قَالَ لَهُ أَمْرُ فُلَانَةَ بِيَدِكَ أَوْ اخْتَرْ طَلَاقَهَا أَوْ طَلِّقْهَا مَلَكَ عَلَى التَّرَاخِي (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّلَاقِ وَوَجَبَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْيِيرُ نِسَائِهِ) وَتَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ وَخَيَّرَهُنَّ وَبَدَأَ بِعَائِشَةَ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا.
(وَإِنْ وَهَبَهَا) أَيْ وَهَبَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ (لِأَهْلِهَا) بِأَنْ قَالَ وَهَبْتُهَا لِأَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا وَنَحْوَهُ (أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ وَهَبَهَا لِنَفْسِهَا فَرُدَّتْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ رَدَّ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ الْأَجْنَبِيُّ أَوْ هِيَ الْهِبَةُ فَلَغْوٌ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَمْلِيكٌ لِلْبُضْعِ فَافْتَقَرَ إلَى الْقَبُولِ كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ (أَوْ) قَبِلَ مَوْهُوبٌ لَهُ الْهِبَةَ لَكِنْ (لَمْ يَنْوِ) الزَّوْجُ بِالْهِبَةِ (طَلَاقًا) فَلَغْوٌ (أَوْ) قَبِلَ مَوْهُوبٌ لَهُ وَ (نَوَاهُ) أَيْ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ (وَلَمْ يَنْوِهِ مَوْهُوبٌ لَهُ فَلَغْوٌ) لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْ الْوَاهِبِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِنِيَّتِهِمَا لَمْ يَقَعْ كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ (كَبَيْعِهَا) أَيْ كَمَا لَوْ بَاعَ زَوْجَتَهُ (لِغَيْرِهِ) كَأَنْ يَقُولُ بِعْتُكِ لِزَيْدٍ مَثَلًا فَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَلَوْ نَوَاهُ وَقَبِلَهُ زَيْدٌ وَنَوَاهُ (نَصًّا) لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الطَّلَاقِ لِكَوْنِهِ مُعَاوَضَةً وَالطَّلَاقُ مُجَرَّدُ إسْقَاطٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ إنْ ذَكَرَ عِوَضًا مَعْلُومًا طَلُقَتْ مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَبُولِ (وَإِنْ قُبِلَتْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ قَبِلَهَا مَوْهُوبٌ لَهُ غَيْرَهَا أَوْ هِيَ إنْ وَهَبَتْ لِنَفْسِهَا وَصِفَةُ قَبُولِ أَهْلِهَا أَنْ يَقُولُوا قَبِلْنَاهَا نَصَّ عَلَيْهِ وَكَذَا الْأَجْنَبِيُّ أَوْ هِيَ (فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ إذْ نَوَاهَا أَوْ أَطْلَقَ نِيَّةَ الطَّلَاقِ) لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُحْتَمِلٌ فَلَا يَحْتَمِلُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَقَوْلِهِ اخْتَارِي وَكَانَتْ رَجْعِيَّةً لِأَنَّهَا طَلْقَةً لِمَنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ فَكَانَتْ
رَجْعِيَّةً كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ (أَوْ دَلَّتْ دَلَالَةَ الْحَالِ) عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ مِنْهُمَا فَيُعْمَلُ بِهَا لِقِيَامِهَا مَقَامَ النِّيَّةِ (وَإِنْ نَوَى كُلٌّ) مِنْ وَاهِبٍ وَمَوْهُوبٍ لَهُ بِالْهِبَةِ وَالْقَبُولِ (ثَلَاثًا أَوْ اثْنَتَيْنِ وَقَعَ مَا نَوَاهُ) لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ (كَبَقِيَّةِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ وَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ مَوْهُوبٍ لَهُ) بِالْقَبُولِ، الطَّلَاقُ كَمَا تُعْتَبَر نِيَّةُ وَاهِبٍ بِالْهِبَةِ الطَّلَاقُ لِأَنَّ ذَلِكَ كِنَايَةً كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَقَعُ أَقَلُّهَا إذَا اخْتَلَفَا فِي النِّيَّةِ) فَإِذَا نَوَى أَحَدُهُمَا وَاحِدَةً وَالْآخَرُ اثْنَتَيْنِ فَوَاحِدَةٌ أَوْ نَوَى أَحَدُهُمَا اثْنَتَيْنِ وَالْآخَرُ ثَلَاثًا فَاثْنَتَانِ (وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ بِالْهِبَةِ) أَيْ بِقَوْلِهِ وَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ أَوْ لِزَيْدٍ أَوْ لِنَفْسِكِ (الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ) مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى قَبُولٍ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ (فِي الْحَالِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى قَبُولِهَا) كَمَا لَوْ أَتَى بِكِنَايَةٍ غَيْرِهَا نَاوِيًا الْإِيقَاعَ (وَمِنْ شَرْطِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ النُّطْقُ بِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ تَقَدَّمَا) فِي الْبَابِ أَحَدُهُمَا (إذَا كَتَبَ صَرِيحَ طَلَاقِهَا) بِمَا يَبِينُ.
(وَ) الثَّانِي (إذَا طَلَّقَ الْأَخْرَسُ بِالْإِشَارَةِ) الْمَفْهُومَةِ (فَإِنْ طَلَّقَ فِي قَلْبِهِ لَمْ يَقَعْ كَالْعِتْقِ وَلَوْ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ) أَوْ أَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ (مَعَ نِيَّتِهِ بِقَلْبِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ) عَنْ أَحْمَدَ إذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ (لَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الطَّلَاقُ (مَا لَمْ يَلْفِظْ بِهِ أَوْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ فَظَاهِرُهُ أَيْ النَّصِّ الْمَذْكُورِ (يَقَعُ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ) فَإِنَّهَا لَا تُجْزِيهِ حَيْثُ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ كَقِرَاءَةٍ فِي صَلَاةٍ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقَهُ إذَا حَرَّكَ لِسَانَهُ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ لَوْلَا الْمَانِعُ وَتَقَدَّمَ وَمُمَيِّزٌ وَمُمَيِّزَةٌ فِي كُلِّ مَا سَبَقَ كَالْبَالِغِينَ.
[بَابُ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ]
(بَابُ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ) يُعْتَبَرُ (الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَزَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّ الطَّلَاقَ خَالِصُ حَقِّ الزَّوْجِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَكَانَ اخْتِلَافُهُ مُعْتَبَرًا بِالرَّجُلِ كَعَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَهُمْ بِالطَّلَاقِ فَكَانَ حُكْمُهُ مُعْتَبَرًا بِهِمْ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «الْأَمَةُ تَطْلِيقَتَانِ وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ» رِوَايَةُ طَاهِرِ بْنِ أَسْلَمَ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ قَالَهُ أَبُو دَاوُد مَعَ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ أَخْرَجَهُ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «طَلَاقُ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (فَيَمْلِكُ الْحُرُّ)
ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ (و) يَمْلِكُ (الْمُعْتَقُ بَعْضَهُ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ) أَمَّا الْحُرُّ فَلِمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَلِأَنَّ تَسْمِيَةَ الطَّلَاقِ فِي حَقِّهِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ فَكَمُلَ فِي حَقِّهِ وَلِأَنَّ الْأَصْلِ إثْبَاتُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ فِي حَقِّ كُلِّ مُطَلِّقٍ وَإِنَّمَا خُولِفَ فِي حَقِّ مَنْ كَمُلَ فِيهِ الرِّقُّ لِمَا سَبَقَ فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ (وَيَمْلِكُ الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ وَنَحْوُهُ) كَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ (اثْنَتَيْنِ) أَيْ طَلْقَتَيْنِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ طَرَأَ رِقُّهُ) عَلَى الطَّلَاقِ (كَلُحُوقِ ذِمِّيٍّ بِدَارِ حَرْبٍ فَاسْتُرِقَّ وَقَدْ كَانَ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ) فَلَا يَمْلِكُ الثَّالِثَةَ هَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ أَطْلَقَهُمَا فِي التَّرْغِيبِ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَمَنْ تَابَعَهُ يَمْلِكُ الثَّالِثَةَ لِأَنَّ الثِّنْتَيْنِ لَمَّا وَقَعَتَا كَانَتَا غَيْرَ مُحَرِّمَتَيْنِ فَلَا تَنْقَلِبَانِ مُحَرِّمَتَيْنِ بِرِقِّهِ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَجْعَلَهُ غَايَةً لِقَوْلِهِ فَيَمْلِكُ الْحُرّ الثَّلَاثَ كَمَا يُرْشِد إلَيْهِ صَنِيعُ صَاحِبِ الْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ وَيَمْلِكُ الْقِنُّ وَنَحْوُهُ اثْنَتَيْنِ (وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَلَوْ عَلَّقَ) الْعَبْدُ وَنَحْوُهُ (الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ بِشَرْطٍ فَوُجِدَ بَعْدَ عِتْقِهِ طَلُقَتْ) الْمُعَلَّقُ طَلَاقُهَا (ثَلَاثًا) لِمِلْكِ الثَّلَاثِ حِينَ الْوُقُوعِ.
(وَإِنْ عَلَّقَ) الْعَبْدُ (الثَّلَاثَ بِعِتْقِهِ) بِأَنْ قَالَ إنْ عَتَقْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ عَتَقَ وَقَعَ ثِنْتَانِ وَ (لَغَتْ الثَّالِثَةُ) لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ حَالَ الْحُرِّيَّةِ وَمِلْكِ الثَّلَاثِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا لَا مُقَارِنَ لَهَا.
(وَلَوْ عَتَقَ) عَبْدٌ (بَعْدَ طَلْقَةٍ) بِأَنْ طَلَّقَ زَوْجَةً طَلْقَةً ثُمَّ عَتَقَ وَأَعَادَهَا بِرَجْعَةٍ أَوْ عَقْدٍ (مَلَكَ تَمَامَ الثَّلَاثِ) لِأَنَّ الطَّلْقَةَ لَمْ تَكُنْ مُحَرِّمَةً.
(وَلَوْ عَتَقَ) عَبْدٌ (بَعْدَ طَلْقَتَيْنِ) لَمْ يَمْلِكْ ثَالِثَةً (أَوْ عَتَقَا) أَيْ الْعَبْدُ وَزَوْجَتُهُ الْأَمَةُ (مَعًا) بَعْدَ طَلْقَتَيْنِ نِكَاحُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا وَقَعَتَا مُحَرَّمَتَيْنِ، فَلَمْ تَنْقَلِبَا غَيْرُ مُحَرَّمَتَيْنِ (فَلَوْ عَتَقَ بَعْدَ طَلْقَتَيْنِ لَمْ يَمْلِكْ ثَالِثَةً) لِأَنَّهُمَا غَيْرُهُ بِشُرُوطِهِ (وَيَأْتِي فِي الرَّجْعَةِ) لِأَنَّهُ طَلَّقَ نِهَايَةَ عَدَدِهِ كَالْحُرِّ إذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا.
(وَإِذَا قَالَ) الزَّوْجُ (أَنْتِ الطَّلَاقُ أَوْ) قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ) قَالَ: (الطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ أَوْ) قَالَ (الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي أَوْ) قَالَ (يَلْزَمُنِي الطَّلَاقُ أَوْ) قَالَ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ وَلَوْ (لَمْ يَذْكُرْ الْمَرْأَةَ وَنَحْوُهُ) أَيْ نَحْوُ مَا ذُكِرَ كَعَلَيَّ يَمِينٌ بِالطَّلَاقِ (فَصَرِيحٌ) لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ (مُنْجَزًا كَانَ) كَالْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ (أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ) كَقَوْلِهِ: أَنْتِ الطَّلَاقُ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ وَنَحْوُهُ (أَوْ مَحْلُوفًا بِهِ) كَأَنْتِ الطَّلَاقُ لَأَقُومَنَّ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ زَيْدًا فَهُوَ صَرِيحٌ وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي عُرْفِهِمْ قَالَ الشَّاعِرُ: نَوَّهْتُ بِاسْمِي فِي الْعَالَمِينَا ... وَأَفْنَيْتُ عُمْرِي عَامًا فَعَامَا فَأَنْتِ الطَّالِقُ وَأَنْتِ الطَّلَاقُ ... وَأَنْتِ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا تَمَامًا
وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنَهُ مَجَازًا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَا مَحَلَّ لَهُ يَظْهَرُ سِوَى هَذَا الْمَحَلِّ فَتَعَيَّنَ فِيهِ (وَيَقَعُ) بِهِ (ثَلَاثٌ مَعَ نِيَّتِهَا) كَمَا لَوْ نَوَاهَا بَانَتْ طَالِقٌ (وَمَعَ عَدَمِهَا) أَيْ عَدَمِ نِيَّةِ الثَّلَاثِ بِأَنْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ أَطْلَقَ، يَقَعَ (وَاحِدَةً) لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَعْتَقِدُونَهُ ثَلَاثًا، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَلِهَذَا يُنْكِرُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَ ثَلَاثًا وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ طَلَّقَ وَاحِدَةً.
(فَإِنْ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمنِي وَنَحْوَهُ) كَعَلَيَّ الطَّلَاقُ (وَلَهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ أَوْ نِيَّةٌ تَقْتَضِي تَخْصِيصًا أَوْ تَعْمِيمًا عُمِلَ بِهِ) أَيْ بِالسَّبَبِ أَوْ النِّيَّةِ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْمِيمِ أَوْ التَّخْصِيصِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ وَلَا نِيَّةٌ يَقْتَضِيَانِ ذَلِكَ (وَقَعَ بِالْكُلِّ) أَيْ كُلِّ الزَّوْجَات (وَاحِدَةً وَاحِدَةً) لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ.
(وَإِذَا قَالَ) لِزَوْجَتِهِ: (أَنْتِ طَالِقُ ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ، فَوَقَعَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا؛ وَلِأَنَّ (طَالِق) اسْمُ فَاعِلٍ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْمَصْدَرَ كَمَا يَقْتَضِيهِ الْفِعْلُ وَالْمَصْدَرُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (كَنِيَّتِهَا) أَيْ الثَّلَاثَ (بِأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ) أَنْتِ (طَالِقٌ الطَّلَاقَ وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَحْمَدَ يَقَعُ (وَاحِدَةً اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَتَضَمَّنُ عَدَدًا وَلَا بَيْنُونَةً فَلَمْ يَقَعْ بِهِ الثَّلَاثُ وَلِأَنَّ أَنْتِ طَالِقٌ إخْبَارٌ عَنْ صِفَةٍ هِيَ عَلَيْهَا فَلَمْ تَتَضَمَّنْ الْعَدَدَ كَقَوْلِهِ: حَائِضٌ وَطَاهِرٌ وَالْأُولَى أَصَحُّ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعَدُّدُهُمَا فِي حَقِّهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَنَوَى وَاحِدَةً فَثَلَاثٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي الثَّلَاثِ وَالنِّيَّةُ لَا تُعَارِضُ الصَّرِيحَ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهَا.
(وَلَوْ أَوْقَعَ طَلْقَةً ثُمَّ جَعَلَهَا ثَلَاثًا وَلَمْ يَنْوِ اسْتِئْنَافَ طَلَاقٍ بَعْدَهَا فَوَاحِدَةٌ) لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَنْقَلِبُ ثَلَاثًا.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنَوَى ثَلَاثًا فَوَاحِدَةٌ) لِأَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَلَوْ وَقَعَ أَكْثَرَ مِنْهَا وَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (وَأَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا) لِأَنَّ التَّفْسِيرَ يَحْصُلُ بِالْإِشَارَةِ وَذَلِكَ يَحْصُل لِلْبَيَانِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» (فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ) أَنَّهَا طَالِقٌ (بِعَدَدِ الْمَقْبُوضَتَيْنِ قُبِلَ مِنْهُ) وَقَعَ ثِنْتَانِ لِأَنَّ مَا يَدَّعِيه مُحْتَمَلٌ كَمَا لَوْ فَسَّرَ الْمُجْمَلَ بِمَا يَحْتَمِلُهُ.
وَفِي الرِّعَايَةِ إنْ أَشَارَ بِالْكُلِّ فَوَاحِدَةٌ (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ هَكَذَا، بَلْ أَشَارَ فَقَطْ فَطَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ إشَارَتَهُ لَا تَكْفِي وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَيُعْمَلُ بِهَا.
(وَ) إنْ قَالَ لِإِحْدَى امْرَأَتَيْهِ (أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، بَلْ هَذِهِ ثَلَاثًا طَلُقَتْ الْأُولَى وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَالْإِضْرَابُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِلطَّلَاقِ بَعْدَ إيقَاعِهِ.
(وَ) طَلُقَتْ (الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا) لِأَنَّهُ أَوْقَعَهَا بِهَا وَلِأَنَّ الْإِضْرَابَ إثْبَاتٌ لِلثَّانِي
وَنَفْيٌ لِلْأَوَّلِ (وَ) إنْ قَالَ لَهَا (أَنْتِ طَالِقٌ، بَلْ هَذِهِ طَلُقَتَا) لِمَا مَرَّ (وَإِنْ قَالَ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ طَالِقٌ وَقَعَ) الطَّلَاقُ (بِالثَّالِثَةِ وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ) بِقُرْعَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ (هَذِهِ أَوْ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ طَالِقٌ) لِأَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ (وَإِنْ قَالَ) لِإِحْدَى امْرَأَتَيْهِ (هَذِهِ وَهَذِهِ أَوْ هَذِهِ طَالِقٌ وَقَعَ) الطَّلَاقُ (بِالْأُولَى وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ) بِقُرْعَةٍ (كَهَذِهِ بَلْ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ طَالِقٌ) ، وَيَأْتِي فِي بَابِ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ لَهُ تَتِمَّةٌ.
(وَ) مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ الطَّلَاقِ أَوْ أَكْثَرَهُ بِ) الثَّاءِ (الْمُثَلَّثَةِ أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (جَمِيعَهُ أَوْ مُنْتَهَاهُ أَوْ غَايَتَهُ أَوْ) أَنْتِ طَالِقُ (كَعَدَدِ الْحَصَى أَلْفَ أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (بِعَدَدِ الْحَصَى أَوْ الْقَطْرِ أَوْ الرِّيحِ أَوْ الرَّمْلِ أَوْ التُّرَابِ أَوْ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَتَعَدَّدُ كَالنُّجُومِ وَالْجِبَالِ وَالسُّفُنِ وَالْبِلَادِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي عَدَدًا، وَلِأَنَّ الطَّلَاق أَقَلُّ وَأَكْثَرُ وَأَقَلُّهُ وَاحِدَةٌ وَأَكْثَرُهُ ثَلَاثٌ وَالْمَاءُ وَنَحْوُهُ تَتَعَدَّدُ أَنْوَاعُهُ وَقَطَرَاتُهُ أَشْبَهَ الْحَصَى (أَوْ) قَالَ (يَا مِائَةَ طَالِقٍ أَوْ) قَالَ (أَنْتِ مِائَةَ طَالِقٍ وَنَحْوَهُ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ (وَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ كَأَلْفٍ أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (كَمِائَةٍ) يَقَعُ ثَلَاثٌ (فَإِنْ نَوَى) بِأَنْتِ طَالِقٌ كَأَلْفٍ وَنَحْوِهِ (فِي صُعُوبَتِهَا قُبِلَ حُكْمًا) أَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ (إلَّا فِي قَوْلِهِ) أَنْتِ طَالِقٌ (كَعَدَدِ أَلْفٍ) أَوْ كَعَدَدِ مِائَةٍ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَاحِدَةً لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُهُ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ إلَى مَكَّةَ وَلَمْ يَنْوِ بُلُوغَهَا) طَلُقَتْ فِي الْحَالِ (أَوْ) قَالَ (أَنْتِ طَالِقُ بَعْدَ مَكَّةَ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ، وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي) بَابِ (الطَّلَاقِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ) .
وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (أَشَدَّ الطَّلَاقِ أَوْ أَغْلَظَهُ أَوْ أَكْبَرَهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَوْ أَطْوَلَهُ أَوْ أَعْرَضَهُ أَوْ مِلْءَ الدُّنْيَا أَوْ مِلْءَ الْبَيْتِ وَنَحْوَهُ) كَالْمَسْجِدِ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (مِثْل الْجَبَلِ أَوْ مِثْلَ عِظَمِ الْجَبَلِ فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ) لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَا يَقْتَضِي عَدَدًا وَالطَّلْقَةُ الْوَاحِدَةُ تُوصَفُ بِأَنَّهَا تَمْلَأُ الدُّنْيَا ذِكْرُهَا وَأَنَّهَا أَشَدُّ الطَّلَاقِ وَأَعْرَضُهُ، فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا وَقَعَتْ لِأَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لَأَنْ يُرَادَ بِهِ ذَلِكَ (وَكَذَا) لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (أَقْصَاهُ) فَتَقَعُ وَاحِدَةً (صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَصُحِّحَ فِي التَّنْقِيحِ وَتَصْحِيحُ الْفُرُوعِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً) وَتَبِعَهُمَا فِي الْمُنْتَهَى.
(وَ) إنْ قَالَ أَنْتِ (طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ) لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ إذَا كَانَتْ إلَى بِمَعْنَى: مَعَ وَلَا نُوقِعُهُ بِالشَّكِّ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ وَثَلَاثٍ) وَقَعَ (وَاحِدَةً) لِأَنَّهَا الَّتِي
بَيْنَهُمَا.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فِي اثْنَتَيْنِ وَنَوَى طَلْقَةً مَعَ طَلْقَتَيْنِ فَثَلَاثٌ) بِفِي لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ وَمَعَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: 29] فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ بِلَفْظِهِ قُبِلَ مِنْهُ وَوَقَعَ مَا نَوَاهُ (وَإِنْ نَوَى) بِأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فِي اثْنَتَيْنِ (مُوجَبُهُ عِنْدَ الْحِسَابِ فَاثْنَتَانِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ عِنْدَهُمْ وَقَدْ نَوَاهُ (وَلَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ) أَيْ يَعْرِفْ مُوجَبَهُ عِنْدَ الْحِسَابِ قِيَاسًا عَلَى الْحَاسِبِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي النِّيَّةِ (وَإِنْ قَالَ الْحَاسِبُ) أَرَدْتُ وَاحِدَةً قُبِلَ (أَوْ) قَالَ غَيْرُهُ أَيْ غَيْرُ حَاسِبٍ (أَرَدْت وَاحِدَةً قُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) مَنْ قَالَ ذَلِكَ شَيْئًا (وَقَعَ بِامْرَأَةِ الْحَاسِبِ ثِنْتَانِ) لِأَنَّهُ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ فِي اصْطِلَاحِهِمْ لِاثْنَتَيْنِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ (وَ) وَقَعَ (بِغَيْرِهَا) أَيْ بِغَيْرِ امْرَأَةِ الْحَاسِبِ (وَاحِدَةً) لِأَنَّ لَفْظَ الْإِيقَاعِ اقْتَرَنَ بِالْوَاحِدَةِ وَالِاثْنَتَانِ اللَّتَانِ جَعَلَهُمَا ظَرْفًا لَمْ يَعْتَرِف بِهِمَا لَفْظُ الْإِيقَاعِ فَلَا يَقَعُ بِدُونِ الْقَصْدِ لَهُ.
(وَ) إنْ قَالَ أَنْتِ (طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ فِي نِصْفِ طَلْقَةٍ طَلُقَتْ طَلْقَةً بِكُلِّ حَالٍ) حَاسِبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ أَرَادَ مَعْنَى مَعَ أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ كَمَا يَأْتِي.
(وَإِنْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (بِعَدَدِ مَا طَلَّقَ فُلَانٌ زَوْجَتَهُ وَجَهِلَ عَدَدَهُ) أَيْ عَدَد مَا طَلَّقَ فُلَانٌ زَوْجَتُهُ (فَطَلْقَةٌ) لِأَنَّهَا الْيَقِينُ وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
[فَصْلٌ الطَّلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ]
فَصْل (وَجُزْءُ طَلْقَةٍ كَهِيَ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَبَعَّضُ فَذِكْرُ بَعْضِهِ ذِكْرٌ لِجَمِيعِهِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ (فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ) أَوْ ثُلُثَهَا وَنَحْوَهُ طَلُقَتْ طَلْقَةً (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (نِصْفَيْ طَلْقَةٍ أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (جُزْءًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ طَلْقَةٍ (وَإِنْ قَلَّ) كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ جُزْءًا مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ طَلْقَةٍ طَلُقَتْ طَلْقَةً لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ (أَوْ) قَالَ لَهَا (أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ طَلُقَتْ طَلْقَةً) لِأَنَّ نِصْفَهُمَا طَلْقَةٌ (وَإِنْ قَالَ) لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ (نِصْفَيْ طَلْقَتَيْنِ) فَثِنْتَانِ لِأَنَّ نِصْفَيْ الشَّيْءِ جَمِيعُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (نِصْفَ ثَلَاثِ طَلْقَاتٍ أَوْ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَوْ ثَلَاثَ أَوْ خَمْسَةَ أَرْبَاعِ) طَلْقَةٍ (وَنَحْوَهُ) كَسِتَّةِ أَخْمَاسِ طَلْقَةٍ وَقَعَ (ثِنْتَانِ) لِأَنَّ ثَلَاثَةَ الْأَنْصَافِ طَلْقَةٍ وَنِصْفُ طَلْقَةٍ فَيَكْمُلُ النِّصْفُ فَتَصِيرُ ثِنْتَيْنِ وَهَكَذَا تَفْعَلُ بِبَاقِي
الْأَمْثِلَةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَبَعَّضُ.
(وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَتَيْنِ فَثَلَاثٌ) لِأَنَّ نِصْفَ الطَّلْقَتَيْنِ طَلْقَةٌ وَقَدْ أَوْقَعَهُ ثَلَاثًا.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا (أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ ثُلُثَ طَلْقَةٍ سُدُسَ طَلْقَةٍ) فَوَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِأَدَاةِ الْعَطْفِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّ الثَّانِي يَكُونُ بَدَلًا مِنْ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الثَّالِثَ يَكُونُ بَدَلًا مِنْ الثَّانِي الْبَدَلُ هُوَ الْمُبْدَلُ أَوْ بَعْضُهُ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً نِصْفَ طَلْقَةٍ أَوْ طَلْقَةً طَلْقَةً لَمْ تَطْلُقْ إلَّا طَلْقَةً وَكَذَا إنْ قَالَ نِصْفًا وَثُلُثًا وَسُدُسًا لَمْ يَقَعْ إلَّا طَلْقَةٌ لِأَنَّ هَذِهِ أَجْزَاءُ الطَّلْقَةِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ مِنْ كُلِّ طَلْقَةٍ جُزْءًا فَيَقَعُ ثَلَاثٌ (أَوْ) قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ نِصْف وَثُلُثَ وَسُدُسَ طَلْقَةٍ فَوَاحِدَةٌ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقُلْ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَسُدُسَ طَلْقَةٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ مِنْ طَلْقَةٍ غَيْرِ مُتَغَايِرَةٍ وَمَجْمُوعُهَا طَلْقَةٌ.
(وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ وَسُدُسَ طَلْقَةٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ طَلْقَةٍ غَيْرِ الَّتِي مِنْهَا الْجُزْءُ الْآخَرُ إذْ لَوْ أَرَادَ إضَافَتَهَا إلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَحْتَجْ إلَى تَكْرَارِ لَفْظِهَا فَلَمَّا كَرَّرَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ لِفَائِدَةٍ وَلَا فَائِدَةَ لَهُ سِوَى هَذَا فَحَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ طَلْقَةٍ كَمُلَتْ الثَّلَاثُ وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً أَوْ نِصْفَ طَلْقَةٍ أَوْ ثُلُثَ طَلْقَةٍ وَنَحْوَهُ أَوْ أَنْتِ نِصْفُ طَالِقٍ أَوْ ثُلُثُ طَالِقٍ أَوْ سُدُسُ طَالِقٍ وَنَحْوُهُ وَقَعَ بِهَا طَلْقَةً بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ أَنْتِ الطَّالِقُ صَرِيحٌ.
(وَإِنْ قَالَ) لِزَوْجَاتٍ أَرْبَعٍ (أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ أَوْ) أَوْقَعْتُ (عَلَيْكُنَّ أَوْ) قَالَ عَلَيْكُنَّ أَوْ (بَيْنَكُنَّ بِلَا أَوْقَعْتُ طَلْقَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً) لِأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى اسْمَ الطَّلْقَةِ بَيْنَهُنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رُبْعًا وَالطَّلْقَتَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفًا وَالثَّلَاثُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ وَتَكْمُلُ وَإِلَّا (رُبْعَ) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ (وَإِنْ أَرَادَ قِسْمَةَ كُلِّ طَلْقَةٍ بَيْنَهُنَّ وَقَعَ الِاثْنَيْنِ) أَيْ فِيمَا إذَا قَالَ أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ اثْنَتَيْنِ (عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ اثْنَتَانِ) لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهَا بِالْقَسَمِ مِنْ كُلِّ مِنْهُمَا رُبْعٌ (وَتَكْمُلُ بِالثَّلَاثِ) أَيْ فِيمَا إذَا قَالَ أَوْقَعْت عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ ثَلَاثًا (وَإِلَّا رُبْعَ) فِيمَا إذَا قَالَ أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ أَوْ عَلَيْكُنَّ أَرْبَعًا (بِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا وَكَذَا مَا بَعْدَهَا مِنْ الصُّوَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ) لِأَرْبَعٍ (أَوْقَعْت بَيْنكُنَّ أَوْ) عَلَيْكُنَّ (خَمْسًا أَوْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيًا وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَانِ) وَكَذَا لَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ أَوْقَعْتُ لِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ خَمْسَةٍ طَلْقَةٌ وَرُبْعٌ وَمِنْ سِتٍّ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ وَمِنْ سَبْعٍ طَلْقَةٌ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ وَيَكْمُلُ الْكَسْرُ فِي الْجَمِيعِ وَمِنْ الثَّمَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَانِ (وَإِنْ أَوْقَعَ) عَلَى أَرْبَعٍ
(تِسْعًا فَأَزْيَدَ) كَأَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ عَشْرًا فَثَلَاثٌ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ قَالَ أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً وَطَلْقَةً فَثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ لَمَّا عَطَفَ وَجَبَ قَسْمُ كُلِّ طَلْقَةٍ عَلَى حِدَتِهَا (وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا) لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا.
(وَ) إنْ قَالَ (أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً فَطَلْقَةً أَوْ) قَالَ أَوْقَعْتُ (طَلْقَةً ثُمَّ طَلْقَةً ثُمَّ أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً وَأَوْقَعْتُ بَيْنكُنَّ طَلْقَةً أَوْ أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً طَلُقْنَ) الْكُلُّ (ثَلَاثًا إلَّا الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَإِنَّهَا تَبِينُ بِالْأُولَى) فَلَا يَلْحَقُهَا مَا بَعْدَهَا.
(فَإِنْ قَالَ) لِزَوْجَاتِهِ (أَنْتُنَّ طَوَالِقُ ثَلَاثًا أَوْ) قَالَ (طَلَّقْتُكُنَّ ثَلَاثًا طُلِّقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) سَوَاءٌ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا.
[فَصْل قَالَ لِزَوْجَتِهِ نِصْفُكِ أَوْ جُزْءٌ مِنْك طَالِقٌ]
فَصْل (وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ نِصْفُكِ أَوْ جُزْءٌ مِنْك أَوْ إصْبَعُكِ أَوْ يَدُكِ) وَلَهَا يَدٌ (أَوْ دَمُكِ طَالِقٌ طَلُقَتْ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى جُزْءٍ ثَابِتٍ اسْتَبَاحَهُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ الْجُزْءَ الشَّائِعَ بِخِلَافِ زَوَّجْتُكَ نِصْفَ بِنْتِي أَوْ يَدَهَا أَوْ نَحْوَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ (لَكِنْ لَوْ قَالَ إصْبَعُكِ) طَالِقٌ (أَوْ يَدُكِ طَالِقٌ وَلَا أُصْبُعَ لَهَا) فِي الْأُولَى (وَلَا يَدَ) فِي الثَّانِيَةِ لَمْ تَطْلُقْ (أَوْ قَالَ إنْ قُمْتِ فَيَمِينُكِ) مَثَلًا (طَالِقٌ فَقَامَتْ بَعْدَ قَطْعِهَا لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى مَا لَيْسَ مِنْهَا فَلَمْ يَقَعْ، وَفِي الْأَخِيرَةِ وُجِدَ الشَّرْطُ وَلَا يَمِينَ لَهَا فَلَمْ يَقَعْ.
(وَإِنْ قَالَ) لَهَا (شَعْرُك) طَالِقُ (أَوْ ظُفُرُك) طَالِقٌ (أَوْ سِنُّكِ أَوْ لَبَنُكِ أَوْ مَنِيُّكِ) طَالِقٌ تَطْلُقُ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ تَنْفَصِلُ عَنْهَا مَعَ السَّلَامَةِ فَلَا تَطْلُقُ بِإِضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَيْهَا كَالْحَمْلِ.
(أَوْ قَالَ سَوَادُكِ أَوْ بَيَاضُك) طَالِقُ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّهُ عَرَضٌ.
(أَوْ) قَالَ (رِيقُكِ أَوْ دَمْعُكِ أَوْ عَرَقُك) طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ جُزْءًا مِنْهَا.
(أَوْ) قَالَ (رُوحُكِ) طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ عُضْوًا وَلَا شَيْئًا يُسْتَمْتَعُ بِهِ أَشْبَهَتْ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ.
(أَوْ) قَالَ (حَمْلك) طَالِق لَمْ تَطْلُق لِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْهَا.
(أَوْ) قَالَ (سَمْعك أَوْ بَصَرك طَالِق لَمْ تَطْلُق) لِأَنَّهُ عَرَض كَالْبَيَاضِ وَالسَّوَاد.
(وَحَيَاتك طَالِق تَطْلُق) لِأَنَّهُ لَا بَقَاء لَهَا بِدُونِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ رَأْسك طَالِق.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِق شَهْرًا أَوْ بِهَذَا الْبَلَد صَحَّ) الطَّلَاق (وَتَطْلُق فِي جَمِيع الشُّهُور وَالْبُلْدَانِ) لِأَنَّهُ إذَا أُوقِعَ فِي شَهْر أَوْ بَلَد لَمْ يَرْتَفِع فِي غَيْره (وَحُكْم عِتْق فِي الْكُلّ) أَيْ كُلّ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا يَقَع أَوْ لَا يَقَع (كَطَلَاقِ) فَمَنْ قَالَ لِقَنِّهِ
يَدك أَوْ إصْبَعك أَوْ حَيَاتك أَوْ جُزْء مِنْك حُرّ عَتَقَ كُلُّهُ وَإِنْ قَالَ لَهُ شَعْرك أَوْ ظُفْرك وَنَحْوه لَمْ يَعْتِقْ وَتَقَدَّمَ فِي الْعِتْق.
[فَصْلٌ فِيمَا تُخَالِف بِهِ الْمَدْخُولُ بِهَا غَيْرَهَا]
وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَةٍ مَدْخُولٍ بِهَا) بِوَطْءٍ أَوْ خَلْوَةٍ (عَنْ عَقْدٍ) صَحِيحٍ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِالثَّانِيَةِ الطَّلَاقَ أَيْ إيقَاعَ طَلْقَةٍ (أَوْ لَمْ يَنْوِ بِهَا) أَيْ الثَّانِيَةِ (إيقَاعًا وَلَا تَأْكِيدًا طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ) لِأَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْوُقُوعَ بِدَلِيلِ مَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِثْلُهُ وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ عَنْ ذَلِكَ بِنِيَّةِ التَّأْكِيدِ فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ رُفِعَ مُقْتَضَاهُ كَمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ فِي الْعَامِّ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُخَصِّصُ (وَإِنْ نَوَى بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ) لِلْأُولَى (أَوْ) نَوَى (إتْمَامَهَا) وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِالْأُولَى فَوَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ صَرْفٌ لِلثَّانِيَةِ عَنْ الْإِيقَاعِ بِنِيَّةِ التَّأْكِيدِ أَوْ الْإِفْهَامِ فَلَمْ يَقَعْ بِهَا شَيْءٌ (أَوْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ الْمَقُولُ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ (غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَوَاحِدَةٌ) وَلَوْ لَمْ يَنْوِ بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالْأُولَى فَلَا يَلْحَقُهَا مَا بَعْدَهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا، (وَيُشْتَرَطُ فِي) اعْتِبَارِ (التَّأْكِيدِ) وَالْإِفْهَامِ (أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا فَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ مَضَى زَمَنٌ طَوِيلٌ) أَيْ زَمَنٌ يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ (ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا طَلُقَتْ) طَلْقَةً (ثَانِيَةً وَلَمْ تَنْفَعْهُ نِيَّةُ التَّأْكِيدِ) وَلَا الْإِفْهَامِ، لِأَنَّ التَّأْكِيدَ تَابِعٌ لِلْكَلَامِ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ كَسَائِرِ التَّوَابِعِ مِنْ الْعَطْفِ وَالصِّفَةِ وَالْبَدَلِ، وَالْإِفْهَامُ نَوْعٌ مِنْ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.
(وَإِنْ) قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَ (نَوَى بِالثَّالِثَةِ التَّأْكِيدَ) أَيْ تَأْكِيدَ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ (وَإِنْ أَكَّدَ الثَّانِيَةَ بِالثَّالِثَةِ صَحَّ) التَّأْكِيدُ (وَقُبِلَ) مِنْهُ فَيَقَعُ ثِنْتَانِ لِلِاتِّصَالِ (وَكَذَا تَأْكِيدُ الْأُولَى بِهِمَا) أَيْ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ (فَيَصِحُّ وَيُقْبَلُ مِنْهُ) لِعَدَمِ الْفَصْلِ (أَوْ) أَكَّدَ الْأُولَى (لَمْ يُقْبَلْ لِعَدَمِ اتِّصَالِ التَّأْكِيدِ) فَتَقَعُ الثَّالِثَةُ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ تَأْكِيدَ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ (وَإِنْ أَكَّدَ بِالثَّانِيَةِ) صَحَّ وَقُبِلَ لِلِاتِّصَالِ، وَإِنْ قَالَ أَطْلَقْتُ نِيَّةَ التَّأْكِيدِ وَلَمْ أَعْنِ أُولَى وَلَا ثَانِيَةً فَوَاحِدَةٌ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ يَقَعُ وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ لَمْ يَعْنِهَا بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ (مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ) مِنْ وَاحِدَةٍ فَيَقَعُ مَا نَوَاهُ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ وَأَكَّدَ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ لَمْ يُقْبَلْ لِأَنَّهُ غَايَرَ بَيْنَهُمَا) أَيْ الثَّانِيَةِ (وَبَيْنَ الْأَوْلَى بِحَرْفٍ يَقْتَضِي
الْمُغَايَرَةَ وَ) يَقْتَضِي (الْعَطْفَ) وَهُوَ حَرْفُ الْعَطْفِ (وَهَذَا يَمْنَعُ التَّأْكِيدَ) لِأَنَّ التَّأْكِيدَ عَيْنُ الْمُؤَكَّدِ وَالْمُغَايَرَةُ تَمْنَعُهُ (وَإِنْ أَكَّدَ الثَّانِيَةَ بِالثَّالِثَةِ قُبِلَ) مِنْهُ (لِأَنَّهَا) أَيْ الثَّالِثَةَ (مِثْلُهَا) أَيْ الثَّالِثَةُ (فِي لَفْظِهَا) فَلَا مَانِعَ مِنْ التَّأْكِيدِ (وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي عَطَفَهَا بِالْوَاوِ) إنْ أَكَّدَ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ لَمْ يُقْبَلْ لِلْمُغَايَرَةِ، وَإِنْ أَكَّدَ الثَّانِيَةَ بِالثَّالِثَةِ قُبِلَ لِأَنَّهَا مِثْلُهَا.
(وَإِنْ غَايَرَ بَيْنَ الْحُرُوفِ) الَّتِي عَطَفَ بِهَا (فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ أَوْ) قَالَ أَنْتِ (طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ وَطَالِقٌ أَوْ) قَالَ أَنْتِ (طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَطَالِقٌ أَوْ) قَالَ أَنْتِ (طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَطَالِقٌ لَمْ يُقْبَلْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إرَادَةُ التَّأْكِيدِ) لَا لِلْأُولَى وَلَا لِلثَّانِيَةِ (لِأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مُغَايِرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا مُخَالِفَةٌ لَهَا فِي لَفْظِهَا، وَالتَّأْكِيدُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَكْرِيرِ الْأَوَّلِ بِصُورَتِهِ) .
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ أَوْ مُسَرَّحَةٌ أَنْتِ مُفَارِقَةٌ وَأَكَّدَ الْأُولَى بِهِمَا) أَيْ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ (قُبِلَ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَايِرْ بَيْنَهُمَا بِالْحُرُوفِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، بَلْ أَعَادَ اللَّفْظَةَ بِمَعْنَاهَا) وَهَذَا يُعَدُّ تَأْكِيدًا (وَإِنْ أَتَى) أَيْ عَطَفَ هَذِهِ الْجُمَلَ (بِالْوَاوِ) أَوْ الْفَاءِ أَوْ ثُمَّ (لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ إرَادَةُ التَّأْكِيدِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةِ الْمَانِعَةَ مِنْ التَّأْكِيدِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَتَى بِشَرْطٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ أَوْ صِفَةٍ عَقِبَ جُمْلَةٍ اخْتَصَّ بِهَا، فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ فَهَاتَانِ جُمْلَتَانِ لَا تَتَعَلَّقُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى) لِعَدَمِ الْأَدَاةِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّشْرِيكَ بَيْنَهُمَا (فَلَوْ تَعَقَّبَ إحْدَاهُمَا بِشَرْطٍ) بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قُمْتِ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْأُخْرَى فَتَقَعُ الْأُولَى فِي الْحَالِ وَالثَّانِيَةُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ (أَوْ) تَعَقَّبَ إحْدَاهُمَا (بِاسْتِثْنَاءٍ) كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا وَاحِدَةً لَمْ يَتَنَاوَلْ الْأُخْرَى فَتَقَعُ الثِّنْتَانِ لِأَنَّهُ كَاسْتِثْنَاءٍ لِلْكُلِّ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً إلَّا طَلْقَةً (ثُمَّ) تَعَقَّبَ إحْدَاهُمَا (بِصِفَةٍ) كَأَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ قَائِمَةً (لَمْ يَتَنَاوَلْ الْأُخْرَى) فَتَقَعُ الْأُولَى فِي الْحَالِ وَالثَّانِيَةُ إذَا قَامَتْ (بِخِلَافِ مَعْطُوفٍ مَعَ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَوْ تَعَقَّبَهُ بِشَرْطٍ) أَوْ صِفَةٍ (لَعَادَ إلَى الْجَمِيعِ) لِأَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ يُصَيِّرُ الْجُمْلَتَيْنِ كَالْوَاحِدَةِ، فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَقْدُمَ فَيَقَعُ طَلْقَتَانِ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ صَائِمَةً طَلُقَتْ بِصِيَامِهَا طَلْقَتَيْنِ.
(وَ) إنْ قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا (أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (ثُمَّ طَالِقٌ أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (بَلْ طَالِقٌ أَوْ) أَنْتِ (طَالِقٌ طَلْقَةً بَلْ طَلْقَتَيْنِ) فَثِنْتَانِ، لِأَنَّ حُرُوفَ الْعَطْفِ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، وَبَلْ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ إذَا كَانَ بَعْدَهَا مُفْرَدٌ وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ، لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَإِنْ كَانَ
مُتَحَمِّلًا لِلضَّمِيرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْرَبُ وَالْجُمْلَةُ لَا تُعْرَبُ، وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ فَوَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْأَوَّلِ ثُمَّ أَثْبَتَهُ بَعْدَ نَفْيِهِ فَيَكُونُ الْمُثْبَتُ هُوَ الْمَنْفِيُّ (أَوْ) قَالَ أَنْتِ (طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ أَوْ بَلْ طَلْقَةً أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً (قَبْلَ طَلْقَةٍ أَوْ قَبْلَهَا طَلْقَةٌ طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ) لِأَنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي الْجَمِيعِ وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ، (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ الْمَقُولُ لَهَا ذَلِكَ (غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا بَانَتْ بِالْأُولَى وَلَمْ يَلْحَقْهَا مَا بَعْدَهَا) لِأَنَّهَا إذَا بَانَتْ بِالْأُولَى صَارَتْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ فَلَا يَلْحَقُهَا مَا بَعْدَهَا (لَكِنْ لَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: بَعْدَهَا طَلْقَةٌ) أَوْ بَعْدَ طَلْقَةٍ (سَأُوقِعُهَا) بَعْدَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ (حُكْمًا) ، وَلَمْ يَقَعْ إذْنٌ سِوَى طَلْقَةٍ، لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ (وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ قَبْلَهَا طَلْقَة) أَوْ قَبْلَ طَلْقَة (فِي نِكَاحٍ آخَرَ) قَبْلَ هَذَا (أَوْ أَنَّ زَوْجًا قَبْلِي طَلَّقَهَا قُبِلَ) مِنْهُ حُكْمًا (إنْ) كَانَ (وُجِدَ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ وَلَفْظُهُ مُحْتَمَلٌ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً (مَعَ طَلْقَة أَوْ) أَنْتِ (طَالِقٌ وَطَالِقٌ طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ وَلَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا) لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي وُقُوعَ طَلْقَتَيْنِ مَعًا فَوَقَعَا، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ،.
(وَإِنْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً (مَعَهَا اثْنَتَانِ وَقَعَ ثَلَاثٌ) وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَ) الطَّلَاقُ (الْمُعَلَّقُ) بِشَرْطٍ (كَ) الطَّلَاقِ (الْمُنْجِزِ فِي هَذَا) الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ (سَوَاءٌ قَدَّمَ الشَّرْطَ أَوْ أَخَّرَهُ) أَوْ أَفْرَدَهُ (أَوْ كَرَّرَهُ فَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ) أَوْ إنْ دَخَلْتِ الدَّار فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ (فَدَخَلَتْ) الدَّارَ (طَلُقَتْ) الْمَدْخُولُ بِهَا (ثَلَاثًا و) طَلُقَتْ (وَاحِدَةً إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا) لِأَنَّهَا تَبِين بِالْأُولَى فَلَا يَلْحَقُهَا مَا بَعْدَهَا.
(وَ) إنْ قَالَ (إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ أَوْ) فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً (مَعَ طَلْقَةٍ فَدَخَلَتْ) هَا (طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ وَلَوْ) كَانَتْ (غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَالَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ أَوْ إنْ دَخَلْتِ الدَّار فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ فَدَخَلَتْ) هَا (طَلُقَتْ وَاحِدَةً) وَبَانَتْ بِهَا فَلَا يَلْحَقُهَا مَا بَعْدَهَا (وَإِنْ قَالَ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ) هَا (طَلُقَتْ مَدْخُولٌ بِهَا وَغَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا (اثْنَيْنِ) لِأَنَّ التَّعْلِيقَ يَقْتَضِي إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِشَرْطِ الدُّخُولِ، وَقَدْ كَرَّرَ التَّعْلِيقَ فَتَكَرَّرَ الْوُقُوعُ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، (وَإِنْ قَصَدَ) بِتَكْرِيرِهِ (إفْهَامَهَا أَوْ تَأْكِيدًا) وَاتَّصَلَ (وَقَعَ وَاحِدَةً) فَقَطْ لِأَنَّ مَا عَدَاهَا مَصْرُوفٌ عَنْ الْإِيقَاعِ، (وَإِنْ كَرَّرَ الشَّرْطَ مَعَ الْجَزَاءِ ثَلَاثَةً فَقَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ) مَدْخُولٌ بِهَا وَغَيْرُهَا (ثَلَاثًا) بِدُخُولِهَا، لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ فَاقْتَضَى وُقُوعَ الثَّلَاثِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، (. وَقَالَ الشَّيْخُ فِيمَنْ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمُهُ وَكَرَّرَهُ) مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ (لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا لَا يَقَعُ) إذَا وُجِدَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (أَكْثَرُ مِنْ طَلْقَةٍ إذَا لَمْ يَنْوِ) أَكْثَرَ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ يَقَعُ بِعَدَدِ مَا كَرَّرَهُ مَا لَمْ يَنْوِ إفْهَامَهَا أَوْ تَأْكِيدًا وَيَكُونُ مُتَّصِلًا (1) .
[بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ]
ِ) الِاسْتِثْنَاءُ اسْتِفْعَالٌ مِنْ الثَّنْيِ، وَهُوَ الرُّجُوعُ يُقَالُ ثَنَى رَأْسَ الْبَعِيرِ إذَا عَطَفَهُ إلَى وَرَائِهِ فَكَأَنَّ الْمُسْتَثْنَى رَجَعَ فِي قَوْلِهِ إلَى مَا قَبْلَهُ (وَهُوَ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ اصْطِلَاحًا: (إخْرَاجُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ) أَيْ بَعْضُ مَا يَتَنَاوَلهُ اللَّفْظُ (بِ) لَفْظِ (إلَّا، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، كَغَيْرِ وَسِوَى) بِوَزْنِ رِضَا وَهَدْيٍ وَسَمَاءٍ وَبِنَاءٍ (وَلَيْسَ، وَلَا يَكُونُ وَحَاشَا وَخَلَا وَعَدَا) مَقْرُونَيْنِ بِمَا أَوْ مُجَرَّدَتَيْنِ مِنْهَا مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ نِيَّةٌ قَبْلَ تَمَامِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُتَكَلِّمِينَ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَاقِعٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ (يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ فَأَقَلَّ) لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ أَبَان بِهِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُرَادٍ بِالْأَوَّلِ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ أَتَى بِمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى بِدُونِ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَصِحّ قَوْلُ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26] ﴿إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 27] يُرِيدُ بِهِ الْبَرَاءَةَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاءُ رَافِعًا لِوَاقِعٍ وَإِنَّمَا هُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ الْمُسْتَثْنَى فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ (مِنْ طَلْقَاتِهِ) كَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً (وَمُطَلَّقَاتِهِ) كَنِسَائِهِ طَوَالِقُ إلَّا فُلَانَةَ (وَإِقْرَارِهِ) كُلِّهِ عَلَى عَشْرَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً وَنَحْوِهِ وَ (لَا) يَصِحُّ
اسْتِثْنَاءُ (مَا زَادَ عَلَيْهِ) أَيْ النِّصْفِ (نَصًّا) وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَقَوَّاهُ ابْنُ حَمْدَان، وَجَازَ الْأَكْثَرُ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فِي قَوْله تَعَالَى -: ﴿إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْعَدَدِ.
وَذَكَر أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ بِالصِّفَةِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَخْصِيصٌ، وَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الْكُلُّ، نَحْوُ: اُقْتُلْ مَنْ فِي الدَّارِ إلَّا بَنِي تَمِيمٍ وَهُمْ بَنُو تَمِيمٍ فَيَحْرُم قَتْلُهُمْ (فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا) طَلُقَتْ ثَلَاثًا لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكُلّ رَفْعٌ لِمَا أَوْقَعَهُ فَلَمْ يَرْتَفِعْ (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ) طَلُقَتْ ثَلَاثًا لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (خَمْسًا إلَّا ثَلَاثًا) طَلُقَتْ ثَلَاثًا لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا (إلَّا وَاحِدَةً أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (أَرْبَعًا إلَّا وَاحِدَةً) طَلُقَتْ ثَلَاثًا لِبَقَائِهَا بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، (أَوْ قَالَ) : أَنْتِ طَالِقٌ (ثَلَاثًا إلَّا رُبْعَ طَلْقَةٍ) أَوْ نِصْفَهَا أَوْ سُدُسَهَا وَنَحْوَهُ (طَلُقَتْ ثَلَاثًا) لِأَنَّ الطَّلْقَةَ النَّاقِصَةَ تَكْمُلُ فَتَصِيرُ ثَلَاثًا ضَرُورَةً أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَبَعَّضُ.
(وَ) إنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً يَقَعُ وَاحِدَةً) لِصِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ (وَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً) يَقَعُ ثِنْتَانِ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ فَيَصِحُّ، (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا (إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً) يَقَعُ اثْنَتَانِ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْوَاحِدَةَ مِمَّا قَبْلَهَا فَيَبْقَى وَاحِدَةُ وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الثَّلَاثِ فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقُ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً) يَقَعُ اثْنَتَانِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ صَحِيحٌ دُونَ الثَّانِي (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا (إلَّا وَاحِدَةً وَإِلَّا وَاحِدَةً) يَقَعُ اثْنَتَانِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً) يَقَعُ اثْنَتَانِ لِأَنَّهَا الْبَاقِيَةُ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى، (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (أَرْبَعًا إلَّا اثْنَتَيْنِ يَقَعُ اثْنَتَانِ) لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لِلنِّصْفِ بِحَسْبِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، (وَ) أَنْتِ طَالِقٌ (ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً) يَقَعُ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ لِمَا اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاث بَقِيَ بَعْدَهَا اثْنَتَانِ اسْتَثْنَاهُمَا مِنْ الثَّلَاثِ وَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهَا فَلَمْ يَصِحّ الِاسْتِثْنَاءُ، (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (خَمْسًا) إلَّا ثَلَاثًا (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (أَرْبَعًا إلَّا ثَلَاثًا) وَقَعَتْ الثَّلَاثُ وَلَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ (أَوْ) أَنْتِ (طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إلَّا وَاحِدَةً أَوْ إلَّا طَلَاقًا) يَقَعُ ثَلَاثٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى مَا يَلِيهِ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً لِكُلِّهِ فَلَا يَصِحُّ، (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (طَلْقَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً) يَقَعُ ثَلَاثًا لِمَا ذَكَرنَا.
بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً فَيَقَعُ ثِنْتَانِ، (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ
(طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إلَّا طَلْقَةً) يَقَعُ ثَلَاثٌ بِتَكْمِيلِ النِّصْفِ، وَإِلْغَاءِ الِاسْتِثْنَاءِ لِرُجُوعِهِ إلَى مَا يَلِيهِ فَيَكُونُ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَلَا يَصِحُّ (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (ثِنْتَيْنِ وَثِنْتَيْنِ إلَّا ثِنْتَيْنِ) يَقَعُ ثَلَاثًا وَيُلْغَى الِاسْتِثْنَاءُ لِعَوْدِهِ إلَى مَا يَلِيهِ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَثِنْتَيْنِ (إلَّا وَاحِدَةً) يَقَعُ (ثَلَاثًا) لِأَنَّهَا الْبَاقِيَةُ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ (كَعَطْفِهِ بِالْفَاءِ أَوْ) عَطْفِهِ (بِثُمَّ) كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ فَثِنْتَيْنِ إلَّا ثِنْتَيْنِ أَوْ إلَّا وَاحِدَةً أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ ثِنْتَيْنِ إلَّا ثِنْتَيْنِ أَوْ إلَّا وَاحِدَةً فَيَقَعُ بِذَلِكَ ثَلَاثٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ صَارَ جُمْلَتَيْنِ لِلتَّرْتِيبِ الْحَاصِلِ بِالْعَطْفِ بِالْفَاءِ أَوْ بِثُمَّ فَاسْتِثْنَاءُ الِاثْنَتَيْنِ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ اسْتِثْنَاءٌ لِلْكُلِّ.
وَاسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدَةِ إنْ عَادَ لِلرَّابِعَةِ فَقَدْ بَقِيَ بَعْدَهَا ثَلَاثٌ، وَإِنْ عَادَ إلَى الْوَاحِدَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ كَانَ اسْتِثْنَاءً لِلْجَمِيعِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ (وَلَوْ أَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْمَجْمُوعِ فِي قَوْلِهِ) أَنْتِ (طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إلَّا وَاحِدَةً دِينَ) أَيْ قُبِلَ مِنْهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ لِأَنَّ لَفْظَهُ مُحْتَمِلٌ (قُبِلَ) مِنْهُ حُكْمًا (فَيَقَعُ اثْنَتَانِ) لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لِأَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ (وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِع إلَى مَا تَلَفَّظَ بِهِ) بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ وَ (لَا) يَرْجِعُ (إلَى مَا يَمْلِكُهُ) خِلَافًا لِلْقَاضِي وَابْنِ اللَّحَّامِ فِي قَوَاعِدِهِ.
(وَيُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (وَفِي شَرْطٍ) مُتَأَخِّرٍ كَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ (وَنَحْوِهِ) كَالصِّفَةِ، نَحْو أَنْتِ طَالِقٌ قَائِمَةً، وَكَذَا عَطْفُ مُغَايِرٍ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَا (اتِّصَالُ مُعْتَادٍ لَفْظًا أَوْ حُكْمًا) لِأَنَّ الِاتِّصَالَ يَحْتَمِلُ اللَّفْظَ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ قَبْلَ تَمَامِهَا بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُتَّصِلِ فَإِنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي رَفْعَ مَا وَقَعَ بِالْأَوَّلِ، وَالطَّلَاقُ إذَا وَقَعَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ، وَالِاتِّصَالُ لَفْظًا أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مُتَوَالِيًا، وَحُكْمًا (كَانْقِطَاعِهِ بِتَنَفُّسٍ وَنَحْوِهِ) كَسُعَالٍ وَعُطَاسٍ قَالَ الطُّوخِي فَلَا يُبْطِلُهُ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ وَلَا مَا عَرَضَ مِنْ سُعَالٍ وَنَحْوِهِ وَلَا طُولُ كَلَامٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ (وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي اسْتِثْنَاءِ (نِيَّةِ قَبْلَ تَمَامِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ) فَقَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً لَا يُعْتَدّ بِالِاسْتِثْنَاءِ إلَّا إنْ نَوَاهُ قَبْلَ تَمَامِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا (وَقَطَعَ بِهِ جَمْعٌ وَ) .
تَصِحُّ نِيَّتُهُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ تَمَامِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (قَبْلَ فَرَاغِهِ) مِنْ كَلَامِهِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِ نَاوِيًا لَهُ عِنْدَ تَمَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْكُتَ (وَاخْتَارَهُ) أَيْ اخْتَارَ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ نِيَّتِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ قَبْل فَرَاغِهِ (الشَّيْخُ وَ) تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ وَمُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ، وَقَالَ (لَا يَضُرّ فَصْلٌ يَسِيرٌ بِاسْتِثْنَاءٍ) ، قَالَ وَفِي الْقُرْآنِ جُمَلٌ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ أَبِعَاضِهَا بِكَلَامٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا﴾ [آل عمران: 72]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 73] فُصِلَ بَيْن الْكَلَامِ وَالْمَحْكِيّ عَنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَكَذَا حُكْمُ شَرْطٍ مُتَأَخِّرٍ وَعَطْفٍ مُغَايِرٍ وَنَحْوِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (و) إذَا قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ إلَّا وَاحِدَةً وَقَعَتْ الثَّلَاثُ) لِأَنَّ الْعَدَد نَصَّ فِيمَا تَنَاوَلَهُ فَلَا يَرْتَفِعُ بِالنِّيَّةِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ أَقْوَى وَلَوْ ارْتَفَعَ بِالنِّيَّةِ لِرَجْحِ الْمَرْجُوحُ عَلَى الرَّاجِحِ (وَإِنْ قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ وَاسْتَثْنَى وَاحِدَةً بِقَلْبِهِ لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ الْعُمُومَ فِي الْخُصُوصِ، وَذَلِكَ شَائِعٌ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا (وَإِنْ قَالَ نِسَائِي الْأَرْبَعَ أَوْ الثَّلَاثَ أَوْ الِاثْنَتَيْنِ) بِالنَّصْبِ لِلْأَرْبَعِ فَمَا بَعْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ كَأَعْنِي طَوَالِقُ وَاسْتَثْنَى وَاحِدَةً بِقَلْبِهِ (مِنْهُنَّ) طَلُقَتْ فِي الْحُكْمِ أَيْ فِي الظَّاهِرِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ وَلَمْ تَطْلُقْ فِي الْبَاطِنِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَقِيلَ تَطْلُقُ أَيْضًا وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيّ وَالْخِرَقِيُّ انْتَهَى وَهَذَا ظَاهِرُ الْمُنْتَهَى لِأَنَّ النَّصَّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ، فَلَا يَرْتَفِعُ مِنْهُ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ طَلِّقْنِي فَقَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ وَلَا نِيَّةَ لَهُ) طُلِّقْنَ كُلُّهُنَّ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَتَنَاوَلهُنَّ، (أَوْ قَالَتْ لَهُ) امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ (طَلِّقْ نِسَاءَكَ فَقَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ طُلِّقْنَ كُلُّهُنَّ) لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِيهَا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ غَيْرَ مُقْتَضَاهُ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ كَالصُّورَةِ الْأُولَى.
(فَإِنْ أَخْرَجَ السَّائِلَةَ بِنِيَّتِهِ) بِأَنْ اسْتَثْنَاهَا بِقَلْبِهِ (دِينَ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ (فِي الصُّورَتَيْنِ) أَيْ صُورَةِ طَلِّقْنِي وَصُورَةِ طَلِّقْ نِسَاءَكَ، (وَلَمْ يَقْبَلْ فِي الْحُكْمِ فِيهِمَا) أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ أَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَلِأَنَّ طَلَاقَهَا جَوَابُ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ لِنَفْسِهَا فَلَا يَصْدُقُ فِي الْحُكْمِ فِي صَرْفِهِ عَنْهَا لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ وَسَبَبَ الْحُكْمِ، فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْعُمُومِ بِالتَّخْصِيصِ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَفِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا يُقْبَلُ مِنْهُ حُكْمًا أَنَّهُ اسْتَثْنَاهَا بِقَلْبِهِ لِأَنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ يُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى نِيَّتِهِ.
[بَابُ الطَّلَاقِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ]
ِ أَيْ تَقْيِيدُ الطَّلَاقِ بِالزَّمَنِ الْمَاضِي وَالزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ (إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَنَوَى وُقُوعَهُ إذَنْ) أَيْ حِينَ التَّكَلُّمِ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ
لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ الْأَغْلَظُ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ وُقُوعَهُ إذَنْ بِأَنْ أَطْلَقَ أَوْ نَوَى إيقَاعَهُ فِي الْمَاضِي (لَمْ يَقَعْ) الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِلِاسْتِبَاحَةِ وَلَا يَمْلِكُ رَفْعَهَا فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي فَلَمْ يَقَعْ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِيَوْمَيْنِ فَقَدِمَ الْيَوْمَ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَقَعُ إذَا قَالَ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَلَا يَقَعُ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسُ فَعَلَى الْقَوْلِ بِوُقُوعِهِ (وَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ أَنَّ زَوْجًا قَبْلِي طَلَّقَهَا أَوْ) قَالَ أَرَدْتُ أَنِّي (طَلَّقْتُهَا أَنَا فِي نِكَاحٍ قَبْلَ هَذَا قُبِلَ مِنْهُ إنْ كَانَ) ذَلِكَ (قَدْ وُجِدَ) لِأَنَّ لَفْظَهُ مُحْتَمِلٌ لَهُ (مَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ مِنْ غَضَبٍ أَوْ سُؤَالهَا الطَّلَاقَ وَنَحْوِهِ) ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (فَإِنْ مَاتَ) بَعْد قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ (أَوْ جُنَّ أَوْ خُرِسَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِمُرَادِهِ لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّ الْعِصْمَةَ مُتَيَقَّنَةٌ فَلَا تُزَالُ بِالشَّكِّ.
(وَ) وَإِنْ قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرٍ فَقَدِمَ) زَيْدٌ (قَبْلَ مُضِيِّ) أَيْ الشَّهْرِ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى صِفَةٍ مُمْكِنَةِ الْوُجُودِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا (أَوْ) قَدِمَ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ مُضِيِّ الشَّهْرِ (لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جُزْءٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ، (وَيَحْرُمُ) عَلَى مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ ذَلِكَ (وَطْؤُهَا مِنْ حِينِ عَقْدِ الصِّفَةِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بِبَيْتِهَا) لِأَنَّ كُلَّ شَهْرٍ يَأْتِي مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ شَهْرُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ تَأَمَّلْتُ نُصُوصَ الْإِمَامِ فَوَجَدْتُهُ يَأْمُرُ بِاعْتِزَالِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ فِي كُلِّ يَمِينٍ حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَبَارٌّ هُوَ أَوْ حَانِثٌ؟ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَنَّهُ بَارٌّ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَارٌّ اعْتَزَلَهَا أَبَدًا وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَارٌّ فِي وَقْتٍ وَشَكَّ فِي وَقْتٍ اعْتَزَلَهَا وَقْتَ الشَّكِّ ثُمَّ ذَكَرَ فُرُوعًا مِنْ ذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ، وَذَكَرَ بَعْضَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
(وَلَهَا) أَيْ لِلزَّوْجَةِ الْمَقُولِ لَهَا ذَلِكَ (النَّفَقَةُ) مِنْ حِينِ التَّعْلِيقِ (إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الزَّوْجِيَّةِ وَهِيَ مَحْبُوسَةٌ لِأَجْلِهِ، (وَإِنْ قَدِمَ) زَيْدٌ (بَعْدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ يَسَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ تَبَيَّنَّا وُقُوعَهُ فِيهِ) أَيْ وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ عَقِبَ التَّعْلِيقِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ (وَ) تَبَيَّنَّا (أَنَّ وَطْأَهُ) فِي الشَّهْرِ (مُحَرَّمٌ) إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، (فَإِنْ كَانَ وَطِئَ) بَعْدَ التَّعْلِيقِ (لَزِمَهُ الْمَهْرُ) بِمَا نَالَ مِنْ فَرْجِهَا (إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا) وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا فَلَا تَحْرِيمَ وَلَا مَهْرَ وَحَصَلَتْ بِهِ رَجَعْتُهَا.
(وَإِنْ خَالَعَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ) أَيْ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ (بِيَوْمٍ فَأَكْثَرَ) مِنْ يَوْمٍ (كَثْرَةً يَقَعُ الْخُلْعُ مَعَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ) الْمَخْلُوعَةُ (مَعَهَا) أَيْ مَعَ الْكَثْرَةِ حِينَ الْخُلْعِ (بَائِنًا) وَقْتَ الْخُلْعِ (وَكَانَ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بَائِنًا) ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ الشَّهْرِ بِيَوْمَيْنِ (صَحَّ الْخُلْعُ وَبَطَلَ الطَّلَاقُ) الْمُعَلَّقُ لِأَنَّ مَحِلَّ وُقُوعِ الطَّلَاقِ صَادَفَهَا بَائِنًا بِالْخُلْعِ، (وَإِنْ قَدِمَ) زَيْد (بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ) مِنْ حِينِ التَّعْلِيقِ (وَقَعَ الطَّلَاقُ الْبَائِنُ) لِوُجُودِ شَرْطِهِ (دُونَ الْخُلْعِ) فَلَا يَصِحُّ (وَتَرْجِعُ بِالْعِوَضِ) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ حِينَهُ بَائِنًا بِالطَّلَاقِ (وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ)
الْمُعَلَّقُ (رَجْعِيًّا صَحَّ الْخُلْعُ قَبْلَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ) لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَصِحُّ خُلْعُهَا (مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا) . فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَانَتْ وَلَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ إنْ تَبَيَّنَّا وُقُوعَهُ بَعْدَهَا قُلْتُ إنْ وَقَعَ الْخُلْعُ حِيلَةً لِإِسْقَاطِ يَمِينِ الطَّلَاقِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ أَوْ مَعَهُ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ) وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ عَقْدِ الْيَمِينِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ (لَكِنْ لَا إرْثَ) لِمُطَلَّقَةٍ (بَائِنٍ) فِي تِلْكَ الصُّورَةِ (لِعَدَمِ التُّهْمَةِ) بِحِرْمَانِهَا الْمِيرَاثَ (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ) أَيْ بَعْدَ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ (بِيَوْمَيْنِ ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ مِنْ حِينِ عَقْدِ الصِّفَةِ، لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ) لِعَدَمِ التُّهْمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الطَّلَاقُ (رَجْعِيًّا فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ التَّوَارُثُ مَا دَامَتْ) الرَّجْعِيَّةُ لَهُ (فِي الْعِدَّةِ) لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ إذَنْ (وَإِنْ قَدِمَ) زَيْدٌ (بَعْدَ الْمَوْتِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِالْمَوْتِ) لِسَبْقِهِ وُجُودَ الصِّفَةِ (وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ) الْمُعَلَّقُ.
(وَإِنْ قَالَ إذَا مِتَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ التَّعْلِيقُ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَوْت شَرْطًا لِطَلَاقِهَا وَهِيَ تَبِينُ فِيهِ فَلَمْ يَتَأَتَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مَوْتَهُ شَرْطًا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا قَبْلَ شَهْرٍ، وَإِنَّمَا رَتَّبَهُ فَوَقَعَ عَلَى مَا رَتَّبَهُ،.
(وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي) طَلُقَتْ فِي الْحَالِ: (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (قَبْلَ مَوْتِكَ) طَلُقَتْ فِي الْحَالِ (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (قَبْلَ مَوْتِ زَيْدٍ) طَلُقَتْ فِي الْحَالِ (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (قَبْل قُدُومِهِ) طَلُقَتْ فِي الْحَالِ (أَوْ) قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (قَبْل دُخُولِكِ الدَّارَ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ) لِأَنَّ مَا قَبْلَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مِنْ حِينِ عَقْدِهِ أَوْ الصِّفَةِ فَكُلُّهُ مَحِلُّ لِلطَّلَاقِ فِي أَوَّلِهِ قَالَ الْقَاضِي: سَوَاءٌ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَقْدِمْ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] وَلَمْ يُوجَدْ الطَّمْسُ فِي الْمَأْمُورِينَ، وَلَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ: اسْقِنِي قَبْلَ أَنْ أَضْرِبَكَ فَسَقَاهُ فِي الْحَالِ عُدَّ مُمْتَثِلًا وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ.
(وَإِنْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (قُبَيْلَ مَوْتِي، أَوْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (قُبَيْلَ قُدُومِ زَيْدٍ) أَوْ مَوْتِهِ أَوْ قُبَيْلَ دُخُولِكِ الدَّارَ وَنَحْوِهِ (لَمْ يَقَعْ) الطَّلَاقُ (فِي الْحَالِ وَيَقَعُ) الطَّلَاقُ (فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَلِيهِ الْمَوْتُ) أَوْ الْقُدُومُ أَوْ الدُّخُولُ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ يَقْتَضِي كَوْنَ الَّذِي يَبْقَى جُزْءًا يَسِيرًا.
(وَإِنْ قَالَ) أَنْتِ (طَالِقٌ قُبَيْلَ مَوْتِ زَيْد وَعَمْرٍو بِشَهْرٍ) فَقَالَ الْقَاضِي تَتَعَلَّقُ الصِّفَةُ بِأَوَّلِهِمَا مَوْتًا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَقَعَ بِأَوَّلِهِمَا مَوْتًا) يَعْنِي قَبْلَهُ بِشَهْرٍ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ بِالثَّانِي يُفْضِي إلَى وُقُوعِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ، وَاعْتِبَارَهُ بِالْأَوَّلِ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ فَكَانَ أَوْلَى.
(وَإِنْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (بَعْدَ مَوْتِي أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (مَعَ مَوْتِي أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (مَعَ مَوْتِكَ لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّ الْبَيْنُونَة حَصَلَتْ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَبْقَ نِكَاحٌ يُزِيلُهُ الطَّلَاقُ، وَالْمَوْتُ سَبَبُ الْحُكْمِ بِالْبَيْنُونَةِ فَلَا يُجَامِعُهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ كَمَا أَنَّهُ لَا يُجَامِعُ الْبَيْنُونَةَ.
(وَإِنْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (يَوْمَ مَوْتِي) أَوْ مَوْتِكَ أَوْ مَوْتِ زَيْدٍ (طَلُقَتْ فِي أَوَّلِهِ) أَيْ أَوَّلِ الْيَوْمِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَصْلُحُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِ وَلَا مُقْتَضَى لِتَأْخِيرِهِ عَنْ أَوَّلِهِ فَوَقَعَ فِي أَوَّلِهِ، قُلْتُ: قِيَاسُ مَا قَدَّمْتُهُ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ حِينِ التَّعْلِيقِ لِأَنَّهُ كُلُّ يَوْمٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْمَوْتِ.
(وَلَوْ قَالَ) لِزَوْجَيْهِ (أَطْوَلُكُمَا حَيَاةً طَالِقٌ فَبِمَوْتِ إحْدَاهُمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ) بِالْأُخْرَى إذَنْ أَيْ عِنْدَ مَوْتِ إحْدَاهُمَا لِأَنَّهُ بِمَوْتِ إحْدَاهُمَا يَعْلَمُ أَنَّ الْبَاقِيَةَ أَطْوَلُهُمَا حَيَاةً وَ (لَا) يَقَعُ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِذَلِكَ (وَقْتَ يَمِينِهِ) أَيْ حَالَ عَقْدِ الصِّفَةِ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِصِفَةٍ كَأَنْتِ طَالِق صَائِمَةً إنَّمَا يَقَعُ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ لَا حَالَ عَقْدِهَا.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ أَمَةَ أَبِيهِ) بِشَرْطِهِ (ثُمَّ قَالَ) لَهَا (إذَا مَاتَ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ) قَالَ لَهَا (إذَا اشْتَرَيْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَ أَبُوهُ أَوْ اشْتَرَاهَا طَلُقَتْ) لِأَنَّ الْمَوْتَ أَوْ الشِّرَاءَ سَبَبُ مُلْكِهَا وَطَلَاقُهَا وَفَسْخُ النِّكَاحِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمِلْكِ فَيُوجَدُ الطَّلَاقُ فِي زَمَنِ الْمِلْكِ السَّابِقِ عَلَى الْفَسْخِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ (وَلَوْ قَالَ) لَهَا (إذَا مَلَكْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَ أَبُوهُ وَاشْتَرَاهَا لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عَقِبَ الْمِلْكِ وَقَدْ صَادَفَهَا مَمْلُوكَةً فَلَا يَقَعُ (فَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً) أَيْ دَبَّرَهَا أَبُوهُ (وَقَالَ لَهَا الزَّوْجُ إنْ مَاتَ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَمَاتَ أَبُوهُ (وَقَعَ الطَّلَاقُ) لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ فَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ فَيَقَعُ طَلَاقُهُ (وَ) وَقَعَ (الْعِتْقُ) لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ وَمَحِلُّ وُقُوعِ الْعِتْقِ (إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ) أَوْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ حَيْثُ قُلْنَا هِيَ تَنْفِيذٌ.
فَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَبِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ تَرِكَتَهُ لَمْ تُعْتَقْ وَالْأَصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إلَى الْوَرَثَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُقْنِعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ (وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ) بَلْ بَعْضُهَا (فَكَذَلِكَ) يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ وَلَا تُطْلَقُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُقْنِعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ (لِمِلْكِ الِابْنِ جُزْءًا مِنْهَا أَوْ) مِلْكِهِ (كُلَّهَا فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ) فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَعَلَى مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِمَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي التَّبْصِرَةَ تَطْلُقُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَوْتَ وَالطَّلَاقَ سَبَبُ مِلْكِهَا، وَطَلَاقُهَا وَفَسْخُ النِّكَاحِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُلْكِ فَيُوجَد الطَّلَاقُ فِي زَمَنِ الْمِلْكِ السَّابِقِ عَلَى الْفَسْخِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ.