كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 368-407

التَّابِعِينَ، أَوْ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ، وَيَكُونُ جَامِعًا (بِتَأَدُّبٍ) فِي هَيْئَتهِ وَأَلْفَاظِهِ، فَيَكُونُ جُلُوسُهُ إنْ كَانَ جَالِسًا كَجُلُوسِ أَذَلِّ الْعَبِيدِ بَيْنَ يَدَيْ أَعْظَمِ الْمَوَالِي.
(وَخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ، وَعَزْمٍ وَرَغْبَةٍ) وَحُضُورِ قَلْبٍ وَرَجَاءٍ لِحَدِيثٍ «لَا يُسْتَجَابُ مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَيَتَمَلَّقُ وَيَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَيُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ دُعَائِهِ صَدَقَةً وَيَتَحَرَّى أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ، هِيَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ، وَعِنْد الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَعِنْدَ صُعُودِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ، وَآخِرَ سَاعَةٍ بَعْد الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
(وَيَنْتَظِرُ الْإِجَابَةَ) لِحَدِيثِ «اُدْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» (وَلَا يُعَجِّلُ، فَيَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يُعَجِّلْ قَالُوا: وَكَيْف يُعَجِّلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي فَيَسْتَحْسِرَ عِنْدَ ذَلِكَ» وَيَدْعُو الدُّعَاءَ وَيَنْتَظِرُ الْفَرَجَ فَهُوَ عِبَادَةٌ أَيْضًا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَسْأَلَةِ إلَّا لِيُعْطِيَ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ «مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ دَعْوَةً إلَّا أَتَاهُ اللَّهُ إيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إذَنْ نُكْثِرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ» وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ وَفِيهِ «إمَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا أَوْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا» وَيَبْدَأُ فِي دُعَائِهِ بِنَفْسِهِ.

(وَلَا يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ فِيهِ) أَيْ الدُّعَاءِ، خِلَافًا لِلْغَنِيَّةِ لِحَدِيثِ الْمِقْدَادِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي» . (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ نَصًّا) لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «إذْ أَوَّلُهَا اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك وَأَسْأَلُكَ» ذَلِكَ يَخُصُّ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَالْمُرَادُ) بِهِ أَيْ بِالدُّعَاءِ الَّذِي لَا يُكْرَهُ، أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ: الدُّعَاءُ (الَّذِي لَا يُؤَمَّنُ عَلَيْهِ كَالْمُنْفَرِدِ وَكَ) الدُّعَاءِ (بَعْدَ التَّشَهُّدِ) أَوْ فِي السُّجُودِ وَنَحْوِهِ (فَأَمَّا مَا يُؤَمَّنُ عَلَيْهِ، كَالْمَأْمُومِينَ مَعَ الْإِمَامِ فَيَعُمُّ) بِالدُّعَاءِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يُؤَمَّنُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعُمّهُمْ، فَقَدْ (خَانَهُمْ، وَكَدُعَاءِ الْقُنُوتِ) فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَعُمَّ بِهِ كَانَ خَائِنًا لَهُمْ لِخَبَرِ ثَوْبَانَ فَإِنَّ فِيهِ «لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ» .

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَهُ) أَيْ الدُّعَاءَ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْإِفْرَاطِ فِي الدُّعَاءِ» وَالْإِفْرَاطُ يَشْمَلُ كَثْرَةَ الْأَسْئِلَةِ.

(وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا) قَالَ فِي الْفُصُولِ، فِي آخِرِ الْجُمُعَةِ:

الْإِسْرَارُ بِالدُّعَاءِ عَقِبَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْإِفْرَاطِ فِي الدُّعَاءِ» وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى ارْتِفَاعِ الصَّوْتِ، وَكَثْرَةِ الدُّعَاءِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ اهـ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّعَقُّبِ: أَنَّ الْإِفْرَاطَ لَا يَشْمَلُ الْجَهْرَ وَإِنَّمَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ الْكَثْرَةُ فَقَطْ (إلَّا لِحَاجٍّ) فَإِنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ لَهُ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ «أَفْضَلُ الْحَجِّ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ» وَشَرْطُ الدُّعَاءِ: الْإِخْلَاصُ قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَاجْتِنَابُ الْحَرَامِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مِنْ الْآدَابِ وَقَالَ شَيْخُنَا: يَبْعُدُ إجَابَتُهُ إلَّا مُضْطَرًّا أَوْ مَظْلُومًا قَالَ وَذِكْرُ الْقَلْبِ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللِّسَانِ وَحْدَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ عَكْسه «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ قَالَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَة إبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَيَجْتَنِبُ السَّجْعَ.

[فَصْلٌ مَا يُكْرَهُ وَمَا يُبَاحُ وَمَا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ]

ِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (فِيمَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ الْتِفَاتٌ يَسِيرٌ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (بِلَا حَاجَةٍ) فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ (كَخَوْفِ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ.
(وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْو الْخَوْفِ كَمَرَضِ لَمْ يُكْرَهْ، لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ «ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إلَى الشِّعْبِ يَحْرُسُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
(وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (إنْ اسْتَدَارَ) الْمُصَلِّي (بِجُمْلَتِهِ أَوْ اسْتَدْبَرَهَا) أَيْ الْقِبْلَةَ لِتَرْكِهِ الِاسْتِقْبَالِ بِلَا عُذْرٍ (مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَعْبَةِ) فَلَا تَبْطُلُ، لِأَنَّهُ إذَا اسْتَدْبَرَ جِهَةً فَقَدْ اسْتَقْبَلَ أُخْرَى (وَ) فِي (شِدَّةِ خَوْفٍ) فَلَا تَبْطُلُ إنْ الْتَفَتَ بِجُمْلَتِهِ أَوْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ لِسُقُوطِ الِاسْتِقْبَالِ إذَنْ وَكَذَا إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا الْمُصَنِّفِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْبِرْ الْقِبْلَةَ، بَلْ اسْتَدَارَ إلَيْهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ قِبْلَتَهُ (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (لَوْ الْتَفَتَ بِصَدْرِهِ وَوَجْهِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ بِجُمْلَتِهِ.

(وَ) يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ (رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَ (لَا) يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرهِ إلَى السَّمَاءِ (حَالَ التَّجَشِّي) إذَا كَانَ (فِي جَمَاعَةٍ) لِئَلَّا يُؤْذِيَ مَنْ حَوْلَهُ بِالرَّائِحَةِ.

(وَ) يُكْرَه فِي الصَّلَاةِ (تَغْمِيضُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ وَمَظِنَّةُ النَّوْمِ (بِلَا حَاجَةٍ كَخَوْفِهِ مَحْذُورًا، مِثْل أَنْ رَأَى أَمَتَهُ عُرْيَانَة، أَوْ) رَأَى (زَوْجَتَهُ) كَذَلِكَ (أَوْ) رَأَى (أَجْنَبِيَّةً) كَذَلِكَ (بِطَرِيقِ الْأَوْلَى) إذْ نَظَرُهُ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ حَرَامٌ بِخِلَافِ أَمَتِهِ وَزَوْجَتِهِ.

(وَ) يُكْرَهُ (صَلَاتُهُ إلَى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ صُورَةٌ مُمَثَّلَةٌ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ سُجُودَ الْكُفَّارِ لَهَا فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ صُورَةُ حَيَوَانٍ مُحَرَّمَةٍ لِأَنَّهَا الَّتِي تُعْبَدُ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَفِي الْفُصُولِ يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى جِدَارٍ فِيهِ صُورَةٌ وَتَمَاثِيلُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَظَاهِرهُ: وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِ إلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ إلَى غَيْرِ مَنْصُوبَةٍ وَلَا سُجُودُهُ عَلَى صُورَةٍ وَلَا صُورَةٍ خَلْفَهُ فِي الْبَيْتِ وَلَا فِي فَوْقَ رَأْسِهِ فِي سَقْفٍ، أَوْ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
(وَ) يُكْرَه (السُّجُودُ عَلَيْهَا) أَيْ الصُّورَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ كَمَا سَبَقَ لَا يُكْرَهُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى إلَيْهَا وَالْأَصْحَابُ إنَّمَا كَرِهُوا الصَّلَاةَ إلَيْهَا، لَا السُّجُودَ عَلَيْهَا.

(وَيُكْرَهُ حَمْلُهُ فَصًّا) فِيهِ صُورَةٌ (أَوْ) حَمْلَهُ (ثَوْبًا وَنَحْوه) كَدِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ (فِيهِ صُورَةٌ) وِفَاقًا (وَ) صَلَاتُهُ (إلَى وَجْهِ آدَمِيٍّ) نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَفِي الرِّعَايَةِ: أَوْ حَيَوَانٌ غَيْره وَالْأَوَّلُ) أَصَحُّ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ وَيُصَلِّي إلَيْهَا» .

(وَ) يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ (مَا يُلْهِيهِ) لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ إكْمَالِ صَلَاتِهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ وَآتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْخَمِيصَةُ: كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ والْإِنْبِجانِيَّة كِسَاءٌ غَلِيظٌ.

وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهُ شَيْئًا (مِنْ نَارٍ وَلَوْ سِرَاجًا، وَقِنْدِيلًا وَنَحْوه، كَشَمْعَةٍ مُوقَدَةٍ) لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِعَبَدَةِ النَّارِ.

(وَ) يُكْرَهُ (حَمْلُهُ مَا يَشْغَلُهُ) عَنْ إكْمَالِ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْخُشُوعِ.

(وَ) يُكْرَهُ (إخْرَاجُ لِسَانِهِ وَفَتْحُ فَمِهِ، وَوَضْعُهُ فِيهِ شَيْئًا) لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ (وَلَا) يُكْرَهُ وَضْعُ شَيْءٍ (فِي يَدِهِ وَكُمِّهِ) إلَّا إذَا شَغَلَهُ عَنْ كَمَالِهَا، فَيُكْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَ) تُكْرَهُ

الصَّلَاةُ (إلَى مُتَحَدِّثٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِي الصَّلَاةِ (وَ) إلَى (نَائِمٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ إلَى النَّائِمِ وَالْمُتَحَدِّثِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَكَافِر) لِأَنَّهُ نَجِسٌ وَقَدْ يَعْبَثُ بِهِ (وَاسْتِنَادُهُ) إلَى جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ لِأَنَّهُ يُزِيلُ مَشَقَّةَ الْقِيَامِ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ فَلَا يُكْرَهُ مَعَهَا «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ اتَّخَذَ عَمُودًا فِي مُصَلَّاهُ يَعْتَمِد عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ سَقَطَ) الْمُصَلِّي (لَوْ أُزِيلَ) مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الْقَائِمِ.

(وَ) يُكْرَهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ فِي (مَا يَمْنَعُ كَمَالَهَا، كَحَرٍّ) مُفْرِطٍ (وَبَرْدٍ) مُفْرِطٍ (وَنَحْوه) كَجُوعٍ شَدِيدٍ وَخَوْفٍ شَدِيدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يُقْلِقُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِي الصَّلَاةِ.

(وَ) يُكْرَهُ (افْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ سَاجِدًا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وَ) يُكْرَهُ (إقْعَاؤُهُ) لِخَبَرِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» . وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنْ السُّجُودِ، فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ (وَهُوَ) أَيْ الْإِقْعَاءُ (أَنْ يَفْرِشَ قَدَمَهُ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِيبِهِ) كَذَا فَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُغْنِي وَالْمُقْنِعِ وَالْفُرُوعِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَأَمَّا عَنْ الْعَرَبِ فَهُوَ جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ، نَاصِبًا فَخِذَيْهِ مِثْل إقْعَاءِ الْكَلْبِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِتَفْسِيرِ الْإِقْعَاءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِي ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ.

(وَ) يُكْرَهُ (ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ الصَّلَاةُ (حَاقِنًا) بِالنُّونِ وَهُوَ (مَنْ احْتَبَسَ بَوْلُهُ، أَوْ حَاقِبًا) بِالْمُوَحَّدَةِ نَحْوُ مَا ذُكِرَ وَهُوَ (مَنْ احْتَبَسَ غَائِطَهُ، أَوْ) ابْتِدَاؤُهَا (مَعَ رِيحٍ مُحْتَبَسَةٍ وَنَحْوه) أَيْ نَحْو مَا ذُكِرَ مِمَّا يُزْعِجُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ، أَوْ ابْتِدَاؤُهَا (تَائِقًا) أَيْ شَائِقًا (إلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، أَوْ جِمَاعٍ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُ قَالَ «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ: مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا سَبَقَ وَنَحْوه (فَيَبْدَأُ بِالْخَلَاءِ) لِيُزِيلَ مَا يُدَافِعُهُ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ.
(وَ) يَبْدَأُ أَيْضًا (بِمَا تَاقَ إلَيْهِ) مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ جِمَاعٍ (وَلَوْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ (مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ فَلَا يُكْرَهُ) ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ (بَلْ يَجِبُ) فِعْلُهَا قَبْلَ

خُرُوجِ وَقْتِهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ (وَيَحْرُمُ اشْتِغَالُهُ بِالطَّهَارَةِ) إذَنْ أَيْ حِينَ ضَاقَ الْوَقْتُ، وَكَذَا اشْتِغَالُهُ بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لِلصَّلَاةِ.

(إذَنْ وَيُكْرَهُ) لِلْمُصَلِّي (عَبَثُهُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» .

(وَ) يُكْرَهُ (تَقْلِيبُهُ الْحَصَى وَمَسُّهُ) أَيْ الْحَصَى، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَمَسَّ الْحَصَى فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

(وَ) يُكْرَهُ (وَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُتَخَصِّرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ وَلَفْظ مُسْلِمٍ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(وَ) يُكْرَهُ (تَرُوحهُ بِمِرْوَحَةٍ وَنَحْوِهَا) لِأَنَّهُ مِنْ الْعَبَثِ (إلَّا لِحَاجَةٍ، كَغَمٍّ شَدِيدٍ) فَلَا يُكْرَهُ لِلْحَاجَةِ (مَا لَمْ يُكْثِرْ) مِنْ التَّرَوُّحُ فَيُبْطِلُ الصَّلَاةَ إنْ تَوَالَى.
وَ (لَا) تُكْرَهُ (مُرَاوَحَتُهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَتُسْتَحَبُّ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُبَادَةَ قَالَ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ رَجُلًا يُصَلِّي صَافًّا بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: لَوْ رَاوَحَ هَذَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِيهِ قَالَ أَخْطَأَ السُّنَّةَ، لَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ (ك) مَا يُسْتَحَبُّ (تَفْرِيقُهُمَا) قَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُفَرِّقُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَرَأَيْتُهُ يُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا.
(وَتُكْرَهُ كَثْرَتُهُ) أَيْ كَثْرَةُ أَنْ يُرَاوِحَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَكِّنْ أَطْرَافَهُ، وَلَا يَمِلْ مَيْلَ الْيَهُودِ» قَالَ فِي شَرْح الْمُنْتَهَى: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَطُلْ قِيَامُهُ.

(وَ) تُكْرَهُ (فَرْقَعَةُ أَصَابِعُهُ) لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَا تُقَعْقِعُ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ.

(وَ) يُكْرَه (تَشْبِيكهَا) أَيْ الْأَصَابِعُ لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الَّذِي يُصَلِّي، وَقَدْ شَبَّكَ أَصَابِعُهُ تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

(وَ) يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي (لَمْسُ لِحْيَتِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْعَبَثِ (وَ) يُكْرَهُ (نَفْخُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ.

(وَ) يُكْرَهُ (اعْتِمَادُهُ عَلَى يَدِهِ فِي جُلُوسِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ) تَدْعُو إلَيْهِ.

(وَ) تُكْرَهُ (صَلَاتُهُ مَكْتُوفًا، وَعَقْصُ شَعْرِهِ) أَيْ لَيُّهُ وَإِدْخَالُ أَطْرَافِهِ فِي أُصُولِهِ (وَكَفُّهُ) أَيْ الشَّعْرَ (وَكَفُّ ثَوْبِهِ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ كَفِّ الثَّوْبِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» وَنَهَى أَحْمَدُ رَجُلًا كَانَ إذَا سَجَدَ جَمَعَ ثَوْبَهُ

بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ ثِيَابَهُ وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ.

يُكْرَه أَنْ يُشَمِّرَ ثِيَابَهُ لِقَوْلِهِ تَرِبَ تَرِبَ وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حِكْمَةَ النَّهْيِ: أَنَّ الشَّعْرَ وَنَحْوَهُ يَسْجُدُ مَعَهُ (وَ) يُكْرَهُ (تَشْمِيرُ كُمِّهِ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ فَعَلَهُمَا) أَيْ عَقْصَ الشَّعْرِ وَكَفَّ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ (لِعَمَلٍ قَبْلَ صَلَاتِهِ) فَيُكْرَه لَهُ إبْقَاؤُهُمَا كَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَامَ، فَجَعَلَ يَحُلُّهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا لَك وَلِرَأْسِي؟ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَ) يُكْرَهُ (جَمْعُ ثَوْبِهِ بِيَدِهِ إذَا سَجَدَ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَخُصَّ جَبْهَتَهُ بِمَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ شِعَارُ الرَّافِضَةِ) أَيْ مِنْ شِعَارِهِمْ، أَوْ جُلِّهَا،.

وَ (لَا) تُكْرَهُ (الصَّلَاةُ عَلَى حَائِلٍ صُوفٍ وَشَعْرٍ وَغَيْرِهِمَا) كَوَبَرٍ (مِنْ حَيَوَانٍ) كَمَا لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى (مَا تُنْبِتهُ الْأَرْضُ) مِنْ حَشِيشٍ وَزَرْعٍ وَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَنَحْوِهَا وَتَقَدَّمَ مُوَضَّحًا (وَلَا عَلَى مَا يَمْنَعُ صَلَابَةُ الْأَرْضِ) حَيْثُ حَصَلَ الْمَقَرُّ لِأَعْضَاءِ السُّجُودِ وَتَقَدَّمَ.

(وَيُكْرَه التَّمَطِّي) لِأَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ هَيْئَةِ الْخُشُوعِ، وَيُؤْذِنُ بِالْكَسَلِ (وَإِنْ تَثَاءَبَ كَظَمَ عَلَيْهِ، نَدْبًا) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِي فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فَإِنْ غَلَبَهُ) التَّثَاؤُبُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَظْمِ (اُسْتُحِبَّ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ) «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيَضَعْ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

(وَيُكْرَهُ مَسْحُ أَثَرِ سُجُودِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِهِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاتِهِ» رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ وَلِذَلِكَ ذُكِرَ فِي الْمُغْنِي: يُكْرَهُ إكْثَارُهُ مِنْهُ وَلَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ.

(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يُكْتَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِي قِبْلَتِهِ شَيْءٌ (أَوْ) أَنْ (يُعَلَّقَ فِي قِبْلَتِهِ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ يَشْغَلُ الْمُصَلِّي (وَلَا) يُكْرَهُ (وَضْعُهُ) شَيْئًا فِي قِبْلَتِهِ (بِالْأَرْضِ وَلِذَلِكَ) أَيْ لِأَجْلِ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ أَوْ يُعَلَّقَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ (كُرِهَ التَّزْوِيقَ) فِي الْمَسْجِدِ (وَكُلَّ مَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّي عَنْ صَلَاتِهِ) لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْخُشُوعِ (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَجْعَلُوا فِي الْقِبْلَةِ شَيْئًا) حَتَّى الْمُصْحَفَ.

(وَ) تُكْرَهُ (تَسْوِيَةُ التُّرَابِ بِلَا عُذْرٍ) لِحَدِيثِ مُعَيْقِيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ إنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ عَبَثٌ.

(وَ) يُكْرَهُ (تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَةٍ) لِأَنَّهَا رُكْنٌ، وَفِي إبْطَالِ الصَّلَاةِ بِتَكْرَارِهَا خِلَافٌ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ

وَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِتَكْرَارِهَا لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الرُّكْنِ الْفِعْلِيِّ.
(وَفِي الْمُذْهَبِ) بِضَمِّ الْمِيم لِابْنِ الْجَوْزِيِّ (وَالنَّظْمِ: تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ الْمُخَالِفَةُ عُرْفَ الْبَلَدِ أَيْ) يُكْرَه (لِلْإِمَامِ فِي قِرَاءَةٍ يَجْهَرُ بِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ لِلْجَمَاعَةِ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ (وَمَنْ أَتَى بِالصَّلَاةِ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ مَا دَامَ وَقْتهَا بَاقِيًا) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مُنْفَرِدًا، أَوْ وَقْتَ نَهْيٍ لَكِنْ مَا يَأْتِي فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ لَا يُسَاعِدُهُ (لِأَنَّ الْإِعَادَةَ مَشْرُوعَةٌ لِلْخَلَلِ فِي) الْفِعْلِ (الْأَوَّلِ) وَالْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ خَلَلٌ فِي كَمَالِهَا وَمِنْهُ تَعْلَمَ: أَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ لِغَيْرِ ذَاتِهَا، كَالصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا سَدْلٌ أَوْ مِنْ حَاقِنٍ وَنَحْوه: فِيهَا ثَوَابٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَكْرُوهَةً لِذَاتِهَا كَالسِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ نَفْسَهُ لِلصَّائِمِ مَكْرُوهٌ فَلَا ثَوَابَ فِيهِ، بَلْ يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ.

(وَلَا يُكْرَهُ جَمْعُ سُورَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي رَكْعَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ «كَانَ يَؤُمُّهُمْ، فَكَانَ يَقْرَأ قَبْلَ كُلِّ سُورَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ؟ فَقَالَ: إنِّي أُحِبّهَا فَقَالَ: حُبُّكَ إيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(ك) مَا لَا يُكْرَه (تَكْرَارُ سُورَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ سَعِيدٌ (وَتَفْرِيقُهَا) أَيْ السُّورَةِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَلَا يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْسِمُ الْبَقَرَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

(وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ، وَأَوْسَاطُهَا كَأَوَائِلِهَا) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20] " وَلِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: 136]- الْآيَة وَفِي الثَّانِيَةِ آلَ عِمْرَانَ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: 64] الْآيَة» .

(وَلَا) يُكْرَه

(مُلَازَمَةُ سُورَةٍ يُحْسِنُ غَيْرَهَا مَعَ اعْتِقَادِهِ جَوَازِ غَيْرِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُلَازَمَةِ ذَلِكَ الْأَنْصَارِيِّ عَلَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] .

(وَتُكْرَهُ قِرَاءَةُ كُلِّ الْقُرْآنِ فِي فَرْضٍ وَاحِدٍ) لِعَدَمِ نَقْلِهِ، وَلِلْإِطَالَةِ، وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَتُهُ كُلُّهُ فِي نَفْلٍ لِأَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ (وَلَا) تُكْرَهُ (قِرَاءَةُ) الْقُرْآنِ (كُلِّهِ فِي الْفَرَائِضِ عَلَى تَرْتِيبهِ) قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يَقْرَأُ عَلَى التَّأْلِيفِ فِي الصَّلَاةِ: الْيَوْمَ سُورَةً وَغَدًا الَّتِي تَلِيهَا؟ قَالَ لَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ.

(وَيُسَنُّ رَدُّ مَارٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ بِدَفْعِهِ) أَيْ الْمَارِّ (بِلَا عُنْفٍ آدَمِيًّا كَانَ) الْمَارُّ (أَوْ غَيْرَهُ) فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هِيَ شَيْطَانٌ» مُتَّفَق عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعَنَّ أَحَدًا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (مَا لَمْ يَغْلِبْهُ) الْمَارُّ (فَإِنْ غَلَبَهُ، وَمَرَّ، لَمْ يَرُدَّهُ مِنْ حَيْثُ جَاءَ) لِأَنَّ فِيهِ الْمُرُورَ ثَانِيًا بَيْنَ يَدَيْهِ (أَوْ يَكُنْ) الْمَارُّ (مُحْتَاجًا) إلَى الْمُرُورِ، بِأَنْ كَانَ الطَّرِيقُ ضَيِّقًا، أَوْ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا (أَوْ يَكُنْ فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَلَا) يَرُدُّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى بِمَكَّةَ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَأَلْحَقَ فِي الْمُغْنِي: الْحَرَمَ بِمَكَّةَ.

(وَتُكْرَهُ صَلَاتُهُ بِمَوْضِعٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْمُرُورِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُذَهَّبِ وَغَيْرِهِ (وَتَنْقُصُ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَرُدَّهُ) أَيْ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إنَّ مَمَرَّ الرَّجُلِ لَيُضِعْ نِصْفَ الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ نَقْصُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ الرَّدُّ فَلَمْ يَفْعَلْهُ أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّدُّ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَنْقُصُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا ذَنْبٌ غَيْرُهُ (فَإِنْ أَبَى) الْمَارُّ أَنْ يَرْجِعَ حَيْثُ رَدَّهُ الْمُصَلِّي (دَفَعَهُ بِعُنْفٍ، فَإِنْ أَصَرَّ، فَلَهُ قِتَالُهُ وَلَوْ مَشَى) قَلِيلًا، لِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنْ أَبِي فَلْيُقَاتِلْهُ» وَ (لَا) يُقَاتِلُهُ (بِسَيْفٍ وَلَا بِمَا يُهْلِكُهُ، بَلْ بِالدَّفْعِ وَالْوَكْزِ بِالْيَدِ، وَنَحْو ذَلِكَ قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ فَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الدَّفْعِ وَالْوَكْزِ بِالْيَدِ وَنَحْوه (فَدَمُهُ هَدَرٌ انْتَهَى) . لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ عَنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا، أَشْبَهَ مَنْ مَاتَ فِي الْحَدِّ (وَيَأْتِي نَحْوُهُ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ) إذَا أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ عَلَى الْوَطْءِ دَفَعَتْهُ بِالْأَسْهَلِ، فَالْأَسْهَلُ، وَلَوْ أَفْضَى إلَى ذَهَابِ نَفْسِهِ (فَإِنْ خَافَ إفْسَادَ صَلَاتِهِ بِتَكْرَارٍ دَفْعَهُ) بِأَنْ احْتَاجَ إلَى كَثِيرٍ (لَمْ يُكَرِّرهُ) أَيْ الدَّفْعُ، لِئَلَّا يُفْسِدَ صَلَاتَهُ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ يَضْمَنُ الْمُصَلِّي الْمَارَّ إنْ قَتَلَهُ (إذَنْ) أَيْ مَعَ خَوْفِ فَسَادِهَا (لِتَحْرِيمِ التَّكْرَارِ لِكَثْرَتِهِ) الَّتِي تُؤَدِّي إلَى إفْسَادِ الصَّلَاةِ الْمَشْرُوعِ إتْمَامُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: سَوَاءً كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ فَمَرَّ دُونَهَا، أَوْ لَمْ تَكُنْ فَمَرَّ قَرِيبًا مِنْهُ.
(وَيَحْرُمُ مُرُورٌ بَيْنَ مُصَلٍّ وَسُتْرَتِهِ، وَلَوْ بَعُدَ عَنْهَا) لِمَا رَوَى أَبُو جَهْمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» قَالَ أَبُو النَّصْرِ أَحَدُ رُوَاتِهِ: لَا أَدْرِي قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي» (وَمَعَ عَدَمِهَا) أَيْ السُّتْرَةُ بِأَنْ كَانَ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ (يَحْرُمُ) الْمُرُورُ (بَيْنَ يَدَيْهِ قَرِيبًا) مِنْهُ (وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ بِذَارِعِ الْيَدِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي.
(وَفِي الْمُسْتَوْعَبِ: إنْ احْتَاجَ) الْمَارُّ (إلَى الْمُرُورِ أَلْقَى شَيْئًا) بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَكُونُ سُتْرَةٌ لَهُ (ثُمَّ مَرَّ) مِنْ وَرَائِهِ (انْتَهَى) . فَيَكُونُ مُرُورهُ مِنْ وَرَاءِ السُّتْرَةِ (فَإِنْ مَرَّ) الْمَارُّ (بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ، فَهَلْ) يُسَنُّ (لَهُمْ رَدُّهُ، وَهَلْ يَأْثَمُ بِذَلِكَ) الْمُرُورِ؟ (احْتِمَالَانِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ يَمِيلُ إلَى أَنَّ لَهُمْ) أَيْ الْمَأْمُومِينَ (رَدَّهُ، وَأَنَّهُ يَأْثَمُ بِذَلِكَ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَعَلَى هَذَا: فَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ قَطْعِ صَلَاتِهِمْ بِمُرُورِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَقَطْ (كَذَا ذَكَرَهُ عَنْهُ) الْقَاضِي أَحْمَدُ مُحِبُّ الدِّينِ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ (فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ وَلَيْسَ وُقُوفُهُ) بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي (كَمُرُورِهِ) لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ قُلْتُ وَكَذَا تَنَاوُلُهُ شَيْئًا مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُرُورٍ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (عَدُّ التَّسْبِيحِ) بِأَصَابِعِهِ (وَ) لَهُ عَدُّ (الْآيِ بِأَصَابِعِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ فِيهِمَا) لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَعْقِدُ الْآيَ بِأَصَابِعِهِ» رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ وَعَدَّ التَّسْبِيحَ فِي مَعْنَى عَدِّ الْآيِ وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي عَدِّ التَّسْبِيحِ لِأَنَّهُ يَتَوَالَى لِقِصَرِهِ فَيَتَوَالَى حِسَابُهُ فَيَكْثُرُ الْعَمَلُ بِخِلَافِ عَدِّ الْآي (ك) عَدِّ (تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ) وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فَيُبَاحُ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (قَتْلُ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَ) لَهُ قَتْلُ (قَمْلَةٍ) لِأَنَّ عُمَرَ وَأَنَسًا وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِهَا أَذَى لَهُ إنْ تَرَكَهَا

عَلَى جَسَدهِ، وَلِغَيْرِهِ إنْ أَلْقَاهَا، وَهُوَ عَمَلٌ يَسِيرٌ فَلَمْ يُكْرَه وَقَالَ الْقَاضِي التَّغَافُلُ عَنْهَا أَوْلَى وَفِي مَعْنَاهَا الْبُرْغُوثُ.

(وَ) لَهُ (لُبْسُ ثَوْبٍ وَعِمَامَةٍ وَلَفُّهَا، وَحَمْلُ شَيْءٍ وَوَضْعُهُ) لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حَجَرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْتَحَفَ بِإِزَارِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ» وَتَقَدَّمَ حَمْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَامَةَ وَكَذَا إنْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ فَلَهُ رَفْعُهُ وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ (وَ) لَهُ (إشَارَةٌ بِيَدٍ وَوَجْهٍ وَعَيْنٍ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَنَحْوِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَعْمَالِ الْيَسِيرَةِ، كَحَكِّ جَسَدِهِ يَسِيرًا (لِحَاجَةٍ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ أَشْبَهَ حَمْلَ أُمَامَةَ وَفَتْحَ الْبَابِ لِعَائِشَةَ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ لِحَاجَةٍ (كُرِهَ) لِأَنَّهُ عَبَثٌ (مَا لَمْ يَطُلْ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: وَلَهُ رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى آخِرِهِ (وَلَا يَتَقَدَّرُ الْيَسِيرُ بِثَلَاثٍ وَلَا) بِ (غَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ، بَلْ) الْيَسِيرُ مَا عَدَّهُ (الْعُرْفُ) يَسِيرًا لِأَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ فِيهِ فَيَرْجِعُ لِلْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ (وَمَا شَابَهَ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي حَمْلِ أُمَامَةَ وَفَتْحِهِ الْبَابَ لِعَائِشَةَ وَتَأَخُّرِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَتَقَدُّمِهِ (فَهُوَ يَسِيرٌ) لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُ الْمَشْرُوعُ.
(وَإِنْ قَتَلَ الْقَمْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ أُبِيحَ دَفْنُهَا فِيهِ إنْ كَانَ) الْمَسْجِدُ (تُرَابًا وَنَحْوَهُ) كَالْحَصَى وَالرَّمْلِ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُبَاحُ قَتْلُهَا فِيهِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهَا وَيَدْفِنَهَا قِيلَ لِلْقَاضِي: يُكْرَهُ قَتْلُهَا وَدَفْنُهَا فِيهِ كَالنُّخَامَةِ؟ فَقَالَ دَفْنُ النُّخَامَةِ كَفَّارَةٌ لَهَا فَإِذَا دَفَنَهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَتَنَخَّمْ، فَكَذَا الْقَمْلَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَعْمَاقَهُ تَجِبُ صِيَانَتُهَا عَنْ النَّجَاسَةِ كَظَاهِرِهِ بِخِلَافِهَا انْتَهَى وَهَذَا النَّظَرُ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةٍ مَيْتَةٍ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً وَالْمَذْهَبُ طَهَارَتُهَا فَلَا يَتَأَتَّى التَّنْظِيرُ (فَإِنْ طَالَ عُرْفًا) مَا (فَعَلَ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا غَيْرِ مُتَفَرِّقٍ، أَبْطَلَهَا) إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا) أَوْ جَهْلًا لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، وَيَمْنَعُ مُتَابَعَةَ الْأَرْكَانِ وَيُذْهِبُ الْخُشُوعَ فِيهَا وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا وَكُلُّ ذَلِكَ مُنَافٍ لَهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهَا (مَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةً) . فَإِنْ كَانَتْ (كَحَالَةِ خَوْفٍ وَهَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ) كَسَيْلٍ وَسَبُعٍ وَنَارٍ لَمْ تَبْطُلْ إلْحَاقًا لَهُ بِالْخَائِفِ (وَعَدَّ) أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ الضَّرُورَةِ: (إذَا كَانَ بِهِ حَكٌّ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ) وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَفَرِّقَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَّ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ إذَا قَامَ حَمَلَ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ.
«صَلَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَكَرَّرَ صُعُودُهُ وَنُزُولُهُ عَنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ مَفْهُومَةٌ أَوْ لَا كَعَمَلٍ أَيْ كَفِعْلِهِ دُونَ قَوْلِهِ لِأَنَّهَا فِعْلٌ لَا قَوْلٌ، فَلَا تَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ إلَّا إذَا كَثُرَتْ عُرْفًا وَتَوَالَتْ.
(وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِعَمَلِ الْقَلْبِ، وَلَوْ طَالَ) لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ (وَلَا بِإِطَالَةِ نَظَرٍ) إلَى شَيْءٍ (مِنْ كِتَابٍ) أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى (إذَا قَرَأَ) مَا فِيهِ (بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ) رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ فَعَلَهُ (مَعَ كَرَاهَتِهِ) لِلْخِلَافِ فِي إبْطَالِهِ الصَّلَاةَ، وَلِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ (وَلَا أَثَرَ لِعَمَلِ غَيْرِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (كَمَنْ مَصّ وَلَدُهَا) أَوْ وَلَدُ غَيْرِهَا (ثَدْيَهَا) وَهِيَ تُصَلِّي (فَنَزَلَ لَبَنُهَا) وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهَا، لِعَدَمِ الْمُنَافِي.

(وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُصَلِّي) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ فَرَدَّ بِالْكَلَامِ (وَالْمَذْهَبُ: لَا) يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُصَلِّي نَصَّ عَلَيْهِ وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً﴾ [النور: 61] أَيْ أَهْلِ دِينِكُمْ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِين سَلَّمَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ (وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (رَدُّهُ) أَيْ السَّلَامِ (بِإِشَارَةٍ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُشِيرُ فِي صَلَاتِهِ» وَكَذَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَنَسٍ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إشَارَةً وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ السَّلَامِ فَحَسَنٌ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يَرُدُّهُ فِي نَفْسِهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ بَعْدَهَا لِرَدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ السَّلَامِ (فَإِنْ رَدَّهُ) أَيْ رَدَّ الْمُصَلِّي السَّلَامَ (لَفْظًا بَطَلَتْ) الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ أَشْبَهَ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ.

(وَلَوْ صَافَحَ) الْمُصَلِّي (إنْسَانًا يُرِيدُ السَّلَامَ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ كَلَامٌ (وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (أَنْ يَفْتَحَ عَلَى إمَامِهِ إذَا أُرْتِجَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَتَخْفِيف الْجِيم كَأَنَّهُ مُنِعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ، مِنْ أَرَتَجْتُ الْبَابَ إرْتَاجًا، أَغْلَقْتُهُ إغْلَاقًا وَثِيقًا (عَلَيْهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ غَلِطَ) فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ، فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةً فَلُبِسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا مَنَعَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ الْخَطَّابِيَّ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ فِي الصَّلَاةِ بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ

فِيهَا أَشْبَهَ التَّسْبِيحَ.
(وَيَجِبُ) الْفَتْحُ عَلَى إمَامِهِ إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ أَوْ غَلِطَ (فِي الْفَاتِحَةِ) لِتَوَقُّفِ صِحَّةُ صَلَاتِهِ عَلَى ذَلِكَ (كَ) مَا يَجِبُ تَنْبِيهُهُ عِنْدَ (نِسْيَانِ سَجْدَةٍ وَنَحْوِهَا) مِنْ الْأَرْكَانِ (وَإِنْ عَجَزَ الْمُصَلِّي عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ بِالْإِرْتَاجِ عَلَيْهِ، فَكَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، يَأْتِي بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَلَا يُعِيدُهَا) كَالْأُمِّيِّ (فَإِنْ كَانَ) مَنْ عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (إمَامًا صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُمِّيِّ خَلْفَهُ) لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ (وَالْقَارِئُ يُفَارِقُهُ) لِلْعُذْرِ (وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ بِقِرَاءَتِهَا فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» . وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأُمِّيِّ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ لَوْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِدُونِهَا وَهَذَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَسْأَلَ عَمَّا وَقَفَ فِيهِ وَيُصَلِّي وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى أَرْكَانِ الْأَفْعَالِ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ الصَّلَاةِ لَا يُزِيلُ عَجْزَهُ مِنْهَا، بِخِلَافِ هَذَا (وَإِنْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ) الَّذِي عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ (مَنْ يُتِمّ بِهِمْ) صَلَاتهمْ (وَصَلَّى مَعَهُ، جَازَ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ وَكَذَا لَوْ عَجَزَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ رُكْنٍ يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ بِهِ كَالرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ مِنْ يُتِمُّ بِهِمْ، وَكَذَا لَوْ حُصِرَ عَنْ قَوْلٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَتَقَدَّمَ فِي النِّيَّةِ (وَلَا يَفْتَحُ) الْمُصَلِّي (عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ) مُصَلِّيًا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(فَإِنْ فَعَلَ كُرِهَ) لِمَا مَرَّ (وَلَمْ تَبْطُلْ) الصَّلَاةُ بِهِ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِيهَا (وَيُكْرَه لِعَاطِسٍ الْحَمْدُ بِلَفْظِهِ) أَيْ أَنْ يَتَلَفَّظُ بِالْحَمْدِ لِلْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ (وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ (وَيَحْمَدُ) الْعَاطِسُ (فِي نَفْسِهِ) نَقَلَ أَبُو دَاوُد يَحْمَدُ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ وَنَقَلَ صَالِحٌ لَا يُعْجِبُنِي صَوْتُهُ بِهَا (وَمَنْ دَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَبَتْ عَلَيْهِ إجَابَتُهُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24] (وَتَبْطُلُ) أَيْ الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ بِجَوَابِهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ.

(وَيُجِيبُ) الْمُصَلِّي (وَالِدَيْهِ فِي نَفْلٍ فَقَطْ) لِتَقَدُّمِ حَقِّهِمَا وَبِرِّهِمَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْفَرْضِ (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ بِجَوَابِهِ لِأَبَوَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الزَّوْجَةِ مِنْ النَّفْلِ لِحَقِّ الزَّوْجِ) لِأَنَّهُ

وَاجِبٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى النَّفْلِ بِخِلَافِ الْفَرْضِ وَكَذَا حُكْمُ الْقِنِّ (فَإِنْ قَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) نَحْو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى عَلَيْهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِحْبَابًا لِتَأَكُّدِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كُلَّمَا ذُكِرَ اسْمُهُ (فِي نَفْلٍ نَصَّ عَلَيْهِ فَقَطْ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ (وَلَا يَبْطُلُ الْفَرْضُ بِهِ) أَيْ بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ.

(وَيَجِبُ رَدُّ كَافِرٍ مَعْصُومٍ) بِذِمَّةٍ أَوْ هُدْنَةٍ أَوْ أَمَانٍ (عَنْ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ) كَحَيَّةٍ تَقْصِدُهُ (كَ) رَدِّ (مُسْلِمٍ) عَنْ ذَلِكَ بِجَامِعِ الْعِصْمَةِ (وَ) يَجِبُ (إنْقَاذُ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَحَرِيقٍ (فَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ لِذَلِكَ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ ضَاقَ وَقْتُهَا، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَدَارُكُهَا بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ أَبَى قَطْعَهَا) أَيْ الصَّلَاةَ لِإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ أَثِمَ وَ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ كَالصَّلَاةِ فِي عِمَامَةِ حَرِيرٍ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (إنْ فَرَّ مِنْهُ غَرِيمُهُ أَوْ سُرِقَ مَتَاعُهُ أَوْ نَدَّ بَعِيرُهُ وَنَحْوه) كَمَا لَوْ أَبِقَ عَبْدُهُ (الْخُرُوجُ فِي طَلَبِهِ) لِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنْ لُحُوقِ الضَّرَرِ لَهُ (وَإِنْ نَابَهُ) أَيْ أَصَابَهُ (شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ مِثْل سَهْوِ إمَامِهِ أَوْ اسْتِئْذَانِ إنْسَانٍ عَلَيْهِ: سَبَّحَ رَجُلٌ وَلَا يَضُرُّ) أَيْ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالتَّسْبِيحِ (وَلَوْ كَثُرَ) لِأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ.

(وَكَذَا لَوْ كَلَّمَهُ إنْسَانٌ بِشَيْءٍ فَسَبَّحَ) الْمُصَلِّي (لِيُعْلِمَ) الْمُكَلِّمُ لَهُ (أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ أَوْ خَشِيَ) الْمُصَلِّي (عَلَى إنْسَانٍ الْوُقُوعَ فِي شَيْءٍ، أَوْ أَنْ يُتْلِفَ شَيْئًا فَسَبَّحَ بِهِ لِيَتْرُكَهُ، أَوْ تَرَكَ إمَامُهُ ذِكْرًا فَرَفَعَ) الْمَأْمُومُ (صَوْتَهُ بِهِ لِيُذَكِّرَهُ وَنَحْوَهُ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَلْتُسَبِّحْ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقْ النِّسَاءُ» مُتَّفَق عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ «كُنْتُ إذَا اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ سَبَّحَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَذِنَ» (وَيُبَاحُ) التَّنْبِيهُ (بِقِرَاءَةٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَنَحْوه) كَتَحْمِيدٍ وَاسْتِغْفَارٍ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ.

(وَيُكْرَهُ) التَّنْبِيهُ (بِنَحْنَحَةٍ) لِلِاخْتِلَافِ فِي إبْطَالِهَا.
(وَ) يُكْرَهُ (بِصَفِيرٍ كَتَصْفِيقِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] (وَتَسْبِيحُهَا) أَيْ وَيُكْرَهُ التَّنْبِيهُ مِنْ الْمَرْأَةِ بِالتَّسْبِيحِ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ، مُتَّفَق عَلَيْهِمَا (وَصَفَّقَتْ امْرَأَةٌ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى) مَعْطُوف عَلَى سَبَّحَ رَجُلٌ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ ذَلِكَ لَا تَبْطُلُ بِتَصْفِيقِهَا عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ،

وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَتَبْطُلُ بِهِ لِمُنَافَاتِهِ لِلصَّلَاةِ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ (وَإِنْ كَثُرَ) التَّصْفِيقُ (أَبْطَلَهَا) لِأَنَّهُ عَمَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، فَأَبْطَلَهَا كَثِيرُهُ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا (وَلَوْ عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ لَسَعَهُ شَيْءٌ) مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ سَمِعَ) مَا يَغُمُّهُ (أَوْ رَأَى مَا يَغُمُّهُ، فَقَالَ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ) أَوْ سَمِعَ (أَوْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ قِيلَ لَهُ: وُلِدَ لَك غُلَامٌ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ احْتَرَقَ دُكَّانُهُ وَنَحْوه فَقَالَ: لَا حَوَلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ كُرِهَ) لِلِاخْتِلَافِ فِي إبْطَالِهِ الصَّلَاةَ (وَصَحَّتْ) لِلْأَخْبَارِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.

(وَكَذَا لَوْ خَاطَبَ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ كَأَنْ يُسْتَأْذَنُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ) آمِنِينَ (أَوْ يَقُولُ لِمَنْ اسْمُهُ يَحْيَى ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99] فَقُلْنَا: كَيْف صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99] وَلِأَنَّهُ قُرْآنٌ فَلَمْ تَفْسُدْ بِهِ الصَّلَاةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ التَّنْبِيهَ وَقَالَ الْقَاضِي إذَا قَصَدَ بِالْحَمْدِ الذِّكْرَ أَوْ الْقُرْآنَ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ قَصَدَ خِطَابَ آدَمِيٍّ بَطَلَتْ وَإِنْ قَصَدَهُمَا فَوَجْهَانِ فَأَمَّا إنْ أَتَى بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ اسْمُهُ إبْرَاهِيمُ يَا إبْرَاهِيمُ وَنَحْوه فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ هَذَا كَلَامُ النَّاسِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْ كَلَامِهِمْ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ أَشْبَهَ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ كَلِمَاتٍ مُفَرَّقَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَالَ: يَا إبْرَاهِيمُ خُذْ الْكِتَابَ الْكَبِيرَ.

(وَإِنْ بَدَرَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (مُخَاطٌ أَوْ بُزَاقٌ) وَيُقَالُ: بِالسِّينِ وَالصَّادِ أَيْضًا (وَنَحْوه) كَنُخَامَةٍ (فِي الْمَسْجِدِ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ وَ) حَكَّ بَعْضُهُ بِبَعْضِ، إذْهَابًا لِصُورَتِهِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ قِبَلَ قِبْلَتِهِ لَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنْ الْبُصَاقِ فِيهِ وَيَبْصُقُ وَنَحْوه (فِي غَيْرِهِ عَنْ يَسَارِهِ، وَتَحْتَ قَدَمِهِ) وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ: عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ وَلَعَلَّ فِيهِ سَقْطُ الْوَاوِ، أَوْ لِيُوَافِقَ الْخَبَرَ وَكَلَامَ الْأَصْحَابِ

(الْيُسْرَى) لِأَنَّ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ وَالْمُطَلَّقِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَإِكْرَامًا لِلْقَدَمِ الْيُمْنَى (لِلْحَدِيثِ الصَّحِيح) وَتَقَدَّمَ.
(وَ) بَصْقُهُ (فِي ثَوْبِهِ أَوْلَى، إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ) قَالَ فِي الْوَجِيزِ: يَبْصُقُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ الْمَسْجِدِ فِي ثَوْبِهِ وَفِي غَيْرِهِمَا يَسْرَةً وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَيُكْرَهُ) بَصْقُهُ وَنَحْوه (أَمَامَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ «وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفَلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» وَيَلْزَمُ حَتَّى غَيْرُ بَاصِقٍ وَنَحْوه إزَالَةَ الْبُصَاقِ وَنَحْوه مِنْ الْمَسْجِدِ وَسُنَّ تَخْلِيقُ مَحَلِّهِ.

(وَتُسَنُّ صَلَاةُ غَيْرِ مَأْمُومٍ) إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا (إلَى سُتْرَةٍ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَلَوْ لَمْ يَخْشَ) الْمُصَلِّي (مَارًّا) حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَرْفَعُهُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالسُّتْرَةُ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ (مِنْ جِدَارٍ أَوْ شَيْءٍ شَاخِصٍ كَحَرْبَةٍ أَوْ آدَمِيٍّ غَيْرِ كَافِرٍ) لِأَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهُ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ بَهِيمٍ) يَعْرِضُهُ، وَيُصَلِّي إلَيْهِ (أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ تُقَارِبُ طُولَ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ) . لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِي مَنْ يَمُرُّ وَرَاءَ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فَأَمَّا قَدْرُهَا) أَيْ السُّتْرَةُ (فِي الْغِلَظِ فَلَا حَدَّ لَهُ فَقَدْ تَكُونُ غَلِيظَةً كَالْحَائِطِ أَوْ دَقِيقَةً كَالسَّهْمِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى إلَى حَرْبَةٍ وَإِلَى بَعِيرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَيُسْتَحَبُّ قُرْبُهُ مِنْهَا قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ قَدَمَيْهِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْجِدَارُ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِصَلَاتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ قَرُبَ مِنْ الْجِدَارِ أَوْ السَّارِيَةِ نَحْو ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ فَإِلَى شَيْءٍ شَاخِصٍ مِمَّا سَبَقَ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (انْحِرَافُهُ عَنْهَا) أَيْ السُّتْرَةِ (يَسِيرًا) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِقَوِيٍّ لَكِنْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَاخِصًا) يُصَلِّي إلَيْهِ (وَتَعَذَّرَ غَرْزُ عَصًا وَنَحْوِهَا) كَسَهْمٍ وَحَرْبَةٍ وَضَعَهَا بِالْأَرْضِ، وَصَلَّى إلَيْهَا، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَكْفِي الْعَصَا بَيْنَ يَدَيْهِ عَرْضًا لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْخَطِّ وَعَرْضًا أَيْ وَضْعَ الْعَصَا وَنَحْوِهَا (عَرْضًا أَعْجَبُ إلَى أَحْمَدَ مِنْ الطُّولِ) قَالَ أَحْمَدُ مَا كَانَ أَعْرَضَ فَهُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ «اسْتَتِرُوا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَقَوْلُهُ وَلَوْ بِسَهْمٍ

يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ (وَيَكْفِي) فِي السُّتْرَةِ (خَيْطٌ وَنَحْوُهُ وَ) كُلُّ (مَا اُعْتُقِدَ سُتْرَةً فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، وَلَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ فِيهِ رَجُلًا مَجْهُولًا وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا.
وَصِفَته كَالْهِلَالِ لَا طُولًا لَكِنْ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَكَيْفَمَا خَطَّ أَجْزَأَهُ.

(وَلَا تُجْزِئُ سُتْرَةٌ مَغْصُوبَةٌ) كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ (فَالصَّلَاةُ إلَيْهَا) أَيْ السُّتْرَةُ الْمَغْصُوبَةُ (كَ) الصَّلَاةِ إلَى (الْقَبْرِ) أَيْ فَتُكْرَه لِأَنَّ السُّتْرَةَ الْمَغْصُوبَةَ كَالْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالصَّلَاةُ إلَيْهَا كَالصَّلَاةِ إلَى الْقَبْرِ.

(وَتُجْزِئُ) سُتْرَةٌ (نَجِسَةٌ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الصَّوَابُ أَنَّ النَّجِسَةَ لَيْسَتْ كَالْمَغْصُوبَةِ، وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَسُتْرَةٌ مَغْصُوبَةٌ وَنَجِسَةٌ كَغَيْرِهَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَفِيهِ وَجْهٌ فَالصَّلَاةُ إلَيْهَا كَالْقَبْرِ قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: وَعَلَى قِيَاسِهِ: سُتْرَةُ الذَّهَبِ (فَإِذَا مَرَّ شَيْءٌ مِنْ وَرَاءِ السُّتْرَةِ لَمْ يُكْرَهُ) لِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ.

(وَإِنْ مَرَّ بَيْنَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (وَبَيْنَهَا) أَيْ سُتْرَتِهِ كَلْبٌ أَسْوَدُ بَهِيمٌ (أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ سُتْرَةٌ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَرِيبًا) مِنْهُ (كَقُرْبِهِ مِنْ السُّتْرَةِ) أَيْ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ مِنْ قَدَمَيْهِ (كَلْبٌ أَسْوَدُ بَهِيمٌ، وَهُوَ مَا لَا لَوْنَ فِيهِ سِوَى السَّوَادِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرهُ إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ «مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ، مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا.

وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (بِمُرُورِ امْرَأَةٍ) لِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ «مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

(وَ) لَا بِمُرُورِ (حِمَارٍ) لِمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ «أَتَانَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ فَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ يَعْبَثَانِ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وَ (لَا) بِمُرُورِ (بَغْلٍ وَشَيْطَانٍ وَسِنَّوْرٍ أَسْوَدَ وَلَا بِالْوُقُوفِ وَالْجُلُوسِ) وَلَوْ مِنْ كَلْبٍ أَسْوَدَ (قُدَّامَهُ) مِنْ غَيْرِ مُرُورٍ اقْتِصَارًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ.

(وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَأْمُومٍ اتِّخَاذُ سُتْرَةً) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي إلَى سُتْرَةٍ دُونَ أَصْحَابِهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ اتَّخَذَ الْمَأْمُومُ سُتْرَةً (فَلَيْسَتْ سُتْرَةً لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اخْتَلَفُوا فِي سُتْرَةِ الْإِمَامِ

هَلْ هِيَ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، أَوْ هِيَ سُتْرَةٌ لَهُ خَاصَّةً، وَهُوَ سُتْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُ، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُمَا مُصَلُّونَ إلَى سُتْرَةٍ انْتَهَى وَالْمَعْنَى أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِلْمَأْمُومِ سَوَاءٌ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ أَوْ قُدَّامَهُ، حَيْثُ صَحَّتْ.
أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي شَرْح الْفُرُوعِ (فَلَا يَضُرُّ صَلَاتَهُمْ) أَيْ الْمَأْمُومِينَ (مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «هَبَطْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ثَنِيَّةٍ إلَى أُخْرَى فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَعَمَدَ إلَى جِدَارٍ فَاتَّخَذَهُ قِبْلَةً وَنَحْنُ خَلْفَهُ فَجَاءَتْ بَهِيمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يُدَارِيهَا حَتَّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِالْجِدَارِ فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَلَوْلَا أَنَّ سُتْرَتَهُ سُتْرَةٌ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مُرُورِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ فَرْقٌ.
(وَإِنْ مَرَّ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ) وَهُوَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ (بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَصَلَاتَهُمْ) لِأَنَّهُ مَرَّ بَيْنهمْ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِع: فَظَاهِرُهُ: أَنَّ هَذَا فِيمَا يُبْطِلُهَا خَاصَّةً وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي نَهْيِ الْآدَمِيِّ عَنْ الْمُرُورِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَكَذَا الْمُصَلِّي لَا يَدَعُ شَيْئًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: لَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لِجَوَازِ مُرُورِ الْإِنْسَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ، فَيَحْتَمِلُ جَوَازَهُ اعْتِبَارًا بِسُتْرَةِ الْإِمَامِ لَهُ حُكْمًا وَيَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِعَدَمِ الْإِبْطَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْجَمِيعِ.
وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (الْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ وَلَوْ حَافِظًا) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهَا كَانَ يَؤُمُّهَا غُلَامُهَا ذَكْوَانُ فِي الْمُصْحَفِ فِي رَمَضَانَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الزُّهْرِيُّ كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْفَرْضُ وَالنَّفَلُ سَوَاءٌ قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ (وَلَهُ السُّؤَالُ وَالتَّعَوُّذُ فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ، عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ أَوْ عَذَابٍ) فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ بِالْبَقَرَةِ فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضَى إلَى أَنْ قَالَ إذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ» مُخْتَصَرٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَخَيْرٌ (حَتَّى مَأْمُومٌ نَصًّا وَيَخْفِضُ صَوْتَهُ) نَقَلَ الْفَضْلُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَهُ مَأْمُومٌ وَيَخْفِضُ صَوْتَهُ.
تَتِمَّةٌ قَالَ أَحْمَدُ إذَا قَرَأَ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: 40] فِي صَلَاةٍ وَغَيْرهَا قَالَ سُبْحَانَكَ فَبَلَى، فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهِمَا.

فَائِدَةٌ: سُئِلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الْقِرَاءَةِ بِمَا فِيهِ دُعَاءٌ هَلْ يَحْصُلَانِ لَهُ؟ فَتَوَقَّفَ وَيَتَوَجَّهُ الْحُصُولُ لِخَبَرِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أَعْطَانِيهِمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ فَإِنَّهُمَا صَلَاةٌ وَقُرْآنٌ وَدُعَاءٌ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيّ.

[فَصْل تَنْقَسِمُ أَقْوَالُ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالُهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ]

ٍ الْأَوَّلُ: مَا لَا يَسْقُطُ عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا جَهْلًا وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ: فَرْضًا وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ رُكْنًا تَشْبِيهًا لَهُ بِرُكْنِ الْبَيْتِ الَّذِي لَا يَقُومُ إلَّا بِهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ، وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا لَا سَهْوًا أَوْ جَهْلًا وَيُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ الْوَاجِبَاتِ اصْطِلَاحًا، الضَّرْبُ الثَّالِثُ مَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ وَلَوْ عَمْدًا وَهُوَ السُّنَنُ وَقَدْ ذَكَرَهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيب، فَقَالَ: (أَرْكَانُ الصَّلَاةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) لِلِاسْتِقْرَاءِ.
وَعَدَّهَا فِي الْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا اثْنَيْ عَشَرَ وَفِي الْبُلْغَةِ: عَشْرَة وَعَدَّ مِنْهَا النِّيَّةَ (وَهِيَ) أَيْ الْأَرْكَانُ جَمْعُ رُكْنٍ وَهُوَ جَانِبُ الشَّيْءِ الْأَقْوَى وَاصْطِلَاحًا (مَا كَانَ فِيهَا) احْتِرَاز عَنْ الشَّرْطِ (وَلَا يَسْقُط عَمْدًا) خَرَجَ بِهِ السُّنَنُ (وَلَا سَهْوًا وَلَا جَهْلًا) خَرَجَ بِهِ الْوَاجِبَاتُ أَحَدُ الْأَرْكَانِ: (الْقِيَامُ فِي فَرْضٍ لِقَادِرٍ) عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ «صَلِّ قَائِمًا سِوَى عُرْيَانٍ» لِمَا تَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ (وَ) سِوَى (خَائِفٍ بِهِ) أَيْ بِالْقِيَامِ، كَالْمُصَلِّي بِمَكَانٍ لَهُ حَائِطٌ يَسْتُرُهُ جَالِسًا لَا قَائِمًا وَيَخَافُ بِقِيَامِهِ لِصًّا أَوْ عَدُوًّا فَيُصَلِّي جَالِسًا لِلْعُذْرِ (وَلِمُدَاوَاةٍ) لِمَرِيضٍ يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ لَكِنْ لَا تُمْكِنُ مُدَاوَاتُهُ مَعَ قِيَامِهِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ: لِمَرِيضٍ يُطِيقُ قِيَامًا الصَّلَاةَ مُسْتَلْقِيًا لِمُدَاوَاةٍ، بِقَوْلِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ (وَقِصَرِ سَقْفٍ لِعَاجِزٍ عَنْ الْخُرُوجِ) لِحَبْسٍ، أَوْ تَوَكُّلٍ بِهِ وَنَحْوِهِ (وَمَأْمُومٍ خَلْفَ إمَامِ الْحَيِّ الْعَاجِزِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْقِيَامِ (بِشَرْطِهِ) . وَهُوَ أَنْ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مُفَصَّلًا (وَحَدُّهُ) أَيْ الْقِيَامُ (مَا لَمْ يَصِرْ رَاكِعًا) قَالَهُ

أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ (وَلَا يَضُرُّ خَفْضُ الرَّأْسِ عَلَى هَيْئَةِ الْإِطْرَاقِ) لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ يُسَمَّى قَائِمًا (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ الْقِيَامِ (الِانْتِصَابُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَفِيمَا بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى (بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ) لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَبَدَلهَا مِنْ الذِّكْرِ وَقَفَ بِقَدْرِهَا وَفِي الْخِلَافِ وَالِانْتِصَارِ بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ، بِدَلِيلِ إدْرَاكِ الْمَسْبُوقِ فَرْضَ الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ، بِأَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ خَاصَّةً، لِإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
(وَإِنْ أَدْرَكَ) الْمَأْمُومُ (الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ ف) الرُّكْنُ مِنْ الْقِيَامِ (بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ وَقَفَ غَيْرَ مَعْذُورٍ عَلَى إحْدَى رِجْلَيْهِ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَكْثَرِ) خِلَافًا لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ قَالَ لَمْ يُجْزِئْهُ وَنَقَلَ خَطَّابُ بْنُ بِشْرٍ لَا أَدْرِي وَمَا قَامَ مَقَامَ الْقِيَامِ، (وَهُوَ الْقُعُودُ وَنَحْوُهُ) كَالِاضْطِجَاعِ (لِلْعَاجِزِ) عَنْ الْقِيَامِ أَوْ عَنْهُ وَعَنْ الْقُعُودِ (وَ) كَالْقُعُودِ فِي حَقِّ (الْمُتَنَفِّلِ فَهُوَ رُكْنٌ فِي حَقِّهِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الرُّكْنِ.

(وَ) الثَّانِي (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) لِحَدِيثِ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» (وَلَيْسَتْ) تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ (بِشَرْطٍ) حَتَّى تَكُونَ مِنْ خَارِجِ الصَّلَاةِ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ (بَلْ هِيَ مِنْ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ مُسْلِم.

(وَ) الثَّالِثُ (قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ وَكَذَا عَلَى الْمَأْمُومِ) لِحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (لَكِنْ يَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَأْمُومِ لِلْخَبَرِ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: الَّذِي يَظْهَر أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ إنَّمَا تَقُومُ عَنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ: إذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ صَحِيحَةً، احْتِرَازًا عَنْ الْإِمَامِ إذَا كَانَ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ وَقُلْنَا: بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَتَكُونُ قِرَاءَتُهُ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى رُكْنِ الصَّلَاةِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُومِ وَهَذَا ظَاهِرٌ، لَكِنْ لَمْ أَجِدْ مِنْ أَعْيَانِ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ مَنْ اسْتَثْنَاهُ نَعَمْ وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَشْيَاخِ وَالْأَخْبَارِ: خِلَافُهُ لِلْمَشَقَّةِ.

(وَ) الرَّابِعُ (الرُّكُوعُ) إجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: 77] وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ: إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَلِمُسْلِمٍ وَعَزَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ إلَى الْبُخَارِيِّ «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسَمَّاةَ فِي الْحَدِيثِ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ، فَإِنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ لَسَقَطَتْ عَنْ الْأَعْرَابِيّ لِجَهْلِهِ بِهَا (إلَّا) الرُّكُوعَ (بَعْدَ) رُكُوعٍ (أَوَّلٍ فِي) صَلَاةِ (كُسُوفٍ) فَسُنَّةٌ وَكَذَا الرَّفْعُ مِنْهُ وَالِاعْتِدَالُ بَعْدَهُ (وَتَقَدَّمَ الْمُجْزِئُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ.

(وَ) الْخَامِسُ (الِاعْتِدَالُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الرُّكُوعِ رُكْنٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَاوَمَ عَلَيْهِ وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (فَدَخَلَ فِيهِ) أَيْ فِي الِاعْتِدَالِ عَنْ الرُّكُوعِ (الرَّفْعُ مِنْهُ) لِاسْتِلْزَامِهِ لَهُ هَكَذَا فَعَلَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَفَرَّقَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا بَيْنَهُمَا فَعَدُّوا كُلًّا مِنْهُمَا رُكْنًا، لِتَحَقُّقِ الْخِلَافِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (وَتَقَدُّمُ الْمُجْزِئِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الِاعْتِدَالِ فِي قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا وَتَقَدَّمَ حَدُّ الْقِيَامِ (وَلَوْ طَوَّلَ الِاعْتِدَالَ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ الْأَنْمَاطِيُّ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُطِيلُ الِاعْتِدَالَ وَالْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَ) السَّادِسُ (السُّجُودُ) إجْمَاعًا (وَ) السَّابِعُ (الِاعْتِدَالُ عَنْهُ) يَعْنِي الرَّفْعَ مِنْهُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) الثَّامِنُ (الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ أَسْقَطَ مَا قَبْلَ هَذَا لَدَخَلَ فِيهِ كَمَا فَعَلَ فِي الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ.

(وَ) التَّاسِعُ (الطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ) أَيْ فِي الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ عَنْهُ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِمَا سَبَقَ وَلِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا رُكْنٌ وَاحِدٌ فِي الْكُلِّ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْقِيَامَ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ لِذَاكِرِهِ وَلِنَاسِيهِ بِقَدْرِ أَدْنَى سُكُونٍ وَكَذَا) فِي أَدْنَى سُكُونٍ (لِمَأْمُومٍ بَعْدِ انْتِصَابِهِ مِنْ الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ فِيهِ) هَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَمْ أَجِدْهَا فِي الْفُرُوعِ وَلَا الْمُبْدِعِ وَلَا الْإِنْصَافِ وَلَا غَيْرِهَا مِمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ وَفِيهَا نَظَرٌ لِأَنَّ الرُّكْنَ لَا يَخْتَلِفُ بِالذَّاكِرِ وَالنَّاسِي بَلْ فِي كَلَامِ الْإِنْصَافِ مَا يُخَالِفُهَا، فَإِنَّهُ حَكَى فِي الطُّمَأْنِينَةِ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا هِيَ السُّكُونُ وَإِنْ قَلَّ وَقَالَ

عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي: بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَهُوَ الْأَقْوَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَفَائِدَتُهُ الْوَجْهَيْنِ: إذَا نَسِيَ التَّسْبِيحَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ أَوْ التَّحْمِيدَ فِي اعْتِدَالِهِ، أَوْ سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ فِي جُلُوسِهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ لِعُجْمَةٍ أَوْ خَرَسٍ أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ، وَقُلْنَا هُوَ سُنَّةٌ وَاطْمَأَنَّ قَدْرًا لَا يَتَّسِعُ لَهُ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَلَا تَصِحُّ عَلَى الثَّانِي.

(وَ) الْعَاشِرُ (التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ) هُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ» - الْخَبَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقُولُوا هَكَذَا، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» وَذَكَرَهُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَقَالَ عُمَرُ لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إلَّا بِتَشَهُّدٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ (مَا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةِ اللَّهِ سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا عَدَاهُ فَإِنَّهُ أُثْبِتَ فِي بَعْضِهَا، وَتُرِكَ فِي بَعْضِهَا.
(قَالَ الشَّارِحُ، قُلْتُ وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَر) لِأَنَّ الَّذِي تُرِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَمْ يُتْرَكْ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ بَلْ أُثْبِتَ بَدَلُهُ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ بِالْمَرَّةِ، بَلْ عَلَى وُجُوبِهِ أَوْ وُجُوبِ بَدَلِهِ (وَهُوَ كَمَا قَالَ) أَيْ الشَّارِحُ لِقُوَّةِ مَا عُلِّلَ بِهِ.

(وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْده) أَيْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَلَا تُجْزِئُ إنْ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ كَعْبٍ وَسَبَقَ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَلَا مَوْضِعَ تَجِبُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَوْلَى مِنْ الصَّلَاةِ (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ الْمَذْكُورُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَعَدَّ الْمُصَنِّفُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُكْنًا مُسْتَقِلًّا تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْفُرُوعِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْمُنْتَهَى وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فَقَدْ جَعَلُوهَا مِنْ جُمْلَةِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ.

(وَ) الثَّانِي عَشَرَ (الْجُلُوسُ لَهُ) وَلِلتَّسْلِيمَتَيْنِ، لِمُدَاوَمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْجُلُوسِ لِذَلِكَ، وَقَوْله «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .

(وَ) الثَّالِثَ عَشَرَ (التَّسْلِيمَتَانِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْتِمُ صَلَاتَهُ بِالتَّسْلِيمِ» وَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَلِأَنَّهُمَا نُطْقٌ مَشْرُوعٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا فَكَانَ رُكْنًا كَالطَّرَفِ الْآخَرِ (إلَّا فِي صَلَاةِ جِنَازَةٍ وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ) فَيَخْرُجُ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ.
(وَ) إلَّا فِي (نَافِلَةٍ فَتُجْزِي) تَسْلِيمَةٌ (وَاحِدَةٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْمَجْدُ) عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ تَيْمِيَّةَ قَالَ (فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ النَّفْلِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ الْقَاضِي الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ فِي الْجِنَازَةِ وَالنَّافِلَةِ رِوَايَة وَاحِدَة انْتَهَى) وَظَاهِر مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّفَلَ كَالْفَرْضِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَهُمَا) أَيْ التَّسْلِيمَتَانِ (مِنْ الصَّلَاةِ) كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ فَلَا يَقُومُ الْمَسْبُوقُ قَبْلَهُمَا.

(وَ) الرَّابِعَ عَشَرَ (التَّرْتِيبُ) أَيْ تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ هُنَا، أَوْ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، فَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّيهَا مُرَتَّبَةً وَعَلَّمَهَا لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ مُرَتَّبَةً بِثُمَّ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ فِيهَا رُكْنًا كَغَيْرِهِ.

(وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا، (وَاجِبَاتُهَا الَّتِي تَبْطُلُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا وَتَسْقُطُ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا نَصًّا) خَرَجَ بِهِ الشُّرُوطُ وَالْأَرْكَانُ (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ بِتَرْكِهَا سَهْوًا أَوْ جَهْلًا (وَيُجْبِرُهُ) أَيْ تَرْكُهَا لِذَلِكَ (السُّجُودُ) أَيْ سُجُودُ السَّهْوِ (ثَمَانِيَةٌ) خَبَر: وَاجِبَاتُهَا وَالْمَوْصُولُ نَعْتٌ، وَجَعَلَهُ خَبَرًا يُؤَدِّي إلَى التَّعْرِيفِ بِالْحُكْمِ.
فَيَلْزَمُهُ الدَّوْرُ أَحَدُهَا: (التَّكْبِيرُ) لِلِانْتِقَالِ (فِي مَحَلِّهِ) وَهُوَ مَا بَيْنَ انْتِقَالٍ وَانْتِهَاءٍ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُكَبِّرُ كَذَلِكَ وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَعَنْهُ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ قُلْنَا: وَلَمْ يُعَلِّمْهُ التَّشَهُّدَ وَلَا السَّلَامَ، وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى تَعْلِيمهِ مَا أَسَاءَ فِيهِ (فَلَوْ شَرَعَ) الْمُصَلِّي (فِيهِ) أَيْ التَّكْبِيرِ (قَبْلَ انْتِقَالِهِ) كَأَنْ يُكَبِّرَ لِلرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ قَبْلَ هُوِيِّهِ إلَيْهِ (أَوْ كَمَّلَهُ) أَيْ التَّكْبِيرَ (بَعْدَ انْتِهَائِهِ) بِأَنْ كَبَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ وَهُوَ سَاجِدٌ بَعْدَ انْتِهَاءِ هُوِيِّهِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ التَّكْبِيرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ فِي مَحَلِّهِ (كَتَكْمِيلِهِ وَاجِبَ قِرَاءَةٍ رَاكِعًا، أَوْ شُرُوعِهِ فِي تَشَهُّدٍ قَبْلَ قُعُودِهِ، وَكَمَا لَا يَأْتِي بِتَكْبِيرِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فِيهِ) أَيْ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ (وَيُجْزِئُهُ فِيمَا بَيْنَ ابْتِدَاءِ الِانْتِقَالِ وَانْتِهَائِهِ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّهِ) . قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَالنُّهُوضِ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ ابْتِدَاءِ الِانْتِقَالِ وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ فَإِنْ كَمَّلَهُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ مَحَلِّهِ وَإِنْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَهُ أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ فَوَقَعَ بَعْضُهُ

خَارِجًا مِنْهُ فَهُوَ كَتَرْكِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَمِّلْهُ فِي مَحَلِّهِ فَأَشْبَهَ مَنْ تَعَمَّدَ قِرَاءَتَهُ رَاكِعًا أَوْ أَخَذَ فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ قُعُودِهِ هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ يَعْسُرُ، وَالسَّهْوُ بِهِ يَكْثُرُ فَفِي الْإِبْطَالِ بِهِ وَالسُّجُودِ لَهُ مَشَقَّةٌ (غَيْر تَكْبِيرَتَيْ إحْرَامٍ وَرُكُوعِ مَأْمُومٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ رَاكِعًا فَإِنَّ الْأُولَى) وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ (رُكْنٌ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَالثَّانِيَةُ) وَهِيَ تَكْبِيرَةُ مَأْمُومٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ رَاكِعًا (سُنَّةٌ) لِلِاجْتِزَاءِ عَنْهَا بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّكْبِيرِ.

(وَ) الثَّانِي مِنْ الْوَاجِبَاتِ (التَّسْمِيعُ) أَيْ قَوْل: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (لِإِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ) دُونَ مَأْمُومٍ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) الثَّالِثُ (التَّحْمِيدُ) أَيْ قَوْل: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ (لِكُلٍّ) مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النُّصُوصِ، فِعْلًا لَهُ وَأَمْرًا بِهِ.
(وَ) الرَّابِع (تَسْبِيحُ) (رُكُوعٍ وَ) الْخَامِس تَسْبِيحُ (سُجُودٍ وَ) السَّادِس (رَبِّ اغْفِرْ لِي) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (مَرَّةً) وَ (مَرَّةً وَفِيهِنَّ) أَيْ فِي التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ وَسُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ فِي رُكُوعٍ وَسُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى فِي السُّجُودِ وَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْن السَّجْدَتَيْنِ (مَا فِي التَّكْبِيرِ) مِنْ اعْتِبَارِ الْإِتْيَانِ بِهِنَّ فِي مَحَلّهنَّ الْمَعْلُومِ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فَلَوْ أَتَى بِتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ فِي حَالِ هُوِيِّهِ، كَرُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ، أَوْ بِرَبِّ اغْفِرْ لِي قَبْلَ قُعُودِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَالتَّسْمِيعُ يَأْتِي بِهِ فِي انْتِقَالهِ وَالتَّحْمِيدُ يَأْتِي بِهِ الْمَأْمُومُ فِي رَفْعِهِ وَغَيْرِهِ فِي اعْتِدَالِهِ.

(وَ) السَّابِعُ (تَشَهُّدٌ أَوَّلُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ وَدَاوَمَ عَلَى فِعْلِهِ وَأَمَرَ بِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ حِين نَسِيَهُ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ لِسُقُوطِهَا بِالسَّهْوِ وَانْجِبَارهَا بِالسُّجُودِ كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ (عَلَى غَيْرِ مَأْمُومٍ قَامَ إمَامُهُ عَنْهُ سَهْوًا) فَيُتَابِعهُ (وَيَأْتِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَتَقَدَّمَ الْمُجْزِئُ مِنْهُ قَرِيبًا) فِي الْأَرْكَانِ.
(وَ) الثَّامِنُ (الْجُلُوسُ لَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِ مَأْمُومٍ قَامَ إمَامُهُ عَنْهُ سَهْوًا (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمُ فِي الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ.

(سُنَنُ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ وَهَيْئَاتٍ فَسُنَنُ الْأَقْوَالِ سَبْعَةَ عَشَر الِاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَالْبَسْمَلَةُ، وَالتَّأْمِينُ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي كُلٍّ مِنْ) الرَّكْعَتَيْنِ (الْأُولَيَيْنِ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ مَغْرِبٍ (وَ) فِي (صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالتَّطَوُّعِ كُلِّهِ، وَالْجَهْرُ وَالْإِخْفَاتُ) فِي مَحَالِّهِمَا، وَقَدْ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْمُقْنِعَ وَغَيْرَهُ وَنَاقَشَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُمَا هَيْئَةٌ لِلْقَوْلِ، لَا قَوْلٌ وَلِذَلِكَ عَدَّهُمَا فِيمَا يَأْتِي مِنْ سُنَنِ الْهَيْئَاتِ (وَقَوْل: مِلْءَ السَّمَوَاتِ) وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ (بَعْدَ التَّحْمِيدِ فِي حَقِّ مَنْ يُشْرَعُ لَهُ قَوْلُ ذَلِكَ)

وَهُوَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ، دُونَ الْمَأْمُومِ.
(وَمَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ مِنْ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالتَّعَوُّذِ) أَيْ قَوْلُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ إلَى آخِرِهِ (فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَالدُّعَاءِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ آخِرَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ» . وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِيمَا سَبَقَ: كَصَاحِبِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا مَسْنُونٌ حَيْثُ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِهِ (وَالصَّلَاةُ فِيهِ) أَيْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ (عَلَى آلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْبَرَكَةِ فِيهِ) أَيْ قَوْل: (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) إلَى آخِرِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ (وَمَا زَادَ عَلَى الْمُجْزِئِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ) وَتَقَدَّمَ (وَالْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ) لِمَا يَأْتِي فِي بَابه (وَمَا سِوَى ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (سُنَنُ أَفْعَالٍ وَهَيْئَاتٍ سُمِّيَتْ) أَيْ سَمَّاهَا صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرُهُ (هَيْئَةً لِأَنَّهَا صِفَةٌ فِي غَيْرِهَا) كَسُكُونِ الْأَصَابِعِ مَضْمُومَةً مَمْدُودَةً حَالَ (رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَبْسُوطَةً) أَيْ مَمْدُودَةَ الْأَصَابِعِ (مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) بِبُطُونِهَا إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ (عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَ) عِنْدَ (الرُّكُوعِ، وَ) عِنْد (الرَّفْعِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ (وَحَطِّهِمَا) أَيْ الْيَدَيْنِ (عَقِبَ ذَلِكَ) أَيْ عَقِبَ الْفَرَاغِ مِنْ الْإِحْرَامِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ الرَّفْعِ مِنْهُ.
(وَقَبْضُ الْيَمِينِ عَلَى كُوعِ الشِّمَالِ وَجَعْلِهِمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) بَعْدَ إحْرَامِهِ (وَالنَّظَرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) فِي غَيْرِ صَلَاةِ خَوْفٍ وَنَحْوِهَا (وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ) يَسِيرًا (فِي قِيَامِهِ وَمُرَاوَحَتِهِ بَيْنهمَا) أَيْ الْقَدَمَيْنِ (يَسِيرًا) وَتُكْرَهُ كَثْرَتُهُ (وَالْجَهْرُ) فِي مَحَلِّهِ (وَالْإِخْفَاتُ) فِي مَحَلِّهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ عَدَّهُمَا مِنْ سُنَنِ الْأَقْوَالِ (وَتَرْتِيلُ الْقِرَاءَةِ وَالتَّخْفِيفُ فِيهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ (لِلْإِمَامِ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» (وَالْإِطَالَةُ فِي) الرَّكْعَةِ الْأُولَى (وَالتَّقْصِيرُ فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) فِي غَيْرِ صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي (وَقَبْضُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ) حَالَ كَوْنِ يَدَيْهِ (مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ فِي الرُّكُوعِ، وَمَدِّ ظَهْرِهِ) مُسْتَوِيًا (وَجَعْلُ رَأْسِهِ حِيَالَهُ) فَلَا يَخْفِضْهُ وَلَا يَرْفَعْهُ، وَمُجَافَاةُ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِي رُكُوعِهِ.
(وَالْبُدَاءَةُ بِوَضْعِ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَرَفْعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا فِي الْقِيَامِ) مِنْ سُجُودِهِ (وَتَمْكِينُ كُلِّ جَبْهَتِهِ) وَكُلِّ (أَنْفِهِ، وَكُلِّ بَقِيَّةِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ مِنْ الْأَرْضِ فِي سُجُودِهِ وَمُجَافَاةِ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) وَمُجَافَاةِ (بَطْنهِ عَنْ فَخِذَيْهِ وَ) مُجَافَاةِ (فَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ) فِي سُجُودِهِ (وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ) فِي سُجُودِهِ (وَإِقَامَةُ قَدَمَيْهِ، وَجَعْلُ بُطُونِ أَصَابِعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ مُفَرَّقَةً فِيهِ) أَيْ فِي السُّجُودِ.
(وَفِي الْجُلُوسِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ لِلتَّشَهُّدِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (وَوَضْعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَبْسُوطَةَ) الْأَصَابِعِ إذَا سَجَدَ، (وَتَوْجِيهُ أَصَابِعِ يَدَيْهِ

مَضْمُومَةً نَحْو الْقِبْلَةِ وَمُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِيَدَيْهِ وَجَبْهَتِهِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ حَائِلٌ مُتَّصِلٌ بِهِ (وَعَدَمهَا) أَيْ عَدَمُ الْمُبَاشَرَةِ (بِرُكْبَتَيْهِ، وَقِيَامُهُ إلَى الرَّكْعَةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا) بِيَدَيْهِ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) إلَّا أَنْ يَشُقَّ فَبِالْأَرْضِ (وَالِافْتِرَاشُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَ) الِافْتِرَاشُ (فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالتَّوَرُّكُ فِي) التَّشَهُّدِ (الثَّانِي وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبِلًا بِهَا الْقِبْلَةَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَكَذَا فِي التَّشَهُّدِ) الْأَوَّلِ وَالثَّانِي (لَكِنْ يَقْبِضُ مِنْ الْيَمِينِ) . وَفِي نُسْخَةٍ: الْيُمْنَى (الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ، وَيُحَلِّقُ إبْهَامَهَا مَعَ الْوُسْطَى، وَيُشِيرُ بِسَبَّابَتِهَا) عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتُسَمَّى السِّبَاحَةَ (وَالْتِفَاتُهُ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي تَسْلِيمِهِ، وَتَفْضِيلُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الِالْتِفَاتِ وَنِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ) بِالسَّلَامِ وَتَقَدَّمَتْ أَدِلَّةُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهَا.

(وَالْخُشُوعُ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] (وَهُوَ مَعْنًى يَقُومُ بِالنَّفْسِ يَظْهَرُ مِنْهُ سُكُونُ الْأَطْرَافِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الْعَابِثِ بِلِحْيَتِهِ لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخُشُوعُ الْخُضُوعُ وَالْإِخْبَاتُ الْخُشُوعُ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] أَيْ خَائِفُونَ مِنْ اللَّهِ، مُتَذَلِّلُونَ لَهُ، مُلْزِمُونَ أَبْصَارَهُمْ مَسَاجِدَهُمْ، وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45] أَيْ الْمُخْبِتِينَ وَالْخُشُوعُ: الْإِخْبَاتُ وَمِنْهُ الْخُشْعَةُ لِلرَّمْلَةِ الْمُتَطَامِنَةِ وَالْخُضُوعُ: اللِّينُ وَالِانْقِيَادُ وَلِذَلِكَ يُقَال: الْخُشُوعُ بِالْجَوَارِحِ وَالْخُضُوعُ بِالْقَلْبِ.

(قَالَ الشَّيْخُ إذَا غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا) لِأَنَّ الْخُشُوعَ سُنَّةٌ وَالصَّلَاةُ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ سُنَّةٍ وَذَكَرَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ: أَنَّ الْخُشُوعَ وَاجِبٌ وَعَلَيْهِ فَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ صَلَاتِهِ لَكِنْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مُرَادهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ أَرَادَ فِي كُلِّهَا فَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ فَخِلَافُ قَاعِدَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَإِنْ بَطَلَ بِهِ، فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَكِلَاهُمَا خِلَافُ الْأَخْبَارِ اهـ وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَابِثَ بِلِحْيَتِهِ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، مَعَ قَوْلِهِ «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» . قَالَ فِي شَرْح الْمُنْتَهَى: وَهَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ خُشُوعِهِ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا (وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (لَا تَبْطُلُ بِعَمَلِ

الْقَلْبِ وَلَوْ طَالَ) وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْخُشُوعِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ صَلَاتِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُمَا وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِتَرْكِ سُنَّةٍ وَلَوْ قَوْلِيَّةً) كَالِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ لِأَنَّ السُّجُودَ زِيَادَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يُشْرَعُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ (وَإِنْ سَجَدَ) لِتَرْكِ سُنَّةٍ قَوْلِيَّةٍ أَوْ فِعْلِيَّةٍ (فَلَا بَأْسَ بِهِ نَصًّا) لِعُمُومِ حَدِيثِ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَإِنْ اعْتَقَدَ الْمُصَلِّي الْفَرْضَ سُنَّةً أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ اعْتَقَدَ السُّنَّةَ فَرْضًا (أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا) لَا فَرْضًا وَلَا سُنَّةً (وَأَدَّاهَا عَلَى ذَلِكَ) الْوَجْهِ السَّابِقِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ (وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَعْرِفْ الشَّرْطَ مِنْ الرُّكْنِ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ) قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَعْرِفَ الرُّكْنَ مِنْ الشَّرْطِ وَالْفَرْضَ مِنْ السُّنَّةِ، وَرَدَّ الْمَجْدُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَحِّحْ الِائْتِمَامَ بِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ نَفْلٌ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، مَعَ شِدَّةِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ الْفَرْضُ وَالسُّنَّةُ وَلِأَنَّ اعْتِقَادَ الْفَرْضِيَّةِ وَالنَّفْلِيَّةِ مُؤَثِّرٌ فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، لَا تَفَاصِيلِهَا لِأَنَّ مَنْ صَلَّى يَعْتَقِدُ الصَّلَاةَ فَرِيضَةً يَأْتِي بِأَفْعَالٍ تَصِحُّ مَعَهَا، بَعْضُهَا فَرْضٍ وَبَعْضُهَا نَفْلٌ وَهُوَ يَجْهَلُ مِنْ الْفَرْضِ السُّنَّةَ، أَوْ يَعْتَقِدُ الْجَمِيعَ فَرْضًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعُ (خَاتِمَةٌ) إذَا تَرَكَ شَيْئًا وَلَمْ يَدْرِ: أَفَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ؟ لَمْ يَسْقُطْ فَرْضُهُ لِلشَّكِّ فِي صِحَّتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَرَدَّدَ فِي وُجُوبِهِ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا جَاهِلًا حُكْمُهُ بِأَنْ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ قَطُّ أَنَّ عَالِمًا قَالَ بِوُجُوبِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ تَارِكِهِ سَهْوًا فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ سُجُودِ السَّهْوِ كَفَاهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ.

[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]

(بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: سَهَا عَنْ الشَّيْءِ سَهْوًا: ذَهِلَ وَغَفَلَ قَلْبُهُ عَنْهُ حَتَّى زَالَ عَنْهُ فَلَمْ يَتَذَكَّرْهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ السَّاهِي وَالنَّاسِي: أَنَّ النَّاسِيَ إذَا ذَكَّرْتَهُ تَذَكَّرَ بِخِلَافِ السَّاهِي اهـ. وَفِي النِّهَايَةِ: السَّهْوُ فِي الشَّيْءِ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَالسَّهْوُ عَنْ الشَّيْءِ

تَرْكُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ اهـ وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ الَّذِي وَقَعَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرِ مَا مَرَّةٍ وَالسَّهْوُ عَنْ الصَّلَاةِ الَّذِي ذُمَّ فَاعِلُهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَلَا مِرْيَةَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: نَحْفَظُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَةَ أَشْيَاءَ: سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ وَفِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَقَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْخَمْسَةُ، يَعْنِي حَدِيثَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنُ بُحَيْنَةَ (لَا يُشْرَعُ) سُجُودُ السَّهْوِ (فِي الْعَمْدِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ» فَعَلَّقَ السُّجُودَ عَلَى السَّهْوِ وَلِأَنَّهُ يُشْرَعُ جُبْرَانًا وَالْعَامِدُ لَا يُعْذَرُ فَلَا يَنْجَبِرُ خَلَلُ صَلَاتِهِ بِسُجُودِهِ، بِخِلَافِ السَّاهِي وَلِذَلِكَ أُضِيفَ السُّجُودُ إلَى السَّهْوِ (بَلْ) يُشْرَعُ (لِلسَّهْوِ بِوُجُودِ) شَيْءٍ مِنْ (أَسْبَابِهِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ وَشْكٌ) فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ فِي ذَلِكَ (لِفَرْضٍ وَنَافِلَةٍ) أَيْ يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ بِوُجُودِ أَسْبَابِهِ فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَشُرِعَ لَهَا السُّجُودُ كَالْفَرِيضَةِ (سِوَى صَلَاةِ جِنَازَةٍ) لِأَنَّهُ لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا، فَفِي جَبْرِهَا أَوْلَى (وَ) سِوَى (سُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ) لِئَلَّا يَلْزَمَ زِيَادَةُ الْجَبْرِ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَ) سِوَى (حَدِيثِ نَفْسٍ) لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
(وَ) سِوَى (نَظَرٍ إلَى شَيْءٍ) وَلَوْ طَالَ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ (وَ) سِوَى (سَهْوٍ فِي سَجْدَتَيْهِ) إجْمَاعًا حَكَاهُ إِسْحَاقُ (أَوْ بَعْدَهُمَا قَبْلَ سَلَامِهِ، سَوَاءً كَانَ سُجُودُهُ) لِلسَّهْوِ (بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ) لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ.
(وَ) سِوَى (كَثْرَةِ سَهْوٍ أَيْ شَكٌّ حَتَّى يَصِيرَ كَوَسْوَاسٍ، فَيَطْرَحهُ وَكَذَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْو مَا ذُكِرَ كَالتَّيَمُّمِ لِأَنَّ الْوَسْوَاسَ يَخْرُجُ بِهِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُكَابَرَةِ فَيُفْضِي إلَى زِيَادَةٍ فِي الصَّلَاةِ مَعَ تَيَقُّنِ إتْمَامِهَا فَوَجَبَ اطِّرَاحُهُ وَاللَّهْوُ عَنْهُ لِذَلِكَ (وَلَا) سُجُودَ لِلسَّهْوِ (فِي صَلَاةِ خَوْفٍ قَالَهُ فِي الْفَائِقِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِهَا، فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِي الْخَوْفِ قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ قُلْتُ فَيُعَايَا بِهَا لَكِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ وَتَأْتِي أَحْكَامُ سُجُودِ السَّهْوِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا لَمْ يَشْتَدَّ، فِي الْوَجْهِ الثَّانِي.

ثُمَّ أَخَذَ فِي بَيَانِ تَفْصِيلِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَحُكْمِهَا، وَبَدَأَ بِالزِّيَادَةِ ثُمَّ هِيَ إمَّا زِيَادَةُ أَفْعَالٍ أَوْ أَقْوَالٍ وَزِيَادَةُ الْأَفْعَالِ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَمَتَى زَادَ) الْمُصَلِّي فِعْلًا (مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ: قِيَامًا أَوْ قُعُودًا، أَوْ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ لِأَنَّهُ بِهَا يُخِلُّ بِنَظْمِ الصَّلَاةِ وَيُغَيِّرُ هَيْئَتَهَا فَلَمْ تَكُنْ صَلَاةً، وَلَا فَاعِلَهَا مُصَلِّيًا.
(وَ) إنْ زَادَ ذَلِكَ سَهْوًا وَلَوْ كَانَ الْجُلُوسُ الَّذِي زَادَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ (قَدْرَ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ) عَقِبَ رَكْعَةٍ بِأَنْ جَلَسَ عَقِبَهَا لِلتَّشَهُّدِ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَوْ لَمْ نَقُلْ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِجُلُوسِهِ إنَّمَا أَرَادَ التَّشَهُّدَ سَهْوًا (سَجَدَ) لَهُ وُجُوبًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فَإِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ سَهْوٌ فَتَدْخُلُ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ سَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَجَدَ بَلْ هِيَ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى فَشُرِعَ لَهَا السُّجُودُ، لِيَنْجَبِرَ النَّقْصُ.

(وَمَتَى ذَكَرَ) مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ عَادَ إلَى تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ لِإِلْغَاءِ الزِّيَادَةِ وَعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ لِيَجْلِسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَكَانَ مَوْضِعُ جُلُوسِهِ لِلْفَصْلِ أَوْ التَّشَهُّدِ ثُمَّ ذَكَرَ أَتَى بِذَلِكَ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَلَوْ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَبْلَ السُّجُودِ سَجَدَ لِذَلِكَ وَإِنْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ يَظُنُّهُ التَّشَهُّدَ وَطُولُهُ لَمْ يَجِبْ السُّجُودُ.

(وَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ (فَأَتَمَّ سَهْوًا فَفَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ) قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) اسْتِحْبَابًا لِأَنَّ عَمْدَهُ لَا يُبْطِلُهَا.

(وَيَأْتِي) فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ (وَإِنْ زَادَ رَكْعَةً) أَيْ قَامَ إلَى رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ، كَثَالِثَةٍ فِي صُبْحٍ أَوْ رَابِعَةٍ فِي مَغْرِبٍ أَوْ خَامِسَةٍ فِي ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ أَوْ عِشَاءٍ قَطَعَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ بِأَنْ يَجْلِسَ فِي الْحَالِ (مَتَى ذَكَرَ) بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجْلِسْ لَزَادَ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لَهَا (وَبَنَى عَلَى فِعْلِهِ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الزِّيَادَةِ لِعَدَمِ مَا يُلْغِيه.

(وَلَا يَتَشَهَّدُ، إنْ كَانَ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَجَدَ) لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ.

(وَلَا يَعْتَدُّ) أَيْ لَا يَحْتَسِبُ (بِهَا) أَيْ بِالرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ مِنْ صَلَاتِهِ مَسْبُوقٌ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهَا أَوْ قَبْلَهَا لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا يَعْتَدُّ بِهَا الْإِمَامُ وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ الْحَالَ مُتَابَعَتُهُ فِيهَا فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِلْمَأْمُومِ (وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْإِمَامِ الْقَائِمِ لِزَائِدَةٍ (فِيهَا مَنْ عَلِمَ أَنَّهَا زَائِدَةٌ) لِأَنَّهَا سَهْوٌ وَغَلَطٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَعَهُ فِيهَا مَسْبُوقٌ يَجْهَلُ أَنَّهَا زَائِدَةٌ أَنَّهُ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ

وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ثُمَّ مَتَى عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ أَنَّهَا زَائِدَةٌ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا لِمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا زَائِدَةٌ بَعْدَ السَّلَامِ وَكَانَ الْفَصْلُ قَرِيبًا، وَلَمْ يَأْتِ بِمُنَافٍ تَمَّمَ صَلَاتَهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِلَّا اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ السَّلَامِ فَكَتَرْكِ رَكْعَةٍ، عَلَى مَا يَأْتِي.

(وَإِنْ كَانَ) الَّذِي قَامَ إلَى زَائِدَةٍ (إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا، فَنَبَّهَهُ ثِقَتَانِ فَأَكْثَرُ - وَيَلْزَمُهُمْ تَنْبِيهُ الْإِمَامِ عَلَى مَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ) لِارْتِبَاطِ صَلَاتِهِمْ بِصَلَاتِهِ، بِحَيْثُ تَبْطُلُ بِبُطْلَانِهَا، وَظَاهِرُهُ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِينَ تَنْبِيهُهُ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَالْمُبْدِع وَغَيْرِهِمَا: وَيَلْزَمُهُمْ تَنْبِيهُهُ، فَلَمْ يُقَيِّدُوا بِالْإِمَامِ - (لَزِمَهُ الرُّجُوعُ) جَوَابُ الشَّرْطِ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ (سَوَاءٌ نَبَّهُوهُ لِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ وَلَوْ ظَنَّ خَطَأَهُمَا) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَذْكِيرِهِ (مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ فَيَعْمَلُ بِيَقِينِهِ) وَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِمَا كَالْحَاكِمِ لَا يَعْمَلُ بِالْبَيِّنَةِ إذَا عَلِمَ كَذِبَهَا (أَوْ يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْمُنَبِّهُونَ) لَهُ (فَيَسْقُطُ قَوْلُهُمْ) كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الْإِمَامُ (الرُّجُوعُ إلَى فِعْلِهِمْ) أَيْ الْمَأْمُومِينَ، كَقِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ (مِنْ غَيْرِ تَنْبِيهٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِالتَّنْبِيهِ.

(وَلَا) يَرْجِعُ (إلَى تَنْبِيهِ فَاسِقَيْنِ) لِعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِهِمَا (وَلَا إذَا نَبَّهَهُ وَاحِدٌ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرْجِع إلَى قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ (إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ صَوَابُهُ) فَيَعْمَلُ بِيَقِينِهِ لَا بِتَنْبِيهِهِ.

(وَالْمَرْأَةُ الْمُنَبِّهَةُ كَالرَّجُلِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي تَنْبِيهِ الْمَرْأَةِ فَائِدَةٌ، وَلَمَا كُرِهَ تَنْبِيهُهَا بِالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ وَفِي الْمُمَيِّزِ خِلَافٌ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.

(فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إمَامٌ إلَى قَوْلِ الثِّقَتَيْنِ) الْمُنَبِّهَيْنِ لَهُ (فَإِنْ كَانَ) عَدَمُ رُجُوعِهِ (عَمْدًا) (وَكَانَ) رُجُوعُهُ (لِجُبْرَانِ نَقْصٍ) بِأَنْ قَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، وَنُبِّهَ فَلَمْ يَرْجِعْ (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّهُ نَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ: فَمَضَى، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْنَعُ كَمَا صَنَعْتَ» وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَمْدًا، وَكَانَ لِغَيْرِ جُبْرَانِ نَقْصٍ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا (وَ) بَطَلَتْ (صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ) . لِتَعَمُّدِهِ إبْطَالَ صَلَاتِهِ (وَإِنْ كَانَ) عَدَمُ رُجُوعِ الْإِمَامِ إلَى قَوْلِ الثِّقَتَيْنِ لِغَيْرِ جُبْرَانِ نَقْصٍ (سَهْوًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ الْإِمَامِ لِتَرْكِهِ وَاجِبًا وَهُوَ الرُّجُوعُ إلَى

قَوْلِ الثِّقَتَيْنِ (وَ) بَطَلَتْ (صَلَاةُ مَنْ اتَّبَعَهُ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ (عَالِمًا) بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ ذَاكِرًا، لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ، كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِمَنْ يَعْلَمُ حَدَثَهُ وَ (لَا) تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ تَابَعُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَامِسَةِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أَوْ تَوَهَّمُوا النَّسْخَ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ (وَوَجَبَتْ مُفَارَقَتُهُ) أَيْ الْإِمَامَ الْقَائِمَ إلَى زَائِدَةٍ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ خَطَأَهُ (وَيُتِمُّ الْمُفَارِقُ صَلَاتَهُ) لِنَفْسِهِ لِلْعُذْرِ (وَظَاهِرُهُ هُنَا: وَلَوْ قُلْنَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ) فَتَكُونُ هَذِهِ كَالْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ كَلَامِهِمْ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِكَثْرَةِ السَّهْوِ.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى، تَبَعًا لِلشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ أَبَاهُ إمَامٌ قَامَ لِزَائِدَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، كَمُتْبِعِهِ عَالِمًا ذَاكِرًا (وَيَرْجِعُ طَائِفٌ) فِي عَدَدِ الْأَشْوَاطِ (إلَى قَوْلِ اثْنَيْنِ نَصًّا) قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ لَوْ اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا طُفْنَا سَبْعًا، وَقَالَ الْآخَرُ سِتًّا فَقَالَ: لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَقَالَ اثْنَانِ طُفْنَا سَبْعًا وَقَالَ الْآخَرُ طُفْنَا سِتًّا قُبِلَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبِلَ قَوْلَ الْقَوْمِ يَعْنِي فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَمِنْهُ أَخَذَ الْأَصْحَابُ وُجُوبَ الرُّجُوعِ إلَى تَنْبِيهِ الثِّقَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا مُشَارَكَةَ فِيهِ.

(وَلَوْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا نَهَارًا، فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا، فَالْأَفْضَلُ إتْمَامُهَا أَرْبَعًا وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِإِبَاحَةِ التَّطَوُّعِ بِأَرْبَعٍ نَهَارًا (وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيَسْجُدَ) لِلسَّهْوِ (وَرُجُوعُهُ) إذَا نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا (لَيْلًا) وَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا (أَفْضَلُ) مِنْ إتْمَامِهَا أَرْبَعًا لِأَنَّ إتْمَامَهَا مُبْطِلٌ لَهَا كَمَا يَأْتِي وَعَدَمُ إبْطَالِ النَّفْلِ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ (وَيَسْجُدُ) لِلسَّهْوِ (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ) مَنْ نَوَى اثْنَيْنِ لَيْلًا وَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا (بَطَلَتْ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْنِ أَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَلَيْلًا، فَكَقِيَامِهِ إلَى ثَالِثَةٍ بِفَجْرٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ فَإِنْ قِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى ثِنْتَيْنِ لَيْلًا مَكْرُوهَةٌ فَقَطْ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا؟ قُلْتُ هَذَا إذَا نَوَاهُ ابْتِدَاءً وَأَمَّا هُنَا فَلَمْ يَنْوِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَمُجَاوَزَتُهُ زِيَادَةٌ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ نَوَى عَدَدًا نَفْلًا، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ وَإِلَّا كَانَ مُبْطِلًا لَهُ.

ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ زِيَادَةِ الْأَفْعَالِ بِقَوْلِهِ: (وَعَمَلٌ مُتَوَالٍ مُسْتَكْثِرٌ فِي الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَمَشْيٍ، وَفَتْحِ بَابٍ وَنَحْوِهِ) كَلَفِّ عِمَامَةٍ وَخِيَاطَةٍ وَكِتَابَةٍ

(يُبْطِلهَا) أَيْ الصَّلَاةُ (عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَجَهْلُهُ) لِقَطْعِهِ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْأَرْكَانِ (إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةً) كَخَوْفٍ وَهَرَبٍ مِنْ عَدْوٍ أَوْ سَيْلٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.

(وَلَا يُبْطِلُ) الصَّلَاةَ عَمَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ (يَسِيرٌ) عَادَةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فَتْحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَابَ لِعَائِشَةَ وَحَمْلِهِ أُمَامَةَ وَوَضْعِهَا، وَكَذَا لَوْ كَثُرَ الْعَمَلُ وَتَفَرَّقَ (وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ) وَلَوْ فَعَلَهُ سَهْوًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ السُّجُودَ لَهُ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا وَرَدَ السُّجُودُ لَهُ، لِمُفَارَقَتِهِ إيَّاهُ (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا (لِحَاجَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(وَيُكْرَهُ) الْعَمَلُ الْيَسِيرُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا (لِغَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ.

(وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) فِي صَلَاةٍ (عَمْدًا فَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ (فِي فَرْضٍ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (قَلَّ) الْأَكْلُ أَوْ الشُّرْبُ (أَوْ كَثُرَ) لِأَنَّهُ يُنَافِي الصَّلَاةَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ إجْمَاعُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ فِي الْفَرْضِ، إلَّا مَا حَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا: أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِيَسِيرِ شُرْبٍ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.

(وَ) إنْ كَانَ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ (فِي) صَلَاةِ (نَفْلٍ) فَإِنَّهُ (يُبْطِلُ كَثِيرُهُ عُرْفًا) لِقَطْعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْأَرْكَانِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْيَسِيرِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَلَا يُبْطِلُ النَّفَلُ كَغَيْرِهِمَا.
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ وَعَنْهُ أَنَّ النَّفَلَ كَالْفَرْضِ قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِأَنَّ مَا أَبْطَلَ الْفَرْضَ أَبْطَلَ النَّفَلَ، كَسَائِرِ الْمُبْطِلَاتِ وَعَنْهُ لَا يَبْطُلُ بِيَسِيرِ الشُّرْبِ فَقَطْ.
وَهِيَ مَفْهُومُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَالْمُصَنِّفُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُقْنِعِ وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ بِالْأَكْلِ اهـ أَيْ يَبْطُلُ النَّفَلُ بِيَسِيرِ الْأَكْلِ عَمْدًا، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ النَّفَلُ بِيَسِيرِ الشُّرْبِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ شَرِبَا فِي التَّطَوُّعِ، قَالَ الْخَلَّالُ سَهَّلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ.
وَفِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَذَلِكَ لِأَنَّ كَثْرَةَ النَّفْلِ وَإِطَالَتَهُ مُسْتَحَبَّةٌ مَطْلُوبَةٌ فَتَحْتَاجُ مَعَهُ كَثِيرًا إلَى أَخْذِ جَرْعَةِ مَاءٍ لِدَفْعِ الْعَطَشِ، كَمَا سُومِحَ بِهِ جَالِسًا وَعَلَى الرَّاحِلَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْأَكْلُ أَوْ الشُّرْبُ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) وَلَمْ يُذَكِّرْهُ جَمَاعَةٌ (لَمْ يُبْطِلْ يَسِيرُهُ فَرْضًا كَانَ) مَا حَصَلَ ذَلِكَ فِيهِ (أَوْ نَفْلًا) لِأَنَّ تَرْكَهُمَا عِمَادُ الصَّوْمِ وَرُكْنُهُ الْأَصْلِيُّ فَإِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ حَالَةَ السَّهْوِ فَالصَّلَاةُ أَوْلَى وَكَالسَّلَامِ وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» قَالَ فِي الْكَافِي: فَعَلَى هَذَا يَسْجُدُ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ تَعَمُّدُهُ وَعُفِيَ عَنْ سَهْوِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ، كَجِنْسِ الصَّلَاةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ.

(وَلَا بَأْسَ بِبَلْعِ مَا بَقِيَ فِي فِيهِ) مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ (أَوْ) بَقِيَ (بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ بِلَا مَضْغٍ مِمَّا يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ وَهُوَ الْيَسِيرُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى أَكْلًا (وَمَا لَا يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ بَلْ يَجْرِي بِنَفْسِهِ وَهُوَ مَا لَهُ جِرْمٌ تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ بِبَلْعِهِ هَذَا مَفْهُومُ مَا فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ، وَصَرِيحِ كَلَامِ الْمَجْدِ، حَيْثُ قَالَ وَكَذَلِكَ إذَا اقْتَلَعَ مِنْ بَيْنَ أَسْنَانِهِ (مَا لَهُ جِرْمٌ) وَابْتَلَعَهُ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ عِنْدَنَا وَعَلَّلَهُ بِعَدَمِ مَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَلَا يَبْلَعُ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ بِلَا مَضْغٍ وَلَوْ لَمْ يَجْرِ بِهِ رِيقٌ نَصًّا وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ الْعَسْكَرِيُّ فِي قِطْعَتِهِ وَتَبِعَ الْعَسْكَرِيَّ تِلْمِيذُهُ الشُّوَيْكِيُّ فِي التَّوْضِيحِ وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى (وَبَلَعَ مَا ذَابَ بِفِيهِ مِنْ سُكَّرٍ وَنَحْوِهِ) كَحَلْوَى وشيرخشك وترنجبيل (كَأَكْلٍ) وَكَمَا لَوْ فَتَحَ فَاهُ فَنَزَلَ فِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ فَابْتَلَعَهُ.

ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى زِيَادَةِ الْأَقْوَالِ، وَهِيَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ كَالسَّلَامِ وَكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ وَيَأْتِي: وَالثَّانِي: مَا لَا يُبْطِلُهَا مُطْلَقًا وَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ غَيْرِ سَلَامٍ وَلَوْ) كَانَ إتْيَانُهُ بِالْقَوْلِ الْمَشْرُوعِ غَيْرِ السَّلَامِ (عَمْدًا كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَ) فِي (الْقُعُودِ، وَ) كَ (التَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَة السُّورَةِ فِي) الرَّكْعَتَيْنِ (الْأُخْرَيَيْنِ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْو مَا ذُكِرَ كَالْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ (لَمْ تَبْطُلْ) الصَّلَاةُ بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ (وَيُشْرَعُ) أَيْ يُسَنُّ (السُّجُودِ لِسَهْوِهِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ فِيهَا كَقَوْلِ: آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَفِي التَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا: أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْح وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالسُّجُودِ» .

(وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ عَمْدًا أَبْطَلَهَا) لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهَا وَالْبَاقِي مِنْهَا إمَّا رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَكِلَاهُمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ تَعَمُّدًا.

(وَإِنْ كَانَ) السَّلَامُ قَبْلَ إتْمَامِهَا (سَهْوًا) لَمْ تَبْطُلْ بِهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَلِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِيهَا أَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا (ثُمَّ) إنْ (ذَكَرَ قَرِيبًا عُرْفًا أَتَمَّهَا) أَيْ الصَّلَاةُ (وَسَجَدَ) لِلسَّهْوِ.

(وَلَوْ) انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ (خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) لِمَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ لَكِنْ نَسِيتَ أَنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِد فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنِ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجْتِ السَّرَعَانُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا قَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدِهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسَيْتَ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ، فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ، فَيَقُولُ: أُنْبِئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.

(فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ) مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا (حَتَّى قَامَ) مِنْ مُصَلَّاهُ (فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ لِيَنْهَضَ إلَى الْإِتْيَانِ بِمَا بَقِيَ) مِنْ صَلَاتِهِ (عَنْ جُلُوسٍ مَعَ النِّيَّةِ) لِأَنَّ هَذَا الْقِيَامَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ لَهَا.

(وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ) مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ (حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةِ غَيْرِهَا قَطَعَهَا) مَعَ قُرْبِ الْفَصْلِ وَعَادَ إلَى الْأُولَى فَأَتَمَّهَا لِتَحْصُلَ لَهُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَرْكَانِهَا ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ.
وَفِي الْفُصُولِ: فِيمَا إذَا كَانَتَا صَلَاتَيْ جَمْعٍ أَتَمَّهُمَا ثُمَّ سَجَدَ عَقِبَهُمَا لِلسَّهْوِ عَنْ الْأُولَى لِأَنَّهُمَا كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوع.

(وَإِنْ كَانَ سَلَامُهُ) قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ (ظَنًّا أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ انْقَضَتْ فَكَذَلِكَ) ، أَيْ يَعُودُ فَيُتِمُّهَا إذَا ذَكَرَ قَرِيبًا عُرْفًا لِمَا تَقَدَّمَ (لَا إنْ سَلَّمَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ) كَظُهْرٍ (يَظُنُّهَا جُمُعَةً أَوْ فَجْرًا فَائِتَةً أَوْ التَّرَاوِيحَ) فَيَبْطُلُ فَرْضُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ اسْتِصْحَابَ حُكْمِ النِّيَّةِ وَهُوَ وَاجِبٌ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي) بَابِ (النِّيَّةِ) (فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ) عُرْفًا بَطَلَتْ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فَلَمْ يَجُزْ بِنَاءُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ لِتَعَذُّرِ الْبِنَاءِ مَعَهُ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَالْمُقَارَبَةِ كَمَثَلِ حَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ إذْ لَمْ يَرِدْ بِتَحْدِيدِهِ نَصٌّ.

(أَوْ أَحْدَثَ) بَطَلَتْ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الطَّهَارَةِ شَرْطٌ وَقَدْ فَاتَ (أَوْ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا) أَيْ الصَّلَاةُ (كَقَوْلِهِ: يَا غُلَامُ اسْقِنِي وَنَحْوِهِ، بَطَلَتْ) لِمَا رَوَى مُعَاوِيَةُ عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ مَكَانٌ لَا يَصْلُحُ لَا يَحِلُّ.

(وَإِنْ تَكَلَّمَ) مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ سَهْوًا (يَسِيرًا) عُرْفًا (لِمَصْلَحَتِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ `

قَالَ الْمُوَفَّقُ: إنَّهُ الْأَوْلَى وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَذَا الْيَدَيْنِ تَكَلَّمُوا وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، فَعَلَى هَذَا: إنْ أَمْكَنَهُ اسْتِصْلَاحُ الصَّلَاةِ بِإِشَارَةٍ وَنَحْوِهَا فَتَكَلَّمَ فَذَكَرَ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَعَنْهُ إنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ وَإِلَّا بَطَلَتْ قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ.
وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي حَالِ السَّهْوِ، فَيَخْتَصُّ بِهِ، وَيَبْقَى غَيْرُهُ عَلَى الْأَصْلِ (وَ) قَالَ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ الْمِرْدَاوِيُّ، الْمَعْرُوفُ (بِالْمُنَقِّحِ: بَلَى) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ يَسِيرًا لِمَصْلَحَتِهَا قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهِيَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَالْقَاضِي وَأَبُو الْحُسَيْنِ قَالَ الْمَجْدُ: وَهِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْفَائِقِ وَأَجَابَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ بِأَنَّهَا كَانَتْ حَالَ إبَاحَةِ الْكَلَامِ وَضَعَّفَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ حُرِّمَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ أَوْ بَعْدَهَا بِيَسِيرٍ، عِنْدَ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ (كَكَلَامِهِ فِي صُلْبِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، فَتَبْطُلُ بِهِ (وَلَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عَمْدًا، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ نَادِرٌ (لَا إنْ تَكَلَّمَ مَغْلُوبًا عَلَى الْكَلَامِ) بِأَنْ خَرَجَتْ الْحُرُوفُ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (مِثْلُ أَنْ سَلَّمَ سَهْوًا) فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ وَتَقَدَّمَ.

(أَوْ نَامَ فَتَكَلَّمَ) لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ وَلِعَدَمِ صِحَّةِ إقْرَارِهِ وَعِتْقِهِ وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ الْجَوَابِ عَنْهُ.

(أَوْ سَبَقَ عَلَى لِسَانِهِ حَالَ قِرَاءَتِهِ كَلِمَةٌ لَا مِنْ الْقُرْآنِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.

(أَوْ غَلَبَهُ سُعَالٌ أَوْ عُطَاسٌ أَوْ تَثَاؤُبٌ فَبَانَ حَرْفَانِ) فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، لِمَا مَرَّ.

(وَإِنْ قَهْقَهَ) فِي الصَّلَاةِ (بَطَلَتْ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا (وَلَوْ لَمْ يَبِنْ حَرْفَانِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ وَلِأَنَّهُ تَعَمَّدَ فِيهَا مَا يُنَافِيهَا أَشْبَهَ خِطَابَ الْآدَمِيِّ.

(وَلَا) تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (إنْ تَبَسَّمَ) فِيهَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.

(وَإِنْ نَفَخَ) فَبَانَ حَرْفَانِ فَكَكَلَامٍ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ نَفَخَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ عَنْهُمَا وَمَا رُوِيَ مِنْ عَدَمِ الْإِبْطَالِ بِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْتَظِمْ مِنْهُ حَرْفَانِ.

(أَوْ انْتَحَبَ) أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ (لَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)

فَبَانَ حَرْفَانِ فَكَكَلَامٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا غَلَبَ صَاحِبَهُ وَمَا لَمْ يَغْلِبْهُ لَكِنْ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ: إنَّهُ إذَا غَلَبَ صَاحِبَهُ لَمْ يَضُرَّهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي وُسْعِهِ وَلَمْ يَحْكِيَا فِيهِ خِلَافًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.

(أَوْ تَنَحْنَحَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَبَانَ حَرْفَانِ فَكَكَلَامٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَبَانَهَا كَانَ مُتَكَلِّمًا أَشْبَهَ مَا لَوْ تَأَوَّهَ لِغَيْرِ خَشْيَةِ اللَّهِ: فَبَانَ حَرْفَانِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إنْ تَنَحْنَحَ لِحَاجَةٍ لَمْ تَبْطُلْ وَلَوْ بَانَ حَرْفَانِ نَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ وَمُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ، وَيُعَضِّدُهُ: مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ «كَانَ لِي مَدْخَلَانِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي يَتَنَحْنَحُ لِي» وَلِلنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ وَلِأَنَّهَا صَوْتٌ لَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ وَلَا مَعَ لَفْظٍ غَيْرِهِ عَلَى مَعْنَى لِكَوْنِهَا حُرُوفًا غَيْرَ مُحَقَّقَةٍ كَصَوْتٍ أُغْفِلَ وَلَا يُسَمَّى فَاعِلُهَا مُتَكَلِّمًا بِخِلَافِ النَّفْخِ وَالتَّأَوُّهِ.
تَنْبِيهٌ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى وَمَنْ وَافَقَهُمَا: كَالْجَمْعِ بَيْنَ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ فَإِنَّ الْإِمَامَ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْأَصْحَابُ جَعَلُوا النَّحْنَحَةَ كَالنَّفْخِ وَالْقَهْقَهَةِ، وَحَمَلُوا مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِحَرْفَيْنِ وَرَدَّهُ الْمُوَفَّقُ بِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ،؛ لِأَنَّ الْحَاجَة تَدْعُو إلَيْهَا (وَيُكْرَهُ اسْتِدْعَاءُ الْبُكَاءِ كَ) مَا يُكْرَهُ اسْتِدْعَاءُ (الضَّحِكِ) لِئَلَّا يَظْهَرُ حَرْفَانِ فَتَبْطُلَ صَلَاتُهُ (وَيَأْتِي إذَا لَحَنَ فِي الصَّلَاةِ فِي) بَابِ (صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) مُفَصَّلًا تَتِمَّةٌ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُبْطِلَ لِلصَّلَاةِ: مَا انْتَظَمَ حَرْفَيْنِ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ يَكُونَانِ كَلِمَةً، كَأَبٍ وَأَخٍ وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ وَالْحُرُوفُ لَا تَنْتَظِمُ كَلِمَةً مِنْ أَقَلِّ مِنْ الْحَرْفَيْنِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ نَحْوُ: (قِ) وَ (عِ) .

[فَصْل فِي السُّجُودِ عَنْ نَقْصٍ فِي صَلَاتِهِ]

ِ (مَنْ نَسِيَ رُكْنًا غَيْرَ التَّحْرِيمَةِ) أَيْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (لِعَدَمِ انْعِقَادِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهَا) وَكَذَا النِّيَّةُ عَلَى الْقَوْلِ بِرُكْنِيَّتِهَا (فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعهِ فِي قِرَاءَةِ) الرَّكْعَةِ (الَّتِي بَعْدَهَا) أَيْ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا الرُّكْنُ

(بَطَلَتْ) الرَّكْعَةُ (الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا فَقَطْ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِدْرَاكَهُ لِتَلَبُّسِهِ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَلَغَتْ رَكْعَتُهُ وَصَارَتْ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا عِوَضًا عَنْهَا وَلَا يُعِيدُ الِاسْتِفْتَاحُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فَإِنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ الْأُولَى صَارَتْ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا عِوَضًا؛ الثَّانِيَةُ أَوَّلَتُهُ، وَالثَّالِثَةُ ثَانِيَتُهُ وَالرَّابِعَةُ ثَالِثَتُهُ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ مَا مَضَى مِنْ الرَّكَعَاتِ قَبْلَ الْمَتْرُوكِ رُكْنُهَا وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: بَلَى وَبَعْدَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ.

(فَإِنْ رَجَعَ) إلَى مَا تَرَكَهُ (عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا وَإِنْ رَجَعَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لَكِنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِهَا بِفِعْلِهِ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا فَسَدَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهَا فَلَمْ تَعُدْ إلَى الصِّحَّةِ بِحَالٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.

(وَإِنْ ذَكَرَهُ) أَيْ الرُّكْنَ الْمَنْسِيَّ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا (عَادَ لُزُومًا فَأَتَى بِهِ) أَيْ بِالْمَتْرُوكِ نَصَّ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْقِيَامِ غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ قَدْرُ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ وَلِأَنَّهُ أَيْضًا ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَذَكَرَهَا قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي الْحَالِ (وَ) أَتَى (بِمَا بَعْدَهُ نَصًّا) مِنْ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ (فَلَوْ ذَكَرَ الرُّكُوعَ وَقَدْ جَلَسَ أَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ سَجَدَ سَجْدَةً ثُمَّ قَامَ) قَبْلَ سُجُودِهِ الثَّانِيَةَ نَاسِيًا (فَإِنْ كَانَ جَلَسَ لِلْفَصْلِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (سَجَدَ الثَّانِيَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ) لِلْفَصْلِ، لِحُصُولِهِ فِي مَحَلِّهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ (جَلَسَ) لَهُ (ثُمَّ سَجَدَ) الثَّانِيَةَ تَدَارُكًا لِمَا فَاتَهُ (وَإِنْ كَانَ جَلَسَ) بَعْدَ السَّجْدَةِ الْأُولَى (لِلِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ) جُلُوسُهُ عَنْ جَلْسَتِهِ (لِلْفَصْلِ، كَنِيَّتِهِ بِجُلُوسِهِ نَفْلًا) فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ جَلْسَةِ الْفَصْلِ لِوُجُوبِهَا.

(فَإِنْ لَمْ يَعُدْ) إلَى الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ مَنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الْأُخْرَى (عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَمْدًا (وَ) إنْ لَمْ يَعُدْ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَمَّدٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَضَى قَبْلَ ذِكْرِ الْمَتْرُوكِ، حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ.

(فَإِنْ عَلِمَ) بِالْمَتْرُوكِ (بَعْدَ السَّلَامِ فَهُوَ كَتَرْكِهِ رَكْعَةً كَامِلَةً) ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الَّتِي لَغَتْ بِتَرْكِهِ رُكْنَهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، فَإِذَا سَلَّمَ قَبْلَ ذِكْرِهَا فَقَدْ سَلَّمَ مِنْ نَقْصٍ (يَأْتِي بِهَا) أَيْ بِالرَّكْعَةِ (مَعَ قُرْبِ الْفَصْلِ عُرْفًا كَمَا تَقَدَّمَ) وَلَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ نَصَّ عَلَيْهِ وَيَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ نَقَلَهُ حَرْبٌ بِخِلَافِ تَرْكِ الرَّكْعَةِ بِتَمَامِهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ أَحْدَثَ بَطَلَتْ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ فِي يَوْمٍ آخَرَ.

(فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ تَشَهُّدًا أَخِيرًا) أَتَى بِهِ وَسَجَدَ وَسَلَّمَ (أَوْ) كَانَ الْمَتْرُوكُ (سَلَامًا أَتَى بِهِ وَسَجَدَ)

لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ وَظَاهِرُهُ أَوْ صَرِيحُهُ: أَنَّ السُّجُودَ هُنَا بَعْدَ السَّلَامِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْآتِي اسْتِثْنَاؤُهُمَا.

(وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ) مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةٍ (وَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ فِي الْحَالِ سَجْدَةً فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ ثُمَّ أَتَى بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَبَقِيَتْ الرَّابِعَةُ نَاقِصَةٌ فَيُتِمُّهَا بِسَجْدَةٍ فَتَصِحُّ وَتَصِيرُ أُولَاهُ وَيَأْتِي بِالثَّلَاثِ الْبَاقِيَةِ.

(وَإِنْ ذَكَرَ) أَنَّهُ تَرَكَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ (بَعْدَ سَلَامِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ بَطَلَتْ أَيْضًا بِسَلَامِهِ فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ شَيْءٌ مِنْ صَلَاتِهِ يَبْنِي عَلَيْهِ (وَإِنْ ذَكَرَ) ذَلِكَ (وَقَدْ قَرَأَ فِي الْخَامِسَةِ فَهِيَ أُولَاهُ) ؛ لِأَنَّ الْأُولَى بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، وَالثَّانِيَةُ بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّالِثَةُ بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الرَّابِعَةِ وَالرَّابِعَةُ بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الْخَامِسَةِ فَيَبْنِي عَلَيْهَا.

(وَتَشَهُّدُهُ قَبْلَ سَجْدَتَيْ) الرَّكْعَةِ (الْأَخِيرَةِ زِيَادَةٌ فَعَلَيْهِ) يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهَا وَيُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهَا،؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْجُلُوسِ.

(وَ) تَشَهُّدُهُ (قَبْلَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةٌ قَوْلِيَّةٌ) يُسَنُّ السُّجُودُ لَهَا سَهْوًا، وَلَا يُبْطِلُ عَمْدُهَا الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ وَالْجُلُوسُ لَهُ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَهُوَ مَحَلُّ جُلُوسٍ.

وَإِنْ نَسِيَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا مِنْ رَكْعَتَيْنِ جَهِلَهُمَا أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ وَثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا مِنْ ثَلَاثٍ جَهِلَهَا أَتَى بِثَلَاثٍ وَخَمْسًا مِنْ أَرْبَعٍ أَوْ ثَلَاثٍ أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَوْ بِرَكْعَتَيْنِ وَمِنْ الْأُولَى سَجْدَةً وَمِنْ الثَّانِيَةِ سَجْدَتَيْنِ، وَمِنْ الرَّابِعَةِ سَجْدَةً أَتَى بِسَجْدَةٍ ثُمَّ بِرَكْعَتَيْنِ.

(وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَحْدَهُ) بِأَنْ جَلَسَ لَهُ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ أَوْ نَسِيَهُ (مَعَ الْجُلُوسِ لَهُ وَنَهَضَ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ وَالْإِتْيَانُ بِهِ) أَيْ بِمَا تَرَكَهُ مِنْ التَّشَهُّدِ جَالِسًا (مَا لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، فَلْيَجْلِسْ وَإِذَا اسْتَتَمَّ فَلَا يَجْلِسْ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ، وَذَكَرَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ رُكْبَتَاهُ الْأَرْضَ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ، وَلَوْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ.

(وَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَتُهُ) أَيْ الْإِمَامِ إذَا رَجَعَ إلَى التَّشَهُّدِ (وَلَوْ بَعْدَ قِيَامِهِمَا وَشُرُوعِهِمَا فِي الْقِرَاءَةِ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» وَالِاعْتِبَارُ بِقِيَامِهِمْ قَبْلَهُ.

(وَإِنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا وَلَمْ يَقْرَأْ) أَيْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ

(فَعَدَمُ رُجُوعِهِ أَوْلَى) مِنْ رُجُوعِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَإِنَّمَا جَازَ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَبِسْ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ وَلِهَذَا جَازَ تَرْكُهُ، عِنْد الْعَجْزِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ (وَيُتَابِعُهُ) أَيْ الْإِمَامَ إذَا قَامَ سَهْوًا عَنْ التَّشَهُّدِ (الْمَأْمُومُ) وَيَسْقُطُ عَنْهُ التَّشَهُّدُ فِي الْجُلُوسِ إذَنْ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ عَلِمَ) الْمَأْمُومُ (تَرْكَهُ) أَيْ تَرْكَ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ (قَبْلَ قِيَامِهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ أَوْ الْإِمَامِ (وَلَا يَتَشَهَّدُ) الْمَأْمُومُ بَعْدَ قِيَامِ إمَامِهِ سَهْوًا لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» .

(وَإِنْ رَجَعَ) الْإِمَامُ بَعْدَ أَنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا وَلَمْ يَقْرَأْ إلَى التَّشَهُّدِ (جَازَ) أَيْ لَمْ يَحْرُمْ (وَكُرِهَ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ الْمُضِيَّ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَصَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ.

(وَإِنْ قَرَأَ) ثُمَّ ذَكَرَ التَّشَهُّدَ (لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ) إلَى التَّشَهُّدِ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الرُّكُوعِ وَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامُ إذَا رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا وَمَنْ عَلِمَ بِتَحْرِيمِهِ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ نَهَضَ، وَلَمْ يُتِمَّ الْجُلُوسَ وَكَذَا حَالُ الْمَأْمُومِينَ إنْ تَبِعُوهُ وَإِنْ سَبَّحُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ، فَلَمْ يَرْجِعْ تَشَهَّدُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَتَبِعُوهُ وَقِيلَ: بَلْ يُفَارِقُونَهُ، وَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ (وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلِّهِ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (وَكَذَا حُكْمُ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَكُلُّ وَاجِبٍ تَرَكَهُ سَهْوًا ثُمَّ ذَكَرَهُ فَيَرْجِعُ إلَى تَسْبِيحِ رُكُوعٍ قَبْلَ اعْتِدَالٍ لَا بَعْدَهُ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي قِيَاسًا عَلَى الْقِيَامِ مِنْ تَرْكِ التَّشَهُّدِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَيْسَ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ وَاجِبٌ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي غَيْرِهَا كَالتَّسْبِيحِ انْتَهَى، وَحَيْثُ جَازَ رُجُوعُهُ فَعَادَ إلَى الرُّكُوعِ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الرَّكْعَةَ بِهِ.

(وَإِنْ تَرَكَ رُكْنًا) كَالرُّكُوعِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فِيهِ (لَا يَعْلَمُ مَوْضِعُهُ) بِأَنْ جَهِلَ أَهْوَ مِنْ الْأُولَى أَوْ مِنْ غَيْرِهَا؟ (بَنَى عَلَى الْأَحْوَطِ) لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ.

(فَلَوْ ذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً لَا يَعْلَمُ) أَهِيَ (مِنْ الْأُولَى أَمْ مِنْ الثَّانِيَةِ؟ جَعَلَهَا مِنْ) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى وَأَتَى بِرَكْعَةٍ) بَدَلَهَا.

(وَإِنْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ لَا يَعْلَمُ) أَهُمَا (مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ) مِنْ (رَكْعَتَيْنِ؟) جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ احْتِيَاطًا فَإِنْ ذَكَرَهُمَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ (سَجَدَ سَجْدَةً، وَحَصَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ) ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْعِبَادَةِ بِيَقِينٍ (وَإِنْ ذَكَرَهُ) أَيْ الْمَتْرُوكَ، وَهُوَ سَجْدَتَانِ لَا يَعْلَمُ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ مِنْ رَكْعَتَيْنِ (بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الثَّالِثَةِ لَغَتْ الْأُولَتَانِ) ؛ لِأَنَّ الْأَحْوَطَ كَوْنُهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ كَمَا

تَقَدَّمَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا تَبْطُلُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.

(وَإِنْ تَرَكَ سَجْدَةً لَا يَعْلَمُ مِنْ أَيِّ رَكْعَةٍ أَتَى بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ) لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ.

(وَلَوْ جَهِلَ عَيْنَ الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ) بِأَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا وَجَهِلَ عَيْنَهُ بَنَى (عَلَى الْأَحْوَطِ أَيْضًا فَإِنْ شَكَّ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ) أَيْ شَكَّ هَلْ الْمَتْرُوكُ قِرَاءَةٌ أَوْ رُكُوعٌ (جَعَلَهُ قِرَاءَةً) فَيَأْتِي بِهَا، ثُمَّ بِالرُّكُوعِ لِلتَّرْتِيبِ.

(وَإِنْ شَكَّ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ جَعَلَهُ رُكُوعًا) فَيَأْتِي بِهِ ثُمَّ بِالسُّجُودِ.

(فَإِنْ تَرَكَ آيَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ مِنْ الْفَاتِحَةِ جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَةٍ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَوَالِيَهُمَا جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ) احْتِيَاطًا، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا فَيَكُونُ مُغَرِّرًا بِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا غِرَارَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تَسْلِيمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ الْأَثْرَمُ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ تَفْسِيرِهِ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَرَاهُ يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا عَلَى يَقِينٍ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ.

[فَصْل مَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ]

فَصْل الْقَسْم الثَّالِث مِمَّا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ الشَّكُّ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ وَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (مَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَلَوْ) كَانَ الشَّاكُّ (إمَامًا) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَكَطَهَارَةٍ وَطَوَافٍ ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ وَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ وَسَوَاءٌ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ لَا قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ.
(وَعَنْهُ يَبْنِي إمَامٌ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) وَالْمُنْفَرِدُ عَلَى الْيَقِينِ ذَكَرَ فِي الْمُقْنِعِ أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ الْكَافِي وَالْوَجِيزِ وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَأَنَّهُ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ مَنْ يُنَبِّهُهُ وَيُذَكِّرُهُ إذَا أَخْطَأَ الصَّوَابَ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ.

(إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَأْمُومُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (بَنَى الْإِمَامُ عَلَى الْيَقِينِ) كَالْمُنْفَرِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِدَلِيلِ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ لَا يَرْجِعُ إلَى فِعْلِ إمَامِهِ (اخْتَارَهُ) أَيْ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ (جَمْعٌ) مِنْهُمْ مَنْ سَبَقَ بَيَانُهُ (وَيَأْخُذُ مَأْمُومٌ عِنْدَ شَكِّهِ بِفِعْلِ إمَامهِ، إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ) ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ خَطَأُ اثْنَيْنِ وَإِصَابَةُ وَاحِدٍ

قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَتْبَعُ إمَامَهُ مَعَ عَدَمِ الْجَزْمِ بِخَطَئِهِ وَإِنْ جَزَمَ بِخَطَئِهِ لَمْ يَتْبَعْهُ وَلَمْ يُسَلِّمْ قَبْلَهُ وَالْمَأْمُومُ (فِي فِعْلِ نَفْسِهِ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(فَلَوْ شَكَّ) الْمَأْمُومُ (هَلْ دَخَلَ مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) أَوْ (الثَّانِيَةِ؟ جَعَلَهُ) أَيْ الدُّخُولَ مَعَهُ (فِي الثَّانِيَةِ) فَيَقْضِي رَكْعَةً إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ احْتِيَاطًا.

(وَلَوْ أَدْرَكَ) الْمَأْمُومُ (الْإِمَامَ رَاكِعًا ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ) لِلْإِحْرَامِ (هَلْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ رَاكِعًا؟ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ) لِاحْتِمَالِ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ قَبْلَ إدْرَاكِهِ فِيهِ (وَحَيْثُ بَنَى) الْمُصَلِّي (عَلَى الْيَقِينِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ) مِنْ صَلَاتِهِ، لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَتِهِ (فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا أَتَى بِهِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ) كَالْمَسْبُوقِ وَلَا يُفَارِقُهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) لِيَجْبُرَ مَا فَعَلَهُ مَعَ الشَّكِّ فَإِنَّهُ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى.

(وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا) وَشَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَنَحْوِهِ (لَمْ يُقَلِّدْ إمَامَهُ) لِاحْتِمَالِ السَّهْوِ مِنْهُ (كَمَا لَمْ يَرْجِعْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ) وَحْدَهُ (وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ) لِمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ سَلَّمَ إمَامُهُ أَتَى بِمَا شَكَّ فِيهِ (وَلَا أَثَرَ لِشَكِّهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (بَعْدَ صَلَاتِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ لَوْ شَكَّ فِيهَا بَعْدَ فَرَاغِهَا) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ.

(وَمَنْ شَكَّ) قَبْلَ السَّلَامِ (فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَهُوَ كَتَرْكِهِ) وَيَعْمَلُ بِالْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.

(وَلَا يَسْجُدُ لِشَكِّهِ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِهِ فَلَا يَسْجُدُ بِالشَّكِّ (وَلَا) يَسْجُدُ (بِشَكِّهِ: هَلْ سَهَا) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (أَوْ) شَكُّهُ (فِي زِيَادَةٍ) بِأَنْ شَكَّ فِي التَّشَهُّدِ، هَلْ زَادَ شَيْئًا (أَوْ) لَا لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ (إلَّا إذَا شَكَّ فِيهَا وَقْتَ فِعْلِهَا) بِأَنْ شَكَّ فِي الْأَخِيرَةِ: هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ أَوْ لَا؟ أَوْ وَهُوَ سَاجِدٌ: هَلْ سُجُودُهُ زَائِدٌ أَوْ لَا؟ فَيَسْجُدُ لِذَلِكَ جَبْرًا لِلنَّقْصِ الْحَاصِلِ فِيهِ بِالشَّكِّ (وَلَا) يَسْجُدُ (لِشَكِّهِ إذَا زَالَ) شَكُّهُ (وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيمَا فَعَلَهُ) إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِزَوَالِ مُوجِبِ السُّجُودِ.

(وَلَوْ شَكَّ) مَنْ سَهَا (هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ أَمْ لَا سَجَدَ) لِلسَّهْوِ، وَكَفَاهُ سَجْدَتَانِ (وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ أَتَى بِمَا مَحَلّ سُجُودِهِ بَعْدَ السَّلَامِ (إلَّا أَنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ فَيَسْجُدُ) الْمَأْمُومُ (مَعَهُ) سَوَاءٌ سَهَا الْمَأْمُومُ أَوْ لَا حَكَاهُ إِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» (وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ) الْمَأْمُومُ (التَّشَهُّدَ، ثُمَّ يُتِمُّهُ) بَعْدَ سُجُودِهِ مَعَ إمَامِهِ مُتَابَعَةً لَهُ (وَلَوْ) كَانَ الْمَأْمُومُ

جارٍ التحميل