كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 368-407
أهل الأثرالأرشيف العلمي

يَئُولُ إلَى الْعِلْمِ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْكَفَالَةُ (بِدَيْنِ السَّلَمِ وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي بَابِهِ) مُوَضَّحًا (وَإِنْ قَالَ) إنْسَانٌ: (مَا أَعْطَيْته) فُلَانًا (فَهُوَ عَلَيَّ وَلَا قَرِينَةَ) تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ مَا أَعْطَاهُ فِي الْمَاضِي أَوْ مَا يُعْطِيه فِي الْمُسْتَقْبَلِ (فَهُوَ لِمَا وَجَبَ فِي الْمَاضِي) حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ إذْ هِيَ الْمُتَبَادِرَةُ مِنْهُ (وَلَهُ) أَيْ: الضَّامِنِ مَا لَمْ يَجِبْ (إبْطَالُ الضَّمَانِ) فِيمَا يَئُولُ لِلْوُجُوبِ (قَبْلَ وُجُوبِهِ) ؛ لِعَدَمِ اشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ.

[فَصْلٌ ضَمَانُ دَيْنِ الضَّامِنِ]

فَصْلٌ وَيَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الضَّامِنِ نَحْوَ أَنْ يَضْمَنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَازِمٌ فِي ذِمَّتِهِ فَصَحَّ ضَمَانُهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (فَيَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَمِ الثَّلَاثَةِ أَيُّهُمْ قَضَاهُ بَرِئْت ذِمَمُهُمْ كُلُّهَا) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ فَإِذَا سَقَطَ لَمْ يَجِبْ مَرَّةً أُخْرَى.

(وَإِنْ أَبْرَأَ الْغَرِيمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ بَرِئَ الضَّامِنَانِ) ؛ لِأَنَّهُمَا تَبَعُهُ فَيَبْرَآنِ بِبَرَاءَتِهِ.

(وَإِنْ أَبْرَأَ) الْغَرِيمُ (الضَّامِنَ الْأَوَّلَ بَرِئَ الضَّامِنَانِ) الْأَوَّلُ لِإِبْرَاءِ الْغَرِيمِ لَهُ وَالثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ وَلَمْ يَبْرَأْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فَلَا يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ فَرْعِهِ.

(وَإِنْ أَبْرَأَ) الْغَرِيمُ (الضَّامِنَ الثَّانِي بَرِئَ وَحْدَهُ) دُونَ الْأَوَّلِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا أَصْلُهُ (وَمَتَى حَصَلَتْ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بِالْإِبْرَاءِ) مِنْ الْغَرِيمِ (فَلَا رُجُوعَ فِيهَا) أَيْ: الْبَرَاءَةِ.

فَإِذَا أَبْرَأَ الْمَضْمُونُ لَهُ الضَّامِنَ لَمْ يَرْجِعْ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِشَيْءٍ (وَالْكَفَالَةُ كَالضَّمَانِ فِي هَذَا الْمَعْنَى) ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الضَّمَانِ.

(وَيَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَلَوْ غَيْرَ مُفْلِسٍ) ؛ لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمِنَ دَيْنَ الْمَيِّتِ (وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ مِنْ الدَّيْنِ (قَبْلَ الْقَضَاءِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَنَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» «وَلَمَّا أَخْبَرَ أَبُو قَتَادَةَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَفَاءِ الدِّينَارَيْنِ قَالَ: الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدَتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِدَيْنٍ فَلَمْ يَسْقُطْ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَالرَّهْنِ.

(وَ) يَصِحُّ (ضَمَانُ كُلِّ دَيْنٍ صَحَّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ) مِمَّا تَقَدَّمَ وَإِذَا ضَمِنَ الضَّامِنَ آخَرُ (فَإِنْ أَدَّى الدَّيْنَ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ) بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ (رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ.
(وَإِنْ أَدَّاهُ) الضَّامِنُ (الثَّانِي وَهُوَ ضَامِنُ الضَّامِنِ رَجَعَ عَلَى الضَّامِنِ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ (وَهُوَ) أَيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ بَعْدَ أَدَائِهِ الثَّانِي (عَلَى الْأَصِيلِ) وَهُوَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لِقِيَامِهِ عَنْهُ

بِوَاجِبٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ) ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ، بَلْ وَجَبَ بِالْعَقْدِ وَلَكِنَّهُ يَسْتَقِرُّ بِالدُّخُولِ (وَ) يَصِحُّ ضَمَانُ الْمَهْرِ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الدُّخُولِ لِاسْتِقْرَارِهِ (وَلَوْ) كَانَ ضَمَانُ الْمَهْرِ (عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ ك) ابْنِهِ (الْكَبِيرِ) أَوْ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَاجِبٌ، أَوْ يَئُولُ إلَيْهِ.

(وَ) يَصِحُّ (ضَمَانُ عُهْدَةِ بَائِعٍ لِمُشْتَرٍ، بِأَنْ يَضْمَنَ) الضَّامِنُ عَنْهُ أَيْ: عَنْ الْبَائِعِ (الثَّمَنَ مَتَى خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا أَوْ رَدَّهُ) الْمَبِيعَ (بِعَيْبٍ أَوْ) يَضْمَنُ (أَرْشَ الْعَيْبِ وَ) يَصِحُّ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ (عَنْ مُشْتَرٍ لِبَائِعٍ، بِأَنْ يَضْمَنَ الثَّمَنَ الْوَاجِبَ تَسْلِيمُهُ أَوْ) يَضْمَنَ الثَّمَنَ (إنْ ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ أَوْ اُسْتُحِقَّ فَضَمَانُ الْعُهْدَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ضَمَانُ الثَّمَنِ) كُلِّهِ (أَوْ بَعْضِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ) وَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْوَثِيقَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ، وَالرَّهْنُ، وَالضَّمَانُ فَالْأُولَى لَا يُسْتَوْفَى مِنْهَا الْحَقُّ وَالثَّانِيَةُ: مَمْنُوعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ حَبْسُ الرَّهْنِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيُؤَدِّي إلَى حَبْسِهِ أَبَدًا فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الضَّمَانِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ لَامْتَنَعَتْ الْمُعَامَلَاتُ مَعَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ رَافِعٌ لِأَصْلِ الْحِكْمَةِ الَّتِي شُرِعَ الْبَيْعُ مِنْ أَجْلِهَا.

(وَأَلْفَاظُ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ: ضَمِنْت عُهْدَتَهُ، أَوْ ثَمَنَهُ، أَوْ دَرَكَهُ، أَوْ يَقُولُ) الضَّامِنُ (لِلْمُشْتَرِي: ضَمِنْت خَلَاصَك مِنْهُ أَوْ مَتَى خَرَجَ الْبَيْعُ مُسْتَحَقًّا فَقَدْ ضَمِنْت لَك الثَّمَنَ) فَلَوْ ضَمِنَ خَلَاصَ الْمَبِيعِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَحِلُّ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَسْتَطِعْ خَلَاصَهُ.

(وَلَوْ بَنَى الْمُشْتَرِي) فِي عَقَارٍ اشْتَرَاهُ وَضَمِنَ لَهُ آخَرُ دَرَكَهُ ثُمَّ ظَهَرَ الْعَقَارُ مُسْتَحَقًّا (فَنَقَضَهُ الْمُسْتَحِقُّ، فَالْأَنْقَاضُ لِلْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّهَا أَعْيَانُ مَالِهِ (وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ التَّالِفِ عَلَى الْبَائِعِ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَقَيَّدَهُ الشَّيْخُ التَّقِيُّ فِي مَوْضِعٍ بِمَا إذَا كَانَ عَالِمًا، وَإِلَّا فَلَا تَغْرِيرَ (وَيَدْخُلُ) مَا يَغْرَمُهُ الْمُشْتَرِي مِنْ قِيمَةِ التَّالِفِ وَكَذَا لَوْ أَخَذَ مِنْهُ الْأُجْرَةَ (فِي ضَمَانِ الْعُهْدَةِ فِي حَقِّ ضَامِنِهَا) فَلِلْمُشْتَرِي الطَّلَبُ بِمَا غَرِمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الضَّامِنِ لِلْعُهْدَةِ.

(وَلَوْ خَافَ الْمُشْتَرِي فَسَادَ الْبَيْعِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ) كَدَعْوَى الْبَائِعِ صِغَرًا أَوْ إكْرَاهًا أَوْ نَحْوَهُمَا (أَوْ) خَافَ أَحَدُهُمَا (كَوْنَ الْعِوَضِ مَعِيبًا، أَوْ شَكَّ) الْمُشْتَرِي (فِي كَمَالِ الصَّنْجَةِ) الَّتِي تَسَلَّمَ بِهَا الْمَبِيعَ وَكَذَا الْمِكْيَالُ (أَوْ) شَكَّ الْبَائِعُ فِي (جَوْدَةِ جِنْسِ الثَّمَنِ فَضَمِنَ) الضَّامِنُ (ذَلِكَ) صَرِيحًا صَحَّ ضَمَانُهُ لَهُ (كَضَمَانِ الْعُهْدَةِ) ؛ لِأَنَّهُ يُرْجَعُ إلَيْهِ.

(وَيَصِحُّ ضَمَانُ نَقْصِ الصَّنْجَةِ وَنَحْوِهَا) كَالْمِكْيَالِ (وَيَرْجِعُ) الْقَابِضُ بِمَا نَقَصَ وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ النَّقْصِ أُخِذَ (بِقَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِقَبْضِ

مَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَإِنْ بَاعَهُ شَيْئًا بِشَرْطِ ضَمَانِ دَرَكِهِ إلَّا مِنْ زَيْدٍ ثُمَّ ضَمِنَ دَرَكَهُ مِنْهُ أَيْضًا لَمْ يُعَدَّ صَحِيحًا ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.

(وَوَلَدُ الْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ كَهُوَ) أَيْ: كَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ.

(وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْكِتَابَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَا مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ الْأَدَاءِ فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ الْأَصْلَ فَالْفَرْعُ أَوْلَى.

(وَلَا) يَصِحُّ أَيْضًا (ضَمَانُ الْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَمَالِ الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْعَيْنِ الْمَدْفُوعَةِ إلَى الْخَيَّاطِ وَالْقَصَّابِ وَنَحْوِهِمَا) لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ فَكَذَا عَلَى ضَامِنِهِ.
وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ:؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إحْضَارُهَا وَإِنَّمَا عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَقْصِدَ الْمَوْضِعَ فَيَقْبِضُهَا (إلَّا أَنْ يَضْمَنَ التَّعَدِّي فِيهَا) أَيْ: الْأَمَانَاتِ فَيَصِحُّ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهَا إذَنْ مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ فَأَشْبَهَتْ الْغُصُوبَ.

(وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ، كَالْغُصُوبِ وَالْعَوَارِيّ وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ مِنْ بَيْعٍ) أَيْ: الْبَيْعِ (وَإِجَارَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ كَالْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ وَضَمَانُهَا فِي الْحَقِيقَةِ ضَمَانُ اسْتِنْقَاذِهَا وَرَدِّهَا أَوْ قِيمَتَهَا عِنْدَ تَلَفِهَا فَهِيَ كَعُهْدَةِ الْمَبِيعِ.

(فَلَوْ ضَمِنَ) الضَّامِنُ (مَقْبُوضًا عَلَى وَجْهِ سَوْمٍ) صَحَّ، وَذَلِكَ (بِأَنْ يُسَاوِمَ) الْمَضْمُونُ عَنْهُ (إنْسَانًا عَلَى عَيْنٍ وَيَقْطَعُ ثَمَنَهَا) أَوْ أُجْرَتَهَا (أَوْ لَمْ يَقْطَعْهُ، ثُمَّ يَأْخُذَهَا لِيُرِيَهَا أَهْلَهُ فَإِنْ رَضُوهَا) أَخَذَهَا (وَإِلَّا رَدَّهَا) لِرَبِّهَا فَإِذَا قَبَضَهُ كَذَلِكَ (ضَمِنَهُ) أَيْ: ضَمِنَ الْقَابِضُ الْمَقْبُوضَ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ (إذَا تَلِفَ) فِيهِمَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ وَالْعِوَضِ فَهُوَ كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (وَصَحَّ ضَمَانُهُ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ لِمَا سَبَقَ (إلَّا إنْ أَخَذَهُ) أَيْ: أَخَذَ إنْسَانٌ شَيْئًا (بِإِذْنِ رَبِّهِ لِيُرِيَهُ) الْآخِذُ (أَهْلَهُ فَإِنْ رَضُوهُ أَخَذَهُ وَإِلَّا رَدَّهُ مِنْ غَيْرِ مُسَاوَمَةٍ وَلَا قَطْعِ ثَمَنٍ فَلَا يَضْمَنُهُ) الْآخِذُ (إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْبُوضًا عَلَى وَجْهِ سَوْمٍ لِعَدَمِ السَّوْمِ (وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ التَّعَدِّي فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ.
(قَالَ الشَّيْخُ: لَوْ تَغَيَّبَ مَضْمُونٌ عَنْهُ أَطْلَقَهُ) الشَّيْخُ (فِي مَوْضِعٍ وَقَيَّدَهُ) الشَّيْخُ (فِي) مَوْضِعٍ (آخَرَ بِقَادِرٍ عَلَى الْوَفَاءِ فَأَمْسَكَ) رَبُّ الْحَقِّ (الضَّامِنَ وَغَرَّمَ) الضَّامِنَ (شَيْئًا بِسَبَبِ ذَلِكَ) أَيْ: تَغَيُّبِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
(وَأَنْفَقَهُ) الضَّامِنُ (فِي الْحَبْسِ رَجَعَ) الضَّامِنُ (بِهِ) أَيْ: بِمَا غَرِمَهُ وَأَنْفَقَهُ فِي الْحَبْسِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ انْتَهَى؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي غُرْمِهِ لَكِنْ

قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: إذَا ضَمِنَهُ بِإِذْنِهِ، وَإِلَّا فَلَمْ يَتَسَبَّبْ فِي ظُلْمِهِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (أَوَّلَ) بَابِ (الْحَجْرِ) مُوَضَّحًا.

(وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ وَ) الْجُعْلِ (فِي الْمُسَابَقَةِ وَ) الْجُعْلِ (فِي الْمُنَاضَلَةِ) وَلَوْ قَبْلَ الْعَمَلِ (؛ لِأَنَّهُ) أَيْ: الْجُعْلَ (يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ إذَا عَمِلَ الْعَمَلَ لَا ضَمَانِ الْعَمَلِ فِيهَا) أَيْ: فِي الْجَعَالَةِ وَالْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ.

(وَيَصِحُّ ضَمَانُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، نُقُودًا كَانَتْ) الْأُرُوشُ (كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، أَوْ حَيَوَانًا كَالدِّيَاتِ) ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَوْ تَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ.

(وَيَصِحُّ ضَمَانُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، مُسْتَقْبَلَةً كَانَتْ أَوْ مَاضِيَةً) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الضَّامِنَ (مَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ) عَلَى مَا يَأْتِي (وَلَوْ زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ) مِنْ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ أَوْ الْمُتَوَسِّطِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا ضَمِنَ النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَزِمَهُ نَفَقَةُ الْمُعْسِر؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ.

[فَصْلٌ إنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ]

فَصْلٌ (وَإِنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ أَوْ أَحَالَ) الضَّامِنُ (بِهِ) أَيْ: بِالدَّيْنِ (مُتَبَرِّعًا لَمْ يَرْجِعْ) الضَّامِنُ (بِشَيْءٍ) سَوَاءٌ (ضَمِنَهُ بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِذَلِكَ أَشْبَهَ الصَّدَقَةَ.
(وَ) إنْ قَضَاهُ الضَّامِنُ وَأَحَالَ بِهِ (نَاوِيًا الرُّجُوعَ يَرْجِعُ) عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ مُبْرِئٌ مِنْ دَيْنٍ وَاجِبٍ فَكَانَ مِنْ ضَمَانِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، كَالْحَاكِمِ إذَا قَضَاهُ عَنْهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَسَوَاءٌ قَبَضَ الْغَرِيمُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ أَبْرَأَهُ أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءُ، لِفَلَسٍ أَوْ مَطْلٍ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْحَوَالَةِ كَالْإِقْبَاضِ.

(وَلَوْ كَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ) بِغَيْرِ إذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ (أَوْ) كَانَ أَحَدُهُمَا أَيْ: الْقَضَاءُ أَوْ الضَّمَانُ (بِغَيْرِ إذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ) وَأَجَابَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ عَنْ قَضِيَّةِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ؛ قَصْدًا لِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ أَيْ: الْمَيِّتِ لِيُصَلِّيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً.

(وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) حَالَ الْقَضَاءِ أَوْ الْحَوَالَةِ (رُجُوعًا وَلَا تَبَرُّعًا بَلْ ذُهِلَ عَنْ قَصْدِ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ لَمْ يَرْجِعْ) الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِشَيْءٍ كَالْمُتَبَرِّعِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ الرُّجُوعَ (وَكَذَا حُكْمُ مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا وَاجِبًا) كَفِيلًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا إنْ نَوَى الرُّجُوعَ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا (لَا) مَنْ أَدَّى (زَكَاةً وَنَحْوَهَا) كَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ وَكُلِّ مَا افْتَقَرَ إلَى نِيَّةٍ فَلَا رُجُوع لَهُ وَلَوْ نَوَى الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ الْمَدْفُوعُ عَنْهُ بِذَلِكَ؛ لِعَدَمِ النِّيَّةِ مِنْهُ.
(وَيَرْجِعُ الضَّامِنُ)

وَكُلُّ مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا وَاجِبًا بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ حَيْثُ قُلْنَا يَرْجِعُ (بِأَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَضَى) بِهِ الدَّيْنَ (حَتَّى قِيمَةِ عَرَضٍ عِوَضُهُ) لِرَبِّ الدَّيْنِ (بِهِ، أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَقَلُّ الدَّيْنَ، فَالزَّائِدُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَائِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُقْضِي أَقَلَّ إنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ وَلِهَذَا لَوْ أَبْرَأَهُ غَرِيمُهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ.

(وَلِلضَّامِنِ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِتَخْلِيصِهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ إذَا طُولِبَ بِهِ) أَيْ: الدَّيْنِ (إنْ كَانَ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ ذِمَّتَهُ مِنْ أَجْلِهِ بِإِذْنِهِ فَلَزِمَهُ تَخْلِيصُهَا كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ عَبْدَهُ فَرَهَنَهُ بِإِذْنِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيصَهُ إذَا طَلَبَهُ رَبُّهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُطَالِبْهُ أَوْ كَانَ ضَمِنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (فَلَا) يَلْزَمُهُ تَخْلِيصُهُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَهُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَلَمْ يُطَالِبْهُ رَبُّ الْحَقِّ فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ يُزِيلُهُ (لَكِنْ إنْ أَدَّى) الضَّامِنُ (الدَّيْنَ) بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ (فَلَهُ) أَيْ: الضَّامِنِ (الْمُطَالَبَةُ) عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ (بِمَا أَدَّى) عَنْهُ لِمَا سَبَقَ.

(وَإِذَا كَانَ لَهُ أَلْفٌ عَلَى رَجُلَيْنِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ) أَيْ: الْأَلْفِ أَصَالَةً (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الرَّجُلَيْنِ (ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ) مَا عَلَيْهِ (فَأَبْرَأَ الْغَرِيمُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْأَلْفِ بَرِئَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ صَادَفَ مَا عَلَيْهِ أَصَالَةً وَضَمَانًا.
(وَبَرِئَ صَاحِبُهُ مِنْ ضَمَانِهِ) لِبَرَاءَةِ الْأَصْلِ، فَيَبْرَأُ الْفَرْعُ (وَبَقِيَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى صَاحِبِهِ (خَمْسُمِائَةٍ) وَهِيَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصَالَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهَا عَنْهُ (وَإِنْ قَضَاهُ) أَيْ: رَبُّ الْحَقِّ أَحَدَهُمَا أَيْ: أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ (خَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَبْرَأَهُ) أَيْ: أَحَدَهُمَا (الْغَرِيمَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ خَمْسِمِائَةٍ مِائَةٍ.
(وَعَيَّنَ) الَّذِي قَضَى (الْقَضَاءَ) أَوْ عَيَّنَ الْمُبْرِئَ مَا أَبْرَأَ مِنْهُ (بِلَفْظِهِ) بِأَنْ قَالَ: هَذَا قَضَاءٌ عَنْ الْأَصْلِ أَوْ الضَّمَانِ (أَوْ) عَيَّنَهُ بِ (نِيَّةٍ) بِأَنْ نَوَاهُ عَنْ الْأَصْلِ أَوْ الضَّمَانِ انْصَرَفَ إلَيْهِ أَيْ: إلَى مَا عَيَّنَهُ مِنْ الْأَصْل أَوْ الضَّمَانِ كَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ نِصَابَيْنِ وَأَدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا وَعَيَّنَهُ.

(وَإِنْ أَطْلَقَ) الْقَاضِي أَوْ الْمُبْرِئُ اللَّفْظَ وَالنِّيَّةَ فَلَمْ يُعَيِّنْهُمَا (صَرَفَهُ) أَيْ: مَا قَضَاهُ أَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ (إلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْأَصْلِ وَالضَّمَانِ (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي الرَّهْنِ وَالزَّكَاةِ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ النِّصَابَيْنِ.
(وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقَضَاءِ: لَفْظُ الْقَاضِي وَنِيَّتُهُ) وَصَرْفُهُ (وَفِي الْأَوَّلِ لَفْظُ الْمُبْرِئِ وَنِيَّتُهُ) وَصَرْفُهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَمَتَى اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ اُعْتُبِرَ لَفْظُهُ وَنِيَّتُهُ) وَصَرْفُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِمَا صَدَرَ مِنْهُ.

(وَإِنْ ادَّعَى أَلْفًا عَلَى حَاضِرٍ وَغَائِبٍ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ) مَا عَلَيْهِ (فَإِنْ اعْتَرَفَ الْحَاضِرُ بِذَلِكَ) أَيْ: أَنَّ عَلَيْهِمَا الْأَلْفَ وَبِالضَّمَانِ (فَلَهُ) أَيْ: لِلْمُدَّعِي (أَخْذُ الْأَلْفِ مِنْهُ) ، لِاعْتِرَافِهِ لَهُ بِهِ أَصَالَةً وَضَمَانًا

(فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ وَاعْتَرَفَ) بِذَلِكَ (رَجَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِنِصْفِهِ) الَّذِي أَدَّاهُ عَنْهُ إنْ نَوَى الرُّجُوعَ.
(وَإِنْ أَنْكَرَ) الْغَائِبُ ذَلِكَ (فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ (وَإِنْ كَانَ الْحَاضِرُ أَنْكَرَ) ذَلِكَ (فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِحَدِيثِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (فَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ) بِالدَّعْوَى (فَاسْتَوْفَى) الْمُدَّعِي (الْأَلْفَ مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ) الْغَارِمُ (عَلَى الْغَائِبِ بِشَيْءٍ) لِإِقْرَارِهِ أَنْ لَا حَقَّ عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا الْمُدَّعِي ظَلَمَهُ (فَإِنْ اعْتَرَفَ الْغَائِبُ) بِمَا عَلَيْهِ.
(وَرَجَعَ الْحَاضِرُ عَنْ إنْكَارِهِ فَلَهُ) أَيْ: لِلْحَاضِرِ (الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ) أَيْ: الرُّجُوعُ عَلَى الْغَائِبِ بِمَا غَرِمَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ (وَإِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَى الْحَاضِرِ بَيِّنَةٌ) بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْأَلْفِ أَصَالَةً وَضَمَانًا حَلَفَ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَبَرِئَ) أَيْ: انْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي، (فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ، فَإِنْ أَنْكَرَ مَا كَانَ) ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَصَالَةِ وَالضَّمَانِ (وَحَلَفَ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ بَرِئَ) أَيْ: انْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ مَعَهُ.
(وَإِنْ اعْتَرَفَ) بِالدَّعْوَى (لَزِمَهُ دَفْعُ الْأَلْفِ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِاعْتِرَافِهِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْحَاضِرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ مِنْ الْحَاضِرِ بَعْدُ.

(وَإِنْ ادَّعَى الضَّامِنُ: أَنَّهُ قَضَى الدَّيْنَ) عَنْ الْمَضْمُونِ (وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ) ذَلِكَ (وَلَا بَيِّنَةَ) لِلضَّامِنِ بِالْقَضَاءِ (وَحَلَفَ) الْمَضْمُونُ لَهُ أَنَّ الضَّامِنَ لَمْ يَقْضِهِ (لَمْ يَرْجِعْ ضَامِنٌ عَلَى مَضْمُونٍ عَنْهُ) وَلَوْ أَذِنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْهُ إلَّا فِي قَضَاءٍ مُبْرِئٍ وَلَمْ يُوجَدْ وَلِلْمَضْمُونِ لَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالْأَصِيلِ.
(وَلَوْ صَدَّقَهُ) أَيْ: صَدَّقَ الْمَضْمُونَ عَنْهُ الضَّامِنُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الرُّجُوعِ تَفْرِيطُ الضَّامِنِ، حَيْثُ إنَّهُ قَضَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٌ، وَذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ فَإِنْ اسْتَوْفَى مَضْمُونٌ لَهُ الْحَقَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الضَّامِنِ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا قَضَاهُ عَنْهُ ثَانِيًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بِهِ ظَاهِرًا قَالَهُ الْقَاضِي وَرَجَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَفِيهِ وَجْهٌ وَيَرْجِعُ بِالْأَوَّلِ؛ لِلْبَرَاءَةِ بِهِ بَاطِنًا (إلَّا أَنْ يَكُونَ) قَضَاءُ الضَّامِنِ الدَّيْنَ (بِحَضْرَتِهِ) أَيْ: حَضْرَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفَرِّطُ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ (أَوْ) إلَّا إنْ ثَبَتَ الْقَضَاءُ (بِإِشْهَادٍ) بِأَنْ أَشْهَدَ الضَّامِنُ بَيِّنَةً عَادِلَةً فَلَهُ الرُّجُوعُ.

(وَلَوْ مَاتَ الشُّهُودُ أَوْ غَابُوا إنْ صَدَّقَهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ) أَنَّهُ أَشْهَدَ (أَوْ ثَبَتَ) لِأَنَّ الضَّامِنَ لَمْ يُقَصِّرْ وَلَمْ يُفَرِّطْ وَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ مَرْدُودَةً بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ لَمْ يَرْجِعْ الضَّامِنُ مُطْلَقًا لِتَفْرِيطِهِ وَإِنْ رُدَّتْ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ كَالْفِسْقِ الْبَاطِنِ، أَوْ؛ لِكَوْنِ الشَّهَادَةِ مُخْتَلَفًا فِيهَا كَشَهَادَةِ الْعَبِيدِ فَاحْتِمَالَانِ وَكَذَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ.

(وَإِنْ اعْتَرَفَ الْمَضْمُونُ لَهُ بِالْقَضَاءِ) أَيْ: الِاسْتِيفَاءِ

مِنْ الضَّامِنِ (وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُ) ؛ لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ حَقُّ الْمَضْمُونِ لَهُ فَإِذَا اعْتَرَفَ بِالْقَبْضِ مِنْ الضَّامِنِ فَقَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَهُ صَارَ لِلضَّامِنِ (فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ لِكَوْنِهِ إقْرَارًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ) .

وَإِنْ قَضَى (الضَّامِنُ الدَّيْنَ) الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ أَجَلِهِ (لَمْ يَرْجِعْ) عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ (حَتَّى يَحُلَّ) أَجَلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ لِلْغَرِيمِ وَلِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالتَّعْجِيلِ فَلَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الْأَجَلِ، كَمَا لَوْ قَضَاهُ أَكْثَرُ مِنْ الدَّيْنِ.

(وَإِنْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أَوْ الضَّامِنُ لَمْ يَحُلَّ الدَّيْنُ) ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمَيِّتِ فَلَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَإِنْ مَاتَا) أَيْ: الضَّامِنُ وَالْمَضْمُونُ عَنْهُ (فَكَذَلِكَ) أَيْ: لَمْ يَحُلَّ الدَّيْنُ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ وَثَّقَ الْوَرَثَةُ) بِرَهْنٍ يُحْرَزُ، أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ بِأَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ التَّرِكَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُوَثِّقْ الْوَرَثَةُ حَلَّ الدَّيْنُ لِمَا يَأْتِي فِي الْحَجْرِ.

(وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِ مُؤَجَّلًا) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا؛ وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ مُؤَجَّلًا بِعَقْدٍ فَكَانَ مُؤَجَّلًا كَالْبَيْعِ لَا يُقَالُ: الْحَالُ لَا يَتَأَجَّلُ وَكَيْفَ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتَيْهِمَا مُخْتَلَفًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَأَجَّلُ فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِهِ بِعَقْدٍ وَهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا عَلَيْهِ حَالًا وَيَجُوزُ تَخَالُفُ مَا فِي الذِّمَّتَيْنِ.

(فَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْحَالِ دُونَ الضَّامِنِ) فَلَا يُطَالِبُهُ حَتَّى يَحُلَّ الْأَجَلُ.

(وَإِنْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ حَالًا صَحَّ) الضَّمَانُ وَلَمْ يَصِرْ حَالًا (وَلَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: الضَّامِنَ (قَبْلَ أَجَلِهِ) ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرْعُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتُهُ دُونَ أَصْلِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا: أَنَّ الْحَالَ ثَابِتٌ مُسْتَحِقٌّ الْقَضَاءَ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ فَإِذَا ضَمِنَهُ مُؤَجَّلًا فَقَدْ الْتَزَمَ بَعْضَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَشَرَةً فَضَمِنَ خَمْسَةً وَأَمَّا الْمُؤَجَّلُ فَلَا يُسْتَحَقُّ قَضَاؤُهُ إلَّا عِنْدَ أَجَلِهِ فَإِذَا ضَمِنَهُ حَالًا الْتَزَمَ مَا لَمْ يَجِبْ كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَشَرَةً فَضَمِنَ عِشْرِينَ.

[فَصْلٌ الْكَفَالَةُ صَحِيحَةٌ]

ٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الِاسْتِيثَاقِ بِضَمَانِ الْمَالِ أَوْ

الْبَدَنِ وَضَمَانُ الْمَالِ يَمْتَنِعُ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَلَوْ لَمْ تَجُزْ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ لَأَدَّى إلَى الْحَرَجِ، وَعَدَمِ الْمُعَامَلَاتِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا وَهِيَ (الْتِزَامُ رَشِيدٍ) وَلَوْ مُفْلِسًا (بِرِضَاهُ إحْضَارَ مَكْفُولٍ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الْكَفَالَةِ وَاقِعٌ عَلَى بَدَنِ الْمَكْفُولِ بِهِ، فَكَانَ إحْضَارُهُ هُوَ الْمُلْتَزَمُ بِهِ كَالضَّمَانِ، وَقَوْلُهُ: (تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مَالِيٍّ) لِمَكْفُولٍ بِهِ وَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ وَقَوْلُهُ: (إلَى مَكْفُولٍ لَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِإِحْضَارِ وَلَوْ قَالَ: إحْضَارُ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ مَالِيٌّ إلَى رَبِّهِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا دَوْرَ فِيهِ (حَاضِرًا كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ أَوْ غَائِبًا) .

وَتَصِحُّ إنْ كَفَلَ (بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ) كَالضَّمَانِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ (صَبِيًّا وَمَجْنُونًا وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ إحْضَارُهُمَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَيَصِحُّ إحْضَارُهُمَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا بِالْإِتْلَافِ) أَيْ: إتْلَافِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ؛ لِأَنَّهُمَا يَضْمَنَانِ الْجِنَايَةَ وَإِتْلَافَ مَا لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِمَا.

(وَتَنْعَقِدُ) الْكَفَالَةُ (بِأَلْفَاظِ الضَّمَانِ) السَّابِقَةِ (كُلِّهَا) نَحْوَ: أَنَا ضَمِينٌ بِبَدَنِهِ، أَوْ زَعِيمٌ بِهِ.

(وَإِنْ ضَمِنَ) الضَّامِنُ (مَعْرِفَتَهُ) أَيْ: مَعْرِفَةَ إنْسَانٍ بِأَنْ جَاءَ إنْسَانٌ إلَى آخَرَ يَسْتَدِينُ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: أَنَا لَا أَعْرِفُك لَا أُعْطِيك فَضَمِنَ لَهُ إنْسَانٌ مَعْرِفَتَهُ، فَدَايَنَهُ ثُمَّ غَابَ الْمُسْتَدِينُ أَوْ تَوَارَى (أُخِذَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ: ضَامِنُ الْمَعْرِفَةِ (بِهِ) أَيْ: بِالْمُسْتَدِينِ قَالَ أَحْمَدُ: فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ ضَمِنَ لِرَجُلٍ مَعْرِفَةَ رَجُلٍ أُخِذَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ ضَمِنَ.
(وَ) قَالَ الشَّيْخُ التَّقِيُّ: فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ ضَمَانُ الْمَعْرِفَةِ (مَعْنَاهُ: إنِّي أُعَرِّفُك مَنْ هُوَ وَأَيْنَ هُوَ؟) وَقَالَ ابْنِ عَقِيلٍ: فِي الْفُصُولِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ لِنَصِّ الْإِمَامِ الْمَذْكُورِ: وَهَذَا يُعْطَى أَنَّ أَحْمَدَ جَعَلَ ضَمَانَ الْمَعْرِفَةِ تَوْثِقَةً لِمَنْ لَهُ الْمَالُ ف (كَأَنَّهُ قَالَ: ضَمِنْت لَك حُضُورَهُ) مَتَى أَرَدْتَ لِأَنَّك أَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ، وَلَا يُمْكِنُك إحْضَارُ مَنْ لَا تَعْرِفُهُ فَأَنَا أَعْرِفُهُ فَأُحْضِرُهُ لَك مَتَى أَرَدْت فَصَارَ كَقَوْلِهِ: تَكَفَّلْت بِبَدَنِهِ انْتَهَى فَيُطَالَبُ ضَامِنُ الْمَعْرِفَةِ بِإِحْضَارِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ مَعَ حَيَاتِهِ لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ لِمَنْ ضَمِنَ مَعْرِفَتَهُ لَهُ.
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْهُ) مَنْ هُوَ وَأَيْنَ هُوَ؟ (ضَمِنَ) مَا عَلَيْهِ (وَإِنْ عَرَّفَهُ) ذَلِكَ (فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَ) هَذَا تَتِمَّةُ كَلَامِ الشَّيْخِ التَّقِيِّ مُفَرَّعًا عَلَى مَا اخْتَارَهُ قَالَ: وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْ: رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ الْمَذْكُورَةِ: لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ بَلْ يُوَافِقُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ غَيْرُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ: فَيُحْتَمَلُ: لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إحْضَارِهِ وَيُحْتَمَلُ عَلَى تَعْرِيفِهِ انْتَهَى وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي رَدَّهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ وَأَحْسَنَ فِي الرَّدِّ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَخَلْطَهُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ بِالْآخَرِ

وَجَعْلَ الْمُفَرَّعِ عَلَى الْأَوَّلِ مُفَرَّعًا عَلَى الثَّانِي.

(وَتَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَازِمٍ) أَوْ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ، غَيْرُ جِزْيَةِ سَلَمٍ وَتَقَدَّمَ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَصِحُّ ضَمَانُهُ) وَلَوْ حَذَفَ (لَازِمٌ) لَكَانَ أَوْضَحَ (مَعْلُومًا كَانَ الدَّيْنُ) الْمَكْفُولُ بَدَنُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ (أَوْ مَجْهُولًا) إذَا كَانَ يَئُولُ إلَى الْعِلْمِ وَتَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ مَنْ يُلْزَمُهُ الْحُضُورُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ بَيَانٌ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْأَبِ فَلَا تَصِحُّ كَفَالَتُهُ لِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ.

(وَلَوْ) كَانَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ (مَحْبُوسًا) بِحَبْسِ الشَّرْعِ (لِكَوْنِ الْمَحْبُوسِ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ) لِرَبِّ الْحَقِّ (ثُمَّ يُعِيدُهُ) الْحَاكِمُ (إلَى الْحَبْسِ بِالْحَقَّيْنِ جَمِيعًا) وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ كَمَا يَأْتِي.

(وَإِنْ كَانَ) الْمَكْفُولُ (مَحْبُوسًا عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: الْمَكْفُولَ بِهِ (تَسْلِيمُهُ) أَيْ: تَسْلِيمُهُ (مَحْبُوسًا) بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَبْسَ يَمْنَعُهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ) فَلَا أَثَرَ لِتَسَلُّمِهِ بِخِلَافِ الْمَحْبُوسِ عِنْدَ الْحَاكِمِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَتَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ كَالْغُصُوبِ وَالْعَوَارِيّ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُهَا.

(وَلَا تَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (بِالْأَمَانَاتِ) كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ (إلَّا) إنْ كَفَلَهُ (بِشَرْطِ التَّعَدِّي) فِيهَا فَيَصِحُّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الضَّمَانِ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْكَفَالَةُ (بِزَوْجَةٍ لِزَوْجِهَا وَلَا بِشَاهِدٍ لِيَشْهَدَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِمَا أَدَاؤُهُ لَيْسَ بِمَالِيٍّ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْكَفِيلِ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْكَفَالَةُ (إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ وَلَوْ فِي ضَمَانٍ) أَيْ: لَا يَصِحُّ الضَّمَانُ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ (ك) قَوْلِهِ: (ضَمِنْته أَوْ كَفَلْته إلَى) مَجِيءِ الْمَطَرِ وَهُبُوبِ الرِّيَاحِ (فَلَا يَصِحَّانِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ فِيهِ (بِمَا ضَمِنَهُ أَوْ كَفَلَهُ) .

وَإِنْ جَعَلَهُ (أَيْ: الضَّمَانَ أَوْ الْكَفَالَةَ) إلَى الْحَصَادِ أَوْ الْجِذَاذِ (أَوْ الْعَطَاءِ) فَكَأَجَلٍ فِي بَيْعٍ (لَا يَصِحُّ فِي الْمُتَقَدِّمِ) وَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ جُعِلَ لَهُ أَجَلٌ لَا يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ فَيَصِحُّ كَالنَّذْرِ وَهَكَذَا كُلُّ مَجْهُولٍ لَا يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْكَفَالَةِ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ.

(وَلَا تَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْكَفِيلِ، كَحَدِّ زِنًا وَسَرِقَةٍ وَقَذْفٍ) وَشُرْبٍ (إلَّا) إذَا كَفَلَ بَدَنَهُ (لِأَجْلِ مَالٍ بِالدَّفْعِ) أَيْ: بِالْعَفْوِ إلَى الدِّيَةِ لِيَدْفَعَهَا (و) إلَّا إذَا ضَمِنَ السَّارِقُ بِسَبَبِ (غُرْمِ السَّرِقَةِ) أَيْ: الْمَسْرُوقِ فَتَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ.

(وَلَا تَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ك) كَفَلْت، (أَحَدَ هَذَيْنِ) الْمَدِينَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ غَيْرُ مَعْلُولٍ فِي الْحَالِ وَلَا الْمَآلِ فَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْكَفَالَةُ

(بِالْمُكَاتَبِ مِنْ أَجْلِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ) ؛ لِأَنَّ الْحُضُورَ لَا يَلْزَمُهُ إذْ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ تَصِحُّ كَفَالَتُهُ بِغَيْرِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ.

(وَإِنْ كَفَلَ) إنْسَانٌ (بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إنْسَانٍ كَثُلُثِهِ وَرُبُعِهِ وَنَحْوِهِمَا) كَخُمُسِهِ وَجُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْهُ (أَوْ) كَفَلَ بِ (عُضْوٍ مِنْهُ كَوَجْهِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ وَنَحْوِهِ) كَرَأْسِهِ وَكَيَدِهِ (أَوْ) كَفَلَ (بِرُوحِهِ أَوْ نَفْسِهِ) صَحَّتْ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُهُ إلَّا بِإِحْضَارِ الْكُلِّ وَالنَّفْسُ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الذَّاتِ.

(أَوْ كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ) وَعَيَّنَهُ (أَوْ) فَهُوَ (ضَامِنٌ مَا عَلَيْهِ) مِنْ الْمَالِ صَحَّتْ الْكَفَالَةُ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْكَفَالَةِ وَالضَّامِنِ عَلَى شَرْطٍ صَحِيحٌ كَضَمَانِ الْعُهْدَةِ.
(وَ) قَالَ: (إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَأَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ شَهْرًا صَحَّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا جَمَعَتْ تَعْلِيقًا وَتَوْقِيتًا، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ مَعَ الِانْفِرَادِ فَكَذَا مَعَ الِاجْتِمَاعِ (وَلَوْ قَالَ: كَفَلْت بِبَدَنِ فُلَانٍ عَلَى أَنْ يُبْرِئَ فُلَانًا) أَيْ: زَيْدًا مَثَلًا (الْكَفِيلُ، أَوْ) قَالَ: كَفَلْت بِفُلَانٍ (عَلَى أَنْ يُبْرِئَهُ) أَيْ: يُبْرِئَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ الْكَفِيلَ مِنْ الْكَفَالَةِ (فَسَدَ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ) ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فَسْخَ الْعَقْدِ فِي عَقْدٍ فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ فَسْخِ بَيْعٍ آخَرَ.
(وَكَذَا لَوْ قَالَ: كَفَلْت لَك بِهَذَا الْغَرِيمِ عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الْكَفَالَةِ بِفُلَانٍ) الْآخَرِ (أَوْ) قَالَ: (ضَمِنْت لَك هَذَا الدَّيْنَ عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ ضَمَانِ الدَّيْنِ الْآخَرِ أَوْ) قَالَ: ضَمِنْت لَك هَذَا الدَّيْنَ (عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الْكَفَالَةِ بِفُلَانٍ) فَيَفْسُدُ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا لَوْ شَرَطَ فِي الْكَفَالَةِ أَوْ الضَّمَانِ أَنْ يَتَكَفَّلَ الْمَكْفُولُ بِهِ) أَوْ الْمَضْمُونُ (بِآخَرَ) بِأَنْ قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ عَلَى أَنْ يَتَكَفَّلَ لِي بِفُلَانٍ أَوْ يَضْمَنَهُ لِي، أَوْ أَنَا ضَامِنٌ مَا عَلَى فُلَانٍ عَلَى أَنْ يَتَكَفَّلَ لِي بِفُلَانٍ أَوْ يَضْمَنَهُ لِي (أَوْ) كَفَلَ أَوْ ضَمِنَ عَلَى أَنْ (يَضْمَنَ) الْمَكْفُولُ بِهِ أَوْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ (دَيْنًا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْكَفِيلِ وَالضَّامِنِ (أَوْ) كَفَلَ أَوْ ضَمِنَ عَلَى أَنْ (يَبِيعَهُ) الْمَكْفُولُ بِهِ أَوْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ (شَيْئًا عَيَّنَهُ) أَيْ: الْكَفِيلُ أَوْ الضَّامِنُ (لِي وَ) عَلَى أَنْ (يُؤَجِّرَهُ دَارِهِ وَنَحْوَهُ) كَعَلَيَّ أَنْ أَهَبَهُ كَذَا فَلَا يَصِحُّ الضَّمَانُ وَلَا الْكَفَالَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.

(وَلَا تَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (إلَّا بِرِضَا الْكَفِيلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَقُّ ابْتِدَاءً إلَّا بِرِضَاهُ (وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا مَكْفُولٍ لَهُ) ؛ لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ لَا قَبْضَ فِيهَا فَصَحَّتْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ كَالشَّهَادَةِ (وَلَا) يُعْتَبَرُ أَيْضًا رِضَا (مَكْفُولٍ بِهِ) كَالضَّمَانِ.

" تَتِمَّةٌ " إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: اضْمَنْ عَنْ فُلَانٍ أَوْ اُكْفُلْ عَنْهُ فَفَعَلَ كَانَ الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ لَازِمَيْنِ لِلْمُبَاشِرِ دُونَ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا الْأَمْرُ لِلْإِرْشَادِ فَلَا

يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ.

(وَتَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (حَالَةً وَمُؤَجَّلَةً كَالضَّمَانِ وَالثَّمَنِ) فِي الْبَيْعِ (بِأَنْ أَطْلَقَ) كَقَوْلِهِ: أَنَا كَفِيلٌ بِبَدَنِ فُلَانٍ (كَانَتْ حَالَةً كَالضَّمَانِ) إذَا أَطْلَقَ يَكُونُ حَالًا (لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ يَدْخُلُهُ الْحُلُولُ) كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَالْأُجْرَةِ وَالصَّدَاقِ (اقْتَضَى إطْلَاقُهُ الْحُلُولَ فَإِنْ عَيَّنَ) الْكَفِيلُ (تَسْلِيمَهُ) أَيْ: الْمَكْفُولِ بِهِ (فِي مَكَان لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ فِيهِ) وَفَاءً بِالشَّرْطِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ.

(وَإِنْ وَقَعَتْ الْكَفَالَةُ مُطْلَقَةً) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعًا لِتَسْلِيمِهِ (وَجَبَ تَسْلِيمُهُ مَكَانَ الْعَقْدِ كَالسَّلَمِ) .

(وَإِذَا تَكَفَّلَ) كَفِيلٌ بِإِحْضَارِهِ أَيْ: الْمَكْفُولِ بِهِ (حَالًا فَلَهُ) أَيْ: لِلْمَكْفُولِ لَهُ (مُطَالَبَتُهُ) أَيْ: الْكَفِيلِ (بِإِحْضَارِهِ) حَالًا؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَمَا سَبَقَ (فَمَتَى أَحْضَرَهُ) الْكَفِيلُ (مَكَانَ الْعَقْدِ لِتَعْيِينِهِ) أَيْ: تَعْيِينِ مَكَانِ الْعَقْدِ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْعَقْدِ (أَوْ) أَحْضَرَهُ مَكَانَ الْعَقْدِ (لِكَوْنِ الْكَفَالَةِ وَقَعَتْ مُطْلَقَةً) لَمْ يُعَيِّنْ فِيهَا مَوْضِعَ التَّسْلِيمِ بَرِئَ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ فَبَرِئَ مِنْهُ بِالْعَمَلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَإِجَارَةٍ (أَوْ أَحْضَرَهُ) الْكَفِيلُ (فِي مَكَان عَيَّنَهُ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ مَكَانِ الْعَقْدِ (بَعْدَ حُلُولِ الْكَفَالَةِ) بَرِئَ الْكَفِيلُ لِمَا سَبَقَ (أَوْ أَحْضَرَ) الْكَفِيلُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ أَجَلِ الْكَفَالَةِ.
(وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَا ضَرَرَ) عَلَى الْمَكْفُولِ لَهُ (فِي قَبْضِهِ وَسَلَّمَهُ) الْكَفِيلُ لِلْمَكْفُولِ لَهُ؛ بَرِئَ لِمَا سَبَقَ (أَوْ سَلَّمَ مَكْفُولٌ بِهِ نَفْسَهُ فِي مَحَلِّهِ) أَيْ: مَحَلِّ التَّسْلِيمِ وَأَجَلِهِ (بَرِئَ) الْكَفِيلُ كَمَا لَوْ قَضَى الْمَضْمُونُ عَنْهُ الدَّيْنَ وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِتَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِهِ (وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: قَدْ بَرِئْتُ إلَيْك مِنْهُ أَوْ قَدْ سَلَّمْته أَوْ قَدْ أَخْرَجْت نَفْسِي مِنْ كَفَالَتِهِ) خِلَافًا لِابْنِ أَبِي مُوسَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَى بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ كَالْأَجِيرِ وَمَحَلُّ بَرَاءَةِ الْكَفِيلِ بِتَسْلِيمِهِ (مَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ يَدٌ حَائِلَةٌ ظَالِمَةٌ) تَمْنَعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ غَرَضُهُ.

(وَإِنْ أَحْضَرَهُ) أَيْ: أَحْضَرَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ، بِهِ (وَامْتَنَعَ) الْمَكْفُولُ لَهُ (مِنْ تَسَلُّمِهِ) بِلَا ضَرَرٍ (بَرِئَ) الْكَفِيلُ (وَلَوْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى امْتِنَاعِهِ) أَيْ: الْمَكْفُولِ لَهُ (مِنْ تَسَلُّمِهِ) وَقَالَ الْقَاضِي: يَرْفَعُهُ إلَى الْحَاكِمِ فَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ أَشْهَدَ.

(وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ مُؤَجَّلَةً لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: الْكَفِيلَ (إحْضَارُهُ قَبْلَ أَجَلِهَا) كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: إنْ كَانَ الْمَكْفُولُ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ فَسَلَّمَهُ) الْكَفِيلُ (إلَيْهِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْحَبْسِ (بَرِئَ) الْكَفِيلُ (وَلَا يَلْزَمُهُ إحْضَارُهُ مِنْهُ) أَيْ: الْحَبْسِ إلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَيُمَكِّنُهُ الْحَاكِمُ مِنْ الْإِخْرَاجِ لِيُحَاكِمَ غَرِيمَهُ ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَى الْحَبْسِ.

(وَإِنْ مَاتَ مَكْفُولٌ بِهِ) بَرِئَ الْكَفِيلُ (سَوَاءٌ تَوَانَى الْكَفِيلُ فِي تَسْلِيمِهِ حَتَّى مَاتَ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّ الْحُضُورَ سَقَطَ عَنْهُ فَبَرِئَ كَفِيلُهُ كَمَا لَوْ أُبْرِئَ مِنْ الدَّيْنِ وَفَارَقَ مَا إذَا غَابَ فَإِنَّ

الْحُضُورَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ وَلَوْ قَالَ الْكَفِيلُ فِي الْكَفَالَةِ: إنْ عَجَزْت عَنْ إحْضَارِهِ أَوْ مَتَى عَجَزْت عَنْ إحْضَارِهِ كَانَ عَلَيَّ الْقِيَامُ بِمَا أُقِرُّ بِهِ فَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَمْ يَبْرَأْ بِمَوْتِ الْمَكْفُولِ وَلَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ قَالَ: وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَأَفْتَيْت فِيهَا بِلُزُومِ الْمَالِ.

(أَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ الْمَكْفُولُ بِهَا) وَلَوْ عَارِيَّةً وَنَحْوَهَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ (بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا بَرِئَ الْكَفِيلُ) ؛ لِأَنَّ تَلَفَهَا بِمَنْزِلَةِ مَوْتِ الْمَكْفُولِ بِهِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا إذَا تَلِفَتْ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ لَمْ يَبْرَأْ الْكَفِيلُ وَعَلَى الْمُتْلِفِ بَدَلُهَا (لَا بِمَوْتِ الْكَفِيلِ) فَلَا يَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِمَوْتِهِ (فَيُؤْخَذُ مَنْ تَرِكَتِهِ مَا كَفَلَ بِهِ) يَعْنِي حَيْثُ تَعَذَّرَ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ كَمَا لَوْ مَاتَ الضَّامِنُ.

(فَإِنْ كَانَ) مَا عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ (دَيْنًا مُؤَجَّلًا فَوَثَّقَ وَرَثَتُهُ) أَيْ: الْكَفِيلُ (بِرَهْنٍ) بِحِرْزٍ (أَوْ ضَمِينٍ) مَلِيءٍ لَمْ يَحِلَّ دَيْنٌ قَبْلَ أَجَلِهِ (وَإِلَّا) يُوَثِّقُوا بِذَلِكَ حَلَّ الدَّيْنُ، لِمَا يَأْتِي فِي الْحَجْرِ (وَلَا) يَبْرَأُ الْكَفِيلُ (بِمَوْتِ الْمَكْفُولِ لَهُ) كَالضَّمَانِ (وَوَرَثَتُهُ) أَيْ: وَرَثَةُ الْمَكْفُولِ لَهُ (كَهُوَ فِي الْمُطَالَبَةِ) لِلْكَفِيلِ (بِإِحْضَارِهِ) أَيْ: الْمَكْفُولِ بِهِ؛ لِانْتِقَالِ الْحَقِّ إلَيْهِمْ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.

(وَإِنْ ادَّعَى الْكَفِيلُ) بِالْمَالِ أَوْ الْبَدَنِ (بَرَاءَةَ الْمَكْفُولِ بِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَسُقُوطَ الْمُطَالَبَةِ) لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ (أَوْ قَالَ) الضَّامِنُ أَوْ الْكَفِيلُ (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ أَوْ الْمَكْفُولِ بِهِ (دَيْنٌ حِينَ) ضَمِنْته، أَوْ (كَفَلْته فَقَوْلُ) الْمَضْمُونِ لَهُ وَ (الْمَكْفُولِ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ وَالضَّمَانِ فَإِنْ نَكِلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ.

وَإِذَا مَاتَ الْمَدْيُونُ فَأَبْرَأْهُ رَبُّ الدَّيْنِ فَلَمْ تَقْبَلْ وَرَثَتُهُ بَرِئَ مَعَ كَفِيلِهِ.

(وَإِذَا طَالَبَ الْكَفِيلُ بِهِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ) لِرَبِّ الْحَقِّ (لَزِمَهُ ذَلِكَ، إنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ) وَلَوْ لَمْ يُطَالِبْهُ بِهِ رَبُّ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ ذِمَّتَهُ مِنْ أَجْلِهِ بِإِذْنِهِ فَلَزِمَهُ تَخْلِيصُهُ، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ مِنْهُ عَبْدَهُ لِيَرْهَنَهُ (أَوْ طَالَبَهُ) أَيْ: الْكَفِيلَ (صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ) أَيْ: الْمَكْفُولِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكْفُلْهُ لَهُ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ حُضُورَ الْمَكْفُولِ بِهِ حَقٌّ لِلْمَكْفُولِ لَهُ وَقَدْ اسْتَنَابَ الْكَفِيلَ فِي ذَلِكَ بِمُطَالَبَتِهِ بِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِالْوَكَالَةِ.

(وَإِلَّا) بِأَنْ كَفَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَمْ يُطَالِبْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ (فَلَا) يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ مَعَهُ إلَى رَبِّ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ لَمْ يَشْغَلْ ذِمَّتَهُ وَإِنَّمَا شَغَلَهَا الْكَفِيلُ بِاخْتِيَارِهِ وَلَمْ يُوَكِّلْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ.

(فَإِنْ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ غَائِبًا غِيبَةً تُعْلَمُ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ) بِأَنْ غَابَ بِمَوْضِعٍ مَعْلُومٍ (وَلَوْ) كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ (مُرْتَدًّا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ) بِمَوْضِعٍ مَعْلُومٍ (أُمْهِلَ) الْكَفِيلُ (بِقَدْرِ مَا يَمْضِي) إلَى مَحَلِّ الْمَكْفُولِ بِهِ (وَيُحْضِرُهُ)

مِنْهُ لِيَتَحَقَّقَ إمْكَانُ التَّسْلِيمِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمَسَافَةُ قَرِيبَةً أَمْ بَعِيدَةً.
(وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فِيهَا) أَيْ: فِي الْغَيْبَةِ (خَبَرُهُ) أَيْ: الْمَكْفُولِ بِهِ (لَزِمَهُ) أَيْ: الْكَفِيلَ (الدِّينُ مِنْ غَيْرِ إمْهَالٍ) إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِمْهَالِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِمَوْضِعِهِ (فَإِنْ) عُلِمَ مَوْضِعُهُ وَ (مَضَى) الْكَفِيلُ إلَيْهِ (وَلَمْ يُحْضِرْهُ) أَيْ: الْمَكْفُولَ بِهِ (إمَّا لِتَوَانٍ أَوْ لِهَرَبِهِ) أَيْ: الْمَكْفُولِ بِهِ (وَاخْتِفَائِهِ أَوْ؛ لِامْتِنَاعِهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ) كَذِي سُلْطَانٍ (بِحَيْثُ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ مَعَ حَيَاتِهِ لَزِمَهُ) أَيْ: الْكَفِيلَ (مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» وَلِأَنَّهَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَفَالَةِ فَوَجَبَ الْغُرْمُ بِهَا إذَنْ كَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْكَفِيلِ الْمَالُ بِإِحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ بَعْدَ الْوَقْتِ الْمُسَمَّى نَصًّا (إلَّا إذَا شَرَطَ) الْكَفِيلُ (الْبَرَاءَةَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الدَّيْنِ فَلَا يَلْزَمُهُ، عَمَلًا بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ الْكَفَالَةَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَلَا يَلْزَمُهُ سِوَى مَا اقْتَضَاهُ الْتِزَامُهُ.
(وَكَذَا عِوَضُ الْعَيْنِ الْمَكْفُولِ بِهَا) يَلْزَمُ الْكَفِيلَ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ لِيُسَلِّمَهَا (إذَا لَمْ يَشْرِطْ) الْكَفِيلُ (أَنْ لَا مَالَ عَلَيْهِ بِتَلَفِهَا) أَيْ: بِسَبَبِ تَعَذُّرِ رَدِّهَا؛ لِتَلَفِهَا بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، أَوْ هَرَبِهِ بِهَا وَنَحْوِهِ أَمَّا إذَا تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْكَفِيلَ يَبْرَأُ بِذَلِكَ، كَمَوْتِ الْمَكْفُولِ بِهِ (فَإِنْ اشْتَرَطَ) الْكَفِيلُ الْبَرَاءَةَ (بَرِئَ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَالسَّجَّانُ وَنَحْوُهُ مِمَّنْ هُوَ وَكِيلٌ عَلَى بَدَنِ الْغَرِيمِ) كَرَسُولِ الشَّرْعِ (بِمَنْزِلَةِ الْكَفِيلِ لِلْوَجْهِ) أَيْ: كَفِيلِ الْبَدَنِ (عَلَيْهِ) أَيْ: السَّجَّانِ وَنَحْوِهِ (إحْضَارُ الْخَصْمِ فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ (إحْضَارُهُ ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ قَالَهُ الشَّيْخُ:) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ يُجْعَلُ فِي حِفْظِ الْغَرِيمِ، إنْ هَرَبَ مِنْهُ بِتَفْرِيطِهِ لَزِمَهُ إحْضَارُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَقَالَ) الشَّيْخُ: (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْوَالِدُ ضَامِنًا لِوَلَدِهِ وَلَا لَهُ عِنْدَهُ مَالٌ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ لَهُ عَلَى الْوَلَدِ حَقٌّ أَنْ يُطَالِبَ وَالِدَهُ بِمَا عَلَيْهِ، لَكِنْ إنْ أَمْكَنَ الْوَالِدَ مُعَاوَنَةُ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى إحْضَارِ وَلَدِهِ بِالتَّعْرِيفِ بِمَكَانِهِ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ) أَيْ: التَّعْرِيفُ بِمَكَانِهِ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ نُصْحِهِ لَهُ وَحَيْثُ أَدَّى الْكَفِيلُ مَا لَزِمَهُ؛ لِتَعَذُّرِ إحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ عَلَيْهِ (ثُمَّ قَدَرَ) الْكَفِيلُ (عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ) فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ (فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ أَنَّهُ أَيْ: الْكَفِيلَ (فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَكْفُولِ بِهِ (كَضَامِنٍ) إنْ نَوَى الرُّجُوعَ رَجَعَ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَأَنَّهُ) أَيْ: الْكَفِيلَ (لَا يُسَلِّمُهُ) أَيْ: الْمَكْفُولَ بِهِ (إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ ثُمَّ يَسْتَرِدُّ) الْكَفِيلُ مِنْهُ (مَا أَدَّاهُ) إلَيْهِ (بِخِلَافِ مَغْصُوبٍ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ) فَغَرِمَ الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ ثُمَّ

قَدَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ثُمَّ يَسْتَرِدُّ مِنْهُ مَا أَدَّاهُ (؛ لِامْتِنَاعِ بَيْعِهِ) ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَمْ يَمْلِكْهُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْهُ؛ لِلْحَيْلُولَةِ وَقَدْ زَالَتْ بِخِلَافِ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ الْكَفِيلُ بِبَذْلِ عِوَضِهِ نَاوِيًا الرُّجُوعَ يَمْلِكُهُ مِلْكًا تَامًّا وَلَهُ جَمْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ.

وَإِنْ أَدَّى الْكَفِيلُ لِغَيْبَةِ الْمَكْفُولِ وَقَدْ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ ثُمَّ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ مَوْتُ الْمَكْفُولِ بِهِ قَبْلَ غُرْمِ الْكَفِيلِ الْمَالَ، اسْتَرَدَّهُ لِتَبَيُّنِ بَرَاءَتِهِ بِمَوْتِ الْمَكْفُولِ.

(وَإِنْ كَفَلَ اثْنَانِ وَاحِدًا فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْرَأْ الْآخَرُ بِذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْوَثِيقَتَيْنِ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءٍ فَلَمْ تَنْحَلَّ الْأُخْرَى كَمَا لَوْ أَبْرَأَ أَحَدُهُمَا.

(وَإِنْ سَلَّمَ) الْمَكْفُول بِهِ (نَفْسَهُ بَرِئَا) ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَيْنِ لِأَجَلِهِ، وَهُوَ إحْضَارُ نَفْسِهِ فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا.

(وَإِنْ كَفَلَ وَاحِدٌ غَرِيمًا لِاثْنَيْنِ فَأَبْرَأْهُ) أَيْ: الْكَفِيلَ (أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْرَأْ) الْكَفِيلُ (مِنْ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ اثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ فَقَدْ الْتَزَمَ إحْضَارُهُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِذَا أَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا بَقِيَ حَقُّ الْآخَرِ.

(وَإِنْ كَفَلَ الْكَفِيلَ كَفِيلٌ آخَرُ صَحَّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ (فَإِنْ بَرِئَ) الْكَفِيلُ (الْأَوَّلُ بَرِئَ) الْكَفِيلُ (الثَّانِي) ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ (وَلَا عَكْس) فَإِذَا بَرِئَ الثَّانِي لَمْ يَبْرَأْ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَا يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ الْفَرْعِ.

(وَإِنْ كَفَلَ) الْكَفِيلَ الثَّانِي شَخْصٌ (ثَالِثٌ بَرِئَ كُلٌّ مِنْهُمْ) أَيْ: الْكُفَلَاءُ (بِبَرَاءَةِ مَنْ قَبْلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ (وَلَا عَكْسَ) أَيْ: لَا يَبْرَأُ أَحَدُهُمْ بِبَرَاءَةِ مَنْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فَرْعُهُ (كَضَمَانٍ) فِي مَالٍ.

(وَلَوْ كَفَلَ اثْنَانِ وَاحِدًا وَكَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْكَفِيلَيْنِ (كَفِيلٌ آخَرُ فَأَحْضَرَهُ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ الْكَفِيلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بَرِئَ هُوَ وَمَنْ تَكَفَّلَ بِهِ الْأَوَّلُ بِتَسَلُّمِهِ وَالثَّانِي بِبَرَاءَةِ أَصْلِهِ (وَبَقِيَ) الْكَفِيلُ (الْآخَرُ وَمَنْ تَكَفَّلَ بِهِ) حَتَّى يُسَلِّمَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ، أَوْ يَبْرَأَ مِنْ الْحَقِّ.

(وَمَتَى أَحَالَ رَبُّ الْحَقِّ) عَلَى الْغَرِيمِ بِدَيْنِهِ (أَوْ أُحِيلَ) رَبُّ الْحَقِّ بِدَيْنِهِ (أَوْ زَالَ الْعَقْدُ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ (بَرِئَ الْكَفِيلُ) بِالْمَالِ أَوْ الْبَدَنِ (وَبَطَلَ الرَّهْنُ) إنْ كَانَ (؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ فِي الْمَعْنَى) ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمُحَالُ بِهِ أَوْ لَا وَلِبَرَاءَةِ الْغَرِيمِ بِزَوَالِ الْعَقْدِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (أَوَّلَ الْبَابِ) .

" تَتِمَّةٌ " لَوْ قَالَ أَعْطِ فُلَانًا أَلْفًا فَفَعَلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآمِرِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَفَالَةً وَلَا ضَمَانًا إلَّا أَنْ يَقُولَ: أَعْطِهِ عَنِّي خَلِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.

(وَلَوْ خِيفَ مِنْ غَرَقِ سَفِينَةٍ فَأَلْقَى بَعْضُ مَنْ فِيهَا مَتَاعَهُ فِي الْبَحْرِ لِتَخِفَّ لَمْ يَرْجِعْ) الْمُلْقِي (بِهِ) أَيْ: بِمَتَاعِهِ (عَلَى أَحَدٍ وَلَوْ نَوَى الرُّجُوعَ) ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ نَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ.

(وَيَجِبُ الْإِلْقَاءُ) أَيْ: إلْقَاءُ مَا لَا رُوحَ فِيهِ مِنْ السَّفِينَةِ (إنْ خِيفَ تَلَفُ الرُّكَّابِ بِالْغَرَقِ) ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ ذِي الرُّوحِ آكَدُ فَإِنْ خِيفَ الْغَرَقُ بَعْدَ ذَلِكَ أُلْقِيَ الْحَيَوَانُ غَيْرُ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ آكَدُ.

(وَلَوْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِهَا) أَيْ: السَّفِينَةِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ (أَلْقِ مَتَاعَك) فِي الْبَحْرِ (فَأَلْقَاهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْآمِرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى إلْقَائِهِ وَلَمْ يَضْمَنْهُ لَهُ (وَإِنْ قَالَ أَلْقِهِ) فِي الْبَحْرِ (وَأَنَا ضَامِنُهُ ضَمِنَ) الْآمِرُ بِهِ (الْجَمِيعَ) وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ صَحِيحٌ.
(وَإِنْ قَالَ) أَلْقِهِ فِي الْبَحْرِ (وَأَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ، وَأَطْلَقَ ضَمِنَ) الْآمِرُ (وَحْدَهُ بِالْحِصَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ الْجَمِيعَ وَإِنَّمَا ضَمِنَ حِصَّتَهُ وَأَخْبَرَ عَنْ سَائِر رُكْبَانِ السَّفِينَةِ بِضَمَانِ سَائِرِهِ فَلَزِمَتْهُ حِصَّتُهُ وَلَمْ يَسْرِ قَوْلُهُ عَلَى الْبَاقِينَ (وَإِنْ قَالَ) أَلْقِهِ فِي الْبَحْرِ وَ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لَك مَتَاعَك أَوْ قِيمَتَهُ ضَمِنَ) أَيْ: لَزِمَ (الْقَائِلَ) وَحْدَهُ (ضَمَانُ الْجَمِيعِ، سَوَاءٌ كَانُوا) أَيْ: رُكْبَانُ السَّفِينَةِ (يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ فَسَكَتُوا، أَوْ قَالُوا: لَا نَفْعَلُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا) قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ لَا يَلْزَمُهُمْ بِهِ حَقٌّ (وَإِنْ رَضُوا) أَيْ: الرُّكْبَانُ (بِمَا قَالَ: لَزِمَهُمْ) الْغُرْمُ، وَيُوَزَّعُ عَلَى عَدَدِهِمْ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الضَّمَانِ فَإِنْ قَالُوا: ضَمِنَّا لَك الدَّيْنَ؛ كَانُوا شُرَكَاءَ، عَلَى كُلٍّ حِصَّتُهُ، وَإِنْ قَالُوا: كُلٌّ مِنَّا ضَامِنٌ لَك الدَّيْنَ طُولِبَ كُلُّ وَاحِدٍ بِهِ كَامِلًا وَتَقَدَّمَ.

(وَلَوْ قَالَ) جَائِزُ التَّصَرُّفِ (لِزَيْدٍ: طَلِّقْ زَوْجَتَك وَعَلَيَّ أَلْفٌ، أَوْ) عَلَيَّ (مَهْرُهَا) فَطَلَّقَهَا (لَزِمَهُ) أَيْ: الْقَائِلَ (ذَلِكَ) أَيْ: الْأَلْفُ أَوْ مَهْرُهَا (بِالطَّلَاقِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقَالَ: لَوْ قَالَ بِعْ عَبْدَك مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةٍ وَعَلَيَّ مِائَةٌ أُخْرَى لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) وَالْفَرْقُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الثَّانِي إتْلَافٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَإِنْ شَرَطَ فِي ضَمَانٍ أَوْ كَفَالَةٍ خِيَارًا فَسَدَا.

[بَابُ الْحَوَالَةِ]

ِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ التَّحَوُّلِ؛ لِأَنَّهَا تُحَوِّلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الْأَصَمِّ وَسَنَدُهُ: السُّنَّةُ

الصَّحِيحَةُ فَمِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ وَفِي لَفْظٍ مَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» . (وَهِيَ عَقْدُ إرْفَاقٍ) مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مُحَوَّلًا عَلَى غَيْرِهِ (لَا خِيَارَ فِيهِ وَلَيْسَتْ) الْحَوَالَةُ (بَيْعًا) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَكَانَتْ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَمَا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهَا بَيْعُ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ وَلَجَازَتْ بِلَفْظِ الْبَيْع، وَبَيْنَ جِنْسَيْنِ كَالْبَيْعِ كُلِّهِ وَلِأَنَّ لَفْظَهَا يُشْعِرُ بِالتَّحَوُّلِ وَلَيْسَتْ أَيْضًا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ؛ لِعَدَمِ الْعَيْنِ فِيهَا (بَلْ) الْحَوَالَةُ (تَنْقُلُ الْمَالَ) الْمُحَالَ بِهِ (مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ) لِمَا سَبَقَ، مِنْ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ أَوْ التَّحْوِيلِ وَفِيهَا شَبَهٌ بِالْمُعَاوَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ وَشَبَهٌ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ حَيْثُ بَرَاءَةِ الْمُحِيلِ بِهَا، وَلِتَرَدُّدِهَا بَيْنَهُمَا أَلْحَقَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِالْمُعَاوَضَةِ، وَبَعْضُهُمْ بِالِاسْتِيفَاءِ.

وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ (فَلَا يَمْلِكُ الْمُحْتَالُ عَلَى الْمَلِيءِ) الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ فَلَا يَعُودُ بَعْدَ انْتِقَالِهِ هَذَا إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهَا؛ لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ دَيْنٍ لَيْسَ فِيهَا قَبْضٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا مِمَّنْ يَدْفَعُ عَنْهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ (وَلَا) يَمْلِكُ (الْمُحْتَالُ) وَلَوْ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ (بِرِضَاهُ) بِالْحَوَالَةِ (إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ يَسَارَ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ وَجَهِلَهُ) أَيْ: يَسَارَهُ (أَوْ ظَنَّهُ مَلِيئًا) ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ (الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِحَالٍ أَيْ: سَوَاءٌ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ) مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ (أَوْ تَعَذَّرَ) اسْتِيفَاؤُهُ (لِمَطْلٍ، أَوْ فَلَسٍ أَوْ مَوْتٍ وَكَذَا) لَوْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ (لِجُحُودٍ صَرَّحَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ) بِأَنْ جَحَدَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ وَحَلَفَ، (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ) بِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ مَعَ الْجُحُودِ (إذَا كَانَ الْمُحْتَالُ يَعْلَمُ الدَّيْنَ، أَوْ صَدَّقَ) الْمُحْتَالُ (الْمُحِيلَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنَّ دَيْنَهُ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ الْجَاحِدِ (أَوْ ثَبَتَ) الدَّيْنُ (بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ مَاتَتْ وَنَحْوِهِ) بِأَنْ أَقَرَّ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ أَنْكَرَ (أَمَّا إنْ ظَنَّهُ) أَيْ: ظَنَّ الْمُحْتَالُ الدَّيْنَ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ (فَجَحَدَ) الْمُحَالُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ (وَلَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُهُ فَلَهُ) أَيْ: الْمُحْتَالِ (الرُّجُوعُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ دَيْنِهِ عَلَيْهِ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ.

(وَتَصِحُّ) الْحَوَالَةُ (بِلَفْظِهَا) كَأَحَلْتُكَ بِدَيْنِك عَلَى فُلَانٍ (أَوْ مَعْنَاهَا الْخَاصِّ) كَأَتْبَعْتُكَ بِدَيْنِك عَلَى فُلَانٍ وَنَحْوِهِ،؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَقْصُودِ.

(وَلَا تَصِحُّ) الْحَوَالَةُ (إلَّا بِشُرُوطٍ) أَرْبَعَةٍ (أَحَدُهَا: أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ عُرْضَةٌ لِلسُّقُوطِ وَمُقْتَضَى الْحَوَالَةِ إلْزَامُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ مُطْلَقًا

فَلَا تَثْبُتُ فِيمَا هَذَا صِفَتُهُ (وَلَوْ) كَانَتْ الْحَوَالَةُ (عَلَى الضَّامِنِ بِمَا ضَمِنَهُ وَوَجَبَ) ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ، بِخِلَافِ مَا إذَا ضَمِنَ مَا يَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ قَبْلَ وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ إذَنْ (أَوْ) أَيْ: وَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى مَا (فِي ذِمَّةِ مَيِّتٍ) مِنْ دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ لِمَا سَبَقَ.
(وَفِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ: إنْ قَالَ: أَحَلْتُك بِمَا عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ (صَحَّ) ذَلِكَ (لَا أَحَلْتُك بِهِ عَلَيْهِ أَيْ: الْمَيِّتِ) فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ خَرِبَتْ (وَتَصِحُّ) الْحَوَالَةُ (عَلَى الْمُكَاتَبِ بِغَيْرِ مَالِ الْكِتَابَةِ) كَبَدَلِ قَرْضٍ وَثَمَنِ مَبِيعٍ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ.
(وَإِنْ أَحَالَ) السَّيِّدُ (عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ) لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ (وَلَوْ حَلَّ) ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ (أَوْ) أَحَالَ الْمُسْلِمُ عَلَى (الْمُسْلَمِ) لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ (أَوْ) أَحَالَ عَلَى (رَأْسِ مَالِهِ) أَيْ: السَّلَمِ (بَعْدَ فَسْخِهِ) لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَتَقَدَّمَ) فِي أَوَاخِرِ السَّلَمِ (أَوْ) أَحَالَتْ الزَّوْجَةُ عَلَى (الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ (أَوْ) أَحَالَ عَلَى (الْأُجْرَةِ بِالْعَقْدِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ) فِيمَا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ لِعَمَلٍ (أَوْ) قَبْلَ (فَرَاغِ الْمُدَّةِ) إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ.
لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا (أَوْ) أَحَالَ الْبَائِعُ (بِثَمَنِ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) أَيْ: خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ الشَّرْطِ (أَوْ) أَحَالَ (عَلَى نَاظِرِهِ، أَوْ عَلَى وَلِيِّ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ أَحَالَ نَاظِرُ الْوَقْفِ بَعْضَ الْمُسْتَحِقِّينَ عَلَى جِهَةٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ حَوَالَةً؛ لِأَنَّهَا انْتِقَالُ مَالٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ وَالْحَقُّ هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ وَكَالَةً كَالْحَوَالَةِ عَلَى مَا لَهُ فِي الدِّيوَانِ (وَلَا يُشْتَرَطُ) لِلْحَوَالَةِ (اسْتِقْرَارُ الْمُحَالِ بِهِ فَإِنْ أَحَالَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ) بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ.
(أَوْ) أَحَالَ (الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ) بِالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ (أَوْ) أَحَالَ (الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارَيْنِ؛ صَحَّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَدِينَ لَهُ تَسْلِيمُ الدَّيْنِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ وَحَوَالَتُهُ بِهِ تَقُومُ مَقَامَ تَسْلِيمِهِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْحَوَالَةُ (بِمُسْلَمٍ فِيهِ وَلَا بِرَأْسِ مَالِهِ بَعْدَ فَسْخِ) الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي السَّلَمِ، أَوْ رَأْسِ مَالِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَتَقَدَّمَ فِي السَّلَمِ (وَلَا) تَصِحُّ الْحَوَالَةُ (بِجِزْيَةٍ) لِفَوَاتِ الصَّغَارِ وَلَا عَلَى الْجِزْيَةِ لِذَلِكَ وَلِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا (فَإِنْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ شَخْصًا عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٍ فَهِيَ وَكَالَةٌ) جَرَتْ (بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ) إذْ لَيْسَ فِيهَا تَحْوِيلُ حَقٍّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ وَإِنَّمَا جَازَتْ الْوَكَالَةُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْوَكِيلِ مُطَالَبَةَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ كَاسْتِحْقَاقِ

الْمُحْتَالِ مُطَالَبَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ (ثَبَتَ فِيهَا أَحْكَامُهَا) أَيْ: أَحْكَامُ الْوَكَالَةِ مِنْ عَزْلِ الْوَكِيلِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَعَزْلِهِ وَنَحْوِهِ.
(وَإِنْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَهُوَ) وَكَالَةٌ فِي (اقْتِرَاضٍ فَلَا يُصَارِفُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْمُصَارَفَةِ (فَإِنْ قَبَضَ الْمُحْتَالُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ (الدَّيْنَ رَجَعَ) الْمُحَالُ عَلَيْهِ إذَنْ (عَلَى الْمُحِيلِ) بِمَا دَفَعَهُ عَنْهُ لِلْمُحْتَالِ (؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ) حَيْثُ لَمْ يَتَبَرَّعْ.
(وَإِنْ أَبْرَأَهُ) أَيْ: أَبْرَأَ الْمُحْتَالُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ مِنْهُ (لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ؛ لِأَنَّهَا بَرَاءَةُ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَإِنْ) قَبَضَ الْمُحْتَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ مَا أُحِيلَ بِهِ، ثُمَّ (وَهَبَهُ) الْمُحْتَالُ (إيَّاهُ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِنْهُ) مَلَكَهُ وَ (رَجَعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ) حِينَئِذٍ (عَلَى الْمُحِيلِ) بِمَا دَفَعَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ وَهِبَةُ الْمُحْتَالِ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ مَانِعَةٍ (وَإِنْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَهِيَ وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ أَيْضًا، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَوَالَةً) ؛ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهَا.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: تَمَاثُلُ الدَّيْنَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا تَحْوِيلٌ لِلْحَقِّ وَنَقْلٌ لَهُ فَيَنْتَقِلُ عَلَى صِفَتِهِ (فِي الْجِنْسِ، كَأَنْ يُحِيلَ مَنْ عَلَيْهِ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ وَ) أَنْ يُحِيلَ (مَنْ عَلَيْهِ فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ فَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ أَوْ الْعَكْسُ) بِأَنْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ فِضَّةٌ بِذَهَبٍ (لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ لِلتَّخَالُفِ.
(وَ) تَمَاثُلِ الدَّيْنَيْنِ (فِي الصِّفَةِ فَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ) دَرَاهِمُ (صِحَاحٌ بِمُكَسَّرَةٍ أَوْ مَنْ عَلَيْهِ) دَرَاهِمُ (غُورِيَّةٌ بِسُلَيْمَانِيَّةٍ لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ لِلتَّخَالُفِ.
(وَ) تَمَاثُلُ الدَّيْنَيْنِ فِي (الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ) بِأَجَلٍ وَاحِدٍ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الدَّيْنَيْنِ (حَالًا وَالْآخَرُ مُؤَجَّلًا) لَمْ تَصِحَّ (أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا) مُؤَجَّلًا (إلَى شَهْرٍ وَ) الدَّيْنُ (الْآخَرُ) مُؤَجَّلًا (إلَى شَهْرَيْنِ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ) ؛ لِأَنَّهَا إرْفَاقٌ كَالْقَرْضِ فَلَوْ جُوِّزَتْ مَعَ الِاخْتِلَافِ؛ لَكَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا الْفَضْلُ فَتَخْرُجُ عَنْ مَوْضِعِهَا.
(وَلَوْ كَانَ الْحَقَّانِ) أَيْ: الْمُحَالُ بِهِ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ (حَالَيْنِ فَشُرِطَ عَلَى الْمُحْتَالِ أَنْ يُؤَخِّرَ حَقَّهُ أَوْ) يُؤَخِّرَ (بَعْضَهُ إلَى أَجَلٍ) وَلَوْ مَعْلُومًا (لَمْ تَصِحَّ) الْحَوَالَةُ (أَيْضًا) ؛ لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَتَأَجَّلُ بِأَجَلٍ.
وَلَوْ قِيلَ يَفْسُدُ الشَّرْطُ وَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ لَكَانَ أَوْفَقَ بِالْقَوَاعِدِ وَلَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ لِغَيْرِهِ (فَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ) أَيْ: تَمَاثُلُ الدَّيْنَيْنِ فِيمَا ذُكِرَ (كَمَا يُشْتَرَطُ) ذَلِكَ (فِي الْمُقَاصَّةِ وَتَقَدَّمَ آخِرَ السَّلَمِ) بَيَانُ الْمُقَاصَّةِ وَشُرُوطُهَا.
(وَ) يُشْتَرَطُ تَمَاثُلُ الدَّيْنَيْنِ فِي (الْقَدْرِ فَلَا تَصِحُّ) الْحَوَالَةُ (بِعَشَرَةٍ عَلَى خَمْسَةٍ وَلَا عَكْسُهُ) إنْ أَحَالَ بِخَمْسَةٍ عَلَى عَشَرَةٍ لِلتَّخَالُفِ كَمَا سَبَقَ.
(وَتَصِحُّ) الْحَوَالَةُ (بِخَمْسَةٍ مِنْ الْعَشَرَةِ عَلَى الْخَمْسَةِ وَ) تَصِحُّ

الْحَوَالَةُ (بِالْخَمْسَةِ عَلَى خَمْسَةٍ مِنْ الْعَشَرَةِ) لِلْمُرَافَقَةِ (وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ سَبَبَيْ الدَّيْنَيْنِ) بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَنْ قَرْضٍ وَالْآخَرُ ثَمَنَ مَبِيعٍ أَوْ نَحْوِهِ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ) الْحَوَالَةُ (بِمَالٍ مَعْلُومٍ عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ مِمَّا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَغَيْرِهَا كَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ) ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ بَيْعًا فَلَا يَصِحُّ فِي مَجْهُولٍ وَإِنْ كَانَتْ تَحَوُّلَ الْحَقُّ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا التَّسْلِيمُ وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُ مِنْهُ وَلَا تَصِحُّ فِيمَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ كَالْجَوْهَرِ وَإِنْ أَحَالَ بِإِبِلِ الدِّيَةِ عَلَى إبِلِ الْقَرْضِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّهُ يَرُدُّ الْقِيمَةَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ لَمْ يَصِحَّ مُطْلَقًا وَفِي الْحَوَالَةِ بِإِبِلِ الدِّيَةِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهَا وَجْهَانِ: قَالَ الْقَاضِي: تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فِي السِّنِّ وَالْقِيمَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ.
(قَالَ الشَّيْخُ: الْحَوَالَةُ عَلَى مَالِهِ فِي الدِّيوَانِ) وَمِثْلُهُ الْحَوَالَةُ عَلَى مَالِهِ فِي الْوَقْفِ (إذَنْ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَقَطْ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَلِلْمُحْتَالِ) إذَنْ (الرُّجُوعُ) كَعَزْلِ الْوَكِيلِ نَفْسَهُ (وَمُطَالَبَةِ مُحِيلِهِ) بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ بِوَفَاءٍ وَلَا إبْرَاءٍ وَلَا حَوَالَةٍ حَقِيقَةٍ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: أَنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ (وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ لِلْمُحِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ وَقَدْ أَقَامَ الْمُحْتَالَ مُقَامَ نَفْسِهِ فِي الْقَبْضِ فَلَزِمَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ إلَيْهِ كَالْوَكِيلِ.
(وَلَا) يُعْتَبَرُ أَيْضًا (رِضَا الْمُحْتَالِ إنْ كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا فَيَجِبُ) عَلَى مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ (أَنْ يَحْتَالَ) لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: «إذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» (فَإِنْ امْتَنَعَ) الْمُحْتَالُ (أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهَا) أَيْ: الْحَوَالَةِ لِلْخَبَرِ (وَيَبْرَأُ الْمُحِيلُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَقَبْلَ إجْبَارِ) الْحَاكِمِ (الْمُحْتَالَ عَلَى قَبُولِهَا) أَيْ: الْحَوَالَةِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُحِيلِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ أَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ.
وَفَسَّرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْمَلِيءَ، فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا بِمَالِهِ وَقَوْلِهِ وَبَدَنِهِ فَلِذَلِكَ قَالَ: (وَتُعْتَبَرُ الْمَلَاءَةُ فِي الْمَالِ وَالْقَوْلِ وَالْبَدَنِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهَا زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ.
(وَفِعْلِهِ) وَزَادَ فِي الْكُبْرَى عَلَيْهِمَا (وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَدَاء فَ) الْمَلَاءَةُ (فِي الْمَالِ: الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَفَاءِ وَ) الْمَلَاءَةُ (فِي الْقَوْلِ: أَنْ لَا يَكُونَ مُمَاطِلًا وَ) الْمَلَاءَةُ (فِي الْبَدَنِ: إمْكَانُ حُضُورِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ) . هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِعْلَهُ يَرْجِعُ إلَى عَدَمِ الْمَطْلِ إذْ الْبَاذِلُ غَيْرُ مُمَاطِلٍ،

وَتَمَكُّنُهُ مِنْ الْأَدَاءِ يَرْجِعُ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ، إذْ مَنْ مَالُهُ غَائِبٌ أَوْ فِي الذِّمَّةِ وَنَحْوِهِ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْوَفَاءِ وَلِذَلِكَ أَسْقَطَهُمَا الْأَكْثَرُ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يُفَسِّرْهُمَا (فَلَا يَلْزَمُ) رَبَّ الدَّيْنِ (أَنْ يَحْتَالَ عَلَى وَالِدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُهُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ (وَلَا) يَلْزَمُ أَنْ يَحْتَالَ (عَلَى مَنْ هُوَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ) ؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَقِيَاسُهُ: الْحَوَالَةُ عَلَى ذِي سُلْطَانٍ لَا يُمْكِنهُ إحْضَارُهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ (وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحِيلَ) رَبَّ الدَّيْنِ (عَلَى أَبِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُحِيلَ لَا يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَفَرْعُهُ كَذَلِكَ.
(وَمَتَى صَحَّتْ) الْحَوَالَةُ (فَرَضِيَا) أَيْ: الْمُحْتَالُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ (بِخَيْرٍ مِنْهُ) أَيْ: الدَّيْنِ (أَوْ بِدُونِهِ أَوْ) رَضِيَا بِ (تَعْجِيلِهِ) وَهُوَ مُؤَجَّلٌ (أَوْ) بِ (تَأْجِيلِهِ) وَهُوَ حَالٌّ (أَوْ) أَخْذِ (عِوَضِهِ؛ جَازَ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ، فَهُنَا أَوْلَى، لَكِنْ إنْ جَرَى بَيْنَ الْعِوَضَيْنِ رِبَا النَّسِيئَةِ كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ الْمُحَالُ بِهِ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ، فَعَوَّضَهُ فِيهِ مَوْزُونًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، أَوْ كَانَ مَكِيلًا، فَعَوَّضَهُ عَنْهُ مَكِيلًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ اُشْتُرِطَ فِيهِ التَّقَابُضُ بِمَجْلِسِ التَّعْوِيضِ.

(وَإِنْ رَضِيَ) الْمُحْتَالُ بِالْحَوَالَةِ (وَاشْتَرَطَ) فِي الْمُحَالِ عَلَيْهِ (الْيَسَارَ) صَحَّ الِاشْتِرَاطُ لِحَدِيثِ «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» ؛ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْعَقْدِ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَكَانَ كَشَرْطِ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ فَإِنْ بَانَ مُعْسِرًا؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ (أَوْ لَمْ يَرْضَ) الْمُحْتَالُ بِالْحَوَالَةِ (فَبَانَ) الْمُحَالُ عَلَيْهِ (مُعْسِرًا فَلَهُ) أَيْ: الْمُحْتَالِ (الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ) وَلَا يُجْبَرُ عَلَى اتِّبَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَلْ عَلَى مَلِيءٍ.

(وَإِذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ) فَبَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ (أَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (بِهِ) أَيْ: بِالثَّمَنِ (فَبَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، كَظُهُورِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ حُرًّا) أَوْ مُسْتَحَقًّا (فَإِنْ كَانَ) ظُهُورُ الْبُطْلَانِ (بِبَيِّنَةٍ فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ تَبَيَّنَّا أَنْ لَا ثَمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَالْحَوَالَةُ فَرْعٌ عَلَى الثَّمَنِ فَإِذَنْ يَبْطُلُ الْفَرْعُ لِبُطْلَانِ أَصْلِهِ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي مَسْأَلَةِ حَوَالَتِهِ.
وَعَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لَمَّا بَطُلَتْ؛ وَجَبَ بَقَاءُ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ (وَإِنْ كَانَ) ظُهُورُ الْمَبِيعِ حُرًّا (بِاتِّفَاقِ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى حُرِّيَّتِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ الْمَبِيعِ (مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْمُحْتَالُ فَكَذَلِكَ) أَيْ: بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ؛ لِاتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى بُطْلَانِهَا (وَإِنْ كَذَّبَهُمَا) الْمُحْتَالُ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُمَا يُبْطِلَانِ حَقِّهِ (أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ ثُمَّ اعْتَرَفَ هُوَ وَبَائِعُهُ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي وَإِنْ أَقَامَا) أَيْ: الْمُحِيلُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِحُرِّيَّتِهِ (لَمْ تُسْمَعْ) بَيِّنَتُهُمَا (لِأَنَّهُمَا كَذَّبَاهَا بِدُخُولِهِمَا فِي التَّبَايُعِ وَإِنْ أَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً بِحُرِّيَّتِهِ قُبِلَتْ) . الْبَيِّنَةُ؛ لِعَدَمِ مَا يَمْنَعُهَا (وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ) ؛ لِأَنَّهُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ ظَهَرَ أَنْ لَا ثَمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْحَوَالَةُ فَرْعٌ عَلَى سَلَامَةِ الثَّمَنِ (وَإِنْ صَدَّقَهُمَا) أَيْ: الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِي (الْمُحْتَالُ) عَلَى حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ.
(وَادَّعَى الْحَوَالَةَ بِغَيْرِ ثَمَنِ الْعَبْدِ) الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَى حُرِّيَّتِهِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي سَلَامَةَ الْعَقْدِ، وَهِيَ الْأَصْلُ (إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا) أَيْ: لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بَيِّنَةٌ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِثَمَنِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَتْ عُمِلَ بِهَا.
(وَإِنْ اتَّفَقَ الْمُحِيلَ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ (وَكَذَّبَهُمَا الْمُحَالُ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ فِي حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ) ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِمَا (وَتَبْطُلُ الْحَوَالَةُ) ؛ لِاعْتِرَافِ الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ بِبُطْلَانِهَا (وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ يَعْتَرِفُ لِلْمُحْتَالِ بِدَيْنٍ لَا يُصَدِّقُهُ) الْمُحْتَالُ (فِيهِ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا وَإِنْ اعْتَرَفَ الْمُحْتَالُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ عَتَقَ) الْعَبْدُ.
(لِإِقْرَارِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ بِحُرِّيَّتِهِ وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا) مُؤَاخَذَةً لَهُمَا بِحُكْمِ إقْرَارِهِمَا (وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِبَرَاءَتِهِ) بِدُخُولِهِ مَعَهُ فِي الْحَوَالَةِ (وَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ) وَقَدْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، أَوْ أَحَالَ الْبَائِع عَلَيْهِ بِهِ (بِعَيْبٍ أَوْ) تَدْلِيسٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ (إقَالَةٍ أَوْ خِيَارٍ أَوْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) بَعْدَ الْحَوَالَةِ بِالصَّدَاقِ بِمَا يُسْقِطُهُ أَوْ يُنَصِّفُهُ.
(وَنَحْوِهِ) أَيْ: أَوْ انْفَسَخَ نَحْوُ النِّكَاحِ كَإِجَارَةٍ بَعْدَ الْحَوَالَةِ بِأُجْرَتِهَا (بَعْدَ قَبْضِ الْمُحْتَالِ مَالَ الْحَوَالَةِ لَمْ تَبْطُلْ) الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَمْ يَرْتَفِعْ مِنْ أَصْلِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ الثَّمَنُ فَلَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ؛ لِانْتِفَاءِ الْمُبْطِلِ.

(وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ فِي مَسْأَلَتَيْ حَوَالَتِهِ) لِلْبَائِعِ (وَالْحَوَالَةُ عَلَيْهِ) مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّ الْمُعَوَّضَ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِالْعِوَضِ وَالرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ مُتَعَذَّرٌ لِلُزُومِ الْحَوَالَةِ فَوَجَبَ فِي بَدَلِهِ وَإِذَا لَزِمَ الْبَدَلُ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي انْتَفَعَ بِمُبْدَلِهِ، وَ (لَا) رُجُوعَ لِلْمُشْتَرِي (عَلَى مَنْ كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) وَهُوَ الَّذِي أَحَالَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ الْبَائِعَ (وَلَا) رُجُوعَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا (عَلَى مَنْ أُحِيلَ) أَيْ: أَحَالَهُ الْبَائِع (عَلَيْهِ فِي) الْمَسْأَلَةِ (الثَّانِيَةِ) لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ وَعَدَمِ بُطْلَانِهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ) لِلْبَيْعِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ مِنْ تَقَايُلٍ، أَوْ عَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ وَنَحْوِهِ (قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ: قَبْضِ الْمُحْتَالِ مَالَ الْحَوَالَةِ (لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ عَنْ الْمُحِيلِ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ وَثَبَتَ لِلْمُحْتَالِ فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ، فَكَأَنَّ الْمُحِيلَ أَقْبَضَ الْمُحْتَالَ دَيْنَهُ

(كَمَا لَوْ أَخَذَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَرَضًا) أَوْ كَانَ دَرَاهِمَ وَأَخَذَ عَنْهَا دَنَانِيرَ أَوْ بِالْعَكْسِ ثُمَّ فَسَخَ الْبَيْع، لَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي إلَّا بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، لَا بِمَا عَوَّضَهُ الْبَائِعُ (وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ) لِعَوْدِ الْمَبِيعِ إلَيْهِ بِالْفَسْخِ، كَمَا سَبَقَ.
(وَيَأْخُذَهُ) أَيْ: الثَّمَنَ (الْبَائِعُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ) ؛ لِبَقَاءِ الْحَوَالَةِ (وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِي عَلَى مَنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى) وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي أَحَالَ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْبَائِعِ ثَابِتٌ عَلَى مَنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ فَصَحَّتْ الْحَوَالَةُ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ) مِنْ الْبَائِعِ (عَلَى الْبَائِعِ فِي) الصُّورَةِ (الثَّانِيَةِ) وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ أَحَالَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، لِاسْتِقْرَارِ دَيْنٍ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِذَا أَحَالَ شَخْصٌ رَجُلًا عَلَى زَيْدٍ بِأَلِفٍ فَأَحَالَهُ) أَيْ: الرَّجُلَ (زَيْدٌ بِهَا عَلَى عَمْرٍو صَحَّ) مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ حَوَالَةُ دَيْنٍ ثَابِتٍ (وَهَكَذَا لَوْ أَحَالَ الرَّجُلُ عَمْرًا عَلَى زَيْدٍ بِمَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَضُرُّ تَكْرَارُ الْمُحَالِ وَالْمُحِيلِ) أَيْ: لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ؛ لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ لَهَا.

(وَإِذَا) اخْتَلَفَ الْمُحِيلُ وَالْمُحْتَالُ بِأَنْ (قَالَ) الْمُحِيلُ: (أَحَلْتُكَ) فَ (قَالَ) الْمُحْتَالُ: (بَلْ وَكَّلْتَنِي) فِي الْقَبْضِ، فَقَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ، لِمَا يَأْتِي وَلَهُ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّهُ إمَّا وَكِيلٌ أَوْ مُحْتَالٌ فَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ فَأَقَلَّ فَلَهُ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّ رَبَّ الْحَقِّ يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ وَهُوَ يَقُولُ: إنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَلَهُ مِثْلُهُ عَلَيْهِ فَإِذَا أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ حَصَلَ غَرَضُهُ لَهُ.
وَإِنْ اسْتَوْفَى مُدَّعِي الْوَكَالَةِ دَيْنَهُ مِنْ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ؛ رَجَعَ هُوَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ قَدْ قَبَضَ وَأَتْلَفَ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ بِتَفْرِيطِهِ سَقَطَ حَقُّهُ وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ فَالتَّالِفُ عَلَى خَصْمِهِ وَلَهُ طَلَبُهُ بِحَقِّهِ وَلَا رُجُوعَ لِخَصْمِهِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِاعْتِرَافِهِ بِبَرَاءَتِهِ (أَوْ قَالَ) الْمُحِيلُ: (وَكَّلْتُك) فِي الْقَبْضِ.
(قَالَ: بَلْ أَحَلْتَنِي فَقَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ) ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَقَاءَ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ، وَيُنْكِرُ انْتِقَالَهُ وَالْأَصْلُ مَعَهُ (وَكَذَا إنْ اتَّفَقَا) أَيْ: رَبُّ الدَّيْنِ وَالْمَدِينُ (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ: الْمَدِينُ (قَالَ) لِرَبِّ الدَّيْنِ (أَحَلْتُك) وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ فَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَقِّ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَيَحْلِفُ الْمُحِيلُ وَيَبْقَى حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْفُرُوعِ: لَا يَقْبِضُ الْمُحْتَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِعَزْلِهِ بِالْإِنْكَارِ، وَلَهُ طَلَبُ حَقِّهِ مِنْ الْمُحِيلِ صَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ، وَالشَّارِحُ قَالَا: هُمَا وَصَاحِبُ الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى.
وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ: إنْ كَانَ الْمُحْتَالُ قَدْ قَبَضَ الْحَقَّ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَقَدْ بَرِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ

وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى.
وَفِي الْفُرُوعِ: وَالتَّالِفُ مِنْ عَمْرٍو أَيْ: مُدَّعِي الْوَكَالَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى، وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ.

(أَوْ قَالَ) الْمَدِينُ لِرَبِّ الدَّيْنِ (أَحَلْتُك بِدَيْنِي، أَوْ) أَحَلْتُك (بِالْمَالِ الَّذِي قِبَلَ فُلَانٍ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ) أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ فَقَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ وَلَا مَوْضِعَ لِلْبَيِّنَةِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَخْتَلِفَا فِي لَفْظٍ يُسْمَعُ، وَلَا فِعْلٍ يُرَى وَإِنَّمَا يَدَّعِي أَحَدُهُمَا بِنِيَّتِهِ وَهَذَا لَا تَشْهَدُ بِهِ الْبَيِّنَةُ نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا (وَإِنْ قَالَ) الْمَدِينُ لِرَبِّ الْحَقِّ: (أَحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ، وَاتَّفَقَا عَلَى) صُدُورِ (ذَلِكَ) اللَّفْظِ بَيْنَهُمَا (وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الْوَكَالَةَ فَقَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ) ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِدَيْنِهِ لَا تَحْتَمِلُ الْوَكَالَةَ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ مُدَّعِيهَا.

وَمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ فَطَالَبَهُ بِهِ، فَقَالَ: أَحَلْتُك بِهِ فُلَانًا الْغَائِبَ وَأَنْكَرَ رَبُّ الْحَقِّ فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيُعْمَلُ بِالْبَيِّنَةِ.

[بَابُ الصُّلْحِ وَأَحْكَامِ الْجِوَارِ]

(بَابُ الصُّلْحِ وَأَحْكَامِ الْجِوَارِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ، مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمُجَاوَرَةِ وَأَصْلُهُ الْمُلَازَمَةُ؛ لِأَنَّ الْجَارَ يَلْزَمُ جَارَهُ فِي الْمَسْكَنِ (الصُّلْحُ) لُغَةً (التَّوْفِيقُ وَالسَّلْمُ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا، أَيْ: قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ.
(وَهُوَ) أَيْ: الصُّلْحُ شَرْعًا (مُعَاقَدَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مُوَافَقَةٍ بَيْنَ مُخْتَلِفِينَ) أَيْ: مُتَخَاصِمِينَ وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] وَقَوْلِهِ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

(وَهُوَ) أَيْ: أَصْلُ الصُّلْحِ (أَنْوَاعٌ) تَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهَا فِي كَلَامِهِ (وَمِنْ أَنْوَاعِهِ: الصُّلْحُ) بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ (فِي الْأَمْوَالِ وَهُوَ الْمُرَادُ) بِالتَّرْجَمَةِ (هُنَا) فِي هَذَا الْبَابِ (وَلَا يَقَعُ) الصُّلْحُ (فِي الْغَالِبِ إلَّا عَنْ انْحِطَاطٍ مِنْ رُتْبَةٍ إلَى مَا دُونَهَا، عَلَى سَبِيلِ الْمُدَارَاةِ لِبُلُوغِ بَعْضِ الْغَرَضِ)

أَيْ: لِلْوُصُولِ إلَى بَعْضِ الْحَقِّ.
(وَهُوَ) أَيْ: الصُّلْحُ مِنْ (أَكْبَرِ الْعُقُودِ فَائِدَةً) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النِّزَاعِ وَالشِّقَاقِ (وَلِذَلِكَ) أَيْ: لِكَوْنِهِ مِنْ أَكْبَرِ الْعُقُودِ فَائِدَةً (حَسُنَ) أَيْ: أُبِيحَ (فِيهِ الْكَذِبُ) كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ مُوَضَّحًا (وَيَكُونُ) الصُّلْحُ (بَيْنَ مُسْلِمِينَ وَأَهْلِ حَرْبٍ) بِعَقْدِ الذِّمَّةِ أَوْ الْهُدْنَةِ أَوْ الْأَمَانِ وَتَقَدَّمَ (وَ) يَكُونُ أَيْضًا (بَيْنَ أَهْلِ بَغْيٍ، وَ) أَهْلِ (عَدْلٍ) وَيَأْتِي فِي الْحُدُودِ (وَ) يَكُونُ أَيْضًا (بَيْنَ زَوْجَيْنِ إذَا خِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا، أَوْ خَافَتْهُ امْرَأَةٌ أَعْرَضَ زَوْجُهَا عَنْهَا) وَيَأْتِي فِي النُّشُوزِ (وَ) يَكُونُ أَيْضًا (بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ فِي غَيْرِ مَالٍ) غَيْرِ مَنْ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ وَلَيْسَ لَهُ بَابٌ يَخُصُّهُ وَيَكُونُ أَيْضًا بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ فِي الْمَالِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْبَابِ، كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذِهِ أَنْوَاعُهُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا أَوَّلًا.

(وَهُوَ) أَيْ: الصُّلْحُ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ (فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ وَهُوَ) أَيْ: صُلْحُ الْإِقْرَارِ (نَوْعَانِ) : (أَحَدُهُمَا الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ) الْمُقَرِّ بِهِ (مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ) رَشِيدٌ (لَهُ بِدَيْنٍ، فَيَضَعَ) أَيْ: يَسْقُطُ (عَنْهُ بَعْضُهُ) وَيَأْخُذُ الْبَاقِيَ (أَوْ) يُقِرُّ رَشِيدٌ لِآخَرَ (بِعَيْنٍ فَيَهَبُ) الْمُقَرُّ لَهُ (لَهُ) أَيْ: لِلْمُقِرِّ (بَعْضَهَا وَيَأْخُذُ الْبَاقِيَ فَيَصِحُّ) الصُّلْحُ (إنْ كَانَ) مَا صَدَرَ مِنْ إبْرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ (بِغَيْرِ لَفْظِ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ) أَيْ: وَضْعَ بَعْضِ الْحَقِّ (إبْرَاءٌ وَالثَّانِي) أَيْ: هِبَةَ بَعْضِ الْعَيْنِ (هِبَةٌ يُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ الْهِبَةِ) مِنْ كَوْنِهِ جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَالْعِلْمِ بِالْمَوْهُوبِ وَنَحْوِهِ وَلَا يُمْنَعُ الْإِنْسَانُ مِنْ إسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ أَوْ هِبَتِهِ، كَمَا لَا يُمْنَعُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَّمَ غُرَمَاءَ جَابِرٍ لِيَضَعُوا عَنْهُ، وَقَضِيَّةُ كَعْبٍ مَعَ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الصُّلْحِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَ عَنْ بَعْضِ مَالِهِ بِبَعْضٍ فَهُوَ هَضْمٌ لِلْحَقِّ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ مَنَعَ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ أَبِي مُوسَى الصُّلْحَ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَأَبَاهُ الْأَكْثَرُ فَعَلَى الْأَوَّلِ: إنْ وَفَّاهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَهُوَ وَفَاءٌ وَمِنْ غَيْرِ جِنْسه مُعَاوَضَةٌ وَإِنْ أَبْرَأَهُ عَنْ بَعْضِهِ فَهُوَ إبْرَاءٌ وَإِنْ وَهَبَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ فَهُوَ هِبَةٌ وَلَا يُسَمَّى صُلْحًا، فَالْخِلَافُ إذَنْ فِي التَّسْمِيَةِ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَأَمَّا الْمَغْنَى فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَيَصِحُّ) مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِبْرَاءِ وَالْهِبَةِ (إنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ) : أَبْرَأْتُك أَوْ وَهَبْتُك (عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِيَ) فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، لِمَا يَأْتِي فِي الْهِبَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا، وَلَا تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِشَرْطٍ (أَوْ يَمْنَعْهُ) أَيْ: لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ وَالْهِبَةُ إذَا مَنَعَهُ الْمُقِرُّ (حَقَّهُ بِدُونِهِ) أَيْ: بِدُونِ الْإِبْرَاءِ أَوْ الْهِبَةِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.

(وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ

مِنْ الْإِبْرَاءِ وَالْهِبَةِ (مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالْمُكَاتَبِ وَ) الْعَبْدِ أَوْ الْمُمَيِّزِ (الْمَأْذُونِ لَهُ) فِي التِّجَارَةِ.
(وَ) لَا مِنْ (وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، وَنَحْوِهِمْ) كَالْوَكِيلِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَهَؤُلَاءِ لَا يَمْلِكُونَهُ (إلَّا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ) فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْبَعْضِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِيفَاءِ الْكُلِّ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ.

(وَيَصِحُّ) الصُّلْحُ (عَمَّا اُدُّعِيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ (عَلَى مُوَلِّيهِ، وَبِهِ بَيِّنَةٌ) لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ لَمْ يَصِحَّ.

(وَإِنْ صَالَحَ) رَشِيدٌ (عَنْ) دَيْنٍ (مُؤَجَّلٍ بِبَعْضِهِ حَالًا لَمْ يَصِحَّ) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ بِبَذْلِ الْقَدْرِ الَّذِي يَحُطُّهُ عِوَضًا عَنْ تَعْجِيلِ مَا فِي ذِمَّتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْطَاهُ عَشَرَةً حَالَةً بِعِشْرِينَ مُؤَجَّلَةً (إلَّا فِي) دَيْنِ (كِتَابَةٍ) فَإِذَا عَجَّلَ الْمُكَاتَبُ الْبَعْضَ وَأَبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِنْ الْبَاقِي صَحَّ؛ لِأَنَّ الرِّبَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ وَضَعَ) أَيْ: أَسْقَطَ رَبُّ الدَّيْنِ بَعْضَ الدَّيْنِ (الْحَالَّ، وَأَجَّلَ بَاقِيهِ) بِأَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةٌ حَالَةٌ أَبْرَأَهُ مِنْهَا بِخَمْسِينَ مُؤَجَّلَةٍ (صَحَّ الْإِسْقَاطُ) ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَهُ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ وَلَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ تَأْجِيلِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ أَسْقَطَهُ كُلَّهُ (دُونَ التَّأْجِيلِ) ؛ لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَتَأَجَّلُ (وَلِأَنَّهُ وَعْدٌ) فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَنْ مِائَةٍ صِحَاحٍ بِخَمْسِينَ مُكَسَّرَةٍ وَهُوَ إبْرَاءٌ فِي الْخَمْسِينَ وَوَعْدٌ فِي الْأُخْرَى.

(وَإِنْ صَالَحَ) مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ (عَنْ الْحَقِّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ مِثْلَ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَإِ) بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا (أَوْ) صَالَحَ (عَنْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ مُتَقَوِّمٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا لَمْ يَصِحَّ) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ وَالْقِيمَةَ ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ مُقَدَّرَةً، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا إذْ الزَّائِدُ لَا مُقَابِلَ لَهُ فَيَكُونُ حَرَامًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَ (كَمِثْلِيِّ) أَتْلَفَهُ وَصَالَحَهُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ.
(وَإِنْ صَالَحَهُ) عَنْ دِيَةِ الْخَطَإِ وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ (بِعَرَضٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ دِيَةِ الْخَطَإِ أَوْ قِيمَةِ الْمُتْلَفِ (صَحَّ) الصُّلْحُ (فِيهِمَا) أَيْ: فِي مَسْأَلَةِ الدِّيَةِ وَمَسْأَلَةِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا رِبَا بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ مَا يُسَاوِي خَمْسَةً بِدِرْهَمٍ.

(وَيَصِحُّ) الصُّلْحُ (عَنْ الْمِثْلِيِّ) الْمُتْلَفِ (بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ) وَبِعَرَضٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لِمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ صَالَحَهُ) صَاحِبُ بَيْتٍ (بِبَعْضِ بَيْتٍ أَقَرَّ لَهُ بِهِ) لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَهُ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ بِبَعْضِهِ (أَوْ) صَالَحَهُ (عَلَى أَنْ يُسْكِنَهُ) الْمُقِرُّ سَنَةً، (أَوْ) صَالَحَهُ عَلَى أَنْ (يَبْنِيَ لَهُ) الْمُقِرُّ (فَوْقَهُ) أَيْ: فَوْقَ الْبَيْتِ الْمُقَرِّ بِهِ (غُرْفَةً لَمْ يَصِحَّ) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَهُ عَنْ مَالِهِ عَلَى مَالِهِ، أَوْ مَنْفَعَتِهِ (وَإِنْ أَسْكَنَهُ) السَّنَةَ أَوْ

بَعْضَهَا أَوْ بَنَى لَهُ فَوْقَهُ غُرْفَةً (كَانَ) ذَلِكَ (تَبَرُّعًا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ صَاحِبِ الْبَيْتِ بِمَنَافِعِهِ (مَتَى شَاءَ) الْمُقِرُّ لَهُ (أَخْرَجَهُ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الدَّارِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ كَالْعَارِيَّةِ.
(وَإِنْ أَعْطَاهُ) أَيْ: أَعْطَى الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ (بَعْضَ دَارِهِ بِنَاءً عَلَى هَذَا) الصُّلْحِ لَمْ يَلْزَمْ الْإِعْطَاءُ لِتَرَتُّبِهِ عَلَى الصُّلْحِ الْفَاسِدِ (فَمَتَى شَاءَ) الْمُقَرُّ لَهُ (انْتَزَعَهُ) أَيْ: مَا أَعْطَاهُ لَهُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمُقَرِّ.
(وَإِنْ فَعَلَ) الْمُقَرُّ لَهُ (ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ بِأَنْ أَسْكَنَهُ الْبَيْتَ أَوْ أَعْطَاهُ بَعْضَهُ أَوْ بَنَى لَهُ فَوْقَهُ غُرْفَةً (عَلَى سَبِيلِ الْمُصَالَحَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ بِالصُّلْحِ رَجَعَ) الْمُقَرُّ لَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُقَرِّ (بِأُجْرَةِ مَا سَكَنَ) فِي الدَّارِ (أَوْ أُجْرَةِ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ الدَّارِ) إذَا كَانَ فِي يَدِهِ بَعْضُهَا.
(وَإِنْ بَنَى) الْمُقِرُّ (فَوْقَ الْبَيْتِ غُرْفَةً) بِنَاءً عَلَى السَّطْحِ (أُجْبِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: الْمُقِرُّ (عَلَى نَقْضِهَا) ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ (وَ) أُجْبِرَ أَيْضًا عَلَى (أَدَاءِ أُجْرَةِ السَّطْحِ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي يَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ بِيَدِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُقِرِّ (أَخْذُ آلَتِهِ) الَّتِي بَنَى بِهَا الْغَرْفَةَ لِبَقَائِهَا فِي مِلْكِهِ.
(وَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ: الْمُقِرُّ وَالْمُقَرُّ لَهُ بِالْبَيْتِ الَّذِي بُنِيَتْ فَوْقَهُ الْغَرْفَةُ (عَلَى أَنْ يُصَالِحَهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ عَنْ بِنَائِهِ) الَّذِي هُوَ الْغُرْفَةُ (بِعِوَضٍ جَازَ) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا.
(وَإِنْ بَنَى) الْمُقِرُّ (الْغَرْفَةَ بِتُرَابٍ مِنْ أَرْضِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَآلَاتِهِ فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُقِرِّ (أَخْذُ بِنَائِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ صَاحِبِ الْبَيْتِ) لَا حَقَّ لِلْمُقِرِّ فِيهِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِمُؤْنَةِ التَّالِفِ كَالْغَاصِبِ (وَإِنْ أَرَادَ) الْبَانِي بِتُرَابِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَآلَاتِهِ (نَقْضَ الْبِنَاءَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ: نَقْضُ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ (إذَا أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهِ) أَيْ: بِالْبِنَاءِ وَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْغَصْبِ.

(وَإِنْ قَالَ) رَبُّ الدَّيْنِ لِمَدِينٍ (أَقِرَّ لِي بِدَيْنِي وَأُعْطِيك) أَوْ خُذْ (مِنْهُ) أَوْ مِنْ غَيْرِهِ (مِائَةً فَفَعَلَ) أَيْ: أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنِهِ (صَحَّ الْإِقْرَارُ) ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إنْكَارُهُ (وَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ) ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا رَدَّهُ.

(وَإِنْ صَالَحَ) شَخْصٌ (إنْسَانًا مُكَلَّفًا لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ) أَيْ: بِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ (أَوْ) صَالَحَ (امْرَأَةً مُكَلَّفَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صُلْحٌ يُحِلُّ حَرَامًا؛ لِأَنَّ إرْقَاقَ النَّفْسِ وَبَذْلَ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا بِعِوَضٍ لَا يَجُوزُ.

(وَإِنْ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعُبُودِيَّةَ) مَالًا لِلْمُدَّعِي صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْتِقَ عَبْدَهُ بِعِوَضٍ وَيُشْرَعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الدَّافِعِ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ.

(أَوْ) دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (الزَّوْجِيَّةَ إلَى الْمُدَّعِي مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ صَحَّ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُ الْعِوَضَ عَنْ حَقِّهِ فِي النِّكَاحِ فَجَازَ، كَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَالْمَرْأَةُ تَبْذُلُهُ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ

(فَإِنْ ثَبَتَتْ الزَّوْجِيَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْدَ دَفْعِهَا الْعِوَضَ لَهُ (بِإِقْرَارِهَا أَوْ بِبَيِّنَةٍ) (فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ طَلَاقٌ وَلَا خُلْعٌ.
(وَلَمْ يَكُنْ مَا أَخَذَهُ) مِنْ الْعِوَضِ (صُلْحًا) عَنْ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ (خُلْعًا) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْفَعْهُ فِي مُقَابَلَةِ إبَانَتِهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِفْ بِالزَّوْجِيَّةِ حَتَّى تَطْلُبَ الْإِبَانَةَ.

(وَإِنْ) طَلَّقَهَا وَأَنْكَرَ فَ (دَفَعَتْ إلَيْهِ مَالًا لِيُقِرَّ لَهَا بِمَا وَقَعَ) مِنْهُ (مِنْ طَلَاقِهَا صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَبْذُلَ لَهُ مَالًا لِيُبِينَهَا.
(وَحُرِّمَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ) ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِمَا وَقَعَ مِنْهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَاضَ عَنْهُ (وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ) طَلَّقَهَا (أَقَلَّ) مِنْ ثَلَاثٍ (فَصَالَحَهَا عَلَى مَالٍ لِتَتْرُكَ دَعْوَاهَا) الطَّلَاقَ (لَمْ يَجُزْ) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ يُحِلُّ حَرَامًا.

[فَصْلٌ الصُّلْحِ عَلَى إقْرَارٍ]

فَصْلٌ (النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ نَوْعَيْ الصُّلْحِ عَلَى إقْرَارٍ (أَنْ يُصَالِحَ عَنْ الْحَقِّ الْمُقَرِّ بِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ أَيْ: بَيْعٌ) كَمَا اعْتَرَفَ مَنْ لَهُ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ أَوْ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ عَوَّضَ عَنْهُ مَا يَجُوزُ تَعْوِيضُهُ وَهُوَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ نَبَّهَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ (فَإِنْ كَانَ بِأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ فَصَرْفٌ، لَهُ حُكْمُهُ) ؛ لِأَنَّ بَيْعَ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ يُشْتَرَطُ لَهُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ.
(وَ) إنْ كَانَ (بِعَرَضٍ عَنْ نَقْدٍ أَوْ) كَانَ (عَنْ الْعَرَضِ بِنَقْدٍ، أَوْ) كَانَ عَنْ الْعَرَضِ (بِعَرَضٍ فَبَيْعٌ) يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ؛ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ.
(وَ) الصُّلْحُ (عَنْ دَيْنٍ يَصِحُّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ دَيْنٍ وَأَقَلَّ) مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ (بِشَرْطِ الْقَبْضِ) قَبْلَ التَّفَرُّقِ لِئَلَّا يَصِيرَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
(وَيَحْرُمُ) الصُّلْحُ عَنْ دَيْنٍ (بِجِنْسِهِ إذَا كَانَ) مِثْلِيًّا (مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا) لَا صِنَاعَةَ فِيهِ مُبَاحَةً يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (بِأَكْثَرَ) مِنْ الدَّيْنِ (أَوْ أَقَلَّ) مِنْهُ (عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ) ؛ لِأَنَّهُ رِبًا (لَا) إنْ تَرَكَ لَهُ بَعْضَ الدَّيْنِ وَأَخَذَ الْبَاقِيَ (عَلَى سَبِيلِ الْإِبْرَاءِ أَوْ الْحَطِيطَةِ) كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الْكُلِّ وَتَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ وَصَالَحَهُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ قِيمَتُهُ فَالصُّلْحُ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ الْقِيمَةِ، وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ النَّقْدَيْنِ فَاخْتَلَفَ الْجِنْسُ فَلَا رِبَا.

(وَإِنْ كَانَ) الصُّلْحُ عَنْ نَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ (بِمَنْفَعَةٍ كَسُكْنَى دَارٍ وَخِدْمَةِ عَبْدٍ) مُدَّةً مَعْلُومَةً (أَوْ) صَالَحَهُ عَنْ ذَلِكَ (عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا مَعْلُومًا فَأَجَازَهُ) كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبِنَاءِ حَائِطٍ فَهُوَ إجَارَةٌ؛ لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنَافِعِ (تَبْطُلُ بِتَلَفِ الدَّارِ وَمَوْتِ الْعَبْدِ لَا عِتْقِهِ)

أَوْ بَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ (كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ فَإِنْ كَانَ) التَّلَفُ (قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ) انْفَسَخَتْ وَ (رَجَعَ بِمَا صَالَحَ عَنْهُ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (وَإِنْ كَانَ) التَّلَفُ (بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِهِمَا) أَيْ: بَعْضِ الْمَنْفَعَةِ انْفَسَخَتْ فِيمَا بَقِيَ وَ (رَجَعَ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ) مِنْ الْمُدَّةِ.

(وَإِنْ صَالَحَهُ) أَيْ: صَالَحَ الْمُقِرُّ الْمُقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ، وَكَانَ) الْمُقَرُّ لَهُ (مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ) إنْ كَانَ عَادِمَ الطَّوْلِ خَائِفَ الْعَنَتِ (صَحَّ) الصُّلْحُ.
(وَكَانَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (صَدَاقَهَا) ؛ لِأَنَّهُمَا جَعَلَاهُ فِي نَظِيرِ تَزْوِيجِهَا (فَإِنْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأَمْرٍ يُسْقِطُ الصَّدَاقَ) كَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ (رَجَعَ الزَّوْجُ) الْمُقَرّ لَهُ عَلَى الْمُقِرِّ (بِمَا صَالَحَ عَنْهُ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لِعَوْدِهِ إلَيْهِ بِالْفَسْخِ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا) الزَّوْجُ (قَبْلَ الدُّخُولِ) تَنَصَّفَ الصَّدَاقُ وَ (رَجَعَ) الزَّوْجُ (بِنِصْفِهِ) أَيْ: بِنِصْفِ مَا صَالَحَ عَنْهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَنَحْوِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ، لِتَقَرُّرِ الصَّدَاقِ بِنَحْوِ الدُّخُولِ.

(وَإِنْ صَالَحَ الْبَائِعُ عَنْ عَيْبِ مَبِيعٍ بِشَيْءٍ) أَيْ: عَيْنٍ كَدَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ كَسُكْنَى دَارٍ مُعَيَّنَةٍ (صَحَّ) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ عَيْبِ الْمَبِيعِ (فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ) أَيْ: الْمُصَالَحَ عَنْهُ (لَيْسَ بِعَيْبٍ) كَانْتِفَاخِ بَطْنِ أَمَةٍ ظَنَّ أَنَّهُ حَمْلٌ فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ (أَوْ زَالَ) الْعَيْبُ (سَرِيعًا كَمَا سَيَأْتِي رَجَعَ) الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي (بِمَا صَالَحَ بِهِ) لِظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْمُشْتَرِي لَهُ لِعَدَمِ الْعَيْبِ فِي الْأُولَى وَزَوَالِهِ فِي الثَّانِيَةِ بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ.

(وَإِنْ صَالَحَتْ الْمَرْأَةُ) عَنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَقَرَّتْ بِهِ (بِتَزْوِيجِ نَفْسِهَا صَحَّ) الصُّلْحُ وَالنِّكَاحُ (وَكَانَ مَا أَقَرَّتْ بِهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ صَدَاقًا لَهَا) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ التَّزْوِيجِ يَقْتَضِي عِوَضًا فَإِذَا جَعَلْتَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهَا صَحَّ، كَغَيْرِهِ وَيَكُونُ عَقْد النِّكَاحِ مِنْ الْوَلِيِّ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي النِّكَاحِ وَلَمْ يُنَبِّهُوا عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ.
(وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ) بِتَزْوِيجِهَا (عَنْ عَيْبٍ أَقَرَّتْ بِهِ فِي مَبِيعِهَا وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِمَا يَسْقُطُ بِهِ صَدَاقُهَا) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا كَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ (رَجَعَ) الزَّوْجُ (عَلَيْهَا بِأَرْشِهِ) أَيْ: أَرْشِ الْعَيْبِ وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَمَعِيبًا مِنْ ثَمَنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ صَدَاقُهَا.
(وَإِنْ لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ وَتَبَيَّنَ عَدَمُ الْعَيْبِ كَبَيَاضٍ فِي عَيْنِ الْعَبْدِ) الَّذِي بَاعَتْهُ (ظَنَّتْهُ عَمِيَ وَزَالَ) الْبَيَاضُ (سَرِيعًا بِغَيْرِ كُلْفَةٍ وَعِلَاجٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ تَعْطِيلُ نَفْعٍ رَجَعَتْ بِأَرْشِهِ) عَلَى الزَّوْجِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ صَدَاقُهَا الَّذِي رَضِيَتْ بِهِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَبَانَ حُرًّا وَنَحْوِهِ (لَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا) ؛ لِأَنَّهَا مُسَمًّى لَهَا.

(وَإِنْ صَالَحَ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ) مِنْ نَحْوِ قَرْضٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ (بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَجُزْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ) فَلَا يَصِحُّ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ ادَّعَى زَرْعًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَرَّ لَهُ بِهِ ثُمَّ صَالَحَهُ) الْمُقِرُّ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ (عَلَى دَرَاهِمَ) أَوْ دَنَانِيرَ (جَازَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ بَيْعُ الزَّرْعِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْبَيْعِ) أَيْ: بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ، نَحْوَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ، أَوْ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ.

(وَيَصِحُّ) الصُّلْحُ (عَنْ الْمَجْهُولِ بِمَعْلُومٍ، إذَا كَانَ) الْمَجْهُولُ (مِمَّا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ) وَقَوْلُهُ (لِلْحَاجَةِ نَصًّا) مُتَعَلِّقٌ بِيَصِحُّ، عِلَّةٌ لَهُ (سَوَاءٌ كَانَ) الْمَجْهُولُ (عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، أَوْ كَانَ الْجَهْلُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، كَصُلْحِ الزَّوْجَةِ عَنْ صَدَاقِهَا الَّذِي لَا بَيِّنَةَ لَهَا بِهِ، وَلَا عِلْمَ لَهَا وَلَا لِلْوَرَثَةِ بِمَبْلَغِهِ وَكَذَا الرَّجُلَانِ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ وَحِسَابٌ قَدْ مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ وَلَا عِلْمَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا عَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ، أَوْ) كَانَ الْجَهْلُ (مِمَّنْ هُوَ) أَيْ: الدَّيْنُ (عَلَيْهِ) إنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ (لَا عِلْمَ لَهُ بِقَدْرِهِ، وَلَوْ عَلِمَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ) بِمَا يَدَّعِيهِ وَقَوْلُهُ (بِنَقْدٍ) أَيْ: حَالٍ.
(وَنَسِيئَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيَصِحُّ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لِرَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ انْدَرَسَتْ بَيْنَهُمَا «اسْتَهِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، وَلْيَحْلِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَلَوْ قِيلَ: بِعَدَمِ جَوَازِهِ لَأَفْضَى إلَى ضِيَاعِ الْحَقِّ.
وَالْبَيْعُ قَدْ يَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ فِي الْجُمْلَةِ كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ بِمَجْهُولٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ وَاجِبٌ، وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُهُ (فَإِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهُ) أَيْ: الْمَجْهُولِ.
(وَلَمْ تَتَعَذَّرْ) مَعْرِفَتُهُ (كَتَرِكَةٍ مَوْجُودَةٍ صُولِحَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَنْ مِيرَاثِهِ مِنْهَا) وَلَمْ يَعْرِفْ كَمَيِّتِهِ (لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ) فِي ظَاهِرِ نُصُوصِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَالشَّرْحِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ قَالَ أَحْمَدُ إنْ صُولِحَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ ثَمَنِهَا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ شُرَيْحٍ وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى: أَنَّهُ كَبَرَاءَةٍ مِنْ مَجْهُولٍ أَيْ: إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ صَحَّ الصُّلْحُ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَقَدْ نَزَّلَ أَصْحَابُنَا الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ الْمُقَرِّ بِهِ بِمَعْلُومٍ مَنْزِلَةَ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ فَيَصِحُّ عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَطْعِ النِّزَاعِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ هَذَا: لَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ عَنْ أَعْيَانٍ مَجْهُولَةٍ لِكَوْنِهِ إبْرَاءً (وَلَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ عَيْنٍ بِحَالٍ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْلُومَةً أَوْ مَجْهُولَةً بِيَدِ الْمُبْرِئِ أَوْ الْمُبْرَأِ وَيَأْتِي فِي الصَّدَاقِ: إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ بِيَدِ

أَحَدِهِمَا وَعَفَا الَّذِي لَيْسَتْ بِيَدِهِ، يَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَفْوِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، لَكِنْ مُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ: عَدَمُ صِحَّةِ الْهِبَةِ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَالْعَفْوِ.
وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ بِيَدِ الْمَوْهُوبِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَاشِيَةِ الْمُحَرَّرِ فِي بَابِ الْهِبَةِ قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْعَيْنِ وَلَا مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي الْمَجْهُولِ عَدَمُ صِحَّةِ الصُّلْحِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْسَعُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ صَالَحَ الْوَرَثَةُ مَنْ وُصِّيَ لَهُ بِخِدْمَةٍ أَوْ سُكْنَى أَوْ حَمْلِ أَمَةٍ بِدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الصُّلْحُ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ وَالْحَمْلُ عَيْنٌ فَلَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ.

[فَصْلٌ الصُّلْحُ عَلَى إنْكَارٍ]

فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ الصُّلْحِ (الصُّلْحُ عَلَى إنْكَارٍ) وَذَلِكَ (بِأَنْ يَدَّعِيَ) إنْسَانٌ (عَلَيْهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ، أَوْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَيُنْكِرُهُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَوْ يَسْكُتُ وَهُوَ يَجْهَلُهُ) أَيْ: الْمُدَّعَى بِهِ (ثُمَّ يُصَالِحُ عَلَى مَالٍ فَيَصِحُّ) الصُّلْحُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ فَإِنْ قِيلَ: قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا» وَهَذَا دَاخِلٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَحَلَّ بِالصُّلْحِ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ دُخُولُهُ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَيْهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ يُوجَدُ فِي الصُّلْحِ بِمَعْنَى الْهِبَةِ فَإِنَّهُ يُحِلُّ لِلْمَوْهُوبِ مَا كَانَ حَرَامًا الثَّانِي: لَوْ حَلَّ بِهِ الْمُحَرَّمُ لَكَانَ الصُّلْحُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ الْفَاسِدَ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، نَحْوَ أَنْ يُصَالِحَ حُرًّا عَلَى اسْتِرْقَاقِهِ (بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي مُلْجَأٌ إلَى التَّأْخِيرِ بِتَأْخِيرِ خَصْمِهِ.
(وَيَكُونُ) الصُّلْحُ عَلَى (الْمَالِ الْمُصَالَحِ بِهِ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي) ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ اعْتِقَادِهِ (فَإِنْ وَجَدَ) الْمُدَّعِي (فِيمَا أَخَذَهُ) مِنْ الْمَالِ (عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الصُّلْحِ) أَوْ إمْسَاكُهُ مَعَ أَرْشِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَوَجَدَهُ مَعِيبًا.
(وَإِنْ كَانَ) مَا أَخَذَهُ الْمُدَّعِي عِوَضًا عَنْ دَعْوَاهُ (شِقْصًا مَشْفُوعًا ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ) لِشَرِيكِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِكَوْنِهِ أَخَذَهُ عِوَضًا كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ (وَيَكُونُ) صُلْحُ الْإِنْكَارِ (إبْرَاءً فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ) أَيْ: الْمُدَّعِي (الْمَالَ

افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ) مِنْ التَّبَذُّلِ وَالْخُصُومَةِ، وَلَا عِوَضًا عَنْ حَقٍّ يَعْتَقِدُهُ عَلَيْهِ (فَإِنْ وَجَدَ) الْمُنْكِرُ (بِالْمُصَالَحِ عَنْهُ عَيْبًا لَمْ يَرْجِع بِهِ) أَيْ: بِمَا دَفَعَهُ مِنْ الْمَالِ، وَلَا بِأَرْشِهِ (عَلَى الْمُدَّعِي وَإِنْ كَانَ) مَا صَالَحَ بِهِ الْمُنْكِرُ (شِقْصًا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ) لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عِوَضًا.
(وَلَوْ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) الْمُنْكِرُ (إلَى الْمُدَّعِي مَا ادَّعَاهُ أَوْ بَعْضَهُ مُصَالِحًا بِهِ) كَانَ الْمُدَّعِي فِيهِ كَالْمُنْكِرِ و (لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حُكْمُ الْبَيْعِ وَلَا الشُّفْعَةِ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ مُسْتَرْجِعًا لَهُ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَيْعًا كَاسْتِرْجَاعِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَإِنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ وَدِيعَةً أَوْ قَرْضًا، أَوْ تَفْرِيطًا فِي وَدِيعَةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ فَأَنْكَرَهُ وَاصْطَلَحَا صَحَّ، لِمَا تَقَدَّمَ.

وَشَرْطُ صِحَّةِ صُلْحِ الْإِنْكَارِ أَنْ يَعْتَقِدَ الْمُدَّعِي حَقِيقَةَ مَا ادَّعَاهُ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَكْسَهُ: (فَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا بِكَذِبِ نَفْسِهِ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ وَمَا أَخَذَهُ) الْعَالِمُ بِكَذِبِ نَفْسِهِ (حَرَامٌ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ (وَلَا يَشْهَدُ لَهُ) الشَّاهِدُ بِهِ (إنْ عَلِمَ ظُلْمَهُ) ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى بَاطِلٍ.

وَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَأَنْكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: صَالِحْنِي عَنْ الْمَالِ الَّذِي تَدَّعِيهِ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهِ.

(وَإِنْ صَالَحَ عَنْ الْمُنْكِرِ أَجْنَبِيٌّ بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْمُنْكِرِ (أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ اعْتَرَفَ) الْأَجْنَبِيُّ (لِلْمُدَّعِي بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ) عَلَى الْمُنْكِرِ (أَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ) لَهُ بِصِحَّتِهَا (صَحَّ) الصُّلْحُ (سَوَاءٌ كَانَ) الْمُدَّعَى بِهِ (دَيْنًا أَوْ عَيْنًا وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ) الْأَجْنَبِيُّ (أَنَّ الْمُنْكِرَ وَكَّلَهُ) فِي الصُّلْحِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بَرَاءَتَهُ وَقَطْعَ الْخُصُومَةِ عَنْهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ.
(وَيَرْجِعُ) الْأَجْنَبِيُّ عَلَى الْمُنْكِرِ بِمَا دَفَعَهُ مِنْ الْعِوَضِ (مَعَ الْإِذْنِ) فِي الْأَدَاءِ أَوْ فِي الصُّلْحِ (فَقَطْ) أَمَّا مَعَ الْإِذْنِ فِي الْأَدَاءِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا مَعَ الْإِذْنِ فِي الصُّلْحِ فَقَطْ؛ فَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ بِعَقْدِ الصُّلْحِ فَإِذَا أَدَّى فَقَدْ أَدَّى وَاجِبًا عَنْ غَيْرِهِ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَأْذَنْهُ فِي الصُّلْحِ وَلَا فِي الْأَدَاءِ؛ فَلَا رُجُوعَ لَهُ وَلَوْ نَوَى الرُّجُوعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَا لَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ فَكَانَ مُتَبَرِّعًا.
(وَإِنْ صَالَحَ الْأَجْنَبِيُّ الْمُدَّعِي بِنَفْسِهِ لِتَكُونَ الْمُطَالَبَةُ لَهُ) أَيْ: لِلْأَجْنَبِيِّ حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ مُعْتَرِفٍ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى، أَوْ مُعْتَرِفًا بِهَا، وَالْمُدَّعَى بِهِ دَيْنٌ) لَمْ يَصِحَّ مُطْلَقًا (أَوْ) الْمُدَّعَى بِهِ (عَيْنٌ) فَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ مُنْكِرًا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ أَيْضًا مُطْلَقًا.
وَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ مُقِرًّا بِهَا (عَالِمًا بِعَجْزِهِ عَنْ اسْتِنْقَاذِهَا لَمْ يَصِحَّ) الصُّلْحُ (فِيهِنَّ) أَيْ: فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَسَائِلِ (لِكَوْنِهِ شِرَاءَ مَا لَمْ يُثْبِتْ الْبَائِعُ) وَلَمْ يَتَوَجَّه إلَيْهِ خُصُومَةٌ يَفْتَدِي مِنْهَا، وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الصُّلْحِ فِيمَا إذَا كَانَ الْأَجْنَبِيُّ مُنْكِرًا (أَوْ) لِكَوْنِهِ شِرَاءَ (دَيْنٍ

لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ) تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الصُّلْحِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ عَنْ الدَّيْنِ، مَعَ إقْرَارِ الْأَجْنَبِيِّ بِهِ (أَوْ) لِكَوْنِهِ شِرَاءَ (مَغْصُوبٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهِ) تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ صُلْحِ الْأَجْنَبِيِّ عَنْ الْعَيْنِ مَعَ إقْرَارِهِ بِهَا، إذَا كَانَ الْأَجْنَبِيُّ عَالِمًا بِعَجْزِهِ عَنْ اسْتِنْقَاذِهَا (وَتَقَدَّمَ حُكْمُهُنَّ) أَيْ: حُكْمُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَعْضُهَا (فِي السَّلَمِ، وَ) بَعْضُهَا فِي (الْبَيْعِ) بَلْ مَسْأَلَةُ الدَّيْنِ تَكَرَّرَتْ فِيهِمَا.
(وَإِنْ عَلِمَ) الْأَجْنَبِيُّ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ (أَوْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الِاسْتِنْقَاذِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَوْ) عَلِمَ أَوْ ظَنَّ (عَدَمَهُمَا) أَيْ: عَدَمَ الْقُدْرَةِ (ثُمَّ تَبَيَّنَ) لَهُ (الْقُدْرَةُ صَحَّ فِي) مَا إذَا كَانَ الْأَجْنَبِيُّ مُقِرًّا وَالْمُدَّعَى بِهِ (الْعَيْنُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ تَنَاوَلَ مَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ وَأَمَّا فِي الدَّيْنِ إذَا كَانَ الْأَجْنَبِيُّ مُنْكِرًا فَلَا يَصِحُّ مُطْلَقًا لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ إنْ عَجَزَ) الْأَجْنَبِيُّ بَعْدَ أَنْ صَالَحَ عَنْ الْعَيْنِ الْمُقَرِّ بِهَا لِتَكُونَ لَهُ (عَنْ ذَلِكَ) أَيْ: عَنْ اسْتِنْقَاذِهَا (فَهُوَ) أَيْ: الْأَجْنَبِيُّ (مُخَيَّرٌ بَيْنَ فَسْخِ الصُّلْحِ) وَيَرْجِعُ بِمَا دَفَعَهُ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَمْ يُسَلِّمْهُ لَهُ.
(وَ) بَيْنَ (إمْضَائِهِ) أَيْ: الصُّلْحِ وَيَصْبِرُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى اسْتِنْقَاذِهَا تَنْبِيهٌ إذَا قَالَ الْأَجْنَبِيُّ: أَنَا وَكِيلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مُصَالَحَتِك، وَهُوَ مُقِرٌّ لَك فِي الْبَاطِنِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ وَمَتَى صَدَّقَهُ الْمُنْكِرُ مَلَكَ الْعَيْنَ وَلَزِمَهُ مَا ادَّعَى عَنْهُ بِإِذْنِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ الْوَكَالَةَ حَلَّفَهُ وَبَرِئَ.
وَأَمَّا مِلْكُهَا فِي الْبَاطِنِ فَإِنْ كَانَ وَكَّلَهُ فَلَا يَقْدَحُ إنْكَارَهُ، وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَإِنْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي: قَدْ عَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صِحَّةَ دَعْوَاكَ، وَهُوَ يَسْأَلُكَ أَنْ تُصَالِحَهُ عَنْهُ وَقَدْ وَكَّلَنِي فِي الْمُصَالَحَةِ عَنْهُ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ أَدَائِهِ، بَلْ صَالَحَ عَلَيْهِ مَعَ بَذْلِهِ.

وَإِنْ صَالَحَ الْمُنْكِرُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّ الْمُنْكِرَ أَقَرَّ قَبْلَ الصُّلْحِ لَمْ تُسْمَعْ وَلَمْ يُنْقَضْ الصُّلْحُ وَلَوْ شَهِدَتْ بِأَصْلِ الْمِلْكِ.

[فَصْلٌ فِي الصُّلْحِ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ]

ٍ (وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ كُلِّ مَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ) الْمُصَالَحُ عَنْهُ (مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ) مِنْ عَيْنٍ وَدَيْنٍ (أَمْ لَا) يَجُوزُ بَيْعُهُ وَكَقِصَاصِ عَيْبٍ مَبِيعٍ (فَيَصِحُّ) الصُّلْحُ

(عَنْ الْقِصَاصِ) مَعَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ (بِدِيَاتٍ) الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بَذَلُوا لِلَّذِي وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ سَبْعَ دِيَاتٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا؛ وَلِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ فَلَا يَقَعُ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَتِهِ (وَ) يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ الْقِصَاصِ أَيْضًا (بِدِيَةٍ وَبِأَقَلَّ مِنْهَا وَبِكُلِّ مَا ثَبَتَ مَهْرًا) وَهُوَ أَقَلُّ مُتَمَوِّلٍ (حَالًا) كَانَ (أَوْ مُؤَجَّلًا) ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ إسْقَاطُهُ مَجَّانًا فَعَلَى ذَلِكَ أَوْلَى.

(وَ) يَصِحُّ الصُّلْحُ (عَنْ سُكْنَى الدَّارِ) الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بِإِجَارَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ وَنَحْوِهَا (وَ) عَنْ (عَيْبِ الْمَبِيعِ) قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ: وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ.

(وَلَوْ صَالَحَ الْجَانِي عَنْ الْقِصَاصِ بِعَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَأَمَةٍ وَدَارٍ (فَخَرَجَ) الْعَبْدُ (مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا) أَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ كَذَلِكَ، أَوْ الدَّارُ مُسْتَحَقَّةً أَوْ مَوْقُوفَةً (رَجَعَ) وَلِيُّ الْقِصَاصِ (بِقِيمَتِهِ) أَيْ: قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ نَحْوِهِ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهِ، فَيَرْجِعُ إلَى بَدَلِهِ (وَإِنْ عَلِمَا) أَيْ: الْمُتَصَالِحَانِ (كَوْنَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ أَوْ نَحْوِهِ (مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا) لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ (أَوْ كَانَ) الْمُصَالَحُ بِهِ عَنْ الْقِصَاصِ، (مَجْهُولًا، كَدَارٍ وَشَجَرَةٍ بَطَلَتْ التَّسْمِيَةُ) ؛ لِعِلْمِهِمَا بُطْلَانِهَا.
(وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ) لِرِضَا مُسْتَحِقِّ الْقِصَاصِ بِإِسْقَاطِهِ (أَوْ) وَجَبَ (أَرْشُ الْجُرْحِ) إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ جُرْحًا وَعَفَا عَنْهَا عَلَى مَجْهُولٍ أَوْ نَحْوِ حُرٍّ يَعْلَمَانِهِ.

(وَإِنْ صَالَحَ الْجَانِي عَلَى حَيَوَانٍ مُطْلَقٍ مِنْ آدَمِيٍّ) كَعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَيْنِ وَلَا مَوْصُوفَيْنِ (أَوْ) صَالَحَ عَلَى حَيَوَانٍ مُطْلَقٍ (غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ آدَمِيٍّ كَفَرَسٍ أَوْ بَعِيرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَلَا مَوْصُوفٍ (صَحَّ) الصُّلْحُ (وَوَجَبَ الْوَسَطُ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْعَدْلِ بَيْنَهُمَا.

(وَلَوْ صَالَحَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (عَنْ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ بِعِوَضٍ فَبَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا، أَوْ) بِعَبْدٍ فَبَانَ (حُرًّا رَجَعَ) الْمُدَّعِي (فِي الدَّارِ) الْمُصَالَحِ عَنْهَا (أَوْ) رَجَعَ فِي (مَا صَالَحَ عَنْهُ) إنْ صَالَحَ عَنْ غَيْرِ دَارٍ وَكَانَ بَاقِيًا (أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ) الْمُصَالَحُ عَنْهُ مُتَقَوِّمًا (تَالِفًا) وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَبِمِثْلِهِ (؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ هُنَا بَيْعٌ حَقِيقَةً إذَا كَانَ عَنْ إقْرَارٍ) فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعِوَضَ كَانَ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا؛ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا فَيَرْجِعُ فِيمَا كَانَ لَهُ (وَإِنْ كَانَ) الصُّلْحُ (عَنْ إنْكَارٍ) وَظَهَرَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا (رَجَعَ) الْمُدَّعِي (بِالدَّعْوَى) أَيْ: إلَى دَعْوَاهُ قَبْلَ الصُّلْحِ؛ لَتَبَيُّنِ بُطْلَانِهِ.

(وَلَوْ صَالَحَ) إنْسَانٌ (سَارِقًا أَوْ شَارِبًا أَوْ زَانِيًا لِيُطْلِقَهُ وَلَا يَرْفَعُهُ لِلسُّلْطَانِ) لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ إلَى السُّلْطَانِ لَيْسَ حَقًّا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ (أَوْ) صَالَحَ (شَاهِدًا عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِحَقِّ آدَمِيٍّ، أَوْ بِحَقِّ اللَّهِ، كَزَكَاةٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ) لِئَلَّا يَشْهَدَ عَلَيْهِ (بِمَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ) صَالَحَهُ (عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالزُّورِ) لَمْ تَصِحَّ عَلَى حَرَامٍ أَوْ عَلَى تَرْكِهِ وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ.

(أَوْ) صَالَحَ (شَفِيعًا عَنْ شُفْعَةٍ) لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ فَإِذَا رَضِيَ بِالْعِوَضِ تَبَيَّنَّا أَنْ لَا ضَرَرَ، فَلَا اسْتِحْقَاقَ فَيَبْطُلُ الْعِوَضُ لِبُطْلَانِ مُعَوَّضِهِ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: الشُّفْعَةُ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَأَمَّا الْخُلْعُ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ عَمَّا مَلَكَهُ بِعِوَضٍ وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ (أَوْ) صَالَحَ قَاذِفٌ (مَقْذُوفًا) عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يَئُولُ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ (أَوْ صَالَحَ بِعِوَضٍ عَنْ خِيَارٍ) فِي بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ (لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ) لِأَنَّ الْخِيَارَ لَمْ يُشْرَعْ لِاسْتِفَادَةِ مَالٍ وَإِنَّمَا شُرِعَ لِلنَّظَرِ فِي الْأَحَظِّ فَلَمْ يَصِحَّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ (وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ وَحَدُّ الْقَذْفِ) وَالْخِيَارُ لِرِضَا مُسْتَحِقِّهَا بِتَرْكِهَا.

(وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى مَوْضِعِ قَنَاةٍ مِنْ أَرْضِهِ يَجْرِي فِيهَا) أَيْ الْقَنَاةِ (الْمَاءُ وَبَيَّنَّا مَوْضِعَهَا) أَيْ الْقَنَاةِ.
(وَ) بَيَّنَّا (عَرْضَهَا وَطُولَهَا جَازَ) الصُّلْحُ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ لِأَنَّهُ إمَّا بَيْعٌ أَوْ إجَارَةٌ وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ (وَلَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِ عُمْقِهِ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْمَوْضِعَ كَانَ لَهُ إلَى تُخُومِهِ فَلَهُ أَنْ يُنْزِلَ فِيهِ مَا شَاءَ) إنْ كَانَ بَيْعًا (وَإِنْ كَانَ إجَارَةً) بِأَنْ تَصَالَحَا عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ فِيهَا مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ بِحَالِهِ (اُشْتُرِطَ ذِكْرُ الْعُمْقِ) كَمَا فِي الْكَافِي وَأَطْلَقَ فِي الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهَا: لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْعُمْقِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ عَيْنَ الْأَرْضِ أَوْ نَفْعَهَا كَانَ لَهُ إلَى التُّخُومِ فَلَهُ أَنْ يُنْزِلَ فِيهَا مَا شَاءَ.
(وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ فِي سَاقِيَةٍ) أَيْ قَنَاةٍ (مِنْ أَرْضِ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ) أَيْ رَبِّ الْأَرْضِ (عَلَيْهَا) أَيْ أَرْضِ السَّاقِيَةِ (فَهُوَ إجَارَةٌ لِلْأَرْضِ) لِأَنَّهُ بِيعَ مَنْفَعَتُهَا بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ (يُشْتَرَطُ فِيهِ تَقْدِيرُ الْمُدَّةِ وَسَائِرُ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ) كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ قَطَعَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْمُغْنِي وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْإِنْصَافِ، كَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ لَا يُعْتَبَرُ بَيَانُ الْمُدَّةِ لِلْحَاجَةِ وَتَبِعَهُمْ فِي الْمُنْتَهَى.
(وَيُعْلَمُ تَقْدِيرُ الْمَاءِ) الصَّالِحِ عَلَى إجْرَائِهِ فِي السَّاقِيَةِ (بِتَقْدِيرِ السَّاقِيَةِ) الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الْمَاءُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ مِنْ أَرْضِ الْمُصَالِحَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ مِلْئِهَا (وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ فِي يَدِ رَجُلٍ بِإِجَارَةٍ جَازَ لَهُ) أَيْ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا (مُدَّةٌ لَا تُجَاوِزُ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ) لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مُقَامَهُ.
(وَإِنْ لَمْ تَكُنْ السَّاقِيَةُ مَحْفُورَةً لَمْ يَجُزْ) لِلْمُسْتَأْجِرِ (أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى إجْرَاءِ سَاقِيَةٍ فِيهَا (لِأَنَّهُ) يَحْتَاجُ إلَى إحْدَاثِ السَّاقِيَةِ وَالْمُسْتَأْجِرُ (لَا يَجُوزُ) لَهُ

(إحْدَاثُ سَاقِيَةٍ فِي أَرْضٍ فِي يَدِهِ بِإِجَارَةٍ فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ فِي يَدِهِ وَقْفًا عَلَيْهِ) وَأَرَادَ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ فِي سَاقِيَةٍ فِي الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَة (فَ) الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ (كَالْمُسْتَأْجَرِ) إنْ كَانَتْ مَحْفُورَةً جَازَ وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: وَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ حَفْرُ السَّاقِيَةِ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَهُ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ، مَا لَمْ يُنْقَلْ الْمِلْكُ فِيهَا إلَى غَيْرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ أَنَّ الْبَابَ وَالْخَوْخَةَ وَالْكُوَّةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي مُؤَجَّرَةٍ، وَفِي مَوْقُوفِهِ الْخِلَافُ، أَوْ يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهُوَ أَوْلَى وَظَاهِرُهُ: لَا تُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ، وَإِذْنُ الْحَاكِم، بَلْ عَدَمُ الضَّرَرِ انْتَهَى قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَاظِرُ الْوَقْفِ وَوَلِيُّ الْيَتِيمِ كَالْمُسْتَأْجِرِ إنْ رَأَى مَصْلَحَةً وَإِلَّا فَلَا.
وَفِي الْمُنْتَهَى: وَمَوْقُوفُةٌ كَمُؤَجَّرَةٍ وَهِيَ تَشْمَلُ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَكَذَا الْمُسْتَعِيرُ) لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ فِي سَاقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ بِالْأَرْضِ الْمُسْتَعَارَةِ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى إحْدَاثِهَا وَهَذَا مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ فَكَيْفَ يُصَالِحُ عَلَيْهَا؟ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ وَلَا يُعِيرَ وَعَلَى تَسْلِيمِ الصِّحَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ الْمُصَالَحُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ كَمَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ أَجَّرَهَا بِإِذْنِ مُعِيرٍ.

(وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى إجْرَاءِ مَاءٍ سَطْحُهُ مِنْ الْمَطَرِ عَلَى سَطْحِهِ، أَوْ) صَالَحَهُ عَلَى إجْرَاءِ مَاءِ الْمَطَرِ (فِي أَرْضِهِ) حَالَ كَوْنِ الْمَاءِ (مِنْ سَطْحِهِ، أَوْ) صَالَحَهُ عَلَى إجْرَاءِ مَاءِ الْمَطَرِ (فِي أَرْضِهِ) حَالَ كَوْنِهِ (عَنْ أَرْضِهِ جَازَ) الصُّلْحُ فِي ذَلِكَ (إذَا كَانَ مَا يَجْرِي مَاؤُهُ) مِنْ أَرْضٍ أَوْ سَطْحٍ (مَعْلُومًا) لَهُمَا (إمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَإِمَّا بِمَعْرِفَةِ الْمِسَاحَةِ) أَيْ مِسَاحَةِ السَّطْحِ أَوْ الْأَرْضِ الَّتِي يَنْفَصِلُ مَاؤُهَا (لِأَنَّ الْمَاءَ يَخْتَلِفُ بِصِغَرِ السَّطْحِ) وَالْأَرْضِ (وَكِبَرِهِمَا) فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَتُهُمَا.
(وَيُشْتَرَطُ) أَيْضًا (مَعْرِفَةُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ إلَى السَّطْحِ) أَوْ إلَى الْأَرْضِ دَفْعًا لِلْجَهَالَةِ (وَلَا تَفْتَقِرُ) صِحَّةُ الْإِجَارَةِ (إلَى ذِكْرِ الْمُدَّةِ لِدَعْوَى الْحَاجَةِ) إلَى تَأْبِيدِ ذَلِكَ (فَيَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ غَيْرَ مُقَدِّرٍ مُدَّةً، كَنِكَاحٍ لَكِنْ قَالَ) ابْنُ رَجَبٍ (فِي الْقَوَاعِدِ) فِي السَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ (لَيْسَ بِإِجَارَةٍ مَحْضَةٍ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ الْمُدَّة) بَلْ هُوَ شَبِيهٌ بِالْبَيْعِ (بِخِلَافِ السَّاقِيَةِ) الَّتِي يَجْرِي فِيهَا غَيْرُ مَاءِ الْمَطَرِ (فَكَانَتْ بَيْعًا تَارَةً وَإِجَارَةً) تَارَةً (أُخْرَى) فَاعْتُبِرَ فِيهَا تَقْدِيرُ الْمُدَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَسَبَقَ مَا فِيهِ.
(وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ أَوْ السَّطْحُ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ الْمَاءُ مُسْتَأْجَرًا أَوْ عَارِيَّةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ) الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْمُسْتَعِيرُ

(عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ) أَمَّا فِي السَّطْحِ فَلِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ وَأَمَّا فِي الْأَرْضِ فَلِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ رَسْمًا فَرُبَّمَا ادَّعَى مِلْكَهَا بَعْدُ.

(وَيَحْرُمُ إجْرَاءُ مَاءٍ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ بِلَا إذْنِهِ، وَلَوْ مَعَ عَدَمِ تَضَرُّرِهِ أَوْ) مَعَ عَدَمِ (تَضَرُّرِ أَرْضِهِ) بِذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِمِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَلَوْ كَانَ) رَبُّ الْمَاءِ (مَضْرُورًا إلَى ذَلِكَ) أَيْ إجْرَائِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ لِمَا سَبَقَ.
(وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ مِنْ نَهْرِهِ، أَوْ مِنْ عَيْنِهِ) أَوْ بِئْرِهِ (مُدَّةً وَلَوْ مُعَيَّنَةً لَمْ يَصِحَّ) الصُّلْحُ (لِعَدَمِ مِلْكِهِ الْمَاءَ) لِأَنَّ الْمَاءَ الْعَذْبَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى سَهْمٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ النَّهْرِ أَوْ الْعَيْنِ أَوْ الْبِئْرِ (كَثُلُثٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ رُبْعٍ أَوْ خُمْسٍ (جَازَ) الصُّلْحُ (وَكَانَ) ذَلِكَ (بَيْعًا لِلْقَرَارِ) أَيْ لِلْجُزْءِ الْمُسَمَّى مِنْ الْقَرَارِ (وَالْمَاءُ تَابِعٌ لَهُ) أَيْ لِلْقَرَارِ فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ.
(وَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مَمَرًّا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ) دَارًا كَانَ أَوْ غَيْرَهَا (وَ) أَنْ يَشْتَرِيَ (مَوْضِعًا فِي حَائِطٍ يَفْتَحُهُ بَابًا وَ) أَنْ يَشْتَرِيَ (بُقْعَةً) فِي أَرْضٍ (يَحْفِرُهَا بِئْرًا) بِشَرْطِ كَوْنِ ذَلِكَ مَعْلُومًا لِأَنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ مَقْصُودٌ فَجَازَ بَيْعُهُ كَالدُّورِ (وَ) يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَشْتَرِيَ (عُلْوَ بَيْتٍ يَبْنِي عَلَيْهِ بُنْيَانًا مَوْصُوفًا) أَوْ لِيَضَعَ عَلَيْهِ خَشَبًا مَوْصُوفًا لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ فَجَازَ بَيْعُهُ كَالْأَرْضِ، وَمَعْنَى مَوْصُوفًا أَيْ مَعْلُومًا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ ذَلِكَ عَلَى الْوَقْفِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْوَقْفِ مَا يَضُرُّهُ اتِّفَاقًا وَكَذَا إنْ لَمْ يَضُرَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (وَكَذَا لَوْ كَانَ الْبَيْتُ) الَّذِي اشْتَرَى عُلْوَهُ (غَيْرَ مَبْنِيٍّ إذَا وَصَفَ الْعُلْوَ وَالسُّفْلَ) لِيَكُونَ مَعْلُومًا.
وَإِنَّمَا صَحَّ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ فَكَانَ لَهُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ (وَيَصِحُّ فِعْلُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ اتِّخَاذِ مَمَرٍّ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ مَوْضِعٍ فِي حَائِطِهِ يَفْتَحُهُ بَابًا، أَوْ بُقْعَةٍ فِي أَرْضِهِ يَحْفِرُهَا بِئْرًا، أَوْ عُلْوِ بَيْتٍ يَبْنِي عَلَيْهِ بُنْيَانًا، أَوْ يَضَعُ عَلَيْهِ خَشَبًا مَعْلُومَيْنِ (صُلْحًا أَبَدًا) أَيْ مُؤَبَّدًا وَهُوَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ.
(وَ) فَعَلَهُ (إجَارَةً مُدَّةً مَعْلُومَةً) لِأَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ إجَارَتُهُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَإِذَا مَضَتْ بَقِيَ وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ (وَمَتَى زَالَ) الْبُنْيَانُ أَوْ الْخَشَبُ (فَلَهُ إعَادَتُهُ) لِأَنَّهُ اُسْتُحِقَّ إبْقَاؤُهُ بِعِوَضٍ (سَوَاءٌ زَالَ لِسُقُوطِهِ) أَيْ سُقُوطِ الْبُنْيَانِ أَوْ الْخَشَبِ (أَوْ) زَالَ (لِسُقُوطِ الْحَائِطِ) الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ لِذَلِكَ (أَوْ) زَالَ لِ (غَيْرِ ذَلِكَ) كَهَدْمِهِ إيَّاهُ.
(وَيَرْجِعُ) الْمُصَالَحُ عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ (بِأُجْرَةِ مُدَّةِ زَوَالِهِ) أَيْ زَوَالِ بِنَائِهِ أَوْ خَشَبِهِ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ سُقُوطًا لَا يَعُودُ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي (عَنْهُ) أَيْ عَنْ

الْبَيْتِ جَزَمَ بِهِ فِي الْإِنْصَافِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا وَعَلَى مُقْتَضَى مَا فِي الْإِجَارَةِ: إنَّمَا يَرْجِعُ إذَا كَانَ مِنْ فِعْلِ رَبِّ الْبَيْتِ أَوْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِمَا.
أَمَّا إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمُسْتَأْجِرِ وَحْدَهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ (وَلَهُ) أَيْ لِرَبِّ الْبَيْتِ (الصُّلْحُ عَلَى زَوَالِهِ) أَيْ إزَالَةِ الْعُلْوِ عَنْ بَيْتِهِ (أَوْ) الصُّلْحُ بَعْدَ انْهِدَامِهِ عَلَى (عَدَمِ عَوْدِهِ) سَوَاءٌ كَانَ مَا صَالَحَهُ بِهِ مِثْلَ الْعِوَضِ الَّذِي صُولِحَ بِهِ عَلَى وَضْعِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّ هَذَا عِوَضٌ عَنْ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُ فَيَصِحُّ بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْجِوَارِ]

ِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَجَاءَ فِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَهَذَا الْفَصْلُ وُضِعَ لِبَيَانِ مَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ.
(وَإِنْ حَصَلَ فِي هَوَائِهِ) الْمَمْلُوكِ لَهُ هُوَ أَوْ مَنْفَعَتِهِ (أَوْ) فِي (هَوَاءِ جِدَارٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ) فِي عَيْنِهِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ (أَغْصَانُ شَجَرَةِ غَيْرِهِ) أَوْ حَصَلَتْ الْأَغْصَانُ عَلَى جِدَارِهِ (فَطَالَبَهُ) أَيْ طَالَبَ رَبُّ الْعَقَارِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ صَاحِبَ الْأَغْصَانِ (بِإِزَالَتِهَا لَزِمَهُ) أَيْ لَزِمَ رَبَّ الْأَغْصَانِ إزَالَتُهَا لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ فَوَجَبَ إزَالَةُ مَا يَشْغَلُهُ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ كَالدَّابَّةِ إذَا دَخَلَتْ مِلْكَهُ وَطَرِيقُهُ: إمَّا بِالْقَطْعِ أَوْ لَيِّهِ إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَسَوَاءٌ أَثَّرَ ضَرَرًا أَوْ لَا (فَإِنْ أَبَى) رَبُّ الْأَغْصَانِ إزَالَتَهَا (لَمْ يُجْبَرْ) لِأَنَّهُ أَيْ حُصُولَهَا فِي هَوَائِهِ (لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَيَضْمَنُ رَبُّهَا) أَيْ الْأَغْصَانِ (مَا تَلِفَ بِهَا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ) قَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ.
وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ عَدَمَ الضَّمَانِ وَنُقِلَ الضَّمَانُ عَنْ الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرَحَ ابْنُ رَزِينٍ وَنَقَلَ فِي الْمُبْدِعِ عَنْ الشَّرْحِ أَنَّهُ قَدَّمَ عَدَمَ الضَّمَانِ قُلْتُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَهُوَ قِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الْغَصْبِ فِيمَنْ مَالَ حَائِطُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، بَلْ جَعَلَ فِي الْمُغْنِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةً عَلَى تِلْكَ (وَلِمَنْ حَصَلَتْ) الْأَغْصَانُ (فِي هَوَائِهِ إزَالَتُهَا) إذَا أَبَى مَالِكُهَا (بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ إخْلَاءُ مِلْكِهِ الْوَاجِبِ إخْلَاؤُهُ (فَإِنْ أَمْكَنَهُ) أَيْ رَبَّ الْهَوَاءِ (إزَالَتُهَا) أَيْ الْأَغْصَانِ (بِلَا إتْلَافٍ) لَهَا (وَلَا قَطْعٍ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ

وَلَا غَرَامَةٍ مِثْلَ أَنْ يَلْوِيَهَا وَنَحْوَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ إتْلَافُهَا) كَالْبَهِيمَةِ الصَّائِلَةِ إذَا انْدَفَعَتْ بِدُونِ الْقَتْلِ.
(فَإِنْ أَتْلَفَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَرِمَهَا) لِتَعَدِّيهِ بِهِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إزَالَتُهَا إلَّا بِقَطْعٍ وَنَحْوِهِ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) كَالصَّائِلِ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقَتْلِ (وَإِنْ صَالَحَ رَبُّ الْأَغْصَانِ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ بَقَاءِ الْأَغْصَانِ بِهَوَائِهِ (بِعِوَضٍ لَمْ يَصِحَّ) الصُّلْحُ (رَطْبًا كَانَ الْغُصْنُ أَوْ يَابِسًا) لِأَنَّ الرَّطْبَ يَزِيدُ وَيَتَغَيَّرُ وَالْيَابِسَ يَنْقُصُ وَرُبَّمَا ذَهَبَ بِالْكُلِّيَّةِ.
(وَفِي الْمُغْنِي: اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا صِحَّتُهُ) أَيْ الصُّلْحِ مُطْلَقًا (وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ عَقِيلٍ وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ لِكَثْرَتِهَا فِي الْأَمْلَاكِ الْمُتَجَاوِرَةِ وَفِي الْقَلْعِ إتْلَافٌ وَضَرَرٌ وَالزِّيَادَةُ الْمُتَجَدِّدَةُ يُعْفَى عَنْهَا كَالسِّمَنِ الْحَادِثِ فِي الْمُسْتَأْجَرِ لِلرُّكُوبِ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: دَعْنِي أُجْرِي فِي أَرْضِك مَاءً وَلَك أَنْ تَسْقِيَ بِهِ مَا شِئْت، وَتَشْرَبَ مِنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.

(وَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ رَبُّ الْهَوَاءِ وَالْأَغْصَانِ (عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ) أَيْ ثَمَرَةَ الْأَغْصَانِ الْحَاصِلَةِ بِهَوَاءِ الْجَارِ (لَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ الْهَوَاءِ (أَوْ) أَنَّ الثَّمَرَ (بَيْنَهُمَا؛ جَازَ) الصُّلْحُ، لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْ الْقَطْعِ.
(وَلَمْ يَلْزَمْ) الصُّلْحُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا إبْطَالُهُ مَتَى شَاءَ، لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ إبَاحَةٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَصِحَّةُ الصُّلْحِ هُنَا مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ وَهُوَ الثَّمَرَةُ خِلَافُ الْقِيَاسِ لِخَبَرِ مَكْحُولٍ يَرْفَعُهُ «أَيُّمَا شَجَرَةٍ ظَلَّلَتْ عَلَى قَوْمٍ، فَهُمْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ قَطْعِ مَا ظَلَّلَ أَوْ أَكْلِ ثَمَرِهَا» . (وَفِي الْمُبْهِجِ فِي الْأَطْعِمَةِ: ثَمَرَةُ غُصْنٍ فِي هَوَاءِ طَرِيقٍ عَامٍّ لِلْمُسْلِمِينَ) وَمَعْنَاهُ أَيْضًا لِابْنِ الْقَيِّمِ فِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ لِأَنَّ إبْقَاءَهُ إذَنْ عُرْفًا فِي تَنَاوُلِ مَا سَقَطَ مِنْهُ.

(وَإِنْ امْتَدَّ مِنْ عُرُوقِ شَجَرِهِ إلَى أَرْضِ جَارِهِ) وَلَوْ مُشْتَرَكَةً (فَأَثَّرَتْ) الْعُرُوقُ (ضَرَرًا كَتَأْثِيرِهِ) أَيْ الْمُمْتَدِّ (فِي الْمَصَانِعِ وَطَيِّ) أَيْ بِنَاءِ (الْآبَارِ، وَأَسَاسِ الْحِيطَانِ، أَوْ) كَتَأْثِيرِهِ فِي (مَنْعِهَا) أَيْ الْأَرْضِ الَّتِي امْتَدَّتْ إلَيْهَا الْعُرُوقُ (مِنْ نَبَاتِ شَجَرٍ أَوْ) نَبَاتِ (زَرْعٍ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ) الْمُمْتَدُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (فَالْحُكْمُ فِي قَطْعِهِ) أَيْ إزَالَتِهِ.
(وَ) فِي (الصُّلْحُ عَنْهُ كَالْحُكْمِ فِي الْأَغْصَانِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ (إلَّا أَنَّ الْعُرُوقَ لَا ثَمَرَ لَهَا) بِخِلَافِ الْأَغْصَانِ.

(فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ مَا يَنْبُتُ مِنْ عُرُوقِهَا لِصَاحِبِ الْأَرْضِ) كُلَّهُ (أَوْ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْهُ فَكَالصُّلْحِ عَلَى الثَّمَرَةِ) فَيَصِحُّ جَائِزًا لَازِمًا، قِيَاسًا عَلَى الثَّمَرَةِ (فَإِنْ) وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى ذَلِكَ وَ (مَضَتْ مُدَّةٌ ثُمَّ أَبَى صَاحِبُ الشَّجَرَةِ دَفْعَ نَبَاتِهَا) أَوْ ثَمَرَتِهَا (إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ

فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ) لِبَقَائِهَا تِلْكَ الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالتَّبْقِيَةِ إلَّا عَلَى عِوَضٍ وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ (وَصُلْحُ مَنْ مَالَ حَائِطُهُ) إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ (أَوْ) مَنْ (زَلَقَ خَشَبَهُ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ كَ) صُلْحِ رَبِّ (غُصْنٍ) مَعَ رَبِّ الْهَوَاءِ فَلَا يَصِحُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

(وَلَا يَجُوزُ) لِأَحَدٍ (أَنْ يُخْرِجَ إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا، وَهُوَ الرَّوْشَنُ) عَلَى أَطْرَافِ خَشَبٍ مَدْفُونَةٍ فِي الْحَائِطِ.
(وَلَا) أَنْ يُخْرِجَ (ظُلَّةً) أَيْ بِنَاءً يُسْتَظَلُّ بِهِ مِنْ نَحْوِ حَرٍّ (وَلَا) أَنْ يُخْرِجَ (سَابَاطًا وَهُوَ سَقِيفَةٌ بَيْنَ حَائِطَيْنِ تَحْتَهَا طَرِيقٌ وَلَا) أَنْ يُخْرِجَ (دُكَّانًا) بِضَمِّ الدَّالِ.
(وَهُوَ الدَّكَّةُ) بِفَتْحِ الدَّالِ (الْمَبْنِيَّةُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهَا وَلَا) أَنْ يُخْرِجَ (مِيزَابًا) لِأَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَغَيْرِ النَّافِذِ، وَسَوَاءٌ ضَرَّ بِالْمَارَّةِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ حَالًا فَقَدْ يَضُرَّ مَآلًا (إلَّا بِإِذْنِ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ) أَيْ فِي الْمِيزَابِ وَالْجَنَاحِ وَالسَّابَاطِ (ضَرَرٌ) فَتَجُوزُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذْنُهُ كَإِذْنِهِمْ وَلِمَا رَوَى أَحْمَدُ.
: «أَنَّ عُمَرَ اجْتَازَ عَلَى دَارِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَقَدْ نَصَبَ مِيزَابًا إلَى الطَّرِيقِ فَقَلَعَهُ، فَقَالَ: تَقْلَعُهُ وَقَدْ نَصَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا تَنْصِبُهُ إلَّا عَلَى ظَهْرِي فَانْحَنَى حَتَّى صَعِدَ عَلَى ظَهْرِهِ فَنَصَبَهُ» وَلِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ (وَانْتِفَاءُ الضَّرَرِ فِي السَّابَاطِ) وَالْجَنَاحِ وَالْمِيزَابِ (بِحَيْثُ يُمْكِنُ عُبُورُ مَحْمَلٍ وَنَحْوِهِ تَحْتَهُ) أَيْ السَّابَاطِ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَالسَّابَاطُ الَّذِي يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ مِثْلَ أَنْ يَحْتَاجُ الرَّاكِبُ أَنْ يَحْنِيَ رَأْسَهُ إذَا مَرَّ هُنَاكَ) أَيْ تَحْتَهُ.
(وَإِنْ غَفَلَ) الرَّاكِبُ (عَنْ نَفْسه رَمَى) السَّابَاطُ (عِمَامَتَهُ أَوْ شَجَّ) السَّابَاطُ (رَأْسَهُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَمُرَّ هُنَاكَ) أَيْ تَحْتَهُ (جَمَلٌ عَالٍ إلَّا كَسَرَ) السَّابَاطُ (قَتَبَهُ وَالْجَمَلُ الْمُحَمَّلُ لَا يَمُرُّ هُنَاكَ) أَيْ تَحْتَهُ (فَمِثْلُ هَذَا السَّابَاطِ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَارَّةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ) أَيْ السَّابَاطِ (إزَالَتُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ إلْزَامُهُ بِإِزَالَتِهِ، حَتَّى يَزُولَ الضَّرَرَ وَلَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مُنْخَفِضًا) وَقْتَ وَضْعِ السَّابَاطِ بِحَيْثُ لَا ضَرَرَ فِيهِ إذْ ذَاكَ.
(ثُمَّ ارْتَفَعَ) الطَّرِيقُ (عَلَى طُولِ الزَّمَانِ وَجَبَ) عَلَى رَبِّهِ (إزَالَتُهُ) دَفْعًا لِضَرَرِهِ (إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ) مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ.
(وَقَالَ) الشَّيْخُ (وَمَنْ كَانَتْ لَهُ سَاحَةٌ يُلْقَى فِيهَا التُّرَابُ وَالْحَيَوَانُ) الْمَيِّتُ (وَتَضَرَّرَ الْجِيرَانُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ يَدْفَعَ ضَرَرَ الْجِيرَانِ إمَّا بِعِمَارَتِهَا أَوْ بِإِعْطَائِهَا مَنْ يُعَمِّرُهَا أَوْ) بِأَنْ (يَمْنَعَ أَنْ يُلْقَى فِيهَا مَا يَضُرُّ بِالْجِيرَانِ وَقَالَ) الشَّيْخُ (لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ

أَنْ يُخْرِجَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مِنْ أَجْزَاءِ الْبِنَاءِ حَتَّى إنَّهُ يُنْهَى عَنْ تَجْصِيصِ الْحَائِطِ، إلَّا أَنْ يُدْخِلَ) رَبُّ الْحَائِطِ بِهِ (فِي حَدِّهِ بِقَدْرِ غِلَظِ الْجَصِّ انْتَهَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ أَحَدٌ فِي الطَّرِيقِ دُكَّانًا وَلَوْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا) . لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ بِإِذْنِ إمَامٍ) أَوْ نَائِبِهِ، بِخِلَافِ الْجَنَاحِ وَالسَّابَاطِ وَالْمِيزَابِ لِأَنَّهُ تَضْيِيقٌ فِيهَا لِأَنَّهَا فِي الْعُلْوِ، بِخِلَافِ الدُّكَّانِ (وَلَا أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ) أَيْ بِنَاءُ دُكَّانٍ أَوْ إخْرَاجُ جَنَاحٍ أَوْ سَابَاطٍ أَوْ مِيزَابٍ (فِي مِلْكِ إنْسَانٍ وَلَا هَوَائِهِ وَلَا) فِي (دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ) لِأَنَّ الْمَنْعَ لَحِقَهُمْ فَإِذَا رَضُوا بِإِسْقَاطِهِ جَازَ وَأَمَّا الطَّرِيقُ النَّافِذُ فَالْحَقُّ فِيهِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْإِذْنُ مِنْ جَمِيعِهِمْ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ.
(وَيَضْمَنُ) مَنْ بَنَى دُكَّانًا أَوْ أَخْرَجَ جَنَاحًا أَوْ سَابَاطًا أَوْ مِيزَابًا لَا يَجُوزُ لَهُ (مَا تَلِفَ بِهِ) مِنْ نَفْسٍ أَوْ طَرْفٍ أَوْ مَالٍ لِتَعَدِّيهِ بِهِ.
(وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ ضَمَانِهِ) أَيْ ضَمَانِ مَا يُتْلَفُ بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ مِنْ الدُّكَّانِ وَالْجَنَاحِ وَنَحْوِهِ (بِتَآكُلِ أَصْلِهِ) وَفِيهِ وَجْهٌ يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الضَّمَانِ (فَإِنْ صَالَحَ) رَبُّ الْمِيزَابِ وَالدُّكَّانِ وَنَحْوِهِمَا مَالِكَ الْأَرْضِ أَوْ الْهَوَاءِ أَوْ أَهْلَ الدَّرْبِ غَيْرِ النَّافِذِ (عَنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (بِعِوَضٍ صَحَّ) الصُّلْحُ.
(وَلَوْ فِي الْجَنَاحِ وَالسَّابَاطِ) لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَصِحّ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالْقَرَارِ كَمَا سَبَقَ (بِشَرْطِ كَوْنِ مَا يُخْرِجُهُ) مِنْ جَنَاحٍ أَوْ سَابَاطٍ أَوْ مِيزَابٍ أَوْ دُكَّانٍ (مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ فِي الْخُرُوجِ وَالْعُلْوِ) دَفْعًا لِلْجَهَالَةِ.

(وَلَا يَجُوزُ) لِأَحَدٍ (أَنْ يَحْفِرَ فِي الطَّرِيقِ النَّافِذِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ، سَوَاءٌ جَعَلَهَا لِمَاءِ الْمَطَرِ أَوْ اُسْتُخْرِجَ مِنْهَا مَاءٌ) عَدَا (يُنْتَفَعُ بِهِ) وَلَوْ بِلَا ضَرَرٍ لِأَنَّ الطَّرِيقَ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ فِيهَا شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، وَإِذْنُهُمْ كُلُّهُمْ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ (وَإِنْ أَرَادَ حَفْرَهَا) أَيْ الْبِئْرِ (لِلْمُسْلِمِينَ لِ) أَجْلِ (نَفْعِهِمْ) مِثْلَ أَنْ يَحْفِرَهَا لِسَقْيِ النَّاسِ وَالْمَارَّةِ مِنْ مَائِهَا أَوْ لِيَنْزِلَ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ عَنْ الطَّرِيقِ (فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ) مُنِعَ لِلضَّرَرِ (أَوْ كَانَتْ) الطَّرِيقُ وَاسِعَةٌ وَأَرَادَ حَفْرَهَا (فِي مَمَرِّ النَّاسِ بِحَيْثُ يُخَافُ سُقُوطُ إنْسَانٍ فِيهَا، أَوْ) يُخَافُ سُقُوطُ (دَابَّةٍ) فِيهَا (أَوْ) بِحَيْثُ (يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ مَمَرَّهُمْ لَمْ يَجُزْ) لَهُ حَفْرُهَا لِأَنَّ ضَرَرَهَا أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهَا وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ (وَإِنْ حَفَرَهَا) أَيْ الْبِئْرَ لِلْمُسْلِمِينَ (فِي زَاوِيَةٍ مِنْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ وَجَعَلَ عَلَيْهَا مَا يَمْنَعُ الْوُقُوعَ فِيهَا) جَازَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ بِلَا مَفْسَدَةٍ (كَتَمْهِيدِهَا) أَيْ الطَّرِيقِ (وَبِنَاءِ رَصِيفٍ فِيهَا) يَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ لِنَحْوِ مَطَرٍ وَكَذَا بِنَاءُ مَسْجِدٍ فِيهَا وَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ.

(وَ) حَفْرُ الْبِئْرِ (فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ لَا يَجُوزُ إلَّا

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل